وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكتاب النِّكاحِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)  (1)

قوله «كِتابُ النِّكاحِ»:

النكاح في اللغة: يطلق على العقد ويطلق على الجماع، يقال: نكح فلان فلانة؛ أي عقد عليها، ويقال: نكح فلان زوجته؛ أي جامعها.
قال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها فقال «فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، أو أخته، أرادوا تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد» (1). وفِي الاصطلاح: عقد يفيد ملك المتعة بالأنثى قصدًا، أَي يفيد حِل استمتاع الرجل من امْرأَة لم يَمنع مِنْ نكاحها مانع شَرعِي.
فوجود العقد يُحِل للزوج أن يتحدث مع زوجته، وأن يستمتع بها، ولكن لابد أن يكون على وجه مشروع، فلا يطأ في الحيض، ولا في موطن قضاء الحاجة.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء فِي حقِيقة النكاحِ على ثلاثة أقوال:

الأَوَّل: أَن النكاح حقِيقة فِي الوطءِ مجاز فِي العَقد.1

الجزء: 6 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثَّانِي: أَنه حقِيقة فِي العقدِ مجاز في الوطءِ.
الثَّالِثُ: أَنه حقيقة فِي كل من العقد والوطء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والنكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل منهم» 2. ما يترتب على الاختلاف فِي حقيقة النكاح: يترتب على اختلاف الفقهاء فِي حقيقة النكاح اختلاف الحكم فِي بعض المسائِل الفقهِية فمن ذلك: 1 - أن من زنى بِامرأَةٍ حرُمت على أُصُوله وَفروعِه عند من قال بأَن النكاح حقِيقة فِي الوطءِ مجاز فِي العَقد، ومن قال بأَنه حقِيقة فِي العقدِ مجاز في الوطءِ فإِن الزنا لا يثبت المصاهرة، فلمن زنى بامرأَة أَن يتزوج بفروعِها وأصولِها، ولِأَبيه وابنهِ أَن يتزوجها؛ لِأَن النكاح حيث أُطلِقَ حُمِل على العقدِ إِلاَّ بقرينة.
2 - ومما يترتبُ على اختلاف الفقهاء فِي حقيقة النكاح أيضاً: أَن من حلف لا ينكح، ومن علّق الطلاق على النكاح فإِن الحنث ووقوع الطلاقِ بالْوطء عند من يقول إِنَّ النكاح حقيقة فيه، وبالعقد عند من يرى أَن النكاح حقيقة فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  - الفائدة الثانية: ذكر المؤلف كتاب النكاح عقب العبادات الأربع، أركان الدين: «الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج»: لأنه بالنسبة إليها كالبسيط إلى المركب، لأنه عبادة من وجه، معاملة من وجه.
وذكره أيضاً بعد كتاب البيوع - أي عقود المعاوضات المالية - لأن النكاح لابد فيه من مال؛ لأن فيه مهراً ونفقة وغير ذلك، لكن ليس معاوضة، ومتى وجدت المعاوضة في عقد النكاح حَرُمَ؛ ولهذا حَرُمَ عقد الشراء حينما جعل الولي المرأة بمنزلة السلعة فعاوض عليها؛ لأجل بِضعها.
ومن أوجه مناسبة ذكر كتاب النكاح بعد البيوع أن المرء إذا عبد ربه وجمع ماله فإن النكاح لا يتم في الغالب إلا بجمع المال.
فناسب تقديم كتاب البيع وتوابعه ثم بعد ذلك عقد كتاب النكاح وفروقه.
والمقصود بفروق النكاح: الطلاق، والخُلُعُ، واللعان، وغير ذلك مما سنذكره إن شاء الله قريبًا.

الفائدة الثالثة: الأصل في مشروعية النكاح

: النكاح شُرِع من عهد آدم عليه السلام، واستمرت مشروعيته، بل هو مستمر في الجنَّة هو والإيمان كما قال ذلك بعض أهل العلم، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإِجماع.
فمن أدلة الكتاب: قول اللَّه عز وجل: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ =

الجزء: 6 - الصفحة: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =النِّسَاءِ} (1)، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ .. ﴾ (2). ومن السنة: قول النبِي -صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (3). قال ابن قدامةَ: «أَجمع المسلمون على أَن النكاح مشروع» (4).

الفائدة الرابعة: تنطبق على النكاح الأحكام الخمسة

:

  • فهو مباح: لمن لا شهوة له كالمريض والعنين والكبير.
  • وهو سنة: لمن له شهوة ولا يخاف الزنا.
  • ومكروه: قد يكون مكروهاً لمن كان غنياً أو كبيراً لا شهوة له لأنه يفوت على المرأة الغرض الصحيح من النكاح، وكذا يكره لفقير لا شهوة له إذ لا حاجة له، ثم إنه سيتحمل أعباء قد يعجز عنها من غير حاجة.
  • واجب: على من يخاف الزنا، وكذلك يجب بالنذر.
    قال شيخ الإسلام -رحمه الله-، وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخاف العنت بتركه قدمه على الحج الواجب 7.
  • ومحرم: إذا كان بدار حرب إلا لضرورة فيباح لغير أسير شريطة ألا =3456

الجزء: 6 - الصفحة: 8

النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ (1)،  =يكون من الجيش.

  • الفائدة الخامسة: ينبغي لمن يتزوج ألا يقصد قضاء الشهوة فقط بل ينوي تكثير نسل المسلمين لقوله -صلى الله عليه وسلم- «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1). كما ينوي تحصين فرجه وفرج زوجته، وغض بصره وبصرها، وبعد ذلك يأتي قضاء الشهوة.

(1)

قوله «النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ»:

أي ليس من سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- فحسب بل هو مشروع في سنن الأنبياء من قبل.
دليل ذلك قول الله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ 9، فكل نبي من أنبياء الله تعالى جاء به، بل وقد تطلبه؛ وما تطلبه ذلك إلا بناءً على طبيعة البشر، وأمر الله سبحانه وتعالى ذلك.
وما جاء في قول الله تعالى: ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ 10 في ذكره سبحانه وتعالى ليحيى عليه السلام، فمعنى الحصور ليس كما فهمه البعض بالذي لا يأتي النساء، ولكن الحصور الممتنع عن ارتكاب الفواحش.
=8

الجزء: 6 - الصفحة: 9

وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ (1)،  =ثم إنه لو فرض أن يحيى حصور بأنه لا يأتي النساء فنقول بأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا إذا خالف شرعنا.
ومما يدل على أن أيضاً على أن النكاح من سنن المرسلين ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: «جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ، وَلا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (1).

(1)

قوله «وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ»:

الأصل في النكاح أنه سنة، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ 12 الآية، ولم يكن واجبًا؛ لأن الله لم يكن ليوجب على العباد شيئًا ويجعله تحت إرادتهم، فقال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾، ولو كان واجبًا لما قيل ما طاب لكم فجعله تحت إرادة الإنسان.=11

الجزء: 6 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ومن الأدلة أيضاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي»، لكن قد يكون واجباً، وقد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً كما مرّ سابقاً.
ومما جاء عن السلف في ذلك: عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: «مَا يَمْنَعُكَ عَنِ النِّكَاحِ إِلاَّ عَجْزٌ أَوْ فُجُور» 13، وقال ابن مسعود: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْلِي إِلاَّ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، لِي فِيهِنَّ طَوْلُ النِّكَاحِ، لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَة» 14. فالحاصل أن النكاح أفضل من الإعراض عنه وذلك لما يترتب عليه من المصالح العظيمة: منها تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بمصالحها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فلا ينبغي للإنسان أن يؤخر النكاح لأجل أمور دنيوية كدراسة ونحو ذلك، خاصة أنه ربما لا يصبر على الحرام والعياذ بالله، فيجب عليه حينئذٍ أن يتزوج، وأن يُتطلب لذلك، فإن لم يستطع الزواج فقد أُمر بتخفيف ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ - يعني الزواج - أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
والوجاء تعرفه العرب بلغتها، يقولون: هو رض الخصيتين حتى لا يشتهي النساء، هكذا قال علماء اللغة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- =

الجزء: 6 - الصفحة: 11

لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ (1)،  = أشار إلى أن الصيام ربما يخفف شيئًا من جماح الشهوة كما سيأتي إن شاء الله قريباً.

(1)

قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ»

(1): قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ»، ساق المؤلف هنا الأدلة على أن النكاح أفضل من التخلي عنه لنفل العبادة لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رد على عثمان بن مظعون التبتّل.
و

معنى التبتل

: القطع والإبانة، والمراد هنا الانقطاع عن النساء للعبادة، فلما أراد عثمان بن مظعون من شدة رغبته في الإقبال على العبادة أن يتفرغ لها ويهجر ملاذَ الحياة، استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن ينقطع عن النساء ويقبل على طاعة الله تعالى فلم يأذن له، لأن ترك ملاذ الحياة والانقطاع للعبادة من الغُلو في الدين والرهبانية المذمومة، وإنما الدين الصحيح هو القيام بما لله من العبادة مع إعطاء النفس حظها من الطيبات، ولذا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو أذن لعثمان لاتبعه كثير من المُجدّين في العبادة.

  • فائدة: قال في حاشية الصنعاني على شرح العمدة ما يلي: «أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك، فصار يشتهي ألا يتناول وللنفس في هذا مكر خفي ورياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت إلى خير، ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا=15

الجزء: 6 - الصفحة: 12

وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»

16،  =أصحابه من إظهار التخشع الزائد عن الحد، وتخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من ثمراتها تقبيل اليد والتوقير، وأكثر في خلوته على غير حالته في جلوته، يتناول في خلوته الشهوات، ويعكف على اللذات، ويري الناس أنه متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظرت إلى أحواله فعنده كبر فرعون» (1) (1) قوله «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» 17: معشر الشباب: المعشر، هم الطائفة الذين يشملهم وصف.
الباءة: اشتقت للنكاح من المباءة وهى المنزل للملازمة بينهما، لأن من تزوج امرأة بَوّأها منزلاً، وهي في لغة العرب تطلق على معنيين: المعنى الأول: الجماع.
المعنى الثاني: مؤن النكاح.
قال بعض أهل العلم: إن الباءة المراد بها في الحديث هي مؤن النكاح وقالوا: لأنه لو أريد بالباءة في الحديث الجماع لما قيل من لم يستطع فعليه بالصوم؛ لأنه إذا كان لا يستطيع الجماع فكيف يصوم؟ إذ المقصود =

الجزء: 6 - الصفحة: 13

وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا (1)،  =بالصوم هو تخفيف الشهوة؛ هكذا قال أهل العلم.
قلت: وهذا القول قول قوي، فإن الجماع يدخل على سبيل الإلزام والتبعية، لأنه حينما أُمر إذا كان عنده مؤن النكاح ولو لم يكن له شهوة لما أُمر بالزواج؛ لأنه يضر بالمتزوج بها؛ لأنه لا يعفها، فدخل الأمران في هذا الحديث.
وقوله «فعليه بالصوم»: ليدفع شهوته، ويقطع شر منيّه، كما يقطعه الوجاء.
والوِجاء: بكسر الواو، والمد: هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع، ومن هنا تكون بينهما المشابهة.

(1)

قوله «وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا»:

أي من أراد أن يخطب فله أن ينظر إلى ما يظهر غالباً ممن يريد خطبتها، فيباح له أن ينظر إلى ما يدعو إلى نكاحها.
والذي يظهر عادةً في بيتها هو شعرها، ووجهها، وأول صدرها، ونحرها، ويديها إلى وسط عضدها، وأول ساقيها، هذا الذي يظهر عادة مع محارمها.
ودليل هذا: ما جاء عن أبى هريرة قال كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَنَظَرْتَ =

الجزء: 6 - الصفحة: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =إِلَيْهَا».قَالَ لا.
قَالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِى أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا» 18. وعن أنس بن مالك أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» 19: أي أن تدوم المودة بينكما.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ».
قَالَ فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِى إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا 20. فهذه الأحاديث تدل على أن له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، والمصرح به عند الحنابلة 21 هو جواز النظر إلى المخطوبة.
والراجح: أنه يستحب له أن ينظر منها إلى ما يظهر منها غالباً من الوجه، واليدين، والرقبة، والشعر، والقدمين، ونحو ذلك مما يدعوه إلى نكاحها، وينظر إليها بإذن وليها أو بغيره، بعلمه أو بغير علمه، وكذلك هي بإذنها أو بغير إذنها، بعلمها أو بغير علمها وذلك لإطلاق الحديث، فلو نظر=

الجزء: 6 - الصفحة: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =إليها على غفلة منها أو من وليها فإن ذلك جائز، لكن لا يجوز له أن يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه إجابتهم إلى نكاحها وإلا فلا يجوز له ذلك.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: لا يجوز تبادل الصور بين الخاطب والمخطوبة

: وكم حصل من الفساد العريض بين الرجل وبين مخطوبته لأجل ذلك، فربما تطمئن المرأة وترسل صورتها للخاطب ثم يحصل الاختلاف، وربما يحصل للخاطب أن ينتقم، وربما يكون ضعيف النفس، ضعيف الوازع الديني، وينشرها في وسائل الإعلام، فلا ينبغي أن يحصل هذا، فإذا أراد أن ينكحها يأتي من الأبواب الشرعية وهي النظر لمن يريد خطبتها مع حضور أحد محارمها.

  • الفائدة الثانية: يجوز للمرأة أن تتجمل للخاطب: ولكن هذا التجمل الذي تتجمل به المرأة غالباً هو ما تتجمل المرأة به غالبًا أمام محارمها وأمام نسائها مثل أن تسرح الشعر وتكتحل وتلبس أجمل ملابسها هذا هو التجمل الطبيعي، أما أن تصفر وتحمر بحيث تغرُّ الزوج فهذا لا ينبغي أن يكون، فليس المقصود بالتجمل أن تبالغ المرأة بحيث ربما يخرجها ذلك عن طبيعتها المعتادة.
    ودليل التجمل: هو ما جاء عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية «أنها كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا=

الجزء: 6 - الصفحة: 16

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا مَا لِى أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ فَلَمَّا قَالَ لِى ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِى» (1).

الفائدة الثالثة: لا يجوز للخاطب أن يخلو بمخطوبته

: وهذا يوجد كثيراً، وقد كثرت الأسئلة عن هذا الأمر في أن الخاطب إذا خطب ربما يخلو بها، بل بعضهم يذهبون إلى المطاعم العائلية ويتعشون جميعًا أو يتغدون جميعًا، وهذا محرم فلا يجوز إلا بعقد، فإن عقد على زوجته فإن له أن يذهب بها وأن يمسَّها وغير ذلك، لكن قبل العقد لا يجوز أن يتحدث معها.
وأما ما نسمعه وتسمعونه من أنه لابد أن يكون هناك وئام وحب قبل العقد فهذا كله من ألاعيب الشيطان، ومن المدنِيَّة التي لم ننتفع منها إلا بمثل ذلك، والمدنية الحقة: أن ننتفع بالعلم وليس ثقافات الغرب.22

الجزء: 6 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =دليل ذلك عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم» (1). والمرأة المخطوبة ما زالت أجنبية، لا يجوز أن يتحدث الإنسان معها ولا يجوز أن يصافحها، ولا أن يقوم بإلباس المخطوبة الشبكة، فهذا حرام؛ لأنه لم يعقد عليها بعد، فإذا نظر إليها المرة الأولى فلا يجوز له أن ينظر أكثر من هذا إذا رغب فيها ولا يجوز أن يمسها.

الفائدة الرابعة: شروط جواز النظر إلى المرأة ستة

: الأول: أن يكون بلا خلوة.
الثاني: أن يكون بلا شهوة، فإن نظر لشهوة فإنه يحرم؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.
الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة.
الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالباً.
الخامس: أن يكون عازماً على الخطبة، أي: أن يكون نظره نتيجة لعزمه على أن يتقدم لهؤلاء بخطبة ابنتهم، أما إذا كان يريد أن يجول في النساء، فهذا لا يجوز.
السادس: - وتخاطب به المرأة - ألا تظهر متبرجة أو متطيبة، أو ما أشبه ذلك من التجميل الذي فيه نوع غرر؛ لأنه ليس المقصود أن يرغب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، فإن هذا تفعله المرأة مع زوجها =23

الجزء: 6 - الصفحة: 18

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = حتى تدعوه إلى الجماع، ولأن في هذا فتنة، والأصل أنه حرام؛ لأنها أجنبية منه، ثم في ظهورها هكذا مفسدة عليها لأنه إن تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عهده رغب عنها، وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يبهي من لا تحل للإنسان أكثر مما يبهي زوجته، ولهذا تجد بعض الناس - والعياذ بالله - عنده امرأة من أجمل النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يبهيها بعينه حيث إنها لا تحل له، فإذا اجتمع أن الشيطان يبهيها، وهي - أيضاً - تتبهى وتزيد من جمالها، وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها، فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.
السابع: أن يغلب على ظنه الإجابة؛ فإن قيل: كيف يغلب على ظنه الإجابة؟ فالجواب: الله - سبحانه وتعالى - جعل الناس طبقات، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ 24. فلو تقدم أحد الكنَّاسين إلى بنت وزير، فالغالب عدم إجابته، وكذلك إنسان كبير السن زمِن، أصم، يتقدم إلى بنت شابة جميلة، فهذا يغلب على ظنه عدم الإجابة 25.

الجزء: 6 - الصفحة: 19

وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ (1)،  (1)

قوله «وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ»:

أي لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه، وهذا قول عامة أهل العلم، ومعنى أن يخطب على خطبة أخيه؟ أن يعلم أن فلانًا خطب بنت فلان فيأتي إلى هذا الولي فيخطب المخطوبة وقد خطبت من أخيه المسلم فلا يجوز.
والحكمة في هذا: لما يحصل من العداوة والشحناء؛ دليل ذلك حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَلا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» 26. لكن يجوز للخاطب الثاني أن يخطب مخطوبة الخاطب الأول في أحوال: الحالة الأولى: أن يأذن الخاطب الأول، لأن هذا حق له، فإذا أذن فيه جاز له ذلك، والقاعدة في ذلك ما ترتب على المأذون فيه فلا شيء فيه وفي قولٍ أخر فلا ضمان عليه.
الحالة الثانية: أن يترك الخاطب الأول، فيقول: كنت خطبت بنت فلان أو فلانة بنت فلان والآن تركتها، فإذا ترك فلا بأس للخاطب الثاني أن يخطب.
الحالة الثالثة: يقول المؤلف: «ألا يُسكنَ إليها أو ألا يُسكنُ إليه»؛ يعني أي ما زالوا في التفاوض أو لم يقبلوا وما زالوا في طور البحث فلا حرج=

الجزء: 6 - الصفحة: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =للخاطب الثاني أن يخطب.
وهناك وجه آخر في هذه المسألة: أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب بعد وجود الخطبة من الخاطب الأول إلا أن يجيبوه ويردوا عليه بالنفي، أما إن كانوا في طور البحث فإن هذا من باب تلقي الركبان؛ وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تلقي الركبان، ونهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه كل ذلك لحِكمٍ المقصود بها إزالة العداوة والشحناء، ومعلوم أن الخاطب الأول لو علم أن الخاطب الثاني خطب وهو يعلم أنه متقدم لخطبتها لغضب لذلك ولحصل من العداوة والبغضاء ما الله به عليم، وهذا هو الراجح.
الحالة الرابعة: أن يجهل الحال، أي أن يجهل الخاطب الثاني الحال، فإن جهل الخاطب الثاني الحال فلا حرج أن يخطب، دليله ما ثبت في أن فاطمة بنت قيس خطبها معاوية بن أَبى سفيان وأَبو جهم بن حذيفة فاستشارت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ «انْكِحِي أُسَامَةَ».
فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ 27، وهذا يدل على أنه لا بأس للخاطب أن يخطب إذا كان يجهل حال وفعل الخاطب الأول.

الجزء: 6 - الصفحة: 21

وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ (1)،  (1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»:

الخِطبة بكسر الخاء مصدر خطب، يقال: خطب المرأَة خِطبةً وخَطبًا، واختطبها، إِذَا طَلَبَ أَنْ يتزوجها، واختطب القوم فلانًا إِذا دعوه إِلى تزويج صاحبتهم.
الفرق بين «الخِطبة»، و «الخُطبة»: أن الخُطبة: هي الكلمة التي يخطب بها الخطيب، مثل خُطبة الجمعة.
والخِطبة: بكسر الخاء هي طلب التزوج من المرأة، قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (1). وقوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»: التصريح معناه أن يقول ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: «أريد أن أتزوجك»، «أريد أن أنكحك»، «أريد أن أخطبك»، أو «زوجيني نفسك»، أو يقول للولي: «زوِّجني ابنتك»، أو ما أشبه ذلك، فهذا التصريح، وغير التصريح وهو الذي يسمى التعريض فسيأتي في كلام المؤلف بيانه.

وقول المؤلف: «لا يجوز التصريح في المعتدة»: يعني التي في عدة الغير، و

المعتدة تنقسم إلى قسمين: معتدة بائن، ومعتدة غير بائن

. أما المعتدة غير البائن: فهي المطلقة طلاقاً رجعياً، أي التي طلقها زوجها طلقتين وهي ما زالت في العدة، فلا يجوز في المعتدة الرجعية التعريض ولا التصريح بخطبتها لأنها ما زالت ذات زوج، فلا يجوز لأحدٍ أيًّا كان أن يتقدم لخطبتها.28

الجزء: 6 - الصفحة: 22

وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ (1)،  =أما المطلقة البائن: والمقصود المطلقة البائن التي لا تستطيع الرجوع إلى زوجها، وهي المتوفى عنها زوجها وهي في العدة، والتي طلقها زوجها ثلاث تطليقات، والتي فسخت من زوجها لأجل رضاع، إذا تزوجت أخاها من الرضاع ففسخ، وكذلك من لعان فيما لو لاعنت المرأة الزوج لا بأس أن تخطب تعريضًا إذا كان في عدة فسخ اللعان.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
فقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (1) مفهومه عليكم جناح إذا صرَّحتم.

(1)

قوله «وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ»:

أي يحرم التصريح دون التعريض فيباح في المرأة التي فارقها زوجها في الحياة فراقاً بائناً لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات؛ أو مطلقة على عوض، أو مفسوخة فسخاً لا طلاقاً، كأن تكون وجدت في زوجها عيباً ففسخت النكاح، أو وجد هو بها عيباً ففسخ النكاح كما سبق، فهذه هي البائن التي بانت من زوجها فلا رجعة له عليها، فلا يجوز أن يخطبها صريحاً، والدليل قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ=29

الجزء: 6 - الصفحة: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} (1)، فمنطوق الآية نفي الجناح بالتعريض، ومفهومها ثبوت الجناح في التصريح، والتعريض مثل أن يبدي لها الرغبة بالخطبة، مثل أن يقول لها: «والله إن امرأة مثلك غنيمة»، أو: «إذا انقضت العدة فأخبريني»، أو: «لا تفوتيني نفسك»، أو: «إني في مثلك لراغب»، أو: «أم العيال كبرت وأنا محتاج لزوجة»، أو ما أشبه ذلك، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس وهي في عدة زوجها الذي طلقها ثلاث تطليقات فبت طلاقها، قال: لا تفوتينا بنفسك، هذا يدل على أن التعريض غير التصريح.

فائدة: خطبة المعتدة لها ثلاث حالات

:

الأولى: تحرم تصريحاً وتعريضاً.

الثانية: تجوز تصريحاً وتعريضاً.

الثالثة: تجوز تعريضاً لا تصريحاً.

تحرم تصريحاً وتعريضاً خطبة الرجعية من غير زوجها؛ لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يخطب زوجة غيره لا تصريحاً ولا تعريضاً، ومثلها المبانة بثلاث من زوجها.
وتباح الخطبة تصريحاً وتعريضاً لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، بطلاق على عوض، أو فسخ.
ويحرم التصريح دون التعريض في خطبة المبانة من غير الزوج، والمعتدة=30

الجزء: 6 - الصفحة: 24

وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ (1)،  =من الوفاة.
وهل يجوز التصريح أو التعريض في خطبة المحرمة بحج أو عمرة؟ نقول: لا يجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز عقد النكاح عليها.
إذاً القاعدة: «كل من لا يجوز العقد عليها فإنه تحرم خطبتها تصريحاً»، أما تعريضاً ففيه تفصيل (1).

(1)

قوله «وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ»:

شرع المؤلف في بيان أركان عقد النكاح، ولم يذكر من أركان النكاح إلا ركنًا واحدًا بقسميه وهما «الإيجاب والقبول»، وهما ركن واحد يسمى عند الفقهاء بالصيغة؛ والمؤلف لم يذكر إلا هذا الركن، ولم يذكر الركن الآخر وهما الزوجان الخاليان من الموانع كما ذكرهما غيره من الفقهاء؛ والمؤلف إنما ترك ذلك لوضوحه وظهوره لأنه لا يمكن أن يقول شخص تزوجت من غير زوج وزوجة، وقوله «إلا بإيجاب»: الإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه.
فيقول - ولي المرأة -، كالأب، والأخ، وما أشبه ذلك: «زَوَّجْتك ابنتي»، «زوجتك أختي»، وسمي إيجاباً لأنه أوجب به العقد.
والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج، أو من يقوم مقامه، والذي يقوم=31

الجزء: 6 - الصفحة: 25

فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ (1)،  =مقام الولي هو الوكيل، وهو الذي أذن له بالتصرف في حال الحياة، أو هو من يؤذن له بإبرام العقد سواء كان قبولا أو إيجابًا، مثل أن يقول: «وكلتك أن تزوج بنتي».

  • فائدة: يقول بعض الفقهاء لابد أن يتقدم الإيجاب على القبول: فإن تأخر فإنه لا يصح، والطريق إلى تصحيحه أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول المتقدم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب وأردفناه بالقبول صح، والقول الراجح: أنه إذا تقدم القبول على وجه يحصل به فإنه يصح.

(1)

قوله «فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ»:

هذه هي الألفاظ التي ينعقد بها النكاح.
اللفظ الأول: «أَنْكَحْتُكَ»، والثاني: «زوجتك».
فلو قال في الإيجاب: «ملكتك»، أو «خذ بنيتي»، أو «أعطيتك ابنتي»، أو غير ذلك من الألفاظ غير لفظي النكاح والتزويج فإنه لايصح النكاح.
وكذلك القبول: يجوز أن يقول: «قبلت»، أو يقول: «قبلت هذا النكاح»، أو «قبلت هذا الزواج»، ولكنه لو قال: «قبلت هذا العطاء»، فإنه لا يصح، وهذا هو مذهب الحنابلة 32، ومذهب الشافعية 33، قالوا لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح فلا ينعقد به.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ويستدلون أيضاً بأن لفظ الإنكاح والتزويج هما اللفظان الواردان في القرآن، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 34، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ 35، أما لفظ التزويج فقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ 36، هذا هو القول الأول.
القول الثاني في المسألة: أنه يجوز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية 37، والمالكية 38، وأحمد 39 في المنصوص عنه، بل قال أبو العباس بن تيمية 40: «لا أعلم نصًا لأحمد إلا بمثل هذا».
استدل أصحاب هذا القول بما يلي: الدليل الأول: أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، فلو قال الشخص: «وهبتك سيارتي بمائة ألف» صار بيعًا وليس هبة، فالعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني.

الجزء: 6 - الصفحة: 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدليل الثاني: أنه ورد في السنة ما يدل على عدم تخصيص هذين اللفظين، كما ثبت عند البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَأَىهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 41. فدل ذلك أن الزواج يجوز بغير لفظي النكاح والتزويج، وهو التمليك.
الدليل الثالث: ولأن تلك العقود كالنكاح وغيرها ليست ألفاظها =

الجزء: 6 - الصفحة: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = تعبدية لا يجوز إلا بها، ولو كانت تعبدية لورد الشرع باختصاصها وخصوصها، فلما لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء من ذلك فالمرجع في ذلك إلى اللغة والعرف.
وكل ما أتى في الشرع من غير تحديد، فالعرف واللغة هما اللذان يحددانه، وقد دلّ على أن العرب والعجم يتزوجون «سواءً كانوا أعاجم أو عرب» على سنة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويصح العقد.
ولو كان المقصود اللفظ لبينه الشارع بيانًا شاملاً، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ فالقاعدة أن جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفاً، سواء كانت باللفظ الوارد أو بغير اللفظ الوارد.
وسواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 42 كما سبق واختيار شيخنا -رحمه الله- 43. ولكن لابد أن تكون دلالة اللفظ العرفي دالة على المعنى الشرعي للنكاح، فلو قال: «آجرتك بنتي بألف ريال» فلا يصح؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقاً، لكن لو قال: «أجرتك بنتي على صداق قدره ألف ريال» هنا يصح العقد؛ لأن فيه ما يدل على أن المراد بالأجرة هنا النكاح، وقد سمى الله تعالى المهر أجرة فقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 44.

الجزء: 6 - الصفحة: 29

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخِطْبَةِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ - رضي الله عنه - الَّتِيْ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّشَهُّدَ فِيْ الْحَاجَةِ: إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ (1) ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: 102)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1)، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (الأحزاب: 7071} (1)،  (1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخِطْبَةِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ -رضي الله عنه- الَّتِيْ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّشَهُّدَ فِيْ الْحَاجَةِ: إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا ............. »: هذه هي خطبة الحاجة التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمها أصحابه كما يعلمهم التشهد في الصلاة، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفتتح خُطَبه بها، وكان السلف الصالح يقدمونها بين يدي دروسهم، وكتبهم، ومختلف شئونهم تأسيًّا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وهذه الخطبة يرويها أهل العلم غالباً في كتاب النكاح لتأكيد سنيتها في خطبة النكاح.
وهذه الخطبة على وجازة ألفاظها وقلة كلماتها فقد تضمنت معاني عظيمة، وكلمات جامعة فيها إظهار للعبودية والافتقار إلى الله عز وجل عند التأمل الدقيق فيها، ولها تأثيرها البالغ على النفوس إيماناً ومحبةً ورجاءً.

الجزء: 6 - الصفحة: 30

وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ (1)،  - فائدة: من المستحبات التي ذكرها بعض أهل العلم أنه يستحب أن يكون العقد مساء يوم الجمعة، لأن فيه دعوة مستجابة، فعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: «فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ» (1)، قالوا فيستحب أن يعقد بعد صلاة العصر مساء يوم الجمعة كي يوافق هذه الدعوة.
والصواب أن يقال: إن تخصيص يوم الجمعة جائز ولكنه ليس بمستحب، ولا يوصف بأنه بدعة كما يقول البعض لأن كل فعل فعله الصحابة رضي الله عنهم فلا يوصف بالبدعية، بل هو دليل على الجواز، أما الاستحباب فلابد فيه من دليل.
وقد جاء في بعض الروايات من حديث أبي أمامة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ، وَصَامَ يَوْمَهُ، وَعَادَ مَرِيضًا، وَشَهِدَ جَنَازَةً، وَشَهِدَ نِكَاحًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (2)؛ ولكن هذا الحديث ضعيف فيه محمد بن حفص وهو ضعيف كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم.

(1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ»:

ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يستحب إعلان النكاح وإشاعته بين الناس، ومعنى إعلان النكاح هو إظهاره وإشهاره، إما بالأفراح وإما بالذكر والإعلان، بأن يقال: «فلان بن فلان=4546

الجزء: 6 - الصفحة: 31

وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ (1)،  =تزوج فلانة بنت فلان»، أو يكون هناك فرح ويعزم الناس ويجتمعون، فهذا نوع من الإعلان.
ودليل إعلان النكاح والضرب عليه بالدف ما جاء عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «فَصْلٌ مَا بَيْنَ الْحَلالِ، وَالْحَرَامِ الدُّفُّ، وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» (1). قال المناوي في فيض القدير في شرحه لهذا الحديث: «أعلنوا النكاح: أي أظهروه إظهاراً للسرور، وفرقاً بينه وبين غيره من المآدب، وهذا نهي عن نكاح السِّرِ ثم ذكر الخلاف في كيفيته ... ، إلى أن قال: والأقرب إلى ظاهر الخبر أن المراد بالإعلان إذاعته وإشاعته بين الناس وأن الأمر للندب» (2).

(1)

وقوله «وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ»:

الدَّف: بالفتح وبالضم، أي ويستحب كذلك الضرب بالدف للأحاديث التي وردت بشأنه، وما ذكره المؤلف يشتمل على أمرين: أولاً: أن الذي يسنُّ الضرب به هو الدُّف، وهو غير الطبل والطار، فالدف يجعل الرق والجلد على وجه واحد منه، وأما الطبل والطار فيكون فيه الرَّق من الوجهين جميعاً، ولهذا اشترط الفقهاء في الدف أن لا يكون فيه حلق ولا صنوج، وأخرجوا من ذلك الطبول، فقالوا: لا تسن في النكاح.4748

الجزء: 6 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثانياً: قوله «للنساء» أنه للنساء خاصة دون الرجال، وفي رواية في المذهب التسوية.
قال في الفروع: «وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب التسوية» 49، أي أنه لا فرق بين النساء والرجال، وأن الدف فيه للرجال كما هو للنساء؛ ولما فيه من الإعلان، وإن كان الغالب أن الذي يفعل ذلك النساء، والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال، يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء، لأنه من خصائص النساء.
قال شيخنا: «المسألة راجعة للعرف، فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء، فحينئذٍ نقول: إما أن يكره، أو يحرم تشبه الرجال بهن، وإذا جرت العادة بأنه يُضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدف الرجال أبلغ من إعلانه بدف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق، حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان، وهذا ظاهر نص الإمام أحمد -رحمه الله- وكلامِ الأصحاب حتى «المنتهى» الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد، ظاهره العموم وأنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدف 50.

الجزء: 6 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق

:

- الفائدة الأُولى: اشتراط الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من خلو الزوجين من الأمراض المعدية،

جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي بشأن هذه القضية ما يلي 51: «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من: 19 - 23/ 10/1424 هـ الذي يوافقه: 13 - 17/ 12/2003 م، قد نظر في موضوع: «أمراض الدم الوراثية»، ومدى مشروعية الإلزام بالفحوص الطبية للراغبين في الزواج، واستمع إلى البحوث المقدمة في الموضوع من بعض أعضاء المجلس والمختصين، وبعد العرض والمناقشة المستفيضة من قبل أعضاء المجلس والباحثين والمختصين، اتخذ المجلس القرار التالي: أولاً: إن عقد النكاح من العقود التي تولى الشارع الحكيم وضع شروطها، ورتب عليها آثارها الشرعية، وفتحُ الباب للزيادة على ما جاء به الشرع كالإلزام بالفحوص الطبية قبل الزواج وربط توثيق العقد بها أمر غير جائز.
ثانياً: يوصي المجلس الحكومات والمؤسسات الإسلامية بنشر الوعي بأهمية الفحوص الطبية قبل الزواج، والتشجيع على إجرائها، وتيسير تلك =

الجزء: 6 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تلك الفحوصات للراغبين فيها، وجعلها سرية لا تفشى إلا لأصحابها المباشرين».

  • الفائدة الثانية: من قام بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من الإنجاب كما يحصل من بعض الأفراد ثم تبين له من الفحوصات أنه لا يمكنه الإنجاب نقول لهذا الشخص: أولاً: ينبغي له أن يتزوج ما دام قادراً على المهر والنفقات، وقضاء وطره من الزوجة؛ عملا بالسنة وإعفافاً لفرجه، والتعاون على شؤون الحياة، وتحقيقاً للروابط بينه وبين من يصاهرهم، إلى غير ذلك من حكم مشروعية النكاح.
    ثانياً: قد يكون ما بُني على الكشف الطبي والتحليل من الحكم بعدم الإنجاب خطأ، وعلى تقدير أنه صواب فقد تكون الموانع من الإنجاب لعلل تزول بالعلاج ونحوه من الأسباب الكونية، وقد تزول بمحض قضاءً وقدراً وليس ذلك على الله بعزيز، فقد أصلح الله تعالى زوجة زكريا فأنجبت له يحيى عليهما الصلاة والسلام، استجابة لدعائه وإكراماً له، وقد أنجبت سارة إسحاق لإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، مع كبر سنهما وطول الأمد على امرأته عقيما.
    ثالثاً: على المسلم أن يأخذ بالأسباب الكونية المادية، وبالأسباب المعنوية، كالدعاء واللجوء إلى الله، ولا ييأس من روح الله، فإنه لا ييأس من=

الجزء: 6 - الصفحة: 35

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =روح الله إلا القوم الكافرون، وعليه أن يخبرهم بالواقع قبل العقد؛ لأن هذا عيب ظهر له بالفحص.

  • الفائدة الثالثة: في حكم إجراء عقد النكاح عن طريق وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت، والهاتف، وصفحات المجلات، وغير ذلك: وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم المعاصرون: وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض أكثر من غيرها من عقود المعاملات، ولذلك يرى بعض الفقهاء عدم الاعتماد في عقود النكاح في القبول والإيجاب على المحادثات الهاتفية والإنترنت وغير ذلك تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومزيداً من العناية في حفظ الفروج والأعراض، فعقد الزواج يعتبر من أخطر العقود التي يتعامل بها الإنسان في حياته، وقد سماه الله تعالى ميثاقاً غليظاً، ويترتب عليه مصير الزوجين وأبنائهما من بعد، ولابد في عقد النكاح من توافر أركانه وشروطه التي سبق بيانها.
    وإذا كان لا يجزيء في عقد النكاح مجرد التوقيع على العقد المكتوب حيث يلزم تلفظ الولي بالإيجاب والزوج بالقبول وإلا اعتبر العقد باطلاً بمعنى أن عقد النكاح لا يتم إلا بالإيجاب: وهو اللفظ الصادر من ولي المرأة بقوله «أنكحتك»، أو «زوجتك»، وبالقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج، وهو قوله: «قبلت هذا النكاح»، كما مرّ بنا فإنه يلزم لصحة عقد الزواج وجود الزوجين في مجلس العقد مع الشاهدين، وذلك =

الجزء: 6 - الصفحة: 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =للتأكد من شخصية الزوجين وسماع الصيغة، وذلك لا يتوفر في إجراء العقد عن طريق الأجهزة الحديثة كالإنترنت لعدم التحقق من طرفي العقد الزوجين الحقيقيين، فضلاً عن كون الشاهدين غير مطلعين على حقيقة القبول والإيجاب، وصدوره من الزوجين أو من غيرهما، وهذا يؤدي للغش والتغرير خاصة بالمرأة.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي: «نظراً إلى ما كثر في هذه الأيام من التغرير والخداع، والمهارة في تقليد بعض الناس بعضاً في الكلام، وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات حتى إن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور والإناث صغاراً وكباراً، ويحاكيهم في أصواتهم وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص، وما هو إلا شخص واحد، ونظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرها من عقود المعاملات - رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب والقبول والتوكيل على المحادثات التليفونية، تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومزيد عناية في حفظ الفروج والأعراض حتى لا يعبث أهل الأهواء ومن تحدثهم أنفسهم بالغش والخداع» 52. قلت: ويمكن لهذا الشخص إذا اضطر على ذلك إجراء النكاح عن طريق التوكيل، فيوكل الزوج أو الولي من يعقد له أمام الشاهدين.

الجزء: 6 - الصفحة: 37

بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ

(1) لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ (2)  (1)

قوله «بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ»:

بعد ما انتهى من أركان النكاح شرع في شروط النكاح، وأول شرط ذكره المؤلف هو: الولي، وسيأتي تعريفه إن شاء الله.
والوِلاية في النِّكاح: عرفها بعض أهل العلم بأنها سلطة شرعيّة، لعصبة نسب، أومن يقوم مقامهم، يتوقَّف عليها تزويج من لم يكن أهلاً لعقده.
(2)

قوله «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»:

تعددت أقوال الفقهاء في تعريف الولي، فمن ذلك ما قاله الشوكاني «الوليُّ هو الأقرب من العصبة من النسب، ثم من السبب، ثم من عصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام من الأولياء، فإذا لم يكن ثمّ ولي أو كان موجوداً وعضل انتقل الأمر إلى السلطان» 53. وقال في الإقناع: «أولى النّاس بإنكاح المرأة أبوها، ثم أبوه أي جدها لأبيها، ثم أخوها، ثم بنوه، ثم الأقرب فالأقرب من عصبتها، ثم معتقها، ثم عصبته، ثم السلطان فهو ولي من لا ولي لها» 54. وقال ابن حزم: «ولا يحلُّ للمرأة نكاحٌ، ثيباً كانت أو بكراً إلا بإذن وليها: الأب، أو الإخوة، أو الجدّ، أو الأعمام، أو بني الأعمام، وإن=

الجزء: 6 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بعدوا، والأقرب فالأقرب أولى، وليس ولد المرأة ولياً لها ... » 55. من خلال تعريفنا السابق للولاية وما ذكره الفقهاء آنفاً يمكننا أن نقول بأن الولي: هو من ولاه الشارع أمر تزويج من لا يجوز أن يزوج نفسه بنفسه كالمرأة والصغير، وقد اتفق الفقهاء جميعاً على مشروعيته إلا أنهم قد اختلفوا في حكم اشتراط الولي على قولين: القول الأول: ذهب إليه جمهورُ أهلِ العلم 56 سلفاً وخلفاً إلى اشتراط الولي في النكاح، وقالوا لا يصحُّ النكاحُ إلا بولي، واستدلوا بما يلي: أولاً: من القرآن الكريم: 1 - قوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .... ﴾ 57، وجه الدلالة من الآية أنّه تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء فكأنه قال لا تُنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين، «وأنكح» فعل متعدٍ يتعدى إلى الغير، والخطاب للأولياء فدل هذا على أن النكاح راجع إليهم، ولذلك خوطبوا به، فيكون هذا دليلاً على أن المرأة لا يمكن أن تزوج نفسها، بل لابد من أن ينكحها غيرها.
قال القرطبي: «وفي هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بولي» 58.

الجزء: 6 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْن أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 59. وجه الدلالة من الآية: قولُه خطاباً للأولياء: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وهذا الإسناد في الخطاب للأولياء دالٌّ على أنّ الأمر موكلٌ إليهم في التزويج لا إلى مولياتهم، فلو لم يكن الولي شرطاً لكان عضله لا أثر له.
قلت: ولهذه الآية سبب نزول أخرجه الشيخان، وهذا لفظ البخاري قال: عن الحسن قال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال: «حدثني معقل بن يسار أنّها نزلت فيه قال: زوّجتُ أُختاً لي من رجل فطلّقها، حتى إذا انقضت عدتُها جاء يخطُبها، فقلتُ له: زوّجتُك وأفرشتُك وأكرمتُك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأةُ تريدُ أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلتُ: الآن أفعلُ يا رسول الله قال: فزوّجها إياه» 60. قال الحافظ ابن حجر: «وهي أصرحُ دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تُزوّج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمرُه إليه لا يُقالُ: إنّ غيرَه منعه منه 61. وقال القرطبيُ: ففي الآية دليلُ على أنّه لا يجوزُ النكاحُ بغير ولي لأنّ=

الجزء: 6 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أُختَ معقل كانت ثيباً، ولو كان الأمرُ إليها دون وليها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل، فالخطاب إذاً في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وأنّ الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن 62. 3 - قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ .. ﴾ 63. قال ابن سعدي: «يأمرُ تعالى الأولياء والأسياد بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم من لا أزواج لهم من رجال ونساء، ثيباتٍ وأبكاراً» 64. وقال ابن حزم: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 65، وهذا خطاب للأولياء لا للنساء 66. 4 - قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ 67، قال القرطبي: «وممّا يدل على هذا أيضاً من الكتاب أي اشتراط الولي قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾، فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء لذكرهن» 68.

الجزء: 6 - الصفحة: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأدلة من السنة: 1 - ما ذكره المؤلف وهو حديث أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نكاح إلا بولي» 69، «لا» نافية للجنس، والنفي هنا للصحة أي: لا نكاح صحيح إلا بولي وليس على الوجود؛ لأنه قد تتزوج امرأة بدون ولي.
فلو قال قائل: لِمَ لا نقول لا نكاح كامل إلا بولي، وحمل النفي على نفي الكمال لا على نفي الصحة.
قلنا هذا غير صحيح؛ لأنه متى أمكن حمله على نفي الصحة كان هو الواجب؛ لأنه ظاهر اللفظ، ونحن لا نرجع إلى تفسير النفي بنفي الكمال، إلا إذا دل دليل على الصحة، ولأن الأصل في النفي انتفاء الحقيقة واقعاً أو شرعاً، والقاعدة في ذلك أن النفي يحمل على نفي الوجود، فإن تعذر فنفي الصحة، فإن تعذر فنفي الكمال.
2 - عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» 70.

الجزء: 6 - الصفحة: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أما الآثار الواردة عن الصحابة فمن ذلك ما جاء عن ابن جريج قال: «كانت عائشة إذا أرادت نكاح امرأة من نسائها، دعت رهطاً من أهلها، فتشهدت، حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت: «يا فلان! أنكح فإن النساء لا يُنْكِحن» 71. وعن عائشة قالت: «كان الفتى من بني أختها إذا هويَ الفتاة من بني أخيها، ضربت بينهما ستراً وتكلمت، فإذا لم يبق إلا النكاح قالت: يافلان! أنكح، فإن النساء لا ينكحن» 72. القول الثاني: قولُ الحنفية 73 فقد ذهبوا إلى أنه لا يُشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تُزوِّج المرأةُ نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي التي ذكرناها آنفاً على الصغيرة، أما الْبالغة العاقلة فيجوزُ مباشرة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقًا - أَي من كفءٍ، أَو من غير كفءٍ - إِلا أَنه خلاف المستحب.
قلت: ولهم أدلة أخرى يحتجون بها.
والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من كون الولي شرطاً لصحة عقد النكاح.

الجزء: 6 - الصفحة: 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قال الإمام الترمذي: «والعملُ في هذا الباب على حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا نكاح إلا بولي» عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ منهم عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم.
وهكذا رُوي عن بعض فقهاء التابعين أنهم يقولون: «لا نكاح إلا بولي» منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشُريح, وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم» (1). قلت: وهذا أيضاً هو قول شيخنا (2)، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة (3).

فائدة: في الشروط المعتبرة في الولي

: 1 - كمال الأهلية: ولا يكون ذلك إلا بالبلوغ والعقل والحرية، فلا ولاية للصبي، والمجنون، والمعتوه «ضعيف العقل»، والسكران، وكذا مختل النظر بهرَم «وهو كبر السن»، أو خبَل «وهو فساد في العقل»، والرقيق، لأنه لا ولاية لأحد من هؤلاء على نفسه، لقصور إدراكه وعجزه في غير الرقيق فلا تكون له ولاية على غيره؛ لأن الولاية تتطلب كمال الحال.
وأما الرقيق فلأنه مشغول بخدمة مولاه، فلا يتفرغ للنظر في شؤون غيره.7475

الجزء: 6 - الصفحة: 44

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  2 - اتفاق دين الولي والمولى عليه: فلا ولاية لغير المسلم على المسلم، ولا للمسلم على غير المسلم، أي فلابد أن يكون دين الولي والمرأة واحداً، سواء كان دين الإسلام أو غير دين الإسلام؛ وذلك لانقطاع الولاية بين المختلفين في الدين، ويدل على انقطاع الولاية أنه لا يتوارث أهل ملتين، فإذا انقطعت الصلة بالتوارث، فانقطاعها بالولاية من باب أولى، فعلى هذا يزوج النصراني ابنته النصرانية، وكذلك يزوج اليهودي ابنته اليهودية، وعلى هذا فقس.

  • فائدة: وهل يزوج المسلم ابنته النصرانية؟ على خلاف بين الفقهاء: والراجح عندي أنه إذا كان الولي أعلى من المرأة في دينه فلا بأس أن يزوجها؛ فمن كان أقرب إلى الأمانة فهو أولى، فإذا كانت امرأة نصرانية، لها عم نصراني، وأخ نصراني، وأب مسلم، فعلى القول الراجح عندي أن الولي هو أبوها المسلم، ولذا كان الأب أولى من غيره في الولاية للنكاح لأنه أشد الناس نظراً لمصلحة المرأة، وإذا كنا نشترط في الولي المسلم العدالة، وهي أخص من الإسلام فاشتراط الإسلام أولى.
    3 - الذكورية: اشترط جمهور الفقهاء 76 أن يكون الولي ذكراً، فلا تثبت ولاية الزواج للأنثى؛ لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها، فعلى غيرها أولى.
    =

الجزء: 6 - الصفحة: 45

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقال الحنفية 77: ليست الذكورة شرطاً في ثبوت الولاية، فللمرأة البالغة العاقلة ولاية التزويج بالنيابة عن الغير، بطريق الولاية أو الوكالة.
4 - العدالة: وهي استقامة الدين، بأداء الواجبات الدينية، والامتناع عن الكبائر: كالزنا، والخمر، وعقوق الوالدين، ونحوها، وعدم الإصرار على الصغائر، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط العدالة في الولي: فعند الشافعية 78 على المذهب، وعند الحنابلة 79 أنها شرط في الولي، فلا ولاية لغير العدل وهو الفاسق، ولأنها ولاية تحتاج إلى النظر وتقدير المصلحة، فلا يستبد بها الفاسق كولاية المال، ويكفي العدالة الظاهرة، فيكفي مستور الحال؛ لأن اشتراط العدالة ظاهراً وباطناً فيه حرج ومشقة ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة.
ويستثنى من هذا الشرط: السلطان، يزوج من لا ولي لها، فلا تشترط عدالته للحاجة، والسيد يزوج أمته، فلا تشترط عدالته؛ لأنه تصرف في أمته، كإيجارها ونحوه.
وذهب الحنفية 80، والمالكية 81 إلى أن العدالة ليست شرطاً في ثبوت الولاية، فللولي عدلاً كان أو فاسقاً تزويج ابنته أو ابنة أخيه مثلاً؛ لأن=

الجزء: 6 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فسقه لا يمنع وجود الشفقة لديه ورعاية المصلحة لقريبه، ولأن حق الولاية عام، ولم ينقل أن ولياً في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده منع من التزويج بسبب فسقه.
قلت: الصواب في هذه المسألة: ما اختاره شيخنا 82 -رحمه الله- أنه لا بد أن يكون الولي مؤتمناً على موليته، هذا أهم الشروط؛ وذلك لأنه يتصرف لمصلحة غيره، فاعتبر تحقيق المصلحة في حق ذلك الغير، أما عدالته ودينه فهذا إليه هو، وكثير من الآباء تجده فاسقاً من أفسق عباد الله، يشرب الخمر، ويزني، ويحلق لحيته، ويشرب الدخان، ويُعامل بالغش، ويغتاب الناس، وينم بين الناس، لكن بالنسبة لمصلحة بنته لا يمكن أن يفرط فيها أبداً.
5 - الرشد: وهو من أهم الشروط التي يجب توافرها في الولي.
والرشد في اللغَة: الصلاح، وإصابة الصواب، والاستقامة على طريق الحق، مع تصلب فيه، وهو خلاف الغي والضلال، ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعنى اللغوي.
فهو في العقد بأن يكون بصيراً بأحكام عقد النكاح، بصيراً بالأكْفَاء، ليس من الناس الذين لا يعرفون الأكفاء ومصالح النكاح، وهذا في الحقيقة هو محط الفائدة من الولاية؛ لئلا تضيع مصالح المرأة.

الجزء: 6 - الصفحة: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط: فالشافعية 83 على المذهب، والحنابلة 84 في ثبوت الرشد في الولاية؛ لأن المحجور عليه بسفه لا يلي أمر نفسه في الزواج، فلا يلي أمر غيره.
وقال الحنفية 85، والمالكية 86 ليس الرشد الذي هو بمعنى حسن التصرف في المال شرطاً في ثبوت الولاية، فيصح للسفيه ولو محجوراً عليه أن يتولى تزويج غيره.
لكن يستحب عند المالكية أن يكون التزويج من السفيه ذي الرأي بإذن موليته، وبإذن وليه، فإن زوج ابنته مثلاً بغير إذن وليه، ندب أن ينظر الولي لما فيه المصلحة، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده، فإن لم ينظر فهو ماض.
والراجح من القولين: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فيشترط أن يكون الولي راشداً في العقد، ولكن يكون كما رجحه شيخ الإسلام 87 -رحمه الله- حيث قال: «الرشد في كل مقام بحسبه، فالرشد في البيع شيء والرشد في النكاح شيء آخر، وهكذا.
فالرشد في النكاح: أن يكون عارفاً بالكفء، وعارفاً بمصالح النكاح، وإن كان غير رشيد في بيعه وشرائه ولكنه رشيد في النكاح، ولا شك أن اشتراط الرشد في النكاح أولى من اشتراطه في البيع=

الجزء: 6 - الصفحة: 48

وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ (1)،  = فإن استحلال الفرج وما يترتب على النكاح من آثارٍ أولى من خروج شيء من ملكيته من الأشياء المالية».

(1)

قوله «وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ»:

الشهادة لغة: مصدر.
أصله شَهِدَ، كَعَلِمَ، وقد تسكن هاؤه (1)، والشين، والهاء، والدال أصل يدل على حضور، وعلم، وإعلام، يقول ابن فارس: «لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، ومن ذلك الشهادة تجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام، يقال: شَهِدَ، يشهد، شهادةً» (2). واصطلاحاً: عرفت الشهادة عند الفقهاء بعدة تعريفات، واختلفت التعاريف بسبب اختلاف نوع الأداء، فإن كان إخباراً بحق للغير فهو الشهادة، وإن كان بحق للمخبر على آخر فهو الدعوى، أو بالعكس وهو الإقرار، فالشهادة هي: الإخبار بما علمه الشاهد، أما الشهادة في عقد النكاح فليست إخباراً، وإنما هي تحمل للشهادة أولاً لصحة العقد، ثم أداء لها في مجلس القضاء عند الحاجة، فلا تكون الشهادة ملزمة بدون القضاء.

فائدة: حكم الإشهاد على عقد النكاح

: اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على عقد النكاح، وسبب الخلاف يرجع إلى أمرين:8889

الجزء: 6 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأمر الأول: هو المقصود من الشهادة في النكاح، هل هي حكم شرعي يجب امتثاله والعمل به، أم يقصد بها التوثيق وسد ذريعة الاختلاف التي قد تنشأْ بين الزوجين؟ فمن قال إنها حكم شرعي، قال إن الشهادة شرط في صحة عقد النكاح، ومن قال: إنها توثيق لم يشترط الشهادة في عقد النكاح، كالرهن والكفالة لا تشترط في البيوع.
الأمر الثاني: الذي بسببه حصل الاختلاف: هو الاختلاف في تصحيح أحاديث اشتراط الشهادة في عقد النكاح، فمن صححها أو بعضها قال باشتراط الشهادة، ومن رأى عدم صحتها قال بخلاف ذلك، وبسبب ما ذكرناه حصل الخلاف بين الفقهاء في الشهادة على عقد النكاح على قولين: القول الأول: أن الشهادة شرط لصحة عقد النكاح: وهذا قول الحنفية 90 والشافعية 91، وهو المشهور عن الإمام أحمد 92، وقال به من الصحابة أمير المؤمنين عمر 93، وعلي 94، وعبد الله بن عباس 95 رضي الله عنهم، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، =

الجزء: 6 - الصفحة: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والنخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي 96، وهو اختيار سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم 97، وسماحة شيخنا ابن باز 98، وهو اختيار اللجنة الدائمة 99، استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث تدل على اشتراط الشاهدين في عقد النكاح، منها: 1 - عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» 100، ففي هذا الحديث نص صريح على نفي صحة النكاح إلا بالشاهدين كما أنه لا يصح إلا بولي.
2 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَكُونُ نِكَاحٌ إِلا بِوَلِيٍّ وشاهدينِ، وَمَهْرٍ مَا كَانَ قَلَّ أَمْ كَثُرَ» 101، وهذا دليل ظاهر على وجوب الشاهدين في عقد النكاح.
3 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نِكَاحَ إلا بِأَرْبَعَةٍ خَاطِبٍ=

الجزء: 6 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» 102. 5 - روي عن الحسن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل» 103، قال الشافعي -رحمه الله-: هذا وإن كان منقطعاً دون النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: هو الفرق بين النكاح والسفاح 104. ثانياً: استدلوا أيضاً بآثار مروية عن عدد من الصحابة منها: 1 - عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» 105. 2 - وروي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: «هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت» 106. قال الزركشي: وخص النكاح - والله أعلم - باشتراط الشهادة، دون غيره من العقود، لما فيه من تعلق حق غير المتعاقدين وهو الولد 107. 3 - عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال «لا نكاح إلا بولي ولا نكاح=

الجزء: 6 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =إلا بشهود» 108. ثالثاً: من المعنى قالوا: إن اشتراط الشهادة في النكاح آكد من اشتراطها في البيع؛ لأن النكاح يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه بخلاف البيع، ولأن في اشتراط الشهادة في عقد النكاح احتياطاً للأبضاع، وصيانة للأنكحة عن الجحود.
القول الثاني: أن الشهادة ليست شرطاً في صحة عقد النكاح، وهذا هو قول الإمام مالك 109، ورواية عن الإمام أحمد 110، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 111، وشيخنا -رحمه الله- 112، استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أولاً: استدلوا بالعموميات: 1 - بعموم قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 113، فلم يذكر الله تعالى الشهادة، فيبقى النص على الإطلاق ولا تشترط الشهادة.
2 - وبعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 114، والنكاح من العقود التي يجب الوفاء بها دون شهود.

الجزء: 6 - الصفحة: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ثانياً: من السنة: 1 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ، وَلا لَحْمٍ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَقَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ» 115. وجه الاستدلال: أنهم لم يستدلوا على تزويجها إلا بالحجاب مما دل على عدم اشتراط الإشهاد في عقد النكاح.
ثالثاً: استدلوا بآثار رويت عن بعض الصحابة، أن ابن عمر زوج بلا شهود، وهو من أشد الصحابة رضي الله عنهم تمسكاً بالسنة، رابعاً: استدلوا أيضاً بعدة تعليلات وأقيسة، منها: 1 - قياس النكاح على الرهن والكفالة في عدم اشتراط الإشهاد فيها بجامع أن كلاً منها عقد توثيق.
2 - قالوا: ولأن كل شخص لا يحتاج إليه في إيجاب ولا قبول لم يكن حضوره شرطاً في انعقاد النكاح كالزوجة وسائر الأجانب.

الجزء: 6 - الصفحة: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بيان الراجح من القولين: بعد عرض الأدلة لكلا القولين مستوفاة فالذي يتبين لي رجحانه هو القول الأول القاضي باشتراط الشهادة في عقد النكاح، وذلك لعدة أسباب منها: 1 - أن أحاديث اشتراط الشهادة كثيرة، وقد ذكرت بعضها، وقد رويت بطرق مختلفة وأسانيد متعددة؛ لذا يظهر لمن تأمل أسانيد الأحاديث وطرقها ومتابعاتها أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج بها، فأقل ما يقال في الشهادة في عقد النكاح أنها ثابتة بأحاديث حسنة.
2 - اشتراط الشهادة في عقد النكاح له فوائد عدة، منها: أولاً: إثبات النكاح عند العقد وصيانة له عن الجحود، خصوصاً ونحن في زمن تهاون فيه كثير من الناس في التقاء الزوجين قبل الدخول ببعضهما، وأحياناً الخلوة بها والخروج معها وقد يواقعها؛ مما استدعى الأمر معه إلى إثبات النكاح عند العقد، وليس عند الدخول.
ثانياً: أن من المقرر عند الفقهاء أن الأصل في الأبضاع الحرمة، فإذا تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر موجب للحرمة رجح الموجب للحرمة للأصل.
ثالثاً: الناس يختلفون في إعلان النكاح بحسب أعرافهم وواقعهم، وقد يطرأ عليهم ما يمنع من إعلانه، ثم إن ضابط الإعلان مختلف فيه، فكان =

الجزء: 6 - الصفحة: 55

وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا (1)،  =اشتراط الشهادة في العقد أولى من عدمه؛ لأن الشهادة لا مجال فيها للتفاوت أو الاختلاف.
رابعاً: أن عدم اشتراط الشهادة في عقد النكاح انتشار لنكاح السر، وناهيك عما فيه من مفاسد وأضرار على الأفراد والمجتمعات، ولا سيما هذا الواقع الذي كثر فيه التحايل على الحرام وماتت الغيرة في نفوس فئة من المسلمين، بل وانتشرت الدياثة التي تأباها الشريعة والفطر المستقيمة.

(1)

قوله «وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا»:

أي أن الأب هو المقدم في باب الولاية على النكاح لأنه أشد شفقة وأكمل نظراً من غيره، فيقدم الأب حتى على الأبناء، وفي رواية عن الإمام أحمد 116 أن الأبناء يقدمون على الأب، وهو مذهب الإمام مالك 117 قالوا: لأنهم أقرب عصبة من الأب.
والصحيح الأول لأن نظر الأب أكمل وشفقته أشد، وهو مذهب جمهور العلماء.
وقوله «ثم أبوه» الأولى أن يقال: ثم الوصي بعد الأب، أي بعد موت الأب، فإذا أوصى الأب أن تكون ولاية بناته لفلان الأجنبي عنهم، أو لأحد أولاده دون غيره، أو لأحد أخواله مع وجود أبنائه ونحو ذلك فإن=

الجزء: 6 - الصفحة: 56

ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا (1)،  =الولاية تكون للوصي، كالتوكيل في الحياة، فكما أن الأب لو وكل رجلاً في نكاح بناته فيصح اتفاقاً فكذلك في الوصية بعد الموت، ولأنه أقوى نظراً من غيره، وغالباً لا يجعل الوصية إلا ممن يرى أن إنكاحه أصلح من إنكاح غيره، ثم بعد الوصي أبو الأب يعني الجد وإن علا، والجد هنا هو الجد للأب، أما الجد للأم فلا لأنه ليس من العصبة بل هو من ذوي الأرحام كما تقدم في باب الفرائض، وفي رواية عن الإمام احمد (1)، وهو مذهب المالكية (2) أن الابن يقدم على الجد.
والذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه المؤلف، أي أن الجد يقدم على الابن أيضاً لأنه أكمل نظراً، ولما له من الإيلاد المشابه للأب فيه، ثم يلي الجد ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا.
وقوله «ثم ابنه وإن نزل»، أي: بنو الابن؛ احترازاً من بني البنت فإنه لا ولاية لهم.

(1)

قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا»:

أي ثم يلي هؤلاء المذكورين الأقرب فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث لأن الولاية لدفع العار عن النسب والنسب في العصبات، وقدّم الأقرب فالأقرب لأنه أقوى فقدم كتقديمه في الإرث، ولأنه أشفق فقدم كالأب.
=118119

الجزء: 6 - الصفحة: 57

ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ (1)،  =فالأقرب مثلاً بعد من ذكرهم المؤلف الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، وهكذا، ولا يزوجها من ليس من العصبة فلا يزوجها أخوها من الأم؛ لأنه من ذوى الأرحام.
ولا يزوجها الخال، ولا يزوجها جدها أبو الأم، وذلك لأنه من ذوى الأرحام، لو كان لها خال وأخ من الأم ولها ابن ابن ابن عم فإن ابن العم يزوجها ولو كان بعيداً لأنه من العصبة.
فإذا تساوى الناس في الدرجة يعني مثل أخوين أو ثلاثة لأبوين، فأيهما يقدم؟ المعروف عند العامة ابتداءً يقدم الكبير، وهذا ليس له أصل.
وقال بعض أهل العلم يقدم صاحب الدين والخلق، ثم الأسن.
والأظهر: أنه يقدم صاحب الدين، فإن لم يكن فللمرأة أن تختار من يكون ولياً لها فتقول: أريد فلاناً أن يعقد لي، فإن تنازعوا في ذلك أقرع بينهم وذلك لزوال الخصومة بينهم

(1)

قوله «ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ»:

أي فإن كانت هذه المرأة معتقة وعُدِمَ من سبق ذكرهم فإن المعتق أولى من السلطان، فإن عُدِمَ المعتق فيكون وليها في عقد النكاح الأقرب فالأقرب من عصباته، أي أقرب عصبته نسباً على حسب ترتيبهم في الميراث، فيقدم ابن المولى على أبيه، ثم إن عُدم فعصبة المولى نسباً.

الجزء: 6 - الصفحة: 58

ثُمَّ السُّلْطَانُ (1)،  (1)

قوله «ثُمَّ السُّلْطَانُ»:

أي فإن عدم هؤلاء جميعاً فإنً السلطان يكون ولياً لمن لا ولي له لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فإن اشتجروا أي الولي وموليته فالسلطان ولي من لا مولى له»، والسلطان هو الإمام الأعظم أو نائبه، وكان نواب الإمام فيما سبق في هذه المسائل القضاة، أما الآن فنائبه وزير العدل، ونائب وزير العدل المأذون في الأنكحة.
وأيهما يقدم مأذون الأنكحة، أو الأخ لأم؟ مأذون الأنكحة يقدم على أخيها من أمها، بل على أبي أمها، فلو كانت هذه المرأة لها أبو أم قد كفلها منذ الصغر، وهو لها بمنزلة الأب، وخطبت فلا يتولى زواجها، بل يتولى زواجها مأذون الأنكحة.
فإذا قدرنا أننا في بلد كفر، والسلطان لا ولاية له، فنقول: السلطان إذا لم يكن أهلاً للولاية، فمن كان له الرئاسة في هذه الجالية المسلمة فهو الذي يتولى العقد؛ لأنه ذو سلطان في مكانه.

  • فائدة: النساء اللاتي يسلمن في بلاد كافرة وأولياؤهن كفار: يتولى ذلك رئيس المركز الإسلامي، فإن تعذر عدم وجود السلطان أو المركز الإسلامي فإنها توكل عدلاً ينكحها، وقد روى البخاري معلقاً أن «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ» 120. فهنا فوضت أمرها إليه، فإذا انعدم السلطان فلها أن تفوض أمرها إلى عدل.

الجزء: 6 - الصفحة: 59

وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ (1). وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ (2)،  (1)

قوله «وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ»:

غائباً أَو حاضراً ويشترط في وكيل الولي ما يشترط فيه لأنه نائبه وقائم مقامه، وقد تضمن هذا صحة التوكيل في النكاح ولا إشكال في ذلك، فقد وكل النبي أبا رافع في تزويج ميمونة (1)، ووكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة (2)، وظاهر إطلاقه أنه لا يشترط إذن المرأة في التوكيل، ولا نزاع في ذلك إن كان الولي مجبراً، فإن لم يكن مجبراً فعلى خلاف الأظهر عندي عدم الاشتراط.
(2)

قوله «وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ»:

أي إذا زوج الأبعد من غير عذر من الأعذار التي ستأتي، فلا يصح النكاح كالأخ مع وجود الأب، أو زوجها ابن عمها مع وجود عمها في البلد فلا يصح النكاح، أو زوجها القاضي لا يصح، ولو زوجها جارها لا يصح من باب أولى.
وإذا كان وليها القريب - والعياذ بالله - لا يصلي نهائياً، فزوَّجها البعيد فإنه يصح؛ لأن القريب ليس أهلاً للولاية، فالذي لا يصلي لا ولاية له؛ لأنه كافر، والعياذ بالله فلا يصح النكاح.
وعن الإمام أحمد أنه موقوف على إجازة الولي كالبيع، وفيه نظر للفارق بين النكاح والبيع بدليل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح نفسها =121122

الجزء: 6 - الصفحة: 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بإذن وليها فكذلك إذا أنكحها غيره وإن كان الولي قد أذن بذلك، فإذا استوى الوليان كأن يكون لها إخوة هم أولياؤها، فأي واحد منهم أنكح صح إنكاحه لأنهم كلهم أولياء لها، وكذا لو كان لها أبناء عم درجتهم واحدة.
فإن أذنت لواحدٍ تعين ولم يصح نكاح غيره، والمستحب أن يقوم الأفضل ثم الأسن، فإن تشاحنوا في ذلك أقرع بينهم.

ف

إن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فأي الوليين يكون نكاحه صحيحاً وتكون المرأة زوجة له؟

للعلماء في ذلك مذهبان: المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: أنه إن عرف من عقد له على المرأة أولاً فهي له، وهو الأحق بها، سواء دخل بها الثاني أم لا 123. وحجتهم على ذلك: أن هذا مروي عن علي بن أبي طالب 124، ولأن الزوج الثاني تزوج امرأة قد أصبحت في عصمة رجل آخر، فكان زواجه بها باطلاً، كما لو علم أن لها زوجاً 125. المذهب الثاني: إن عرف الزوج الأول ولم يدخل بها الثاني فهي للأول، وإن دخل بها الثاني فهي له، وهذا مذهب عطاء، ومالك 126.=

الجزء: 6 - الصفحة: 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وحجة هؤلاء: أن هذا قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- 127، وأجيب: بأن عمر قد خالفه علي -رضي الله عنه- ولا يقدم قول صحابي على آخر دون دليل، فسقط الاستدلال به حينئذ.
الراجح: الذي يبدو أن قول الجمهور هو الأولى؛ لما رواه أحمد وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأَوَّل مِنْهُمَا» 128. قلت: وإن كان الحديث فيه ضعف فالترمذي حسنه، وعلى اعتبار ضعفه إلا أن العمل على ذلك، قال أبو عيسى: «حديث سمرة حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً، إذا زوج أحد الوليين قبل الآخر فنكاح الأول جائز ونكاح الآخر مفسوخ» 129. ولأن نكاح الثاني على المرأة قد صادف امرأة قد أصبحت متزوجة، فعقده عليها باطل، كما لو علم أنها متزوجة، ودخوله بها لا يغير حقيقة الأمر، كما لو دخل بها وهو يعلم أنه قد عقد عليها غيره قبله، ويجب لها المهر على الثاني بدخوله عليها، لاستمتاعه بها، فإن جهل السابق أو=

الجزء: 6 - الصفحة: 62

إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَبِيًّا، أَوْ زَائِلَ العَقْلِ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِيْنِهَا، أَوْ عَاضِلاً لَهَا، أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيْدَةً (1)،  =علم فنسي فالمشهور في مذهب الإمام أحمد (1) أن النكاحين يفسخان جميعاً، ولهما نصف المهر يقترعان عليه.
وعن الإمام أحمد (2) -رحمه الله- أنه يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ولكن يجدد العقد للوطء، وهذا هو الأصح لأن القرعة تفعل حيث استوت الحقوق فلا مرجح لأحدهما على الآخرفإنه يقرع بينهما، فإذا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ويجدد العقد للوطء.

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَبِيًّا، أَوْ زَائِلَ العَقْلِ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِيْنِهَا، أَوْ عَاضِلاً لَهَا، أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيْدَةً»:

هذه جملة من

الأعذار التي يصح فيها النكاح إذا قُدم فيها الأبعد على الأقرب في ولاية النكاح.

أولها: أن يكون الولي غير بالغ فتنتقل إلى الأبعد البالغ، فلو كان أخوها غير بالغ ولها ابن أخ بالغ فالولاية لابن أخيها البالغ، وهكذا لعدم أهلية الولاية.
الثاني: أن يكون الولي زائل العقل بجنون ونحوه، فإن الولاية تنتقل الى غيره لعدم أهليته في الولاية، ولأن الجنون مانع من صحة التصرف للنفس، فإذا كان كذلك فإنه مع الغير من باب أولى وأحرى.130131

الجزء: 6 - الصفحة: 63

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثالث: ألا يكون دين الولي والمرأة واحداً، سواء كان دين الإسلام أو غير دين الإسلام؛ وذلك لانقطاع الولاية بين المختلفين في الدين وقد سبق بيان ذلك في الشروط المعتبرة في الولي.
الرابع: أو عاضلاً لها لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 132، والعضل في اللغة: المنع.
وفي اصطلاح الفقهاء: «هو أن يمنع الولي المرأة كفئًا رضيته»، يعني رجلاً كفؤاً في دينه، وفي خُلُقه، وفي ماله، خطب هذه المرأة من أبيها، أو من أخيها، ورضيت المرأة به فمنعها، زوَّجها الأبعد فيزوجها أخوها، أو عمها أو ابن أخيها مثلاً؛ وذلك لأنه ليس له الحق في المنع، فهو ولي يجب عليه أن يفعل ما هو الأصلح لموليته، فإذا لم يفعل انتقل الحق إلى غيره.
الخامس: أو غائباً غيبة بعيدة، فإذا غاب الولي غيبة بعيدة فحينئذٍ تنتقل إلى الأبعد.
وقد اختلف العلماء في هذه المسافة؟ ولهذا قال المؤلف -رحمه الله- «أو غائبًا غيبة بعيدة»، وللفقهاء كلام طويل؛ بعضهم قدر ذلك بمسافة قصر، وفسرها بعضهم بأنها التي لا تقطع إلا بكلْفة ومشقة، وقال بعضهم إن ضابط الغيبة هو: التي تفوت بها مصلحة المخطوبة أو يفوت بها كفء راغب لها.

الجزء: 6 - الصفحة: 64

وَلا وِلايَةَ لأَحَدٍ عَلى مُخَالَفَةٍ لِدِيْنِهِ إِلاَّ الْمُسْلِمُ إِذا كَانَ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ (1)،  قلت: والذي يظهر لي أن هذا يختلف باختلاف الأزمان، ففيما سبق كانت المسافات بين المدن لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، والآن بأسهل السبل، فربما لا يحتاج إلى سفر، فيمكن يخاطب بالهاتف، أو يكتب الأب بالفاكس وكالة ويرسلها بدقائق، فالمسألة تغيرت.
فالصواب أن يقال: أنه متى أمكن مراجعة الولي الأقرب فهو واجب، وإذا لم يمكن وكان يفوت به الكفء فليزوجها الأبعد، وعلى كل حال فالأمر مرجعه إلى العرف حسب نظر الحاكم.

(1)

قوله «وَلا وِلايَةَ لأَحَدٍ عَلى مُخَالَفَةٍ لِدِيْنِهِ إِلاَّ الْمُسْلِمُ إِذا كَانَ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ»:

استثنى المؤلف أمرين من الموافقة في الدين: الأمر الأول: المسلم إذا كان سلطانًا فالسلطان المسلم يجوز أن يزوج كتابية لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» 133، وقد سبق الإشارة لذلك في شروط الولي.
الأمر الثاني: قال: أو سيدَ أمةٍ؛ يعني أن يكون لشخص أمة فأراد أن يزوجها وهي كافرة رجلاً كافراً فلا حرج أن يعقد هذا الولي عليها؛ =

الجزء: 6 - الصفحة: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = لأنه مالك لها، وله إذا ملكها أن يعقد عليها.

مسألة: هل يصح أن يكون الولي زوجاً؟

نعم يصح، فلو كان ابن عم يريد أن يتزوج بنت عمه، وليس لها أحد أقرب منه جاز.
لكن ماذا يقول عند العقد؟ هل يقول: «زوجت نفسي بنت عمي»، ويُحْضر الشهودَ، ويقول: «أشهدكم أني زوجت نفسي بنت عمي؟ »، أو يكفي دون ذلك؟ الجواب: لو أحضر شهوداً، وقال: «أشهدكم أني زوجت نفسي بنت عمي» صح، ويجوز أن يقول: «أشهدكم أني تزوجتها إذا كانت حاضرة»، وشهدوا على رضاها، ونظير هذا السيد يقول لأمته: «أعتقتك وجعلت عتقك صداقك»، فهذا ليس فيه إيجاب ولا قبول، لكنه يكفي عن الإيجاب والقبول.

الجزء: 6 - الصفحة: 66

فَصْلٌ فِيْ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِ

(1) وَلِلأَبِ تَزْوِيْجُ أَوْلادِهِ الصِّغَارِ، ذُكُوْرِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَبَنَاتِهِ الأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِ»:

شرع المؤلف -رحمه الله- في

بيان الشرط الرابع من شروط النكاح

وهو رضاء الزوجين، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز إجبار الرجل على نكاح من لا يريده، وكذلك المرأة لا يجوز إجبارها على نكاح من لا تريده كما سيأتي في كلام المؤلف، دليل ذلك: عن نافع بن جبير بن مطعم قال: آمَتْ خَنْسَاءُ بِنْتُ خِذَامٍ فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِىَ كَارِهَةٌ فَأَتَتِ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: زَوَّجَنِي أَبِى وَأَنَا كَارِهَةٌ وَقَدْ مَلَكْتُ أَمْرِى وَلَمْ يُشْعِرْنِى.
فَقَال «لا نِكَاحَ لَهُ انْكِحِى مَنْ شِئْتِ» (1)، وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أن أصول الشريعة تقتضيه وذلك لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ: أَنْ تَسْكُت» (2)، لكن يستثنى من ذلك ما سيذكره المؤلف قريباً إن شاء الله.
(2)

قوله «وَلِلأَبِ تَزْوِيْجُ أَوْلادِهِ الصِّغَارِ، ذُكُوْرِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَبَنَاتِهِ الأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ»:

هؤلاء مستثنون من الاستئذان الأول: وهم أولاده الذكور=134135

الجزء: 6 - الصفحة: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =العقلاء الذين هم دون البلوغ والكبار المجانين فله تزويجهم سواء أذنوا أو لم يأذنوا، وسواء رضوا أم لا.
هذا على الصحيح من المذهب (1)، ووجه ذلك بالنسبة للذكور: أولاً: لأن الأب له ولاية على مال ابنه لقوله -صلى الله عليه وسلم- «أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ إِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلادِكُمْ» (2)، وإذا كان للأب تولي مال أبناءه فله أن يتولى تزويجهم ذكوراً وإناثاً.
ثانياً: أنه إذا جاز للأب أن يأخذ من مال ابنه بغير رضا، جاز له أن يزوجه بغير رضاه، لأن في تزويجه مصلحة أعظم من أخذ المال.
أما الإناث فإنهن ينقسمن إلى ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: من كان منهن دون التاسعة

، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع 138 على جواز أن يزوجها الأب من غير إذنها، واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين «عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَزَوَّجَهَا وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهْيَ بِنْتُ تِسْعٍ =136137

الجزء: 6 - الصفحة: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا» (1). فإن عقد عليها قبل التسع ولم يدخل عليها إلا بعد البلوغ فإن لها الخيار.
المرتبة الثانية: وهي من كانت دون البلوغ وفوق التسع، وهذه على قولين: الأول: وهو ما ذهب إليه عامة الفقهاء (2) أن الأب له أن يزوجها بغير إذنها، واحتجوا لذلك بحديث عائشة -رضي الله عنه- المتقدم وقالوا: لا فرق بين التسع والثمان والعشر، وقالوا أيضاً: بأنها صغيرة ولا تعلم ولا تعي.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد (3)، وهي اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- (4) أنه لا يجوز للأب أن يزوج ابنته بعد التسع إلا برضاها، وهذا هو الأظهر.

المرتبة الثالثة: وهي البنت البكر

البالغة فهل للأب أن يزوجها بغير رضاها؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: الأول: ما ذهب إليه المالكية 143، والشافعية 144، والحنابلة 145 وهو جواز=139140141142

الجزء: 6 - الصفحة: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ذلك؛ أي للأب أن يزوج ابنته البالغة العاقلة الرشيدة من غير رضاها، واحتجوا لذلك أيضاً بحديث عائشة المتقدم.
القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الحنفية 146، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 147، اختارها شيخ الإسلام 148، وشيخنا -رحمه الله- 149، أنه لا يجوز للأب أن يزوج ابنته البالغ إلا بإذنها ورضاها.
قلت: والقول الثاني هو الراجح عندي، فلا يجوز لأب ولا غيره أن يزوج البكر البالغة العاقلة إلا برضاها لقوله -صلى الله عليه وسلم- «وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» 150، والقول بجواز الإجبار دون الرضا مخالف لظاهر النص، بل يصبح الاستئذان لا فائدة منه.

  • فائدة: قال صاحب الإنصاف: أولاً: واعلم أن في تزويج الأب الصغار عشر مسائل: أحدها: أولاده الذكور العقلاء الذين هم دون البلوغ والكبار المجانين له تزويجهم سواء أذنوا أو لا، وسواء رضوا أم لا، بمهر المثل أو بزيادة عليه على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المسألة الثانية: أولاده الذكور العاقلون البالغون ليس له تزويجهم، يعني بغير إذنهم بلا نزاع إلا أن يكون سفيهاً ففي إجباره وجهان، إلى أن قال: قلت: والأولى الإجبار إن كان أصلح له.
المسألة الثالثة: ابنته البكر التي لها تسع سنين له تزويجها بغير إذنها ورضاها بلا نزاع، وحكاه ابن المنذر إجماعاً.
المسألة الرابعة: البكر التي لها تسع سنين فأزيد إلى ما قبل البلوغ له تزويجها بغير إذنها على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب وذكر الرواية الثانية، في المذهب التي اختارها شيخ الإسلام كما سبق بيانه.
المسألة الخامسة: البكر البالغة له إجبارها أيضاً على الصحيح من المذهب مطلقاً وعليه جماهير الأصحاب، إلى أن قال: فعلى المذهب يستحب إذنها وكذا إذن أمها، قاله في التنظيم وغيره.
المسألة السادسة: البكر المجنونة له إجبارها مطلقاً على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب.
المسألة السابعة: الثيب المجنونة الكبيرة له إجبارها على الصحيح من المذهب.
المسألة الثامنة: الثيب العاقلة التي هي دون تسع سنين له إجبارها على الصحيح من المذهب وقطع به كثير من الأصحاب، وقيل ليس له=

الجزء: 6 - الصفحة: 71

وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ (1)، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيْجُ البَالِغِ مِنْ بَنِيْهِ وَبَنَاتِهِ الثُّيَّبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ (2)،  =إجبارها .. إلى أن قال: قلت: فعلى هذا لا تزوج البتة حتى تبلغ تسع سنين فيثبت لها إذن معتبر.
المسألة التاسعة: الثيب العاقلة التي لها تسع سنين فأكثر ولم تبلغ فأطلق المصنف جواز إجبارها وجهين، وذكر الخلاف في ذلك.
المسألة العاشرة: البنت البالغة العاقلة ليس له إجبارها بلا نزاع (1). هذا ما ذكره المؤلف.
قلت: وقد سبق بعض ما جاء في الإنصاف حول هذه المسائل مع بيان الراجح فيها.

(1)

قوله «وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ»:

ذكرنا الخلاف في حكم إجبار البكر البالغة وقلنا بأن الواجب هو استئذان الولي البكر البالغة.
فقول المؤلف «وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ» هذا كلام غير مسلَّم، فزواج البنت بغير رضاها ومع كراهيتها مخالف للأصول والمعقول كما سبق ذكره.
فإذا كان وكيلها لا يستطيع أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها فكيف يكرهها على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته.

(2)

قوله «وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيْجُ البَالِغِ مِنْ بَنِيْهِ وَبَنَاتِهِ الثُّيَّبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ»:

قد سبق بيان ما ذكره المؤلف فليس للأب تزويج الذكور البالغين وبناته الثيب البالغات إلا بإذنهم.151

الجزء: 6 - الصفحة: 72

وَلَيْسَ لِسَائِرِ الأَوْلِيَاءِ تَزْوِيْجُ صَغِيْرٍ وَلا صَغِيْرَةٍ، وَلا كَبِيْرَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وَإِذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ (1)؛  - فائدة: سائر الأولياء غير الأب لا يجوز لهم أن يزوجوا البنت سواء كانوا أجداداً أو أخوة أو أوصياء: كلهم لا يجوز لهم أن يزوجوا البنت صغيرة كانت أو بالغة إلا بعد إذنها، فلو زوج الولي إذا كان أخاً أخته وهي دون تسع بغير رضاها فلا يصح النكاح لاشتراط الرضا فيه، وأما كون الأب يزوج البنت التي دون التسع بغير رضاها فإنما هو مراعاة للأبوة ولأن شفقته عليها وحرصه على ما فيه مصلحتها أقرب وأقوى من غيره.

(1)

قوله «وَلَيْسَ لِسَائِرِ الأَوْلِيَاءِ تَزْوِيْجُ صَغِيْرٍ وَلا صَغِيْرَةٍ، وَلا كَبِيْرَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وَإِذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ»:

سبق الإشارة إلى ذلك في الفائدة السابقة فغير الأب كالجد والأخ والعم ونحوهم ليس لهم تزويج الذكر الصغير وكذلك البنت الصغيرة فضلاً عن الكبيرة ليس لأحد من هؤلاء إجبارهم على نكاح من لا يرغبون بل لا بد من رضاهم لأن الإجبار حق يختص به الأب والسيد فقط، وهذا هو قول جمهور الفقهاء.
وذهب الشافعية 152، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 153 اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية 154 إلى جعل الجد كالأب، وفي رواية 155 أخرى عن الإمام أحمد أنه للأولياء تزويج الصغيرة, ولها الخيار إذا بلغت.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 73

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «الأيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» (1)،  =وقوله «وإذن الثيب الكلام» فيه فائدتان: الأولى: فيه معنى الاستئمار المذكور في الحديث، فالمعنى لا يعقد على المرأة الثيب إلا بعد طلب الأمر منها, وأمرها به.
ومعنى قولنا «طلب الأمر منها» هو أن يأتي إليها الولي فيقول تقدم إليك فلان للزواج منك فتقول نعم زوجني منه أو ترفض الزواج منه، فلا بد من كلامها.
ومعنى قولنا «الأمر به»: هو أن يتقدم إليها شخص فتقول لوليها زوجنى من فلان فيزوجها منه، أما البكر فلغلبة حياءها فقد اكتفى الشارع منها بما هو أخف من الأمر وهو الإذن، أو السكوت دليلاً على رضاها.
الثانية: فيه معنى الثيب، وهي التي زالت بكارتها بجماع من نكاح صحيح، أو بزنا مع رضا فإن كان الزنا حصل بالإكراه فعلى المذهب تعد ثيباً لزوال البكارة منها.
والصواب: أن الزنا مع إكراه لا تعد فيه المرأة ثيباً وذلك لانتفاء التلذذ بالجماع ولو زالت بكارتها لأنها مكرهة فلا بد من إذنها.

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِيْ نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»

الجزء: 6 - الصفحة: 74

وَلَيْسَ لِوَلِيِّ امْرَأَةٍ تَزْوِيْجُهَا بِغَيْرِ كُفْئِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا (1)،  =فوائد عظيمة منها: 1 - النهي عن نكاح الثيب قبل استئمارها وطلبها ذلك، وقد ورد النهي بصيغة النفي ليكون أبلغ فيكون النكاح بدونه باطلاً.
2 - النهي عن نكاح البكر قبل استئذانها، ومقتضى طلب إذنها أن نكاحها بدونه باطل.
3 - لا يكفي في استئمار الثيب واستئذان البكر مجرد الإخبار بالزواج، بل لابد من تعريفها بالزوج تعريفاً تاماً، عن عمره، وعن جماله، ومكانته، ونسبه، وغناه، وعمله، وغير ذلك مما فيه مصلحة لها.

(1)

قوله «وَلَيْسَ لِوَلِيِّ امْرَأَةٍ تَزْوِيْجُهَا بِغَيْرِ كُفْئِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا»:

شرع المؤلف في بيان حكم الكفاءة في عقد النكاح، والكفاءة معناها: المساواة أي بأن تكون الزوجة مساوية أو كفئاً للزواج.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف الكفاءة: فقال بعضهم: الكفاءة: هي مساواة الرجل للمرأة في الأمور المعتبرة في النكاح.
وقال آخرون: الكفاءة: هي أمر يوجب عدمه عاراً.
وقال آخرون: الكفاءة: وهي المساواة في الدين والنسب.
وهذا هو الأوجه عندي؛ أي أن الكفاءة تكون في الدين والنسب، والمراد بالدين أداء الفرائض واجتناب النواهي، فلا يكون الفاسق والفاجر =

الجزء: 6 - الصفحة: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =زوجاً للعفيفة لأنه يؤثر عليها في دينها وأخلاقها، فإذا كان الزوج مثلاً معروفاً بالزنا، ولم يتب فإنه لا يصح أن يزوج بالعفيفة، وإذا كانت الزوجة معروفة بالزنا, ولم تتب فإنه لا يصح أن تزوج لا من الزاني ولا من غيره، أما إذا كان الزوج يشرب الدخان أو يسمع الأغاني ويحلق لحيته والزوجة كذلك تشرب الدخان وتسمع الأغاني وتستعمل النمص فهذا يخل بالدين وينقص الإيمان بلا شك، ولكن يصح العقد؛ فليس بشرط أن يكون الزوج أو الزوجة عدلين، فلو شرط ذلك لفات النكاح على كثير من الناس.
أما الكفاءة في النسب: يعنى أن يكون الإنسان نسيباً أي له أصل في قبائل العرب، فهذا ليس شرطاً في صحة النكاح على الصحيح من أقوال أهل العلم، فمتى كان الرجل كفئاً للمرأة في الدين والخلق فإنه يزوج ولا حق للأولياء في فسخ العقد دليل ذلك: 1 - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج زينب بنت جحش القرشية زيد بن حارثة الذي كان مولى، ومعلوم أن قريشاً أعلى نسباً من غيرهم.
2 - أن بلال بن رباح -رضي الله عنه- تزوج أخت عبد الرحمن بن عوف، وتزوجت فاطمة بنت قيس القرشية أسامة بن زيد بن حارثة وهو من الموالي.
وعلى ذلك نقول بأن الكفاءة والنسب ليست شرطاً في النكاح

فائدة: هل الكفاءة شرط في لزوم العقد؟

بمعنى أن الولي إذا زوج ابنته رجلاً ذا خلق ودين ولكنه ليس كفئاً لها لأنه أعجمي فهل يصح العقد؟

الجزء: 6 - الصفحة: 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =نقول ذهب الحنابلة (1) إلى أن للأولياء أن يطلبوا الفسخ، لأنه يعد عاراً عليهم.
وذهب عامة أهل العلم (2)، واختاره شيخ الإسلام (3) إلى أن الولي إذا زوج ابنته ممن ترضاه وكان ذا خلق ودين، فإنه ليس للأولياء طلب الفسخ، وهذا هو الصحيح للأدلة التى ذكرناها قريباً, فلو كان للأولياء حق لاستأذنوا، فلما لم يستأذنوا دل على أنهم ليس لهم حق.
وأيضاً من الأدلة على ذلك أن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة بنت الزبير وهي قرشية وبنت عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا يدل على أنه لا بأس بأن يتزوج العربي غير العربية، وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (4).

فائدة: في زواج الخضيري من القبيلية والعكس

: لما كانت هذه المسألة تثار كثيراً وهي بمكان في بعض المجتمعات كان لابد من إلقاء الضوء عليها فنقول: أولاً: سبق أن ذكرنا أن جمهور الفقهاء اختلفوا في الصفات المعتبرة في الكفاءة فمنهم من اعتبر النسب، ومنهم من اعتبر الحرفة والصنعة، =158159160161

الجزء: 6 - الصفحة: 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ومنهم من اعتبر اليسار والغني.
والراجح كما ذكرنا: أن الكفاءة المعتبرة هي الدين فقط، فلا يزوج الكافر بالمسلمة، ولا الفاسق بالعفيفة.
قال ابن القيم -رحمه الله- في الهدي: «فصل في حكمه -صلى الله عليه وسلم- في الكفاءة في النكاح»، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وجَعَلْنَاكُم شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم﴾ 162، وقال تعالى: ﴿إِنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ 163، وقال: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 164. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ 165، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا فَضْلَ لِعَرَبىٍّ عَلى عَجَمِي، وَلا لِعَجَمِيِّ عَلى عَرَبي، ولا لأَبْيَضَ عَلى أَسْوَدَ ولا لأسود عَلى أبْيَضَ، إِلاَّ بِالتَّقْوَى، النّاسُ مِنْ آدَمَ، وآدَمُ منْ تُرابٍ»، وقال: «إِنَّ آلَ بنِي فُلانٍ لَيْسُوا لي بِأَوْليَاءَ، إِنَّ أَوْلِيائي المتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وأَيْنَ كَانُوا»، وجاء في الحديث «إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضُوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلاَّ تَفْعَلوه، تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسَادٌ كَبِيرٌ» 166. قالوا: يا رسولَ الله، =

الجزء: 6 - الصفحة: 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وإن كان فيه؟ فقال: «إذَا جَاءَكُم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوه»، ثلاث مرات.
وقال النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- لبني بَيَاضَة «أَنْكِحُوا أَبا هِنْدٍ، وأَنْكِحُوا إلَيْهِ»، وكان حجَّاماً.
وزوَّج النبىُّ -صلى الله عليه وسلم- زينبَ بنتَ جَحْشٍ القُرشية مِن زيد بن حارثة مولاه، وزوَّج فاطمة بنت قيس الفِهرية القرشية من أسامة ابنه، وتزوَّج بلالُ ابن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى: ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِين والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ 167، وقد قال تعالى: ﴿فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 168، فالذي يقتضيه حُكمُه -صلى الله عليه وسلم- اعتبارُ الدِّين فى الكفاءة أصلاً، وكمالاً، فلا تُزوَّجُ مسلمةٌ بكافر، ولا عفيفةٌ بفاجر، ولم يعتبرِ القرآنُ والسنةُ فى الكفاءة أمراً وراءَ ذلك، فإنه حرَّم على المسلمة نكاحَ الزاني الخبيثِ، ولم يعتبر نسباً ولا صِناعة، ولا غِنىً ولا حريَّةً، فجوَّز للعبد القِنَّ نكاحَ الحرَّةِ النسيبة الغنيةِ إذا كان عفيفاً مسلماً، وجوز لغير القرشيين نكاحَ القرشيات، ولغير الهاشميين نكاحَ الهاشميات وللفقراءِ نكاحَ الموسرات» 169. قال شيخنا -رحمه الله- «ومن ذلك أيضاً ما يجري بين الناس الآن من كون القبيلية لا تتزوج بخضيري، والخضيري لا يتزوج بقبيلية، والخضيري: =

الجزء: 6 - الصفحة: 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =هو الذي لا ينتسب لقبيلة من قبائل العرب، لكن لما كان أصله غير قبيلي صاروا يسمونه خضيري والآخر قبيلي، فمن العادات الباطلة أنه لا يزوج قبيلي بخضيرية ولا خضيري بقبيلية.
فأما الأول وهو ألا يزوج قبيلي بخضيرية، فما علمت أحداً من العلماء قال به إطلاقاً؛ لكن قال بعض العلماء: إنه لا تزوج القبيلية بخضيري إذا عارض بعض الأولياء، وإن كان هذا القول مرجوحاً لكنه قد قيل به، أما الأول فلم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، وهذه من العادات السيئة التي ينبغي أن تمحى من أفكار الناس.
ويقال: أليست هذه الخضيرية أو هذا الخضيري أليس حراً؟ صحيح أن الأمة المملوكة لا يتزوجها الحر بنص القرآن إلا بشروط، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 170. لكن امرأة حرة نقول: لا يتزوجها الحر، في دين من؟ ولهذا كان قول بعض العلماء: إنه لا تزوج القبيلية برجل خضيري إذا عارض بعض الأولياء، بل غلا بعض العلماء: وقال: لا يصح النكاح أصلاً، فإن هذه أقوال ضعيفة لا معول عليها، فالمؤمنون بعضهم لبعض أكفاء، المسلمون تتكافأ دماؤهم وتتكافأ أحوالهم، ولا دليل على التفريق» 171 =

الجزء: 6 - الصفحة: 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- لما سئل عن هذه المسألة: «والخضيري في عرف الناس في نجد خاصة ولا أعرفها إلا في نجد هو الذي ليس له قبيلة معروفة ينتمي إليها, أي ليس معروفاً بأنه قحطاني أو تميمي أو قرشي لكنه عربي ولسانه عربي ومن العرب وعاش بينهم ولو كانت جماعته معروفة.
والمولى في عرف العرب: هو الذي أصله عبد مملوك ثم أعتق، والعجم هم الذين لا ينتسبون للعرب يقال: عجمي, فهم من أصول عجمية وليسوا من أصول عربية, هؤلاء يقال لهم أعاجم.
والحكم في دين الله أنه لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى سواء سمي قبلياً، أو خضيرياً، أو مولى، أو أعجمياً، كلهم على حد سواء.
لا فضل لهذا على هذا، ولا هذا على هذا إلا بالتقوى; كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى ولا فضل لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى».
وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 172. لكن من عادة العرب قديماً أنهم يزوجون بناتهم للقبائل التي يعرفونها ويقف بعضهم عن تزوج من ليس من قبيلة يعرفها, وهذا باق في الناس.

الجزء: 6 - الصفحة: 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقد يتسامح بعضهم, يزوج الخضيري والمولى والعجمي, كما جرى في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- , فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج أسامة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنه- وهو مولاه وعتيقه زوجه فاطمة بنت قيس رضي الله عنها وهي قرشية, وكذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وهو من قريش زوج مولاه سالماً بنت أخيه الوليد بن عتبة ولم يبال لكونه مولى عتيقاً.
وهذا جاء في الصحابة رضي الله عنهم وبعدهم كثير, ولكن الناس بعد ذلك خصوصاً في نجد وفي بعض الأماكن الأخرى قد يقفون عن هذا ويتشددون فيه على حسب ما ورثوه عن آباء وأسلاف, وربما خاف بعضهم من إيذاء بعض قبيلته إذا قالوا له: لم زوجت فلاناً, هذا قد يفضي إلى الإخلال بقبيلتنا وتختلط الأنساب وتضيع إلى غير ذلك, قد يعتذرون ببعض الأعذار التي لها وجهها في بعض الأحيان ولا يضر هذا, وأمره سهل.
المهم اختيار من يصلح للمصاهرة لدينه وخلقه, فإذا حصل هذا فهو الذي ينبغي سواء كان عربياً أو عجمياً أو مولى أو خضيرياً أو غير ذلك, هذا هو الأساس, وإذا رغب بعض الناس أن لا يزوج إلا من قبيلته فلا نعلم حرجاً في ذلك» 173. قلت: وبهذا نعلم أن الذي ينبغي على الآباء أو الأولياء أن ينظروا إلى=

الجزء: 6 - الصفحة: 82

وَالعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاء (1)،  =حال الخاطب فإن كان صالحاً مستقيماً فليزوجوه, فإن صاحب الدين هو الذي يحفظها ويرعاها, إن أحبها أكرمها, وإن كرهها لم يظلمها.
وإذا كنا نقرر ذلك أن الأصل هو جواز أن يكون الخضيري زوجاً للقبيلية والعكس كذلك، وأنه ينبغي العمل على إزالة هذه العادة السيئة إلا أننا نقول لو كان زواج الخضيري من القبيلية سيؤدي إلى مشاكل ونزاع بين أفراد القبيلة فينبغي تجنب ذلك إخماداً لنار الفتنة ودرءًا للشر وقطعاً لدابر الفوضى وحماية للأعراض والأبدان، بل لو أن ابن العم إذا تزوج بنت عمه ترتب على ذلك مشاكل، فيمنع ذلك درءًا للفتنة وسداً لباب الفرقة.

(1)

قوله «وَالعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاء»:

ما ذكره المؤلف هنا هو أصل لحديث أخرجه البزار وغيره من حديث معاذ بن جبل، وأخرجه البيهقي من حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الْعَرَب بَعضهم لبَعض أكفاء، رجل لرجل، وَحي لحي، وقبيلة لقبيلة، والموالي مثل ذَلِك إلاّ حائك أَو حجام» 174، وهذا الحديث ضعيف جداً، بل قال بعضهم بأنه موضوع قال صاحب العلل المتناهية هذا الحديث لا يصح، وعلى هذا فالراجح أن العرب كغيرهم لعموم قوله تعالى: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» 175.

الجزء: 6 - الصفحة: 83

وَلَيْسَ العَبْدُ كُفُءَ الحُرَّةِ، وَلا الفَاجِرُ كُفُءَ العَفِيْفَةِ (1)،

ذكر بعض الفوائد

: الفائدة الأولى: قال العلماء الكفاءة المساواة: هي أن يتساوى الزوجان في خمسة أشياء: 1 - الدِّين: فالفاجر ليس كفوءاً للمرأة الصالحة.
2 - المنصب: وهو النسب؛ فالأعجمي ليس كفوءاً للعربي.
3 - الحرية: فالعبد المملوك ليس كفوءاً للحرة.
4 - الصنعة أو الحرفة: فصاحب الصنعة الدنيئة ليس كفوءاً لصاحب الصنعة الشريفة.
5 - اليسار: فالمعسر ليس كفوءاً لصاحب المال الموسر، وقد سبق بيان ذلك مع الراجح.

  • الفائدة الثانية: ذكر المؤلف أن المرأة إذا رضيت بمن هو غير كفء لها جاز ذلك: وهذا أحد الروايتين في المذهب، فالرواية الأولى لا يصح، والثانية يصح، وهذا هو الصواب فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوج ابنة عمته زينب بنت جحش مولاه زيد بن حارثة وقد سبق ذكر ذلك.

(1)

قوله «وَلَيْسَ العَبْدُ كُفُءَ الحُرَّةِ، وَلا الفَاجِرُ كُفُءَ العَفِيْفَةِ»:

أي من الأمور المعتبرة في الكفاءة أيضاً الحرية والعفة، فالعبد الذي بقي على الرق ليس كفءً للحرة وكذلك المرأة العفيفة لا تزوج بالرجل الفاجر الزاني لأن العفة في الكفاءة شرط فيها أي في حصول الكفاءة فلا يتزوج الرجل الفاجر وهو الزاني من المرأة العفيفة فلو زوج العفيفة بالفاجر فهل يصح النكاح؟ =

الجزء: 6 - الصفحة: 84

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِإِذْنِهَا (1)،  = على قولين: القول الأول: صحة الزواج.
القول الثاني: وهو الصواب أن الكفاءة في الدين شرط فيها فلا يمكَّن الرجل الفاجر من المرأة العفيفة، فإذا تزوجها فالنكاح فاسد، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1). فالحاصل أن العبد ليس كفؤاً للحرة لأن الرق نقص في المملوك ولكن ليس شرطاً في النكاح، وكذلك العاصي الفاجر ليس كفؤاً للمرأة الصالحة، وقد أجمع العلماء على هذا النوع في الكفاءة أعني الكفاءة في الدين، وما سوى ذلك فلا اعتبار له في الكفاءة.

(1)

قوله «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِإِذْنِهَا»:

سبق أن ذكرنا فائدة وهي هل يصح أن يكون الولي زوجاً؟ وقلنا بجواز ذلك كابن العم وليس ولي أقرب منه، ونظير هذا أن يقول السيد لأمته «أعتقتك وجعلت عتقك صداقك»، فهذا يكفي في الايجاب والقبول، وهذا معنى كلام المؤلف هنا.
فالحاصل أن ما ذكره المؤلف هنا في هذه المسألة التي يسميها الفقهاء تولى طرفي العقد يجوز أن ينكح الرجل موليته ويتولى هو طرفي العقد بمعنى أن يكون هو الولي وهو الزوج، ودليل ما ذكره المؤلف هنا هو ما رواه=176

الجزء: 6 - الصفحة: 85

وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلىَّ طَرْفَيْ العَقْدِ (1)، وَإِنْ قَالَ لأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكَ وَجَعَلْتُ عِتْقَكَ صَدَاقَكَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، ثَبَتَ العِتْقُ وَالنِّكَاحُ؛ لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (2)،  =البخاري معلقاً مجزوماً به ووصله ابن سعد في الطبقات «أنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ» (1).

(1)

قوله «وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلىَّ طَرْفَيْ العَقْدِ»:

وذلك لأنه تولى أمرهما كليهما، وقد ملك منافعهما ومن أعظم المنافع النكاح.
وقوله «عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ» فيه احتراز من العبد الكبير وقد سبق، فلا يجوز إلا باذنه كما مرّ.

178

قوله «وَإِنْ قَالَ لأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُكَ وَجَعَلْتُ عِتْقَكَ صَدَاقَكَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، ثَبَتَ العِتْقُ وَالنِّكَاحُ؛ «لأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» (2)»: يسمي الفقهاء هذه المسألة بحكم جواز أن يكون العتق صداقاً.
وقد اختلفوا في هذه المسألة: فالجمهور 179 على جواز ذلك لما ثبت في الصحيحين عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعتق صفية وجعل عتقها صداقها كما ذكر ذلك المؤلف.
=177

الجزء: 6 - الصفحة: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهراً سوى العتق.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لكن اشترط لذلك المؤلف أن يكون بحضرة شاهدين، وفي هذا النكاح يكون السيد هو الولي، والمهر هو العتق، والمعتوقة ليس لها ولاية لأنه ملكها وهذا هو الرضا، والرابع الشاهدان، وبهذا نعلم أنه قد توفر للسيد مع أمته ثلاثة شروط والرابع الشاهدان.

الجزء: 6 - الصفحة: 87

فَصْلٌ فِيْ نِكَاحِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِ

(1) وَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيْجُ إِمَائِهِ كُلِّهِنَّ (2)، وَعَبِيْدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنٍ (3)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ نِكَاحِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِ»:

الرق متعارف عليه قبل الإسلام بقرون متطاولة، وكانت الحياة الاقتصادية والاجتماعية قائمة في الغالب على أكتاف الرقيق، فهو يشكل جزءاً كبيراً من عناصرها، وقد جاء الإسلام الحنيف فحث على تحرير الأرقاء، وهم العبيد والإماء.
وإنما سمى العبيد رقيقاً لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون له.

(2)

قوله «وَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيْجُ إِمَائِهِ كُلِّهِنَّ»:

أي إن السيد إذا زوج أمته بغير إذنها يصح سواء كانت هذه الأمة ثيباً أو بكراً صغيرة أو كبيرة وذلك لأن منافعها مملوكة له والنكاح عقد على منفعة فأشبه عقد الاجارة، ولأنه ينتفع بذلك لما يحصل له من مهرها وولدها وتسقط عنه نفقتها وكسوتها.
(3)

قوله «وَعَبِيْدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنٍ»:

أي ويملك السيد كذلك تزويج عبيده الصغار بغير إذنهم بخلاف العبد الكبير، وهذا هو المذهب 180. فيجوز للسيد إجبار عبده الصغير على الزواج قياساً على الابن الصغير بل في العبد أولى لثبوت الملك له عليه، لكن لا يملك إجبار عبده الكبير لأنه خالص حقه فلا يملك إجباره عليه كالطلاق.
وفي رواية أخرى يملك إجباره كالصغير.
والراجح: هو القول الأول، فلا يجوز له إجبار عبده الكبير على الزواج.

  • فائدة: على من يكون المهر والنفقة؟ قولان لأهل العلم:

الجزء: 6 - الصفحة: 88

وَلَهُ تَزْوِيْجُ أَمَةِ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا (1)، وَلا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الكَبِيْرِ عَلى النِّكَاحِ (2)، وَأَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَّيِدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ (3)،  الأول: يكون على السيد مطلقاً، والأخرى تتعلق بكسبه أي كسب العبد، والأول هو الأظهر.

(1)

قوله «وَلَهُ تَزْوِيْجُ أَمَةِ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا»:

كأن يكون عند زوجته أمة وأرادت أن تزوجها، فلا يجوز للزوجة أن تتولى عقد النكاح لاشتراط الذكورية في الولي كما سبق، فهنا يقوم الزوج بتولي نكاح أمة موليته لأنه حينئذ يقوم مقام سيدتها.
(2)

قوله «وَلا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الكَبِيْرِ عَلى النِّكَاحِ»:

ذكرنا ذلك آنفاً أنه لا يمكن أن يجبر السيد عبده الكبير على النكاح لأن العبد يملك أمر نفسه في الطلاق فكذلك يملكه في النكاح، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في هذه المسألة.
(3)

قوله «وَأَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَّيِدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ»:

العهر هو الفسق والمجون والفجور، فكأن العبد حينما تزوج بغير إذن سيده فإن زواجه أتى بطريق غير شرعي ويكون النكاح باطلاً.
واحتجوا كذلك بما جاء عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» 181، ولأنه بسبب ما قام به من تزويج نفسه بغير إذن سيده حصل على سيده ضرر لأنه إن عجز رجع عليه=

الجزء: 6 - الصفحة: 89

فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ (1)،  =ناقص القيمة ويوجب على سيده أن يؤدي المهر والنفقة فلم يجز بغير إذنه، وعلى ذلك يكون النكاح باطلاً.
وفي رواية أخرى (1) أنه يصح ويقف على إجازة مولاه بناء على تصرفات الفضولي.
قال الإمام الخطابي: وإنما بطل نكاح العبد من أجل أن رقبته ونفقته مملوكتان لسيده، وهو إذا اشتغل بحق الزوجة لم يتفرغ لخدمة سيده وكان في ذلك ذهاب لحقه، فأبطل النكاح إبقاء لمنفعته على صاحبه (2).

(1)

قوله «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ»:

أي فإن دخل العبد بالمرأة التي تزوجها بغير إذن سيده فللمرأة المهر، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» 184، وهذا العبد قد استحل فرجها فيكون المهر عليه، ولأنه قد استوفى منافع البضع فكان المهر واجباً، وقوله «فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ» أي أن المهر يتعلق برقبة العبد، فيباع ويدفع المهر مثل إذا جنى العبد فإن الجناية تكون في رقبته، إلا أن يفديه سيده فإن فداه برئت ذمته.
=182183

الجزء: 6 - الصفحة: 90

وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدِّخُولِ (1)، وَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا (2)،  =وقوله «بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ» أي ينظر هل قيمته أقل من المهر، فإن كانت أقل من المهر فلا يلزم السيد إلا القيمة، وإن كانت القيمة أكثر من المهر لزم المهر لفك رقبة العبد منه.

(1)

قوله «وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدِّخُولِ»:

بدأ المؤلف هنا ببيان بعض الأحكام التي تتعلق بما يحصل من الغش أو الخداع أو التغرير بالزوج، وهذا الخداع قد يحصل من قبل الولي، وقد يحصل من قبل الزوجة، أو يحصل من قبل الزوج.
وقوله «وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ» أي إذا تزوج الرجل امرأة على أنها حرة فبانت أنها أمة ثم علم بعد الزواج فلا يخلوا هذا من أحوال: الحالة الأولى: أن يعقد عليها ولم يدخل بها فله فسخ النكاح وليس لها من المهر شيء للحديث المتقدم وفيه «فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا»، فعلق المهر بوجود الاستمتاع، وعلى ذلك لا يكون المهر إلا بالدخول بها.

(2)

قوله «وَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا»:

هذه هي الحالة الثانية، أي دخل بها ولكن لم يوجد أولاد منها فيثبت المهر للزوجة ويرجع الزوج بما غرمه=

الجزء: 6 - الصفحة: 91

وَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَوَلَدُهُ حُرٌّ يَفْدِيْهِ بِقِيْمَتِهِ (1)، وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ عَلى مَنْ غَرَّهُ (2)،  =من قيمة المهر على من غره بالمهر.

(1)

قوله «وَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَوَلَدُهُ حُرٌّ يَفْدِيْهِ بِقِيْمَتِهِ»:

هذه هي الحال الثالثة، وهو أن يدخل بها ثم ينجب منها أولاداً، فإن الأولاد يكونون أحراراً ولكن يفديهم إما بقيمتهم وإما بمثلهم حال ولادتهم.
وقولنا «بقيمتهم»: أي يقدر كم قيمتهم لو كانوا غير أحرار؟ وقولنا «بمثلهم»: أي يمثل حالتهم فيفديهم بمثلهم عبيداً مكان كل غلام بغلام وكل جارية بمثلها.
فالحاصل أنه في مثل هذه الحالة التي أنجب منها أولاداً فإن الزوج يدفع فداء أولاده لسيد الأمة وذلك لقضاء الصحابة بذلك كما هو ثابت عن عمر وعلي وابن عباس، ولأن الولد نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكاً لمالكه، وقد فوَّت رقه باعتقاد الحرية فلزمه قيمتهم.

(2)

قوله «وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ عَلى مَنْ غَرَّهُ»:

أي يرجع الزوج بما غرمه من قيمة الأولاد على من غرّه, لأن قيمة الولد لم تحصل في مقابلة العوض, لأنها وجبت بحرية الولد وحرية الولد للولد لا لأبيه.
و

هل يرجع كذلك بالمهر؟ على قولين

: الأول: يرجع بالمهر على من غرّه, لأن العاقد ضمن له سلامة الوطء, كما ضمن له سلامة الولد, فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع عليه بالمهر.
الثاني: لا يرجع بالمهر لأنه وجب في مقابلة بضع وصل إليه وهو الوطء, فلم يرجع به.

الجزء: 6 - الصفحة: 92

وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ (1)،  (1)

قوله «وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ»:

من المقرر في الشرع أن الحرَّ لا يجوز له أن ينكح الأمة المسلمة, فالعبد له أن يتزوج الأمة لأنه يساويها لكن لما كان الناس يختلفون من حيث وجود المال وعدمه, وقوة الشهوة وقلتها أو القوة البدنية والعجز فيها جاء التصريح من قبل الشارع في جواز النكاح من الإماء وذلك بشروط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 185، فاشترط الله تعالى في هذه الآيات ثلاث شروط: الأول: أن تكون الأمة مسلمة لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
الثاني: أن يعجز عن طول حرة، أو ثمن أمة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾.
الثالث: أن يخاف عنت العزوبة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ وهذا معنى كلام المؤلف «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ».

الجزء: 6 - الصفحة: 93

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَا، فَهُوَ رَقِيْقٌ (1)،  =وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لذلك في «فصل في حكم فسخ نكاح الإماء».
فالحاصل أن الحر إذا تزوج المرأة على أنها حرة فبانت أمة فلابد من التفريق بينهما إلا إذا كان ممن توفرت فيه الشروط السابقة فإنها تبقى معه, فإن عتقت الأمة فلا خلاف في جواز بقائها معه لانتفاء الرق عنها وسيأتي في كلام المؤلف باب خاص بحكم نكاح الإماء.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَا، فَهُوَ رَقِيْقٌ»:

أي إن رضي الحر الذي يجوز له نكاح الإماء ببقاء الأمة زوجة له فما ولدته من أولاد بعد الرضا يكون رقيقاً لسيدها, لأن المانع من الغرور اعتقاد الزوج حريتها وقد زال بالعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 94

بابُ المُحَرَّماتُ فِيْ النِّكاحِ

(1)  (1)

قوله «بابُ المُحَرَّماتُ فِيْ النِّكاحِ»:

أي باب في بيان الممنوعات من النكاح، فقد شرع المؤلف في هذا الباب في بيان المحرمات في النكاح يعني من النساء اللاتي يحرم على الزوج أن ينكحهن، وقبل الشروع في بيان من يحرم على الرجال نكاحهن، نقول: المحرمات في النكاح ينقسمن إلى قسمين:

القسم الأول: المحرمات تحريماً مؤبداً:

وهذا القسم ينقسم إلى نوعين.
النوع الأول: المحرمات من أجل النسب وهن سبع نسوة: 1 - الأمهات: وهن أم الزوج؛ يعنى الأم وإن علون، أي أم الأم، وأم أم الأم، وكذلك أم الأب, وأم أم الأب، وإن علون.
2 - البنات: وإن نزلن؛ كبنته، وبنت بنته.
3 - الأخوات: شقيقة كانت أو لأب أو لأم.
4 - بنات الأخوات، وبنت بنتها، وبنت أبنها.
5 - بنات الأخ, وبنت ابن الأخ.
6 - العمات.
7 - الخالات.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ 186.

الجزء: 6 - الصفحة: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  النوع الثاني: أي اللاتي يحرمن على التأبيد وهن: 1 - الملاعنة: وهي التي فارقها زوجها بالملاعنة.
2 - الرضاع: فتحرم الرضاعة في كل ما حرم بالنسب، فتحرم البنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والأم من الرضاع، وبنت الابن من الرضاع، وبنت الأخ من الرضاع، وبنت الأخت من الرضاع، كما سيأتي في كلام المؤلف.
3 - ما حرم لأجل العقد وهن: أـ زوجة الأب، أو زوجة الجد لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ 187. ب - زوجة الابن, وكذا زوجة ابن الابن لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ 188، والحليلة هي زوجة الابن, أو ابن الابن وإن نزل، فهؤلاء بمجرد العقد لا يحل له نكاحهن.
ج - أم الزوجة، وجدتها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 189. 4 - ما حرم لأجل العقد والدخول، وهي بنت الزوجة، وبنات أولادهن وهي الربيبة لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ 190.

الجزء: 6 - الصفحة: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القسم الثاني: ما كان تحريمه تحريماً مؤقتاً: وهذا القسم له نوعان: النوع الأول: ما كان تحريمه لأجل الجمع: أـ فيحرم على الرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، أو بين المرأة وأختها لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 191، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» 192، وكذلك يحرم عليه أن يتزوج أكثر من أربع نسوة.
النوع الثاني: ما كان تحريمه لأجل عارض يزول وهن: أـ المعتدة حتى تنتهي عدتها؛ فلا يجوز للزوج أن يتزوج المعتدة حتى تنتهي عدتها لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 193. ب - الزانية: حتى تتوب وتنقضي عدتها لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ 194.

الجزء: 6 - الصفحة: 97

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ج - المطلقة ثلاث تطليقات حتى تنكح زوجاً غيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ (1). د - المرأة المحرمة ما دامت في إحرامها حتى تحل من إحرامها لحديث عثمان بن عفان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكَحُ وَلا يَخْطُبُ» (2). هـ - المرأة الكافرة غير الكتابية لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (3). وـ الأمة: فلا يجوز للحر المسلم أن يتزوج الأمة إلا إذا توفرت الشروط التي سبق بيانها.

فائدة: المحرمات خمسة أنواع

: بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وباللعان، وبالاحترام، فأما المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع فقد سبق ذكرهم.
وأما المحرمات بالمصاهرة: فهن ما حرم بسبب عقد النكاح فليس هناك قرابة ولا رضاع كما سيأتي إن شاء الله.
وأما المحرمات باللعان: فالمراد بهن من رماها زوجها بالزنا ولم تقر به ولم يقم بينة على ما قذفها به، فيحصل اللعان الوارد في سورة النور.
=195196197

الجزء: 6 - الصفحة: 98

وَهُنَّ الأُمُّهَاتُ (1)، وَالبَنَاتُ (2)،  =وأما المحرمات بالاحترام: فهن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً﴾ (1).

(1)

قوله «وَهُنَّ الأُمُّهَاتُ»:

شرع المؤلف هنا في بيان ما يحرم بالنسب وهن المذكورات في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (2)، فالأم تحرم على التأبيد أي إلى يوم القيامة، وكذا أمها بل وكذا كل جدة من قِبَلِها، والجدات من قبل الأب كذلك.
(2)

قوله «وَالبَنَاتُ»:

وإن نزلن كبنت البنت، وبنت الابن وبناتها سواء كانت هذه البنت من حلال أو حرام، فالبنت التي جاءت من حلال هي التى خلقت من ماء رجل يحل له وطء من ولدتها فهذه لا تحل له، أما الحرام فهي التي أتت من ماء حرام كالبنت التي جاءت من زنى فهذه أيضاً تحرم عليه, لأنها بضعة منه قدراً، وإن كانت ليست بنته شرعاً، فلا تنسب إليه عند جمهور الفقهاء سواء أدعاها بنتاً له أم لا.198199

الجزء: 6 - الصفحة: 99

وَالأَخَوَاتُ (1)، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ (2)، وَبَنَاتُ الأَخَوَاتِ (3)، وَالعَمَّاتُ، وَالخَالاتُ (4)، وَأُمُّهَاتُ النِّسَاءِ (5)،  (1)

قوله «وَالأَخَوَاتُ»:

أي يحرم عليه كذلك نكاحهن سواء كانت شقيقة أو لأم وكذلك بنتها وبنت بنتها، فالأخوات وفروعهن حرام على الأخ.
(2)

قوله «وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ»:

أي كذلك يحرم عليه نكاح بنت أخيه لأنه عمها، وكذلك يحرم عليه بنتها وبنت بنتها، وهكذا لأن عم الأم عم لبناتها.
(3)

قوله «وَبَنَاتُ الأَخَوَاتِ»:

أي وكذلك يحرم عليه نكاح بنت الأخت لأنه خال لهن وذلك لأن خال كل إنسان خال لها ولذريته من ذكور وإناث.
(4)

قوله «وَالعَمَّاتُ، وَالخَالاتُ»:

العمَّة هي أخت الأب، والخالة أخت الأم, فهما حرام عليه وإن علتا بأن تكون عمة لأب أو للجد، أو عمة للجدة وكذلك خالة للأب، أو خالة للجد، أو خالة للأم، أو خالة للجدة، فهؤلاء يحرم عليه نكاحهن.
(5)

قوله «وَأُمُّهَاتُ النِّسَاءِ»:

شرع المؤلف في بيان المحرمات بسبب المصاهرة فبدأ بأم الزوجة لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فهذه تحرم عليه بمجرد العقد كما سبق.
وهل يشترط أن يكون العقد صحيحاً لكي تحرم عليه؟ قولان: الصحيح أنه يشترط أن يكون العقد صحيحاً، فإن كان العقد فاسداً فلا يحرم.
مثال ذلك: لو تزوج امرأة بلا ولي، والولي كما سبق شرط لصحة=

الجزء: 6 - الصفحة: 100

وَحَلائِلُ الآبَاءِ (1)، الرَّبَائِبُ المَدْخُوْلُ بِأُمَّهَاتِهِنَّ (2)،  =النكاح فالعقد فاسد ولا تترتب عليه أثاره، فلو مات جاز لابنه من غيرها أن يتزوجها لأن العقد غير صحيح على القول الراجح من أقوال أهل العلم.
فالحاصل أنه لا أثر في تحريم المصاهرة بغير عقد صحيح وذلك لأن العقود إذا أطلقت حملت على الصحيح.

(1)

قوله «وَحَلائِلُ الآبَاءِ»:

وهن كما ذكرنا زوجة الابن وإن نزل مثل زوجة ابن ابنه, وزوجة ابن بنته، وزوجة ابن ابن ابن ابنه، وكذا ابن ابن ابن بنته, وقد اشترط الله تعالى أن تكون زوجة الابن من الأصلاب فقال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (1)، أي الذين خرجوا من الصلب، وهذا فيه احتراز من الرضاع كما سيأتي إن شاء الله الخلاف في هذه المسألة مع بيان الراجح.

  • فائدة: لا تحرم كذلك بنات زوجة الابن وبنات زوجة الأب من غيره؟ فبنات زوجة الأب, وكذلك بنات زوجة الابن يجوز له أن يتزوج بهن لأنه لا علاقة بينه وبينهن، فهن لسن بأخوات له لا من أمه, ولا من أبيه.

(2)

قوله «الرَّبَائِبُ المَدْخُوْلُ بِأُمَّهَاتِهِنَّ»:

فإذا وطئ الرجل الزوجة بنكاح صحيح حرمت عليه بنتها، وهي الربيبة لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ=200

الجزء: 6 - الصفحة: 101

وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (1)، وَبَناتُ الْمُحَرَّمَاتُ مُحَرَّمَاتٌ (2)، إِلاَّ بَنَاتِ العَمَّاتِ وَالخَالاتِ (3)،  =بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} (1)، والربائب جمع ربيبة، وهي الأنثى من أولاد الزوجة أو أولادها وإن نزلوا.
واشترط الله تعالى في تحريم الربيبة أن يكون قد دخل بأمها, فلو عقد على امرأة وطلقها قبل الدخول وماتت قبل الدخول بها فإنه تحل له بناتها.

(1)

قوله «وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»:

هذا أصل حديث رواه البخاري ومسلم، وهو عمدة في هذا الباب، وقد سبق بيان ذلك, فيحرم بالرضاعة كل ما حرم بالنسب، فتحرم البنت من الرضاعة, والأخت من الرضاعة، وبنت الابن من الرضاعة, وبنت الأخ, وبنت الأخت من الرضاعة، أي السبعة الذي سبق ذكرهم في النسب، وسيأتي في باب الرضاع شرح هذا الحديث إن شاء الله.
(2)

قوله «وَبَناتُ الْمُحَرَّمَاتُ مُحَرَّمَاتٌ»:

أي تحرم كذلك بنات المحرمات اللاتي سبق ذكرهن، فالبنت تحرم، كذلك بنتها وبنت بنتها, وكذلك بنت الابن وبنت بنت الابن، وكذلك الأخت وبنت الأخت, وكذلك بنت الأخ وبنت بنت الأخ، وغير ذلك عدا ما استثناه المؤلف وهم.
(3)

قوله «إِلاَّ بَنَاتِ العَمَّاتِ وَالخَالاتِ»:

فهؤلاء لا يحرمن عليه نكاحهن بدليل القرآن، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ =201

الجزء: 6 - الصفحة: 102

وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ (1)، وَحَلائِلِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ (2)، وَأُمُّهَاتُهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ (3)، إلَّا البَنَاتِ وَالرَّبَائِبَ (4)،  =عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ} (1)، والحكم وإن كان المخاطب به النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه خاص يراد به العموم.

(1)

قوله «وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ»:

يعنى وكذلك بنات أمهات النساء حلال لأنهن غير مذكورات في المحرمات، ولأنهن أخوات فإنما يحرمن بالجمع لا غير.
(2)

قوله «وَحَلائِلِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ»:

أي وكذلك يجوز نكاح بنات زوجة الابن والابن من غيره لأنهن حرمن لعلة نكاح الآباء والأبناء لهن ولم يوجد هذا المعنى في بناتهن، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
فبنات زوجة الأب وبنات زوجة الابن يجوز نكاحهن، فيجوز للولد أن يتزوج ببنت زوجة أبيه التي هي ربيبة لأبيه، وكذلك يجوز للأب أن يتزوج ببنت زوجة ابنه التي من زوج آخر لأنه لا علاقة بينه وبينها، وقد سبق ذلك.

(3)

قوله «وَأُمُّهَاتُهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ»:

أي وجميع أمهات من تم ذكرهم من النساء محرمات، فأم الأم محرمة، وأم العمة أم، وأم الخالة أم، والأخوات أمهن أم، وهكذا.
لكن يستثنى من ذلك ما ذكره المؤلف هنا وهم.
(4) قوله «إلَّا البَنَاتِ وَالرَّبَائِبَ»: أي إلا أمهات البنات، وأمهات الربائب لأنهن زوجات، وحلال له نكاحهن.202

الجزء: 6 - الصفحة: 103

وَحَلائِلَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ (1)، وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً حَلالاً أَوْ حَرَامًا حَرُمَتْ عَلى أَبِيْهِ وَابْنِهِ (2)، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا (3)،  (1)

قوله «وَحَلائِلَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ»:

أي وكذلك أمهات زوجات الأبناء وأمهات زوجات الآباء لأنهن أجنبيات ولم ينه عن نكاحهن، فهن يدخلن في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (1). (2)

قوله «وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً حَلالاً أَوْ حَرَامًا حَرُمَتْ عَلى أَبِيْهِ وَابْنِهِ»:

سبق أن أشرنا إلى ذلك، ف

وطء المرأة لا يخلو من حالين

: الأول: أن يطأها حلالاً؛ أي بعقد صحيح أو ملك يمين, فإذا وطء المرأة بذلك حرم عليه أن ينكح أمها أو بنتها كما سبق.
الثاني: أن يطأها حراماً، كأن يكون وطء زنا أو نكاح شبهة، بمعنى أن يعقد عليها ثم لما عقد عليها وجدها لا تباح له، فهذه محل خلاف بين أهل العلم.
وقد سبق الإشارة إلى ذلك وقلنا بأن الوطء بزنا لا أثر له في التحريم، وهو قول مالك (2)، والشافعي (3)، ورجحه شيخنا -رحمه الله- (4).

(3)

قوله «وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا»:

هذا كما سبق بناء على أن الموطوءة بالوطء الحلال أو الحرام يحرم عليه نكاح أمها وبناتها، أي يحرم عليه أصولها وفروعها.203204205206

الجزء: 6 - الصفحة: 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والصواب: أن الموطوءة بنكاح حرام لا يحرم عليه أصولها وفروعها لأن العقود كما سبق إذا أطلقت في الشرع حملت على العقود الصحيحة لا الفاسدة.

الجزء: 6 - الصفحة: 105

فَصْلٌ فِيْ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ

وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخالَتِهَا فِيْ النِّكاحِ

(1) وَيَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا» (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخالَتِهَا فِيْ النِّكاحِ»:

هذا الفصل جعله المؤلف في حكم الجمع بين الأختين وكذا المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها.
وقد سبق الإشارة في أول باب المحرمات في النكاح إلى ذلك, وقلنا بأن الجمع بين المرأة وخالتها أو بين المرأة وعمتها أو بينها وبين أختها من التحريم المؤقت, ودليل التحريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ 207، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» 208، ولعل الحكمة في تحريم ذلك والله أعلم، لما يحصل في الجمع بين هؤلاء من قطيعة الرحم، فالمرأة جبلت على الغيرة، فلربما غارت من أختها، أو غارت من عمتها، أو من خالتها فيحصل بذلك القطيعة للرحم.

(2)

قوله «وَيَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا»:

سبق بيان ذلك مفصلاً، فلا يجوز للرجل أن يجمع بين الأخت وأختها، =

الجزء: 6 - الصفحة: 106

وَلا يَجُوْزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ (1)، وَلا لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إِلاَّ اثْنَتَيْنِ (2)،  =أو بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها, فإذا ماتت المرأة أو طلقت جاز له أن يتزوج بأختها، أو عمتها، أو خالتها.
وهل يجوز أن يجمع بين الأختين في الرضاعة؟ الصحيح أنه لا يجوز.

(1)

قوله «وَلا يَجُوْزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ»:

لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (1)، وهذا خبر أريد به الأمر، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للرجل أن يزيد على أربعة نسوة، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع وأصحاب الأهواء كالرافضة.
(2)

قوله «وَلا لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إِلاَّ اثْنَتَيْنِ»:

هذا هو المذهب، وعليه أكثر أهل العلم، أي يحرم على العبد أن يتزوج بالثالثة، وهذا قول عمر وعلي رضي الله عنهما ولا مخالف لهما، فقد قال عمر -رضي الله عنه- على المنبر: «أتدرون كم ينكح العبد؟ فقام رجل فقال أنا: قال كم؟ قال اثنتين» 210، وجاء عنه أيضاً «ينكح العبد امرأتين, ويطلق تطليقتين, وتعتد الأمة حيضتين» 211.209

الجزء: 6 - الصفحة: 107

فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوْزُ الجَمْعُ بَيْنَهُ فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ (1)، وَإِنْ كانَ فِيْ عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِيْ مِنْهُمَا (2)، وَلَوْ أَسْلَمَ كافِرٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً (3)،  =وذهب مالك (1) أنه يجوز له نكاح الأربع.
والصواب الأول.

(1)

قوله «فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوْزُ الجَمْعُ بَيْنَهُ فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ»:

مثل أن يعقد على امرأة وأختها، أو يعقد على أمرأة وعمتها، أو يعقد على امرأة وخالتها في عقد واحد فيفسد العقد لأن الزوجة الأولى ليست بأولى من الثانية, والأخت الصغيرة ليست أولى من الكبيرة والعكس كذلك, وهكذا فقس؛ فليست إحداهما أولى بالبطلان من الأخرى فبطل فيهما.
(2)

قوله «وَإِنْ كانَ فِيْ عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِيْ مِنْهُمَا»:

أي إذا حصلت المخالفة بأن جمع بين من لا يجوز الجمع بينهن، كأن يعقد على امرأة ثم بعد فترة على أختها، أو عمتها، أو خالتها، فإن الذي يصح هو العقد السابق ويبطل الذي بعده، ولو كان الفاصل بينهما لحظة كأن يتزوج إحداهما فقالت الأولى: «قبلت»، ثم التفت إلى الثانية وعنده وليها فقال: «قبلت الزواج» , لم يصح العقد الثاني منهما لكونه عقداً فاسداً.
(3)

قوله «وَلَوْ أَسْلَمَ كافِرٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً»:

أي إذا أسلم الكافر وكان تحته أختان فإنه يؤمر أن يفرق بينهما، فيختار إحداهما فتبقى له والأخرى يفارقها لحديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت =212

الجزء: 6 - الصفحة: 108

وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِالأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا (1)،  =يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان، قال: «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» (1).

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِالأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا»:

أي إذا أسلم الكافر ومعه أم وابنتها ولم يدخل بالأم، فإن نكاح الأم يفسد وحدها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 214 فتدخل في عموم الآية، ولأن الأم فيها من الشفقة ما ليس للبنت، وأما كونها لا تحرم على الرجل إلا إذا دخل بأمها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ 215. فالحاصل أنه متى أسلم الكافر وكان قد عقد على نكاح محرم، كأن يجمع بين أختين، أو عنده أكثر من أربع نسوة فإن الواجب عليه أن يفارق بين الأختين، فيمسك إحداهما ويفارق الأخرى، ويمسك أربعاً ويفارق سائرهن.
هذا هو قول عامة أهل العلم لكن يشترط أن تكون المبقية مسلمة أو كتابية، فإن كانت غير ذلك فلا يصح أن يبقيها معه.213

الجزء: 6 - الصفحة: 109

وَإِنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَحُرِّمَتَا عَلى التَّأْبِيْدِ (1)، وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ (2)، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَوْ آخِرَهُنَّ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَحُرِّمَتَا عَلى التَّأْبِيْدِ»:

أي إن كان قد أسلم وقد دخل بالأم وابنتها فيجب عليه أن يفرق بينهما، ولا يبقى مع إحداهما، وعلة تحريم الأم وابنتها عليه لأن الأم أم زوجته وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وأما البنت فلأنها ربيبة مدخول بأمها، والأم تحرم بمجرد العقد على ابنتها وكلاهما محرمتان عليه على التأييد.
(2)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ»:

أي إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة أمسك أربعاً وفارق بقيتهن لما جاء عن عثمان بن محمد بن أَبي سويد أَن رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال لِغَيلان بن سلمة حين أَسلم وعنده عشر نسوةٍ «خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» (1). (3)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَوْ آخِرَهُنَّ»:

أي فهو بالخيار في اختياره، فله أن يمسك الأخيرات ويطلق الأُوَلْ، وله أن يمسك الأُوَلْ ويطلق الأخيرات، وله أن يمسك الوسط ويطلق ما شاء، =216

الجزء: 6 - الصفحة: 110

وَكَذلِكَ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْنِ (1)، وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً فَنَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ خَامِسَةً فِيْ عِدَّتِهَا، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا (2)،  =فهو بالخيار في ذلك لحديث غيلان المتقدم.

فائدة: وهل تشرع القرعة هنا؟

نقول لا تشرع إلا باختياره ورضاه، والأَوْلى عدمها لأنه قد تقع القرعة على من يحبها فيفضي إلى تنفيره، فإن أبى على أن يفارق ما زاد عن الأربع أجبر بحبس ثم تعزير ولهن النفقة حتى يختار، فإن كان النسوة كافرات غير كتابيات أي وثنيات فلا يجوز أن يمسك بهن جميعاً لأنه لم يحل في نكاح الكافرات إلا الكتابيات، فإن كان بعضهن مسلمات وكتابيات فله الخيار في الإمساك بأربع منهن.

(1)

قوله «وَكَذلِكَ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْنِ»:

سبق أن ذكرنا أن العبد لا يجوز له أن يتزوج أكثر من اثنتين، فإذا أسلم وعنده أكثر من اثنتين وجب عليه أن يبقي اثنتين، ويفارق سائرهن، وله الخيار فيما يبقيه لنفسه.
(2)

قوله «وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً فَنَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ خَامِسَةً فِيْ عِدَّتِهَا، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا»:

أي ومن طلق امرأة طلاقاً رجعياً أو بائناً وأراد أن يتزوج أختها أو خالتها أو عمتها أو غيرها ممن يحرم عليه الجمع بينهما فإنه لا يصح حتى تنتهي عدة الزوجة الأولى، =

الجزء: 6 - الصفحة: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وعلل الفقهاء لذلك لأن الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً هي زوجة، فلو تزوج الزوج على أختها في زمن عدتها فيكون قد جمع بين المرأة وأختها وهذا لا يجوز، وكذلك إذا طلق امرأة طلاقاً بائناً فلا يجوز له أيضاً أن يتزوج بأختها حتى تنتهي عدتها، وهذا عليه عامة الفقهاء، أي لا يجوز له حتى تنتهي ثلاثة قروء، لأنه إذا تزوجها في عدة أختها كأنه قد جمع بينهما في النكاح، لأن العدة من آثار النكاح.
وكذلك أيضاً «أو خامسة»، كأن يكون عنده أربع نسوة ويريد أن يتزوج بخامسة فلا يجوز له أن يتزوج الخامسة قبل أن تنتهي عدة المطلقة سواء كان بائناً أو رجعياً.
وذهب جمهور العلماء إلى خلاف ما ذكره المؤلف، فقالوا: يجوز للرجل أن يتزوج الخامسة، أو أخت المطلقة، أو عمتها، أو خالتها في عدتها أي عدة المطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى لأن المحرم هو الجمع بينهن في النكاح، والبائن ليست في نكاحه.
وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخنا 217 -رحمه الله-، أما البينونة الصغرى، أو المطلقة طلاقاً رجعياً فلا يجوز حتى تنتهي عدتهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 112

فَصْلٌ فِيْ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِيْنِ

(1) يَجُوْزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ (2)، وَلَهُ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا (3)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِيْنِ»:

بعد أن انتهى المؤلف في بيان المحرمات بالوطء بدأ ببيان المحرمات بملك اليمين.
(2)

قوله «يَجُوْزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ»:

أي ويجوز للرجل أن يملك أختين بعقد بيع أو إرث وغير ذلك، وهذا لا إشكال فيه.
(3)

قوله «وَلَهُ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا»:

أي فلا يجوز له أن يجمع بين أختين، أو المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها حتى وإن كن من إمائه، فله وطء إحداهما، فإذا وطئها فلا يجوز له أن يطأ أختها، أو عمتها، أو خالتها لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ 218. وما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» 219. فإن قيل: كيف يصح الجمع بينهما في الملك ولم يصح أن يجمع بينهما في النكاح؟ نقول لأن الشراء لا يتعين فيه الاستمتاع، بخلاف عقد النكاح فالمراد به الاستمتاع.

الجزء: 6 - الصفحة: 113

فَمَتَى وَطِئَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ أَوْ إِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ (1)،  (1)

قوله «فَمَتَى وَطِئَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ أَوْ إِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ»:

هذان هما الشرطان اللذان يجوز فيهما للسيد أن يطأ الأخرى من أخت إمائه أو خالتها أو عمتها.
فالأول: أن يزوج الموطوءة الأولى، فإذا تزوجت فحينئذ يجوز له أن يطأ أختها، أو عمتها، أو خالتها، وهذا معنى قوله «حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ».
الثاني: أن يخرجها عن ملكه ببيع، فإذا باعها جاز له أن يتزوج بالأخرى.
ولكن اشترط المؤلف لذلك شرطاً وهو أن يعلم أن الموطوءة الأولى غير حامل، لأنها إن كانت حاملاً فهي ما زالت في عدتها.
وقد سبق أنه لا يجوز للرجل إن طلق المرأة أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها من طلاق رجعي أو طلاق بائن عند المؤلف، وقد رجحنا أنه لا يشترط في الطلاق البائن بينونة كبرى خروج المرأة من عدتها بل له أن يتزوج فيه وإن لم تنته عدتها.
فالحاصل أن المرأة إن كانت حاملاً فلا يجوز لغير زوجها الأول أن يطأها إذ كيف يطأها وهي لا تحل له لأنها ما زالت حاملاً بماء غيره.
أما الزوج الأول فعلى الصحيح أنه إن طلقها طلاقاً بائناً وكانت هذه المرأة حاملاً منه فيجوز له أن يتزوج أختها، أو عمتها، أو خالتها ممن كان يحرم عليه الجمع بينهن.

الجزء: 6 - الصفحة: 114

فَإِذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ عَادَتِ الأُوْلى إِلى مِلْكِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْراى (1)، وَعَمَّةُ الأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِيْ هَذَا كَأُخْتِهَا (2)،  (1)

قوله «فَإِذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ عَادَتِ الأُوْلى إِلى مِلْكِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْراى»:

يعني فإن عادت من فارقها سيدها بتزويج لغيره أو بيعها إليه مرة أخرى بشراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك فلا يجوز له أن يطأ الأخرى التي عادت لملكه إلا بما اشترطناه سابقاً وهو أن تتزوج الثانية أو يبيعها لغيره.
(2)

قوله «وَعَمَّةُ الأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِيْ هَذَا كَأُخْتِهَا»:

أي أن الحكم في هذا يشمل الأخت، والعمة، والخالة، فلا يجوز له أن يجمع بينهما في نكاح وإن كن في ملك يمينه إلا بما ذكرناه آنفاً، وما ذكره المؤلف هنا هو أحد القولين في هذه المسألة.
وفي قول آخر أنه لا يحرم الجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها، أو خالتها في ملك اليمين، لأن التحريم إنما جاء في العقد أي عقد النكاح لا ملك اليمين لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 220، وقوله تعالى: ﴿أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ 221، فرفع اللوم عنهم.
والأقرب والله أعلم هو القول الأول وهو المذهب, لأن الأختين إنما منع من وطئهما لما يترتب عليه من الفرقة، والنزاع، والشقاق، وقطع صلة الرحم الذي أمر الله بوصلها، وهذا حاصل في ملك اليمين، وحاصل في عقد النكاح كما مر معنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 115

فَصْلٌ فِيْ مَوَانِعِ نِكاحِ الأَمَةِ

(1) وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكاحُ أَمَةٍ كَافِرَةٍ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ مَوَانِعِ نِكاحِ الأَمَةِ»:

أي فصل فيما يكون سبباً في منع نكاح الإماء, فليس جميع الإماء يجوز نكاحهن بل هناك بعضهن يمنع من نكاحهن كما سيذكر ذلك المؤلف.
(2)

قوله «وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكاحُ أَمَةٍ كَافِرَةٍ»:

أي لا يجوز بأي حال أن ينكح الحر المسلم أو العبد المسلم الأمة الكافرة بل لا بد أن تكون مسلمة لأن الله تعالى إنما أباح من الكفار حرائر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 222، فاشترط أن تكون حرة, فإن كانت أمة من أهل الكتاب فلا يصح للحر نكاحها وهذا قول جمهور أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم: يجوز للحرِّ الاستمتاع بالمرأة بملك اليمين سواء كانت كتابية أو غير كتابية لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ 223، والذي يملكها بملك اليمين لم يفصل الشارع فيها, وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنّ﴾ 224، فالمراد به النكاح لا ملك اليمين.

الجزء: 6 - الصفحة: 116

وَلا لِحُرٍّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ، وَلا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَيَخَافُ العَنَتَ (1)،  (1)

قوله «وَلا لِحُرٍّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ، وَلا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَيَخَافُ العَنَتَ»:

سبق الإشارة إلى شيء مما ذكره المؤلف عند قوله «إن لم يكن ممن يحل له نكاح الإماء»، فلا يحل للحرِّ نكاح الأمة المسلمة إلا بشروط ذكرناها سابقاً وهي كما ذكرها المؤلف.
1 - أن لا يجد طول الحرة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾، والطول: هو القدرة المالية على نكاح الحرة، أو على ثمن الأمة.
2 - خوف العنت: وهو الضيق والحرج, والمقصود هنا إذا خاف على نفسه الحرام من عدم غض البصر والوقوع في الزنا وغير ذلك فيجوز له نكاح الأمة المسلمة.
دليل ذلك ما ذكره المؤلف هنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ... ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 225. فمتى توفر هذان الشرطان فيجوز له نكاح الأمة المسلمة، فإن تخلف الشرطان أو تخلف أحدهما فلا يجوز له لمفهوم الآية.

الجزء: 6 - الصفحة: 117

وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيْهِ قَائِمَيْنِ (1)،  (1)

قوله «وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيْهِ قَائِمَيْنِ»:

أي وللحر أن ينكح أربعاً من الإماء إذا توافر فيه الشرطان السابقان فله أن ينكح أمة وأخرى إلى أربع إذا لم تعفه نفسه لعموم الآية.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: إنما نهى المسلم عن نكاح الأمة, لأنه إذا تزوج الأمة صار أولاده منها ملكاً لسيدها, فأرق أولاده، وأذل نفسه مع الغنى, ولأن الشريعة تتشوف إلى حرية الناس وقد سبق بيان ذلك في باب العتق.
  • الفائدة الثانية: «ذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى جواز نكاح الأمة المسلمة لواجد الطول غير خائف العنت إذا شرط على سيدها عتق كل ما يولد له وقال هذا مذهب الليث, لامتناع مفسده ارقاقه ولده» 226.
  • الفائدة الثالثة: لا يجوز نكاح المرأة الزانية إلا بشرطين: الأول: أن تتوب وتندم وتستغفر على ما فعلته، مع العزم على أن لا تعود لذلك لأنها قبل التوبة في حكم الزانية، فإن تابت زال ذلك، ولأنها إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن أن تلحق به ولداً من غيره وتفسد فراشه.
    الثاني: انقضاء عدتها، فإذا حملت من الزنا فقضاء عدتها بوضعها، ولا يحل نكاحها قبل وضعها لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» 227.

الجزء: 6 - الصفحة: 118

بابُ الرَّضَاعِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الرَّضَاعِ»:

الرَّضاع بفتح الراء وكسرها مصدر، رضع الصبي الثدي أي مصه.
وشرعاً: مص من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.
وقيل أيضاً في تعريفه: الرضاع: هو اسم لوصول لبن امرأة، أو ما حصل من لبنها في جوف طفل بشروط.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: هذا الباب باب عظيم من أبواب الفقه ينبغي لطالب العلم أن يعتني به، ويلاحظ أن المؤلف -رحمه الله- أدرجه ضمن أبواب النكاح وإلا فهناك من أهل الفقه من جعله كتاباً مستقلاً كما فعل صاحب الزاد وصاحب التسهيل.
  • الفائدة الثانية: حكم الرضاع ثابت بالكتاب والسنة والاجماع ونصوصه مشهورة، فمن نصوص الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ 228. ومن السنة: ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي بِنْتِ حَمْزَةَ لا تَحِلُّ لِي يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَة» 229

الجزء: 6 - الصفحة: 119

حُكْمُ الرَّضَاعِ حُكْمُ النَّسَبِ فِيْ التَّحْرِيْمِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ (1)، فَمَتَى أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ طِفْلاً، صَارَ ابْنًا لَهَا (2)،  =أما الإجماع: فقد انعقد على ثبوته لدلالة الكتاب والسنة عليه.

  • الفائدة الثالثة: الأحكام المترتبة على الرضاع: هي تحريم النكاح وإباحة النظر والخلوة والمحرمية في السفر، لا وجوب النفقة والتوارث، وولاية النكاح كما سبق.
  • الفائدة الرابعة: حكمة المحرمية والصلة ظاهرة، فإنه حين يتغذى الرضيع بلبن هذه المرأة فينبت لحمه عليه، فكان كالنسب له منها، ولذا كره العلماء استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخلق، أو من بها مرض لأنه يسري إلى الولد، واستحبوا أن يختار المرضعة الحسنة الخُلُق والخَلْق، فإن الرضاع يغير الطباع.
    قلت: والأحسن أن لا يرضع الطفل إلا أمه، لأنه أنفع وأمراء وأحسن عاقبة من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشاكل زوجية.

(1)

قوله «حُكْمُ الرَّضَاعِ حُكْمُ النَّسَبِ فِيْ التَّحْرِيْمِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ»:

أي حكم الرضاع حكم النسب في تحريم النكاح، وكذا المحرمية أي يكون المرتضع محرماً للمرضعة وينشر الحرمة، فيباح له النظر إلى المرضعة وأصولها من أمهاتها، وكذا فروعها من أولادها، وكذا له أن يخلو بها، وأن يصافحها، وأن يسافر بها لأنه صار ولداً لها كالذي خرج من بطنها.
(2)

قوله «فَمَتَى أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ طِفْلاً، صَارَ ابْنًا لَهَا»:

هذا بلا خلاف لدلالة نصوص الكتاب والسنة على ذلك قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ=

الجزء: 6 - الصفحة: 120

وَلِلرَّجُلِ الَّذِيْ ثابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ (1)،  =أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} (1)، فسماها الله تعالى أماً للمرتضع.

(1)

قوله «وَلِلرَّجُلِ الَّذِيْ ثابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ»:

أي وكذلك صار صاحب هذا اللبن أباً لهذا المرتضع وقد سبق تعريف الرضاع، بأنه مص من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.
ومعنى قول المؤلف: «ثاب عن حمل» أي اجتمع عن حمل، وقد اشترط المؤلف هنا أن يكون اللبن قد ثاب عن حمل، فإذا رضع الطفل من امرأة بكر لم توطأ، أو رضع من امرأة موطوءة وهي غير حبلى أي فيها لبن لم يثب من حمل، فإنه لا يثبت به التحريم، هذا هو المشهور من المذهب 231. وذهب جمهور الفقهاء 232، وهي رواية في مذهب أحمد أنه ينشر الحرمة ولو كان بغير وطء، أي لا يشترط أن يكون اللبن قد ثاب من حمل لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 233، ولأنه لبن امرأة، فتعلق به التحريم، قال ابن قدامة -رحمه الله-: وهو أصح 234. =230

الجزء: 6 - الصفحة: 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قلت: وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: للرضاع المُحَّرم ثلاثة أركان: 1 - المرضع.
    2 - الرضيع.
    3 - اللبن.
    فالمرضع يشترط فيها ما يلي: 1 - أن تكون امرأة، فلا يثبت التحريم بلبن الرجل لندرته وعدم صلاحيته غذاءً للطفل، ولا بلبن البهيمة، فلو رضع طفلان من بهيمة فلا يصيران أخوين.
    2 - اشترط بعض الفقهاء أن تكون المرأة محتملة الولادة بأن تبلغ سن الحيض وهو تسع سنين، فلو ظهر لبن الصغيرة دون تسع سنين فلا يُحرَّم، بخلاف من بلغت هذه السن، لأنه وإن لم يتيقن بلوغها بالحيض فاحتمال البلوغ قائم، ولم يشترط بعض الفقهاء هذا الشرط في المرضع فيحُرم عندهم أيضاً لبن الصغيرة التي لا تحتمل الوطء.
    أما اللبن والمرضع فسيأتي ما يشترط فيهما لكي تحصل بهما الحرمة والمحرمية إن شاء الله تعالى.

الفائدة الثانية: الحرمة تنتشر على المرتضع وفروعه فقط

، أما أصوله وحواشيه، وإخوانه، وأخواته فلا علاقة لهم في التحريم.235

الجزء: 6 - الصفحة: 122

فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلى ابْنِهِمَا مِنَ النَّسَبِ (1)، وَإِنْ أَرْضَعَتْ طِفْلَةً، صَارَتْ بِنْتًا لَهُمَا تَحْرُمُ عَلى كُلِّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُمَا مِنَ النَّسَبِ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (2)،  - الفائدة الثالثة: قد يكون الرضيع له أب من الرضاع وليس له أم من الرضاع، وقد يكون له أم وليس له أب من الرضاع: وصورتها امرأة أرضعت طفلاً رضعتين فقط ثم أرضعته المرأة الثانية للرجل ثلاث رضعات فهذا له أب من الرضاع وليس له أم، وكذا لو تزوجت امرأة رجلين فأرضعت طفلاً من لبن زوجها الأول رضعتين ثم طلقت وتزوجت آخر ثم أرضعت نفس الطفل ثلاث رضعات من لبن الزوج الثاني فهذه أم للرضيع بلا أب له.

(1)

قوله «فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلى ابْنِهِمَا مِنَ النَّسَبِ»:

أي فهذا المرتضع يكون ابناً لمن أرضعته فيحرم على المرتضع ما يحرم على ابنها من النسب فيحرم عليه أمه من الرضاع وبنته من الرضاع وأخته من الرضاع وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع وبنت أخته من الرضاع وبنت أخيه من الرضاع وهكذا.
(2)

قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ طِفْلَةً، صَارَتْ بِنْتًا لَهُمَا تَحْرُمُ عَلى كُلِّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُمَا مِنَ النَّسَبِ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»

الجزء: 6 - الصفحة: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =للمرضعة، وكذا لصاحب اللبن فتحرم عليه وعلى فروعه، فلا يجوز للبنت المرتضعة أن تتزوج صاحب اللبن وهو أبوها ولا أصوله كذلك يعني أبا أبيها ولا أبا أبي أبيها، وكذلك لا يجوز لها أن تنكح فروعه وهم أبناؤه لأنها صارت أختاً لهم من الرضاعة بالرضاع، ولا يجوز لها كذلك أن تنكح حواشي أبيها وهم أعمامه وأخواله وإخوانه.
فالحاصل أن البنت المرتضعة لا يجوز لها أن تنكح أصول الأب المرضع أو فروعه أو حواشيه، وكذا ليس لها أن تنكح فروع أمها ولا أصول أمها ولا حواشي أمها.

فائدة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة؟

بمعنى هل تحرم عليك أم زوجتك من الرضاعة، أو زوجة ابنك، أو زوجة أبيك، أو ابنة زوجك من الرضاع؟ نقول اختلف في هذه المسألة الفقهاء: فذهب جمهورهم، وهو قول الأئمة الأربعة 238، إلى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة.
وذهب شيخ الإسلام 239، وبه قال شيخنا 240 أن التحريم بالرضاع لا يحرم بالمصاهرة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 241، =

الجزء: 6 - الصفحة: 124

وَالرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ مَا دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ اللَّبَنِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِارْتِضَاعٍ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ وَجُوْرٍ، أَوْ سَعُوْطٍ (1)،  =ولم يرد دليل على التحريم من الرضاع بالمصاهرة، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1)، وفرق بين النسب وبين المصاهرة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ (2). وأيضاً مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (3)، وقوله: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ (4)، وهذا الإطلاق لا يدخل فيه زوجة الابن من الرضاع، ولا أم الزوجة من الرضاع، ولا بنت الزوجة من الرضاع.
والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

(1)

قوله «وَالرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ مَا دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ اللَّبَنِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِارْتِضَاعٍ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ وَجُوْرٍ، أَوْ سَعُوْطٍ»:

بدأ المؤلف ببيان صفة اللبن التي يحصل به الرضاع وهو ما كان عن طريق الحلق سواء دخل بارتضاع من الثدي أو وجور أو سعوط، والوجور: هو أن يصب اللبن في فم الطفل، والسعوط: هو أن ينقط اللبن في الأنف فيثبت الحكم، وكذلك لو جُبِّنَ=242243244245

الجزء: 6 - الصفحة: 125

مَحْضًا كَانَ، أَوْ مَشُوْبًا إِذَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ (1)، وَلا يَحْرُمُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ ثَلاثَةٍ (2)، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً (3)،  =عند جمهور الفقهاء، بل قال بعضهم: حتى لو حقن عن طريق الدبر، فكل ذلك يثبت به التحريم، وذلك لأن هذه المذكورات أعنى السعوط، والوجور، والجبن، والحقن كل ذلك يحصل به الرضاع, والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

(1)

قوله «مَحْضًا كَانَ، أَوْ مَشُوْبًا إِذَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ»:

أي سواء كان اللبن محضاً يعني صافياً أي خرج من صدر المرأة إلى فيِّ الطفل, أو كان اللبن مشوباً وهو الممزوج بالماء، أو الممزوج بلبن صناعي, فهو أيضاً ينشر الحرمة والمحرمية بشرط أن يكون هذا المخلوط مازال يسمى لبناً, فإن وضع هذا اللبن في إناء فيه ماء كثير فإنه لا ينشر الحرمة ولا المحرمية لأنه لا يسمى لبناً في العرف، ولا في العادة، بل يسمى ماء متغيراً، وكذلك إذا خلط بلبن صناعي.
فالحاصل أن اللبن إذا خلط بغيره سواء كان ماءً أو لبناً صناعياً أو غير ذلك إذا كان باقياً ظاهراً فإنه ينشر الحرمة، وإن كان اللبن الصناعي هو الأكثر وهو الغالب فإنه لا ينشر الحرمة، هذا معنى كلامه -رحمه الله-.

(2)

قوله «وَلا يَحْرُمُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ ثَلاثَةٍ»:

أي لا يحصل الرضاع المحرم إلا بتحقق هذه الشروط الثلاثة.
(3)

قوله «أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً»:

هذا هو الشرط الأول، فلا تتحقق الحرمة والمحرمية في الرضاع إلا إذا كان اللبن من=

الجزء: 6 - الصفحة: 126

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =امرأة، فإن كان من رجل فلا يحصل به الرضاع، ولابد أن يكون هذا اللبن ثاب من حمل، وقد سبق الخلاف في ذلك وبيَّنَّا أن الراجح أنه لا يشترط أن يكون اللبن قد ثاب من حمل.
وقول المؤلف «يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا» مع أن المذهب لا يرى أن الرضاع لا يحصل إلا بأن يكون قد ثاب من حمل، فالمراد بالبكر هنا التي حملت من زنى أو وطئت بشبهة، فهي على المذهب لا تزال بكراً لأن النكاح هو ما كان من عقد صحيح لا من عقد فاسد, فالفاسد لا اعتبار له في النكاح.
وهذا معنى كلامه «بكراً»: أي موطوءة بزنا أو بشبهة، فلو زنى بإمرأة فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن, فهذا اللبن ثبت به حكم الرضاع, لكن لما كان النكاح نكاحاً باطلاً فلا يكون الزاني أباً له من الرضاع، فكما أن النسب لا يثبت بالنكاح المحرم فكذلك الرضاع.
وكذلك المرأة الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد, فالموطوءة بشبهة هي التى يطأها يظنها زوجته فينتج عن هذا الوطء حمل وثاب من هذا الحمل لبن, فإذا رضع من هذا اللبن طفل, فإن هذه المرأة الموطوءة بشبهة تكون أماً له, والواطئ يكون أباً له، وكذلك الموطوءة بعقد فاسد وهو الذي يفقد شرطاً من شروط عقد النكاح كالنكاح بغير ولي، فهو نكاح فاسد ولكن يثبت فيه حكم الرضاع فتكون المرضعة أماً له, ويكون الواطئ=

الجزء: 6 - الصفحة: 127

أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا (1)، فَأَمَّا لَبَنُ البَهِيْمَةِ أَوِ الرَّجُلِ أَوِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فَلا يُحَرِّمُ شَيْئاً (2)،  =أباً له, أما النكاح الباطل كمن نكح امرأة في عدتها فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن فرضع منه الطفل فالحكم يثبت لأنه قد رضع من هذه المرأة وهي ذات لبن, لكن لا يكون الناكح نكاحاً باطلاً أباً له من الرضاع، فكما أن النسب لا يثبت فكذلك الرضاع.

(1)

قوله «أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا»:

أي وكذلك لبن الميتة يثبت به التحريم, فلو أنه رضع أربع رضعات من امرأة وهي حية، ثم رضع منها الخامسة وهي ميتة فإن هذا الرضاع مؤثر لأنه يسمى رضاعاً ويحصل به ما يحصل بلبن الحيَّة، وهذا مذهب الجمهور (1). وفي رواية عند الإمام أحمد (2) التوقف في حكمه.
ومذهب الشافعي (3) لا ينشر الحرمة لأنه لبن ممن ليس بمحل للولادة فلم يتعلق به التحريم كلبن الرجل, ولأن هذا شيء نادر والله تعالى يقول: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (4)، والميتة لا ترضع, فالآية تدل على فعل واقع من المرضعة، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله-.

(2)

قوله «فَأَمَّا لَبَنُ البَهِيْمَةِ أَوِ الرَّجُلِ أَوِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فَلا يُحَرِّمُ شَيْئاً»:

أما البهيمة فواضح فيها، وقد سبق بيان ذلك, فإذا رضع طفلان من بهيمة=246247248249

الجزء: 6 - الصفحة: 128

الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْحَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ وَكانَ قَبْلَ الفِطَامِ» (1)،  =واحدة كل واحد رضع خمس رضعات فلا يكونان أخوين، وكذلك الرجل لا تثبت به الحرمة ولا المحرمية.
وكذلك الخنثى المشكل وهو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتبين أهو ذكر أم أنثى لأنه جائز أن يكون ذكراً، والذكر لم يخلق لبنه لغذاء المولود، والنادر لا حكم له.

(1)

قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْحَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ وَكانَ قَبْلَ الفِطَامِ»

الجزء: 6 - الصفحة: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الفِطَامِ» 253. وجه الدلالة أن الفطام لا يكون في الغالب قبل الحولين أو أثناء الحولين، ولهذا قال الترمذي 254: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئاً.
القول الثاني في هذه المسألة: هو قول شيخ الإسلام 255، وابن القيم 256، واختاره شيخنا 257 أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو كان بعد الحولين, وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين.
واستدلوا لذلك بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْي وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» 258. والراجح عندي: هو القول الأول, فالرضاع المعتبر ما كان في الحولين الأولين من عمر الطفل, وأما الرضاع بعد الحولين فلا اعتبار له في الشرع وهذا اختيار اللجنة الدائمة 259.

الجزء: 6 - الصفحة: 130

الثَّالِثُ: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ الأَمْرُ إِلى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالأَمْرُ عَلى ذلِكَ 260،  (1)

قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أُنْزِلَ فِي القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخَ مِنْ ذلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ الأَمْرُ إِلى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالأَمْرُ عَلى ذلِكَ»

(1): هذا هو الشرط الثالث، أي أن يكون المرتضع قد رضع خمس رضعات، دليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها الذي ذكره المؤلف، وفي لفظ لهذا الحديث: «لا يُحَرِّمُ دُونَ خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ» 261. ولا خلاف بين الفقهاء في أن خمس رضعات فصاعداً يحرمن.
لكن اختلفوا فيما دون الخمس: فذهب الحنفية 262، والمالكية 263، وهو رواية عن الإمام أحمد 264 أن قليل الرضاع وكثيره يحرم وإن كان مصَّة واحدة, فالشرط في التحريم أن يصل اللبن إلى جوف الطفل مهما كان قدره، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: =

الجزء: 6 - الصفحة: 131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ 265. فقد علَّق الله تعالى التحريم باسم الرضاع، فحيث وُجِدَ وجد حكمه وورد الحديث موافقاً للآية وهو قوله «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» 266، حيث أطلق الرضاع ولم يطلق العدد، وأيضاً احتج أصحاب هذا القول بما رواه البخاري من حديث عقبة بن الحارث قال: «تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ بِنْتَ فُلانٍ فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَةٌ فَأَعْرَضَ عَنِّي فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ قُلْتُ إِنَّهَا كَاذِبَةٌ قَالَ: «كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا دَعْهَا عَنْكَ» 267، فلم يستفصل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عدد الرضعات.
القول الثاني في المسألة: اعتبار الخمس رضعات في التحريم فما دونها لا يحرم، وهذا قول الشافعي 268، وأحمد 269، وهو قول ابن حزم 270، واختيار شيخ الإسلام 271، وابن القيم 272، واختاره شيخنا 273، وهو قول اللجنة الدائمة 274، واحتج أصحاب هذا القول بما ذكره المؤلف.

الجزء: 6 - الصفحة: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  قلت: وهذا هو الراجح، أي لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات لصريح ما استدلوا به من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو صحيح محكم، ومن آخر ما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته.
أما أدلة أصحاب القول الأول: أي القائلين ما دون الخمس يحرمن، فهي أدلة مطلقة لا تفيد في بيان العدد.
وأدلة أصحاب القول الثاني سيقت في بيان عدد الرضعات فهي مقيدة, وقد تقرر في أصول الفقه أن المطلق يحمل على المقيد، فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» 275 هي أدلة مطلقة تحمل على المقيد بخمس رضعات لقول عائشة رضي الله عنها: «فَنُسِخَ مِنْ ذلِكَ خَمْسٌ وَصَارَ الأَمْرُ إِلى خَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُوْمَاتٍ يُحَرِّمْنَ» 276. وقد ذهب أبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر، وداود الظاهري 277 بأن الذي يُحرِّم الثلاث رضعات وما دونها لا يحرِّم، واحتجوا لقولهم بحديث «لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلا الْمَصَّتَانِ» 278، فمنطوقه أن الثنتين لا تنشر الحرمة، وأن ما زاد عليها ينشر الحرمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 133

وَلَبَنُ الفَحْلِ مُحَرِّمٌ (1)، فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلاً وَالأُخْراى طِفْلَةً صَارَا أَخَوَيْنِ لِأَنَّ اللِّقَاحَ وَاحِدٌ (2)،  =قلت: وهذا أيضاً استدلال لا يسلَّم لصراحة حديث عائشة في اشتراط الخمس لنشر الحرمة، فدلالة حديث عائشة صريحة بخلاف ما استدل به أصحاب هذا القول.

  • فائدة: ما هي الخمس رضعات التي تؤثر؟ أو ما هو حد الرضعة؟ نقول حد الرضعة ما كانت منفصلة عن أختها بزمن بيِّن يظهر فيه الانفصال، وبناءً على ذلك لو تحول الطفل من ثدي المرضعة لأنه سمع صوتاً أو حولته إلى ثديها الآخر, أو تركه لبكاءٍ, فهذا لا يخرجها عن كونها رضعة، ولا يشترط أن تكون كل رضعة في يوم، بل ربما تكون الرضعة الأولى في الساعة الواحدة, والرضعة الثانية في الساعة الثانية هكذا، فإن عاد للثدي مرة ثانية, فرضعتان، وهكذا، ولو في مجلس واحد لأن الشارع اعتبر العدد ولم يحدد الرضعة فنرجع هنا إلى العرف.

(1)

قوله «وَلَبَنُ الفَحْلِ مُحَرِّمٌ»:

أي إذا أرضعت إمرأة طفلاً صار الرضيع ولد من نسب لبنها إليه، ويسمى لبن الفحل لأن اللبن هو من الحمل الذي هو منه.
(2)

قوله «فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلاً وَالأُخْراى طِفْلَةً صَارَا أَخَوَيْنِ لأَنَّ اللِّقَاحَ وَاحِدٌ»:

أي إذا كان لزيد زوجتان أحدهما تسمى خديجة والأخرى تسمى عائشة فأرضعت خديجة طفلاً وأرضعت عائشة طفلة فإنهما يكونان أخوين من الرضاعة لأن اللبن لبن الفحل =

الجزء: 6 - الصفحة: 134

وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلَةً ثَلاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا الأُخْراى رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهُ دُوْنَهَا (1)،  = مع أن من أرضعته خديجة لا يقول لعائشة أمي من الرضاعة، وكذلك من أرضعته عائشة لا يقول لخديجة أمي من الرضاعة وهذا معنى قول -رحمه الله-.
فالحاصل أن من أرضعته إحدى زوجات الرجل فإنه يصير ولداً له وأخاً لأولاده من هذه المرأة التي أرضعته، وأخاً لأولاده من غيرها عند جمهور أهل العلم لأن لبن الفحل مؤثر وأولاده من غير هذه المرأة اشتركوا مع الرضيع من أب واحد.
وهناك قول آخر أن لبن الفحل لا يؤثر, ولكن الصحيح بلا شك أنه يؤثر.

(1)

قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلَةً ثَلاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا الأُخْراى رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهُ دُوْنَهَا»:

هذه المسألة على وجهين في المذهب 279: الأول: ما ذكره المؤلف أنه صار أباً لها لأنها ارتضعت خمس رضعات ثلاث من هذه واثنتان من الأخرى، فكمل رضاعها من لبنه فصار أباً لها.
الوجه الثاني: أنه لا يصير أباً لها لأنه رضاع لم تثبت له الأمومة، فلم تثبت به الأبوة كلبن البهيمة، والأول أرجح.

الجزء: 6 - الصفحة: 135

فَلَوْ كَانَتِ الطِّفْلَةُ زَوْجَةً لَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا (1)، وَلَزِمَهُ نِصْفُ صَدَاقِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِمَا أَخْمَاسًا (2) وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا (3)  - فائدة: وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف يلغز فيها الفقهاء فيقولون: «من له أب ولم يكن له أم؟ »، وقد سبق الإشارة إلي ذلك في أول باب الرضاع.

(1)

قوله «فَلَوْ كَانَتِ الطِّفْلَةُ زَوْجَةً لَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا»:

أي إذا أرضعت زوجتيه هذه الطفلة التي عقد عليها فإنه ينفسخ النكاح بذلك لأنها صارت بنتاً له من الرضاعة وزوجاته لا يحرمن عليه.
(2)

قوله «وَلَزِمَهُ نِصْفُ صَدَاقِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِمَا أَخْمَاسًا»:

وذلك لأن العقد انفسخ قبل الدخول، والقاعدة في ذلك أن كل من طلق قبل الدخول فإنه يلزمه نصف المهر، ولما كانت الزوجتان هما السبب في حصول هذا الفسخ فإن الزوج يرجع عليهن بالصداق أخماساً، فلو كان الصداق قدره أربعون ألفاً فيكون نصفه عشرين، فيرجع بهذه العشرين على زوجتيه، فيقال لإحداهن كم أرضعت الطفلة؟ فإن قالت ثلاث كان عليها اثني عشر ألفاً، والأخرى مرتين فيلزمها ثمانية آلاف وذلك لأنهن كن السبب في فسخ النكاح، هذا معنى كلامه -رحمه الله- يرجع به عليهما أخماساً.
(3)

قوله «وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا»:

أي لم ينفسخ نكاح زوجتيه لأنهن لم يكن أماً للبنت لأن كل واحدة منهن أرضعتها دون الخمس رضعات، فلم تكن أماً لها، ولذا لا ينفسخ نكاحهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 136

وَلَوْ أَرْضَعَتْ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثَلاثاً مِنْ لَبَنِهِ، وَاثْنَتَيْنِ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهِ، صَارَتْ أُمًّا لَهَا وَحَرُمَتَا عَلَيْهِ، وَحَرُمَتِ الطِّفْلَةُ عَلى الرَّجُلِ الآخر عَلى التَّأْبِيْدِ (1)، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الطِّفْلَةُ امْرَأَةً لَهُ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ (2)،  (1)

قوله «وَلَوْ أَرْضَعَتْ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثَلاثاً مِنْ لَبَنِهِ، وَاثْنَتَيْنِ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهِ، صَارَتْ أُمًّا لَهَا وَحَرُمَتَا عَلَيْهِ، وَحَرُمَتِ الطِّفْلَةُ عَلى الرَّجُلِ الآخر عَلى التَّأْبِيْدِ»:

هذه المسألة يلغز فيها بمن له أم وليس له أب من الرضاع.
وصورة هذه المسألة: أن ترضع هذه المرأة بنتاً من زوجها الأول ثلاث رضعات, ثم يطلقها زوجها وهي حامل، فلما أن طلقها ووضعت حملها انتهت عدتها بوضعها للحمل ثم لم تلبث أن تزوجت بآخر فحملت منه ووضعت فثاب منها اللبن من الزوج الثاني فأرضعتها رضعتين فهنا تصير الطفلة بنتاً لهذه المرأة التى أرضعتها خمس رضعات وهذه الطفلة ومن أرضعتها تحرم على الأول لكون من أرضعتها أم زوجته, والطفلة بنت زوجته أما الثاني فتحرم عليه لأنها ابنة زوجته أي هي ربيبته.

(2)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الطِّفْلَةُ امْرَأَةً لَهُ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ»:

لأنها إنما انفسخ نكاحها في المسألة التي قبلها لأنها صارت أم زوجته, وهذا المعنى مفقود فيما إذا لم تكن الطفلة امرأة له, وهذا واضح.

الجزء: 6 - الصفحة: 137

وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعَةُ طِفْلاً، فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَرُمَتْ عَلى صَاحِبِ اللَّبَنِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلائِلِ أَبْنَائِهِ (1)،  (1)

قوله «وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعَةُ طِفْلاً، فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَرُمَتْ عَلى صَاحِبِ اللَّبَنِ تَحْرِيْمًا مُؤَبَّدًا؛ لأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلائِلِ أَبْنَائِهِ»:

صورة هذه المسألة

: رجل تزوج امرأة ثم طلقها ثلاث تطليقات فانتهت عدتها ولا يزال في ثديها لبن من زوجها الأول, ثم تزوجت هذه المرأة طفلاً ثم أرضعت هذا الطفل الذي تزوجها خمس رضعات حرمت على الطفل لأنها صارت أماً له، هذا بالإجماع فيفسخ العقد، وتحرم كذلك على صاحب اللبن أي الزوج الأول لأنها صارت زوجة ابنه من الرضاع وقد قال الله تعالى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾.
وقد سبق الخلاف في هذه المسألة أعنى هل يثبت الرضاع بالمصاهرة؟ ورجحنا ثبوته بها، فالحاصل أن هذه المرأة تحرم على الطفل لأنها صارت أماً له, وحرم عليها زوجها الأول صاحب اللبن تحريماً مؤبداً لأنها صارت زوجة ابنه الذي رضع من لبنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 138

فَصْلٌ فِيْ تَحْرِيْمِ النِّكاحِ وَفَسْخِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ

(1) وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيْرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَصَغِيْرَةً، فَأَرْضَعَتِ الكَبِيْرَةُ الصَّغِيْرَةَ، حَرُمَتِ الكَبِيْرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصّغِيْرَةِ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ تَحْرِيْمِ النِّكاحِ وَفَسْخِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ»:

هذا الباب عقده المؤلف لبيان انتشار الحرمة بلبن غير لبن الزوج الذي سيتزوج وما ذكره المؤلف هنا ينبغي التنبه له، لأنه من الأُمور التي ينبغي لطالب العلم أن يستحضر ذهنه فيها.
(2)

قوله «وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيْرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَصَغِيْرَةً، فَأَرْضَعَتِ الكَبِيْرَةُ الصَّغِيْرَةَ، حَرُمَتِ الكَبِيْرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصّّغِيْرَةِ»:

صورة هذه المسألة

: أن يتزوج رجل امرأة كبيرة, وهذه المرأة الكبيرة لم يدخل بها وإنما عقد عليها فقط، وتزوج كذلك بصغيرة ولم يدخل بها، فأرضعت المرأة الكبرى المرأة الصغرى فإنه تحرم عليه المرأة الكبيرة ويثبت له نكاح الصغيرة لأنه حينما أرضعت الكبرى الصغرى صارت الصغرى بنتاً لها, وهو قد تزوج اثنتين فيكون قد تزوج الأم وابنتها, ولا يجوز للرجل أن يجمع بين الأم والبنت, ولماذا قلنا بأنه تكون له الصغرى دون الكبرى؟ لأنه كما سبق أن الرجل إذا عقد على البنت ولم يدخل بها حرم عليه نكاح أم البنت، أما لو عقد على المرأة ولم يدخل بها جاز أن يطلقها وأن يتزوج بابنتها، فهو لم يدخل بالكبرى وقد أرضعت الكبرى الصغرى فنقول ينفسخ نكاح الكبرى ويثبت نكاح الصغرى.

الجزء: 6 - الصفحة: 139

وَإِنْ كَانَتَا صَغِيْرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا الكُبْراى، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيْرَتَيْنِ (1)، وَإِنْ كُنَّ ثَلاثاً فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضَعَتَيْنِ أَوَّلاً، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانَتَا صَغِيْرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا الكُبْراى، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيْرَتَيْنِ»:

صورة هذه المسألة

: أن يتزوج الرجل ثلاث نساء كبرى، وصغرى، وصغرى أخرى، فجاءت الزوجة الكبرى فأرضعت الصغيرتين وهو لم يدخل بالكبرى، فإن الكبرى تحرم عليه لأنها صارت أم زوجتيه, وينفسخ كذلك نكاح الصغيرتين لأنه جمع بين أختين في عصمته, فإذا انفسخ النكاح جاز له أن يتزوج إحداهما إن شاء بعد فسخ العقد, وقال بعض العلماء: بل يفسخ نكاح الأولى ويبقى نكاح الثانية، والأول هو الأقرب.
(2)

قوله «وَإِنْ كُنَّ ثَلاثاً فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضَعَتَيْنِ أَوَّلاً، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ»:

أما وجه تحريم الكبرى عليه فإنها صارت أم زوجته ويحرم أن يجمع بين المرأة وأمها لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
أما كون انفساخ النكاح للصغيرتين لأنهن أخوات وقد حرم الشارع أن يجمع بين الأختين، وثبت نكاح الثالثة لأن رضاعها بعد انفساخ نكاح التى أرضعتها وهي الكبيرة وبعد انفساخ نكاح الصغيرتين اللتين قبلها فلم تصادف أخواتها في نكاح، فهي صارت أختاً للصغيرتين لكن بعد انفساخ نكاحهما فيبقى نكاحها هي.

الجزء: 6 - الصفحة: 140

وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الثَّلاثِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الثَّلاثِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً»:

أي إن أرضعت الكبرى إحدى زوجات الرجل منفردة ثم أرضعت اثنتين بعد المرتضعة الأولى أرضعتهن معاً يعني أن تلتقم كل واحدة منهن ثدياً فتمصانه معاً فإنه ينفسخ نكاح الجميع لأنهن صرن أخوات في النكاح ولا يجوز الجمع بين الأخوات من الرضاع كما لا يجوز الجمع بينهن في النسب، وهذا أحد القولين في المسألة.
وفي رواية أخرى في المذهب (1) ينفسخ نكاح الأولى والثانية بالاجتماع، ثم ينفسخ نكاح الاثنتين بالاجتماع أيضاً.
وقوله «وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً» لأن تحريمهن تحريم لمنع الجمع بين الأختين, فإذا انفسخ نكاحهن عاد من شاء منهن بنكاح جديد، هذا كله إذا كان مجرد عقد دون دخول.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْراى، حَرُمَ الكُلُّ عَلَيْهِ عَلى الأَبَدِ»:

لأنه كما سبق إذا دخل بالأم حرم عليه أولادها تحريماً مؤبداً وهم بذلك أصبحوا من الربائب المدخول بأمهن والدخول بالأمهات يحرم البنات كما سبق, وأما الكبيرة فلأنها صارت من أمهات نسائه.280

الجزء: 6 - الصفحة: 141

وَلا مَهْرَ لِلْكُبْراى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (1)، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الأَصَاغِرِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلى الكُبْراى (2)،  (1)

قوله «وَلا مَهْرَ لِلْكُبْراى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا»:

هذا فيه إرجاع إلى المسألة التي ذكرها المؤلف أنفاً، فهو رجع بنا إلى المسألة الأولى وهي إن رضعت بقية زوجاته الأصاغر ولم يدخل بها.
والقاعدة في ذلك أن «كل من أفسد نكاح امرأة قبل الدخول، فللزوج أن يرجع بالمهر عليه»، أي على من أفسد النكاح.
والمرأة الكبرى هي التي أفسدت نكاح الأصاغر بسبب إرضاعهن منها فلا يعطيها شيئاً من المهر، هذا إذا كان قبل الدخول أما بعد الدخول فقد قال المؤلف.

(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الأَصَاغِرِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلى الكُبْراى»:

أي لها مهرها لأنه قد دخل بها فاستقر المهر عليه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ لَهُ» 281. وعليها أيضاً نصف مهر الأصاغر لأنه لم يدخل بهن، لكن يرجع بهذا النصف على الكبرى التي أفسدت عليه الأصاغر.
وكونه يرجع به عليها للقاعدة المذكورة أنفاً «أن كل من أفسد نكاح امرأة قبل الدخول, فللزوج أن يرجع بالمهر عليه».

الجزء: 6 - الصفحة: 142

وَلَوْ دَبَّتِ الصُّغْراى إِلى الكُبْراى وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرَّمَتْهَا عَلى الزَّوْجِ، وَلَهَا نِصْفُ مَهْرِهَا عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلى الصُّغْراى، إِنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُوْلِ (1)،  (1)

قوله «وَلَوْ دَبَّتِ الصُّغْراى إِلى الكُبْراى وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ، حَرَّمَتْهَا عَلى الزَّوْجِ، وَلَهَا نِصْفُ مَهْرِهَا عَلَيْهِ يَرْجِعُ بِهِ عَلى الصُّغْراى، إِنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُوْلِ»:

صورة هذه المسألة

: رجل تزوج بامرأتين إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة فجاءت الصغرى فدبت - أي سَارَتْ وحَبَتْ - حتى التقمت ثدي الكبرى وهي نائمة أو مغمى عليها أو مجنونة، وهذا اللبن الذي في الكبرى من زوج آخر, أي جاءت الصغرى إلى الكبرى ورضعت منها وهي نائمة لا تشعر بها فرضعت خمس رضعات مشبعات, فإن هذه الصغرى حرمت الكبرى على زوجها لأنها أصبحت أماً لزوجته الصغرى، ولكونه لم يدخل بها فينفسخ نكاحها - يعنى الصغرى - لأنها ربيبة لم يدخل بأمها.
أما إن كان قد دخل بالكبرى فإنه ينفسخ نكاح الصغرى لأنها ربيبة دخل بأمها، وكذلك الكبرى حرمت عليه تأبيداً لأنها من أمهات نسائه.
أما المهر فإن كان قبل الدخول فللكبرى نصف المهر لأنه لم يدخل بها ويعود به على الصغرى لأنها هي التي أفسدت عليه الكبرى وسبقت القاعدة في ذلك، ولا مهر للصغرى لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها.

الجزء: 6 - الصفحة: 143

وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهَا مَهْرُهَا كُلُّهُ، لا يَرْجِعُ بِهِ عَلى أَحَدٍ (1)، وَلا مَهْرَ لِلصُّغْراى (2)، وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: هِيَ أُخْتِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ وَلَهَا الْمَهْرُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، أَوْ نِصْفُهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ (3)،  (1)

قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهَا مَهْرُهَا كُلُّهُ، لا يَرْجِعُ بِهِ عَلى أَحَدٍ»:

أي إن كان ما قامت به الصغرى من ارتضاع من الكبرى وهي نائمة أو مغمى عليها ونحو ذلك بعد الدخول فإنه كما سبق حرمتا عليه جميعاً، ويترتب مع الحرمة المهر لا يرجع به على أحد منهما لأنه استقر بالدخول، ولأن المهر هنا لأجل الاستمتاع ولأجل استحلال البضع.
(2)

قوله «وَلا مَهْرَ لِلصُّغْراى»:

لأنها هي التى أفسدت نكاح نفسها.
(3)

قوله «وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: هِيَ أُخْتِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ وَلَهَا الْمَهْرُ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، أَوْ نِصْفُهُ إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ»:

أي إذا نكح امرأة ثم قال بعد العقد وقبل الدخول هي أختي من الرضاع، فإن هذا القول يوجب فسخ النكاح لأنه أقر على نفسه بما يوجب فسخ النكاح، مثل لو أقر على نفسه بأنه طلق زوجاته الثلاث تطليقات، لكن يكون للمرأة نصف المهر إن كان لم يدخل بها أو المهر كاملاً لمن دخل بها وذلك بما استحل من فرجها هذا إذا كذبته أي كذبت دعواه أنه أخوها من الرضاع، فإن صدقته فليس لها من المهر شيء لأنها أقرت ببطلان العقد ولأنه عقد عليها وهي أخته، وكون المهر باطلاً لأن ما بني على باطل فهو باطل.

وخلاصة هذه المسألة

: أن الرجل إذا ادَّعى على زوجته أنه أخوها من=

الجزء: 6 - الصفحة: 144

وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِيْ قَالَتْ: هُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، فَأَكْذَبَهَا وَلا بَيِّنَةَ لَهَا، فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِي الحُكْمِ (1)،  =الرضاع فلا يخلو من أمرين: أولاً: أن تكون دعواه بعد العقد وقبل الدخول، فإن صدقته فلا مهر لها لاتفاق الطرفين على أن النكاح باطل، والنكاح الباطل لا أثر له، وإن كذبته فلها نصف المهر لأن الفرقة إنما جاءت من قبل الزوج وكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول فعليه نصف المهر.
ثانياً: أن تكون دعواه بعد الدخول فلها المهر كاملاً سواء صدقته أو كذبته لوجوب المهر واستقراره بالدخول، وقد سبق بيان كون المهر من أجل الاستمتاع بالبضع واستحلاله.
لكن يبقى النكاح هل يبطل أم لا يبطل؟ نقول: إن صدقته فإنه يبطل بلا شك, وإن كذبته بطل النكاح في حقه ولم يبطل في حقها ويلزم الزوج بأن يطلق.
فإذا قال الزوج لماذا أطلق وأنا أعتقد أنها ليست بزوجة؟ نقول: لأنها تعتقد أنها زوجة وباعتقادها هذا لا يحل لها أن تنكح زوجاً أخر، ولأنها تعتقد إنها مع زوجها فلا يمكن أن تنفك عنه إلا بطلاق وحينئذ يجبر على الطلاق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِيْ قَالَتْ: هُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، فَأَكْذَبَهَا وَلا بَيِّنَةَ لَهَا، فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِي الحُكْمِ»:

أي إن كانت هي التي قالت إنه أخي من الرضاع فلا يخلو من حالين:

الجزء: 6 - الصفحة: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الحال الأول: إن كان قبل الدخول فسخ نكاحه ولا مهر لها لأنها هي التي تسببت في ذلك سواء صدقها أو لم يصدقها.
الحال الثانية: أن يكون ذلك بعد الدخول بها وكذبها، فهذه الحالة إن كان لها بينة في ذلك فيفسخ العقد ولا مهر لها لا قبل الدخول ولا بعده لأنها أقرت وأثبتت أن النكاح باطل هذا إذا كان قبل الدخول, أما إن كان بعد الدخول فإن كانت عالمة قبل العقد فلا مهر لها لأنها أقرت على نفسها بالزنا فلا مهر لها لقول -صلى الله عليه وسلم-: «مَهْرُ الْبَغِىِّ خَبِيثٌ» 282 وإن أنكرت وقالت لم أعلم إلا بعد الدخول وعندي بينة فلها المهر لأنه حينئذ يعتبر نكاح شبهة فتستحق المهر كاملاً وتكون زوجته حكماً أي ظاهراً.
لكن كيف تكون زوجته وهي تعتقد أنها حرام عليه؟ نقول هنا كما قلنا سابقاً: الزوج لا يعتقد ذلك والواجب عليها حينئذ أن تفتدي من زوجها بكل ما تستطيع لأنه لا يحل لها أن تمكنه من نفسها, وهي تعتقد أنه ليس بزوج.
والذي يجب على الزوج القيام به أن يعتبر زوجته في حكم الناشز، ليس لها نفقة ولا قسم إن كان معه زوجة أخرى، ويعطى المهر إن كان قد أعطاها إياه, فإن تحاكما إلى القضاء, فإن القاضي يحكم على أنها=

الجزء: 6 - الصفحة: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =زوجته لأن الأصل بقاء النكاح, ودعوى الرضاع دعوى لإبطال النكاح والأصل الصحة حتى يقوم الدليل على الفساد.
وأيضاً لو قبل القاضي دعواه في الرضاع لأسقط حق زوجته، ولا يمكن لأحد أن يقبل قوله في إسقاط حق غيره إلا ببينة.
وأيضاً لو قبل دعواها بأنه أخوها من الرضاع أو قبل دعوى كل امرأة قالت إن زوجها أخوها من الرضاع لحصل شر كثير.
فكل امرأة تريد فراق زوجها ستقول أنه أخوها من الرضاع, أما في الباطن فإن كانت أخته من الرضاع فالنكاح باطل, وإن لم تكن أخته فهو صحيح ظاهراً وباطناً.

ذكر بعض الفوائد

المتعلقة بالرضاع:

الفائدة الأولى: فيمن يكره الرضاع منها

: كره الإمام أحمد الارتضاع من لبن الفاجرات والمشركات، وقال عمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز: اللبن يشتبه فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية لأنه ربما أفضى إلى شبه أمه المرضعة في الفجور, ولأنه يخشى أن يميل إلى مرضعته في الدين, ويكره كذلك الارتضاع من لبن الحمقاء كي لا يشبهها الولد في الحمق, فإنه يقال: «إن الرضاع يغير الطباع» (1).

الفائدة الثانية: حق الأم في أجرة الرضاع

: للأم طلب أجرة المثل =283

الجزء: 6 - الصفحة: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بالإرضاع سواء كانت في عصمة الأب أم خلية لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 284، وإلى هذا ذهب الشافعية 285، والحنابلة 286. وذهب الحنفية 287: إلى أنها إن كانت في عصمة الأب أو في عدته فليس لها طلب الأُجرة, لأن الله تعالى أوجب الرضاع ديانة مقيداً بإيجاب رزقها على الأب بقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 288، وهو قائم برزقها حالة بقائها في عصمته أو في عدته، بخلاف من لم تكن في عصمته ولا في عدته، وهذا هو الراجح عندي.

  • الفائدة الثالثة: من قرارات اللجنة الدائمة، لا يجوز شرعاً استحلاب الأمهات والاحتفاظ بحليبهن وتغذية طفل آخر به، لما في ذلك من الجهالة المؤدية إلى هتك حرمات الرضاع التى يقع التحريم بها شرعاً من جهة المرضعة.
    ومن جهة صاحب اللبن ومن جهة الرضيع إذا أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ=

الجزء: 6 - الصفحة: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (1)، وبناء على ذلك لا يجوز إنشاء بنك لجمع حليب النساء لإرضاعه للأطفال المحتاجين لذلك (2).

الفائدة الرابعة: هل تثبت الأبوة بعد الطلاق والموت؟

نقول: نعم؛ تثبت الأبوة ولو بعد الطلاق أو الموت, فإذا طلق الرجل زوجته أو مات عنها ولها لبن فأرضعت به طفلاً قبل أن تتزوج فالرضيع ابن المطلق أو الميت, ولا تنقطع نسبة اللبن إليه بموته أو طلاقه فإذا تزوجت بعد العدة زوجاً وولدت منه فاللبن بعد الولادة للثاني, سواء انقطع وعاد أم لم ينقطع لأن اللبن تبع للولد، والولد للثاني، وإن لم تلد من الثاني وبقى لبن الأول بحاله لم يزد ولم ينقص فهو للأول سواء حبلت من الثاني أم لم تحبل, لأن اللبن كان للأول ولم يجد ما يجعله من الثاني فبقى للأول, وإن حبلت من الثاني وزاد اللبن بالحمل فقد اختلف في ذلك الفقهاء وقيل: إن اللبن لكليهما, لأن زيادة اللبن عند حدوث الحمل ظاهر في أنه من الثاني, وبقاء لبن الأول يقتضي كون أصله منه فوجب أن يضاف إليهما.289290

الجزء: 6 - الصفحة: 149

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

الفائدة الخامسة: إذا شك في وجود الرضاع أو عدمه أو شك في كماله خمس رضعات

وهذا كثير جداً وليس هناك بينة، فلا يثبت الرضاع لأن الأصل عدمه لكن ينبغي ألا يكون بينهما نكاح احتياطاً للفروج لوجود شبهة الرضاع.

الفائدة السادسة: يثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية في دينها معروفة

بالصدق: وهذا رأى شيخ الإسلام (1) وغيره، فمتى قالت المرأة أنها أرضعت فلاناً أو فلانة خمس رضعات ثبت له حكم الرضاع من دون شهود، وقيل: لابد من الشهود.

الفائدة السابعة: لو أدخل اللبن بحقنه مع الدبر فهل ينشر المحرمية؟

قولان للفقهاء: ذهب الإمام أبو حنيفة 292، والشافعي 293، وأحمد 294 أنها لا تحرم, لأن هذا ليس برضاع ولا يحصل به التغذي فلم ينشر الحرمة.
القول الثاني: وهو مذهب مالك 295 أنها تحرم.
والصحيح: القول الأول لعدم إنبات اللحم وإنشاز العظم بذلك، وهذا هو قول ابن قدامة 296 في المغني.291

الجزء: 6 - الصفحة: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

الفائدة الثامنة: الحرمة تنتشر على المرتضع وفروعه فقط

: أما أصوله وحواشيه، وأخواته، وإخوانه فلا علاقة لهم في التحريم، وقد سبق ذلك.

الفائدة التاسعة: هل الدم ينشر المحرمية؟

نقول: لا ينشر الدم المحرمية سواء تبرعت المرأة للرجل أو تبرع الرجل للمرأة، فلا علاقة للدم في التحريم بل ذلك خاص باللبن فقط.

الجزء: 6 - الصفحة: 151

بابُ نِكاحِ الكُفاَّرِ

(1) لا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ (2)،  (1)

قوله «بابُ نِكاحِ الكُفار»:

هذا الباب في بيان أنكحة الكفار والمقصود بهم عموم الكفار سواءً كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم كالوثنيين والمجوس وغيرهم، والمقصود بهذا الباب هو بيان حكم ما عقدوه فيما بينهم من الأنكحة حال كفرهم، وهل وما يقرون عليه فيما لو أسلموا أو ترافعوا إلينا.

فائدة: أنكحة الكفار معتبرة في شرعنا بشرطين

: الأول: أن يعتقدوه حلالاً في شرعهم، ويصححوه في دينهم, فالمجوس مثلاً يعتقدون حل نكاح المحارم فنعتبرهم على ما هم عليه.
الثاني: أن يترافعوا إلينا، فإذا لم يترافعوا إلينا فلا نتعرض لأنكحتهم, فأهل الذمة الذين يعيشون في بلاد المسلمين بالشام ومصر وغيرها من بلاد المسلمين لو تزوجوا بنكاح غير موافق لأنكحة المسلمين فلا نتدخل ما لم يترافعوا إلينا.

(2)

قوله «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ»:

سبق أن أشرنا إلى ذلك أي لا يجوز لمسلمة أن تنكح كافراً أيًّا كان كتابياً كان أو غير كتابي لقوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ 297، وقوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 298، ولأن في نكاح المؤمنة الكافر خوف=

الجزء: 6 - الصفحة: 152

وَلا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إِلاَّ الحُرَّةَ الكِتَابِيَّةَ (1)، وَمَتَى أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الكَافِرَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا (2)،  =وقوع المؤمنة في الكفر, لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادة يتبعن الرجال فيما يرون من الأفعال ويقلدونهم في الدين، ولذا أشار الله تعالى في آخر الآية بقوله ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (1) أي يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار.

(1)

قوله «وَلا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إِلاَّ الحُرَّةَ الكِتَابِيَّةَ»:

أي وكذلك لا يحل لمسلم نكاح الكافرة إلا الحرة الكتابية لكن بشرط أن تكون عفيفة لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (2)، فالمحصنة هنا هي العفيفة، فيجوز نكاح الكتابية سواء كانت ذمية أو مستأمنة، لكن له من الأضرار الشيء الكثير، فمتى وجدت الحاجة فالأصل الجواز لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (3)، لكن يستثنى الكتابية الحربية, وكذا الأمة الكتابية إلا إذا لم يجد الطّول وخاف على نفسه الزنا.
(2)

قوله «وَمَتَى أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الكَافِرَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا»:

أي إذا أسلم من تزوج الكتابية وبقيت هي على دينها فإنهما يبقيان على نكاحهما لعدم وجود المانع لأن المسلم يجوز له أن=299300301

الجزء: 6 - الصفحة: 153

وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا (1)،  =يتزوج بالكتابية ابتداءً، وكذلك إن أسلم الزوجان الكافران معاً، بأن تلفظا بكلمة الإسلام معاً أي في لحظة واحدة منهما فهما على نكاحهما لأنه لم يسبق أحدهما الأخر.
والقول الآخر في هذه المسألة هو: أن الإسلام في المجلس كالإسلام في وقت واحد، فإذا قال الرجل: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، ثم قالت المرأة بعده ذلك فهما على نكاحهما، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «يدخل في المعية لو شرع الثاني قبل أن يفرغ الأول» (1). وقيل: هما على نكاحهما إن أسلما في المجلس، وهو احتمال في المغني (2). قلت: وهو الصواب لأن تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة فيه عسر، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (3).

(1)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا»:

أي إن أسلم أحد لزوجين الكافرين غير الكتابيين كالمجوسيين يسلم أحدهما قبل الدخول بطل النكاح، لأنه أدى إلى اختلاف في الدين فيمنع الإقرار على النكاح لقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 305، فإن أسلمت زوجة كتابي أو غير كتابي قبل الدخول, فلا نكاح لأن المسلمة لا تحل لكافر وقد سبق.302303304

الجزء: 6 - الصفحة: 154

أَوِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ (1)، وَإِنْ كَانَ ذلِكَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، فَأَسْلَمَ الكَافِرُ مِنْهُمَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا (2)،  (1)

قوله «أَوِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ»:

أي وكذلك إن أرتد أحد الزوجين قبل الدخول فإن العقد يبطل في الحال لاختلاف الدين، فإن كانت هي المرتدة فلا مهر لها, وإن كان هو المرتد فلها نصف المهر.
(2)

قوله «وَإِنْ كَانَ ذلِكَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، فَأَسْلَمَ الكَافِرُ مِنْهُمَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا»:

أي وإن أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين, أو زوجة كتابي أو غيره أسلمت بعد الدخول فإنه يوقف أمر التفريق بينهما على إسلام الآخر في العدة.
فإن أسلم الآخر قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، وإن لم يسلم الآخر وتخلف حتى انقضت عدتها عدة المرأة فينفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 306. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرأة لا ينفسخ نكاحها بعد انقضاء عدتها, بل هي بالخيار, إن شاءت تزوجت, وإن شاءت انتظرت زوجها حتى يسلم ثم ترجع إليه.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 307، وابن القيم 308، واستدلوا لذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ردّ ابنته زينب على أبي العاصي بعد ست سنين بالنكاح =

الجزء: 6 - الصفحة: 155

وَإِلاَّ تَبَيَّنَا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مُنْذُ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمُا (1)، وَمَا سُمِّيَ لَهَا وَهُمَا كافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ فِيْ كُفْرِهَا، فَلا شَيْءَ لَهَا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا (2)،  = الأول ولم يحدث نكاحها (1)، وهذا هو الأقرب عندي، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2). فالحاصل أن المرأة إذا أسلمت بعد الدخول وانقضت العدة لا نقول انفسخ النكاح، فقبل انقضاء العدة لا يمكن أن تتزوج لأنها في عدة الغير فتحبسها عن الزواج, وبعد انقضاء العدة هي بالخيار إن شاءت تزوجت وإن شاءت انتظرت حتى يسلم زوجها الأول, فلعله يسلم فترجع إليه بلا عقد جديد.

(1)

قوله «وَإِلاَّ تَبَيَّنَا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مُنْذُ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمُا»:

أي وإن لم يسلم الزوج فقد انفسخ النكاح منذ إسلام الزوجة أي منذ اختلاف دينهما، والعدة تبدأ منذ اختلاف دينهما، فمتى انتهت عدتها من زوجها فلها أن تنكح من الغد زوجاً آخر.
(2)

قوله «وَمَا سُمِّيَ لَهَا وَهُمَا كافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ فِيْ كُفْرِهَا، فَلا شَيْءَ لَهَا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا»:

المسمى للمرأة إما إن يكون حلالاً كالدراهم والأراضي وغيرها، وإما أن يكون حراماً كالخمور والخنازير والمعازف وغير ذلك=309310

الجزء: 6 - الصفحة: 156

وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ حَيْثُ وَجَبَ ذلِكَ (1)،  =فإذا سمى الزوج لزوجته مهراً وهما كافران فقبضت ما سماه لها فلا شيء لها حتى وإن كان المسمى بينهما حراماً, كأن يقول لها لك دانة خمر أو لك من الخنزير كذا فإنها إذا قبضته فلا مهر لها ثانياً، لأنها قبضته فلا شيء لها غيره لأن الله تعالى أقر ما قبض، وهو باطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (1)، فما قبضوه قبل العلم في حكم الصحة فلا يلزم إعادته مرة ثانية.

(1)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ حَيْثُ وَجَبَ ذلِكَ»:

أي وإن لم تقبض المهر وكان مسمى بينهم وكان حراماً كخمر أو خنزير ونحو ذلك ولم تقبضه فإنه يقوَّم كم يساوي هذا الخمر لمن يستحله ثم تعطى قيمته، وهذا أحد القولين في المسألة؛ أي تعطى مهر المثل.
القول الثاني: في المسألة أنه يقدر الحرام صحيحاً ثم يعطاه، أي ينظر كم يقدر هذا القطيع من الخنزير ثم تعطاه, وهكذا فيما قدره لها من المهر الحرام.
والقول الأول: هو الأقرب؛ فهم يعاملون معاملة المسلمين في أنكحتهم, فإن كان قد دخل بها فلها مهر مثلها إن لم تقبض المهر قبل الدخول، فإن فارقها قبل الدخول وقد جعل لها مهراً من حرام كخمر أو معازف أو خنزير ونحو ذلك فلها نصف مهر المثل.311

الجزء: 6 - الصفحة: 157

فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ فَسْخِ نِكاحِ الإِمَاءِ

(1) وَإِنْ أَسْلَمَ الحُرُّ وَتَحْتَهُ إِمَاءُ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِيْ حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلى الإِسْلامِ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ فَسْخِ نِكاحِ الإِمَاءِ»:

سبق أن ذكرنا أن المسلم لا يجوز له أن ينكح الإماء إلا بشروط ثلاثة: الأول: ألا يجد ثمن الحرة.
الثاني: أن يخاف على نفسه العنت.
الثالث: أن تكون الأمة مسلمة.
وقد ذكر الله تعالى هذه الشروط بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (1)، وقد سبق بيان ذلك.

(2)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ الحُرُّ وَتَحْتَهُ إِمَاءُ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِيْ حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلى الإِسْلامِ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ»:

ذكرنا الأحوال التي يحل للمسلم أن ينكح فيها الإماء فمتى فقدت هذه الشروط المذكورة فلا يجوز له أن ينكح الإماء, فإذا أسلم الحر الكافر وكان تحته إماء فأسلمن معه فلا يخلو من حالين:312

الجزء: 6 - الصفحة: 158

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهُنَّ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعُفُّهُ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ (1)،  الحالة الأولى: أن يكون ممن تنطبق عليه الشروط أي شروط جواز نكاح الإماء وهي: 1 - خوف العنت كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (1). 2 - أن تكون الأمة مسلمة كما في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
3 - العجز عن طول حرة أو أمة، وهذا مفهوم الآية السابقة، فمتى أسلم الحر ولم تقم فيه هذه الشروط فإنه يفرق بينهما وذلك لفساد النكاح.
الحالة الثانية: أن يسلم وتحته إماء وتنطبق عليه الشروط السابقة هذا ما ذكره المؤلف بقوله.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهُنَّ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعُفُّهُ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ»:

أي إذا كان ممن يحل له نكاح الإماء وهو من توفرت فيه الشروط السابقة فإنه يحل له الإمساك بواحدة تعفه ثم يفارق سائرهن، فإن كانت لا تعفه واحدة فله أن يختار منهن من تعفه، وفي رواية أخرى لا يختار إلا واحدة.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف وهو أنه يمسك منهن بمن تعف نفسه، فإن كان ممن لا تعفه واحدة أمسك بأخرى، وإن كان ممن لا تعف نفسه إلا بثلاث فله ذلك لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص.313

الجزء: 6 - الصفحة: 159

بابُ الشُّرُوْطِ فِيْ النِّكاحِ

(1)  (1)

قوله «بابُ الشُّرُوْطِ فِيْ النِّكاحِ»:

أي باب في الشروط التى يضعها المتعاقدان أو أحدهما في عقد النكاح التي له فيها عوض، و

الفرق بين شروط النكاح والشروط في النكاح

ما يلي: أولاً: أن شروط النكاح من وضع الشارع أي هي التي وردت نصوص الكتاب والسنة باشتراطها وهي التي سبق ذكرها كاشتراط الولي ورضا الزوجين وغير ذلك مما سبق اشتراطه، أما الشروط في النكاح فهي من وضع العاقد وهو الذي شرطها: ثانياً: أن شروط النكاح يتوقف عليها صحة النكاح، أما الشروط في النكاح فلا يتوقف عليها صحة النكاح إنما يتوقف عليها لزومه وإمضاؤه فيبقى فيه الخيار، فلمن فات شرطه فسخ النكاح.
ثالثاً: أن شروط النكاح لا يمكن إسقاطها بخلاف الشروط في النكاح فإنه يمكن إسقاطها ممن هي له.
رابعاً: أن شروط النكاح لا تنقسم إلى صحيح وفاسد، والشروط في النكاح تنقسم إلى صحيح وفاسد.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأولى: الشروط في النكاح: لا بد أن تكون مقارنة للعقد أو سابقة عليه

لا لاحقة به، فمحلها إما في صلب العقد أو قبله لا بعده، فلو قال الولي أي ولي المرأة زوجتك ابنتي على أن لا تتزوج عليها، =

الجزء: 6 - الصفحة: 160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فهذا مقارن للعقد، أو حين يتقدم لخطبتها قال له ذلك فاتفقا على ذلك، فإن هذا الشرط يعتبر لأن العقد الذي حصل مبني على ما سبق من الشروط.

الفائدة الثانية: الأصل في جميع العقود الصحة حتى يقوم دليل على المنع

: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ 314، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ 315، وكذا ما سيذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث.

  • الفائدة الثالثة: الشروط في النكاح: تنقسم الشروط في النكاح إلى قسمين: صحيح، وفاسد.
    أولاً: الشرط الصحيح: وهو كل شرط لا يستلزم وقوعاً في محرم ولا يستلزم التحريم, ولا يخالف مقصود الشارع ولا مقصود العقد.
    مثال ذلك: أن تشترط الزوجة البقاء في دار أمها، أو دار أبيها، أو ألا تسافر معه، أو أن تستمر في دراستها، أو أن تستمر في وظيفتها، أو أن تستمر في حضانة ابنها أو بنتها من زوج أخر، وغير ذلك من الشروط.
    فهذه الشروط معتبرة لأنها لا تستلزم وقوعاً في محرم ولا تخالف مقصود الشارع ولا مقصود العقد.
    فإن اشترطت عليه ما يخالف الشرع كأن تقول أتزوجك على أن أكشف=

الجزء: 6 - الصفحة: 161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وجهي ولا تأمرني بغطاء الوجه، فهذا شرط محرم لا يجوز, وقولنا لا يخالف مقصود الشارع بمعنى أنه لا يلزم وجود دليل من الكتاب والسنة على هذا الشرط ولكن يلزم ألا يخالف الكتاب والسنة كما لو اشترطت عليه طلاق ضرتها، فهذا شرط يخالف مقصود الشارع لورود الشريعة بالنهي عن ذلك, وقولنا لا يخالف مقصود العقد أي يعود على أصل العقد بالبطلان مثل لو اشترطت عليه ألا يستمتع بها، فإن هذا الشرط يخالف مقصود العقد.
ثانياً: الشرط الفاسد وهو كل شرط خالف الكتاب والسنة أو خالف مقصود العقد دليل ذلك حديث بريرة وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ» 316. ومعنى قوله «ليس في كتاب الله» أي كل شرط خالف ما جاء في كتاب الله فهو باطل, فالشرط الذي جاء به الكتاب والسنة مما فيه استيفاء الحقوق لا مانع منه, وهذه الشروط الفاسدة تنقسم إلى قسمين: الأول: شرط فاسد مفسد أي يبطل النكاح، وهي أربعة أشياء سيذكرها المؤلف قريباً.
الثاني: شرط فاسد غير مفسد أي لا يبطل النكاح، وهي الشروط التي=

الجزء: 6 - الصفحة: 162

إِذَا اشْتَرَطَتِ الْمَرْأَةُ دَارَهَا (1)، أَوْ بَلَدَهَا (2)،  =يشترطها الزوجان أو أحدهما كالخيار في النكاح أو المهر أو شرطاً أو أحدهما عدم الوطء, أو شرط الزوج عدم المهر, أو النفقة, أو قسم لها أقل من ضرتها أو أكثر، أو يشترط أن يعزل عنها ونحو ذلك، فهذه الشروط وغيرها لا يبطل العقد بها لأنها فاسدة تخالف أصل العقد, فالأصل في عقد النكاح الديمومة والبقاء والاستمرار والاستمتاع، فمتى اشترط فيه ما يخالف ذلك، فالشرط فاسد لا يؤثر على العقد.

(1)

قوله «إِذَا اشْتَرَطَتِ الْمَرْأَةُ دَارَهَا»:

بدأ المؤلف في بيان الشروط الصحيحة التي يجب على الزوج الوفاء بها وإن لم يفِ فلها الفسخ، فمن ذلك إذا اشترطت عليه البقاء في دارها أو شقتها أو البقاء في دار أبيها فوافق على ذلك فلما تزوجها أراد أن يخل بهذا الشرط فلها فسخ النكاح.
(2)

قوله «أَوْ بَلَدَهَا»:

أي وكذلك إن اشترطت عليه البقاء في بلدها دون السفر بها إلى مكان أخر فيجب عليه الوفاء بهذا الشرط, فإن خالف فلها فسخ النكاح, دليل ذلك عن عبد الرحمن بن غنم قال: شهدت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أتي في امرأة جعل لها زوجها دارها، فقال عمر: لها شرطها، فقال رجل: إذا يطلقننا، فقال عمر: «إِنَّمَا مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ» 317.

الجزء: 6 - الصفحة: 163

أَوْ أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا (1)، أَوْ أَنْ لا يَتَسَرَّى (2)،  (1)

قوله «أَوْ أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا»:

أي وكذلك إذا اشترطت عليه ألا يتزوج عليها فلها شرطها.
فإن تزوجها على هذا الشرط فلا يجوز له أن يتزوج عليها, بل إن تزوج فإنه يكون آثماً, لأنه خانها في هذا الشرط.
وكذلك يكون لها الخيار إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت فسخت العقد ولا يلزم طلاق الزوج فأمرها بيدها لأن المرأة ما رضيته زوجاً إلا بهذا الشرط.

(2)

قوله «أَوْ أَنْ لا يَتَسَرَّى»:

التسري سبق تعريفه وهو إعداد الأمة بأن تكون موطوءة، و

الفرق بين التسري والتزوج

أن التسري الوطء بملك اليمين والتزوج عقد النكاح.
فإذا اشترطت المرأة على زوجها أن لا يتسرى عليها زوجها فقَبِل ذلك فلا يجوز للزوج أن يتسرى عليها, فإن فعل فلها الفسخ.
وذهب بعض الفقهاء إلى صحة النكاح وبطلان الشرط.
والصحيح الأول، فإذا كان للزوج الحق أن يتزوج أكثر من واحدة وأسقط هذا الحق فما المانع من صحة هذا الشرط؟ فالحاصل أن ما ذكره المؤلف هنا كاشتراط ألا يتزوج عليها وألا يخرجها من دارها أو بلدها, أو لا يتسرى عليها كل ذلك من الشروط الصحيحة المعتبرة التي متى خالف فيها الزوج فللمرأة فسخ النكاح.

الجزء: 6 - الصفحة: 164

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوْطِ أَنْ تُوَفُّوْا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوْجَ» (1)، وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ (2)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوْطِ أَنْ تُوَفُّوْا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوْجَ»

(1): هذا الحديث متفق عليه من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، وهو عمدة في هذا الباب يؤخذ منه بعض الفوائد، ومنها: 1 - وجوب الوفاء بالشروط التي التزم بها أحد الزوجين لصاحبه كما ذكر المؤلف كاشتراط البقاء في دارها، أو بلدها، أو ألا يتسري عليها، وغير ذلك من الشروط المعتبرة لمصلحة أحد الزوجين.
2 - أن وجوب الوفاء شامل لجميع الشروط التي هي من مقتضي العقد والتي من مصلحة أحد الزوجين.
3 - أن الوفاء بشرط النكاح آكد من الوفاء بغيرها لأن عوضها استحلال الفروج.

(2)

قوله «وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ (2)، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»:

نكاح المتعة عرفه المؤلف هنا بأن يتزوج الرجل المرأة إلى مدة، أو يقول لها: «أمتعينى نفسك»، فتقول: «أمتعتك»، سواء قدر المتعة بمدة معلومة كأن يقول: «أتمتع بك يوماً، أو شهراً، أو سنة»، =318319

الجزء: 6 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ونحو ذلك, أو كانت المدة مجهولة كقوله: «أتمتع بك موسم الحج»، أو «ما أقمت في البلد»، أو «حتى يقدم زيد»، فإذا انقضى الأجل المحدد وقعت الفرقة بغير طلاق.
حكم هذا النوع من الأنكحة, اختلف الفقهاء في نكاح المتعة على قولين: الأول: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية 320، والمالكية 321، والشافعية 322، والحنابلة 323 أنه يحرم هذا النوع من الأنكحة بل هو باطل، واستدلوا على ذلك بحديث سبرة الجهني أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِى الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَىْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» 324، واستدلوا أيضاً بحديث عن على بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْمُتْعَةِ قَالَ: «وَإِنَّمَا كَانَتْ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلَمَّا أُنْزِلَ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ نُسِخَتْ» 325، بمعنى أن المتعة ترتفع من=

الجزء: 6 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =غير طلاق ولا فرقة ولا يجرى التوريث بينهما, مما دلّ على أن المتعة ليست بنكاح ولم تكن المرأة فيها زوجة للرجل.
وأيضاً احتجوا بما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- قَالَ: «إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِى أَوَّلِ الإِسْلامِ كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ وَتُصْلِحُ لَهُ شَيْئَهُ حَتَّى إِذَا نَزَلَتِ الآيَةُ ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَكُلُّ فَرْجٍ سِوَى هَذَيْنِ فَهُوَ حَرَامٌ» 326. القول الثاني: أن المتعة جائزة، وهو رواية عن ابن عباس، وعليها أكثر أصحابه عطاء وطاووس، وبه قال ابن جريح، وحكى ذلك عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وإليه ذهب الشيعة لأنه قد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن فيها, وروي عن عمر أنه قال: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْهَى عَنْهُمَا: مُتْعَةُ الْحَجِّ، وَمُتْعَةُ النِّسَاءِ» 327، واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلا نَسْتَخْصِى فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ =

الجزء: 6 - الصفحة: 167

وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ لِذلِكَ (1)،  = لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}» (1). والصحيح المقطوع به: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول للدلالة الواضحة التي ليس فيها لبس، ولقوة الأدلة على تحريمها، ثم إن من نظر إلى مقاصد النكاح لوجد أن النكاح إنما شرع لأغراض ومقاصد قد ذكرناها في أول كتاب النكاح, ومن نظر إلى نكاح المتعة وجد أنه بعيد كل البعد عن مقاصد النكاح الشرعية, ولذا نجد أن أكثر الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعلي، وعبد الله بن الزبير، وأبي هريرة، وغيرهم، وسائر التابعين من السلف الصالح كلهم يحرمونها.
قال الإمام الترمذي: «باب تحريم نكاح المتعة»، وذكر حديث علي المتقدم ثم قال: حديث علي حديث حسن صحيح, والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، إنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة في المتعة ثم رجع عن قوله حيث أُخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقر أكثر أهل العلم على تحريم المتعة، وهو قول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» (2).

(1)

قوله «وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ لِذلِكَ»:

أي وإن شرط المولى أو اشترط الناكح أن يطلق المرأة في وقت معين بطل العقد=328329

الجزء: 6 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لأن القاعدة العامة في ذلك أن كل نكاح مؤقت بعمل أو زمن فإنه نكاح متعة لا يجوز, وما ذكره المؤلف هنا نكاح المؤقت.
وهل هناك فرق بينه وبين نكاح المتعة؟ الجواب: لا فرق بينهما من حيث الحكم لأنها كلها متعة عند عامة أهل العلم، أما من جهة اللفظ فقد يفرق بينهما بأن يقال نكاح المتعة هو الذي يكون بلفظ التمتع كأن يقول لها: «أعطيتك كذا على أن أتمتع بك يوماً أو شهراً أو سنة»، ونحو ذلك، أما النكاح المؤقت فهو الذي يكون بلفظ التزويج، والنكاح، وما يقوم مقامها، ويقيده بمدة فيقول لها: «أتزوجك عشرة أيام ثم أطلقك»، وهو غير صحيح كما سبق.

- فائدة: في النكاح بنية الطلاق:

تعريفه

: هو أن يتزوج الرجل المرأة وهو يضمر في نيته طلاقها من غير علم المرأة أو وليها بذلك.
حكمه: اختلف الفقهاء في حكم هذا النوع من الزواج: فذهب الحنفية 330، والمالكية 331، والشافعية 332، والحنابلة 333 على القول الصحيح عندهم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 334 إلى أنه إذا=

الجزء: 6 - الصفحة: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تزوج الرجل المرأة بنية طلاقها بعد شهر أو أكثر أو أقل، فالنكاح صحيح، وهو أيضاً اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 335، وبه أفتت اللجنة الدائمة 336. ومما قاله سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- عندما سئل عن النكاح بنية الطلاق وصدور فتوى من اللجنة الدائمة بخصوصه قال -رحمه الله-: «نعم لقد صدر فتوى من اللجنة الدائمة وأنا رئيسها بجواز النكاح بنية الطلاق إذا كان ذلك بين العبد وبين ربه, إذا تزوج في بلاد غربة ونيته أنه متى انتهى من دراسته، أو من كونه موظفاً وما أشبه ذلك أن يطلق فلا بأس بهذا عند جمهور العلماء, وهذه النية تكون بينه وبين الله سبحانه, وليست شرطاً، والفرق بينه وبين المتعة: أن نكاح المتعة يكون فيه شرط مدة معلومة كشهر، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، ونحو ذلك, فإذا انقضت المدة المذكورة انفسخ النكاح, هذا هو نكاح المتعة الباطل, أما كونه تزوجها على سنة الله ورسوله، ولكن في قلبه أنه متى انتهى من البلد سوف يطلقها, فهذا لا يضره، وهذه النية قد تتغير، وليست معلومة، وليست شرطاً، بل هي بينه وبين الله فلا يضره ذلك, وهذا من أسباب عفته عن الزنا والفواحش, وهذا قول جمهور أهل العلم, حكاه عنهم صاحب المغني موفق الدين ابن قدامة -رحمه الله-» 337.

الجزء: 6 - الصفحة: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الأوزاعي، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد 338 أنه يحرم، وهذا هو قول شيخنا 339 -رحمه الله- «مع صحة العقد» , «وذلك لأن المتزوج نوى مدة معينة وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 340، ولأن فيه غشاً للزوجة وأهلها, فإنهم ربما لو كانوا يعلمون أنه لن ينكحها نكاح رغبة وبقاء لم يزوجوه، فلو ظنوا أنه إنما تزوجها مادام في هذا البلد ثم يتركها إذا سافر لم يزوجوه, وإن أخبرهم بقصده وبما يضمره في نيته صار نكاح متعة, فالنكاح بهذه النية أي نية الطلاق يحرم من هذه الناحية لا من ناحية كونه نكاح متعة، وعلى هذا يكون حراماً».
قلت: والأظهر عندي ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أي يحرم الزواج مع صحة العقد بنية الطلاق لما يترتب عليه من غش الزوجة وغش أهلها, والأصل في كل ما يحصل فيه غش وخداع أنه يحرم وما ذهب إليه الأئمة وغيرهم وإن كانوا قد أباحوه إلا أن قواعد الشريعة تصادم ما ذهبوا إليه، وأظن لو أن أحداً من هؤلاء الأئمة الأعلام عاش هذا الزمان الذي نحن فيه لم يتردد طرفة عين في تحريمه, والذي أراه لمن أراد أن يتزوج حسب هذا النوع من الزواج أنه لا ينوي مفارقة المرأة,=

الجزء: 6 - الصفحة: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بل ينوى البقاء معها متى أمكن وينوى المحافظة على كل ما فيه ود بين الزوج وزوجته, فإن حصل ما يعارض ما نواه فله أن يفارقها, وهذا بلا شك يتماشى مع أصول وقواعد الشريعة التي جاءت بالحفاظ على الأُسر من الضياع, والسعي إلى تأليف القلوب بين أفراد المجتمعات, وإلا فإن من يتربص بالأُمة شراً أخذ يطعن في أحكام الشريعة بسبب هذا النوع من الأنكحة أعنى النكاح بنية الطلاق, فإننا نسمع عن الحكايات التى تحصل من أبناء المسلمين ضعاف النفوس وضعاف الإيمان الذين انتهزوا هذه الفرصة - أي فرصة من قال بالجواز -، وذهب إلى البلاد غير الإسلامية, وتزوج بنية الطلاق مرة واثنتين وثلاثة خلال عام واحد في العطلة الصيفية، هذا كله جعل الغرب الكافر ينتقدون شريعة الإسلام ويتهمونها بأنها تبيح الغش والخداع والظلم من جراء هذا النوع من الأنكحة.
فالحاصل أنني أقول لمن اضطر إلى الذهاب خارج البلاد إما للدراسة أو التجارة أو نحو ذلك إن أردت الزواج من نساء هذه البلاد المسافر إليها فيلزمك ما يلي: 1 - أن تنوى بقلبك عدم مفارقة هذه المرأة التي تريد الزواج منها.
2 - أن تسعى بكل ما تملك أن تبقى زوجة لك.
3 - يلزمك عند الزواج بها إحضار وليها وتوثيق عقد الزوجية وكل ما يلزم للنكاح الصحيح المعتبر.

الجزء: 6 - الصفحة: 172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  4 - إذا حصل أي عارض من العوارض التى لا تتمكن منها من البقاء مع المرأة فلا مانع من فراقها شأنها بذلك شأن أي زواج آخر.

  • فائدة: ذكر بعض أهل العلم بعض الفوارق بين نكاح المتعة والنكاح بنية الطلاق منها: 1 - أن نكاح المتعة يتم بالاتفاق بين الولي والزوجة، أو بين الزوجة ومن يرغب في نكاحها على الأجل المضروب بينهما للنكاح, وتقع الفرقة بينهما بمجرد انقضاء الأجل، أما الزواج بنية الطلاق فيفرق بين الزوجين بطلاق بائن وعدة واجبة.
    2 - أن المرأة في نكاح المتعة لا حق لها سوى الأجر - المسمى صدقاً - بخلاف المتزوجة ممن ينوى طلاقها, فلهذه الحق في الميراث والمتعة في العدة وسائر حقوق الزوجة على زوجها.
    3 - عدة المطلقة من نكاح من يضمر نية الطلاق كعدة مثيلاتها من بنات جنسها, وأما المتعة فللمرأة بعد انقضاء أجل متعتها عدة خاصة تخالف عدة المطلقة, ومن مات عنها زوجها من المسلمات.
    4 - أن الزواج بنية الطلاق قابل للاستمرار والديمومة إذا أراد الزوج وغيَّر نيته، أما في المتعة فلا حق للزوج في الاستمرار مع زوجته, ولا حق لها في ذلك بعد انقضاء الأجل المضروب بينهما, بل تجب الفرقة فوراً.

الجزء: 6 - الصفحة: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

فائدة: في حكم زواج المسيار

: أولاً: نقول شرع الله تعالى الزواج لأهداف متعددة, منها تكاثر النسل, والحفاظ على النوع الإنساني, وإنجاب الذرية, وتحقيق العفاف، وصون الإنسان عن التورط في الفواحش والمحرمات، ومنها التعاون بين الرجل والمرأة على شؤون العيش وظروف الحياة والمؤانسة, ومنها إيجاد الود والسكينة والطمأنينة بين الزوجين, ومنها تربية الأولاد تربية قوية في مظلة الحنان والعطف, وغير ذلك من الأمور التى من أجلها شرع الزواج قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ 341. ثانياً: صورة زواج المسيار: صورة هذا الزواج هو أن يشترط الزوج على المرأة التي يرغب في الزواج منها أن لا يقسم بينها وبين نسائه بالتساوي أو لا ينفق عليها, أولا يسكنها, وقد يشترط أن يكون لها النهار دون الليل وهو ما يسمى «بالنهاريات»، وقد تكون المرأة هي المبادرة بإسقاط حقوقها, فقد تكون صاحبة مال ومسكن فيسقط عنه, وقد ترضى بالنهار دون الليل كما سبق, وقد ترضى بعدد أيام دون أيام ضرائرها وغير ذلك, وهذا الإسقاط للحقوق من كلا الطرفين لا يجعل النكاح محرماً وإن كرهه بعض أهل العلم لكنه لا يخرج عن الجواز لاستكماله شروط وأركان =

الجزء: 6 - الصفحة: 174

وَنَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا (1)،  = النكاح، لكن يكون إسقاط الحقوق بعد العقد، أي بعد أن تملك المرأة الحق، أما قبل ذلك فلا حق لها.

(1)

قوله «وَنَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا»

الجزء: 6 - الصفحة: 175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =بعضهم من تفسير نافع وليس خاصاً بالابنة بل كل مولية» (1).

اختلاف الفقهاء في نكاح الشغار

: اتفق الفقهاء على عدم جواز نكاح الشغار لكن اختلفوا في النهي هل هو للتحريم أم للكراهة؟ وهل هو باطل أم لا؟ نقول ذهب جمهور الفقهاء 345 إلى أن النكاح باطل.
وذهب الحنفية 346 إلى أن النكاح صحيح غير أنه مكروه تحريماً وللمرأة مهر المثل.
قلت: والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو بطلان نكاح الشغار، والنهي في الحديث يعود على نفس العقد بالإبطال، والعلة في النهي هي خلو العقد من المهر.
فإن اتفقا على أن يتزوج كل واحد منهما موليته على أن يكون هناك مهر لكل منهما فهل يجوز؟ قولان: الأول: لا يجوز مطلقاً سواء كان بمهر أو بدون مهر لعموم الخبر، وجعل تفسير الشغار من كلام الراوي ليس من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولأنه قد يفقد عدم الرضا من المرأة، فقد لا ترضى بأن يكون هذا الرجل زوجاً لها وبالتالي يفقد ركناً من أركانه وهو الرضا، ولأن تزويج الولي=344

الجزء: 6 - الصفحة: 176

وَلَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاثاً؛ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا (1)،  =موليته إنما كان من أجل مصلحته هو, لا مصلحة موليته، والقاعدة في النكاح «أن التصرف بالرعية منوط بالمصلحة»، فالتحريم لأجل وجود الشرط ولو وجد معه مهر.
القول الثاني: وهو صحة النكاح إن كان هناك مهر بينهما لقوله في الحديث السابق «ليس بينهما صداقاً»، فإذا وجد الصداق صح العقد، والذي يظهر لى والله أعلم أنه إذا كان المهر هو مهر مثلها لم ينقص, والمرأة قد رضيت بالزواج وهو كفء لها فإنه يصح أي إذا اجتمعت فيه شروط ثلاثة وهي: «الكفاءة - مهر المثل - الرضا»، فمتى تحققت هذه الشروط فلا بأس بذلك، وهذا اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «وَلَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (2)، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاثاً؛ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا»:

هذا أيضاً نوع أخر من الأنكحة الباطلة.
والمحلل: هو الذي ينكح المطلقة ثلاثاً بشرط التحليل لمن طلقها ونكاح التحليل باطل, سواء كان التحليل مشروطاً في العقد صراحة أو نواه الزوج, أو الزوجة على الراجح من أقوال أهل العلم، ويدخل معهم=347348

الجزء: 6 - الصفحة: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أيضاً الولي إن كان قد تواطأ في هذا النكاح، فإن قاصد التحليل والمتواطئ عليه لا يخرج عن مسمى المحلل، ولأن القصد في العقود معتبر, والأعمال بالنيات, قال شيخ الإسلام: «ولا يصح نكاح التحليل ونية ذلك كشرطه» (1).

و

هل يقع نكاحاً صحيحاً مع حصول الإثم أم هو نكاح باطل يوجب فسخ النكاح؟

قولان لأهل العلم: الأول: أنه نكاح صحيح وإن كان موجباً للإثم، وهذا قول أبي حنيفة 350، والشافعية 351 , لأن العقد الظاهر قد استكمل أركانه وشروطه الشرعية، فهي بذلك تحل بوطء الزوج الثاني للأول.
وذهب المالكية 352، والحنابلة 353 إلى أن الزواج بقصد التحليل باطل, ولا تحل المرأة بهذا الزواج لزوجها الأول، واستدلوا لذلك بالحديث المتقدم وعملاً بقاعدة سد الذرائع.
قلت: وهو الراجح عندي, فالنكاح بنية التحليل نكاح باطل وبه لا تحل المرأة لزوجها الأول، ولأن في ذلك استحلالاً للزنا باسم النكاح, فإن قول المحلل تزوجت هذه المرأة, أو قبلت هذا الزواج وهو غير مبطن=349

الجزء: 6 - الصفحة: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لحقيقة النكاح, ولا يقصد أن تكون زوجة له, ولا هي مريدة لذلك، ولا الولي فقد توسل باللفظ الشرعي إلى ما فيه مقصود العقد, وهو عود المرأة إلى زوجها المطلق.

الجزء: 6 - الصفحة: 179

بابُ العُيُوْبِ الَّتِيْ يُفْسَخُ بِهَا النِّكاحُ

(1)  (1)

قوله «بابُ العُيُوْبِ الَّتِيْ يُفْسَخُ بِهَا النِّكاحُ»:

أي باب في بيان ما يثبت به الخيار ومالا يثبت به.
والعيوب: جمع عيب, وهو نقص بدني أو عقلي في أحد الزوجين يمنع من تحصيل مقاصد الزواج والتمتع بالحياة الزوجية.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: العيوب التي يفسخ بها النكاح هل هي مخصوصة بأشياء معينه معدودة؟

المشهور من المذهب كما سيذكره المؤلف أنها مخصوصة بأشياء معدودة وما سواه ولو كان أولى بالنفور فليس بعيب.
والصحيح: أن العيوب في النكاح مضبوطة بضابط محدد وهو ما يعده الناس عيباً يفُوت به الاستمتاع أو كماله.
قال ابن القيم -رحمه الله-: «والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار» 354، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 355، وشيخنا -رحمه الله- 356 , فالأصل في عقد النكاح السلامة من العيوب كغيره من العقود ولذا فيثبت الفسخ بكل عيب يمنع من=

الجزء: 6 - الصفحة: 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =مقصود النكاح كما ذكر ابن القيم -رحمه الله-، وعلى ذلك لا تكون العيوب محددة بعدد معين, وعلى القاضي أن يجتهد فلا يفسخ النكاح إلا بعيب يذهب معه مقصود النكاح.

- الفائدة الثانية: لم يرد في السنة أحاديث صحيحة تبين موضوع العيوب في النكاح،

وإنما غالب ما اعتمد عليه الفقهاء في هذا الباب آثار مروية عن الصحابة.

الفائدة الثالثة: العيوب في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام

: القسم الأول: قسم مشترك بين الزوجين، مثل الجنون والجذام والبرص.
القسم الثاني: قسم يختص به النساء دون الرجال وهو كل عيب يمنع استمتاع الرجل بزوجته، وسيأتي في كلام المؤلف الأمثلة على ذلك.
القسم الثالث: ما يختص بالرجال دون النساء مثل العُنَّة والجب، وسيأتي قريباً إن شاء الله.

الفائدة الرابعة: ما يترتب على العيوب من أحكام

: 1 - أنه يجوز للمتضرر فسخ النكاح.
2 - أن الفسخ أو الخيار يكون على التراخي لا الفورية، بمعنى أن الزوج إذا وجد عيباً في المرأة أو العكس، فللمتضرر الذي وجد العيب في صاحبه الخيار, ولا يسقط هذا الخيار إلا بأمور ثلاثة: أـ الرضا الصريح.

الجزء: 6 - الصفحة: 181

مَتَى وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الآخر مَمْلُوْكاً، أَوْ مَجْنُوْناً، أَوْ مَجْذُوْمًا، أَوْ أَبْرَصَ (1)،  ب - الاستمتاع مع وجود العيب.
ج - تمكين المرأة لزوجها مع وجود العيب، ولا يكفي التمكين إلا أن يكون مقروناً بما يفهم معه الرضا، فقد يكون التمكين عن كره، أو عدم رضا، أو خوف من الزوج، ونحو ذلك.
3 - أن يكون الفسخ بحكم حاكم.

- الفائدة الخامسة: إذا تزوج الرجل بالمرأة فوجد بها عيباً فلا يخلو من حالين:

الأول: أن يعلم بالعيب قبل الدخول فله أن يفسخ من غير مهر.
الثاني: ألا يعلم بالعيب إلا بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها, وإن غُرّ ولم يعلم بالعيب إلا بعد الدخول فله الرجوع على من غرّه.
(1) قوله «مَتَى وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الآخر مَمْلُوْكاً، أَوْ مَجْنُوْناً، أَوْ مَجْذُوْباً، أَوْ أَبْرَصَ»: هذه جملة من العيوب المشتركة بين الزوجين التى متى وجدت في أحد الزوجين جاز له الفسخ فمن هذه العيوب.
الرق: فمتى تزوج الحر امرأة فبانت أمة أو العكس، أي تزوجت الحرة رجلاً حراً فبان عبداً مملوكاً فلها الفسخ لعدم الكفاءة بين الزوجين.
الجنون: وهذا مذهب جمهور أهل العلم، أي أن الجنون عندهم يعتبر عيباً يفسخ به النكاح، فإذا وجد أحد الزوجين في الآخر جنوناً فإنه يثبت له الخيار وذلك لفوات الاستمتاع المقصود منه، هذا إذا عدم العلم بالجنون حال العقد لثبوت الخيار، أما العالم به فلا خيار له.

الجزء: 6 - الصفحة: 182

أَوْ وَجَدَهَا الرَّجُلُ رَتْقَاءَ (1)، أَوْ وَجَدَتْهُ مَجْبُوْباً (2)،  الجذام: هو مرض تتآكل منه الأعضاء وتتساقط وهو عيب بلا شك, ولا يسلم من هذا المرض في الغالب أحد، وهو أيضاً معيب.
وقد جاءت السنة بالأمر بالفرار ممن أصيب به.
وهذا المرض يثبت به خيار الفسخ لكل واحد من الزوجين لأنه يثير نفرة في النفس تمنع قربانه ويخشى تعديه إلى النفس والنسل فيمنع الاستمتاع.
وذهب الحنفية (1) إلى أن الجذام لا يثبت به الخيار للزوجين.
البرص: داء معروف، وهو بياض يقع في ظاهر الجلد, يبقع الجلد ويذهب دمويته، فإذا أصيب أحد الزوجين بالبرص فله فسخ الزواج بوجوده سواء كان قبل الدخول أو بعده.

(1)

قوله «أَوْ وَجَدَهَا الرَّجُلُ رَتْقَاءَ»:

الرَتَق: بفتح الراء والتاء، ومعناه انسداد محل الجماع باللحم، أي أن يكون فرجها مسدوداً بأصل الخلقة لا يسلكه الذكر.
فإذا وجد الرجل المرأة رتقاء فله الفسخ إن لم يكن علم بذلك لأنه عيب يمنع من استيفاء مقصود النكاح.

(2)

قوله «أَوْ وَجَدَتْهُ مَجْبُوْباً»:

المجبوب هو الذي قطع ذكره, فإذا وجدته مجبوباً, فلها فسخ النكاح لأن الجب يمنع المقصود بعقد النكاح وهو الوطء، ولأنه عيب لا يرجى زواله.357

الجزء: 6 - الصفحة: 183

فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ ذلِكَ (1)، وَلا يَجُوْزُ الفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ (2)،  (1)

قوله «فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ ذلِكَ»:

الضمير في «له» يعود على الزوجين، أي فلكل من وجد عيباً في صاحبه من العيوب التي سبق ذكرها فسخ النكاح إن لم يكن علم بذلك قبل العقد، فإن علم به بعد العقد فله حالتان: الأولى: أن يكون علمه بعد العقد وقبل الدخول، فإن كان العيب في المرأة فسخ العقد ولا مهر للمرأة لغشها وغررها فهي التي غرّت الزوج، أما إن كان العيب من قبل الرجل فالصحيح أنه إن فسخ قبل الدخول فللمرأة نصف المهر لأن الزوج هو السبب فبغشه وخداعه حصل العقد.
الثانية: أن يكون علمه بالعيب بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها ويرجع به على من غرّ، والتغرير إما أن يكون من الزوجة كأن يكون بها عيب أخفته عن وليها، والولي عقد ودخل الزوج ووجد العيب فالغار الزوجة، ووليها ليس عليه شيء لأنه لا يعلم، وإن كان الولي عالماً وهي عالمة أيضاً فيكون الرجوع إما عليهما بالتساوي وإما على الولي, لأن الغرور المباشر إنما حصل من قبل الولي.

(2)

قوله «وَلا يَجُوْزُ الفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ»:

ذكرنا سابقاً أنه يترتب على العيوب في النكاح أمور ثلاثة، وهي: 1 - جواز فسخ النكاح للمتضرر.
2 - ثبوت الخيار على التراخي.

الجزء: 6 - الصفحة: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  3 - أن يكون الفسخ بحكم حاكم، وهذا الأخير هو مراد المؤلف هنا, أي لا يتم فسخ النكاح إلا بحكم حاكم، فمتى ثبت العيب وطلبت أن يفسخ العقد فلا يتم الفسخ إلا بحكم الحاكم وهو القاضي وذلك لقطع النزاع الذي قد يحصل بسبب ذلك, ولأن بعض العيوب مما هو مختلف فيه وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ولأنه عقد نكاح فيحتاط له أكثر.
وقول آخر في المسألة: أنه متى فسخ العقد بلا نزاع بين الزوجين فلا حاجة إلى رفعه إلى القاضي, أي لا يحتاج إلى الذهاب إلى القاضي إلا عند النزاع لرفع الخلاف, أما إذا اتفقا على ذلك فلا حاجة للحاكم.
والصواب عندي: أنه لابد أن يكون عن طريق الحاكم لأنه يحتاج إلى اجتهاد ونظر وكتابة وتوثيق, فإذا رفع أحدهما الأمر إلى القاضي وطلب الفسخ نظر في الأمر ثم حكم له حسب ما بينهما من شروط.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: إذا تم الفسخ فإن كان بعد الخلوة أو الدخول فعلى المرأة العدة, وإن كان قبل ذلك فلا عدة عليها لأن كل فراق بين الزوجين قبل الخلوة فإنه لا عدة فيه.
  • الفائدة الثانية: الولي له أن يمنع من ابتداء عقد النكاح, ولا يمنع من استدامته لأن الاستدامة أقوى من الابتداء, فللولي أن يمنع المرأة من الزواج بالمجنون والأبرص والمجذوم ابتداءً, لكن لو لم يعلم إلا بعد =

الجزء: 6 - الصفحة: 185

وَإِنْ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ زَوْجَهَا عِنِّيْنٌ لا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ (1)،  = العقد فليس له أن يرفعه, وليس له أن يجبرها على الفسخ.

- الفائدة الثالثة: هل العقم يعد عيباً؟

اتفق جمهور الفقهاء على أن العقم ليس عيباً يثبت به الخيار في طلب الفسخ إذا وجده أحد الزوجين في الآخر، وقال بعضهم: يستحب لمن فيه العقم أن يعلم الآخر قبل العقد, ولا يجب عليه ذلك.
والأقرب: أنه عيب إن كان في الرجل يثبت به الفسخ للمرأة لأن من أعظم مقصود النكاح هو الولد فهو عيب.
أما المرأة العقيم فليس للرجل الفسخ لأنه يجوز له أن يتزوج الثانية، والثالثة، والرابعة، وله أن يطلقها.

- الفائدة الرابعة: هل الغيرة المفرطة من الزوج أو الزوجة من العيوب التى يفسخ بها النكاح؟

الصواب: أن ذلك لا يحصل به الفسخ.
(1)

قوله «وَإِنْ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ زَوْجَهَا عِنِّيْنٌ لا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ»:

العِنِّين هو العاجز عن الوطء في القُبل لعدم انتشار الآلة، وسمى العنين بذلك للين ذكره وانعطافه، مأخوذ من عنان الدابة.
والعنة: قد تكون بسبب مرض أصاب الرجل، أو لضعف خلقته، أو لكبر سنه، فمتى كان الرجل عاجزاً عن الجماع فللمرأة فسخ النكاح لأن العنة معنى لا يمكن معه الوطء الذي هو مقصود النكاح الأعظم.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لكن متى ادَّعت المرأة على زوجها ذلك أي لم يقربها، فإن أقر بذلك فإنه يؤجل سنة عند جمهور أهل العلم (1)، واستدلوا على ذلك بقضاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فإنه قال: «يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ سَنَةً» (2)، فتأجيله سنة عذر كاف, ولأن العُنَّة قد تكون بسبب مرض, فضربت سنة لكى يتبين أنه عنة لا مرض.
وذهب الشافعية (3) أنه لا يؤجل سنة إلا إذا طلبت الزوجة، فإن سكتت لم تضرب المدة.
وخلاصة القول هنا أن المرأة إذا أدَّعت على الرجل كونه عِنيناً فإن اعترف فتثبت عنته بإقراره, وإن لم يعترف بدعواها عليه بل أنكر فسيأتي في كلام المؤلف, أنه لا يقبل قولها إلا ببينة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (4).

و

هل التعويل على السنة الميلادية أم السنة الهلالية؟

الجواب: على السنة الهلالية وتبدأ منذ التحاكم لا من منذ الزواج ولا=358359360361

الجزء: 6 - الصفحة: 187

فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا، خُيِّرَتْ فِي الْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ (1)، فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهَ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتَهُ قَبْلَ نِكَاحِهَا (2)، أَوْ قَالَتْ: رَضِيْتُ بِهِ عِنِّيْنًا فِيْ وَقْتٍ (3)،  =من وقت الدعوى.
قال ابن عبد البر: «ولا أعلم بين الصحابة خلافاً في أن العنين يؤجل سنة من يوم يرفع إلى السلطان» (1)

(1)

قوله «فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا، خُيِّرَتْ فِي الْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِه»:

أي فإن لم يصبها خلال السنة التي ضربت له فلها الخيار بين البقاء معه أو فسخ النكاح لأنه بذلك تثبت عنته, فإن جامع ولو مرة واحدة خلال السنة فهل يعد عنيناً؟ سيأتي في كلام المؤلف بيان ذلك إن شاء الله.
(2)

قوله «فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهَ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتَهُ قَبْلَ نِكَاحِهَا»:

أي إن اختارت الفراق فلها ذلك ويتولى الحاكم الفراق بينهما كما سبق إلا أن تكون قد علمت بعيبه قبل النكاح ورضيت فليس لها المطالبة به بعد ذلك لدخولها على بصيرة بأمره، كما لو باع سلعة بها عيب فعلم المشترى العيب ورضي به فليس له المطالبة بعد ذلك.
(3)

قوله «أَوْ قَالَتْ: رَضِيْتُ بِهِ عِنِّيْنًا فِيْ وَقْتٍ»:

وهذا كالذي قبله، وزيادة عليه أنها علمت ورضيت بكونه عنيناً فليس لها بعد العقد أن تطالب بحقها لدخولها على العيب بعلم وبصيرة ورضا، إلا أنه ينبغي أن يفرق=362

الجزء: 6 - الصفحة: 188

وَإِنْ عَلِمَتْ بَعْدَ العَقْدِ وَسَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا (1)، وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتِيْ أَوْ رَضِيَتْ بِيْ بَعْدَ عِلْمِهَا، فَأنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا (2)، وَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً، لَمْ يَكُنْ عِنَّيْنًا (3)،  =بين البكر والثيب في ذلك، فإن قالت البكر رضيت به عنيناً لم يقبل قولها، أما الثيب فإن لها ذلك لأنها تدرك ما لم تدركه البكر.

(1)

قوله «وَإِنْ عَلِمَتْ بَعْدَ العَقْدِ وَسَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا»:

أي لم يسقط حقها في المطالبة إذا علمت بأنه عنين بعد العقد مباشرة، والفرق بين هذه والتي قبلها أنه في الحالة التى قبلها علمت بأنه عنين ورضيت بذلك فيسقط حقها بعد العقد ولا خيار لها إجماعاً لأنها هي التي أسقطت حقها، أما هذه فلم تعلم بذلك إلا بعد العقد فلها المطالبة بالفسخ وإن كان بعد العقد.
(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتِيْ أَوْ رَضِيَتْ بِيْ بَعْدَ عِلْمِهَا، فَأنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا»:

القول قولها لأنه أقر بعنته، ولأن الأصل عدم العلم والرضا.
(3)

قوله «وَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً، لَمْ يَكُنْ عِنَّيْنًا»:

أي وإن أصاب الرجل المرأة مرة واحدة منذ أن دخل بها فليس بعنين.
فالفقهاء رحمهم الله يرون أن العنة توجد مع الرجل ولا تحدث خلال حياته، والواقع يخالف ذلك، فهناك من يصابون بأمراض، وحوادث، ويفقدون الشهوة نهائياً، أو يكوون ظهورهم ويحصل عندهم العُنَّة.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 189

وَإِنِ ادَّعَى ذلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ (1)، فَإِنْ كَانَتْ عَذْرَاءَ، أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ وَرُجِعَ إِلى قَوْلِهِنَّ (2)،  =ولذا نقول ما ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة مذهب ضعيف يخالف الواقع, فإن العُنَّة تحدث بلا ريب والإنسان معرض لفقد قواه كلها أو بعضها.
فالصواب في هذه المسألة: أنه متى ثبتت العنة ولو طارئة وعلم أنها لن تعود شهوة النكاح فللمرأة الفسخ, أما إذا كانت العنة أمراً طارئاً يزول فلا تمكن من الفسخ لعدم اليأس من قدرته على الجماع، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (1).

(1)

قوله «وَإِنِ ادَّعَى ذلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ»:

أي إن ادعى أنه وطئها فأنكرت ما ادعاه فهنا لا بد من إثبات دعواه ونفي ما تدعيه فقال المؤلف.
(2)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ عَذْرَاءَ، أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ وَرُجِعَ إِلى قَوْلِهِنَّ»:

أي إن ادعت المرأة عُنة زوجها فادعى أنه وطئها وقالت أنها عذراء أُريت النساء الثقات, فإن شهدن بعذرتها فالقول قولها لأن الوطء يزيل عذرتها.
وقول المؤلف «النساء الثقات»: يستفاد منه أن ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء، وما كان تحت الثياب، والرضاع، والبكارة، والثيوبة، والحيض لا يشهد فيه غير النساء.
واشترط المؤلف كونهن ثقات للبعد عن التهمة وللعمل بالأحوط.

و

هل تكفي امرأة واحدة أم يشترط أكثر من ذلك؟

=363

الجزء: 6 - الصفحة: 190

وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ (1)،  =على روايتين، والصحيح أنه يكفي فيه امرأة واحدة، وهو المذهب، وعليه الأكثر (1). قال شيخ الإسلام: «قال أصحابنا والاثنتان أحوط من المرأة الواحدة» (2).

لكن

هل تستحلف المرأة؟

يحتمل وجهين: الأول: أنها تستحلف لإزالة هذا الاحتمال كما يستحلف سائر من قلنا القول قوله.
الثاني: أنها لا تستحلف لأن ما يبعد جداً لا يلتفت إليه.
قلت: ولعل الأولى أن تحلف المرأة التى أقرت بعذرتها لزوال احتمال الكذب, ولأن النساء عادة عواطفهن تميل إلى بعضهن، فإن لم يشهد للمرأة أحد, فالقول قوله لأن الأصل السلامة في الرجال وعدم العيوب, فإن ادعت أن البكارة إنما أزيلت بغيره كأن يكون عن زنا عياذاً بالله، فالقول قوله أيضاً لأن الأصل عدمه، فإن ثبت أنها عذراء أجِّل سنة كما سبق بيانه في أول هذا الباب.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ»:

أي وإن ادعى الرجل أنه أصابها فأنكرت ثم بان من قبل النساء الثقات أنها ثيب فالقول قوله لأن هذا يتعذر إقامة البينة عليه، ولأن الوطء يزيل عذرتها, فعدمها يدل على الوطء.364365

الجزء: 6 - الصفحة: 191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقوله «فالقول قوله مع يمينه»: لأن الأصل بقاء النكاح والمرأة تدعى رفعه, وهو يدعى ما يوافق الأصل، فكان القول قوله كما لو أدعى الوطء في العُنَّة, ولأن هذا أمر خفي ولا يعلم إلا من جهته فقبل قوله فيه، أما كونه يلزمه اليمين لأن ما تدعيه المرأة محتمل فوجب نفيه باليمين.

الجزء: 6 - الصفحة: 192

فَصْلٌ فِيْ التَّفْرِيْقِ لِلْعِتْقِ

(1) وَإِنْ عَتَقَتِ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ، خُيِّرَتْ فِيْ الْمُقَامِ مَعَهُ وَفِرَاقِهِ (2)،  (1)

قوله «فَصْلٌ فِيْ التَّفْرِيْقِ لِلْعِتْق»:

أي هذا فصل فيما يحصل به التفريق بسبب العتق, فالتفريق بين الزوجين يكون بفقد شرط من الشروط أو بوجود عيب من العيوب، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً ومما يحصل به الفراق كذلك إذا عتقت الأمة فلها فسخ النكاح إذا كان زوجها عبداً كما قال المؤلف.
(2)

قوله «وَإِنْ عَتَقَتِ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ، خُيِّرَتْ فِيْ الْمُقَامِ مَعَهُ وَفِرَاقِهِ»:

هذا بإجماع أهل العلم، قال ابن قدامة «أجمع أهل العلم على هذا، ذكره ابن المنذر وابن عبد البر, وغيرهما، والأصل فيه حديث بريرة» 366. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِعَبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ رَاجَعْتِهِ»، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ: قَالَتْ لا حَاجَةَ لِي فِيهِ» 367 , فلو كان حراماً ما خيّرها -صلى الله عليه وسلم-، ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت عبد، فكان لها الخيار كما لو=

الجزء: 6 - الصفحة: 193

وَلَهَا فِرَاقُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ (1)، فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلِ اختيارهَا أَوْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا (2)، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهَا، أَوْ عَتَقَ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلا خِيَارَ لَهَا (3)،  =تزوجت حرّة على أنه حرٌّ فبان عبداً, فإن اختارت الفسخ فلها فراقه, وإن رضيت المقام معه لم يكن لها فراقه بعد ذلك لأنها أسقطت حقها.

(1)

قوله «وَلَهَا فِرَاقُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ»:

لأن فراق بريرة لم يكن بحكم حاكم, فلم يعلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد وقوعه منها, ولأن هذا الحكم مجمع عليه فلا يحتاج إلى اجتهاد فلم يفتقر إلى حكم الحاكم.
(2)

قوله «فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلِ اختيارهَا أَوْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا»:

أي فإن أُعتق العبد وهو زوجها قبل اختيارها فلا خيار لها للتساوي في الحرية، وكذلك إن وطئها بعد أن عتقت وقبل أن تختار الفسخ أو عدمه فلا خيار لها سواء علمت أن لها الخيار أو لم تعلم، ويستدل على ذلك بما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَنه قال: «إِذَا أُعْتِقَتْ الأَمَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا، إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلا خِيَارَ لَهَا، وَلا تَسْتَطِيعُ فِرَاقَه» (1)، وجاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «إِنْ قَرِبَكِ فَلا خِيَارَ لَكِ» (2). (3)

قوله «وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهَا، أَوْ عَتَقَ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلا خِيَارَ لَهَا»:

أي إن عتق نصف الأمة أي سارت مبعضة، وكذلك لو عتقت كلها وكان زوجها حراً فلا خيار لها، وهذا قول أكثر أهل العلم، ذلك لأنها كافأت=368369

الجزء: 6 - الصفحة: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = زوجها في الكمال.
وقال بعض أهل العلم: بل لها الخيار كذلك إن كان زوجها حرٌّ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيَّر بريرة وزوجها حرٌّ, ولأنها كملت بالحرية, فكان لها الخيار كما لو كان زوجها عبداً.
وذهب شيخنا (1) -رحمه الله- إلى أن لها الخيار مطلقاً إذا عتقت, وجعل الموجب للخيار العتق, لا أنها ساوت الزوج, وذلك لأنها حين كانت أمة كانت مغلوبة على أمرها.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: المعتبر في السنة التى سيمهل فيها العنين هي السنة القمرية:

لأن الله تعالى ربط الأحكام بالأهلة، وقد قيل في الحكمة من ذلك لتمر عليه الفصول الأربعة إذ قد ينشط في بعضها ويعجز في بعضها, و

هل التأجيل سنة تشريع أو قضاء؟

يحتمل هذا وهذا، فإن كان تشريعاً فلا مجال لتغيره, وإن كان قضاء فهو اجتهاد يتغير من وقت لأخر.

  • الفائدة الثانية: إذا رضيت الزوجة بمن فيه عيب فلا إثم عليها: ولكن لو منعها وليها من ذلك فمن حقه لأن في زواجها ضرر قد يتعدى للولد، ثم إن في زواجها من هذا المعيب تكديراً على أهلها وتنغيصاً عليهم.370

الجزء: 6 - الصفحة: 195

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِ
قوله «كِتابُ النِّكاحِ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء فِي حقِيقة النكاحِ على ثلاثة أقوال:الفائدة الثالثة: الأصل في مشروعية النكاحالفائدة الرابعة: تنطبق على النكاح الأحكام الخمسةقوله «النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ»:قوله «وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ»:قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ»معنى التبتلقوله «وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: لا يجوز تبادل الصور بين الخاطب والمخطوبةالفائدة الثالثة: لا يجوز للخاطب أن يخلو بمخطوبتهالفائدة الرابعة: شروط جواز النظر إلى المرأة ستةقوله «وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ»:قوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»:المعتدة تنقسم إلى قسمين: معتدة بائن، ومعتدة غير بائنقوله «وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ»:فائدة: خطبة المعتدة لها ثلاث حالاتالأولى: تحرم تصريحاً وتعريضاً.الثانية: تجوز تصريحاً وتعريضاً.الثالثة: تجوز تعريضاً لا تصريحاً.قوله «وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ»:قوله «فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ»:قوله «وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ»:وقوله «وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ»:ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق- الفائدة الأُولى: اشتراط الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من خلو الزوجين من الأمراض المعدية،بابُ وِلايَةِ النِّكاحِقوله «بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ»:قوله «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»:فائدة: في الشروط المعتبرة في الوليقوله «وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ»:فائدة: حكم الإشهاد على عقد النكاحقوله «وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا»:قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا»:قوله «ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ»:قوله «ثُمَّ السُّلْطَانُ»:قوله «وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ»:قوله «وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ»:إن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فأي الوليين يكون نكاحه صحيحاً وتكون المرأة زوجة له؟قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ صَبِيًّا، أَوْ زَائِلَ العَقْلِ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِيْنِهَا، أَوْ عَاضِلاً لَهَا، أَوْ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيْدَةً»:الأعذار التي يصح فيها النكاح إذا قُدم فيها الأبعد على الأقرب في ولاية النكاح.قوله «وَلا وِلايَةَ لأَحَدٍ عَلى مُخَالَفَةٍ لِدِيْنِهِ إِلاَّ الْمُسْلِمُ إِذا كَانَ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ»:مسألة: هل يصح أن يكون الولي زوجاً؟فَصْلٌ فِيْ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِقوله «فَصْلٌ فِيْ الاِسْتِئْذَانِ فِي النِّكَاحِ»:بيان الشرط الرابع من شروط النكاحقوله «وَلِلأَبِ تَزْوِيْجُ أَوْلادِهِ الصِّغَارِ، ذُكُوْرِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ، وَبَنَاتِهِ الأَبْكَارِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ»:المرتبة الأولى: من كان منهن دون التاسعةالمرتبة الثالثة: وهي البنت البكرقوله «وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ البَالِغَةِ»:قوله «وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيْجُ البَالِغِ مِنْ بَنِيْهِ وَبَنَاتِهِ الثُّيَّبِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ»:قوله «وَلَيْسَ لِسَائِرِ الأَوْلِيَاءِ تَزْوِيْجُ صَغِيْرٍ وَلا صَغِيْرَةٍ، وَلا كَبِيْرَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وَإِذْنُ البِكْرِ الصُّمَاتُ»:قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِيْ نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»قوله «وَلَيْسَ لِوَلِيِّ امْرَأَةٍ تَزْوِيْجُهَا بِغَيْرِ كُفْئِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا»:فائدة: هل الكفاءة شرط في لزوم العقد؟فائدة: في زواج الخضيري من القبيلية والعكسقوله «وَالعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاء»:ذكر بعض الفوائدقوله «وَلَيْسَ العَبْدُ كُفُءَ الحُرَّةِ، وَلا الفَاجِرُ كُفُءَ العَفِيْفَةِ»:قوله «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهَا بِإِذْنِهَا»:قوله «وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَلىَّ طَرْفَيْ العَقْدِ»:فَصْلٌ فِيْ نِكَاحِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِقوله «فَصْلٌ فِيْ نِكَاحِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِ»:قوله «وَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيْجُ إِمَائِهِ كُلِّهِنَّ»:قوله «وَعَبِيْدِهِ الصِّغَارِ بِغَيْرِ إِذْنٍ»:قوله «وَلَهُ تَزْوِيْجُ أَمَةِ مُوَلِّيَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدَتِهَا»:قوله «وَلا يَمْلِكُ إِجْبَارَ عَبْدِهِ الكَبِيْرِ عَلى النِّكَاحِ»:قوله «وَأَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَّيِدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ»:قوله «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَمَهْرُهَا فِيْ رَقَبَتِهِ، كَجِنَايَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيْمَتِهِ أَوِ الْمَهْرِ»:قوله «وَمَنْ نَكَحَ أَمَةً عَلى أَنَّهَا حُرَّةً ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلا مَهْرَ عَلَيْهِ إِنْ فَسَخَ قَبْلَ الدِّخُولِ»:قوله «وَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا»:قوله «وَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَوَلَدُهُ حُرٌّ يَفْدِيْهِ بِقِيْمَتِهِ»:قوله «وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ عَلى مَنْ غَرَّهُ»:هل يرجع كذلك بالمهر؟ على قولينقوله «وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ»:قوله «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوْزُ لَهُ ذلِكَ فَرَضِيَ بِهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَا، فَهُوَ رَقِيْقٌ»:بابُ المُحَرَّماتُ فِيْ النِّكاحِقوله «بابُ المُحَرَّماتُ فِيْ النِّكاحِ»:القسم الأول: المحرمات تحريماً مؤبداً:فائدة: المحرمات خمسة أنواعقوله «وَهُنَّ الأُمُّهَاتُ»:قوله «وَالبَنَاتُ»:قوله «وَالأَخَوَاتُ»:قوله «وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ»:قوله «وَبَنَاتُ الأَخَوَاتِ»:قوله «وَالعَمَّاتُ، وَالخَالاتُ»:قوله «وَأُمُّهَاتُ النِّسَاءِ»:قوله «وَحَلائِلُ الآبَاءِ»:قوله «الرَّبَائِبُ المَدْخُوْلُ بِأُمَّهَاتِهِنَّ»:قوله «وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»:قوله «وَبَناتُ الْمُحَرَّمَاتُ مُحَرَّمَاتٌ»:قوله «إِلاَّ بَنَاتِ العَمَّاتِ وَالخَالاتِ»:قوله «وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ»:قوله «وَحَلائِلِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ»:قوله «وَأُمُّهَاتُهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ»:قوله «وَحَلائِلَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ»:قوله «وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً حَلالاً أَوْ حَرَامًا حَرُمَتْ عَلى أَبِيْهِ وَابْنِهِ»:وطء المرأة لا يخلو من حالينقوله «وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا»:فَصْلٌ فِيْ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِقوله «فَصْلٌ فِيْ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخالَتِهَا فِيْ النِّكاحِ»:قوله «وَلا يَجُوْزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ»:قوله «وَلا لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إِلاَّ اثْنَتَيْنِ»:قوله «فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لا يَجُوْزُ الجَمْعُ بَيْنَهُ فِيْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَسَدَ»:قوله «وَإِنْ كانَ فِيْ عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِيْ مِنْهُمَا»:قوله «وَلَوْ أَسْلَمَ كافِرٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً»:قوله «وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِالأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهَا وَحْدَهَا»:قوله «وَإِنْ كانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَحُرِّمَتَا عَلى التَّأْبِيْدِ»:قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ»:قوله «سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا أَوْ آخِرَهُنَّ»:فائدة: وهل تشرع القرعة هنا؟قوله «وَكَذلِكَ إِذا أَسْلَمَ العَبْدُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْنِ»:قوله «وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً فَنَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ خَامِسَةً فِيْ عِدَّتِهَا، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا»:فَصْلٌ فِيْ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِيْنِقوله «فَصْلٌ فِيْ الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِيْنِ»:قوله «يَجُوْزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ»:قوله «وَلَهُ وَطْءُ إِحْدَاهُمَا»:قوله «فَمَتَى وَطِئَهَا، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا حَتَّى تَحْرُمَ المَوْطُوْءَةُ بِتَزْوِيْجٍ أَوْ إِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ»:قوله «فَإِذَا وَطِئَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ عَادَتِ الأُوْلى إِلى مِلْكِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْراى»:قوله «وَعَمَّةُ الأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِيْ هَذَا كَأُخْتِهَا»:فَصْلٌ فِيْ مَوَانِعِ نِكاحِ الأَمَةِقوله «فَصْلٌ فِيْ مَوَانِعِ نِكاحِ الأَمَةِ»:قوله «وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكاحُ أَمَةٍ كَافِرَةٍ»:قوله «وَلا لِحُرٍّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ طَوْلَ حُرَّةٍ، وَلا ثَمَنَ أَمَةٍ، وَيَخَافُ العَنَتَ»:قوله «وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيْهِ قَائِمَيْنِ»:ذكر بعض الفوائدبابُ الرَّضَاعِقوله «بابُ الرَّضَاعِ»:ذكر بعض الفوائدقوله «حُكْمُ الرَّضَاعِ حُكْمُ النَّسَبِ فِيْ التَّحْرِيْمِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ»:قوله «فَمَتَى أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ طِفْلاً، صَارَ ابْنًا لَهَا»:قوله «وَلِلرَّجُلِ الَّذِيْ ثابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الثانية: الحرمة تنتشر على المرتضع وفروعه فقطقوله «فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلى ابْنِهِمَا مِنَ النَّسَبِ»:فائدة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة؟قوله «وَالرَّضَاعُ الْمُحَرَّمُ مَا دَخَلَ الحَلْقَ مِنَ اللَّبَنِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِارْتِضَاعٍ مِنَ الثَّدْيِ، أَوْ وَجُوْرٍ، أَوْ سَعُوْطٍ»:قوله «مَحْضًا كَانَ، أَوْ مَشُوْبًا إِذَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ»:قوله «وَلا يَحْرُمُ إِلاَّ بِشُرُوْطٍ ثَلاثَةٍ»:قوله «أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ لَبَنُ امْرَأَةٍ، بَكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّباً»:قوله «أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا»:قوله «فَأَمَّا لَبَنُ البَهِيْمَةِ أَوِ الرَّجُلِ أَوِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فَلا يُحَرِّمُ شَيْئاً»:قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْحَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ وَكانَ قَبْلَ الفِطَامِ»قوله «وَلَبَنُ الفَحْلِ مُحَرِّمٌ»:قوله «فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلاً وَالأُخْراى طِفْلَةً صَارَا أَخَوَيْنِ لأَنَّ اللِّقَاحَ وَاحِدٌ»:قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِلَبَنِهِ طِفْلَةً ثَلاثَ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا الأُخْراى رَضْعَتَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهُ دُوْنَهَا»:قوله «فَلَوْ كَانَتِ الطِّفْلَةُ زَوْجَةً لَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا»:قوله «وَلَزِمَهُ نِصْفُ صَدَاقِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِمَا أَخْمَاسًا»:قوله «وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا»:قوله «وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الطِّفْلَةُ امْرَأَةً لَهُ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ»:صورة هذه المسألةفَصْلٌ فِيْ تَحْرِيْمِ النِّكاحِ وَفَسْخِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِقوله «فَصْلٌ فِيْ تَحْرِيْمِ النِّكاحِ وَفَسْخِهِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ»:قوله «وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيْرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَصَغِيْرَةً، فَأَرْضَعَتِ الكَبِيْرَةُ الصَّغِيْرَةَ، حَرُمَتِ الكَبِيْرَةُ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصّّغِيْرَةِ»:صورة هذه المسألةقوله «وَإِنْ كَانَتَا صَغِيْرَتَيْنِ، فَأَرْضَعَتْهُمَا الكُبْراى، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيْرَتَيْنِ»:صورة هذه المسألةقوله «وَإِنْ كُنَّ ثَلاثاً فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، حَرُمَتِ الكُبْراى، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضَعَتَيْنِ أَوَّلاً، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ»:قوله «وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَهَا مَعًا، انْفَسَخَ نِكَاحُ الثَّلاثِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ مُنْفَرِدَةً»:قوله «وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْراى، حَرُمَ الكُلُّ عَلَيْهِ عَلى الأَبَدِ»:قوله «وَلا مَهْرَ لِلْكُبْراى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا»:قوله «وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الأَصَاغِرِ، يَرْجِعُ بِهِ عَلى الكُبْراى»:صورة هذه المسألةقوله «وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهَا مَهْرُهَا كُلُّهُ، لا يَرْجِعُ بِهِ عَلى أَحَدٍ»:قوله «وَلا مَهْرَ لِلصُّغْراى»:وخلاصة هذه المسألةقوله «وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِيْ قَالَتْ: هُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعِ، فَأَكْذَبَهَا وَلا بَيِّنَةَ لَهَا، فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِي الحُكْمِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: فيمن يكره الرضاع منهاالفائدة الثانية: حق الأم في أجرة الرضاعالفائدة الرابعة: هل تثبت الأبوة بعد الطلاق والموت؟الفائدة الخامسة: إذا شك في وجود الرضاع أو عدمه أو شك في كماله خمس رضعاتالفائدة السادسة: يثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية في دينها معروفةالفائدة السابعة: لو أدخل اللبن بحقنه مع الدبر فهل ينشر المحرمية؟الفائدة الثامنة: الحرمة تنتشر على المرتضع وفروعه فقطالفائدة التاسعة: هل الدم ينشر المحرمية؟بابُ نِكاحِ الكُفاَّرِقوله «بابُ نِكاحِ الكُفار»:فائدة: أنكحة الكفار معتبرة في شرعنا بشرطينقوله «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ»:قوله «وَلا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إِلاَّ الحُرَّةَ الكِتَابِيَّةَ»:قوله «وَمَتَى أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الكَافِرَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا»:قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا»:قوله «أَوِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ المُسْلِمَيْنِ»:قوله «وَإِنْ كَانَ ذلِكَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، فَأَسْلَمَ الكَافِرُ مِنْهُمَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَهُمَا عَلى نِكَاحِهِمَا»:قوله «وَإِلاَّ تَبَيَّنَا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مُنْذُ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمُا»:قوله «وَمَا سُمِّيَ لَهَا وَهُمَا كافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ فِيْ كُفْرِهَا، فَلا شَيْءَ لَهَا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا»:قوله «وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْ نِصْفُهُ حَيْثُ وَجَبَ ذلِكَ»:فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ فَسْخِ نِكاحِ الإِمَاءِقوله «فَصْلٌ فِيْ حُكْمِ فَسْخِ نِكاحِ الإِمَاءِ»:قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ الحُرُّ وَتَحْتَهُ إِمَاءُ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِيْ حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلى الإِسْلامِ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ»:قوله «وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهُنَّ، أَمْسَكَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعُفُّهُ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ»:بابُ الشُّرُوْطِ فِيْ النِّكاحِقوله «بابُ الشُّرُوْطِ فِيْ النِّكاحِ»:الفرق بين شروط النكاح والشروط في النكاحذكر بعض الفوائد- الفائدة الأولى: الشروط في النكاح: لا بد أن تكون مقارنة للعقد أو سابقة عليهالفائدة الثانية: الأصل في جميع العقود الصحة حتى يقوم دليل على المنعقوله «إِذَا اشْتَرَطَتِ الْمَرْأَةُ دَارَهَا»:قوله «أَوْ بَلَدَهَا»:قوله «أَوْ أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا»:قوله «أَوْ أَنْ لا يَتَسَرَّى»:الفرق بين التسري والتزوجقوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوْطِ أَنْ تُوَفُّوْا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوْجَ»قوله «وَنَهَى رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ (2)، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلى أَجَلٍ مَعْلُوْمٍ»:قوله «وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ لِذلِكَ»:- فائدة: في النكاح بنية الطلاق:تعريفهفائدة: في حكم زواج المسيارقوله «وَنَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا»اختلاف الفقهاء في نكاح الشغارقوله «وَلَعَنَ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (2)، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاثاً؛ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا»:هل يقع نكاحاً صحيحاً مع حصول الإثم أم هو نكاح باطل يوجب فسخ النكاح؟بابُ العُيُوْبِ الَّتِيْ يُفْسَخُ بِهَا النِّكاحُقوله «بابُ العُيُوْبِ الَّتِيْ يُفْسَخُ بِهَا النِّكاحُ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: العيوب التي يفسخ بها النكاح هل هي مخصوصة بأشياء معينه معدودة؟- الفائدة الثانية: لم يرد في السنة أحاديث صحيحة تبين موضوع العيوب في النكاح،الفائدة الثالثة: العيوب في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسامالفائدة الرابعة: ما يترتب على العيوب من أحكام- الفائدة الخامسة: إذا تزوج الرجل بالمرأة فوجد بها عيباً فلا يخلو من حالين:قوله «أَوْ وَجَدَهَا الرَّجُلُ رَتْقَاءَ»:قوله «أَوْ وَجَدَتْهُ مَجْبُوْباً»:قوله «فَلَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ ذلِكَ»:قوله «وَلا يَجُوْزُ الفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الثالثة: هل العقم يعد عيباً؟- الفائدة الرابعة: هل الغيرة المفرطة من الزوج أو الزوجة من العيوب التى يفسخ بها النكاح؟قوله «وَإِنْ ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ زَوْجَهَا عِنِّيْنٌ لا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تُرَافِعُهُ»:هل التعويل على السنة الميلادية أم السنة الهلالية؟قوله «فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا، خُيِّرَتْ فِي الْمَقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِه»:قوله «فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهَ، فَرَّقَ الحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتَهُ قَبْلَ نِكَاحِهَا»:قوله «أَوْ قَالَتْ: رَضِيْتُ بِهِ عِنِّيْنًا فِيْ وَقْتٍ»:قوله «وَإِنْ عَلِمَتْ بَعْدَ العَقْدِ وَسَكَتَتْ عَنِ الْمُطَالَبَةِ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا»:قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ عُنَّتِيْ أَوْ رَضِيَتْ بِيْ بَعْدَ عِلْمِهَا، فَأنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا»:قوله «وَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً، لَمْ يَكُنْ عِنَّيْنًا»:قوله «وَإِنِ ادَّعَى ذلِكَ فَأَنْكَرَتْهُ»:قوله «فَإِنْ كَانَتْ عَذْرَاءَ، أُرِيَتِ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ وَرُجِعَ إِلى قَوْلِهِنَّ»:هل تكفي امرأة واحدة أم يشترط أكثر من ذلك؟هل تستحلف المرأة؟قوله «وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّباً، فَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيْنِهِ»:فَصْلٌ فِيْ التَّفْرِيْقِ لِلْعِتْقِقوله «فَصْلٌ فِيْ التَّفْرِيْقِ لِلْعِتْق»:قوله «وَإِنْ عَتَقَتِ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ، خُيِّرَتْ فِيْ الْمُقَامِ مَعَهُ وَفِرَاقِهِ»:قوله «وَلَهَا فِرَاقُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ»:قوله «فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلِ اختيارهَا أَوْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا»:قوله «وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهَا، أَوْ عَتَقَ كُلُّهَا وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَلا خِيَارَ لَهَا»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: المعتبر في السنة التى سيمهل فيها العنين هي السنة القمرية:هل التأجيل سنة تشريع أو قضاء؟
كِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاقكِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل