وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامةكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي
  • باب في المراجعة (2285)، قال الألباني: صحيح، «الإرواء» (2077)، صحيح أبي داود (1975).

الجزء: 6 - الصفحة: 311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (1). أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على مشروعيته، فقد نقل غير واحد من أهل العلم ذلك منهم ابن حزم (2)، وابن عبد البر (3)، والموفق -رحمه الله- (4).

الفائدة الثانية: حكم الطلاق

: ذكرنا أن الفقهاء اتفقوا على مشروعية الطلاق لكن اختلفوا في الحكم الأصلي للطلاق: فذهب الجمهور إلى أن الأصل فيه الإباحة، وقد يخرج عنها في أحوال.
وذهب آخرون إلى أن الأصل فيه الحظر ويخرج عن الحظر في أحوال.
لكن اتفقوا جميعاً على أن الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية تبعاً لاختلاف حالات وقوعه، فمن ذلك: أولاً التحريم: ويكون تحريم الطلاق إذا كان في الحيض أو في طهر جامع الرجل فيه امرأته, وقد أجمع العلماء على تحريمه لمخالفة أمر الله تعالى=1234

الجزء: 6 - الصفحة: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو المسمى بالطلاق البدعي.
ثانياً: المكروه: ويكون إذا لم يكن ثمة داع إليه, أي إذا كانت الحياة مستقرة ولم تكن هناك حاجة إليه, وذلك لما فيه من الإضرار بالزوجة من غير داع إليه, ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها, وقيل يحرم في هذه الحال، وهو رواية عن الأمام أحمد 5 , لأنه ضرر بنفسه وزوجته وأولاده وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حراماً كإتلاف المال لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضَرَر وَلا ضِرَارَ» 6. ثالثاً: الواجب: ويكون واجباً في حالة الإيلاء مع مضى المدة وإباء الزوج الفيئة, وكذلك طلاق الحكمين في الشقاق إذا تعذر عليهما التوفيق بين الزوجين ورأيا الطلاق.
رابعاً: المباح: ويكون عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة, أو سوء عشرتها وحصول الضرر بمعاشرتها.
خامساً: المندوب: ويكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، وكذا في حالة عدم عفة المرأة، وفي حال الشقاق, وطلب المرأة الخلع=

الجزء: 6 - الصفحة: 313

لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ (1)،  =لتزيل به الضرر عنها.

الفائدة الثالثة: الحكمة في مشروعية الطلاق

: شرع الله تعالى لعباده النكاح لما فيه من مصالح دينيه ودنيويه, واقتضت حكمته أن يشرع لهم الطلاق تكميلاً لهذه النعمة, إذ قد تفسد الحال بين الزوجين بحيث تتعذر إقامة حدود الله بينهما في العلاقة الزوجية فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضرراً مجرداً يلتزم فيه الزوج النفقة والسكن, وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة, فاقتضى ذلك أن شرع سبحانه ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه رحمة منه سبحانه وتعالى بعباده, ثم إنه سبحانه شرعه بعدد معين لحكمة لطيفه وذلك أن النفس البشرية ملولة وعجولة, وربما أظهرت عدم حاجته إلى المرأة حتى إذا وقع الطلاق حصل الندم وضاق الصدر وعيل الصبر, فالله تعالى جعله ثلاثاً ليجرب المرء نفسه في المرة الأولى, فإن استقرت نفسه أمكنه التدارك بالرجعة وأعطاه فرصة أخرى, حتى إذا طلق الثالثة حرَّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره ويصيبها معاقبة له بما فيه غيظه بمقتضى جبلة الفحولة بحكمته ولطفه تعالى بعباده.
(1)

قوله «لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ»:

شرع المؤلف بذكر الشروط المعتبرة في الطلاق, فأول هذه الشروط: أن يكون الطلاق من زوج, فإذا طلق غير الزوج فلا يصح ولا يقع إلا من يقوم مقام الزوج كالوكيل مثلاً فلا بأس به، وقوله أيضاً «من زوج» فيه إشارة إلى أنه إذا طلق قبل الزواج فلا يصح, فلو قال لامرأة أنت =

الجزء: 6 - الصفحة: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = طالق ثم تزوجها لا يقع هذا الطلاق, وكذا لو قال إن تزوجتك فأنت طالق لا يقع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ 7، وثم للترتيب, ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد, وكذلك لو قال لامرأته أي امرأة تزوجتها عليك فهي طالق ثم تزوج عليها فإنها لا تطلق لأنه طلق مالا يملكه, والأدلة على ذلك الآية السابقة, وأما من السنة فمنها حديث ابن عباس قال: أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؟ ! إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» 8. وأيضاً حديث: علي بن أبي طالب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» 9. وأيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ، وَلا=

الجزء: 6 - الصفحة: 315

مُكَلَّفٍ (1)،  =عَتَاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (1)، فالحاصل أن غير الزوج لا يملك الطلاق قبل العقد على المرأة.

(1)

قوله «مُكَلَّفٍ»:

هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون الزوج مكلفاً، فإن كان غير مكلف فلا يصح منه الطلاق, والمكلف هو من اجتمع فيه وصفان: الأول: العقل.
... الثاني: البلوغ.
فإذا طلَّق غير العاقل كالمجنون مثلاً فإنه لا يصح, وكذا لو طلق الصبي فإنه لا يقع.

لكن

هل يقع الطلاق من الصبي المميز؟

أقول: سبق تعريف التمييز في كتاب الصلاة, وقلنا بأن سن المميز اختلف في تحديده الفقهاء: فقال بعضهم: بأن المميز من بلغ سن سبع سنين, وقال بعضهم: المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب.
ومن هنا اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق من المميز: فالمذهب عند الحنابلة 11 أن طلاق الصبي المميز - وهو الذي بلغ سبع سنين ودخل في الثامنة - يصح.
=10

الجزء: 6 - الصفحة: 316

مُخْتَارٍ (1)، وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ (2)،  = وفي رواية أخرى في المذهب (1) أنه لا يصح منه حتى يبلغ, وفي رواية أخرى حتى يبلغ عشر سنين.
والأقرب عندي في هذه المسألة: أن الصبي المميز إن كان يعقل معنى الطلاق بأنه إذا سئل عن معنى الطلاق, فقال الطلاق معناه أنني أخلى عني زوجتي ولا تبقى معي، فهنا تطلق لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2)، ومن لا يعقل الشيء لا يتوب.

(1)

قوله «مُخْتَارٍ»:

هذا هو الشرط الثالث ممن يصح منه الطلاق، فلا بد أن يكون مختاراً, وهو أن يتلفظ بما يدل على الطلاق مختاراً غير مكره عليه, وذلك بأن يوجد الرضا والرغبة في حصول الطلاق، وسيأتي مزيد إيضاح فيما بعد لهذا.
(2)

قوله «وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ»:

أي إذا أكره الإنسان على طلاق زوجته فإنه لا يصح ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» 14، والإغلاق: الغضب أو الإكراه.
وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق المكره، ولا يخلو الإكراه من أن =1213

الجزء: 6 - الصفحة: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = يكون بحق أو بغير حق.
أولاً: إن كان بحق فإن الطلاق يقع بغير خلاف بين أهل العلم, وذلك نحو إكراه الحاكم المولِّى على الطلاق بعد التربص وعدم الفيئة وإكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق ونحو ذلك, وكون وقوع الطلاق مع إكراهه عليه لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد إذا أُكره عليه, ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق فلو لم يقع لم يحصل المقصود.
ثانياً: وإن كان الإكراه بغير حق، فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين: القول الأول: وهو قول الجمهور من المالكية 15، والشافعية 16، والحنابلة 17 أن طلاق المكره لا يقع، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: 1 - قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 18. 2 - حديث عائشة رضي الله عنها، وقوله: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» 19، والإغلاق هو الإكراه لأن المكره مغلق عليه في أمره =

الجزء: 6 - الصفحة: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ومضيق عليه في تصرفه كما يغلق الباب على الإنسان.
3 - وفي فتاوى اللجنة الدائمة ما يدل على ذلك، ومما جاء فيها «وأما قوله: بأنه أجبر على طلاقه زوجته من قبل أوليائها, فإن ثبت ذلك شرعاً وكان إجباره بطريقة يخشى على نفسه منها إن لم يجبهم إلى طلبهم فلا يقع طلاقه لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» 20. القول الثاني: ما ذهب إليه الحنفية 21 وهو أن طلاق المكره يقع واستدلوا على ذلك: بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 22، وجه الدلالة من الآية أنه لم يفرق بين طلاق المكره وغيره.
وأيضاً احتجوا بما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» 23. وأيضاً لبقاء الأهلية والخطاب مع الإكراه, ولأنه قصد إيقاع الطلاق في محل يملكه وهو منكوحته في حال أهليته فنفذ كطلاق غير المكره.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والراجح من الأقوال: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن طلاق المكره لا يقع لقوة الأدلة عندهم.
أما أدلة الحنفية فهي إما أدلة مجملة لها مخصص, أو أدلة ضعيفة لا يحتج بها.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: في الشروط المعتبرة في الإكراه

: 1 - أن يكون الإكراه من قادر كسلطان أو من تغلب كاللص ونحوه.
2 - أن يغلب على ظنه حصول ما هدده به إن لم يجبه إلى ما طلبه.
3 - أن يكون مما يستضر به ضرراً كثيراً كالقتل والضرب الشديد والقيد والحبس الطويلين، بخلاف الشتم والسب وأخذ المال اليسير ونحو ذلك, وهل يشترط أن ينال منه بعذاب أو عقاب ونحوه أم يكفي التهديد فقط؟ قولان: القول الأول: أنه لا يكون مكرهاً حتى ينال بشيء من العذاب كالضرب والخنق وعصر الساق ونحو ذلك.
القول الثاني: أنه لا يشترط ذلك بل يكفي التهديد من قادر على حصول ما هدد به.

الفائدة الثانية: في حكم طلاق الغضبان

: الطلاق في الغضب له أحوال ثلاث: الأولى: أن يكون الغضب يسيراً بحيث لا يؤثر على إرادة الشخص ولا اختياره فطلاقه صحيح واقع.

الجزء: 6 - الصفحة: 320

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثانية: أن يكون الغضب شديداً بحيث لا يدري ما يقول ولا يشعر به فهذا طلاقه لا يقع لأنه بمنزلة المجنون الذي لا يؤاخذ على أقواله.
الثالثة: الغضب الشديد الذي يؤثر على إرادة الرجل فيجعله يتكلم بالكلام وكأنه مدفوع إليه, ثم ما يلبث أن يندم عليه بمجرد زوال الغضب, ولكنه لم يصل الشخص فيه إلى حد زوال الشعور والإدراك, وعدم التحكم في الأقوال والانفعال.
فهذا النوع من الغضب اختلف العلماء في حكمه: فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقع لأن صاحبه له قصد صحيح, وهو يشعر بما يقول, ويعلم المرأة التي أوقع عليها الطلاق فلا عذر له.
القول الثاني: أن طلاقه لا يقع لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» 24، وهذا لا شك أنه مغلق عليه، فكأن أحداً أكرهه حتى طلق, وعلى هذا فيكون الطلاق غير واقع.
وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام 25، وابن القيم 26، والشيخين رحمهم الله 27.

الجزء: 6 - الصفحة: 321

وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ (1)،  (1)

قوله «وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ»:

زوال العقل يكون بأمور منها: النوم، والجنون، والإغماء، والسكر.
فالنائم طلاقه لا يقع إن صدر منه, وكذا المجنون والمغمى عليه.
أما السكران فقد ذكر المؤلف هنا أن طلاقه يقع.
وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق السكران هل ينفذ طلاقه أم لا؟ على قولين: الأول ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية 28، والمالكية 29، والشافعية 30، والحنابلة 31 إلى أن طلاق السكران يقع واستدلوا على ذلك بأدلة منها: 1 - ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» 32. 2 - أن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف.
3 - أنه إيقاع للطلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحي، ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة، وبهذا فارق المجنون.

الجزء: 6 - الصفحة: 322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الثاني: أن طلاق السكران لا يقع، وقال به بعض الحنفية 33، وبعض الشافعية 34، وهو رواية عن الإمام أحمد 35، اختارها شيخ الإسلام 36، وابن القيم 37، وهو اختيار الشيخان 38 رحمهما الله، واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ 39، وجه الدلالة أن الله جعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقوله, ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم، فهو غير مكلف لانعقاد الإجماع على أن من شرط التكليف العقل ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف, ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره، ولا فرق لزوال الشرط بمعصية ولا بغير معصية بدليل أن من كُسر ساقاه جاز له أن يصلي قاعداً, ولو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة ,ولو ضرب رأسه فجن سقط عنه التكليف.
قلت: وهذا هو الراجح؛ فمن زال عقله بسكر فطلق زوجته فإن الطلاق على الصحيح من أقوال أهل العلم لا يقع.

الجزء: 6 - الصفحة: 323

وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ (1)،  (1)

قوله «وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ»:

دليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 40، فذكر الله تعالى ثلاث تطليقات.
والزوجان لا يخلوان من ثلاث حالات: إما أن يكونا حرين, أو رقيقين, أو يكون أحدهما حراً, والآخر رقيقاً.
أما الحران: فقد سبق ما يدل على أن الذي يملكه الزوج ثلاث تطليقات.
وأما العبيد: فالمشهور عند أهل العلم أن الرقيق لا يملك إلا طلقتين وذلك لأن الرقيق على النصف من الحر, فعدة الأمة نصف عدة الحرة, وجلد الزاني في الإماء والعبيد على النصف من جلد الأحرار وهكذا, ولما كان الطلاق لا يمكن أن يتبعض أي لا يمكن قسمتها إلا بكسر فكان لا بد من جبر الكسر ومنحه تطليقتين، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن العبد له ثلاث تطليقات كالحر لعدم الأدلة قال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا مذهب أهل الظاهر, وكان ابن القيم 41 =

الجزء: 6 - الصفحة: 324

سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً (1)،  =يميل إليه في زاد المعاد لأن النصوص عامة ولم يستثن الله تعالى منها شيئاً، ولأن وقوع الطلاق من الحر والعبد على حد سواء, كل منهم يطلق راغباً أو راهباً, وكل منهم له تعلق بالمرأة, والآثار المرفوعة في ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة, والآثار الموقوفة عن الصحابة رضي الله عنهم متضاربة مختلفة, فتطرح وتبقى على العموم» (1).

(1)

قوله «سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً»:

نقول ذكرنا فيما سبق أن الزوجين لا يخلوان من ثلاث حالات: الأولى: أن يكونا حرين.
الثانية: أو أن يكونا رقيقين.
الثالثة: أو يكون أحدهما حراً والأخر رقيقاً.
ومراد المؤلف هنا هو النوع الأخير, أي سواءً كان تحتهما حرة أو أمة وهذا القسم الأخير إما أن يكون الزوج حراً والمرأة رقيقة, أو الزوجة حرة والزوج رقيق, وهل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نقول: نعم؛ ويكون كالحر تماماً، وبدون شروط.

و

هل المعتبر في عدد الطلاق بحسب الأزواج دون النظر إلى كونهم أحراراً أو أرقاء؟

نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة: =42

الجزء: 6 - الصفحة: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فذهب جمهور أهل العلم من المالكية 43، والشافعية 44، والحنابلة 45، وهو المروي عن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وإسحاق، وابن المنذر، وغيرهم 46 إلى أن عدد الطلاق معتبر بالزوج, فإن كان حراً فإنه يملك على زوجته ثلاث تطليقات ولو كانت أمة, وإن كان الزوج عبداً فإنه يملك تطليقتين لا غير ولو كانت زوجته حرة, فإن طلقها الثانية بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «طَلاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ، وَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الأَمَةِ، وَلا تُزَوَّجُ الأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» 47. وأيضاً ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا» 48 , وأيضاً قالوا لأن الرجل هو المخاطب بالطلاق فهو المعتبر به، ولأن الطلاق خالص حق الزوج, وهو فيما يختلف بالحرية والرق اتفاقاً فكان الاختلاف به.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = وذهب الحنفية 49 إلى أن الطلاق معتبر بالنساء, فإن كانت الزوجة حرة فطلاقها ثلاث ولو كان زوجها عبداً, وإن كانت الزوجة أمة فطلاقها اثنتان وإن كان زوجها حراً, وهذا مروي عن علي وابن مسعود, والحسن، وابن سيرين وغيرهم 50، واحتجوا بحديث «طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان» 51 , ولأن المرأة محل الطلاق فهو معتبر كالعدة.
ورجَّح بعض المحققين أن العبد كالحر في هذه المسألة، وهي رواية عن الإمام أحمد 52. قال في الإنصاف: «وهو قول قوي في النظر» 53، واختار هذه الرواية ابن القيم 54 في الزاد.
ومن أوجه الأدلة أن الآيات التي جاءت في ذلك عامة لم تخصص الحر عن العبد بشيء في هذا الباب، أعنى باب ما يختلف به عدد الطلاق بين الحر والعبد, فتحمل الآيات على الإطلاق, ثم الأحاديث التي جاءت=

الجزء: 6 - الصفحة: 327

فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (1)، نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا (2)،  =في هذا الباب ضعيفة لا يحتج بها أي لا تقوم بها حجة, والآثار الموقوفة عن الصحابة رضي الله عنهم متضاربة مختلفة فتطرح وتبقى على العموم.
قلت: ولعل هذا هو الذي يفهم ترجيحه من كلام شيخنا (1) -رحمه الله-، والله أعلم.

(1)

قوله «فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»:

أي متى استوفى الحر عدد طلاقه وهي الثلاث كما سبق, وكذلك العبد على قول الجمهور متى استوفى عدد طلاقه وهي اثنتان على رأيهم فإن المرأة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .... ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ .. ﴾ (2). (2)

قوله «نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا»:

هذا فيه احتراز من النكاح الفاسد.
وقوله «وَيَطَأَهَا»، هذا شرط لكي تحل لمطلقها الأول، فلا يكفي أن يعقد عليها فلابد من الوطء, وهذا فيه إشارة إلى أن نكاح المحلل لا يصح، وأنه لا يحصل به المقصود.
فلابد من توفر

الشروط التي تحصل بها الرجعة إلى مطلقها الأول

، وهى ثلاثة شروط:5556

الجزء: 6 - الصفحة: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأول: النكاح: دليل ذلك قوله: ﴿ .. حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ 57، فقد نفى حل المرأة لمطلقها ثلاثاً, وحد النفي إلى غاية التزوج بزوج آخر, والحكم المحدد بغاية لا ينتهي قبل وجود الغاية, فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج وعلى هذا لو وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة فإنها لا تحل للزوج الأول لعدم النكاح.
الثاني: صحة النكاح كما قال المؤلف, فيشترط في النكاح من الثاني أن يكون النكاح صحيحاً, ولا تحل للأول إذا كان النكاح فاسداً حتى لو دخل بها, لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة فلا تحل للزوج الأول بهذا النكاح.
الثالث: الوطء في الفرج: وهذا ما قاله المؤلف، وهو مذهب جمهور الفقهاء 58، أي لا بد من أن يطأها الزوج الثاني في الفرج, فلو وطئها دونه أو وطئها في الدبر لم تحل للأول لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي في حديث رفاعة علق الحل على ذوق العُسيلة منهما, ولا يحصل ذوق العُسيلة إلا بالوطء وفي الفرج، وهذا هو الصحيح.
وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج, لأن أحكام الوطء تتعلق به, وذلك بشرط الانتشار لأن الحكم يتعلق بذوق العُسيلة, ولا تحصل من=

الجزء: 6 - الصفحة: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =غير الانتشار، وهل يشترط الإنزال؟ الصواب: أنه لا يشترط الإنزال، ولم يشترطه إلا الحسن البصري (1) , وهل إذا وقع الوطء في وقت غير مباح كحيض أو نفاس هل يحصل به التحليل؟ اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب أبو حنيفة (2)، والشافعي (3)، إلى أن الوطء في هذا يُحل المرأة لزوجها الأول, أي إن وقع في وقت غير مباح كالحيض والنفاس, وذهب المالكية (4)، والحنابلة (5) إلى أنه يشترط أن يكون الوطء في وقت مباح أي وقت حلال, لأن الوطء غير المباح حرام لحق الله تعالى, فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدة، وعلى ذلك لا تحل لزوجها الأول إذا جامعها الثاني في صوم، أو حج، أو حيض، أو نفاس، أو اعتكاف.

فائدة: في حكم الزواج بشرط التحليل

: يحصل كثيراً أن بعض الناس يطلق زوجته ثلاثاً, ثم لما لم يجد حلاً من إرجاعها فينكحها لزوج أخر بشرط التحليل له، وهذا يقع كثيراً عند بعض الناس، وإن كان في المملكة قليلاً لكنه في بعض البلدان الأخرى كثيراً، فما صحة هذا العمل؟ نقول: من تزوج امرأة مطلقة ثلاثاً بشرط صريح العقد على أن يحلها=5960616263

الجزء: 6 - الصفحة: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = لزوجها الأول فهو حرام عند جمهور الفقهاء 64. وذهب الحنفية إلى أنه مكروه كراهة تحريم، واحتجوا جميعاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله المحَلَلَ والمُحَلَّلَ له» 65، وقال أيضاً «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» 66، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، وهل يحصل به التحليل؟ ذكرنا سابقاً بأن من شروط كون المرأة تحل لزوجها الأول أن يكون النكاح صحيحاً, وهذا النوع من النكاح مع اشتماله على جميع شروطه إلا أنه أشتمل على شرط يفسده وهو النكاح بشرط الإحلال، فهو معنى النكاح المؤقت, وقد سبق أن النكاح المؤقت فاسد فلا يقع به التحليل، وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور كما سبق.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وذهب الحنفية (1) إلى صحة النكاح وأنه يحصل به التحليل للأول، فمتى انتهت عدتها من الثاني جاز للأول أن يتزوجها، لكن يكره للأول والثاني ما حصل من هذا الشرط أي شرط التحليل فقط لكنه يكون آثماً, وليس الوطء عبادة حتى نقول لا يصح مع التحريم, كالصلاة في الأرض المغصوبة, وإنما الوطء شرط للحل, وهذا القول أصح، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

فائدة: في هدم عدد طلقات الزواج الأول بالزواج الثاني

: نقول اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا نكحت زوجاً آخر فوطئها أنها تعود إلى الأول بهدم جميع الطلقات للأول, أي كأنه لم يطلق, هذا إذا كان قد طلقها ثلاثاً ثم نكحت زوجاً أخر.
لكن اختلفوا في الزواج الثاني هل يهدم ما دون الثلاث؟ كما لو تزوجت قبل الطلقة الثالثة ثم طلقت منه ثم رجعت إلى زوجها الأول هل ترجع إليه بما عليه منها من عدد طلقات؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء: فذهب جمهورهم 69 إلى أنه لا يهدم, لأن هذا شيء يخص الثالثة بالشرع فلا يهدم ما دونها.
=6768

الجزء: 6 - الصفحة: 332

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاِمْرَأَةِ رِفَاعَةَ «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ.
لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ» (1)،  =وذهب أبو حنيفة (1) إلى أنه يهدم ما دون الثلاث, لأنه لما هدم الثلاث فهو أحرى أن يهدم ما دونها.
قلت: والراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-، لأن نكاح الزوج الثاني إذا كان الزوج الأول لم يطلق ثلاثاً لا أثر له، لأنها تحل لزوجها الأول سواء تزوجت أم لم تتزوج.

(1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاِمْرَأَةِ رِفَاعَة «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ. لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ»

الجزء: 6 - الصفحة: 333

وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ (1)،  =وفي هذا الحديث بعض الفوائد منها: 1 - أن المراد ببت الطلاق هنا الطلقة الأخيرة من الثلاث كما بينته الرواية الأخرى «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ».
2 - أنه لا يحل بعد هذه الثلاث أن تنكح زوجها الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره, ويطأها الزوج الثاني، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
3 - المراد بالعُسيلة في هذا الحديث اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مني كما سبق بيانه.
4 - أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة فقد أقرها النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك, وتبسم من كلامها.
5 - حسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- , وطيب نفسه.

(1)

قوله «وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ»:

أي يحرم أن يجمع ثلاث طلقات جملة واحدة كأن يقول: «أنت طالق ثلاثاً» ,أو يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» في زمن واحد فإنه لا فرق بين الصورتين، ذكر ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- 74. وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة أعني, هل يحرم أن يجمع الرجل الطلاق في جملة واحدة أم يحل؟ فذهب جمهور الفقهاء كما نقله عنهم شيخ الإسلام 75 إلى أن هذا =

الجزء: 6 - الصفحة: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =الطلاق محرم, فإن طلقها ثلاثاً بفم واحد ومتعاقبات فإنه يكون طلاقاً محرماً, واستدلوا على ذلك بما يلي: 1 - قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 76، وجه الدلالة من الآية أن الطلاق المأمور به ما كان في استقبال العدة, والطلاق التابع لطلاق آخر من غير رجعة بينهما لا تستقبل به العدة, فلا يكون مأموراً به.
وقد دلت السنة على أن من عمل عملاً ليس عليه أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو رد, فعلى هذا يكون الطلاق المتتابع طلاقاً محرماً.
2 - ما ورد عن مخرقة من بكير, عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رَجُلٍ، طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلا أَقْتُلُهُ» 77. القول الثاني: أن طلاق الثلاث بهذه الكيفية المذكورة سابقاً لا يحرم إيقاع الثلاث به، بل العدد كله جائز, إلا أن الأولى هو التفريق، وهذه رواية=

الجزء: 6 - الصفحة: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =قديمة عن الإمام أحمد 78 , وهو مذهب الشافعية 79، وابن حزم 80 , واستدل أصحاب هذا القول بأن الآيات في الطلاق جاءت عامة، وبقضية عويمر العجلاني مع امرأته وفيها قوله: «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» 81. فالشاهد أنه طلقها ثلاثاً عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو كان ذلك حراماً لنهاه عن ذلك ليعلم هو ومن حضره.
والصحيح: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول, أي يحرم أن يجمع ثلاث طلقات جملة واحدة كأن يقول: «أنت طالق ثلاثاً» ,أو يقول: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»، في زمن واحد.
وإذا قلنا بأن هذا الطلاق محرم فهل يقع الطلاق أم لا يقع؟ نقول اختلف في ذلك الفقهاء، أي اختلفوا فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعه واحدة, أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة, واختلفوا في ذلك اختلافاً طويلاً: فذهب جمهور الفقهاء منهم الأئمة الأربعة 82 أنه يقع الطلاق بذلك=

الجزء: 6 - الصفحة: 336

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وتبين المرأة منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، واستدلوا بحديث ابن عباس قال: «كَانَ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبِى بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ.
فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» 83. ووجه الدلالة: أن عمر -رضي الله عنه- جعل الثلاث بكلمة واحدة ثلاثاً وأقره على ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من أقوى الأدلة التي احتج بها أصحاب هذا القول، كما استدلوا بحديث فاطمة بنت قيس وفيه: «إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا» 84، وفي رواية في المسند أنه: «طَلَّقَهَا ثَلاثًا جَمِيعًا» 85، وكذلك حديث قصة لعان عويمر المتقدمة، هذا هو القول الأول في هذه المسألة.
القول الثاني: وهو أن الطلاق ثلاثاً بكلمة واحدة لا يقع، وهو ما ذهب إليه جمع من الصحابة منهم أبو بكر, وعائشة، وعمر في أول خلافته، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس, وابن مسعود، وعلي رضي الله عنهم جميعاً 86 , ومن التابعين عطاء, وطاووس, ومن أصحاب =

الجزء: 6 - الصفحة: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المذاهب الأخرى داود الظاهري 87 وأكثر أصحابه, وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك, وبعض أصحاب أحمد 88، واختار هذا القول شيخ الإسلام 89 ابن تيمية كان يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عُذِّب من أجل القول بها هو وكثير من أتباعه.
ومنهم أيضاً - أي من قال بها - ابن القيم 90 -رحمه الله- الذي نصر هذا القول نصراً مؤزراً في كتابه «زاد المعاد» 91، «وإعلام الموقعين» 92، فقد أطال البحث فيها, واستعرض نصوصها, ورد على المخالفين بما يكفي ويشفى.
وممن قال بها من مشايخنا سماحة شيخنا بن باز -رحمه الله- 93، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- 94، واستدل أصحاب هذا القول بحديث ابن عباس المتقدم فإنه نص صريح لا يقبل التأويل الذي في غيره من الروايات فإنه يوضح الحال التي كانت على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي أن الطلاق الثلاث كان يعد واحدة, كما استدلوا بحديث عَنِ ابن عباس قال: طَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا فَسَأَلَهُ=

الجزء: 6 - الصفحة: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «كَيْفَ طَلَّقْتَهَا؟ ». قَالَ: طَلَّقْتُهَا ثَلاثًا فَقَالَ «فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ».
قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَإِنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ» فَرَاجَعَهَا 95. وهذا الحديث اختلف في صحته: فقد صححه بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد، قال ابن قدامة «فأما حديث ركانة فإن أحمد ضعف إسناده فلذلك تركه» 96 , قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «وهذا الحديث نص في المسألة لا يقبل التأويل في غيره من الروايات» 97. قلت: وهذا القول أن الثلاث دفعة تقع واحدة قول قوي، وهو قول من سمينا من أهل العلم من مشايخنا، ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وتأمل عندي.
أما استدلال الجمهور من أهل العلم بحديث ابن عباس فقد أجيب عليه بأنه حجة لمن قال بعدم وقوع الثلاث لأن هذا كان حاله -صلى الله عليه وسلم- فيه، وكذا أبو بكر وغيره من الصحابة.
أما ما ورد عن عمر -رضي الله عنه- في جعل الثلاث تقع فهو اجتهاد من اجتهاد الأئمة.
والظاهر أنه من باب التعزير العارض، وهو يختلف باختلاف الأزمنة=

الجزء: 6 - الصفحة: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازماً لا يتغير, بل المستقر هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
ثم إن القول بوقوع الثلاث واحدة فيه رحمة للمسلمين ورفق بهم, لاسيما في هذه الأزمنة التي يحصل فيها هذا كثيراً مع غلبة الجهل، وضعف الوازع الديني، وقلة الفقه والعلم بهذه المسألة العظيمة.
أما احتجاج الجمهور بحديث فاطمة بنت قيس بأن أبا حفص لم يوقع الثلاث دفعة واحدة, وإنما ورد في صحيح مسلم «فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاثِ تَطْلِيقَاتٍ»، وفي رواية «فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت من طلاقها» «فَأَرْسَلَ إِلَى امرأتِه فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ مِنْ طَلاقِهَا» لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فكلمة «جميعاً» التي وردت في رواية الإمام أحمد أراد بها تأكيد العدد, لا الاجتماع في آن واحد.
أما حديث لعان عويمر وزوجته فأجيب عنه بما يلي: أولاً: أن هذا التطليق وقع بعد الحكم بفرقة اللعان فيكون الطلاق مؤكداً للبينونة, أو قاله على سبيل الغيرة والتوكيد لكلامه, وأن ما رماها به صدق، ويدل على ذلك قوله «كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا»، فهو بمنزلة اليمين.
ثانياً: على اعتبار تسليم أن الطلاق وقع, ولكنه -صلى الله عليه وسلم- أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفاً في عهده -صلى الله عليه وسلم- من اعتبار الثلاث واحدة, ثم حرمها عليه تحريماً مؤبداً بدليل آخر الحديث: «فَمَضَتِ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي=

الجزء: 6 - الصفحة: 340

وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه (1)،  =الْمُتَلاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» (1)، هذا ما ذكره ابن القيم في «الهدى»، «وإعلام الموقعين»، وكذا ذكره أهل العلم ممن ذهب إلى القول بعدم وقوع الطلاق إذا تلفظ به في كلمة واحدة أو كلمات متعاقبات، وهذا كلام نفيس ينبغي لطالب العلم أن يتأمله كثيراً.

(1)

قوله «وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه»:

أي ويحرم كذلك طلاق المرأة المدخول بها في حال حيضها أو في طهر حصل فيه جماع بها، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 99، واللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ للتوقيت، والمعنى إذا أردتم طلاقهن فليكن في الوقت الذي تستقبل به عدتها المعينة, وهذا هو الطلاق المشروع.
فالطلاق المشروع إذاً هو ما اجتمع فيه أربعة أوصاف هي: 1 - أن يكون مرة واحدة بأن يقول: «أنت طالق ويسكت» , أو يقول: «أنت طالق مرة واحدة».
2 - أن يكون في طهر؛ فإن طلقها حال حيضها أو نفاس فإنه لا يسمى طلاقاً شرعياً.
3 - ألا يكون جامع في هذا الطهر.98

الجزء: 6 - الصفحة: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  4 - أن يتركها حتى تنقضي عدتها, فإن قال لها أنت طالق, وشرعت في العدة, ثم بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة أيام، قال أنت طالق فهذا طلاق غير مشروع بل هو طلاق بدعي، والعلة في تحريم ذلك أن المرأة إذا طلقها في الحيض فإنها لا تعتد بالحيضة التي طلقها فيها، فحينئذ لا تبتدئ العدة بالطلاق في هذه الحال, فما يكون مطلقاً للعدة, وإذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فإنها لا تدري هل تكون عدتها بالإقراء أو بالحمل؟ فتبقى متحيرة فلا يكون مطلِّقاً لعدة متيقنة.
وأيضاً من العلل في تحريم الطلاق في الحيض: أن الحيض حال نفرة وزهد في الوطء، وقد يندم في زمان الطهر عند توقان النفس إلى الجماع.
وقيل: لئلا تطول العدة لأن ما بقى من تلك الحيضة لا تعتد به المرأة فتكون كالمعلقة لا معتدة ولا ذات زوج ولا فارغة من الزوج.
وقيل: بأن العلة هنا تعبدية لا يعقل معناها, ونسب هذا القول شيخ الإسلام إلى بعض المالكية 100، أما الأدلة على ذلك فهي قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ 101، والأمر في الآية للوجوب.
ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ مُرْهُ=

الجزء: 6 - الصفحة: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-» 102، وجه الدلالة من الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تغيظ لطلاق ابن عمر -رضي الله عنه- حال الحيض, ولا يغضب -صلى الله عليه وسلم- إلا لأمر محرم.
وقد نقل ابن المنذر، وابن قدامة 103، والنووي 104، وغيرهم الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم, قال شيخ الإسلام: «أن الطلاق في الحيض محرم بالكتاب والسنة والإجماع, فإنه لا يعلم في تحريمه نزاع وهو طلاق بدعة» 105. وقول المؤلف «المدخول بها»: فيه احتراز من غير المدخول بها، فيجوز طلاقها حائضاً وطاهراً لقوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ 106، وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 107، وغير المدخول بها لا عدة لها.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ومع القول بالتحريم طلق في الحيض أو في طهر أصابها فيه، فهل يقع هذا النوع من الطلاق؟ نقول اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن طلاق الحائض أو في الطهر الذي جامعها فيه يقع، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، واحتج هؤلاء بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَذَلِكَ الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-» 108. فقوله «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» دليل على وقوع الطلاق في الحيض, لأن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، وأيضاً ظاهر رواية البخاري المتقدمة دليل واضح على أنها حسبت عليه تطليقه.
القول الثاني: أن الطلاق حال الحيض لا يقع, وهو قول الظاهرية 109، واختاره ابن عقيل 110 , وشيخ الإسلام 111، ونصره ابن القيم 112، =

الجزء: 6 - الصفحة: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واستدلوا على ذلك بما يلي: 1 - أن الطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الله تعالى لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 113. وقد أخرج النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 114، قال «قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ»، قال السيوطي: «بضم القاف والباء, أي إقبالها وأولها حين يمكنها الدخول بها والشروع وذلك حال الطهر» 115، وعلى ذلك الطلاق في الحيض خلاف ما أمر الله تعالى، فهو طلاق محرم فيكون باطلاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» 116 , والقاعدة في ذلك: «أن ما أذن فيه الشارع من الطلاق يقع, وما لم يأذن فيه الشارع فهو لاغ غير نافذ» , ولم يكن هناك فرق بين المنهي عنه والمأذون فيه.
2 - ما ورد عن طريق ابن الزبير أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَرَدَّهَا -صلى الله عليه وسلم- =

الجزء: 6 - الصفحة: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عَلَىَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ: «إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ» 117 , وأجابوا على أدلة القول الأول بما يلي: قوله «فليراجعها»: معناه إمساكها على حالها الأول, لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعاً, فهو ملغي والنكاح بحاله, والأولون حملوا الرجعة على المعنى الاصطلاحي.
أما استدلالهم بقوله «فحسبت عليه تطليقه»: ليس فيه دليل, لأنه غير مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أما قوله «فلم يرها شيئاً»: فهو مرفوع صريح في عدم الوقوع.
والقول بأن هذا النوع من الطلاق، أعنى طلاق الحائض أو في طهر أصابها فيه لا يقع، وهو اختيار الشيخين رحمهما الله 118. وقد سبق أيضاً أنه اختيار شيخ الإسلام، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وهو أيضاً فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة 119. ومع ذلك فالمسألة ما زالت محل نظر وبحث عندي، وما يرد فيها من المسائل الواقعية نحيله على سماحة المفتي والسلامة لا يعدلها شيء.

الجزء: 6 - الصفحة: 346

لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيْضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا» (1)، وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا (2)،  (1)

قوله «لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَالَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيْضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا»

(1): هذا الحديث متفق عليه، وهو عمدة في كتاب الحيض، وقد سبق الإشارة إليه في ثنايا شرحنا.
(2)

قوله «وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا»:

هذا هو طلاق السنة وصفته كما ذكر المؤلف أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه طلقة واحدة, ثم يدعها حتى تنقضي عدتها, لكن لو قال المؤلف -رحمه الله- «في طهر لم يصبها فيه ولم يتبين حملها» لكان أولى لأنه إن تبين حملها جاز طلاقها, ولو كان قد جامعها لأنه يكون مطلقاً للعدة, وعلى هذا نقول بأن القيود التي يعتبر فيها الطلاق قد وافق السنة خمسة، وهي: 1 - أن يطلقها مرة واحدة.
=120

الجزء: 6 - الصفحة: 347

فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ (1)،  =2 - أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
3 - أن لا يطلقها وهي حائض أو نفساء.
4 - تركها حتى تنقضي عدتها.
5 - أن لا يتبين حملها.

  • فائدة: المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً لا يجوز لها أن تخرج من بيت زوجها: بل الواجب أن تبقى في بيت الزوج خلافاً لما عليه واقع الناس اليوم وذلك لقوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (1)، فلا يجوز أن تخرج المطلقة طلاقاً رجعياً من بيت الزوج حتى تنقضي عدتها لأنها ما زالت زوجة.
    بل قال أهل العلم ينبغي لها أن تتزين، وأن تتعرض له لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (2)، أي ميلاً في قلب الزوج فيرجع عن طلاقه ويراجعها.

(1)

قوله «فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»:

أي إذا قال لزوجته أنت طالق للسنة فقد علقه على ما سبق بيانه من الطلاق السني وهو الذي توفرت فيه القيود الخمسة السابقة, فإنه متى قال لزوجته ذلك «أنت طالق للسنة»، فإن الطلاق يقع لأنه=121122

الجزء: 6 - الصفحة: 348

وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ (1)، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ (2)، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ (3)،  =قيده على أمر وقد تحقق.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ»:

أي وإن كانت الطلقة التي قالها وهي قوله «طالق للسنة» إن كانت في طهر أصابها فيه أو حيض فإنها لم توافق الوصف في الطلاق السني، فهنا ماذا يكون؟ قال المؤلف.
(2)

قوله «لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ»:

أي لم تطلق المرأة إذا كان طلاقها غير موافق للسنة حتى تحيض ثم تطهر لأن طلاقها كان على صفة غير مشروعة فلم تطلق حتى تطهر فإذا طهرت من هذه الحيضة وقع عليها هذا الطلاق.
(3)

قوله «وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»:

الطلاق البدعي هو ما فقد قيداً من القيود السابقة وهو نوعان: بدعي من جهة العدد, وبدعي من جهة الوصف, فالذي يكون من جهة العدد هو ما سبق ذكره أن يطلقها ثلاثاً دفعة واحدة كأنت طالق, أنت طالق, أنت طالق, أو يقول أنت طالق بالثلاث فهذا طلاق بدعي، وقد سبق الإشارة إليه.
وكذلك الطلاق البدعي الذي من جهة الوصف كأن يطلقها في حال =

الجزء: 6 - الصفحة: 349

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ (1)، فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا (2)،  =الحيض أو في ظهر جامعها فيه وقد مر ذلك، لكن هل يقع الطلاق البدعي؟ سبق بيان ذلك مفصلاً.

(1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ»:

أي وإن لم تكن الزوجة التي قام بطلاقها وقت قول الزوج أنت طالق للبدعة بأن كانت في طهر جامعها فيه أو في حال الحيض فإنها لم تطلق حتى يصيبها زوجها أو تحيض وذلك لأن الصفة التي علّق عليها الطلاق لا تتحقق إلا في هاتين الحالتين فلا يقع الطلاق إلا بوجود أحدهما.
(2)

قوله «فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا»:

أي إن كانت المرأة غير مدخول بها فلا سنة لطلاقها ولا بدعة, فمتى قال لها: «أنت طالق للسنة»، أو «أنت طالق للبدعة»، فإنها تطلق لأنها لا تلزمها العدة في الطلاق لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 123 وهذه لا عدة لها قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ 124، فهذه لا عدة لها.
فمتى تزوج الرجل امرأة وعقد عليها ولم يدخل بها ولم يخلو بها أيضاً، وبعد مضى شهر أو أكثر طلقها وهي حائض, فالطلاق ليس بحرام بل هو جائز ولا شيء عليه, لأن هذه المرأة لا عدة=

الجزء: 6 - الصفحة: 350

وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا (1)، وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ (2)،  =لها تبقى بتطويلها أو الارتياب فيها.

(1)

قوله «وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا»:

أي وكذلك الحامل التي تبين حملها لا سنة ولا بدعة لطلاقها, لأنه إذا طلقت فقد طلقت لعدتها, لأن عدتها تكون بوضع حملها حتى ولو كانت تحيض لأن بعض النساء كما سبق في كتاب الحيض يحضن مع وجود الحمل عند بعض أهل العلم لا سيما إذا وافق حيضها مع الحمل عادتها وكان الدم النازل فيه مواصفات مطابقة لمواصفات دم الحيض من حيث اللون والرائحة وغير ذلك.
فهذه عدتها أيضاً تكون بوضع حملها، فإذا طلقت وهي حامل فلا نقول طلاق سنة ولا نقول طلاق بدعة لأنها طلقت للعدة, إذ أن عدتها تكون من حين طلاقها أي تبتدئ بها.
فالحاصل أنه متى قال للحامل أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعة فتطلق في الحال كمن قال أنت طالق ولم يزد.

(2)

قوله «وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ»:

وهي التي انقطع عنها دم الحيض ولا ترجوا رجوعه, وهل هناك حد لسن الإياس؟ نقول: تقدم في باب الحيض أنه لا حد لسن الإياس على القول الصحيح، فمتى وجد الأذى يعني الحيض فهو حيض.
فهذه ليس لطلاقها سنة ولا بدعة فتطلق في الحال كسابقتها.

الجزء: 6 - الصفحة: 351

وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ (1)،

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأُولى: المرأة التي أزيل عنها الرحم فهذه لا سنة لطلاقها ولا بدعة، فمتى طلقها جاز حتى ولو كان قد جامعها, لأنها لا حيض لها حتى تعتد به.
  • الفائدة الثانية: المرأة التي أمتنع حيضها لرضاع فإن لها سنة وبدعة, لأنها غير آيسة، فمتى فطمت ولدها وعاودها الحيض فهي غير آيسة فطلاقها له سنة وله بدعة, وكذلك المرأة التي ارتفع عنها الحيض لمرض أصابها لطلاقها سنة وبدعة.

(1)

قوله «وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ»:

هذا هو النوع الرابع والأخير ممن ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة، وهي التي لم تحض، وهي الصغيرة التي لم يأتها الحيض، فلا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة, فيجوز طلاقها في جميع الأوقات لأن عدتها لا تطول لأي سبب، ولأنه لا ريبة لها ولا ولد يندم على فراقه.
فهؤلاء الأربع المذكورات آنفاً طلاقهن لا يوصف بكونه طلاقاً سنياً ولا طلاقاً بدعياً، فمتى قال لها: «أنت طالق» طلقت.
لكن لو قيل بأن طلاقهن سني من جهة وبدعي من جهة أخرى لكان هذا أضبط, فإنه يوصف بكونه طلاق سنة, لأنه طلاق جائز ليس بطلاق بدعة بالإجماع، هذا من جهة كونه طلاقاً سنياً.
أما من جهة كونه طلاقاً بدعياً فهو من جهة العدد, فلو طلق هؤلاء الأربع ثلاث طلقات متعاقبات كقوله لواحدة منهن أنت طالق, أنت طالق,=

الجزء: 6 - الصفحة: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = أنت طالق فهنا طلق للبدعة من جهة العدد لأنه سد على نفسه باب المراجعة.
فالصواب بلا شك أن البدعة العددية في طلاق هؤلاء الأربع ثابتة 125.

الجزء: 6 - الصفحة: 353

بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ

(1)  (1)

قوله «بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ»:

نقول ألفاظ الطلاق قسمان صريحة وهي الألفاظ الموضوعة له التي لا تتحمل غيره وهي لفظ الطلاق وما تصرف منه من فعل ماضي, مثل: «طلقتك»، واسم فاعل مثل: «أنت طالق» , واسم المفعول مثل: «أنت مطلقة» دون المضارع، والأمر مثل: «أنت تطلقين أو اطلقي» , واسم الفاعل من الرباعي: «أنت مطلِّقة»، فهذه الألفاظ الثلاثة لا يقع بها الطلاق لأنها لا تدل على إيقاعه.
الثاني: ألفاظ كناية, وهي الألفاظ التي تحتمل الطلاق وغيره كأن يقول لها: أنت خلية، وبرية، وبائن، وأنت حرة، أو اخرجي، أو ألحقي بأهلك، أو الباب يسع جملاً، أو الدار لها سبعة أبواب وهكذا.

و

الفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية

أن الألفاظ الصريحة يقع بها الطلاق ولو لم ينوه، سواء كان جاداً أو هازلاً أو مازحاً لما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» 126 أما ألفاظ الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا إذا نواه نية مقارنة للفظة لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وتحتمل غيره من المعاني، فلا تتعين للطلاق إلا=

الجزء: 6 - الصفحة: 354

صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ (1)، أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ (2)،  =بنية، فإذا لم ينوي الطلاق فلا يقع، وسيأتي في ثنايا شرحنا ما ذكرناه أنفاً.

- فائدة: قال الفقهاء: يمكن تقسيم ألفاظ الكناية في الطلاق إلى قسمين:

الأول: ظاهرة جلية: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة لأن معنى الطلاق فيها أظهر «كأنت برية»، أو «أنت خلية»، و «بائن»، ونحو ذلك.
الثاني: خفية: وهي الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة وألفاظها كثيرة نحو «ألحقي بأهلك»، «ولا حاجة لي فيك»، «واستبرئي»، «ولست لي بامرأة»، «واعتدي»، «واخرجي»، «وأنت حرة»، وغير ذلك.

(1)

قوله «صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ»:

أي ألفاظ الطلاق الصريحة الذي لا يفهم منها غيره أي مالا تحتمل غير لفظ الطلاق ثلاثة ألفاظ، وهي كما قال المؤلف.
(2)

قوله «أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ»:

فهذه هي الألفاظ الثلاثة التي تتصرف من لفظ الطلاق، وهي: 1 - ما كان على اسم فاعل كقوله: «أنت طالق».
2 - ما كان على اسم المفعول كقوله: «أنت مطلَّقة».
3 - ما كان على فعل ماضي كقوله: «طلقتك»، وما سوى هذه الثلاثة لا يقع بها الطلاق لأنها لا تدل على وقوعه.

الجزء: 6 - الصفحة: 355

وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ (1)، وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ»:

أي وإن لم ينو الطلاق مثل لو قال لزوجته: «أنت طالق»، وما نوى شيئاً، ولا نوى الطلاق، وهو يعرف معنى ما يقوله فإنها تطلق، وذلك لأنه فراق معلق على لفظ فحصل به، هذا هو المشهور من المذهب.
وفي رواية أخرى عن الأمام أحمد أنه لا يقع إلا بنية، أو قرينة غضب، أو سؤالها، ونحوه.
والقول الأول هو الصواب، وعليه جمهور الفقهاء.

(2)

قوله «وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ»:

أي وما عدا لفظ الطلاق فإنه يكون كناية لا يقع بها الطلاق إلا أن ينويه, لكن يقع بلفظ «السراح والفراق» لكونهما جاءا في القرآن بمعنى الطلاق في قوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (1)، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (2)، وقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (3). فهذه الآيات صريحة في الطلاق لأنها وردت في القرآن بهذا المعنى أي بمعنى الطلاق.

و

هل يعد التلفظ بها طلاقاً دون اعتبار النية؟

نقول هذه المسألة على قولين 130:127128129

الجزء: 6 - الصفحة: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الأول: أن هذين اللفظين «السراح والفراق» لفظان صريحان في الطلاق فيقع بهما الطلاق دون اعتبار النية، فهما صريحان في الطلاق، فلو قال الرجل لزوجته «فارقيني»، أو «سرحتك»، فإن هذا طلاق ولا ينظر في ذلك إلى النية، وهذا ما صرح به بعض الحنابلة في كتبهم كما في «دليل الطالب» مثلاً، وهو قول المالكية 131. القول الثاني: في المسألة وهو المذهب، واختارها شيخ الإسلام 132، وهو مذهب أبي حنيفة 133، وقول للشافعي 134 أن هذين اللفظين لا بد من اعتبار النية فيهما كغيرهما فلا يكونان صريحين فيه, كسائر الكنايات، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «أما قولهم إن هذه الألفاظ صريحة في خطاب الشارع فليس بصحيح كذلك، بل لفظ السراح والفراق في القرآن مستعمل في غير الطلاق» 135. قلت: وهذا هو الصواب، أي أن لفظتي السراح والفراق لا يكونان طلاقاً إلا أن ينويهما صاحبهما، فهما من ألفاظ الكناية وليسا من صريح الطلاق.

الجزء: 6 - الصفحة: 357

فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ (1)، فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ (2)،  (1)

قوله «فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»:

أي ما عدا لفظ الطلاق وما يتصرف منه من الألفاظ التي سبق ذكرها فغيرها كناية لا يحصل بها الطلاق إلا أن ينويه، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
و

هل جميع الكنايات تفتقر إلى نية لحصول الطلاق بها؟

نقول في ذلك قولان في المذهب (1): الأول: يتعين للطلاق بالكنايات النية لإرادته له، فإن لم ينو لم ينصرف اللفظ إلى الطلاق فلا يقع به لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2). القول الثاني: أن الكناية الظاهرة يقع بها الطلاق من غير نية، واختار هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز، وقال القاضي إنه ظاهر كلام الإمام أحمد، ونسبه ابن قدامه للإمام مالك (3) لأنها مستعملة في الطلاق فصارت كالصريح.
قلت: والصواب أن جميع الكنايات سواء كانت ظاهرة أو خفية لا يحصل بها الطلاق إلا أن ينويها، وسيأتي في كلام المؤلف بيان ذلك.

(2)

قوله «فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ»:

أي فلو سئل ألك امرأة؟ فقال لا.
فهذا فيه تفصيل: =136137138

الجزء: 6 - الصفحة: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =إن أراد الطلاق وقع, وإن أراد الكذب فلا يقع, لأن هذا خبر كاذب لا يقع به الطلاق, فإن لم يرد لا الطلاق ولا الكذب أي لم يرد شيئاً فأيضاً لا تطلق لأنها كناية تفتقر إلى نية.
فإن قيل: لماذا يقع به الطلاق مع النية؟ الجواب: لأنه كما سبق كناية، وهي محتملة للطلاق، فما دام أن اللفظ يحتمله ونواه فإنه يقع، فإن كان اللفظ لا يحتمل الطلاق ونوى به طلاقاً كأن يقول: «يا قصيرة, يا طويلة»، وقال نويت بكلامي هذا الطلاق فإنها لا تطلق لأن هذه الصيغ لا تحتمل الطلاق، فلا تطلق وإن نوى به طلاقاً.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: إذا كتب صريح طلاق امرأته

بما يبين وقع وإن لم ينوه، لأنها صريحة فيه، مثل لو كتب: «امرأتي فلانة طالق»، فإنها تطلق، وقولنا «مما يبين احترازاً مما لو كتبه بما لا يبين»، مثل أن يكتب بأصبعه على جدار، أو على الماء، أو على الهواء فلانة - يعنى زوجته - طالق.
فظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يقع، وفي قول آخر في المذهب أنه يقع، لأنه كتب حروف الطلاق أشبه كتابته بما يبين.
قال الفقهاء: فإن قال ما أردت إلا غم أهلي، أو تجويد خطي، أو إنما أردت أن أتعلم الكتابة وما أردت إلا ذلك فإنه يقبل منه ولا تطلق,=

الجزء: 6 - الصفحة: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وظاهر كلام الإمام أحمد أنها تطلق لأن ذلك لا ينافي الوقوع فيغم أهله بوقوع الطلاق بها، والأول هو الأظهر، لكن ذلك مشروط بموافقة المرأة، فإن رضيت المرأة به، وإلا فالحاكم يلزمه بالطلاق.
فإن كانت القرينة تُكذِّب قوله فإنه لا اعتبار بقوله، فإن طلبت المرأة منه أن يطلقها فكتب لها «أنت طالق» ثم أدعى ما أردت إلا غمّ أهلي فإنه لا يقبل لأن القرينة تُكذب دعواه.

الفائدة الثانية: إذا طلبت منه زوجته أن يطلقها، فكتب لها ما لم يكن ظاهره الطلاق

كأن يكتب إذا اشتاقت امرأتي إليَّ فلتتفضل وأعطاها الورقة، فظنت أن هذا هو الطلاق, فلما مضت العدة قالت لأهلها إن زوجها طلقها، وظنوا أن ما كتبه في الورقة طلاقاً فلما فتحوها وجدوا هذا اللفظ فإنها لا تطلق مع وجود قرينة الطلاق لأن اللفظ لا يحتمل أن يكون طلاقاً فلم تطلق.

  • الفائدة الثالثة: إذا قالت له زوجته طلقني فقال لها بعد يومين, فإذا مضى اليومان أو الثلاثة ولم يطلق، فما يكون شيئاً, لأن الوعد ليس إيقاعاً, وهذا يحصل من الناس كثيراً حيث يقول الرجل لزوجته اذهبي لأهلك وأنا أكتب ورقتك، أو سوف تلحقك ورقتك، ثم بعد ذلك لا يكتب الطلاق.
    فإذا لم ينو الطلاق قي قوله اذهبي لأهلك فإنه يعتبر وعداً، إن كتبه فيما بعد وقع وإلا فلا.

الجزء: 6 - الصفحة: 360

وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ (1)،  -

الفائدة الرابعة: إذا جاء إلى كاتب وقال له أكتب لي طلاق زوجتي فلانة, فهل تطلق بهذا القول أم لا حتى يكتب؟

نقول إن كان يريد منه أن يكتب منه طلاقاً سابقاً وقع منه, فهنا وقع الطلاق بالكلام السابق, ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط, أما إذا قال أكتب طلاق زوجتي, كوكيل له أن يطلقها الآن, فإنها لا تطلق حتى يكتبه, لأنه وكله في إيقاع الطلاق بالكتابة، ولم تحصل.
فنقول ما دام لم يكتب فلا يكون شيئاً، ولهذا لو قال له اكتب طلاق زوجتي فللكاتب أن يقول هل هي طاهر طهراً لم تمسها فيه؟ هل هي حائض؟ هل هي حامل؟ حتى يتبين الوقت الذي يحل فيه الطلاق ثم يكتب على حسبه، وله أيضاً أن يشير عليه، فيقول، انتظر فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (1) (2).

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ»:

أي إن قيل ألك امرأة؟ فقال طلقتها، أو طلقت ينوي بذلك الكذب فإنها تطلق وإن لم ينو، لأن نعم صريح في الجواب، والجواب الصريح للفظ الصريح صريح، بخلاف ما لو قال له ألك امرأة؟ فقال لا يريد الكذب كما سبق فإنها لا تطلق إن لم ينو به الطلاق، لأنه كناية تفتقر إلى نية، ولم توجد.139140

الجزء: 6 - الصفحة: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

فائدة: في طلاق الهازل

: الطلاق يقع من الجاد والهازل؛ فهم في الحكم سواء، والفرق بينهما أن الجاد قصد اللفظ والحكم، والهازل قصد اللفظ ولم يقصد الحكم، وقد اتفق الفقهاء على صحة طلاق الهازل - المازح - وهو من قصد اللفظ، ولم يرد ما يدل عليه حقيقة أو مجازاً وذلك لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ» 141، ولأن الطلاق ذو خطر كبير باعتبار أن محله المرأة، وهي إنسان، والإنسان أكرم مخلوقات الله تعالى، فلا ينبغي أن يجري في أمره الهازل، ولأن الهازل قاصد للفظ الذي ربط به الشارع وقوع الطلاق فيقع الطلاق بوجوده مطلقاً.
وقال بعض الفقهاء: إن طلاق الهازل لا يقع لأنه لم يرده إنما أراد اللفظ فقط.
والصواب: أنه يقع وهو قول عامة الفقهاء سواء كان جاداً أو هازلاً وذلك للحديث المتقدم ولما ذكره أهل العلم من الاستدلالات المتقدمة، ولأن القول بوقوعه فيه فائدة تربوية وهي كبح جماح المتلاعنين، فإذا علم الإنسان الذي يلعب بالطلاق وشبهه أنه مؤاخذ به فما يقدم عليه أبداً، والقول بأنه غير مؤاخذ به لا شك أنه يفتح باباً للناس أن يتخذوا آيات الله هزواً، وهذا هو اختيار شيخنا -رحمه الله- 142. =

الجزء: 6 - الصفحة: 362

وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ (1)،  =قال الإمام الخطابي (1) «اتفق عامة أهل العلم على أن صريح الطلاق إذا جرى على لسان الإنسان البالغ العاقل، فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول كنت لاعباً أو هازلاً، أو لم أنو طلاقاً فإذا أتى بالطلاق بصريح لفظه مازحاً فإن طلاقه يقع».

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ»:

شرع المؤلف هنا في بيان القسم الأول من الكنايات وهي الكناية الظاهر، فبين بعض ألفاظها وبين حكمها، فبدأ «بالخَلِيَّة»، والخَلِيَّة من النساء: هي الخالية من الزوج، فإذا قال لها «أَنْتِ خَلِيَّةٌ» فيحتمل معنى الطلاق، وتحتمل معنى آخر، فإذا نوى الطلاق، فإن الطلاق يقع.
أو قال لها «أَوْ بَرِيَّةٌ»، البرية: معناها البراءة من النكاح، وهذا يقتضي الخلو من النكاح، فيفيد معنى الطلاق ويقع منه إذا نواه.
أو قال لها أنت «بَائِنٌ»، والبائن من البين: وهو الفراق أي منفصل أو مفارق لك.
أو قال لها أنت «بَتَّةٌ»، والبتة: من البتر، وهو القطع كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ 144، أي الأقطع، فيقال البتة أي مقطوعة من النكاح.
وكذلك إذا قال لها أنت «بَتْلَةٌ» البتلة من البتل، وهو قطع الوصل، =143

الجزء: 6 - الصفحة: 363

يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا (1)،  = ويقال منقطعة لذلك سميت مريم بالبتول لانقطاعها عن النكاح.
فهذه الصيغ كناية ظاهرة عن صريح الطلاق، وهذه الألفاظ ليست على سبيل الحصر وإنما هي على سبيل التمثيل.

(1)

قوله «يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»:

بين المؤلف هنا الشرط والحكم في الكناية الظاهرة، فيشترط في وقوع الطلاق بالكناية على المذهب أن ينوي الطلاق بنية مقارنة اللفظ، فإن كانت النية تسبق اللفظ بزمن بعيد فلا يحصل بذلك الطلاق بل لابد أن تكون مقارنة له، أو قبله بزمن يسير، وإن كانت كذلك بعده فإنه لا يحصل بها الطلاق فيتعين للطلاق بالكناية إرادته له، فإن لم ينو لم ينصرف إلى الطلاق أي فلا يقع به شيء، وقد سبق الإشارة إلى ذلك.
وقوله «طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»: أي يقع الطلاق باللفظ الظاهر بالكناية ثلاث طلقات، أي تبين منه المرأة, هذا إذا ما نوى، فإن نوى أقل من ذلك أي طلقة أو طلقتين فإن له ما نوى, وعلى ذلك إن نوى بقوله: «أنت خلية»، أو «أنت برية»، أو «أنت بائن»، وما أشبه ذلك وينوي واحدة فإنها لا تقع إلا واحدة، وإن نوى اثنتين تقع اثنتان.
والقول الآخر في المذهب 145: أنه يقع ثلاثاً وإن نوى واحدة.
والقول الثالث: أنها تقع واحدة إلا أن ينوى ثلاثاً، فإذا قال: «أنت خلية»، أو «أنت برية»، أو «أنت بائن»، ونحو ذلك من الألفاظ =

الجزء: 6 - الصفحة: 364

وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً (1)،  = السابقة فإنها تقع واحدة ما لم ينوي أكثر من ذلك.
واختار شيخنا -رحمه الله- (1) أن الطلاق لا يقع بالكناية ظاهرة كانت أم خفية إلا واحدة، وإن نوى أكثر من ذلك أي حتى لو نوى ثلاثاً لأن الطلاق لا يتكرر إلا بتكرره فعلاً، ولا يتكرر فعلاً إلا على زوجة غير مطلقة.

(1)

قوله «وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً»:

أي وما عدا ألفاظ الكنايات الظاهرة فإنها لا تكون إلا واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً، وهذا فيه إشارة إلى الكنايات الخفية، والكنايات الخفية نحو اخرجي، واذهبي، وتجرعي، واعتدي، واستبرئي، واعتزلي، ولست لي بامرأة، والحقي بأهلك، وما أشبه ذلك، فهذه الألفاظ كناية خفية على المذهب.
فمتى قالها الزوج لزوجته إن نوى بها طلاقاً فلا تقع إلا طلقة واحدة، ما لم ينو أكثر, وهذا عكس الكناية الظاهرة فهي ثلاثاً إلا أن ينوي الأقل من الثلاث.
وذهب شيخنا -رحمه الله- كما سبق أن جميع الكنايات لا تقع إلا واحدة سواء نواها أو لم ينوها، فكما أن الطلاق ثلاثاً لا يقع إلا واحدة، فكذلك هنا الكنايات لا تقع إلا واحدة.146

الجزء: 6 - الصفحة: 365

وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً (1)، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ (2)،  (1)

قوله «وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»:

أي لو خير زوجته فقال لها اختاري فخيرها أن تبقى معه زوجة، وبين أن يطلقها فاختارت الطلاق أي اختارت نفسها فإنه يقع طلقة واحدة.
ومع القول بوقوعه طلقة واحدة إلا إننا نقول بأنه لا ينبغي للرجل أن يقول للمرأة اختاري لنفسك، لأن المرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين فقد تتعجل وتختار فراق الزوج وتحصل الفرقة ثم سرعان ما تندم المرأة ويندم الرجل.
ولذا جعل الله العصمة في هذه الأمور بيد الرجل وذلك لحسن تصرفه في الأمور خلاف المرأة.
فالحاصل: إن خيّر المرأة في الفراق أو البقاء فإن اختارت الفراق فلا يكون إلا طلقة واحدة.
وهل هي واحدة، رجعية أم هي بائنة؟ قلت: سيأتي الخلاف في ذلك مع بيان الراجح.

(2)

قوله «وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ»:

أي إن خيرها فاختارت البقاء معه لم يحصل بذلك طلاق ولا شيء لكن لا بد أن يكون ذلك في المجلس إلا أن يجعله لها فيما بعد كما سيذكر ذلك المؤلف.

الجزء: 6 - الصفحة: 366

قَالَتْ عَائِشَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَفَكَانَ طَلاقاً (1)،  (1)

قوله «قَالَتْ عَائِشَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَفَكَانَ طَلاقاً»

الجزء: 6 - الصفحة: 367

وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ (1)،  = رجعية، وإن اختارت زوجها فلا شيء ... »، ثم ذكر أقوال أصحاب المذاهب في هذه المسألة.
والصواب عندي: أنها إن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة رجعية على الصحيح، وهو اختيار شيخنا (1). فقد جاء عن علقمة قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- وَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَتْ: لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِكَ مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ فَقُلْتُ: إِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِكِ بِيَدِكِ قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ طَلَّقْتُكَ ثَلاثًا.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ فَأَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ فَلَقِيَهُ فَسَأَلَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ عُمَرُ -رضي الله عنه- فَعَلَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ يَعْمِدُونَ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ بِأَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ بِفِيهَا التُّرَابُ بِفِيهَا التُّرَابُ فَمَا قُلْتَ قَالَ قُلْتُ: أُرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا قَالَ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ وَلَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَرَأَيْتُ أَنَّكَ لَمْ تُصِبْ» (2).

(1)

قوله «وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ»:

أي إذا خيرها زوجها بين فراقه والبقاء معه، فإنها تختار في المجلس، فإما أن تختار نفسها فتطلق طلقة واحدة، أو تختار البقاء مع زوجها، أو أن تسكت فلا تختار فلا يقع شيئاً.150151

الجزء: 6 - الصفحة: 368

إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ (1)، وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا (2)،  =لكن لابد كما ذكرنا أن يكون ذلك في المجلس إلا أن يجعله فيما بعد كما سيأتي في كلام المؤلف.
ووجه كونه في المجلس لأنه يشبه الإيجاب والقبول، فكما أن الإيجاب والقبول في صيغ العقود لابد أن يكون على الفور فكذلك هنا.
وفي رواية أخرى في المذهب (1) أنه على التراخي لحديث عائشة رضي الله عنها لما خيّرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لها: «وَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» (2).

(1)

قوله «إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ»:

كأن يقول لها اختاري لنفسك متى شئت فلا تختص بالمجلس وذلك لحديث عائشة المتقدم فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- خيّرها وأمرها أن تتروى وتستشير أبويها.
فالحاصل أن الاختيار الأصل فيه أنه لا يكون إلا في المجلس ما لم يزدها الزوج فيقول لها متى شئت اليوم أو بعد يومين، وهكذا.

(2)

قوله «وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا»:

أي إذا قال الرجل لزوجته أمرك بيدك، أو طلقي نفسك فهو في يدها، فكأنه وَكَّلها في تطليق نفسها، وهذا يجوز كتوكيل الأجنبي، وهذا بلا نزاع.152153

الجزء: 6 - الصفحة: 369

حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ (1)،  (1)

قوله «حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ»:

أي حتى يفسخ الزوج الوكالة بالقول أو بالفعل فيقول مثلاً تراجعت عن الوكالة، أو يقول تراجعت عن قولي أمري بيدك أو طلقي نفسك، أو بالفعل بأن يطأ هذه الزوجة فإنه بالوطء تنفسخ الوكالة، وفي رواية أخرى في المذهب (1) أن الوطء لا يبطل خيارها لأنه قد يطأ مع عدم تراجعه عن تخييرها، وهذا هو الأقرب عندي.

ذكر بعض الفوائد الهامة على ما سبق

:

الفائدة الأولى: فيمن طلق بقلبه ولم ينطق ذلك بلسانه

: من أضمر في نفسه أن يطلق زوجته فإنه لا يقع الطلاق لقوله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ» 155، قال قتادة إذا طلق في نفسه فليس بشيء» 156 وهذا الرجل حدث نفسه بالطلاق فلا يقع، ولأن الطلاق فسخ، والفسخ لابد أن يكون باللفظ كالعقد.

  • الفائدة الثانية: من حرك به لسانه دون أن يتلفظ به لم يقع الطلاق على القول الصحيح بخلاف ما لو تلفظ به فإنه يقع منه.
  • الفائدة الثالثة: من كان مصاباً بالوسواس وجرى لسانه بدون قصد كأن يقول زوجتي طالق فما يقع الطلاق، ولو أنه قصده فقال أريد أن أتخلص من هذا الوسواس فقال زوجتي طالق قاصداً له فإنها أيضاً لا تطلق، =154

الجزء: 6 - الصفحة: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لأنه مغلق عليه، وقد ورد: «لا طَلاقَ، وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ» (1).

الفائدة الرابعة: لا يقع الطلاق من الزوج أو من وكيله إلا بتلفظ به

، فلو نواه بقلبه لم يقع حتى يتلفظ ويحرك به لسانه كما سبق في الفائدة الأولى، لكن يقع في حالتين دون تلفظه: الأولى: إذا كتب صريح الطلاق كتابة تقرأ ونواه وقع، وإن لم ينوه فهذا محل خلاف هل يقع أم لا؟ وأكثر أهل العلم على وقوعه، وهو الراجح.
الثانية: يقع الطلاق من دون تلفظ بإشارة الأخرس المفهومة أنه طلق.157

الجزء: 6 - الصفحة: 371

بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْطِ

(1)  (1)

قوله «بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْط»:

أي ترتيب الطلاق على شيء يحصل في المستقبل «بإن وإحدى أخوتها»، أو على شيء حصل.
مثال ما سيحصل: يقول لها إن كلمت زيداً فأنت طالق ,أما ما يكون على شيء ماضي مثل أن يقول لها إن كنت قد كلمت زيداً فأنت طالق.
إذاً فالتعليق يكون على شيء قد مضى أو على شيء في المستقبل.

فائدة: تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسام

: القسم الأول: أن يكون شرطاً محضاً فيقع به الطلاق على كل حال, كأن يقول لها إن غربت الشمس فأنت طالق، فإذا غربت الشمس طلقت لأنه علقه على شيء محض.
القسم الثاني: أن يكون يميناً محضاً فلا يقع به الطلاق, وفيه كفارة يمين مثل أن يقول إن كلمت زيداً فامرأتي طالق, وهو يقصد الامتناع عن تكليم زيد، فهذا يمين محض، لأنه لا علاقة بين كلامه زيداً وتطليقه امرأته.
القسم الثالث: أن يكون محتملاً الشرط المحض واليمين المحض، كأن يقول لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فهذا يحتمل أمرين: الأول: الطلاق بمعنى أنه إذا خالفت أمره فخرجت فإن نفسه تطيب منها حينئذ يكون قد أراد طلاقها فهنا يكون طلاقاً.
الثاني: أن يكون مراده من ذلك تهديد المرأة ويريد أن يمنعها من الخروج مع رغبته فيها، فإذا خرجت في هذه الحال فإنها لا تطلق لأن هذا يراد =

الجزء: 6 - الصفحة: 372

يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ (1)،  = به اليمين، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1)، وجعل الله عز وجل التحريم يميناً، لأن المحُرِّم يريد المنع أو الامتناع من الشيء، فدل هذا على أن ما قصد به الامتناع وإن لم يكن بصيغة القسم فإن حكمه حكم اليمين (2).

(1)

قوله «يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ»:

أي يصح أن يعلق طلاقه على حصول أمر يختاره، وكذا عتقه كأن يقول: «إن خرجت من البيت فأنت طالق»، أو يقول: «إذا جاء شهر كذا فأنت طالق» , أو يقول: «إن لم أفعل كذا فعبدي حر»، أو «إن فعلت كذا فعبدي حر»، ونحو ذلك من التعليقات، فإنه يصح فيه الطلاق والعتق عند حصول ما علق عليه كما سبق.
و

هل يقع الطلاق أو العتق إذا تحقق ما علق عليه, سواء كان جارياً مجرى اليمين أم لا؟

نقول: جمهور الفقهاء من الحنفية 160، والمالكية 161، والشافعية 162، والحنابلة 163 على أنهم لا يفرقون بين ما كان جارياً مجرى اليمين أو لا، =158159

الجزء: 6 - الصفحة: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فالكل عندهم سواء، أي سواء كان قصده من التعليق الطلاق أو التهديد أو البر أو عدمه عند إرادته التعليق.
القول الثاني: التفريق بين ما جرى مجرى اليمين وما لم يجر مجرى اليمين، فما كان مجراه مجرى يمين فإنه لا يقع، وما لم يجر مجراه فإنه يقع، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 164، وابن القيم 165، والشيخين 166 رحمهم الله، وهو الصواب.
وخلاصة الأمر هنا أن من علّق طلاقه على شيء لا يخلو من حالين: الأولى: أن يقصد عند تعليقه الطلاق لا غير كأن يقول لها إن خرجت من البيت فأنت طالق, أو إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق, أو إن جاء أقاربك إلى البيت فأنت طالق ونحو ذلك من الألفاظ ويقصد بذلك طلاقها فإنها تطلق.
الثانية: أن لا يقصد طلاقها، أو أن يقصد تخويفها وحثها على المنع وكان يكره وقوع الطلاق أو العتق عند حدوث ما علق عليه فإنه يكون يميناً, لأن تعليق الطلاق أو العتق على شرط كما في الأمثلة السابقة هو في حقيقته نوع من أنواع الأيمان, فيدخل في عموم قوله «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» 167، فمتى=

الجزء: 6 - الصفحة: 374

بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ (1)،  = حصل ما حلف عليه فإنه يكون يميناً وعليه كفارة يمين ولا يجب عليه سوى ذلك.

(1)

قوله «بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ»:

أي وشرط صحة تعليق الطلاق أن يكون بعد نكاح أي لا يكون إلا بعد قيام الزوجية بين الحالف والمحلوف عليها عند التعليق.
فإن لم تكن زوجته عند التعليق فلا يصح كأن يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم تكن زوجته، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول كتاب الطلاق.
وكذلك «الملك»: أي ويشترط في تعليق العتق الملك، أي يكون بعد ملك الرقيق، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: إذا علق طلاق امرأته على شرط, فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا؟

مثاله: أن يقول لزوجته: «إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق» , يريد الطلاق لا اليمين, ثم بدا له أن يتنازل عن هذا, فهل له أن يتنازل أولا؟ الجواب: الجمهور يقولون: لا يمكن أن يتنازل, لأنه أخرج الطلاق من فيه على هذا الشرط, فلزم كما لو كان الطلاق منجزاً.
=وشيخ الإسلام يقول: إن هذا حق له فإذا أسقطه فلا حرج لأن =

الجزء: 6 - الصفحة: 375

فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ (1)،  =الإنسان لا يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه, فيقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق»، ثم يتراجع ويسقط هذا (1).

الفائدة الثانية: إن علق الطلاق على سبب تبين عدمه

كأن يقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق» ظناً أن أهلها قد ركبوا دشاً وأنهم عاكفون عليه, فخشي على امرأته فقال لها ذلك، فهل تطلق إذا ذهبت؟ الجواب: لا تطلق لأنه قال ذلك بناءً على سبب تبين عدمه فلا حرج أن تذهب (2).

(1)

قوله «فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ»:

سبق الإشارة إلى ذلك فلا يصح تعليق الطلاق هنا, لأن غير الزوج لا يملك ابتداء الطلاق, فلا يملك تعليقه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ 170، فجعل الطلاق بعد النكاح.
وسبق أيضاً حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» 171.168169

الجزء: 6 - الصفحة: 376

أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّة (1)، لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ (2)، وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتٌّ: إِنْ، وَإِذَا، وَأَيُّ، وَمَنْ، مَتَى، وَكُلَّمَا (3)،  (1)

قوله «أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ»:

أي وإن قال: «متى ملكت هذه الأمة فهي حرة»، ثم ملكها فإنها لا تعتق للأدلة السابقة كما سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.
(2)

قوله «لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ»:

أي لم تطلق من علق طلاقه بزواجها، ولم تعتق من علق عتقه بملكها.
(3) قوله «وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتٌّ: إِنْ، وَإِذَا، وَأَيُّ، وَمَنْ، مَتَى، وَكُلَّمَا»: أي الأدوات التي توصل إلى الشرط وتستعمل فيه ستة,

وهل هذه الأدوات على سبيل الحصر؟

نقول: لا، وإنما أراد المؤلف هنا الأدوات التي تستعمل في الغالب, وإلا فإن هناك أدوات أخرى لم يذكرها المؤلف قوله «إِنْ» بكسر الهمزة وسكون النون, وهي أم الأدوات لكثرة استعمالها في هذا الباب.
مثال للأداة «إن»: كأن يقول لها «إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق».
وقوله «وَإِذَا»: هذه هي الأداة الثانية بأن يقول لها: «إذا خرجت من البيت فأنت طالق».
وقوله «وَأَيُّ»: بتشديد الياء من صيغ العموم كأن يقول: «أي امرأة تقوم منكن فهي طالق».
=

الجزء: 6 - الصفحة: 377

وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا (1)، وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا (2)، عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا (3)،  =وقوله «وَمَنْ» بفتح الميم وسكون النون احترازاً من «مِنْ»، فإن «مِنْ» حرف جر بخلاف «مَنْ»، فهي شرطية، مثل أن يقول: «من قامت منكن فهي طالق».
وقوله «ومَتَى»: مثل أن يقول: «متى قمت فأنت طالق»، أو «أنت طالق متى قمت».
وقوله «وَكُلَّمَا»: وهي تدخل على الفعل فتقول: «كلما قمت فأنت طالق».
فهذه الأدوات الست هي التي غالباً ما تستخدم في ألفاظ الطلاق.

(1)

قوله «وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا»:

أي ليس في هذه الأدوات الست المذكورة ما يفيد التكرار إلا كلما, ومعنى التكرار هو حصول الفعل مرة بعد مرة فهذه من خصائصها, فإذا قال لزوجته: «كلما قمت فأنت طالق» فقامت فإنها تطلق, ثم قامت ثانية تطلق, ثم قامت ثالثة تطلق بخلاف باقي أدوات الشرط الأخرى.
(2)

قوله «وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا»:

أي جميع الأدوات المذكورة إذا كانت مثبتة أي لم يأت بعدها نفي فإنها يثبت حكمها كما سيأتي في الأمثلة التي سيذكرها المؤلف.
(3)

قوله «عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا»:

أي عند تحقق ما علق عليه الشرط ثم ذكر الأمثلة التي توضح ما قاله.

الجزء: 6 - الصفحة: 378

فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ (1)، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ (2) وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ (3)،  (1)

قوله «فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ»:

أي إذا قال لها: «إن قمت فأنت طالق»، فقامت فإنها تطلق وينحل هذا الشرط, وهكذا مثل لو قال: «إن خرجت فأنت طالق» ثم خرجت فإنها تطلق.
لكن يجب أن يلاحظ هل المراد إن قمت الآن، أو إن قمت في أي وقت، وهذا على حسب نيته، فإن كان مراده المنع من القيام الآن فهي إذا قامت فيما بعد لم تطلق، وإن كان يريد إن قمت في أي وقت، ففي أي وقت تقوم فيه تطلق، كذلك إذا وجدت قرينة تدل على أن المراد من القيام أو الخروج الآن أو في هذه الحال فإنه يعمل بها، وسيأتي مزيد إيضاح في كلام المؤلف إن شاء الله.

(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ»:

يعنى إذا قامت في المرة الأولى طُلقت الطلقة الأولى, وإن قامت الثانية والثالثة فإنها تطلق الثانية والثالثة, وذلك لأن أداة «كلما» كما سبق تفيد التكرار لغة.
(3)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ»:

أي وإن كانت أداة الشرط نافية, أي جاء بعدها نفي فإنها=

الجزء: 6 - الصفحة: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تكون على التراخي إذا لم ينو وقتاً بعينه، مثل ما ذكره المؤلف هنا كأن يقول: «إن لم أطلقك فأنت طالق»، فإنها لا تكون على التراخي إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على الفورية، والقاعدة هنا أن «إِنْ» لا تتأثر بدخول «لم» عليها بخلاف غيرها من الأدوات الأخرى، فإنها إذا دخلت عليها فإنها تفيد الفورية.

و

الخلاصة في الأدوات التي ذكرها المؤلف

ما يلي: 1 - أن جميعها لا يفيد التكرار عدا «كلما».
2 - أن هذه الأدوات أحياناً تفيد الفورية، وأحياناً تفيد التراخي، والمرجع في ذلك إلى شيئين النية والقرينة, فإن كانت له نية للفورية فهي للفور, وإن كانت هناك قرينة تدل على الفورية فهي للفورية، فإذا لم يكن هناك نية للفورية بل نوى التراخي فإنها تكون للتراخي.
وكذلك إذا كانت هناك قرينة تدل على التراخي فهي للتراخي, فإذا لم يكن لا نية ولا قرينة فتكون جميع هذه الأدوات على التراخي إلا مع «لم» فإنها تكون للفور ما عدا «إن» فإنها لا تؤثر فيها, فإن الأصل فيها أنها على التراخي إلا إذا كانت هناك قرينة أو نية تدل على الفورية فإنها تحمل على الفور كما سبق ذكره فقوله في المثال «إن لم أطلقك فأنت طالق»، فإنها على التراخي كما سبق إلا إذا كانت هناك نية الفورية أو قرينة تدل على الفورية.

الجزء: 6 - الصفحة: 380

فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ (1)، وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ (2)، فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ (3)،  (1)

قوله «فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ»:

أي إن قال لها: «إن لم أطلقك فأنت طالق»، ولم ينو يوماً بعينه، ولم تكن هناك قرينة تدل على الفورية فلا يقع الطلاق إلا في آخر حياة أحدهما, فإذا مات الأول منهما وقع الطلاق، وهذا بلا خلاف سائر الأدوات.
(2)

قوله «وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ»:

أي وسائر الأدوات وهي الخمس «إذا - أي - متى - مَنْ - كلما» جميع هذه الأدوات على الفور إذا اقترنت بـ «لم».
نحو: «متى لم تدخلي الدار فأنت طالق» , أو قال: «إذا لم تدخلي فأنت طالق» , أو «أي وقت لم تدخلي فأنت طالق» , فإذا مضى عقيب الكلام زمن لم تدخل فيه وجدت الصفة وهي عدم الدخول فيقع الطلاق.
فإن لم توجد «لم» فهي على التراخي, كقوله: «إذا خرجت فأنت طالق» «أو متى خرجت فأنت طالق».
فمتى وجد الخروج في أي زمن مستقبل طلقت, لأن ذلك يقتضي أي زمان خرجت فهي طالق.

(3)

قوله «فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ»:

سبق شرح ما ذكره المؤلف هنا, وخلاصته كما سبق أن «لم» =

الجزء: 6 - الصفحة: 381

وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا (1)،  = عند دخولها على أدوات الشرط الستة عدا «إن» فإنها تنقلها من حال التراخي إلى حال الفورية، فإذا قال لها «متى لم أطلقك فأنت طالق» ولم يطلقها طلقت في الحال لأن متى إذا اقترنت بـ «لم» التي تدل على النفي فإنها تدل على الفورية.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا»:

سبق أن ذكرنا أن «كلما» تفيد التكرار.
ومعنى كلامه هنا -رحمه الله- إن قال: «كلما لم أطلقك فأنت طالق»، ومضى من الزمن ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً لأن كلما تفيد التكرار، يعني كلما مضى زمن يمكن أن يقول فيه: «أنت طالق» طلقت، ثم الزمن الثاني: «أنت طالق» طلقت, ثم الزمن الثالث: «أنت طالق» طلقت.
وقوله -رحمه الله- «إن كانت مدخولاً بها»: فيه احتراز من غير المدخول بها، فإنها تبين بطلقة واحدة ولم يلزمها ما بعدها, ولا يستحق مطلقها رجعتها إلا بعقد جديد, لأن غير المدخول بها لا عدة عليها.
أما إذا كانت الزوجة مدخولاً بها فإنها تبين منه في هذه الحالة بينونة كبرى، أي تحرم عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

الجزء: 6 - الصفحة: 382

وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ (1)، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ (2)، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ (3)، وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ (4)،  (1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ»:

أما وجه كونها طلقت بالأول فلأنه علق الطلاق بولادته فصادف اللفظ ما علق عليه، فهنا تطلق بولادتها له, ووجه كون الثاني تبين به وتنقضي عدتها به لأن الحامل تخرج من العدة بوضع الحمل، «ولم تطلق به» لأنها بعد ولادته أصبحت بائناً لا يقع عليها الطلاق.
(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ»:

لأن الصفة وجدت، وكذلك حكمنا أنه حيض في المنع من الصلاة والصيام، فان بان أن الدم ليس بحيض لم تطلق، لأنّا تبيّنّا أن الصفة لم توجد, وكما سبق مع أن هذا الطلاق حرام وبدعة، لكن المذهب يرون أن الطلاق البدعي يقع، وسبق أن الصحيح أنه لا يقع.
(3)

قوله «فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ»:

قلت: سواء تبين أنه حيض أو لم يتبين فإنها لا تطلق به.
(4)

قوله «وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ»:

وذلك لأنه يقبل قولها في نفسها لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي=

الجزء: 6 - الصفحة: 383

وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ (1)، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا (2)،  =أَرْحَامِهِنَّ} (1)، فلولا أن قولهن مقبول ما حرم الله عليهن كتمانه.
والصواب: أن دعواها للحيض لا يجعلها تطلق على القول الصحيح, فإن ادعت المرأة أنها حائض فلا يحل للزوج أن يطلقها بل إن فعل ذلك أثم، وعلى القول الصحيح إن طلّقها لا يقع الطلاق.

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ»:

لأنه أقر بما يوجب طلاقها, فأشبه ما لو قال «قد طلقتها».
(2)

قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا»:

وذلك لأنها أقرت على نفسها دون ضرتها, فيكون قولها مقبولاً في حق نفسها دون ضرتها، فلا تطلَّق إذا كانت هناك بينة تدل على قولها, وما ذكره المؤلف هنا هو ما مشى عليه في المذهب.
والصواب: أن ما ذكره في هذه المسألة وما قبلها لا وجود له على الصحيح لأن المرأة إذا كانت حائضاً فطلاقها محرم ولا يصح على القول الراجح.
ثم ما ذكره المؤلف هنا من هذه المسائل هي نادرة الوقوع لكن هذا هو شأن الفقهاء يذكرون مسائل لأجل أن يكون طالب العلم متصوراً لها.
والله أعلم.172

الجزء: 6 - الصفحة: 384

بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ

(1) الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ (2)، وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ (3)،  (1)

قوله «بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ»:

أي باب في حكم ما يختلف به عدد الطلاق، و «ما» هنا للعاقل, لأن المراد ممن يختلف به العدد بالحرية والرق، وقد سبق بيان بعض الأحكام المتعلقة بهذا الباب في أول كتاب الطلاق.
(2)

قوله «الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ»:

أي إذا كانت المرأة غير مدخول بها بانت بطلقة واحدة, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (1)، فمتى قال لها «أنت طالق» فلا يستحق مطلقها رجعتها, وإنما تحل له بعقد جديد, لأن غير المدخول بها لا عدة عليها, فتصادفها الطلقة الثانية بائناً فلا يقع الطلاق بها, لأنها غير زوجة.
(3)

قوله «وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ»:

أي إذا كانت الزوجة غير مدخول بها فقال لها: «أنت طالق ثلاثاً» أوقعت الثلاث, فتحرم عليه, ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره, لكن هذه الثلاث لا تكون إلا من الحر بخلاف العبد كما سيأتي, فالذي يملك الثلاث هو الحر، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في ذلك.173

الجزء: 6 - الصفحة: 385

وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ (1)، إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً (2)،  (1)

قوله «وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ»:

سبق أن ذكرنا اتفاق أهل العلم على أن للعبد تطليقتين، واحتجوا لذلك بحديث عائشة المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «طَلاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ»، والحديث إسناده ضعيف كما سبق.
وأيضاً قالوا: بأن العبد على النصف من الحر في أكثر الأحكام، فعدة الأمة على النصف من عدة الحرة, وجلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار, وكذلك في الطلاق، فالحر يملك ثلاث تطليقات ونصفها تطليقة ونصف, ولما كان الطلاق لا يتبعض فإنه يجبر هذا النصف, فيكون للعبد تطليقتان.
وقد سبق الإشارة إلى أقوال أهل العلم فيما يكون للعبد من عدد الطلاق عند قول المؤلف: «ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين»، فذكرنا هذه المسألة وما جاء في الخلاف فيها مع بيان الراجح.

(2)

قوله «إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً»:

أي إذا قال لغير المدخول بها «أنت طالق بالثلاث» , أو «طالق ثلاثاً» فإنه يقع ثلاثاً، هذا هو المذهب، وعليه جماهير أهل العلم، أي أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع ثلاثاً.
وسبق أن ذكرنا هذه المسألة مستوفاة مع بيان الخلاف فيها، وقلنا بأن الراجح أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة كأن يقول «أنت طالق بالثلاث» أو «أنت طالق, طالق, طالق»، أو قال «أنت طالق أنت طالق، أنت طالق» متعاقبات أن هذا كله لا يكون إلا طلقة واحدة على القول، الصحيح من أقوال أهل العلم 174.

الجزء: 6 - الصفحة: 386

أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ (1)، وَإِنْ أَوْقَعَهُ مُرَتَّباً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً (2)،  (1)

قوله «أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ»:

أي إذا قال ذلك لغير المدخول بها فإنه يقع بها ثلاثاً كما يقع في المدخول بها وذلك لأن الواو تفيد الاشتراك والعطف ولا تفيد الترتيب فتقع ثلاثاً, لكن إذا أتى بصيغة تقتضي الترتيب فالطلقة الثانية والثالثة لا تقع, لأنها تبين بالأولى كما سيأتي في كلام المؤلف.
والحاصل أنه إذا اقترن لفظ الطلاق بحرف «الواو» فإنه لا يفيد إلا الاشتراك أي العطف فيحصل به العدد الذي تلفظ به، فإن قال للمدخول بها أو غير المدخول بها «أنت طالق وطالق وطالق» حسبت عليه ثلاثاً كما سبق.
ووجه كونه يقع على غير المدخول بها ثلاثاً لأنها في عصمته فتقع عليه كما أوقعها على المدخول بها.

(2)

قوله «وَإِنْ أَوْقَعَهُ مُرَتَّباً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً»:

أي وإن أوقع الطلاق مرتباً كما في الأمثلة التي ذكرها فإن غير المدخول بها تبين بالواحدة.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 387

وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ (1)،  =أما الثانية والثالثة فلم تصادف محلاً حتى تقع لأنها تبين بالطلقة الأولى فلا يلحقها ما بعدها, وبعبارة أخرى نقول لأنه بطلقته الأولى أصبحت هذه المرأة غير المدخول بها ليست في عصمته, فلم يقع عليها طلاقه, كبقية النساء الأجنبيات.
والخلاصة أن الرجل إذا جاء بحرف يفيد الترتيب فلا يقع إلا طلقة واحدة، أما إذا جاء بحرف يفيد العطف فإنه يحصل به العدد الذي تلفظ به كما سبق بيانه, فإن لم يأت لا بحرف عطف ولا بحرف يفيد الترتيب كقوله «أنت طالق طالق طالق»، فهذه على خلاف، فقيل: تكون طلقة واحدة, وقيل: بل يرجع فيه إلى نيته، وقيل: بل تكون ثلاثاً.

(1)

قوله «وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ»:

أي إن قال للمدخول بها جميع ما ذكره كقوله «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق وطالق وطالق» , أو أوقعه مرتباً فإن ذلك كله يوقعه ثلاثاً، وقد فصلنا الكلام على هذه المسألة كلها.

  • فائدة: يغلط الكثير في بعض المسائل في الطلاق فلا يفرقون بين ما يفيد تكرار الخبر وما يفيد تكرار الجملة ويجعلونهم شيئاً واحداً مثال ذلك.
    قوله: «أنت طالق, أنت طالق, أنت طالق» فهذا تكرار جملة، وقوله: «أنت طالق طالق طالق»، فهذا فيه تكرار للخبر, فيظن البعض أن تكرار الخبر كتكرار الجملة وليس كذلك، فإذا قال: «أنت طالق طالق طالق»، فإنه يقع على المذهب واحدة, ما لم ينو أكثر, فإن نوى أكثر فالأعمال=

الجزء: 6 - الصفحة: 388

وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ (1)،  = بالنيات، فالمهم يجب أن نفهم أن التكرار له وجهان: الأول: تكرار جمله، فيقع الطلاق بعدد التكرار.
الثاني: أن يكون التكرار للخبر فقط، فيقع واحدة ما لم ينو أكثر، وهذا هو ما قرروه في المذهب, وقد سبق أن الراجح أن الطلاق البدعي لا يقع إلا واحدة، فإن قال لها «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»، فهو طلاق بدعي الصواب أنه لا يقع إلا واحدة كما سبق الإشارة إلى ذلك.

(1)

قوله «وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ»:

أي من شك هل طلق زوجته أم لا؟ أو شك في عدد الطلاق هل طلق زوجته واحدة أو أكثر؟ فإنه يبنى على اليقين, والشك في الطلاق له صور: الأول: الشك في وجوده منه: يعنى لا يدري هل صدر منه الطلاق أم لا, فإن زوجته لا تطلق بمجرد ذلك, لأن النكاح متيقن فلا يزول بالشك.
ثانياً: الشك في حصول الشرط الذي علق عليه: كأن يقول لزوجته «إن دخلت الدار فأنت طالق» , ثم يشك هل دخلت الدار أم لا؟ فإنها لا تطلق بمجرد الشك لأن الأصل بقاء الزوجية.
ثالثاً: أن يشك في عدده مع يقينه بوجود الطلاق منه: فلا يلزمه إلا واحدة, لأنها متيقنة, وما زاد فمشكوك فيه, واليقين لا يزول بالشك فإن شك في اثنتين أو ثلاث جعلت اثنتان وهو الأقل.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 389

وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ (1)،  =وما ذكره المؤلف هنا في هذه القاعدة داخل في القاعدة العامة، وهي نافعة في كل الأحكام.
ودليل هذه القاعدة حديث عباد بن تميم عن عمه أنه شكا «شُكِيَ» إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لا يَنْفَتِلْ أَوْ لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (1)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ» (2). وكذلك إن شك في عدد الرضاع، فإن شك هل رضع أو لم يرضع فالأصل أنه لم يرضع، هذا هو المتيقن.
وإن شك هل هي أربع رضعات أو خمس؟ بنى على اليقين وهو الأقل فتكون أربعاً.
والقاعدة الكلية في جميع ما ذكرنا «أن اليقين لا يزول بالشك».

(1)

قوله «وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ»:

أي وجب إخراج من لم يعينه منهن بالقرعة، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالقة بتلك اللفظة التي تلفظ بها, وفي رواية في=175176

الجزء: 6 - الصفحة: 390

وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا (1)،  =المذهب (1)، وهي قول الأحناف (2)، والشافعية (3) بل يتخير أيتهما شاء, قالوا: لأنه له ابتداء إيقاع الطلاق وتعيينه, وهنا قد أوقعه ولم يعينه فبقى له حق التعيين استيفاء لملكه.
والأرجح: هو القول الأول لأنه حق لإحداهما من غير تعيين فوجب بالقرعة كالسفر ببعض النساء, أما ما ذكروه فهو ضعيف, وذلك لأنه يملك الطلاق قبل إيقاعه وأما بعد إيقاعه فإنه ليس له فيه أي ملك, وكان له حق التعيين مع الإيقاع، أما وقد أوقعه ولم يعين فقد خرج عنه حق التعيين.

(1)

قوله «وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا»:

أي إن طلق عضواً، كأن يطلق يداً، أو رجلاً، أو كبداً من زوجته وقع الطلاق, لأنه لا يتبعض لا في ذاته, ولا في محله, فإذا قال «يدك طالق»، أو «رجلك طالق»، أو «أصبعك طالق»، فإنها تطلق كلها، أي فيسري الطلاق إلى جميعها مثل العتق كما سبق، فإنه إن أعتق جزءًا منه سرى العتق إلى جميعه، أو طلق منها جزءًا مشاعاً كالنصف والربع، فيقول «نصفك طالق»، فهذا جزء مشاع، فإنها تطلق كلها لأن الطلاق لا يتبعض.
=177178179

الجزء: 6 - الصفحة: 391

إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ (1)،  = فإن وجد في جزء من البدن سرى إلى كله، أو طلق جزء معيناً كأن يقول: «النصف الفوقاني فيك طالق»، فهذه كلها يحصل بها طلاقها كلها.

(1)

قوله -رحمه الله- «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ»:

أي إذا قال للمرأة «شعرك طالق»، أو «سنك طالق»، أو «ظفرك طالق»، أو قال: «ريقك طالق»، أو قال: «دمعك»، فإنها لا تطلق بهذه الأشياء التي تنفصل عن الإنسان مع سلامته من غير عطب، فإن الشخص قد يحلق شعره ويقلم أظفاره ويقلع سنه ولا يتضرر شيء من بدنه، وهذا أحد القولين في المسألة، وهو المذهب 180. والقول الثاني: وهو قول المالكية 181، والشافعية 182 أن الطلاق يقع، لأن المذكور وهو الظفر، والشعر، والسن ونحوها مما استباحه الناس بالنكاح فيقع الطلاق بتطليقه.
والقول الأول هو الراجح لأن الأصل بقاء عصمة النكاح، وأيضاً لما ذكروه من الاستدلال فإن هذه الأشياء تنفصل مع السلامة بخلاف الأصبع واليد ونحو ذلك مما لا ينفصل إلا مع العطب فإنها تجرح البدن ويتأذى البدن بذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 392

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»:

وذلك لأن الطلاق لا يتبعض، فإذا طلقها نصف طلقة أو ربع طلقة، فإنها تقع عليه طلقة واحدة.

الجزء: 6 - الصفحة: 393

بابُ الرَّجْعَةِ

(1)  (1)

قوله -رحمه الله- «بابُ الرَّجْعَةِ»:

الرجعة في اللغة: اسم المرة من الرجوع بمعنى العود، وتفتح راؤها وتكسر والفتح أفصح.
والرجعة في الاصطلاح: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد، أي أنه يراجعها ما دامت في العدة.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: دليل مشروعية الرجعة

: الرجعة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ 183، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 184، فإن المقصود بذلك الرجعة.
أما السنة: فحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» 185. أما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على أن الحر إذا طلق الحرة دون الثلاث أو العبد إذا طلق دون الاثنتين وكان بغير عوض ولا أمر يقتضي بينونتها=

الجزء: 6 - الصفحة: 394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أن له الرجعة في العدة نقل ذلك غير واحد من الفقهاء منهم ابن المنذر (1)، وابن حزم (2)، والموفق (3).

الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الرجعة

: إن ارتجاع الزوج لزوجته باب من أبواب الإصلاح، لذلك نجد الشريعة الإسلامية قد نظمت أحكامها, ثم إن الحاجة تمسُّ إلى الرجعة لأن الإنسان قد يطلق امرأته ثم يندم على ذلك على ما أشار إليه الرب سبحانه وتعالى بقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (4) فيحتاج إلى التدارك, فلو لم تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك, لما عسى أن لا توافقه المرأة في تجديد النكاح ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا.

الفائدة الثالثة: في شروط الرجعة

: سيأتي في كلام المؤلف -رحمه الله- شروط صحة الرجعة لكن نجملها هنا: 1 - أن تكون المرأة مدخولاً بها أو مخلواً بها.
2 - أن تكون بعد طلاق رجعي.
3 - أن يكون الطلاق بلا عوض.
4 - أن يكون النكاح صحيحاً.186187188189

الجزء: 6 - الصفحة: 395

وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ (1)،  5 - أن تكون الرجعة في العدة.
6 - أن يكون دون ما يملك من العدة.
7 - أن تكون الرجعة منجزة, أي لا يصح تعليقها على شرط كإذا جاء رأس الشهر فقد أرجعتك أو إن قدم أبوك فقد راجعتك ونحو ذلك لأنه استباحة فرج مقصود فأشبه النكاح.
قلت: وهذا الشرط في الرجعة فيه نظر، والذي يظهر لي أنه إذا كان التعليق لغرض مقصود فإنه يصح, لأن الأصل الحل.

(1)

قوله «وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ»:

شرع المؤلف في بيان ما يشترط في الرجعة فمن ذلك قوله «إذا طلق الرجل» فلا تكون الرجعة إلا بعد طلاق، فإن ذهبت إلى بيت أهلها لخصومة حصلت بينهما دون حصول طلاق ثم صالحها فلا تسمى رجعة, وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني: «بعد دخول» فإن لم تكن كذلك فلا يملك الزوج الرجعة لعدم وجوب العدة في حقها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ 190. وقوله «لغير عوض»: هذا هو الشرط الثالث، والمراد به ما تدفعه المرأة فداءً عن البقاء مع زوجها, فإن كان الطلاق على عوض فلا رجعة,=

الجزء: 6 - الصفحة: 396

وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا (1)،  = لأن العوض في الطلاق إنما جعل لتفتدي المرأة نفسها به من الزوج ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة والطلاق على عوض بينونة صغرى كما تقدم في الخلع.
وقوله «أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين»: هذا هو الشرط الرابع، أي لم يستكمل الزوج نصابه في عدد الطلقات وهي ثلاث طلقات للحر وطلقتان للعبد، وقد سبق بيان الخلاف فيما يملكه العبد من عدد الطلقات, فلا بد أن يكون الطلاق رجعياً فإن لم يكن طلاقاً رجعياً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره كما سبق.
وقوله «ما دامت في العدة» لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (1)، أي للأزواج الحق بردهن في زمن التربص وهو العدة كما تقدم، وسيأتي بعد هذا الباب «باب العدة»، فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يكن قد أرجعها لم تحل له إلا بنكاح جديد.

(1)

قوله «وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا»:

شرع المؤلف في بيان كيفية الرجعة, فذكر أول ما يكون بها وهو القول, فيقول بلسانه أني قد راجعت، أو أمسكت، أو رددت زوجتي، وسيأتي أيضاً أن الرجعة=191

الجزء: 6 - الصفحة: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تكون كذلك بالفعل كأن يطأها.
وأيضاً تكون الرجعة بالإشهاد عليها: وقد اختلف الفقهاء في الإشهاد على الرجعة, فذهب الحنفية 192، والمالكية 193، والجديد في مذهب الشافعي 194، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد 195 إلى أن الإشهاد على الرجعة مستحب، فلو راجع زوجته ولم يشهد عليها صحت الرجعة, لأن الإشهاد مستحب، واحتج هؤلاء بما يلي: 1 - لأن الرجعة مثل النكاح من حيث كونها امتداداً له, ومن المتفق عليه أن استدامة النكاح لا تلزمها شهادة, فكذا الرجعة لا تجب فيها شهادة.
2 - الرجعة حق من حقوق الزوج، وهي لا تحتاج لقبول المرأة لذلك لا تشترط لها الشهادة لصحتها, لأن الزوج استعمل خالص حقه, والحق إذا لم يحتج إلى قبول أو ولي فلا تكون الشهادة شرطاً في صحته.
3 - أما أدلة من قال بوجوبها فهي محمولة على الاستحباب فقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 196، هذا أمر، والأمر في هذه الآية على الندب لا على الوجوب مثل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 197، =

الجزء: 6 - الصفحة: 398

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =واتفق جمهور الفقهاء على صحة البيع بلا إشهاد، فكذا استحب الإشهاد على الرجعة للأمن من الجحود، وقطع النزاع، وسد باب الخلاف بين الزوجين.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه الشافعي 198 في القديم، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 199 بأن الإشهاد على الرجعة واجب لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 200، وأيضاً احتجوا بالأثر المروى عن عمران بن حصين «فَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلاقِهَا، وَلا عَلَى رَجْعَتِهَا، فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلا تَعُدْ» 201، وأيضاً قالوا لأن الرجعة استباحة بضع محرم فيلزمه الإشهاد.
قلت: والذي يظهر هو وجوب الإشهاد على الرجعة، لكن ليس بشرط في صحتها بل تصح الرجعة ولو لم يشهد وذلك بدلالة الآية في قوله=

الجزء: 6 - الصفحة: 399

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 202، ولحديث عمران بن حصين المتقدم, ولأن عدم الإشهاد على الرجعة ذريعة إلى كتمان الطلاق، فقد يطلق الرجل امرأته المرة الأُولى، ثم يطلقها الثانية ولا يشهد، ثم يطلقها الثالثة ولا يشهد، فيكتم الطلقتين الأُوليين فيسول له الشيطان إبقاءها عنده بخلاف ما إذا أشهد على الطلاق فإن الأمر يكون بيناً.
وأيضاً الإشهاد على الرجعة فيه صيانة وحفظ للحقوق, فلو أن الزوج توفى فجأة, كأن جاءته سكتة, أو جاءه حادث بعد أن أشهد على الرجعة فإنها زوجة, ويجب عليها الإحداد وحكمها حكم الزوجات، قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله-: «وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه - يعنى الإشهاد - وفيه قوة» 203. قال شيخنا -رحمه الله- 204 (4): «ويحتمل أن يقال في هذا تفصيل, إن راجعها بحضرتها فلا حاجة إلى إشهاد, وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد, لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يشهد, ربما تنكر وتقول: أبداً ما راجعتني إذا أعلمها وأخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة وحينئذ يقع الإشكال,=

الجزء: 6 - الصفحة: 400

مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ (1)، وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه (2)، وَلا رِضَاهَا (3)،  =لأنه ليست المشكلة أنها تحرمه من المراجعة وإنما المشكلة أنها تحل لغيره, وهي مازالت في عصمته, فالصواب هذا التفصيل.

(1)

قوله «مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ»:

أي وتجوز الرجعة بلا ولي هذا بإجماع أهل العلم فلا يشترط إذن الولي لإرجاعها لأنها زوجته.
(2)

قوله «وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه»:

ولا يشترط في إرجاعها زيادة عن الصداق الذي سمى منهما عند عقد النكاح.
(3)

قوله «وَلا رِضَاهَا»:

أي ولا يعتبر رضا المرأة في الرجعة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ 205، فجعل الحق لبعولتهن وهم الأزواج, ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية, فلم يعتبر رضاها في ذلك.
لكن يشترط أن يكون ارتجاع الزوجة للإصلاح وليس للإضرار, والسبب في ذلك أنه كان بعض الناس قبل شرعية هذا الحكم يطلِّق المرأة ثم يراجعها ثم يطلق المرأة ويتركها تعتد وقبل أن تخرج من عدتها يردها ثم يطلقها من جديد, ثم يتركها تعتد حتى إذا قربت من الخروج من عدتها ردها، وهكذا تبقى كالمعلقة لا زوجة ولا مطلقة كما قال تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ 206.

الجزء: 6 - الصفحة: 401

وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً (1)،  (1)

قوله «وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً»:

ذكرنا فيما سبق أن الرجعة تحصل بالقول، وهذا بالاتفاق، لكن هل تحصل بالفعل وهو الوطء؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الرجعة لا تحصل إلا بالقول, ولا تحصل بالفعل مطلقاً وهو قول الشافعي 207، ورواية عن الإمام أحمد 208 , وهي ظاهر كلام الخرقي 209 , لأن إعادة الزوجية بعد الطلاق إنشاء للزواج من وجه, فلابد فيها من القول, ولأن غير القول فعل من قادر على القول, فلم تحصل به الرجعة, كالإشارة من الناطق.
القول الثاني: أن الرجعة تحصل بالوطء، وهو رواية عن الإمام أحمد 210 , وقول مالك 211، وأبي حنيفة 212 , ولكنهم اختلفوا في اشتراط النية في الرجعة: فقيل: لا تحصل الرجعة بالفعل إلا مع النية, وهو أن يجامعها بنية المراجعة، وهذه رواية عن الإمام أحمد 213، ومذهب مالك 214 , لأن=

الجزء: 6 - الصفحة: 402

وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ (1)،  =الفعل عند مالك ينزل منزلة القول مع النية، ولعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (2) أن الرجعة تحصل بالوطء سواء نوى به الرجعة أو لا، اختارها ابن حامد والقاضي، وهي قول جماعة من السلف، وأصحاب الرأي (3). والصحيح عندي: أن الرجعة لا تحصل إلا بالوطء المقرون بالنية، فلا يكفي الوطء المجرد، بل لابد فيه من نية؛ قال شيخ الإسلام (4): «وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد».

(1)

قوله «وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ»:

أي في حكم الزوجات، والدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ 219، فسماه الله تعالى بعلاً مع أنه طلاق, إذاً فهي زوجة عليها ولها حكم الزوجات، فتجب لها النفقة ويلزمها طاعته, ويجوز أن تكشف له, فكل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها إلا في مسائل قليلة منها: 1 - ليس لها حق القسم: فلا تطالب الزوج بليلة ويوم كزوجته الأخرى, لأنها انفصلت منه.215216217218

الجزء: 6 - الصفحة: 403

يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ (1)، وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ (2)،  2 - يلزمها لزوم المسكن كالمتوفى عنها: فلا تخرج إلا في ضرورة كالليل, ولحاجة في النهار, وهذا على المذهب (1). والصواب: أنه لا يلزمها ذلك، بل لها أن تخرج كغيرها من سائر الزوجات، وهو اختيار شيخنا -رحمه الله- (2).

(1)

قوله «يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ»:

أي له أن يطلقها ما دامت في عدتها, وكذلك له أن يظاهر منها ما دامت في عدتها، وكذا الإيلاء وذلك لأنها كما سبق في حكم الزوجات.
لكن إن طلقها في عدتها هل تستأنف العدة أم تبني على ما مضى؟ قولان لأهل العلم: قيل: تحسب ما مضى وتضيف ما بقى, لأنهما طلاقان لم يتخللهما إصابة ولا خلوة، فلم يجب بهما أكثر من عدة, كما لو والى بينهما.
وقيل: يستأنف العدة لأنها طلقة واقعة في حق مدخول بها فاقتضت عدة كاملة كالأُولى, والقول الأول هو الأظهر (3).

(2)

قوله «وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ»:

أي ولها أن تلبس أجمل الثياب، وتريه نفسها، وتتجمل له بكل ما يرغبه في ارتجاعها لأنها في حكم الزوجات.220221222

الجزء: 6 - الصفحة: 404

وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا (1)، وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا (2)، وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ (3)،  (1)

قوله «وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا»:

لأنه كما سبق زوج وهي مازالت في حكم الزوجات.
(2)

قوله «وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا»:

أي إن الرجعية التي راجعها زوجها, وهي التي طلقها أقل من ثلاث عادت إليه بما بقى من طلاقها بلا خلاف, وكذا لو عادت إليه بنكاح جديد قبل زواج ثان, فإن طلقها ثلاثاً فقضت عدتها, ثم نكحت غيره ثم تزوجها الأول فإنها ترجع إليه كنكاح جديد, أي فتعود له بطلقات ثلاث, لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث, ويهدم الثلاث.
(3)

قوله «وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ»:

اختلف الفقهاء فيما إذا طلقها الأول طلقة واحدة أو طلقتين ثم نكحت غيره، هل تعود إليه بما بقى من الطلقات أو لزواجها من الثاني تهدم جميع ما كان من الطلقات؟ فالمالكية 223، والشافعية 224، والحنابلة 225 أنها تعود إليه بما بقى من الثلاث لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، لأن وطء الثاني لا يحتاج =

الجزء: 6 - الصفحة: 405

وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا (1)،  = إليه في الإحلال للزوج الأول فيما دون الثلاث, فلا يغير حكم الطلاق, ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث, فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني، وهذا أيضاً رأى محمد بن الحسن (1) من الحنفية.
القول الثاني: قول أبي حنيفة (2)، وأبي يوسف، وهو رواية في مذهب أحمد (3) أن الزوج الثاني يهدم مطلقاً, فتعود بطلقات ثلاث للزوج الأول, سواء أكان زواجها بزوج ثان بعد الطلقتين أو بعد الثلاث, لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل, فيثبت حلاً يتسع ثلاث تطليقات كما يتسع لما دون الثلاث فأولى أن يهدم ما دونها، وقد سمّى النبي -صلى الله عليه وسلم- الزوج الثاني مُحِّلاً، وهو المثبت للحل في حديث: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (4).

(1)

قوله «وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا»:

أي إذا اختلفا في انقضاء العدة كأن تكون ممن تحيض في الشهر ثلاث حيض فقالت هذه المرأة: «أنها انقضت عدتها»، أو قالت: «إنها لم تنقض»، أو خالفها الزوج في ذلك ولا بينة على ذلك فالقول قول المرأة لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ=226227228229

الجزء: 6 - الصفحة: 406

وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا (1)،  =فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (1)، فهذه الآية تشير إلى أن القول قولها لأن الله تعالى قال: ﴿يَكْتُمْنَ﴾، فلو قالت: لا يوجد حمل والعدة انقضت فالقول قولها، لأنه لولا أن القول قولها لم يكن لكتمانه أثر، إذاً فالقول قولها مع يمينها، لكن اشترط لذلك أن تكون دعواها ممكنه أو أمراً معقولاً كأن تدعي انقضاء العدة في شهرين، أو في ثلاثة أشهر، أو في شهرين ونصف فإن هذا ممكن، وكذلك إن ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد وهذا ممكن، إذا قلنا أن أقل الحيض يوم وليلة وأقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، فالقول قولها مع يمينها.

(1)

قوله «وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»:

ما ذكره المؤلف هنا يحصل كثيراً، فأحياناً تنقضي عدة المرأة ثم يدعي الزوج أنه راجعها في العدة، وأحياناً يكون ذلك بمكيدة من الزوج نفسه، فيريد أن يكيد للمرأة فإذا انقضت عدتها وأرادت أن تنكح زوجاً غيره ادعى أنه قد راجعها، فهنا نقول بأن القول قولها لأن الأصل عدم الرجعة، ولأن جانب العِدد يرجح على جانب الزوج، إلا إذا كانت هناك بينة مع الزوج كأن يكون قد أشهد على الرجعة فهنا القول قوله ويحكم له بالرجعة.230

الجزء: 6 - الصفحة: 407

فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ (1)،  (1)

قوله «فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ»:

أي إن ادعى الزوج الرجعة بعد انقضاء عدتها وكانت له بينة على دعواه، وقد تزوجت المرأة غيره فإنها ترجع لزوجها الأول، لأنه تبين أنها لم تخرج من ذمته بعد، ولأنها لا زالت زوجة للزوج الأول، فترد إليه حتى لو وطئها الثاني ويكون الوطء وطئاً بشبهه ولا يلحقه إثم بهذا.

ذكر بعض الفوائد

:

الفائدة الأولى: في حكم الرجعة في الطلاق البدعي

: المشهور في مذهب الإمام أحمد أن الرجعة في الطلاق البدعي تستحب لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر «مره فليراجعها»، ولأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته بالرجعة كذلك.
القول الثاني: أن الرجعة في الطلاق البدعي واجبة لأن قوله -صلى الله عليه وسلم- مره فليراجعها» أمر والأصل فيه للوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرماً حال الحيض كما تقدم كانت استدامة النكاح فيه واجبة.
والحكمة من رجعتها ليقع الطلاق في زمن الإباحة وهو الطهر، وليزول الشيء الذي حرَّم الطلاق في الحيض لأجله.

  • الفائدة الثانية: من خلال ما سبق نقول بأن المرأة الرجعية لا تخلو من أحوال ثلاث مع الطلاق: أـ إذا طلقها ثلاثاً ثم نكحت زوجاً غيره ثم عاد إليها زوجها الأول فهذا يعود إليها وله ثلاث تطليقات جديدة.

الجزء: 6 - الصفحة: 408

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ب - أن يطلقها دون الثلاث ثم يراجعها أو يعقد عليها بعد انتهاء عدتها فهذه تعود إليه على ما بقى له من الطلاق، وهاتان الحالتان محل اتفاق بين أهل العلم.
ج - أن يطلقها أقل من ثلاث ثم تنتهي عدتها ثم تنكح زوجاً غيره ثم تعود لزوجها الأول وهنا محل خلاف، قيل: تعود إليه بما بقي له من الطلاق، وقيل: تعود إليه بثلاث جديدة.

الجزء: 6 - الصفحة: 409

وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة (من باب العدة إلى نهاية كتاب الجنايات) تأليف الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: 188 - الرمز البريدي: 11932 هاتف: 064226000 - فاكس: 064225666 - جوال: 0505123100 موقع منار الإسلام www.m-islam.net البريد الإلكتروني: a@m-islam.net m-islam 1@hotmail.com الجزء السابع مدار الوطن للنشر

الجزء: 7 - الصفحة: 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجزء: 7 - الصفحة: 2

وَبَلُ الغَمَامَةِ في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة (من باب العدة إلى نهاية كتاب الجنايات)

الجزء: 7 - الصفحة: 3

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1432 هـ - 2011 م مدار الوطن للنشر - الرياض هاتف: 4792042 (5 خطوط) فاكس: 4723941 - ص. ب: 245760 فرع السويدي: هاتف: 4267177 - فاكس: 4267377 منطقة الرياض: 0503269316 المنطقة الغربية: 0504143198 المنطقة الشرقية: 0503193268 المنطقة الشمالية والقصيم: 0504130728 المنطقة الجنوبية: 0504130727 التوزيع الخيري: 0506436804 - 2831453 التسويق والمعارض الخارجية: 0506495625 البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com

الجزء: 7 - الصفحة: 4

بابُ العِدَّةِ

(1)  (1)

قوله «بابُ العِدَّةِ»:

العدة: واحدة عدد بكسر العين, مأخوذة من عد المال أو الأيام أو غيرها عداً, إذا أحصى آحادها, والكمية المعدودة عِدة وعدة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرا﴾ (1)، فإذا أضيفت العدة إلى المرأة فالمراد أيام إقرائها لأنها كمية تعد وتحصى.
والعدة في الشرع: اسم للمدة التي تنتظر فيها المرأة, وتمتنع عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها, وقيل أيضاً في تعريفها: هي تربص محدد شرعاً, بسبب فرقة نكاح وما الحق به.
والمراد بالتربص: الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (2). وقولنا «محدد شرعاً»: أي من قبل الشرع، وقولنا «وما الحق به» كوطء الشبهة فإنها تعتد مع أنه ليس بنكاح على أحد القولين، وهو المذهب.

حكم العدة

: العدة واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 233، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ 234. =231232

الجزء: 7 - الصفحة: 5

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =وقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 235، فهذه الآيات خبر بمعنى الأمر كما قال أهل العلم, وإنما جاء بصيغة الخبر لإقراره وتثبيته, كأنه أمر مفروغ منه.
أما دلالة السنة: فمن ذلك: حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: «أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِىَّ طَلَّقَهَا ثَلاثًا ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهَا أَهْلُهُ لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ.
فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَقَالُوا إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ» 236، وأيضاً حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثِ حِيَضٍ» 237. أما الإجماع: فقد نقله غير واحد من الفقهاء.
وأما المعقول: فلأن الزوج يحتاج إلى مدة يفكر فيها ويراجع فيها أُموره، وكذا تحتاج المرأة لمدة يستبرئ فيها الرحم، وليعرف الزوجان عظم ما بينهما من عقد فلا يقدمان على إنهائه إلا بعد تروٍ وتفكير.

الجزء: 7 - الصفحة: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: الحكمة في مشروعية العدة:

من خلال ما ذكرناه آنفاً يمكننا أن نتلمس الحكمة من مشروعية العدة فمن هذه الحكم: 1 - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.
2 - إمهال الزوج مدة يتمكن من خلالها بمراجعة أموره، فقد يراجع مطلقته بعد أن يتروى.
3 - إحداد المرأة عقب وفاة زوجها احتراماً وتعظيماً لما كان بينهما من علاقة شرعية كريمة.
4 - التنبيه على عظم أمر النكاح حيث يحتاج إلى حل رباطه لصيغة معينة ثم لإعادته يحتاج إلى وقت معين.
5 - مصالح النكاح بالاستمرار فيه, فإن طرأ ما يعكر الصفو وتحتم فسخه فلا بد من مدة تتربصها المرأة لتحس بعظم الأمر وخطورته.

الفائدة الثانية: شروط العدة

: يشترط لوجوب العدة ما يلي: 1 - حصول الفرقة سواء بالطلاق، أو الخلع، أو الفسخ، أو بالموت.
2 - أن يسبق الفرقة حصول الوطء, لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ 238، وهذا بغير خلاف بين الفقهاء, أو حصول خلوة يمكن فيها الوطء، وهذا عند جمهور الفقهاء 239. =

الجزء: 7 - الصفحة: 7

وَلا عِدَّةَ عَلى مَنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي الحَيَاةِ قَبْلَ المَسِيْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا﴾ 240،  =وذهب الشافعية (1) في الجديد عندهم إلى أن العدة لا تجب بخلوة مجردة عن الوطء.
والصحيح كما سبق: أن الخلوة معتبرة في ثبوت العدة، ويشترط فيها أن يكون عالماً بها قادراً على الوطء، وأن تكون مطاوعة, وأن تكون المدة يمكنه فيها وطئها.
3 - أن يكون الزوج بالغاً أو ممن يولد لمثله.
4 - أن تكون الزوجة بالغة أو ممن يوطأ مثلها, فلو كانت ممن لا يوطأ مثلها كالتي دون تسع سنين فلا عدة للعلم ببراءة الرحم في حقها.
5 - أن يكون النكاح غير باطل.

(1)

قوله «وَلا عِدَّةَ عَلى مَنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي الحَيَاةِ قَبْلَ المَسِيْسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوْهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّوْنَهَا﴾ 241»: جاء في بعض النسخ: «قَبْلَ المَسِيْسِ والْخُلْوَةِ»، والمراد بفرقة الحياة هي كما ذكرناه آنفاً يعني طلاقاً، أو خلعاً، أو فسخاً لسبب كعسر نفقة وعيب, ونحو ذلك.
فإذا فارقها قبل المسيس - وهو الجماع - أو الخلوة بها على القول الصحيح=

الجزء: 7 - الصفحة: 8

وَالْمُعْتَدَّاتُ يَنْقَسِمْنَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ (1) إِحْدَاهُنَّ: أَوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (2)،  =فلا عدة عليها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (1)، قال ابن كثير (2) هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب وتتزوج من فورها من شاءت, ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها, فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضاً.

(1)

قوله «وَالْمُعْتَدَّاتُ يَنْقَسِمْنَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ»:

وإن شئت فقل ستاً، لكن المؤلف -رحمه الله- أدمج بعض الأقسام في بعض كما سيذكره في النوع الرابع, وهذه الأقسام إنما حددوها بهذا العدد من خلال الاستقراء والتتبع.
(2)

قوله «إِحْدَاهُنَّ: أَوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»:

هذا هو القسم الأول من المعتدات، وهي الحامل؛ فعدتها بوضع حملها سواء أكانت عن طلاق، أو وطء شبهة لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 244، ولأن القصد من العدة براءة الرحم، وهي تحصل بوضع الحمل.
=242243

الجزء: 7 - الصفحة: 9

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =لكن اختلف الفقهاء في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً: فذهب جمهور الفقهاء 245 إلى أن عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل تكون بوضع الحمل, قلَّتْ المدة أو كثرت حتى لو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها, فإن العدة تنقضي وتحل للأزواج.
واستدلوا على ذلك بهذه الآية: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 246، فقد جاءت الآية عامة في المطلقات ومن في حكمهن، والمتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً.
والآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ 247. أيضاً استدلوا بحديث سبيعة بنت الْحارث الأَسلمية «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ، وَهْوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا مَا لِي أَرَاكِ تَجَمَّلْتِ لِلْخُطَّابِ تُرَجِّينَ النِّكَاحَ فَإِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ =

الجزء: 7 - الصفحة: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ.
قَالَتْ سُبَيْعَةُ فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِى حِينَ أَمْسَيْتُ، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِى، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي» 248. القول الثاني: هو قول علي وابن عباس في إحدى الروايتين عنه 249 أن الحامل المتوفي عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين وهو وضع الحمل أو مضى أربعة أشهر وعشر, فأيهما كان أخيراً تنقضي به العدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ , قالوا فإن الآية فيها عموم وخصوص من وجه، فالعموم أنها تشمل المتوفي عنها زوجها حاملاً كانت أو غير حامل.
وخاصة في المدة ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 250 فيها عموم وخصوص أيضاً, لأنها تشمل المتوفي عنها زوجها وغيرها وخاصة في وضع الحمل.
والجمع بين الآيتين والعمل بهما أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول لأنها إذا اعتدت بأقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن=

الجزء: 7 - الصفحة: 11

وَلَوْ كَانَتْ حَامِلاً بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَضَعَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا (1)،  =اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة, فإعمال النصين معاً خير من إهمال أحدهما.
قلت: والراجح عندي هو ما ذهب إليه جمهور (1) أهل العلم، بل نقل بعضهم الإجماع على أن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن, أي تنقضي عدتهن بوضع الحمل لعموم الآية: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، سواء كانت الحامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها, فإن كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً وانتهت عدة الوفاة قبل ولادتها كان عليها أن تتربص بنفسها حتى تضع حملها, ولا خلاف في ذلك, وكذلك إذا وضعت حملها ولم يمضي عليه أربعة أشهر وعشراً، بل إذا وضعته بعد وفاته بلحظة فإنها تخرج من عدتها بوضعه كما في حديث سبيعة الأسلمية المتقدم.

(1)

قوله «وَلَوْ كَانَتْ حَامِلاً بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَضَعَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا»:

هذا باتفاق أهل العلم؛ أي إذا كانت المرأة حاملاً بأكثر من ولد اثنين أو أكثر لم تنقضي العدة إلا بوضع الآخر 252 , لأن الحمل اسم لجميع ما في الرحم, ولأن العدة إنما شرعت لمعرفة براءة الرحم من الحمل, فإذا علم وجود الولد الثاني أو الثالث فقد تُيقن وجود الموجب=251

الجزء: 7 - الصفحة: 12

وَالحَمْلُ الَّذِيْ تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ وَتَصِيْرُ بِهِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، مَا يَتَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ (1)،  =للعدة وانتفت البراءة الموجبة لانقضائها, ولأنها لو انقضت عدتها بوضع الأول لأُبيح لها النكاح كما لو وضعت الأخر, وهذا كما سبق قول جمهور الفقهاء.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه عكرمة وأبو قلابة والحسن البصري (1) إلى أن العدة تنقضي بوضع الأول ولكن لا تتزوج حتى تضع الأخر.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا تنقضي عدة الحامل بتوأمين أو أكثر إلا بوضع الأخر.

(1)

قوله «وَالحَمْلُ الَّذِيْ تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ وَتَصِيْرُ بِهِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، مَا يَتَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ»:

أي إذا وضعت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان فقد خرجت من العدة, أما إذا وضعت ما ليس فيه خلق الإنسان, فإنها لا تخرج من العدة, وإنما تستمر في عدتها إن كانت من ذوات الحيض أو غيره, وما تبين به خلق الإنسان بأن تظهر مفاصله كيديه ورجليه, ورأسه مثلاً, فإذا وضعته بهذه الصفة انقضت عدتها.
أما إن وضعت من لم يتبين فيه خلق إنسان فلا عبرة بهذا الوضع، فلا بد أن تكون مخلقة, لأن المضغة قبل ذلك يحتمل أن تكون إنساناً ويحتمل أن تكون قطعة من اللحم، ولا حكم مع الاحتمال.253

الجزء: 7 - الصفحة: 13

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

فائدة: المدة التي يتبين فيها خلق الإنسان

ما بعد الثمانين يوماً لكن قد لا يتضح التخليق ما بين الثمانين والتسعين، لكن ما بعد التسعين يوماً في الغالب أنه قد اتضح دل على ذلك حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» 254، فدل هذا الحديث على أن طور المضغة إنما يكون بعد ثمانين يوماً، أي إنما يكون التخليق بعد الثمانين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ 255، فالتخليق يكون في طور المضغة لكن يكون مخلقاً وغير مخلق, ولما كان كذلك دلَّ على ما ذكرناه أن الغالب بعد التسعين يوماً يكون قد اتضح تخليقه.
والفائدة مما ذكرناه أنه يتوقف على تخليقه وعدم تخليقه أحكام تخص المرأة منها: 1 - أنه إن كان مخلقاً حُكم على الدم الخارج منها أنه دم نفاس فلا تصلى المرأة ولا تصم، وبه تنقضي عدة المرأة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، ولا يقربها زوجها بوطء، وغير ذلك من الأحكام التي قررتها الشريعة =

الجزء: 7 - الصفحة: 14

الثَّانِيْ: اللاَّتِيْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجُهُنَّ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (1)، وَالإِمَاءُ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ (2)،  =الحائض والنفساء, أما إذا كان السقط غير مخلَّق أي كان أقل من الثمانين يوماً فإن الخارج من المرأة دم فساد لا تلتفت إليه المرأة، بل حكمها كالمرأة الطاهر تماماً تأتي بجميع العبادات ويجوز لزوجها أن يطأها وغير ذلك.
وقوله «وتكون به الأمة أم ولد»، أي متى وضعت الأمة ما في بطنها وإن كان سقطاً فإنها به تكون أم ولد وإن وضعته ميتاً ما دام أنه وضع مخلقاً.

(1)

قوله «الثَّانِيْ: اللاَّتِيْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجُهُنَّ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»:

هذا هو القسم الثاني من المعتدات، وهي التي توفى عنها زوجها ولم تكن حاملاً فإن عدتها كما ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (1). (2)

قوله «وَالإِمَاءُ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:

أي الإماء تكون عدتهن على النصف من عدة الحرة فتكون شهرين وخمسة أيام وذلك لأن الرق منَصَّف, وقد أجمع الصحابة على أن الأمة المطلقة عدتها على النصف من عدة الحرة وقاسوا عليها عدة المتوفى عنها زوجها, بل بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت أمة تعتد بشهرين وخمسة أيام.
قال شيخنا -رحمه الله- «والحقيقة أن الآية يعني قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ=256

الجزء: 7 - الصفحة: 15

وَمَا قَبْلَ الْمَسِيْسِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ (1)،  =مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} (1) لو تمسك أحد بعمومها وبعموم المعنى لكان له وجه، وهو أرجح.
فالصواب أنه لا فرق بين الحرة والأمة, إلا إذا منع من ذلك إجماع, ولكن الإجماع لم يمنع منه, فإنه قد نقل عن الأصم والحسن أنهما كانا يريان ذلك» (2).

(1)

قوله «وَمَا قَبْلَ الْمَسِيْسِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ»:

أي وما قبل الدخول وما بعده سواء، أي سواء كان قد دخل بها أو لم يدخل فعدتها أربعة أشهر وعشراً.
وهل يشترط أن تكون ممن يوطأ مثلها وهو ممن يولد لمثله؟ الجواب: لا يشترط, ففي عدة الوفاة لا يشترط أيّ شرط؛ فلا يشترط وطء ولا خلوة ولا كبر, ولا صغر, ولا عقل ولا أي شيء، فمتى عقد عليها ثم مات عنها وجبت عليها العدة وتحادّ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ 259 , فما قيدها بشيء, بل مجرد كونها زوجة, ولهذا ترث منه ويرث منها, ومن الأدلة على ذلك ما جاء عن ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، =257258

الجزء: 7 - الصفحة: 16

الثَّالِثُ: الْمُطَلَّقَاتُ مِنْ ذَوَاتِ القُرُوْءِ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوْءٍ (1)،  =فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لا وَكْسَ، وَلا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: قَضَى فِينَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بِرْوَعِ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ» (1).

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الْمُطَلَّقَاتُ مِنْ ذَوَاتِ القُرُوْءِ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوْءٍ»:

هذا هو القسم الثالث من المعتدات، وهن المطلقات في الحياة من ذوات القروء, والقرء: لغة مشترك بين الحيض والطهر، ويجمع على إقرء وقروء.
واختلف الفقهاء في تفسيره: فيرى الحنفية 261، والحنابلة 262 أن المراد بالقرء الحيض, لأن الحيض معرف لبراءة الرحم، وهو المقصود من العدة, فالذي يدل على براءة الرحم إنما هو الحيض لا الطهر، ولقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 263، فنقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداء بالأشهر, فدل على أن الأصل الحيض=260

الجزء: 7 - الصفحة: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ 264، ولأن المعهود في الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال -صلى الله عليه وسلم- للمستحاضة «دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» 265، وهو -صلى الله عليه وسلم- المعبر عن الله، وبلغة قومه أنزل القرآن.
وقال -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيش «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ فَانْظُرِي إِذَا أَتَى قُرْؤُكِ فَلا تُصَلِّى فَإِذَا مَرَّ قُرْؤُكِ فَتَطَهَّرِى ثُمَّ صَلِّى مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إِلَى الْقُرْءِ» 266 وقالوا أيضاً: ولأن ظاهر قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 267 وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الإطهار لم يوجب ثلاثة لأنه يكتفي بطهرين وبعض الثالث فيخالف ظاهر النص.
ومن جعله الحيض أوجب ثلاثة كاملة فيوافق ظاهر النص فيكون أولى من مخالفته.
القول الثاني: هو قول المالكية 268، والشافعية 269 أن القرء هو الطهر, لأنه تعالى أثبت التاء في العدد «ثلاثة»، فدل على أن المعدود مذكر وهو الطهر, لا الحيضة, ولأن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 270، =

الجزء: 7 - الصفحة: 18

وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ (1)،  = أي في وقت عدتهن, لكن الطلاق في الحيض محرم كما تقدم في بحث الطلاق البدعي فيصرف الإذن إلى زمن الطهر.
والصحيح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول, لاتفاقه مع الواقع والمقصود مع العدة, فالنساء ينتظرن عادة مجيء الحيض ثلاث مرات, فيتقرر انقضاء العدة, ولا يعرف براءة الرحم إلا بالحيض, فإذا حاضت المرأة دل على أنها غير حامل, وإذا استمر الطهر تبين غالباً وجود الحمل, وهذا اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
فالحاصل أن المرأة التي طلقها زوجها عدتها ثلاث حيض كما قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (2).

(1)

قوله «وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ»:

هذا بالاتفاق؛ بل نقل غير واحد من أهل العلم إجماع الصحابة 273 على أن عدة الأمة حيضتان، ولم يخالف في ذلك إلا ابن سيرين 274، وقد ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال «يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيْضَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا» 275، فإن كانت العدة من طلاق وكانت الأمة ممن يحضن =271272

الجزء: 7 - الصفحة: 19

الرَّابِعُ: اللاَّئِيْ يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيْضِ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ (1)،  = كانت عدتها قرأين, وهي حيضتان، وهذا لأن الرق منصف والحيضة لا تتجزأ فأكملت فصارت قرئين.
وقد أشار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى ذلك بقوله «لَوْ قَدِرْتُ أَنْ أَجْعَلَهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا, لَفَعَلْتُ» (1).

(1)

قوله «الرَّابِعُ: اللاَّئِيْ يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيْضِ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ»:

هذا هو القسم الرابع من المعتدات, من انقطع حيضها لكبر أو غيره, كاستئصال الرحم، فهذه في حكم الآيسات.
و

المرأة التي انقطع دم الحيض يمكن أن نقسمها إلى قسمين:

الأول: أن نعلم أنه لن يعود إليها الحيض كالكبيرة التي بلغت خمسين مثلاً, أو من أجريت لها عملية استئصال للرحم، فهذه نعلم جيداً أنها لن يعود إليها الحيض أبداً فهذه عدتها تكون كما أمر الله تعالى ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ 277. الثاني: أن تكون راجية لعود الحيض، فهذه تنتظر حتى يزول المانع ثم تعتد سنة؛ تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، وسيأتي مزيد ذلك إن شاء الله، وقيل: بل تعتد بثلاثة أشهر لأن الصحابة إنما حكموا بالسنة لمن لم تعلم سببه, وهنا علمت السبب, فإذا زال السبب ولم يعد فإنها تعتد=276

الجزء: 7 - الصفحة: 20

وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ (1)،  =ثلاثة أشهر, ولكن الأحوط أن تعتد بسنة, لأنه إذا زال السبب ولم يرجع الحيض فإننا حكمنا بعدم رجوعه من زوال السبب.
فإذا حكمنا بعدم الرجوع من زوال السبب, كان حكمنا رجوعه حينئذ لغير سبب معلوم, وإذا كان ارتفاعه لغير سبب معلوم كانت المدة سنة كما سبق (1). والخلاصة هنا: أن الآيسة من الحيض كالكبيرة أو من كان في حكمها كمن استأصل رحمها فإن عدتها ثلاثة أشهر هلالية.

  • فائدة: المرأة التي ارتفع حيضها بسبب الرضاع ثم طلقها زوجها: هذه عدتها ثلاثة قروء, فإذا فطمت الصبي وعاودها دم الحيض فإنها تجلس ثلاثة قروء, فإن لم يعاودها دم الحيض بعد فطام الصبي فإنها تعتد سنة كما سبق, تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.

(1)

قوله «وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ»:

أي وكذلك اللائي لم يأتهن الحيض لصغرهن كمن بلغت ولم تحض فهذه عدتها ثلاثة أشهر, أو من لم يأتيها الحيض أصلاً لصغرها فهذه أيضاً عدتها ثلاثة أشهر إن كان قد دخل بها لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 279، فقد حدد سبحانه عدة الصغيرة التي لم تحض بثلاثة أشهر كالآيسة.278

الجزء: 7 - الصفحة: 21

وَلِلأَمَةِ شَهْرَانِ (1)،  -

فائدة: في سن الإياس

: اختلف الفقهاء في تحديد سن الإياس, وهي السن التي إذا بلغتها المرأة لا تحيض فيها, على أقوال أربعة: فذهب الحنفية (1) وهو المفتى به عندهم أن الإياس يكون عندهم بخمس وخمسين سنة.
وذهب المالكية (2) إلى أن سن الإياس يقدر بسبعين سنة, فما تراه المرأة بعد هذا السن لا يعتبر حيضاً قطعاً.
وذهب الشافعية (3) إلى أن أقصى سن الإياس اثنان وستون سنة.
وذهب الحنابلة (4) إلى أن سن الإياس خمسون سنة.
والراجح عندي: أن الإياس ليس له سن معتبر، بل متى رأت الأنثى الدم فهي حائض وإن تجاوز الخمسين, ذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ورسوله على وجوده, ولم يحدد الله ولا رسوله لذلك سناً معيناً, فوجب فيه الرجوع إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه, وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة، ولا دليل في ذلك.

(1)

قوله «وَلِلأَمَةِ شَهْرَانِ»:

يعني وتعتد الأمة شهرين, لأن الله جعل للحرة ثلاثة أشهر, أو ثلاثة قروء, وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر, ومعنى هذا أن لكل حيضة شهراً, وهذا هو الغالب, وللأمة حيضتان,=280281282283

الجزء: 7 - الصفحة: 22

وَيُشْرَعُ التَّرَبُّصُ مَعَ العِدَّةِ فِيْ مَوَاضِعَ ثَلاثَةٍ (1)، أَحَدُهَا: إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآيِسَاتِ (2)،  = فيكون لها عند سن الإياس أو الصغر شهران, لأن للبدل حكم المبدل منه، وأيضاً لأن عمر -رضي الله عنه- قضى للأمة بذلك حيث قال: «عِدَّةُ الأَمَةِ إِذَا لَمْ تَحِضْ شَهْرَيْنِ وَإِذَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ» (1).

(1)

قوله «وَيُشْرَعُ التَّرَبُّصُ مَعَ العِدَّةِ فِيْ مَوَاضِعَ ثَلاثَةٍ»:

سبق أن عرفنا التربص وقلنا بأن معناه الانتظار كما قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء﴾ (2)، والمعنى أن المرأة تنتظر فلا تنكح زوجاً آخر مع العدة في هذه المواضع الثلاثة.
(2)

قوله «أَحَدُهَا: إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآيِسَاتِ»:

هذا أحد المواضع التي يشرع فيها التربص مع العدة، وهي فيمن انقطع عنها الدم ولا تدري عن سبب انقطاعه، فإنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد.
وقد ذكرنا طرفاً من هذه المسألة, وقلنا بأن المرأة التي انقطع حيضها ولا تدري ما رفعه، وجهلت السبب فهل تعتبر من ذوات القروء؟ أم تعتبر في حكم الآيسة؟ نقول قضى عمر -رضي الله عنه- في مثل هذه الحالة بأنها تنتظر سنة كاملة, تسعة=284285

الجزء: 7 - الصفحة: 23

وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الحَيْضَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ فِيْ عِدَّةٍ حَتَّى يَعُوْدَ الحَيْضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ (1)  =أشهر للحمل, وثلاثة أشهر عدة الآيسة، وقد قضى عمر -رضي الله عنه- بذلك بين الصحابة ولم يعرف له مخالف فصار كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم.
ووجه كونه كذلك لأن المرأة لا تعرف سبب انقطاع الحيض فلعله يكون بسبب حمل، وغالب مدة الحمل تسعة أشهر, وثلاثة أشهر هي عدة الآيسة وذلك لأنها أيست من الحيض، أما إذا كانت المرأة ارتفع حيضها وترجو أن يعود الحيض لها, فإنها لا تزال في عدة حتى يعود الحيض, فتعتد به، ولذا قال المؤلف.

(1)

قوله «وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الحَيْضَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ فِيْ عِدَّةٍ حَتَّى يَعُوْدَ الحَيْضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ»:

ذكرنا فيما سبق أن الآيسة من الحيض تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: من آيست من الحيض لكبر أو أجرى لها استئصال الرحم فهذه تعلم أنها لن يعود إليها الحيض أبداً، فهذه ذكرنا حكمها.
القسم الثاني: من انقطع عنها الحيض لعارض، وهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن ينقطع عنها الحيض ولا تدري سبب رفعه، فهذه كما ذكرنا آنفاً تجلس سنة يعني تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة.
الحالة الثانية: من ارتفع عنها الحيض وتعلم سبب رفعه كرضاع أو أجريت لها فحوصات وأخبرها الأطباء عن سبب انقطاع الحيض =

الجزء: 7 - الصفحة: 24

الثَّانِيْ: امْرَأَةُ المَفْقُوْدِ الَّذِيْ فُقِدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ، أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ.
تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
وَإِنْ فُقِدَ فِيْ غَيْرِ هَذَا، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ (1)،  = وارتفاعه عنها، فهذه كما ذكره المؤلف هنا فهي لا تزال في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به، لكن قد يطول انتظارها للحيض فهل تبقى إلى عودة الحيض لها؟ نقول: بأن الصواب هنا بأنها إن كانت ترجو أن يعود فهذه تنتظر حتى يزول المانع، فإن زال فالحمد لله، وإلا فتعتد بسنة تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، هذا إذا زال السبب ولم يعاودها الحيض، وقد سبق بيان ذلك.

(1)

قوله «الثَّانِيْ: امْرَأَةُ المَفْقُوْدِ الَّذِيْ فُقِدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ، أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ.
تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
وَإِنْ فُقِدَ فِيْ غَيْرِ هَذَا، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ»:

هذا هو النوع الثاني ممن يشرع له التربص مع العدة وهي امرأة المفقود، والمفقود هو من خفي خبره فلم يعلم أحي هو أم ميت لسفر أو أسر ونحو ذلك؟ وقد سبق تعريفه في كتاب الفرائض، و

المفقود لا يخلو من حالين

: الأول: أن لا يرجى رجوعه كمن يكون في مهلكة, أو من بين أهله ولا يعرف خبره أو يكون في مركب وقد غرق ونحو ذلك مما يكون غالبه الهلاك فهذا ذكر المؤلف أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة أربعة=

الجزء: 7 - الصفحة: 25

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =أشهر وعشرا.
الثاني: أن يرجي رجوعه كالمسافر للتجارة، أو لطلب العلم، أو سياحة، فهذا يضرب له أجل تسعون سنة منذ ولد قطعاً للشك لأن الغالب أنه لا يعيش فوق ذلك.
هذا هو المذهب 286، وهو مذهب الإمام مالك 287 أيضاً.
والرواية الأخرى في المذهب ما ذكرها المؤلف «لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ مَوْتَهُ».
وذهب الحنفية 288 إلى أن المفقود حي في حق نفسه, فلا يورث ماله ولا تبين منه امرأته, فلا تعتد زوجته حتى يتحقق موته استصحاباً لحال الحياة السابق, أما المنعي إليها زوجها, والتي أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات، أو طلقها ثلاثاً، أو أتاها منه كتاب على يد ثقة بالطلاق, فلا بأس أن تعتد وتتزوج.
وقال الشافعية 289 في الجديد بمثل قول الحنفية: ليس لامرأته أن تفسخ النكاح لأنه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله, لم يجز الحكم بموته في نكاح زوجته, فلا تعتد زوجته ولا تتزوج حتى يتحقق موته أو طلاقه, عملاً بمبدأ الاستصحاب.

الجزء: 7 - الصفحة: 26

الثَّالِثُ: إِذَا ارْتَابَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِظُهُوْرِ أَمَارَاتِ الحَمْلِ، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُوْلَ الرِّيْبَةُ، فَإِنْ نَكَحَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ (1)،  قلت: والأقرب عندي كما ذكرت في كتاب الفرائض أن مدة الانتظار تكون بحسب اجتهاد القاضي بالنظر إلى حال الشخص عند فقده, والظروف المحيطة به وحال الوضع الذي فقد فيه واختلاف وسائل البحث، وهذه رواية في مذهب الإمام أحمد رجحها صاحب الإنصاف (1). وقوله «ثم تعتد للوفاة» أي متى فرض لها القاضي المدة كسنة أو سنتين أو ثلاث فإنها من حين انقضاء المدة المضروبة لها تعتد عدة الوفاة وهي أربعة أشهر وعشرا.

(1)

قوله «الثَّالِثُ: إِذَا ارْتَابَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِظُهُوْرِ أَمَارَاتِ الحَمْلِ، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُوْلَ الرِّيْبَةُ، فَإِنْ نَكَحَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ»:

هذا هو القسم الثالث ممن يشرع له التربص مع العدة وهي من شكت بعد انقضاء عدتها وارتابت في الحمل, وهذا يحصل فإن بعض النساء قد يحصل لها شيء من ذلك فقد تحيض وهي حامل ولا تشعر بالحمل، وقد سبق في باب الحيض أن من النساء الحوامل من تحيض على القول الصحيح من أقوال أهل العلم فقد تكون عدتها ثلاث حيضات على أنها من ذوات الحيض ثم تشك في الحمل وذلك لوجود أعراضه من انتفاخ البطن وحصول الوحم وغير ذلك، فهذه كما قال المؤلف لا يجوز لها =290

الجزء: 7 - الصفحة: 27

وَإِنِ ارْتَابَتْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا إِلاَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَكَحَتْ وَهِيَ حَامِلٌ (1)، وَمَتَى نَكَحَتِ الْمُعْتَدَّةُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (2)،  = أن تنكح زوجاً آخر بعد انقضاء عدتها حتى تزول ريبتها, فإذا نكحت لم يصح نكاحها, وهذا كان ممكناً فيما سبق، لكن يمكن أن يكتشف الأمر في الوقت الحاضر عن طريق الأشعة والوسائل الحديثة بالتحاليل وغيرها التي يمكن من خلالها معرفة أن المرأة حامل، فهذه إذا تبين بها عدم الحمل أو وجوده فإنه يعمل بها.

(1)

قوله «وَإِنِ ارْتَابَتْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا إِلاَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَكَحَتْ وَهِيَ حَامِلٌ»:

أي إن شكت بعد النكاح من الثاني لم يبطل نكاحها منه لأنها تزوجت بعد التيقن من خروجها من العدة, إلا إذا علمت أنها نكحت وهي حامل فإن النكاح يبطل كما سبق كأن تلد قبل مضى أقل من مدة الحمل - وهي ستة أشهر - منذ أن تزوجها الثاني ودخل بها, لأنها بوضعها هذا الولد الذي لم يولد لستة أشهر وهي أقل مدة للحمل فإنه يكون من الزوج الأول، وكونها نكحت الثاني فقد نكحت وهي في العدة, ونكاح المعتدة, كما سيأتي باطل.
(2)

قوله «وَمَتَى نَكَحَتِ الْمُعْتَدَّةُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»:

صورة هذه المسألة أن المرأة تطلق، فلما شرعت في العدة جاء شخص أخر فخطبها ونكحها, فهذا النكاح باطل لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 291، ويجب التفريق بينهما.

الجزء: 7 - الصفحة: 28

فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوْلِ (1)، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، بَنَتْ عَلى عِدَّةِ الأَوَّلِ، مِنْ حِيْنِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ، وَاسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ لِلثَّانِيْ (2)،  =وهل تحل لزوجها الثاني إذا فرق بينهما وانقضت عدتها, نقول على ثلاثة أقوال: الأول: أنها تحل له بعد انقضاء عدة الأول.
الثاني: أنها تحل له بعد انقضاء عدة الثاني.
الثالث: أنها لا تحل له أبداً.

(1)

قوله «فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوْلِ»:

لأنه لم يطأها، فلو فرض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة ولم يدخل بها، وقد حاضت حيضتين ولكنه لم يدخل بها، فإن الواجب عليها أن تتم الحيضة الثالثة لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع الفقهاء، فإن كانت بعد دخول الزوج الثاني بها فقد قال المؤلف.
(2)

قوله -رحمه الله- «وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، بَنَتْ عَلى عِدَّةِ الأَوَّلِ، مِنْ حِيْنِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ، وَاسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ لِلثَّانِيْ»:

ذكرنا فيما سبق أنه لا يجوز للأجنبي نكاح المعتدة أيًّا كانت عدتها من طلاق أو موت أو فسخ أو شبهة، وسواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً بينونة صغرى أو كبرى، فإن عقد النكاح على المعتدة في عدتها فالعقد باطل وفرق بينها وبين من عقد عليها لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ 292، والمراد تمام =

الجزء: 7 - الصفحة: 29

وَلَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ العِدَّتَيْنِ (1)،  = العدة، ومعنى الآية لا تعزموا على عقد النكاح في زمان العدة، أو لا تعقدوا عقدة النكاح حتى تنقضي ما كتب الله عليها من العدة.
وذكر المؤلف هنا إذا حصلت مخالفة لأمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- ماذا يجب على المرأة, فيجب أن يفرق بينهما ثم تتم ما بقي من عدة الأول.
مثال ذلك: امرأة مطلقة حاضت حيضتين، ثم جاءها رجل آخر فتزوجها، فبقي عليها للزوج الأول حيضة، فيفرق بينهما وتحيض هذه الحيضة المتبقية للأول، وتنتهي من عدتها، ثم تستأنف العدة للثاني ثلاث حيض.
وذهب الحنفية (1) إلى تداخل العدتين، فإذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل عدة الأول في عدة الثاني.
والصواب عندي: ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول الشافعية (2) أيضاً.

(1)

قوله -رحمه الله- «وَلَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ العِدَّتَيْنِ»:

أي يجوز للزوج الثاني أن يعقد عليها ويتزوجها من جديد، لأنه لا يوجد فيها ما يوجب التحريم عليه لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 295. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تحل للزوج الثاني أبداً، واستدلوا على ذلك بما رواه مالك في الموطأ «عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ طُلَيْحَةَ=293294

الجزء: 7 - الصفحة: 30

وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، انقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ (1)،  =الأَسَدِيَّةَ، كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا، فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَوَّلِ، ثُمَّ كَانَ الآخَرُ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الآخَرِ ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا» (1). قلت: والأظهر عندي أن الأمر يرجع إلى اجتهاد القاضي، فإن رأى أن يمنعه عنها منعاً مؤبداً عقوبة له وردعاً لغيره فلا حرج، وإن رأى أن الزوج الثاني أحدث لما فعل توبة وأناب إلى الله واستغفر لذنبه فرأى أن ينكحها فلا حرج، هذا هو الأولى عند العمل بهذه المسألة.

(1)

قوله «وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، انقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ»:

أصل هذه المسألة: امرأة تزوجت في عدتها وجامعها الزوج الثاني، فالواجب التفريق بينهما وتتم عدة الأول، وتستأنف العدة للثاني، فإن أتت بولد من أحدهما يقيناً أي تعلم يقيناً أنه لهذا الزوج أو لذاك، فإن العدة له، ثم تكمل العدة للثاني.
لكن كيف تعرف أنه لأحدهما؟296

الجزء: 7 - الصفحة: 31

وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهُمَا، أُرِيَ القَافَةَ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوْهُ مِنْهُمَا، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ (1)،  =نقول: إن أتت به لدون ستة أشهر وعاش الولد فإنه يكون يقيناً للزوج الأول، لأنه لا يمكن أن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقيناً ثم تستأنف العدة للثاني, وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول فهو للثاني بناء على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين ثم تكمل عدة الأول.
وقوله «وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ»: فإن كان الولد للأول انقضت عدتها به واستأنفت العدة للثاني، وإن كان الولد للثاني انقضت عدتها بوضعه وأتمت عدة الأول.

(1)

قوله «وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهُمَا، أُرِيَ القَافَةَ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوْهُ مِنْهُمَا، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ»:

القافة: جمع قائف، كالصاغة جمع صائغ، وهم قوم يعرفون الأنساب بالشبه، وبنو مدلج من العرب مشهورون بهذا، ولهذا لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على عائشة رضي الله عنها ذات يوم وهو مسرور تبرق أسارير وجهه فسألته «فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأُسَامَةَ وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ مِنْ بَعْضٍ» 297، والمعنى أنه إن أمكن أن يكون الولد من الزوجين جميعاً فيكون المرجع في ذلك إلى القافة.
=

الجزء: 7 - الصفحة: 32

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =

لكن هل يمكن أن يكون الولد للزوجين؟

نقول: اختلف في ذلك الفقهاء فجمهورهم يرى أنه يمكن أن ينعقد الولد من ماء رجلين، وذهب بعضهم إلى أنه لا يمكن أبداً, وهذا هو الصواب لأن الطب الحديث يؤيد ما ذهب إليه أصحاب هذا القول.
قلت: لكن ولله الحمد يمكن من خلال البصمات الوراثية الموجودة حالياً ومن خلال الحمض النووي أن يستدل بها على أن الولد لأحدهما، والحقيقة أن العمل بهذه الأحماض أولى من عمل القافة، لأن خبر القافة مبني على الظن، بينما الأحماض أو البصمات الوراثية في الحقيقة قرينة قريبة من القطع.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: في عدة المختلعة:

ذهب جمهور الفقهاء 298 إلى أن عدة المختلعة عدة المطلقة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 299، ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء لعدة المطلقة, وفي رواية للإمام أحمد 300 أن عدة المختلعة طلقة واحدة، وهو المروى عن عثمان وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهم، واحتجوا لذلك بحديث ثابت=

الجزء: 7 - الصفحة: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ابن قيس (1) حينما اختلعت منه امرأته فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عدتها حيضة وقضى عثمان -رضي الله عنه- به، وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام (2)، وابن القيم (3)، وممن سميناه آنفاً غيرهم.

الفائدة الثانية: عدة الملاعنة

: عدة الملاعنة كعدة المطلقة, لأنها مفارقة في حال الحياة, فأشبهت المطلقة عند الجمهور, وذهب ابن عباس رضي الله عنهما أن عدتها تسعة أشهر (4).

الفائدة الثالثة: عدة الزانية

: اختلف الفقهاء في عدة الزانية على ثلاثة أقوال: الأول: أنها لا عدة عليها, حاملاً كانت أو غير حامل, واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» 305 , ولأن العدة إنما شرعت لحفظ النسب, والزنا لا يتعلق به ثبوت النسب, ولا يوجب العدة، وهذا مذهب الحنفية 306، والشافعية 307.301302303304

الجزء: 7 - الصفحة: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  القول الثاني: وهو المعتمد لدى المالكية 308، والحنابلة 309 في المذهب أن المزني بها تعتد بعدة المطلقة, لأنه وطء يقتضي شغل الرحم, فوجبت العدة منه, ولأنها حرَّة فوجب استبراؤها بعدة كاملة قياساً على الموطوءة بشبهة, ولأن المزني بها إذا تزوجت قبل الاعتداد اشتبه ولد الزوج بالولد من الزنا فلا يحصل حفظ النسب.
أما الحامل من زنا أو غصب فيحرم على زوجها وطؤها قبل الوضع اتفاقاً.
القول الثالث: ذهب المالكية 310 في قول، والحنابلة 311 في رواية أخرى إلى أن الزانية تستبرأ بحيضة واحدة، وهو الصحيح, وهو اختيار شيخ الإسلام 312، وشيخنا -رحمه الله- 313، وذلك لأن هذه ليست زوجة يجب عليها عدة.

الجزء: 7 - الصفحة: 35

بابُ الإِحْدَادِ

(1) وَهُوَ وَاجِبٌ (2)، عَلى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (3)،  (1)

قوله «بابُ الإِحْدَادِ»:

الإحداد في اللغة: المنع لأنه يمنع المرأة المحدة من كثير مما كان مباحاً لها قبله.
وفي الاصطلاح: هو أن تجتنب المرأة المتوفي عنها زوجها كل ما يدعو إلى نكاحها ورغبة الآخرين فيها من طيب ولبس وخروج من منزل لغير حاجة.
(2)

قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ»:

هذا بإجماع أهل العلم فهو واجب في عدة الوفاة من نكاح صحيح ولو من غير دخول بالزوجة, دليل وجوبه قوله -صلى الله عليه وسلم- «لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (1).

فائدة: أجمع أهل العلم على أنه لا إحداد على الرجل

, وأجمعوا أيضاً على أنه لا إحداد على المطلقة رجعياً, بل يطلب منها أن تتعرض لمطلقها وتتزين له لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
(3)

قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ عَلى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا»:

هذا بإجماع أهل العلم كما سبق واختلفوا في وجوبه على المطلقة بينونة صغرى أو كبرى هل عليها: إحداد أم لا.
=314

الجزء: 7 - الصفحة: 36

وَهُوَ: اجْتِنَابُ الطِّيْبِ وَالزِّيْنَةِ، وَالْكُحْلِ بِالإِثْمِدِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوْغَةِ لِلتَّحْسِيْنِ (1)،  =فذهب الحنفية (1)، وفي القديم عن الإمام الشافعي (2)، وهو إحدى الروايتين (3) في مذهب الإمام أحمد أن عليها الإحداد, لفوات نعمة النكاح, فهي تشبه من وجه من توفى عنها زوجها.
الثاني: ما ذهب إليه المالكية (4)، والشافعية (5) في الجديد، وهو إحدى الروايتين (6) في مذهب أحمد، وهي المذهب إلى أنه لا إحداد عليها, لأن الزوج هو الذي فارقها نابذاً لها, فلا تستحق أن تحد عليه, وهذا هو الراجح.

(1)

قوله «وَهُوَ: اجْتِنَابُ الطِّيْبِ وَالزِّيْنَةِ، وَالْكُحْلِ بِالإِثْمِدِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوْغَةِ لِلتَّحْسِيْنِ»:

هذه هي

الأمور التي يجب على المرأة أن تجتنبها حال إحدادها

. فالأول: اجتناب الزينة: وهي ما تتزين به المرأة من ثياب وغيره، فلا تلبس ملابس مما تتزين بها عادة سواء كانت ثياباً شاملة لجميع الجسم أو مختصة ببعضه كالسراويل وغيره، والمراد أيضاً بالزينة ما كان زينة في نفسها,=315316317318319320

الجزء: 7 - الصفحة: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =فلا تتخضب ولا تضع على وجهها شيئاً من الأصباغ, والمساحيق, ويدخل في ذلك أيضاً لبس الحلي كالخواتيم، والقلائد، والأساور، ونحو ذلك.
الثاني: الطيب بجميع أنواعه سواء كان دهناً أو بخوراً فإنها مأمورة باجتنابه, أما الصابون الذي به رائحة المسك فلا يدخل في ذلك لأنه لا يتخذ للطيب, وإنما هو لنكهته ورائحته.
الثالث: اجتناب الكحل بالإثمد, فيجب على المرأة المحدة أن تجتنب الاكتحال بالإثمد، وهو كحل أسود, لأنه تحصل به الزينة.
الرابع: لبس الثياب المصبوغة للتحسين, أي فيحرم عليها لبس هذا النوع من الثياب وهي الثياب التي جرت عادة النساء بلبسها للزينة والمناسبات من أي لون كان, أما المصبوغ الذي لا يراد به التجميل فلا بأس به, لأنه ليس بزينة.
وما يذكره الفقهاء هنا من أنواع الثياب هو ما كان موجوداً في عصرهم أو قبل عصرهم.
أما في زماننا فقد لا توجد هذه الأنواع, لكن القاعدة كما سبق «أن كل ثوب زينة فالمرأة ممنوعة منه»، وما عداه من ثياب نظيفة ليست للزينة، فلا تمنع منها المرأة وإن كانت ملونة.
دليل ما ذكره المؤلف هنا حديث أم عطية رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلاَّ=

الجزء: 7 - الصفحة: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا لا تَكْتَحِلُ وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ» (1) وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلا الْمُمَشَّقَةَ، وَلا الْحُلِىَّ، وَلا تَخْتَضِبُ، وَلا تَكْتَحِلُ» (2)، وسيأتي في كلام المؤلف هذه الأدلة قريباً إن شاء الله.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: هل الساعة مما تمنع المرأة من لبسه؟

نقول: نعم لا تلبس كذلك الساعة, لأن الساعة عادة تتزين بها النساء فلا تلبسها المرأة المحدة, ولكن تجعلها في جيبها إن احتاجت إليها، أو تلبس ساعة لا تتخذ للزينة وإنما للحاجة.

  • الفائدة الثانية: ذهب بعض أهل العلم إلى أن المحدة لا تنتقب قياساً على المحرمة: وهذا القياس غير صحيح, لأنه ليس هناك علة جامعة بينهما, ولذلك يحرم على المحرمة ما لا يحرم على المحادّة, والعكس, فالمرأة المحرمة لها أن تتحلى, ولها أن تكتحل, ولها أن تلبس الثياب الجميلة إذا لم يكن أمام الرجال, وما أشبه ذلك, والمحادّة ليس لها ذلك كما أن=321322

الجزء: 7 - الصفحة: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =المحادّة يجوز لها أن تقص أظفارها, وأن تتنظف, وأن تقص الشعر المأمور بإزالته، وما أشبه ذلك، والمحرمة لا تفعل ذلك.

- الفائدة الثالثة: البرقع لا يجوز للمرأة المحادة أن تلبسه: لأنه يزخرف ويحسن ويوشي بالتلوين، فهو من باب الجمال.

- الفائدة الرابعة: هل للمرأة أن تلبس الثياب الجميلة ثم تلبس فوقها ثياباً غير جميلة؟

الجواب: الأحوط أن لا تلبس الثياب الجميلة مطلقاً, صحيح أن هذه الأنواع من الألبسة ما حُرِّمت لذاتها, بل لأنها زينة تدعو إلى جماعها, والمرأة إذا لبست شيئاً جميلاً تحت ثيابها وخرجت للناس بثياب غير جميلة لا تلفت النظر, لكن نقول ينبغي اجتنابها, حتى ولو كانت تحت الثياب غير الجميلة لأنها ربما ينكشف الثوب الأعلى ويتبين الأسفل, وربما يأتي أحد يقتدي بها ولا يدري فهذا أولى.

الفائدة الخامسة: ما الحكمة من الإحداد؟

قال أهل العلم: إن الحكمة من إحداد المرأة المتوفي عنها زوجها وفاءً للزوج, ومراعاة لحقه العظيم عليها, فإن الرابطة الزوجية هي أفضل رباط, فلا يصح شرعاً ولا أدباً أن تنسى ذلك الجميل, وتتجاهل حق الزوجية التي كانت بينهما, وليس لها أن يموت زوجها من ها هنا وتنغمس في الزينة وترتدي الثياب الزاهرة العطرية, وتتحول عن منزل الزوجية, كأن عشرة لم تكن بينهما, وقد كانت المرأة قبل الإسلام تحد عاماً كاملاً على زوجها تفجعاً وحزناً على وفاته, فنسخ الإسلام ذلك وجعله أربعة أشهر وعشرا,=

الجزء: 7 - الصفحة: 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =ثم في إحدادها أيضاً إظهار للتأسف على ممات زوج وفى بعهدها, وعلى انقطاع نعمة النكاح, وهي ليست نعمة دنيوية فحسب, ولكنها أيضاً أخروية, لأن النكاح من أسباب النجاة في الدنيا والآخرة.
وقالوا أيضاً: من الحكم في تشريع الإحداد أن المرأة إذا تزينت فإن ذلك يؤدي إلى التشوق, وهو يؤدي إلى العقد عليها, وبالتالي يؤدي إلى الوطء، ثم يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وهو حرام، وما أدى إلى حرام فهو حرام.

  • الفائدة السادسة: هناك بعض الأشياء التي اعتاد النساء على فعلها أو على اجتنابها في الإحداد، وهي مما لا أصل له في الشرع مثل: لبس السواد, وعدم الصعود إلى سطح المنزل, وعدم الخروج إلى ساحة المنزل, وعدم رؤية القمر, وعدم البروز له، واعتقاد أنه لا يجوز لها أن تتكلم مع الرجال مطلقاً, والاعتزال عن الناس بحيث لا يراها أحد, وعدم التكليم في سماعة الهاتف, فهذا كله غير صحيح, بل هو من البدع المحرمة إذا فعل بنية التعبد.

الجزء: 7 - الصفحة: 41

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «لا تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلاَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوْغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصَبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيْبًا، إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» (1)،  (1)

قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ الله -صلى الله عليه وسلم- «لا تَحِدُّ امْرَأَةٌ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلاَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوْغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصَبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيْبًا، إِلاَّ إِذَا اغْتَسَلَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ»:

هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تخريجه في الحاشية, وهو عمدة في باب الإحداد، فقد بين فيه -صلى الله عليه وسلم- بعض الأحكام المتعلقة بالإحداد، فمن ذلك: 1 - تحريم الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة إلا على زوج المرأة.
2 - إباحة الثلاث على غير الزوج تخفيفاً للمصيبة, وترويحاً للنفس بإبدائها شيئاً من التأسف على الحبيب المفارق.
3 - وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفي.
4 - الحديث يفيد عموم الزوجات سواء كانت مسلمة أو كتابية، كبيرة كانت أو صغيرة.
5 - قوله «تؤمن بالله واليوم الأخر» سيق للزجر والتهديد.
6 - الحكمة التي جاءت في تحديد المدة بأربعة أشهر وعشرا أنها المدة التي يتكامل فيها تخليق الجنين, وتنفخ فيه الروح إذا كانت حاملاً.
7 - أن الإحداد إنما يكون هو اجتنابها كل ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر من الزينة والطيب.

الجزء: 7 - الصفحة: 42

وَعَلَيْهَا الْمَبِيْتُ فِيْ مَنْزِلِهَا الَّذِيْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا العِدَّةُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيْهِ (1)، إِذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ (2)،  8 - قوله «إِلاَّ ثَوْبَ عَصَبٍ» هي ثياب من اليمن كان فيها بياض وسواد.
9 - قوله «نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» النبذة هي الشيء اليسير.
والقسط هو نوع من الطيب تبخر به النفساء, والأظفار قيل في تعريفه هو عطر أسود, القطعة منه تشبه الظفر، فهذا الحديث فيه بيان ما يجب على المرأة المحادة أن تجتنبه حال إحدادها، وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.

(1)

قوله «وَعَلَيْهَا الْمَبِيْتُ فِيْ مَنْزِلِهَا الَّذِيْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا العِدَّةُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيْهِ»:

هذا هو الأمر الخامس الذي يجب على المرأة المحادّة أن تجتنبه وهو الخروج من المنزل، أي يجب عليها أن تعتد وتبيت في هذا المنزل الذي مات زوجها فيه وهي ساكنة فيه, سواء كان الزوج ساكناً أو لم يكن، وهذا مذهب جمهور أهل العلم لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفريعة بنت مالك بن سنان - وهى أخت أبي سعيد الخدري «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (1). (2)

قوله «إِذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ»:

أي إن أمكن أن تعتد فيه أعتدت ولم يجز لها أن تتحول إلى غيره, إلا لعذر كأن تخشى على نفسها أو مالها إذا بقيت فيه من عدوٍ ونحوه, فلها أن تتحول عنه إلى حيث شاءت, وكذا لو حولت=323

الجزء: 7 - الصفحة: 43

فَإِنْ خَرَجَتْ لِسَفَرٍ أَوْ حَجٍّ؛ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيْبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِيْ بَيْتِهَا (1)، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِيْ سَفَرِهَا (2)،  =عنه قهراً, كأن يمنعها صاحب المنزل لكونه مؤجراً أو معاراً, أو طلب زيادة أجرة, أو لكونها لا تجد ما تكتري به إلا من مالها, فلا يلزمها دفع الأجرة, لأن الواجب عليها فعل السكن لا تحصيل المسكن, فإذا تعذرت السكنى سقطت.

(1)

قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ لِسَفَرٍ أَوْ حَجٍّ؛ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيْبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِيْ بَيْتِهَا»:

أي إذا خرجت المرأة لسفر أو لحج ثم توفي زوجها وهي في الطريق، فإن كانت المسافة التي وصل إليها خبر وفاته قريبة فإنها ترجع لتعتد في بيتها, وحدد الفقهاء بأن المسافة القريبة هي التي دون مسافة القصر, وقيل المرجع في ذلك إلى العرف.
(2)

قوله «وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِيْ سَفَرِهَا»:

أي إن تباعدت مسافة السفر للحج وغيره فإنها تمضي في سفرها لأن ذلك يضر بها وعليها مشقة, ولابد لها من سفر وإن رجعت.
وظاهر كلام المؤلف أنها إن أحرمت بالحج وكانت المسافة قريبة كأن تكون من أهل مكة ويصلها خبر وفاة زوجها ف

هل ترجع بعد أن أحرمت بالحج لكون المسافة قريبة؟

نقول في ذلك تفصيل: فإن كانت يمكنها الجمع بين العدة وأداء الحج لكون الوقت متسعاً لا تخاف فواته ولا فوات الرفقة لزمها الاعتداد بمنزلها لأنه أمكن الجمع بين=

الجزء: 7 - الصفحة: 44

وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلاثاً مِثْلُهَا، إِلاَّ فِيْ الاِعْتِدَادِ فِيْ بَيْتِهَا (1)،  =الحقين, فلم يجز إسقاط أحدهما, وإن خشيت فوات الحج لزمها المضي فيه, لأنهما عبادتان استويا في الوجوب وضيق الوقت, فوجب تقديم الأسبق منهما, ولأن المشقة بتفويت الحج تعظم, فوجب تقديمه.

(1)

قوله «وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلاثاً مِثْلُهَا، إِلاَّ فِيْ الاِعْتِدَادِ فِيْ بَيْتِهَا»:

ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا الراجح أنه لا يجب على غير المتوفى عنها زوجها إحداد لأن الشرع إنما خصَّ المتوفي عنها زوجها ولوجود الفرق بينهما كما تقدم.

ذكر بعض الفوائد

:

  • الفائدة الأولى: يبدأ الإحداد من حين خروج روح الزوج، فلو لم تعلم بوفاته إلا بعد خمسة أشهر من وفاته فلا إحداد عليها.
  • الفائدة الثانية: لا يجوز للمرأة المحادة أن تخرج من بيت زوجها الذي مات فيه إلا لضرورة وحاجة لابد لها منها، كأن تكون معلمة أو طالبة أو موظفة ولم يؤذن لها، فلها أن تذهب لعملها وترجع إلى بيت زوجها مباشرة بعد أداء ما عليها، ولها الخروج للمستشفى، وإنهاء الأوراق في المحاكم، وغير ذلك من الأمور الضرورية.

الجزء: 7 - الصفحة: 45

بابُ نَفَقَةِ المُعْتَدَّاتِ

(1) وَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ (2)، أَحَدُهَا: الرَّجْعِيَّةُ، وَهِيَ: مَن يُمْكِنُ زَوْجُهَا إِمْسَاكَهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى (3)،  (1)

قوله -رحمه الله- «بابُ نَفَقَةِ المُعْتَدَّاتِ»:

النفقة في اللغة: اسم من الإنفاق، وهو الإخراج؛ سميت بذلك لأنها تنفق.
وشرعاً: ما يلزم المرء صرفه لمن عليه مؤنته من زوجته وأولاده ودابته ونحو ذلك.

  • فائدة: الأسباب الموجبة للنفقة ثلاثة: 1 - النكاح: وهو عقد الزوجية الصحيح، وهذه نفقة الزوجات.
    2 - النسب: وهو الاتصال بين شخصين بولادة قريبة أو بعيدة، وهذه نفقة الأقارب.
    3 - الملك: وذلك كالرقيق والدابة، وهذه نفقات المماليك.
    وسيأتي باب خاص بالنوعين الآخرين يسمى «باب النفقة على الأقارب والمماليك».

(2)

قوله «وَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ»:

أي المعتدات ممن يجب عليهن النفقة على ثلاثة أقسام.
(3) قوله «أَحَدُهَا: الرَّجْعِيَّةُ، وَهِيَ: مَن يُمْكِنُ زَوْجُهَا إِمْسَاكَهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى»: بدأ المؤلف هنا بالقسم الأول وهي المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً، فهذه باتفاق الفقهاء أنه يجب لها النفقة من طعام وكسوة ومسكن أيام عدتها لقوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ =

الجزء: 7 - الصفحة: 46

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} 324، فقد نهى سبحانه وتعالى الأزواج عن إخراج زوجاتهم أثناء عدتهن من بيوتهن واعتبر ذلك تعدياً لحدود الله، وإذا كانت المرأة محبوسة لحق الزوج في ذلك السكن، فعليه سائر أنواع النفقة لأن من حبس لحق إنسان وجب على المحبوس له النفقة كاملة ولقيام حبس النكاح حيث يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه 325. والمرأة الرجعية هي التي طلقها زوجها في نكاح صحيح، على غير عوض، وقد سبق تعريفها في باب الرجعة.
فالمرأة الرجعية في حكم الزوجة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ 326، أي أزواجهن، فسماه الله تعالى بعلاً مع أنه مطلق، إذاً فهي زوجة.
فإن طلق الرجل امرأته مرة واحدة تبقى في بيته تتشرف له، وتتزين له، وتتطيب له، وتكشف الوجه، والذراع، والعضد، والصدر، والبطن، وكل ما يباح له منها.
ولذا يجب عليه النفقة كما سبق.
وقوله «فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى»: قد سبق بيان ذلك في باب النفقة.

الجزء: 7 - الصفحة: 47

وَلَوْ أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الكَافِرِ أَوِ ارْتَدَّ زَوْجُ المُسْلِمَةِ بَعْدَ الدُّخُوْلِ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ (1)، وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الكَافِرَةِ أَوِ ارْتَدَّتْ امْرَأَةُ المُسْلِمِ فَلا نَفَقَةَ لَهُمَا (2)،  (1)

قوله «وَلَوْ أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الكَافِرِ أَوِ ارْتَدَّ زَوْجُ المُسْلِمَةِ بَعْدَ الدُّخُوْلِ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ»:

أي ولو أسلمت كافرة تحت كافر بعد الدخول، فإنه يجب فسخ النكاح كما سبق في أول كتاب النكاح وذلك لاختلاف دينهما, ومع حصول الفسخ تجب العدة لبراءة الرحم, ويجب لها نفقة العدة لأنها محبوسة بسببه، ولأنه يتمكن من بقاء نكاحها واستمتاعه منها بإسلامه، فكانت لها النفقة كالرجعية.
وكذا لو ارتد زوج المسلمة بعد الدخول فيوقف الأمر على انقضاء العدة، على أرجح الروايتين، ولها نفقة واجبة عليه كالرجعية أيضاً، ولأن انفساخ النكاح كان بسبب كفر الزوج فلزمته نفقة العدة المترتبة عليه.

(2)

قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الكَافِرَةِ أَوِ ارْتَدَّتْ امْرَأَةُ المُسْلِمِ فَلا نَفَقَةَ لَهُمَا»:

أي متى أسلم زوج الكافرة، أو ارتدت امرأة المسلم فلا نفقة للمرأة في العدة، لأنه لا سبيل إلى تلافي نكاحها فلم يكن لها نفقة ولأنه مأمور بفسخ النكاح.

الجزء: 7 - الصفحة: 48

الثَّانِيْ: البَائِنُ فِيْ الحَيَاةِ بِطَلاقٍ أَوْ بِفَسْخٍ، فَلا سُكْنَى لَهَا بِحَالٍ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً، وَإِلاَّ فَلا (1)،  (1)

قوله «الثَّانِيْ: البَائِنُ فِيْ الحَيَاةِ بِطَلاقٍ أَوْ بِفَسْخٍ، فَلا سُكْنَى لَهَا بِحَالٍ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً، وَإِلاَّ فَلا»:

فرق الفقهاء بين المبتوتة الحامل وغير الحامل في وجوب النفقة لها بأنواعها أثناء العدة، فاتفقوا أن لها النفقة والسكنى متى كانت حاملاً.
واستدل الفقهاء على ذلك بقوله تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 327، ولأن هذه المرأة حامل بولده وهو يجب أن ينفق عليه، ولا يمكن الإنفاق على الحمل إلا إذا أنفق على أمه، فيجب على الزوج أن ينفق على تلك الأم، كما يجب عليه أجرة الإرضاع، هذا بالنسبة للحامل.
وقول المؤلف «وَإِلاَّ فَلا»: أي فإن لم تكن حاملاً فلا نفقة لها ولا سكنى لحديث «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلاثًا فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- نَفَقَةً وَلا سُكْنَى» 328. وذهب أبو حنيفة 329، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 330 أن لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: =

الجزء: 7 - الصفحة: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 331. قالوا: فهذا خطاب عام يشمل جميع النساء، فهو يدل على العموم فتدخل فيه الحامل وغير الحامل إذا طلقهن أزواجهن، إلى أن قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 332. واستدلوا أيضاً بما ثبت عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق قال: كُنْتُ مَعَ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الأَعْظَمِ وَمَعَنَا الشَّعْبِىُّ فَحَدَّثَ الشَّعْبِىُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلا نَفَقَةً ثُمَّ أَخَذَ الأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ.
فَقَالَ وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذَا قَالَ عُمَرُ لا نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا -صلى الله عليه وسلم- لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لا نَدْرِى لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 333 334. وذهب المالكية 335، والشافعية 336، وهو رواية عند الحنابلة 337 أن لها السكنى دون النفقة لقوله تعالى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ=

الجزء: 7 - الصفحة: 50

الثَّالِثُ: الَّتِيْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا عَنْهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا وَلا سُكْنَى (1)،  =وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (1). قالوا: فقد أوجب سبحانه السكنى لكل مطلقة، ومنها البائن غير الحامل، وأما النفقة فقد خص بها الحامل دون الحائل فدل ذلك على وجوب السكنى للبائن غير الحامل دون النفقة.
قلت: والأظهر عندي هو المذهب (2)، فلا سكنى لها ولا نفقة لقوله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس: «لا نَفَقَةً وَلا سُكْنَى» (3)، وهذا نص صريح في هذه المسألة.

(1)

قوله «الثَّالِثُ: الَّتِيْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا عَنْهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا وَلا سُكْنَى»:

نقول اتفق الفقهاء على أن المرأة المتوفى عنها زوجها إن كانت حائلاً فلا نفقة لها في العدة، ولكن اختلفوا في وجوب ذلك إن كانت حاملاً: فذهب الحنفية 341، والمالكية 342، والشافعية 343، وبعض الحنابلة 344، وهو المذهب إلى أنه لا نفقة لها لأن المال قد صار للورثة، ونفقة الحامل وسكناها إنما هو للحمل أو من أجله، ولا يلزم ذلك الورثة، لأنه إن=338339340

الجزء: 7 - الصفحة: 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  =كان للميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه، وإن لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميت الإنفاق على حمل امرأته كما لا يلزمه بعد الولادة، ولأن النفقة في مقابل الاستمتاع فتسقط بالموت، وليس للحمل دخل في وجوبها، فلا تستحق بسببه النفقة، وفي رواية أخرى في مذهب الإمام أحمد أن لها النفقة لأنها حامل فوجبت لها النفقة كالمفارقة له في حياته.
أما السكنى فقد اختلف الفقهاء في وجوبها للمتوفي عنها زوجها: فذهب المالكية إلى وجوب السكنى مدة العدة وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (1). الرواية الثانية للإمام أحمد (2)، وهي المذهب عند الحنفية (3) أنه لا سكنى لها مطلقاً.
والصحيح: أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وأما حملها فهو يرث كغيره، فإن لم يكن له تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب.

ذكر بعض الفوائد

:

- الفائدة الأُولى: هل ينفق الزاني على المزني بها إذا حملت من الزنا؟

الجواب: لا ينفق عليها، لأن الحمل لا ينتسب إلى الزاني.
=345346347

الجزء: 7 - الصفحة: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -

الفائدة الثانية: إذا أنفق على من تجب عليه النفقة عليها ثم تبين أنها ليست بحامل

فما الحكم؟ الجواب: يرجع عليها بالنفقة.

الفائدة الثالثة: تسقط نفقة الزوجة بأسباب

هي: 1 - إذا حبست عنه ولم يتمكن من الاستمتاع بها.
2 - إذا نشزت عنه فلم يتمكن من الاستمتاع بها.
3 - إذا أسقطت نفقتها بنفسها.
4 - إذا سافرت لحاجتها من غير إذنه.

الجزء: 7 - الصفحة: 53

بابُ اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ

(1) وَهُوَ وَاجِبٌ فِيْ ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ (2): أَحَدُهَا: مَنْ مَلَكَ أَمَةً، لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا (3)،  (1)

قوله -رحمه الله- «بابُ اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ»:

الاستبراء لغة: طلب البراءة، لأن الهمزة والسين والتاء للطلب، كالاستعلام والاستجمار.
وشرعاً: تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك اليمين، هكذا عرفه العلماء شرعاً.
والصواب أن يقال: تربص يقصد منه العلم ببراءة الرحم، وليس ببراءة رحم ملك اليمين فقط، لأن الاستبراء قد يكون في غير المملوكة، فمن وطئت بشبهة أو زنا فإنها تستبرأ بحيضة، وليس عليها عدة.

(2)

قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ فِيْ ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ»:

أي يجب طلب براءة الرحم، والعلم ببراءته في مواضع ثلاثة.
(3)

قوله «أَحَدُهَا: مَنْ مَلَكَ أَمَةً، لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا»:

هذا هو الموضع الأول الذي يجب فيه العلم ببراءة الرحم، وهو عند ملك أمة ببيع، أو هبة، أو سبي، أو غير ذلك.
ومثلها يوطأ كالتي لها تسع فهذه «لَمْ يُصِبْهَا» أي لم يحل له أن يطأها حتى يعلم ببراءة رحمها، لأنها قد تكون حاملاً من مالكها الأول فتكون أم ولد، فيحصل الاستمتاع بأم ولد غيره، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَسْقِي مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ» 348.

الجزء: 7 - الصفحة: 54

الثَّانِيْ: أُمُّ الوَلَدِ وَالأَمَةُ الَّتِيْ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، لا يَجُوْزُ لَهُ تَزْوِيْجُهُمَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهُمَا (1). الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا أَوْ عَتَقَا بِمَوْتِهِ، لَمْ يَنْكِحَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَا أَنْفُسَهُمَا (2)،  =وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في سبي أوطاس: «لا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (1).

و

هل يجوز الاستمتاع بها دون الوطء كالمباشرة والتقبيل واللمس؟

الجواب: على روايتين في المذهب (2)، الصحيح أن التحريم إنما يكون في الوطء فقط، وهذا هو قول المؤلف هنا، وهو اختيار ابن القيم -رحمه الله- (3).

(1)

قوله «الثَّانِيْ: أُمُّ الوَلَدِ وَالأَمَةُ الَّتِيْ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، لا يَجُوْزُ لَهُ تَزْوِيْجُهُمَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهُمَا»:

هذا هو الموضع الثاني الذي يجب فيه الاستبراء وهو أم الولد، فإن أعتق أم ولده - وهي التي ولدت من سيدها في ملكه - أو أمة كان يصيبها لزمه أن يستبرأهما، فإن لم يكن قد فعل ذلك لزمهما استبراء نفسيهما.
(2)

قوله «الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا أَوْ عَتَقَا بِمَوْتِهِ، لَمْ يَنْكِحَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَا أَنْفُسَهُمَا»:

هذا هو الموضع الثالث من مواضع الاستبراء، أي إذا أعتق السيد الأمة وأم الولد في حياته وكان يطؤها قبل عتقه لهما، فلا=349350351

الجزء: 7 - الصفحة: 55

وَالاِسْتِبْرَاءُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ بِوَضْعِ الحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً (1)، أَوْ حَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ تَحِيْضُ (2)، أَوْ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنَ اللاَّئِيْ لَمْ يَحِضْنَ (3)،  =تتزوج كل منهما حتى تستبرأ.
وكذلك إذا كان عتقه لهما بموته فأم الولد تعتق بموت سيدها، والأمة تعتق بموت سيدها إذا دبرها في حياته, فإذا كان سيدها يطؤها قبل موته فإن الواجب عليهما أن يستبرئا نفسيهما.

(1)

قوله «وَالاِسْتِبْرَاءُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ بِوَضْعِ الحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً»:

أي يكون الاستبراء بوضع الحمل، وهذا صحيح، ولو وضعت بعد الشراء بساعة, فإن بقى في بطنها ثلاث سنين ينتظر حتى تضع.
(2)

قوله «أَوْ حَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ تَحِيْضُ»:

أي يكون استبرائها كذلك بحيضة إذا كانت من ذوات الحيض, وكونها حيضة واحدة لأن هذه ليست عدة وإنما الغرض العلم ببراءة الرحم, فإذا حاضت مرة واحدة حلت, فإذا كانت لا تحيض كالآيسة أو الصغيرة فقد قال المؤلف.
(3)

قوله «أَوْ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنَ اللاَّئِيْ لَمْ يَحِضْنَ»:

أي الآيسة والصغيرة تستبرأ بمضي شهر لقيامه مقام الحيضة، وهذا هو المذهب، وفي رواية عنه ثلاثة أشهر، قال في الفروع 352 وهو الأظهر, فإن كان قد ارتفع حيضها ولم تدر سبب رفعه، قال المؤلف.

الجزء: 7 - الصفحة: 56

أَوْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ إِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَه (1)،  (1)

قوله «أَوْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ إِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَه»:

أي فإن كانت قد ارتفع حيضها ولم تدر سببه فإنها تنتظر عشرة أشهر, تسعة أشهر للحمل وشهراً للاستبراء.

الجزء: 7 - الصفحة: 57

فصول الكتاب · 25 فصل
فصول وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة
المقدمةالمقدمةكِتَابُ الصَّلاةِكتاب الجنائزكِتَابُ الزَّكَاةِكِتَابُ الصِّيَامِكتاب الحجكِتَابُ الْبَيْعِكِتَابُ الْوَقْفِكِتَابُ الْوَصَايَاكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب النِّكاحِكِتابُ الصَّدَاقِكتاب الطلاق
الفائدة الثانية: حكم الطلاقالفائدة الثالثة: الحكمة في مشروعية الطلاققوله «لا يَصِحُّ الطَّلاقُ إِلاَّ مِنْ زَوْجٍ»:قوله «مُكَلَّفٍ»:هل يقع الطلاق من الصبي المميز؟قوله «مُخْتَارٍ»:قوله «وَلا يَصِحُّ طَلاقُ الْمُكْرَهِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: في الشروط المعتبرة في الإكراهالفائدة الثانية: في حكم طلاق الغضبانقوله «وَلا زَائِلِ العَقْلِ، إِلاَّ السَّكْرَانَ»:قوله «وَيَمْلِكُ الحُرُّ ثَلاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ»:قوله «سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً»:هل المعتبر في عدد الطلاق بحسب الأزواج دون النظر إلى كونهم أحراراً أو أرقاء؟قوله «فَمَنِ اسْتَوْفى عَدَدَ طَلاقِهِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»:قوله «نِكَاحًا صَحِيْحًا، وَيَطَأَهَا»:الشروط التي تحصل بها الرجعة إلى مطلقها الأولفائدة: في حكم الزواج بشرط التحليلفائدة: في هدم عدد طلقات الزواج الأول بالزواج الثانيقوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاِمْرَأَةِ رِفَاعَة «لَعَلَّكِ تُرِيْدِيْنَ أَنْ تَرْجِعِيْ إِلى رِفَاعَةَ. لا، حَتَّى تَذُوْقِيْ عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوْقَ عُسَيْلَتَكِ»قوله «وَلا يَحِلُّ جَمْعُ الثَّلاثِ»:قوله «وَلا طَلاقَ الْمَدْخُوْلِ بِهَا فِيْ حَيْضِهَا أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه»:قوله «وَالسُّنَّةُ فِيْ الطَّلاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا»:قوله «فَمَتَى قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَهِيَ فِيْ طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْه أَوْ حَيْضٍ»:قوله «لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنَ الحَيْضَةِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِيْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيْهِ، طَلُقَتْ»:قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيْبَهَا أَوْ تَحِيْضَ»:قوله «فَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُوْلِ بِهَا»:قوله «وَالحَامِلُ الَّتِيْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا»:قوله «وَالآيِسَةُ وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ»:ذكر بعض الفوائدقوله «وَالَّتِيْ لَمْ تَحِضْ، فَلا سُنَّةَ لَهَا وَلا بِدْعَةَ»:بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِقوله «بابُ صَرِيْحِ الطَّلاقِ وَكِنَايَتِهِ»:الفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية- فائدة: قال الفقهاء: يمكن تقسيم ألفاظ الكناية في الطلاق إلى قسمين:قوله «صَرِيْحُهُ: لَفْظُ الطَّلاقِ»:قوله «أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ طَلَّقْتُكَ»:قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ»:قوله «وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَحْتَمْلُ الطَّلاقَ»:هل يعد التلفظ بها طلاقاً دون اعتبار النية؟قوله «فَكِنَايَةٌ لا يَقَعُ بِهِ الطَّلاقُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ»:هل جميع الكنايات تفتقر إلى نية لحصول الطلاق بها؟قوله «فَلَوْ قِيْلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لا، يَنْوِيْ الكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: إذا كتب صريح طلاق امرأتهالفائدة الثانية: إذا طلبت منه زوجته أن يطلقها، فكتب لها ما لم يكن ظاهره الطلاقالفائدة الرابعة: إذا جاء إلى كاتب وقال له أكتب لي طلاق زوجتي فلانة, فهل تطلق بهذا القول أم لا حتى يكتب؟قوله «وَإِنْ قَالَ: طَلَّقْتُهَا، طَلُقَتْ وَإِنْ نَوَى الكَذِبَ»:فائدة: في طلاق الهازلقوله «وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ بَتْلَةٌ»:قوله «يَنْوِيْ طَلاقَهَا طَلُقَتْ ثَلاثاً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ دُوْنَهَا»:قوله «وَمَا عَدَا هَذِهِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةً إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلاثاً»:قوله «وَإِنْ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»:قوله «وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ أَوِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ»:قوله «قَالَتْ عَائِشَةٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: قَدْ خَيَّرَنا رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، أَفَكَانَ طَلاقاً»قوله «وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إِلاَّ فِي الْمَجْلِسِ»:قوله «إِلاَّ أَنْ يَجْعَلُهُ لَهَا فِيْمَا بَعْدَهُ»:قوله «وَإِنْ قالَ لَهَا: أَمْرُكَ بِيَدِكِ، أَوْ طَلِّقِيْ نَفْسَكِ، فَهُوَ فِيْ يَدِهَا»:قوله «حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ»:ذكر بعض الفوائد الهامة على ما سبقالفائدة الأولى: فيمن طلق بقلبه ولم ينطق ذلك بلسانهالفائدة الرابعة: لا يقع الطلاق من الزوج أو من وكيله إلا بتلفظ بهبابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْطِقوله «بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْط»:فائدة: تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسامقوله «يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ»:هل يقع الطلاق أو العتق إذا تحقق ما علق عليه, سواء كان جارياً مجرى اليمين أم لا؟قوله «بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: إذا علق طلاق امرأته على شرط, فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا؟الفائدة الثانية: إن علق الطلاق على سبب تبين عدمهقوله «فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ»:قوله «أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ»:قوله «لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ»:وهل هذه الأدوات على سبيل الحصر؟قوله «وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا»:قوله «وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا»:قوله «عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا»:قوله «فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ»:قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ»:الخلاصة في الأدوات التي ذكرها المؤلفقوله «فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ»:قوله «وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ»:قوله «فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا»:قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ»:قوله «فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ»:قوله «وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ»:قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا»:بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُقوله «بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ»:قوله «الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ»:قوله «وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ»:قوله «وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ»:قوله «إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً»:قوله «أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ»:قوله «وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ»:قوله «وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ»:قوله «وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا»:قوله -رحمه الله- «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ»:قوله «وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»:بابُ الرَّجْعَةِقوله -رحمه الله- «بابُ الرَّجْعَةِ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: دليل مشروعية الرجعةالفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الرجعةالفائدة الثالثة: في شروط الرجعةقوله «وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ»:قوله «وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا»:قوله «مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ»:قوله «وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه»:قوله «وَلا رِضَاهَا»:قوله «وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً»:قوله «وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ»:قوله «يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ»:قوله «وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ»:قوله «وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا»:قوله «وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا»:قوله «وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ»:قوله «وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا»:قوله «وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»:قوله «فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ»:ذكر بعض الفوائدالفائدة الأولى: في حكم الرجعة في الطلاق البدعيبابُ العِدَّةِقوله «بابُ العِدَّةِ»:حكم العدةذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: الحكمة في مشروعية العدة:الفائدة الثانية: شروط العدةقوله «وَالْمُعْتَدَّاتُ يَنْقَسِمْنَ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ»:قوله «إِحْدَاهُنَّ: أَوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»:قوله «وَلَوْ كَانَتْ حَامِلاً بِتَوْأَمَيْنِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَضَعَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا»:قوله «وَالحَمْلُ الَّذِيْ تَنْقَضِيَ بِهِ العِدَّةُ وَتَصِيْرُ بِهِ الأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، مَا يَتَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ»:فائدة: المدة التي يتبين فيها خلق الإنسانقوله «الثَّانِيْ: اللاَّتِيْ تُوُفِّيَ أَزْوَاجُهُنَّ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»:قوله «وَالإِمَاءُ عَلى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ»:قوله «وَمَا قَبْلَ الْمَسِيْسِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ»:قوله «الثَّالِثُ: الْمُطَلَّقَاتُ مِنْ ذَوَاتِ القُرُوْءِ، يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوْءٍ»:قوله «وَقُرْءُ الأَمَةِ حَيْضَتَانِ»:قوله «الرَّابِعُ: اللاَّئِيْ يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيْضِ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ»:المرأة التي انقطع دم الحيض يمكن أن نقسمها إلى قسمين:قوله «وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ»:فائدة: في سن الإياسقوله «وَلِلأَمَةِ شَهْرَانِ»:قوله «وَيُشْرَعُ التَّرَبُّصُ مَعَ العِدَّةِ فِيْ مَوَاضِعَ ثَلاثَةٍ»:قوله «أَحَدُهَا: إِذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَهُ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الآيِسَاتِ»:قوله «وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الحَيْضَ، فَإِنَّهَا لَمْ تَزَلْ فِيْ عِدَّةٍ حَتَّى يَعُوْدَ الحَيْضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ»:المفقود لا يخلو من حالينقوله «الثَّالِثُ: إِذَا ارْتَابَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا؛ لِظُهُوْرِ أَمَارَاتِ الحَمْلِ، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُوْلَ الرِّيْبَةُ، فَإِنْ نَكَحَتْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ»:قوله «وَإِنِ ارْتَابَتْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا إِلاَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا نَكَحَتْ وَهِيَ حَامِلٌ»:قوله «وَمَتَى نَكَحَتِ الْمُعْتَدَّةُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا»:قوله «فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُوْلِ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوْلِ»:قوله -رحمه الله- «وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُوْلِ، بَنَتْ عَلى عِدَّةِ الأَوَّلِ، مِنْ حِيْنِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ، وَاسْتَأْنَفَتِ العِدَّةَ لِلثَّانِيْ»:قوله -رحمه الله- «وَلَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ العِدَّتَيْنِ»:قوله «وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، انقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلآخَرِ»:قوله «وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُوْنَ مِنْهُمَا، أُرِيَ القَافَةَ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوْهُ مِنْهُمَا، وَانْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهُ مِنْهُ، وَاعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ»:لكن هل يمكن أن يكون الولد للزوجين؟ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: في عدة المختلعة:الفائدة الثانية: عدة الملاعنةالفائدة الثالثة: عدة الزانيةبابُ الإِحْدَادِقوله «بابُ الإِحْدَادِ»:قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ»:فائدة: أجمع أهل العلم على أنه لا إحداد على الرجلقوله «وَهُوَ وَاجِبٌ عَلى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا»:قوله «وَهُوَ: اجْتِنَابُ الطِّيْبِ وَالزِّيْنَةِ، وَالْكُحْلِ بِالإِثْمِدِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوْغَةِ لِلتَّحْسِيْنِ»:الأمور التي يجب على المرأة أن تجتنبها حال إحدادهاذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: هل الساعة مما تمنع المرأة من لبسه؟- الفائدة الثالثة: البرقع لا يجوز للمرأة المحادة أن تلبسه: لأنه يزخرف ويحسن ويوشي بالتلوين، فهو من باب الجمال.- الفائدة الرابعة: هل للمرأة أن تلبس الثياب الجميلة ثم تلبس فوقها ثياباً غير جميلة؟الفائدة الخامسة: ما الحكمة من الإحداد؟قوله «وَعَلَيْهَا الْمَبِيْتُ فِيْ مَنْزِلِهَا الَّذِيْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا العِدَّةُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيْهِ»:قوله «إِذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ»:قوله «فَإِنْ خَرَجَتْ لِسَفَرٍ أَوْ حَجٍّ؛ فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا وَهِيَ قَرِيْبَةٌ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِيْ بَيْتِهَا»:قوله «وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَضَتْ فِيْ سَفَرِهَا»:هل ترجع بعد أن أحرمت بالحج لكون المسافة قريبة؟قوله «وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلاثاً مِثْلُهَا، إِلاَّ فِيْ الاِعْتِدَادِ فِيْ بَيْتِهَا»:ذكر بعض الفوائدبابُ نَفَقَةِ المُعْتَدَّاتِقوله -رحمه الله- «بابُ نَفَقَةِ المُعْتَدَّاتِ»:قوله «وَهِيَ ثَلاثَةُ أَقْسَامٍ»:قوله «وَلَوْ أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ الكَافِرِ أَوِ ارْتَدَّ زَوْجُ المُسْلِمَةِ بَعْدَ الدُّخُوْلِ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ»:قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الكَافِرَةِ أَوِ ارْتَدَّتْ امْرَأَةُ المُسْلِمِ فَلا نَفَقَةَ لَهُمَا»:قوله «الثَّانِيْ: البَائِنُ فِيْ الحَيَاةِ بِطَلاقٍ أَوْ بِفَسْخٍ، فَلا سُكْنَى لَهَا بِحَالٍ، وَلَهَا النَّفَقَةُ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً، وَإِلاَّ فَلا»:قوله «الثَّالِثُ: الَّتِيْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا عَنْهَا، فَلا نَفَقَةَ لَهَا وَلا سُكْنَى»:ذكر بعض الفوائد- الفائدة الأُولى: هل ينفق الزاني على المزني بها إذا حملت من الزنا؟الفائدة الثانية: إذا أنفق على من تجب عليه النفقة عليها ثم تبين أنها ليست بحاملالفائدة الثالثة: تسقط نفقة الزوجة بأسباببابُ اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِقوله -رحمه الله- «بابُ اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ»:قوله «وَهُوَ وَاجِبٌ فِيْ ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ»:قوله «أَحَدُهَا: مَنْ مَلَكَ أَمَةً، لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا»:هل يجوز الاستمتاع بها دون الوطء كالمباشرة والتقبيل واللمس؟قوله «الثَّانِيْ: أُمُّ الوَلَدِ وَالأَمَةُ الَّتِيْ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا، لا يَجُوْزُ لَهُ تَزْوِيْجُهُمَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهُمَا»:قوله «الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا أَوْ عَتَقَا بِمَوْتِهِ، لَمْ يَنْكِحَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَا أَنْفُسَهُمَا»:قوله «وَالاِسْتِبْرَاءُ فِيْ جَمِيْعِ ذلِكَ بِوَضْعِ الحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً»:قوله «أَوْ حَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ تَحِيْضُ»:قوله «أَوْ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ مِنَ اللاَّئِيْ لَمْ يَحِضْنَ»:قوله «أَوْ عَشْرَةِ أَشْهُرٍ إِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لا تَدْرِيْ مَا رَفَعَه»:
كِتابُ الظِّهارِكِتابُ الأَطْعِمَةِكتاب الصيدكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب الجناياتكِتابُ الدِّياتِكِتابُ الحُدُوْدِكِتابُ الجِهَادِكِتابُ القَضَاءِكِتابُ الشَّهَادَاتِ
جارٍ التحميل