كِتَابُ الصَّلاةِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «كِتَابُ الصَّلاةِ»
الصلاة في اللغة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ 1 أي ادع لهم.
أما في الاصطلاح: فهي «عبادة ذات أقوال وأفعال مخصصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم»، وقولنا: عبادة ذات أقوال وأفعال؛ لأن الصلاة تشتمل على أقوال وأفعال منها الأركان والواجبات والسنن، ومفتتحة بالتكبير أي تكبيرة الإحرام وهي ركن، ومختتمة بالتسليم أي قول السلام عليكم، وما بين التكبير والتسليم حركات وأقوال، منها الركن، ومنها الواجب، ومنها المسنون.
والصلاة: هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي مشروعة في جميع الملل السابقة، والأصل في مشروعيتها الكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ 3 والآيات التي جاءت في الأمر بها كثيرة، ذكر أهل العلم أنها أكثر من ثمانين موضوعًا في كتاب الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 177
رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - يَقُوْلُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ (1) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (2)، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ (3)،
=أما نصوص السنة: فهي أيضًا كثيرة، منها: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- قال - صلى الله عليه وسلم -: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... ذَكَرَ مِنْهَا الصَّلاةُ» (1)، وحديث معاذ ابن جبل - رضي الله عنه - وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - له: «إِنَّكَ سَتَأْتِيْ قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوْا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوْا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .. » (2). والأحاديث التي جاءت في فرضيتها كثيرة.
أما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على فرضيتها.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ»
أي فرضهن وأوجبهن على العباد، وفي هذا الحديث دليل على أن الوتر ليس بواجب، وهو قول الجمهور، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(2)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»
فصلاة الفجر ركعتان، وصلاة الظهر والعصر أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، فهذه هي الصلوات المفروضة في الليل والنهار.
(3)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ»
هذا أجر من حافظ على الصلوات الخمس، فله عهد عند الله أن يدخله الجنة، =45
الجزء: 1 - الصفحة: 178
وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (1). فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (2)، = والمحافظة عليها تكون بأن تؤدى في وقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع مالها من واجبات وسنن، وبالمحافظة عليها تسهل سائر العبادات بل تعينه على ترك المنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (1).
(4)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ»
هذا جزاء من لم يحافظ على الصلوات الخمس ولا يؤديها على الوجه المطلوب شرعًا فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على أن ترك الصلاة ليس بكفر كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
(5)
قوله «فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»
قد بينّا ذكر أدلة الصلاة سابقًا، أما قوله «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» المسلم هو الذي جاء بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وحج البيت، هذا هو المسلم الكامل.
لكن المراد به في قول المؤلف من أتى بالشهادتين، أما الكافر فلا تجب عليه أي لا تلزمه حال كفره بل ولا يلزمه القضاء بعد دخول الإسلام، وإن أداها وهو كافر لم تصح ولم تقبل منه.
لكن هل يحاسب عليها في الآخرة؟ نعم، يحاسب على تركها لقوله تعالى: =6
الجزء: 1 - الصفحة: 179
عَاقِلٍ (1)، = ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (1).
(1)
قوله «عَاقِلٍ»
العقل مناط التكليف
، فغير العاقل لا تلزمه الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (2). ف
المجنون لا تصح منه الصلاة لعدم القصد
، ومن لا قصد له لا نية له، ومن لا نية له لا عمل له؛ لقوله «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (3)، لكن نذكر هنا
تنبيهات
:
أولاً: إذا جاء الصبي الذي لا تلزمه الصلاة إلى المسجد هل يمنع؟
لا نمنعه بل يمنع عبثه ولعبه وأذيته للناس، ولذا يجب على وليه أن يجعله بجواره ليحفظه ويحافظ عليه، ولا يجعله يمر بين يدي المصلين ولا يشوش عليهم بكلام ونحوه ثانيًا: إذا دخل الصبي في الصف فإنه لا يقطع الصف كما يظن البعض بل يكتمل الصف به.
ثالثًا: إذا سبق الصبي بمكان في المسجد
فهو أحق به ولا يجوز لأحد أن يقيمه ويجلس في مكانه أو يأخذ مكانه في الصف إلا والده أو شيخه أو أستاذه لأنه بمنزلة والده، لكن غيره لا يجوز.
رابعًا: المجنون إذا قدم المسجد
لا يجوز إخراجه منه إلا إذا كان فيه نوع أذية789
الجزء: 1 - الصفحة: 180
بَالِغٍ (1)،
= للمسلمين أو للمسجد ويكون ذلك بإشغال المصلين في صلاتهم أو بتلويث المسجد، ولا يجوز إخراجه من الصف إلا لما ذكرناه.
خامسًا: من زال عقله بإغماء ففاته صلاة يوم أو يومين إلى ثلاثة أيام لزمه القضاء، فإن طال عن ثلاثة أيام سقط عنه القضاء، وهذا هو ما رجحه سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-، ويرى شيخنا ابن عثيمين (2) أنه لا يلزمه القضاء، وسيأتي بيان ذلك في باب صلاة أهل الأعذار إن شاء الله.
سادسًا: من زال عقله بمحرم كسكر أو استعمل دواء يزيل العقل بلا حاجة فيجب عليه قضاء الصلاة التي فاتته؛ لأنه غير معذور.»
(1)
قوله «بَالِغٍ»
البلوغ شرط في وجوب الصلاة ويحصل البلوغ بأمور ذكرناها سابقًا، فالذكر يحصل بلوغه بإنزال المني، وإنبات شعر العانة، وبلوغه خمس عشرة سنة.
أما الأنثى فيحصل بلوغها بإحدى هذه الثلاث، ويضاف إليها أمر رابع وهو الحيض، فمتى نزل عليها دم الحيض فقد بلغت، ولا يشترط في البلوغ حصول هذه الأربعة بل واحد منها يكفي في حصول البلوغ.
فالبلوغ -كما ذكرنا- شرط لوجوب الصلاة، لكن مع شرطيته في الوجوب فالمستحب أمر الصغير بها إذا بلغ سبع سنوات، ويجب على وليه إجباره عليها إذا بلغ عشرًا لكي يعتادها، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مُرُوْا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِيْنَ وَاضْرِبُوْهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِيْنَ» 12.1011
الجزء: 1 - الصفحة: 181
إِلاَّ الْحَائِضَ، وَالنُّفَسَاءَ (1). (1)
قوله «إِلاَّ الْحَائِضَ، وَالنُّفَسَاءَ»
أي لا تجب عليهما الصلاة، ولا تصح منهما بل يحرم عليهما فعلها، ولا يلزمهما قضاؤها كما ذكرنا ذلك سابقًا، أما المستحاضة فتجب عليها الصلاة ويجب عليها قضاء ما تركته كما سبق بيان ذلك، لكن هنا
تنبيهات
لا بد من بيانها:
أولاً: إذا أدركت الحائض أول وقت الصلاة وهي طاهرة ثم طرأ عليها الحيض، فهل تقضي هذه الصلاة إذا طهرت؟ مثال ذلك امرأة دخل عليها وقت صلاة الظهر وهي طاهرة فانشغلت عن الصلاة وبعد ساعة من دخول وقتها أتاها الحيض، فهل تقضي هذه الصلاة أعني الظهر إذا طهرت من الحيض؟
الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالمذهب عند الحنابلة 13 إنها إذا طهرت يجب عليها أن تقضيها؛ لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على مكلف ما لم يقم به مانع من الوجوب.
والذي يظهر أنها إذا أخّرت الصلاة إلى آخر وقتها ثم نزل بها الحيض، فإنها تقضيها بعد الطهر؛ لكونها قد فرطت بتأخيرها.
أما إذا لم تكن قد فرطت وجاءها الدم بعد دخول الوقت بنصف ساعة مثلاً فلا يجب عليها القضاء.
والراجح استحباب قضائها كما ذكرناه سابقًا في النفساء.
ثانيًا: إذا طهرت المرأة في وقت العصر، هل يلزمها قضاء الظهر مع العصر؛ لكونهما مما يجمعان، وكذلك إذا طهرت وقت العشاء؟
الجزء: 1 - الصفحة: 182
فَمَنْ جَحَدَ وُجُوْبَهَا لِجَهْلِهِ، عُرِّفَ ذلِكَ (2)، وَإِنْ جَحَدَهَا عِنَادًا، كَفَرَ (3).
الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة، والذي اختاره سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله- أنها تقضيها لأن وقتهما واحد في حق المعذور، وهذا هو الراجح وهو أبرأ للذمة.
ثالثًا: إذا طهرت المرأة قبل خروج الوقت بقليل، هل تلزمها هذه الصلاة؟
الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسألة، والصواب أنها إذا طهرت قبل خروج الوقت بوقت يمكنها من خلالها أن تغتسل وتدرك ركعة من الصلاة فيلزمها ذلك.
(1)
قوله «فَمَنْ جَحَدَ وُجُوْبَهَا لِجَهْلِهِ، عُرِّفَ ذلِكَ»
أي لم يكفر ابتداءً كمن نشأ في بادية بعيدة عن العلم أو أسلم وهو في بلاد الكفر أو غير ذلك ممن يهمل وجوبها فإننا نعرفه ذلك أي بأن الصلاة من أركان الإسلام وأنها واجبة، فإن جحد الوجوب بعد تعريفه فإنه يكفر.
(2)
قوله «وَإِنْ جَحَدَهَا عِنَادًا، كَفَرَ»
وهذا بإجماع أهل العلم؛ لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وكذا من أنكر وجوب الصيام ووجوب الزكاة ووجوب الحج، لكن إن تركها تكاسلاً وتهاونًا بها مع إقراره بوجوبها وفرضيتها، هل يكفر؟ نقول قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور إلى أنه لا يكفر إن أقر بوجوبها وفرضيتها، واحتجوا لقولهم بالأدلة التي وردت في الشهادتين كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ» 15، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ =14
الجزء: 1 - الصفحة: 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» 16. واحتجوا أيضًا بقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 17، ولهم أدلة أخرى احتجوا بها.
وذهب الإمام أحمد 18 إلى تكفير تارك الصلاة كسلاً إذا تركها دائمًا، وهذا هو القول الصحيح الراجح التي تقتضيه نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف رضوان الله عليهم، وهذا هو الذي رجحه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 19 -رحمه الله-، وكذا شيخنا محمد العثيمين 20 -رحمه الله-، وعليه الفتوى في بلادنا 21.
أما نصوص الكتاب التي تدل على ذلك فمنها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ 22 فاشترط سبحانه وتعالى لثبوت الأخوة إقامة الصلاة، وكذا قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ 23.
أما نصوص السنة فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاةُ فَمَنْ =
الجزء: 1 - الصفحة: 184
وَلا يَحِلُّ تَأْخِيْرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا إِلاَّ لِنَاوٍ جَمْعَهَا (1)، = تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» (2). أما سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم فقد انعقد الإجماع عندهم على ذلك، قال شقيق بن عبد الله -رحمه الله- وهو من التابعين: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ» (3)، ولذا قال إسحاق بن راهويه -رحمه الله-: «مازال الناس من عهد الصحابة يقولون أن تارك الصلاة كافر»، وهذا هو الصحيح الذي نرجحه، لكن لا بد أن ننبه على أمر وهو أن التكفير هنا يكون لمن تركها كلية أي لا يصلي أبدًا، أما من ترك فرضًا أو فرضين فإنه لا يكفر لكونه لا يصدق عليه ترك لصلاة.
(1)
قوله «وَلا يَحِلُّ تَأْخِيْرُهَا عَنْ وَقْتِ وُجُوْبِهَا إِلاَّ لِنَاوٍ جَمْعَهَا»
لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ 27 فلا يحل تأخير الصلاة عن وقتها، لكن يستثنى من ذلك ما ذكره المؤلف وهو من نوى الجمع فيؤخر صلاة الظهر إلى العصر وكذا المغرب إلى العشاء، لكن لابد من ذكر قيد هنا =242526
الجزء: 1 - الصفحة: 185
أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا (1)، فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، اسْتُتِيْبَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ (2). =وهو ممن يحل له الجمع كالمسافر والخائف والمريض وغيرهم ممن يحل له الجمع، أما من لم ينو الجمع أو كان ممن لا يحل له الجمع فلا يجوز له تأخيرها عن وقتها إطلاقًا، بل يصلي حسب حاله ما دام عقله معه ويستطيع أداءها في وقتها.
(1)
قوله «أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا»
هذا هو القيد الثاني لمن يحق له الجمع، فقوله «أَوْ مُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا» ومن شروطها الطهارة وسترة العورة وغير ذلك مما سيأتي، لكن هل يصح ما ذكره المؤلف؟ الجواب: لا، بل الصواب خلاف كلام المؤلف، فلا يؤخرها للاشتغال بشرطها، بل يصلي حسب حاله قبل خروج الوقت، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (1) وشيخنا محمد العثيمين (2) -رحمه الله-، بل حكى شيخ الإسلام الإجماع على أنه لا يؤخر الصلاة حتى يخرج الوقت وأن الوقت مقدم على شروطها، ولأن أي شرط من شروطها أو أي ركن من أركانها يسقط مع عدم القدرة عليه.
(1)
قوله «فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا، اسْتُتِيْبَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ»
تقدم بيان هذه المسألة، وقلنا بأن القول الصحيح التي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة أن من ترك الصلاة تهاونًا بها وتكاسلاً أنه يكفر بذلك، لكن هل يكفر بتركها كلية أم بترك فرض من فرائضها وإن صلى أحيانًا وترك أحيانًا هل يحكم بكفره؟ ذكرنا سابقًا أن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فسماحة شيخنا ابن باز -رحمه الله- يرى أنه يكفر بترك فرض واحد فقط من غير عذر، وهذا أشد آراء شيخنا فيما =2829
الجزء: 1 - الصفحة: 186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فيما أعلم، وهي رواية في مذهب الإمام أحمد 30.
ويرى شيخنا محمد العثيمين -رحمه الله- أنه لا يكفر إلا إذا لم يصل أي فرض من الفرائض، فإن كان يصلي بعض الفرائض ويترك بعضها فلا يكفر، وهذا هو الراجح.
وقول المؤلف «اسْتُتِيْبَ ثَلاثًا» أي يقال له: تب إلى الله وصلِّ وإلا قتلناك، يكرر هذا عليه ثلاث مرات، لكن في قوله «ثَلاثًا» هل المراد ثلاثة أوقات أم ثلاثة أيام؟ الصواب: أنه ثلاثة أوقات، لكن من الذي يقتله؟ لا شك أنه ولي الأمر أو نائبه.
وهل قتله هنا ردة أم حدًّا؟ الجمهور على أن قتله حدًّا؛ لأنهم لا يرون كفر تارك الصلاة، والذي يظهر أن قتله هنا يكون ردة؛ لأنه لا يعقل أن أحدًا يرى السيف على رأسه ثم يؤمر بأداء الصلاة ولا يؤديها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 31، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد 32.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
بَابُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ
(1) وَهُمَا مَشْرُوْعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ»
الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (1).
وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص.
أما الإقامة في اللغة: من أقام الشيء أي جعله مستقيمًا، وفي الشرع التعبد لله تعالى بالقيام للصلاة بذكر مخصوص.
والفرق بينهما ظاهر وهو أن الأذان إعلام بالصلاة بالتهيؤ لها، أما الإقامة فهي إعلام للصلاة بالدخول فيها والإحرام بها.
(2)
قوله «وَهُمَا مَشْرُوْعَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا»
أي الأذان والإقامة يشرعان للصلوات الخمس في الحضر والسفر للجماعة والفرد، ولم يبين المؤلف حكم مشروعيتهما، وقد اختلف الفقهاء في حكمهما: والصحيح أنهما فرض كفاية على كل جماعة اثنين فصاعدًا.
وهل هما واجبان في السفر والحضر؟ قولان للفقهاء: فالمذهب 34 أنهما خاصان بالحضر دون السفر، وفي رواية في المذهب 35 أنهما عامان في السفر والحضر، وهذه الرواية هي التي اختارها ابن سعدي 36 -رحمه الله- أنهما عامان في الحضر والسفر، واحتج لذلك بحديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم - =33
الجزء: 1 - الصفحة: 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِيْنَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيْمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِيْنَا قَالَ ارْجِعُوْا فَكُوْنُوْا فِيْهِمْ وَعَلِّمُوْهُمْ وَصَلُّوْا فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» 37. والراجح أن الأذان واجب في الحضر متأكد في السفر، وأما الإقامة واجبة في الحضر والسفر، لكن إذا نسي الأذان والإقامة فإنهما يسقطان.
- تنبيه: إذا كان المصلي في مكان وحده كأن يكون في برية أو في موضع لم يؤذن فيه فالمشروع له الأذان استحبابًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال لعبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: «إِنِّيْ أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِيْ غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلا إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 38. وقوله «لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُوْنَ غَيْرِهَا» أي لا يشرع الأذان إلا للصلوات الخمس المفروضة وصلاة الجمعة وما عداها فلا يشرع لها كالعيدين والخسوف والاستسقاء والجنازة وغير ذلك، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه أنه أمر بالأذان لغير الصلوات الخمس والجمعة، لكن يشرع في صلاة الكسوف أن ينادى لها الصلاة جامعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 189
لِلرِّجَالِ دُوْنَ النِّسَاءِ (1)
=وهل يشرع للصلوات الفائتة؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فالمالكية (1) يرون كراهية الأذان للصلوات الفائتة، والجمهور على جواز الأذان للفوائت وهو الصواب.
لكن إن كان عليه أكثر من فائتة فهل يؤذن لكل صلاة؟ نقول: اختلف الفقهاء في ذلك، والصواب أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل صلاة، وهذا هو المذهب (2) وهو المعتمد عند الشافعية (3).
(1)
قوله «لِلرِّجَالِ دُوْنَ النِّسَاءِ»
أي إنما يجب الأذان على الرجال دون النساء، فلا يجب عليهن أذان ولا إقامة، لكن هل يسن لهن الأذان؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمذهب عند الحنابلة 42 أنه يكره لهن الأذان مطلقًا؛ لأنهن لسن من أهل الإعلام فلا يشرع لهن ذلك، وفي رواية أخرى في المذهب 43 أنهما يباحان، وفي رواية أخرى 44 أنهما يستحبان.
والصحيح من الأقوال أنه يباح لهن الأذان والإقامة لكن بشرط أن يخفضن أصواتهن بذلك بقدر أن يسمعن أنفسهن، أما إذا رفعن أصواتهن بحيث يسمعهن الرجال فيحرم؛ لأن المرأة يفتتن بسماع صوتها كما يفتتن بالنظر إلى محاسنها.394041
الجزء: 1 - الصفحة: 190
وَالأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ (1)، (1)
قوله «وَالأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ»
وهي: الله أكبر أربع، وشهادة أن لا إله إلا الله اثنتان، وشهادة أن محمدًا رسول الله اثنتان، وحي على الصلاة اثنتان، حي على الفلاح اثنتان، والله أكبر اثنتان، ولا إله إلا الله واحدة، وهذه خمس عشرة كلمة، وهذا هو المشهور في المذهب 45.
وذهب المالكية 46 إلى أن الأذان سبع عشرة جملة بالتكبير في أوله مرتين مع الترجيع، وذهب الشافعية 47 إلى أن الأذان تسع عشرة جملة وذلك بإضافة التكبير في أوله مع الترجيع، وكل هذه الأقوال جاءت بها نصوص السنة.
وقوله «لا تَرْجِيْعَ فِيْهِ» الترجيع هو أن يخفض المؤذن صوته بالشهادتين مع سماع الحاضرين ثم يعود فيرفع صوته بهما.
وقد اختلف الفقهاء في الترجيع: فالمذهب 48 أنه لا ترجيع في الأذان، والمنصوص عن الإمام أحمد 49 أن كلاهما سنة وتركه أحب إليه لعدم وروده في حديث عبدالله بن زيد - رضي الله عنه -، وكذا حديث بلال - رضي الله عنه -. وعند المالكية 50 والشافعية 51 أنه سنة.
والذي يظهر لي أنه مباح ولا يكره الإتيان به كما في حديث أبي محذورة.
الجزء: 1 - الصفحة: 191
وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً (1). وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ الْمُؤَذِّنُ أَمِيْنًا (2)، صَيِّتًا (3)، (1)
قوله «وَالإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً»
كما في حديث أبي عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - وفيه قوله «إِذَا أَقَمْتَ الصَّلاةَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» 52. فهذه إحدى عشرة جملة في الإقامة.
53 قوله «وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ الْمُؤَذِّنُ أَمِيْنًا» وهي سنة في ظاهر المذهب (2)، وقال بعض أهل العلم أنه واجب، وهو رأي شيخنا 54 -رحمه الله-.
وقوله «أَمِيْنًا» أي على الوقت وعلى عورات الناس حيث كان في الماضي يصعد على المنارة وقد يطلع على عورات الناس أثناء صعوده المنارة.
(3) قوله «صَيِّتًا» أي قويًّا، وذلك ليبلغ أذانه حيزًا أكبر وأوسع، ومن معاني كونه صيتًّا أيضًا أن يكون حسن الصوت وحسن الأداء، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن زيد «فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» 55 أي أعلى وأرفع وأحسن منك صوتًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 192
عَالِمًا بِالأَوْقَاتِ (1)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا (2)، وَمُتَطَهِّرًا (3)، (1)
قوله «عَالِمًا بِالأَوْقَاتِ»
هذا ليس بشرط بل الأفضل أن يكون عالماً بالوقت بنفسه، فهذا ابن أم مكتوم كان رجلاً أعمى وكان الصحابة يخبرونه بالوقت فيقولون له: «أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» (1) فلا يؤذن إلا إذا قيل له ذلك، لكن الأفضل كما ذكرنا أن يكون عالماً بالوقت؛ لأنه قد لا يكون هناك من يخبره بالوقت، ولأن غير العالم بالوقت قد يؤذن قبل الوقت وبالتالي يصلي الناس قبل الوقت وخصوصًا هنا النساء وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» (2) أي على الوقت.
(2)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا»
لأن هذا هو فعل مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أبلغ لصوت المؤذن، قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن من السنة أن يؤذن قائمًا» (3). (3)
قوله «وَمُتَطَهِّرًا»
أي يستحب أن يكون المؤذن متطهرًا حال أذانه، وعللوا لذلك لأنهما ذكر ويستحب للذكر الطهارة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّيْ كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ» (4). وقوله «مُتَطَهِّرًا» أي من الحدثين: الأصغر والأكبر، لكن
هل يجوز لمن حدثه أكبر ان يؤذن؟
نقول: نعم، يجوز مع الكراهة، لكن لا يكون في المسجد، =56575859
الجزء: 1 - الصفحة: 193
عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ (1)، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (2)، فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ، الْتَفَتَ يَمِيْنًا وَشِمَالاً (3) =أما داخل المسجد فلا يسوغ له أن يلبث في المسجد، فإن اضطر لدخوله فيتوضأ ويدخل.
(1)
قوله «عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ»
أي ينبغي أن يكون الأذان من مكان عال؛ لأنه أبعد للصوت، وهذا كان قبل وجود مكبرات الصوت، أما الآن فلا حاجة لهذا.
(2)
قوله «مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ»
أي يسن استقبال المؤذن القبلة حال أذانه؛ لأن الأذان عبادة والأولى أن يستقبل فيها القبلة، والقاعدة في ذلك أن كل عبادة الأولى أن يستقبل فيها القبلة ما لم يرو خلافه.
(3)
قوله «فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ، الْتَفَتَ يَمِيْنًا وَشِمَالاً»
الحيعلة هي أن يقول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح وهذا سنة، وصفة ذلك أنه إذا بلغ «حي على الصلاة» التفت برأسه دون قدمه يمينًا وإذا بلغ «حي على الفلاح» التفت برأسه دون قدمه شمالاً، ودليل ذلك ما جاء عن عون ابن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: «وَأَذَّنَ بِلالٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا يَقُوْلُ يَمِيْنًا وَشِمَالاً يَقُوْلُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ» 60. لكن مع وجود مكبرات الصوت الآن هل يبقى الحكم؟ اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة، فقال بعضهم: الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا والعلة بالالتفات هو انتشار الصوت وهي منتفية مع وجود المكبرات.
الجزء: 1 - الصفحة: 194
وَلا يُزِيْلُ قَدَمَيْهِ (1)، وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِيْ أُذُنَيْهِ (2)، وَيَتَرَسَّلَ فِي الأَذَانِ (3)، وَيَحْدُرُ الإِقَامَةَ (4). =وقال بعضهم: بل المؤذن يستحب له الالتفات حال أذانه عبر مكبرات الصوت حفاظًا على السنة، لكن يكون التفاته قليلاً لئلا يبتعد عن اللاقط وهذا هو الصواب.
(1)
قوله «وَلا يُزِيْلُ قَدَمَيْهِ»
أي لا يزيلها عند التفاته في الحيعلتين؛ لأنه لو أزال قدميه أصبح غير مستقبل القبلة.
(2)
قوله «وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِيْ أُذُنَيْهِ»
أي يستحب للمؤذن أن يجعل إصبعيه في أذنيه لحديث أبي جحيفة السابق وفيه «رَأَيْتُ بِلالاً يُؤَذِّنُ وَيَدُوْرُ وَيُتْبِعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا وَإِصْبَعَاهُ فِيْ أُذُنَيْهِ» (1)، والحكمة في جعل الأصبعين في الأذنين للمؤذن: أولاً: لأنه أقوى للصوت.
ثانيًا: ليراه من كان بعيدًا أو من لا يسمع فيعرف أنه يؤذن.
(3)
قوله «وَيَتَرَسَّلَ فِي الأَذَانِ»
الترسل هو عدم العجلة بل يؤذن أذانًا متآنيًا مترتلاً وهذا بخلاف بعض المؤذنين اليوم تراه إذا جاء متأخرًا عن الأذان لا تدري هل هو يؤذن أم يقيم؟ . (4)
قوله «وَيَحْدُرُ الإِقَامَةَ»
الحدر هو الإسراع، وليس الإسراع هنا أن يأتي بالإقامة خلال نفس واحد أي بإسراع مخل بالعبادة وإنما إسراع فيه وصل كلمات الإقامة بعضها ببعض بحيث أن تكون جمل الإقامة واضحة.61
الجزء: 1 - الصفحة: 195
وَيَقُوْلُ فِيْ أَذَانِ الصُّبْحِ: «الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ (1)، وَلا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِلاَّ لَهَا (2)؛ (1)
قوله «وَيَقُوْلُ فِيْ أَذَانِ الصُّبْحِ: «الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ»
هذا ما يسمى بالتثويب، وهذا أيضًا من السنة في أذان الصبح بعد قول المؤذن: حي على الفلاح كما جاء في حديث أنس - رضي الله عنه -، لكن في أي الأذانين يقول ذلك، هل هو في الأذان الأول أم الثاني؟ فيه خلاف بين أهل العلم: فالقول الأول أن التثويب يكون في الأذان الأول الذي يكون قبل طلوع الفجر، وهذا رأي الصنعاني (1) في سبل السلام، واختاره أيضًا الألباني (2). القول الثاني: أنه يكون في الأذان الثاني للفجر، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (3)، وهو اختيار شيخنا (4) -رحمه الله-، وبه أفتت اللجنة الدائمة (5) وهو الصحيح.
(1)
قوله «وَلا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِلاَّ لَهَا»
أي إلا لصلاة الفجر فإنه يؤذن الأذان الأول قبل دخول وقتها، لكن هل الأذان الأول الذي قبل وقت صلاة الفجر هو لصلاة الفجر؟ الصواب أنه ليس لصلاة الفجر ولكنه لإيقاظ النائمين من أجل أن يتأهبوا للصلاة، ولأجل أن يقوم من لم يكن أوتر في أول الليل فيوتر، ولإيقاظ =6263646566
الجزء: 1 - الصفحة: 196
لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ» (1). وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، أَنْ يَقُوْلَ كَمَا يَقُوْلُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُوْلُوْا مِثْلَ مَا يَقُوْلُ» (2). =النائمين الذين يريدون الصيام.
(1)
قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ»
هذا دليل مشروعية الأذان الأول لصلاة الفجر، لكن كما ذكرنا أنه لم يشرع لصلاة الفجر وإنما للمذكور آنفًا، لكن كم بين الأذانين؟ جاء في صحيح مسلم «وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» (1)، وهذا دليل على أن المدة بين الأذانين لم تكن طويلة بل كانت مدة وجيزة بمقدار ما يتسحر الصائم.
(2)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ، أَنْ يَقُوْلَ كَمَا يَقُوْلُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُوْلُوْا مِثْلَ مَا يَقُوْلُ»
هذا هو قول جمهور أهل العلم، وقال بعض أهل العلم بل يجب ذلك، وهو قول ابن حزم في المحلى 68.
والصواب أنه مستحب وليس بواجب، وهو قول الجمهور، واختيار شيخنا 69 -رحمه الله-، فيستحب أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أما حال التثويب أي قول المؤذن «الصلاة خير من النوم» فبعض الفقهاء قال: =67
الجزء: 1 - الصفحة: 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يقول «صدقت وبررت» 70، لكن الصواب أنه يقول مثل ما يقول المؤذن «الصلاة خير من النوم» لضعف حديث «صدقت وبررت»، لكن استثنى أهل العلم إجابة السامع في حالتين:
الأولى: حال قضاء الحاجة فإنه لا يشرع إجابة المؤذن.
الثانية: إذا كان في الصلاة؛ لكونه مشغولاً بإتيان أذكار فتسقط عنه المتابعة، وهذا خلاف ما ذهب إليه شيخ الإسلام 71 حيث يرى أنه المصلى ينابع الأذان لعموم الأمر بالمتابعة.
- تنبيه: هناك خمس سنن عند كل أذان ينبغي أن يحافظ عليها وهي:
(أ) يقول مثل ما يقول المؤذن.
(ب) الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الفراغ من الأذان.
(ج) أن يدعو بالدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيْلَةَ وَالْفَضِيْلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُوْدًا الَّذِيْ وَعَدْتَهُ» 72. (د) الدعاء بعد الأذان أي بين الأذان والإقامة؛ لأنه موضع إجابة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّعَاءُ لا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ» 73. (هـ) أن يقول بعد الشهادتين: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الجزء: 1 - الصفحة: 198
بَابُ شَرَائِطِ الصَّلاةِ
(1)
الشرح:
(1) قوله «بَابُ شَرَائِطِ الصَّلاةِ» الشرط في اللغة العلامة، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (1) أي علاماتها.
أما في اصطلاح الأصوليين فهو: «ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود»، فالوضوء مثلاً للصلاة يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة؛ لأنه شرط لصحتها، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة.
الفرق بين الشروط والأركان
: أن الشروط أمور تجب للصلاة قبل الشروع فيها، ولا بد من استمرارها، ولا تصح الصلاة حتى يأتي بها المصلي، فهي أمور خارجة عن ماهية الصلاة، أما الأركان فهي أجزاء من ماهية الصلاة مثل الركوع والسجود مثلاً، فهي تفعل أثناء الصلاة ويجب الإتيان بها، إن تركها عمدًا أو سهوًا مع القدرة بطلت الصلاة.
أما
الفرق بين الواجبات والأركان
: فالواجب إن تركه سهوًا لا يلزمه الإتيان به لكن يلزمه أن يجبره بسجود السهو، أما الركن - كما ذكرنا- فلا يسقط مع العمد ولا السهو بل لابد من الإتيان به إلا عند العجز عنه.
قوله «بَابُ شَرَائِطِ الصَّلاةِ»
أي الأمور التي يجب الإتيان بها قبل الدخول في الصلاة.74
الجزء: 1 - الصفحة: 199
وَهِيَ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ؛ لِقَوْلِ رَسُوِلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا (1). (1)
قوله «وَهِيَ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ؛ لِقَوْلِ رَسُوِلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا» هذا هو الشرط الأول من شروط الصلاة، فيشترط لها الطهارة أي طهارة البدن والثوب والمكان كما مرَّ بنا في كتاب الطهارة، وهذا الشرط مجمع عليه.
فطهارة البدن المراد بها الطهارة من الحدثين: الأكبر والأصغر كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 75، هذه هي الطهارة الصغرى.
أما الكبرى فقال فيها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 76، وكذلك الحديث النبوي الذي استدل به المؤلف «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» 77.
أما طهارة الثوب فدليلها قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 78، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه -، أن امرأة سألت عن الثوب يصيبه الدم من الحيضة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «حُتِّيْهِ ثُمَّ اقْرُصِيْهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ رُشِّيْهِ وَصَلِّيْ فِيْهِ» 79.
الجزء: 1 - الصفحة: 200
الثَّانِيْ: الْوَقْتُ (1)، وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيْرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ (2)، =أما طهارة المكان فهي في قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (1).
(1)
قوله «الثَّانِيْ: الْوَقْتُ»
هذا هو الشرط الثاني، دليله قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (2)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (3). كذا حديث إمامة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» (4). فلا يجوز تقديم أي فرض من الفرائض الخمس قبل وقتها، فمتى أداها قبل وقتها لم تصح، ولا يجوز له تأخيرها عن وقتها كما ذكرنا ذلك إلا لعذر.
(2)
قوله «وَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيْرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»
هذا هو أول وقت الظهر وآخره، فأوله من زوال الشمس ومعنى الزوال أن تميل الشمس إلى جهة الغروب بعد انتصاف النهار، ويعرف الزوال بأن تغرز خشبة مستوية في الأرض والشمس مازالت في الشرق، فمادام ظل الخشبة ينتقص فالشمس قبل الزوال، فإذا لم يكن للخشبة ظل أو تم نقص الظل =80818283
الجزء: 1 - الصفحة: 201
وَوَقْتُ الْعَصْرِ - وَهِيَ الْوُسْطَى - (1) مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ (2)
=بأن كان الظل أقل ما يكون فالشمس في وسط النهار، وهذا هو الوقت الذي تمنع فيه الصلاة، فإذا انتقل الظل من المغرب إلى المشرق وبدأ في الزيادة فقد دخل وقت الظهر، وهذا هو أول وقت صلاة الظهر.
أما آخر وقت صلاة الظهر فذهب جمهور الفقهاء إلى أن آخر وقته حين يصير ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، وذهب أبو حنيفة (1) إلى أن آخر وقت الظهر حين يبلغ ظل الشيء مثليه سوى فيء الزوال، والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
(1)
قوله «وَوَقْتُ الْعَصْرِ وَهِيَ الْوُسْطَى»
وهي أفضل الصلوات الخمس لتخصيص الله تعالى بذكرها في الأمر بالمحافظة عليها في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (2). (2)
قوله «مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ»
هذا هو وقت العصر، فيبدأ من آخر وقت الظهر وهو -كما سبق- حينما يصير ظل كل شيء مثله، فإذا أصبح كذلك فقد انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر، وعند أبي حنيفة 86 من حين الزيادة على المثلين.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هناك فاصلاً بين وقت الظهر ووقت العصر لكنه يسير، وحدده بعضهم بقدر أربع ركعات.
لكن الصواب أنه لا اشتراك بين وقت العصر والظهر ولا فاصل بينهما، وهو
المذهب 87 واختيار شيخنا 88 -رحمه الله-، فإذا خرج وقت الظهر دخل وقت العصر.8485
الجزء: 1 - الصفحة: 202
إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ (1)، ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ (2)، وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ (3). وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ: مِنَ الْغُرُوْبِ إِلَى أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ (4). (1)
قوله «إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ»
هذا هو الوقت الاختياري، دليله حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (1) أي مالم تكن صفراء، وفي رواية أخرى في المذهب (2) أن وقت الاختيار حتى يصير ظل كل شيء مثليه بعد فيء الزوال.
والراجح القول الأول، وهو ما رجحه شيخنا (3) -رحمه الله-.
(2) قوله «ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ» وهو - كما ذكرنا- من أن يصير ظل كل شيء مثليه إلى اصفرار الشمس هذا هو وقت الاختيار.
(3) قوله «وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى غُرُوْبِ الشَّمْسِ» وقت الضرورة يبدأ من اصفرار الشمس إلى غروبها، فهذا هو وقت أهل الأعذار الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغير الشمس، مثل الحائض تطهر، والمجنون والمغمى عليه يفيقان، والنائم ينتبه، والصبي يبلغ، والكافر يسلم بعد اصفرار الشمس، فهم يصلونها أداء في هذا الوقت ولا إثم عليهم.
أما تأخيرها بغير عذر إلى وقت الضرورة فهي وإن كانت أداءً لكن حصول الإثم في حق من أخرها باق حتى يستغفر الله.
(4)
قوله «وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ: مِنَ الْغُرُوْبِ إِلَى أَنْ يَغِيْبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ»
هذا هو أول وقت المغرب ونهايته، فأوله من الغروب أي غياب طرف الشمس، وآخر =899091
الجزء: 1 - الصفحة: 203
وَوَقْتُ الْعِشَاءِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ (1)،
=وقتها إلى غياب الشفق الأحمر.
فالشفق شفقان: أحمر وأبيض، فبغياب الأحمر يدخل وقت العشاء وينتهي وقت المغرب.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» (1).
والقول المشهور عند المالكية (2) أنه لا امتداد لوقت المغرب بل يقدر بعدد ثلاث ركعات بعد تحصيل شروطها من مكاره وحدث وخبث وشر وعور.
وعند الشافعية (3) في الجديد عندهم كما يقوله المالكية غير أن الامتداد يكون بقدر خمس ركعات، ثلاث ركعات للمغرب وركعتا سنة بعدها.
والصحيح هو القول الأول.
(1)
قوله «وَوَقْتُ الْعِشَاءِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ»
أي من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، وفي رواية أخرى في المذهب 95 إلى ثلث الليل، وفي رواية أخرى 96 يمتد إلى طلوع الفجر.
والراجح من هذه الروايات أن وقت العشاء إلى نصف الليل، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفيه: «وَوَقْتُ صَلاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ» 97، وأيضًا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه «وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ =929394
الجزء: 1 - الصفحة: 204
وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ الثَّانِيْ (1). = يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ» (1)، هذا هو وقت الاختيار، فلا يجوز لمن لا عذر له أن يؤخر العشاء إلى ما بعد نصف الليل، أما أهل الأعذار الذين تقدم ذكرهم في صلاة العصر فهؤلاء يصلونها إلى طلوع الفجر الثاني.
(1)
قوله «وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُوْرَةِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ الثَّانِيْ»
وقد سبق ذكر ذلك وقلنا إن للعشاء وقتين: وقت اختيار، وهو الوقت الذي لا يجوز تأخير العشاء عنه لغير أهل الأعذار، وهو من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل على الصحيح.
والوقت الثاني وقت الإضطرار، ويبدأ من منتصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني، فهذا يصلي فيه أهل الأعذار، كمريض شفي من مرضه، أو حائض أو نفساء طهرتا، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز 99 -رحمه الله-.
ويرى شيخنا 100 -رحمه الله- أنه ليس للعشاء إلا وقت واحد وهو إلى نصف الليل وليس لها وقت ضرورة، فلو طهرت الحائض بعد منتصف الليل فلا يلزمها العشاء ولا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت، لكن ما ذكرناه هو الراجح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية 101: «ولم ينقل عن صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على أن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر ... ». وقال أيضًا -رحمه الله- 102: =98
الجزء: 1 - الصفحة: 205
وَوَقْتُ الْفَجْرِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى طُلُوْعِ الشَّمْسِ (1). = «وينبني عليه أيضًا أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر ركعة لزمها العصر وإذا طهرت قبل الفجر بقدر ركعة لزمها العشاء».
(1)
قوله «وَوَقْتُ الْفَجْرِ: مِنْ ذلِكَ إِلَى طُلُوْعِ الشَّمْسِ»
أي ويبدأ وقت الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وهذا بإجماع أهل العلم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» (1) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (2). واختلف الفقهاء
هل الأفضل للفجر تعجيلها أم الإسفار بها؟
فالجمهور على أن الأفضل تعجيلها؛ لقول عائشة رضي الله عنها: «كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوْطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِيْنَ الصَّلاةَ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ» 105. وخالف الأحناف 106 فقالوا: بأن الإسفار أفضل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَسْفِرُوْا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ» 107. والذي يظهر أن الأولى للإمام أن يدخل في الصلاة بالتغليس وينصرف في =103104
الجزء: 1 - الصفحة: 206
وَمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ قَبْلَ خُرُوْجِ وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا (1)، =الإسفار، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-، لكن استثنى أهل العلم صلاة الفجر للحاج يوم مزدلفة، فإن الأفضل التبكير بها من حين طلوع الفجر.
(1)
قوله «وَمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلاةِ قَبْلَ خُرُوْجِ وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا»
هذا هو المشهور في المذهب 109، وعللوا لذلك بأن إدراك الجزء كإدراك الكل فالصلاة لا تتبعض، وفي رواية أخرى في المذهب 110 أن الصلاة لا تدرك إلا بإدراك الركعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» 111، وهذه الرواية هي اختيار شيخ الإسلام 112 وشيخنا 113 -رحمه الله-، وهذا هو الراجح أي أن الصلاة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة.
وينبني على القولين أمور منها:
أولاً: أن المرأة الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام فإن صلاة العصر تلزمها 114، وعلى القول الصحيح أنها تلزمها إذا كان هناك وقت يتسع لغسلها وتأدية ركعة كاملة من الصلاة.
ثانيًا: إن المرأة إذا حاضت قبل غروب الشمس ولو بقدر تكبيرة الإحرام فإنها
تلزمها الصلاة إذا طهرت؛ لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام في الوقت 115، =108
الجزء: 1 - الصفحة: 207
وَالصَّلاةُ فِيْ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ (1) إِلاَّ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَفِيْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الظُّهْرِ (2). =وعلى القول الصحيح أنها لا تلزمها.
(1)
قوله «وَالصَّلاةُ فِيْ أَوَّلِ الوَقْتِ أَفْضَلُ»
وذلك لعموم الأدلة التي جاءت في المبادرة بفعل الخير كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (1)، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (2)، وقوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (3)، ولأن في تأديتها في أول وقتها إبراء لذمة العبد؛ لأن الذمة مشغولة بها حتى تؤدى، لكن إن أخَّرها عن أول وقتها ثم عرض له أمر فمات هل يحاسب على تركه لها؟ نقول: المسألة محل خلاف بين أهل العلم، والذي يظهر أنه إن أخّرها عن وقتها حتى خرج الوقت بلا عذر ثم مات أنه يحاسب على ذلك، أما إن ترك أول الوقت وهو الفاضل ولم يخرج وقتها ثم مات فالصواب أنه لا يحاسب على تركه لأنه فعل ما يجوز له فعله، إلا إذا كان تأخيره للصلاة عن غير عذر ويترتب عليه ترك الجماعة فهنا لاشك أنه يحاسب على تركه الواجب وهو الصلاة في جماعة، لا لأنه أخّر الصلاة عن أول وقتها.
(2)
قوله «إِلاَّ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، وَفِيْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي الظُّهْرِ»
أي الصلاة في أول الوقت أفضل إلا صلاة العشاء وعند شدة الحر في الظهر فالمستحب تأخيرها، فالعشاء الأفضل تأخيرها إلى آخر وقتها الاختياري وهو نصف الليل، وذلك لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «كَانَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَحِبُّ أَنْ يَؤَخِّرَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ=116117118
الجزء: 1 - الصفحة: 208
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سِتْرُ الْعَوْرَةِ (1) =اللَّيْلِ أَوْ شَطْرِ اللَّيْلِ» (1).
أما الظهر فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوْا عَنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (2)، ومعنى الإبراد تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت، لكن
هل الإبراد عام أم هو خاص لمن يصلي جماعة؟
الجواب: المذهب (3) يرى أن الإبراد عام حتى ولو صلى وحده يجوز له الإبراد، وقال بعض أهل العلم (4): أن الإبراد لا يكون إلا لمن يصلي جماعة.
والصواب: المذهب أنه يسن الإبراد ولو صلى وحده، وكذلك النساء يسن لهن الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، لكن مع وجود المكيفات في المساجد والبيوت نرى أن الأفضل هو الصلاة في أول الوقت؛ لأن الإبراد حاصل وليس هناك مشقة حاصلة بالصلاة في هذا الوقت.
(1)
قوله «الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سِتْرُ الْعَوْرَةِ»
هذا هو الشرط الثالث من شروط الصلاة وهو ستر العورة، والعورة هو ما يسوء المرء إخراجه والنظر إليه لأنها من العور وهو العيب، وقد أجمع أهل العلم على أن من صلى عريانًا مع قدرته على اللباس فصلاته باطلة.119120121122
الجزء: 1 - الصفحة: 209
بِمَا لا يَصِفُ الْبَشَرَةَ (1). وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (2)،
قلت: وقد جرى الفقهاء على اتخاذ هذا التعبير أعني «ستر العورة» وجعلوه من شروط صحة الصلاة، لكن لو عبروا عنه بقولهم «اتخاذ الزينة للصلاة» لكان أولى لأمور:
الأول: لأن القرآن عبَّر به في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (1)، فأمر الله باتخاذ الزينة عند كل صلاة.
الثاني: أن قولهم ستر العورة لم يجئ في نصوص القرآن والسنة التعبير به فيما يتعلق بالصلاة.
الثالث: أن قولهم ستر العورة يحصل فيه إشكال وهو أنه اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر واختلط عليهم الأمر ولم يفرقوا بين هذا وهذا.
(1)
قوله «بِمَا لا يَصِفُ الْبَشَرَةِ»
أي يجب أن يكون ما تستر به العورة لا يصف البشرة، وهذا شرط لصحة الصلاة به، ووصف الشيء ذكر صفاته، فإن وصفها فلا يجزئ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك.
(2)
قوله «وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالأَمَةِ، مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ»
أما الرجل فالمراد به من بلغ سن العشر فما فوقها، سواء كان حرًّا أو عبدًا، فعورته من السرة إلى الركبة، وكذا الأمة.
والعورة على أقسام ثلاثة: مخففة، ومغلظة، ومتوسطة.
أولاً: العورة المخففة
وهي عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنوات وهي=123
الجزء: 1 - الصفحة: 210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =الفرجان فقط أي إذا ستر قبله ودبره فقد أجزأه الستر.
ثانيًا: العورة المغلظة
وهي عورة المرأة الحرة البالغة فكلها عورة إلا وجهها فإنه ليس بعورة في باب الصلاة وإن كان عورة في باب النظر، فلو صلت في بيتها لزمها أن تستر جميع بدنها حتى وإن لم يرها أحد.
ثالثًا: العورة المتوسطة
وحدها ما بين السرة والركبة ويدخل فيها الذكر من عشر سنين فصاعدًا، والحرة دون البلوغ والأمة ولو بالغة.
وقوله «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ» هل السرة والركبة تدخلان في العورة فيجب سترها؟ على ثلاثة أقوال: المشهور من المذهب 124 أن السرة والركبة لا تدخلان فلا يجب سترهما، وهو اختيار شيخنا 125 -رحمه الله-.
والراجح أنهما داخلتان في العورة، وهي إحدى الروايتين في المذهب 126.
لكن هل يلزم المرأة أن تستر قدميها وكفيها في الصلاة؟ نقول: أما القدمان فالواجب على المرأة الحرة أن تسترهما في صلاتها، ويرى شيخ الإسلام 127 أنه لا يلزم سترهما.
وأما الكفان ففيها روايتان في المذهب 128:
الأولى: أنهما ليسا من العورة التي يجب سترها في الصلاة، والثانية: أنهما عورة.
والأحوط أن لا ينكشف منها شيء من ذلك، وهذا هو الأظهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 211
وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا (1). (1)
قوله «وَالْحُرَّةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ، إِلاَّ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا»
أي في الصلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» 129، لكن هذا مقيد بشرط عدم وجود الرجال الأجانب عندها.
أما عند وجودهم فالواجب عليها ستر جميع بدنها، وليعلم أن كثيرًا من الناس لا يفرق بين العورة في الصلاة والعورة في باب النظر فيجعلهما شيئًا واحدًا وهذا غلط، فوجه المرأة ليس بعورة في الصلاة بل يكره للمرأة ستره إذا كانت تصلي وليس عندها رجال أجانب، أما في باب النظر فهو عورة؛ لأنه لا يجوز النظر إليه.
ثم إنني أحب أن أنبه على أمر يدندن حوله بعض الناس وهو جواز كشف المرأة لوجهها، وجواز خروجها من بيتها واختلاطها بالرجال الأجانب كاشفة لوجهها، وهذه دعوة باطلة مخالفة لنصوص الشريعة التي جاءت بأمر المرأة بأن تستر بدنها مع حضرة الرجال الأجانب، وأنه لا يجوز لها أن تخرج من بيتها إلا وهي ساترة لجميع بدنها.
ثم إنني أقول لهؤلاء القوم الذين يدعون إلى تهتك المرأة وكشف وجهها ومخالطة الرجال في العمل وغيره أنكم تتجاهلون ما يترتب على ذلك من الشر والفساد وتحويل بلاد المسلمين إلى أن تكون بلاد سفور، وتتجاهلون أيضًا النتائج السيئة التي حصلت للشعوب التي لم تأخذ بوجوب ستر وجه المرأة كيف كشف النساء الوجه والرقبة والنحر والرأس؟ وكيف كانت المرأة=
الجزء: 1 - الصفحة: 212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=تخرج كاشفة وجهها مملوءًا بالتزين بالمكياج وغيره من المساحيق الموجبة للفتنة؟ .
ومن هنا نقول لهؤلاء الذين ينادون بتحرير المرأة ويريدون بذلك خروجها على الصفة المذكورة آنفًا، نقول لهم: أن ما تدعون إليه هو ليس في الحقيقة تحرير بل هو تضليل، متى كان خروج المرأة متبرجة كاشفة لرأسها وشعرها وساقيها وذراعيها متى كان هذا تحريرًا؟ نعم هذا تحرر من الدين والخلق وما أوجبه الله على المرأة.
ثم ليعلم هؤلاء أيضًا أن أضر فتنة على الرجال هن النساء ولذا يراد خراب مجتمعنا ويجاهد ليل نهار لإفساد هذا المجتمع، نسأل الله أن يحفظنا ويحفظ مجتمعنا من كيد الكافرين.
تنبيه: في حكم صلاة المرأة مع عدم الحجاب
:
نقول: إن كان عدم الحجاب أو التستر لأمور اختيارية، مثل: اتباع التقاليد والعادات فهو لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون عدم الحجاب مقصورًا على الوجه والكفين فالصلاة صحيحة لكن مع الإثم إذا كان ذلك بحضرة الرجال الأجانب.
الثانية: إذا كان الكشف وعدم التستر للساق والذراع أو شعر الرأس ونحو ذلك فلا يجوز لها أن تصلي على تلك الحال، وإن صلت فالصلاة باطلة وعليها الإثم ويجب عليها الإعادة.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ (1). وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ (2). (1)
قوله «وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ»
المقصود بأم الولد هي الأمة المملوكة التي جامعها سيدها فحملت منه فولدت وهي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها فإنها تعتق.
وقوله «وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا كَالأَمَةِ» أي صار بعضها حرًّا وبعضها رقيقًا، قال المؤلف «كَالأَمَةِ» أي عورتها من السرة إلى الركبة؛ لأنها لا تزال في حكم المملوك.
وقد اختلفت الروايات في المذهب (1) في هذه المسألة، فقد ذكر عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال في أم الولد تصلي كالحرة؛ لأنه انعقد لها سبب الحرية فلا يجوز لها أن تكشف إلا وجهها وكفيها في الصلاة.
والرواية الثانية (2) وهي المذهب كما ذكرنا أنها كالأمة عورتها في الصلاة من السرة إلى الركبة.
والمعتق بعضها أيضًا هي على الخلاف المذكور آنفًا في أم الولد.
والراجح أن أم الولد والمعتق بعضها كالأمة؛ لأن شرط الحرية الكاملة لم يتحقق، فلا بد من إتمام الشرط، وهذا هو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.
(2)
قوله «وَمَنْ صَلَّى فِيْ ثَوْبٍ مَغْصُوْبٍ، أَوْ دَارٍ مَغْصُوْبَةٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ»
قال أهل العلم لأنها قربة وهي منهي عنها على هذا الوجه، ثم إنه استعمل في شرط العبادة ما يحرم استعماله، وهذه هي إحدى الروايتين في المذهب 133 =130131132
الجزء: 1 - الصفحة: 214
وَلُبْسُ الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ» (1). =وهي أحد قولي الشافعي (1)، وهي اختيار ابن قدامة في المغني (2). والرواية الثانية في المذهب (3) أنها تصح مع الإثم، وهذا هو الصحيح، وهو قول أبي حنيفة (4)، ومالك (5)، والقول الثاني للشافعي (6)، وهواختيار شيخ الإسلام (7) وشيخنا (8) -رحمه الله-، وذلك لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها.
(1)
قوله «وَلُبْسُ الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ مُبَاحٌ»
للنساء لكن لا يصل إلى حد الإسراف، فإن صار إلى حد الإسراف حرم (2)
قوله «لِلنِّسَاءِ دُوْنَ الرِّجَالِ، إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ»
الحاجة كالحكة والقمل والمرض «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَرِيْرِ وَالذَّهَبِ: «هذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ، حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ»، وهذا بإجماع أهل العلم، ولا بأس بلبس النساء للذهب المحلق خلافًا لمن قال بمنع ذلك.
أما الساعة التي يلبسها الرجال وبها شيء من الذهب فإن كان الذهب قليلاً
تابعًا فلا بأس بذلك عند بعض أهل العلم، وعندي الأولى بكل حال =134135136137138139140141
الجزء: 1 - الصفحة: 215
وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ (1)، =الابتعاد عن ذلك.
و
المقصود بالحرير هنا
هو الحرير الطبيعي دون الصناعي، فالطبيعي هو الذي يخرج من دودة القز وهوغال وناعم، ومن هنا حرم على الرجال؛ لأنه يشبه من بعض الوجوه الذهب لكونه مما يتحلى به، أما الحرير المخلوط بغيره فإن كان مما تساوى فيه الحرير بغيره فمحل خلاف، والصواب أن الأولى تركه، أما إذا كان أكثره غير حرير، فالصواب أنه حلال، وهذا هو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ فِيْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، أَجْزَأَهُ ذلِكَ»
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» 143، فدل ذلك على وجوب تغطية العاتق، وهذا هو المذهب 144 واختاره سماحة شيخنا ابن باز 145 -رحمه الله-.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن تغطية العاتق في الصلاة سنة ليس بواجب لحديث جابر - رضي الله عنه - لما صلى في ثوب قد اشتمل به قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِيْ رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ يَعْنِيْ ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» 146، وهذا هو الصواب وهو الذي اختاره ابن سعدي 147 =142
الجزء: 1 - الصفحة: 216
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا (1)، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيْعَهَا، سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ (2)،
=ورجحه شيخنا (1) -رحمه الله-.
فلو صلى الإنسان بشيء يستر ما بين سرته إلى ركبتيه صحت صلاته، لكن بشرط أن يتمكن حال صلاته من الإتيان به على الوجه المشروع، من اعتداله وسجوده وركوعه، ولا يبدو شيء من عورته حال ركوعه وسجوده، ولم يكن الملبوس ضيّقًا يصف حجم البدن، ولا خفيفًا يظهر معه لون البدن.
- تنبيه: جاء في المذهب التفريق بين الفرض والنفل ووجوب وضع شيء على العاتق أثناء الصلاة، فقالوا بوجوبه في الفريضة وعدم وجوبه في النفل، وعلى الذي رجحناه من عدم الوجوب فليس لهذا التفريق وجود.
(1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، سَتَرَهَا»
أي إذا لم يجد من الثياب ونحوها إلا ما يستر العورة سترها وترك العاتق؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة كما سبق.
(2)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيْعَهَا، سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ»
أي إذا لم يجد ما يستر جميع العورة وهي كما ذكرنا ما بين السرة والركبة، فإن الواجب عليه هنا أن يستر الفرجين وهما القبل والدبر، وذلك لأمرين:
الأول: أنهما أغلظ العورة.
والثاني: لأن الإجماع انعقد على أنهما عورة.
فلو قدر أن شخصًا تعرض له قطاع الطرق فسلبوا منه ملابسه ولم يبق معه
إلا منديل فقط، وهذا المنديل لا يكفي أن يستر جميع العورة، فالواجب=148
الجزء: 1 - الصفحة: 217
فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا، سَتَرَ أَحَدَهُمَا (1). فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ بِكُلِّ حَالِ، صَلَّى جَالِسًا يُوْمِئُ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا، جَازَ (2). =عليه في هذه الحالة أن يستر الفرجين لما سبق.
(1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا، سَتَرَ أَحَدَهُمَا»
اختلفت الرواية في المذهب (1) على أيهما يقدم في الستر في هذه الحالة؟ فقيل: يستر أحدهما كما ذكر المؤلف، وفي رواية أنه يستر القبل وهو أولى؛ لأنه أفحش من الدبر، وقيل العكس.
(2)
قوله «فَإِنْ عَدِمَ السِّتْرَ بِكُلِّ حَالِ، صَلَّى جَالِسًا يُوْمِئُ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا، جَازَ»
أي إن عدم المصلي ما يستر به عورته فإنه يصلي جالسًا ولو كان قادرًا على القيام، وذلك لأنه يمكن أن ينضم فيكون ما ينكشف من عورته أقل، وهذا هو المذهب 150. والقول الثاني: أنه يجب عليه القيام مطلقًا ويركع ويسجد؛ لأن هذا ما يمكنه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 151، وقال أيضًا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 152، فأوجب الله القيام، أما ستر العورة فهنا يسقط لكونه معذورًا، وهذه هي إحدى الروايتين في المذهب 153، وهو قول مالك 154 والشافعي 155. والصواب أن يقال إن كان حوله أحد صلى قاعدًا، وإن لم يكن حوله أحد=149
الجزء: 1 - الصفحة: 218
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ مَكَانًا نَجِسًا، صَلَّى فِيْهِمَا، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (1). =أو كان في ظلمة أو هناك شخص لا يستحي من انكشاف عورته عنده كأن يكون أعمى أو مجنونًا فإنه يركع ويسجد؛ لأنه لا عذر له، وهذا هو أقرب الأقوال، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا، أَوْ مَكَانًا نَجِسًا، صَلَّى فِيْهِمَا، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ»
اختلفت الرواية في هذه المسألة، فالمذهب 157 أنه تجب الإعادة إذا صلى في ثوب نجس، وفي رواية أخرى في المذهب 158 وهي اختيار ابن قدامة 159 كما ذكر أنه لا يعيد، ورواية أخرى يصلي عريانًا ولا يعيد وهو قول الشافعي 160.
والصحيح ما ذهب إليه المؤلف، وهو قول مالك 161، واختاره شيخنا 162 -رحمه الله-.
والمذهب يفرق بين الصلاة في الثوب النجس والصلاة في المكان النجس، فالصلاة في المكان النجس لا إعادة لها بخلاف الصلاة في الثوب النجس، وذلك لأن الصلاة في المكان النجس قد يكون مكرهًا عليها بخلاف الثوب فليس مكرهًا على الصلاة فيه.
والراجح أنه إن صلى في ثوب نجس لا يجد غيره أو صلى في مكان نجس وكان مكرهًا على الصلاة فيه فلا إعادة عليه.156
الجزء: 1 - الصفحة: 219
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فِيْ بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ، وَمَوْضِعِ صَلاتِهِ (1)، (1)
قوله «الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ فِيْ بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ، وَمَوْضِعِ صَلاتِهِ»
هذه ثلاثة أمور وهي شرط لصحة الصلاة وهي: طهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان، وقد سبق بيان ذلك.
فطهارة البدن دليلها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقبرين يعذبان فقال «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِيْ كَبِيْرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِيْ بِالنَّمِيْمَةِ» 163، وهذا دليل على وجوب التنزه من البول، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» 164، وغير ذلك من الأدلة التي جاءت في وجوب الاستنجاء والاستجمار.
وأما طهارة الثوب فدليلها قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 165، وأيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم - «اقْرُصِيْهِ وَاغْسِلِيْهِ وَصَلِّي فِيْهِ» 166، وأيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ جِبْرِيْلَ أَتَانِيْ فَأَخْبَرَنِيْ أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ قَالَ أَذًى فَأَلْقَيْتُهُمَا فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى فِيْهِمَا قَذَرًا أَوْ قَالَ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» 167، وهذه الأدلة تدل على أنه لا يجوز استصحاب النجاسة في حال الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 220
إِلاَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا، كَيَسِيْرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ (1). وَإِنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، أَوْ عَلِمَ بِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا، فَصَلاتُهُ صَحِيْحَةٌ (2). =وأما دليل المكان فقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ» (2)، وأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يصب على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء يطهره، فيجب على المصلي أن يتطهر من هذه الأمور الثلاثة حال صلاته إلا ما استثني كما سيذكره المؤلف.
(1)
قوله «إِلاَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا، كَيَسِيْرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ»
هذا هو المستثنى من النجاسات، وأفادنا المؤلف بقوله «الْمَعْفُوَّ عَنْهَا» أن هناك نجاسات غير معفو عنها كالبول والغائط، وهناك نجاسات معفو عنها، فمن النجاسات المعفو عنها يسير الدم ونحوه مثل المذي فيعفى عن يسيره فلا يجب تطهير ما أصابه مذي يسير مع أن المذي نجس، وكذلك المتولد من القيح والصديد على المذهب (3)، وقد ذكرنا ذلك سابقًا في كتاب الطهارة.
- تنبيه: يرى شيخ الإسلام (4) أن جميع النجاسات معفو عنها إذا شق التحرز منها، وهذا هو الأقرب، وهو الموافق للقواعد الشرعية.
(1)
قوله «وَإِنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، أَوْ عَلِمَ بِهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا، فَصَلاتُهُ صَحِيْحَةٌ»
هذه إحدى الروايتين في المذهب 172، وهو اختيار شيخ=168169170171
الجزء: 1 - الصفحة: 221
وَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلاةِ، أَزَالَهَا، وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ (1)،
=الإسلام ابن تيمية (1) واختاره شيخنا (2) -رحمه الله-.
لكن إن علم بها أثناء الصلاة هل يلزمه إزالة النجاسة؟ نقول: نعم، يجب عليه أن يزيل النجاسة، فلو تذكر أن ثوبه به نجاسة فالواجب عليه أن يغير الثوب النجس بثوب طاهر أو يغسل النجاسة، المهم أنه إذا تذكر يجب عليه إزالة النجاسة.
والرواية الثانية (3): من لم يعلم بالنجاسة أو علم بها ثم نسيها فعليه الإعادة، وهو قول الشافعي (4)، وذهب مالك (5) أنه يعيد ما دام الوقت باقيًا.
لكن الراجح أنه لا إعادة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (6)، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما صلى بنعلين فيهما قذر أخبره جبريل بذلك ولم يستأنف الصلاة، بل بقي في صلاته (7)، وإذا لم يبطل هذا أول الصلاة فإنه لا يبطل بقية الصلاة.
(1)
قوله «وَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الصَّلاةِ، أَزَالَهَا، وَبَنَى عَلَى صَلاتِهِ»
هذا على روايتين في المذهب 180، فعلى الرواية التي توجب الإعادة يجب عليه أن يقطع الصلاة ويزيل النجاسة ثم يبدأ الصلاة من جديد؛ لأن ما مضى من صلاته كان باطلاً، والرواية الثانية وهي الصحيحة وهي التي اختارها المؤلف أنه =173174175176177178179
الجزء: 1 - الصفحة: 222
وَالأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيْهَا (1)، =يبقى على صلاته إن أزالها، لكن بشرط أن لا تكون النجاسة حين إزالتها تحتاج إلى عمل كثير في الصلاة أو زمن طويل، فإن احتاجت لذلك بطلت.
- تنبيهان:
أولاً: إن حمل المصلي النجاسة كأن تكون معه قارورة فيها بول أو براز للتحليل مثلاً فإن صلاته لا تصح لأنه حامل للنجاسة.
ثانيًا: من صلى وقد استخدم العطور والطهارة كالكلونيا ونحوها، هل تفسد صلاته بذلك؟ الصواب أنها لا تبطل صلاته بذلك، لكن الذي ينبغي أن لا يستخدم هذه العطور خروجًا من الخلاف وعملاً بالأحوط.
(1)
قوله «وَالأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيْهَا»
إلا ما استثناه الدليل كما سيذكره المؤلف.
ودليل كون الأرض كلها مسجدًا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يَا رَسُوْلَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» 181.
وأيضًا حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعْطِيْتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِيْ» وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوْرًا» 182.
الجزء: 1 - الصفحة: 223
إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، والْحُشَّ، وَأَعْطَانَ الإِبِلِ (1). (1)
قوله «إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ، وَالْحَمَّامَ، والْحُشَّ، وَأَعْطَانَ الإِبِلِ»
هذه الأربع المستثناة فلا تصح الصلاة فيها، وقد عد أصحاب المذهب عشرة مواضع وزادوا على الأربعة المذكورة هنا المزبلة والمجزرة وفارعة الطريق وظهر الكعبة والموضع المغصوب والموضع النجس.
وقوله «إِلاَّ الْمَقْبَرَةَ» فلا تصح الصلاة فيها ونفي الصحة يقتضي الفساد، فالصلاة في المقبرة فاسدة، يجب على من صلى فيها الإعادة للصلاة ويحصل له الإثم إذا كان عالمًا بالنهي، ودليل النهي عن الصلاة فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» 183، ومنها أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَلُّوْا إِلَى الْقُبُوْرِ وَلا تَجْلِسُوْا عَلَيْهَا» 184، ومنها أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اجْعَلُوْا مِنْ صَلاتِكُمْ فِي بُيُوْتِكُمْ وَلا تَتَّخِذُوْهَا قُبُوْرًا» 185،
ومن ذلك أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوْا قُبُوْرَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، وزاد مسلم «أَلا فَلا تَتَّخِذُوْا الْقُبُوْرَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ» 186.
الجزء: 1 - الصفحة: 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والأدلة في ذلك مستفيضة، وعلى ذلك فلا تصح الصلاة في المساجد التي فيها قبور ولا تصح الصلاة عند القبور ولا أمام القبور ولا خلفها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 187 وسماحة شيخنا ابن باز 188، وهو اختيار شيخنا محمد العثيمين 189 - رحم الله الجميع-، وهذا هو الصحيح.
وخالف الحنفية 190، والمالكية 191 في ذلك فقالوا بصحة الصلاة في هذه الأماكن إن كانت طاهرة، لكن الصواب الأول لما رجحنا لقوة الأدلة واستفاضتها بالنهي عن الصلاة في المقبرة.
وقوله «وَالْحَمَّامَ» للنهي الذي ورد فيه كما في حديث أبي سعيد الخدري السابق وهو قوله: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلاَّ الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ»، ولأن الحمام أيضًا مكان تنكشف فيه العورات، وليس المقصود بالحمام هنا المرحاض بل الحمام المغتسل الذي يقدم إليه الناس فيغتسلون فيه.
وذهب الحنفية 192 والمالكية 193 إلى صحة الصلاة في الحمام، وقالوا بأن النهي محمول على الكراهة، والصواب بأنها لا تصح، وهو اختيار شيخ الإسلام 194 وقول شيخنا 195 -رحمه الله-.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ (1)،
=وقوله «والْحُشَّ» هو المكان الذي يتخلى فيه الإنسان من البول أو الغائط وهو الكنيف، فلا تصح الصلاة فيه؛ لأنه نجس، ولأنه مأوى الشياطين فلا ينبغي أن تكون هذه الأماكن الخبيثة أماكن لعبادة الله تعالى.
وقوله «وَأَعْطَانَ الإِبِلِ» لورود النهي عن الصلاة فيها، فعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: أن رجلاً سأل رسول الله قال: «أُصَلِّيْ فِيْ مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أُصَلِّيْ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لا» (1)، والأعطان جمع عطن، وقيل في تفسيرها: أنها مبارك الإبل مطلقًا، وقيل: ما تقيم فيه وتأوى إليه، وقيل: ما تبرك فيه عند صدورها من الماء أو انتظار الماء، والصواب أن أعطان الإبل شاملة لكل المذكور.
واختلف الفقهاء في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فقيل: لأنها خلقت من الشياطين كما جاء ذلك في مسند أحمد (2)، وهو اختيار شيخ الإسلام (3)، وقيل: لأن الإبل شديدة النفور وربما تنفر وهو يصلي فتؤذيه، وقيل: العلة هنا تعبدية.
(1)
قوله «الشَّرْطُ الْخَامِسُ: اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ»
القبلة المراد بها الكعبة وسميت قبلة؛ لأن الناس يستقبلونها ويقصدونها حال صلاتهم، وهذا الشرط أجمع عليه أهل العلم لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 199، لكن استثني من ذلك الشرط ما ذكره المؤلف وهو =196197198
الجزء: 1 - الصفحة: 226
إِلاَّ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ (1)، =وهو صلاة النفل في السفر والعاجز عن استقبال القبلة.
(1)
قوله «إِلاَّ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ»
هذا هو المستثنى الأول من شرط الاستقبال للقبلة، واشترط فيه المؤلف ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون الصلاة نافلة، فالفريضة يلزم لها استقبال القبلة كما سبق بيانه إلا في حالتين:
الأولى: إذا كان عاجزًا عن الاستقبال لا يستطيع الحركة، كأن يكون مريضًا وليس هناك أحد يوجهه إلى القبلة، فهنا يصلي حيث كان وجهه، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 200، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 201.
الحالة الثانية: الخائف، كأن يكون في الحرب، والحرب شديدة فيها كرّ وفرّ، فهنا يسقط عنه الاستقبال، أو يكون قد هرب من عدو ويخاف أن يأتيه فيغير جهة القبلة، فهنا يصلي حيث كان وجهه.
لكن إذا كانت هذه الصلاة مما تجمع مع ما بعدها أو مع ما قبلها ويمكنه حال الجمع أن يستقبل القبلة فهنا الأولى له أن يجمعها مع الصلاة الأخرى جمع تقديم أو جمع تأخير، ما دام جمعها يمكنه من الإتيان بشرط استقبال القبلة.
الشرط الثاني: أن يكون على راحلة، فلو كان مسافرًا كأن يكون راجلاً أحيانًا وراكبًا أحيانًا فيلزمه الاستقبال حال كونه راجلاً ولا يلزمه حال كونه
على راحلته وهذا قول في المذهب 202، والصواب أنه لا يلزمه أيضًا استقبال=
الجزء: 1 - الصفحة: 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =القبلة حال كونه ماشيًا إذا كانت نافلة وكان مسافرًا، وهذا هو المذهب (1). الشرط الثالث: أن يكون مسافرًا، فغير المسافر يلزمه استقبال القبلة في النفل والفرض.
وهنا نذكر بعض ال
تنبيهات
:
أولاً: النازل في السفر يلزمه استقبال القبلة والسائر في الحضر يلزمه كذلك استقبال القبلة.
ثانيًا: لا تجوز الفريضة للراكب السائر في السفر بدون استقبال القبلة إلا في الحال التي يتعذر فيها الاستقبال.
ثالثًا: اختلف الفقهاء في السفر الذي يجوز أن يتنفل فيه على راحلته، فقيل يجوز أن يتنفل على راحلته إلى غير القبلة ولو كان السفر قصيرًا، وقيل لا يجوز التنفل على الراحلة إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهذا هو الصواب.
رابعًا: هل يلزم المتنفل المسافر السائر أن يفتتح الصلاة متجهًا إلى القبلة؟ اختلفت الرواية في المذهب 204 في هذه المسألة: فقيل بأنه يلزمه افتتاح الصلاة إلى الكعبة ثم يكون بعد ذلك حيث كان وجهه، وقيل بأنه لا يلزمه افتتاح الصلاة إلى الكعبة، وهذا هو الصواب، لكن الأفضل له افتتاح الصلاة متجهًا إلى القبلة، وهذا هو اختيار شيخنا 205 -رحمه الله-.
خامسًا: المسافر الذي يقود السيارة لا ينبغي له أن ينشغل بالنافلة عن القيادة؛ لأن انشغاله بالنافلة تشغله عن القيادة ويحصل بذلك هلاكه.203
الجزء: 1 - الصفحة: 228
وَالْعَاجِزُ عَنِ الاِسْتِقْبَالِ؛ لِخَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَيُصَلِّيْ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ (1)، وَمَا عَدَاهُمَا (2)، لا تَصِحُّ صَلاتُهُ إِلاَّ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ (3). فَإِنْ كَانَ قَرِيْبًا مِنْهَا، لَزِمَتْهُ الصَّلاةُ إِلَى عَيْنِهَا (4)، (1) قوله «وَالْعَاجِزُ عَنِ الاِسْتِقْبَالِ؛ لِخَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَيُصَلِّيْ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ» قد ذكرنا ذلك آنفًا وقلنا أن العاجز عن الاستقبال لمرض يصلى حيث كان وجهه، وكذلك الخائف من عدو أو فوات رفقة أو ضياع مال أو حراسة ونحو ذلك فإنه يجوز له أن يصلي الفريضة إلى غير القبلة، دليل ذلك ما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه ذكر صفة صلاة الخوف ثم قال: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ مَالِكٌ قَالَ نَافِعٌ: لا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (1). (2) قوله «وَمَا عَدَاهُمَا» أي ما عدا المسافر والعاجز عن الإتيان بشرط الاستقبال.
(3)
قوله «لا تَصِحُّ صَلاتُهُ إِلاَّ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ»
وهذا بإجماع أهل العلم، وقد ذكرنا الأدلة على فرضية الاستقبال للقبلة.
(4)
قوله «فَإِنْ كَانَ قَرِيْبًا مِنْهَا، لَزِمَتْهُ الصَّلاةُ إِلَى عَيْنِهَا»
أي فإن كان قريبًا من الكعبة فيلزمه الصلاة إلى عينها لا إلى جهتها، ومن هنا ننبه على أمر يخطئ فيه الكثير ممن يصلون داخل المسجد الحرام فإنهم يميلون عن الكعبة يمينًا وشمالاً ولا يصيبون عينها وهذا خطأ، بل من صلى إلى غير عينها مع إمكانية الإصابة لعينها فيلزمه الإعادة.206
الجزء: 1 - الصفحة: 229
وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا، فَإِلَى جِهَتِهَا (1).
=لكن إذا كان الإنسان قريبًا من الكعبة ولم يشاهدها لوجود أعمدة كثيرة أو صفوف ويشق عليه النظر إلى الكعبة، هل يأخذ حكم البعيد عنها فيصلي إلى جهتها مثلاً؟
اختلفت الرواية في المذهب (1)، فالصحيح من المذهب أنه يجتهد إلى عينها، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (2) أنه يجتهد إلى عينها أو إلى جهتها، وذكر جماعة من الأصحاب أنه إن تعذر إصابة العين للقريب فحكمه حكم البعيد.
والذي نرجحه أن إصابة عين الكعبة هو شرط للصلاة لمن قدر عليه.
أما من كان قريبًا منها ولا يقدر على إصابة عين الكعبة كأن يحول بينه وبينها جدران، أو يكون خلف جبل فحكمه كالبعيد عنها.
(1)
قوله «وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا، فَإِلَى جِهَتِهَا»
وهذا بإجماع أهل العلم، وعلى ذلك لو مال عن جهتها يمينًا وشمالاً فصلاته صحيحة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» 209. أما إن كان قريبًا منها فيلزمه إصابة عين الكعبة كما سبق، فلو انحرف يمينًا أو شمالاً ولو شيئًا يسيرًا فلا تصح صلاته.207208
الجزء: 1 - الصفحة: 230
وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي الْحَضَرِ، سَأَلَ وَاسْتَدَلَّ بِمَحَارِيْبِ الْمُسْلِمِيْنَ (1)، (1)
قوله «وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ القِبْلَةُ فِي الْحَضَرِ، سَأَلَ وَاسْتَدَلَّ بِمَحَارِيْبِ الْمُسْلِمِيْنَ»
أي من خفيت عليه القبلة عند إرادة الصلاة فالمشروع في حقه أمران:
الأول: أن يسأل عن جهة القبلة، فإن أخبر بجهتها من قبل رجل أو امرأة عمل بما أخبر به، وذلك لأن أهل الأمصار يعلمون الجهات.
الثاني: أن يستدل عليها بما في المساجد من محاريب المسلمين، وهذا باتفاق أهل العلم.
لكن إن أخطأ المخبر أو كذبه أو علم فساد بناء المحراب هل يلزمه الإعادة؟ المشهور من المذهب 210 أنه يعيد، ورواية في المذهب 211 أنه لا يعيد، وهذا هو الصواب؛ لأنه عمل ما يجب عليه العمل من سؤاله أو استدلاله بالمحاريب، والمذهب يرى أنه يعيد.
لكن إن اجتهد في الحضر فصلى إلى غير القبلة دون سؤاله عن جهتها أو استدلاله بالمحاريب على الجهة، فهنا عليه الإعادة، والذي رجحه شيخنا 212 أنه إن كان أهلاً للاجتهاد فأخطأ فليس عليه الإعادة؛ لأن الحضر والسفر كلاهما محل الاجتهاد.
والراجح عندي هو المذهب؛ لأنه مفرط، ولأن الحضر ليس محلاً للاجتهاد،
لكن إن لم يجد من يخبره بجهة القبلة وعدم المحاريب فهنا يعمل باجتهاده، =
الجزء: 1 - الصفحة: 231
فَإِنْ أَخْطَأَ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ (2). =فإن أخطأ فلا تجب عليه الإعادة؛ لأنه معذور.
(1)
قوله «فَإِنْ أَخْطَأَ، فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ»
أي إن أخطأ في الحضر فصلى إلى غير القبلة فعليه الإعادة؛ لأنه لم يسأل ولم يستدل على جهة القبلة والحضر ليس محلاً للاجتهاد كما ذكرنا، وهذا هو المذهب، والراجح كما ذكرنا، ويرى شيخنا 213 أن الحضر والسفر محل للاجتهاد، فإن اجتهد في الحضر فلا إعادة عليه مطلقًا سواء أصاب أم لم يصب؛ لأنه فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله تعالى ما استطاع وليس عليه الإعادة؛ لأن الله لم يوجب عليه العبادة مرتين إذا أتى بها على الوجه المأمور به، لكن الذي نرجحه هو المذهب.
والخلاصة في هذه المسألة أنه:
أولاً: إن صلى باجتهاده في السفر فصلاته صحيحة سواء أخطأ أم أصاب.
ثانيًا: إن صلى في الحضر باجتهاده فصلاته صحيحة إن أصاب وعليه الإعادة إن أخطأ.
ثالثًا: إن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد فإن أخطأ أعاد وإن أصاب فالمذهب 214 أنه يعيد.
والصواب أنه إن أصاب فلا يعيد، وهو اختيار شيخنا 215 -رحمه الله-.
الجزء: 1 - الصفحة: 232
وَإِنْ خَفِيَتْ فِي السَّفَرِ، اجْتَهَدَ، وَصَلَّى، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (1). وَإِنِ اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (2). (1)
قوله «وَإِنْ خَفِيَتْ فِي السَّفَرِ، اجْتَهَدَ، وَصَلَّى، وَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ»
أي إن خفيت القبلة على المسافر فالمشروع في حقه أن يجتهد، ويكون ذلك من خلال النظر إلى علامات القبلة كالنجوم في الليل والشمس بالنهار وغير ذلك، فإن تبين أنه أخطأ القبلة فلا إعادة عليه؛ لأنه بذل ما يجب عليه.
وفي رواية (1) في المذهب أنه يعيد، لكن الصواب أنه لا إعادة عليه كما ذكر المؤلف.
(2)
قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ»
المجتهد في جهة القبلة هو الذي يستطيع معرفة أدلتها، واختلاف المجتهدين كأن يقول أحدهما: القبلة هنا ويشير إلى الشمال، ويقول الآخر: بل القبلة هنا ويشير إلى الجنوب، قال المؤلف «لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ»، وعللوا لذلك أن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجب عليه أن يتبعه ويأتم به إذا كانت الصلاة جماعة ولا يضر الاختلاف هنا؛ لأن كلاً منهما يعتقد خطأ الآخر لاجتهاده ويعتقد صوابه بالنسبة لاجتهاد نفسه.
وإن صلى كل منهما منفردًا لقناعته باجتهاده فلا حرج، لكن إن كان أحدهما أكثر علمًا فالواجب اتباعه.
والأقرب للصواب أنه يجوز اتباع أحدهما الآخر في الائتمام مع اختلافهما في جهة القبلة، والتضاد هنا لا يمنع من الائتمام، كما لو كان أحدهما يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض للوضوء، والآخر يعتقد أنه ناقض للوضوء فيجوز لأحدهما أن يأتم بالآخر.216
الجزء: 1 - الصفحة: 233
وَيَتْبَعُ الأَعْمَى وَالْعَامِيُّ أَوْثَقَهُمَا فِيْ نَفْسِهِ (1). الشَّرْطُ السَّادِسُ: النِّيَّةُ لِلصَّلاةِ بِعَيْنِهَا (2)، (1)
قوله «وَيَتْبَعُ الأَعْمَى وَالْعَامِيُّ أَوْثَقَهُمَا فِيْ نَفْسِهِ»
يعني إن اجتهد مجتهدان فقال أحدهما: القبلة هاهنا وأشار إلى جهة الشمال، وقال الآخر: بل هنا وأشار إلى جهة الجنوب فالمشروع في حق الأعمى والعامي أن يقلد أوثقهما في نفسه، فإن تبع غير الأوثق مع وجود الأوثق فصلاته باطلة كالمتلاعب.
(2)
قوله «الشَّرْطُ السَّادِسُ: النِّيَّةُ لِلصَّلاةِ بِعَيْنِهَا»
هذا هو الشرط السادس من شروط الصلاة وهو النية، النية هي عزم القلب على فعل العبادة.
وهذه النية غير النية التي يذكرها العلماء في باب العقائد التي هي الإخلاص، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ 217، فنية الإخلاص لا يقبل العمل إلا بها، أما النية التي هنا فهي التي فيها الفرق بين العبادة والعادة، وهي التي يترتب عليها الفعل، وهي التي قال عنها - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
فقوله «النِّيَّةُ لِلصَّلاةِ بِعَيْنِهَا» أي فالواجب على من أراد الصلاة أن ينويها بقلبه، وأن ينويها بعينها إذا كانت معينة، مثل: الفجر أو الظهر أو العصر، فالواجب عليه أن ينوي الفجر والظهر والعصر وهكذا.
وفي رواية في المذهب 218 أنه لا يشترط تعيين النية بل يكفي أن ينوي فرض الوقت، كأن يكون قد توضأ للظهر ثم صلى وغاب عن ذهنه أنها الظهر فالصلاة صحيحة، وهذا هو الصواب؛ لأنه هو الذي يسع عمل الناس به=
الجزء: 1 - الصفحة: 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =فالكثير من الناس يتوضأ ويأتي للصلاة ويغيب عن ذهنه الفرض، وهذا هو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
- ذكر بعض ال
تنبيهات
:
أولاً: حالات تحول النية في الصلاة:
أ - الانتقال من معين إلى معين
لا يجوز، مثاله: من دخل في صلاة العصر، ثم تذكر أنه لم يصل الظهر، هل يجوز له أن يحول نيته إلى صلاة الظهر؟ الجواب: لا، لأنه انتقل من صلاة معينة إلى أخرى معينة، لكن استثنى العلماء حالة واحدة وهي: إن دخل لصلاة الجمعة وظن أن الإمام يصلي الركعة الأولى من الصلاة فتبين أن الإمام صلى ركعتين، فهنا يحولها المأموم ظهرًا، وهذه هي الحالة الوحيدة التي استثناها أهل العلم، فالمهم أنه لا يجوز الانتقال من معين إلى معين، ومن ذلك أيضًا سنة الوضوء إلى الراتبة أو من الضحى إلى سنة الفجر وهكذا.
ب - الانتقال من معين إلى مطلق
يجوز، مثاله: إنسان يصلي صلاة المغرب وحده منفردًا ورأى جماعة دخلوا لم يصلوا فحولها إلى نافلة فهنا يجوز، وكذلك من دخل ظنًّا أن الفريضة قد حان وقتها ثم تبين له أنه لم يؤذن لها فهنا يجعلها نافلة، وعلل الفقهاء لذلك أنه انتقل من الأعلى إلى الأدنى.
ج - الانتقال من المطلق إلى المعين لا يجوز؛ لأنه انتقل من الأدنى إلى الأعلى، مثاله: إنسان يصلي نفلاً مطلقًا ثم تذكر أنه لم يصل فريضة، فهنا لا يجوز له أن ينتقل إلى هذه الفريضة؛ لأن الفريضة مرتبتها أعلى من النفل المطلق.219
الجزء: 1 - الصفحة: 235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانيًا: نية الإمامة والائتمام:
أ - المذهب 220 يشترط للجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما، وفي رواية في المذهب 221 أن المأموم يشترط أن ينوي حاله، أما الإمام فلا يشترط نية الإمامة إلا في الجمعة، وفي رواية بل يشترط في الفرض دون النفل.
وذهب المالكية 222، والشافعية 223 إلى عدم اشتراط نية الإمام الإمامة لكنه يستحب، لكن اشترطوا نية الإمام في الجمعة والصلاة المعادة والمنذورة عند الشافعية.
ب - إذا دخل إنسان المسجد فوجد رجلاً يصلي فريضة منفردا فوقف بجانبيه ليصلي معه جماعة فالمذهب 224 أن صلاته المؤتم لا تصح لأنه نوى الائتمام بمن لم يكن إمامًا له وتصح صلاة الأول.
وفي رواية 225 في المذهب أنه يصل أن يأتم الإنسان بشخص لم ينو الإمامة، وهذا هو قول مالك 226 واختاره شيخنا 227 -رحمه الله- وهو الصحيح.
ج - من دخل في الصلاة منفردا ثم وجد جماعة أقيمت، هل يجوز له الانتقال من انفراده بالائتمام بالإمام؟ نقول: المذهب 228 أنها لا تصح، =
الجزء: 1 - الصفحة: 236
وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَى التَّكْبِيْرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيْرِ، إِذَا لَمْ يَفْسَخْهَا (1). =والقول الثاني في المذهب أنه يصح أن ينوي المنفرد الائتمام، وهذا هو اختيار شيخنا (1) وهو الصحيح.
د - إذا انفرد مؤتم بلا عذر،
المذهب (2) أنها لا تصح، وفي رواية (3) أنها تصح، والصواب أنها لا تصح، إلا إذا كان له عذر.
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَى التَّكْبِيْرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيْرِ، إِذَا لَمْ يَفْسَخْهَا»
أي يجوز أن يقدم النية قبل تكبيرة الإحرام بزمن يسير، لكن بشرط أن يكون ذلك في الوقت، فلو نوى الصلاة قبل دخول وقتها ولو بزمن يسير فصلاته غير صحيحة، لكن الأولى أن تكون النية مصاحبة لتكبيرة الإحرام.
وظاهر كلامه -رحمه الله- أن الفصل لابد أن يكون يسيرًا، فلو طال الفصل لا تصح، وقال بعض أهل العلم بل تصح ما لم ينو فسخها كما ذكره المؤلف.
والصواب أنه إن طال الزمن بحيث لم يطل عن الحد المألوف فصلاته صحيحة ما لم يفسخ النية، مثاله: رجل سمع الأذان فقام فتوضأ ليصلي ثم غابت عن خاطره لما أقيمت الصلاة فقام بدون نية جديدة فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يفسخ النية الأولى وحكمها مستصحب إلى الفعل.
تنبيهان
: أولاً: هل التردد في النية يبطل العبادة؟ قولان في المذهب 232: الأول: وهو المذهب أنها تبطل بالتردد، مثال ذلك: إذا سمع إنسان قارعًا=229230231
الجزء: 1 - الصفحة: 237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=يقرع الباب فتردد هل أقطع الصلاة أو استمر؟ فالمذهب أنها تبطل بتردده.
القول الثاني في المذهب أنها لا تبطل؛ لأن الأصل بقاء النية.
والصحيح: أنها لا تبطل إلا إذا عزم على القطع؛ لأن الأصل بقاء النية، وهذا اختيار شيخنا 233 -رحمه الله-.
ثانيًا: إن عزم على أن يأتي بما هو مبطل للصلاة كأن يتكلم فيها مثلاً، أو عزم على أن يحدث فيها، هل تبطل؟ قولان:
الأول: أنها تبطل؛ لأنه عزم على المفسد بقطع الصلاة، والعزم على قطع الصلاة يبطلها،
والمذهب أنها لا تبطل على العزم على فعل يبطلها إلا إذا فعله؛ لأن البطلان متعلق بفعل المبطل ولم يوجد، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخنا 234 -رحمه الله-.
الجزء: 1 - الصفحة: 238
بَابُ آدَابِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ
(1) يُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ إِلَى الصَّلاةِ (2) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ آدَابِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلاةِ»
أي ما جاء من سنن يسن الإتيان بها لمن مشى إلى الصلاة، وكذلك ما جاء من مكروهات يكره فعلها لمن أتى إلى الصلاة.
وهذه الآداب التي سيذكرها المؤلف ينبغي للمسلم أن يأتي بها، ففيها فضل عظيم، وهي عنوان على اهتمام المسلم بصلاته التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة ومبانيه العظام.
وهذا الباب قلّ أن يذكره الفقهاء في مؤلفاتهم مفردًا بهذا العنوان، لكنهم يدخلونه عادة في صفة الصلاة، وإن كان الإمام المجدد -رحمه الله- أخذ هذا العنوان وأفرد به مسألة مستقلة في باب سماه: آداب المشي إلى الصلاة، وهو مما ينبغي للمبتدئين أن يهتموا بقراءته والاعتناء به، فهو من أفضل الكتب التي يبتدئ بها طالب العلم.
(1)
قوله «يُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ إِلَى الصَّلاةِ»
أي دون الركوب؛ لورود نصوص السنة في فضل المشي إلى الصلاة.
ومن ذلك ما رواه مسلم عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: كَانَ رَجُلٌ لا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ وَكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّنِيْ أَنَّ مَنْزِلِيْ إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّيْ أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِيْ مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِيْ =
الجزء: 1 - الصفحة: 239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ» 235، وأيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم - لبني سلمة «دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» 236، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ وَالَّذِيْ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ» 237، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ فَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» 238، فجعل المشي شرطًا لحصول الأجر، فالمشي إلى الصلاة هو السنة.
- تنبيه: من سمع الإقامة للصلاة هل الأولى في حقه أن يركب لحصول فضل تكبيرة الإحرام أم الأفضل أن يمشي ليحصل على فضل المشي إلى الصلاة المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوْتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» 239.
الجزء: 1 - الصفحة: 240
بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارٍ (1)، =نقول: الأفضل له أن يمشي إليها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَلَكِنْ ائْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (1)، هذا هو الأفضل، لكن
إن أراد أن يركب لإدراك
السنن القبلية للصلاة
ولا يحصل ذلك إلا بالركوب فهنا الأولى له أن يركب؛ لأن الأجر الحاصل بإدراك السنن القبلية أفضل من إدراك المشي إلى الصلاة.
(1)
قوله «بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارٍ»
السكينة والوقار قيل بأن معناهما واحد وهما بمعنى التأني في الحركة والسير، وقيل بأن بينهما فرقًا وهو أن السكينة التأني في الحركة واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، وقيل في معنى الوقار أيضًا الحلم والرزانة، فالمطلوب من الإنسان إذا أتى إلى الصلاة أن يأتيها بهاتين الصفتين، وقد جاءت نصوص السنة بالحث على ذلك، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوْا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِيْنَةِ وَالْوَقَارِ وَلا تُسْرِعُوْا فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (2).
تنبيهات
: أولاً: إذا طمع المصلي أن يدرك تكبيرة الإحرام فلا بأس أن يسرع شيئًا يسيرًا ما لم تكن عجلة تقبح وقد جاء عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوات التكبيرة الأولى وطمعوا في إدراكها، أما الإسراع =240241
الجزء: 1 - الصفحة: 241
وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ (1)، وَلا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ (2)، =الشديد مطلقًا فيكره وإن فاته بعض الصلاة لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه.
ثانيًا: هل يشرع الإسراع اليسير لمن فاته شيء من الصلاة؟
الصواب أنه يكره لأن الإسراع اليسير إنما شُرع لإدراك التكبيرة الأولى لما جاء في فضل إدراكها، ولهذا كان الصحابة يسرعون أحيانًا لإدراكها، أما إذا فاتت فلا يشرع الإسراع مطلقًا، هذا ما ذكره شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-.
ثالثًا: من خشي فوات الجماعة أو الجمعة بالكلية
لا يكره له الإسراع؛ لأن ذلك لا ينجبر إذا فات، ذكر ذلك أيضًا شيخ الإسلام (2) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ»
أي يقارب الماشي إلى الصلاة بين خطاه لكي تكثر الخطا ويكون له زيادة أجر، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةٌ» (3). (2)
قوله «وَلا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ»
التشبيك المنهي عنه، له ثلاث حالات:
الأولى: التشبيك إذا خرج من البيت.
الثانية: التشبيك إذا بقي في المسجد.
الثالثة: التشبيك في الصلاة.
فكل هذه لا تنبغي، بل هي مكروهة من حين الخروج من البيت إلى =242243244
الجزء: 1 - الصفحة: 242
وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، الآيَاتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (1)، =خروجه من المسجد بعد فراغه من صلاته، لكن بعضها آكد في النهي من بعض، فأشدها كراهة في الصلاة ثم يليها داخل المسجد وأخفها حين خروجه من بيته متوجهًا إلى المسجد، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِيْ صَلاةٍ» (1) و
العلة في النهي عن التشبيك
هو التشبه بالشيطان كما جاء ذلك فيما رواه أحمد وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلا يُشَبِّكَنَّ فَإِنَّ التَّشْبِيْكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَزَالُ فِي صَلاةٍ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» (2). (1)
قوله «وَيَقُوْلُ: بِسْمِ اللهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾»
الحديث الوارد في ذلك ضعيف فلا يشرع الإتيان بهذا الذكر، لكن هناك ما هو صحيح في هذا الأمر، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خَرَجَ =الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيْتَ وَكُفِيْتَ وَوُقِيْتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِيْنُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» 247.245246
الجزء: 1 - الصفحة: 243
وَيَقُوْلُ: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِيْنَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّيْ لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلا بَطَرًا، وَلا رِيَاءً، وَلا سُمْعَةً، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِيْ مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِيْ ذُنُوْبِيْ، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ إِلاَّ أَنْتَ» (1). =وفي حديث أم سلمة أيضًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا» (1). ومن ذلك أيضًا «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِيْ قَلْبِيْ نُوْرًا وَفِيْ لِسَانِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ فِيْ سَمْعِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ فِي بَصَرِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِيْ نُوْرًا وَمِنْ أَمَامِيْ نُوْرًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِيْ نُوْرًا وَمِنْ تَحْتِيْ نُوْرًا اللَّهُمَّ أَعْطِنِيْ نُوْرًا» (2). ففي هذه الأحاديث كفاية عما ذكره المؤلف لضعفه.
(1)
قوله «وَيَقُوْلُ: «اللهُمَّ إِنِّيْ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِيْنَ عَلَيْكَ، .. إلى آخره»
248 الحديث الوارد في ذلك أيضًا ضعيف، وقال البوصيري في سند هذا الحديث: هذا حديث مسلسل بالضعفاء، وضعفه النووي أيضًا في الأذكار 250، وكذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وذكرأنه إن كان من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو محمول على التوسل إلى الله بشفاعة من أذن الله=249
الجزء: 1 - الصفحة: 244
فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ، لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَأْتُوْهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَائْتُوْهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِيْنَةَ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ، فَأَتِمُّوْا».
وَإِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوْبَةُ (2)
=له بالشفاعة (1)، وما ذكرناه من الأحاديث السابقة فيه غنية عن هذا الحديث.
ثمّ هذا يشعر بالتوسل بالمخلوقين وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة بالنهي عن ذلك.
(1)
قوله «فَإِذَا سَمِعَ الإِقَامَةَ، لَمْ يَسْعَ إِلَيْهَا»
تقدم بيان هذه المسألة.
(2)
قوله «وَإِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ، فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوْبَةُ»
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ» 252، وهذا إذا أقام المؤذن فلا يبتدئ المصلي بنافلة حال إقامة المؤذن للصلاة، لكن إذا أقيمت الصلاة والمصلي يصلي نافلة هل يقطعها ويدخل مع الإمام أم يتمها؟
محل خلاف بين أهل العلم: منهم من قال: يتمها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ 253 وحملوا النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا أُقِيْمَتِ الصَّلاةُ فَلا صَلاةَ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةُ» يعني لا صلاة جديدة، فالصلاة التي هو فيها يتمها.
والقول الثاني: أنه يقطعها مباشرة أخذًا بعموم لفظ الحديث، وذهب الحنابلة 254 إلى أنه يتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة.251
الجزء: 1 - الصفحة: 245
وَإِذَا أَتَى الْمَسْجِدَ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُوْلِ (1)،
=وتوسط بعض أهل العلم منهم الشيخان - رحمهما الله -، فقال سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-: إن كان لم يركع الركوع الثاني من النافلة قطعها وإن كان ركع الركوع الثاني أتمها؛ لأنه لم يبق من الصلاة إلا الشيء اليسير.
وقال شيخنا (2) -رحمه الله-: إن لم يبدأ بالركعة الثانية فليقطعها، وإن كان قد دخل في الركعة الثانية فليتمها خفيفة.
ولاحظ الفرق بين رأي الشيخين - رحمهما الله - والذي تطمئن إليه النفس هو رأي سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله-
- تنبيه: إن علم أن الصلاة تقام قريبًا فهل يشرع في النافلة؟ ينبغي أن نعلم أن مراعاة الصلاة المكتوبة بحدودها أولى من سنة يمكن قضاؤها أو لا يمكن، فالذي يظهر أنه إن غلب على ظنه أن الصلاة ستقام فلا يشرع في النافلة بل لا يستحب له ذلك؛ لأن إدراك أول الصلاة مع الإمام وإجابة المؤذن للإقامة هو المشروع، وهذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (3) -رحمه الله-.
(1)
قوله «وَإِذا أَتَى الْمَسْجِدَ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُوْلِ»
وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وشأنه كله، وجاء في صحيح البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنه - «أَنَّهُ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى» 258. فالرجل اليمنى تقدم في الأشياء الطيبة واليسرى لما سوى ذلك، فكل ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل ودخول المسجد =255256257
الجزء: 1 - الصفحة: 246
وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ (1)، اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ، وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» (2)، =وتقليم الأظفار وقص الشارب وغير ذلك فيستحب فيه تقديم اليمنى.
- تنبيه: إذا جاء إلى المسجد وأراد أن يخلع نعله على باب المسجد فالمشروع في حقه أن يخلع اليسرى أولاً ويضعها على النعل، ثم يخلع اليمنى على النعل كذلك، ثم يدخل اليمنى ثم اليسرى ليكون مؤخرًا لليمنى في الخلع ومقدمًا لها في الدخول؛ لما ورد من البداية في لبس اليمنى للنعل وخلع اليسرى منه.
(1)
قوله «وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ»
لورود ذلك في الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه كان إذا دخل المسجد قال: «بِسْمِ اللهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ» (1)، وإن زاد على ذلك قوله «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيْمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيْمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ» (2)، فهذا حسن لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. (2)
قوله «اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ، وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ»
وهذا أيضًا ثابت من قوله - صلى الله عليه وسلم -، حيث كان يقول إذا دخل المسجد «اللهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» 261.
وإذا خرج يقول مثل ذلك إلا أنه يقول: «أَبْوَابَ فَضْلِكَ».
والفرق بين كونه إذا دخل طلب من الله فتح أبواب الرحمة، وإذا خرج طلب =259260
الجزء: 1 - الصفحة: 247
وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى (1)، وَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقُوْلُ: «وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» (2). = فتح أبواب الفضل؛ لأن المسجد هو محل رحمة الله تعالى ومغفرته فناسب أن يطلب من الله ذلك، لكنه لما انتهى من صلاته وأراد أن يخرج ولا غنى له عن ربه في فتح أبواب الرزق له ناسب أن يدعو بطلب فتح أبواب الفضل والرزق من الله تعالى.
(1)
قوله «وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى»
لما ذكرناه من قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر السابق الذي رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، ولأن الرجل اليسرى عكس اليمنى فتقدم اليسرى عند دخول الحمام وعند التنزه من البول، فهي تستخدم للأشياء المستقذرة، بعكس اليمنى فتقدم للأشياء المستطابة تكريمًا وتشريفًا لها.
(2)
قوله «وَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَقُوْلُ: «وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ»،
أي «بِسْمِ اللهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ ذُنُوْبِيْ وَافْتَحْ لِيْ أَبْوَابَ فَضْلِكَ» للحديث الوارد في ذلك، وقد بيّنا الفرق بين قوله أبواب رحمتك وقوله أبواب فضلك.
لم يذكر المؤلف في باب المشي إلى الصلاة تحية المسجد فنقول: لا يجوز للمسلم إذا دخل المسجد أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... فَإِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» (1).
واختلف الفقهاء في
حكم تحية المسجد
، والصحيح أنها سنة وليست بواجبة.
وإذا دخل المصلي يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للصلاة هل يصلي تحية المسجد=262
الجزء: 1 - الصفحة: 248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=أم ينتظر حتى يفرغ المؤذن من الأذان ليحصل على أجر المتابعة له ثم يصلي؟ يرى شيخنا 263 -رحمه الله- أنه يصلي تحية المسجد لأن سماع الخطبة واجب وإجابة النداء سنة، والواجب مقدم على السنة، ويرى سماحة شيخنا ابن باز (2) -رحمه الله- أنه يتابع المؤذن ثم يصلي.
والذي يظهر أنه يختلف باختلاف الحال، فإن كان يستطيع أداء السنة قبل بدابة الخطبة فيصلي بكل حال، وإن كان لا يستطيع إتمام النافلة حتى بداية الخطبة فهنا يتأكد في حقه أن يصلي مراعاة لاستماع الخطبة.
الجزء: 1 - الصفحة: 249
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
(1). وَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ»
أي الكيفية التي تكون عليها الصلاة، وهذا الباب هو لب كتاب الصلاة، وكم يحتاجه المسلم وتحتاجه المسلمة.
(2)
قوله «وَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ»
اجتمع في كلام المؤلف ركنان من أركان الصلاة: الركن الأول القيام فيها، والركن الثاني التكبير لها، فالقيام فيها ركن من أركان الصلاة، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 264، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» 265، فمتى استطاع المصلي أن يصلي قائمًا وجب عليه ذلك، فإن صلى جالسًا مع القدرة على القيام فلا تصح صلاته، هذا بالنسبة للفريضة، أما النافلة فيجوز للمصلي أن يصليها قاعدًا مع القدرة على القيام، لكن يكون الأجر فيها على النصف من أجر القائم.
أما الركن الثاني فهو تكبيرة الإحرام وهي قول المصلي «اللهُ أَكْبَرُ» لا يجزئ غيرها، وهذا هو قول جمهور أهل العلم من المالكية 266 والشافعية 267، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية 268. فلا يجزئ المصلي أن يقول غيرها، وقال أبو حنيفة 269 تنعقد الصلاة بكل لفظ يقتضي التعظيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 250
يَجْهَرُ بِهَا الإِمَامُ (1) =والصواب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطَّهُوْرُ وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيْرُ وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ» (1)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (2). وهذا أيضًا ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم - ومن فعل الصحابة - رضي الله عنهم - من بعده، ولم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك، فدل على أنه لا يجزئ غيرها، فلو قال المصلي: (الله الأجلّ)، أو (الله أجلّ)، أو (الله أعظم) ونحو ذلك فلا تنعقد صلاته.
- تنبيه: هل يلزم حين تكبيره أن يسمع نفسه؟
المذهب (3) أنه يشترط أن يسمع نفسه، فلو نطق بدون أن يسمع نفسه فلا عبرة بهذا النطق.
وذهب شيخنا (4) -رحمه الله- أنه لا يشترط أن يسمع نفسه، بل متى تأكد المصلي من خروج الحروف من مخارجها ولم يسمع نفسه فإنه يجزئه ذلك، هذا إذا كان مأمومًا أو منفردًا، أما الإمام فالجهر بالتكبير والتسميع ونحو ذلك واجب كما سيذكره المؤلف.
(1)
قوله «يَجْهَرُ بِهَا الإِمَامُ»
أي بتكبيرة الإحرام، وهذا واجب - أي الجهر بالتكبير - لأنه لا تتم متابعة الإمام إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو=270271272273
الجزء: 1 - الصفحة: 251
وَبِسَائِرِ التَّكْبِيْرِ (1)، لِيُسْمِعَ مَنْ خَلْفَهُ (2)، وَيُخْفِيْهِ غَيْرُهُ (3)، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيْرِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (4)، =واجب.
(1)
قوله «وَبِسَائِرِ التَّكْبِيْرِ»
أي يجهر الإمام بتكبيرة الإحرام وبتكبيرات الانتقال من الركوع والسجود والرفع منه وغير ذلك مما جاء فيه التكبير، لكن هل يجهر الإمام بالتكبير عند قراءة آية فيها سجدة؟ الصواب أنه يكبر لسجود التلاوة، ويسجد وكذلك عند الرفع منه، وهو قول الشيخين (1)، دليل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في الصلاة لكل رفع وخفض وهذا منه.
(2) قوله «لِيُسْمِعَ مَنْ خَلْفَهُ» لأن هذا هو الغاية من الجهر بالتكبير ولأن هذا كان من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
(3) قوله «وَيُخْفِيْهِ غَيْرُهُ» لأنه لا حاجة في جهر المأموم بالتكبير، ولأن في الجهر بالتكبير وغيره في حق المأموم والمنفرد تشويشًا على غيرهم، أما في حق المبلغ عن الإمام كما فعل أبو بكر - رضي الله عنه - في مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس وكان أبو بكر يسمع الناس التكبير فهذا جائز للحاجة، أما عند عدم الحاجة فلا يشرع ذلك بل لم يستحبه أحد من العلماء.
(4)
قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيْرِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ»
رفع اليدين في الصلاة سنة، لكن إلى أين يرفعهما؟ قال المؤلف إلى حذو منكبيه، وورد أيضًا إلى فروع أذنيه كما سيذكره المؤلف وهذا وارد من فعله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، ولذلك من رفع يديه إلى أقل من المنكبين كما يفعله =274
الجزء: 1 - الصفحة: 252
أَوْ إِلَى فُرُوْعِ أُذُنَيْهِ (1)، =بعض الناس يرفعون أيديهم إلى سرتهم أو إلى أقل منها أو إلى أدنى من المنكبين فهؤلاء لم يطبقوا السنة، وهذا يحصل من الناس الذين لم يفهموا هديه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، دليل ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُوْنَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِيْنَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوْعِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ وَيَقُوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» (1).
- تنبيه: يخطئ كثير من الناس ممن يأتون إلى صلاة الجماعة فيجد الإمام راكعًا فتراه يركض ليلحق الركوع مع الإمام ثم يكبر تكبيرة الإحرام في أثناء ركوعه أو لا يكبر أصلاً تكبيرة الإحرام بل يكبر للركوع، فهذا صلاته غير صحيحة لأمرين:
الأول: أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام بل كبر للركوع فقط وتكبيرة الإحرام ركن.
الثاني: لأنه لم يكبر للإحرام واقفًا.
فالمشروع في حقه أنه يكبر للإحرام واقفًا ثم إن استطاع أن يكبر التكبيرة الثانية أي التكبير للركوع فهذا حسن وإن لم يستطع فالقاعدة الشرعية أن التكبيرة الصغرى تدخل في الكبرى، فتكبيرة الركوع تدخل في تكبيرة الإحرام.
(1)
قوله «أَوْ إِلَى فُرُوْعِ أُذُنَيْهِ»
أي أعلى الأذن، وهذا ثابت من حديث مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: «كَانَ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ فَقَالَ =275
الجزء: 1 - الصفحة: 253
وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ (1)، وَيَجْعَلُ نَظَرَهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُوْدِهِ (2)، =سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَعَلَ مِثْلَ ذلِكَ» (1)، وتكون اليدين حال الرفع مضمومة وممدودة الأصابع لثبوت ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم -.
(1)
قوله «وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ»
أي لا يجعلهما على صدره، وهذا محل خلاف بين الفقهاء، والأفضل أنه يجعلهما على صدره؛ لورود ذلك في حديث وائل بن حجر - رضي الله عنه -. وقال مالك (2) في رواية رواها عنه أصحابه: يكره وضع اليمنى على اليسرى في الفريضة دون النافلة.
والصحيح أنه يسن فعل ذلك، وهو قول أبي حنيفة (3) والشافعي (4)، وهي الرواية الصحيحة عن الإمام مالك (5).
وكيفية وضع اليمنى على اليسرى لها ثلاث صور:
الأولى: أن يقبض اليمنى باليسرى، والثانية: أن يبسط اليمنى على اليسرى، والثالثة: أن يكون ساعد اليمنى على ساعد اليسرى، وكل هذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(2)
قوله «وَيَجْعَلُ نَظَرَهُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُوْدِهِ»
أي يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده أثناء صلاته؛ لأنه أقرب للخشوع، ولأن هذا فعل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال محمد بن سيرين: «كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أبصارهم إلى =276277278279280
الجزء: 1 - الصفحة: 254
ثُمَّ يَقُوْلُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلهَ غَيْرُكَ» (1)،
=السماء في الصلاة، فلما نزلت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (1) خفضوا أبصارهم إلى مواضع سجودهم.
وقال بعض أهل العلم: بل ينظر المصلي تلقاء وجهه إلا إذا كان جالسًا فإنه ينظر إلى يده حيث يشير عند الدعاء.
وقال بعضهم (2): بل ينظر المأموم إلى إمامه ليتحقق من متابعته.
وقال شيخنا (3) -رحمه الله-: الأمر واسع ينظر الإنسان إلى ما هو أخشع له إلا في الجلوس فإنه يرمي ببصره إلى إصبعه حيث تكون الإشارة.
والصواب: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم وهو أنه ينظر إلى موضع سجوده في الصلاة إلا في الجلوس فإنه ينظر إلى يده.
(1)
قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ»
هذا هو دعاء الاستفتاح وهو ثابت في السنن وغيرها، والحديث فيه مقال، لكن بمجموع طرقه يرتقي إلى الصحة، لكن هناك استفتاحات أخرى وردت في صحيحي البخاري ومسلم، فمن ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ فَقُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللَّهِ بِأَبِيْ أَنْتَ وَأُمِّيْ أَرَأَيْتَ سُكُوْتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيْرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُوْلُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِيْ وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ =281282283
الجزء: 1 - الصفحة: 255
ثُمَّ يَقُوْلُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (1)،
=بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِيْ مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِيْ مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» (1)، وكان عمر - رضي الله عنه - يدعو بالدعاء الأول، لكن على الإنسان أن يستفتح بهذا تارة وبهذا تارة ليأتي بالسنن كلها، وليكون ذلك إحياء للسنة، ولأن ذلك فيه حضور للقلب، فإن الإنسان إذا التزم شيئًا معينًا صار عادة له، فإذا نوَّع استحضر القلب وخشع.
وقوله «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» فيه تنزيه الله تعالى وثناء عليه، وقوله «وَتَبَارَكَ اسْمُكَ» أي أن في اسمك البركة، وقوله «وَتَعَالَى جَدُّكَ» أي ارتفع، وجدك بمعنى سلطانك، والمعنى عظَّمتك عظمة عظيمة مرتفعة لا تشابهها أي عظمة.
وقوله «وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ» أي لا معبود بحق سواك، والمعني الإجمالي لهذا الدعاء أنه لكمال صفاتك يا إلهي لا معبود بحق إلا أنت ولا إله غيرك.
(1)
قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ»
وإن شاء قال: «أَعُوْذُ بِاللَّهِ السَّمِيْعِ الْعَلِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ»
أو يقول: «أَعُوْذُ بِاللهِ السَّمِيْعِ الْعَلِيْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ».
فكل هذا جائز المهم أن يأتي بالاستعاذة.284
الجزء: 1 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=واختلف الفقهاء فيها، فالجمهور على أنه يتعوذ في الصلاة مطلقًا، وقال مالك (1): لا يتعوذ في المكتوبة.
والصواب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في الاستعاذة مطلقًا في الفريضة والنافلة.
وهل الاستعاذة واجبة أم مستحبة؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (2)، فأمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن، وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها مستحبة، وهذا هو الصواب.
لكن
هل الاستعاذة للصلاة أم لقراءة القرآن؟
الاستعاذة للقراءة، إذ لو كانت للصلاة لكان مقامها بعد تكبيرة الإحرام أو قبلها، ولذا كان من هدي - صلى الله عليه وسلم - أنه يستعيذ قبل القراءة، وفائدة الاستعاذة ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المرء وهو يتلوا كتاب الله تعالى، وبهذا يحصل التدبر.
ومعنى الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام بالله تعالى لأنه - سبحانه وتعالى - هو الملاذ.
- تنبيه: هل الاستعاذة في كل ركعة
في الصلاة، أم في الركعة الأولى فقط؟ نقول: المذهب 287 أن الاستعاذة تكون في الركعة الأولى فقط؛ لأن القراءة في الصلاة قراءة واحدة ليس لكل ركعة قراءة منفردة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تكون في كل ركعة لكل قراءة، وهي رواية في المذهب 288.285286
الجزء: 1 - الصفحة: 257
ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ (1)، وَلا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رضي الله عنهم - فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ» * (2)، = والذي يظهر أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتكون الاستعاذة لما شكى إليه عثمان بن أبي العاص أن الشيطان حال بينه وبين صلاته فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاثًا» (1).
(1)
قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»
أي يستحب له الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة، وهذا هو قول الحنيفة 290، وقال المالكية 291: لا يقرأ بالبسملة في الفريضة، وعند الشافعية 292: الأظهر وجوب قراءتها لأنها آية من الفاتحة، والصواب استحباب الإتيان بها.
لكن هل يجهر بها في الصلاة أم لا يجهر بها؟ سيذكر ذلك المؤلف.
(2)
قوله «وَلا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِيْ بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رضي الله عنهم - فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»
وكذا التعوذ والاستفتاح أي لا يجهرون بالبسملة في الصلاة، وهذا =289
الجزء: 1 - الصفحة: 258
ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ (1)، =قول الحنفية (1) أيضًا، وذهب الشافعية (2) إلى الجهر في الصلاة، والصحيح المذهب أي أنه لا يجهر بها؛ لحديث أنس المتقدم، وهو متفق عليه وهو حجة في محل النزاع، لكن إن جهر بها تأليفًا لقلوب قوم مذهبهم الجهر بها، فقال شيخنا (3) -رحمه الله-: أرجو أن لا يكون به بأس.
- تنبيه: اختلف أهل العلم هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟
فالجمهور على أنها ليست بآية من الفاتحة، وهي جزء من آية من سورة النمل إجماعًا، وآية فاصلة بين كل سورتين.
وذهب الشافعية (4) إلى أن البسملة آية من الفاتحة.
والصواب أن البسملة ليست آية من الفاتحة؛ لما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله يقول: قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِيْ وَبَيْنَ عَبْدِيْ نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِيْ مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي ... » (5). الشاهد أنه لم يذكر البسملة في هذا الحديث فدل على أنها ليست منها.
(1)
قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ»
هذا هو الركن الثالث من أركان الصلاة، فالركن الأول والثاني كما قلنا: القيام وتكبيرة الإحرام، ودليل ركنية الفاتحة قوله - صلى الله عليه وسلم -293294295296297
الجزء: 1 - الصفحة: 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 298، وقوله: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلاًثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» 299، وقوله: «فَلا تَفْعَلُوْا إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» 300. فلابد من قراءة الفاتحة في الصلاة فمتى تركها المصلي إمامًا أو منفردًا بطلت صلاته.
وقال الحنفية 301: تصح الصلاة بغير الفاتحة لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: «ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 302 فلم يشترط الفاتحة له في صلاته.
والصحيح أن الفاتحة ركن في الصلاة، لا تصح الصلاة بدونها وذلك في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فقد اختلف الفقهاء في وجوب الفاتحة عليه، فذهب الحنفية 303 إلى أن المأموم لا يقرأ مطلقاً خلف الإمام سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية.
وذهب المالكية 304 والحنابلة 305 إلى أنه لا تجب قراءتها على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية، بل يستحب ذلك، =
الجزء: 1 - الصفحة: 260
وَلا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا 306،
=وفي رواية عن الإمام أحمد (1) أنها تجب في الصلاة السرية دون الجهرية، واحتجوا لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» 307.
وذهب الشافعية 308 إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة مطلقاً سرية كانت أو جهرية لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 309، وأيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجزاء صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب» 310.
فهذا حاصل ما ذهب إليه فقهاء المذاهب في قراءة الفاتحة على المأموم.
أما الشيخين 311 فقالوا بوجوبها مطلقاً في حق المأموم، واحتجوا لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فَلَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» 312 وهم بذلك موافقون لمذهب الشافعية.
والذي أميل إليه: أن قراءة الفاتحة تجب على الإمام والمأموم فيما يسر فيه الإمام، أما ما يجهر به فلا تجب عليه، وهذا هو اختيار العلامة بن سعدي 313 -رحمه الله-.
(1) قوله «وَلا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» الضمير هنا عائد على الفاتحة أي لا صلاة لمن يقرأ بها، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 261
إِلاَّ الْمَأْمُوْمُ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ (1)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيْ سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَمَا لا يَجْهَرُ فِيْهِ (2)، ثُمَّ يَقْرَأُ سُوْرَةً تَكُوْنُ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (3)، (1) قوله «إِلاَّ الْمَأْمُوْمُ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» سبق بيان قول الفقهاء مع بيان الراجح.
(2)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيْ سَكَتَاتِ الإِمَامِ، وَمَا لا يَجْهَرُ فِيْهِ»
استثنى المؤلف حالتين يستحب للمأموم فيها أن يقرأ بفاتحة الكتاب:
الحالة الأولى: في سكتات الإمام، وليس للإمام إلا سكتتان: السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والسكتة الثانية عند الانتهاء من القراءة في الصلاة، فهذه هي السكتات التي جاءت بها السنة، أما بعد الفراغ من الفاتحة فليست هناك سكتة، وقال بعض الفقهاء: إن سكت ليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة فلا حرج.
الحالة الثانية: في ما لا يجهر فيه المأموم، أي في الصلاة السرية وهي الظهر والعصر، وكذا في الركعة الأخيرة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء، وهذا هو المذهب، أي يستحب للمأموم أن يقرأ بالفاتحة فيما لا يجهر فيه إمامه، والصواب كما ذكرنا أنه تجب فيما يسر فيه الإمام، وتسقط عن المأموم فيما يجهر فيه الإمام.
(3)
قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ سُوْرَةً تَكُوْنُ فِيْ الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ»
المفصل يبدأ من سورة «ق» إلى سورة «الناس»، والمفصل منه ما هو طوال وأواسط وقصار، فطوال المفصل تبدأ من سورة «ق» إلى سورة «النبأ»، وأواسط المفصل تبدأ من سورة «النبأ» إلى سورة «الضحى»، وقصار المفصل من سورة «الضحى» إلى سورة «الناس».
الجزء: 1 - الصفحة: 262
وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ (1)،
=فالسنة أن يقرأ المصلي في الصبح من طوال المفصل أي من «ق» أو «الذاريات» أو «الطور» أو «النجم» ونحو ذلك.
لكن ما الحكمة من أن صلاة الصبح تكون من طوال المفصل؟ نقول: قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (1)، فعبر الله - سبحانه وتعالى - عن صلاة الفجر بالقرآن إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون القرآن مستوعبًا لأكثرها، وهذا كان فعله - صلى الله عليه وسلم - فكانت صلاة الصبح يطيل فيها القراءة ما لا يطيل في غيرها، فكان يقرأ بها ما بين الستين إلى المائة.
(1)
قوله «وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ»
أي من قصار المفصل يعني من «الضحى» إلى «الناس»، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَشْبَهَ صَلاةً بِرَسُوْلِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ فُلانٍ كَانَ يُطِيْلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ» 315، لكن لا بأس أن يطيل أحيانًا في المغرب كما فعل - صلى الله عليه وسلم -، فقرأ فيها بـ «الأعراف» وبـ «المرسلات» 316، ولا بأس أن يقصر أحيانًا في الفجر كما قرأ - صلى الله عليه وسلم - بـ «الزلزلة» 317.314
الجزء: 1 - الصفحة: 263
وَفِيْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ (1). وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِيْ الصُّبْحِ وَالأُوْلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (2)، وَيُسِرُّ فِيْمَا عَدَا ذلِكَ (3). (1)
قوله «وَفِيْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ»
أي في الظهر والعصر والعشاء يستحب أن يقرأ فيها من أوسط المفصل، وهو كما قلنا من «النبأ» إلى «الضحى»، دليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ بن جبل «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ - فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فَإِنَّهُ يُصَلِّيْ وَرَاءَكَ الْكَبِيْرُ وَالضَّعِيْفُ وَذُو الْحَاجَةِ» (1)، لكن إن قرأ في كل ما ذكرنا بما يعادل طوال المفصل أو أوسطه أو قصاره فلا حرج.
(2)
قوله «وَيَجْهَرُ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِيْ الصُّبْحِ وَالأُوْلَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ»
هذا هو الثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -، وفعل خلفائه من بعده، وأجمعت الأمة على ذلك.
(3)
قوله «وَيُسِرُّ فِيْمَا عَدَا ذلِكَ»
أي يسر فيما عدا ما ذكره المؤلف، لكن لو رفع صوته بالقراءة أحيانًا فلا بأس بل هذا سنة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع صوته بالقراءة أحيانًا يسمع أصحابه إياها.
وخلاصة الأمر هنا: أن الجهر بالقراءة في مواضع الجهر والإسرار فيها في مواضع الإسرار أمر مجمع على استحبابه، فإن جهر في مواضع الإسرار وأسرّ في مواضع الجهر فقد ترك السنة وصحت صلاته، لكن إن نسي الإمام فجهر=318
الجزء: 1 - الصفحة: 264
ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ (1)، =في مواضع الإسرار ثم ذكر في أثناء قراءته بنى على قراءته، أما إن نسي فأسرّ في موضع الجهر روايتان في المذهب (1): إحداهما أنه يمضي في قراءته، والثانية: يستأنف القراءة جهرًا على طريق الاختيار لا على طريق الوجوب، وهذا هو الصواب، أما المأموم فلا يشرع له الجهر بالقراءة، وما نراه من بعض الناس أنه يجهر بالقراءة أحيانًا وهو مأموم فهذا خلاف السنة.
- تنبيه: من فاته بعض الصلاة فقام ليقضيها، هل يجهر بالقراءة فيما يشرع فيه الجهر؟ الصواب أنه مخير في ذلك، إن شاء جهر وإن شاء أسرّ، لكن يجهر بقدر أن يسمع نفسه حتى لا يشوش على غيره.
(1)
قوله «ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ»
التكبير هنا واجب للركوع وهو ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُوْمُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» 320. أما الركوع فهو ركن في الصلاة لا تتم صلاة العبد إلا به فلا يسقط سهوًا ولا جهلاً، والركوع هو الانحناء، والانحناء في الظَّهر، والمقصود به تعظيم الله، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «فَأَمَّا الرُّكُوْعُ فَعَظِّمُوْا فِيْهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ» 321، لكن متى =319
الجزء: 1 - الصفحة: 265
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ (1)، =يكون محل التكبير للركوع؟ الجواب: يكون التكبير بين القيام وبين الركوع، ولهذا من كبر قبل الركوع أو بعد الركوع فقد أخطأ، ولهذا قال بعض الفقهاء (1) - رحمهم الله -: لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي أو أتمه بعد أن يصل إلى الركوع فإنه لا يجزئه، وعللوا لذلك بأن التكبير محله بين الركنين، فإن أدخله في الركن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركن الثاني لم يصح، والصواب أنه يجزئه لكنه خلاف الأولى.
(1)
قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ»
أي عند تكبيره للركوع يرفع يديه حذو منكبيه أو فروع أذنيه كما سبق، ودليل ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوْعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ» 323 ويكون محل الرفع عند ابتداء تكبيره وانتهاؤه عند انتهائه.
ورفع اليدين عند التكبير للركوع قال به الشافعي 324 ومالك 325 في إحدى الروايتين عنه، وخالف أبوحنيفة 326 والمالكية 327 فقالوا: لا يرفع إلا في تكبيرة الافتتاح.
والراجح أنه يرفع لصريح الأدلة التي جاءت في صحيح البخاري ومسلم، أنه =322
الجزء: 1 - الصفحة: 266
ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ (1)، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ (2)، = كان - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- السابق.
(2)
قوله «ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ»
هذه هي صفة الركوع، فأول هذه الصفة: (أ) أن يضع يديه على ركبتيه، وهذا ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -، وهو قول الأئمة الأربعة، وذهب بعض السلف إلى التطبيق أي أن يجعل المصلي إحدى كفيه على الأخرى ثم يجعلها بين ركبتيه إذا ركع، والصحيح ما ذهب إليه الأئمة وهو أن يضع المصلي يديه على ركبتيه، أما ما ذهب إليه بعض السلف فهذا كان أول الإسلام ثم نسخ، دليل ذلك ما جاء في الصحيح من حديث مصعب بن سعد قال: «صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِيْ فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِيْ أَبِيْ وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِيْنَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيْنَا عَلَى الرُّكَبِ» (1). (ب) أن يفرج أصابعه، فلا يجعلها مضمومة كما يفعله البعض بل يجعلها مفرجة كأنه قابض على ركبتيه، وهذا ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
(2)
قوله «وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ»
هذا هو الأمر الثالث في صفة الركوع، وهي أن يمد ظهره فيجعله حال ركوعه مستويًا، فلا يقوس ظهره ولا يهصره حتى ينزل وسطه ولا ينزل مقدم ظهره، وإنا لنعجب حين نرى بعض الناس من الأئمة وغيرهم لا يطبقون هذه السنة، بل تراهم إما أن ينزل مقدم ظهره أو يرفعه بحيث لا =328
الجزء: 1 - الصفحة: 267
وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ (1)، ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ، ثَلاثًا (2)، =يكون مستويًا، وهذا خلاف السنة، قالت عائشة - رضي الله عنها -: « .. وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذلِكَ .. » (1). وقال وابصة ابن معبد - رضي الله عنه -: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيْ فَكَانَ إِذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لاسْتَقَرَّ» (2).
(1)
قوله «وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ»
أي يجعل رأسه حيال ظهره حال ركوعه، وهذا هو الأمر الرابع في صفة الركوع، ودليله حديث عائشة السابق، فمتى جاء المصلي بهذه الأمور الأربعة فقد قام بأداء السنة في ركوعه.
وهناك أمر لم يذكره المؤلف وهو أن يجافي بين يديه حال ركوعه أي يفرج يديه عن جنبه، لكن هذه السنة مشروطة بعدم أذية من يصلي بجانبه، فإن كان في أداء هذه السنة أذية للغير فلا يشرع فعلها؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يفعل سنة يؤذي بها غيره.
وما ذكره المؤلف -رحمه الله- هو صفة الركوع المستحبة، لكن الواجب من الركوع هو أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام.
والمشهور من المذهب (3) أن الركوع الواجب هو أن ينحني بحيث يمكن أن يمس ركبتيه بيديه إذا كان وسطًا.
(2)
قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ، ثَلاثًا»
اختلف الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود، هل هو واجب أم مستحب؟ فالمذهب 332 على أنه واجب، وهو قول=329330331
الجزء: 1 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 333 وشيخنا محمد العثيمين 334 - رحمهما الله - وهو الذي نرجحه، وذهب الأئمة الثلاثة 335 إلى استحباب ذلك في الركوع والسجود.
وقوله «ثَلاثًا» هذا على سبيل الاستحباب، وإلا فالواجب في التسبيح للركوع مرة واحدة، وما زاد على ذلك فمستحب، لكن إن جاء المصلي بأي صفة أخرى من التسبيح كقوله: «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ» 336، أو «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ» 337، أو قال «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» 338، ونحو ذلك مما جاءت به السنة، هل يجزئه عن قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ»؟ المذهب: لا يجزئه ذلك، بل لابد أن يأتي بقول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» لأن هذا هو الذكر المنصوص عليه فالواجب الإتيان به، وإن زاد فحسن، والصواب أنه إن جاء بأي ذكر مما جاءت به السنة أجزأه ذلك؛ لأن المهم حصول ذكر حال الركوع سواء جاء بقول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» أو جاء بغيره من أنواع التسبيح الأخرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 269
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (1)، (1)
قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»
وهذا للإمام والمنفرد، وهذا الذكر واجب في المذهب (1)، وذهب الأئمة الثلاثة (2) إلى مشروعيته لا وجوبه، والصحيح أنه واجب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (3). وجاء في صفة صلاته أنه كان يقول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» كما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - حيث قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَقُوْمُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِيْنَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِيْنَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُوْلُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (4)، وجاء عنه أنه قال: «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (5). لكن
هل يقول المأموم كما يقول الإمام
والمنفرد «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أم يكفيه أن يقول: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»؟ محل خلاف بين الفقهاء، فقد ذهب الصنعاني 344 وغيره إلى أنه لابد من قوله «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لأنه هو ذكر القيام من الركوع.
والصواب: أنه لا يلزم المأموم الإتيان بقول «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لقوله - صلى الله عليه وسلم - =339340341342343
الجزء: 1 - الصفحة: 270
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ (1)،
= «وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وهذا هو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
ومعنى «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» أي استجاب الله تعالى لمن أثنى عليه.
(1)
قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الأَوَّلِ»
أي يرفعها كرفعه لتكبيرة الإحرام، وكذا تكبيره للركوع؛ لما جاء ذلك في حديث ابن عمر السابق، ولم يذكر المؤلف
أين يضع المصلي يديه بعد الرفع من الركوع،
والصواب أن يضعها على صدره لا يرسلها، وهذا هو الذي يقتضيه حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ» 346، هذا هو الصحيح، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 347 وشيخنا محمد العثيمين 348 - رحمهما الله -، وذهب الإمام أحمد 349 إلى التخيير بين وضع اليمنى على اليسرى وبين إرسالها، لكن الصواب ما ذكرناه للحديث المتقدم.
تنبيه: لا تجعل مسألة إرسال اليد أو قبضها بعد الركوع قضية يتخاصم فيها المسلم مع أخيه المسلم، فإنه للأسف نرى بعض المسلمين يهجر بعضهم بعضًا بسببها، وهذا ناتج عن الجهل وقلة العلم، بل الذي ينبغي أن يعلم أن هذه المسألة من قبيل السنن لا من قبيل الواجبات، فكون الرجل يصلى =345
الجزء: 1 - الصفحة: 271
فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ (1)، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ * (2) =مرسلاً ولم يقبض يديه قبل الركوع أو بعده فصلاته صحيحة وإن ترك الأفضل في الصلاة فلا ينبغي لأحد أن يهجر أخاه ويحصل بينهم فرقة ونزاع في هذه المسألة وغيرها، وقد رأينا في بعض البلاد الإسلامية أموراً عجيبة حول هذه المسألة.
(1)
قوله «فَإِذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قَالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»
أي متى اعتدل المصلي قائمًا من الركوع قال: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» وهذه هي إحدى الصفات التي جاءت بها السنة.
وقد ورد في ذلك أربع صفات: الأولى: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والثانية: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، والثالثة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، والرابعة: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
وكل هذه الصفات جاءت في أحاديث صحيحة، وكل واحدة منها مجزئة، لكن الأفضل أن يقول هذه أحيانًا وهذه أحيانًا، والقاعدة في ذلك «أن العبادات التي جاءت على وجوه متنوعة فالأفضل فعلها على هذه الوجوه».
(2)
قوله «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»
أي يستحب الزيادة على قوله «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» أن يقول هذا الذكر وهذا ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. و
معنى قوله «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ»
أي أنه سبحانه محمود على كل مخلوق يخلقه وعلى كل فعل يفعله، فمن المعلوم أن السماوات والأرض بما فيها كلها من خلق الله فيكون الحمد مالئًا للسماوات والأرض؛ لأن =
الجزء: 1 - الصفحة: 272
وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُوْمُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ * (1). ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا مُكَبِّرًا (2)
=المخلوقات تملئ السماوات والأرض.
وقوله «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» أي ما سوى السماء والأرض مما لا نعلمه، وقيل في تفسيرها ما يشاؤه سبحانه بعد فناء السماء والأرض.
وإن زاد على الذكر «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (1) فهذا حسن لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1)
قوله «وَيَقْتَصِرُ الْمَأْمُوْمُ عَلَى قَوْلِ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»
إن كان مراده أن لا يقول «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» بل يقتصر على قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فهذا صحيح، وقد ذكرنا ذلك سابقًا وقلنا بأن المأموم المشروع في حقه أن يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ولا يلزمه الإتيان بـ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» وله أن يأتي بأي صفة من الصفات الأربع المذكورة آنفًا.
وإن كان مراده أن لا يقول: «مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ .. » و «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ .. » وغير ذلك من الأذكار المشروعة بعد قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فالصواب أنه يستحب الإتيان بها للإمام والمأموم والمنفرد.
(2)
قوله «ثُمَّ يَخِرُّ سَاجِدًا مُكَبِّرًا»
ثم أداة عطف تفيد الترتيب والتراخي، إذًا فما هو مقدار الاعتدال بعد الركوع؟ الجواب: يكون بمقدار الركوع تقريبًا كما جاء في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - حيث قال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - =350 * أخرجه مسلم في كتاب الصلاة - باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع- رقم (733).
الجزء: 1 - الصفحة: 273
وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ (1)، وَيَكُوْنُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثَمَّ كَفَّاهُ (2)،
=فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوْعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيْمِ وَالاِنْصِرَافِ قَرِيْبًا مِنَ السَّوَاءِ» (1)، إذًا فالسنة الواردة في القيام بعد الركوع الإطالة في هذا الركن، بخلاف ما يفعله البعض من تخفيف هذا الركن، بل وصل الحد عند البعض أنه لا يطمئن في هذا الركن وهذا غلط عظيم.
وقوله «مُكَبِّرًا» أي يكبر حين هويه للسجود.
(1)
قوله «وَلا يَرْفَعُ يَدَيْهِ»
أي لا يرفع يديه عند سجوده، وذلك لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المتقدم وفيه «وَلا يَفْعَلُ ذلِكَ فِي السُّجُوْدِ» (2)، وهذا هو الصحيح، بخلاف ما ذهب إليه بعض العلماء أنه يشرع للمصلي أن يرفع يديه في كل خفض ورفع واستدل لذلك بحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - «كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيْ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (3)، وقد أجاب ابن القيم (4) على هذا الحديث بأنه وهم من الراوي والصواب أنه - صلى الله عليه وسلم - «كَانَ يُكَبِّرُ فِيْ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» (5)، وأيضًا حديث ابن عمر المتقدم صريح بعدم الرفع عند السجود وهو مقدم على الحديث الضعيف.
(2)
قوله «وَيَكُوْنُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ، ثَمَّ كَفَّاهُ»
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف أن السنة عند=351352353354355
الجزء: 1 - الصفحة: 274
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =السجود وضع الركبتين قبل اليدين حين الهوى إلى السجود، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية 356، والحنابلة 357، والشافعية 358، وهو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 359، وشيخنا محمد العثيمين 360 - رحمهما الله -، ودليل ذلك حديث وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» 361. القول الثاني: وهو قول المالكية 362، وإحدى الروايتين عند أحمد 363، وهو قول أصحاب الحديث: أن المصلي الأفضل له عند سجوده وضع اليدين قبل الركبتين، واحتجوا لذلك بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيْرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» 364، وأيضًا احتجوا بتبويب البخاري لذلك حيث قال: «باب يهوي بالتكبير حين سجد=
الجزء: 1 - الصفحة: 275
ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ (1)،
=وقال نافع: وكان ابن عمر - رضي الله عنهما- يضع يديه قبل ركبتيه»، وفي رواية «كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه ويقول كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك»، وقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم».
والذي يظهر أن الأمر في ذلك واسع فمن رأى أن السنة تقديم الركبتين فعل، ومن رأى أن السنة تقديم اليدين فعل، لكن القول الأول أصرح دليلاً، وقد نصره العلامة ابن القيم في زاد المعاد (1) وغيره، وبيَّن أنَّ في الحديث انقلاب.
(1)
قوله «ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ»
وذلك لأنهما من أعضاء السجود السبعة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ» (2). لكن
هل يجب السجود على الجبهة والأنف؟
الصحيح أنه يجب السجود عليهما، وهو المذهب 367، وقول مالك 368 في رواية عنه وذلك للحديث المذكور، وذهب أبو حنيفة 369، وهو قول عن مالك 370 إلى أن السجود على الأنف لا يجب.365366
الجزء: 1 - الصفحة: 276
وَيُجَافِيْ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ (1)، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ (2)، وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (3). (1)
قوله «وَيُجَافِيْ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ»
وهذا سنة؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بحينة: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» (1)، لكن يستثنى من ذلك إذا كان في صلاة جماعة وخشي أن يؤذي غيره بهذه المجافاة، فهنا لا يستحب له فعلها؛ لأن أقل أحوالها الكراهة لما يحصل فيها من تشويش على من بجانبه.
(2)
قوله «وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ»
أي يستحب أن يجافي بين بطنه وفخذيه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اعْتَدِلُوْا فِي السُّجُوْدِ وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (2)، ولا يحصل الاعتدال إلا إذا جافى بالعضدين عن الجنبين، وبالبطن عن الفخذين، وبالفخذين عن الساقين.
لكن ليس معنى ذلك أن يمد ظهره حتى يقرب من الانبطاح كما يفعله البعض، بل هذا بدعة لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة ولا غيرهم من سلف الأمة، لكن الذي ورد أنه يمد ظهره في الركوع فقط، أما في السجود فالسنة أن يرتفع ببطنه ولا يمده.
(3)
قوله «وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ»
هذا هو المذهب 373، وهو قول الشافعي 374، وقيل: بل يجعلها حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر عند مسلم=371372
الجزء: 1 - الصفحة: 277
وَيَكُوْنُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ (1)، ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلاثًا (2)،
=أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ» (1)، وفي رواية عند أحمد « ... ثُمَّ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ» (2). وقال شيخنا (3): يكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدمهما وجعلهما على حذاء الجبهة أو فروع الأذنين؛ لأن هذا جاءت به السنة.
ويستحب أن يضع المصلي راحتيه على الأرض مبسوطتين مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض مستقبلاً بهما القبلة.
(1)
قوله «وَيَكُوْنُ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ»
مستقبلاً بهما القبلة، لكن
هل يفرق بين القدمين أثناء سجوده
أم يضم بعضهما إلى بعض؟ المذهب (4) أنه يفرق بينهما، وقال بعض أهل العلم: بل يجمعها مضمومتين يعني يرص القدمين بعضهما ببعض، وهذا هو قول شيخنا، واحتجوا لذلك بحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان «رَاصًّا عَقِبَيْهِ» (5). (2)
قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، ثَلاثًا»
والكلام هنا كالكلام عند قوله -رحمه الله- «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ»، فقول المصلي «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» واجب في الصلاة والمجزئ منه مرة واحدة، وذهب الأئمة الثلاثة 380 إلى أن هذا التسبيح=375376377378379
الجزء: 1 - الصفحة: 278
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (1)، = في الصلاة سنة ليس بواجب، والصحيح أن التسبيح واجب في الصلاة.
تنبيهان
:
أولاً: إذا جاء بتسبيح غير المذكور كأن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ» (1) أو قال: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (2) ونحو ذلك، هل يجزئه؟ المذهب أن الواجب من التسبيح أن يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» وإن زاد على هذا الذكر فحسن، والصواب كما ذكرنا أنه يأتي بأي نوع من أنواع التسبيحات المذكورة.
ثانيًا: المذهب (3): لا تستحب الزيادة على قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في الفرض، وفي التطوع روايتان، والصحيح أن الزيادة على قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ االأَعْلَى» مشروعة بل مستحبة؛ لورود ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1)
قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا»
ودليله حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق وفيه «إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ» 384، وهذا التكبير واجب في الصلاة كما ذكرنا ذلك سابقًا، وذهب جمهور أهل العلم على أن جميع التكبيرات سنة =381382383
الجزء: 1 - الصفحة: 279
وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى (1) = تكبيرة الإحرام فهي فرض.
(1)
قوله «وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى»
هذه هي صفة الجلوس بين السجدتين، فالسنة أن يجلس بين السجدتين مفترشًا، وصفة الافتراش كما ذكره المؤلف هي أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، ودليل ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» 385، وأيضًا جاء في حديث أبي حميد الساعديّ - رضي الله عنه - في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِيْ مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلاً ثُمَّ أَهْوَى سَاجِدًا» 386، لكن إن فرش قدميه وجلس على عقبيه، المذهب 387 أنه يكره ذلك، وبالكراهة قال الحنفية 388 والمالكية 389، وقال الشافعية 390 وهو رواية المذهب 391 أنه لا يكره بل من السنة فعل ذلك، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: «من السنة أن يمس عقبك=
الجزء: 1 - الصفحة: 280
وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ (1)،
=إليتيك» (1)، وقال طاووس: «قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - صلى الله عليه وسلم -» (2)
وهناك صفة أخرى جاءت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضًا وهي: أن ينصب المصلي قدميه ويجلس على عقبيه.
فالمذهب (3) أن هذه الصفة والتي قبلها ليست من السنة.
والصواب أن يقال: كل ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأحاديث صحيحة يعد سنة، لكن لا يواظب الإنسان على فعله، بل يفعله أحيانًا لبيان الجواز وإحياء للسنة، فيشرع للمصلي أن يفرش كلتا رجليه أحيانًا أو ينصبها ويجلس عليها أحيانًا، لكن يكون ذلك بين السجدتين كما ذكر ذلك بعض أهل العلم، أما في الجلوس للتشهد فالسنة أن يفرش اليسرى وينصب اليمنى.
(1)
قوله «وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ»
أي يثني أصابع اليمنى ويجعلها نحو القبلة؛ لورود ذلك في صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
- تنبيه: أين يجعل المصلي يديه حال الجلوس بين السجدتين
وكيف تكونان؟ نقول: هناك صفتان في وضع اليدين حال الجلوس بين السجدتين:
الصفة الأولى: أن يضع يديه على فخذيه وأطراف أصابعه عند ركبتيه.
والصفة الثانية: أن يضع يديه على ركبتيه، فيضع اليد اليمنى على الركبة=392393394
الجزء: 1 - الصفحة: 281
وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا (1)، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى (2)،
=واليد اليسرى على الركبة يلقمها الركبة كأنه قابض لها.
أما عن كيفية اليدين في حال وضعهما على الركبة في الصلاة فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فجمهور الفقهاء أن اليدين اليمنى واليسرى تكونان مبسوطتي الأصابع موجهة إلى القبلة، وذهب ابن القيم (1) واختاره شيخنا (2) -رحمه الله- أن السنة في ذلك أن تكون اليد اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة، أما اليمنى فالسنة أن يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام على البنصر الوسطى ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء.
(1)
قوله «وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا»
وهذا الذكر واجب في الصلاة والمجزئ مرة واحدة، والمستحب الإتيان به ثلاثًا، وبوجوبه قال الحنابلة (3)، وذهب الجمهور إلى أن ذلك سنة وليس بواجب، وإن زاد المصلي على ذلك فقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ وَارْحَمْنِيْ وَاجْبُرْنِيْ وَارْفَعْنِيْ وَارْزُقْنِيْ وَاهْدِنِيْ» (4)؛ لوروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فحسن.
(2)
قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى»
أي كالسجدة الأولى في الأقوال والأفعال، فيقول فيها كما قال في السجدة الأولى «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ»، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ =395396397398
الجزء: 1 - الصفحة: 282
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (1)، وَيَنْهَضُ قَائِمًا (2)، =اغْفِرْ لِيْ»، «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» ونحو ذلك.
(1)
قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا»
والتكبير هنا واجب كما ذكرنا لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - السابق بخلاف قول الجمهور بسنيتها.
(2)
قوله «وَيَنْهَضُ قَائِمًا»
أي بلا جلوس للاستراحة وهذا هو المذهب 399، وذهب الشافعية 400 إلى أن الجلوس للاستراحة سنة مطلقًا، سواء احتاج الإنسان إليه أم لم يحتج، وهذا هو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 401 -رحمه الله-، وهو قول أكثر أهل الحديث، واستدلوا لذلك بحديث مالك بن الحويرث الليثي - رضي الله عنه - «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِيْ وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» 402، وفي رواية «جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ» 403. وذهب شيخنا محمد العثيمين 404 -رحمه الله- إلى قول وسط في هذه المسألة فقال: إن كان المصلي يحتاج إلى الجلوس أي لا يستطيع أن ينهض بدون جلوس فيجلس تعبدًا، وإن كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس، وهو قول صاحب المغني، واختاره ابن القيم، وهذا هو الراجح.
- تنبيه: إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة، فهل يشرع للمأموم أن يجلس =
الجزء: 1 - الصفحة: 283
فَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالأُوْلى (1). =لها إذا كان يرى أنها سنة؟ الجواب: متابعة الإمام أفضل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (1)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوْا» (2)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، فدل ذلك على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخر عن الإمام ولو يسيرًا.
(1)
قوله «فَيُصَلِّيْ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى»
أي يصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الركعة الأولى، قال - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ فِيْ صَلاتِكَ كُلِّهَا» (3)، لكن الركعة الثانية تخلو من النية وتكبيرة الإحرام والاستفتاح؛ لأن هذه من خصائص الركعة الأولى.
تنبيه: هل يستعيذ عند القراءة في الركعة الثانية؟
قلنا: إن ذلك محل خلاف، فإحدى الروايتين عن أحمد 408 وهي المذهب: أنه لا يستعيذ إلا في الأولى، والرواية الثانية عن أحمد 409 وهو قول الشافعي 410 -رحمه الله- أنه يستعيذ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 411 فيقتضي ذلك تكرار الاستعاذة عند تكرار القراءة، لكن الصواب الأول كما رجحنا=405406407
الجزء: 1 - الصفحة: 284
فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ مُفْتَرِشًا (1)، فَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ (2)، وَيُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى (3) وَيُشِيْرُ بِالسَّبَابَةِ (4)، =ذلك سابقًا.
(1)
قوله «فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ مُفْتَرِشًا»
أي إذا فرغ من الركعة الأولى والثانية جلس للتشهد مفترشًا أي يفرش رجله اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى، فيكون جلوسه هنا مثل جلوسه بين السجدتين المتقدم ذكره.
(2)
قوله «فَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرى عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ»
أي يقبض من يده اليمنى الخنصر والبنصر، والخنصر هو الأصبع الأصغر والبنصر هو الذي يليه.
(3)
قوله «وَيُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى»
الإبهام هو الأصبع الأكبر، فيحلق مع الوسطى أي يحلق مقدم الإبهام مع مقدم الوسطى فيأخذ شكل حلقة، وهذه هي إحدى الصفات الواردة وهناك صفة أخرى وهي أن يضم الخنصر والبنصر والوسطى ويضم إليها الإبهام وتبقى السبابة مفتوحة.
(4)
قوله «وَيُشِيْرُ بِالسَّبَابَةِ»
السبابة هي ما بين الإبهام والوسطى، وسميت بذلك لأن الإنسان يشير بها عند السبِّ، وتسمى أيضًا السباحة لأنه يشير بها عند التسبيح.
لكن
متى يشير بالسبابة؟
قال الفقهاء يشير بها عند ذكر الله في الصلاة، ويكون ذلك من بداية التشهد إلى آخره، وقال بعضهم: بل يشير بها عند قول: «أشهد أن لا إله إلا الله»، والصواب أنه يشير بها عند الذكر والدعاء فقط؛ لقوله في الحديث «يُحَرِّكُهَا =
الجزء: 1 - الصفحة: 285
وَيَقُوْلُ: التَّحِيَّاتُ للهِ (1)، =يَدْعُوْ بِهَا» (1). وقد اختلف الفقهاء في الإشارة بالسبابة في التشهد؛ فذهب بعض الحنفية (2) إلى عدم مشروعيته، وإجماع السلف على خلافه، لكن ورد الخلاف في تحريكها حال الإشارة بها، فالمذهب (3) لا يرى التحريك أي يشير بالسبابة من غير تحريك، والصواب أن تحريك السبابة مستحب، ويكون تحريكها كما ذكرنا عند الذكر والدعاء، ولا يكون التحريك كما نراه من البعض عبارة عن اهتزاز الأصبع كهيئة المرتعش، بل يكفي التحريك الذي هو عبارة عن إشارة فقط، وليس معنى التحريك أيضًا تحريك السبابة يمينًا وشمالاً كما يحدث من البعض؛ لأنه لم يرد دليل على ذلك، بل يكون التحريك بالإشارة فقط عند الدعاء.
(1)
قوله «وَيَقُوْلُ: التَّحِيَّاتُ للهِ»
هذا هو التشهد، وقد اختلف فيه الفقهاء؛ فقال الحنفية 415 والمالكية 416 بأنه سنة، وقال الشافعية 417 والحنابلة 418 بوجوبه وهذا هو الحق؛ لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كُنَّا نَقُوْلُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ فَقَالَ رَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - =412413414
الجزء: 1 - الصفحة: 286
وَالصَّلَوَاتُ (1)، وَالطَّيِّبَاتُ (2)، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ (3) = «لا تَقُوْلُوْا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُوْلُوْا التَّحِيَّاتُ للهِ ... » (1). وقوله «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي حال جلوسه للتشهد يأتي بهذه الصفة التي سيذكرها المؤلف، ومعنى «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي جميع أنواع التعظيمات من دعاء وصلوات وكل طيب من الأقوال والأفعال لله تعالى، واللام في قوله «التَّحِيَّاتُ» للاستحقاق والاختصاص، فلا يستحق أي نوع من التحيات إلا لله عز وجل.
(1)
قوله «وَالصَّلَوَاتُ»
أي الصلوات كلها؛ فرضها ونفلها وكل الأدعية لله استحقاقًا لا أحد يستحقها غيره، فلازم أن تكون هذه الصلوات المؤداة لله إخلاصًا وعبودية، وقيل في معناها أيضاً العبادات، وقيل الرحمة.
(2)
قوله «وَالطَّيِّبَاتُ»
كل طيب من الأقوال والأفعال والصفات لله تعالى، فما يتعلق به سبحانه وتعالى له من الأوصاف أطيبها، ومن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتصف إلا بالطيب، فهو سبحانه وتعالى طيب في كل شيء، في ذاته وصفاته وأفعاله، فالطيبات إذاً هي الكلام الذي هو ثناء على الله تعالى وذكر له.
(1)
قوله «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»
السلام هو السلامة من كل شر في الدنيا والآخرة، وهذه الجملة خبر بمعنى الدعاء، بمعنى أنك تدعو بأن الله يسلم =419
الجزء: 1 - الصفحة: 287
وَرَحْمَةُ اللهِ (1)، وَبَرَكاتُهُ (2) =نبيه من شرور الدنيا والآخرة، وخبر بمعنى قوة رجاء كأن الإجابة أمرٌ واقع.
لكن
هل يقال في التشهد «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ» بحذف الكاف
لورود ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه -؟ نقول: لا، بل يأتي بالكاف فيقول: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» لأن هذه هي الصفة التي علمها النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته في حياته، ولم يقل لهم إذا متُّ فقولوا: «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ»، بل علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن على لفظها، وما جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - هو اجتهاد منه خالفه فيه من هو أعلم منه كعمر - رضي الله عنه -، فإنه خطب الناس على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، فلم يخالفه أحد من الصحابة وقال له: «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ».
ثم إن الكاف هنا ليست كاف خطاب حاضر يتكلم، بل هي هنا بمنزلة تنزيل الغائب منزلة الحاضر؛ لقوة استحضار القلب له، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية 420 -رحمه الله-.
(1) قوله «وَرَحْمَةُ اللهِ» جملة معطوفة على ما قبلها وهي قوله «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» أي السلام عليك ورحمة الله عليك أيها النبي.
(2) قوله «وَبَرَكاتُهُ» جمع بركة، والبركة هي دوام الخير وثبوته، وأصل البركة من البِرْكَةِ بكسر الباء وهي مجمع الماء الكثير الثابت، والبركة أيضًا معناها النماء والزيادة في كل خير.
والدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالبركة يكون حال حياته وبعد مماته، فأما في حال حياته فقد
حصل من الصحابة- رضوان الله عليهم - حيث كانوا يدعون له في صلاتهم=
الجزء: 1 - الصفحة: 288
السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ (1)، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ (2)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ (3)،
=بالبركة كما هو معروف في أثناء تشهدهم، والمراد به هنا أن يبارك الله تعالى له في أهله وعمله وطعامه وكسوته ونحو ذلك، ويكون ذلك بثبوت الخير له ودوامه عليه.
أما بعد مماته فيكون الدعاء بالبركة له بأن يبارك الله في أتباعه وما يتبع فيه، فكثرة الأتباع تكون بزيادتهم وما يتبع فيه يكون بكثرة أعمال الخير ودوامها، فيحصل له بذلك الأجر العظيم بكثرة الأتباع وكثرة العمل من الأتباع.
(1)
قوله «السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ»
بعد أن فرغ المصلي من الدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالسلامة والرحمة والبركة، هنا يدعو لنفسه ولإخوانه المسلمين.
والضمير في قوله «عَلَيْنَا» قيل يعود على المصلين، وقيل على الملائكة، وقيل على جميع الأمة المحمدية وهذا هو الأظهر، فالمصلي يدعو لنفسه ولإخوانه من هذه الأمة.
أما قوله «وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ» هذا تعميم بعد تخصيص، وذلك لأن عباد الله الصالحين هم في الحقيقة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
(2)
قوله «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ»
أي أشهد أنه لا معبود بحق إلا الله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (1). (3)
قوله «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ»
أي أشهد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عبد الله أي عابد له لا يملك من الربوبية شيء بل هو بشر مثلنا، لكن ميزه الله تعالى بالوحي وبما جبله عليه من العبادة والأخلاق العظيمة، وقوله «وَرَسُوْلُهُ» =421
الجزء: 1 - الصفحة: 289
فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ التَّشَهُّدِ (1)، =أي أرسله الله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه.
(1)
قوله «فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ التَّشَهُّدِ»
وهو ثابت عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، فعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِيْنَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْكَلامِ مَا شَاءَ» (1)، هذا هو التشهد الأول، لكن
هل يأتي المصلي بالصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول؟
قولان لأهل العلم: فأكثر أهل العلم على أنه لا تشرع إلا في التشهد الأخير، وهذا اختيار شيخنا محمد العثيمين 423 -رحمه الله-، وذهب النووي كما في المجموع 424 وبعض أهل العلم واختاره سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 425 -رحمه الله- إلى أن الصلاة على النبي تشرع في التشهد الأول وقال هذا على الصحيح.
والذي نرجحه من القولين ما ذهب إليه سماحة شيخنا ابن باز -رحمه الله- لعموم الأدلة فلم تخصص هذه الأدلة التشهد الأخير، بل هي عامة تشمل التشهدين، لكنها في التشهد الأول مستحبة وليست بواجبة.422
الجزء: 1 - الصفحة: 290
ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (1)، (1)
قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»
هذه إحدى صفات الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، فالمشهور من المذهب 426 أنها ركن لا تصح الصلاة بدونها، وفي رواية في المذهب 427 أنها واجبة تصح بدونها مع جبر الصلاة بسجود سهو، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد 428 وهي المذهب عند الحنفية 429 والمالكية 430 أن الصلاة الإبراهيمية في الصلاة سنة وليست بركن ولا واجبة، واختار هذا القول شيخنا محمد العثيمين 431 -رحمه الله-، وذهب الشافعية 432 إلى أنها فرض في التشهد الثاني.
والصحيح أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ركن لا تتم الصلاة إلا بها وهذا في التشهد الأخير، أما في التشهد الأول فمستحبة.
وقوله «اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» الصلاة من الله على أنبيائه ورسله هي ثناؤه عليهم عند الملائكة المقربين، فقولنا اللهم صل على محمد؛ أي أثن عليه وأعل ذكره، وزده تعظيمًا وتشريفًا.
وقوله «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» أي أقاربه الذين تحرم عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب وأزواجه.
الجزء: 1 - الصفحة: 291
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَآلِ إِبْرَاهِيْمَ (1)، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ (2)، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ (3)، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (4)، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ (5)، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ (6). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ (7)، (1)
قوله «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وآلِ إِبْرَاهِيْمَ»
أي كما مننت بهذه الصلاة على إبراهيم امنن بها على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. (2)
قوله «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ»
إنك أنت المستحق للمحامد والتمجيد.
(3) قوله «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» أي أنزل عليهم البركة.
(4) قوله «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «الآل» إن أفردت تشمل جميع الأتباع، ويكون المراد بها أتباعه - صلى الله عليه وسلم - من قراباته ومن آمن به واتبعه من أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وهذا هو المراد في التشهد فأنت حينما تقول: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» فقد دعوت لأقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ودعوت لنفسك أنت كذلك بالبركة.
(5)
قوله «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ»
أي كما خصصت نبيك وخليلك إبراهيم وآله بالبركة، فكذلك أنزل بركتك على نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وآله، فما أعظمه من دعاء.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لننال هذه البركة أعني البركة في العمل والبركة في العمر والبركة في نعم الدنيا.
(6) قوله «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ» قد سبق ذكره.
(7)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ»
اختلف العلماء في هذا الدعاء المذكور، فالجمهور على أنه سنة في الصلاة، وقيل بأنه واجب وهذا رواية عن الإمام أحمد 433، والراجح أنه واجب، لكن فينبغي للمصلي أن لا يترك =
الجزء: 1 - الصفحة: 292
وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (1)،
=هذا الدعاء لخطورة هذه الأربع التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستعاذة منها.
قوله «عَذَابِ جَهَنَّمَ» علم على النار وهي مخلوقة وموجودة الآن كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (1)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - حينما صلى الكسوف عرضت عليه النار ووجد فيها عمرو بن لحي الخزاعي، وأيضًا عرضت عليه في المعراج ورأى فيها أناساً يعذبون.
ومعنى «أعوذ بالله من عذاب جهنم» أي ألجأ وأعتصم بالله من عذاب في جهنم أو من العذاب الحاصل في جهنم.
(1)
قوله «وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»
معطوف على ما قبلها أي أستعيذ بالله من عذاب القبر أي ما يحصل فيه من العقوبة، وعذاب القبر ثابت بظاهر القرآن وصريح السنة وإجماع المسلمين.
فمن ظاهر القرآن قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ 435، فقوله ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي صباحًا ومساء يعذبون في قبورهم.
ومن نصوص السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَعِيْذُوْا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاًثًا .. » 436، وحديث عائشة قالت: «دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوْزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُوْدِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِيْ: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُوْرِ يُعَذَّبُوْنَ فِيْ قُبُوْرِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ، =434
الجزء: 1 - الصفحة: 293
وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ (1)، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ (2)، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (3)،
=فَقَالَ: صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُوْنَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِيْ صَلاةٍ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (1).
وهناك أدلة كثيرة تدل على ذلك.
وقد أجمع المسلمون على أن عذاب القبر حاصل للكافرين وكذا عصاة الموحدين قد يحصل لهم شيء من عذاب القبر.
(1)
قوله «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ»
فتنة الدنيا تشمل الافتتان بها بشهواتها وما خلق فيها، وكذا الافتتان بشبهاتها كالتباس الحق بالباطل فيرى الإنسان الباطل حقًا والحق باطلاً.
أما فتنة الممات فقيل هي سؤال الملكين في قبره عن ربه ودينه ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقيل أيضًا ما يكون عند الموت في آخر الحياة.
(2)
قوله «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ»
أي وأستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال، والمراد بفتنته ما يحصل به من الإضلال والإغواء بما معه من الشبهات، ولما كانت فتنته عظيمة أمر المسلم أن يستعيذ من فتنته في أحب الأعمال إلى الله تعالى وهي الصلاة.
437 قوله «ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ» وهذه التسليمة ركن من أركان الصلاة، وذهب الحنفية 438 إلى عدم ركنية التسليم في الصلاة.
والصحيح أن التسليم ركن لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ» 439 ولأنه - صلى الله عليه وسلم - =
الجزء: 1 - الصفحة: 294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= واظب عليه ولم يتركه أصحابه من بعده، وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» 440. لكن اختلف الفقهاء في التسليمة الثانية؛ فالمالكية 441، والشافعية 442 وإحدى الروايتين في المذهب 443 يرون أنها سنة، والمذهب 444 أنها ركن وهذا اختيار ابن القيم 445 والعلامة ابن سعدي 446 - رحمهما الله - وهو الراجح.
وعلى ذلك لا يجزئ الإتيان بتسليمة واحدة على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 447 - رحمه الله -. لكن على من يسلم المصلي عند خروجه من الصلاة؟ قيل: يسلم على من معه إن كان إمامًا في جماعة، وإن كان منفردًا فإنه يسلم على الملائكة.
- تنبيه: هل يزيد على ذلك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟ الجواب: محل خلاف بين أهل العلم، فالمذهب 448 يرى أن الأفضل أن لا يزيد، وذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية هذه الزيادة في التسليمة الأولى دون الثانية، واحتج لذلك بأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، فعن وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: =
الجزء: 1 - الصفحة: 295
وَعَنْ يَسَارِهِ كَذلِكَ (1).
وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (2)، نَهَضَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ (3)،
= «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» (1). والصواب أنه إن فعل ذلك أحيانًا فله ذلك؛ لصحة الخبر الوارد في ذلك لكن لا يواظب عليه، أما إن كان إمامًا ويحصل من هذه الزيادة تشويش على الناس ويستنكرون عليه فلا يفعل ذلك.
(1) قوله «وَعَنْ يَسَارِهِ كَذلِكَ» أي يسلم عن يساره كما سلم عن يمينه «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» وهذه التسليمة على الصحيح واجبة لا يشرع لأحد تركها كما ذكرنا، بل الواجب الإتيان بها.
(2)
قوله «وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ»
كأن تكون الصلاة ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء.
(3)
قوله «نَهَضَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ»
أي نهض مكبرًا بعد التشهد الأول، لكن هل يرفع يديه عند
نهوضه من التشهد الأول كرفعه عند ركوع وعند قيامه منه، المشهور من المذهب 450 أنه لا يرفع يديه عند القيام للركعة الثالثة بعد تشهده الأول.
والصحيح أنه إذا قام من الركعتين يسن له أن يرفع يديه لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - وفيه « ... وَإِذَا قَامَ=449
الجزء: 1 - الصفحة: 296
كَنُهُوْضِهِ مِنَ السُّجُوْدِ (1)، ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ لا يَقْرَأُ فِيْهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا (2)، =مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ ... » (1).
(1)
قوله «كَنُهُوْضِهِ مِنَ السُّجُوْدِ»
وصفة نهوضه هنا أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا يديه على فخذيه أو ركبتيه، وإن احتاج المصلي إلى الاعتماد على يديه عند قيامه لكبر أو مرض أو لكون ذلك أسهل عليه فلا بأس.
وقال الشافعية (2) بل السنة الاعتماد على اليدين عند النهوض، وهو قول الألباني (3) -رحمه الله-.
(2)
قوله «ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ لا يَقْرَأُ فِيْهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا»
هذا هو المذهب 454 وهو قول الجمهور، أي يقتصر المصلي في الركعة الثالثة والرابعة على الفاتحة فقط أي لا يزيد عليها ودليل ذلك حديث أبي قتادة - رضي الله عنه -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى مِنَ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ وَكَذلِكَ فِي الصُّبْحِ» 455. قلت: لكن إن زاد عن الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة من الظهر أحيانًا فحسن لورود ذلك في حديث أبي حميد - رضي الله عنه -، وبهذا قال سماحة شيخنا =451452453
الجزء: 1 - الصفحة: 297
فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ، تَوَرَّكَ؛ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفَرَشَ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ (1). =عبد العزيز بن باز (1) - رحمه الله تعالى -.
(1)
قوله «فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ، تَوَرَّكَ؛ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفَرَشَ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ»
أي إذا أتى المصلي بما بقي من صلاته إن كانت ثلاثية أو رباعية يستحب له أن يجلس متوركًا، وصفة التورك كما ذكره المؤلف أن ينصب رجله اليمنى ويفرش اليسرى فيخرجها من الجانب الأيمن ثم يجلس على مقعدته على الأرض، وهذه هي إحدى صفات التورك.
وهناك صفتان غير التي ذكرها المؤلف جاءت في بيان التورك؟
إحداهما: أن يفرش القدمين جميعًا ويخرجهما من الجانب الأيمن.
والثانية: أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق اليمنى، والذي ينبغي على الإنسان متى سهل عليه أن يفعل هذا مرة وهذا مرة ليحافظ على السنة.
تنبيهان
:
أولاً: ذهب بعض الفقهاء إلى التفريق بين الرجل والمرأة في هيئة الجلوس في الصلاة، فقالوا: يسن للرجل في الصلاة الافتراش وللمرأة التورك، لا فرق في ذلك بين التشهد الأول والأخير أو الجلسة بين السجدتين، والصحيح أن المرأة كالرجل تمامًا لعدم الدليل الذي يدل على التفريق بينهما، فالأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام.
ثانيًا: المذهب 457 على أن المرأة تضم نفسها في الحال التي يشرع للرجل فيها =456
الجزء: 1 - الصفحة: 298
وَلا يَتَوَرَّكُ إِلاَّ فِيْ صَلاةٍ فِيْهَا تَشَهُّدَانِ (1)، فِي الأَخِيْرِ مِنْهُمَا (2)، =التجافي كما في الركوع والسجود، والصحيح أن المرأة كالرجل كما ذكرنا في الأحكام وليس هناك دليل على التفريق.
(1)
قوله «وَلا يَتَوَرَّكُ إِلاَّ فِيْ صَلاةٍ فِيْهَا تَشَهُّدَانِ»
كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، أما الصبح فليس فيه تورك، وهذا هو المذهب (1) وهو قول الشافعية (2)، وذهب الحنفية (3) إلى أن جميع الجلسات في الصلاة هي الافتراش وقال المالكية (4) بأن هيئة الجلوس المسنونة في جميع جلسات الصلاة هي التورك سواء في التشهد الأول أو الثاني أو الجلوس بين السجدتين.
والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية؛ لحديث أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - وفيه: « .. فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنىَ وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» (5)، وفي رواية «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» (6).
(1)
قوله «فِي الأَخِيْرِ مِنْهُمَا»
لحديث أبي حميد - رضي الله عنه - السابق، و
المراد بالتشهد الأخير
ما يعقبه السلام فإذا سبق المأموم بركعة وجلس مع إمامه في التشهد =458459460461462463
الجزء: 1 - الصفحة: 299
فَإِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا (1)، وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (2). =الأخير فإنه لا يتورك لأن تشهده هنا لا يعقبه السلام.
(1)
قوله «فَإِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا»
والحكمة في استغفاره بعد صلاته هي جبر التقصير والخلل الذي حصل للإنسان في صلاته وذلك بسبب الوساوس والغفلة فيها وغير ذلك مما يشغله عن خشوع القلب فيها، فيأتي الإنسان بسؤال الله المغفرة بسبب هذا التقصير.
(2)
قوله «وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ»
أي يقول بعد استغفاره ثلاثًا هذا الدعاء، والمناسبة هنا ظاهرة، فكما سألت الله تعالى المغفرة تسأله أن لا يرد عليك صلاتك ولا ينقص لك الأجر فيها، والمعنى: سلم لي صلاتي من الرد والنقص.
ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» 464.
ثم من السنن أيضًا أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، ويختم بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يتم بها المائة.
وإن سبح ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله أربعًا وثلاثين، فيكون الجميع مائة، فهذا أيضًا مشروع، أو سبح الله عشرًا وحمده عشرًا =
الجزء: 1 - الصفحة: 300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وكبره عشرًا فهذا أيضًا مشروع، أو قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسًا وعشرين فيكون الجميع مائة، فكل هذا مشروع لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاءت السنة بكل ما ذكرناه، فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه السنن بفعل هذا تارة وهذا تارة.
ومما يشرع أيضًا للمصلي إذا انتهى مما ذكرناه أن يقرأ آية الكرسي، وكذا سورة الإخلاص والمعوذتين، وإن كان في صلاة الصبح والمغرب قرأ الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا؛ لورود ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
بَابُ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَوَاجِبَاتِهَا
(1) أَرْكَانُهَا اثْنَا عَشَرَ (2): الْقِيَامُ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَوَاجِبَاتِهَا»
الأركان: جمع ركن، وهو في اللغة: جانب الشيء الأقوى، أما في الاصطلاح: فهو «ما لا تصح الصلاة إلا به سواء تركه عمدًا أو سهوًا»، فإذا ترك المصلى ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، ووصل إلى محله من الركعة الثانية، فإنه يلغى هذه الركعة وتعتبر هذه الركعة التي هو فيها محل الركعة السابقة.
أما الواجبات فسيأتي تعريفها والفرق بينها وبين الأركان قريبًا إن شاء الله.
(2)
قوله «أَرْكَانُهَا اثْنَا عَشَرَ»
هذا ما رجحه ابن قدامة -رحمه الله-، والراجح أن أركان الصلاة أربعة عشر، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(3)
قوله «الْقِيَامُ»
بدأ المؤلف في بيان أركان الصلاة، فالركن الأول فيها القيام، وقد سبق بيان هذا الركن في صفة الصلاة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 465، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» 466، وهذا الحديث فيه بيان ركنية القيام في الصلاة، لكن ننبه هنا على أن العلماء احتجوا بهذا الحديث وبصريح القرآن على أن الأركان والواجبات تسقط عند العجز وعدم الاستطاعة، فالذي لا يستطيع أن يصلي قائمًا يسقط عنه القيام ويصلي قاعدًا، فإن لم يستطع الصلاة قاعدًا صلى على جنب، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا، وهذا يدل على سماحة الشريعة الإسلامية.
الجزء: 1 - الصفحة: 302
وَتَكْبِيْرَةُ الإِحْرَامِ (1)، =وهنا نذكر بعض ال
تنبيهات
المتعلقة بالقيام:
أولاً: يجب على المصلي القيام ولو معتمدًا،
فمن كان لا يستطيع القيام إلا بالاعتماد على عصى أو عمود أو جدار فيجب عليه القيام لعموم الأدلة.
ثانيًا: من كان قادرًا على القيام، لكن يخاف على نفسه من السقوط إذا قام، فإنه يسقط عنه القيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (1)، فأسقط عنه الرب سبحانه وتعالى الركوع والسجود وهما ركنان بسبب الخوف فسقوط القيام عن المعذور من باب أولى.
ثالثًا: من أمكنه أن يأتي بجزء من الركن
وجب عليه الإتيان به، فإن لم يستطع الإتيان به سقط عنه كما ذكرنا، مثاله: شخص يستطيع أن يأتي بجزء من القيام كأن يكون حاني الظهر لزمه الإتيان به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (2)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (3). (1)
قوله «وَتَكْبِيْرَةُ الإِحْرَامِ»
هذا هو الركن الثاني من أركان الصلاة، وبركنيته قال المالكية 470، والشافعية 471، وقال أبو حنيفة 472: بل يجزئ بكل ما يقتضي التعظيم، وقد بيَّنا في صفة الصلاة أن الراجح هو تعيين لفظ التكبير، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 473، وجمهور أهل العلم.467468469
الجزء: 1 - الصفحة: 303
وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (1)،
=أما تكبيرات الانتقال فهي واجبة كما ذكرنا ذلك، وسيأتي كلام المؤلف عليها في الواجبات.
ودليل ركنية تكبيرة الإحرام قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيْرُ» (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (2).
(1)
قوله «وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ»
هذا هو الركن الثالث، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 476، وقوله: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» 477. وقد اختلف الفقهاء في ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة كما سبق في صفة الصلاة وقلنا بأن: المالكية 478، والشافعية 479، والحنابلة 480 على أنها ركن فيها، وقال الحنفية 481 بأن ركنية القراءة تتحقق بأي آية من القرآن، أما الفاتحة فهي واجبة ليست بركن، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من ركنيتها في الصلاة للأدلة المتقدمة.
لكن اختلف الفقهاء في حكم قراءتها على المأموم على ثلاثة أقوال: وقد =474475
الجزء: 1 - الصفحة: 304
والرُّكُوْعُ (1)، وَالرَّفْعُ مِنْهُ (2)، =سبق تفصيل كلام الفقهاء في ذلك مع بيان الراجح في باب صفة الصلاة.
(1)
قوله «وَالرُّكُوْعُ»
هذا هو الركن الرابع، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (1)، وأيضًا جاء في حديث المسيء صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» (2). وقد أجمع العلماء على ركنية الركوع في الصلاة.
(2)
قوله «وَالرَّفْعُ مِنْهُ»
أي من الركوع، وهذا هو الركن الخامس، دليله الحديث السابق أي حديث المسيء صلاته وفيه: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -: «لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقِيْمُ فِيهَا الرَّجُلُ يَعْنِي صُلْبَهُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ» 484. والاعتدال في الرفع من الركوع واجب، أما مجرد الرفع فقط ثم الهوي إلى السجود كما نراه من بعض إخواننا القادمين من بعض البلاد الإسلامية، نراهم يرفعون ولا يقيمون صلبهم ولا يعتدلون عند قيامهم، بل يسجدون مباشرة، فهذا خطأ، بل لابد من الاعتدال؛ لحديث المسيء صلاته: «ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وحديث أبي مسعود الأنصاري المتقدم.482483
الجزء: 1 - الصفحة: 305
وَالسُّجُوْدُ (1)، وَالسُّجُوْدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ (2)، -
تنبيه: إذا جاء المأموم والإمام راكع
، إن كان أدركه في جزء من الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا، لكن إن كان الإمام يخالف صوته حركته فالمعول عليه الصوت؛ لأنه قد لا يرى الإمام، ومن هنا ننبه على الأئمة بأن تكون تكبيرات الانتقال وكذا التسميع تتزامن فيها الحركة مع الصوت، فلا يكبر قبل أن يهوي، ولا يكبر بعد أن يهوي، وكذا لا يقول: سمع الله لمن حمده بعد أن يرفع، بل يكون الرفع متزامنًا مع قول: سمع الله لمن حمده، وعلل ذلك بأنه إذا رأى المسبوق الإمام وهو يعتدل من ركوعه ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فهنا نقول: لا يعتد بهذه الركعة؛ لأنه لم يدرك الإمام في الركوع، لأن المعول عليه الصوت عند عدم إمكانية رؤية الإمام، أما مع إمكانية رؤيته فالمعول عليه الرؤية.
(1)
قوله «وَالسُّجُوْدُ»
هذا هو الركن السادس، و
كيفية السجود
مذكورة في صفة الصلاة.
والسجود كما ذكرنا يكون على الأعضاء السبعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ -، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (1).
(2)
قوله «وَالسُّجُوْدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ»
هذا هو الركن السابع وهو محل خلاف بين الفقهاء كما سبق، والراجح أنه ركن، فلا يكفي مجرد السجود بل لابد من السجود على هذه الأعضاء السبعة المذكورة في الحديث المتقدم.485
الجزء: 1 - الصفحة: 306
وَالْجُلُوْسُ عَنْهُ (1)، وَالطُّمَأْنِيْنَةُ فِيْ هَذِهِ الأَرْكَانِ (2)،
=لكن إن عجز عن السجود بجبهته هل يسقط عنه باقي الأعضاء؟ قال بعض الفقهاء (1) أنه يسقط عنه باقي الأعضاء؛ لأن الجبهة هي الأصل وغيرها تابع لها.
والراجح أنه متى عجز عن السجود بالجبهة لزمه أن يأتي بما يستطيع، كأن تمس يده الأرض أو يمس أنفه الأرض إذا كان يمكنه ذلك، المهم أنه متى عجز عن الإتيان ببعض أعضاء السجود لزمه الإتيان بالباقي.
(1)
قوله «وَالْجُلُوْسُ عَنْهُ»
نلاحظ هنا أن المؤلف -رحمه الله- دقق العبارة فلم يقل: الجلوس له، ولا قال: الجلوس منه، بل قال: الجلوس عنه ليجمع بين الركنين في ركن واحد وهما الجلوس والرفع من السجود، لكن الصواب أنه لا يجمع بينهما كما فعل ذلك صاحب «دليل الطالب» وغيره حيث قالوا في أركان الصلاة: الثامن الرفع من السجود، التاسع الجلوس بين السجدتين.
وقد مر بنا بيان صفة الجلوس المشروعة بين السجدتين في صفة الصلاة فلا حاجة لبيانها مرة أخرى.
(2)
قوله «وَالطُّمَأْنِيْنَةُ فِيْ هَذِهِ الأَرْكَانِ»
هذا هو الركن التاسع على كلام المؤلف، والطمأنينة ركن عند الحنابلة 487 والشافعية 488، وذهب الحنفية 489 إلى أن الطمأنينة سنة، وهو المشهور في مذهب المالكية 490، والصحيح أنها ركن في=486
الجزء: 1 - الصفحة: 307
وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ (1)،
=جميع الأركان: في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين وفي الرفع من الركوع وفي كل أفعال الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته في كل ركن من الأركان «حتى تطمئن».
لكن اختلف الفقهاء في حد الطمأنينة، فقال بعضهم: السكون وإن قلَّ حتى وإن لم يتمكن من ذكر الواجب، وقال بعضهم: حدها السكون بقدر الذكر الواجب، وهذا هو الصواب.
(1)
قوله «وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ»
هذا هو الركن العاشر، وقد ذكرنا سابقًا أن الفقهاء اختلفوا في التشهد الأخير، فقال بركنية التشهد الأخير الحنابلة 491، والشافعية 492، وذهب المالكية 493 إلى أن الركن هو الجلوس للسلام فقط أما التشهد فيه فليس بواجب، فلو رفع المصلي رأسه من السجود واعتدل جالسًا وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب، أما التشهد عندهم سنة، وعند الحنفية 494 كما سبق روايتان إحداهما وهي المذهب أنه واجب، والأخرى أنه سنة.
والصحيح أن التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، دليل ذلك حديث ابن مسعود الذي ذكرناه سابقًا وهو قوله: كُنَّا نَقُوْلُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ فَقَالَ رَسُوْلُ - صلى الله عليه وسلم - «لا تَقُوْلُوْا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُولُوْا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ... » 495، =
الجزء: 1 - الصفحة: 308
وَالْجُلُوْسُ لَهُ (1)، وَالتَّسْلِيْمَةُ الأُوْلَى (2)، وَتَرْتِيْبُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (3). فَهَذِهِ الأَرْكَانُ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلاَّ بِهَا (4). =الشاهد قوله: «قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ».
(1)
قوله «وَالْجُلُوْسُ لَهُ»
أي الجلوس للتشهد الأخير، وهذا هو الركن الثاني عشر من أركان الصلاة، فلو فرض أن المصلي قام ثم قرأ التشهد فإنه لا يجزئه؛ لأن الجلوس للتشهد ركن من أركان الصلاة.
(2)
قوله «وَالتَّسْلِيْمَةُ الأُوْلى»
هذا هو الركن الحادي عشر، وقد سبق بيان ركنية التسليم في كتاب صفة الصلاة.
(3)
قوله «وَتَرْتِيْبُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ»
هذا هو الركن الثاني عشر، فلو قدم المصلي السجود قبل الركوع فلا تصح صلاته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها مرتبة مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (1)، وكذا علّمها - صلى الله عليه وسلم - المسيء صلاته مرتبة.
فهذه هي أركان الصلاة الاثنا عشر عند المؤلف، والصواب أن يقال بأن أركان الصلاة أربعة عشر، وهي الاثنا عشر التي ذكرها المؤلف ويضاف إليها الرفع من السجود والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد الأخير، كما مر بنا.
(4)
قوله «فَهَذِهِ الأَرْكَانُ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلاَّ بِهَا»
لأنها أركان، والركن لا تصح الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا بل لابد منه، لكن كما سبق يسقط هذا الركن عند عدم القدرة على الإتيان به.496
الجزء: 1 - الصفحة: 309
وَوَاجِبَاتُهَا سَبْعَةٌ (1): التَّكْبِيْرُ غَيْرَ تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ (2)، وَالتَّسْبِيْحُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ مَرَّةً مَرَّةً (3)، (1)
قوله «وَوَاجِبَاتُهَا سَبْعَةٌ»
الفرق بين الأركان والواجبات: أن الأركان لا تسقط بالسهو، والواجبات تسقط به ويجبرها سجود السهو، فمن نسي واجبًا أجزأ عنه سجود السهو، بخلاف الأركان فلا تصح الصلاة إلا بها.
وقوله «سَبْعَةٌ» هذا عند المؤلف -رحمه الله-، فهناك واجبات مختلف فيها، فبعض ما عدَّه واجبات هو على القول الراجح أركان كما سيأتي إن شاء الله.
(2)
قوله «التَّكْبِيْرُ غَيْرَ تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ»
أي تكبيرات الانتقال كلها واجبة إلا تكبيرة الإحرام، فتسقط هذه التكبيرات بالسهو، لكن استثنى أهل العلم من ذلك: التكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء فإنها سنة، وكذلك التكبيرات في صلاة الجنازة فإنها ركن، وتكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا فإنها سنة.
وقد دلت السنة على وجوب هذا التكبير كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوْا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوْا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (1)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - واظب عليه إلى أن مات ولم ينقل عنه تركه لهذا التكبير وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ»، وقد خالف في ذلك الأئمة الثلاثة فقالوا بعدم الوجوب، لكن الصواب وجوبه كما ذكرنا.
(3)
قوله «وَالتَّسْبِيْحُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ مَرَّةً مَرَّةً»
وقد مرّ بنا اختلاف الفقهاء في حكم التسبيح في الركوع والسجود في صفة الصلاة، وذكرنا أنه واجب، وهو قول الشيخين - رحمهما الله -.497
الجزء: 1 - الصفحة: 310
وَالتَّسْمِيْعُ وَالتَّحْمِيْدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوْعِ (1)، وَقَوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (2) وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ (3)، وَالْجُلُوْسُ لَهُ (4)، وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ (5) فَهَذِهِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، سَجَدَ لَهَا (6)، (1)
قوله «وَالتَّسْمِيْعُ وَالتَّحْمِيْدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوْعِ»
مرت بنا الأدلة على وجوب ذلك في صفة الصلاة، واختلاف الفقهاء فيه، وبيان الراجح من أقوالهم.
(2)
قوله «وَقَوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ»
وهو واجب على الصحيح وهو المذهب (1)، وبه قال الشيخان: سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (2)، وشيخنا محمد العثيمين (3) - رحمهما الله تعالى - وخالف في ذلك الجمهور فقالوا بسنيته.
(3)
قوله «وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ»
والقول بوجوبه هو الراجح كما ذكرنا ذلك في صفة الصلاة.
(4)
قوله «وَالجُلُوْسُ لَهُ»
أي يجب الجلوس للتشهد الأول، فلو تشهد وهو قائم أو وهو ساجد لم تصح صلاته، بل لابد من الجلوس للتشهد الأول.
(5)
قوله «وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ»
والصحيح أن هذا ركن وليس بواجب، بخلاف ما ذهب إليه المؤلف، وقد بينا ذلك في صفة الصلاة.
(6)
قوله «فَهَذِهِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، سَجَدَ لَهَا»
أي هذه الواجبات حكمها أن من تركها عمدًا بطلت صلاته، ومن تركها سهوًا فيجبر ذلك بسجود السهو.498499500
الجزء: 1 - الصفحة: 311
وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهَا (1)، وَلا يَجِبُ السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا (2) (1)
قوله «وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ»
أي ما عدا هذه الأركان والواجبات فسنن، لا تبطل الصلاة بتركها لا عمدًا ولا سهوًا؛ لأنها من مكملات الصلاة، فمتى وجدت هذه السنن صارت الصلاة أكمل وأفضل، ومتى نقصت نقص الكمال المستحب لا الكمال الواجب.
ولم يذكر المؤلف هذه السنن لأنها كثيرة، فمنها سنن الأقوال التي هي سبع عشرة سنة، ومنها سنن الأفعال التي عدها بعض أهل العلم فأوصلها إلى القريب من الثلاثين سنة، وقد مر بنا بيان بعض هذه السنن في صفة الصلاة، لكن هل يشرع لها سجود السهو؟ قال المؤلف:
(2)
قوله «وَلا يَجِبُ السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا»
أي لا يجب السجود لمن تركها سهوًا، والمذهب 501 أنه لا بأس بالسجود لترك السنة لكن لا يشرع، وهناك قول آخر في المذهب 502 أنه يشرع سجود السهو لترك المسنون سواء كان من سنن الأقوال أو الأفعال؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» 503 وهذا عام.
والذي رجحه شيخنا محمد العثيمين 504 -رحمه الله- أن الإنسان إن ترك شيئًا من سنن الأقوال أو الأفعال كان من عادته أنه يفعله فإنه يشرع له أن يسجد جبرًا لهذا النقص الذي هو نقص كمال، أما إن ترك سنة ليس من عادته أنه يفعلها فهذا لا يسن له السجود، لأنه لم يطرأ على باله أن يفعلها، وهذا هو الراجح.
الجزء: 1 - الصفحة: 312
بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ»
أكثر العلماء يسمونه باب سجود السهو أو
باب سجدتي السهو
. وسجود السهو هو من باب إضافة الشيء إلى سببه، والسهو منه ما هو مذموم ومنه ما هو معفو عنه، فإن عُدِّي بـ «عَنْ» صار مذمومًا؛ لأنه بمعنى الغفلة والترك، كقولنا: سها فلان عن صلاته أي غفل عنها وتركها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ 505 أي غافلون لا يهتمون بها، وإن عُدِّي السهو بـ «فِيْ» صار معفوًا عنه؛ لأنه بمعنى الذهول الناتج عن غير قصد، كقولنا: سها فلان في صلاته، وهذا هو المراد في كلام الفقهاء، والسهو يقع من كل البشر، بل لم يسلم منه نبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه مقتضى الطبيعة البشرية.
وقد اختلف الفقهاء في حكم سجود السهو: فالحنفية 506، والحنابلة 507 في المعتمد عندهم أنه واجب، وذهب المالكية 508، والشافعية 509، والحنابلة 510 في إحدى الروايتين إلى أنه سنة.
والصحيح أنه واجب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيْتُ فَذَكِّرُوْنِيْ، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» 511، ولأنه أيضًا ثابت من =
الجزء: 1 - الصفحة: 313
وَالسَّهْوُ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ (1): أَحَدُهَا: زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِهَا (2)، = فعله - صلى الله عليه وسلم - حيث أنه لما سهى في صلاته أتى بسجود السهو جبرًا للنقص أو الزيادة الحاصلة في الصلاة.
(1)
قوله «وَالسَّهْوُ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ»
أي على ثلاثة أنواع، سيأتي بيانها على التفصيل.
(2)
قوله «أَحَدُهَا: زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِهَا»
هذا هو النوع الأول الذي يوجب سجود السهو، وهو الزيادة في الصلاة، لكن اشترط المؤلف له شرطين:
الأول: أن تكون الزيادة في الفعل لا في القول.
الثاني: أن يكون هذا الفعل من جنس الصلاة، كقيام أو قعود أو ركوع أو سجود كما سيذكره المؤلف.
أما إن كان من غير جنس الصلاة كالمشي، والمراوحة بين القدمين، والحك، والتروح بمروحة اليد، وفرقعة الأصابع، ولبس الإزار أو خلعه، ونحو ذلك، فهذه تبطل الصلاة بها بشروط هي:
الأول: أن تكون الحركة الحاصلة فيها كثيرة، وضابط الحركة هنا العادة والعرف.
الثاني: أن تكون لغير ضرورة؛ لأنه مع الضرورة لا تبطل الصلاة ولو كثرت الحركة كصلاة الخوف، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 512، فمن يمشي لا شك أنه سيحصل منه عمل كثير في الصلاة.
الثالث: أن يكون هذا العمل متواليًا، فإن تفرق الفعل كأن يتحرك في كل ركعة ثلاث حركات مثلاً، لكنها لو اجتمعت متوالية صارت كثيرة، فإن الصلاة لا تبطل بذلك لتفرق العمل وعدم موالاته.
فهذه هي شروط الحركة التي تبطل بها الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 314
كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ (1)، فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ (2). وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ (3)، (1)
قوله «كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ»
أي بفعل ركعة زائدة عن المأمور به، أو زيادة ركن كأن يزيد ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا في الصلاة، فما الحكم إذًا؟ سيذكره المؤلف.
(2)
قوله «فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ»
أي متى زاد المصلي في صلاته عمداً، فزاد فيها ركعة، أو زاد فيها ركوعًا أو سجودًا في غير محله، أو قعودًا في محل القيام، أو قيامًا في محل السجود، بطلت الصلاة بهذه الزيادة مع حصول الإثم عليه ويجب عليه التوبة؛ لأنه يكون بذلك متلاعبًا، أما إن فعل ذلك سهوًا فإنه يسجد للسهو.
(3)
قوله «وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ»
وهذا بخلاف ما يقع فيه بعض الأئمة أو المنفردين، فنرى بعضهم إذا قام إلى ركعة زائدة كخامسة في صلاة رباعية، أو رابعة في ثلاثية، أو ثالثة في ثنائية، نراه لا يجلس في الحال ويقول: ما دمت أني استويت قائمًا فلابد من إكمالها، وهذا خطأ، بل الواجب عليه أنه متى علم أنها زائدة فليجلس في الحال، فإن كان
قد تشهد فليسلم ثم ليسجد للسهو بعد السلام.
وقوله «فِي الْحَالِ» أي حال علمه بأن هذه ركعة زائدة حتى وإن كان في الركوع؛ لأن الزيادة لا يمكن الاستمرار فيها أبدًا، فإن زاد فيها شيئًا مع علمه بأنه زيادة وتوهم أنه إذا قام إلى زائدة وشرع في القراءة حرم عليه الرجوع فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . -
تنبيهات
:
أولاً: أين يكون محل السجود للسهو هنا، هل يكون قبل السلام أو بعده؟ المذهب (1) أنه يسجد قبل السلام؛ لأنهم يرون أن السجود بعد السلام لا يكون إلا إذا سلم قبل إتمامها فقط.
والصحيح أن السجود هنا - أي في الزيادة - يكون بعد السلام كما ذكرت، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (2) وشيخنا محمد العثيمين (3) - رحمهما الله -.
ثانيًا: من كان مسافرًا فقام إلى ثالثة في صلاة مقصورة،
هل يلزمه الرجوع أم له الإكمال؟ على قولين للفقهاء: فأهل الظاهر (4) يرون أنه يلزمه الرجوع؛ لأن القصر في حق المسافر واجب.
أما الجمهور فيرون أن القصر ليس بواجب وعلى ذلك فهو مخير بين الإتمام وبين الرجوع.
والصحيح أنه إن دخل في الصلاة بنية القصر فلا يجوز له أن يزيد عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (5)، وهذا قد دخل في الصلاة يريدها ركعتين.
ثالثًا: من قام من الليل ليصلي فقام إلى ثالثة ناسيًا،
هل يلزمه الرجوع؟ نقول: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صلاة الليل مثنى؛ مثنى لحديث ابن عمر =513514515516517
الجزء: 1 - الصفحة: 316
وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ (1).
= رضي الله عنهما: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (1)، أما الحنفية (2) فذهبوا إلى أن قيام الليل أربعًا، أربعًا.
والصحيح هو القول الأول أي أن قيام الليل مثنى مثنى، وعلى ذلك إن زاد المصلي في صلاته ثالثة لزمه الرجوع.
(1)
قوله «وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ»
أي إذا سلم قبل إتمام صلاته ظنًّا أن الصلاة قد تمت ثم تذكر أنها ناقصة أتى بما بقي من صلاته، لكن يشترط هنا شرطان:
الأول: أن لا يطول الفصل، فإن طال الفصل بأن تذكر بعد ساعة مثلاً أنه ما أتم صلاته فإنه لابد من أن يستأنف الصلاة أي يعيدها من جديد، أما إن تذكر بعد ثلاث أو أربع أو خمس دقائق أي تذكر أنه لم يتم صلاته فإنه يبني على ما مضى من صلاته فيتمها.
الثاني: أن لا يفعل ما ينافي الصلاة كأكل أو شرب أو كلام ليس من مصلحتها أو أن يحدث وما أشبه ذلك.
وقوله «ثُمَّ سَجَدَ» على كلامه يكون محل السجود هنا قبل السلام، والصحيح أن محل السجود هنا بعد السلام.
مثال ذلك: رجل نسي الركوع من الركعة الثالثة ولم يعلم إلا بعد ما سلم، فإنه يقوم دون تكبير، ويأتي بركعة كاملة، ثم يتشهد التشهد الأخير ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.518519
الجزء: 1 - الصفحة: 317
وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (1)، فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا (2)، وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ (3). (1)
قوله «وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ»
أي إن فعل شيئًا ليس من جنس الصلاة: كالأكل والشرب أو المشي والمراوحة بين القدمين والحك والتروح بمروحة اليد وفرقعة الأصابع ولبس الثوب أو خلعه، وكذا ربط الإزار أو حلها ونحو هذه المذكورات، فهذه العمد والسهو فيها سواء، وحكمها قال المؤلف: (2)
قوله «فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا»
وقد ذكرنا ذلك سابقًا، وقلنا أن العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة يبطل الصلاة، عمده وسهوه سواء، وحد الكثير هنا مرجعه إلى العرف، مثال ذلك: الحركة المتوالية الكثيرة لغير ضرورة تبطل الصلاة، وقدرها بعض أهل العلم بثلاث حركات متواليات، أما الحركة القليلة أو الحركة غير متوالية فلا تبطل الصلاة بها، كما ذكرنا ذلك في شروط بطلان الصلاة بالحركة.
(3)
قوله «وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ»
أي إن كان العمل الذي ليس من جنس الصلاة يسيرًا فإنه لابأس به ولا تبطل الصلاة به، واحتج المؤلف لذلك بدليلين: الدليل الأول: حمله - صلى الله عليه وسلم - أمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحملها في أثناء الصلاة 520.
الجزء: 1 - الصفحة: 318
الضَّرْبُ الثَّانِيْ (1): النَّقْصُ (2)،
= والدليل الثاني: فتحه الباب لعائشة (1) - رضي الله عنها-، فهذه حركة يسيرة لا تؤثر في الصلاة.
(1) قوله «الضَّرْبُ الثَّانِيْ» أي النوع الثاني مما يشرع له سجود السهو.
(2) قوله «النَّقْصُ» أي ينقص شيء من أركان الصلاة أو واجباتها أو سننها، يكون حكمه كالآتي:
أولاً: الأركان:
1 - إن كان المتروك تكبيرة الإحرام فلا صلاة له، سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ لأن صلاته لم تنعقد.
2 - و
إن كان المتروك ركنًا غير تكبيرة الإحرام،
فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها، فالحكم هنا أن تلغى الركعة التي تركه منها وتقوم التي تليها مقامها ويسجد للسهو بعد السلام.
الحالة الثانية: أن لا يصل إلى موضع الركن الذي تركه من الركعة الثانية، فالواجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده ويسجد للسهو بعد السلام، مثاله: شخص نسي السجدة الثانية والجلوس قبلها من الركعة الأولى، فتذكر ذلك بعد أن قام من الركوع من الركعة الثانية، فإنه يعود ويجلس ويسجد ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.521
الجزء: 1 - الصفحة: 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانيًا: الواجبات:
إن كان المتروك واجبًا، فإن كان تركه للواجب متعمدًا بطلت صلاته، كأن يترك التشهد الأول مثلاً متعمدًا فصلاته هنا باطلة ويلزمه إعادتها، أما إن تركه ناسيًا فلا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يترك المصلي الواجب ثم يذكره قبل أن يفارق محله من الصلاة فإنه يأتي به ولا شيء عليه، مثاله: شخص رفع من السجود الثاني من الركعة الثانية ليقوم إلى الثالثة ناسيًا التشهد الأول ثم ذكر قبل أن ينهض فإنه يستقر جالسًا ثم يأتي بالتشهد ثم يكمل صلاته ويسلم ولا شيء عليه.
الحالة الثانية: أن يتذكر الواجب بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه فيلزمه الرجوع ليأتي به ثم يكمل صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم، مثاله: شخص نسي التشهد الأول وقام إلى الثالثة ثم تذكر التشهد بعد أن نهض قبل أن يستتم قائمًا فعليه أن يرجع ويجلس ويتشهد ثم يكمل الصلاة ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم.
الحالة الثالثة: أن يتذكر الواجب بعد وصوله إلى الركن الذي يليه فهنا يسقط عنه الواجب أي لا يرجع إليه ويستمر في صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم مثاله: شخص نسي التشهد الأول فلم يذكره حتى استتم قائمًا فإنه يسقط عنه فلا يرجع إليه بل عليه أن يكمل صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
ثالثًا: السنن:
إن كان المتروك سنة فقد بيَّنا حكم ذلك سابقًا في آخر باب الأركان والواجبات
عند قول المؤلف «وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهَا، وَلا يَجِبُ=
الجزء: 1 - الصفحة: 320
كَنِسْيَانِ وَاجِبٍ (1)، فَإِنْ قَامَ عَنِ التَّشّهُّدِ الأَوَّلِ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ (1)، =السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا» فأغنى عن إعادته.
(1)
قوله «كَنِسْيَانِ وَاجِبٍ»
أي واجب من واجبات الصلاة، والواجب ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، وحكم نسيان واجبات الصلاة أنها تجبر بسجود السهو، وقد ذكرنا كيف يتعامل معها المصلي، وواجبات الصلاة كما ذكرنا ثمانية وهي:
1 - التكبيرات غير تكبيرة الإحرام.
2 - التسميع أي قول «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» للإمام والمنفرد.
3 - التحميد أي قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» للإمام والمأموم والمنفرد.
4 - قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» في الركوع مرة واحدة.
5 - قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في السجود مرة واحدة.
6 - سؤال المغفرة أي قول: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ» في الجلوس بين السجدتين.
7 - التشهد الأول.
8 - الجلوس للتشهد الأول.
فهذه هي واجبات الصلاة التي لا تسقط عمدًا بل تبطل الصلاة، أما في حال السهو فيجبرها سجود السهو على ما ذكرنا سابقًا.
(1)
قوله «فَإِنْ قَامَ عَنِ التَّشّهُّدِ الأَوَّلِ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ»
دليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» 522.
الجزء: 1 - الصفحة: 321
وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ (1)، وَإِنْ نَسِيَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوْعِهِ فِيْ قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ (2)، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِيْ تَرَكَهُ مِنْهَا (3) (1)
قوله «وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ»
للحديث المذكور آنفًا.
(2)
قوله «وَإِنْ نَسِيَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوْعِهِ فِيْ قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ»
هذه إحدى الروايتين في المذهب (1)، والرواية الأخرى (2) أنه يرجع ما لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها، وهذا قول ابن سعدي (3)، وشيخنا محمد العثيمين (4) - رحمهما الله - وهو الراجح إن شاء الله.
ونمثل للروايتين بما يلي: رجل نسي السجدة الثانية ثم قام للركعة التي تليها، فعلى الرواية الأولى في المذهب وهي المختارة عند الحنابلة أنه إن قام فشرع في قراءة الفاتحة فإنه لا يرجع وتلغى هذه الركعة وتقوم مقامها التي تليها، وعلى الرواية الثانية وهي الراجحة أنه مادام لم يصل إلى السجود - أي محله من الركعة الثانية - فإنه يرجع ويأتي بالسجود المتروك ثم يكمل صلاته.
(3)
قوله «وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِيْ تَرَكَهُ مِنْهَا»
أي إن ذكر الركن المتروك بعد أن شرع في القراءة من الركعة الثانية فتبطل الركعة التي تركه منها=523524525526
الجزء: 1 - الصفحة: 322
وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ، فَصَحَّتْ لَهُ رَّكْعَةُ، ثُمَّ يَأْتِيْ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ (1). الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الشَّكُّ (2)، =في إحدى الروايتين (1) في المذهب، والصحيح أنه إن لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها فيجب أن يرجع ويأتي به ولا تبطل هذه الركعة، أما إذا وصل إلى الركن المتروك من الركعة التي تليها فهنا تبطل الركعة التي تركه منها.
(1) قوله «وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ، فَصَحَّتْ لَهُ رَّكْعَةُ، ثُمَّ يَأْتِيْ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ»
صورة هذه المسألة
: أن يصلي أربع ركعات وينسى السجدة الثانية في كل ركعة، فلما جاء للركعة الرابعة وسجد السجدة الأولى وبدأ يقرأ التشهد، تذكر أنه ترك هذه السجدات، فنقول له: اسجد مباشرة السجدة الثانية من الركعة الأخيرة ثم اجعل هذه هي الركعة الأولى لك ثم أتمم صلاتك فأضف لذلك ثلاث ركعات أخرى واسجد للسهو بعد السلام.
وهناك قول آخر في هذه المسألة وهو أنه يصح له ركعتان ويبقى عليه ثنتان، وذلك لأن له في كل ركعة سجدة فتحسب هذه السجدات له، فيكون مجموع الركعات له اثنتين كاملتين ويبقى عليه اثنتان، والذي نرجحه هو القول الأول.
(1)
قوله «الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الشَّكُّ»
أي النوع الثالث مما يجب له سجود السهو الشك، والشك معناه: التردد بين أمرين لم يترجح أحدهما على الآخر.
والشك منه ما يكون أثناء الصلاة، ومنه ما يكون بعد انتهائها، فإن كان=527
الجزء: 1 - الصفحة: 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=الشك بعد الانتهاء من الصلاة وخروجه منها بالتسليم فلا يلتفت إليه؛ لأنه لا عبرة بالشك بعد الفراغ من العبادة، أما إن شك في أثناء صلاته فلا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يشك ويمكنه التحري ويترجح عنده أحد الأمرين، إما الزيادة وإما النقص فهنا يعمل بمقتضى ما ترجح لديه.
مثاله: شخص يصلي الظهر وفي إحدى الركعات بعد أن رفع من السجود شك هل قال: سبحان ربي الأعلى أم لم يقله؟ فهنا يتحرى، فإن ترجح لديه أنه لم يقله سجد للسهو قبل السلام لأنه عن نقص، وإن ترجح عنده أنه قاله فلا سجود عليه؛ لأنه لم ينقص من الصلاة.
مثال آخر: رجل يصلي الظهر فلما وصل إلى الركعة الرابعة شك في أثنائها هل هذه الرابعة أم الخامسة ثم ترجح عنده أنها الرابعة فهنا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا.
أما إن شك في الركعة الرابعة وهو في التشهد الأخير فلا يجب عليه سجود السهو؛ لأن الشك طرأ عليه بعد مفارقة الركعة محل الشك وقد انتهت على أنها الرابعة بلا تردد.
الحالة الثانية: أن يشك ولا يمكنه التحرى فيستوي عنده الأمران، وفي هذه الحالة يأخذ بالأصل؛ لأنه اليقين في المعدودات، ولأن هذا أقرب وأبرأ للذمة، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ =
الجزء: 1 - الصفحة: 324
فَمَتَى شَكَّ فِيْ تَرْكِ رُكْنٍ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ (1)، وَإِنْ شَكَّ فِيْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى الْيَقِيْنِ (2)، إِلاَّ الإِمَامَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَبْنِيْ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (3)،
=صَلاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيْمًا لِلشَّيْطَانِ» (1).
ونضرب مثالاً على هذه الحالة: شخص يصلي الظهر وأثناء الركعة الرابعة شك أهذه الثالثة أم الرابعة ولم يترجح لديه شيء فيبني على الأقل ويجعلهن ثلاثًا ويتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام.
وهذه جملة ما ينبغي على المصلي أن يعرفه حال شكه في صلاته.
(1)
قوله «فَمَتَى شَكَّ فِيْ تَرْكِ رُكْنٍ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ»
أي إن شك في ترك الركن أو فعله فيكون حكمه حكم من تركه، مثاله: قام إلى الركعة الثانية فشكّ هل سجد مرتين أم مرة واحدة ولم يترجح عنده أحد الأمرين؟ فعلى المذهب إن شرع في القراءة لا يرجع وقبل الشروع يرجع، وعلى القول الراجح أنه يرجع مطلقًا ما لم يصل إلى محله من الركعة التالية، فيرجع ويجلس ثم يسجد ثم يقوم؛ لأن الشك في ترك الركن كتركه.
(2)
قوله «وَإِنْ شَكَّ فِيْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى الْيَقِيْنِ»
وهو الأقل كما ذكرنا، فمتى شك أثلاثًا صلى أم أربعًا فيبني على اليقين ويجعلهن ثلاثًا كما ذكرنا.
(3)
قوله «إِلاَّ الإِمَامَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَبْنِيْ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ»
وذلك لأن الإمام إذا سها في صلاته فإن المأموم سيذكره بالتسبيح له، ويكون سجود السهو هنا محله بعد السلام.528
الجزء: 1 - الصفحة: 325
وَلِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلامِ (1) إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ وَالإِمَامُ إِذَا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (2)، وَالنَّاسِيْ لِلسُّجُوْدِ قَبْلَ السَّلامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ سَلامِهِ (3)، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ (4) (1)
قوله «وَلِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلامِ»
ليس مراده تعدد السجود إذا تعدد السهو، وإنما مراده أن كل السجود يكون قبل السلام إلا فيما استثني، وقد مر بنا محل سجود السهو.
(2)
قوله «إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ وَالإِمَامُ إِذَا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ»
فيكون السجود للسهو بعد السلام.
(3)
قوله «وَالنَّاسِيْ لِلسُّجُوْدِ قَبْلَ السَّلامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ سَلامِهِ»
وجوبًا ولكن بشرط أن يبقى في المسجد محل الصلاة وألا يطول الفصل، فإن خرج من المسجد سقط عنه، وكذا إن طال الفصل عرفًا سقط عنه؛ لأنه تكميل للصلاة فلا يأتي به بعد طول وصلاته صحيحة.
لكن إن نسي سجود السهو ثم شرع في صلاة أخرى، كأن يصلي الظهر والعصر جميعًا فسها في صلاة الظهر سهوًا يوجب السجود قبل السلام فسها ولم يسجد للسهو بعد السلام ثم شرع في صلاة العصر فإنه يسجد له بعد تسليمه من العصر ما لم يطل الفصل عرفًا لبقاء محله.
(4)
قوله «ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ»
هذا هو المذهب وهو محل خلاف بين الفقهاء، والراجح أنه لا يتشهد بل يسجد للسهو ويسلم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 529.
الجزء: 1 - الصفحة: 326
وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُوْمِ سُجُوْدُ سَهْوٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ (1). وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ، أَوْ نَابَهُ أَمْرٌ فِيْ صَلاتِهِ، فَالتَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ (2). - تنبيه: إذا كان سجود الإمام للسهو قبل السلام فالواجب متابعة المسبوق لإمامه، أما إن كان سجود السهو بعد السلام فالمذهب (1) يجب متابعته، والصحيح في هذه المسألة أن الإمام إذا سجد بعد السلام لا يلزم المسبوق متابعته؛ لأن المتابعة متعذرة فإن الإمام يسلم ولو تابعه في السلام لبطلت صلاته، لكن هل يلزمه سجود السهو إذا أتم صلاته بعد السلام؟ الصحيح أنه إذا كان سهو الإمام فيما أدركه من الصلاة وجب عليه أن يسجد بعد السلام، وإن كان السهو فيما لم يدركه مع الإمام لم يجب عليه سجود السهو.
(1)
قوله «وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُوْمِ سُجُوْدُ سَهْوٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ»
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (2)، ولأن سجود السهو واجب وليس بركن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإمام.
(2)
قوله «وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ، أَوْ نَابَهُ أَمْرٌ فِيْ صَلاتِهِ، فَالتَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ»
وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سها في صلاته جعل الصحابة بعضهم يصفق، فلما انتهى - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ» 532.530531
الجزء: 1 - الصفحة: 327
بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
(1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ»
التطوع في اللغة: التبرع، يقال: تطوع بالشيء أي تبرع به، أما في الاصطلاح: فهي «صلاة مخصوصة بطاعة غير واجبة»، ويقال أيضًا هي «اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات».
وقوله «صَلاةُ التَّطَوُّعِ» هو من باب إضافة الشيء إلى نوعه، فالصلاة جنس وأنواع، وصلاة التطوع نوع من أنواعها، لكن هل هناك فرق بين أحكام صلاة التطوع وأحكام الصلاة المفروضة؟ نقول: نعم، هناك فرق بينهما، فمن ذلك:
(أ) أن صلاة التطوع يجوز فعلها قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفريضة.
(ب) أن الجماعة في صلاة التطوع ليست بواجبة، بخلاف الجماعة للفريضة فهي واجبة على الصحيح.
(ج) صلاة التطوع غير الرواتب غير مقدرة بمقدار خاص ولا مؤقتة بوقت خاص، فيجوز للإنسان أن يتطوع في أي وقت من النهار أو الليل إلا في الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها فلا يشرع التطوع المطلق فيها، أما الفرائض فهي مقدرة بمقدار خاص ومؤقتة بأوقات مخصوصة فلا يجوز الزيادة على ذلك.
(د) الفريضة لابد فيها من تعيين النية بخلاف التطوع المطلق فلا يشترط له تعيين النية.
الجزء: 1 - الصفحة: 328
وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ (1):
(هـ) صلاة التطوع تجوز على الراحلة وما كان في معناها مع القدرة على النزول، أما الفريضة فلا يجوز إلا مع عدم القدرة على النزول، كالصلاة في السفينة والطائرة.
(و) أن الفريضة لا تصح في الكعبة ولا على ظهرها، وهو المذهب (1) عند الحنابلة، بخلاف التطوع.
(ز) الفريضة لا تسقط بحال ما دام عقله ثابتاً، بخلاف النافلة فتسقط عند العجز عنها ويكتب أجرها لمن اعتادها ولمن عجز عنها إذا كان من عادته فعلها.
(ح) النافلة لا يكفر تاركها بالإجماع، بخلاف الفريضة فتاركها بالكلية يكفر على القول الصحيح.
وهناك فروق أخرى ذكرها بعض أهل العلم.
تنبيه: آكد ما يتطوع به من العبادات البدنية
: قيل الجهاد، وقيل العلم، والصحيح الذي اختاره شيخنا (2) -رحمه الله- أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن، فقد يكون الجهاد في حق بعض الأشخاص أفضل، وفي بعضهم يكون طلب العلم في حقهم أفضل، فإذا كان الإنسان شجاعًا قويًا ونشيطًا وليس بذكي مثلاً فالأفضل في حقه الجهاد، وإن كان ذكيًّا حافظًا قوي الحجة فيكون العلم في حقه أفضل.
(1)
قوله «وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ»
أي صلاة التطوع على خمسة أنواع.533534
الجزء: 1 - الصفحة: 329
أَحَدُهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ (1)، وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا (2)، (1)
قوله «أَحَدهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ»
سميت بذلك لأنها دائمة مستمرة وهي تابعة للفرائض مرتبة قبلها أو بعدها.
(2)
قوله «وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -»
حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- متفق عليه، وهذه هي السنن الرواتب أي الدائمة المستمرة التابعة للفرائض، وهي كما ذكر ابن عمر: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان بعد الفجر، هذه عشر ركعات، وهذا على أحد القولين.
وقيل بأن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، وذلك بإضافة ركعتين أخريين قبل الظهر؛ لحديث عائشة عند البخاري «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» 535، وكذا حديث أم حبيبة - رضي الله عنها- عند مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّيْ للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» 536. وهذا هو الصواب أي أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة.
وخرج من هذه المذكورات صلاة العصر، فليس لها سنة راتبة لكن لها سنة مطلقة وهي الداخلة في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ» 537. وقولنا «أربع ركعات قبل الظهر» أي بتسليمتين لا بتسليمة واحدة كما يظن البعض =
الجزء: 1 - الصفحة: 330
وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ (1)، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ (2)، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، حَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ (3) أَنْ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (4)، وَهُمَا آكَدُهَا (5). = بل يصلي ركعتين ثم يسلم منها، ثم يصلي ركعتين ويسلم منها هكذا.
(1)
قوله «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ»
أي أن السنة لراتبة المغرب أن تصلى في البيت، وهذا عام في حق الإمام والمأموم، لكن من خاف أن ينسي هاتين الركعتين فالأولى أن يصليهما في المسجد، أما من اعتاد أن يصليهما في البيت فالأفضل له ذلك.
(2)
قوله «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ»
يقال فيها كما قيل في الركعتين بعد المغرب.
(3) قوله «حَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ» القائل هو ابن عمر - رضي الله عنهما- وهو أخو حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - جميعًا.
(4) قوله «أَنْ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»
المراد بطلوع الفجر هنا
هو الفجر الصادق الذي سبق بيانه في باب المواقيت، وقلنا بأنه يتميز عن الفجر الكاذب بثلاثة أمور:
الأول: أن الفجر الصادق يعقبه نور.
الثاني: أن الفجر الصادق يكون معترضًا من الشمال إلى الجنوب.
الثالث: أن الفجر الصادق يترتب عليه الأحكام الشرعية.
(5) قوله «وَهُمَا آكَدُهَا» أي آكد السنن الرواتب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا» 538، وأيضًا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قالت عائشة عن هاتين الركعتين=
الجزء: 1 - الصفحة: 331
وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا (1)، وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ (2)، = «وَلَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا أَبَدًا» (1).
(1)
قوله «وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا»
وذلك لحديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لأَقُوْلُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ» (2)، فالسنة التخفيف في هاتين الركعتين.
(2)
قوله «وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ»
وذلك لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما- السابق، لكن
هل هذا عام في حق الإمام والمأموم
أم الأفضل في حق المأموم أن يبادر إلى الصلاة قبل الأذان وفي أثنائه فيصليها في المسجد؟ نقول: الصواب أن الأفضل في حق المأموم أن يبادر إلى الصلاة؛ لأن الأجر الحاصل في المبادرة إلى الصلاة أفضل من أداء هذه السنة في البيت، ولذا فالأولى في حقه المبادرة ثم يصليها في المسجد، أما النوافل التي بعد الصلاة فالأفضل أن يصليها في البيت.
ومن خلال ما ذكره المؤلف يتبين لنا أن ركعتي الفجر تختص عن غيرها بأمور هي:
(أ) أنهما تشرعان سفرًا وحضرًا بخلاف غيرهما من الرواتب.
(ب) أن ثوابهما خير من الدنيا وما فيها
(ج) أنه يسن تخفيفهما كما في حديث عائشة سابق الذكر.
(د) أنه يقرأ فيهما بسور معينة وهي سورة الكافرون في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص في الركعة الثانية، وإن شاء قرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ 541، وفي الركعة الثانية يقرأ فيها {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا =539540
الجزء: 1 - الصفحة: 332
وَكَذلِكَ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ (1). الثَّانِيْ: الْوِتْرُ (2)، = وَبَيْنَكُمْ} (1). (هـ) أنه يسن الاضطجاع بعدهما لمن صلاهما في البيت، وهذه السنة الصواب أنها تكون في حق من يحتاج إليها، كمن يقوم من الليل ويحتاج إلى أن يستريح، لكن بشرط أن لا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الجماعة، وبالتالي قد ترك أمرًا واجبًا لتحصيل سنة.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ»
أي يسن أن يصليها في البيت كما جاء في حديث ابن عمر السابق.
تنبيه: من فاته شيء من الرواتب هل يسن قضاؤها؟
الجواب: نقول إن تركها لعذر كنوم ونسيان وانشغال بما هو أهم جاز قضاؤها، أما إن تركها عمدًا حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، بل إن قضاها فلا تصح منه راتبته؛ لأن الرواتب عبادات مؤقتة، والعبادات المؤقتة إذا تعمد الإنسان تركها حتى خرج وقتها لم تقبل منه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2) (2)
قوله «الثَّانِيْ: الْوِتْرُ»
أي النوع الثاني من أنواع التطوع هو الوتر، واختلف الفقهاء في حكم الوتر، فالجمهور 544 على أنه سنة مؤكدة وليس بواجب، =542543
الجزء: 1 - الصفحة: 333
وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ (1)،
=وذهب أبو حنيفة (1) خلافًا لصاحبيه وأبوبكر (2) من الحنابلة إلى أنه واجب.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أي أنه سنة مؤكدة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سأله الأعرابي عما فرض عليه في اليوم والليلة قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (3)، وقول علي - رضي الله عنه -: «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -» (4).
ومع كونه سنة إلا أنه لا ينبغي لمسلم أن يتهاون فيها، فمن تركها فقد أساء، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن يقبل له شهادة» (5).
(1)
قوله «وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ»
أي وقت الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ» 550، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ =545546547548549
الجزء: 1 - الصفحة: 334
وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ (1)،
=بِوَاحِدَةٍ» (1). وذهب ابن قدامة (2) في المغني إلى أن الوتر يفعله قبل صلاة الفجر، ونقل ذلك عن كثير من الصحابة، وكذا الأئمة، واحتج لذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح».
والذي أراه أنه لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح، لكن إن فاته فله أن يصليه قبل صلاة الصبح لاسيما أن هذا قد نقل عن كثير من الصحابة، قيل للإمام أحمد: أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر؟ قال: نعم، وهذا أيضاً نقل عن الإمام مالك.
تنبيهان
: أولاً: إذا جمع المصلي بين المغرب والعشاء جمع تقديم فيبدأ وقت الوتر من بعد تمام صلاة العشاء.
ثانيًا: من فاته الوتر حتى أصبح
فيشرع في حقه أن يقضيه بعد طلوع الشمس شفعًا، فإن كان يوتر بواحدة قضاها ثنتين، وإن كان يوتر بثلاث قضاها أربعًا، وإن كان يوتر بخمس قضاها ستًّا، وهكذا.
(1)
قوله «وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ»
هذا هو المذهب 553، وهو قول الشافعية 554، فيجوز ذلك بلا كراهة للحديث المتقدم «إِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ»، وفي قول في المذهب أنه يكره الإيتار بركعة حتى في حق المسافر وتسمى البتيراء، ذكر =551552
الجزء: 1 - الصفحة: 335
وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (1)، =ذلك صاحب الإنصاف، وذهب الحنفية إلى عدم جواز الإيتار بركعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البتيراء، والصحيح جواز الإيتار بركعة للحديث المتقدم ولما رواه مسلم «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» (1).
(1)
قوله «وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»
هذا هو المذهب 556، وهو قول الشافعية 557؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزِيْدُ فِيْ رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» 558. لكن قول المؤلف «وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» فيه نظر؛ لأن الصواب أنه يجوز الزيادة على ذلك، فيجوز أن يصليه ثلاث عشرة ركعة كما في حديث أم سلمة - رضي الله عنها -: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوتِرُ بِثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ» 559، وأيضًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوْتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» 560، فالأولى في كلام المؤلف أن يقول: والأفضل إحدى عشرة ركعة.555
الجزء: 1 - الصفحة: 336
وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ (1)، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ (2). (1)
قوله «وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ»
وهذا هو المذهب (1)، وهو المذهب عند الشافعية (2)، وعللوا ذلك بأن الوتر بواحدة مختلف في كراهته فكان أدنى الكمال الثلاث، وقال بعض الفقهاء بل أدنى الكمال ركعة واحدة.
وقوله «بِتَسْلِيْمَتَيْنِ» أي يصلي ركعتين ثم يسلم منها ثم يأتي بركعة ويسلم، والعلة في ذلك لكي لا تشبه صلاة المغرب، وذهب الحنفية (3) إلى أنه يصلى الوتر بثلاث كصلاة المغرب.
والصحيح القول الأول؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تشبه بصلاة المغرب، وإن صلاها بتشهد واحد وسلام واحد جاز.
(2)
قوله «وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ»
اختلف الفقهاء في القنوت في الوتر؛ فذهب أصحاب الإمام أحمد 564 إلى سنيته في الوتر في كل ليلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقنت إلا في رمضان، وقال البعض بل يقنت في آخر رمضان، وقال المالكية 565 بل يكره القنوت في الوتر.
والصحيح من هذه الأقوال أن القنوت في الوتر مشروع؛ لثبوته عن عمر - رضي الله عنه -، لكن لا يداوم عليه؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت في الوتر.
أما محل القنوت فالمذهب 566 على أنه بعد الركوع، وهو قول الشافعية 567،
ودليل ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - «قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوْعِ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ» 568، وهو في =561562563
الجزء: 1 - الصفحة: 337
الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ (1)، وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ (2)، =الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه -. وذهب الحنفية (1) والمالكية (2) إلى أنه قبل الركوع، وهذا أيضًا ثابت في الصحيحين، والصحيح جواز الأمرين، والسنة في ذلك التنويع، فيقنت أحيانًا قبل الركوع وأحيانًا بعد الركوع.
- تنبيه: لم يذكر المؤلف هنا
ما يسن قراءته في الوتر
، والمشروع فيه من القراءة أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة «الأعلى»، وفي الثانية بسورة «الكافرون»، وفي الثالثة بسورة «الإخلاص» كما جاء ذلك في السنن من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُوْنَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِيْ رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ» (3). (1)
قوله «الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ المُطْلَقُ»
أي النوع الثالث من أنواع النوافل التطوع المطلق، وسمي مطلقًا لأنه لا يختص بوقت ولا سبب بل يصليه الإنسان في أي وقت شاء إلا أوقات النهي التي سيذكرها المؤلف.
(2)
قوله «وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ»
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ» 572، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ=569570571
الجزء: 1 - الصفحة: 338
وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ (1)، وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (2)، =دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ... » (1)، ولعل الفضل في ذلك راجع إلى أن الليل أدعى للخشوع، ولأن فيه وقت نزول الرب سبحانه وتعالى.
(1)
قوله «وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ»
وذلك لحديث عائشة - رضي الله عنها- «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (2)، وللحديث المتقدم: « .. وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلام كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ... »، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُوْمَ آخِرَهُ فَلْيُوْتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُوْدَةٌ وَذلِكَ أَفْضَلُ» (3)، لكن إن كان يخاف أن لا يقوم آخر الليل فالأولى أن يصلي أوله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُوْمَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوْتِرْ أَوَّلَهُ» (4). (2)
قوله «وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»
فلا ينبغي أن يصلي أربعًا بسلام واحد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» 577، وعلى ذلك فإذا كان يصلي من الليل ثم=573574575576
الجزء: 1 - الصفحة: 339
وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ (1).
=نسي فقام إلى ثالثة فالمشروع في حقه أنه متى تذكر وجب عليه الرجوع، فإن جعلها أربعًا لم تصح للحديث المتقدم.
لكن هل يفهم منه أن صلاة النهار يجوز أن تكون أربعًا بسلام واحد أو أربعًا بتشهدين؟ نقول: لا يشرع ذلك؛ لأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى.
أما من احتج بحديث عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزِيْدُ فِيْ رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّيْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ .. » (1)، فنقول: هذا محمول على أنه كان يصلي الأربع بسلامين، فيصلي ثنتين ثم يسلم ويصلي ثنتين ثم يسلم، لأنه لو صلى أربعًا بسلام واحد خالف قوله «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وهو صريح في صلاة الليل هكذا.
(1)
قوله «وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ»
هذا في النافلة، فيجوز أن يصليها الإنسان قاعدًا لغير عذر، لكن أجرها على النصف من صلاة القائم، وقد ذكرنا ذلك في الفرق بين الفريضة والنافلة.
أما إن كان صلاها قاعدًا لعذر فالأجر له فيها كامل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيْمًا صَحِيْحًا» 579. وأما دليل ما ذكره المؤلف فهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ» 580.578
الجزء: 1 - الصفحة: 340
الرَّابِعُ: مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ (1): أَحَدُهَا: التَّرَاوِيْحُ (2)، وَهِيَ: عِشْرُوْنَ رَكْعَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ رَمَضَانَ (1) (1)
قوله «الرَّابِعُ: مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ»
أي النوع الرابع من أنواع التطوع هو ما تسن له الجماعة، وهذا الضرب على ثلاثة أنواع: (2)
قوله «أَحَدُهَا: التَّرَاوِيْحُ»
وهي قيام ليل رمضان، سميت بالتراويح؛ لأن الصحابة كانوا يطيلون فيها القراءة والركوع والسجود، فإذا صلوا أربعًا استراحوا ثم استأنفوا الصلاة أربعًا، ثم استراحوا ثم يوترون بثلاث.
ويستحب لها الجماعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه جماعة، ثم خشي أن تفرض عليهم فتركها، فلما جاء عهد عمر - رضي الله عنه - جمعهم عليها، وعمر - رضي الله عنه - من الخلفاء الراشدين وأمرنا باتباع هديه، ثم استمر المسلمون عليها إلى وقتنا يصلونها جماعة.
(3)
قوله «وَهِيَ: عِشْرُوْنَ رَكْعَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ رَمَضَانَ»
وهذا هو الثابت عن الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يصلون عشرين ركعة، وهذا هو مذهب الحنفية 581، والشافعية 582، وبعض المالكية 583، وهو المشهور من المذهب 584، لكن الصحيح أن التراويح إحدى عشرة ركعة؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - المتقدم «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزِيْدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ... »، وهذا رأي شيخنا 585 -رحمه الله-، لكن إن زاد=
الجزء: 1 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =على ذلك فلا بأس؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى؛ مَثْنَى» 586 فلم يحددها - صلى الله عليه وسلم - فإن صلاها ثلاثًا وعشرين فلا بأس، لكن الأولى أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ لأنه ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
- تنبيه:
أولاً: لا ينبغي للمأموم أن ينصرف عن الإمام لكونه يصلي عشرين ركعة كما يفعله البعض؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» 587، ولأن هذا نوع من الاختلاف على الإمام، ولأن فيه نوع فرقة للمسلمين.
ثانيًا: لشيخ الإسلام قول لطيف في الزيادة عن إحدى عشرة ركعة، قال -رحمه الله-: «إن أطال القيام والركوع والسجود فيقلل الركعات أي يجعلها إحدى عشرة ركعة، وإن خفف القراءة والركوع والسجود فليكثر من الركعات» 588. وعلى العموم الذي أراه أنه ينبغي على الإمام أن يراعي حال المأموم، فإن كان المأموم يرغب في صلاة التراويح ويرى عدم الإطالة فيها فالأولى للإمام أن لا يحرم المأموم من أجرها فيصلي بلا إطالة ويجعلها إحدى عشرة ركعة، وإن كان المأموم يرغب في الإطالة صلى بهم وأطال.
الجزء: 1 - الصفحة: 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثالثًا: لا حرج في حق الإمام أن يقرأ من المصحف في صلاة التراويح أو غيرها من النوافل إذا لم يكن حافظًا، فقد كان لعائشة غلام اسمه ذكوان كان يؤم بها في رمضان ويقرأ من المصحف، أما الفريضة فلا يفعل ذلك.
رابعًا: المأموم يكره له المتابعة من المصحف أثناء القراءة للإمام إلا إذا كانت هناك حاجة، كأن يحتاج إلى من ينبهه أثناء القراءة، وذلك لأن المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام.
خامسًا: لا حرج على المسلم أن يتتبع أصوات الأئمة، لكن الأولى أن يصلي في مسجده وخلف إمامه.
سادسًا: لا بأس بأن يحسن الإمام صوته أثناء قراءة القرآن ويأتي به على صفة توافق القلوب دون غلو وأن يراعى أحكام القراءة متى أمكن ذلك.
سابعًا: إذا قام الإمام إلى ثالثة في صلاة التراويح ناسيًا ثم تذكر أو ذُكّر أنها ثالثة، فالواجب عليه الرجوع ويجلس، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» 589.
ثامنًا: بعض الأئمة يحرصون على تخفيف صلاة التراويح فيصلونها بسرعة تمنع المصلين من فعل ما يسن، بل قد تمنعهم من فعل ما يجب، وفي المقابل هناك من الأئمة من يطيل إطالة تشق على المأموم، وهذا خطأ من كليهما بل على الإمام أن يتقي الله تعالى فلا يخفف بما يخل بواجب أو مسنون، ولا يطيل بما يشق على المأمومين.
الجزء: 1 - الصفحة: 343
وَالثَّانِيْ: صَلاةُ الْكُسُوْفِ، فَإِذَا كُسِفَتِ الشَّمْسُ، أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ (1).
تاسعًا: القنوت في الوتر مشروع، لكن لابد أن يراعى فيه أولاً: عدم السجع، ثانياً: عدم الإطالة المفرطة، ثالثًا: الأولى فيه الاقتصار على ما ورد.
عاشرًا: يجوز لمن صلى مع الإمام أن يؤخر الوتر، فإذا سلم قام وضم ركعة أخرى، ولا يجوز أن يوتر مرتين في ليلة، مرة مع الإمام في التراويح ومرة بعد تهجده، فهذا لا يشرع.
(1)
قوله «وَالثَّانِيْ: صَلاةُ الْكُسُوْفِ، فَإِذَا كُسِفَتِ الشَّمْسُ، أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ»
أي النوع الثاني من أنواع التطوع التي تشرع له الجماعة صلاة الكسوف، وصلاة الكسوف من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي باب الصلاة التي سببها الكسوف.
الكسوف والخسوف قيل: بأنهما بمعنى واحد، وقيل: بأن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وقيل: بالعكس.
والكسوف عرّفه العلماء بأنه ذهاب أحد النيرين أو بعضه، وسبب كسوف الشمس يحدث بسبب حجب القمر للشمس، فيحول بينها وبين الأرض فيحجبها عن الأرض، إما جميعها أو بعضها.
وقولنا «جميعها» ليس معناه أن الشمس تحجب عن الأرض جميعها، وإنما المراد أنه يحجبها عن موضع معين فيها؛ لأن القمر أصغر من الشمس، ولذلك لا يمكن أن يكون كسوف الشمس كليًّا في جميع أقطار الدنيا.
أمّا خسوف القمر فيكون بسبب حجب الأرض للقمر فتحول بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس، ومن هنا يحصل خسوف القمر.
=
الجزء: 1 - الصفحة: 344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وخسوف القمر وكسوف الشمس يحصل بسببين: الأول: حسِّي وهو الذي ذكرناه آنفًا، والثاني: سبب شرعي وهو تخويف الله تعالى لعباده كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» 590.
أمّا حكم صلاة الكسوف فقد ذهب جمهور الفقهاء 591 إلى أنها سنة مؤكدة، وذهب بعض الفقهاء إلى القول بالوجوب، قال شيخنا 592 -رحمه الله-: القول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب، والصواب أنها سنة مؤكدة، وهو قول سماحة شيخنا ابن باز 593 -رحمه الله-.
وتصلى هذه الصلاة فرادى وجماعات، فالجماعة ليست شرطًا فيها، لكن صلاتها جماعة أولى، والأفضل أيضًا أن تصلى في الجوامع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها في مسجد واحد، ولأن كثرة المصلين أدعى للخشوع وخضوع القلب وأقرب لإجابة الدعاء.
وقوله «فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ» وذلك لفعله - صلى الله عليه وسلم - حينما كسفت الشمس في عهده، فزع - صلى الله عليه وسلم - فزعًا عظيمًا حتى أنه خرج بإزاره قاصدًا المسجد حتى تبعوه بردائه، وهذا يدل على أن الأمر عظيم.
الجزء: 1 - الصفحة: 345
إِنْ أَحَبُّوْا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوْا فُرَادَى (1)، فَيُكَبِّرُ (2)، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً (3)،
(1) قوله «إِنْ أَحَبُّوْا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوْا فُرَادَى» وذلك لأن الجماعة ليست شرطًا فيها، لكن الأفضل أن تصلى جماعة كما ذكرناه آنفًا.
(2) قوله «فَيُكَبِّرُ» أي تكبيرة الإحرام ناويًا بذلك صلاة كسوف الشمس أو القمر.
(3)
قوله «وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً»
وتكون القراءة في ذلك جهرًا، فالسنة فيها سواء كانت في الليل أو النهار أنها تكون جهرًا وهذ هو المذهب 594، ورواية في مذهب مالك 595، وذهب ابو حنيفة 596، والمالكية 597، والشافعية 598 إلى أن القراءة تكون سرًّا في كسوف الشمس.
والصحيح أنها تكون صلاة جهرية؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -: «جَهَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيْ صَلاةِ الْخُسُوْفِ بِقِرَاءَتِهِ .. » 599، وهذا اختيار شيخ الإسلام 600 -رحمه الله-.
وقوله «وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً» لم يأت تعيين لهذه السورة، فالمهم أن تكون القراءة طويلة.
الجزء: 1 - الصفحة: 346
ثُمَّ يَرْكَعْ رُكُوْعَا طَوِيْلاً (1)، ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الَّتِيْ قَبْلَهَا (2)، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيْلُ دُوْنَ الَّذِيْ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ (3)، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ (4)، (1)
قوله «ثُمَّ يَرْكَعْ رُكُوْعًا طَوِيْلاً»
من غير تقدير لهذا الركوع، المهم أن يكون طويلاً، فيطيل فيه بقدر الإمكان.
(2)
قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الَّتِيْ قَبْلَهَا»
وتكون هذه القراءة دون الأولى، أي أقل منها كما جاء ذلك في حديث عائشة - رضي الله عنها -. (3)
قوله «ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيْلُ دُوْنَ الَّذِيْ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ»
قائلاً: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (1)، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (2). (4)
قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ»
بقدر ركوعه، ويكون كذلك جلوسه بين السجدتين بقدر سجوده؛ لحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه -: «كَانَ سُجُوْدُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرُكُوْعُهُ وَقُعُوْدُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ» 603، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - كان =601602
الجزء: 1 - الصفحة: 347
ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ (1)، فَيَكُوْنُ أَرْبَعَ رُكُوْعَاتٍ وَأَرْبَعَ سُجُوْدَاتٍ (2) =يطيل الجلوس بين السجدتين حتى يقول الصحابة - رضوان الله عليهم -: قد أوهم من طول جلوسه بين السجدتين.
(1)
قوله «ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ»
أي يأت بركعة أخرى مثل الأولى لكن دونها في كل ما فعل، فيكون القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الثاني من الركعة الأولى لتكون صلاته بالتدرج كل ركعة دون التي قبلها.
(2)
قوله «فَيَكُوْنُ أَرْبَعَ رُكُوْعَاتٍ وَأَرْبَعَ سُجُوْدَاتٍ»
وهذا هو قول الجمهور من المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3): أي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، وقال الحنفية (4) إنها ركعتان في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد وسجدتان كسائر النوافل.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها- في صلاة الخسوف.
ذكر بعض التنبيهات التي لم يذكرها المؤلف
: أولاً: قال في زاد المستقنع «وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز»، والصواب أن يقال بأن هذا مبني على طول زمن الكسوف، فإذا علمنا أن زمن الكسوف يطول فلا حرج من أن نصلي ثلاث ركوعات في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات أو خمس ركوعات؛ لورود ذلك=604605606607
الجزء: 1 - الصفحة: 348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =عن الصحابة - رضي الله عنهم -، لكن الأولى والأفضل أن يقتصر على ركوعين وأن يطيل الصلاة؛ لأن هذا هو الذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: ما بعد الركوع الأول هل هو ركن أم سنة؟
الصواب أنه سنة وليس بركن، ولذا لو صلاها كما تصلى صلاة النافلة أي جعلها ركوعين فقط فلا بأس.
ثالثًا: هل تدرك صلاة الكسوف بالركوع الثاني؟
بناء على ما ذكرناه آنفًا بأن ما بعد الركوع الأول سنة نقول: بأنها لا تدرك بالركوع الثاني، ولذلك من كان مسبوقًا بالركوع الأول لزمه أن يأتي بركعة أخرى؛ لأن الأولى تعتبر قد فاتته، وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
رابعًا: إذا انتهت الصلاة والكسوف باق،
هل تعاد الصلاة؟ الصواب أنها لاتعاد، بل يبقى الناس يدعون الله تعالى وينشغلون بالذكر والتكبير والصدقة ونحو ذلك، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز 609 -رحمه الله- أي لا تعاد صلاة الخسوف.
خامسًا: إذا انجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة، وليس معنى قولنا «أتمها خفيفة» أنه يجعلها جذماء مقطوعة بعض الأعضاء، وإنما التخفيف المراد هنا تخفيفًا لا يشعر المصلي أنه تخفيفٌ مخلٌ، فإن كان قد صلى في الركعة الأولى بمائة آية مثلاً فيجعل الثانية بقدر أربعين آية أو ثلاثين آية، بحيث لا يشعر المصلي بالتخفيف.608
الجزء: 1 - الصفحة: 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سادسًا: إذا طلع الفجر وخسف القمر قبل طلوع الشمس هل يصلى؟
الجواب: لقد حصل هذا بالفعل ووقع الناس في حيرة، فبعض الناس صلى وبعضهم لم يصل، والمشهور من المذهب 610 أنها لا تصلى بعد طلوع الفجر إذا خسف القمر؛ لأنه وقت نهي، والصحيح أنها تصلى إن كان القمر بادياً ولولا الكسوف لأضاء، أما إن كان النهار قد انتشر ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به سواء كان كاسفًا أو مبدرًا، وهذا هو اختيار شيخنا 611 -رحمه الله-.
سابعًا: إذا شرع في صلاة الكسوف للشمس بعد العصر ثم غابت كاسفة فإنه يتمها خفيفة؛ لأنها إذا غابت ذهب الانتفاع بها.
ثامنًا: هل يصلى لغير الخسوف كالزلازل والبراكين والصواعق ونحو ذلك؟ محل خلاف بين الفقهاء، فالمذهب 612 أنه يصلى فقط للزلزلة الدائمة وما عداها فلا، والمالكية 613 يرون أنه لا يصلى لغير الشمس والقمر مطلقًا، وهو اختيار سماحة شخنا ابن باز 614 -رحمه الله-، أما الشافعية 615 فيرون الصلاة لغير الشمس والقمر لكن لا تصلى جماعة بل منفردين.
والصحيح ما ذهب إليه الحنفية 616 من مشروعية الصلاة لكل ما فيه فزع =
الجزء: 1 - الصفحة: 350
الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ (1)، إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ (2)، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ (3)، خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ (4)، = كالريح الشديدة والزلزلة والظلمة والصواعق والبراكين، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) وشيخنا محمد العثيمين (2) - رحمهما الله -.
تاسعًا: هل تسن الخطبة للكسوف؟
اختلف الفقهاء في مشروعية الخطبة لصلاة الكسوف، فالجمهور على أنه لا خطبة لصلاة الكسوف، والصحيح أنه تسن الخطبة بعد الفراغ من الصلاة لفعله - صلى الله عليه وسلم -، وهو مذهب الشافعية (3)، وهو اختيار شيخنا (4) -رحمه الله-، لكن بلا صعود على المنبر وبلا إطالة، بل يكفي فيها التذكير فتكون بمثابة الموعظة.
(1)
قوله «الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ»
أي النوع الثالث مما تشرع له الجماعة من النوافل صلاة الاستسقاء، وهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه كما ذكرنا ذلك سابقًا، والاستسقاء معناه طلب السقيا من الله تعالى، ويقال لها أيضًا صلاة الاستغاثة.
618 قوله «إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ» أي خلت الأرض من النبات، وضد الجدب الإخصاب، يقال: أخصبت الأرض أي ظهر نباتها وكثر.
619 قوله «وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ» أي امتنع عن النزول.
620 قوله «خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ» أي ساكني الأطراف عليهم الوقار والهيبة.617
الجزء: 1 - الصفحة: 351
مُتَبَذِّلِيْنَ (1)، مُتَذَلِّلِيْنَ (2)، مُتَضَرِّعِيْنَ (3)، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ (4)،
(1) قوله «مُتَبَذِّلِيْنَ» التبذل أي ترك الزينة وعدم التهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع.
(2) قوله «مُتَذَلِّلِيْنَ» أي متواضعين، والذل أشد من التواضع أي ذليل أمام ربه سبحانه وتعالى.
(3) قوله «مُتَضَرِّعِيْنَ» التضرع يعني الاستكانة أي مستكينين، وذلك لشدة إنابتهم إلى الله تعالى.
وهذه الأوصاف التي ذكرها المؤلف جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - حيث قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلاً مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلاً مُتَضَرِّعًا» (1).
(4)
قوله «فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ»
وهذا هو قول الجمهور 622، وقال أبو حنيفة 623: لا تسن الصلاة للاستسقاء بل يخرج الإمام ويدعو فإن صلى الناس جاز، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عباد بن تميم المازني عن عمه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَسْقِيْ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُوْ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيْهِمَا =621
الجزء: 1 - الصفحة: 352
كَصَلاةِ العَيْدِ (1)، ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً (2)، = بِالْقِرَاءَةِ» (1). أما حكمها فهي سنة مؤكدة ثابتة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبفعل أصحابه - رضي الله عنهم -، وأجمع المسلمون على مشروعيتها.
(1)
قوله «كَصَلاةِ الْعَيْدِ»
أي في عدد ركعاتها، والجهر بالقراءة فيها، وفعلها في المصلى، وفي التكبيرات الزوائد في الركعتين قبل القراءة.
(2)
قوله «ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً»
فتكون الخطبة بعد صلاة العيد، وهذا هو المذهب 625، وهو مذهب المالكية 626، والشافعية 627.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطبة تكون قبل الصلاة وهو رواية في المذهب 628؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - وكذا عبد الله بن زيد أنه خطب ثم صلى ركعتين، ورجح شيخنا 629 -رحمه الله- جواز الأمرين.
لكن إن خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، وإن خطب بعد الصلاة لم يخطب قبلها.
والصواب القول الأول أي أن الخطبة تكون بعد الصلاة؛ لقول ابن عباس - رضي الله عنهما-: « ... فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى» 630.624
الجزء: 1 - الصفحة: 353
وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ (1)
=ومن المعلوم أن الخطبة في العيد بعد الصلاة، وأيضًا لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا يَسْتَسْقِيْ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ خَطَبَنَا» (1).
وقوله «خُطْبَةً وَاحِدَةً» هذا هو المذهب (2)، واختاره أبو يوسف (3) من الحنفية، وذهب المالكية (4) والشافعية (5) إلى أنها خطبتان يفصل بينهما بجلوس لقول ابن عباس المتقدم.
والصواب القول الأول لقول ابن عباس - رضي الله عنهما- « ... فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيْرِ ... » (6). وهذا يدلنا على أنه ما فصل بين الخطبة بسكوت ولا جلوس، وأيضًا لم ينقل أنه خطب خطبتين للاستسقاء.
(1)
قوله «وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ»
لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة واستغفار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 637، وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ =631632633634635636
الجزء: 1 - الصفحة: 354
وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ (1)، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ (2)، = يَرْجِعُونَ} (1). فقلة المطر وحبسه إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، ولذا شرع الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى.
(1)
قوله «وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ»
وذلك مثل قوله تعالى في سورة نوح: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (2)، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (3)، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (4). (2)
قوله «وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ»
فيكون تحويل الرداء للإمام والمأموم جميعًا، وهذا هو قول المالكية 642، والشافعية 643، والحنابلة 644؛ وذلك لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ثبت من فعله - صلى الله عليه وسلم - يثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على الاختصاص، ولأن الحكمة من قلب الرداء هو التفاؤل من أن يقلب الله الحال من الجدب إلى الخصب، لكن لايشرع للنساء فعل ذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن قلب الرداء خاص بالإمام دون المأموم، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.638639640641
الجزء: 1 - الصفحة: 355
وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوْا وَأُمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ (1). (1)
قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يَمْنَعُوْا وَأُمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ»
في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه لا يستحب خروج الكفار وأهل الذمة بل يكره خروجهم مع المسلمين للاستسقاء، ولكن إذا خرجوا مع الناس وانفردوا في مكان بعيد عنهم لم يمنعوا، وهذا هو قول المالكية 645، والشافعية 646، والحنابلة 647. واستدل أصحاب هذا القول بأنه يكره خروجهم لأنهم أعداء الله الذين كفروا به وبدلوا نعمة الله كفرًا، فهم بعيدون عن الإجابة، وإن أغاث الله المسلمين فلربما قالوا هذا حصل بفضل دعائنا.
وكونهم إذا خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من الله ولا يبعد أن يجيبهم الله لذلك لأنه ضمن أرزاقهم كما ضمن للوثنيين أرزاقهم.
وكونهم منفردين عن المسلمين لأنه لا يؤمن أن يصيبهم الله بعذاب من عنده فيعم من حضرهم، ولا يجوز لهم الخروج للاستسقاء وحدهم لأنهم قد يغاثون فتكون الفتنة بهم أعظم وأشد.
القول الثاني: وهو قول الحنفية 648 أنه لا يحضر الذمي الاستسقاء ولا يخرج له؛ لأنه لا يتقرب إلى الله بدعائه، ولأن الاستسقاء من أجل الرحمة وهم بعيدون عنها، وأما منعهم من الخروج لأنهم قد يستسقون فيسقيهم الله فتحصل لهم الفتنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 356
الضَّرْبُ الْخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ (1)، = والصواب ما ذهب إليه الأولون، فإذا خرج أهل الذمة معنا من أجل الاستسقاء لم يمنعوا، لكن يخرجون في نفس اليوم الذي نستسقي فيه، وأن يكونوا بعيدين عنا كما ذكر ذلك المؤلف، وهو اختيار شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1)
قوله «الضَّرْبُ الْخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ»
أي النوع الخامس من أنواع التطوع سجود التلاوة أي السجود الذي سببه التلاوة، وقد اختلف الفقهاء في حكمه، فالجمهور على أنه سنة مؤكدة عقب تلاوة آية سجدة، وذهب الحنفية (2) إلى أنه واجب.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما رواه البخاري عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيْهَا» (3)، وفي رواية «فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» (4).
وروى البخاري عن عمر - رضي الله عنه - أنه «قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُوْدِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ - رضي الله عنه -» (5).
لكن
هل سجود التلاوة صلاة
؟ الصحيح أنه ليس بصلاة ولا يجب له ما يجب للصلاة.649650651652653
الجزء: 1 - الصفحة: 357
وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِي الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ (1)، وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ (2)، وَالْمُسْتَمِعِ (3) دُوْنَ السَّامِع (4). وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (5). (1)
قوله «وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِيْ الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ»
وهي كالآتي: في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج اثنتان، والفرقان، والنمل، وآلم السجدة، وفصلت، والنجم، والانشقاق، والعلق.
أما سجدة ص فهي مختلف فيها، والصحيح أنه إن سجد أحيانًا وترك أحيانًا فهو حسن.
(2) قوله «وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ» أي الذي يتلو القرآن.
(3) قوله «وَالْمُسْتَمِعِ» الذي يقصد السماع للقراءة.
(4) قوله «دُوْنَ السَّامِع» أي الذي لم يقصد السماع كأن يكون قد مرّ برجل يقرأ القرآن وأثناء مروره سمع آية سجدة فهنا لايسن له السجود مع هذا القارئ.
(5)
قوله «وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» هذا بناء على قولهم أنه صلاة وهو قول أكثر الفقهاء، وعلى ذلك يشترط له ما يشترط لصحة الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، وغير ذلك، والصحيح كما ذكرنا أنه ليس بصلاة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) -رحمه الله-، وعلى ذلك لا يكبر ولا يسلم له إلا إذا كان في الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في كل خفض ورفع، أما في غير الصلاة فلا يسن له تكبير إذا سجد وإذا رفع منه.
ونقول أيضاً أن السجود بشروط الصلاة أفضل ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر، لكن اشتراط ذلك لصحته غير صحيح.
قوله «ثُمَّ يُسَلِّمُ»
أي إذا فرغ من سجود التلاوة سلم له، والصحيح أنه لا يسن له التسليم لعدم ثبوت ذلك.654
الجزء: 1 - الصفحة: 358
بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا
(1) وَهِيَ خَمْسٌ (2): بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا»
أي الساعات التي نُهي عن صلاة التطوع فيها، وإلا فالفريضة تؤدى فيها إن نام عنها أو نسيها.
(2)
قوله «وَهِيَ خَمْسٌ»
أي خمسة أوقات، دليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (1) فهذان وقتان، أما الثلاثة المتبقية فهي في حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيْهِنَّ مَوْتَانَا: حِيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِيْنَ يَقُوْمُ قَائِمُ الظَّهِيْرَةِ حَتَّى تَمِيْلَ الشَّمْسُ، وَحِيْنَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ حَتَّى تَغْرُبَ» (2)، فهذه هي الأوقات الخمسة التي نُهِي عن الصلاة فيها، وهي التي بيَّنها المؤلف.
(3)
قوله «بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»
هذا هو الوقت الأول الذي لا يجوز التطوع فيه أي من طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، لكن
هل النهي متعلق بفعل الصلاة أم بالوقت؟
المذهب 657 أن النهي متعلق بالوقت أي من=655656
الجزء: 1 - الصفحة: 359
وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ (1)، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ (2)، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ (3)،
=طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، لكن الصحيح أن النهي متعلق بفعل الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « ... وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وهذا هو اختيار ابن سعدي (1) -رحمه الله-.
لكن هل يشرع الصلاة فيما بين الأذان والإقامة؟ ما دام أن النهي متعلق بفعل الصلاة نقول: لايشرع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أذن الصبح صلى ركعتين ولم يثبت عنه أنه صلى غيرهما.
(1)
قوله «وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ»
هذا هو الوقت الثاني، أي بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، وقد قدّر بالساعات بما يعادل عشر دقائق إلى اثنتي عشرة دقيقة، لكن الأحوط أن يكون خمس عشرة دقيقة.
(2)
قوله «وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ»
هذا هو الوقت الثالث، أي من قيام الشمس، ومعنى قيامها أي منتهى ارتفاعها في السماء.
وقوله «حَتَّى تَزُوْلُ» أي تميل من وسط السماء نحو الغروب، وهذا الوقت قصير جدًّا، وقد قدّر بما يعادل خمس دقائق تقريبًا، ولكن الأحوط أن يكون في حدود خمس عشرة دقيقة.
(3)
قوله «وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ»
هذا هو الوقت الرابع أي من بعد صلاة العصر إلى أن تميل الشمس إلى الغروب، ودليل ذلك حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - المتقدم، والمراد بالغروب هنا هو شروعها في الغروب.658
الجزء: 1 - الصفحة: 360
وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ (1). فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا (2)، (1)
قوله «وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ»
هذا هو الوقت الخامس الذي لا يشرع التطوع فيه، أي من حين ميل الشمس للغروب إلى أن يتم غروبها، وهذا الوقت يقدر بربع ساعة تقريبًا بمقدارها عند طلوعها.
هذه خمسة أوقات هي التي نهي عن الصلاة فيها.
(2)
قوله «فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا»
أي التطوع المطلق، دليل ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» 659، وحديث عقبة بن عامر المتقدم: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ»
أما التطوع المقيد بسبب فقد اختلف فيه الفقهاء: فالحنفية 660، والمالكية 661، والحنابلة 662 على أنه لا يصلى مطلقًا سواء بسبب أو بغير سبب، أما الشافعية 663 فيرون جواز صلاة ماله سبب عند وجود سببه، كتحية مسجد وسنة وضوء وركعتي طواف وغير ذلك مما له سبب.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 664، وشيخنا محمد العثيمين 665 - رحمهما الله -، وبه أفتت اللجنة الدائمة 666، وهذا هو الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 361
إِلاَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (1)، (1)
قوله «إِلاَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ»
أي يجوز في أوقات النهي أن يعيد الإنسان الجماعة، كأن يأتي إلى مسجد ووجدهم يصلون وهو قد صلى فإنه يصلي معهم ولو كان وقت نهي، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للرجلين اللذين أتيا وهو يصلي في منى صلاة الفجر، فقال لهما: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالا: يَا رَسُوْلَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا صَلَّيْنَا فِيْ رِحَالِنَا، قَالَ: فَلا تَفْعَلا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِيْ رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» 667.
ومن هنا نلاحظ أن ما يفعله بعض الإخوة حينما تكون هناك جنازة فيصلون في مساجدهم ثم يأتون إلى الجامع الذي تقام فيه صلاة الجنازة والإمام يصلي ولم ينته من الفريضة ثم تجدهم يقفون يتحدثون أو يصلون تحية المسجد دون الدخول مع الإمام ويجلسون مع أن هذا لا ينبغي، بل المشروع في حقهم أن يدخلوا مع الإمام لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المتقدم.
لكن هل ينكر عليهم إذا فعلوا ذلك؟ الجواب: قال شيخنا 668 -رحمه الله- ينكر عليهم؛ لأنه شذوذ وخروج عن الجماعة.
قلت: حتى وإن كان وقت نهي كأن يكون صلوا العصر ثم قدموا إلى الجامع فالمشروع أن يدخلوا مع الإمام للحديث المتقدم: كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح في منى ثم أمرهم بذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 362
وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ (1)، وَالصَّلاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ (2)، وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ (3)، وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الْمَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ (4). (1) قوله «وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ» هذا هو الاستثناء الثاني عند الحنابلة، وهما ركعتا الطواف، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا بَنِيْ عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوْا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (1). (2) قوله «وَالصَّلاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ» هذا هو الاستثناء الثالث وهي صلاة الجنازة فتفعل في أوقات النهي؛ وذلك لعموم الأدلة التي جاءت في وجوب الصلاة على الميت، ولأن الميت جاءت السنة بالإسراع بدفنه.
(3)
قوله «وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ»
هذا هو الاستثناء الرابع، فيجوز قضاء راتبة الظهر بعد العصر؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم -، لكن الصواب أن هذا خاص به، وكذا راتبة الفجر بعد صلاة الفجر؛ لفعل بعض الصحابة ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن الأولى أن يؤخر سنة الفجر حتى ينتهي وقت النهي ثم يصليها، وإن صلاها بعد الفجر مباشرة فلا بأس.
(4)
قوله «وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الْمَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ»
هذا هو الاستثناء الخامس وهو الأخير أي يجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، وهذا هو قول الجمهور؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ =669
الجزء: 1 - الصفحة: 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =ذَلِكَ» 670، وقال أبو حنيفة 671 لا يجوز القضاء في أوقات النهي، والصحيح جواز ذلك، وهذا أمر مجمع عليه عند الصحابة فلا حجة للأحناف هنا.
الجزء: 1 - الصفحة: 364
بَابُ الإِمَامَةِ (1) الشرح:
(1)
قوله «بَابُ الإِمَامَةِ»
نلاحظ أن المؤلف لم يعقد بابًا خاصًا بصلاة الجماعة مع كونه يرى وجوبها كما ذكر ذلك في المقنع والكافي والمغني، ويرى أنها ليست بشرط لصحة الصلاة، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم.
أما إيجابها في المسجد فهو يتساهل فيه -رحمه الله-، وكذا يرى -رحمه الله- أنها تدرك - أي الجماعة- بقدر تكبيرة الإحرام كما سيأتي ذلك في آخر
باب الإمامة
، ويرى أيضًا أن ما يدركه المأموم مع الإمام هو آخر الصلاة مع أن الراجح أنها لا تدرك إلا بإدراك الركوع، وأن ما يدركه المسبوق هو أولها وما يقضيه هو آخرها وهو مبني على رواية لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « .. إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» 672. ويرى أيضًا أن المأموم لا تجب عليه القراءة مع الإمام بل تكفيه قراءة الإمام وقد عقد له بابًا في المقنع.
المهم أن المؤلف في هذا الكتاب لم يبين فيه حكم صلاة الجماعة وبعض الأحكام المتعلقة بها، ونحن إن شاء الله سنتعرض لبعض أحكامها في أثناء شرحنا لباب الإمامة هذا.
أما عن حكم صلاة الجماعة فقد اختلف فيه الفقهاء: فقيل بأنها شرط لصحة الصلاة، وهذا قول ابن عقيل 673 من الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام 674 -رحمه الله- =
الجزء: 1 - الصفحة: 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =وقيل بأنها فرض كفاية وهذا قول بعض فقهاء الحنابلة 675، وهو الأصح عند الشافعية 676، وقيل بأنها سنة مؤكدة للرجال وهو المذهب عند الحنفية 677، وعليه أكثر المالكية 678، وهو قول عند الشافعية 679. والصحيح أن صلاة الجماعة واجبة وجوب عين في حق الرجال وليست شرطًا لصحة الصلاة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة 680، وهو قول عند الشافعية 681، والحنفية 682، وهو اختيار شيخينا 683. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 684، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ 685 فهذا في حالة الخوف فما بالك بحال الأمن، وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 686. أما السنة فمنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِيْنَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُوْنَ مَا فِيْهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيْ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ =
الجزء: 1 - الصفحة: 366
رَوَى أَبُوْ مَسْعُوْدٍ الْبَدْرِيُّ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ - عز وجل - (1)، =حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (1)، وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوْبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (2)، وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - للأعمى: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ» (3)، وفي رواية: «لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (4)، فهذه بعض الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ - عز وجل -»
اختلف الفقهاء في بيان
معنى الأقرأ لكتاب الله
: فقال بعض الفقهاء الأجود قراءة، وقال بعضهم الأكثر قراءة، وقال آخرون أكثرهم حفظًا للقرآن.
والصحيح أن المراد به هو أتقنهم وأحفظهم، لكن
هل يشترط أن يكون ممن يتغنى بالقرآن
ويحسن به صوته؟ الجواب: لا يشترط فيه ذلك، بل يكفي كونه متقنًا حافظًا، لكن الأولى أن يجتمع فيه حسن الأداء وجمال الصوت.687688689690
الجزء: 1 - الصفحة: 367
فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ (1)، فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً (2)، -
تنبيهات
: أولاً: اختلف الفقهاء فيما إذا اجتمع أقرأ وقارئ فقيه أي في القراءة أدنى من الأقرأ، فأيهما يقدم؟ المذهب (1) يقدم الأقرأ أخذًا بظاهر الحديث، وقال بعض أهل العلم: بل يقدم القارئ الفقيه؛ لأنه هو الأعلم بفقه صلاته فيؤديها على الوجه المشروع بخلاف الأقرأ فإنه قد يسرع في الركوع أو السجود أو القيام وربما يسهو في صلاته فلا يدري ماذا يفعل، ومن هنا كان الأولى تقديم القارئ العالم بفقه صلاته على الأقرأ، وهذا هو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-.
ثانياً: إذا كان للمسجد إمام راتب فهو أولى بكل حال، أي حتى إن وجد من هو أقرأ وأعلم منه مادام أنه لا يوجد فيه مانع يمنع إمامته.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ»
أي إذا اجتمع أكثر من قارئ للقرآن فينظر هنا إلى أعلمهم بالسنة، أي الأعلم بفقه صلاته من خلال أدلة السنة التي جاءت من خلال قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (3)، ودليل ما ذكره المؤلف قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق «فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ».
(2)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً»
وهذا إنما يكون في صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقد انقطعت الهجرة بهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لاهِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوْا» 694691692693
الجزء: 1 - الصفحة: 368
فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا (1)، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ (2)، (1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا»،
وفي رواية «فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» (1)، وعلى الرواية الأولى لا يكون هذا إلا في صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى الرواية الثانية يقدم الأكبر سنًّا، وهذا هو الموافق لحديث مالك بن الحويرث وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (2).
لكن لماذا قدّم هنا الهجرة والأقدم سلمًا عن غيرهم؟ نقول أولاً: بالنسبة للهجرة قُدِّم على غيره لأنه الأسبق للخير، ولأنه أقرب إلى معرفة شرع الله ممن تأخر عن الهجرة وبقي في بلاد الكفر.
أما الأقدم سلمًا على الرواية الأولى فلأنه هو الأفضل، لأنه بادر بالاستجابة بالإسلام فآمن به، ولأنه أيضًا أقرب إلى معرفة شريعة الله ممن تأخر إسلامه.
(2)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ»
أي أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره إن كان أهلاً لها إلا من الإمام الأعظم أو نائبه كالحاكم العام أو الخاص في البلد الذي سكن فيه إن كان أهلاً للإمامة، فإن كان غير أهل للإمامة فلا يقدم، فيقدم صاحب البيت على الأقرأ والأفقه والأقدم هجرة والأقدم إسلامًا والأسن وهكذا، وهذا باتفاق أهل العلم للحديث المتقدم، ويدخل في ذلك عدم التقدم في مزرعته أو استراحته وما أشبه ذلك.695696 * أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب من أحق بالإمامة - رقم (1078).
الجزء: 1 - الصفحة: 369
وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (1)» ()، وَقَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا (2)» (). وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً (3). وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ (4)، -
تنبيهان
:
أولاً: إذا اجتمع صاحب البيت ومستأجره،
فالمستأجر أحق؛ لأن المستأجر مالك المنفعة فهو أحق بانتفاعه بالإمامة في هذا البيت.
ثانيًا: إن كان صاحب البيت حليق اللحية أو لايحسن القراءة أي عامي فلا يتقدم إلا بمثله.
(1)
قوله - صلى الله عليه وسلم - «وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ»
أي لايجلس المضيف في محل الضائف الخاص به فلا يجوز الجلوس عليه إلا بإذنه.
(2) قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» هذا الحديث فيه دلالة على تقديم الأسن في الإمامة كما ذكرنا ذلك سابقًا، لكن على حسب الترتيب السابق الوارد في الحديث، ولذا قال المؤلف:
(3) قوله «وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً» وذلك لأنه جلس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وصاحبه فترة واحدة فتعلما من النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعًا وكان علمهما متقاربًا.
(4)
قوله «وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ»
بأن يكون محدثا ويعلم حدث نفسه فصلاته فاسدة وهو آثم في ذلك، بل قال بعض أهل العلم: يكفر إذا كان يعلم حدث نفسه ثم صلى؛ لأنه يعد بذلك متلاعباً بأحكام الله، فالأمر خطير جدًّا.
الجزء: 1 - الصفحة: 370
إِلاَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَ نَفْسِهِ (1)، وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ (2)، فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ (3)، وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ (4)،
(1) قوله «إِلاَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَ نَفْسِهِ» أي إذا انتهى من صلاته فتذكر أنه صلى محدثا، فهنا الواجب عليه إعادة الصلاة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (1)، وهو معذور بنسيانه أي لا إثم عليه، لكن الواجب عليه الإعادة.
(2) قوله «وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ» أي لم يعلم المأموم أن إمامه محدث حتى سلم، فما الحكم؟ قال المؤلف -رحمه الله-:
(3)
قوله «فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ»
أي يعيد الإمام صلاته وحده، أما المأموم فلا إعادة عليه، دليل ذلك فعل عمر - رضي الله عنه -، فقد ثبت عنه وعن ابنه عبد الله أنهما صليا بالناس على غير طهارة فلما علما بذلك أعادا الصلاة ولم يعد من صلى خلفهما، وقال بعض الفقهاء: بل على المأموم الإعادة، والصواب المذهب.
(4)
قوله «وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ»
أي لا تصح إمامة العاجز عن الركوع أو السجود أو القيام أو القعود ونحو ذلك من الأركان، والتعليل في ذلك لأن القادر على الإتيان بأركان أكمل حالاً من العاجز عن الإتيان بها، ولا يصح أن يكون العاجز إمامًا للقادر، وهذا هو المذهب 698. والصحيح أن الصلاة=697 * أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة - باب اثنان فما فوقهما جماعة - رقم (618)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب من أحق بالإمامة - رقم (1081).
الجزء: 1 - الصفحة: 371
إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ (1)، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا (2)، =خلفه تصح، لكن الأولى أن لا يتقدم للإمامة، لكن استثنى المؤلف هنا إمام الحي فقال:
(1)
قوله «إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ»
مر بنا أن الشروط والأركان والواجبات تسقط مع العذر كما جاء في حديث عمران بن الحصين وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (1)، لكن كما تقدم المذهب أن العاجز عن الأركان لاتصح إمامته، لكن استثني هنا إمام الحي بشرط أن يكون مرضه يرجى برؤه، مثل: أن يطرأ عليه وجع يرجى زواله فهنا تصح إمامته، والصحيح أن هذا القيد - أعني قيد كونه إمام الحي ومرضه يرجى برؤه - قيد يحتاج إلى دليل، فما أطلقه الشارع لا يجوز تقييده إلا بدليل، وعلى ذلك تصح إمامة العاجز عن الإتيان بالأركان مطلقًا، لكن خلاف الأولى.
(2)
قوله «فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا»
هذا هو المذهب 700، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الإمام إذا صلى جالسًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، فإن صلوا قعودًا بطلت صلاتهم.
والصحيح أنهم يصلون وراءه قعودًا؛ لحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوْدًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا=699
الجزء: 1 - الصفحة: 372
إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا (1). =فَصَلُّوْا قِيَامًا فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوْا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُوْلُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوْا قِيَامًا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوْسًا أَجْمَعُوْنَ» (1). لكن
هل جلوسهم خلفه ندبًا أم وجوبًا؟
المذهب (2) يرى أن الجلوس خلفه سنة، فإن صلوا وراءه قيامًا صحت صلاتهم؛ لأن السنة لا تبطل صلاتهم بتركها.
والصواب أنه متى صلى الإمام قاعدًا وجب على المأمومين الصلاة خلفه قعودًا، فإن صلوا وراءه قيامًا بطلت صلاتهم، وهذا هو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا»
أي إذا أصاب الإمام علة أثناء صلاته فجلس.
فالواجب على المأمومين أن يتموا صلاتهم خلفه قيامًا، ولا يجوز لهم الجلوس، وهذا خاص من العموم المذكور في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوْسًا»، ودليل ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه حين دخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس وقد ابتدأ أبوبكر الصلاة قائمًا فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يسار أبي بكر وبقي أبو بكر قائمًا، فيصلي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصلي الناس بصلاة أبي بكر - رضي الله عنه - ولم يأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بالجلوس 704.701702703
الجزء: 1 - الصفحة: 373
وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ (1)، وَلا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (2)، (1)
قوله «وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ»
أي لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال مطلقًا سواء في الفرض أو النفل، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية (1)، والمالكية (2)، والشافعية (3)، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (4)، فالإمامة نوع من الولاية والجماعة قد ولوا امرأة إمامتهم فلا تصح أن تكون المرأة إمامًا لهم.
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ صُفُوْفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوْفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (5)، وجه الدلالة أن النساء لا موضع لهن في الأمام، فلو قلنا بأنه تصح إمامتهن لصار انقلابًا في الوضع ولصارت هي المتقدمة على الرجل، وأيضًا حصول الفتنة الحاصلة بهن، ولذا جاءت الشريعة بالنهي عن إمامة المرأة.
وعلى ذلك ما يحصل في بعض البلاد غير الإسلامية من إمامة النساء للرجال، بل وأداء صلاة الجمعة بالرجال كله مخالف ومصادم للشريعة، نسأل الله تعالى العافية.
(2)
قوله «وَلا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ»
أي لا تصح إمامة من به سلس بول إلا بمثله وهذا المذهب 710، وقيل تصح إمامة من به سلس البول مطلقًا، وهذا هو قول شيخنا 711 -رحمه الله- وهو الصحيح، لكن ينصح أن لايكون إمامًا، أما صلاته =705706707708709
الجزء: 1 - الصفحة: 374
وَالأُمِّيِّ الَّذِيْ لا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُخِلَّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، إِلاَّ بِمِثْلِهِمْ (1). وَيَجُوْزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ (2)، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (3). =بمثله فلا إشكال فيها.
(1)
قوله «وَالأُمِّيِّ الَّذِيْ لا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُخِلَّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، إِلاَّ بِمِثْلِهِمْ»
الأمي من لا يحسن قراءة الفاتحة لا حفظًا ولا تلاوة، فالمذهب أنه لا تصح إمامته إلا بمثله، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إمامته مطلقًا؛ لأن من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، وهذا هو الصواب، لكن الأولى أن لا يتقدم للإمامة؛ لأن فيه شيئًا من المخالفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ - عز وجل -» (1). (2)
قوله «وَيَجُوْزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ»
وهذا صحيح، بخلاف من قال بعدم جواز إمامة المتيمم للمتوضئ، دليل ذلك حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حيث أنه صلى بأصحابه وهو متيمم وهم متوضئون فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِيْ مَنَعَنِيْ مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّيْ سَمِعْتُ اللهَ يَقُوْلُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» (2). (3)
قوله «وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ»
أي يجوز إمامة المتنفل بالمفترض، وهذا هو قول الشافعي 714، وإحدى الروايتين في المذهب 715، وهي التي اختارها ابن قدامة =712713
الجزء: 1 - الصفحة: 375
وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُوْمُ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ (1)، = كما ذكر في الحمد، وهو قول شيخ الإسلام (1)، والمذهب (2) لا تصح إمامة المتنفل بالمفترض، وهو قول أبي حنيفة (3)، ومالك (4)؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (5). والصحيح ما ذهب إليه المؤلف من جواز ائتمام المفترض بالمتنفل وذلك لقصة معاذ - رضي الله عنه - حيث «كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ» (6). أما الحديث المذكور فمراده - صلى الله عليه وسلم - بعدم الاختلاف عليه في الأركان والواجبات أي في الأفعال.
(1)
قوله «وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُوْمُ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ»
وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف ابن عباس عن يساره في قيام الليل أخذه فجعله عن يمينه.
- تنبيه: ثم اعلم أن للمأمومين مع الإمام أربعة مواقف: الأول: خلفه، وهذا هو الأفضل إن كانوا أكثر من واحد؛ لأن هذا هو المعهود من صلاة الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. الثاني: عن جانبيه، وهذا أيضًا صح عنه - صلى الله عليه وسلم - لما رواه أحمد عن الأسود بن يزيد النخعي قال: «دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ=716717718719720721
الجزء: 1 - الصفحة: 376
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=بِالْهَاجِرَةِ قَالَ فَأَقَامَ الظُّهْرَ لِيُصَلِّيَ فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِيَدِيْ وَيَدِ عَمِّي ثُمَّ جَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِيْنِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ قَامَ بَيْنَنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفًّا وَاحِدًا قَالَ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُ إِذَا كَانُوْا ثَلاثَةً» 722.
وقال بعض أهل العلم هذا منسوخ، فقد كان هذا أول الإسلام ثم نسخ، فصار أقل الجمع في باب الجماعة اثنين فأكثر، فيقف الاثنان خلف الإمام، وكذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جابر وجبار حينما وقفا عن يمينه وشماله فجعلهما خلفه 723، وهذا هو الصواب، لكن إن صلوا عن يمينه وشماله صحت صلاتهم لكنه خلاف الأولى.
الثالث: أن يقفوا عن يمينه، وهذا إذا كان من يصلي مع الإمام واحداً فقط كما مرَّ معنا في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، فإن كانوا أكثر من واحد فصلوا عن يمينه صحت صلاتهم لكنه خلاف الأفضل.
الرابع: أن يقفوا قدَّامه، فالمذهب 724 لا يصح أن يقف المأمومون أمام الإمام، فإن وقفوا أمامه فصلاتهم باطلة، وبهذا القول قال الحنفية 725، والشافعية 726، وجماهير العلماء.
وذهب مالك 727 إلى صحة الصلاة أمام الإمام، واختار شيخ الإسلام 728 أن صلاة الجمعة ونحوها أمام الإمام لعذر تصح، وهذا هو =
الجزء: 1 - الصفحة: 377
فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ قُدَّامَهُ أَوْ وَحْدَهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ (1)، = الصواب، فإن كان هناك ضرورة من زحام شديد كيوم جمعة أو في أيام الحج فالمساجد العادية تمتلئ ويصلي الناس أمام الإمام، فهذا لا شك هو الأرفق بالناس، فالضرورة تقدر بقدرها.
(1)
قوله «فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ قُدَّامَهُ أَوْوَحْدَهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ»
هذه ثلاث حالات للمأمومين لم تصح عند المؤلف صلاتهم مع الإمام:
الحالة الأولى: «عَنْ يَسَارِهِ» أي إن وقف المأموم عن يسار الإمام لم تصح، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدار ابن عباس إلى يمينه لما وقف عن يساره، لكن هذا مع خلو اليمين.
والصحيح أنه إن صلى عن يساره صحت صلاته، وهذا هو قول أكثر أهل العلم، وهو رواية عن أحمد 729، واختار هذا القول ابن سعدي 730، وشيخنا محمد العثيمين 731 - رحمهما الله -. أما كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أدار ابن عباس إلى يمينه فهذا فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
الحالة الثانية: التي لاتصح الصلاة فيها، قال المؤلف «أَوْ قُدَّامَهُ» وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا إن الراجح أنه إن كان لضرورة فلا تبطل الصلاة بذلك، أما مع عدم الضرورة فلا شك أنه لايجوز أن يصلي المأموم أمام الإمام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤم الناس وراءه وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» 732، وهو القائل: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» 733.
الجزء: 1 - الصفحة: 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحالة الثالثة: أن يكون «وَحْدَهُ» وهذا مختلف فيه عند الفقهاء، فالجمهور يقولون بصحة صلاة الفذ خلف الصف مع الكراهة.
وذهب الحنابلة (1) إلى عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف، واحتجوا لذلك بحديث: «لا صَلاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (2)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - «رَأَى رَجُلاً يُصَلِّيْ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيْدَ الصَّلاةَ» (3).
والصحيح من هذه الأقوال ما اختاره شيخ الإسلام وابن سعدي وشيخنا - رحمهم الله -: أنه إن كان لعذر صحت صلاته، فإذا جاء المصلي ووجد الصف قد تم ولا مكان له في الصف فصلى خلف الصف لعذر فإن صلاته تصح بذلك، فإن الواجبات تسقط بالعجز كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (4)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (5).
تنبيهات
:
أولاً: ذكر بعض الفقهاء أن من دخل المسجد ووجد الصف مكتملاً فيشرع له
أن يجذب أحد الناس من الصف ليقف معه.
قلت: هذا لا يشرع لأن فيه =734735736737738
الجزء: 1 - الصفحة: 379
إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَتَقِفُ وَحْدَهَا خَلْفَهُ (1)،
=محاذير، منها:
1 - فيه تشويش على ذاك الرجل المجذوب.
2 - أن فيه قطعاً للصف، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قطع الصفوف وتوعد من يفعل ذلك فقال: «وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (1).
3 - أن فيه نوع جناية على المجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.
ثانيًا: هل يؤمر هذا المنفرد بأن يدخل مع الإمام ليقف بجانبه؟
نقول: قال بذلك بعض أهل العلم، والصواب أنه لا يدخل بجانب الإمام، بل يصلي خلف الصف منفردًا؛ لأن هذا ما يسعه، ولأنه فيه تخطى للرقاب ومخالفة للسنة، فالإمام موضعه التقدم على المأموم - كما ذكرنا- ووقوفه بجانبه فيه مخالفة لذلك.
ثالثًا: ما هو الانفراد المبطل للصلاة؟
الانفراد المبطل للصلاة هو أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ولم يدخل مع المسبوق أحد، فإن دخل أحد قبل أن يرفع رأسه من الركوع أو انفتح في الصف فرجة فدخل فيها قبل الركوع فإنه في هذه الحالة يزول عنه الانفراد، هذا إذا كان يسعه الدخول في الصف، أما مع العذر فلا تبطل الصلاة كما قلنا.
(1)
قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَتَقِفُ وَحْدَهَا خَلْفَهُ»
مراده -رحمه الله- أنه يستثنى هنا أن يكون خلف الصف امرأة، فهنا تصلي وحدها وصلاتها صحيحة، ودليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - أنه صلى هو واليتيم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلت العجوز=739
الجزء: 1 - الصفحة: 380
وَإْنْ كَانُوْا جَمَاعَةً، وَقَفُوْا خَلْفَهُ، فَإِنْ وَقَفُوْا عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ، فَإِنْ وَقَفُوْا قُدَّامَهُ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ (1). وَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَسْطًا (2)، =خلفهم (1).
(1)
قوله «وَإْنْ كَانُوْا جَمَاعَةً، وَقَفُوْا خَلْفَهُ، فَإِنْ وَقَفُوْا عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ، فَإِنْ وَقَفُوْا قُدَّامَهُ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ»
ذكرنا هذه المسألة آنفًا، وقلنا بأن الصواب الذي اختاره شيخ الإسلام (2) أنه تجوز الصلاة أمام الإمام للضرورة، كزحام شديد مثلاً كيوم جمعة أو كما يحصل في منى في مسجد الخيف، فقد يصلي الناس أمام الإمام أي خارج المسجد، وهذا لعذر، لكن لابد أن تكون الصفوف متصلة.
أما قوله «أَوْ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَصِحَّ» نقول بل تصح إن صلوا عن يساره، وهو قول جمهور أهل العلم، لكن لاينبغي أن يكون المأموم عن يسار الإمام؛ لأنه مخالف للسنة ولهديه - صلى الله عليه وسلم - في صلاته.
(1)
قوله «وَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَسْطًا»
أي إن صلت النساء جماعة فالمشروع في حق من تكون إمامة لهن أن تقف وسطهن؛ لثبوت ذلك عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما -، ولأن ذلك أستر والمرأة مطلوب منها الستر.740741
الجزء: 1 - الصفحة: 381
وَكَذلِكَ إِمَامُ الرِّجَالِ الْعُرَاةِ يَقُوْمُ وَسْطَهُمْ (1). وَإِنِ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانُ، وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخُنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ (2) (1)
قوله «وَكَذلِكَ إِمَامُ الرِّجَالِ الْعُرَاةِ يَقُوْمُ وَسْطَهُمْ»
أي إذا كان هناك عراة لا يجدون ما يستر عوراتهم وقد دخل وقت الصلاة بل قرب خروج وقتها فهنا يصلون على حسب حالهم عراة، لكن يكون إمامهم وسطهم حتى لا تبدو عورته أمامهم، إلا أن تكون هناك ظلمة شديدة أو جميعهم غير مبصرين فهنا يتقدم عليهم.
(2)
قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانُ، وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخُنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ»
أي إذا اجتمع مع الإمام هذه الأصناف المذكورة، فالمشروع أن يكون خلفه الرجال، ثم يليهم الصبيان، ثم يلي الصبيان الخناثى، ثم يلي الخناثى النساء.
لكن إن كان الصبيان سيحصل منهم نوع أذية على المصلين، وذلك بالتشويش عليهم من خلال لعبهم إن اجتمع بعضهم إلى بعض، فهنا نقول: الأفضل أن يفرق بينهم بحيث يجعل بين كل صبي وصبي بالغًا من الرجال، وذلك لكي يكفوا عن المصلين أذيتهم ولا يحصل منهم لعب ولا تشويش.
- تنبيه: إن جاء صبي مبكرًا إلى الصلاة رغبة منه في الصلاة خلف الإمام، هل يشرع تنحيته عن مكانه؟ الصواب: أنه لا يشرع فعل ذلك؛ لأن فيه نوع أذية وجناية على حقه لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» 742، وهذا =
الجزء: 1 - الصفحة: 382
وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلامِ الإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ (1)، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوْعَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَإِلاَّ فَلا (2) =الصبي قد سبق غيره.
(1)
قوله «وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلامِ الإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ»
هذا هو المذهب (1)، أي يحصل فضل الجماعة إذا أدرك المسبوق الإمام قبل أن يسلم ولو بلحظة، والصحيح من هذه الأقوال أن الجماعة لاتدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، أي بركوعها مع سجدتيها مع الإمام، وهذا هو قول المالكية (2)، واختاره شيخ الإسلام (3)، وبه أفتت اللجنة الدائمة (4)، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (5)، والركعة تكون بإدراك الركوع.
(2)
قوله «وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوْعَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَإِلاَّ فَلا»
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوْا وَلا تَعُدُّوْهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» 748، وفي رواية: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوْعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» 749.743744745746747
الجزء: 1 - الصفحة: 383
بَابُ صَلاةِ الْمَرِيْضِ
(1). وَالْمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ، صَلَّى جَالِسًا (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ صَلاةِ الْمَرِيْضِ»
ويقال لها صلاة أهل الأعذار، ويدخل فيها صلاة المريض والمسافر والخوف، فالصلاة في هذه الأحوال الثلاثة تختلف هيئةً وعددًا بناء على قاعدة «المشقة تجلب التيسير».
(2)
قوله «وَالْمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ، صَلَّى جَالِسًا»
لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين لما اشتكى البواسير قال له - صلى الله عليه وسلم -: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ» 750 لكن هل العبرة هنا بزيادة المرض أم بحصول المشقة والعجز؟ الصحيح أنه متى عجز عن القيام أو كان في قيامه مشقة عليه فيشرع له الصلاة قاعدًا؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 751، وللحديث المتقدم.
وما هي صفة الجلوس في هذه الحالة؟ صفة الجلوس هنا هو أن يجلس متربعًا على إليته؛ لأن هذا هو الثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي متربعاً» 752، وأيضًا لكي يحصل التفريق بين الجلوس للقيام والجلوس الذي في محله، لكن هذا على سبيل السنة لا الوجوب، فإن شق عليه ذلك فله أن يجلس على الهيئة التي تسهل عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 384
فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ (1)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ».
فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ (2)، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا (3)،
(1)
قوله «فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ»
أي لم يطق الصلاة قاعدًا فيصلي على جنبه، وهذا فيه دليل على عدم سقوط الصلاة عن الإنسان مادام عقله معه، وفيه دليل على عظم شأن الصلاة، وأنها لا تسقط على أي حال إلا مااستثناه الدليل كالحائض والنفساء والمجنون والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يحتلم.
(2)
قوله «فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ»
أي إن شق عليه الصلاة على جنبه صلى على ظهره أي مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة.
(3)
قوله «وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا»
أي إن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل إيماءه بالسجود أخفض من الإيماء بالركوع، هذا مع عجزه عن السجود، أما إذا قدر عليه فيومئ بالركوع ويسجد، فإن لم يستطع أومأ بكليهما.
وإذا كان يصلي مستلقيًا على ظهره فكيف يومئ في هذه الحال؟ نقول: يجعل إيماءه برأسه جهة صدره، ويكون إيماؤه برأسه إلى صدره قليلاً في حال الركوع ويومئ أكثر منه في حال السجود فإن عجز عن الإيماء قال ابن قدامة فبطرفه أي بعينه، فيغمض قليلاً للركوع ويغمض أكثر للسجود.
تنبيهان
: أولاً: قال بعض أهل العلم: متى عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام 753 -رحمه الله- وهذا غير صحيح، بل لا تسقط عنه =
الجزء: 1 - الصفحة: 385
وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ (1)،
=الصلاة، وتسقط عنه الأفعال فقط بل متى عجز عن الأقوال والأفعال لم تسقط عنه الصلاة، وتبقى النية، فينوي أنه في صلاة، وينوي القراءة والسجود والركوع والقيام والقعود، وهذا هو الذي رجحه شيخنا (1) -رحمه الله-.
ثانيًا: قال بعض أهل العلم: إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بالأصبع، وهذا لا أصل له، ولم ترد به سنة صحيحة ولاضعيفة، ولذا لا يشرع فعله.
(1)
قوله «وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ»
اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمالكية 755، والشافعية 756، وقول عند الحنابلة 757، ورأي شيخنا محمد العثيمين 758 -رحمه الله- أنه لايلزمه القضاء إلا أن يفيق في جزء من وقتها ولم يؤدها، أما الحنفية فيرون أنه ليس على مغمى عليه قضاء ما فاته إذا زادت الفوائت عن يوم وليلة، أما الحنابلة فكما ذكر المؤلف الصحيح من المذهب عندهم أن المغمى عليه كالنائم لايسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها.
والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز 759 -رحمه الله- أنه يجب عليه قضاء الفوائت إن كانت ثلاثة أيام فأقل؛ لأن هذا ليس =754
الجزء: 1 - الصفحة: 386
وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا (1). فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى، اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا (2)،
= فيه مشقة عليه.
ولأن هذا فعل عمار - رضي الله عنه -، فقد روي «أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لا يُصَلِّيْ، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقِيْلَ: هَلْ صَلَّيْتَ؟ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتُ مُنْذُ ثَلاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُوْنِيْ وَضُوْءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (1).
(1)
قوله «وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا»
أي إن شق على المريض أداء الصلاة في وقتها فيشرع له الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين يعني العشاء والمغرب في وقت أحدهما، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فباب الجمع أوسع من باب القصر كما سيأتي بيان ذلك، فكلما لحق الإنسان مشقة بترك الجمع جاز له الجمع حضرًا وسفرًا، و
دليل ما ذكره المؤلف
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (2)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (3)، وقول ابن عباس - رضي الله عنهما - «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَدِينَةِ فِيْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ، قِيْلَ لابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» (4). (2)
قوله «فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا»
أي إن جمع =760761762763
الجزء: 1 - الصفحة: 387
وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا (1)، وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ (2).
= المريض بين الظهرين (الظهر والعصر) في وقت الأولى وهي الظهر، أو جمع بين العشائين (المغرب والعشاء) في وقت الأولى وهي المغرب قال المؤلف: «اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا» وعلل لذلك لأن الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى فلابد أن تكون نية الضم في جميع أجزاء الصلاة.
والصحيح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرامه للصلاة الأولى، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (1) وشيخنا (2) فله أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الصلاة الأولى، لكن يشترط عند إحرامه للثانية كما سيذكره المؤلف استمرار السبب الذي من أجله شرع له الجمع كالمرض أو الخوف أو السفر.
(1)
قوله «وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا»
هذا هو الشرط الثاني للعذر المبيح للجمع، وهذا الشرط مبني على الذي قبله عند المؤلف، أعني اشتراط نية الجمع عند إحرامه بالصلاة الأولى، وذكرنا أنه لا يشترط نية الجمع، ولذا نقول هنا أيضًا لا يشترط وجود العذر عند افتتاح الأولى، بل إذا صلى الأولى ثم طرأ عليه مرض بعد فراغه منها جاز له الجمع، وهذا هو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله-.
(2)
قوله «وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ»
هذا هو الشرط الثالث لجواز الجمع حال المرض وهو شرط الموالاة، فيشترط أن لا يفرق بين المجموعتين =764765766
الجزء: 1 - الصفحة: 388
وَإِنْ أَخَّرَ، اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا (1)، وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى (2)، قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا (3)، = إلا بقدر الوضوء، وذهب شيخ الإسلام (1) إلى عدم اشتراط الموالاة بل له أن يجمع وإن طال الفصل بين المجموعتين، والأحوط عندي اشتراط الموالاة بين المجموعتين.
(1)
قوله «وَإِنْ أَخَّرَ اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا»
أي يشترط لجمع التأخير للمريض أن يستمر عذر المرض إلى دخول وقت الثانية، فإن لم يستمر العذر فلا يجوز له الجمع، بل عليه أن يبادر بأداء الصلاة الأولى قبل دخول وقت الثانية إن زال العذر، وذلك لأن الصلاة لها وقت محدد، فلا يجوز أن تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية إلا بنية الجمع إذا وجد سببه، فمتى زال السبب رجعنا للأصل وهو عدم الجمع.
767 قوله «وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى» وذلك لأن تأخير الصلاة عن وقتها بغير عذر شرعي محرم، فلابد من وجود نية الجمع.
(1) قوله «قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا» أي قبل أن يضيق وقت الصلاة الأولى عن فعلها، فإن ضاق عن فعلها فهنا لم يصح الجمع؛ لأن تأخير الصلاة - كما ذكرنا- عن وقتها لايجوز بل هو محرم، والجمع رخصة، والرخص لا تستباح بالمحرم.
مثال ذلك: رجل مريض، مضى معه مرضه ودخل عليه صلاة ولم يصل، فلما بقي عليه ما يضيق عن فعل صلاة الظهر نوى جمع الظهر مع العصر، =
الجزء: 1 - الصفحة: 389
وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ (1)، وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً (2). = فلا تصح هذه النية؛ لأنه يحرم تأخير الصلاة حتى يضيق وقتها، وإن كان مريضًا ومرضه مستمر معه ولا يستطيع أن يؤدي الصلاة في وقتها فلابد له أن ينوي الجمع.
(1)
قوله «وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ»
أي يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وكذا المغرب والعشاء في وقت أحدهما للمسافر الذي له القصر، والذي له القصر عند المؤلف: من كان سفره مباحًا، وبلغ مسافة القصر، وأن لا يتجاوز أربعة أيام.
فهذه هي شروط القصر في المذهب، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الباب الذي يليه.
- تنبيه: هل الجمع عام لكل من كان نازلاً أم سائرًا؟
نقول: محل خلاف بين أهل العلم: فمنهم من قال: بأنه لايشرع الجمع إلا لمن كان سائرًا، أما النازل فلا، وقال آخرون: بل يجوز الجمع مطلقًا، سواء كان نازلاً أم سائرًا.
والصحيح من القولين: أن الجمع للمسافر إن كان سائرًا فمستحب، أما إن كان نازلاً فهو جائز غير مستحب أي إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل، وهذا هو قول شيخنا (1) -رحمه الله-.
(2)
قوله «وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ فِيْ الْمَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً»
أي يجوز الجمع بين المغرب والعشاء دون غيرهما من الفرائض في المطر الذي يحصل به مشقة على الناس.
=768
الجزء: 1 - الصفحة: 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعلم من قوله «خَاصَّةً» أنه لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر في المطر، وهذا هو المذهب 769، وهو مذهب المالكية 770، والصحيح أنه يجوز الجمع بينهما؛ لعموم حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، ولأن العبرة بالمشقة، فمتى وجدت جاز الجمع، وهذا مذهب الشافعية 771، وهو اختيار شيخينا 772 - رحمهما الله -، وعليه كثير من أهل العلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 391
بَابُ صَلاةِ الْمُسَافِرِ.
وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا (1)، وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ (2)، الشرح:
(1)
قوله «وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا»
الفرسخ يعادل ثلاثة أميال، والميل 1670 م، فيكون الفرسخ بالكيلو ما يعادل 5 كيلو متراً تقريبًا، فتكون مسافة القصر ثمانين كيلو مترًا، وهذا هو قول المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3)، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز (4) -رحمه الله-، وبه أفتت اللجنة الدائمة (5).
وقال شيخ الإسلام (6): أنه لا حد للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد يحتاج إلى توقيت وليس لما صار إليه المحددون حجة، وقال: إنما يرجع ذلك إلى العرف، فما سماه العرف سفرًا صار سفرًا وإن قل عن المسافة التي حددها الجمهور، وهذا هو اختيار شيخنا (7) -رحمه الله-.
لكن الصواب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من تحديد المسافة؛ لأن هذا أضبط وأحوط.
(2)
قوله «وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ»
أي يومين كاملين بسير الإبل المحملة، وقوله «قَاصِدَيْنِ» معتدلين بمعنى أنه لا يسير في اليومين ليلاً ونهارًا سيرًا بحتًا بدون=773774775776777778779
الجزء: 1 - الصفحة: 392
وَكَانَ مُبَاحًا (1)، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً (2). =راحة، ولا يكون كثير النزول والإقامة، بل يكون اليومان معتدلين، لا بهذا ولا بذاك، هذا معنى قوله «قَاصِدَيْنِ»، ولكن التحديد بالمسافة أضبط من التحديد بالأيام.
(1)
قوله «وَكَانَ مُبَاحًا»
هذا هو الشرط الثاني لجواز القصر، فيشترط كون السفر مباحًا، فإن كان السفر غير مباح أي محرماً أو مكروهاً فلا يترخص المسافر برخصه ومنها قصر الصلاة؛ لأن الرخصة تسهيل وتيسير على المكلف، والمسافر سفرًا محرمًا أو مكروهًا لا يستحق أن يسهل عليه ويرخص له، ولأن جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية، وهذا لا يجوز وهو المذهب (1)، وهو قول المالكية (2)، والشافعية (3). والصحيح أنه لا يشترط كون السفر مباحًا لكي يقصر الصلاة، لأن القصر ليس برخصة، فإن صلاة الركعتين في السفر ليس تحويلاً من الأربع إلى الركعتين بل هو الأصل؛ لقوله عائشة - رضي الله عنها -: «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُوْلَى» (4)، وهذا هو المذهب عند الحنفية (5)، واختيار شيخ الإسلام (6) -رحمه الله-.
(2)
قوله «فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً»
أي له قصر الظهر والعصر والعشاء خاصة، أما الصبح والمغرب فليس فيهما قصر.780781782783784785
الجزء: 1 - الصفحة: 393
إِلاَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِمُقِيْمٍ (1)، أَوْ لا يَنْوِيَ الْقَصْرَ (2)، (1)
قوله «إِلاَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِمُقِيْمٍ»
فلا يشرع له القصر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (1)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (2) وهذا عام يشمل كل ما فاته، ولحديث مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ قَالَ «كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: إِنَّا إِذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم -» (3).
تنبيه: إذا أدرك المسافر الإمام المقيم في ركعة
من الظهر أو العصر أو العشاء فلا يشرع له أن يجعلها قصرًا بل يصليها صلاة تامة لعموم الأدلة السابقة.
(1)
قوله «أَوْ لا يَنْوِيَ الْقَصْرَ»
أي عند إحرامه بالصلاة ما نوى القصر وهذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن ينوي الإتمام عند إحرامه، فهذه محل خلاف، والصحيح أنه يلزمه الإتمام؛ لعموم قوله تعالى: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» 789.
الصورة الثانية: أن ينوي القصر فيلزمه القصر.
الصورة الثالثة: أن لا ينوي الإتمام والقصر، فهذه محل خلاف بين الفقهاء،786787788
الجزء: 1 - الصفحة: 394
أَوْ يَنْسَى صَلاةَ حَضَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي السَّفَرِ (1)، أَوْ صَلاةَ سَفَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَعَلَيْهِ الإِتْمَامُ (2). =فالمذهب (1) يلزمه الإتمام؛ لأن الأصل وجوب الإتمام، والقول الثاني (2) وهو اختيار شيخنا (3) -رحمه الله- أنه لا يلزمه الإتمام بل يقصر؛ لأن الأصل في صلاة المسافر هو القصر، وهذا هو الأظهر.
(1)
قوله «أَوْ يَنْسَى صَلاةَ حَضَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِيْ السَّفَرِ»
أي من نسي صلاة حضر ثم سافر فتذكر أنه لم يصل، فهنا يلزمه الإتمام؛ لأن هذه الصلاة لزمته تامة، فالواجب عليه فعلها تامة، ولأن القضاء بحسب الأداء، وهذا هو المذهب (4)، وهو قول جمهور الفقهاء، وهو الصحيح.
(2)
قوله «أَوْ صَلاةَ سَفَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَعَلَيْهِ الإِتْمَامُ»
وهذه عكس سابقتها أي نسي صلاة وهو مسافر ثم أقام، فهنا يلزمه إتمامها؛ لأنها صلاة وجبت عليه في الحضر فلزمه الإتمام، ولأن القصر من رخص السفر وقد زال.
وذهب الحنفية 794، والمالكية 795، والشافعية 796 في القديم عندهم، وهو قول شيخنا 797 -رحمه الله- أنه يلزمه قضاؤها ركعتين؛ لأن القضاء بحسب الأداء، ولأنها صلاة وجبت عليه مقصورة فلا يلزمه إتمامها.
والأحوط في هذه المسألة هو =790791792793
الجزء: 1 - الصفحة: 395
وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ (1) =المذهب أي يلزمه إتمامها.
(1)
قوله «وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ»
اختلف الفقهاء في هذه المسألة بناء على: هل الأصل الإتمام أم القصر؟ فالجمهور على أن الأصل هو الإتمام وأن القصر رخصة، واحتجوا لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوْا صَدَقَتَهُ» 798، وعلى ذلك فيكون القصر أفضل مع جواز الإتمام، وذهب الحنفية 799 إلى أن الأصل هو القصر، وليس للمسافر أن يتم الصلاة أربعًا، واحتجوا لذلك بحديث عائشة - رضي الله عنها - «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وَزِيْدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ» 800. ولقول ابن عباس - رضي الله عنه -: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» 801. والصحيح أنه لا ينبغي لمسافر أن يتم الصلاة في سفره وهو يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أتم صلاة في سفر، وكذا أصحابه - رضوان الله عليهم - بل يلتزم بفعل القصر؛ لأنه هو الأفضل، لكن إن أتم جاز له لكنه خلاف الأولى، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ=
الجزء: 1 - الصفحة: 396
وَمَنْ نَوَى الإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ صَلاةً، أَتَمَّ (1)، =اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» (1).
(1)
قوله «وَمَنْ نَوَى الإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ صَلاةً، أَتَمَّ»
أي متى نوى المسافر أكثر من إحدى وعشرين صلاة وهي بالأيام أربعة أيام فلا يرخص له القصر.
وهذه مسألة كثر فيها الخلاف عند الفقهاء، فالمذهب 803 كما بينه المؤلف: إذا نوى المسافر الإقامة أكثر من أربعة أيام انقطع حكم السفر في حقه ولزمه الإتمام، وذهب الحنفية 804 إلى أنه إن نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يومًا أتم وإن نوى دونها قصر، والشافعية 805 يوافقون المذهب، لكن لا يحسب عندهم يوم الدخول ولا يوم الخروج، وعلى ذلك فالأيام عندهم ستة.
وذهب شيخ الإسلام 806، واختاره ابن سعدي 807، وشيخنا محمد العثيمين 808 - رحمهم الله - إلى أنه لادليل على تحديد المدة، فللمسافر القصر سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو دونها.802
الجزء: 1 - الصفحة: 397
وَإِنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى ذلِكَ، قَصَرَ أَبَدًا (1). =لكن الأحوط عندي أنه متى نوى المسافر الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يتم صلاته، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-، وبه أفتت اللجنة الدائمة (2) خروجًا من الخلاف في هذه المسألة.
(1)
قوله «وَإِنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى ذلِكَ، قَصَرَ أَبَدًا»
أي لم ينو الإقامة فله قصر الصلاة أبدًا أي ولو بقي طول عمره فإنه يقصر الصلاة؛ لأنه إنما نوى الإقامة بسبب الحاجة ولم ينو إقامة مطلقًا.
مثال ذلك: سافر زيد من الناس إلى خارج البلاد يريد العلاج ولا يدري متى ينتهي فإنه يشرع له القصر أبدًا حتى لو غلب على ظنه أنه سيطول؛ لأنه إنما بقاؤه في هذه البلاد من أجل الحاجة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أقام أربعة أيام لزمه الإتمام، وذلك لانتهاء حكم السفر وذلك بتحديد المدة وهي أربعة أيام ولذا يجب عليه الإتمام.
لكن الصحيح الأول، وعليه عامة أهل العلم، لكن ننبه على أنه يلزمه هنا الصلاة في جماعة إذا كان يسمع النداء، فلا يجوز له التخلف عنها لوجوبها في حقه، أما إن صلى منفردًا لعارض حصل له فيجوز له قصر الرباعية.809810
الجزء: 1 - الصفحة: 398
بَابُ صَلاةِ الْخَوْفِ
(1). وَتَجُوْزُ صَلاةُ الْخَوْفِ (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ صَلاةِ الْخَوْفِ»
أي كيفية الصلاة عند حدوث الخوف من عدو، ولا يشترط أن يكون هذا العدو آدميًّا، بل أي عدو كان يخاف منه الإنسان، آدميًّا كان أو سبعًا، أو نارًا فهرب منها، أو سيلاً، أو أسيرًا لدى الكفار يخاف على نفسه إن رأوه يصلي، أو كان مختفيًا يخاف على نفسه إن ظهر، أو غيره، فإنه يشرع له صلاة الخوف على الصفة التي سيذكرها المؤلف أو أي صفة مما سنذكرها.
- تنبيه: تجوز صلاة الخوف في كل قتال مباح، ولا تجوز في قتال محرم عند أكثر أهل العلم؛ لأنها رخصة لا تستباح بمحرم.
(1)
قوله «وَتَجُوْزُ صَلاةُ الْخَوْفِ»
ذهب إلى جوازها جمهور الفقهاء 811، وقالوا بأنها مشروعة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد مماته، وأنها مشروعة لأمته بعد وفاته إلى يوم القيامة للأدلة الدالة على مشروعيتها، وذهب أبو يوسف 812 من الحنفية إلى أنها كانت مختصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحيح عدم الخصوصية، فتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم.
وقال المزني 813 من الشافعية بأن صلاة الخوف كانت مشروعة ثم نسخت، والصحيح عدم النسخ، إذ لو نسخت لنقل ذلك، ولأن الصحابة - رضي الله عنهم - مازالوا=
الجزء: 1 - الصفحة: 399
عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلاَّهَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (1). وَالْمُخْتَارُ مِنْهَا: أَنْ يَجْعَلَهُمُ الإِمَامُ طَائِفَتَيْنِ، طَائِفَةً تَحْرُسُ، وَالأُخْرَى تُصَلِّيْ مَعَهُ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ، نَوَتْ مُفَارَقَتَهُ وَأَتَمَّتْ صَلاتَهَا، وَذَهَبَتْ تَحْرُسُ، وَجَاءَتِ الأُخْرَى، فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، قَامَتْ فَأَتَتْ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَيَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَتَشَهَّدَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهَا، =يصلونها بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - في حال خوفهم كما فعل ذلك علي بن أبي طالب في خروجه لصفين.
(1)
قوله «عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلاَّهَا رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -»
والثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كيفيتها خمس أو ست صفات وهي:
الصفة الأولى: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس والأخرى تصلي معه ركعة، فإذا قام للركعة الثانية نوت المفارقة وأتمت لنفسها وذهبت تحرس، وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية ثم تتم لنفسها ويسلم بهم.
الصفة الثانية: يصلي بكل طائفة ركعة وتتم كل واحدة الركعة الثانية، فالأولى تتمها بعد مواجهة الثانية للعدو، والثانية تتمها بصلاتها مع الإمام.
الصفة الثالثة: أن يصلي بكل طائفة ركعتين فتكون له أربعًا ولكل واحدة ركعتان.
الصفة الرابعة: أن يصلي بكل واحدة ركعتين ويسلم فهو يصلي أربعًا بسلامين، الأولى له فريضة والثانية نافلة.
الصفة الخامسة: أن يصلي بكل واحدة ركعة وتسلم فله ركعتان وكل واحدة منهما تصلي ركعة فقط.
الصفة السادسة: إذا كان العدو تجاه القبلة يصلي بهم جميعًا ويركع بهم جميعًا ويرفع بهم جميعًا، ثم يسجد معه الصف الأول، فإذا قام للثانية سجد الصف المؤخر، ثم يتقدم المؤخر ويتأخر المتقدم ويصلي بهم الركعة الثانية كالأولى =
الجزء: 1 - الصفحة: 400
وَإِنِ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رِجَالاً وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَإِلَى غَيْرِهَا.
يُوْمِئُوْنَ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ (1)،
= ثم يسلم بهم جميعًا.
الصفة السابعة: إذا اشتد الخوف صلوا رجالاً أو ركبانًا إلى القبلة وغيرها يومؤون إيماء على قدر استطاعتهم، فلا يكلف الله العبد فوق طاقته.
فهذه هي صور صلاة الخوف، كلها جائزة، والمختار عند المؤلف الصورة الأولى، وذلك لأمرين:
الأول: لأنها هي الموافقة للقرآن كما في سورة النساء: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَاءِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (1).
الثاني: أن صفتها خرَّجها البخاري ومسلم.
تنبيهان
:
أولاً: إذا كان العدو في البلد
فلا تقصر الصلاة بل يتمها.
ثانيًا: صلاة المغرب لا تقصر
بالاتفاق، بل يصلي بالأولى ركعتين وتتم لنفسها ثم تسلم ويصلي بالثانية ركعة ثم تتم لنفسها وتسلم.
(1)
قوله «وَإِنِ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رِجَالاً وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَإِلَى غَيْرِهَا يُوْمِئُوْنَ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ»
كما ذكرنا ذلك في صفات صلاة الخوف، دليل ذلك قوله=814
الجزء: 1 - الصفحة: 401
وَكَذلِكَ كُلُّ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، يُصَلِّيْ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِ، مِنْ هَرَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ (1). =تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (1). وعلى ذلك لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إذا اشتد الخوف، إلا إذا كان لا يمكنه أن يتدبر ما يقول في قراءته وركوعه وسجوده وأفعاله في الصلاة فهنا يؤخرها، هذا إذا كانت الصلاة لا تجمع مع غيرها كصلاة الصبح مثلاً، أما إذا كانت مما يجمع فهنا يباح له الجمع، فيؤخر صلاة الظهر إلى العصر وكذا المغرب إلى العشاء.
(1)
قوله «وَكَذلِكَ كُلُّ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، يُصَلِّيْ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِ، مِنْ هَرَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ»
دليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذلِكَ صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيْهَا، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذلِكَ إِلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» 816. وذهب فريق من أهل العلم إلى جواز تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا لذلك بتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في غزوة الأحزاب 817، والحالة هذه إذا اشتد الخوف الخوف بحيث لا يمكن أن يتدبر الإنسان ما يقول أو يفعل، فإن أمكنه تدبر ما يقول أو يفعل في الصلاة فيصلي على أي حال.815
الجزء: 1 - الصفحة: 402
بَابُ صَلاةِ الْجُمُعَةِ
(1). كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوْبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ (2)، إِذَا كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِبِنَاءٍ (3)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ صَلاةِ الْجُمُعَةِ»
للمسلمين اجتماعات: صغرى وكبرى ومتوسطة، منها اجتماع في الحي وهو الصلوات الخمس، واجتماع في البلد وهو الجمعة، واجتماع في البلد لكنه أوسع وهو العيد، واجتماع في البلاد وهو عرفة.
(2)
قوله «كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوْبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ»
فتلزم المسلم الذكر الحر المكلف، وقال بعض أهل العلم في العبد إذا أذن له سيده وإلا فلا.
وقولنا «وهو المسلم» خرج به الكافر، فالكافر لا تجب عليه الصلاة، بل
لاتصح منه مع كونه مخاطباً بها ومحاسباً على تركها على القول الصحيح من أقوال أهل العلم.
وقولنا «الذكر» يخرج به الأنثى والخنثى، فلا تلزمهم صلاة الجمعة، أما الأنثى فلكونها ليست من أهل الجماعة، وأما الخنثى فلعدم تحقق الشرط فيها وهو الذكورية، فلا يدرى أذكر أم أنثى.
أما «الحرّ» فضده العبد، وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم ذكر أنها تلزمه إذا أذن له سيده، وهذا هو الصحيح، فهو وسط بين من أوجبها عليه مطلقًا لعموم الأدلة التي تدل على وجوب السعي لها فلم تخصص العبد ولا غيره، وبين من قال بأنها لا تلزمه مطلقًا.
وقولنا «المكلف» وهو من أجتمع فيه وصفان: البلوغ والعقل.
(3)
قوله «إِذا كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِبِنَاءٍ»
هذا أيضًا شرط من شروط من تجب عليه الجمعة، فيشترط أن يكون مستوطنًا ببناء، وضد المستوطن المسافر والمقيم فلا تلزمهم =
الجزء: 1 - الصفحة: 403
بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَرْسَخٌ فَمَا دُوْنَ (1)
=الجمعة بأنفسهم بل تلزمهم بغيرهم.
فلو أن إنسانًا سافر ومرَّ ببلد تقام فيه الجمعة ودخل هذا المسافر تلك البلد لغرض - ما - كأن يستريح فيها أو يشتري شيئًا، فهنا تلزمه.
وكذا إن كان ينوي أن يقيم في بلد أكثر من أربعة أيام فهذا ليس مستوطنًا لأنه لم يتخذ هذا البلد وطنًا وليس مسافرًا، فمتى أقيمت الجمعة في هذا البلد بالمستوطنين لزمته الجمعة.
لكن هل يحسب المسافر أو المقيم من العدد عند من اشترط العدد؟ محل خلاف: فالمذهب (1) يرى أنه لا يحسب، والصحيح أنه يحسب من العدد وتنعقد به الجمعة كما سنذكره قريبًا إن شاء الله.
وقوله «بِبِنَاءٍ» أي يوطن مبنى، فإن كانوا من أهل الخيام كالبوادي فلا تلزمهم الجمعة؛ لأن البدو الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإقامة الجمعة.
(1)
قوله «بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَرْسَخٌ فَمَا دُوْنَ»
الفرسخ كما ذكرنا ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف ذراع، أي ما يعادل (1600 متر)، فتكون المسافة (1600 × 3 = 4600 متر)، أي ما يعادل 5 كيلو متراً تقريبًا.
فمتى كانت المسافة بين من تلزمه الجمعة وبين مكان إقامتها (5 كيلومتراً) تقريبًا أي ما يعادل (ساعة ونصف) بسير الإبل والقدم فإنه لا تلزمه الجمعة، وعلل الفقهاء لذلك بأن هذه المسافة هي التي في الغالب لا يسمع النداء فيها للصلاة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للأعمى: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ » قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ» 819، فجعل الحكم منوطاً بسماع الأذان.818
الجزء: 1 - الصفحة: 404
إِلاَّ الْمَرْأَةَ، وَالْعَبْدَ 820، وَالْمُسَافِرَ 821، وَالْمَعْذُوْرَ بِمَرَضٍ (3)، أَوْ مَطَرٍ (4)،
=وقد قال الفقهاء بأن التحديد بالمسافة أولى من التحديد بالسماع؛ لأن الأذان يختلف باختلاف صوت المؤذن والرياح وارتفاع المؤذن، ولأن التحديد بالفرسخ أضبط، وعلى ذلك مع وجود مكبرات الصوت الموجودة حاليًا التي يبلغ فيها صوت المؤذن الآفاق لا يلزم من سمع النداء من خلالها إذا كانت المسافة فرسخاً؛ لأن العبرة في إجابة المؤذن هو ما كان بدون مكبر الصوت، وهذا هو قول شيخنا (1) -رحمه الله-.
(1) قوله «إِلاَّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ» أي لا تجب الجمعة على المرأة والعبد، ودليل ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن طارق بن شهاب مرفوعًا: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوْكٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيْضٌ» (2)، والحديث مختلف فيه، لكن الأدلة الدالة على عدم وجوب الجمعة على هؤلاء معروفة.
(2) قوله «وَالْمُسَافِرَ» لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر أسفارًا كثيرة، ولم ينقل عنه أنه صلى جمعة فيها.
(3) قوله «وَالْمَعْذُوْرَ بِمَرَضٍ» للحديث المتقدم.
(4) قوله «أَوْ مَطَرٍ» أي لا تلزم المعذور بمطر؛ لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيْرٍ: «إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللَّهِ فَلا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قُلْ صَلُّوْا فِي بُيُوْتِكُمْ، فَكَأَنَّ=
الجزء: 1 - الصفحة: 405
أَوْ خَوْفٍ (1)، وَإِنْ حَضَرُوْهَا أَجْزَأَتْهُمْ (2)، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ (3)، =النَّاسَ اسْتَنْكَرُوْا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّيْنِ وَالدَّحَضِ» (1). (1) قوله «أَوْ خَوْفٍ» كما ذكرنا ذلك في صلاة الخوف، فلا تلزم الجمعة من خاف من العدو أو إنسان أو سبع أو حرق ونحو ذلك.
(2)
قوله «وَإِنْ حَضَرُوْهَا أَجْزَأَتْهُمْ»
أي إن حضر هؤلاء المذكورون - وهم المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف - الجمعة وصلوها مع الإمام أجزأتهم، وذلك لأمرين:
الأول: أن إسقاطها عنهم تخفيف لهم.
الثاني: أنهم ائتموا بمن يصلي الجمعة فأجزأتهم تبعًا لإمامهم.
(3)
قوله «وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ»
أي لم تنعقد الجمعة بواحد من هؤلاء المذكورين آنفًا- وهم المرأة والعبد والمسافر-، واستثنى المؤلف المعذور بمرض أو خوف فإنه إن حضرها تلزمه وتنعقد به الجمعة.
وقوله «وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ» مراده أنه لا يحسب
من العدد المعتبر لصلاة الجمعة وهم أربعون رجلاً كما سيأتي.
والصحيح في هذه المسألة أن المرأة لا تنعقد بها الجمعة؛ لأنها لا تصح أن تكون خطيبًا ولا أن تكون إمامًا، ولذا لا تحسب من العدد.
أما العبد والمسافر فالصحيح أنهما تنعقد بهما الجمعة، ويصح أن يكونوا أئمة فيها، فالعبد من أهل التكليف والمسافر كذلك، ولا دليل على منعهم من=822
الجزء: 1 - الصفحة: 406
إِلاَّ الْمَعْذُوْرَ إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ (1). وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (2): فِعْلُهَا فِيْ وَقْتِهَا (3)، =الإمامة والخطابة فيها، وهذا في إحدى الروايتين في المذهب (1)، وهو اختيار شيخنا (2) -رحمه الله-.
(1)
قوله «إِلاَّ الْمَعْذُوْرَ إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ»
وذلك لأن المعذور من أهل الوجوب أي ممن تلزمه الجمعة، لكن سقط عنه الحضور للعذر، فإذا حضر وجبت عليه وانعقدت به أي فيحسب من العدد ويصح أن يكون إمامًا وخطيبًا.
(2)
قوله «وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا»
للجمعة شروط وجوب وشروط صحة: أما شروط الوجوب فقد مر ذكرها، وأما شروط الصحة فسيذكرها المؤلف، وشروط الصحة «ما تتوقف عليها صحة صلاة الجمعة».
(3)
قوله «فِعْلُهَا فِيْ وَقْتِهَا»
هذا هو الشرط الأول من شروط الصحة، فلا بد أن تؤدى في الوقت، وهذا بإجماع أهل العلم، فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها، فلو خرج الوقت ولم يصل لعذر أو نسيان أو نوم فإنها لا تصلى كما سيذكره المؤلف إن شاء الله تعالى.
لكن لم يبين المؤلف هنا وقت الجمعة، وقد اختلف فيه الفقهاء: فعند الجمهور 825 أن وقت الجمعة هو وقت الظهر، فلا يثبت وجوبها ولا يصح أداؤها إلا بدخول وقت الظهر، ويستمر وقتها بدخول وقت العصر، فإذا =823824
الجزء: 1 - الصفحة: 407
فِيْ قَرْيَةٍ (1)،
=خرج وقت الظهر سقطت.
وذهب الحنابلة (1) إلى أن أول وقت صلاة الجمعة هو أول وقت صلاة العيد أي قبل الزوال وفعلها بعد الزوال أفضل، واحتجوا لذلك بحديث جابر حين سئل: «مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّيْ ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيْحُهَا حِيْنَ تَزُوْلُ الشَّمْسُ» (2)، وقالوا أيضًا بأن هذا ثابت عن بعض الصحابة أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكر عليهم.
والصحيح أنها لا تصح في أول النهار، إنما تصح قبل الزوال بساعة، والأولى والأفضل أن لا تؤدى إلا بعد الزوال وفاقًا لقول الجمهور كما ذكرنا، واختاره سماحة شيخنا ابن باز (3) -رحمه الله-.
(1)
قوله «فِيْ قَرْيَةٍ»
هذا هو الشرط الثاني من شروط صحة الجمعة، فلاتصح في البوادي ولا في الصحراء ولا في البر، فلا بد فيها من البنيان. لكن إذا خرج أهل القرية إلى مكان بعيد عن القرية لأداء صلاة الجمعة، هل تصح؟ نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تصح ولا تجزئ؛ لأنه يشترط حصول الجمعة في البنيان، والصحيح أنها تصح وتجزئ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الفطر والأضحى في المصلى وهو خارج القرية كما هو معروف.
تنبيهان
: أولاً: البدو الذين بضواحي القرى والمدن إن كانوا قريبين من محل إقامة =826827828
الجزء: 1 - الصفحة: 408
وَأَنْ يَحْضُرَهَا مِنَ الْمُسْتَوْطِنِيْنَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ وُجُوْبِهَا (1)،
=الجمعة ويسمعون النداء عند عدم المانع تلزمهم الجمعة مع الناس.
ثانيًا: أهل البادية إن كانوا مستوطنين في مكان لا ينتقلون عنه صيفًا ولا شتاء تلزمهم إقامة الجمعة في مكانهم كأهل القرى.
(1)
قوله «وَأَنْ يَحْضُرَهَا مِنَ الْمُسْتَوْطِنِيْنَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ وُجُوْبِهَا»
هذا هو الشرط الثالث، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط العدد الذي تنعقد به الجمعة: فالحنفية 829 لهم قولان في العدد، والصحيح عندهم حضور واحد سوى إمام وقيل ثلاثة سوى إمام.
أما الشافعية 830، والحنابلة 831 فيشترطون أن لا يقل العدد عن أربعين رجلاً ممن تجب في حقهم الجمعة، وقال المالكية 832 يشترط فيها حضور اثني عشر رجلاً.
والصحيح من هذه الأقوال: أن الجمعة تصح بل تجب إذا حضرها ثلاثة: الإمام واثنان معه، وهذا هو إحدى الروايتين عند الحنفية 833، واختارها شيخ الإسلام 834، وسماحة شيخنا ابن باز 835، وشيخنا محمد العثيمين 836 - رحمهم الله -؛ وذلك لأن الثلاثة أقل الجمع، ولما رواه أحمد وغيره من حديث أبي الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِيْ قَرْيَةٍ لا يُؤَذَّنُ وَلا تُقَامُ فِيْهِمُ الصَّلاةُ=
الجزء: 1 - الصفحة: 409
وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ (1)، فِيْ كُلِّ خُطْبَةٍ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى (2)، =إِلاَّ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (1)، فقوله «تُقَامُ فِيْهِمُ الصَّلاةُ» عامة تشمل الجمعة وغيرها.
(1)
قوله «وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ»
هذا هو الشرط الرابع، أي يشترط لصحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب عليها مواظبة غير منقطعة، بل لم ينقل عنه أنه صلى جمعة بغير خطبة، وكذا أصحابه من بعده، فدل على وجوبهما.
وقوله «وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا» يفهم منه أنه إذا تأخرت الخطبة عن الصلاة لم تصح، وهذا هو الصحيح.
(2)
قوله «فِيْ كُلِّ خُطْبَةٍ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى»
هذا أحد شروط الخطبة، فيشترط لها حمد الله تعالى، واستدل على ذلك بحديث «كُلُّ أَمْرٍ ذِيْ بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيْهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» 838. والحديث فيه ضعف، لكن يستعاض عنه بما رواه مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ... » 839. وقال بعض أهل العلم: لا يشترط حمد الله في الخطبة؛ لأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الوجوب والشرطية بل يدل على الاستحباب.837
الجزء: 1 - الصفحة: 410
وَالصَّلاةُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (1)، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ (2)،
=والصحيح أنه لا ينبغي للخطيب أن يعدل عن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى غيره، فقد كان في خطبة يقول: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ»، وكان يبدأ خطبته بحمد الله كما ذكر جابر، فحري بالخطيب أن يسير على ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله وفعله.
لكن إذا جاء الخطيب بما ليس فيه حمد الله، بل جاء بأي نوع من الثناء على الله، هل نقول بأن الخطبة لا تصح؟ نقول: بل تصح لكنه خلاف الأولى والأفضل، لكن إذا كان أهل البلد يرون وجوب الإتيان بحمد الله، فيلزم الخطيب الإتيان به حفاظًا على الألفة والمحبة والاجتماع.
(1)
قوله «وَالصَّلاةُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -»
هذا هو الشرط الثاني من شروط خطبة الجمعة أي تشترط لها الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا هو مذهب الشافعية (1)، والحنابلة (2)، وعللوا لذلك بأن كل عبادة افتقرت لذكر الله افتقرت لذكر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والصحيح أنه لا تشترط الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هي من كمال الخطبة، وهو اختيار العلامة ابن سعدي (3) -رحمه الله-.
(2)
قوله «وَقِرَاءَةُ آيَةٍ»
هذا هو الشرط الثالث لصحة الخطبة، واشترطوا للآية أن تستقل بمعنى، فإن لم تستقل بمعنى لم تصح الخطبة، وهذا هو أيضًا المذهب عند الشافعية 843. والصحيح أنه لا تشترط قراءة آية للخطبة، بل متى تضمنت الخطبة الموعظة=840841842
الجزء: 1 - الصفحة: 411
وَالْمَوْعِظَةُ (1). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ (2)، فَإِذَا صَعِدَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ (3)، ثُمَّ يَقُوْمُ الإِمَامُ، فَيَخْطُبُ (4)، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَّةَ (5)،
=المؤثرة صحت الخطبة.
قال الشيخ ابن سعدي (1) -رحمه الله-: أما اشتراط تلك الشروط في الخطبة يعني حمد الله والصلاة على رسوله وقراءة آية من كتاب الله فليس على اشتراط ذلك دليل.
والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة فذلك كاف.
(1)
قوله «وَالْمَوْعِظَةُ»
هذا هو الشرط الرابع، فلابد في الخطبة من اشتمالها على الموعظة لأن هذا هو مقصود الخطبة الأعظم فلابد من موعظة ترقق القلوب.
(2)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ»
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على منبر، ولأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة للناس.
(3)
قوله «فَإِذَا صَعِدَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ»
أي يستحب للخطيب أنه إذا صعد المنبر أن يسلم على الناس قبل أن يجلس، وللإمام عند دخول المسجد سلامان: سلام عام وهذا يكون عند دخوله المسجد فيسلم على من يمر به، وسلام خاص وهذا عند صعوده المنبر، فإنه يسلم تسليمًا عامًا على جميع المصلين.
(4)
قوله «ثُمَّ يَقُوْمُ الإِمَامُ، فَيَخْطُبُ»
أي عند خطبته يسن أن يخطب قائمًا؛ وذلك لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن هذا أبلغ في إسماع الناس.
(5)
قوله «ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَّةَ»
أي بعد فراغه من الخطبة=844
الجزء: 1 - الصفحة: 412
ثُمَّ تُقَامُ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ (1). فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمَّها ظُهْرًا (2)، =الأولى، وهذه سنة فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: «كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُوْمُ كَمَا تَفْعَلُوْنَ الآنَ» (1).
(1)
قوله «ثُمَّ تُقَامُ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ»
لم يبين المؤلف قراءة الإمام في صلاة الجمعة، ولكن جاءت السنة ببيان ذلك، فقد جاء في صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم -: «أنه كان يقرأ بالجمعة والمنافقون (2)، ويقرأ بالأعلى والغاشية» (3). (2)
قوله «فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمَّها ظُهْرًا»
أي من أدرك مع الإمام ركعة كاملة بركوعها وسجدتيها أتمها جمعة، وهذا هو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة 848: بل متى أدرك جزءًا منها مع الإمام ولو التشهد الأخير، بل لو أدرك سجدتي السهو أتمها جمعة.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، أي لاتدرك الجمعة إلا بإدراك الركعة كاملة، فإن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام أتمها ظهرًا، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» 849.845846847
الجزء: 1 - الصفحة: 413
وَكَذلِكَ إِذَا نَقَصَ الْعَدَدُ (1)، أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوْهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمُّوْهَا ظُهْرًا (2). وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَصَلَّى فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا (3). (1)
قوله «وَكَذلِكَ إِذَا نَقَصَ الْعَدَدُ»
أي إذا قل العدد عن الأربعين أثناء الصلاة، فإن الإمام يتمها ظهرًا، والصحيح كما ذكرنا أن تحديد العدد بالأربعين أو الاثني عشر أو غيره لا دليل عليه، بل تقام الجمعة باثنين مع الإمام، وقد مر بنا ذلك.
لكن لو فرض أن واحدًا من الاثنين ذهب لشيء ما وترك الآخر مع الإمام أتموها ظهرًا.
(2)
قوله «أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوْهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمُّوْهَا ظُهْرًا»
أي متى خرج وقت صلاة الجمعة - وهو كما ذكرنا آخر وقت الظهر - فإن أدركوا من هذا الوقت ركعة فيتموها جمعة، فإن لم يدركوا منها شيئًا وقد خرج الوقت فالواجب أن يتموها ظهرًا؛ وذلك لخروج وقتها، وهذا هو الصحيح.
أما المذهب (1) فتدرك الجمعة بإدراك التحريمة في الوقت أي تكبيرة الإحرام، والصحيح الأول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» والركعة تكون بجميع ما يدخل فيها من تكبيرة الإحرام والركوع والسجدتين.
(1)
قوله «وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَصَلَّى فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا»
أي يحرم أن تقام في البلد أكثر من جمعة إلا لحاجة، كأن يضيق المسجد بأهله ولم يمكن توسعته، أو تباعد أقطار البلد ولم يمكن=850
الجزء: 1 - الصفحة: 414
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ (1)،
=المجيء إليه إلا بمشقة، وغير ذلك من الحاجات، فهنا يجوز أن تتعدد الجمعة في المصر.
أما الدليل على عدم تعدد الجمعة أنه لم يصل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، بل كان الصحابة وأهل العوالي يأتون للصلاة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (1).
وأيضًا أن الصحابة من بعده وبخاصة في عهد عثمان - رضي الله عنه - اتسعت البلاد حتى جعل للجمعة أذانين غير الإقامة ولم يجعل للناس جامعًا آخر ليصلوا فيه، بل جميعهم كانوا يصلون وراءه، ولأن كثرة تعدد الجمعة يفوت المقصود الأعظم وهو اجتماع المسلمين وائتلافهم الذي من أجله شرعت الجمع والجماعات.
لكن عند الحاجة لتعدد الجوامع لابد من إذن الإمام والرجوع إلى نظام الدولة، فإن ولي الأمر هو الذي له الكلمة في تعدد الجوامع أو نائبه، ونائبه بلا شك هم وزارة الأوقاف، فمتى أذَّنت فيجوز هنا تعدد الجمعة، فإن صلى الناس قبل الفسح فهل تصح الصلاة؟
محل نظر عند أهل العلم؛ لأن تعدد الجمعة يشترط له إذن الإمام.
ومنع تعدد الجمعة في البلدة الواحدة هو قول جمهور الفقهاء.
(1)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ»
اختلف الفقهاء في غسل الجمعة، هل هو واجب أم مستحب؟ فالجمهور 852 على أنه مستحب، وهذا=851
الجزء: 1 - الصفحة: 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=هو قول سماحة شيخنا ابن باز (1) -رحمه الله-، واحتجوا لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيْبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيْ مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى» (2)، واحتجوا أيضًا بما رواه أحمد وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (3). وذهب الظاهرية (4) وهي رواية عن الإمام أحمد (5)، وبه قال شيخنا محمد العثيمين (6)
-رحمه الله- إلى أن غسل الجمعة واجب، واحتجوا لذلك بحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (7)، والشاهد من الحديث تصريحه - صلى الله عليه وسلم - هنا بالوجوب.
وذهب شيخ الإسلام (8) إلى التفصيل فقال: بوجوبه على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، والراجح هو قول الجمهور.
تنبيه: متى يبدأ وقت الغسل
؟ اشترط الفقهاء لغسل الجمعة أن يكون متصلاً=853854855856857858859860
الجزء: 1 - الصفحة: 416
وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيْفَيْنِ (1)، وَيَتَطَيَّبَ (2)، وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا (3)، =بوقت الذهاب، لكن الصواب أن وقته يمتد من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وأن المستحب أن يتصل بالذهاب.
(1)
قوله «وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيْفَيْنِ»
أي يسن أن يلبس ثوبين نظيفين من أحسن ثيابه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعد أحسن ثيابه للوفود والجمعة، فقد روى البخاري ومسلم: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ» (1)، فلم يلبسها - صلى الله عليه وسلم - لكونها من الحرير، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (2). (2)
قوله «وَيَتَطَيَّبَ»
أي يسن أن يتطيب، وهذا كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - المتقدم، وفيه قوله «أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيْبِ بَيْتِهِ».
(3)
قوله «وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا»
أي يسن التبكير لصلاة الجمعة؛ وذلك له فضل عظيم كما في حديث أوس بن أوس الثقفي مرفوعًا: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» 863.861862
الجزء: 1 - الصفحة: 417
فَإِنْ جَاءَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، لَمْ يَجْلِسْ، حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوْجِزُ فِيْهِمَا (1)، =وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (1).
(1)
قوله «فَإِنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوْجِزُ فِيْهِمَا»
و
هاتان الركعتان هما تحية المسجد
، فلا يجوز للإنسان إذا دخل المسجد أن يجلس دون أن يصلي ركعتين، دليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - حينما دخل رجل المسجد فجلس والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال: «أَصَلَّيْتَ» قَالَ: لا، قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» 865، وفي رواية «وَتَجَوَّزْ فِيْهِمَا» 866، وأيضًا عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» 867.864 =الجمعة - باب فضل غسل يوم الجمعة - رقم (1364)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 70) رقم (333).
الجزء: 1 - الصفحة: 418
وَلا يَجُوْزُ الكَلامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، إِلاَّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْ كَلَّمَهُ (1) (1)
قوله «وَلا يَجُوْزُ الكَلامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، إِلاَّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْ كَلَّمَهُ»
أي يحرم الكلام إذا كان الإمام يخطب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (1)، لكن يستثنى من ذلك الإمام؛ لحديث سليك الغطفاني المتقدم، وقوله «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ» (2)، وكذلك الرجل الذي جاء والرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب فطلب منه أن يستسقي للمسلمين.
لكن
من كان لا يسمع الخطبة لبعده، هل يجوز له الكلام؟
اختلف الفقهاء في ذلك؛ فالحنفية 870 والمالكية 871 قالوا: لا يجوز، وقال الشافعية 872، والحنابلة 873 بجواز الكلام حال الخطبة لمن لم يسمعها.
والصواب منع الكلام مطلقًا؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» فلم يشترط السماع وعدمه، ثم لو تكلم هذا وهذا لأصبح فيه نوع تشويش على الناس ممن يستمعون.
- ذكر بعض التنبيهات المتعلقة بصلاة الجمعة: أولاً: من دخل المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن، هل ينتظر إلى انتهاء الأذان أم يشرع في صلاة تحية المسجد؟ الجواب: بل يشرع في تحية المسجد؛ لأن الإنصات إلى الخطبة واجب وإجابة المؤذن سنة على الصحيح، وهذا رأي=868869
الجزء: 1 - الصفحة: 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=شيخنا (1)، ويرى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز أنه يتابع المؤذن ثم يصلي تحية المسجد.
قلت: والأمر يختلف حسب المؤذن والإمام، فإن كان الداخل يتمكن من الصلاة بعد الأذان وقبل الخطبة فالأولى متابعة المؤذن، ثم صلاة تحية المسجد، وإلا صلى حال دخوله ولو لم يتابع المؤذن.
ثانيًا: من عطس يوم الجمعة فإنه يحمد الله خفية، فإن جهر بذلك فسمعه أحد فلا يجوز له أن يشمته.
ثالثًا: ليس للجمعة لها سنة قبلية، بل يكفي ركعتان، وأما البعدية فقيل ست، وقيل أربع، وقيل اثنتان، والصواب أنه إن صلاها في البيت فركعتان، وإن صلاها في المسجد فأربع أو ست.
رابعًا: لا حرج أن يشرب الخطيب الماء عند الحاجة.
خامسًا: ليس من السنة الالتفات
في الخطبة ولا تحريك اليد عند الانفعال.
سادسًا: هل يجوز أن يتولى الخطبتين اثنان،
وهل يجوز أن يتولى الخطبة الواحدة اثنان؟ نقول: أما إن كان بغير عذر فلا يجوز، وإن كان لعذر فلا حرج، لكن إن طرأ للخطيب عذر ناب عنه غيره، والأولى أن يبدأ الخطبة التي بدأها الأول من جديد، أما التي أكملها الأول فلا يعيدها.874
الجزء: 1 - الصفحة: 420
بَابُ صَلاةِ الْعِيْدَيْنِ
(1). وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (2)، الشرح:
(1)
قوله «بَابُ صَلاةُ الْعِيْدَيْنِ»
هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه ووقته.
(2)
قوله «وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ»
هذا هو المذهب 875، والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 876، ولمداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها، وكذا أصحابه - رضوان الله عليهم -، ولأنها أيضًا من أعلام الدين الظاهرة.
وذهب المالكية 877، والشافعية 878 إلى أنها سنة مؤكدة، واحتجوا لذلك بحديث الأعرابيّ حين سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام فذكر له الصلوات الخمس، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» 879، وقال الحنفية 880: بل هي فرض عين؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب عليها دون تركها مرة واحدة، ولأنه أيضًا أمر النساء بحضورها حتى لم يستثن الحيَّض، بل أمرهن أن يشهدنها ويعتزلن المصلى، واختار هذا القول شيخ الإسلام 881، وشيخنا محمد العثيمين 882 - رحمهما الله -.
والصحيح أنها فرض كفاية كما هو المذهب، وهذا هو اختيار اللجنة =
الجزء: 1 - الصفحة: 421
إِذَا قَامَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ (1)، سَقَطَتْ عَنْ سَائِرِهِمْ (2)، وَوَقْتُهَا: مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ (3). وَالسُّنَّةُ فِعْلُهَا فِي الْمُصَلَّى، وَتَعْجِيْلُ الأَضْحَى، وَتَأْخِيْرُ الْفِطْرِ (4)، =الدائمة (1)، وسماحة شيخنا ابن باز (2) -رحمه الله-.
(1)
قوله «إِذَا قَامَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ»
هذا هو المذهب (3)، فاشترط لها العدد كصلاة الجمعة.
والراجح أن العدد المعتبر للجمعة والعيدين ثلاثة، فإن لم يوجد إلا رجل أو رجلان فإنهما لا يقيمان العيد، أما الثلاثة فيقيمونها.
(2)
قوله «سَقَطَتْ عَنْ سَائِرِهِمْ»
هذا هو فرض الكفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فلو أقام العيدين ثلاثة من الرجال دون بقية البلد سقط الإثم عن الباقين.
(3)
قوله «وَوَقْتُهَا: مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ»
أي وقت صلاة العيدين من ارتفاع الشمس قيد رمح بعد طلوعها إلى الزوال، وقد حدد بالتوقيت بما يعادل ربع ساعة تقريبًا - أي بعد طلوع الشمس بربع ساعة -، دليل ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه من بعده وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (4). (4)
قوله «وَالسُّنَّةُ فِعْلُهَا فِي الْمُصَلَّى، وَتَعْجِيْلُ الأَضْحَى، وَتَأْخِيْرُ الْفِطْرِ»
هذه جملة من السنن ذكرها المؤلف لصلاة العيد: =883884885886
الجزء: 1 - الصفحة: 422
وَالإِفْطَارُ فِي الْفِطْرِ خَاصَّةً، قَبْلَ الصَّلاةِ (1).
=أولاً: فعلها في المصلى، أي يسن فعلها في الصحراء خارج البلد في مكان بحيث لا يشق على الناس الخروج إليه، ودليل ذلك فعله - صلى الله عليه وسلم - حيث صلاها في المصلى مع كون مسجده - صلى الله عليه وسلم - موجودًا ومعلوم فضل الصلاة فيه، ومع ذلك صلاها في المصلى.
ثانيًا: تعجيل الأضحى وتأخير الفطر، أي تعجيل صلاة الأضحى يعني تقديمها، وعكسه الفطر فالسنة تأخيرها، وعلل الفقهاء لذلك بأن الناس في الفطر يحتاجون إلى امتداد الوقت ليتسع لهم إخراج صدقة الفطر، وذلك لأن أفضل وقت لإخراج صدقة الفطر يوم العيد قبل الصلاة كما في صحيح البخاري من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوْجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ» (1).
أمَّا عيد الأضحى فالمشروع المبادرة بالأضحية، ولا يكون ذلك إلا بتعجيل الصلاة أي بعد طلوع الشمس قيد رمح، فتصلى مباشرة لكي يتسنى لهم تعجيل الذبح.
(1)
قوله «وَالإِفْطَارُ فِي الْفِطْرِ خَاصَّةً، قَبْلَ الصَّلاةِ»
أي يسن أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى للعيد، دليل ذلك فعله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري من حديث أنس حيث قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يَغْدُوْ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» 888.887
الجزء: 1 - الصفحة: 423
وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ (1)، فَإِذَا حَلَّتِ الصَّلاةُ، تَقَدَّمَ الإِمَامُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ (2)، (1)
قوله «وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ»
أي يسن أن يغتسل لصلاة العيد ويتنظف لها، ويكون تنظفه في لباسه وهيئته، فيلبس أحسن الثياب، ويقلم أظفاره، ويخفف شاربه ونحو ذلك مما يكون فيه نظيفًا، ويضاف إلى ذلك التطيب، وكل ذلك عنوان للسرور والفرح.
(2)
قوله «فَإِذَا حَلَّتِ الصَّلاةُ، تَقَدَّمَ الإِمَامُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ»
أي إذا كان وقت الصلاة - وهو كما ذكرنا بعد ارتفاع الشمس قيد رمح - تقدم الإمام فصلى بالمأمومين ركعتين بلا أذان ولا إقامة، دليل ذلك ما رواه مسلم عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ» 889. أما عن حكم الصلاة قبلها وبعدها فالمذهب 890 أنه لا يشرع لها شيء من ذلك، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا» 891. لكن هل يصلى للمصلى تحيته كالمسجد؟ يرى شيخنا 892 -رحمه الله- أن المصلى تشرع له تحيته كالمسجد، ويرى سماحة شيخنا ابن باز 893 -رحمه الله- أن المصلى المعد لصلاة العيدين ليست له تحية؛ لأنه ليس له حكم المساجد من كل =
الجزء: 1 - الصفحة: 424
يُكَبِّرُ فِي الأُوْلَى سَبْعًا بِتَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيْرَةِ الْقِيَامِ (1)، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيْرَةٍ (2)، =الوجوه، وسيأتي شيء من التفصيل في هذه المسألة قريبًا إن شاء الله - وبيان الراجح فيها.
(1)
قوله «يُكَبِّرُ فِي الأُوْلَى سَبْعًا بِتَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيْرَةِ الْقِيَامِ»
أي يكبر بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة سبعًا، وفي الثانية قبل القراءة خمسًا سوى تكبيرة القيام، وهذا قول المالكية (1)، والشافعية (2)، وقال أبوحنيفة (3) يكبر ثلاثًا في الأولى وثلاثًا في الثانية بعد تكبيرة الإحرام وتكبيرة الانتقال.
والذي نراه أن الصحابة - رضوان الله عليهم - جاءت عنهم آثار تدل على تنوعهم في التكبيرات، فمنهم من كبر سبعًا وستًّا، وجاء عن بعضهم أنه كبر أربعًا أربعًا، وبعضهم كبّر تسعًا، وجاء عن بعضهم أنه قال: «من شاء كبر سبعًا ومن شاء كبر تسعًا»، وكل ما جاء عنهم يجوز الإتيان به.
لكن الأفضل عندنا القول الأول وهو أن يكبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية: لحديث عائشة مرفوعًا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي الأُوْلَى سَبْعَ تَكْبِيْرَاتٍ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا» (4).
(1)
قوله «وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيْرَةٍ»
أما تكبيرة الإحرام فلا خلاف بين الفقهاء في سنية رفع اليدين عندها، أما التكبيرات الزوائد ففيه خلاف بين أهل العلم.894895896897
الجزء: 1 - الصفحة: 425
وَيَحْمَدُ اللهِ تَعَالَى، وَيُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيْرَتَيْنِ (1)، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً (2)، =والصواب أنه يشرع رفع اليدين فيها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيْرِ» (1)، ولثبوته عن بعض الصحابة كعمر، وكذا جاء عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يرفعهما في صلاة الجنازة، ولما كان الأصل رفع اليدين ولم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه كان العمل برفع اليدين هو السنة.
(1)
قوله «وَيَحْمَدُ اللهِ تَعَالَى، وَيُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيْرَتَيْنِ»
هذا هو المذهب (2)، وبه قال الشافعي (3)، واختاره شيخ الإسلام (4)، وقال الحنفية (5)، والمالكية (6) يوالي بين التكبير بدون ذكر، واختار هذا القول شيخنا محمد العثيمين (7) -رحمه الله-.
والصحيح مشروعية هذا الذكر بين التكبيرات الزوائد، وهذا هو اختيار اللجنة الدائمة (8).
(2)
قوله «ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً»
أما الفاتحة فلأنها لا تصح الصلاة بدونها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 906. أما السورة التي بعدها فيسن الإتياب بها وهما سورتا الأعلى والغاشية لما جاء في صحيح مسلم =898899900901902903904905
الجزء: 1 - الصفحة: 426
يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ (1)، فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ (2). فَإِنَ كَانَ فِطْرًا، حَضَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَبَيّنَ لَهُمْ حُكْمَهَا، وَإِنْ كَانَ أَضْحَى، بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ الأُضْحِيَّةِ (3). =عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِي الْعِيْدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيْثُ الْغَاشِيَةِ» (1)، أو يقرأ سورة «ق» و «القمر» كما جاء في حديث أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - ... قال «كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيْدِ وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» (2).
(1)
قوله «يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ»
وهذا لثبوته عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجهر في العيدين بالقراءة كما في حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - المتقدم.
(2)
قوله «فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ»
هذا هو السنة كما ذكرنا ذلك سابقًا، فيسن للإمام إذا انتهى من صلاته أن يخطب بالحضور خطبتين، والمستحب في الخطبة أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه، وقال بعضهم بل يبدأها بالتكبير لكنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما التكبير في ثنايا الخطبة فهذا مشروع، والأمر في ذلك واسع.
(3)
قوله «فَإِنَ كَانَ فِطْرًا، حَضَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَبَيّّنَ لَهُمْ حُكْمَهَا، وَإِنْ كَانَ أَضْحَى، بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ الأُضْحِيَّةِ»
وذلك لأن لكل مقام مقالاً، فلما كان لهذين العيدين أحكام متعلقة بهما كان الأنسب أن يبين الخطيب ما يلائم ذلك، فيبين صدقة الفطر في عيد الفطر وأنها واجبة قبل الصلاة، ومن لم يؤدها قبل الصلاة فتلزمه أيضًا بعد الصلاة ولا تسقط عنه لكنها صدقة من =907908
الجزء: 1 - الصفحة: 427
وَالتَّكْبِيْرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ (1)، وَلا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ صَلاةِ الْعَيْدِ، وَلا بَعْدَهَا فِيْ مَوْضِعِهَا (2)،
=الصدقات، ويبين أيضًا الصفات التي يخرج منها صدقة الفطر، وهكذا يبين للناس كل ما يختص بها من أحكام.
وأما الأضحى فيبين للناس حكم الأضحية، وأجرها، وثوابها، وفضلها، وكذا الأحكام المتعلقة بالأضحية.
(1)
قوله «وَالتَّكْبِيْرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ»
أي إن تركها صحت صلاته لكنه خلاف الأولى.
أما دليل سنية الخطبتين فهو حديث عبد الله بن السائب - رضي الله عنه - قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: «إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» (1).
(2)
قوله «وَلا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ صَلاةِ الْعَيْدِ، وَلا بَعْدَهَا فِيْ مَوْضِعِهَا»
وقد ذكرنا طرفًا من ذلك أعني تحية المسجد في المصلى وأنها لا تشرع وبه قال سماحة شيخنا ابن باز؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا» 910. وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث ليس دليلاً على كراهة الصلاة في حق المأموم لأن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا اللائق في حق الإمام لاشتغاله بالصلاة والخطبة.
وأيضًا احتج لذلك بما جاء عن الصحابة أنهم كانوا يصلون قبل صلاة العيد وبعدها كما ذكر ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد عن أنس بن مالك والحسن أنهما =909
الجزء: 1 - الصفحة: 428
وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ قَبْلَ سَلامِهِ، أَتَمَّهَا عَلَى صِفَتِهَا (1)، وَمَنْ فَاتَتْهُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ (2)،
= كانا يصليان قبل العيد قبل أن يخرج الإمام، وابن مسعود كان يصلي بعدها أربع ركعات وكان لا يصلي قبلها، وذكر أيضًا البيهقي جملة من الآثار عن الصحابة في الصلاة قبل العيد وبعدها.
قلت: فإن صحت هذه الآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - قلنا بمشروعية الصلاة قبل العيد وبعدها كما هو المذهب عند الشافعي (1)، وإن لم تصح كان العمل بالمذهب أولى.
لكن إن قلنا بجواز التنفل قبلها لصحة الآثار فلا يجوز أن يتنفل في وقت النهي كما مر بنا فيتنبه لذلك.
(1)
قوله «وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ قَبْلَ سَلامِهِ، أَتَمَّهَا عَلَى صِفَتِهَا»
أي الصفة المذكورة سابقًا، لكن إن أدرك مع الإمام ركعة هذا نقول محل خلاف بين الفقهاء: فمن كان يرى أن ما يقضيه المأموم هو آخر صلاته كبر خمسًا، وإن كان ما يقضيه المأموم أول صلاته كبر في الذي يقضيه سبعًا، والراجح أن أول ما يدركه المسبوق مع إمامه يكون أول صلاته.
(2)
قوله «وَمَنْ فَاتَتْهُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ»
اختلف الفقهاء في قضاء صلاة العيدين لمن فاتته: فالحنفية 912، والمالكية 913 على أن من فاتته صلاة العيد لا يقضيها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام 914، وشيخنا محمد العثيمين 915 - رحمهما الله -. لكن إن أحب أن يقضيها هل يسن له ذلك؟ نقول: الجمهور على أنه من أحب أن=911
الجزء: 1 - الصفحة: 429
فَإِنْ أَحَبَّ، صَلاَّهَا تَطَوُّعًا، إِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، وَإِنْ شَاءَ صَلاَّهَا عَلَى صِفَتِهَا (1).
وَيُسْتَحَبُّ التَّكْبِيْرُ فِيْ لَيْلَتَيِ الْعِيْدَيْنِ (2)،
= يقضيها قضاها.
وقال شيخ الإسلام (1)، وهو قول شيخنا (2) -رحمه الله-: بل لايسن أن يقضيها أي لا يستحب له ذلك؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنها صلاة ذات اجتماع معين فلا يشرع إلا على هذا الوجه.
والذي يظهر أنه إن أحب أن يقضيها فلا مانع من ذلك، وهذا هو قول اللجنة الدائمة (3)، لكن عدم القضاء أفضل.
(1)
قوله «فَإِنْ أَحَبَّ، صَلاَّهَا تَطَوُّعًا، إِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، وَإِنْ شَاءَ صَلاَّهَا عَلَى صِفَتِهَا»
أي هو مخير في ذلك، فله أن يصليها ركعتين أو أربعاً بدون التكبيرات الزوائد، وإن شاء صلاها على صفتها المشروعة، وقال بعض أهل العلم لا يشرع قضاء صلاة العيد على صفتها لعدم ورود ذلك.
والذي يظهر أن الأمر في ذلك واسع.
(2)
قوله «وَيُسْتَحَبُّ التَّكْبِيْرُ فِيْ لَيْلَتَيِ الْعِيْدَيْنِ»
أي ليلتي عيد الفطر وعيد الأضحى، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 919. ففي الفطر يسن التكبير من غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى أن يكبر الإمام للصلاة، أما عيد الأضحى فيسن التكبير لغير الحاج من صلاة فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، أما الحاج فيكبر من صلاة=916917918
الجزء: 1 - الصفحة: 430
وَيُكَبِّرُ فِيْ الأَضْحَى عَقِيْبَ الْفَرَائِضِ فِيْ الْجَمَاعَةِ (1)، مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (2)، إِلاَّ الْمُحْرِمَ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ (3)، =ظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهذا هو التكبير المقيد، أما التكبير المطلق فيبدأ من دخول شهر ذي الحجة إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر.
(1)
قوله «وَيُكَبِّرُ فِي الأَضْحَى عَقِيْبَ الْفَرَائِضِ فِي الْجَمَاعَةِ»
وهذا هو التكبير المقيد، فالمقيد هو المختص بالفرائض أي الصلوات الخمس وكذا الجمعة، لكن اشترط المؤلف هنا أن التكبير لا يشرع إلا إذا كانت الصلاة المؤداة جماعة، وكذا لا يسن التكبير عقيب النوافل.
لكن الصواب أن الأمر في ذلك واسع، فإن أتى بالتكبير عقيب الفريضة أو النافلة فلا بأس به، وكذا المرأة إذا صلَّت في بيتها فيشرع لها التكبير.
(2)
قوله «مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ»
هذا هو وقت التكبير المقيد، فيبدأ من صلاة فجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهذا لغير المحرم كما ذكرنا.
(3)
قوله «إِلاَّ الْمُحْرِمَ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ»
وذلك لأن المحرم مشغول بالتلبية، فالفقهاء يقولون بأن المحرم إذا سلم من الصلاة ولم يتحلل التحلل الأول فإنه يسن له التلبية عقيب الصلاة، ولما كان الحاج يتحلل التحلل الأول ضحى يوم النحر، شرع له التكبير من ظهر يوم النحر، وأما انتهاؤه فهو ينتهي بصلاة عصر آخر أيام التشريق.
الجزء: 1 - الصفحة: 431
وَصِفَةُ التَّكْبِيْرِ شَفْعًا: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ (4). (1)
قوله «وَصِفَةُ التَّكْبِيْرِ شَفْعًا: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ»
وإن جعله وترًا فقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لاإله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد).
أو جعله وترًا في الأولى وشفعًا في الثانية فقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد)، فلا بأس فالأمر في ذلك واسع.
ذكر بعض التنبيهات
:
أولاً: لا بأس بالتهنئة بالعيد كأن يقول المسلم لأخيه المسلم: تقبل الله منا ومنك، أو عيد مبارك، فقد ورد عن الصحابة مثل ذلك، وقد سألت شيخينا عن ذلك فقالا: لا حرج في ذلك فله اصل في السنة.
ثانياً: التعريف عشية عرفة وهو أن يجتمع الناس آخر النهار في المساجد للذكر والدعاء تشبهًا بأهل عرفة هذا لا يشرع بل هو بدعة لم يثبت عن أحد من الصحابة فعله.
ثالثاً: لا يشرع التكبير للعيدين في جماعة لا عقب الصلوات ولا في الطرقات بل هو بدعة.
رابعاً: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، لكن ينبغي للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد، لكن تجب صلاة الظهر عمن تخلف عن الجمعة لحضوره العيد.
والأولى بكل حال أن يصلى العيد والجمعة طلبًا للفضيلة وتحصيلاً لأجرهما.
خامساً: يستحب لمن خرج لصلاة العيد أن يخرج ماشيًا، وعليه السكينة =
الجزء: 1 - الصفحة: 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =والوقار، وأن يخالف الطريق فيذهب من طريق ويرجع من طريق، وعللوا لذلك بعلل منها ليتعرض لسلام الملائكة ويشهد له الطريق، وقيل: ليقضى حاجة من في الطريقين، وقيل: ليغيظ المنافقين، وقيل: ليظهر عزة المسلمين وقوتهم وكثرتهم.
سادساً: هل يحسن إحضار التمر عند أبواب المساجد
كما يفعل بعض الشباب؟ نقول: الأولى عدم إحضار ذلك، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أفطر في بيته، لكن من جلس في المسجد يريد حصول الأجر المترتب على الجلوس فيه حتى تشرق الشمس ثم يصلي ركعتين ويذهب بعدها إلى المصلى لصلاة العيد فمثل هذا لو أحضر بعض التمر معه ليفطر قبل الذهاب إلى المصلى لكان حسنًا، وكذا من كان في المسجد النبوي والمسجد الحرام وغيرهما، ولن يخرج إلا بعد صلاة العيد فله أن يأخذ التمرات معه ويتناولها في المسجد، وبهذا تتحقق السنة.
الجزء: 1 - الصفحة: 433
كِتَابُ الْجَنَائِزِ (1). وإذا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ (2)، غُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ (3)، الشرح:
(1)
قوله «كِتَابُ الْجَنَائِزِ»
الجنائز جمع جنازة، وتأتي بفتح الجيم وكسرها، فيقال: جَنازة بالفتح وجِنازة بالكسر، لكن هل هناك فرق بينهما؟ قيل: إنهما بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميت وبالكسر اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت.
ولقد أكرم الله الإنسان حيًّا وميِّتًا، ففي الحياة بأن أحسن خلقه، وسخر له ما حوله في الكون، وفضله على سائر المخلوقات، وأسجد له الملائكة، وأكرمه بعد موته فأمر بتغسيله وتنظيفه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
(2)
قوله «وَإِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ»
يتيقن موته بعلامات منها: انخساف صدغه، وغياب سواد عينيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه، وامتداد جلده، وتغير رائحته.
فهذه جملة مما يعرف أو يتيقن بها الموت.
فإذا تيقن موته فيسن أو يجب هنا أمور منها:
(3)
قوله «غُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ»:
أولاً: تغميض العينين، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوْحَ، وَقُوْلُوْا خَيْرًا فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ» 920. ثانيًا: شد لحييه، واللحيان هما العظمان اللذان هما محل الأسنان، فيشدان=