كِتَابُ الزَّكَاةِ
(1). الشرح:
(1)
قوله (كِتَابُ الزَّكَاةِ)
الزكاة في اللغة لفظة مشتركة بين الطهارة والمدح والنماء والبركة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ 1 أي طهرها من الآثام، وقال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ 2 أي تمدحوها، ويقال: زكا الزرع يزكو إذا نمى وزاد، ويقال: زكت النبتة إذا بورك فيها.
وفي الاصطلاح هي «التعبد لله عز وجل بإخراج حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص لتحقيق رضا الله تعالى وتزكية النفس)، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 3.
وقد تولى الله أمرين لم يجعل لأحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا عالم، ولا حاكم، ولا غيرهم أن يجتهد فيهما بتفصيل أو زيادة أو نقص أو غير ذلك:
الأمر الأول: مصارف الزكاة:
حيث حددها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ 4.
الأمر الثاني: المواريث:
الجزء: 2 - الصفحة: 5
وَهِيَ وَاجِبَةٌ (1)
وقد تدرج الشارع في أحكام الزكاة، فأمر بالصدقة عمومًا في مكة ثم بينت أنصبتها في المدينة.
وللزكاة فوائد عظيمة، منها:
أ - سل السخيمة من قلوب الفقراء.
بـ - تطهير أصحاب الأموال من الشح والبخل.
جـ - تطهير المال من أن تصيبه المصائب والآفات.
د - تقوية روابط المجتمع.
هـ - تكفير السيئات ورفع الدرجات.
و- إشاعة الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع.
ز - أنها تجلب المحبة وتزيد المودة بين أفراد المجتمع.
حـ - في الزكاة امتحان للنفس؛ لأن المال حبيب للنفس، والنفس تضن به، لذلك قدمه الله في مواضع على الجهاد بالنفس.
(1)
قوله (وَهِيَ وَاجِبَةٌ)
الواجب درجات، منه الركن ومنه ما هو أدنى منه، والزكاة من أعلى
درجات الوجوب
، فهي ركن من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه العظام كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة والإجماع (). أما أدلة الكتاب فمنها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 5، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ 6، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 7. () فصلت أهدافها وأحكامها وما تجب فيه من الأموال في كتابي «الزكاة» فليراجع.
الجزء: 2 - الصفحة: 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأما دلالة السنة فمنها حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (1)، وكما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه حينما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ومما قاله له: « ... فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (2). وقد انعقد الإجماع (3) على فرضية الزكاة لهذه النصوص الواردة.
حكم مانع الزكاة
،
لا يخلو مانع الزكاة من أمرين
:
الأول: أن يمنعها إنكارًا لها ولفرضيتها، فهذا إن كان ممن يعيش بين المسلمين ناشئًا ببلاد الإسلام فيحكم بكفره وردته وتجري عليه أحكام المرتدين، أما إن كان جاهلاً ومثله يجهله لكونه حديث عهد بالإسلام أو لأنه نشأ بمكان بعيد عن الإسلام والمسلمين فإنه لا يكفر لأنه معذور بل يعرَّف وجوبها وأنها من شعائر الإسلام الواجبة.
الثاني: أن يمنع الزكاة بخلاً أو تأوّلاً مع إقراره بوجوبها فجمهور أهل العلم 11 على أنه لا يكفر، فإن مات في قتاله عليها ورثه المسلمون من أقاربه وصلي عليه.8910
الجزء: 2 - الصفحة: 7
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ (1)،
=وفي رواية للإمام أحمد (1) أنه يحكم بكفره ولا يورث ولا يصلى عليه، لكن القول الأول هو الراجح أنه لا يكفر بل يكون فاسقًا.
دليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالإِبِلُ قَالَ وَلا صَاحِبُ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلْحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ .. ) (2)
(1)
قوله (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ)
خرج به الكافر الأصلي والمرتد فإنه لا تصح منهم ولا تطلب منهم ويحاسبون عليها في الآخرة على الصحيح.1213
الجزء: 2 - الصفحة: 8
مَلَكَ نِصَابًا، مِلْكًا تَامًّا (1)، وَلا زَكَاةَ فِيْ مَالٍ حَتَّى يَحُوْلَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ (2)، =وقوله (حُرٍّ) خرج به المملوك؛ لأنه لا ملك له وهو وماله لسيده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « ... وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِيْ بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) (1)، فقوله (فَمَالُهُ لِلَّذِيْ بَاعَهُ) أي ليس للمملوك فيه نصيب، فيكون المملوك كالفقير الذي ليس عنده مال.
(1)
قوله (مَلَكَ نِصَابًا، مِلْكًا تَامًّا)
أي يشترط في الزكاة ملك النصاب، وهو يختلف باختلاف الأموال كما سيأتي إن شاء الله.
و
دليل ملك النصاب
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (لَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ) (2).
وقوله (مِلْكًا تَامًّا) أي مستقرًّا، فخرج ما كان ملكه ناقصًا، وهو الذي لا يستطيع أن يحصل عليه مثل أن يكون عند مماطلٍ، فإذا تحصل عليه زكَّاه عن سنة واحدة في أصح قولي العلماء.
ومما لا يكون ملكه تامًّا أيضًا المال الموقوف فلا تجب فيه الزكاة وإن بلغ نصابًا.
(2)
قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْ مَالٍ حَتَّى يَحُوْلَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ)
لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ فِيْ مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُوْلَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) 16.1415
الجزء: 2 - الصفحة: 9
إِلاَّ الْخَارِجَ مِنَ الأَرْضِ (1)، وَنَمَاءَ النِّصَابِ مِنَ النِّتَاجِ وَالرِّبْحِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا (2). =والمراد بالحول أن يتم على المال بيد صاحبه سنة كاملة، فإن لم تتم فلا زكاة فيه، والمعتبر في الحول هو السنة القمرية؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (1)، لكن يستثنى من ذلك ما سيذكره المؤلف.
(1)
قوله (إِلاَّ الْخَارِجَ مِنَ الأَرْضِ)
من الغلال الزراعية كالحبوب والثمار، وكذا المعادن والركاز، فلا يشترط لوجوب الزكاة فيها حلول الحول، بل يجب إخراج زكاتها عند حصادها أو استخراجها من الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (2)، وسيأتي شيء من التفصيل في بيان ذلك إن شاء الله.
(2)
قوله (وَنَمَاءَ النِّصَابِ مِنَ النِّتَاجِ وَالرِّبْحِ، فَإِنَّ حَوْلَهُمَا حَوْلُ أَصْلِهِمَا)
هذا أيضًا مستثنى مما يشترط له الحول، فنماء النصاب كنتاج السائمة وربح التجارة حولهما حول أصلهما مادام قد دار الحول على الأصل فلا يلزم أن يدور على النتاج والربح، مثال ذلك: لو أن إنسانًا عنده أربعون ألف ريال وزكاها، ثم قبل أن يحول عليها الحول بيوم ربح منها أربعين أخرى، فالواجب عليه أن يزكي عن ثمانين ألفًا مع أن الربح لم يحل عليه الحول، فهذا في الربح.
أما النتاج فالمراد به نتاج السائمة من بهيمة الأنعام فلا يشترط في النتاج1718
الجزء: 2 - الصفحة: 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =حلول الحول، مثال ذلك: لو أن إنسانًا عنده أربعون شاة تجب فيها الزكاة، فأنتجت هذه الأربعون حتى أصبحت مائة وإحدى وعشرين شاة، فهنا يجب إخراج زكاتها وهي شاتان، مع أن النماء لم يحل عليه الحول، وذلك لأن النماء يتبع الأصل.
تنبيهان
: أولاً: اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، فالمالكية 19، والشافعية 20، والحنابلة 21 يوجبون الزكاة في مالهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ 22. فهي عامة في الأغنياء، لا فرق بين عاقل ولا مجنون، ولا بين صغير ولا كبير، وكل هؤلاء محتاجون إلى طهارة الله لهم وتزكيته إياهم.
وذهب الحنفية 23 إلى عدم وجوب الزكاة في حقهم، والصحيح قول الجمهور، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز 24 وشيخنا محمد العثيمين 25 رحمهما الله.
ثانيًا: يشترط في الزكاة النماء، والمقصود به أن يكون المال من شأنه أن يدر على صاحبه ربحًا وفائدة، والنماء يتحقق في السوائم بالدر والنسل وفي الأموال المعدة للتجارة والأرض الزراعية العشرية وسائر الأموال التي تجب
فيها الزكاة، ولا يشترط تحقق النماء بل يكفي قابلية المال للزيادة فيما لو
الجزء: 2 - الصفحة: 11
وَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ إِلاَّ فِيْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيْمَةِ الأَنْعَامِ (1)، وَالْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ (2)، وَالأَثْمَانِ (3)، وَعُرُوْضِ التِّجَارَةِ (4).
وَلا زَكَاةَ فِيْ شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا (5)،
=وضع في مشاريع تجارية.
وبهذا الشرط خرجت أشياء، منها: أثاث المنزل والعقارات، وكذا الأموال التي ادخرت للحاجات الأصلية كالطعام المدخر، وأدوات الحرفة، وما استعمله الصانع في صنعته التي تدر عليه بما يكفيه وما ينفق منه ودواب الركوب ودور السكنى.
(1)
قوله (وَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ إِلاَّ فِيْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيْمَةِ الأَنْعَامِ)
هذا أول الأنواع التي تجب فيها الزكاة، وهي السائمة من بهيمة الأنعام، وسيأتي بيانها بالتفصيل قريبًا إن شاء الله.
(2)
قوله (وَالْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ)
هذا هو النوع الثاني مما تجب فيه الزكاة، والخارج من الأرض يشمل الزروع والثمار والثروة المعدنية والبحرية والعسل عند بعض أهل العلم، وتكون الزكاة في الثروة المعدنية إذا كان يسمح بالتولي عليها، أما إذا كان يتولاها بيت المال فلا زكاة فيها، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله.
(3)
قوله (وَالأَثْمَانِ)
ويشمل الذهب والفضة والأوراق النقدية التي تنوب عنهما، وتشمل أيضاً الأسهم والسندات.
(4)
قوله (وَعُرُوْضِ التِّجَارَةِ)
هذا هو النوع الرابع والأخير مما تجب فيه الزكاة، وبيان ذلك كله سيذكره المؤلف إن شاء الله.
(5)
قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْ شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا)
هذا بإجماع المسلمين،
الجزء: 2 - الصفحة: 12
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=والنصاب يختلف حسب أجناس الأموال الزكوية، فنصاب الإبل خمس، ونصاب البقر ثلاثون، ونصاب الغنم أربعون، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الزروع والثمار خمسة أوسق.
ودليل ذلك كله حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وسنذكره بطوله هنا للحاجة إليه فيما بعد: روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِيْ فَرَضَ رَسُوْلُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، وَالَّتِيْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُوْلَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلا يُعْطِ: (فِيْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ، مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِيْنَ فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ فَفِيْهَا بِنْتُ لَبُوْنٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِيْنَ إِلَى سِتِّيْنَ فَفِيْهَا حِقَّةٌ طَرُوْقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّيْنَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ فَفِيْهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِيْنَ إِلَى تِسْعِيْنَ فَفِيْهَا بِنْتَا لَبُوْنٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ فَفِيْهَا حِقَّتَانِ طَرُوْقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ فَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُوْنٍ، وَفِيْ كُلِّ خَمْسِيْنَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ
أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيْهَا شَاةٌ، وَفِيْ صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِيْ سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِيْنَ إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاثِ مِائَةٍ فَفِيْهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِمِائَةٍ فَفِيْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، =
الجزء: 2 - الصفحة: 13
وَتَجِبُ فِيْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ (1)، = فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِيْنَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيْهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِيْنَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيْهَا شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) (1). وفي رواية «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيْهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ بِنْتُ لَبُوْنٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُوْنٍ وَيُعْطِيْ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُوْنٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيْهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُوْنٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِيْ مَعَهَا عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) (2). وفي رواية: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) (3). وفي رواية: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيْطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) (4).
(1)
قوله «وَتَجِبُ فِيْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ)
أي تجب فيما زاد عن النصاب ولو كانت هذه الزيادة قليلة، مثال ذلك: إذا قلنا إن نصاب الفضة مائتا درهم وشخص عنده خمسون درهمًا أخرى منها، فهذه الخمسون الزائدة على=26272829
الجزء: 2 - الصفحة: 14
إِلاَّ السَّائِمَةَ، فَلا شَيْءَ فِيْ أَوْقَاصِهَا (1)
= النصاب تجب فيها الزكاة أيضًا.
وكذلك لو كان عند إنسان خمسة أوسق من الحبوب، فما زاد عليها تجب فيه الزكاة ولو كان قليلاً كصاع أو صاعين كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
(1)
قوله «إِلاَّ السَّائِمَةَ، فَلا شَيْءَ فِيْ أَوْقَاصِهَا)
الأوقاص جمع وقص وهو ما بين النصابين فلا زكاة فيها، مثال ذلك: لو كان إنسان عنده ثلاثون بقرة فيجب فيها تبيع أو تبيعة - كما سيأتي - فإن زادت إلى الأربعين ففيها مسنة، فإن زادت عن الثلاثين أي كانت خمسة وثلاثين أو تسعة وثلاثين ولم تبلغ أربعين فليس فيها إلا تبيع أو تبيعة؛ لأنها لم تبلغ أربعين، وهذا معنى قوله (فَلا شَيْءَ فِيْ أَوْقَاصِهَا).
الجزء: 2 - الصفحة: 15
بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ
(1). وَهِيَ الرَّاعِيَةُ (2)، وَهِيَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ (3) الشرح:
(1)
قوله (بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ)
السائمة هي التي ترعى العشب ونحوه مما لم يزرعه الآدمي الحول كاملاً أوأكثر الحول.
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط السوم في وجوب الزكاة: فالجمهور (1) على أنه شرط، وذهب المالكية (2) إلى أن السوم ليس شرطًا بل تجب الزكاة في العوامل والمعلوفة أيضًا.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور، دليل ذلك حديث أنس المتقدم في الكتاب الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه في الصدقات، وفيه « .. وَفِيْ صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا .. ) وأيضًا حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فِيْ كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ ابْنَةُ لَبُوْنٍ لا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا) (3).
(2)
قوله «وَهِيَ الرَّاعِيَةُ)
هذا تفسير لمعنى قوله «السَّائِمَة).
(3)
قوله «وَهِيَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ)
أي ما تجب فيه الزكاة من بهيمة الأنعام هي هذه الثلاث فقط: الإبل والبقر والغنم، وما عداها لا تجب فيه الزكاة إلا إذا =303132
الجزء: 2 - الصفحة: 16
أَحَدُهَا: الإِبِلُ، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَيَجِبُ فِيْهَا شَاةٌ (1)، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِيْنَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ (2)،
=كانت عروض تجارة.
وعلى ذلك نقول بأن بهيمة الأنعام على ثلاثة أقسام:
أ - أن تكون للدر والنسل وليست للتجارة فهذه لا شيء فيها.
بـ - أن تكون عروض تجارة - أي للبيع والشراء - فهذه تزكى زكاة عروض التجارة، فتقوَّم ويخرج ربع العشر.
جـ - أن تكون سائمة ترعى أكثر الحول، فهذه تزكى زكاة السائمة وهي المقصودة هنا.
(1)
قوله (أَحَدُهَا: الإِبِلُ، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَيَجِبُ فِيْهَا شَاةٌ)
بدأ المؤلف في بيان القدر الذي تجب فيه الزكاة في بهيمة الأنعام، فبدأ بالإبل وهي أنفسها وأعلاها وأحبها عند أهلها.
وقوله (وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا)
أي لا تجب الزكاة في أقل من الخمس وإن كانت سائمة؛ دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « ... وَلَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ) (1)، فإذا بلغت النصاب وهو خمس من الإبل فهنا تجب فيها الزكاة وهي شاة لحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه المتقدم.
(2)
قوله «وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلاثُ شِيَاهٍ، وَفِي الْعِشْرِيْنَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ)
أي إذا بلغت النصاب في الإبل إلى عشر ففيها شاتان، فإن كانت أقل من ذلك، تسعًا مثلاً فليس فيها إلا شاة واحدة, وكذا إذا كانت أربع عشرة=33
الجزء: 2 - الصفحة: 17
إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ: بِنْتُ سَنَةٍ (1)، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، فَابْنُ لَبُوْنٍ، وَهُوَ: ابْنُ سَنَتَيْنِ (2)، إِلَى سِتٍّ وَثَلاثِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا ابْنَةُ لَبُوْنٍ (3)، إِلَى سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا حِقَّةٌ لَهَا ثَلاثُ سِنِيْنَ (4)، =فليس فيها إلا شاتان، فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، وهكذا.
(1)
قوله «إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ، فَفِيْهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهِيَ: بِنْتُ سَنَةٍ)
أي متى بلغت النصاب في الإبل إلى خمس وعشرين فهنا يخرج عنها بنت مخاض وهي ما تم لها سنة من الإبل من ولادتها، وسميت بذلك لأن الغالب على أمها أنها ماخض أي ذات حمل.
وعلى ذلك لو أخرج المزكي عن خمس وعشرين من الإبل خمس شياه لم تجزئ، لكن إن أخرج عن ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين بنت مخاض بدلاً من أربع شياه فإنها تجزئه على القول الراجح عند أهل العلم.
(2)
قوله «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ، فَابْنُ لَبُوْنٍ، وَهُوَ: ابْنُ سَنَتَيْنِ)
أي إن عدم المزكي عند حلول الحول بنت مخاض التي هي زكاة خمس وعشرين من الإبل، فإنه يخرج عنها ابن لبون ذكراً وهو ما تم له سنتان من الإبل، وسمي بذلك لأن أمه ذات لبن.
(3)
قوله «إِلَى سِتٍّ وَثَلاثِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا ابْنَةُ لَبُوْنٍ)
أي إذا بلغت الإبل السائمة ستاً وثلاثين تكون زكاتها ابنة لبون وهي كما ذكرنا ما تم لها سنتان منذ ولدت.
(4)
قوله «إِلَى سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا حِقَّةٌ لَهَا ثَلاثُ سِنِيْنَ)
والحقة كما ذكرها المؤلف ما تم لها ثلاث سنين، وسميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل.
الجزء: 2 - الصفحة: 18
إِلَى إِحْدَى وَسِتِّيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا جَذَعَةٌ، وَلَهَا أَرْبَعُ سِنِيْنَ (1)، إِلَى سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ، فَفِيْهَا ابْنَتَا لَبُوْنٍ (2)، إِلَى إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ، فَفِيْهَا حِقَّتَانِ، إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ (3)، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيْها ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُوْنٍ (4)، ثُمَّ فِيْ كُلِّ خَمْسِيْنَ حِقَّةٌ، وَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُوْنٍ (5)، (1)
قوله (إِلَى إِحْدَى وَسِتِّيْنَ، فَيَجِبُ فِيْهَا جَذَعَةٌ، وَلَهَا أَرْبَعُ سِنِيْنَ)
وسميت جذعة لسقوط بعض أسنانها، وهي ما تم لها أربع سنين.
(2)
قوله (إِلَى سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ، فَفِيْهَا ابْنَتَا لَبُوْنٍ)
فإن أخرج بنت لبون وابن لبون لم يجزئ ذلك.
(3)
قوله (إِلَى إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ، فَفِيْهَا حِقَّتَانِ، إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ)
أي إذا كانت الإبل عددها من إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فالواجب فيها حقتان طروقتا الفحل.
(4)
قوله (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيْها ثَلاثُ بَنَاتِ لَبُوْنٍ)
أي إذا زادت الإبل عن مائة وعشرين واحدة فصارت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، وهنا تستقر الفريضة، وبعد ذلك إن زادت تتغير الفريضة.
(5)
قوله (ثُمَّ فِيْ كُلِّ خَمْسِيْنَ حِقَّةٌ، وَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ بِنْتُ لَبُوْنٍ)
أي إذا بلغت النصاب مائة وثلاثين فيخرج عن كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون إلى مائتين، فيكون التوزيع كالآتي: «في مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وهكذا إلى مائة وتسعة وتسعين.
فإذا بلغت مائتين فهنا قال المؤلف: «إِلَى مِئَتَيْنِ، فَيَجْتَمِعُ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ).
الجزء: 2 - الصفحة: 19
إِلَى مِئَتَيْنِ، فَيَجْتَمِعُ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ (1). وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يَجِدْهَا، أَخْرَجَ أَدْنَى مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُوْنَ دِرْهَمًا (2)، (1)
قوله (إِلَى مِئَتَيْنِ، فَيَجْتَمِعُ الْفَرْضَانِ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُوْنٍ)
أي متى زادت الإبل فبلغت المائتين فيجتمع الفرضان يعني بنت لبون وحقة لكنه مخير هنا بين أن يخرج أربع حقاق أو خمساً من بنات لبون عوضًا عن أربع حقاق، وهكذا كلما تساوى الفرضان فإنه يخير بين الحقة وبنت لبون، فمثلاً إذا بلغ النصاب أربعمائة فإنه إن شاء أخرج ثماني حقاق أو عشر بنات لبون، وهكذا عن الستمائة.
(2)
قوله (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يَجِدْهَا، أَخْرَجَ أَدْنَى مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُوْنَ دِرْهَمًا)
أي من وجب عليه نوع من الأنواع التي هي بنت مخاض أو بنت لبون أو حقة أو جذعة ولم يجدها عنده، فماذا يفعل؟
قال المؤلف رحمه الله: «أَخْرَجَ أَدْنَى مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْعِشْرُوْنَ دِرْهَمًا) فمثلاً إنسان وجبت عليه زكاة الإبل، والواجب عليه أن يخرجها بنت لبون ولم تكن عنده، فهنا يخرج أدنى منها وهي بنت مخاض - إذا كانت عنده - ويخرج معها شاتين جبرًا للنقص، أو أخرج بدل الشاتين قيمتهما.
وقوله «أَوْ عِشْرُوْنَ دِرْهَمًا) تقديرًا في جبران الزيادة والنقصان دليل ذلك حديث أنس بن مالك المتقدم، لكن هل العشرون درهمًا تقويم للشاتين أم هو تعيين بدلاً من الشاتين؟ اختلف في ذلك الفقهاء: والراجح أنها تقويم للشاتين، فلا يكفي أن يعطيه عشرين درهمًا بدلاً من الشاتين بل عليه أن يحسب قيمة الشاتين ثم يعطيه هذه القيمة حسب الزمان والمكان والأسعار.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا (1). (1)
قوله (وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا)
أي المزكي الذي لم يجد الواجب عليه في الزكاة إن شاء أخرج أعلى من الواجب وأخذ شاتين أو قيمتهما على الصحيح، مثال ذلك: إنسان وجبت عليه حقة، فلم يجدها، وعنده جذعة، فهنا يجوز له أن يخرج الجذعة ويأخذ من عامل الزكاة شاتين أو قيمتهما؛ لأن الجذعة قيمتها أعلى من الحقة.
ذكر بعض التنبيهات في زكاة الإبل
:
أولاً: الذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذكور إلا ابن لبون إن عدم بنت مخاض - كما ذكرنا ذلك سابقًا - بخلاف البقر فتؤخذ منها الذكور مكان الإناث، فيخرج تبيعة أو تبيعاً.
ثانيًا: إذا كانت الإبل كلها ذكورًا أجزأ الذكر في إخراج الزكاة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
ثالثًا: إن تطوع المزكي فأخرج عما وجب عليه سنًّا أعلى من السن الواجب جاز.
مثال ذلك: أخرج بنت لبون عن بنت مخاض، أو أخرج عن بنت لبون حقة أو جذعة جاز له ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا
جدول تفصيلي لبيان زكاة الإبل
: العدد ... الواجب من - إلى 5 - 9 ... شاة 10 - 14 ... شاتان 15 - 19 ... ثلاث شياه 20 - 24 ... أربع شياه 25 - 35 ... بنت مخاض (ما لها سنة ودخلت في الثانية) 36 - 45 ... بنت لبون (ما لها سنتان ودخلت في الثالثة) 46 - 60 ... حقة (ما تم له ثلاث سنين ودخل في الرابعة) 61 - 75 ... جذعة (ما تم له أربع سنين ودخل في الخامسة) 76 - 90 ... بنتا لبون 91 - ... حقتان
الجزء: 2 - الصفحة: 22
النَّوْعُ الثَّانِيْ: الْبَقَرُ (1)، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِيْنَ (2)، فَيَجِبُ فِيْهَا تَبِيْعٌ، أَوْ تَبِيْعَةٌ، لَهَا سَنَةٌ (3)، إِلَى أَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا مُسِنَّةٌ، لَهَا سَنَتَانِ (4)، (1)
قوله (النَّوْعُ الثَّانِيْ: الْبَقَرُ)
هذا هو النوع الثاني مما تجب فيه الزكاة من بهيمة الأنعام، والبقر سميت بذلك لأنها تبقر الأرض بالحراثة أي تشقها، ونصابها يشاركها فيه الجواميس؛ لأنهما من جنس واحد، وهذا بإجماع أهل العلم.
(2)
قوله (وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلاثِيْنَ)
هذا باتفاق الفقهاء، فلا زكاة في البقر حتى تبلغ الثلاثين.
وذهب سعيد بن المسيب والزهري (1) إلى أن في البقر من خمس إلى أربع وعشرين في كل خمس شاة قياسًا على زكاة الإبل، لكن الصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، دليل ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلاثِيْنَ تَبِيْعًا أَوْ تَبِيْعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ مُسِنَّةً وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ - يَعْنِيْ مُحْتَلِمًا- دِيْنَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ - ثِيَابٌ تَكُوْنُ بِالْيَمَنِ -) (2).
(3)
قوله (فَيَجِبُ فِيْهَا تَبِيْعٌ، أَوْ تَبِيْعَةٌ، لَهَا سَنَةٌ)
مما تنفرد به زكاة البقر أنها يستوي فيها الذكر والأنثى، فيخرج تبيعًا أو تبيعة، وهي ما لها سنة ودخلت في الثانية، وسميت بذلك لأنها تتبع أمها.
(4)
قوله (إِلَى أَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا مُسِنَّةٌ، لَهَا سَنَتَانِ)
فما بين الثلاثين والأربعين ليس فيها شيء لأنه وقص، لكن إذا بلغت أربعين ففيها مسنة وهي ما تم لها =3435
الجزء: 2 - الصفحة: 23
إِلَى سِتِّيْنَ، فَفِيْهَا تَبِيْعَانِ، إِلَى سَبْعِيْنَ فَفِيْهَا تَبِيْعٌ وَمُسِنَّةٌ (1)، ثُمَّ فِيْ كُلِّ ثَلاثِيْنَ تَبِيْعٌ، وَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ مُسِنَّةٌ (2). =سنتان، وسميت بذلك لأنها خرجت أسنانها، لكن هل يجوز أخذ الذكر المسن؟ الجمهور (1) على أنه لا يؤخذ إلا المسنة الأنثى، والحنفية (2) يرون جواز أخذ الذكر المسن، والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن النص إنما ورد فيه.
(1)
قوله (إِلَى سِتِّيْنَ، فَفِيْهَا تَبِيْعَانِ، إِلَى سَبْعِيْنَ فَفِيْهَا تَبِيْعٌ وَمُسِنَّةٌ)
يلاحظ أن أوقاص البقر تسعة تسعة، والوقص - كما ذكرنا - هو ما بين النصابين، وحكمه: لا شيء فيه.
(2)
قوله (ثُمَّ فِيْ كُلِّ ثَلاثِيْنَ تَبِيْعٌ، وَفِيْ كُلِّ أَرْبَعِيْنَ مُسِنَّةٌ)
ففي الثمانين مسنتان، وفي التسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة تبيعان ومسنة، وفي مائة وعشرين يتساوى الفرضان فله الخيار في إخراج أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات.3637
الجزء: 2 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا جدول تفصيلي لبيان زكاة البقر:
الواجب ... العدد إلى ... من لا شيء فيها ... 29 ... 1 عجل تبيع (ما كان له سنة كاملة) ... 39 ... 30 مسنة (ما تم له سنتان كاملتان) ... 59 ... 40 تبيعان ... 69 ... 60 مسنة وتبيع ... 79 ... 70 مسنتان ... 89 ... 80 ثلاثة أتبعة ... 99 ... 90 تبيعان ومسنة ... 109 ... 100 تبيع ومسنتان ... 119 ... 110 أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات ... 129 ... 120 وهكذا في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة.
الجزء: 2 - الصفحة: 25
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ (1)، وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا شَاةٌ، إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ (2)، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيْهَا شَاتَانِ، إِلَى مِئَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيْهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ (3)، ثُمَّ فِيْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ (4)، (1)
قوله (النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ)
أي النوع الثالث مما تجب فيه الزكاة الغنم.
(2)
قوله (وَلا شَيْءَ فِيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِيْنَ، فَفِيْهَا شَاةٌ، إِلَى عِشْرِيْنَ وَمِائَةٍ)
شرع المؤلف في بيان نصاب زكاة الغنم وما يجب إخراجه فيها، فبين أنها من الواحدة إلى تسع وثلاثين لا شيء فيها أي لا تجب فيها الزكاة، فإذا بلغت أربعين وجبت فيها الزكاة وهي شاة واحدة إلى أن تبلغ مائة وعشرين.
(3)
قوله (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيْهَا شَاتَانِ، إِلَى مِئَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيْهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ)
وهذا واضح لا إشكال فيه.
(4)
قوله (ثُمَّ فِيْ كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ)
أي إذا بلغت أربعمائة فهنا يخرج أربع شياه، وفي خمسمائة خمس شياه وهكذا، وهذا مجمع عليه عند أهل العلم كما في حديث أبي بكر رضي الله عنه المتقدم.
وهذا
جدول تفصيلي لبيان زكاة الغنم
: الواجب ... العدد إلى ... من لا شيء فيها ... 39 ... 1 شاة ... 120 ... 40 شاتان ... 200 ... 121 ثلاث شياه ... 399 ... 201 أربع شياه ... 499 ... 400 خمس شياه ... 599 ... 500
الجزء: 2 - الصفحة: 26
وَلا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ، وَلا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلا هَرِمَةٌ (1)، وَلا الرُّبَّى، وَلا الْمَاخِضُ، وَلا الأَكُوْلَةُ (2)، (1)
قوله (وَلا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ، وَلا ذَاتَ عَوَارٍ، وَلا هَرِمَةٌ)
دليل ذلك ما رواه البخاري في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الصدقة «وَلا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ وَلا تَيْسٌ إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ) (1). والتيس هو فحل الغنم، و
العلة في عدم أخذه
أنه تيس الضِّراب ويحتاجه المزكي، ويكون النهي عن أخذه في الحديث لما فيه من ظلم لصاحب الغنم وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيْبِ نَفْسٍ مِنْهُ) (2)، لكن إن شاء ربه جاز أخذه.
والمراد بذات العوار هي المعيبة التي لا يضحى بها، وأما الهرمة فهي الكبيرة التي سقطت أسنانها.
(2)
قوله «وَلا الرُّبَّى، وَلا الْمَاخِضُ، وَلا الأَكُوْلَةُ)
الربى هي التي تربى في البيت لأجل لبنها.
والماخض الحامل التي حان وقت ولادتها.
والأكولة السمينة المعدة للأكل.
فهذه الثلاث لا يجوز أخذها؛ لأن في أخذها نوع ضرر على المزكي وقد قال صلى الله عليه وسلم: « ... فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ... ) 40.3839
الجزء: 2 - الصفحة: 27
وَلا يُؤْخَذُ شِرَارُ الْمَالِ (1)، وَلا كَرَائِمُهُ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَرَّعُوْا بِهِ (2)، وَلا يُخْرِجُ إِلاَّ أُنْثَى صَحِيْحَةً (3)، (1)
قوله (وَلا يُؤْخَذُ شِرَارُ الْمَالِ)
لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ (1)، ولحديث أبي بكر رضي الله عنه المتقدم، وأيضًا في إخراجها جناية على حق الفقراء إذ كيف ينتفع الفقير بشرار المال.
(2)
قوله (وَلا كَرَائِمُهُ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَرَّعُوْا بِهِ)
أما النهي عن أخذ الكرائم فلحديث معاذ رضي الله عنه المتقدم.
أما جواز قبولها عند تبرع المزكي بذلك فلقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (2)، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكر المتقدم في التيس «إِلاَّ مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ).
(3)
قوله (وَلا يُخْرِجُ إِلاَّ أُنْثَى صَحِيْحَةً)
اختلف الفقهاء في جواز إخراج الذكر في زكاة الغنم: فالحنفية 43، والمالكية 44 على جواز إخراجه؛ وعللوا لذلك بأن اسم الشاة يصدق على الذكر والأنثى، ولأن الشاة إذا أمر بها مطلقًا أجزأ فيها الذكر كالأضحية والهدي.
وقال الشافعية 45، والحنابلة 46: أن المتعين في إخراج الزكاة في الغنم هو الأنثى ليس الذكر، وهو الصحيح.4142
الجزء: 2 - الصفحة: 28
إِلاَّ فِيْ ثَلاثِيْنَ مِنَ الْبَقَرِ (1)، وَابْنَ لَبُوْنٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا (2)، إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا ذُكُوْرًا (3) أَوْ مِرَاضًا، فَيُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا (4)، وَلا يُخْرِجُ إِلاَّ جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةً مِنَ الْمَعْزِ (5)، (1)
قوله (إِلاَّ فِيْ ثَلاثِيْنَ مِنَ الْبَقَرِ)
هذا مستثنى مما سبق، ففي البقر يجوز إخراج الذكر إذا كان النصاب ثلاثين فقط، فيخرج تبيعًا مكان التبيعة، وقد سبق بيان ذلك.
(2)
قوله (وَابْنَ لَبُوْنٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ إِذَا عَدِمَهَا)
وهذا في الإبل كما سبق، فيخرج ابن لبون مكان بنت مخاض عند عدم وجود بنت مخاض.
(3)
قوله (إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا ذُكُوْرًا)
أي إذا كان النصاب كله ذكورًا فإنه يجزئ أن يخرج منها ذكرًا؛ لأن هذا غاية ما يملكه.
(4)
قوله (أَوْ مِرَاضًا، فَيُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا)
أي إذا كانت ماشيته كلها مراضًا فيجزئ أن يخرج واحدةً منها، وقيل بل يكلف بشراء صحيحة ليخرجها (1) محل المريضة أخذًا بظاهر النص، وقال بعض الفقهاء يخرج صحيحة مع مراعاة القيمة، والقول الأول هو الصحيح لأن هذا غاية ما يملكه، وقد قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (2). (5)
قوله (وَلا يُخْرِجُ إِلاَّ جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيَّةً مِنَ الْمَعْزِ)
ذكرنا سابقًا أن الضأن والمعز يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب بإجماع أهل العلم، فإن بلغ النصاب عنده بعد ضم أحدهما للآخر فإنه يخرج جذعة من الضأن وهي ما تم لها ستة أشهر، أو يخرج مكانها ثنية من المعز وهي ما تم لها سنة.4748
الجزء: 2 - الصفحة: 29
أَوِ السِّنَّ الْمَنْصُوْصَ عَلَيْهَا (1)، إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ إِخْرَاجَ سِنٍّ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ (2)، أَوْ تَكُوْنَ كُلُّهَا صِغَارًا، فَيُجْزِئُ صَغِيْرَةً (3). (1)
قوله (أَوِ السِّنَّ الْمَنْصُوْصَ عَلَيْهَا)
أي لا يخرج إلا السن المنصوص عليها كما في حديث أبي بكر رضي الله عنه المتقدم، هذا إذا كان سيخرج سنًّا أصغر من المنصوص عليه، لكن إذا كان سيخرج سنًّا أعلى منه فقد قال المؤلف: (2)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ إِخْرَاجَ سِنٍّ أَعْلَى مِنَ الْوَاجِبِ)
مثل أن يخرج بدل بنت مخاض بنت لبون أو حقة أو جذعة، أو عن بنت لبون حقة أو جذعة، جاز له ذلك.
وهذا مستثنى مما سبق، فلربِّ المال إعطاء السّاعي على الزّكاة سنًّا أكبر من السنّ المنصوص عليه مع وجود المنصوص عليه، وهذا أفضل، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل من رجل ناقة فتية عظيمة سمينة مكان ابنة مخاض لما تبرّع بها ودعا له بالبركة (1).
أما عند عدم وجود المنصوص عليه فيكون الحال كما ذكرنا سابقًا عند قول المؤلف «وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يَجِدْهَا، أَخْرَجَ أَدْنَى مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَانِ، أَوْ عِشْرُوْنَ دِرْهَمًا، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِيْنَ دِرْهَمًا) وهذا الجبران في الإبل فقط وما عداها لا يكون فيه جبران.
(3)
قوله (أَوْ تَكُوْنَ كُلُّهَا صِغَارًا، فَيُجْزِئُ صَغِيْرَةً)
هذا هو المستثنى الثاني مما يجزئ إخراجه في غير السن المنصوص عليه وهو ما إذا كانت السائمة كلها صغارًا فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقال بعضهم لا تجب الزكاة إذا كان =49
الجزء: 2 - الصفحة: 30
وَإِنْ كَانَ فِيْهَا صِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُوْرٌ وَإِنَاثٌ، وَصِغَارٌ وَكِبَارٌ، أَخْرَجَ صَحِيْحَةً كَبِيْرَةً، قِيْمَتُهَا عَلَى قَدْرِ قِيْمَةِ الْمَالَيْنِ (1)، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا بَخَاتِيُّ وَعِرَابٌ (2)، وَبَقَرٌ وَجَوَامِيْسُ (3)،
=جنسها صغارًا.
والصواب إذا كان المال كله صغارًا فإنه يخرج صغارًا؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه: « ... وَاللهِ لَوْ مَنَعُوْنِيْ عَنَاقًا كَانُوْا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُوْلِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا) (1)، والعناق لا يؤدى إلا عن الصغار.
(1)
قوله (وَإِنْ كَانَ فِيْهَا صِحَاحٌ وَمِرَاضٌ، وَذُكُوْرٌ وَإِنَاثٌ، وَصِغَارٌ وَكِبَارٌ، أَخْرَجَ صَحِيْحَةً كَبِيْرَةً، قِيْمَتُهَا عَلَى قَدْرِ قِيْمَةِ الْمَالَيْنِ)
فيأخذ كبيرة صحيحة أقل من قيمة الصحاح وأعلى من المراض وكذا في الكبار والصغار يأخذ كبيرة أقل من قيمة الكبار وأعلى من قيمة الصغار.
وطريقة ذلك أن يقوِّم الصغار والكبار في الصحاح والمراض ثم يجمع قيمة المالين ويقسمها على اثنين، مثال ذلك: إذا كانت الصحيحة قيمتها مائتان، والمريضة قيمتها مائة، فيكون المجموع ثلاثمائة يقسمها على اثنين فتكون النتيجة مائة وخمسين، فيخرج صحيحة قيمتها مائة وخمسون بين قيمة الصحاح والمراض، وهكذا الكبار والصغار.
(2)
قوله (وَإِنْ كَانَ فِيْهَا بَخَاتِيُّ وَعِرَابٌ)
البخاتي جمع بختية وهي إبل العجم والترك ذات سنامين، وعراب هي الإبل العربية ذات السنام الواحد.
(3)
قوله (وَبَقَرٌ وَجَوَامِيْسُ)
ذكرنا فيما سبق أن الجاموس يضم إلى البقر عند حساب النصاب، وقد نقل ابن المنذر 51 الإجماع على ذلك.50
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وَمَعْزٌ وَضَأْنٌ (1)، وَكِرَامٌ وَلِئَامٌ (2)، وَسِمَانٌ وَمَهَازِيْلُ (3)، أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِقَدْرِ قِيْمَةِ الْمَالَيْنِ (4). وَإِنِ اخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ فِيْ نِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ حَوْلاً كَامِلاً، وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَفَحْلُهُمْ، وَمَبِيْتُهُمْ وَمِحْلَبُهُمْ، وَمَشْرَبُهُمْ وَاحِدًا، فَحُكْمُ زَكَاتِهِمْ حُكْمُ زَكَاةِ الْوَاحِدِ (5). (1)
قوله (وَمَعْزٌ وَضَأْنٌ)
وهذا بالإجماع أيضًا فيضم كلاً منهما إلى الآخر في نصاب الزكاة.
(2)
قوله (وَكِرَامٌ وَلِئَامٌ)
الكرام هي النفيسة المحبوبة عند أهلها، واللئام ضد الكريمة وهي الرديئة من البهائم.
(3)
قوله (وَسِمَانٌ وَمَهَازِيْلُ)
السمان هي ذات اللحم، وضدها المهازيل وهي الهزيلة الضعيفة التي لا لحم لها.
فما الحكم في هذه المذكورات كلها؟ قال المؤلف:
(4)
قوله (أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِقَدْرِ قِيْمَةِ الْمَالَيْنِ)
كما سبق في المسألة الماضية أي التي قبل هذه.
(5)
قوله (وَإِنِ اخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ فِيْ نِصَابٍ مِنَ السَّائِمَةِ حَوْلاً كَامِلاً، وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَفَحْلُهُمْ، وَمَبِيْتُهُمْ وَمِحْلَبُهُمْ، وَمَشْرَبُهُمْ وَاحِدًا، فَحُكْمُ زَكَاتِهِمْ حُكْمُ زَكَاةِ الْوَاحِدِ)
بين المؤلف حكم المختلطة في بهيمة الأنعام، وما ذكره المؤلف هنا خلطة أوصاف، إذ الخلطة منها ما هي خلطة أعيان، ومنها ما هي خلطة أوصاف.
فخلطة الأعيان هي أن يكون المال مشتركًا بين رجلين في الملك، مثل أن يكون رجل توفي وترك ثمانين شاة مشتركة بين الاثنين شركة أعيان، فيكون لكل واحد منهما النصف وهي أربعون شاة لأحدهما وللآخر مثلها، وكذلك تكون بالشراء.
الجزء: 2 - الصفحة: 32
وَإِذَا أُخْرِجَ الْفَرْضُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمْ، رَجَعَ عَلَى خُلَطَائِهِ بِحِصَصِهِمْ مِنْهُ (1)،
=وخلطة الأوصاف هي التي ذكرها المؤلف هنا، ولها ضوابط:
الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة.
الثاني: أن يختلطا في نصاب أو أكثر.
الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة، أما غيرها فلا تؤثر لأن النص اختص بها.
الرابع: أن تكون الخلطة في أشياء وهي:
أ - أن يكون الفحل واحدًا
بـ - أن يكون المرعى لها جميعًا
جـ - أن يكون المبيت لها جميعًا
د - أن يكون مشربهم واحدًا
هـ - أن يكون محلبهم واحدًا.
الخامس: أن يختلطا في جميع الحول لا بعضه.
السادس: أن يختلطا للمصلحة ويتفرقا لأجلها.
فمتى كانت الخلطة بهذه الضوابط فهي خلطة أوصاف تجعل المالين كالمال الواحد، ودليل ما ذكرناه حديث أنس رضي الله عنه المتقدم في كتاب أبي بكر رضي الله عنه في الصدقات وفيه: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيْطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ).
(1)
قوله «وَإِذَا أُخْرِجَ الْفَرْضُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمْ، رَجَعَ عَلَى خُلَطَائِهِ بِحِصَصِهِمْ مِنْهُ)
وذلك كأن يكون لأحد الخليطين عشر شياه وللآخر ثلاثون وأخذ المصدق الواجب وهو شاة واحدة، فهنا على صاحب العشر الربع وعلى=
الجزء: 2 - الصفحة: 33
وَلا تُؤَثِّرُ الْخِلْطَةُ فِيْ غَيْرِ السَّائِمَةِ (1) =صاحب الثلاثين ثلاثة أرباع.
(1)
قوله (وَلا تُؤَثِّرُ الْخِلْطَةُ فِيْ غَيْرِ السَّائِمَةِ)
فلا تؤثر في عروض التجارة، ولا في الخارج من الأرض، ولا في النقدين، فلا تأثير في الخلطة إلا في بهيمة الأنعام؛ لأن النص إنما ورد فيها فلا يحمل على غير الماشية.
الجزء: 2 - الصفحة: 34
بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ
(1). وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ (2)، الشرح:
(1)
قوله (بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ)
ويسميه أيضًا بعض الفقهاء: باب زكاة الحبوب والثمار، ولكن ما ذكره المؤلف هنا أشمل؛ لأن ما يخرج من الأرض قد يكون حبوبًا وثمارًا، وقد يكون معدنًا وغيره.
(2)
قوله (وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ)
أي تجب الزكاة في الحبوب والثمار لكن بشرط أن تكون مما يكال ويدخر، فإذا كانت هذه الحبوب مما لا يكال ولا يدخر فلا زكاة فيها ولو كان مما يؤكل كالفواكه والخضروات.
وقد اختلف الفقهاء في الضوابط التي يضبط فيها الخارج من الأرض لكي تجب الزكاة فيه، فالمشهور من المذهب 52 ما ذكره المؤلف، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد 53 أن الزكاة لا تجب إلا في المنصوص عليه وهي أربعة: الحنطة والتمر والشعير والزبيب.
وذهب الحنفية 54 إلى أن الزكاة تجب في كل ما يقصد بزراعته استنماء الأرض من الثمار والحبوب والخضروات وغيرها مما يقصد به استغلال الأرض، فالعبرة عندهم هي استغلال الأرض، والمدار عندهم على القصد.
الجزء: 2 - الصفحة: 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقال المالكية (1)، والشافعية (2): لا تجب الزكاة في الحبوب إلا إذا كانت قوتًا وتدخر عادة، فلا يشترط كونها تكال أو لا تكال، وهذا هو قول شيخ الإسلام (3) رحمه الله.
والراجح من هذه الأقوال هو المذهب، وهو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (4)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (5) - رحمهما الله -.
لكن هل يشترط كون المكيل والمدخر قوتًا؟
المذهب (6) على أنه لا يشترط كونه قوتًا وهو اختيار شيخنا (7) رحمه الله، والمالكية (8)، والشافعية (9) يشترطون كونه قوتًا وهو الصحيح، وعلى ذلك نقول: ما تجب فيه الزكاة من الزروع والثمار أن يكون قوتًا مكيلاً مدخرًا.
تنبيهات
:
أولاً: العبرة فيما يكال ويدخر
ما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن استبدلنا الوزن مكان الكيل كما هو معروف عندنا الآن في التمر والزبيب وغيره فلا عبرة بالاختلاف فيه.
ثانيًا: العنب الذي لا يصير زبيبًا اختلف فيه الفقهاء: فقال بعضهم لا تجب=555657585960616263
الجزء: 2 - الصفحة: 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فيه الزكاة؛ لأنه لا يصير زبيبًا مهما يبسته.
والصواب أن فيه الزكاة وإن لم يزبب كما لو كان تمرًا لا يؤكل إلا رطبًا.
ثالثًا: التين لا تجب فيه الزكاة على المذهب
(1)؛ لأنه لا يدخر غالبًا.
رابعًا: لا عبرة بوسائل الادخار الصناعي
الحالية مما يضاف إلى بعض الثمار، أو بواسطة آلات التبريد الحديثة، فهذه لا يتحقق بها شرط الادخار، بل لابد أن يكون الادخار مما جرت به العادة عند الناس مما يدخرون به.
خامسًا: هل في الزيتون زكاة؟
اختلف الفقهاء في ذلك: فالجمهور 65 على أن فيه الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 66، قالوا فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ بعد أن ذكر الزيتون، ولأنه يمكن ادخار غلته كالتمر والزبيب.
وفي رواية عند الشافعي 67 ورواية أخرى عند أحمد 68 أنه لا تجب فيه الزكاة، والاستدلال بالآية فيه نظر؛ لأن الآية ذكرت أيضًا الرمان، فتجب تسويته أيضًا بالزيتون، وهذا لا يقول به من قال بوجوبها في الزيتون.
والصحيح أنه ليس فيه زكاة في أصح قولي الفقهاء؛ لأنه من الخضروات والفواكه، وليس مدخرًا، وليس قوتًا، وهذا ما رجحه سماحة شيخنا ابن باز 69 رحمه الله.64
الجزء: 2 - الصفحة: 37
إِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ (1)، وَبَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ فِيْ حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ).
وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ بِالدِّمَشْقِيِّ وَأُوْقِيَّةُ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوْقِيَّةٍ.
فَجَمِيْعُ النِّصَابِ: مَا قَارَبَ ثَلاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ رِطْلاً وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ (2).
(1)
قوله (إِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ)
لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وضمير الهاء في «أَرْضِهِ) عائد إلى المالك والمستأجر لها قبل بدو الصلاح أو اشتداد الحب، فإن ملكها بعد اشتداد الحب وبدو الصلاح فلا زكاة عليه، بل الزكاة على المالك الأول أي من كان مالكًا لها قبل بدو الصلاح واشتداد الحبّ.
(2)
قوله (وَبَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ فِيْ حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) 70. وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ بِالدِّمَشْقِيِّ وَأُوْقِيَّةُ وَخَمْسَةُ أَسْبَ
اعِ أُوْقِيَّةٍ.
فَجَمِيْعُ النِّصَابِ: مَا قَارَبَ ثَلاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ رِطْلاً وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ) الوسق ستون صاعًا بالإجماع، والصاع أربعة أمداد وهو يساوي بالكيلو جرام كيلوين وربع (25 و 2) على الصحيح عندي، ومنهم من يرى أن الصاع ثلاثة كيلو جرامات، وقد قمت بضبط ذلك بنفسي بالبر الجيد فتبين لي أنه كيلوان وربع.
فإذا أردنا أن نعرف النصاب نضرب خمسة أوسق في ستين صاعًا يساوي ثلاثمائة صاع (5 رحمه الله 60 (300)، ثم نضرب ثلاثمائة صاع بكيلوين وربع يساوى ستمائة وخمسة وسبعين كيلو جرام (300 رحمه الله 25 و 2= 675 كيلو جرام) وهذا هو نصاب الحبوب والثمار على الراجح عندي.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيْمَا سُقِيَ مِنَ السَّمَاءِ وَالسُّيُوْحِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيْمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِيْ وَالنَّوَاضِحِ (1)، وَإِذَا بَدَا الصَّلاحُ فِيْ الثَّمَرِ، وَاشْتَدَّ الْحَبُّ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ (2)، (1)
قوله (وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيْمَا سُقِيَ مِنَ السَّمَاءِ وَالسُّيُوْحِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيْمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِيْ وَالنَّوَاضِحِ).
دليل ذلك ما جاء عن ابن عباس مرفوعًا: «فِيْمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُوْنُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) (1). والسيوح هو الماء الخارج على وجه الأرض، والدوالي هي الدولاب الذي يديره البقر ويسمى بالساقية، والنواضح جمع ناضح وهي البعير والناقة التي يسقى عليها، ومثلها ما يسقى به الآن من المكائن ونحوها من الآلات الحديثة.
(2)
قوله (وَإِذَا بَدَا الصَّلاحُ فِيْ الثَّمَرِ، وَاشْتَدَّ الْحَبُّ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ)
هذا هو وقت وجوب الزكاة، ففي التمر إذا بدا صلاحه، وفي الحب إذا اشتد، ولكن كيف نعرف بدو الصلاح واشتداد الحبّ؟ المذهب 72: يكون بدو الصلاح في الثمار بأن يحمر أو يصفر في النخيل، وفي العنب بأن يكون ليِّنًا حُلوًا، أما في الحب فيكون اشتداده بأن يقوى ويصبح شديدًا لا ينضغط بضغطه.
وقال المالكية 73، والشافعية 74 بأنها تجب بإفراك الحب وطيب الثمر والأمن عليه من الفساد.
والمراد بإفراك الحب عندهم يبوسته واستغناؤه عن السقي وإن بقي في الأرض لتمام طيبه.71
الجزء: 2 - الصفحة: 39
وَلا يُخْرَجُ الْحَبُّ إِلاَّ مُصَفًّى، وَلا الثَّمَرُ إِلاَّ يَابِسًا (1). وَلا زَكَاةَ فِيْمَا يَكْسِبُهُ مِنْ مُبَاحِ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ، وَلا فِيْ اللَّقَاطِ، وَلا مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِحَصَادِهِ (2)، =والأصح عندي هو المذهب؛ لأن بدو الصلاح واشتداد الحب بهما يحصل الاقتيات ويقصد الأكل فأشبه اليابس، وقد جاء من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت وهي تذكر شأن خيبر: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُوْدَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِيْنَ يَطِيْبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ) (1).
(1)
قوله (وَلا يُخْرَجُ الْحَبُّ إِلاَّ مُصَفًّى، وَلا الثَّمَرُ إِلاَّ يَابِسًا)
دليل ذلك ما رواه أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن المسيب: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيْدٍ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيْبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) (2)، قال ابن حجر: «قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلاً لكنه اعتضد بقول الفقهاء والأئمة) (3). (2)
قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْمَا يَكْسِبُهُ مِنْ مُبَاحِ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ، وَلا فِيْ اللَّقَاطِ، وَلا مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِحَصَادِهِ)
نص على ذلك الإمام أحمد وقال: هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة.
قلت: وعدم وجوب الزكاة راجع لأنه حين وجوب الزكاة لم يكن في ملكه.
وقوله (وَلا فِيْ اللَّقَاطِ) هو الذي يتتبع المزارع فيلتقط المتساقط من الزرع بعد الحصاد.757677
الجزء: 2 - الصفحة: 40
وَلا يُضَمُّ صِنْفٌ مِنَ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ إِلَى غَيْرِهِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ (1)، فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، مُخْتَلِفَ الأَنْوَاعِ، كَالتُّمُوْرِ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ (2)، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ زَكَاتَهُ (3)، وَإِنْ أَخْرَجَ جَيِّدًا عَنِ الرَّدِيْءِ، جَازَ، وَلَهُ أَجْرُهُ (4). النَّوْعُ الثَّانِيْ (5): (1)
قوله (وَلا يُضَمُّ صِنْفٌ مِنَ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ إِلَى غَيْرِهِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ)
فإن كان عنده مزرعة نصفها بر والنصف الآخر شعير، وكل واحد منهما لا يكمل النصاب لكن إن اجتمعا كمل النصاب فهنا لا يضم هذا إلى هذا؛ لأن الجنس يختلف، فكما لا يضم البقر إلى الإبل أو الغنم لاختلاف الأجناس فكذلك هنا لا يضم هذا إلى هذا.
(2)
قوله (فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، مُخْتَلِفَ الأَنْوَاعِ، كَالتُّمُوْرِ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ)
مثل أن يكون عنده تمر برحي وسكري وغيرها فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فالأنواع يضم بعضها إلى بعض دون الأجناس، و
دليل ذلك
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج الزكاة في التمر مطلقًا، ومعلوم أن التمر يشمل أنواعًا كثيرة، ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بتمييز نوع عن آخر، لكن كيف نزكيه هنا؟ (3) قال المؤلف (وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ زَكَاتَهُ) فيخرج عن التمر السكري سكريًا، والبرحي برحيًا، وهكذا في جميع الأجناس سواء كان في التمر أو البر وغيره.
(4)
قوله (وَإِنْ أَخْرَجَ جَيِّدًا عَنِ الرَّدِيْءِ، جَازَ، وَلَهُ أَجْرُهُ)
لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (1). (5)
قوله (النَّوْعُ الثَّانِيْ)
أي النوع الثاني مما تجب فيه الزكاة من الخارج من الأرض، دليله قوله تعالى: {أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ=78
الجزء: 2 - الصفحة: 41
الْمَعْدِنُ (1)، فَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (2)، أَوْ مَا قِيْمَتُهُ ذلِكَ مِنَ الْجَوَاهِرِ، أَوِ الْكُحْلِ أَوِ الصُّفْرِ، أَوِ الْحَدِيْدِ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ (3)، وَلا يُخْرَجُ إِلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ (4)، =مِنْ الأَرْضِ} (1).
(1)
قوله (الْمَعْدِنُ)
ذكرنا فيما سبق أن الخارج من الأرض منه ما يكون نباتًا، ومنه ما يكون معدنًا، والمعدن كالذهب والفضة والحديد والنحاس، وكذا النفط والقار والفحم وغيرها، هذا كله قد يكون مخلوقًا في الأرض بفعل الله تعالى كالنفط والقار والفحم وغير ذلك مما ذكرنا، وقد يكون مما وضعه فيها الآدميون كالكنوز التي يضعها أهلها في الأرض ثم يبيدون وتبقى فيها.
(2)
قوله (فَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ)
نصاب الذهب كما سيأتي سبعون جرامًا من الذهب الخالص، ونصاب الفضة مائتا درهم وهي تعادل بالجرامات أربعمائة وستين جرامًا، فإن بلغ الخارج من الأرض من المعدن الذي تجب فيه الزكاة قيمة نصاب الذهب أو الفضة ففيه الزكاة وهي ربع العشر.
(3)
قوله (أَوْ مَا قِيْمَتُهُ ذلِكَ مِنَ الْجَوَاهِرِ، أَوِ الْكُحْلِ أَوِ الصُّفْرِ، أَوِ الْحَدِيْدِ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ)
«أو) للتنويع، أي إن كان الخارج من الأرض غير الذهب والفضة بل كانت قيمته فيه نصاب الذهب أو الفضة كأن يكون جوهرًا أو كحلاً أو نحاسًا وهي كما ذكرنا ربع العشر.
(4)
قوله (وَلا يُخْرَجُ إِلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ)
لا يخرج زكاة الخارج من باطن الأرض إلا بعد سبكه أي إذابته وتصفيته من الشوائب التي علقت به، وذلك=79
الجزء: 2 - الصفحة: 42
وَلا شَيْءَ فِيْ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَالْعَنْبَرِ وَالسَّمَكِ (1)، وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (2). وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (3)، =قياسًا على الحب والثمرة لأنه أوان الكمال.
(1)
قوله (وَلا شَيْءَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَالْعَنْبَرِ وَالسَّمَكِ *) هذه المذكورات لا شيء فيها لأنها كانت موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أنه أمر أهلها بإخراج زكاتها، وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: «ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره (وفي رواية: ألقاه) البحر) (1). ويقاس على العنبر اللؤلؤ والمرجان، لكن إن كانت هذه الأشياء عروض تجارة يتاجر فيها مالكها فإنها تُقوَّم ويخرج عنها زكاتها كما سيأتي إن شاء الله.
(2)
قوله (وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)
لأنه لم ينقل لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة وجوب الزكاة فيه.
(3)
قوله (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)
الركاز هو دفن الجاهلية من الذهب والفضة سواء كان مضروبًا أو غيره باتفاق الفقهاء، لكن اختلفوا في غير النقدين - الذهب والفضة - هل يدخل في الركاز؟ الجمهور 81 يرون أن الركاز يشمل كل ما كان مالاً مدفونًا على اختلاف أنواعه كالحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك من المعادن.
وذهب الشافعية 82 إلى أن الركاز يطلق على ما وجد من الذهب والفضة فقط
دون غيرهما من المعادن، وعللوا لذلك بقولهم: إن الركاز مال مستفاد من=80 * في بعض النسخ: المسك.
الجزء: 2 - الصفحة: 43
أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ (1)، قَلَّ أَوْ كَثُرَ (2)،
=الأرض فاختص بما تجب فيه الزكاة قدرًا ونوعًا.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن اسم الركاز يتناول كل ما دفن في الجاهلية سواء كان ذهبًا أو فضة أو غيرهما.
وقوله (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) أي يجب فيه الخمس لقوله صلى الله عليه وسلم: ( .. وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) (1).
تنبيهان
:
أولاً: كل ما تقوم الدولة بإخراجه من الأرض من نفط ومشتقاته أو حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة وغيرها ليس فيها زكاة: لأنها تدخل في مال المسلمين.
ثانيًا: إذا كان ما وجد فيه علامة تدل على صيرورته للمسلم كأن تكون عليه علامة المسلمين بأسماء ملوكهم أو أنبيائهم، أو آية من القرآن ونحو ذلك فهذا ليس بركاز بل هو لقطة تجري عليها أحكامها كما سيأتي - إن شاء الله - في باب اللقطة.
(1)
قوله (أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ)
سواء كان من الحديد أو الرصاص أو الذهب أو الفضة وغيرها - كما مر بنا آنفًا - ففيها الخمس.
(2)
قوله (قَلَّ أَوْ كَثُرَ)
أي ليس له نصاب، بل قليله وكثيره فيه الخمس، وهذا هو قول جمهور الفقهاء 84، وذهب الشافعية 85 في الجديد عندهم أنه يشترط له النصاب بناء على أن الخمس المأخوذ منه الركاز زكاة.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور.83
الجزء: 2 - الصفحة: 44
لأَهْلِ الْفَيْءِ (1)، وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ (2) (1)
قوله (لأَهْلِ الْفَيْءِ)
الفيء ما أخذ من أموال الكفار بغير قتال، وقد اختلف الفقهاء في الخمس الواجب في الركاز: هل هو زكاة أم فيء؟
ذهب جمهور الفقهاء (1) إلى أن خمس الركاز يصرف مصارف الغنيمة وليس مصارف الزكاة، وهذا هو ما رجحه شيخنا (2) رحمه الله.
وفي رواية عن الإمام أحمد (3) وهو المذهب عند الشافعية (4) أن مصرف خمس الزكاة مصرف الزكاة.
والصحيح هو قول الجمهور أي أنه يصرف مصرف الفيء، والدليل على ذلك أنه مال كفار فحكمه حكم أموالهم الأخرى المشابهة له وهو الفيء، ولأنه أيضًا إن جعلناه زكاة فقد خالف المعهود في باب الزكاة.
ومصرف الفيء هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (5).
(2)
قوله (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ)
أي ما بقي من الركاز بعد الخمس وهو أربعة أخماس تكون لواجده.8687888990
الجزء: 2 - الصفحة: 45
بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ
(1). وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ (2)، وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (3)، الشرح:
(1)
قوله (بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ)
ويسميه بعض الفقهاء زكاة النقدين، والأثمان هي ما يجعل ثمناً للأشياء وهي الذهب والفضة وما ناب عنهما من الريالات والدولارات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (1)، وقوله صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّيْ مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيْدَتْ لَهُ فِيْ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيْلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (2). (2)
قوله (وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ)
وهكذا ما يقوم مقامهما من الأثمان الأخرى - كما ذكرنا ذلك آنفًا - كالأوراق النقدية من الريالات والدولارات والجنيهات والدنانير وغيرها.
(3)
قوله (وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ)
هذا بإجماع أهل العلم، دليل ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ) 93، والرقة هي الفضة أو الدراهم المضروبة منها، وقال أيضًا: «وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ) 94.9192
الجزء: 2 - الصفحة: 46
فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (1)، وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً (2)،
=والدراهم هذه في السابق، أما معرفة كم تساوي من الجرامات في العصر الحاضر فقد بحثت هذه المسألة وتبين لي أن مائتي درهم تساوي أربعمائة وستين جرامًا من الفضة.
أما كيفية إخراجه فهو كالتالي:
زنة الدرهم (إحدى وخمسون حبة شعير مقطوعة الطرفين) (2.3 جرام، وعلى ذلك يكون نصاب الفضة بالجرامات:
(3 و 2 رحمه الله 200 درهم) (460 جرامًا.
والواجب فيها خمسة دراهم من مائتي درهم أي ربع العشر وهي تساوي أحد عشر جرامًا ونصف الجرام (11.5 جرامًا).
(1)
قوله (فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)
أي ربع العشر وهي تساوي أحد عشر جرامًا ونصف الجرام كما ذكرنا.
(2)
قوله (وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً)
أي لا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً، وهل المثقال والدينار واحد؟ نقول: نقل النووي 95 الاتفاق على ذلك.
إذًا كيف نحسب نصاب الذهب؟ نقول: وزن الدينار (اثنتان وسبعون حبة شعير مقطوعة الطرفين) وهي تساوي (ثلاثة جرامات ونصف الجرام)، فنضرب زنة الدينار من الجرامات في عشرين (3.5 رحمه الله 20 (70 جرامًا).
فيكون هذا هو نصاب الذهب يعني سبعين جرامًا، والواجب فيه ربع العشر وهو (1.75) جرام، هذا في الذهب الخالص.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ (1)،
=وذهب شيخنا محمد بن صالح العثيمين (1) رحمه الله إلى أن نصاب الذهب خمسة وثمانون جرامًا (85 جرامًا)، ونصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا (595 جرامًا).
ويرى سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (2) رحمه الله أن نصاب الذهب اثنان وتسعون جرامًا (92 جرامًا).
وبهذا يظهر أنني رجحت الأقل وذلك لأمور منها:
أولاً: أنني قمت بنفسي - ولله الحمد - بوزن حبات الشعير المحددة مفردة ومجموعة في أكثر من مناسبة وفي أكثر من ميزان من موازين الصاغة وظهرت لي هذه التقديرات المذكورة في كل مرة قمت بها.
ثانيًا: أنني رجحت الأقل احتياطًا وأبرأ لذمة المسلم وأحفظ لحقوق الفقراء.
(1)
قوله (فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ)
أي إذا بلغ نصاب الذهب سبعين جرامًا فيجب فيها نصف المثقال وهو بالجرامات (1.75) جرام، هذا في الذهب الخالص.
أما العملات المتداولة الآن فكيف يخرج المسلم نصابها؟
نقول: النصاب بالعملات المتداولة الآن مثل الريالات والدولارات وغيرها: من كان عنده من هذه العملات ما يساوي سبعين جرامًا (70 جرامًا) من الذهب أو أربعمائة وستين جرامًا (460 جرامًا) من الفضة فقد وجبت عليه الزكاة، فيزكي ما عنده بنسبة ربع العشر (2.5%).9697
الجزء: 2 - الصفحة: 48
فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ (1)، فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا (2).
=وطريقة ذلك: إذا حال الحول على ما عند الإنسان من المال ما عليه إلا أن يأتي بائع الذهب ويسأله عن قيمة (سبعين جرامًا من الذهب) أو (أربعمائة وستين جرامًا من الفضة)، فإن أعلمه بها فهل هذا المبلغ الذي ذكر له عنده أولاً، فإن وجد عنده علم أن الزكاة وجبت عليه زكى ما عنده، وإن كان ما عنده أقل مما أخبره به بائع الذهب علم أن ماله لم يبلغ نصابًا وأنه لا زكاة عليه.
وطريقة إخراج ما بلغ النصاب تقوم بقسمة ما عندك على أربعين ويكون الناتج هو الواجب عليك إخراجه.
(1)
قوله (فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ)
أي الذهب والفضة، ويحصل الغش بإضافة بعض المعادن الأخرى إليهما، إما لتقويتها حتى لا تنكسر أو لأمر آخر قد تحتاج إليه.
والذهب الخالص هو ما يسمى في عرف الصاغة اليوم بعيار (24)، أما ما دونه من عيار (21) أو (18) أو (14) فهذه كلها قد خلط بها غيرها من نحاس أو غيره، فهذه كيف تخرج زكاتها؟ أجاب عن ذلك المؤلف:
(2)
قوله (فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا)
وهذا هو قول الشافعية 98 أيضًا، أي لا زكاة فيهما حتى يبلغ خالصه نصابًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ) 99.
الجزء: 2 - الصفحة: 49
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وله أيضًا أن يخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله على خالص بقدر الواجب مع مراعاة درجة الجودة.
أما الحنفية 100 فعملوا بالغالب، فقالوا: إن كانت الفضة المضروبة الغالب فيها الفضة فتجب فيها الزكاة كأنه كله فضة، والغلبة عندهم بزيادة الفضة عن النصف ولم يلتفتوا إلى المغشوش فيها، وقالوا بأن الدراهم لا تخلو من قليل الغش لأنها لا تنطبع إلا به، أما إذا كان الغالب فيها المغشوش فلا تجب فيها الزكاة عندهم إلا أن ينويها للتجارة فتخرج كعروض التجارة.
أما المالكية 101 فوافقوا الشافعية 102، والحنابلة 103 لكن بشرط أن لا يكون المغشوش رائجًا، فإن كانت الدراهم أو الدنانير المغشوشة رائجة كرواج غير المغشوشة فإنها تعامل مثل الكاملة سواء.
والصحيح من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
وعلى ذلك إذا كان الذهب أو الفضة مغشوشة أو مختلطة بغيرها فلا زكاة فيها حتى يبلغ الخالص نصابًا، ويكون إخراج الخالص إما بسبكه فيستبعد المغشوش ويزكى الخالص إن بلغ نصابًا أو يكون بالاستظهار أي بالاحتياط فيخرج زيادة عن الفرض ليبرأ بيقين.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ (1)، خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ (2). وَلا زَكَاةَ فِي الْحُلِّيِّ الْمُبَاحِ، الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ (3). (1)
قوله (فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ)
أي إن شك في الذهب المغشوش والفضة المغشوشة.
(2)
قوله (خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ)
وقد مر ذلك آنفًا.
(3)
قوله (وَلا زَكَاةَ فِي الْحُلِّيِّ الْمُبَاحِ، الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ)
هذه من المسائل التي اختلف فيها السلف قديمًا وحديثًا، وما رجّحه المؤلف من عدم وجوب الزكاة فيه هو قول مالك 104، والشافعي 105 بل قول أكثر أهل العلم من السلف والخلف، وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم 106، والشيخ الشنقيطي 107، والشيخ ابن حميد 108، وهو الراجح عندي.
وذهب أبو حنيفة 109، وأيضًا كثير من السلف والخلف إلى القول بوجوب الزكاة، وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز 110، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين 111، والعلامة الألباني 112 - رحمهم الله - 113.
الجزء: 2 - الصفحة: 51
وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (1). وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الْخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا (2). -
تنبيهان
:
أولاً: إذا خرج الذهب عن المألوف كتفصيل ثوب ذهب ونحوه
ففيه الزكاة، ومن اشتراه لا لأجل الاستعمال وإنما ينتظر غلاء القيمة ففيه الزكاة.
ثانيًا: إذا لم تستعمل المرأة ذهب الحلي خلال العام فتجب فيه الزكاة؛
لأنه يصير بهذه الحالة مكنوزًا، أما إذا استعملته خلال العام ولو مرة واحدة فلا تجب فيه الزكاة.
(1)
قوله (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)
ولو كثر ما دام أنه عادة، ويباح لهن أيضًا الذهب المحلق بخلاف من ذهب إلى حرمة لبسه للنساء لعموم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (1) حيث ذكر الله سبحانه وتعالى أن الحلية من صفات النساء وهي عامة في الذهب وغيره، وأيضًا عموم قوله صلى الله عليه وسلمفي الذهب والحرير (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ) (2)، وفي رواية: «حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ) (3). (2)
قوله (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الْخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا)
حلية السيف أي المقبض.
والمنطقة هي ما يشد به الرجل الوسط=114115116
الجزء: 2 - الصفحة: 52
فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ (1).
= (ليقوي على العمل.
دليل ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ ... ) (1)، فيجوز لبس الرجال للفضة إذا لم يكن في ذلك تشبه بالنساء ولا الكفار.
(1)
قوله (فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ)
أما الحلي والفضة التي أعدها صاحبها لتأجيرها والاتجار بها أو لكنزها فتجب فيها الزكاة.
وكذا المحرم الذي صنع على هيئة محرمة كأن يكون صنع على هيئة إنسان أو حيوان أو طائر ونحوه، أو استعمل في حرام كأن يلبس الرجل ما صنع من ذهب كخاتم مثلا، وكذا الفضة الكثيرة وما فيه نوع تشبه بالكفار، فكل هذا تجب فيه الزكاة، والقاعدة في ذلك: كل ما حرم استعماله من الذهب أو الفضة وجب إخراج زكاته؛ لأنه صار مكنوزًا والأصل وجوب الزكاة في المكنوز.117
الجزء: 2 - الصفحة: 53
بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ الشرح:
(1) قوله
(بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ)
الدَّين هو ما ثبت في الذمة كقرض أو مبيع أو أجرة ونحو ذلك لكنه مملوك للدائن.
اختلف الفقهاء في حكم زكاته، وذلك نظرًا لأنه مع كونه ملك للدائن إلا أنه ليس تحت يد صاحبه، فجمهور الفقهاء على أن الدين لا يسقط وجوب الزكاة.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ألف ريال وعليه مائة ألف، فالصواب أنه يجب عليه إخراج الزكاة وأن الدين لا يؤثر على الزكاة، فإن كان الدين حالاً نقول: سدده ولا يكون عندك نصاب، وإن كان مؤجلاً فزكِّ ولا أثر له في الزكاة.
أما الدائن فلا يخلو دينه من أمرين:
الأول: دين حال مرجو الأداء.
الثاني: دين حال غير مرجو الأداء.
ولبيان حكمهما نقول:
أما الدين الحال المرجو أداؤه فهو ما كان مرجو الأداء: كمن كان على مقرٍ به باذلٍ له، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.
وقد اختلف الفقهاء في زكاة هذا النوع من الدين: فالحنفية 118، والحنابلة 119 على أنه لا تجب عليه الزكاة ما لم يقبضه فإذا قبضه زكاه لكل=
الجزء: 2 - الصفحة: 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=ما مضى من السنين.
وعللوا لعدم وجوب الزكاة قبل قبضه بأنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأنه لا ينتفع به في الحال وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
أما وجوبها فيما مضى من السنوات فعللوا لذلك بأن صاحبه قادر على أخذه والانتفاع به فوجبت فيه الزكاة لما مضى.
والقول الثاني في هذا النوع من الدين قول الشافعية 120 أن الزكاة تجب فيه نهاية كل حول؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، فهو مال في حكم الموجود عند مالكه.
وهذا هو الراجح.
والقول الأول هو رأي شيخنا 121 رحمه الله، أي أنها تجب زكاته عن كل سنة إذا قبضه قالوا وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، وهذا أفضل وأسرع في إبراء الذمة.
النوع الثاني من الدين هو ما كان غير مرجو الأداء، كأن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل، وقد اختلف الفقهاء في حكم زكاته: فالحنفية 122، ورواية عن أحمد 123، واختارها ابن سعدي 124 رحمه الله أنه لا تجب فيه الزكاة لعدم تمام الملك، ولأنه غير مقدور على الانتفاع به بل يستقبل به حولاً جديدًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 55
وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ (1)، أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالْمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى (2). وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ عَلَى جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالْمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ (3). =القول الثاني: أنه تجب فيه الزكاة إذا قبض لما مضى من السنين كالدين المرجو أداؤه، وهذا رواية عن الإمام أحمد (1). القول الثالث: أنه يزكيه لعام واحد إذا قبضه إن كان مما تجب فيه الزكاة، وهو قول المالكية (2)، واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (3)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (4) - رحمهما الله -، وهذا هو الراجح.
(1)
قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ)
أي غنى.
(2)
قوله (أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالْمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى)
هذا قول جمهور الفقهاء.
لكن اختلفوا - كما ذكرنا - هل يؤديه عند قبضه أم في نهاية كل حول له؟ والصواب إن أدى زكاته مع زكاة ماله فهذا أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء الذمة، وإن أخّره لحين قبضة زكّاه لما مضى، وهذه رخصة لا بأس بها عند بعض أهل العلم.
(3)
قوله (وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ عَلَى جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالْمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ)
وهذه=125126127128
الجزء: 2 - الصفحة: 56
وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ (1)، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ (2).
=رواية في المذهب (1)، وهو قول الحنفية (2) - كما ذكرنا - واختار هذا القول ابن سعدي (3) رحمه الله.
والصواب: أنه متى قبضه زكَّاه مرة واحدة كما ذكرنا ذلك آنفاً، وهذه رواية في المذهب، ومذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمهما الله -.
(1)
قوله (وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ)
أي إذا كانت المرأة لها صداق عند زوجها وزوجها مليء أي قادر على إعطائها صداقها وغير مماطل فهنا تزكيه عن كل سنة إذا قبضته، أما إذا كان زوجها معسرًا أو مماطلاً ففيه الخلاف المذكور آنفًا، وأصح الأقوال وجوب الزكاة فيه عن عام واحد إذا قبضته.
(2)
قوله (وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ)
ذكرنا طرفًا من هذه المسألة في أول أحكام الدين وقلنا هذا محل خلاف بين الفقهاء:
القول الأول
: أن الدَّين الذي يستغرق النصاب أو ينقصه يمنع وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة إنما شرعت للمواساة، ومن عليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه لا يوصف بالغني بل هو أهل لدفع الزكاة إليه، وهذا قول مالك 132، وهي=129130131
الجزء: 2 - الصفحة: 57
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (1)، واختارها ابن سعدي رحمه الله، هذا في الأموال الباطنة.
أما الأموال الظاهرة كالمواشي والثمار وغيرها فتجب فيها الزكاة؛ لأن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه - رضي الله عنهم - أنهم حينما كانوا يرسلون السعاة لأخذ الزكاة منها لا يؤثر عنهم أنهم كانوا يستفسرون عن أهلها، هل عليهم ديون أم لا؟ والحكم هنا يختلف عن الأموال الباطنة كالنقدين وعروض التجارة.
القول الثاني
: أن الأموال الظاهرة والباطنة لا تجب فيها الزكاة إذا كان على صاحبها ديون تستغرقها أو تنقص نصابها.
القول الثالث
: أن الزكاة تجب في الجميع - أي الأموال الظاهرة والباطنة - إذا كان على صاحبها دين؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها دليل على مراعاة الدين فوجب التعميم.
وهذا ما رجحه الشيخان 134 - رحمهما الله - وهو الراجح.133
الجزء: 2 - الصفحة: 58
بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ
(1). الشرح:
(1)
قوله (بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ)
وهي كل ما أُعِدَّ للتجارة من أي نوع ومن أي صنف كان، وهي أشمل الأموال التي تجب فيها الزكاة، إذ أنه يدخل فيها العقارات والأقمشة والأواني وجميع أنواع الحيوانات كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما أعد للاتجار به.
أما عن حكم الزكاة في عروض التجارة فالجمهور 135 على وجوب الزكاة فيها، وهو قول شيخ الإسلام 136، وتلميذه ابن القيم 137، والشيخين 138 - رحمهم الله -، وبه أفتت اللجنة الدائمة 139.
قلت: وقال داود الظاهري 140، وهو قول الألباني 141 أن عروض التجارة لا تجب فيها الزكاة وإنما الزكاة تجب من قيمته إذا بيع، وهذا أيضًا قول لبعض السلف 142.
لكن القول الأول هو الراجح لعموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ=
الجزء: 2 - الصفحة: 59
وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ (1)، =صَدَقَةً} (1) وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (2).
- تنبيه: شروط الزكاة في عروض التجارة:
أ - أن تكون هذه العروض مملوكة للشخص ملكًا تامًا.
بـ - أن ينوي بها التجارة كما سيذكره المؤلف.
جـ - أن تبلغ قيمتها أقل النصابين من الذهب والفضة؛ لأنه أحظ للفقراء والمساكين.
د - حولان الحول على هذه العروض.
(1)
قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ)
هذا هو الشرط الأول لوجوب الزكاة في عروض التجارة، أي يشترط عند شرائه أو تملكه لشيء أن ينوي به التجارة، فإن اشتراه لقنية ولم يكن للتجارة ثم بدا له أن يتاجر فيه فهل تجب فيه الزكاة؟
المذهب أنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأن النية المعتبرة لوجوب الزكاة فيه أن تكون مقارنة لدخوله في ملكه، ولأن التجارة عمل فيحتاج إلى النية مع العمل.
والصحيح أنه متى اشتراه للقنية أو لغيرها أو ملكها بغير فعله ثم بدا له أن يتاجر به فهنا تجب فيها الزكاة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) 145، وهذا الرجل نوى التجارة فلزمته الزكاة، أما إذا كان لا ينوي التجارة بها أو تردد في بيعها فلم يجزم بشيء فلا زكاة فيها.143144
الجزء: 2 - الصفحة: 60
وَهِيَ نِصَابٌ (1) حَوْلاً كَامِلاً (2)، ثُمَّ يُقَوِّمُهَا (3)، (1)
قوله (وَهِيَ نِصَابٌ)
أي يشترط في العروض بلوغ النصاب، ونصابها يقَوَّم بقيمة الذهب أو الفضة، فلا زكاة في العروض إذا كانت قيمتها أقل من نصاب الذهب والفضة ما لم يكن عنده ذهب أو فضة يكمل به النصاب، لكن الأفضل أن تقوَّم بأقل النصابين من الذهب والفضة؛ لأنه أحظ للفقراء والمساكين، فإن كان التاجر إذا قوَّمها بأحدهما لا يبلغ نصابًا وبالآخر يبلغ نصابًا تعين عليه التقويم بما يبلغ نصابًا.
(2)
قوله (حَوْلاً كَامِلاً)
أي يشترط لعروض التجارة أن يحول عليها حول كامل، لكن هل المعتبر كل الحول كما في النقدين بمعنى أنها لو نقصت القيمة في أثناء الحول لم تجب الزكاة؟ المذهب يشترط كل الحول فمتى نقصت قيمة العروض في أثناء الحول لم تجب الزكاة.
(3)
قوله (ثُمَّ يُقَوِّمُهَا)
الذي يقوَّم من العروض ما يراد بيعه دون ما لا يعد للبيع، وكذا المعد للاستعمال فإنه ليس فيه زكاة كالرفوف التي توضع عليها السلع لا زكاة فيها، ومواد التنظيف كالصابون ونحوه التي أعدها الصانع ليستهلكها في صناعته لا لبيعها فلا زكاة فيها، وكذا الأدوات التي يستخدمها الحداد والنجار مثل القدوم والمنشار وجميع الأدوات لا زكاة فيها، إنما الزكاة فيما أعد للبيع.
تنبيهات
: أولاً: المواد الخام التي اشتراها صاحب المصنع ليقوم بتصنيعها نص المالكية 146 =
الجزء: 2 - الصفحة: 61
فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (1)،
=على أنها تقوم على الحال التي اشتراها عليها صاحبها أي قبل تصنيعها.
ثانيًا: إذا قوّم سلعة لأجل الزكاة وأخرجها على أساس ذلك فلما باعها زاد ثمنها عن القيمة فلا زكاة في هذه الزيادة لاحتمال ارتفاع الأسعار في السوق.
ثالثًا: السعر الذي تقوم به السلعة
هو سعر البلد الذي فيها المال وليس الذي فيه المالك أو غيره ممن له بالمال علاقة.
رابعًا: هل المعتبر في التقويم بقيمة السلعة يوم الوجوب أم المعتبر القيمة يوم الأداء؟ على خلاف بين الفقهاء: والصحيح أنها تُقوّم بقيمة السلعة عند تمام الحول ولا يحق له أن يؤخرها بزمن يتغير فيه السعر.
خامسًا: إذا كانت هناك سلع لم يدفع التاجر ثمنها هل يقوّمها؟ نقول إذا كانت السلعة حال عليها الحول وأصبحت في ملكه زكاها وإن لم يدفع ثمنها؛ لأن الدَّين - كما قلنا - لا يسقط وجوب الزكاة.
سادسًا: لا يعتبر في تقويم السلعة عند تمام الحول ما اشتريت به وذلك لأن القيمة تختلف ارتفاعًا ونزولاً، بل المعتبر في تقويمها عند حلول الحول.
(1)
قوله (فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ)
اختلف الفقهاء فيما تُقوّم به زكاة عروض التجارة، هل تُقوّم بالذهب أم بالفضة؟ فالمذهب 147، ورواية عند الأحناف 148 أنها تقوّم بالأحظ للفقراء، فإن كان إذا قوَّمها بأحدهما لا يبلغ نصابًا وبالآخر يبلغ نصابًا تعين عليه أن يخرجها بما يبلغ نصابًا، وهذا هو الصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا (1). (1)
قوله (أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا)
أي يكون إخراج زكاة عروض التجارة من قيمة السلع لا من عينها، وهذا هو قول أحمد 149، والشافعي 150 في الجديد، وعليه الفتوى، وهو ظاهر كلام المالكية 151.
وقال أبو حنيفة 152 أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة وبين الإخراج من عينها، فإن كان تاجر ملابس مثلاً أو أحذية أو ما شابه ذلك فله أن يخرج زكاته من الملابس أو الأحذية وغيرها مما يتاجر فيه، وعللوا لذلك بأن السلعة وجبت فيها الزكاة فجاز إخراجها من عينها كسائر الأموال.
والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وهو أنه لا يخرج من عروض التجارة إلا قيمتها؛ لأن ذلك هو الأنفع للفقير فإنه يستطيع أن يشتري بالقيمة ما يسد حاجته، أما عين السلعة فقد لا تنفعه، اللهم إلا إذا كان يعلم جيّدًا أن هذا الفقير يحتاج إلى هذه السلعة بعينها فهنا يجوز للحاجة أو المصلحة الراجحة.
وأيضًا إذا حال الحول والتاجر ليس عنده مال، أي ليس عنده إلا سلع فهنا يخرج من عين السلعة لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ 153، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ 154، ولقوله صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) 155.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ (1). وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ (2)، ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلاً (3). (1)
قوله (وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ)
بغير خلاف عند الفقهاء، فلو كان عنده مائة درهم وعنده عروض قيمتها مائة درهم ضم هذا إلى هذا لتكميل النصاب؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمة العروض وهي تُقوّم بكل من الذهب أو الفضة فتكون مع الضم جنسًا واحدًا.
(2) قوله (ثم وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ) القنية هي ما اتخذه الإنسان لنفسه للانتفاع به لا للتجارة، من طعام أو شراب أو سيارة أو سكن أو حيوان ونحو ذلك، فإذا اشتراها للتجارة ثم بان له أن يجعلها لنفسه فلا زكاة فيها؛ لأن القنية هي الأصل ويكفي في الرد إلى الأصل حصول النية.
(3)
قوله (ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلاً)
أي إذا نوى التجارة بما صار للقنية فإنه يستأنف به حولاً جديدًا يبدأ من تاريخ نية التجارة؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء فلابد من حول جديد لنية التجارة.
وهناك قول آخر: أنه لم يصر للتجارة بمجرد النية.
والصحيح الأول؛ لأن المعتبر هو كون هذا الشيء عرضًا أم لا هو نية مالكه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) 156.
الجزء: 2 - الصفحة: 64
بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ (1). وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (2)، الشرح:
(1)
قوله (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ)
يقال لها زكاة الفطر أو صدقة الفطر، ويقال للمخرَج فِطرة - بكسر الفاء - مأخوذ من الفطرة التي هي الخلقة أي زكاة الخلقة، وهي المقصودة في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (1)، وأضيفت الزكاة هنا إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان، وهي صدقة عن البدن لذلك يسميها بعض الفقهاء زكاة الرؤوس أو الرقاب أو الأبدان.
أما التعريف الاصطلاحي لها فهي: صدقة تجب بالفطر من رمضان قبل صلاة عيد الفطر شكرًا لله تعالى على نعمة التوفيق للصيام والقيام.
والحكمة في مشروعيتها مركبة من أمرين:
الأول: يتعلق بالصائمين في شهر رمضان وما عسى أن يكون قد شاب صيامهم من لغو القول ورفث الكلام وطعمة للمساكين.
الثاني: يتعلق بالمجتمع فيه عنوان على إشاعة المحبة في المجتمع والمسرة في جميع أنحائه وخاصة المساكين وأهل الحاجة فيه.
(1)
قوله (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)
ذكرًا كان أو أنثى، كبيرًا كان أو صغيرًا، حرًّا كان أو عبدًا.
ودليل فرضيتها حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيْرِ وَالْكَبِيْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوْجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ) 158.157
باب زكاة الفطر
على المسلمين من التمر والشعير (1636) وللفظ للبخاري.
الجزء: 2 - الصفحة: 65
مَلَكَ فَضْلاً عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ (1)،
=لكن هل يخرجها عن الجنين؟
الصواب أنه يستحب إخراجها عنه إذا نفخ فيه الروح أي إذا كان الحمل مدته أربعة أشهر فأكثر، وهذه هي المدة التي ينفخ فيها الروح، ودليل إخراجها عنه ما جاء عن عثمان رضي الله عنهأنه أخرج عن الجنين (1).
وقوله «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) هذا هو الشرط الأول لوجوبها، فخرج به غير المسلم.
وجاء عند الشافعية (2) وهو الأصح عندهم أنه يجب على الكافر أن يؤدي عن أقاربه المسلمين.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ أي أنه لا يجب عليه إخراجها لأنها قربة من القرب، وطهرة للصائم من الرفث، واللغو، والكافر ليس من أهلها، إنما يعاقب على تركها في الآخرة.
(1)
قوله (مَلَكَ فَضْلاً عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ)
هذا هو الشرط الثاني، وهو قول الشافعية 161، أي لا يشترط له ملك النصاب، وذهب الحنفية 162 إلى اشتراط ملك النصاب الذي تجب فيه الزكاة من أي مال كان من الذهب أو الفضة أو السوائم من الإبل والبقر والغنم.
والصحيح: القول الأول وهو قول جمهور أهل العلم.159160
الجزء: 2 - الصفحة: 66
لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، صَاعًا (1). وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَِا (2)، =وقوله (عَنْ قُوْتِهِ) أي مأكله ومشربه، وقوله «وَقُوْتِ عِيَالِهِ) أي أولاده الذين تجب عليه نفقتهم.
(1)
قوله (لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، صَاعًا)
أي إذا كان عنده ما يقتات به وأولاده ليلة العيد ويومه فتجب عليه زكاة الفطر، أما إذا كان الذي عنده لا يكفيه لهذه المدة فلا تجب عليه، فإن كان الذي عنده يكفيه لهذه المدة وبقي عنده شيء قليل فالواجب عليه إخراج هذا القليل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (1)، ولقوله صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2). (2)
قوله (وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَِا)
هذا هو القدر الواجب في زكاة الفطر ونوع ما تخرج منه.
فالقدر فيها صاع، وقد سبق تحقيق قدر الصاع بالكيلو جرام، وقررنا أنه يعادل كيلوين وربع كيلو وذكر شيخنا 165 أن الصاع يعادل كيلوين وأربعين جرامًا.
وما رجحنا أن الصاع يعادل كيلوين وربع الكيلو هو الذي توصلت إليه بعد بحث طويل ومناقشة لأهل العلم.
وقد بسطت ذلك في كتابي الزكاة فليراجع.
أما النوع الذي تخرج منه زكاة الفطر فقد ذكره المؤلف وهو صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما.163164
الجزء: 2 - الصفحة: 67
أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ (1)، (1)
قوله (أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ)
فهو مخير في إخراج زكاة الفطر في هذه المذكورات، لكن هنا
تنبيهان
:
أولاً: إذا لم تكن هذه المذكورات (البر والشعير والتمر والأقط والزبيب) قوتًا في بلد ما فهل تجزئ؟ الجواب: لا تجزئ لأن ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، فينبغي على الإنسان حين إخراجه زكاة الفطر أن يراعي قوت البلد الذي هو فيها، ولذا ورد عن الإمام أحمد 166 أن الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتًا.
ثانيًا: اختلف الفقهاء في إخراج القيمة عن زكاة الفطر:
فالمالكية 167، والشافعية 168، والحنابلة 169 يرون أنه لا يجوز إخراج القيمة لعدم ورود النص في ذلك مع أن النقود كانت في عهده صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه جوَّز لأحد من أصحابه إخراجها قيمة، وأيضًا النبي صلى الله عليه وسلم نص على أن إخراجها يكون قوتًا كما في حديث ابن عمر رضي الله عنه المتقدم، وهذه كلها مطعومات فدل ذلك على أن غير المطعومات لا يجوز.
وذهب الحنفية 170 إلى أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر، بل هو أولى ليتيسر للفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد؛ لأنه قد لا يكون محتاجًا للحبوب بل هو محتاج إلى ملابس أو لحم أو غير ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 68
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا (1). =والراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أنه لا يجوز إخراج القيمة، وهذا هو قول الشيخين (1) - رحمهما الله -.
(1)
قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا)
أي إن لم يجد هذه المذكورات - البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو التمر أو الزبيب - أخرج من قوته، أي كل ما يقتات ويطعم من الحب والتمر كالأرز والذرة بدلاً عن البر أو الشعير، أو أخرج أي أنواع الثمار الأخرى بدلاً عن الزبيب.
والصحيح كما قلنا أن كل ما كان قوتًا من حب وثمر ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد وفيه: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيْرُ وَالزَّبِيْبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ) 172.
- تنبيه: هل يجزئ إخراج الخبز في صدقة الفطر؟
الجواب: لا يجزئ إخراجه في المذهب 173؛ لأنه لا يكال ولا يقتات، ومن العلل أيضًا في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته.
ويرى شيخنا 174 رحمه الله أن الصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتًا بأن ييبس وينتفع الناس به فلا بأس بإخراجه، وكذا يرى شيخنا جواز إخراج المكرونة ما دامت قوتًا للناس وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز وبالوزن إذا كانت كبيرة.
كبيرة.171
الجزء: 2 - الصفحة: 69
وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ (1)، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ (2) =ثانياً: يجوز إعطاء زكاة الفطر لفقير واحد سواء كان المعطي واحداً أو جماعة، مثاله: إنسان عنده عشر فطرات فإنه يجوز أن يعطي هذه العشر إلى فقير واحد، وكذلك يجوز أن يعطى إنسان فطرة واحدة لعشرة فقراء.
(1)
قوله (وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ)
أي أن زكاة الفطر يخرجها الإنسان عن نفسه وكل من تجب عليه نفقته من المسلمين، وهذا هو المذهب (1)، وهو قول المالكية (2)، والشافعية (3).
وذهب الحنفية (4) إلى أنه لا يجب عليه أن يخرجها عن غيره، وهو قول شيخنا (5) رحمه الله فتجب على الزوجة بنفسها وعلى الأب بنفسه، وعلى البنت بنفسها، وهكذا.
والصواب: أنه يجب إخراجها عن نفسه وعن من تلزمه مؤونته من زوجة أو أبناء أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم المخاطبون بها أصلاً.
(2)
قوله (إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ)
أي إذا ملك مالاً يؤدي به الزكاة عمن تلزمه مؤونته فالواجب عليه أن يؤديها عنه وهذا محل خلاف كما ذكرنا وبيَّنا الراجح.175176177178179
الجزء: 2 - الصفحة: 70
فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ (1)، وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ (2)، فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ (3). (1)
قوله (فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ)
وهو المملوك بين اثنين وأكثر، فيلزمهم إخراج فطرته حسب نفقته عليهم.
(2)
قوله (وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ)
كالعم أو أبناء العم أو إخوانه عموماً، فهؤلاء قال فيهم المؤلف (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ) فيلزمهم إخراجها عنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) (1).
والصحيح أنه لا يلزم المسلم إخراج صدقة الفطر عن القريب المسلم، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) (2).
والأصل في الفرض أنه يجب على كل إنسان بعينه دون غيره، أما الحديث الذي احتج به فهو ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به.
والفرض الأصل فيه أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره لقوله سبحانه ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (3).
(3)
قوله (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ)
أي توزع عليهم على حسب نفقتهم عليه لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فيبدأ أولاً بنفسه لأنه هو المخاطب بذلك عيناً، ثم زوجته وهي مقدمة على أمه وأبيه، ثم رقيقه، ثم أمه ثم أبيه، =180181182
الجزء: 2 - الصفحة: 71
فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ (1). وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ (2)، وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ (3)، =وهكذا.
(1)
وقوله (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ)
فتكون فطرة العبد على قدر ما فيه من الحرية، وغير الحر يكون على سيده فطرته، وقد ذكر هنا أن العبد إن كان قد جمع بين الحرية والرق فإن السيد يلزمه إخراج نصيبه.
(2)
قوله (وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ)
أي من بعد صلاة الفجر إلى قبيل صلاة العيد وهو الوقت المستحب لإخراجها، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم وفيه: «وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).
(3)
قوله (وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ)
لقوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، ويفهم من كلامه رحمه الله أنه يجوز تأخير صدقة الفطر إلى غروب شمس يوم العيد، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: إخراجها يوم العيد جائز من غير كراهة لقوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، واليوم يكون بطلوع الفجر إلى غروب الشمس - فيجوز إخراجها يوم العيد -. القول الثاني: أنه جائز مع الكراهة على الصحيح، وهذا قول للشافعية 183، ورواية في مذهب أحمد 184 وذلك لأن إخراجها في بقية يوم العيد يفوت المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 72
وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ (1). =القول الثالث: أنه يجوز تأخيرها عن يوم العيد، فمن أداها بعد يوم العيد بدون عذر كان آثماً، وهذا هو قول المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة (3). القول الرابع: لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد واختار هذا القول ابن القيم (4) رحمه الله، وهذا هو الصواب لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ) (5)، وكذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ) (6).
- تنبيه: اتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر لا تسقط بخروج وقتها لأنها وجبت في ذمته لمستحقيها، فهي دين لهم لا يسقط إلا بالأداء، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلا بالاستغفار والندم.
(1)
قوله (وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ)
فقط.
وهذا هو قول المالكية 191 أيضاً، ودليل ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، فإن أخرجها أول الشهر أو قبل العيد بأكثر من ثلاثة أيام لا يصح، لكن هل تجزئه؟ قولان لأهل العلم: =185186187188189190
الجزء: 2 - الصفحة: 73
وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، وَالْجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ (1). =والذي اختاره شيخنا (1) رحمه الله أنه لا يجزيء، فهو كمن صلى قبل الوقت ظاناً أن الوقت قد دخل.
(1)
قوله (وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، وَالْجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ)
فلو كان عند إنسان خمس فطر، فيجوز أن يعطيها لفقير واحد، وكذلك إذا كان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها خمسة فقراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر المعطى ولم يقدر الأخذ.
وقال بعض أهل العلم: بل لو فرق فطرة رجل واحد على جماعة لم يجزئه، والصحيح الأول، لكن إذا أعطى الفطرة لجماعة فيسن ألا ينقص عن مد.192
الجزء: 2 - الصفحة: 74
بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ
(1) لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ * وُجُوْبِهَا (2)، (1)
قوله (بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ)
أي دفعها إلى مستحقيها، والمراد بها زكاة السائمة من بهيمة الأنعام، وزكاة الأثمان، وكذا عروض التجارة، والخارج من الأرض، أما زكاة الفطر فقد سبق بيان كيفية إخراجها.
(2)
قوله (لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ * وُجُوْبِهَا)
فمتى حال الحول وجب المبادرة بإخراجها وذلك لأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، والأمر يقتضي الفور، وأيضاً فإن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت فيكون تأخيرها عنهم منعاً لحقهم في وقته.
وقال الحنفية (1) في أحد القولين عندهم، وعليه عامة مشايخهم: إن افتراض الزكاة عمري أي على التراخي، ففي أي وقت أدى يكون مؤدياً للواجب، ويتعين ذلك الوقت للوجوب.
والصحيح: هو قول جمهور الفقهاء، أي متى حال الحول وجب إخراجها على الفور مع القدرة على ذلك، وعدم الخشية من الضرر.
- تنبيه: هناك حالات يجوز فيها تأخير الزكاة عن وقت وجوبها، وهذه الحالات هي:
الحالة الأولى: إذا كان في تأخير إخراجها مصلحة للفقير
، مثال ذلك: أكثر الناس يخرجون زكاتهم في شهر رمضان رغبة في حصول الأجر، لكن في بعض الأيام الأخرى كأيام الشتاء التي لا توافق رمضان قد يكون الفقراء=193
الجزء: 2 - الصفحة: 75
إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا (1)، فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ الْمَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ (2)، =أشد حاجة، فلو أخرها المزكي إلى هذا الوقت جاز ذلك لأن في ذلك مصلحة لمستحقيها.
الحالة الثانية: أن لا يتمكن من إخراجها عند حلول الحول
، مثال ذلك: أن يكون له مال غائب لا يمكن تحصيله، كأن يكون هذا المال في ذمة موسر، أو ذمة معسر ولا يتمكن من الحصول عليه إلا بعد وقت الوجوب بفترة، فهنا يجوز تأخيرها لعدم تمكنه من الإخراج.
الحالة الثالثة: إذا كان يتضرر بإخراجها في وقتها
، كأن يخشى أن يرجع عليه الساعي مرة أخرى، أو يكون المزكي بين قوم لصوص ويخشى على نفسه وماله وعياله إن أخرجها نظروا إليه فيعلمون أن معه مالاً فيسطون عليه، فهنا يجوز له تأخيرها إلى حين زوال الضرر، ومن صور الضرر أيضاً أن يحول الحول على عروض التجارة وليس عند التاجر سيولة مالية، فهنا ينتظر لحين بيع العروض أو بعضها للحصول على المال.
(1)
قوله (إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا)
كما ذكرنا ذلك آنفاً، أما الجمعيات الخيرية وكذا المراكز الإسلامية التي يجتمع عندها أموال زكوية فيجوز لها أن تجزاء الزكاة على الفقراء، وتوزعها عليهم على فترات بشرط أن لا تزيد هذه المدة عن سنة وهذه هي أقصى مدة يجوز فيها تأخير الزكاة.
(2)
قوله (فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ الْمَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ)
أي إن أخر الزكاة عن وقت الوجوب ثم تلف المال لم تسقط عنه الزكاة في المال التالف لأنها وجبت في ذمته.
والصواب أن يقال في ذلك تفصيل:
الجزء: 2 - الصفحة: 76
وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ (1). وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ (2)،
=إن أخرها ثم تلف المال بسبب تفريطه أو بتعدٍ منه على المال فهنا لا تسقط.
وإن أخرها ثم تلف المال من غير تعد ولا تفريط منه فإنها تسقط عنه، وهذا هو قول المالكية (1)، والشافعية (2).
(1)
قوله (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ)
أي إن تلف المال قبل وقت الوجوب، وهو حلول الحول سقطت عنه الزكاة.
(2)
قوله (وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ)
وهذا هو قول الجمهور 196، أي يجوز تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب، وقال المالكية 197: لا يجوز تعجيل الزكاة لأنها عبادة موقوتة بالحول.
والصحيح هو قول الجمهور، ودليل ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقته سنتين) 198.
وقال الفقهاء أيضاً: الحول شرطها، وبلوغ النصاب سبب لوجوبها، والقاعدة في ذلك أنه لا يقدم الواجب قبل سببه، ويجوز تقديمه قبل شرطه، فبلوغ النصاب سبب لوجوب الزكاة، فإن قال: أزكي عن مال لم يبلغ النصاب فلا يصح، وإن ملك النصاب وقدم الزكاة قبل حلول الحول جاز لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط.
وأيضاً: تعجيل الزكاة فيه مصلحة لأهلها، وتأخيرها إلى حلول الحول من=194195
الجزء: 2 - الصفحة: 77
وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ (1). وَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ (2)، =باب الرفق بالمالك، فإن أداها قبل تمام الحول عن رضا منه فلا مانع، ومع قولنا بالجواز إلا أنه لا ينبغي تعجيل الزكاة قبل وقتها إلا لحاجة كجهاد، وحصول مجاعة، ونحو ذلك لأن الإنسان قد يعتري ماله تلف أو خسارة وغيره.
لكن
هل يكون التعجيل لحول أو حولين أو أكثر،
أم هو مقيد؟
هذا محل خلاف بين الفقهاء؛ فالشافعية (1) قالوا: يجوز تعجيل الزكاة لعام واحد، ولا يجوز لعامين في الصحيح لأن زكاة العام الثاني لم ينعقد حولها.
والمذهب (2) قالوا: تقديمها يكون لحولين فأقل.
والذي نراه أن تعجيل الزكاة لأكثر من سنة الصحيح جوازه لمدة سنتين فقط ولا يجوز لأكثر من ذلك.
- تنبيه: لو عجل الإنسان زكاته ثم لما جاء الحول زاد عما هو عليه حال التعجيل، فهذه الزيادة التي نمى فيها ماله يجب عليه دفع زكاتها.
(1)
قوله (وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ)
أي لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك نصابها لأن ملك النصاب سبب لوجوبها، فإذا عدم السبب سقط الواجب، والقاعدة هنا: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فبلوغ النصاب سبب لوجوب الزكاة، فإذا عدم هذا السبب سقط الوجوب.
(2)
قوله (وَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ)
أي إن عجل إخراج زكاته فأعطاها لغير مستحقيها لم يجزئه تعجيله، بل عليه أن يعيد إخراجها عند تمام الحول.199200
الجزء: 2 - الصفحة: 78
وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا (1). وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ، أَجْزَأَتْ (2)، (1)
قوله (وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا)
في هذه المسألة تفصيل:
أولاً: أن يعجل زكاته فيعطيها لغير مستحقيها وهو يعلم، كأن يعطيها لغني ثم افتقر عند الوجوب لم يجزئه بلا نزاع.
ثانياً: أن يعجل زكاته إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم، فهنا فيه تفصيل: فتارة يكون عدم استحقاقه لغناه، وتارة يكون لغيره كأن يكون كافراً، أو عبداً، أو هاشمياً، أو يكون قريباً للمعطي ممن لا يجوز دفع الزكاة إليه، فإن كان غنياً ففيه روايتان في المذهب (1): قيل يجزئه، وقيل لا يجزئه.
والصحيح: أنها تجزئه لأن الغنى يتعذر الإطلاع عليه والمعرفة بحقيقته، أما إن كان غير غني فرواية واحدة في المذهب أنها لا تجزئه لأن غير الغني لا يخفى حاله غالباً فلم يجزئه الدفع إليه.
(2)
قوله (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ، أَجْزَأَتْ)
لأن العبرة كما أسلفنا تكون بحال الإعطاء، أي إن تعجل بإخراج الزكاة فأعطاها إلى مستحقيها ممن يجزيء إخراج الزكاة إليهم فمات أو استغنى، أي صار غنياً، أو ارتد عن الإسلام قبل وجوبها أجزأت، لأن العبرة كما أسلفنا تكون بحال الإعطاء.
وما ذكره المؤلف هنا: أي إذا أخرج الزكاة معجلة لا يخلوا من أربعة أحوال:
الأول: أن لا يتغير حال من أخرجها إليه
، فهذا القسم يجزيء المزكي ولا يلزمه بدله، وليس له استرجاعه كما لو قبلها بعد وجوبها.201
الجزء: 2 - الصفحة: 79
وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ (1).
=الثاني: أن يتغير حال الأخذ كما ذكره المؤلف هنا، فهذا كما ذكر المؤلف يأخذ حكم القسم الأول، أي يجزيء عنه، وهذا قول أبي حنيفة (1).
وقال الشافعي (2)، وهو أيضاً قول في المذهب (3) لا يجزيء، لأن ما كان شرطاً للزكاة إذا عدم قبل الحول لم يجزيء كما لو تلف المال، أو مات صاحبه.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف، لأن العبرة تكون بحال الإعطاء، فمتى أداها إلى مستحقيها لم يمنع الإجزاء تغير حال المعطى.
الثالث: أن يتغير حال رب المال بموت أو ردة
، أو بيع النصاب، فهل إذا عجل زكاته يرجع بها على من أداها إليه، بمعنى هل يجوز له استرجاعها على قولين:
الأول: وهو المذهب (4) أنه لا يرجع بها على الفقير لأنها زكاة دفعت إلى مستحقيها فلم يجز ارتجاعها.
والقول الثاني: أنه إذا أعلم المستحق أنها زكاة معجلة أو كان الدافع لها الساعي فله أن يرجع بها، والصحيح القول الأول.
القسم الرابع: أن يتغير حالهما، أي رب المال والمستحق للزكاة، فهذا كالقسم الذي قبله.
(1)
قوله (وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ)
سبق بيان ذلك آنفاً، وقلنا أنه إذا تعجل دفع الزكاة ثم تغير حال رب المال فتلف ماله أو ارتد فإنه لا=202203204205
الجزء: 2 - الصفحة: 80
وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا (1) =يرجع على الفقير لأنها زكاة دفعت إلى مستحقيها، فلم يجز له الرجوع فيها، وهذا هو الراجح كما ذكرنا ذلك سابقاً.
(1)
قوله (وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا)
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الجمهور 206 إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر لحديث معاذ رضي الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) 207.
واحتجوا أيضاً بما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه أنكر على معاذ، وقال: لم أبعثك جابياً، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم.
فقال معاذ: ما بعثت إليك شيئاً وأنا أجد من يأخذ مني).
وقال أيضاً الجمهور: أن المعتبر أيضاً بلد المال.
وذهب أبو حنيفة 208 إلى أنه يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى آخر، واستثنوا من الكراهة أن ينقلها المزكي إلى قرابته لما في الإيصال إليهم من صلة الرحم، وله أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده وكذا ينقلها لأصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم.
والذي نرجحه من هذه الأقوال: أنه يجوز أن ينقلها إلى البلد البعيد والقريب=
الجزء: 2 - الصفحة: 81
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للحاجة والمصلحة، فالحاجة مثل أن يكون البلد البعيد الفقراء فيه أشد فقراً من بلده، والمصلحة مثل أن يكون لصاحب الزكاة أقارب في بلد بعيد يساوون فقراء بلده في الحاجة فهنا تكون الزكاة صدقة وصلة.
وهذا ما رجحه شيخنا 209 رحمه الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 82
بَابُ مَنْ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ (1) وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ (2): الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يَقَعَ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ بِكَسْبٍ وَلا غَيْرِهِ (3). وَالثَّانِيْ: الْمَسَاكِيْنُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ يَجِدُوْنَ ذلِكَ، وَلا يَجِدُوْنَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ (4). (1)
قوله (بَابُ مَنْ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ)
بدأ المؤلف هنا ببيان مصارف الزكاة التي جاءت نصوص الكتاب والسنة ببيانها، وهم الأصناف الثمانية الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (1). وقوله (من يجوز) دليل على أن هناك أصنافاً لا يجوز دفع الزكاة إليهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله بعد هذا الباب.
(2)
قوله (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ)
لا يجوز إخراج الزكاة لغيرهم، وهم: (3)
قوله (الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يَقَعَ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ بِكَسْبٍ وَلا غَيْرِهِ)
بدأ المؤلف رحمه الله بأصحاب السهم الأول وهم الفقراء، وعرفهم المؤلف بأنهم من ليس عندهم مال قليل ولا كثير، وليس عندهم مهنة تعوض النقص الحاصل في كفايتهم.
(4)
قوله (وَالثَّانِيْ: الْمَسَاكِيْنُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ يَجِدُوْنَ ذلِكَ، وَلا يَجِدُوْنَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ)
هذا هو الصنف الثاني وهم المساكين، ووصفوا بذلك لأن الفقر أسكنهم، أي أذلهم، وعرفهم المؤلف بأنهم يجدون مالاً أو كسباً لكن لا=210
الجزء: 2 - الصفحة: 83
الثَّالِثُ الْعَامِلُوْنَ عَلَيْهَا، وَهُمُ: السُّعَاةُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهَا (1).
=يكفيهم هذا المال، ولا هذا الكسب إلى قيام الكفاية، فالمسكين أحسن حالاً من الفقير، فالفقير هو الذي لا يجد شيئاً أصلاً، أو يجد البعض، والمسكين هو الذي يجد بعض كفايته، وإذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، فإذا قيل الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا قيل المساكين دخل فيهم الفقراء.
لكن ما هو حد الكفاية للفقير والمسكين؟
نقول: سيأتي بيان ذلك في كلام المؤلف قريباً إن شاء الله.
(1)
قوله (الثَّالِثُ الْعَامِلُوْنَ عَلَيْهَا، وَهُمُ: السُّعَاةُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهَا)
هذا هو الصنف الثالث ممن تدفع إليه الزكاة، وهؤلاء هم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة والقيام بتوزيعها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وبهذا نعلم بأن الذي يعطى الزكاة ليوزعها ليس من العاملين عليها، بل هو وكيل عليها أو بأجرة.
- فائدة: هل يشترط أن يكون العاملون عليها فقراء؟
الجواب: لا يشترط ذلك، بل يعطون ولو كانوا أغنياء، لأن عملهم إنما هو لمصلحة الزكاة، وللحاجة إليهم لا لحاجتهم، فإذا انضم إلى ذلك بأن كانوا فقراء ونصيبهم من العمل لا يكفي لمؤونتهم ومؤنة عيالهم فإنهم يأخذون بالسببين، أي سبب العمالة، وسبب الفقر.
لكن ما القدر الذي يعطاه العاملون عليها؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الحنفية 211 إلى أنه يدفع إلى العامل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بثمن، ولا يزاد على نصف=
الجزء: 2 - الصفحة: 84
وَالرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوْبُهُمْ (1)،
=الزكاة التي يحملها وإن كان عمله أكثر.
وقال الشافعية (1): لا يعطى العامل من الزكاة أكثر من ثمن الزكاة.
والصحيح من الأقوال: أنه يعطى قدر الأجرة مطلقاً كما سيذكر ذلك المؤلف رحمه الله قريباً.
الشروط المعتبرة في العاملين عليها:
(1) أن يكون مسلماً، فلا يستعمل عليها كافرٌ لأنها ولاية وفيها تعظيم للوالي.
(2) أن يكون عدلاً، أي ثقة، مأموناً لا يجور ولا يحابي في الجمع، ولا يحابي في القسمة.
(3) أن يكون فقيها في أمور الزكاة.
(4) أن يكون قادراً على العمل وضبطه على الوجه المعتبر.
(1)
قوله (وَالرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوْبُهُمْ)
هذا هو الصنف الرابع ممن يجب دفع الزكاة إليه وهم المؤلفة قلوبهم، وقد اختلف الفقهاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفاراً.
فقال المالكية 213، والحنابلة 214 يعطون ترغيباً في الإسلام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة من المسلمين والكفار.
وقال الحنفية 215، والشافعية 216 لا يعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف قلبه=212
الجزء: 2 - الصفحة: 85
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =ولا لغيره، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإسلام في حال قلة المسلمين وكثرة عددهم، وقد أعز الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تأليف قلوب الكفار على الإسلام ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول صلى الله عليه وسلم، فعن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نزرعها ونحرثها، فذكر الحديث في الإقطاع وإشهاد عمر رضي الله عنه عليه ومحوه إياه، قال: فقال عمر رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل وأن الله قد أعز الإسلام فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن رعيتما .. ) 217. والراجح من القولين: ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم، وأن حكمهم باق، وقد رجح هذا القول صاحب المغني 218، وأجاب على ما قاله الحنفية والشافعية بقوله: (ولنا على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهذه الآية في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من المشركين والمسلمين، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيراً، ومخالفة كتاب الله=
الجزء: 2 - الصفحة: 86
وَهُمُ: السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ فِيْ عَشَائِرِهِمْ، الَّذِيْنَ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ إِسْلامُهُمْ، أَوْ دَفْعُ شَرِّهِمْ، أَوْ قُوَّةُ إِيْمَانِهِمْ، أَوْ دَفْعُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ مَعُوْنَتُهُمْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهَا (1). =تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واطراحهما بلا حجة لا يجوز) (1). قلت: وفي وقتنا الحاضر ظهرت الحاجة له في الذين يسلمون حديثاً وتنقطع عنهم المعونات التي كانت تصرف لهم من أهليهم.
(1)
قوله (وَهُمُ: السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ فِيْ عَشَائِرِهِمْ، الَّذِيْنَ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ إِسْلامُهُمْ، أَوْ دَفْعُ شَرِّهِمْ، أَوْ قُوَّةُ إِيْمَانِهِمْ، أَوْ دَفْعُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ مَعُوْنَتُهُمْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهَا) المؤلفة قلوبهم ضربان: كفار ومسلمون، وهم جميعاً سادة مطاعون في قومهم وعشائرهم.
و
الكفار ضربان
:
الأول: من يرجى إسلامه
، فيعطى لتميل نفسه إليه فيسلم، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية وادياً فيه إبل محملة، فقال صفوان هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
قلت: ويعرف من يرجى إسلامه ببعض القرائن منها: أن نعرف أنه يميل للمسلمين، أو أنه يطلب كتاباً أو ما شابه ذلك، فيعطى من الزكاة ما يتحقق تأليفه به.
الثاني: من يخشى شره
، ويرجى بعطيته كف شره، وكف غيره معه، فهذا يعطى.
أما المسلمون: فهم على أربعة أضرب:
الضرب
الأول: قوم من المسلمين لهم أصدقاء من الكفار
، فإن أعطوا رجي=219
الجزء: 2 - الصفحة: 87
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =إسلام أصدقائهم، أو إخوانهم من الكفار، وحسن نياتهم، فيجوز إعطاؤهم كما أعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حسن نياتهما وإسلامهما.
الضرب
الثاني: قوم من المسلمين سادات مطاعون في قومهم
يرجى بإعطائهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد، فيعطون كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والطلقاء من أهل مكة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ .. ) (1).
الضرب
الثالث: قوم في طرف بلاد المسلمين
، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.
الضرب الرابع: وهم من ذكرهم المؤلف ممن يعطى من أجل معونتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع.
فكل هؤلاء يجوز دفع الزكاة إليهم لأنهم من المؤلفة قلوبهم.
وقول المؤلف (هُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ) يفهم منه أنه إذا كان غير سيد مطاع فلا يجوز دفع الزكاة إليه، والصحيح أنه يعطى إذا كان ممن يرجى إسلامه، وذلك لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن.
- فائدة: هذا الصنف أعني المؤلفة قلوبهم منهم من يعطى للحاجة إليه، كمن يعطى لكف شره، ومنهم من يعطى لحاجة نفسه، كمن يعطى لقوة إيمانه=220
الجزء: 2 - الصفحة: 88
الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ: الْمُكَاتَبُوْنَ، وَإِعْتَاقُ الرَّقِيْقِ (1). =ورجاء إسلامه.
(1)
قوله (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ: الْمُكَاتَبُوْنَ، وَإِعْتَاقُ الرَّقِيْقِ)
هذا هو الصنف الخامس ممن تجب له الزكاة، وهم ثلاثة أنواع:
الأول: المكاتبون: وهم الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، فهؤلاء يعطون من الزكاة ليكونوا أحراراً، لكن كم يعطى المكاتب من الزكاة؟
نقول: يعطى بقدر ما يحصل به الوفاء، فمثلاً إذا كان عبدٌ اشترى نفسه من سيده بعشرين ألفاً نصفها بعد ستة أشهر، والباقي بعد الستة الأخرى فهنا يعطى ما يحصل به الوفاء الأول وهو عشرة آلاف، ثم بعد الستة الأخرى يعطى الباقي.
فالمهم أنه يدفع إليه جميع ما يحتاج إليه لوفاء كتابته، فإن لم يكن معه شيء جاز أن يدفع إليه جميعها، وإن كان معه شيء تمم له ما يتخلص به.
الثاني: إعتاق الرقيق
: وقد اختلفت الرواية عند الإمام أحمد 221 في جواز الإعتاق من الزكاة، فالرواية الأولى أنه يجوز صرف الزكاة في اعتاق الرقيق المسلم، وهذا هو قول المالكية 222 أيضاً.
والرواية الثانية 223 أنه لا يجوز، وهو قول الحنفية 224، والشافعية 225، وعللوا لذلك بأن هذا كدفع الزكاة إلى القن، والقن لا تدفع إليه الزكاة، ولأنه دفع إلى السيد في الحقيقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 89
السَّادِسُ: الْغَارِمُوْنَ، وَهُمُ: الْمَدِيْنُوْنَ لإِصْلاحِ نُفُوْسِهِمْ فِيْ مُبَاحٍ، أَوْ لإِصْلاحٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ (1). =والصحيح: أن صرف الزكاة في إعتاق الرقيق المسلم جائز لعموم قوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فيشمل المكاتب وغيره، وهذا هو اختيار الشيخين (1) - رحمهما الله -.
الثالث: فكاك الأسير
المسلم: فيجوز إعطاء الأسير من الزكاة لفكاكه من الأسر لأن في ذلك فك رقبة من الأسر، فهو كفك رقبة من الرق، ولأن في فكه إعزازاً للدين.
(1)
قوله (السَّادِسُ: الْغَارِمُوْنَ، وَهُمُ: الْمَدِيْنُوْنَ لإِصْلاحِ نُفُوْسِهِمْ فِيْ مُبَاحٍ، أَوْ لإِصْلاحٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ)
هذا هو الصنف السادس ممن يجب دفع الزكاة إليه، وهم الغارمون، والغارم هو المدين الذي تحمل ديناً في غير معصية الله ورسوله وتعذر عليه تسديده، فيعطى من الزكاة ما يسد به دينه، وهم نوعان:
الأول: غارم لإصلاح نفسه
.
الثاني: غارم لإصلاح ذات البين.
أما الأول: فقد عرفه المؤلف بقوله (وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح، فهذا يعطى من الزكاة لعجزه عن سداد ديونه، وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر.
مثال ذلك: شخص عليه خمسون ألف ريال وراتبه ثلاثة آلاف ريال في الشهر، ومؤونته ومؤنة أولاده ثلاثة آلاف ريال، فهذا يعطى من الزكاة لأنه=226
الجزء: 2 - الصفحة: 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=فقير بالنسبة للدين، فلا نعطيه لفقره لأن راتبه يكفيه، وإنما نعطيه لسداد دينه لعجزه عن الوفاء.
واشترط المؤلف لذلك بأن يكون الدين بسبب أمر مباح، فلا يجوز إعطاؤه إذا كان بسبب محرم.
والصواب في ذلك إن كان غرمه بسبب محرم ثم تاب إلى الله وصلح حاله فإننا نعطيه، وإن لم يتب فإنه لا يعطى لأن في إعطاءه إعانة على المحرم.
الثاني: الغارم في إصلاح ذات البين.
مثاله: كانت هناك عداوة وفتنة بين جماعتين فدخل زيد للإصلاح بينهم، لكن لا يتمكن من الصلح بينهم إلا ببذل مال فيقول أنا ألتزم لكل واحد منكما بمبلغ وقدره كذا من أجل الصلح، فيوافقون على ذلك.
فهذا الرجل يعطى من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى هذا المبلغ الذي اشترطه على نفسه.
-
فائدة: إذا وفى الرجل من ماله هل يعطى من الزكاة؟ نقول: إذا وفى الرجل من ماله بنية الرجوع على أهل الزكاة فإنه يعطى ما دفعه للإصلاح، أما إذا كان خرج منه على سبيل القربة لله تعالى، أو لم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة فإنه لا يعطى لأنه أخرجه لله، فلا يجوز الرجوع فيه.
فائدة: الغارم للإصلاح يعطى من الزكاة ولو كان غنيا
ً لأننا إنما نعطيه من أجل الحاجة إليه، ومن أعطي للحاجة إليه فإنه لا يشترط أن يكون فقيراً.
الجزء: 2 - الصفحة: 91
السَّابِعُ: فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَهُمُ: الْغُزَاةُ الَّذِيْنَ لا دِيْوَانَ لَهُمْ (1). (1)
قوله (السَّابِعُ: فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَهُمُ: الْغُزَاةُ الَّذِيْنَ لا دِيْوَانَ لَهُمْ)
هذا هو الصنف السابع، وهم الغزاة في سبيل الله الذين لا ديوان لهم، أي ليس لهم نصيب من بيت المال على غزوهم، بل هم متطوعون، فهؤلاء يعطون لدفع حاجتهم، وللحاجة إليهم، ما يكفيهم لجهادهم.
أما العساكر الذين لهم رواتب من الدولة فهؤلاء لا يعطون من الزكاة، اللهم إلا إذا كان الراتب لا يكفيهم، فإنهم يعطون لفقرهم وحاجتهم.
- فائدة: حدد المؤلف هنا (في سبيل الله) بقوله: وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم، ولكن هذا التحديد فيه نظر، والصواب أن الجهاد في سبيل الله يشمل كل ما يعين الغزاة، من أسلحة، وبناء أسوار لحماية البلاد من العدو، وآلات الحرب، وبناء المراكب الحربية، وبالجملة كل ما يعم الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح فهو داخل في سبيل الله.
- فائدة: هل يعطى من يريد الحج من الزكاة؟
الجواب: ذهب الجمهور 227 إلى عدم جواز إعطاء من يريد الحج أو العمرة من الزكاة، وذهب الإمام أحمد 228 في رواية عنه وهي المذهب، واختارها شيخ الإسلام 229 إلى أن الحج من سبيل الله، فيجوز صرف الزكاة فيه.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول ابن قدامة 230 في المغني.
لكن لو أعطي لفقره وحج منه فلا بأس بذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 92
الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِيْ بَلَدِهِ (1). (1)
قوله (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِيْ بَلَدِهِ)
هذا هو الصنف الثامن وهو الأخير ممن تجب له الزكاة، وهو ابن السبيل الذين ينتقلون من بلادهم إلى بلاد فينقطعون في الطريق، إما لذهاب نفقتهم في الطريق إذا طال السفر عليهم، أو لأن عدوًا من قطاع الطريق أخذهم وأخذ أموالهم، أو لأسباب أخرى، فهؤلاء يعطون من الزكاة ما يوصلهم إلى بلادهم ولو كانوا فيها أغنياء لأنهم ليس عندهم ما يقوم بحالهم.
وهناك شروط وضعها الفقهاء لإعطاء ابن السبيل من الزكاة وهي:
231 كونه مسلماً؛ فلا يعطى الكافر منها، وقد سبق بيان ذلك.
232 أن لا يكون من آل البيت، ولكن يعطى من صدقة التطوع.
(3) أن لا يكون بيده في الحال ما يتمكن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنياً فيها.
(4) أن لا يكون سفره لمعصية لأنه إعانة عليها.
- فائدة: هل يشترط عدم وجود من يقرضه؟ نقول: اشترط ذلك المالكية (1)، والصواب أنه لا يشترط ذلك لأن الآية عامة، وتخصيص ذلك بإيجاد المقرض يحتاج إلى دليل، وهذا هو قول سماحة شيخنا بن باز (2) رحمه الله.
الجزء: 2 - الصفحة: 93
فَهَؤُلاءِ أَهْلُ الزَّكَاةِ (1)، لا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ (2)، وَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (3). (1)
قوله (فَهَؤُلاءِ أَهْلُ الزَّكَاةِ)
الضمير يعود على الأصناف الثمانية التي ذكرها.
(2)
قوله (لا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ)
لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (1)، فهؤلاء ثمانية أصناف على سبيل الحصر لا يجوز أن تصرف إلى غيرهم لأن الحصر يقتضي إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمن سواه.
وعلى ذلك لا تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في بناء المدارس، ولا في إصلاح الطرق ولا غيرها، وما ذهب إليه بعض المتأخرين من جواز صرفها في المشاريع الخيرية هو قول مرجوح لأنه يخالف ما دلت عليه الآية، ويخالف ما عليه أكثر أهل العلم.
(3)
قوله (وَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ)
أي يجوز أن تصرف الزكاة إلى واحد من الأصناف الثمانية، وهذا هو قول الجمهور (2)، أي لا يجب أن تعمم الزكاة على الأصناف الثمانية سواء كان المال كثيراً أم قليلاً.
و
دليل ذلك
ما سيذكره المؤلف.
وذهب الشافعية 235، وهو رواية في مذهب أحمد 236 إلى أنه يجب التعميم، وإعطاء كل صنف من الأصناف الثمانية الثمن من الزكاة المجتمعة.233234
الجزء: 2 - الصفحة: 94
لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بَنِيْ زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ (1)
=واستدلوا لذلك بالآية نفسها ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قالوا بأن الله أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك، وأشرك بينهم بواو التشريك، فدل على أنها مملوكة لهم، مشتركة بينهم.
وذهب المالكية (1) إلى أنه يندب أي التعميم خروجاً من الخلاف، وفي إحدى الروايات عن الإمام أحمد (2) أنه يستحب التعميم.
والصحيح من الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم إيجاب التعميم للأدلة المذكورة عند المؤلف وغيرها.
أما قول من أوجب التعميم بأن (الواو) تدل على وجوب التعميم فهذا غير صواب، بل الواو هنا لبيان المستحقين لا لوجوب التعميم.
فائدة: إذا كانت الزكاة قليلة فصرفها في أسرة واحدة محتاجة فهذا أولى وأفضل من توزيعها على أسر كثيرة، لأن توزيعها على الأسر الكثيرة يقلل نفعها.
(1)
قوله (لأَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بَنِيْ زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ)
هذا الحديث له قصة، وهي أن سلمة بن صخر، ويقال له أيضاً: سلمان بن صخر، وهو صحابي أنصاري قد ظاهر من امرأته ظهاراً مؤقتاً في شهر رمضان، أي قال لها أنتِ عليّ كظهر أمي حتى ينسلخ رمضان، فلم يلبث حتى جامعها فيه، قبل أن يمضي فلما أصبح غدا على قومه فأخبرهم بأمره، =237238
الجزء: 2 - الصفحة: 95
وَقَالَ لِقَبِيْصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا (1)، =وطلب منهم أن يذهبوا معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بأمره، فقالوا: لا والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة يبقى علينا عارها، وقالوا له: اذهب أنت فأخبره، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأمره، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة، فقال: سلمان بن صخر: لا أجدها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً، فقال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشى ما لنا عشاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك، قال سلمة رضي الله عنه: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ، فدفعوها إليّ) (1).
(1)
وقوله (وَقَالَ لِقَبِيْصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا)
هذا أيضاً حديث احتج به المؤلف في جواز إعطاء الزكاة لفرد واحد، وقصة هذا الحديث أن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ=239
الجزء: 2 - الصفحة: 96
وَيُدْفَعُ إِلَى الْفَقِيْرِ، وَالْمِسْكِيْنِ مَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ، وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ، وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ، وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ، وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ (1). =لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) (1).
(1)
قوله (وَيُدْفَعُ إِلَى الْفَقِيْرِ، وَالْمِسْكِيْنِ مَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ ... ) سيذكر المؤلف هنا القدر الذي يعطى للأصناف الثمانية الذين تجب لهم الزكاة، فذكر أولاً ما يدفع للفقير والمسكين، وقد اختلف الفقهاء في القدر الذي يدفع إلى الفقير والمسكين. فالجمهور 241 على أن الواحد من الفقراء والمساكين يعطى من الزكاة الكفاية أو إتمامها له ولمن يعوله عاماً كاملاً ولا يزاد عليه، وحددوها بالعام لأن الزكاة تتكرر كل عام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر لأهله قوت سنة، وإن كان يملك أو يحصل له بعض الكفاية أعطي تمام الكفاية لعام.
وفي رواية للإمام أحمد 242، وهي أيضاً قول منصوص عليه عند الشافعية 243 إلى أن الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام.
وذهب الحنفية 244 إلى أن من لا يملك نصاباً زكوياً كاملاً يجوز أن يدفع إليه أقل من مائتي درهم أو تمامها، ويكره أكثر من ذلك.240
الجزء: 2 - الصفحة: 97
وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ (1)، وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ (2)، =والصحيح ما ذهب إليه الجمهور فيعطى الفقير والمسكين قدر كفايته سنة كاملة، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز (1) رحمه الله.
(1)
قوله (وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ)
سبق بيان القدر الذي يعطاه العامل على الزكاة وقلنا: اختلف الفقهاء في القدر الذي يعطاه العامل على الزكاة، فالحنفية (2) على أنه يعطى بقدر عمله، فيعطى ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بالثمن، ولا يزاد على نصف الزكاة التي يجمعها وإن كان عمله أكثر.
وقال الشافعية (3)، والحنابلة (4) الإمام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة، إما مدة معلومة أو على معلوم، وبين أن يجعل له جعلاً معلوماً على عمله.
والصواب: أنه يعطى على قدر عمله وتعبه على ما يراه ولي الأمر، وهذا ما ذكره سماحة شيخنا ابن باز (5) رحمه الله.
(2)
قوله (وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ)
أي ويعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ما يحصل به تأليفهم.
وقد ذكرنا أقوال الفقهاء في المؤلفة قلوبهم، وبينا أن الراجح من أقوالهم أن حكمهم باق، وأنهم يعطون من الزكاة.245246247248249
الجزء: 2 - الصفحة: 98
وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ (1)، وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ (2)، وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ (3)، وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَأْخُذُوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ، وَهُمُ: الْفَقِيْرُ، وَالْمِسْكِيْنُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَابنُ سَبِيْلٍ (4). (1)
قوله (وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ)
أي ويعطى المكاتب والغارم من الزكاة ما يقضي به دينه، فيعطى المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده ليكون حراً ما تحصل به الحرية، وقد ذكرنا ذلك سابقاً، وقلنا بأنه يعطى ما يحصل به الوفاء ليعتق، وكذلك الغارم وهو الذي تحمل ديناً تعذر عليه سداده فيعطى من الزكاة ما يسد به دينه، وقد سبق بيان ذلك أيضاً.
(2)
قوله (وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ)
أي ويعطى الغزاة في سبيل الله ما يحتاج إليه من متاع أو نقود أو سلاح وغير ذلك مما يعينه على غزوه، ويحصل به إعداد القوة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ... ﴾ (1). وقد سبق بيان ذلك مفصلاً عند ذكر الأصناف الثمانية التي تدفع لهم الزكاة.
(3)
قوله (وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ)
أي ويعطى ابن السبيل من الزكاة ما يحصل به اندفاع حاجته فيعطى منها القدر الذي يوصله إلى بلده لا يزاد على ذلك، وقد سبق بيان ذلك مع ذكر الشروط المعتبرة في ابن السبيل.
(4)
قوله (وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَأْخُذُوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ، وَهُمُ: الْفَقِيْرُ، وَالْمِسْكِيْنُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَابنُ سَبِيْلٍ)
إنما أعطي هؤلاء الخمسة من=250
الجزء: 2 - الصفحة: 99
وَأَرْبَعَةٌ يَجُوْزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مَعَ الْغِنَى، وَهُمُ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَازِيْ، وَالْغَارِمُ لإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (1). =أجل الحاجة، أي من أجل حاجتهم هم لا من أجل الحاجة إليهم، فمع عدم الحاجة لا يعطون من الزكاة لأنهم حينئذٍ يكونون ليسوا من أهل الزكاة.
(1)
قوله (وَأَرْبَعَةٌ يَجُوْزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مَعَ الْغِنَى، وَهُمُ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَازِيْ، وَالْغَارِمُ لإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ)
نقول من تدفع لهم الزكاة على قسمين:
القسم الأول: من تدفع إليهم لحاجتهم، وهم المذكورون أولاً، وهم الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل، فهؤلاء كما ذكرنا يعطون على قدر كفايتهم وإن أخذوها ملكوها.
القسم الثاني: ما ذكره المؤلف هنا، وهم العامل على الزكاة، والمؤلف، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين، فهؤلاء يعطون من الزكاة وإن كانوا أغنياء تشجيعاً لهم، ويعطون منها ما يحصل به المقصود.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
بَابُ مَنْ لا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ
(1). لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (2)، وَلا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ: بَنُوْ هَاشِمٍ وَمَوَالِيْهِمْ (3). (1)
قوله (بَابُ مَنْ لا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ)
هذا الباب في بيان الموانع التي تمنع من استحقاق الزكاة.
(2)
قوله (لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ)
دليل ذلك
ما رواه أحمد وغيره عن عبيد بن عدي (أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ وَرَأَىهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (1). وهنا بعض الفوائد:
الأولى: في قوله صلى الله عليه وسلم (إن شئتما أعطيتكما) هذا ما ينبغي قوله لمن كان غنياً، أو قوياً مكتسباً عند طلبهما من الأخذ من الزكاة، أما نهرهما وإغلاظ القول لهما فهذا لا ينبغي بل أعظم زجر لهما هو ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم لهما.
الثانية: من كان قوياً مكتسباً ويريد أن يتفرغ لطلب العلم، فإنه يعطى منها لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله.
الثالثة: الرجل قد يكون قوياً ولكنه أخرق لا كسب له فتحل له الزكاة.
(3)
قوله (وَلا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ: بَنُوْ هَاشِمٍ وَمَوَالِيْهِمْ)
المراد ببني هاشم
(آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث)، فلا تحل لبني هاشم، قال ابن قدامة 252 لا نعلم خلافاً من أن بني هاشم لا تحل لهم=251
الجزء: 2 - الصفحة: 101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =الصدقة المفروضة.
دليل ذلك
ما رواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي من أوساخ الناس) 253. وقوله صلى الله عليه وسلم للحسين بن علي رضي الله عنهما: «كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) 254. لكن ينبغي أن يكون ذلك إذا كان بنو هاشم يأخذون الخمس من بيت مال المسلمين، أما عند عدمه وكونهم فقراء فإنهم يأخذون منها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية 255، واختاره شيخنا 256 رحمه الله.
- فائدة (1): اختلف الفقهاء في جواز دفع زكاة الهاشمي إلى هاشمي، والصحيح في ذلك التفصيل في هذه المسألة:
أولاً: إذا كان هناك بيت مال للمسلمين ويعطون من الخمس فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم ( .. إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ .. ) 257، والهاشميون من الناس فلا تحل لهم.
ثانياً: أن يكون الهاشمي فقيراً محتاجاً وليس له نصيب من بيت مال المسلمين كما هو الشأن في وقتنا هذا في كثير من بلاد المسلمين، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء من الجوع، فهنا تكون زكاة الهاشمي لهاشمي مثله أولى من زكاة غير الهاشمي.
الجزء: 2 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- فائدة (2): هل يعطى الهاشمي من صدقة التطوع؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
قال ابن قدامة 258 رحمه الله: (فأما النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها).
أما آل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذهب جمهور الفقهاء، وهو اختيار الشيخين 259 رحمهما الله إلى جواز إعطائهم من صدقة التطوع، وهذا هو الصحيح.
- فائدة 260: هل بنو المطلب يأخذون حكم بني هاشم في منعهم من أخذ الزكاة؟ اختلف الفقهاء في إلحاق بني المطلب ببني هاشم في منعهم من الزكاة، فالشافعية (3)، وهو المذهب عند الحنابلة 261 أنه ليس لهم الأخذ من الزكاة مثل بني هاشم لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) 262. وذهب الحنفية 263 وهو رواية في مذهب أحمد 264، واختاره شيخنا 265 رحمه الله أنه يجوز دفع الزكاة لبني المطلب، وقالوا قوله صلى الله عليه وسلم (أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) يجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأشرف، وهم آل النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 103
وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا (1)، =والذي يظهر والله أعلم أنه لا يجوز دفع الزكاة لبني المطلب وذلك لصحة الخبر الوارد في ذلك، فهو حجة في محل النزاع.
قوله (وَمَوَالِيْهِمْ)
وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم، أي كذلك لا يعطون من الزكاة، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمولاه رافع (إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم من أنفسهم) (1). (1)
قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا)
المراد بالوالدين الأب والأم.
قال ابن المنذر 267: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، وعلل الفقهاء بمنع الزكاة لهم بأن الولد وماله ملك لأبيه، فالواجب عليه النفقة عليهما، فإذا دفع الزكاة إليهم فكأنه دفعها إلى نفسه.
وقالوا أيضاً لأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه فيعود نفعها إليه.
وقوله (وإن علوا) يعني آبائهما وأمهاتهما من يرث منهم ومن لا يرث، فالأصل والفرع تجب النفقة عليهم بكل حال وارثين أم غير وارثين.
قلت: وقد أجاز شيخ الإسلام 268 دفع الزكاة إلى الأبوين وإن علو، وإلى الولد وإن سَفَلَ إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، وهذا إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد 269، وهو قول شيخنا 270 رحمه الله.266
الجزء: 2 - الصفحة: 104
وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ (1)، وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ (2)، =والذي أرجحه عدم جواز إعطاء الأبوين من الزكاة مطلقاً، وإنما يعطيهم من ماله إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
(1)
قوله (وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ)
أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الفرع وإن سفل، أي وإن نزلت درجته من أولاد البنين أو أولاد البنات لوارث وغيره.
(2)
قوله (وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ)
أما الزوج فلا يجوز له أن يعطي الزوجة من زكاة ماله بالإجماع، لأن النفقة عليها واجبة عليه، ونقل الإجماع على ذلك صاحب المغني 271.
أما إعطاء الزوجة الزوج من زكاة مالها فقد اختلفت الرواية في المذهب 272 في ذلك؛ ففي الرواية الأولى: لا يجوز دفعها إليه، وهذا مذهب أبي حنيفة 273 وقول مالك 274 لأنه أحد الزوجين فلم يجز دفع الزكاة إليه كالآخر، ولأنها تنتفع بدفعها إليه لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق، فإذا انفق عليها من هذا المال فكأنما عاد مالها إليها.
والرواية الثانية في المذهب 275 يجوز دفع المرأة من زكاتها إلى زوجها، وهو مذهب الشافعي 276، وهذا هو الصواب، ودليل ذلك حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إنك أمرت بالصدقة، =
الجزء: 2 - الصفحة: 105
وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَلا إِلَى رَقِيْقٍ (1)، =وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) (1). ولأنه تجب نفقته فلم يمنع من دفع الزكاة إليه كالأجنبي، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا رحمه الله (2).
(1)
قوله (وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَلا إِلَى رَقِيْقٍ)
أي لا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه مؤنته كأخيه وأخته، وابن أخيه، وخالته، وسائر أقاربه ممن لا يكون هناك من يرعاهم وينظر إلى حوائجهم، فهؤلاء تجب نفقته عليهم، وعلى ذلك لا يجوز صرف الزكاة إليهم.
واختلفت الرواية في المذهب 279 في هذه المسألة: أعني صرف الزكاة إلى من تلزمه مؤنته غير الأبوين والولد:
فالرواية الأولى عن الأمام أحمد، وهي ما عليها قول أكثر أهل العلم جواز دفع الزكاة إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم (الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) 280. فلم يشترط نافلة ولا فريضة.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يجوز دفعها إلى الموروث منهم، لأن على الوارث مئونة الموروث، فإذا دفع إليه الزكاة أغناه عن مؤنته، فيعود=277278
الجزء: 2 - الصفحة: 106
وَلا إِلَى كَافِرٍ (1).
فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ (2)،
=نفع الزكاة إليه، فلم يجز كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها.
أما الحديث فيحتمل أن يكون في صدقة التطوع.
قوله (وَلا إِلَى رَقِيْقٍ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الرقيق لأنه لا يملك مالاً، فإذا دفع الزكاة إليه انتقلت إلى سيده، ونفقة الرقيق تجب على السيد.
- فائدة: هل يجوز صرف الزكاة للعاملين في المؤسسات إذا كانوا من أهل الحاجات وجنسياتهم من خارج المملكة؟ . الجواب: نعم يجوز دفع الزكاة للفقراء المسلمين منهم وإن كانوا غير سعوديين، ولا تعتبر من مكافأتهم وجوائزهم التي جرى العرف بإعطائهم، ولا يقصد منها تنشيطهم في العمل في المؤسسة لتستفيد من ورائهم زيادة في العمل والربح (1).
(1)
قوله (وَلا إِلَى كَافِرٍ)
الكفار على قسمين: مؤلف وغير مؤلف.
أما المؤلفة قلوبهم فقد سبق ذكرهم، وبيّنا جواز دفع الزكاة إليهم، أما غير المؤلفة قلوبهم فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (2).
(2)
قوله (فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ)
الصدقة منها ما هو فريضة، ومنها ما هو تطوع، فالفريضة لا يجوز صرفها إلا لمن عينه الله تعالى في كتابه، وهم الأصناف الثمانية الذين سبق بيانهم، أما=281282
الجزء: 2 - الصفحة: 107
وَلا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ (1)، إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا (2). =صدقة التطوع فالأمر فيها واسع، فيجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع الزكاة إليه وإلى غيرهم، لكن الأقربين أولى بالمعروف، فالصدقة على ذوي الرحم ثنتان كما ذكرنا صدقة وصلة.
(1)
قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ)
أي ويشترط عند دفع الزكاة النية، فيقصد المزكي أن ما يخرجه هو الزكاة الواجبة عليه، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .. ) (1). (2)
قوله (إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا)
أي متى أخذ الإمام أو نوابه الزكاة ممن امتنع عن أدائها قهراً فإنه في هذه الحالة لا يشترط النية من المزكي، لكن هل تجزيء عنه؟
اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الشافعية 284، وهو قول عند الحنابلة 285 إلى أن أخذ الإمام أو نوابه الزكاة من الممتنع قهراً يكفي فيه نية الإمام عند التفريق أو الأخذ لأنه الإمام وله ولايه على المالك، أما المالكية فقالوا بإجزائها ظاهراً وباطناً.
وذهب بعض الحنابلة 286 إلى أن الإمام إن أخذها قهراً فقد أجزأت ظاهراً فلا يطالب بها ولا تجزيء باطناً لأنها عبادة لا تجزيء عمن وجبت عليه بغير نية كالصلاة، وأخذا الإمام لها يسقط المطالبة بها لا غير.
ولعل هذا هو الصواب والله أعلم.283
الجزء: 2 - الصفحة: 108
وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تَجْزِهِ (1)، إِلاَّ الْغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيْرًا (2). -
فائدة (1): لا تغني الضريبة عن الزكاة
ولو كانت تؤخذ منه قهراً.
- فائدة (2): إذا كان العمال الذين يرسلهم الحاكم لا يأخذون الزكاة كاملة مثلاً يأخذ خمسة آلاف، والواجب إخراجه عشرة آلاف، فلا يكفي ما أخذ العامل في إخراج الزكاة بل عليه أن يخرج الباقي عليه.
(1)
قوله (وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تَجْزِهِ)
أي إذا دفع الزكاة إلى غير المستحقين الثمانية الذين ذكر الله تعالى فإنها لا تجزئه لأنه يعد بذلك متلاعباً بأحكام الشرع، اللهم إلا إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل للزكاة بعد التحري، فبان أنه من غير أهلها فهذا الأقرب أنها تجزئه بخلاف ما ذكر المؤلف من عدم الإجزاء.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (1)، فهذا المزكي اتقى الله ما استطاع ولأن العبرة في العبادات بما في ظن المكلف بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الآمر.
فالصواب هنا أنه إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقيها بعد إفراغ الوسع والاجتهاد والتحري، وبنى على غلبة ظنه فإنها تجزئه بخلاف ما إذا دفعها من غير تحرٍّ ولا اجتهاد، ولا غلبة ظن فإنها لا تجزئه.
وهذا عام في الأصناف كلها، وهذا هو اختيار شيخنا رحمه الله (2).
(2)
قوله (إِلاَّ الْغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيْرًا)
هذا مستثنى من الكلام السابق، أي إذا دفع الزكاة إلى من يظنه فقيراً ثم بان غنياً فهنا تجزئه، وعلل لذلك الفقهاء بقولهم=287288
الجزء: 2 - الصفحة: 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =بأن الفقر والغنى يعسر الاطلاع عليهما، والمعرفة بحقيقتهما، قال الله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ﴾ 289. فاكتفى بظهور الفقر ودعواه، بخلاف غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 110