شرح كتاب سيبويهصفحات 410-449

باب ذكرك الاسم الذي تبين به العدة كم هي مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ

صفحات 410-449

قال سيبويه: " وقالوا: خمط خمطا، وهو خمط في ضد القنم "، والخمط رائحة طيبة.
قال: " (وقد جاء) على فعل يفعل وهو فعل أشياء تقاربت معانيها، لأن جملتها هيج، وذلك قولك: أرج يأرج أرجا وهو أرج، وإنما أراد تحرك الريح وسطوعها، وحمس يحمس حمسا، وهو حمس، وذلك حين يهيج ويغضب ". والحمس الذي يغضب للقتال، وهو الشديد الشجاع.
وقالوا: أحمس، كما قالوا: أوجر، وصار أفعل هاهنا بمنزلة فعلان وغضبان، وقد يدخل أفعل على فعلان، كما دخل فعل عليهما، فلا يفارقهما في بناء الفعل، ويشبه فعلان بمؤنث أفعل، وقد بينا ذلك فيما ينصرف وما لا ينصرف ". يريد أن دخول أفعل على فعلان لاجتماعهما في بناء الفعل والمصدر في مواضع كثيرة منها: غضب يغضب غضبا وهو غضبان، كما تقول: عور يعور عورا وهو أعور، فقد اجتمعا في بناء الفعل والمصدر، ولأن فعلان يشبه فعلاء، وفعلاء مؤنث أفعل.
قال: " وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: رجل أهيم وهيمان، وهم يريدون شيئا واحدا، وهو العطشان.
وقالوا: سلس يسلس سلسا وهو سلس، وقلق يقلق قلقا وهو قلق، ونزق ينزق نزقا وهو نزق، جعلوا هذا حيث كان خفة وتحركا مثل الحمس والأرج، ومثله غلق يغلق غلقا لأنه طيش وخفة " والغلق الذي يطيش حتى تذهب حجته.
وقد بنوا أشياء على فعل يفعل فعلا وهو فعل لتقاربها في المعنى، وذلك ما تعذر عليك ولم يسهل، كقولك: عسر يعسر عسرا، وشكس يشكس شكسا " وهو شكس)، وقالوا: الشكاسة، كما قالوا: السّقامة، وقالوا: لقس يلقس لقسا، وهو لقس، ولحز يلحز لحزا، وهو لحز، فلما صارت هذه الأشياء مكروهة عندهم صارت بمنزلة الأوجاع ". واللقس: سوء الخلق، واللّحز: الضيّق والشّح.
وصار بمنزلة ما رموا به من الأدواء.
وقد قالوا: عسر الأمر فهو عسير، كما قالوا: سقم فهو سقيم.
وقالوا: نكد ينكد نكدا وهو نكد، وقالوا: أنكد كما قالوا: أجرب وجرب.
وقالوا: لحج يلحج لحجا وهو لحج، لأن معناه قريب من معنى السّقم، لحج في الشيء إذا نشب فيه ولم يمكنه التخلص منه إلّا بشدة.

هذا باب فعلان ومصدره وفعله

قال سيبويه: " أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يبنى في الأسماء على فعلان، ويكون المصدر على الفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، وذلك ظمئ يظمأ ظمأ وهو ظمآن، وعطش يعطش عطشا وهو عطشان، وصدي يصدى صدى وهو صديان.
وقالوا: الظماءة، كما قالوا: السقامة، لأن المعنيين قريب، كلاهما ضرر على النفس وأذى، وغرث يغرث غرثا، وهو غرثان، وعله يعله علها وهو علهان، وهو شدة الغرث والحرص على الأكل، وتقول: عله، كما تقول: عجل، ومعناه قريب من وجع.
وقالوا: طوى يطوي طوى وهو طيّان " ومعناه الجوع، قال عنترة: ولقد أبيت على الطوى وأظله … حتى أنال به لذيذ المأكل 1 وبعض العرب يقول: الطوى، فيبينه على فعل، لأن زنة فعل وفعل شيء واحد، وليس بينهما إلا كسرة الأول وفتحة، وضد ما ذكرنا يجيء على ما ذكرنا " يعني ضد الجوع، " وهو قولهم: شبع شبعا وهو شبعان، كسروا الشبع، كما قالوا: الطوى، وشبهوه بالكبر والسمن حيث كان بناء الفعل واحدا.
وقالوا: روي يروي ريا وهو ريان، فأدخلوا الفعل في هذه المصادر، كما أدخلوا الفعل فيها حين قالوا السكر ". يعني الري، وزنه فعل، ودخل في هذا الباب وليس بمصادر فيه، ولقائل أن يقول: هو فعل، وكسر من أجل الياء، كما قالوا: قرن ألوى، وقرون لي وليّ.
وفي السكر ثلاث لغات: السكر والسكر، وحكى عن الأخفش، السكر.
قال سيبويه: " ومثله خزيان، والمصدر الخزي، وقالوا: الخزى في المصدر، كالعطش اتفقت المصادر كاتفاق بناء الفعل والاسم ". يعني في الخزي والرّي كاتفاق خزي يخزي، وهو خزيان، وروى ريا وهو ريان.
قال: " وقد جاء من هذا على باب خرج يخرج، قال: سغب يسغب سغبا وهو ساغب، كما قالوا: سفل يسفل سّفلا وهو سافل، ومثله جاع يجوع جوعا وهو جائع، وناع ينوع نوعا وهو نائع ". (وقال بعضهم: النائع المتألم من الجوع)، وقال بعضهم: هو المائل من الجوع،

وقال بعضهم: إتّباع للجائع، ونوعا اتباع لجوعا.
وقال بعضهم: النائع العطشان، قال الشاعر: لعمر بنى شهاب ما أقاموا … صدور الخيل والأسل النياعا 1 " وقالوا: جوعان، فأدخلوها هاهنا على فاعل، لأن معناها معنى غرثان " قال الشاعر: لو أنني جاءني جوعان مهتلك … من جوع الناس عنه الخير محجوز 2 فجاء بجوعان، وبجوع، وهو جمع جائع.
" وقالوا من العطش أيضا: هام يهيم هيما وهو هائم، وقالوا: هيمانّ لأن معناه: عطشان.
ومثل هذا قولهم: ساغب وسغاب، وجائع وجياع، وهائم وهيام، لما كان المعنى معنى فراث وعطاش، بني على فعال، كما أدخل قوم عليه فعلان، إذ كان المعنى معنى فراث.
وقالوا: سكر يسكر سكرا.
وقال أبو الحسن: فيها ثلاث لغات، وقدموا ذلك.
" وقالوا: سكران، لما كان من الامتلاء جعلوه بمنزلة شبعان، ومثل ذلك ملآن.
وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: ملئت من الطعام، كما قالوا: شبعت وسكرت.
وقالوا: قدح نصفان وجمجمه نصفى " وهي أيضا قدح.
" وقدح: قربان، وجمجمة قربى " إذا قارب الامتلاء " جعلوا ذلك بمنزلة الملآن، لأن ذلك معناه معنى الامتلاء، لأن النّصف قد امتلأ والقربان ممتلئ أيضا إلى حيث بلغ، ولم نسمعهم قالوا قرب ولا نصف، اكتفوا بقارب ونصف، ولكنهم جاءوا به، كأنهم يقولون: قرب ونصف، كما قالوا: مذاكير، ولم يقولوا: مذكير ولا مذكار، وكما قالوا: أعزل وعزل، ولم يقولوا: أعازل " قال أبو سعيد: اعلم أن أعزل، وإن كان على لفظ أحمر، فلم يذهب به مذهب أحمر، لأنه لا مؤنث له، ذهبوا به مذهب الأسماء كأفكل وأيدع، ولم يجمعوه كجمع الأسماء في

هذا الوزن، لم يقولوا: أعازل، كما قالوا: أفاكل، وقالوا: عزل، كأنهم قد روا أعزل وعزلاء مثل أحمر وحمراء، وأن لم يستعملوه، كما قالوا في جمع ذكر مذاكير على تقدير أن الواحد مذكار أو مذكير، وإن لم يستعملوه.
وقالوا: عزّل على أن الواحد عازل، وأن لم يستعملوه، قال الأعشى: غير ميل ولا عواوير في ال … هيجا ولا عزل ولا أكفال " وقالوا: رجل شهوان وامرأة شهوى، لأنه بمنزلة الغرثان والغرثى، وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: شهيت شهوة، فجاءوا بالمصدر على فعلة، كما قالوا: حرت تحار حيرة وهو حيران.
وقد جاء فعلان وفعلى في غير هذا الباب، قالوا: خزيان وخزيا.
وروى أبو الحسن رجلان رجلى " ومعناه الراجل.
وقالوا: عجلان وعجلى، وقد دخل في هذا الباب فاعل، كما دخل فعل فشبهوه بسخط يسخط سخطا وهو ساخط، كما شبهوا فعل بفزع وهو فزع " يعني أنهم قالوا: " نادم وراجل وصاد "، كما قالوا: صد وعطش.
وقالوا: غضب يغضب غضبا وهو غضبان وغضبى، لأن الغضب يكون في جوفه كما يكون فيه العطش.
وقالوا: ملآنة شبهوها بخمصانة وندمانة ". وقال غيره: إن فعلان الذي أنثاه فعلى بنو أسد يدخلون الهاء في مؤنثه، ويخرجونها من المذكر، فيقولون: ملآنة وملآن، وسكرانة وسكران، كما قالوا: خمصانة وندمانة، وللمذكر خمصان وندمان، ويلزم على لغة هؤلاء أن يصرفوا ملآنا وغضبانا.
" وقالوا: ثكل يثكل ثكلا وهو ثكلان بالأنثى ثكلى، ومثله لهفان ولهفى، وقالوا: لهف يلهف لهفا.
وقالوا حزنان وحزنى، لأنه غم في جوفه، وهو كالثكل، لأن الثكل من الحزن ". قال أبو سعيد: ورأيت في نسخة أبي بكر مبرمان بخطه في الحاشية في نسخة أبي العباس جربان وجربى، وفي العمود بهذا الهجاء ما عليه نقط الخاء والزاي كأنه خزيان وخزيا.
قال: " والندمان مثله وندمى ". قال أبو العباس: ندمان الذي من الندامة على الشيء، المؤنث منه ندمى، ولا يقال: ندمانة، إنما ندمان وندمانة لباب المنادمة.
" وأما جربان وجربى فإنه لما كان بلاء أصيبوا به بنوه على هذا، كما بنوه على أفعل وفعلاء، نحو: أجرب وجرباء.
وقالوا: عبرت تعبر عبرا (وهي عبرى) مثل ثكلى، والثّكل

مثل السكر، والعبر مثل العطش، فقالوا: عبرى، كما قالوا: ثكلى.
وأما ما كان من هذا من بنات الياء والواو التي هي عين فأنها تجيء على فعل يفعل معتلة لا على الأصل، وذلك عمت تعام عمة وهو عيمان وهي عيمانة، جعلوه كالعطش، وهو الذي يشتهي اللبن كما يشتهي ذلك الشراب، وجاءوا بالمصدر على فعلة، لأنه كان في الأصل على فعل، كما كان العطش ونحوه على فعل، ولكنهم أسكنوا الياء وأماتوها "، يعني أعلوها، " كما فعلوا في الفعّل، فكأن الهاء عوض من الحركة مثل: غرت تغار غيرة، وهو في المعنى كالغضبان، وقالوا: حرت تحار حيرة (وهو حيران)، وهي حيرى، وهو في المعنى كالسكران لأن كليهما مرتج عليه.

هذا باب ما يبنى على أفعل

قال سيبويه: " أما الألوان فإنها تبنى على أفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، والمصدر على فعلة أكثر، وربما جاء الفعل فعل يفعل، وذلك قولك: أدم يأدم أدمة، ومن العرب من يقول: أدم يأدم أدمة، وشهب يشهب شهبة، وقهب يقهب قهبة " وهو سواد يضرب إلى الحمرة، قال: والأقهبين: الفيل والجاموسا " وكهب يكهب كهبة، وقالوا: كهب يكهب كهبة " وهو غبرة وكدورة في اللون، " وشهب يشهب شهبة، وصدئ يصدأ صدأة، وقالوا: صدأ، كما قالوا: الغبس، والأغبس: البعير الذي يضرب إلى البياض، وقالوا: الغبسة، كما قالوا: الحمرة، وفي نسخة أخرى العيسة، وأصلها العيسة، فكسرت العين لتسلم الياء.
" واعلم أنهم يبنون الفعل منه على أفعال، نحو: أشهاب وأدهام وأيدام.
فهذا لا يكاد ينكسر في الألوان، وإن قلت فيها فعل يفعل، أو فعل يفعل.
وقد يستغنى بأفعال عن فعل وفعل، وذلك نحو: أزراق وأخضار وأصفار وأحمار وأشراب وأبياض وأسواد وأسود وأبيض وأخضر وأحمر، وأصفر أكثر كلامهم، والأصل ذلك لأنه كثر فحذفوه " يعني الأصل أفعال وهو أحمار وأسواد، ثم خفف فقالوا: احمرّ وأسود والمخفف الذي ذكره أكثر في الكلام، وفعل فيما ذكره بعض أصحابنا مخفف عن أفعل، ويستدل على ذلك أنهم يقولون: عور وحول، فلا يعلون الواو؛ لأنه في معنى أعورّ وأحولّ، وهما لا يعتلان.
والوجه عندي أنه لم يعل عور وحول لأنه في معنى فعل لا يعتل، لا أنه مخفف

منه، كما قالوا: اجتوروا، فلم يعلوه لأنه في معنى تجاوروا، وهذا يحكم في التصريف إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " وقالوا: الصهوبة، فشبهوا ذلك بأرعن والرعونة.
وقالوا: البياض والسواد، كما قالوا: الصباح والمساء، لأنهما لونان بمنزلتهما، لأن المساء سواد، وقد جاء شيء من الألوان على فعل، قالوا: جون وورد ". والورد: الفرس الأصفر اللون، والجون: الأسود.
" وجاءوا بمصدر على مصدر بناء أفعل، وذلك قولهم: الوردة والجونة " وإنما قالوا: ورد وجون على حذف الزوائد.
قال سيبويه: " وقد جاء شيء منه على فعيل، وذلك: خصيف،.
وقالوا: أخصف، وهو أقيس، والخصيف: الأسود ". وما كان من هذه المصادر على غير فعلة أو فعل فهو من الشاذ الذي لا يطرد وما كان من الأسماء على فعل أو فعيل أو بناء غير أفعل فهو من الشاذ أيضا الذي لا يطرد.
قال: " وقد يأتي على أفعل، ويكون الفعل (منه على) فعل يفعل والمصدر فعل، كما كان داء أو عيبا، لأن العيب نحو الداء، ففعلوا ذلك كما قالوا: أجرب وأنكد، وذلك قولهم: عور يعور عورا، وأدر يأدر أدرا وهو آدر، وشتر يشتر شترا وهو أشتر، وحبن يحبن حبنا وهو أحبن " والأحبن: المنتفخ البطن من الاستسقاء.
" وصلع يصلع صلعا وهو أصلع.
وقالوا: رجل أجذم وأقطع، فكان هذا على جذم وقطع وإن لم يتكلم به " يريد أن الفعل من قولنا: أقطع وأجذم قطعت يده وجذمت، وكان القياس أن يقال مقطوعة ومجذومة، ولكنهم قالوا: أقطع وأجذم، على أن فعله قطع وجذم وإن لم يستعمل.
وقد قالوا لموضع القطّع: القطعة، والجذمة والجذمة ". كما قالوا: النزعة، والنزعة " والصلّعة والصلعة للموضع.
وقالوا: امرأة ستهاء، ورجل أسته، فجاءوا به على بناء ضده وهو قولهم أرسح ورسحاء، وأخرم وخرماء "، والأرسح ضد الأسته، لأن الأرسح الممسوح العجز، وكذلك الأزل والأرصع والأخرم

(المقطوع الأنف).
وقالوا: أهضم وهضماء، والمصدر الهضم "، وهو عيب في الخيل، والأهضم: الذي ليس بمجفر الوسط، وهو صغر البطن، قال النابغة الجعدي: خيط على زفرة فتمّ ولم … يرجع إلى دغة ولا هضم وقالوا: أزبر وأغلب، والأغلب: العظيم الرقبة، والأزبر: العظيم الزبرة، والزبرة: موضع الكاهل، فجاءوا بهذا النحو على أفعل، كما جاء على أفعلّ ما يكرهون وقالوا: آذن وأذناء، كما قالوا: سكاء.
والآذن: العظيم الأذن، والأسك: الصغير الأذن جدا.
وقالوا: أخلق وأملس وأجرد "، والأخلق: الأملس، وخلقنه: ملسته.
وقالوا: أخشن، وهو ضد الأملس، وقالوا: الخشنة، كما قالوا: الحمرة، والخشونة، كما قالوا: الصهوبة ". قال سيبويه: " واعلم أن مؤنث كل أفعل صفة فعلاء، وهي تجري في المصدر والفعل مجرى أفعل.
وقالوا: مال يميل وهو مائل، وقالوا: أميل، فلم يجيئوا به على مال يميل " يريد أن باب أفعل ليس باب فعله أن يكون على فعل يفعل، وذلك أن أميل أفعل، وفعله مال يميل، وكان حقه أن يكون ميل يميل ميلا، وإنما حكى سيبويه مال يميل.
ومثل هذا شاب يشيب فهو أشيب، وليس ذلك بالقياس.
وقد حكى غير سيبويه: ميل يميل ميلا فهو أميل، كما قالوا: جيد يجيد جيدا فهو أجيد.
وقالوا في الأصيد: صيد يصيد صيدا، وقالوا: شاب يشيب، كما قالوا: شاخ يشيخ، وقالوا: أشيب، كما قالوا: أشمط، فجاءوا بالاسم على بناء ما معناه كمعناه، وبالفعل على ما هو نحوه أيضا.
يريد جاءوا باسم أشيب على بناء أشمط، ومعناه كمعناه، وجاءوا بفعل أشيب على شاب يشيب، مثل شاخ يشيخ، فاسمه على بناء أشمط، وفعله على فعل شاخ يشيخ.
وقالوا: أشعر، كما قالوا: أجرد للذي لا شعر له.
وقالوا: أزبّ، كما قالوا: أشعر، فالأجرد بمنزلة الأرسح.
لأن الأجرد، الذي لا شعر له، والأرسح: الذي لا عجز له.

" وقالوا: هوج يهوج هوجا، كما قالوا: ثول يثول ثولا وأثول، وهو جنون ".

هذا باب أيضا للخصال التي تكون في الأشياء

قال سيبويه: " أما ما كان حسنا أو قبحا فأنه مما يبنى فعله على فعل يفعل، ويكون المصدر فعالا وفعالة وفعلا "، يريد وما سوى ذلك يحفظ حفظا ". وذلك قولك: قبح يقبح قباحة، وبعضهم يقول: قبوحة، فبناه على فعولة، كما بناه على فعالة، ووسم يوسم وسامة، وقال بعضهم: وساما، فلم يؤنث " يعني لم يدخل الهاء.
كما قالوا: السقام والسقامة، ومثل ذلك جمل جمالا.
ويجيء الاسم على فعيل، وذلك: قبيح ووسيم وجميل وشقيح وذميم، وقالوا: حسن، فبنوه على فعل، كما قالوا: بطل ورجل قدم وامرأة قدمة، يعني أن لها قدما في الخير، فلم يجيئوا به على مثل جريء وشجاع وكمي وشديد " يريد أن الباب في فعل يفعل أن يجيء الاسم على فعيل أو فعال، فإذا خرج عن هذين البناءين فهو شاذ ليس بالباب ويحفظ حفظا، والكثير فعيل وفعال.
كقولك: نظف ينظف وهو نظيف، وقبح يقبح وهو قبيح، وجمل يجمل وهو جميل، وفعيل أكثر من فعال.
قال: وأما الفعل من هذه المصادر فنحو: الحسن والقبح، والفعالة أكثر.
وقالوا: نضر وجهه ينضر فبنوه على فعل يفعل مثل خرج يخرج، لأن هذا فعل لا يتعداك إلى غيرك، كما أن هذا فعل لا يتعداك.
وقالوا: ناضر، كما قالوا: نضر " وإنما ذكر سيبويه نضر وجهه لأنه من باب الحسن والقبح الذي يأتي فعله على فعل يفعل، ليريك خروجه عن الباب، واسم فاعله ناضر ونضير ونضر، فناضر على قياس ما يوجبه فعله، كقولك: خرج يخرج وهو خارج.
ونضير، كما قالوا: وسيم؛ لأنه نحوه في المعنى، وقالوا: نضر، كما قالوا: حسن، إلا أن هذا مسكن الأوسط، وقالوا: ضخم، ولم يقولوا: ضخيم، كما قالوا: عظيم "، وقد حكى أبو العباس المبرد ضخيم.
وقالوا: النّضارة، كما قالوا: الوسامة.
ومثل الحسن السبط والقطط.
وقالوا: سبط سباطه وسبوطه.
ومثل النّضر الجعد، وقالوا: رجل سبط كما بنوه على " فعل " يعني أنه يقال: سبط وسبط.

وقالوا: ملح ملاحة وهو مليح، وسمج سماجة وهو سمج، وقالوا: سميج كقبيح " ولا تقول: سمج، وإن كانت العامة أولعت به.
وقالوا: بهو يبهو بهاء، (وهو بهيّ)، كجمل جمالا وهو جميل.
وقالوا: شنع شناعة وهو شنيع، وقالوا: أشنع، فأدخلوا أفعل في هذا إذ صار خصلة فيه كاللون، وقالوا: شنيع، كما قالوا: خصيف، فأدخلوه على أفعل.
وقالوا: نظف نظافة كصبح صباحة وصبيح.
وقالوا: طهر طهرا وطهارة، وهو طاهر "، ولم يقولوا: طهير.
وقالوا: طهرت المرأة، فاستعملوا طاهرا على طهرت، لا على قولهم: طهرت.
وقالوا: مكث مكثا وهو ماكث "، وقد قالوا: مكيث، فيحمل ماكث على مكث، ومكيث على مكث.
وقال أبو الحسن الأخفش: سبط وسبط وسبط بمعنى واحد.
قال سيبويه: " وما كان من الصغر والكبر فهو نحو من هذا، قالوا: عظم عظامة وهو عظيم، ونبل نباله وهو نبيل، وصغر صغارة وهو صغير، وقدم قدامة وهو قديم.
وقد يجيء المصدر على فعل، وذلك قولك: الصغر والكبر والقدم والعظم والضخم.
وقد يبنون الاسم على فعل، وذلك نحو: ضخم وفخم وعبل وجهم.
وقد يجيء المصدر على فعولة، كما قالوا: القبوحة، وذلك قولهم: الجهومة والملوحة والبحوحة.
وقالوا: كثر كثارة وهو كثير، وقالوا: الكثرة، فبنوه على الفعلة، والكثير نحو من العظيم في المعنى، إلا أن هذا في العدد " يريد أن الكثير مركب من شيء متزايد قد كثر عدته، والعظيم اسم واقع على جملة من غير أن يقدر فيه شيء تزايد وتضاعف، والكبير بمنزلة العظيم وضد العظيم والكبير الصغير، وهذا الكثير القليل؛ لأنه يقصد به قصد تقليل الأضعاف التي فيه أو تكثيرها، والصغير والكبير المقصد فيه جملة الشيء من غير تقدير أضعاف ما تركّب منه.
" وقد يقال للإنسان قليل، كما يقال قصير، فقد وافق ضده وهو العظيم والطويل، والقصير نحو العظيم والصغير ". يريد أن القليل قد يستعمل على غير معنى العدد، كما يستعمل القصير والحقير.
قال: " والطول في البناء كالقبح ". يريد في بناء الفعل؛ لأن وزنهما فعل.
وهو نحوه في المعنى؛ لأنه زيادة ونقصان.
وقالوا: سمن سمنا وهو سمين، ككبر كبرا وهو كبير.
وقالوا: كبر عليّ الأمر كعظم.

وقالوا: بطن يبطن بطنة وهو بطين، كما قالوا: عظيم، وبطن ككبر.
وما كان من الشدة والجرأة والضعف والجبن فإنه نحو من هذا، قالوا: ضعّف ضعفا وهو ضعيف، وقالوا: شجع شجاعة وهو شجاع، وقالوا: شجيع، وفعال أخو فعيل ". وقد ذكرنا فيما مضى أن فعيلا وفعالا أخوان، قالوا: طويل وطوال وكبير وكبار، وخفيف وخفاف.
وقد بنوا الاسم على فعال، كما بنوا على فعول، قالوا: جبان وقالوا: وقور، وقالوا: الوقارة، كما قالوا: الرّزانة.
وقالوا: جروء يجرؤ جرأة.
وجراءة وهو جريء، (ولغة العرب الضّعف كما قالوا: الظّرف وظريف، والفقر وفقير.
وقالوا: غلظ يغلظ غلظا وهو غليظ، كما قالوا: عظم عظما وهو عظيم، وقالوا: سهل سهولة وسهل، مثله: جهم جهومة وجهم، وسهل بمنزلة ضخم.
وقد قال بعض العرب: جبن يجبن، كما قالوا: نضر ينضر " والأكثر جبن يجبن.
وقالوا: قوى يقوى قواية، وهو قويّ، كما قالوا: سعد يسعد سعادة وهو سعيد.
وقالوا: القوّة، كما قالوا: الشّدّة، إلا أن هذا مضموم الأول.
وقالوا: سرع سرعا وهو سريع، ويقال سرعة وسرع ويسرع، قال الأعشى: واستخبري قافل المركبان وانتظري … أوب المسافر إن ريثا وإن سرعا 1 وقالوا: بطؤ بطأ وهو بطيء، وغلّظ غلظا وهو غليظ، وثقل ثقلا وهو ثقيل.
وقالوا: كمش كماشة وهو كميش، مثل سرع، والكماشة مثل الشّجاعة.
وقالوا: حزن حزونة للمكان، وهو حزن، كما قالوا: سهل سهولة وهو سهل.
وقالوا: صعب صعوبة وهو صعب، لأن هذا إنما هو الغلظ والحزونة، وما كان من الرفعة والضّعة، وقالوا: الضّعة، فهو نحو من هذا ". اعلم أن الضعة، وزنها فعلة، والأصل وضعة، مثل قولنا: عدة وزنة، وربما فتحوا شيئا من ذلك إذا كان فيه شيء من حروف الحلق (كما يفتحون في الفعل من أجل حروف الحلق) ما لا يفتح في غيره.
وقالوا: ضعة وضعة، وقوحة وقحة، ولا يقولون في مثل زنة وصفة، زنة وصفة لعدم حرف الحلق.

وقالوا: غني يغني غنى وهو غنيّ، كما قالوا: كبر كبرا وهو كبير، وقالوا: فقير كما قالوا: صغير وضعيف.
وقالوا: الفقر كما قالوا: الضّعف، والفقر كما قالوا: الضّعف، ولم نسمعهم قالوا: فقر، كما لم يقولوا في التشديد، شدد، استغنوا باشتد وافتقر، كما استغنوا باحمارّ عن حمر ". قال أبو سعيد: قولهم افتقر فهو فقير، واشتد فهو شديد، لم يأت فقير وشديد على هذا الفعل، وإنما أتى على فعل لم يستعمل، وهو فقر، كما تقول: ضعف وشددت على فعلت، واستغنوا بافتقر واشتد عن ذلك، كما استغنوا باحمارّ عن حمر؛ لأن الألوان يستعمل فيها فعل كثيرا، كما قالوا: أدم يأدم، وكهب يكهب، وشهب يشهب وما أشبه ذلك، ولم يقولوا: حمر، استغنوا عنه باحمارّ.
قال: " وهذا هنا نحو من الشديد والقويّ، قالوا: شرف شرفا وهو شريف، وكرم كرما وهو كريم، ولؤم لآمة وهو لئيم، كما قالوا: قبح قباحة، ودنؤ دناءة وهو دنيء، وملؤ ملاءة وهو مليء.
وقالوا: وضع ضعة وهو وضيع، والضّعة مثل الكثرة، والضعة مثل الرفعة ". يعني في فتح أوله وكسره، وقوله: " وهذا هنا نحو من الشديد والقوي " إشارة إلى ما بعده.
وقالوا: رفيع، ولم نسمعهم قالوا رفع، وعليه جاء رفيع وإن لم يتكلموا به، فاستغنوا بارتفع، وقالوا: نبه ينبه وهو نابه وهي النّباهة.
كما قالوا: نضر ينضر وهو ناضر، وهي النّضارة، وقالوا: نبيه، كما قالوا: نضير، جعلوه بمنزلة ما هو مثله في المعنى "، يريد معنى نبيه.
وقالوا: (سعد يسعد سعادة)، وشقي يشقى شقاوة، وهو سعيد وشقيّ، فأحدهما مرفوع، والآخر موضوع، وقالوا: الشّقاء، كما قالوا: الجمال والّلذاذ، (حذفوا الهاء استخفافا) "، يريد حذفوا الهاء من الّلذاذة.
وقالوا: رشد يرشد رشدا وراشد، وقالوا: الرشد، كما قالوا: سخط يسخط سخطا، والسّخط وساخط.
وقالوا: رشيد، كما قالوا: سعيد.
وقالوا: الرّشاد (كما قالوا: الشّقاء).
وقالوا: بخل يبخل بخلا، والبخل كاللؤم " يعني في الوزن " والفعل كفعل شقي وسعد.
وقالوا: بخيل، وبعضهم يقول: البخل كالفقر، والبخل كالفقر، وبعضهم يقول: البخل كالكرم.
وقالوا: أمر علينا

وهو أمير كنبه وهو نبيه " وفي بعض النسخ أمر علينا كنبه مفتوحان، والفتح أجود وأفصح ومما يلقى من أبيات المعاني: قد أمر المهلّب … فكرنبوا ودولبوا وحيث شئتم فاذهبوا 1 يريد: قد ولي الإمارة، يخاطب قوما من الشّراة " والإمرة كالرفعة، والإمارة كالولاية " ويقولون: أمر علينا وهو أمير وقالوا: وكيل ووصيّ، وجريّ كما قالوا: أمير لأنها ولاية.
ومثل هذا لتقاربه: الجليس والعديل والقعيد والضجيج والكميع (وهو الجليس) والخليط والنزيع، وأصل هذا كله العديل، ألا ترى أنك تقول في هذا كله: فاعلته " تقول: عادلته فهو عديل، وجالسته فهو جليس.
وإنما قال: " أصل هذا كله العديل "؛ لأنهما تعادلا في فعل كل واحد منهما بالآخر.
وقد جاء فعل، قالوا: خصم، وقالوا: خصيم " قال: " وما أتى من العقل فهو نحو من هذا، قالوا: حلم يحلم حلما فهو حليم، فجاء فعل في هذا الباب كما جاء فعل فيما ذكرنا.
وقالوا في ضد الحلم: جهل يجهل فهو جاهل.
كما قالوا: حرد يحرد فهو حارد، فهذا ارتفاع في الفعل " يعني حلم " واتضاع " يعني جهل.
وقالوا: علم علما، فالفعل كبخل يبخل والمصدر كالحلم.
وقالوا: عالم، كما قالوا في الضد: جاهل، وقالوا: عليم، كما قالوا: حليم.
وقالوا: فقه وهو فقيه، والمصدر فقه (كما قالوا: علم علما وهو عليم.
وقالوا: اللّب واللّبابة ولبيب، كما قالوا: الّلؤم واللآمة ولئيم.
وقالوا: فهم يفهم فهما وهو فهم، ونقه، ينقه نقها وهو نقه.
وقالوا: الفهامة، كما قالوا: الّبابة، وسمعناهم يقولون: ناقة، كما قالوا: عالم.
وقالوا: لبق يلبق لباقة وهو لبق، لأن هذا علم وعقل ونفاذ، فهو بمنزلة الفهم والفهامة ". وقد ذكر غير سيبويه الفهم بتسكين الهاء، وبه سمّي فهم وعدوان قبيلتان من قيس.
وقالوا: الحذق، كما قالوا: العلم، وقالوا: حذق يحذق، كما قالوا: صبر يصبر.2

وقالوا: رفق يرفق رفقا وهو رفيق، كما قالوا: حلم يحلم وحليم.
وقالوا: رفق، كما قالوا: فقه، وقالوا: عقل يعقل عقلا وهو عاقل، كما قالوا: عجز يعجز وهو عاجز، أدخلوه في باب عجز يعجز، لأنه مثله في أنه لا يتعدى.
وقالوا: رزن رزانة (وهو رزين) ورزينة.
وقالوا للمرأة: حصنت حصنا وهي حصان، وجبنت جبنا وهو جبان، وإنما هذا كالحلم والعقل.
وقالوا: حصنا، كقولهم: جبنا، وقالوا لها أيضا: ثقال ورزان.
وقالوا: صلف يصلف صلفا، وصلف، وفهم فهما، وفهم.
وقالوا: رقع رقاعة، كقولهم: حمق حماقة؛ لأنه مثله في المعنى، وقالوا: الحمق، كما قالوا: الحصن، (وقالوا أحمق) وفي بعض النسخ كما قالوا: الجبن.
وقالوا: أحمق، كما قالوا: أشنع.
وقالوا: خرق خرقا، وأخرق، وقالوا: النّواكة، وأنوك، وقالوا: استنوك، ولم نسمعهم قالوا نوك، كما لم يقولوا فقر.
يريد أن أنوّك لم يجئ على استنوك، وإنما جاء على نوك وإن كان لم يستعمل، كما لم يستعمل فقر.
وقالوا: حمق في معنى أحمق، كما قالوا: نكد وأنكد.
قال سيبويه: واعلم أن ما كان من التضعيف من هذه الأشياء فإنه لا يكاد يكون فيه فعلت وفعل؛ لأنهم قد يستثقلون فعل والتضعيف، فلما اجتمعا حادوا إلى غير ذلك، وهو قولك: ذلّ يذلّ ذلّا وذلّة وذليل، فالاسم والمصدر يوافق ما ذكرنا.
والفعل يجيء على باب جلس يجلس.
وقالوا: شحيح والشح كالبخيل والبخل.
وقالوا: شحّ يشح، وقالوا: شححت كما قالوا: بخلت، وذلك لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة.
ألا ترى أن فعل أكثر في الكلام من فعل، والياء أخف من الواو وأكثر.
وقالوا: ضننت ضنّا كرفقت رفقا، وقالوا: ضننت ضنانة كسقمت سقامة " قال أبو سعيد: حكى سيبويه ضننت تضنّ كعضضت تعضّ، وضننت تضن كقررت تقرّ والأول أفصح.
وحكى شحّ يشح مثل قرّ يقرّ، وشححت تشحّ مثل عضضت تعض، والأول أفصح.
قال: وليس شيء أكثر في كلامهم من فعل، ألا ترى أن الذي يخفف عضدا وكبدا لا يخفف جملا "، فتقول جمّل كما تقول: عضد وكبد، وإنما يريد سيبويه بذكر

ما ذكر ثقل الضم في نفسه، وثقله مع التضعيف.
وقالوا: لبّ يلب، وقالوا: اللّب الّلبابة والّلبيب.
وقالوا: قلّ يقلّ، ولم يقولوا فيه كما قالوا في كثر وظرف " يريد لم يقولوا قللت كما قالوا: كثرت استثقالا.
" وقالوا: عفّ يعفّ وهو عفيف، وزعم يونس أن من العرب من يقول: لببت تلبّ، كما قالوا: ظرفت تظرف، وإنما قلّ هذا لأن الضمة تستثقل فيما ذكرت لك "، يعني في عضد ونحوه.
" فلما صارت فيما يستثقلون فاجتمعا فروا منهما ". يعني صارت في المضاعف، والأكثر في الكلام لببت تلبّ.
قالت صفية بنت عبد المطلب (1) في ابنها الزبير وهو صغير: أضربه لكي يلبّ … وكي يقود ذا اللّجب (2)

هذا باب علم كل فعل تعداك إلى غيرك

" اعلم أنه يكون كل ما تعداك إلى غيرك على ثلاثة أبنية: على فعل يفعل، وفعل يفعل (وفعل يفعل)، وذلك نحو: ضرب يضرب، وقتل يقتل، ولقم يلقم.
وهذه الأضرب تكون فيما لا يتعداك، وذلك نحو: جلس يجلس، وقعد يقعد، وركن يركن، ولما لا يتعداك ضرب رابع لا يشركه فيه ما تعداك نحو: كرم يكرم، وليس في الكلام فعلته متعديا.
وضروب الأفعال أربعة يجتمع في ثلاثة: منها ما يتعدى (وما لا يتعدى)، ويبين بالرابع ما لا يتعدى وهو فعل يفعل.
وليفعل أبنية يشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى: يفعل ويفعل ويفعل، نحو: يضرب ويقتل ويلقم، وفعل على ثلاثة أبنية، وذلك فعل وفعل وفعل، نحو: قتل ولزم ومكث.
فالأولان يشترك فيهما المتعدي وغيره، والآخر لما لا يتعدى كما جعلته لما لا يتعدى حيث وقع جعلته رابعا ".12

قال أبو سعيد: جملة هذا الكلام أن الأفعال المتعدية يكون على وزنها ما لا يتعدى، لأن ضرب يضرب يتعدى، وعلى وزنه جلس يجلس لا يتعدى، وقتل يقتل يتعدى، وعلى وزنه قعد يقعد وهو لا يتعدى، ولقم يلقم يتعدى، وعلى وزنه كمد يكمد لا يتعدى.
فهذه الأفعال الثلاثية، ثلاثة اشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى، وقد انفرد ما لا يتعدى ببناء وهو فعل، ولا يكون مستقبله إلا يفعل، نحو كرم يكرم، وظرف يظرف، فقد صار فعل يفعل بناء رابعا ينفرد به ما لا يتعدى، والماضي من الثلاثي فعل وفعل وفعل، فاشترك المتعدي وغير المتعدي في فعل وفعل، وهو الذي قال سيبويه.
فالأولان يشترك فيهما المتعدي وغير المتعدي، والآخر لما لا يتعدى يعني فعل، ويقرب هذا كله عليك أن تحفظ أن ما كان ماضيه على فعل لا يتعدى البتة.
وذكر سيبويه بعد هذا الفصل إلى آخر الباب ما شذ عن قياسه في المستقبل والماضي، فمن ذلك أربعة أفعال من الصحيح جاءت على فعل يفعل، والقياس في فعل أن يكون مستقبله على يفعل، إلا أنهم شبهوا فعل يفعل بقولهم: فعل يفعل، وذلك قولهم: حسب يحسب، ويئس ييئس، ويبس ييبس، ونعم ينعم.
قال: " وسمعنا من العرب من يقول: وهل ينعمن من كان في العصر الخالي 1 وأنشدوا: وأعوجّ غصنك من لحو ومن قدم … لا ينعم الغصن حتى ينعم الورق 2 وقال الفرزدق: وكوم تنعم الأضياف عينا … وتصبح في مباركها ثقالا 3 والفتح في هذه الأفعال جيد، وهو أقيس ". يعني حسب يحسب، ويئس ييأس، يبس ييبس ونعم ينعم.
" وقد جاء في الكلام فعل يفعل (في حرفين)، وذلك: فضل يفضل، ومتّ تموت، وفضل يفضل، ومت تموت أقيس ". قال أبو سعيد: قد ذكرت فيما مضى من غير سيبويه حضر يحضر بشاهده من

الشعر.
قال سيبويه: " وقد قال بعض العرب: كدت تكاد، فقال: فعلت تفعل، كما قالوا: فعلت أفعل ". قال: " فكما ترك الكسرة، كذلك ترك الضمة، وهذا قول الخليل، وهو شاذ من بابه، كما أن فضل يفضل شاذ من بابه ". أي فكما ترك كسرة كدت، كذلك ترك ضمة متّ.
قال: " فكما شركت يفعل يفعل، كذلك شركت يفعل يفعل، وهذه الحروف من فعل يفعل إلى منتهى الفصل شواذ " يعني سواء في الشذوذ، ومعنى قوله: " كما شركت يفعل يفعل، كذلك شركت يفعل "، يريد: أما شركة يفعل يفعل فقولهم: فضل يفضل، وكان القياس أن يقال يفضل، وشركة يفعل يفعل أنهم قالوا: كدت تكاد، وكان القياس أن تقول: تكود، كما تقول: قلت تقول.

هذا باب ما جاء من المصادر فيه ألف التأنيث

قال سيبويه: " وذلك قولك: رجعته رجعى، وبشّرته بشرى، وذكّرته ذكرى واشتكيت شكوى، وأفتيته فتيا، وأعداه عدوى والبقيا.
ومعنى البقيا الإبقاء على الشيء، تقول: ما عند فلان بقيا على فلان، أي لا يبقي عليه في مكروه أو غير ذلك، قال: فما بقيا عليّ تركتماني … ولكن خفتما صرد النّبال " فأما الحذيا فالعطيّة، والسّقيا ما سقيت، والدّعوى ما أدّعيت.
وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين " أي في دعائهم " وقال بغر بن النّكث: ولّت دعواها كثير صخبه دخلت الألف كدخول الهاء " جعل سيبويه ما ذكره مصادر مؤنثه بالألف، كما يكون المصدر مؤنثا بالهاء كقولك: العدة والزنة والركبة والجلسة وغير ذلك.
وأما الحذيا والسّقيا فمصدران في الأصل مثل الفتيا والرّجعى، وإن كان قد وقعا على المفعول؛ لأن المصدر قد يقع على المفعول كقولهم: درهم ضرب في معنى مضروب، وأنت رجائي في معنى مرجوّي.
واللهم

أغفر لنا علمك فينا أي معلومك من ذنوبنا.
وأما الدّعوى فقد تكون الشيء المدّعى مثل الحذيا ومثل السّقيا، وقد تكون الكلام الذي هو دعاء، وقوله: كثير صخبه فأدخلوا الهاء في صخبه لدعواها، والدعوى مؤنث؛ وذكّره لأنه أراد دعاءها.
وقالوا: الكبرياء للكبر.
قال سيبويه: " وأما الفعيلى فتجيء على وجه آخر، تقول: كان بينهم رمّيّا، فليس يريد رميا، ولكنه يريد ما كان بينهم من الترامي وكثرة الرّمي، ولا يكون الرّمّيا واحدا، وكذلك الحجّيزى.
وأما الحثيثى فكثرة الحثّ، كما أن الرّميّا كثرة الرّمي، ولا يكون من واحد " يعني ما ذكره من الرّميا والحثّيثى والحجّيزى، وقد يكون من هذا الوزن ما يكون لواحد.
قالوا: الدّلّيلى يراد به كثرة العلم بالدّلالة والرسوخ فيها، وقالوا: القتّيتى " وهي النّميمة " والهجّيرى: كثرة القول والكلام ". وقال " أبو الحسن: الاهجيرى، وهو كثرة كلامه بالغي يردده، ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لولا الخلّيفى لأذّنت، يعني الخلافة وشغلنه بحقوقها والقيام بها على مراعاة الأوقات التي يراعيها المؤذنون.
وفعّيلى عند النحويين والذين حكوا عن العرب مقصور كله، ولا يعرف فيه المدّ، إلا ما حكي عن الكسائي أنه سمع خصيّصا قوما، والأمر بينهم فيضوضاء، بالمد والقصر، والفيضوضاء الأمر المشترك بين القوم، وأجاز قياسا على هذا في جميع الباب المد والقصر، وخالفة الفراء في ذلك، ولا نعلم واحدا قال ما قاله.

هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل

قال سيبويه: " وذلك قولك: هو حصن الطعمة، ومثله قتلة سوء، وبئست الميتة وإنما تريد الضرب الذي أصابه من القتل والذي هو عليه من الطّعم، مثل الركبة والجلسة والقعدة، وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى، وذلك نحو: الشدّة والشعرة والدرّة " قال أبو سعيد: اعلم أن الفعلة قد تجيء على ضربين: أحدهما للحال التي عليها المصدر، ولا يراد بها العدد، كقولنا: فلان حسن الرّكبة والجلسة، يراد بذلك أنه متى ركب كان ركوبه حسنا، وإذا جلس كان جلوسه حسنا في أوقات ركوبه وجلوسه، وأن ذلك عادته في الركوب والجلوس، وحسن الطّعمة، أي ذلك فيه موجود لا يفارقه، والوجه

الآخر أن يكون مصدرا كسائر المصادر، لا يراد حال الفاعل في فعله، كقولك: درى فلان درية، ولفلان شدّة وبأس، وشعر فلان بالشّعر شعرة.
قال سيبويه: " وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع استخفافا ". والأصل عنده (ليت شعرتي)، يريد به معنى علمي ومعرفتي، وما أشعره، وأسقطت الهاء لكثرة استعمالهم، وأنه صار كالمثل حتى لا يقال: ليت علمي، وصار بمنزلة قولهم: ذهب فلان بعذرة امرأته إذا افتضّها، ثم يقال للرجل إذا بنى بالمرأة: هذا أبو عذرها، فيحذفون الهاء؛ لأنه صار مثلا.
ويقولون: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه، وهو تصغير معدّيّ، بتشديد الدال، وكان حكمه معيّديّ، بتشديد الدال والياء، فخففوا الدال لأنه مثل.
وتجيء فعلة مصدرا لما كان فاء الفعل منه واوا، كقولهم: وزن وزنا وزنة، ووعد وعدا وعدة، ووثق به ثقة، وأصله وزنة ووعدة ووثقة.
وتقول: هو بزنته، تريد أنه بقدره، ويقال: العدّة، كما يقال: القتلة والضّعة والقحة، ويقولون: وقاح بيّن القحة، لا تريد شيئا من هذا، كما تقول: الشدة والدّرية والرّدّة، وأنت تريد الارتداد.
يريد أن القحة مصدر لا تريد به حال الفعل، بل يكون بمنزلة الشدة والدّرية، وأنشد بيتا فاسدا ذكر أن المازني لم يحسن أن يقرأه وهو: فرحن ورحت إلى قليل … ردّتي إلا أمامي ولم أعلم أن أحدا يرويه، وهو مكسور ناقص، فاستدللت منه على ما لو جعل تماما له لم يبعد ولم يخرج عما دل عليه بقية البيت وهو: فرحن ورحت منه إلى ثقال … قليل ردّتي إلا أمامي 1 كأن قائل هذا الشعر شيخ قد كبر، فإذا ركب لم يمكنه أن يردّ ما يركبه إلى خلفه لعجزه، والثّقال: البطيء الذي لا ينبعث، فإذا لم يرجع إلى خلفه وهو على ثقال، فهو إذا كان على غيره أبعد من الرجوع.
قال سيبويه: " وإذا أردت المرة الواحدة (من الفعل) جئت به أبدا على فعلة على

الأصل؛ لأن الأصل فعل، فإذا قلت: الجلوس والذّهاب وغير ذلك فقد ألحقت زيادة ليست من الأصل، ولم تكن في الفعل، وليس هذا الضرب من المصادر لازما بزياداته لباب فعل كلزوم الإفعال والاستفعال ونحوهما لأفعالهما، فكان ما جاء على فعل فأصله عندهم الفعل، فإذا جاءوا بالمرة جاءوا بها على فعلة، كما جاءوا بتمرة على تمر، وذلك قولك: فعدت قعدة وأتيت أتية " قال أبو سعيد: واعلم أن أصل المصدر في الفعل الثلاثي فعل، بفتح الفاء وتسكين العين، وإن نطق بغيره أو زيد فيه زيادات.
واستدلّ سيبويه أنه قد يقال في المرة الواحدة فعلة، وإن كان في المصدر زيادة، كقولهم: جلست جلسة، وقمت قومة، وشربت شربة.
والمرة الواحدة إذا كانت بالهاء، فالباب في الجنس أن يكون بطرح الهاء من ذلك اللفظ، كقولهم: تمرة وتمر وجمرة وجمر، وكان الأصل أن تقول جلس جلسا، وقعد قعدا؛ لأن الواحدة قعدة وجلسة، ولكنهم تصرفوا في مصادر الثلاثي، فزادوا وغيّروا، كالجلوس والذّهاب والقيام.
وما كان فيه الزيادات من الأفعال الثلاثية، أو كان على أكثر من ثلاثة أحرف، فالمصدر لا يتغير كالأفعال في مصدر أفعل، كقولهم: أكرم إكراما، وأمضى إمضاء، والاستفعال في مصدر استفعل، كقولك: استغفر استغفارا، واستخرج استخراجا.
وقد يزيدون الهاء على المصدر الذي فيه الزيادة، يريدون به مرة واحدة.
تقول: أتيته إتيانة، ولقيته لقاءة واحدة، فجاءوا به على المصدر المستعمل في الكلام كما قالوا: أعطى إعطاء، واستدرج استدراجا.
وما كان من الفعل على أكثر من ثلاثة أحرف، فالمرة الواحدة بزيادة الهاء على مصدره المستعمل لا غير، كالاستغفار والإعطاء والتكسير، يراد بذلك كله مرة واحدة.
وقالوا: غزاة، فأرادوا عمل وجه واحدا كما قيل: حجّة تريد عمل سنة، ولم يجيئوا به على الأصل.
يريد أنه كان حقه أن يقول للمرة الواحدة: غزوة وحجّة، ولكنه جعل اسما لعمل سنة واحدة في الحجّ، وغزوة في وجه واحد.
" وقالوا: قنمة، وسهكة، وخمطة، جعلوه اسما لبعض الريح، كالبنّة والشّهدة والعسلة، ولم يرد به فعل فعلة " يعني أن القنمة اسم للرائحة الموجودة في الوقت، والخمطة: تغيّر الشراب إلى الحموضة، والبنّة: رائحة موضع الغنم وأبعارها.

هذا باب نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياء والواو منهن في موضع اللامات

قال سيبويه: " قالوا: رميته رميا وهو رام، كما قالوا: ضربته ضربا وهو ضارب، ومثل ذلك مراه يمريه مريا، وطلاه يطليه طليا، وهو مار وطال، وغزاه يغزوه غزوا وهو غاز، ومحاه يمحوه محوا وهو ماح، وقلاه يقليه قليا وهو قال، وقالوا: لقيته لقاء، كما قالوا: سفدها سفادا، وقالوا: اللّقيّ، كما قالوا: النّهوك ". يريد أن وزن اللّقيّ فعول، وأصله لقوي، وقلبت الواو ياء لسبقها بالسكون.
وقالوا: قليته فأنا أقليه قلى، كما قالوا: شريته شرى.
وقد جاء في هذا الباب المصدر على فعل، قالوا: هديته هدى، ولم يكن هذا في غير هدى، وذلك لأن الفعل لا يكون مصدرا في هديت، فصار هدى عوضا منه.
قال أبو سعيد: اعلم أن فعلا يقلّ في المصادر، وكلام سيبويه ظاهره يوجب أنه لم يأت مصدر على فعل غير هدى.
وللقائل أن يقول: قد وجدنا تقى وسرى وسلى فيمن قصر، وقد تكلم النحويون فيه، فذكر عن المبرد أنه قال: وإن تقى تعل، وأن التاء زائدة وفاء الفعل محذوفة، وذلك أن العرب يقولون في موضع اتقى يتقي بفتح التاء من (تقى يتقي)، وذلك أنهم يحذفون التاء الأولى الساكنة التي هي بدل (من الواو في وقيت)، فإذا حذفوها وليت ألف الوصل التاء الثانية المتحركة فسقطت، فصار تقى، وصار في المستقبل يتقي، فإذا أمرت قلت: تق ربك يا زيد، وللمرأة: تقي ربك يا هند، وبعض الناس يظن أنه يقال: تقى يتقي بسكون التاء، ولو كان كما ظن لكان بمنزلة رمى يرمي، ولكان الأمر منه اتق يا زيد، كما تقول: ارم يا زيد، وكلام العرب على ما ذكرناه أولا، قال الشاعر: زيادتنا نعمان لا تنسينّها … تق الله فينا والكتاب الذي تتلو 1 وقال آخر: تقوه أيّها الفتّيان إنّي … رأيت الله قد غلب الجدودا 2

وقال آخر (في المتصل): جلاها الصّيقلون فأخلصوها … فجاءت كلّها يتقي بأثر 1 فمذهب أبي العباس أن فاء الفعل سقطت في المصدر كسقوطها في الفعل، وأن الباقية هي تاء افتعل، فلهذا وزنه يتعل.
وقال أبو إسحاق الزجاج: هو فعل، وكان يقول: إن تقي مخفف من اتّقى يتّقي، وهو متعد، وكان يزعم أن سيبويه إنما قال في هدى: إنه لم يجئ غيره، يرد في الفعل المتعدى، وأن سرى مصدر فعل لا يتعدى، والذي قاله غير معروف؛ لأنه لا يعرف تقى يتقي، ولا يؤمر منه باتق، كما يقال: ارم.
وبكى فيه لغتان: المد والقصر، وكأن القصر تخفيف، والأصل المد لأنه صوت، والصوت بابه أن يجيء على فعال في المصادر.
وقد مضي الكلام على نحو ذلك.
ومعنى قول سيبويه: " وذلك لأن الفعل لا يكون مصدرا في هديت " معناه وذلك: في هديت، يعني وهدى في هديت خاص؛ لأن الفعل بلغت معه، فصار هدى عوضا من الفعل؛ لأن الفعل يكثر في المصادر.
وقال: قليته قلى، وقريته قرى، فأشركوا بينهما.
يعني بين فعل قلى، وبين فعل في هدى، فصار هذان البناءان عوضا من الفعل في المصدر؛ لأن الأصل الفعل، وكان حقه أن يقال في الأصل: هديته هديا، وقليته قليا، وقريته قريا.
فدخل كل واحد منهما في صاحبه، كما قالوا: كسوة وكسا، وجذوة وجذا وصّوة وصوى، والصّوّة حجارة تجمع وتجعل علامة في الطريق.
وفعل وفعل أخوان؛ لأنك إذا جمعت فعلة قلت: فعل، وإذا جمعت فعلة قلت: فعل، فلم تزد على فتح الثاني فيهما، وكذلك إذا جمعتهما بالتاء جاز في كل واحد منهما ثلاث لغات: الإتباع وفتح الثاني وتسكينه، تقول في ظلمة: ظلمات وظلمات وظلمات، وفي كسرة: كسرات وكسرات وكسرات، فهما يجريان مجرى واحدا.
وفي المعتل يقال: رشوة ورشا، ورشوة ورشا، وكذلك في جذوة، وفي كسوة.
" وقالوا: شريته شرى، ورضيته رضى، فالمعتل يختص بأشياء، وستراه فيما

يستقبل إن شاء الله " فاختصاص المعتل الذي ذكره سيبويه أن فعل يقل في مصادر غير المعتل، وقد كثر المعتل، وفعل لا يوجد في غير المعتل.
قال: " وقالوا: عتا يعتو عتوا، ودنا يدنو دنوّا، وثوى يثوى ثويّا، ونمى ينمي نماء، وبدا يبدو بداء، ونثا ينثو نثاءا، وقضي يقضي قضاء ". وذكر بعد هذا بدا ونثا، بالقصر.
قال: " وإنما كثر الفعال في هذا كراهية الياءات والواوات مع الضمة ". يريد أنهم عدلوا عن فعول إلى فعال؛ لأنهم لو جاءوا به على فعول قالوا: بدا بدوّا، ونثا نثوّا، وقضي قضيّا، كما قالوا: ثوي ثويّا، ودنا دنوّا، على أن الفعال جاء في غير المعتل، نحو: الذّهاب والصّواب والثّبات.
وقالوا: جرى جريا، كما قالوا: سكت سكتا، وقالوا: زنى زنا، وسرى يسرى سرى، والتّقى، فصارتا عوضا من فعل أيضا، فعلى هذا يجري الفعل المعتل الذي حرف الاعتلال منه لام " وقد جاء المد في زناء وشراء؛ لأنه فعل يقع من الاثنين، كل واحد منهما مثل فعل الآخر، فصار بمنزلة ضاربته ضرابا، وقاتلته قتالا (فاعرف ذلك إن شاء الله).
قال سيبويه: " وقالوا: قوم غزّى وبدّى وعفّى، كما قالوا: ضمّر وشهّد وقرّح، وقالوا: السّقاء والجنّاء، كما قالوا: الجلّاس والعبّاد والنسّاك " قال أبو سعيد: ذكر سيبويه جمع الفاعل في هذا الموضع، وليس بباب له شاهدا على ما مر من المصادر مقصورا وممدودا، كقولهم: بدا وبداء، وما جاء على فعل وفعال، فالفعل نحو: الحلب والسّلب، والفعال نحو: الذّهاب والثّبات، ومثله من أسماء الفاعلين فعّل وفعّال، بثبات الألف قبل آخره وسقوطها، والجنّاء مصدر الجاني الذي يجني الثّمرة، بتشديد النون.
قال: " وقالوا: بهو يبهو بهاء وهو بهيّ، وسرو يسرو سروّا، وهو سرىّ، كما قالوا: ظرف يظرف ظرفا، وهو ظريف، وقالوا: بذو يبذو بذاء وهو بذيّ، كما قالوا: سقم سقاما وهو سقيم.
وبعض العرب يقول: بذيت كما تقول شقيت، ودهوت وهو دهيّ، والمصدر الدّهاء، كما تقول: سمح سماحا، وقالوا: داه، كما قالوا: عاقل، ومثله في اللفظ عقر وهو

عاقر.
وقد مضى الكلام على فعل وهو فاعل.
" وقالوا: دها يدهو وداه، كما قالوا: عقل وعاقل، وقالوا: دهيّ كما قالوا: لبيب.
ثم ذكر المعتل العين، والذي مضى المعتل اللام، فقال: تقول: بعته بيعا وكلته كيلا، وسقته سوقا، وقلته قولا، وقالوا: زرته زيارة، وعدته عيادة، وحكته حياكة، أرادوا الفعول ففروا إلى هذا كراهية الواوات والضمات، ومع هذا أنهم قالوا في الصحيح: عبد عبادة وعمر عمارة.
ولو أتوا به على فعول لقالوا: زرته زؤورا، وعدته عؤودا.
وقد جاء مثل ذلك على استثقاله.
وقد ذكر سيبويه في آخر الباب، وهو سرته فأنا أسوره سؤورا، ومعناه سرت إليه، أي ارتفعت إليه.
وقالوا: غار يغور غؤورا إذا غاب، قال الأخطل: لمّا أتوها بمصباح ومبزلهم … سارت إليهم سؤور الأبجل الضّاري 1 وقالوا: خفته فأنا أخافه خوفا وهو خائف، كما يقال: لقمته ألقمه لقما وهو لاقم، وهبته أهابه هيبة وهو هائب، كما قالوا: خشيته خشية وهو خاش، وقالوا: رجل خاف.
وأصله خوف، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وخوف بمنزلة فزع وفرق والمعنى واحد.
" وقالوا: ذمته أذيمه ذاما، وعيبته أعيبه عابا، كما تقول: سرقه سرقا " وزن الذّام والعاب فعل.
وسؤته سوءا، وقتّه قوتا (وقد قال قبل هذا: قتّه قوتا) في المصدر، وجعل القوت اسما لما يقتات.
وعفته عيافة فأنا أعافه، وهو عائف.
وقالوا: غابت الشمس تغيب غيوبا، وبادت تبيد بيودا، وقام يقوم قياما، وصام يصوم صياما كراهية للفعول لو قلت: قؤوما وصؤوما، ونظيره من الصحيح نفر نفارا.
وقالوا: آبت الشمس إيابا، وقال بعضهم: أؤوبا، كما قالوا: الغؤور والسّؤور، ونظيرها من غير المعتل الرجوع، ومع هذا أنهم أدخلوا الفعال يعني في الصحيح.
فقالوا: النّفار والنّفور، وشبّ شبابا وشبوبا، فهذا يكثر نظيره من العلة، وقالوا:

ناح ينوح نياحة، وقاف يقوف قيافة، وصاح صياحا، وغابت الشمس غيابا، كراهية للمفعول في بنات الياء.
وقد ذكر الغيوب والبيود على استثقالهم إيّاه.
وقالوا: دام يدوم دواما، وهو دائم، وزال يزول زوالا وهو زائل، وراح يروح رواحا وهو رائح، كراهية للفعول.
وقالوا: حاضت المرأة حيضا، وصامت المرأة صوما، وحال الرجل حولا، كما تقول: سكت سكتا، وعجز عجزا.
وقالوا: لعت تلاعا لاعا، وهو لاع، كما قالوا: جزع جزعا وهو جزع.
وقالوا: دئت تداء داء وهو داء، فاعلم.
وقالوا: وجع يوجع وجعا وهو وجع.
وقالوا: لعت وهو لائع مثل بعت وهو بائع، ولاع أكثر.

هذا باب نظائر بعض ما ذكرناه من بنات الواو التي فيهن فاء

قال سيبويه: " تقول: وعدته أعده وعدا، ووزنته أزنه وزنا، ووأدته أئده وأدا "، والوأد: قتل البنات.
كما قالوا: كسرته أكسره كسرا، ولا يجيء في هذا الباب يفعل.
لأنهم استثقلوا الواو مع الياء، وكان أصله يوعد ويوزن.
قال: " والدليل على استثقالهم الياء مع الواو أنهم يقولون: ياجل وييجل في يوجل ". فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وألزموا هذا الباب يفعل إذا كان الماضي على فعل؛ لأنهم إذا حذفوا الواو كانت الياء مع كسرة أخف من الياء مع ضمة، والياء مع الواو والكسرة في تقدير ياعد الذي هو يعد أخف من الياء والواو والضمة في يوعد ويوزن لو جاء على يفعل، فصرفوه إلى يفعل، وحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة.
والكوفيون يقولون: إن الواو سقطت فرقا بين ما يتعدى وبين ما لا يتعدى من هذا الباب.
فما يتعدى منه فنحو: وعده يعده، ووزنه يزنه، ووقمه يقمه، وما لا يتعدى نحو قولنا: وجل يوجل، ووحل يوحل، ووهم يوهم، والذي قالوه من ذلك باطل من غير وجه، من ذلك أن ما جاء على فعل يفعل من هذا الباب تسقط واوه، وإن كان لا يتعدى، وذلك كثير، كقولنا: وكف يكف، ووجب القلب يجب، وونم الذباب ينم إذا ذرق، ووخد البعير يخد ووجد عليه في الموجدة يجد، وهو أكثر من أن يحصى.
ومن الدليل أيضا على ذلك أنّا رأينا بعض الأفعال من هذا الباب يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، وكان يفعل منه بإثبات

الواو، ويفعل بإسقاطها.
وقالوا: وحر صدره على يحر، ووغر يغر، وقالوا: يوغر ويوحر، فأثبتوا الواو في يفعل، وأسقطوها في يفعل.
فوضح بذلك أن سقوط الواو في يعد ويزن من أجل وقوعها بين ياء وكسرة لا من أجل التعدي.
فإن قال قائل: فإذا كان سقوط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فلم أسقطوها من يهب ويضع ويطأ ويقع؟ قيل: الأصل في ذلك يفعل، وكان يوهب ويوضع ويوطيء ويوقع، ووطيء يوطيء منه على فعل يفعل، نحو: حسب يحسب، وفي المعتل: وثق يثق، فسقطت الواو منه لوقوعها بين ياء وكسرة، فصار يهب ويطيء ويضع ويقع، ثم فتح من أجل حرف الحلق، كما قالوا: صنع يصنع، وقرأ يقرأ من أجل حرف الحلق، وما لم يكن فيه حرف الحلق في موضع عينه أو لامه لم نجز فيه ذلك.
فإن قال قائل: إذا قلتم إن الواو تسقط لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك فهلا أسقطتموها لوقوعها بين ياء وضمة استثقالا لذلك، وهي أثقل في قولك: وضؤ يوضؤ، ووسم يوسم إذا صار وسيما، ووقح الحافر يوقح؟ قيل له: إنما أتموا هذا الباب لأنه لزم طريقا واحدا لا يمكن فيه التغيّر في وزنه، فلما ألزموه ذلك ألزموا التمام فيه، وهو أن باب وعد ووزن هو على فعل، وفعل يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، فاقتصروا على يفعل منه لما ذكرنا من العلة، فكان اقتصارهم على يفعل تغيّرا لما يوجبه القياس في مستقبل فعل، فحملهم التغيير في ذلك على أن حذفوا الواو أيضا، وهو تغيير أيضا آخر لما فيه من الاستثقال، فكأنهم أتبعوا التغيير التغيير، وهذا التغيير يسلكه سيبويه كثيرا.
وأما قولهم: وسم يوسم فإنه على فعل، ويلزم مستقبل فعل يفعل، فلما لم يغيّر مستقبله الذي هو واجب في الصحيح في مثل: ظرف وكرم لم تحذف الواو منه؛ لأن الأصل هو يفعل فيه، وإن ثبتت الواو، فلما لم يغيّر أحدهما لم يغيّر الآخر.
ومما يقوي ذلك أن فعل لا يأتي مستقبله إذا كان في موضع عينه أو لامه حرف من حروف الحلق فيجعل على يفعل، كما يجعل ما كان ماضيه على فعل.
فإن قال قائل: فقد تقع الواو بين ياء وكسرة في مثل يوقن ويوصل فهلا حذفت؟ فالجواب فيه نحو ما ذكرنا أن مستقبل أفعل لا يتغير عن يفعل، كما أن مستقبل فعل لا يتغير عن يفعل، ومع ذلك فإن الواو الساكنة إذا كان قبلها ضمة كالإشباع للضمة، والاستثقال لها أقل.

وقد ذكر سيبويه أن من العرب من يقول: يجد، وذلك قليل، وحذفوا الواو من يجد؛ لأن الأصل فيه يجد، فسقطت الواو من أجله.
" وقالوا: ورم يرم، وورع يرع ورعا وورما، ويورع لغة، ووغر صدره يغر، ووحر يحر وحرا ووغرا، ويوغر ويوحر أكثر، وولي يلي، ووثق يثق، وومق يمق، وورث يرث " وقد كثر في المعتل من هذا الباب فعل يفعل على قلته في الصحيح.
والسبب في ذلك كراهتهم الجمع بين ياء وواو لو قالوا: ولي يولي، ووثق يوثق، فحللوه على بناء تسقط فيه الواو، وما كان من الياء فإنه لا تسقط منه الياء، لوقوعها بين ياء وكسرة، كقولهم يئس ييئس، وييس ييس ويسر ييسر من الميسر، ويمن ييمن من اليمن؛ لأن الياء أخف من الواو؛ لأنهم يفرون من الواو إلى الياء، ولا يفرون من الياء إلى الواو، فلما كانت الياء أخف سلّموه إذ كانت فاء الفعل.
ومن العرب من يجري الياء مجرى الواو وهو قليل، فيقول: يئس يئس، والأصل فيه ييئس، فسقطت الثانية منه لوقوعها بين ياء وكسرة كسقوط الواو في يعد ويزن.

هذا باب افتراق فعلت وأفعلت

قال سيبويه: " تقول: دخل وخرج وجلس، فإذا خبّرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أدخله وأخرجه وأجلسه، وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته.
فأكثر ما يكون إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت، ومن ذلك أيضا مكث وأمكثه.
وقد يجيء الشيء على فعّلت فيشرك أفعلت، كما أنهما قد يشتركان في غير هذا.
وذلك قولك: فرح وفرّحته، وإن شئت قلت أفرحته، وغرم وغرمته وأغرمته إن شئت، كما تقول فزّعته وأفزعته، وقالوا: ملح وملّحته، وسمعنا من العرب من يقول: أملحته، كما تقول: أفزعته.
وقالوا: ظرف وظرّفته، ونبل ونبّلته، ولا يستنكر أفعلت فيهما، ولكن هذا أكثر، واستغني به.
ومثل أفرحته وفرّحته أنزلت ونزّلته، قال الله عز وجل: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً 1، وكثّرهم وأكثرهم.
ويدخل في ذلك عرف زيد أمره وعرّفت زيدا أمره ".

قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يسمى باب نقل الفعل عن فاعله وتصييره مفعولا، وذلك أن الفعل الثلاثي إذا أردت أن تجعل الفاعل فيه مفعولا جئت بفاعل أدخلته في ذلك الفعل، فيصير مفعولا، وعلامة نقل الفعل أن تزيد همزة في أوله، أو تشدّد عين الفعل، وزيادة الهمزة في أوله أكثر وأعمّ، فإن كان الفعل غير متعد تعدى إلى واحد، كقولك: ذهب زيد، وأذهب عمرو زيدا، وجلس زيد، وأجلس عمرو زيدا.
وإن كان الفعل متعديا إلى مفعول صار بالنقل متعديا إلى مفعولين؛ لأن فاعله يصير مفعولا، كقولك: لبس الثوب، وألبست زيدا الثوب، ودخل زيد الدار، وأدخل عمرو زيدا الدار.
وإن كان متعديا إلى مفعولين تعدى بالنقل إلى ثلاثة، ولا يكون أكثر من ذلك، وذلك قولك: علم عمرا خارجا، ثم تقول: أعلم الله زيدا عمرا خارجا، وقد يجوز أن يكون الفعل يصير فاعله مفعولا على غير لفظ النقل الذي ذكرته لك، وذلك قولك: زاد مالك، وزاد الله مالك، وشحا فوك، وشحا عمرو فا زيد.
وقد يجوز أن يدخل أفعل وفعّل على غير وجه النقل، وسنبيّن لك تصرّف وجوه ذلك من كلام سيبويه إن شاء الله.
قال سيبويه: " فأما طردته فنّحيته، وأطردته جعلته طريدا " يعني أن أطردته ليس بنقل لطردته، " وطردت الكلاب الصيد، أي جعلت تنحيّه.
ويقال: طلعت أي بدوت وطلعت الشمس أي بدت، وأطلعت عليهم أي هجمت عليهم، وشرقت الشمس بدت وأشرقت: أضاءت، وأسرع: عجل، وأبطأ: احتبس.
وأما سرع وبطؤ فكأنهما غريزة كقولهم: خفّ وثقل، ولا تنفذهما إلى شيء، كما تقول: طوّلت الأمر وعجّلته.
يعني أن أسرع وأبطأ لا يتعديان، وإن كانا على أفعل، ثم فضّل بينهما وبين سرع وبطؤ وإن كان ذلك كله لا يتعدى بأن قال: " سرع وبطؤ كأنهما غريزة "، أي صار طبعه الإسراع والإبطاء، وفي أسرع وأبطأ ليس بطبع.
وقوله: " ولا تنفذهما إلى شيء " يعني لا يتعدى أسرع وأبطأ، كما يتعدى طوّلت الأمر وعجّلته.
" ويقولون: فتن الرجل وفتنته، وحزن وحزنته، ورجع ورجعته، وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزينا، وجعلته فاتنا، كما أنك حين قلت أدخلته وجعلته داخلا، ولكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا وفتنة فقلت: فتنته، كما قلت: كحلته جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا " قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن أفعلته الذي للنقل معناه جعلته فاعلا للفعل الذي كان له، أي صيّرته فاعلا، وفعلته أي جعلت فيه ذلك الفعل.
فإذا قلت: أدخلته أي جعلته

داخلا.
وإذا قلت ضربته أي جعلت فيه ضربا، وإذا قلت: بنيته جعلت فيه بناء، وإذا قلت: أبنيت زيدا الدار معناه جعلته بانيا لها، وكذلك قالوا: فتنت الرجل وأفتنته، فمن قال فتنته أراد جعلت فيه فتنة، ومن قال أفتنته أي جعلته فاتنا.
يقال: فتن الرجل فهو فاتن، ويسمّي سيبويه النقل الذي قدمنا ذكره التغيير، ولذلك قال في فتنته وكحلته وحزنته: " لم ترد بفعلته هاهنا تغيير قوله حزن وفتن "، يعني نقله على ما ذكرته لك.
" ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته، وفتن من فتنته كحزن من حزنته.
ومثله شتر الرجل وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر لم تقل إلا أشترته، كما تقول: فزع وأفزعته، وإذا قال: شترت عينه لم يعرض لشتر الرجل، وإنما جاء ببناء على حدة، كأنه قال: جعلت فيه شترا، كما أنك إذا قلت: طردته وأطردته فهما مختلفان، ومثل ذلك: عورت عينه وعرتها ليس بتغيير عورت عينه.
وقد قالوا حين أرادوا التغيير والنّقل: أعورت عينه، ومثل ذلك: سودت وسدت غيرى، أي سودته، " وقال نصيب: سودت فلم أملك سوادي وتحته … قميص من القوهيّ بيض بنائقه 1 وقال بعضهم: سدت يريد فعلت " تحصيل هذا أنه يقال: اسواددت واسوددت وسودت وسدت بمعنى واحد، وذلك كله غير متعد، يقال من سدت: ساد يسود في معنى اسودّ يسودّ، فإذا أردت المتعدي جاز أن تقول: سدته وسوّدته، فأما سدته فجعلت فيه سوادا، وأما سوّدته فجعلته أسود.
" وقالوا: عوّرته، كما قالوا: فرّحته، وقالوا: جبرت يده وجبرتها، وركضت الدابة وركضتها، ونزحت الرّكيّة ونزحتها، وسار الدابة وسرتها.
وقالوا: رجس الرجل ورجسته، ونقص الدرهم ونقصته " وبعض العرب يقولون: رجس، " وغاض الماء وغضته " وقد ذكرنا نحو هذا، والمتعدى منه ليس على طريق النقل والتغيير لما لا يتعدى، ولكن على معنى جعلت ذلك الفعل فيه.
قال: " وقد جاء فعّلته إذا أردت أن تجعله مفعلا، وذلك: فطّرته فأفطر، وبشّرته فأبشر، وهذا النحو قليل ".

ومعنى ذلك أنه جعل فعّلته نقلا لأفعلت، والباب أن يكون نقلا لفعلت، كما يقال: عرف وعرّفته، ونبل ونبّلته، وفرح وفرّحته.
قال: " وأما خطّأته فإنما أردت سمّيته مخطئا، كما أنك حيث قلت: فسّقته وزنّيته، أي سمّيته بالزّنى والفسق، كما يقال حيّيته، أي استقبلته بحياك الله، كقولك: سقّيته ورعّيته، أي قلت سقاك الله ورعاك الله ". فالباب فيما نسبته إلى الشيء أن يكون على فعّلت، كقولك: لحّنته وخطّأته، وصوّبته وجهّلته، ومثله ما يدعي به له أو عليه، كقولك: " جدّعته وعقّرته، أي قلت له: جدعك الله وعقرك، وأفّفت به، أي قلت له: أفّ.
وقالوا: أسقيته في معنى سقّيته، تعني به الدعاء له.
فدخلت أفعلت على فعّلت، كما تدخل فعّلت عليها.
يريد أن الباب في نقل الفعل وتغييره أفعلت، وقد استعملوا فيه فعّلت، كفرّجت وفزّعت، والباب في الدعاء والتسمية فعّلت، وقد أدخلوا عليه أفعلت، فقالوا: سقّيته في معنى دعوت له بالسّقيا.
قال ذو الرمة: وقفت على ربع لميّة ناقتي … فما زلت أبكي حوله وأخاطبه وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه … تكلّمني أحجاره وملاعبه 1 " قال سيبويه: " ويجيء أفعلته على أن تعرضه لأمر وذلك أقتلته، أي عرّضته للقتل، ويجيء مثل قبرته وأقبرته، فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له قبرا.
ويقال: سقيته فشرب، وأسقيته جعلت له ماء وسقيا.
قال الخليل: سقيته مثل كسوته، وأسقيته مثل ألبسته.
هذا الصحيح؛ لأن في بعض النسخ سقيته مثل كسوته، وأسقيه مثل ألبسته والصواب هذا والأول؛ لأن كسوته معناه جعلت له كسوة وإن لم يلبسها، وألبسته إذا جعلته لابسا، فألبسته مثل سقيته، وكسوته مثل أسقيته على ما ذكر من الفرق بين سقيته وأسقيته، وبعض أهل اللغة ذكر أنه لا فرق بينهما، وأنشد للبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى … نميرا والقبائل من هلال 2

قال: " وتقول: أجرب الرجل وانحز وأحال، أي صار صاحب جرب وحيال ونحاز في ماله ". وهذا الباب يجيء على أربعة أوجه: منها أن يكون الرجل صاحب شيء قد صار بتلك الصفة كقولنا: رجل " مشدّ مقطف ومقو "، أي صاحب إبل قويّة وخيل تقطف وإبل شداد.
وعلى هذا يقال: امرأة مطفل أي لها أطفال، وظبية مشدن مغزل، أي ولدها غزال وشادن.
ومن ذلك يقال: فلان خبيث مخبث، أي هو خبيث في نفسه، وله أصحاب خبثاء، ومنها أن يقال لمن يصادف الشيء على صفة أفعلته، أي صادفته كذلك، كقولك: أبخلت الرجل، أي وجدته بخيلا.
وروي أن عمرو بن معد يكرب سأل مجاشع بن مسعود السّلميّ بالبصرة فمدح بني سليم، فقال: (سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم)، أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين.
ومنها أن يأتي وقت يستحق فيه شيء فيقال لمستحقّه ذلك، كقولك: " أصرم النخل وأمضغ وأحصد الزرع وأجزّ النخل وأقطع، أي قد استحق أن يصرم ويمضغ ويحصد.
ويقال في قولهم: " ألام الرجل، أي صار صاحب لائمة "، أي صاحب من يلومه، فإذا صار له لوّام قيل: مليم، كما يقال لصاحب الإبل الجربى: مجرب، ويقال: إنه قيل له: ألام لأنه استحق أن يلام، فصار بمنزلة قولهم: أصرم النخل.
ووجه رابع أن يقال: أفعل من الدخول في الشيء، كقولك: أفجرنا، أي دخلنا في وقت الفجر، وأمسينا وأصبحنا وأظهرنا دخلنا في المساء والصباح والظّهر، ومنه يقال: أشملنا وأجئبنا وأصبينا وأدبرنا وإذا دخلنا في الشمال والجنوب، والصبّا والدّبور.
ويقال: أشهرنا إذا دخلنا في الشهر، قال الشاعر: ما زلت مذ أشهر السّفّار أنظرهم … مثل انتظار المضحّي راعي الإبل 1 وإنما يستعمل ذلك في الأوقات وما جرى مجراها.
قال: " وتقول لما أصابه: هذا نحز وجرب وحالت الناقة " يعني أنه ليس يقال للبعير الذي أصابه الجرب في نفسه مجرب، ولا للذي أصابه النحاز منحز، إنما يقال: منحوز، والمنحز صاحبه، والنّحاز: السّمال، وفي غير ذلك إذا لم يكن على الوجوه التي ذكرناها لام الرجل صاحبه وصرم النخل وجذّه وقطفه وما أشبه ذلك.

قال سيبويه: " ومثل ذلك: أسمنت وأكرمت فأربط " يقال ذلك للرجل إذا وجد شيئا نفيسا يرغب فيه أن يتمسك به، فمعنى أسمنت أي وجدت سمينا، وأكرمت أي وجدت فرسا كريما أو غير ذلك، فاربط، أي اتّخذه.
قال: " فأما أحمدته فوجدته مستحقا للحمد.
وقالوا: أراب، كما قالوا: ألام، أي صار صاحب ريبة، كما قالوا: ألام، أي استحق أن يلام.
وأما رابني فتقول: جعل فيّ ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي أوصلت إليه القطع " فأراب غير متعد، وراب متعد، لا تقل أرابني ولا أربته، لأنك لم تفعل به إلا رابة، وإنما استوجبت الريبة أو صرت صاحب ريبة.
وقال بعض أهل اللغة: رابني إذا تبيّنت منه الريبة، وأراب إذا اتّهم به ولم تتبيّن، ولذلك قال بعض الشعراء: أخوك الذي إن ربته قال: إنما … أربت، وإن عاتبته لان جانبه 1 فمعناه إن تبيّن منك ريبة قال لم أتبيّن بعد.
ومثل ذلك: أبقّت المرأة، وأبقّ الرجل إذا كثر أولادهما، وهو يدخل في باب المجرب والمنجز، أي لهما أولاد كثير، وإن جئت بالفعل من ذلك قلت: بقّت المرأة ولدا، وبقّت كلاما، كقولك: نثرت ولدا ونثرت كلاما، ومثل المجرب المقطف والمعسر والموسر والمقلّ.
وأما عسّرته فمعناه ضيّقت عليه، ويسّرته وسعت عليه.
وقد يكون فعلت وأفعلت بمعنى واحد.
كأن كل واحد منهما لغة لقوم ثم تختلط، فتستعمل اللغتان كقولك: قلته البيع وأقلته، وشغله وأشغله، وصرّ أذنيه وأصرّ إذا أقامهما، وبكر وأبكر.
وقالوا: بكّر فأدخلوها مع أبكر، فبكّر أدخل مع أبكر.
كما قالوا: أدنف فبنوه على أفعل، وهو من الثلاثة، ولم يقولوا: دنف.
يريد أن الباب من الثلاثة في الأمراض أن يجيء على فعل، فلم يستعملوا ما يوجبه الباب وهو دنف، واستعملوا أدنف.
وقالوا: أشكل أمرك ولم يستعملوا غيره، وقالوا: حرثت الظّهر أي أتعبته، والظّهر المركوب، وأحرثت.

قال: " ومثل أدنفت أصبحنا وأمسينا وأفجرنا شبّهوه بهذه التي تكون في الأحيان، كأن معناه دخلت في وقت الدّنف، كما دخلت في وقت السّحر.
قال: " ومثل ذلك: نعم الله بك عينا، وأنعم الله بك عينا " فهذا من باب فعلت وأفعلت بمعنى واحد.
ويقال: إن قوما من الفقهاء كانوا يكرهون استعمال هذه اللفظة، وهي نعم الله بك عينا؛ لأنه لا يستعمل في الله (عز وجل) نعم الله.
وللقائل أن يقول: الباء في بك بمنزلة التعدي، ألا ترى أنك تقول: ذهب الله به وأذهبه، ومعناهما واحد.
وزلته من مكانه وأزلته، وتقول: غفلت، أي صرت غافلا، وأغفلت إذا خبّرت بأنك تركت شيئا، ووصلت غفلتك إليه.
وقد يقال: أغفلت الإنسان إذا وجدته غافلا، كما يقال: أجبنته إذا وجدته جبانا، وعلى ذلك يحمل قوله عز وجل: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا 1، أي وجدناه غافلا.
وغفلت عنه بمعنى أغفلت.
ومثل ذلك: لطف له وألطف غيره، ولطف به كغفل عنه، وألطفه كأغفله.
ولطف له بمعنى تلطّف به ورفق به.
ويقال: بصر الرجل فهو بصير، إذا خبّرت عن وجود بصره وصحته لا على معنى وقوع الرؤية منه؛ لأنه قد يقال بصير لمن غمّض عينه ولم ير شيئا لصحة بصره، فإذا قلت: أبصر، أخبرت بوقوع رؤيته على الشيء.
وتقول: وهم يهم، وأوهم يوهم، ووهم يوهم.
فأما وهم يوهم فهو الغلط في الشيء، تقول: وهمت في الحساب أوهم وهما، إذا غلطت فيه، ووهمت إلى الشيء إذا ذهب قلبي إليه أهم وهما، وأوهمت الشيء أوهمه إيهاما إذا تركته كلّه.
قال: " وقد يجيء فعّلت وأفعلت في معنى واحد مشتركين، كما جاء فيما صيّرته فاعلا، وذلك: وعزت إليه وأوعزت، وخبّرت وأخبرت، وسمّيت وأسميت ". فقد اشتركا في هذا كما اشتركا في باب نقل الفاعل إلى المفعول في قولك: غرّمته وأغرمته، وفرّحته وأفرحته، وليس هذا من ذلك.

" وقد يجيئان مفترقين " من معنى واحد، فيكون لكل واحد منهما غير معنى الآخر.
كقولك: أذّنت وأذنت، وكقولك: علّمته وأعلمته، فعلّمت أدّبت، وأعلمت آذنت، وآذنت أعلمت وأذّنت، إذا ناديت للصلاة.
النداء والتصويب بإعلام.
وبعض العرب يجري أذّنت وآذنت مجرى سمّيت وأسميت.
ويقول: أمرضته إذا جعلته مريضا، ومرّضته إذا قمت عليه ووليته، ومثله أقذيت عينه، أي طرحت فيها القذى وجعلتها قذيّة، وقذّيتها: نظفتها.
وقد قيل في قول الله عز وجل: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ 1: أذهب الفزع عنها على معنى مرّضته، أي أزلت مرضه.
وتقول: أكثر الله فينا مثلك وكثّر.
فأما أكثر فمعناه أدخل الله فينا مثلك كثيرا.
وأما كثّر فمعناه جعل القليل كثيرا.
وكذلك أقللت وقلّلت.
فأما أقللت فمعناه جئت بقليل، وكذلك أوتحت، أي جئت بوتح قليل، وقلّلت، أي جعلت الكثير قليلا، وهو في معنى صيّرت.
وقد يقال: أقللت وأكثرت في معنى قلّلت وكثّرت.
قال: " وتقول: أصبحنا وأمسينا وأسحرنا، وذلك إذا صرت في حين صبح ومساء وسحر.
وقد مضى نحو ذلك ". " وأما صبّحنا ومسّينا وسحّرنا فمعناه أتينا صباحا ومساء وسحرا، ومثله بيّتناه أتيناه بياتا ". قال: " وما بني على يفعّل، يشجّع ويجبّن ويقوّى، أي يرمى بذلك ". ومعناه أنه يذكر به وينسب إليه كما تقول: يفسّق ويضلّل.
ومثله: قد شيّع الرجل، أي قد رمى بذلك " والمشيّع: الشجاع، كأنه نسب إلى الشجاعة وقيلت فيه.
ويقال: أغلقت وغلّقت الأبواب حين أكثروا العمل، وسترى ذلك في باب فعّلت، وإن قلت: أغلقت الأبواب كان عربيّا جيدا، وقال الفرزدق:

ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها … حتّى أتيت أبا عمرو عمّار (1) قال أبو سعيد: اعلم أن اللفظ يدلّ به على التكثير، فهو تشديد عن الفعل في الفعل، وإن كان قد يقع التشديد لغير التكثير، كقولنا: حرّكته، ولا تريد كثيرا.
فما يدل على التكثير أنك تقول: أغلقت الباب الواحد، ولا تقول: (غلّقته، وتقول: غلّقت الأبواب، وتقول: ذبحت الشاة، ولا تقول: ذبّحتها، وتقول: ذبّحت الغنم.
وأما سائر الأفعال فليس فيها دليل على أحدهما، وقد يقع للقليل والكثير، فمن أجل ذلك يجوز أن تستعملها للكثير، فتريد بها ما تريد بالمشدّد، ومن أجل ذلك صار أغلق أبوابا بمعنى أغلّق أبوابا، وقوله: وأفتحها بمعنى أفتّحها.
وقد أعاد سيبويه هذا البيت بعينه في الباب الذي يلي هذا شاهدا في أن أفتحها في معنى أفتّحها، وفي هذا الموضع أغلق في معنى أغلّق.
وقد استعملوا أنزل ونزل في معنى واحد، وقد يستعمل نزل في معنى الكثير.
فأما أنزل ونزل بمعنى واحد غير التكثير فقوله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ (2)، وقال عز وجل: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (3)، فهذا لغير التكثير؛ لأن آية واحدة لا يقع فيها تكثير الإنزال.
وكان أبو عمرو يختار التخفيف في كل موضع ليس فيه دلالة من الخط على التثقيل إلا في موضعين: أحدهما قوله عز وجل: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (4) اختار التثقيل في هذا؛ لأنه تنزيل بعد تنزيل، فصار من باب التكثير.
والموضع الآخر: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً فاختار التثقيل في ينزل حتى يشاكل نزل؛ لأن المعنى واحد.
فالأول للتكثير، وهذا للمطابقة، وليس فيها تكثير.
وقد يجوز أن يكون بيّن في معنى أبان، ويجوز أن يكون للتكثير.

هذا باب دخول فعّلت على فعلت لا يشركه في ذلك أفعلت

قال سيبويه: " تقول: كسرتها وقطعتها، فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسّرتها1234

وقطّعتها، ومما يدلّك على ذلك قولهم: علّطت البعير، وإبل معلّطة، وبعير معلوط، ولا يقال: معلّط؛ لأن الإبل كثير، فقد تكرر فيه العلاط، وعلى هذا شاة مذبوح، وغنم مذبّحة، وباب مغلق وأبواب مغلّقة.
وجرحت الرجل إذا جرحته مرة أو أكثر، و " جرّحته " إذا أكثرت الجراحات في جسده.
وقالوا: ظلّ يفرّسها السّبع ويؤكّلها إذا أكثر ذلك فيها.
وقالوا: موّتت وقوّمت إذا أردت جماعة الإبل أنها ماتت وقامت.
وقالوا: ولدت الشاة وولّدت الغنم؛ لأنها كثيرة.
وقالوا: يجوّل ويطوّف، يكثر الجولان والطّوف.
قال: " واعلم أن التخفيف في هذا كله جائز عربي، إلا أن فعّلت إدخالها هاهنا لتبيّن الكثير، وقد يدخل في هذا التخفيف، كما أن الركبة والجلسة معناهما في الركوب والجلوس، ولكن بيّنوا بها الضّرب، كما أن هذا بناء خاص للتكثير " يريد أن التخفيف قد يجوز أن يراد به القليل والكثير، فإذا شدّدت دللت به على الكثير، وقد مضى هذا، كما أن الركوب والجلوس قد يقع لقليل الفعل وكثيره ولجميع صنوفه، فإذا قلت: الركبة والجلسة على هيئته وحاله.
وإذا قلت: الركبة والجلسة دل على مرة واحدة، والجلوس قد يجوز أن يراد به المرة، ويجوز أن يراد به الهيئة التي تقع عليها الجلسة، فصار اختصاص الجلسة والجلسة بشيء خاص كاختصاص يطوّف ويجوّل بشيء خاص، وصار الركوب والجلوس بمنزلة يجوّل ويطوّف في أنه يصلح للأمرين.
قال: " وكما أن الصوف والريح قد يكون فيه معنى صوفة وريحة ". يريد أنك إذا قلت: شممت ريحا فيجوز أن تريد معنى الرائحة، كأنه جعل الرائحة للواحدة والريح للجنس، فهذا في الاستعمال، قال الله عز وجل: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ 1، فعبّر عنها بالريح وهي للكثير، فأما الرائحة فأكثر ما تستعمل فيما يفوح في دفعة واحدة ثم أنشد: ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ثم قال: " وفتحت أحسن في هذا، كما أن قعدة في ذلك أحسن " يريد أن اللفظ الخاص الموضوع لمعنى أكشف لذلك المعنى من أن يأتي مبهما.

وقد قال الله عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ 1. وقال: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً 2 فهذا وجه فعلت وفعّلت مبيّنا في هذه الأبواب، وهكذا صفته ثم ذكر: " باب ما طاوع الذي فعله على فعل يكون على انفعل وافتعل " والباب فيه انفعل، وافتعل قليل.
تقول: كسّرته فانكسر، وحطمته، فانحطم، وحسرته فانحسر، ودفعته فاندفع.
ومعنى قولنا مطاوعة أن المفعول به لم يمتنع مما رامه الفاعل، ألا ترى أنك تقول فيما امتنع مما رمته دفعته فلم يندفع، وكسّرته فلم ينكسر؛ أي أوردت أسباب الكسر فلم تؤثر.
وتقول: شويه فانشوى، وبعضهم يقول: فاشتوى، بمعنى شويته فانشوى.
وقد تقول: اشتويته بمعنى شويته؛ أي اتخذته مشويّا، وكذلك اطبّخت في معنى طبخت؛ أي اتخذت طبيخا.
" وتقول: غممته فاغتمّ، وانغمّ عربية، وصرفته فانصرف ". وأما أفعلت الشيء فمطاوعه هو الفعل الذي دخل عليه أفعلت، كقولك: " أدخلته فدخل وأخرجته فخرج.
غير أن الأصل في قولك: قطعته فانقطع، قطعت الأصل وانقطع فرعه المطاوع.
وقوله: أدخلته فدخل، الأصل دخل، وقولك: أدخلته أي صيّرته داخلا.
" وربما استغني عن انفعل في هذا الباب فلم يستعمل، وذلك قولهم: طردته فذهب، ولا يقولون: انطرد، ولا فاطّرد "، استغنوا عنه كما استغنوا بترك عن ودع.
ونظير هذا من المطاوعة فعّل تفعّل، كقولك: كسّرته فتكسّر، وعشيّته فتعشى، وغدّيته فتغدّى، وفي فاعلته فتفاعل كقولك: ناولته فتناول، وفتحت التاء؛ لأن معناه معنى الافتعال والانفعال.
يعني تاء تفاعل فتحت؛ لأنها أول فعل ماض سمي فاعله، وإن كانت زائدة للمطاوعة كالافتعال والانفعال، وليست بألف وصل، دخولها لسكون لما بعدها.
" ونظير ذلك في بنات الأربعة على مثال تفعلل، نحو: دحرجته فتدحرج، وقلقلته فتقلقل، ومعددته فتمعدد، وصعررته فتصعرر ".

ومعنى معددته حملته على الخشونة والصّلابة، قال الشاعر: ربّيته حتى إذا تمعددا … وآض نهدا كالحصان أجردا كان جزائي بالعصا أن أجلدا (1) ومعنى صعررته دورته.
قال: " وأما تقيّس وتنزر وتتمّم فإنما يجري على نحو كسّرته، كأنه قال: تمّم فتتمّم، وقيّس فتقيس، ونزر فتنزر ". ومعنى قيّس نسب إلى نزار، وتقيّس انتسب إلى قيس، وتتمّم انتسب إلى تميم، وتنزر انتسب إلى نزار.
قال ذو الرمة: إذا ما تمضّرنا فما الناس غيرنا … ونضعف إضعافا ولم نتمضّر (2) أي انتسبنا إلى مضر.
قال: " وكذلك كل شيء على زنة فعللته، عدد حروفه أربعة ما خلا أفعلت، فإنه لم يلحق ببنات الأربعة ". يريد أن كل شيء من الفعل كان ماضيه على أربعة أحرف يجوز أن تزاد في أوله التاء ما خلا أفعلت، فإنه لا تزاد فيه التاء.
والذي تزاد فيه التاء ثلاثة أبنية: فعللت وما كان ملحقا به فعللت، كقولك: دحرجت مرهفت وعذلجت، تقول فيه: تسرهف وتعذلج، وفاعلت كقولك: عالجته فتعالج، وفعّلت كقولك: كسّرته فتكسّر، ولا تقع زيادة في باب أفعلت، لا تقول: أكرمته فتأكرم، ولا يجوز ذلك فاعرفه.

هذا باب ما جاء فعل منه على غير فعلت

قال سيبويه: " وذلك نحو: جنّ وسلّ وزكم وورد "، ومعنى ورد: حمّ، وكذلك وعك، ومورود وموعوك ومحموم بمعنى واحد.
وقال على هذا: مجنون ومسلول ومحموم ومورود، وإنما جاءت هذه الحروف على جننت وسللت، وإن لم يستعمل في الكلام ". كما أن رجلا أقطع جاء على قطع، وكما يقال: أعور من عور، ولا يستعمل قطع،12

استغني عنه بقطع، وقال بعضهم: رجل محبوب، وكان حقه أن يقال في فعله: حببته فهو محبوب.
وقال بعضهم: حببته.
قال الشاعر: فو الله لولا تمره ما حببته … ولا كان أدنى من عبيد ومشرق (1) وذكر أن بعض القراء قرأ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ (2)، وذكر غير سيبويه أن هذه الأشياء ليست من أفعال الآدميين قد جاءت على مفعول، وفعله فيما لم يسمّ فاعله إذا نسب الفعل إلى الله عز وجل كان على أفعل، فيقال: أجنّة الله، وأسلّه وأزكه وأورده، أي فعل الله به ذلك.

هذا باب دخول الزيادة في فعلت للمعاني

" اعلم أنك إذا قلت فاعلته فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت فاعلته، ومثل ذلك: ضاربته وفارقته، وعازّني وعازرته وخاصمته " كذلك سائر ما يكون الفعل منه بين اثنين كقاتلته وشاتمته وما أشبه ذلك.
فإذا غلب أحدهما كان فعله على فعل يفعل وإن كان المستعمل في الأصل على يفعل.
قال سيبويه: واعلم أن يفعل من هذا الباب على مثال يخرج، تقول: خاصمني فخصمته أخصمه، وتقول: غالبني فغلبته أغلبه، وشاتمني فشتمته أشتمه ". إلا أن يكون فيه من الحروف ما يلزم فيه يفعل أو يفعل فيجري عليه، فمن ذلك ما لامه أو عينه ياء، أو فاؤه واو، فإنه يجيء على فعل يفعل؛ لأن ذلك يلزم فيه في الأصل قياسا لا ينكسر، فتقول: بايعني فبعته أبيعه، وراماني فرميته أرميه، وواعدني فوعدته أعده، وواخذني فوخذته أخذه.
" وعازّني فعززته أعزّه ". قال: " وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته، استغني عنها بغلبته وأشباه ذلك " ومما جاء من هذا الباب قولك: طاولته فطلته، وتقول: طال زيد عمرا إذا غالبه في الطول فغلبه، ويكون الفعل متعديا، فإن لم ترد هذا لم يتعد فعله، وكان على فعل،12

كقولك: طال يطول فهو طويل، قال الشاعر: إنّ الفرزدق صخرة عادية … طالت فلا تسطيعها الأوعالا 1 يعني طالت الأوعال، على معنى غلبتها في الطول، فهذا الباب في فاعلت.
قال سيبويه: " وقد يجيء فاعلت لا تريد به عمل اثنين، ولكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت، كقولك: ناولته وعاقبته وعافاه الله وسافرت وظاهرت " ومعنى ظاهرت عليه، أي أضعفت عليه لباسه، كقولك: ظاهر عليه درعين وثوبين، أي جعل أحدهما ظهارة والآخر بطانة، ومن هذا قولهم: تظاهرت نعم الله عليه، وظاهرت كتبه إليه أي تابعت بعضها لبعض فصار بعضها أظهر لبعض، فصارت هذه الأفعال كسائر الأبنية التي ترد فيما يتعدى من الأفعال كقولك: أكرمته وما أشبه ذلك.
" وقالوا: ضاعفت وضعّفت، وناعمته ونعّمته، كما قالوا: عاقبته، وتقول: تعاطينا تعطّينا، فيكون تعاطيه من اثنين " وكأنك قلت: عاطيته الكأس، أي أعطاني كأسا فأعطيته مثلها، فإذا قلت: تعطّينا فقد أردت التكثير في هذا المعنى.
قال: " ولا يجوز أن يكون معملا في مفعول ولا يتعدى الفعل إلى منسوب، ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته، وذلك قولك: تضاربنا وتقاتلنا " قال أبو سعيد: اعلم أن فاعلته يجوز أن يكون من فعل متعدّ إلى مفعول ثان غير الذي يفعل بك مثل فعلك، ويجوز أن لا يكون متعديا إلى غيرك، والذي لا يكون متعديا أكثر، كقولك: ضاربت زيدا أو شاتمته، وليس بعد زيد مفعول آخر، فإذا قلت تضاربنا وتشاتمنا فقد ذكرت فعل كل واحد منكما بالآخر ولا مفعول غيركما، وهو الذي أراد سيبويه أنه لا يكون معملا في مفعول.
وقد يجوز أن يكون الفعل متعديا إلى مفعولين في الأصل، فيؤتى بمفعول آخر في قولك: فتفاعلنا، وذلك قولك: عاطيت زيدا الكأس ونازعته المال، فإذا جعلت الفعل لنا قلت: تعاطينا الكأس وتنازعنا المال، قال الشاعر: فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت … هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال 2 وقال الأعشى:

نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا … وقهوة مزّة راووقها خضل (1) وقال عمر بن أبي ربيعة: ولمّا تفاوضنا الحديث وأسفرت … وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا (2) وقد يجيء تفاعلوا وافتعلوا في معنى واحد، كقولك: تضاربوا واضطربوا، وتقاتلوا واقتتلوا، وتجاوروا واجتوروا، وتلاقوا والتقوا، وقد يجيء تفاعلت على غير معنى فاعلته فتفاعلنا، كما جاء عاقبته ونحوها وأنت لا تريد بها الفعل من اثنين، وذلك قولك: تقاربت من ذلك وتراءيت له، وتقاضيته وتماريت في ذلك " أي شككت " وتعاطيت منه أمرا قبيحا، وقد يجيء تفاعلت ليريك أنه في حال ليس فيها، من ذلك قوله: تغافلت وتعاميت وتعاشيت وتعارجت " إذا رأيت من نفس ما ليس فيك.
من ذلك قال الشاعر: إذا تخازرت وما بي من خزر … ثمّ كسرت العين من غير عور ألفيتني ألوي بعيد المستمر … أحمل ما حمّلت من خير وشر (3) ومعنى تخازرت صغّرت عيني، وما كانت عينه صغيرة.
ويقال: تذاءبت الرياح إذا جاءت من كل ناحية.

هذا باب استفعلت

قال سيبويه: " تقول استجدته، أي أصبته جيدا، واستكرمته أي أصبته كريما، واستعظمته أي أصبته عظيما، واستسمنته أي أصبته سمينا.
وقد يجيء على غير هذا المعنى، كما جاء تذاءبت وعاقبت " قال أبو سعيد: اعلم أن أصل استفعلت الشيء في معنى طلبته واستدعيته، وهو الأكثر، وما خرج عن هذا فهو يحفظ وليس بالباب، وأنا أسوقه إليك على ما قال سيبويه، ويكون أيضا استفعلته على معنى أصبته، وهو كالباب فيه، ولذلك قال سيبويه: " وقد يجيء على غير هذا المعنى كما جاء تذاءبت الريح وعاقبت "، وليس بالباب، وقد مضى الكلام فيه، وتقول: استلأم إذا لبس اللأمة، واستخلف لأهله، كما تقول: أخلف123

جارٍ التحميل