شرح كتاب سيبويهصفحات 251-290

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 251-290

قال أبو سعيد: فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: وكان مجنى دون من كنت أتّقي … ثلاث شخوص كاعبان ومعصر 1 فحذف الهاء من ثلاثة، وكان ينبغي أن يقول، ثلاثة شخوص، من قبل أنّ الشخص مذكّر، ولكنه ذهب به مذهب النسوة؛ لأنهن كن ثلاث نسوة.
وقال آخر: وإنّ كلابا هذه عشر أبطن … وأنت بريء من قبائلها العشر 2 أراد بالأبطن القبائل، فذهب مذهب القبائل في تأنيثها، وإلا فقد كان الوجه أن يقول: عشرة لتذكير البطن.
ومما يجري مجرى الضرورة عند كثير من النحويين، ويذهب أبو العباس إلى تجويزه في غير الشعر: تأنيث المذكّر المضاف إلى المؤنث، كقولك: " ذهبت بعض أصابعه "، " واجتمعت أهل اليمامة ". قال الشاعر: وتشرق بالقول الّذي قد أذعته … كما شرقت صدر القناة من الدّم 3 وإنما الوجه أن يقول: كما شرق صدر القناة، لأن الصّدر مذكّر، والفعل له.
ومثله: إذا بعض السّنين تعرّقتنا … كفى الأيتام فقد أبي اليتيم 4 وإنما الوجه أن يقول: تعرّقنا؛ لأن الفعل للبعض وهو مذكّر.

وقد ذكر سيبويه هذه الأبيات وغيرها مما يشاكلها في باب بعد هذا.
ونحن نستقصى الكلام فيها إذا صرنا إليها.
واحتج أبو العباس في تجويز هذا المعنى، وجودته في غير الشعر بقوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 1 فذكر أنه أجرى " خاضعين " على الهاء والميم التي أضيفت إلى الأعناق، واعتمد على أصحابها فقال: فظلوا لها خاضعين، فكذلك إذا قلت: شرقت صدر القناة، كأنك لم تذكر الصدر واعتمدت على ما أضيف إليه الصدر.
وهذه الآية فيها تأويلات غير ما تأول أبو العباس، منها: أن الأعناق هم الرؤساء، كما يقال: " هؤلاء رؤوس القوم " و " هؤلاء وجوه القوم " يراد به الرؤساء والمنظور إليهم، وليس القصد إلى الرؤوس المركّبة على الأجساد، ولا إلى الوجوه المخلوقة في الرؤوس، فكأنه قال: فظلّت رؤساؤهم خاضعين.
ومنها أن أبا زيد حكى وغيره أن العرب تقول: " عنق من النّاس " في معنى جماعة.
قال الهذلي: تقول العاذلات أكلّ يوم … لرجلة مالك عنق شحاح كذلك يقتلون معي ويوما … أؤوب بهم وهم شعث طلاح 2 فجعل العنق الجماعة.
وقال الشاعر في تذكير ما ينبغي تأنيثه: فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل إبقالها 3 أراد: ولا أرض أبقلت إبقالها، وقد كان يمكنه أن يقول: ولا أرض أبقلت ابقالها، فيخفف الهمزة غير أنه آثر تحقيقها، فاضطره تحقيقها إلى تذكير ما يجب تأنيثه، وتأوّل في الأرض المكان؛ لأن الأرض مكان، فذكّر لذلك.
ومن ذلك قوله: فإمّا ترى لمّتي بدّلت … فإنّ الحوادث أودى بها 4

ذهب بالحوادث مذهب الحدثان.
وهذا الباب إذا تقدم الفعل فيه لم يستقبح تذكير المؤنث فيما ليس بحيوان، كقوله تعالى: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ 1 وقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ 2 لأن الفعل إذا تقدم، فهو عار من علامة الاثنين والجماعة، فشبهوا تعرّيه من علامة التأنيث بذلك.
وإذا كان الفاعل مؤنثا حيوانا، وتقدّم الفعل، لم يحسن التذكير إلا في الشّعر، لا يحسن أن تقول: " ذهب هند " ولا " ذهب امرأة ". قال جرير: لقد ولد الأخيطل أمّ سوء … على جار استها صلب وشام 3 وقال آخر: إذ هى أحوى من الرّبعىّ خاذله … والعين بالإثمد الحاريّ مكحول 4 وكان ينبغي أن يقول: مكحولة؛ لأن العين مؤنثة، فتأول تأويل الظروف.
وقال آخر: أرى رجلا منهم أسيفا بماله … يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا 5 قال سيبويه: " اعلم أنه يجوز في الشّعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف يشبهونه بما ينصرف من الأسماء، لأنها أسماء كما أنها أسماء، وحذف ما لا يحذف، يشبّهونه بما قد حذف واستعمل محذوفا ". قال أبو سعيد: أما قوله: " يجوز في الشعر صرف ما لا ينصرف " فقد ذكرناه.
وقوله: " يشبهونه بما ينصرف من الأسماء " يريد أنهم يشبهون ما لا ينصرف بما ينصرف وتشبيههم له به أنهم يردّونه إلى أصله الذي هو من الصرف بحق الاسمية.
والدليل على أن الاسم الذي لا ينصرف أصله الصرف، أن الشاعر لا يجوز له أن

يعمل بالفعل عند الضرورة من التنوين والجر ما يعمله بالاسم الذي لا ينصرف، فعلمنا أن الذي فرق بينهما أنه يرد الاسم إلى حالة قد كانت له، وليس للفعل أصل في التنوين والجر يردّه إليه عند الضرورة، وقد ذكرنا حذف ما لا يحذف في الشعر بما أغنى عن إعادته.
وأنشد سيبويه لخفاف بن ندبة: كنواح ريش حمامة نجديّة … ومسحت بالّلثتين عصف الإثمد استشهد في حذف الياء من " كنواح " وكان ينبغي أن يقول: " كنواحي "، وإنما حذف الياء تشبيها بالياء التي تسقط في الواحد، لدخول التنوين، كقولك: " قاض " و " رام "، والإضافة والألف واللام معاقبتان للتنوين، فسقطت الياء للإضافة، كما سقطت مع التنوين.
وزعم أبو محمد التّوّزيّ، وهو من متقدّمي أهل اللغة من أصحاب أبي عبيدة، أنه بلغه أن ابن المقفع وضع هذا البيت.
وقال أبو عمر الجرمي: هو لخفاف.
وأنشد سيبويه: فطرت بمنصلى في يعملات … دوامي الأيد يخبطن السّريحا 1 والوجه: الأيدي.
وإنما يصف أنه مضى بسيفه.
وهو المنصل، في نوق فعقرهنّ، ودميت أيديهن فخبطن السّيور المشددة على أرجلهن، وهي السّريح الذي ذكره.
وأنشد سيبويه للنجاشي: فلست بآتيه ولا أستطيعه … ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل أراد: ولكن.
وأنشد سيبويه لمالك بن حريم الهمداني، وحريم هو اسم أبيه، المعروف عند الرواة وأهل اللغة.
وكان أبو العباس المبرد يقول: خزيم، وينسب في ذلك إلى التصحيف.
قال أبو سعيد: وأخبرني أبو بكر بن السراج أنه وجد بخط بعض اليزيديين: حريم وخريم جميعا.
قال: فإن يك غثّا أو سمينا فإنّني … سأجعل عينيه لنفسه مقنعا أراد: لنفسهي، وهو يصف ضيفا؛ يقول: إن كان ما عندي غثّا أو سمينا، فإنني

أبذله وأقدمه إليه كلّه حتى يقنع به.
وقوله: " عينيه " يريد: ما تراه عيناه.
وأنشد سيبويه لرؤبة: ضخم يحبّ الخلق الأضخمّا 1 ويروى: " الإضخمّا "، و " الضّخمّا " فمن قال: " الضّخمّا " جعله على مثال: " خدبّ " و " هجفّ ". ومن قال: " الإضخمّ " جعله على مثال: " إرزبّ "، وليس الشاهد في واحد منهما، وإنما الشاهد في " الأضخمّا " لأنه كان ينبغي أن يقول " الأضخم " مثل قولك: " الأعظم " و " الأكبر ". وأنشد لحنظلة بن فاتك: أيقن أنّ الخيل إن تلتبس به … يكن لفسيل النخل بعده آبر أراد: " بعد هو " وهو يصف رجلا بالشجاعة والإقدام، يريد أنه قد علم أنه إن قتل أو مات لم تتغيّر الدّنيا، وكان للنخل من يقوم بها ويصلحها.
والآبر: الملقح للنّخل.
وأنشد لرجل من باهلة: أو معبر الظّهر ينبي عن وليّته … ما حجّ ربّه في الدنيا ولا اعتمرا يريد: " ربّهو في الدنيا ". وهذا رجل لصّ يتمنى سرقة جمل معبر الظهر، وهو الذي على ظهره وبر كثير، وهو سمين لسمنه ينبي عن وليّته وهي البرذعة.
وينبي عنها: يزيلها ويرفعها.
وقوله: " ما حج ربّه " يريد أن صاحبه لم يحج عليه فينضيه، فهو يتمناه في أحسن ما يكون.
وأنشد سيبويه للأعشى: وما له من مجد تليد وما له … من الرّيح فضل لا الجنوب ولا الصّبا 2 أراد: " وما لهو ". ومعنى البيت أنه يهجو رجلا ويقول إنه لا خير عنده قليل ولا كثير؛ وذلك أن الجنوب أغزر الأرواح عندهم خيرا؛ لأنها تجمع السحاب وتلقح المطر، والصّبا أقل الأرواح عندهم خيرا، لأنها تقشع الغيم، فليس لهذا المهجو خير قليل ولا كثير.
وقال بعضهم: الأرواح التي فيها الخير ونماء الأشياء: الجنوب والصّبا، فالجنوب

تلقح السحاب، وتدرّ الأمطار، والصّبا تلقح الأشجار وتنمّها، والدّبور تثير العجاج، والشّمال تطيب النّسيم وتبرد المياه.
فالخير إنما هو في الجنوب والصّبا، فنفى حظّه منهما.
وقال بعضهم: المطر يكون بالجنوب والصّبا وهو الخير، فنفى حظه منها.
والدليل على ذلك قول بشير بن النّكث الكلبي: الله أسقاك غزيرا بؤقه … جاءت به ريح الصّبا تصفّقه وأنشد سيبويه للمرار بن سلامة العجلي: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم … إذا جلسوا منا ولا من سوائنا وكان ينبغي ألا يدخل " من " على سواء؛ لأنها لا تستعمل إلا ظرفا، ولكنه جعلها بمنزلة " غير " في إدخال " من " عليها.
وكذلك قول الأعشى: ... … وما قصدت من أهلها لسوائكا 1 و" سواء " و " سوى " معناهما واحد، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرتها قصرت.
وأنشد سيبويه لخطام المجاشعي: وصاليات ككما يؤثفين جعل الكاف الثانية بمنزلة " مثل " وأدخل عليها الكاف الأولى.
وأما قوله: " يؤثفين " أي يجعلن أثافيّ.
وقد اختلف النحويون في وزن " يؤثفين " فقال قائلون: إنه يؤفعلن، والهمزة زائدة، والثاء فاء الفعل، وكان ينبغي أن يقول: " يثفين " كما تقول: " يبلين " و " يرضين " غير أنه ردّ الهمزة الزائدة، التي هي في الماضي للضرورة، كما يضطر الشاعر فيقول: " يؤكرم " مثل قوله: فإنه أهل لأن يؤكرما 2 ومن قال هذا، قال: " أثفيّة " وزنها أفعولّة، ويستدلّ على ذلك بقول العرب: ثفيت القدر: إذا جعلتها على الأثافي.

وقال آخرون: " يؤثفين " وزنه يفعلين بمنزلة " يسلقين ". ومن ذلك " سلقى " " يسلقي "، فالهمزة فاء الفعل.
ومن قال هذا، قال: " أثفيّة " وزنها فعليّة، واستدل على ذلك بقول العرب: تأثّفني القوم إذا صاروا حولك كالأثافي.
قال النابغة: لا تقذفنّي بركن لا كفاء له … وإن تأثّفك الأعداء بالرّفد (1) تأثفك، تفعّلك، والهمزة أصلية، وهي فاء الفعل.

هذا باب الفاعل

الذي لم يتعدّه إلى مفعول والمفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل ولا تعدّى فعله إلى مفعول آخر، وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدّى إلى مفعول، وما يعمل من المصادر ذلك العمل، وما يجري من الصفات التي لم تبلغ أن تكون في القوّة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري مجرى الفعل المتعدّي إلى مفعول مجراها، وما أجري مجرى الفعل وليس بفعل ولم يقو قوّته، وما جرى من الأسماء التي ليست بأسماء الفاعلين التي ذكرت لك ولا الصّفات التي هي من لفظ أحداث الأسماء وتكون لأحداثها أمثلة لما مضى ولما لم يمض، وهي التي لم تبلغ أن تكون في القوّة كأسماء الفاعلين والمفعولين، التي تريد بها ما تريد بالفعل المتعدّي إلى مفعول مجراها، وليست لها قوّة أسماء الفاعلين التي ذكرت ولا هذه الصفات، كما أنّه لا يقوى قوّة الفعل ما جرى مجراه وليس بفعل.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يشتمل على تراجم أبواب تجيء مفصّلة بعده بابا بابا بما يتضمّنه من أصوله ومسائله، ولكنّا نفسّر معنى باب باب جملة، إلى أن نجيء إلى تفصيله، فنضع كل شيء في موضعه الذي ذكره فيه.
قوله: " هذا باب الفاعل الذي لم يتعدّه فعله إلى مفعول " بريد به: " قام زيد " و " ذهب عمرو " وسائر ما كان من الأفعال التي لا تتعدى.
والمفعول الذي يعنيه هاهنا هو المفعول به، الذي يصل الفعل إليه بغير حرف جرّ؛ كقولك: " ضرب زيد عمرا "، ولا يدخل في معنى ذلك: المفعول فيه، ولا المفعول معه، ولا المفعول له، ولا المفعول1

المطلق، وهو المصدر.
وأنا أفسر هذا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وقوله: " والمفعول الذي لم يتعد إليه فعل فاعل، ولا تعدى فعله إلى مفعول آخر "، يريد به: " ضرب زيد " فزيد هو مفعول في الحقيقة، و " ضرب " هو فعل له.
وليس يريد أنه على الحقيقة: فعل له أوقعه، وإنما يريد أنه فعل بني له ورفع به، وإن كان قد وصل إليه من غيره، كما يبنى الفعل للفاعل، وربما لم يكن هو الموقع له؛ كقولنا: " مات زيد " و " طلعت الشّمس "، فزيد لم يفعل موته، ولا الشمس طلوعها، وإنما الله تعالى أماته وأطلعها، وقد ينسب الفعل إليهما.
ومما يسوّغ هذا أن الفعل أصله مصدر، والمصادر قد تنسب إلى فاعليها ومفعوليها، فنسبتها إلى فاعليها؛ كقولك: " قيام زيد " و " بناء عمرو "، ونسبتها إلى مفعوليها قولك: " بناء الحائط " و " دقّ الثّوب ". فمعنى قوله " والمفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل " يعني لم يذكر له فاعل بني الفعل له، ولا تعدّى هذا الفعل المبنيّ للمفعول إلى مفعول آخر منصوب: كقولك: " كسى عمر جبّة " و " أعطي زيد درهما "، فقولك: " أعطى زيد درهما " و " كسي عمر وجبّة " فعل مفعول تعدّى إلى مفعول آخر، فأراد أن يفصل بين " ضرب زيد " و " أعطي زيد درهما " في أن " ضرب " لا يتعدّى المفعول إلى مفعول آخر، و " أعطى " يتعدّى المفعول إلى مفعول آخر.
وقوله: " وما يعمل من أسماء الفاعلين والمفعولين عمل الفعل الذي يتعدّى إلى مفعول ". واعلم أن اسم الفاعل المشتقّ له من الفعل يعمل عمل الفعل: كقولك: " هذا ضارب زيدا "، فضارب ينصب زيدا، كما ينصبه " يضرب "، إذا قلت: " هذا يضرب زيدا "، وإذا قلت: " هذا معط زيدا درهما " و " هذا حاسب أخاك منطلقا "، و " معلم زيدا عمرا قائما " فهو بمنزلة: " يعطي " و " يحسب " و " يعلم ". وإذا قلت: " هذا معطى درهما " فهو بمنزلة قولك: " هذا يعطي درهما " فيعطي هو فعل مفعول تعدّى إلى مفعول آخر، و " معطى " اسم المفعول المشتق من هذا الفعل، فيعمل عمله.
وكذلك تقول: " هذا مكسوّ أبوه ثوبا " فيعمل " مكسوّ " عمل " يكسى " ويصير بمنزلة قولك: " هذا يكسى أبوه ثوبا ". وقوله: " وما يعمل من المصادر ذلك العمل ". اعلم أن المصدر يعمل عمل الفعل المشتق منه، كقولك: " أعجبني ضرب زيد عمرا " و " دقّ الثّوب القصّار " و " إعطاء عمرو

زيدا درهما " و " عجبت من حسبان أخوك منطلقا ". فهذه المصادر تعمل عمل أفعالها، فتصير بمنزلة قولك: أعجبني أن ضرب زيد عمرا، وأن دقّ الثّوب القصّار، وأن أعطى عمر زيدا درهما، وعجبت أن حسب أخوك أباك منطقا، تقدّرها أبدا بأن والفعل بعدها.
ويجوز أن تضيفها، فتخفض الذي تضيفها إليه فقط، وتجري الباقي على ما يوجبه معناه، فإن كان فاعلا رفعته، وإن كان مفعولا نصبته؛ كقولك " أعجبني ضرب زيد عمرا " و " دقّ الثّوب القصّار "، وإذا أدخلت عليها الألف واللام، فهي بمنزلتها منّونة.
وقوله: " وما يجري من الصّفات التي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري مجرى الفعل المتعدّي إلى مفعول مجراها "، يريد: حسن الوجه وبابه؛ كقولك: " مررت برجل حسن الوجه " و " حسن الوجه "، فتعمل حسنا في الوجه، كما تقول: " مررت برجل ضارب زيدا "، فتعمل ضاربا في زيد، " وهذا حسن الوجه " كما تقول: " هذا ضارب زيدا " و " معطى درهما " و " مكسوّ جبّة "، غير أنك لا تقول: " هذا الوجه حسن " فتقدم الوجه، وتقول: " هذا زيدا ضارب " و " جبّة مكسوّ "، فالصفة هي قولك: " حسن الوجه "، وأسماء الفاعلين: " ضارب زيدا "، وأسماء المفعولين: " مكسوّ جبّة ". ولم يبلغ " حسن الوجه " أن يكون في القّوة كضارب زيدا، ومكسوّ جبّة؛ لأن هذا يجوز فيه التقديم والتأخير، والصّفة لا يجوز فيها ذلك، وأسماء الفاعلين والمفعولين تجري مجرى الفعل في جميع تصرفه.
والهاء في قوله: " مجراها " تعود إلى أسماء الفاعلين، وتقدير اللفظ: وما يجري من الصفات مجرى أسماء الفاعلين، وهي لم تبلغ أن تكون في القوة كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري مجرى الفعل المتعدي إلى مفعول.
وقوله: " وما أجرى مجرى الفعل، وليس بفعل ولم يقو قوّته "، يعني: إنّ وأخواتها وذلك لأن (إنّ وأخواتها) حروف قد عملت عمل الأفعال المتعدّية إلى مفعول، وذلك أنك إذا قلت: " إنّ زيدا قائم " كلفظ: " ضرب زيدا قائم "، بمنزلة فعل قد تقدّم مفعوله على فاعله، وليس له قوة الفعل؛ لأنه لا يتقدم الاسم عليه، ولا يتقدم المرفوع الذي هو خبره على المنصوب.
وقوله: " وما جرى من الأسماء التي ليست بأسماء الفاعلين.. " إلى آخر الباب؛ يعني

به: ما ينصب من الأسماء على طريق التمييز، كقولك: " هذه عشرون درهما " و " ما في السّماء موضع راحة سحابا "، فهذا أضعف عوامل الأسماء؛ لأنه لا يعمل إلا في منكور ولا يتقدّم عليه ما يعمل فيه، فهذا ليس بمنزلة أسماء الفاعلين، ولا بمنزلة الصفات، ولا هي بمنزلة المصادر؛ لأن المصادر تعمل في المعرفة والنكرة، ويتقدّم فاعلوها على مفعوليها، فليست لعشرين درهما وبابه زيادة قوّة شيء من العوامل التي قبلها، ثم عاد إلى العوامل فقال: " عشرون درهما " وهي ناصبة ولم تبلغ أن تكون في القوة كالنواصب التي قبلها، فاعرف ذلك.

هذا باب الفاعل

الذي لم يتعدّه فعله إلى مفعول والمفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل ولم يتعدّه فعله إلى مفعول.
وقد فسرنا هذه الترجمة.
قال سيبويه: " والفاعل والمفعول في هذا سواء، يرتفع المفعول كما يرتفع الفاعل؛ لأنّك لم تشغل الفعل بغيره، وفرّغته له كما فعلت ذلك بالفاعل ". قال أبو سعيد: إن قال قائل: لم كان الفاعل مرفوعا، دون أن يكون منصوبا أو مخفوضا؟ قيل له: في ذلك وجوه؛ منها: أن الفاعل واحد والمفعول جماعة؛ لأن الفعل قد يتعدى إلى مفعول ومفعولين وثلاثة، ويتعدّى إلى المفعول له، والمفعول معه، ويتعدى إلى ظرف الزمان والمكان والحال والمصدر، فكثر فاختير لهم أخفّ الحركات، وجعل للفاعل إذ كان واحدا أثقلها؛ لأن إعادة ما خفّ تكريره في الأسماء الكثيرة أيسر مئونة مما يثقل.
ووجه ثان: وهو أن الفاعل أوّل؛ لأنّ ترتيبه أن يكون بعد الفعل؛ لأن الفعل لا يستغني عنه، ويجوز الاقتصار عليه دون المفعولين، والمفعول بعد الفاعل في ترتيبه، فلما كان كذلك، وكانت الحركات مختلفة المواضع، لاختلاف مواضع الحروف المأخوذة منها هي، وذلك أن الحركات ثلاث: والفتحة مأخوذة من الألف، ومخرج الواو من بين الشفتين، ومخرج الياء من وسط اللسان، ومخرج الألف من الحلق فأوّل هذه المخارج وأقربها متناولا الواو، فجعلوا الحركة المأخوذة منها لأوّل الأسماء رتبة، وآخرها لآخرها رتبة، وهاتان علتان مرضيتان.

وربما احتجّ بعض النحويين بأن يقول: الفاعل من المفعول؛ لأنه محتاج إليه، فجعل له أقوى الحركات للمشاكلة.
وقد احتج بعضهم بأن قال: أوّل ما يرد من الأسماء الفاعل، فيرد والنفس جامّة، فاستعمل له أقوى الحركات؛ لقوة النّفس عند وروده على إتمام النطق، وجعل أخفّ الحركات لما بعده.
وقد احتج بعضهم بأن الفاعل مضارع للمبتدأ؛ لأنه يخبر عنه بفعله الذي قبله، كما يخبر عن المبتدأ بخبره الذي بعده، فالفعل والفاعل كالمبتدأ والخبر، إلا في التقديم والتأخير والزّمان الذي يدلّ على صيغة الفعل، ألا ترى أنّك إذا قلت: " قام زيد " فمعناه " زيد قائم " إلا أن " قام زيد " قد دلّ على زمان متقدّم، والقيام الذي به خبّرت عن زيد ملفوظ به قبله.
وإذا قلت: " زيد قائم " فهو غير دالّ على زمان متقدّم أو متأخر.
واعلم أن قولنا: فاعل وفعل ليس المقصد فيه إلى أن يكون الفاعل مخترعا للفعل على حقيقته، وإنما يقصد في ذلك إلى اللفظ الذي لقّبناه فعلا في أول الكتاب الدال بصيغته على الأزمنة المختلفة، متى ما بنيناه لاسم ورفعناه به، سواء كان مخترعا له أو غير مخترع رفعناه به وسمّيناه فاعلا من طريق النحو، لا على حقيقة الفعل، ألا ترى أنا نقول: " مات زيد "، ولم يفعل موتا، ونقول من طريق النحو: " مات " فعل ماض و " زيد " فاعله، و " طلعت الشّمس " و " انتصبت الخشبة " و " نظف ثوبك "، وما أشبه ذلك من الأفعال التي لا تحصى.
وقد ينقل الفعل عن الاسم الذي سميناه فاعلا، ويحذف الفاعل، ويغير لفظ الفعل، ويرفع به ما كان مفعولا في اللفظ، كقولنا: " ضرب زيد عمرا "، تحذف زيدا وتغير الفعل، وتبنيه لعمرو.
وسبيل هذا سبيل الفاعل الذي بنينا له الفعل، ورفعناه به، غير أنّ النحويين يسمّون هذا الفعل: فعل مفعول به؛ لأنه قد كان له فاعل حذف وغيّر لفظ الفعل بالحركات، والعمل فيها واحد، فالذي يرتفع بالفعل هو الذي يشغل الفعل به سواء كان فاعلا أو مفعولا أقيم مقام الفاعل.
ومعنى شغل الفعل به أنّك تجعله خبرا غير مستغن عنه.
وذلك معنى قول سيبويه: " لأنّك لم تشغل الفعل بغيره " يعني إذا قلت: " ضرب زيد " لم تشغل الفعل بغيره، ولو شغلت الفعل بغيره لنصبته كقولك: " ضرب عمرو زيدا ". ثم قال سيبويه بعد أن مثّل فعل الفاعل وهو: " ذهب زيد "، وفعل المفعول وهو: " ضرب زيد " فقال: " والأسماء المحدّث عنها والأمثلة دليلة على ما مضى وعلى ما لم

يمض من المحدّث به عن الأسماء، وهو الذهاب والجلوس والضّرب ". يعني أنك إذا قلت: " ذهب زيد " و " جلس عمرو " و " يضرب أخوك " فقد دللت على ذهاب في زمان ماض كان من زيد، وجلوس كان من عمرو، وضرب يقع بالأخ في زمان مستقبل، فحدثت عن زيد بذلك الذهاب الماضي، وحدّثت عن الأخ بالضرب الذي يقع به، والأمثلة هي أمثلة الأفعال التي منها ماض وغير ماض، والمحدّث به عن الأسماء هو المصادر والأسماء هاهنا هم المسمّون الفاعلون، كأنه أراد أصحاب الأسماء.
وقد مضى هذا في أول الكتاب.
فإن قال قائل: لم قال سيبويه: " فالأسماء المحدّث عنها والأمثلة دليلة على ما مضى، وعلى ما لم يمض "، ونحن نعلم أن الأمثلة وحدها هي الدالة على الأزمنة الماضية وغير الماضية، والأسماء لا تدل على ذلك؟ فالجواب عنه أن يقال: إن الفعل بنفسه إذا عري من الاسم لم يكن كلاما، وإنما يتمّ الكلام بذكر الفاعل معه، فإذا ذكر الفعل والفاعل دلّ حينئذ على المصادر المحدّث بها عن الأسماء، غير أن الدلالة على الأزمنة للأفعال وخلط الأسماء بها لاحتياجها إلى الأسماء أعني احتياج الفعل.
ثم قال سيبويه: " وليست الأمثلة بالأحداث، ولا يكون ما كان منه الأحداث ". يعني أن قولك: " قام ويقوم " و " انطلق وينطلق " و " ضرب ويضرب " وما أشبه ذلك من أمثلة الفعل ليست هي المصادر، وذلك أن هذه الأمثلة تدل على المصادر والأزمنة، فليست هي المصادر وحدها ولا هذه الأمثلة الفاعلين الذين يكون منهم الأحداث، كزيد وعمرو وسائر الأسماء التي يقع منها الأحداث.
وقوله: " هي الأسماء ". يريد أصحاب الأسماء الفاعلين.

هذا باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعول

قال سيبويه: " وذلك قولك: ضرب عبد الله زيدا، فعبد الله ارتفع هاهنا كما ارتفع في ذهب، وشغلت ضرب به، كما شغلت به ذهب ". وقد فسرنا هذا.
وشبه سيبويه رفع الفاعل الذي يتعدى فعله في " ضرب ". برفع الفاعل الذي لا يتعدى فعله في " ذهب "، لاجتماعهما في أنهما فاعلان قد شغل الفعل بهما، وإن كانا قد اختلفا في التعدّي.

ثم قال: " وانتصب زيد، لأنه مفعول تعدّى إليه فعل الفاعل ". وقد بينا هذا.
ثم قال: " إن قدّمت المفعول وأخّرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأوّل، وذلك قولك: ضرب زيدا عبد الله؛ لأنك إنما أردت به مؤخّرا ما أردت به مقدّما، ولم ترد أن تشغل الفعل بأوّل منه، وإن كان مؤخّرا في اللفظ، فمن ثمّ كان حد اللفظ أن يكون فيه مقدما وهو عربيّ جيّد كثير، كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعني، وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم ". قال أبو سعيد: أمّا قولهم: " ضرب زيدا عبد الله "، فإنهم قدّموا المفعول على الفاعل لدلالة الإعراب عليه، فلم يضرّ من جهة المعنى تقديمه، واكتسبوا بتقديمه ضربا من التوسّع في الكلام؛ لأن في كلامهم الشّعر المقفّى والكلام المسجّع، وربما اتفق أن يكون السجع في الفاعل فيؤخّرونه.
فإذا وقع في الكلام ما لا يتبين فيه الإعراب في فاعل ولا مفعول قدّم الفاعل لا غير، كقولهم: " ضرب عيسى موسى "، فعيسى هو الفاعل لا غير، وإن بان الإعراب في أحدهما جاز التقديم والتأخير، كقولك: " ضرب زيدا عيسى " و " ضرب عيسى زيدا ". والفاعل كيفما تصرفت فيه الحال، فهو الذي يبنى له الفعل، والمفعول كالفضلة في الكلام؛ للاستغناء عنه، والفاعل وإن كان مؤخرا في اللفظ فإن تقديره التقديم؛ لأن الفعل لا يستغنى عنه.
وقول سيبويه: " فمن ثم كان حدّ اللفظ أن يكون فيه مقدّما ". يعني إنما أردت أن تشغل الفعل بالفاعل وتبنيه له، وإن كان في اللفظ مؤخرا، أو لم ترد أن يبنى الفعل لاسم قبل الفاعل، وهو قوله: " أن تشغل الفعل بأوّل منه " يعني بالمفعول الذي هو قبله، لأن حدّ اللفظ أن يكون مقدّما، وليس يريد بقوله: " حد اللفظ " أن يكون تقديم الفاعل هو حدّ اللفظ الذي لا يحسن غيره، وإنما نريد بحد اللفظ: ترتيبه وتقديره.
وقوله: " وهو عربي جيّد كثير ". يريد به تقديم المفعول، وردّ كلامه هذا إلى قوله: " وإن قدّمت المفعول وأخّرت الفاعل ". وقوله: " كأنهم يقدّمون الذي بيانه أهم ". معنى ذلك أنه قد تكون أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه به، كمثل ما يريده الناس من قتل

خارجي مفسد في الأرض، ولا يبالون من قتله، فإذا قتله زيد فأراد مخبر أن يخبر بذلك قدم الخارجي في اللفظ؛ لأن القلوب متوقعة لما يقع به من أجله، لا من أجل قتله، فتقول: " قتل الخارجيّ زيد ". وإن كان رجل ليس له بأس، ولا يقدّر فيه أن يقتل أحدا، فقتل رجلا، فأراد الخبر أن يخبر بهذا المستبعد من هذا القاتل، كان تقديم القاتل في اللفظ أهمّ؛ لأن الغرض أن يعلم أنه قتل إنسانا، فيقال: " قتل زيد رجلا ". وهذا الكلام إنما هو على قدر عناية المتكلم، وعلى ما يسنح له وقت كلامه وربما فعل هذا لطلب سجع أو قافية أو كلام مطابق، ولأغراض شتي اكتفاء بدلالة اللفظ عليه.
ثم قال سيبويه: " واعلم أن الفعل الذي لا يتعدّى الفاعل، يتعدّى إلى اسم الحدثان الذي أخذ منه؛ لأنّه إنما يذكر ليدل على الحدث ". يعني أنّ الفعل يعمل في مصدره، وإن كان لا يتعدّى الفاعل، كقولنا: " قام زيد قياما ". والمصدر أصحّ المفعولات؛ لأن الفاعل يحدثه ويخرجه من العدم إلى الوجود، وصيغة الفعل تدلّ عليه، والأفعال كلها متعدّية إليه عاملة فيه، كقولك: " ضرب زيد عمرا ضربا " و " قتل بكر خالدا قتلا ". وأنا أذكر الأشياء التي تشترك الأفعال في تعدّيها إليها، والأشياء التي تختلف فيها، إن شاء الله: فأما الأشياء التي تشترك في تعدّي الأفعال إليها، وعملها فيها، فهي المصادر وظروف الزمان والمكان والحال، والمفعول معه، والمفعول له.
فأما المصدر فقد ذكرناه، وظروف الزمان كقولك: " قام زيد يوم الجمعة "، وظروف المكان: " قام زيد خلفك ". والحال: " قام زيد ضاحكا " أي في حال ضحكه، والمفعول معه قولك: " ما صنعت وأباك "؟ و " جاء الشّتاء والطّيالسة "، تريد: ما صنعت مع أبيك؟، وجاء الشتاء مع الطيالسة، والمفعول له: " قام زيد حذر الشّرّ "، يريد لحذر الشّر ومن أجله.
وأما اختلاف الأفعال في غير هذه الستة، فمن الأفعال ما لا يتعدّى إلى شيء سوى هذه الستة، كقولك: " قام زيد " و " ذهب عمرو ". ومنها ما يتعدى إلى مفعول سواها، كقولك: " ضرب زيد عمرا ". ومنها ما يتعدّى إلى مفعولين وهو على ضربين: أحدهما يجوز الاقتصار على أحد المفعولين فيه، كقولك: " أعطى زيد عمرا درهما "، ويجوز أن تقول: " أعطى زيد عمرا " و " أعطى زيد درهما " وتسكت والضرب الآخر: لا يجوز فيه الاقتصار على أحدهما، وهو

قولك: " حسب زيد عمرا منطلقا " ولا يجوز أن تقول: " حسب زيد عمرا " ولا " حسب زيد منطلقا ". ومنها ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين سوى الستّة؛ كقولك: " أعلم الله زيدا عمرا منطلقا ". والنحويون يذكرون تعدّي الأفعال إلى أربعة من الستة، واشتراكها فيها، وهي المصادر، وظروف الزمان، وظروف المكان، والحال، ولم يذكروا المفعول معه، ولا المفعول له مع هذه الأربعة، وذلك أن كلّ فعل لا بدّ له من مصدر، وظرف زمان، وظرف مكان، وحال، وقد تخلو من المفعول له، والمفعول معه، وذلك أن المفعول له هو الذي وقع الفعل من أجله وهو الغرض الداعي للفاعل إلى إيقاع الفعل، والمفعول معه هو الذي يشاركه الفاعل ويلابسه فيه، تقول: " قام زيد حذر الشّرّ "، فكأنه قام، وكان غرضه في قيامه أن يكفى الشر الذي يحذره و " قام زيد ابتغاء الخير " أي لابتغاء الخير وكان قصده إلى ذلك.
ولو أن إنسانا تكلّم وهو نائم، أو فعل فعلا وهو ساه، ولم يكن له فيه غرض، لم يكن في فعله مفعول له، ولو فعل فعلا لم يشاركه فيه غيره لم يكن مفعول معه، فذكر النحويون الأربعة التي يحتاج الفعل إليها، ولا يستغني عن واحد منها مذكورا أو محذوفا، وهذه المفعولات تجيء واحدا واحدا مشروحا إن شاء الله تعالى.
فقول سيبويه: " إن الفعل الذي لا يتعدّى، يتعدّى، إلى اسم الحدثان " نحو " ذهب زيد ذهابا "، فذهب هو فعل لا يتعدّى، والحدثان هو الذّهاب، واسمه هذا اللفظ؛ أعني لفظ الذهاب.
وقوله: " ألا ترى أنّ قولك: " قد ذهب " فيه دليل على أنه قد كان منه ذهاب ". قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه يجعل المفعول الذي تدلّ صيغة الفعل عليه أقوى من المفعول الذي لا تدلّ صيغة الفعل عليه، والمفعول الذي تدل صيغة الفعل عليه اثنان: المصدر وظروف الزمان، فبدأ سيبويه بالمصدر؛ لأنه أقوى من ظروف الزمان؛ لأن الفاعل قد فعله وأحدثه، ولم يفعل الزمان، وإنما فعل فيه.
ثم قال سيبويه: " وإذا قلت ضرب عبد الله، لم يتبيّن أن المفعول زيد أو عمرو ". يريد أن " ضرب عبد الله " في تعدّيه إلى " زيد " ليس بمنزلة " ذهب عبد الله " في

تعدّيه إلى الذهاب، وذلك أنك إذا قلت: " ذهب عبد الله " فقولك: " ذهب " يدلّ على ضرب من المصادر والأحداث دون سائرها، وهو " الذّهاب "، فإذا قلت: " ضرب عبد الله " أمكن أن يكون الضرب واقعا بجميع الأسماء نحو " زيد " و " عمرو " و " بكر " و " خالد "، فمفعول الضرب لم تدل عليه صيغة فعله، كما دلت على المصدر.
ثم مثّل فقال: " وذلك قولك: ذهب عبد الله الذّهاب الشديد، وقعد قعدة سوء، وقعد قعدتين، لمّا عمل في الحدث عمل في المّرّة منه والمرّتين، وما يكون ضربا منه، فمن ذلك: قعد القرفصاء، واشتمل الصّمّاء، ورجع القهقرى؛ لأنّه ضرب من فعله الذي أخذ منه ". وقال أبو سعيد: اعلم أن المصادر على ثلاثة أنحاء: فنحو منها يدلّ على نوع المصدر فقط، كقولك: " ضرب زيد ضربا " و " قعد قعودا " فضربا وقعودا يدلان على نوع الضرب والقعود، ولا يدلان على مرّة، ولا مرّتين، ولا على صفة دون صفة.
والنحو الثاني: يدل على الكمية والعدد، كقولك: " قعد زيد قعدتين " و " ضرب زيد عمرا ضربة ". والضرب الثالث: يدل على كيفية المصدر، كقولك: " قعد القرفصاء " و " اشتمل الصّمّاء " و " رجع القهقرى " و " قعد قعدة سوء "، وذلك أن " القرفصاء " هو ضرب من القعود على وصف لا يقع على كل قعود، وهو أن يقعد مجتمعا متداخلا، وتقديره: قعد القعود القرفصاء، فحذف القعود، وأقام القرفصاء مقامه، و " اشتمل الصّمّاء " معناه: الاشتمالة الصّمّاء، وهو أن يتجلّل بثوب، ويكون يداه داخل الثوب، وليس كلّ اشتمال كذلك، و " رجع القهقرى " ومعناه: رجع الرجوع القهقرى، كأنه رجع كما ذهب متوجّها الوجه الذي كان منه الذهاب، وليس كل رجوع كذلك.
وكذا " قعد قعدة سوء "، القعدة هي حال قعوده ووصفه، فقد يكون قعدة سوء وقد يكون قعدة صدق، وليست من باب " قعدة "؛ لأن قعدة تقع على مرّة فقط.
وهذه الأنحاء التي ذكرناها يتعدّى الفعل إليها؛ لأنها كلها مصادر وإن كانت مختلفة في أنفسها، فقوله: " الذّهاب الشّديد " هو من باب يدل على النّوع، غير أنه أدخل الألف واللام فيه، وعرّفه، ووصفه بالشّدة.
وقوله: " لمّا عمل في الحدث عمل في المرّة منه والمرّتين " يعني لمّا عمل " قعد " في

" قعود " من قولك: " قعد قعودا " عمل في " قعدة " و " قعدتين " إذا قلت: " قعد قعدة " و " قعدتين " وعمل في " القرفصاء "، و " الصّمّاء " و " القهقرى "، لأنه صفة المصدر وضرب منه، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " ويتعدّى إلى الزّمان نحو قولك: ذهب؛ لأنّه بني لما مضى منه وما لم يمض، فإذا قال: ذهب، فهو دليل على أنّ الحدث فيما مضى من الزمان، وإذا قال: سيذهب، فهو دليل على أنه سيكون فيما يستقبل من الزّمان، ففيه بيان ما مضى وما لم يمض منه، كما أن فيه استدلالا على وقوع الحدث ". قال أبو سعيد: وقد بينا أن أولى المفعولات بعمل الفعل فيه، ما دلّت صيغة الفعل عليه مجملا.
وقد ذكرنا المصادر التي قد دلّت صيغة الفعل عليها، وقد دلّت صيغة الفعل على الزمان مجملا أيضا، فكان عمله فيه كعمله في المصدر.
فإن قال قائل: الفعل يدلّ على الزمان كدلالته على المكان؛ لأنه قد علم أنه لا يقع إلا في مكان، كما أنه لا يقع إلا في زمان.
قيل له: هذا المعنى وإن كان مفهوما منهما جميعا من طريق المعنى فإنّ صيغة الفعل تحصّل لنا زمانا دون زمان بذاتها؛ لأنا إذا قلنا: " ذهب " حصل لنا زمان ماض دون غيره، وإذا قلنا: " يذهب " حصل لنا زمان غير ماض بلفظ الفعل، ولا يحصل لنا مكان بعينه دون مكان، فلذلك كانت ظروف الزّمان أولى بالفعل.
قال سيبويه: " وإن شئت لم تجعلها ظرفا، فهو يجوز في كل شيء من أسماء الزمان، كما كان في كل شيء من أسماء الحدث ". قال أبو سعيد: اعلم أنّ الظروف على ضربين: منها متمكّن، وغير متمكن فالمتمكّن منها ما يجوز أن يكون مرفوعا في حال، نحو " اليوم " و " الّليلة " و " خلفك "، و " قدّامك "؛ لأنك تقول: " اليوم طيّب "، و " الّليلة مظلمة "، و " خلفك واسع ". وغير المتمكّن ما لا يدخله الرفع ولا يستعمل إلا ظرفا نحو: " قبل " و " بعد " و " عند "؛ لأنّك لا تقول: " قبلك قديم " ولا " بعدك متأخّر " ولا " عندك واسع ". وهذان النوعان يستقصيان في باب الظروف، وإنما قدّمنا ذكرهما؛ لأنّ الظرف المتمكن يجوز أن يجعل مفعولا على سعة الكلام ويقام مقام الفاعل، والظرف الذي لا يتمكّن لا يجعل مفعولا على السّعة ولا يقام مقام الفاعل، فإذا قلت: " صمت اليوم "

جاز أن يكون ظرفا وجاز أن يكون مفعولا على السعة، واللفظان واحد، والتقديران مختلفان، فإذا جعلته ظرفا فتقديره " صمت في اليوم "، قدّرت وصول الصوم إلى اليوم بتوسط " في "، فأنت تنويها، وإن لم تلفظ بها، وإذا جعلته مفعولا على السّعة، فأنت غير ناول " في "، ولكنك تقدّر فعل الصوم باليوم، كما تفعل الضرب بزيد، إذا قلت: " ضربت زيدا "، وهذا على المجاز؛ لأنّ اليوم لا يؤثّر فيه الصوم، كما يؤثر الضّرب في زيد.
وقد جاء مثل ذلك في القرآن، ثمّ في الشّعر، قال الله عز وجل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 1، وليس لليل والنهار مكر، وإنما المكر يقع فيهما، فجعل ما يقع فيهما بمنزلة ما يوقعانه، أو يوقع منهما؛ لأن المصادر إنما تضاف إلى الفاعل أو المفعول.
وقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً 2، والنهار لا يبصر، وإنما يبصر فيه.
وقال الشاعر: أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة … واللّيل في جوف منحوت من السّاج 3 فإذا قلت: " صمت اليوم " وجعلته ظرفا، ثم كنّيت عنه قلت: " صمت فيه "؛ لأنك تردّ الحرف المحذوف، وإنما رددته؛ لأنّ الكناية لا تقوم بنفسها، ولا تقوم مقام " في " كما قام الظاهر وإذا كنّيت عنه فقد جعلته مفعولا على السّعة، فقلت: " صمته " لأنّك لست تنوي حرفا، كما تقول: " ضربته ". قال الشاعر: ويوم شهدناه سليما وعامرا … قليل سوى الطّعن النّهال نوافله 4 وجعل: " صمت اليوم " مفعولا على السّعة، فإذا جعلت الفعل لما لم يسم فاعله واستعملته مفعولا على السّعة قلت: " صيم اليوم "، ولا يجوز أن تردّه إلى ما لم يسمّ فاعله حتى تنقله عن الظرف إلى المفعول على السّعة، فإذا قلت " صمت عندك " لم يكن فيه إلا وجه واحد؛ لأنه ظرف غير متمكن، ولا يكون مفعولا على السّعة، ولا ينقل إلى ما لم

يسمّ فاعله، فيقال: " صيم عندك ". وأما قول سيبويه: " فهو يجوز في كل شيء من أسماء الزّمان "، فإنه أراد لأكثر؛ لأن في الزمان ما لا يستعمل إلا ظرفا، كسحر يومك، إذا لم يكن فيه ألف ولام كقولك: " سير عليه سحر " إذا أردته من يومك، وكذلك: صحوة، وعشيّة، وعتمة، إذا أردتهنّ من يومك.
وهذا يستقصى في بابه إن شاء الله تعالى.
ولفظ سيبويه عام ومراده الأكثر.
وقد ذكرنا جواز هذا المعنى فيما مضى.
وقوله: " كما كان في كل شيء من أسماء الحدث "، يعني أنه يجوز أن يجعل الظرف من الزمان مفعولا على السّعة، كما جاز أن تجعل المصادر مفعولة على السعة، والمفعول على السعة يراد به أن يجعل بمنزلة المفعول به كزيد وعمرو.
والمصادر تجيء على ضربين: منها ما يراد به تأكيد الفعل فقط، ومنها ما يراد به إبانة فائدة فيه، فما أردت به تأكيد الفعل فقط، لم تجعله مفعولا على سعة الكلام، وما كان فيه فائدة جاز أن تجعله مفعولا على السّعة، إلا أن يكون متمكنا، فإذا لم يكن متمكنا لم يقم مقام الفاعل، ولم يكن إلا منصوبا، كقولهم: " سبحان " و " شتان " ألا ترى أنك تقول: " سبّح في هذه الّدار تسبيح لله كثير " و " تسبيح الله كثيرا "، ولا يجوز أن تقول: " سبّح في هذه الدار سبحان الله "، وإن كان معناه معنى التّسبيح.
وسوف نذكر المصادر المتمكنة، وغير المتمكنة، في بابها إن شاء الله تعالى.
وأما قول سيبويه: " كما كان في كلّ شيء من أسماء الحدث "، فهو على ما عرّفتك من إرادة الأكثر باللّفظ العامّ، ويجوز أن يكون قوله: " فهو يجوز في كل شيء من أسماء الزمان "، يعني تعدّي الفعل إليه على سبيل الظرف، لا على سبيل المفعول، كما كان في كل شيء من أسماء الحدث على طريق المصدر، لا على طريق المفعول.
قال سيبويه: " ويتعدى إلى ما اشتق من لفظه اسما للمكان، وإلى المكان، لأنه إذا قال: ذهب، أو قعد، فقد علم أنّ للحدث مكانا، وإن لم تذكره، كما علم أنه قد كان ذهاب ". اعلم أن سيبويه لما رتب المفعولات، قّدّم المفعول الذي تدلّ عليه صيغة اللفظ وهو الحدث والزّمان، ثم جعل المفعول الذي يدلّ عليه المعنى محمولا على ذلك، وهو المكان، وسائر المفعولات، لأنه قد علم هذا في المعنى، كما علم ذلك في اللفظ، فاشتركا

في العلم بوقوعه، وإن كان أحدهما من طريق اللفظ، والآخر من غيره.
وقوله: " كما علم أنّه قد كان "، يريد: كما علم أن الحدث والهاء ضميره.
قد كان: يعني قد وقع، وكذلك أيضا قد علم أنه قد وقع في مكان.
وفي بعض النسخ: " قد كان ذهاب " وهذا غني على تفسير الضمير في كان.
وقوله: " اسما للمكان، وإلى المكان "، فالذي هو اسم للمكان نحو قولك: " المذهب " و " المجلس " و " المقعد " و " المقام "، وسائر الأمكنة المشتقة من لفظ الأفعال.
وأما قوله: " وإلى المكان "، يريد: ما لم يكن مشتقّا من لفظ الفعل المذكور، كقولك: " خلفك " و " قدّامك " و " المكان " وما أشبه ذلك.
واعلم أن ظروف المكان مختصّة ببعض ألفاظ الأمكنة دون بعض، والألفاظ التي تكون لظروف الأمكنة، هي الألفاظ التي لا يختص بها مكان دون مكان، ويصلح استعمالها فيها كلها، فمن ذلك الجهات الست، وهي: خلف، وقدّام، ويمنة، ويسرة، وفوق، وتحت، وما كان في العموم مثلهن، وذلك أنه لا شيء من المكان إلا وهو يصلح أن يكون خلفا لشيء، وقدّاما لشيء، ويمنة لشيء، وكسرة لشيء، وفوقا لشيء، وتحتا لشيء.
وما جرى من الأماكن مجراهن فهو بمنزلتهن، كقولك: النّاحية، ووسط، وجانب، وذلك أنه لا شيء من المكان إلا وهو ناحية عن شيء، وجانب لشيء، ووسط لما يحيط به، فما كان سبيله هذا السبيل، جاز أن يكون ظرفا من المكان، وما كان مختصا بضرب من البنية أو بشيء من البقاع على صورة لا يقع على غيرها لم يصلح أن يستعمل ظرفا نحو: المسجد، والبيت، والدّار، والحمّام، والسّوق، والجبل، والصّحراء، والوادي، وما أشبه ذلك؛ لأن هذه أشياء سمّيت بهذه الأسماء، لاختصاصها بضرب من الصور غير موجود في غيرها، ألا ترى أن المسجد اسم لبقعة ما، على صورة من الصّور، إذا بطلت بطل أن تكون مسجدا، وكذلك الدّار والحمّام، والجبل: فتقول: " قمت خلف " و " قمت ناحية " و " كلّمت زيدا مكانا طيّبا "، ولا يجوز أن تقول: " كلّمت زيدا المسجد ولا البستان "، حتى تأتي بحرف الجرّ؛ لأن ما لم يكن ظرفا من المكان، فهو بمنزلة سائر الأسماء، يصل الفعل إليه كما يصل إلى غيره، بحرف جرّ أو بغيره، فتقول: " قمت في المسجد " كما تقول: " تكلّمت في زيد ".

قال سيبويه: " وقد قال بعضهم: ذهبت الشّأم، وشبهه بالمبهم، إذ كان مكانا وكان يقع عليه المكان والمذهب.
وهذا شاذ؛ لأنه ليس في " ذهب " دليل على " الشّأم " وفيه دليل على المذهب والمكان.
ومثل " ذهبت الشّأم ": " دخلت البيت ". قال أبو سعيد: قد قدمنا أن الأماكن المختصة التي لا تقع ألفاظها على كل مكان لا تستعمل ظروفا، فكان من حكم الشّأم أن لا يستعمل ظرفا؛ لأنه اسم لبقاع بعينها، فلما قالت العرب: " ذهبت الشّأم " وحذفوا حرف الجر، وهو " في " أو " إلى " علمنا أن ذلك شاذ خارج عن القياس الذي ذكرناه، إذ كان حكمه أن يقول: " ذهبت إلى الشّأم " و " ذهبت في الشّأم "، وهو الأكثر في كلامهم، إلا أن الذين تكلموا بالشاذ الذي ذكرناه، قد ذهبوا فيه مذهبا، وإن كان ضعيفا، وذلك المذهب هو أنك تعلم أن كلّ بقعة، وإن اختصت باسم ما، كنحو: " المسجد " و " الدّار " فله اسم يشاركه فيه سائر البقاع نحو: " مكان " و " موضع "، ألا ترى أن " المسجد " هو مكان، وإن كان مسجدا ولو قال قائل: " قمت مكانا طيّبا "، وهو يعني المسجد، جاز؛ لأنه أتى باللفظ الذي يشاركه فيه غيره، فكذلك الشأم هو مكان، فإذا قال قائل: " ذهبت الشّأم " وجعله ظرفا من حيث كان مكانا، وإن لم يأت بلفظه، جاز، وهذا لا يقاس عليه، كما لا يقاس على وضع الأسماء.
ومما لفظ بلفظ فيه، وأجري على معناه، لا على حقيقة اللفظ قوله: فإنّ كلابا هذه عشر أبطن … وأنت بريء من قبائلها العشر فقال: عشر أبطن.
وحكمه أن يقول: عشرة أبطن؛ لأن البطن مذكّر، ولكنه ذهب بها مذهب القبائل؛ لأنها قبائل.
وقال بعض النحويين: إنما قالت العرب هذا في الشّأم؛ لأن معناه: " اليسار " وبه سمّي لأنه شأمة كقولك: " يسره " ولو قلت " ذهبت الشّأمة " و " اليسار " جاز.
قال: ومثل هذا: " اليمن "؛ لأنهم يريدون به اليمين واليمنة فأجاز أن تقول: ذهبت اليمن، ولم يجز ذلك في " عمان " و " مكّة "؛ لأنه ليس فيها ذلك المعنى.
ولا أشباهها.
ويلزمه عندي أن يجيز في " العالية " و " نجد "؛ لأنها مأخوذة من الارتفاع وأنت لو قلت: " ذهب فلان فوق " لجاز؛ لأنه ظرف.
وقد حذفت العرب حرف الجرّ من الأماكن مع الدخول، فقالوا: " دخلت البيت "

و " دخلت الدّار "، وكان القياس أن تقول: " دخلت في البيت " و " دخلت في الدار " إلا أنهم حذفوا حرف الجرّ وجعلوه كالظروف، لأنها أماكن.
وجعل سيبويه حذف حرف الجرّ من " الشّأم " بتأويل أنه مكان كحذف حرف الجرّ من: " دخلت البيت " بتأويل أنه مكان.
وقد رد ذلك عليه من وجهين أحدهما: أنه قيل للمجتمع عنه: ليس " ذهبت الشّأم " مثل " دخلت البيت "، من قبل أن " الشّأم " اسم لموضع بعينه، لا يقع على كل ما كان مثله من البلدان والمدن، و " البيت " اسم لكلّ ما كان مبنيا، فكان البيت أعمّ.
وهذا الذي قاله هذا القائل، وإن كان مصيبا فيه، فلم يذهب سيبويه حيث ذهب؛ لأن سيبويه إنما أراد أن يرينا أن " ذهبت الشّأم " شاذ، والأصل فيه استعمال حرف الجرّ، كما أن " دخلت البيت " الأصل فيه استعمال حرف الجرّ، وإن كان البيت أعمّ من " الشّأم ". والوجه الآخر من وجهي الردّ عليه: ما قاله أبو عمر الجرمي، وهو أنّ " دخلت " فعل يتعدى بحرف وغير حرف تقول: " دخلته " و " دخلت فيه "، كما تقول: " جئتك " و " جئت إليك " و " تعلّقتك " و " تعلّقت بك " على أنه مفعول به كزيد وعمرو، وتارة يتعدّى بحرف، وتارة بغيره.
ومن الأفعال ما يكون هكذا.
وليس الأمر على ما قاله أبو عمر.
والدليل على أن " دخلت " لا يتعدّى، وأن " دخلت البيت " قد حذف منه حرف الجرّ وهو يراد قولك: " دخلت في الأمر "، و " دخلت في كلام زيد "، ولا يجوز: " دخلت الأمر " ولا " دخلت كلام زيد "، فعلمت بهذا أنهم توسّعوا في حذف حرف الجرّ من الأماكن فقط، وتركوا غيرها على القياس.
ومما يدل على أن الدخول هو نقيض الخروج، والخروج لا يكون إلا بحرف جرّ، كقولك: " خرجت من الدّار ". ومما يدل على ذلك أيضا أنّ الدخول في الشيء إنما هو انتقال من مكان إليه، وهذا الانتقال إنما هو شيء تفعله في نفسك وتصير به إلى المكان الثاني، والانتقال لا يتعدّى إلا بحرف.
وهاتان العلتان الأخريان قد كان أبو بكر السراج يحتج بهما.
قال سيبويه: " ومثل ذلك قول ساعدة بن جؤية ":

لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه … فيه كما عسل الطّريق الثّعلب 1 قال أبو سعيد: وكان ينبغي أن يقول: " عسل في الطّريق الثّعلب " وعسل: عدا.
وهو يصف رمحا يهتزّ متنه، فجعل سرعة اهتزازه بمنزلة عسلان الثّعلب.
ولم يجعل سيبويه الطريق ظرفا؛ لأن الطريق اسم خاصّ للموضع المستطرق، ألا ترى أنه لا يقال للمسجد طريق، ولا للبيوت طرق على الإطلاق، وإنما يقال: " جعلت المسجد طريقا " أي استطرقته، وليس الطريق المعروف على هذا المنهاج.
وقد قال بعض النحويين إن الطريق ظرف؛ لأن كل موضع استطرقته فهو طريق.
قال سيبويه: " ويتعدّى إلى ما كان وقتا للأماكن، كما يتعدّى إلى ما كان وقتا في الأزمنة، لأنه وقت يقع في المكان ولا يختصّ به مكان واحد، كما أن ذلك وقت في الأزمان، ولا يختص به زمن بعينه ". قال أبو سعيد: يريد أن الفعل يتعدى إلى ما كان مقدار مسافته من الأمكنة، نحو الفرسخ والميل، وذلك أن الفرسخ والميل وما أشبهه يصلح وقوعه على كل مكان بتلك المسافة المعلومة المقدّرة، وسمّاه وقتا؛ لأن العرب قد تستعمل التوقيت في معنى التقدير، وإن لم يكن زمنا، ألا ترى أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم وقّت مواقيت الحجّ لكل بلد، فجعلها أماكن، فميقات أهل العراق " ذات عرق " وميقات أهل الشام " الجحفة "، وميقات أهل المدينة " ذو الحليفة ". وسبيل الفرسخ والميل في المكان كسبيل اليوم والشهر في الزمان.
قال سيبويه: " فلما صار بمنزلة الوقت في الزمن كان مثله "، يعني لما صار الفرسخ في المكان بمنزلة الشهر في الزمن كان مثله في الظرف.
قال سيبويه: " وكذلك كان ينبغي أن يكون إذ صار فيما هو أبعد نحو ذهبت الشأم ". يعني أنّ العرب لما جعلوا الشأم ظرفا بالتأويل الذي ذكرناه، كان الفرسخ والميل، وما أشبه ذلك أولى بالظرف؛ لأنه لكل مكان، والشأم أبعد من ذلك؛ لأنّه اسم مكان بعينه.

قال سيبويه: " وإنما جعل في الزمان أقوى؛ لأنّ الفعل بني لما مضى منه وما لم يمض، ففيه بيان متى وقع كما أنّ فيه بيانا أنه قد وقع المصدر ". وقد ذكرنا قوة الزّمان في باب الظروف على المكان وأن في الفعل بيانا لزمان محصّل من ماض أو غيره، كما أن فيه دليلا على مصدر بعينه من بين المصادر.
قال سيبويه: " والأماكن لم يبن لها فعل، وليست بمصادر أخذ منها الأمثلة ". يريد أن الأماكن ليست بمنزلة الظروف من الزمان، ولا بمنزلة المصادر.
قال سيبويه: " والأماكن إلى الأناسيّ ونحوهم أقرب؛ ألا ترى أنهم يختصونها بأسماء كزيد وعمرو، في قولهم: " مكّة " و " عمان " ونحوهما ". يعني أنهم يلقّبون الأماكن ولا يلقّبون الأيام لقبا ينفرد به يوم بعينه من بين سائر الأيام، كما انفردت مكّة عن سائر المدن بهذا الاسم، ويوم السبت، والجمعة، ونحوه لكل يوم وقع في الأسبوع ذلك الموقع وإنما أراد سيبويه قوّة ظروف الزّمان وشدة إبهامها.
ثم قال: " ويكون فيها خلق لا تكون لكل مكان ولا فيه كالجبل والوادي والبحر.
والدهر ليس كذلك، والأماكن لها جثّة، وإنما الدهر مضيّ الليل والنهار، فهو إلى الفعل أقرب ". يريد أن الأماكن فيها خلق ثابتة مختلفة كاختلاف الناس وثباتهم، وهي جثث كما أن الناس جثث.
والدّهر جزء منه يبقى ولا يثبت، وليس فيه خلق مختلفة، وإنما هو الليل والنهار يتكرّران ويعودان بساعاتهما، ويقرب من الفعل بأشد من قرب المكان؛ لأن الفعل أيضا إنما هو حركات تتقضّى كتقضّي الزمان، وإنما أعني بالفعل هاهنا ما عناه النحويون، دون الفعل الحقيقي؛ لأن العالم إنما هو فعل الله تعالى أحدثه وخلقه، وإنما أعني اللفظ بفعل ويفعل، وذلك أنّ الإنسان إذا كان في حال فعل، فقلنا إنه يفعل الآن، لم يثبت على هذا أكثر من وقت واحد حتى يصير إلى أن تقول فعل، فحال الفعل متقضّية غير ثابتة كالزّمان، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعولين

فإن شئت اقتصرت على المفعول الأوّل، وإن شئت تعدّى إلى الثاني كما تعدّى إلى الأول.
" وذلك قولك: أعطّى عبد الله زيدا درهما "، و " كسوت بشرا الثّياب الجيادّ " ومن

ذلك: " اخترت الرّجال زيدا "، ومثل ذلك قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا 1 و " سمّيته زيدا " و " كّتّبت زيدا أبا عبد الله " و " دعوته زيدا "، إذا أردت " دعوته " التي تجري مجرى " سمّيته "، وإن عنيت الدّعاء إلى أمر لم يجاوز مفعولا واحدا ". قال أبو سعيد: اعلم أنّ هذا الباب يشتمل على وجهين من التعدّي؛ أحدهما: أن يتعدّى الفعل إلى مفعولين، وأحد المفعولين فاعل بالآخر فعلا يصل إليه من غير توصّل حرف جرّ، وذلك قولك: " أعطى عبد الله زيدا درهما "، وذلك أن زيدا قد أخذ الدّرهم وهو فاعل به الأخذ، وقد وصل الأخذ منه إلى الدرهم من غير توسّط حرف جر، وكذلك " كسوت بشرا الثّياب الجياد ". وكان الأصل.
" أخذ زيد درهما " و " لبس بشر الثّياب الجياد " وقد علم أنّ الأخذ لا بدّ له من مأخوذ منه، واللابس لا بدّ له من كاس، فأردت أن تبيّن من الذي أوصل إليه الأخذ، والذي كساه، فلمّا ذكرتهما لم يكن بدّ من رفعهما؛ لأنهما أدخلا الفاعل في فعله، وهو زيد وبشر، فرفعتهما بفعلهما الذي فعلاه بالفاعل من إيصاله إلى فعله بالمفعول، وهو الدّرهم والثّياب، فاكتفى الفعل بالفاعل وارتفع به، ونصب ما سواه؛ لأن الفعل لا يرفع أكثر من واحد.
والوجه الثاني من وجهي ما يشتمل عليه الباب: أن يتعدّى الفعل إلى مفعول بغير حرف جر، ويتّصل بآخر " من "، ولم يكن المفعول في الأصل فاعلا بالذي فيه حرف الجر، فنزع حرف الجرّ من الثاني، فيصل الفعل إليه، وذلك قولك: " اخترت الرّجال عبد الله ". والأصل: " اخترت عبد الله من الرّجال "، وحذفت " من "، فوصل الفعل إلى الرجال، ولم يكن " عبد الله " فاعلا بالرجال شيئا، كما فعل زيد بالدرهم الأخذ.
ومثل ذلك: " سمّيته زيدا " و " كتّبت زيدا أبا عبد الله " والأصل: " سمّيته بزيد " و " كتّبت زيدا بأبي عبد الله "، ولم يكن زيد فاعلا بأبي عبد الله شيئا.
فإن قال قائل: أنت تقول: " تكنّى زيد أبا عبد الله "، تجعله فاعلا، وتنصب " أبا عبد الله " فتجعله مفعولا له، فهلا جعلته من القسم الأول.
قيل له: ليس في قولنا: " تكنّى زيد أبا عبد الله " و " تسمّى أخوك زيدا " دلالة على أن أحدهما فاعل بالآخر، إنما هو من باب قبول الفعل الذي أوقع به، وهو قولك: " حرّكته

فتحرّك "، " كسّرته فتكسّر "، والنيّة فيه حرف الجر، كأنك قلت: " تسمّى زيد بعمرو " ولم يكن من باب الفاعل الذي بينت به من أدخله في فعله، كقولك: " أخذ زيد درهما "، ثم بينت من أدخله في الأخذ وسهّله له فقلت: " أعطى عبد الله زيدا درهما ". وأما قول سيبويه: " دعوته زيدا، إذا أردت دعوته التي تجري مجرى سمّيته "، فإنّ الدعاء في الكلام على ثلاثة معان، أحدهما: التسمية.
والآخر: أن تستدعيه إلى أمر يحضره.
والثالث: في معنى المسألة لله تعالى.
فإذا كان الدّعاء بمعنى التسمية جرى مجرى التسمية، فقلت: " دعوت أخاك زيدا " و " دعوت أخاك بزيد "، كما تقول: " سمّيت أخاك زيدا " و " سمّت أخاك بزيد "، وهو الذي يدخل في هذا الباب، دون معنى الاستدعاء، وهو الذي قاله سيبويه: " وإن عنيت الدعاء إلى أمر لم تجاوز مفعولا واحدا "، يعني الاستدعاء إلى أمر، ألا ترى أنك تقول: " استدعيت أخاك "، ولا تقول: " استدعيت أخاك بزيد ". وقول الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه … ربّ العباد إليه الوجه والعمل 1 فإنّه أراد: أستغفر الله من ذنب.
وهذا هو من القسم الثاني.
وقال عمرو بن معد يكرب؛ أمرتك الخير فافعل ما أمرت به … فقد تركتك ذا مال وذا نشب 2 والمعنى: أمرتك بالخير.
وهو أيضا من القسم الثاني.
وقال سيبويه: " وإنما فصل هذا أنها أفعال توصل بحرف الإضافة، فتقول: اخترته من الرجال، وسمّيته بفلان، كما تقول: عرّفته بهذه العلامة، وأوضحته بها، وأستغفر الله من ذلك، فلما حذفوا حرف الجرّ عمل الفعل ". يعني أن هذه الأفعال التي تتعدّى إلى مفعولين مما كان في الأصل متعدّيا إلى واحد بغير حرف جرّ، وإلى الثاني بحرف جرّ، مما جعلناه القسم الثاني، وجعلنا أحد المفعولين غير فاعل بالآخر في الأصل، إنما فصله من القسم الأول؛ لاختلاف معناهما في الأصل.

وقد ذكرنا ذلك.
وأما قوله: " سمّيته بفلان كما تقول: عرّفته بهذه العلامة "، فإن " عرّفته " على ضربين: فإن أردت شهرته حتى عرف به، فإنه يجري مجرى التسمية؛ لأنك إذا شهرته بشيء فعرف به فهو بمنزلة تسميتك له بالاسم الذي يعرف به.
والوجه الآخر: أن يكون " عرّفته " بمعنى أعلمته أمرا كان يجهله، وتقول في الوجه الأول: " عرّفت أخاك بزيد "، كما تقول: " عرّفت أخاك بالعمامة السّوداء " إذا جعلتها علامة له يعرفه غيره بها.
وتقول على الوجه الثاني " عرّفت أخاك زيدا ". إذا أعلمته إياه، ولم يكن عارفا به من قبل، وهذا من القسم الأول؛ لأن الأصل: " عرف أخوك زيدا "، كما تقول: " أخذ زيدا "، كما تقول: " أخذ زيد درهما "، وقولك: " عرّفت أخاك بزيد " وإن جرى مجرى: " سمّيت أخاك بزيد " فلا يجوز حذف حرف الجرّ منه، كما جاز في " سمّيت ": لئلا يلتبس بالوجه الآخر من وجهي " عرّفت " وليس " لسمّيت " إلا طريقة واحدة.
قال سيبويه: " ومثل ذلك قول المتلمس " آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه … والحبّ يأكله في القرية السّوس 1 يريد: على حب العراق.
وإنما هذا شاهد لجواز حذف حرف الجرّ، لا للذي يتضمنه الباب من تعدّى الفعل إلى مفعولين، وهو متصل بقوله: " فلما حذفوا حرف الجر عمل الفعل "، كما عمل " آليت " في " حبّ " لما حذفت " على ". وقال بعض النحويين: " الحبّ منصوب بإضمار فعل كأنه قال: آليت أطعم حبّ العراق الدهر أطعمه، ومعناه: لا أطعم حبّ العراق لا أطعمه؛ لأن " آليت " بمعنى حلفت، وجواب اليمين إذا كان فعلا منفيّا، جاز حذف النفي، كما قال تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ 2 يريد: والله لا تفتأ تذكر يوسف.
وقال سيبويه مستشهدا لجواز حذف حرف الجر: " كما قال نبّئت زيدا يريد: عن

زيد " ثم قال: " وليست (عن) هاهنا بمنزلة الباء في قولك: كفى بالله شهيدا، وليس بزيد؛ لأن على وعن لا يفعل بهما ذلك ولا بمن في الواجب ". قال أبو سعيد: واعلم أنّ الحروف التي يجوز حذفها على ضربين: منها ما يحذف وهو مقدّر منوي لصحّة معنى الكلام، ومنها ما يكون زائدا لضرب من التأكيد، والكلام لا يحوج إليه، فإذا حذف لم يقدّر.
وأما الذي يكون زائدا قولك: كفى بالله وليّا، والمعنى: كفى الله.
وليس أخوك بزيد؛ لأن معناه: ليس أخوك زيدا.
وما قام من أحد، لأن معناه: ما قام أحد، فإذا حذفنا هذه الحروف، لم يختلّ الكلام، ولا يحوج المعنى إلى تقديرها.
وأمّا الذي يقتضيه معنى الكلام فنحو قولك: " نبّئت زيدا فعل كذا وكذا " تقديره: نبّئت عن زيد؛ لأن " نبّئت " في معنى " أخبرت " والخبر يقتضي " عن " في المعنى، وكذلك: " أمرتك الخير " الباء مقدرة؛ لأن الأمر لا يصل إلى المأمور به إلا بحرف، فأراد سيبويه أن " عن " المحذوفة في قولك: نبّئت زيدا، و " على " المحذوفة في قوله: آليت حبّ العراق، ليستا زائدتين، وأن المعنى يحوج إليهما بأن قال: " على " و " عن " لم يزدادا قط ولا واحدة منهما، ولم يدخلا إلا لمعنى يحوج إليه الكلام، فإذا وجدناها في شيء ثم فقدناها، علمنا أنّها مقدرة، كأنهم لما قالوا: نبّئت عن زيد، ثم قالوا: نبّئت زيدا، علمنا أن " عن " مقدرة، ولو لم تكن مقدرة عند حذفها كانت زائدة عند ذكرها، وهي لم تكن قط زائدة كزيادة الباء في كفى بالله وليس أخوك بزيد.
ومعنى قوله: " ولا بمن في الواجب " يريد: أن " من " سبيلها في الواجب أنها تدخل لمعنى، فإذا حذفت فهي تراد كنحو قولك: " اخترت الرّجال زيدا "، يريد: من الرجال، وقد تزاد في النّفي، كقولك: " ما قام من أحد "، فعن وعلى في كل حال، ومن في الواجب دون النّفي تدخلن لمعان، فإذا حذفن قدّرن.
قال سيبويه: وليست: أستغفر الله ذنبا، وأمرتك الخير أكثر في كلامهم جميعا، وإنما يتكلم بها بعضهم ". يعني أنّ حذف حرف الجرّ من هذين الفعلين ليس كثيرا في كلام العرب، وإنما يتكلم به بعض العرب.
وليس كلّ ما كان متعدّيا بحرف جرّ جاز حذفه إلا ما كان مسموعا من العرب سماعا، ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد، وتكلمت في زيد، ولا تقول: مررت زيدا، ولا تكلمت زيدا، كما تقول: أمرتك الخير، ودخلت البيت، في

معنى: أمرتك بالخير، ودخلت في البيت.
وقال سيبويه: " وأمّا سمّيت وكنّيت، فإنما أدخلت الباء على حد ما دخلت في عرّفت ". يعني أن الباء في " سمّيته بزيد " و " كنّيته بأبي عمرو " يحتاج إليها في التقدير، وإن حذفت كما يحتاج إليها في قولك: عرّفته بزيد، إذا أردت: شهرته بهذا الاسم.
ثم بيّن سيبويه احتياج " عرّفت " إلى الباء فقال: " تقول: عرّفته زيدا، ثم تقول: عرفته بزيد، فهو سوى ذلك المعنى ". يعني أنك تقول: " عرّفته زيدا "، والمعنى: أعلمته.
وتقول: " عرّفته بزيد "، بمعنى شهرته، فالمعنيان مختلفان، ولا يجوز حذف الباء في: " عرّفته بزيد ". ثم قال: " وإنما تدخل في سمّيت على حدّ ما دخلت في: عرّفته بزيد ". وقد بينا هذا.
ثم قال سيبويه: " وليس كلّ الفعل يفعل به هذا كما أنّه ليس كلّ فعل يتعدّى الفاعل ولا يتعدّى إلى مفعولين ". يعني: ليس كلّ ما كان متعدّيا بحرف جر جاز حذفه؛ بل المتعدّي بحرف جر على قسمين؛ أحدهما: يجوز حذفه كما ذكر في: " دخلت البيت " و " اخترت الرّجال زيدا ". والآخر لا يجوز حذفه " كمررت بزيد " و " تكلّمت في عمرو "، كما كان الفعل في الأصل على ضربين، منه ما يتعدّى نحو: ضرب زيد عمرا "، ومنه ما لا يتعدّى، نحو: " جلس " و " قام " وهذا معنى قوله: " كما أنه ليس كل فعل يتعدى الفاعل "، وقوله: " ولا يتعدى إلا مفعولين "، كأنه قال: ولا كلّ فعل يتعدّى إلى مفعولين، بل منه ما يتعدّى إلى مفعول، ومنه ما يتعدّى إلى مفعولين، فكذلك ليس كل فعل يتعدّى إلى مفعول بلا حرف جرّ وإلى مفعول ثان بحرف جرّ، يجوز حذف حرف الجرّ من الثاني حتى يصير الفعل متعدّيا إلى مفعولين، ألا ترى أنا إذا قلنا: " أخذت المال من زيد " لم يصلح أن تحذف " من " فتقول: " أخذت المال زيدا " كما صلح أن تقول: " اخترت الرّجال زيدا ". قال سيبويه: " ومنه قول الفرزدق:

ومنّا الذي اختير الرّجال سماحة … وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع " (1) فهذا البيت شاهد لقولنا: " اخترت الرّجال زيدا "؛ ولذلك أنّك لو رددت هذا إلى ما لم يسمّ فاعله قلت: " اختير زيد الرّجال "، فإن قدّمت قلت: " زيد اختير الرّجال " وقوله: " منّا الذي اختير " في " اختير " ضمير قد أقيم مقام الفاعل يعود على الذي، والرجال المفعول الثاني.
قال الفرزدق: نبّئت عبد الله بالجوّ أصبحت … كراما مواليها لئيما صميمها (2) مستشهدا لما قدّم من حذف " عن " في قوله: " نبّئت زيدا " في معنى " نبّئت عن زيد ". وقد أنكر قوم هذا فقالوا: " نبّئت زيدا فعل كذا " بمعنى " أعلمت زيدا فعل كذا "، ونحن إذا قلنا: " أعلمته زيدا قائما " فليست " عن " مقدرة، وكذلك هي غير مقدّرة، في قولك: " نبّئت زيدا ". فالجواب في هذا أن " نبّئت " وإن كانت تجري مجرى " أعلمت " في العمل، ويتقارب معناهما، فليست هي " أعلمت "؛ وذلك أن " نبّئت " مأخوذ من " النّبأ " و " النّبأ " هو الخبر لا العلم، بإجماع أهل اللغة، والخبر يتعدّى بعن، ألا ترى أنك تقول: " هذا خبر عن زيد "، إذا أخبرك به مخبر عنه بخبر ما، فكذا " هذا خبر عن دارك وعن أمرك "، وما أشبه ذلك، فأصل النبأ يصل بعن، وإن حذفت في بعض المواضع.
و " عبد الله " في البيت: قبيلة، فلذلك أنّث مواليها وصميمها، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا باب الفاعل الذي يتعدّاه فعله إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين

" وذلك قولك: حسب عبد الله زيدا بكرا، وظنّ عمرو خالدا أباك، وخال عبد الله زيدا أخاك، ومثل ذلك: رأى عبد الله زيدا صاحبنا، ووجد عبد الله زيدا ذا الحفاط ".12

قال أبو سعيد: اعلم أنّ الأفعال التي يشتمل عليها هذا الباب، إنما هي أفعال من أفعال تدخل على مبتدأ وخبر، لتبيّن اليقين أو الشّكّ، وهي سبعة أفعال: ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت، إذا أردت بها رؤية القلب، ووجدت، إذا أردت به وجود القلب، وزعمت، وعلمت.
والاعتماد بهذه الأفعال على المفعول الثاني الذي كان خبرا للمفعول الأول، وذلك أنك إذا قلت: " حسبت زيدا منطلقا " فأنت لم تشكّ في زيد، وإنما شككت في انطلاقه، هل وقع أو لا، وكذلك إذا قلت: " علمت زيدا منطلقا اليوم " فإنما وقع علمك بانطلاقه إذا كنت عالما به من قبل؛ وإنما كان كذلك، لأنك إذا قلت " زيد منطلق " قبل دخول هذه الأفعال، فإنما تفيد المخاطب انطلاقه الذي لم يكن يعرفه، لا ذاته التي قد عرفها، فكذلك إذا قلت: " حسبت زيدا منطلقا " فالشكّ في انطلاقه، لا في ذاته.
وهذا الاسمان، وإن كان الاعتماد على الثاني منهما، فلا بد من ذكر الأول، ليعلم صاحب القصة المشكوك فيها أو المتيقّنة، ولا بد من ذكر الثاني؛ لأنه المعتمد عليه في اليقين أو الشكّ، كما كان هو المستفاد قبل دخول هذه الأفعال، فقد صحّ أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر.
ولو لم تذكر واحدا منهما وجئت بالفعل والفاعل فقط، جاز في كل هذه الأفعال، كقولك: ظننت.
ومن أمثال العرب: " من يسمع يخل "، ففي " يخل " ضمير فاعل، ولم يأت بمفعولين.
ولو جئت بظرف أو مصدر، ولم تأت بواحد من المفعولين، جاز كقولك: " ظننت ظنّا " و " ظننت يوم الجمعة " و " ظننت خلفك ". وقال الله تعالى: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ 1، فأتى بالمصدر فقط.
وحروف الجرّ إذا اتّصلت بها هذه الأفعال فهي بمنزلة الظروف، كقولك: " ظننت بزيد " و " ظننت في الدّار "، أي وقع ظنّي في هذا المكان، كما تقول: " ظننت يوم الجمعة " و " ظننت خلفك ". وقد يتوجه بعض هذه الأفعال على معنى لا يحتاج فيه إلى مفعولين؛ فمن ذلك: " ظننت " قد تكون بمعنى اتّهمت، ومنه يقال: " رجل ظنين " أي متّهم، فإذا كان كذلك

تعدّى إلى مفعول واحد، تقول: " ظننت زيدا " كما تقول: " اتّهمت زيدا ". ومنه: " علمت " إذا أردت به معرفة ذات الاسم، ولم تكن عارفا به من قبل كقولك: " علمت زيدا " أي عرفته ولم أكن أعرفه من قبل، وليس بمنزلة قولك: " علمت زيدا قائما " إذا أخبرت عن معرفتك بقيامه، وكنت عارفا من قبل.
ومنه " رأيت " إذا أردت به رؤية العين، بمنزلة: " أبصرت " يتعدّى إلى مفعول واحد، تقول: " رأيت زيدا "، كما تقول: " أبصرت زيدا "، وإذا كانت الرؤية للقلب تعدّت إلى مفعولين، على ما ذكرنا، وكان لها معنيان: العلم والحسبان.
قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً.
وَنَراهُ قَرِيباً 1 أي يحسبونه بعيدا ونعلمه قريبا.
" والظّنّ " أيضا قد يكون بمعنى العلم، كقولك الله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ 2 وقال الشاعر: فقلت لهم ظنّوا بألفى مدجّج … سراتهم في الفارسيّ المسرّد 3 ومعناه: أيقنوا.
ومنه: " وجد عبد الله ضالّته " إذا أصابها، فهو يتعدى إلى مفعول واحد.
وأما " حسب " و " خال " و " زعم "، فلا يكون لهنّ معنى غير ما ذكرنا.
وقد جاءت سبعة أفعال لم يسمّ فاعلوها، تجري مجرى هذه الأفعال التي قدمنا ذكرها وهي: نبّئت، وخبّرت، وأخبرت، وأعلمت، وأريت، وحدّثت، وقد كانت متعدّية في الأصل إلى ثلاثة، فأقيم واحد منها مقام الفاعل، وبقى الآخران كمفعولي الظنّ في جميع أحكامها؛ لأن معنى: أعلمت، وأريت، يعود إلى: علمت، ورأيت وأنبئت، ونبّئت، وخبّرت، وأخبرت، وحدّثت يعود معناها إلى: حسبت.
وقد كان تعدّي الفعل في هذه الخمسة الأفعال بحرف جرّ؛ لأن معنى: " أنبئت زيدا منطلقا ": " نبّئت عن زيد "، وقد مر هذا.
قال سيبويه: " وإنما منعك أن تقتصر على أحد المفعولين هاهنا أنّك إنما أردت

أن تبيّن ما استقر عندك من حال المفعول الأوّل يقينا كان أو شكّا ". يعني من خبره وقصته.
" وذكرت الأوّل لتعلم الذي تضيف إليه ما استقر عندك ". يعني أنك إذا قلت: " علمت زيدا منطلقا " بيّنت ما استقر عندك من حال زيد، وهو الانطلاق، وكان يقينا لا شكّا، وذكرت زيدا، وهو الأول، ليعرف صاحب الانطلاق أيّ شيء استقرّ له عندك من الانطلاق، فمعنى قوله: " لتعلم الذي تضيف إليه " لتعلم زيدا الذي أضفت إليه الشيء الذي استقر له، يعني لزيد، عندك وهو الانطلاق.
ثم قال: " وإنما ذكرت " ظننت " ونحوه، لتجعل خبر الأوّل يقينا أو شكّا ". وقد ذكرنا هذا.
ثم قال: " ولم ترد أن تجعل المفعول الأوّل فيه الشك، أو يعتمد فيه على اليقين ". يعني أنك إذا قلت: " حسبت زيدا منطلقا "، فليس الشكّ في زيد، وإذا قلت " علمت زيدا خارجا " فالعلم لم يقع به، وإنما وقع بخروجه، فلم يعتمد على زيد في العلم.
ثم قال: " ومثل ذلك: علمت زيدا الظّريف، وزعم عبد الله زيدا أخاك ". وهذا مثال لما يتعدى إلى مفعولين.
ثم قال: " وإن قلت: رأيت، فأردت به رؤية العين، أو وجدت، فأردت وجدان الضالّة، فهو بمنزلة: ضربت ". وقد ذكرنا هذا.
ثم قال: " ولكنّك إنما تريد بوجدت: علمت، وبرأيت: ذلك أيضا ". يعني: أردت بوجدت الذي يتعدّى إلى مفعولين بمعنى: علمت، وهو الوجود بالقلب، وكذلك: رأيت، الذي هو رؤية القلب.
ثم قال: " ألا ترى أنه يجوز للأعمى أن يقول: رأيت زيدا الصّالح، وقد تكون بمعنى: عرفت ". يعني: وقد تكون " علمت " بمعنى " عرفت " وقد تكون " علمت " لحدوث العلم بالأول.
وقد ذكرنا هذا.
وهو بمنزلة " عرفت "؛ لأن " عرفت " إنما يراد به حدوث المعرفة بالاسم، فإذا قلت: " عرفت زيدا " فإنما عرفت ذاته، ولم تكن عارفا، ولو قلت " عرفت زيدا منطلقا " كانت المعرفة بذات زيد لا بانطلاقه، و " منطلقا " نصب على الحال،

كأنك قلت: عرفته في حال انطلاقه.
ولا فرق بين العلم والمعرفة، ووجود القلب ورؤيته إذا أردت بها العلم في التّحصيل، غير أنّ العرب تجعل عرفت زيدا لمعرفة ذاته فقط، وتجعل " وجدت " و " رأيت " لمعرفة قصّته فقط، كقولك: وجدت زيدا منطلقا، و " رأيته متكلّما "، وتجعل " علمت " مرّة لمعرفة الذات فقط، في مذهب " عرفت " ومرّة في معرفة القصّة، في مذهب " وجدت ". وقال الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ 1 وقال الله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ 2. قال سيبويه: " أمّا ظننت ذاك، فإنما جاز السّكوت عليه؛ لأنك تقول: ظننت فتقتصر ". يعني: أنّ قول العرب: " ظننت ذاك " إنما يعنون ذاك الظّنّ، وقد جاز أن تقول: ظننت، كما بينّا، فإذا جئت بذاك، وأنت تعني به المصدر، فإنما أكّدت الفعل، ولم تأت بمفعول يحوج إلى مفعول آخر.
قال سيبويه في تفسير هذا: " تقول ظننت ثم تعمله في الظن، كما تعمل ذهبت في الذهاب، فذاك هاهنا الظن كأنك قلت: ظننت ذاك الظنّ وكذلك: خلت وحسبت.
يعني إذا قلت: خلت ذاك، وحسبت ذاك.
قال: " ويدلّك على أنه الظن أنك لو قلت: خلت زيدا وأرى زيدا يجز ". وهذا بيّن.
ثم قال: " وتقول: ظننت به، أي جعلته موضع ظنّك، كما تقول: نزلت به، ونزلت عليه ": وقد بينا أن اتصال هذه الأفعال بحروف الجر كاتصالها بالظروف، ولا تحوج إلى ذكر مفعول آخر.
ثم قال: " ولو كانت الباء زائدة بمنزلتها في قوله: كفى بالله، لم يجز السّكوت عليه ".

يعني: لو كانت الباء في قولك: " ظننت بزيد " زائدة، لاحتجت إلى مفعول آخر؛ لأنك لو قلت: " ظننت زيدا " لاحتجت إلى مفعول آخر، والباء في " كفى بالله " زائدة، لأنّ معناه: كفى الله.
ثم قال: " فكأنك قلت: ظننت في الدار، وشككت فيه ". يعني أنك إذا قلت " ظننت بزيد "، فهو كقولك: ظننت في الدار، وشككت في زيد.
وقد بيّنا هذا فاعرفه.

هذا باب الفاعل الذي يتعدّى فعله إلى ثلاثة مفعولين

قال سيبويه: " لا يجوز أن يقتصر على مفعول واحد دون الثلاثة؛ لأن المفعول الأول هاهنا كالفاعل في الباب الذي قبله في المعنى، وذلك قولك: أرى زيدا بشرا خير الناس، ونبّأت زيدا عمرا أبا فلان، وأعلم الله زيدا عمرا خيرا منك ". قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب منقول من الباب الذي قبله، وذلك أن الباب الذي قبله كان متعديا إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما، فنقلت الفعل عن الفاعل إلى من أدخله في فعله، فصار الفاعل مفعولا، واجتمع ثلاثة مفعولين، وصار المدخل له في الفعل هو الفاعل، وذلك أنك إذا قلت: " علم زيد عمرا منطلقا "، فيجوز أن يكون أعلمه معلم، فإذا ذكرت ذلك المعلم، صيّرت زيدا مفعولا له، فقلت: " أعلم بكر زيدا عمرا منطلقا ". وهذا الباب يشتمل على ثلاثة أضرب: ضرب منها كان متعديا إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما من السبعة الأفعال التي قدمنا ذكرها في الباب الذي قبل هذا، وهي ظننت وأخواتها، وهذا الضرب في فعلين من تلك الأفعال فقط، وذلك أرى وأعلم منقولان من رأى وعلم.
وكان الأخفش يقيس عليها الجميع، فيقول: " ظنّ زيد عمرا أخاك منطلقا "، " وأزعمته ذاك إيّاه "، وكذلك يعمل في الأفعال السبعة، وغيره لم يجاوز ما قالت العرب.
والضرب الثالث: ما يكون متعديا إلى مفعول أو مفعولين، ثم يتعدى إلى الظرف ويجعل الظرف مفعولا على سعة الكلام، فيقال فيما يتعدى إلى مفعول: " سرق زيد عبد الله الثّوب اللّيلة "، فعبد الله هو المفعول الأول، وقد سقط منه حرف الجر، والثوب هو المفعول الصحيح، والليلة ظرف جعلته مفعولا على السعة، و " أعطيت عبد الله ثوبا

اليوم " إذا جعلت اليوم مفعولا على السعة.
وفي النحويين من يقول: إنّ الظرف لا يجعل مفعولا على السعة بعد تعدي الفعل إلى ثلاثة مفعولين، لأنها نهاية التعدّي، وإنما يجعل مفعولا على السعة فيما كان يتعدى إلى مفعول ليلحق بما يتعدى إلى ثلاثة.
قال سيبويه: واعلم أن هذه الأفعال إذا انتهت إلى ما ذكرت لك من المفعولين، فلم يكن بعد ذلك متعدّ، تعدّت إلى جميع ما يتعدّى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل ". قال أبو سعيد: أراد أنّ الفعل الذي يتعدى إلى مفعول أو إلى مفعولين أو إلى ثلاثة، يتعدّى بعد تعدّيه إلى المفعول أو المفعولين أو الثلاثة إلى الظرف من الزمان والمكان، والحال، والمصدر، وقد بينا هذا فيما مضى.
ومثله سيبويه فقال: " وذلك قولك: " أعطى عبد الله زيدا المال إعطاء جميلا، فزيد والمال هما مفعولا " أعطى " و " إعطاء " مصدر و " جميلا " نعت، فتعدّي " أعطى " إلى " إعطاء "، كتعدّي قام إلى القيام، إذا قلت: " قام زيد قياما حسنا ". ثم قال سيبويه: " وسرقت عبد الله الثّوب اللّيلة، لا تجعله ظرفا ". يعني: لا تجعل " الليلة " ظرفا، ولكنك تجعلها مفعولا على السعة.
وقوله.
" لا تجعلها ظرفا ". يعني: أن " سرقت عبد الله الثوب الليلة " يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، إذا لم تجعلها ظرفا وجعلتها مفعول على السعة.
وذكر ضمير الليلة في قوله: " لا تجعله ظرفا "؛ لأنه أراد الوقت، أو هذا اللفظ.
ثم قال: " ولكن كما تقول: يا سارق الليلة زيدا الثوب، لم تجعلها ظرفا ". والضرب الآخر: ما كان في معنى الخبر والتقدير فيه " عن " وهو في خمسة أفعال.
نبّأت، وأنبأت، وخبّرت، وأخبرت، وحدّثت، كقولك: " أخبرت أباك زيدا منطلقا " و " حدّثت عمرا بكرا أخاك ". وقد قال الحارث بن حلّزة: ... … فمن حدّثتموه له علينا العلاء 1

فالتاء والميم المفعول الأول، وقد أقيم مقام الفاعل، والهاء المفعول الثاني، و " له علينا العلاء " جملة في موضع المفعول الثالث.
وهذان الضربان المفعول الثالث فيهما خبر عن المفعول الثاني، ولا يجوز ذكر أحدهما دون الآخر، ويجوز الاقتصار في هذين الضربين على المفعول الأول؛ لأن المفعول الأول في هذين الضربين بمنزلة الفاعل، والفاعل يجوز أن يقتصر عليه، ألا ترى أن قولنا: " أعلم الله زيدا عمرا منطلقا ": أصله: " علم زيد عمرا منطلقا " وأنت لو قلت: " علم زيد " وسكت عليه جاز، وكذلك يجوز أن تقول: " أعلمت زيدا " وكذلك: " نبّأت زيدا "، ولا تذكر أي شيء نبأته، ويجوز ألا تذكر المفعول الأول وتذكر المفعولين الآخرين، فتقول: " أعلمت دارك طيّبة "، وأنت تريد: أعلمت زيدا؛ لأن زيدا ليس يتعلق بالمفعولين الآخرين، وليس يضطر الكلام إلى ذكره؛ لأنه مفعول يستغنى عنه.
وقول سيبويه: " لا يجوز أن يقتصر على مفعول واحد دون الثلاثة " فإن معناه لا يحسن، ألا ترى إلى قوله: " لأنّ المفعول هاهنا كالفاعل في الباب الذي قبله ". ويجوز الاقتصار على الفاعل في الباب الذي قبله.
وكثير من مفسري كتاب سيبويه من المتقدمين والمتأخرين، ربما قالوا: لا يجوز الاقتصار على واحد من الثلاثة، تلقّنا من لفظ سيبويه من غير تفتيش ولا تحصيل.
والصحيح ما خبرتك به.
يريد: أنك إذا قلت: يا سارق الليلة، فقد جعلتها مفعولا له على السعة لا غير، وأضفت إليها اسم الفاعل، كما تقول: يا ضارب زيد.
وإذا قلت: " سرقت عبد الله الثوب الليلة " جاز أن تكون " الليلة " مفعوله على السعة، وجاز أن تكون ظرفا، فإن لم تجعلها ظرفا فقد صيرتها بمنزلة " يا سارق الليلة " التي لا تكون ظرفا.
فإن قال قائل: لم جاز أن تكون " الليلة ظرفا إذا لم تضف إليها، ولا يجوز أن تكون ظرفا إذا أضفت إليها؟ قيل له: معنى الظّرف ما كانت " في " مقدرة محذوفة، فإذا ذكرنا " في " أو حرفا من حروف الجر، فقد زال عن ذلك المنهاج، فإذا أضفناه إليه فقد صارت الإضافة بمنزلة حروف الجر، فخرج من أن يكون ظرفا.
ثم قال سيبويه ممثلا لما قدم: " وتقول: أعلمت هذا زيدا قائما العلم اليقين

إعلاما ". " فالعلم " مصدر و " اليقين " نعت له، و " إعلاما " مصدر أيضا، فجاء بمصدرين، أحدهما فيه فائدة ليست في الفعل، وهو العلم اليقين؛ لأنّ معناه العلم اليقين الذي تعرف، و " إعلاما " هو تأكيد لأعلمت، لأنه ليس فيه فائدة أكثر مما في أعلمت.
وقال سيبويه في التمثيل: " وأدخل الله عمرا المدخل الكريم إدخالا "، فعمرو المفعول الأوّل، و " المدخل " المفعول الثاني، و " الكريم " نعت له، و " إدخالا " مصدر.

هذا باب المفعول الذي تعداه فعله إلى مفعول

قال سيبويه: " وذلك قولك: كسى عبد الله الثّوب، وأعطى عبد الله المال، رفعت عبد الله هاهنا، كما رفعته في ضرب، حين قلت: ضرب عبد الله، وشغلت به: كسي وأعطي، كما شغلت به ضرب، وانتصب الثوب والمال؛ لأنهما مفعولان تعدى إليهما فعل مفعول، هو بمنزلة الفاعل ". قال أبو سعيد: قد قدمنا أنّ الفعل يصاغ للذي يقع به كما يصاغ للذي يقع منه، وإن كانت الصيغتان مختلفتين، فإذا قلت: ضرب زيد، فقد صغت: " ضرب " لزيد، ورفعته به، كما أنك إذا قلت: جلس زيد، فقد صغت " جلس " لزيد، ورفعته به.
و" ضرب " وبابه يسمى فعل مفعول؛ لأن الذي صيغ له قد كان مفعولا، وكان له فاعل مذكور، فقد علمت أن الفعل إذا ارتفع به فاعله، فجميع ما تعلّق به سوى الفاعل منصوب وكذلك إذا وضعته لمفعول فرفعته به فجميع ما تعلق به سواه منصوب.
فوجب في قولك: " كسى عبد الله الثّوب " و " أعطى عبد الله المال " نصب الثوب والمال؛ لأن عبد الله قد ارتفع بالفعلين وصيغا له، وتعلّق الثوب والمال بالفعلين جميعا.
فوجب نصبهما كما بينا.
وهذا الباب يتعدّى فعل المفعول فيه إلى مفعول آخر فقط، واعتبار ذلك أنك تنظر الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين، وقد سمّي فاعله، فإذا أردت أن تنقله إلى ما لم يسمّ فاعله حذفت الفاعل وأقمت أحد المفعولين مقامه بصياغة الفعل له، فصار الفعل للمفعول الذي رفعته، ونصبت المفعول الآخر، فصار المفعول متعدّيا إلى مفعول، ولو كان الفعل الذي يسمى فاعله متعدّيا إلى مفعول واحد، ثم نقلته إلى ما لم يسمّ فاعله، أقمت المفعول مقام الفاعل، فصار الفعل للمفعول، ولا يتعدّى إلى غيره، لأنّ المفعول الذي كان يتعدّى إليه قد صار مرفوعا مصوغا الفعل، وذلك نحو قولك: " ضرب زيد " وقد كان أصله:

" ضرب عمرو زيدا " فحذفت " عمرا " وقلت: " ضرب زيد ". ولو كان الفعل يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين، ونقلته إلى ما لم يسمّ فاعله صار فعل المفعول يتعدّى إلى اثنين، كقولك: " أعلم زيد عمرا منطلقا " وقد كان: " أعلم الله زيدا عمرا منطلقا " فافهم هذا الترتيب.
ولو كان الفعل غير متعدّ إلى شيء من المفعولات، فنقلته إلى ما لم يسمّ فاعله أقمت المصدر، أو الظرف، أو حرفا من حروف الجرّ المتصلة بالاسم مقام الفاعل، وذلك قولك: " سير بزيد السير الشّديد فرسخين يومين "، تقيم الباء مقام الفاعل؛ وإن شئت قلت: " سير بزيد السير الشّديد فرسخين يومين "، تقيم " السّير " مقام الفاعل؛ وإن شئت قلت: " سير بزيد السّير الشّديد فرسخان يومين " و " فرسخين يومان "، أيّ الظرفين شئت، أقمته مقام الفاعل.
واعلم أن الفعل الذي يتعدّى يجوز أن لا تذكر مفعوله فيما لا يسمّى فاعله وتقام حروف الجرّ أو الظرف أو المصدر مقام الفاعل، كقولك: " ضرب بزيد " و " ضرب ضربتان في الدّار اليوم "، " وضرب اليوم في الدّار ضربتين ". قال سيبويه: " فإن شئت قدّمت وأخّرت، فقلت: " كسي الثّوب زيد " و " أعطى المال عبد الله، كما قلت: ضرب زيدا عبد الله، فأمره في هذا المكان كأمر الفاعل ". وقد بيّنا هذا، ويجوز أن يقال أيضا فيه: " الثّوب كسي زيد " و " المال أعطى عبد الله " كما تقول: " زيدا ضرب عمرو ". قال سيبويه: " واعلم أن المفعول الذي لا يتعداه فعله إلى مفعول يتعدى إلى كل شيء تعدّى إليه فعل الفاعل الذي لا يتعدّاه فعله إلى مفعول ". يعني: أن قولك: " ضرب زيد " هو فعل للمفعول الذي لا يتعدى إلى مفعول آخر يتعدّى إلى الظرف من الزمان والمكان والمصدر والحال، كما تعدّى فعل الفاعل إلى هذه الأربعة، وإن كان لا يتعدّى إلى مفعول غيرها كقولك: " جلس " و " قام " و " ذهب ". ثمّ مثّل تعدّي فعل الفاعل إلى هذه الأربعة فقال: " وذلك قولك: ضرب زيد الضّرب الشّديد "، فهذا قد تعدّى إلى المصدر.
ثم بيّن أن فعل المفعول قد يجوز أن يجعل الظرف معه مفعولا على سعة الكلام، كما كان ذلك في فعل الفاعل فقال: " ضرب عبد الله اليومين اللّذين تعلم، لا تجعله ظرفا "، يعني اليومين " ولكن كما تقول: يا مضروب اللّيلة الضّرب الشّديد "، الليلة في

قولك: " يا مضروب اللّيلة " قد كانت مفعولة على سعة الكلام، وأضيف إليها " مضروب " كما يضاف الفاعل إلى المفعول في قولك: " ضارب زيد " و " مكسوّ ثوب " و " معطى درهم " بمنزلة " ضارب زيد "؛ لأن هذا مفعول صيغ له الفعل، ثم أضيف إلى مفعوله، كما أن " ضاربا " فاعل صيغ له الفعل، وأضيف إلى مفعوله.
ومن تمثيله أيضا: " أقعد عبد الله المقعد الكريم "، المقعد ظرف من ظروف المكان.
ثم قال: " فجميع ما تعدّى إليه فعل الفاعل الذي لا يتعدّاه فعله إلى مفعوله، يتعدى إليه فعل المفعول، الذي لا يتعدّاه فعله إلى مفعول "، يعني: الظرفين، والحال، والمصدر.
وقد بينا ذلك.
ثم قال: " واعلم أن المفعول الذي لم يتعدّ إليه فعل فاعل في التعدّي والاقتصار، بمنزلته إذا تعدّى إليه فعل الفاعل، لأن معناه متعدّيا إليه فعل الفاعل.
وغير متعدّ إليه فعله سواء ". يريد: أن المفعول الذي لم يسمّ فاعله، وهو الذي لم يتعد إليه فعل الفاعل، إذا كان يجوز الاقتصار عليه في حال تسمية الفاعل، جاز الاقتصار عليه، وإن لم يسمّ الفاعل، وإن كان لا يجوز الاقتصار عليه في حال تسمية الفاعل، لم يجز الاقتصار عليه في حال ما لم يسمّ فاعله، وذلك أنّك تقول: " ضرب عمرو زيدا "، فتقتصر على " زيد " ولا تأتي بظرف ولا مصدر ولا غير ذلك، و " كسى زيد عمرا " فيجوز الاكتفاء به، فإذا نقلته إلى ما لم يسمّ فاعله، قلت: " كسي عمرو " و " ضرب زيد "، فلا يحتاج إلى غيره.
ولو قلت " ظنّ زيد عمرا منطلقا "، ثم نقلته إلى ما لم يسمّ فاعله قلت: " ظنّ عمرو منطلقا " ولم يجز: " ظنّ عمرو " وتسكت، كما لم يجز أن تقول: " ظنّ زيد عمرا " وتسكت.
ونقل الفعل إلى ما لم يسمّ فاعله، لا يجلب للفعل مفعولا لم يكن له في حال تسمية الفاعل، ولا يزيل عنه مفعولا كان له، ألا ترى أنك تقول: " ضربت زيدا " فلا تجاوز هذا المفعول، وتقول: " ضرب زيد " فلا يتجاوزه أيضا الفعل؛ لأنّ المعنى واحد، وتقول: " كسوت زيدا ثوبا " فتجاوز زيدا إلى مفعول آخر، ثم تقول: " كسي زيد ثوبا " فلا تجاوز الثوب.
قال سيبويه: " لأن الأوّل بمنزلة المنصوب "، يعني " زيدا " في قولهم: " كسي زيد

جارٍ التحميل