شرح كتاب سيبويهصفحات 32-71

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 32-71

أضفت " سارق " وهو اسم فاعل إلى " الليلة " كما تضيف اسم الفاعل إلى أحد المفعولين وتنصب الآخر، فهذا شبهه به في اللفظ.
وأما خلافه له في المعنى فلأن الليلة كانت ظرفا في الأصل، وأهل الدار قد كان يتعدّى السّرق إليهم بحرف الجر، وهو " من "، فكان الأصل " سرقت في الليلة من أهل الدار " فحذفت " في " وجعلت الليلة مفعولة على السّعة وحذفت " من " فوصل الفعل إلى أهل الدار، كما قال تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا 1 أي من قومه، فقلت بعد الحذف: " سرقت الليلة أهل الدار ". ثم أجريت اسم الفاعل على ذلك.
قال: (فتجرى الليلة على الفعل في سعة الكلام، كما قالوا: صيد عليه يومان، وولد له ستّون عاما).
يعني جرت الليلة مفعولة على السّعة، وإن كان أصلها الظرف، كما أقيم اليومان والستون عاما مقام الفاعل في " صيد عليه " وولد له، وإن كان اليومان لم يصادا وإنما صيدا فيهما، والستون لم تولد، وإنما ولد للرجل أولاد فيها.
قال: (فإن نونت فقلت: " يا سارقا الليلة أهل الدار " كان حد الكلام أن يكون أهل الدار على سارق منصوبا وتكون الليلة ظرفا؛ لأن هذا موضع انفصال).
يعني أنك إن لم تضف " سارق " إلى " الليلة " نونته وهو منادى فهو معرفة، وإنما يجب تنوينه وهو مفرد معرفة، لأنك قد أعملته فيما بعده.
فلم يتم آخره فيبنى، فصار بمنزلة المضاف والنكرة، وإن كان القصد إلى واحد بعينه، ومثله: " يا خيرا من زيد أقبل " تنصبه، وإن كنت تقصده بعينه، ولا تبنيه لأن " من زيد " تمام لخبر، وتنصب الليلة بها على الظرف، وأهل الدار نصب لوقوع السّرق عليهم، وإن شئت نصبت الليلة؛ لأنها مفعول بها على سعة الكلام.
قال: ولا يجوز " يا سارق الليلة أهل الدار " إلا في شعر كراهية أن يفصلوا بين الجار والمجرور.
قال أبو سعيد: وإنما كرهوا ذلك لأن المجرور من تمام الجار، لأنه يقوم مقام التنوين

ويعاقبه، ولا يفصل بين الاسم وتنوينه؛ فكرهوا الفصل بين الجار والمجرور لذلك.
قال: " فإذا كان منوّنا فهو بمنزلة الفعل الناصب تكون الأسماء فيه منفصلة ". يعني إذا نونت فقد بطلت الإضافة وصار بمنزلة الفعل.
إذ كان لا إضافة في الفعل، وعمل عمله.
قال الشماخ: ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعل … طباخ ساعات الكرى زاد الكسل فهذا وجه الإنشاد بنصب الزاد، وإضافة طباخ إلى ساعات، و " المشمعل " المنكمش السريع، وقد روي: " طباخ ساعات الكرى زاد الكسل "، وبإضافة طباخ إلى زاد وتكون " ساعات " في موضع نصب.
وللقائل أن يقول: إذا كان سيبويه قد منع الفصل بين الجار والمجرور إلا في شعر، وما يجوز في الشعر لا يجوز في الكلام، إنما يكون للضرورة، ولا ضرورة في هذا؛ إذ كان يمكنه أن ينصب " الزاد " ويضيف " طباخ ". قيل له: يجوز أن يكون الشاعر لم يجعل " ساعات " مفعولا على السعة، فيمكنه إضافة " طباخ " إليها، وليس عليه أن يخرجها عن الظرف إلى المفعول على السعة، فإذا جعلها ظرفا لم يجز إضافة " الطباخ " إليها، فيضيفه إلى " الزاد " لا محالة اضطرارا.
وقال الأخطل: وكرّار خلف المحجرين جواده … إذا لم يحام دون أنثى حليلها 1 فهذا هو الوجه، وقد أنشد بعضهم: " وكرار خلف المحجرين جواده " فهذا على مثل التفسير الذي مضى في البيت الذي قبله إذا قال: " طباخ ساعات الكرى زاد الكسل " وهو في " كرار خلف " أحسن؛ لأن " خلف أقل تمكنا؛ وأضعف من ساعات.
قال: " ومما جاء في الشعر ففصل بينه وبين المجرور قول عمرو بن قميئة: لما رأت ساتيد ما استعبرت … لله درّ اليوم من لامها 2 فأضاف " درّ " إلى " من "، و " من " في موضع جر، ونصب " اليوم " على الظرف، ولا

يجوز في هذا البيت ما جاز فيما قبله من الإضافة إلى الظرف ونصب ما بعده، فلا يجوز " لله درّ اليوم من لامها "، كما جاز " وكرار خلف المحجرين جواده " وذلك أن " كرار " يجري على الفعل وتنصب، فإذا أضفناه إلى الظرف نصبنا الذي بعده به، وصارت الإضافة بمنزلة التنوين فيه، ولا يجوز التنوين في " درّ " لأنك لا تقول: " لله درّ زيدا "، كما تقول: " وكرار جواده "، فوجب إضافة " درّ " إلى " من " اضطرارا، وإذا وجبت إضافته إليه، وجب نصب " اليوم "، وقال أبو حيّة النّميري: كما خطّ الكتاب بكفّ يوما … يهوديّ يقارب أو يزيل وهذا كالبيت الذي قبله، ولا يجوز " بكف يوم يهوديّا "، والجر في هذا البيت والذي قبله اضطرارا؛ لأنه لا يجوز فيه غير الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
قال: " ومما جاء مفصولا بينه وبين المجرور قول الأعشى: ولا نقاتل بالعص … يّ ولا نرامى بالحجاره إلا علالة أو بدا … هة قارح نهد الجزاره 1 فأضفت " علالة " إلى " قارح " وأسقطت التنوين من أجل الإضافة، وفصلت بينها وبين " قارح " " بالبداهة "، فهذا قول " سيبويه "، وهو أجود من الذي مضى، من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وذلك أن هذين شيئان أضيفا إلى شيء واحد، وأقحم أحدهما على الآخر، وهما في معنى واحد، يتناولان المضاف إليه تناولا واحدا، ومثله يجوز في الكلام كقولك: " مررت بخير وأفضل من ثمّ ". وكان بعض أصحابنا يتأول في هذا غير هذا التأول، فيقول: أسقط المضاف إليه من الأول اكتفاء بالثاني، فكأنه قال: إلا علالة قارح أو بداهة قارح، فحذف الأول اكتفاء بالثاني.
والذي قاله سيبويه أليق، لأن الأشبه أن تحذف الثاني اكتفاء بالأول، لأن الأول إذا ورد فحكمه أن يوفّى حقّه من اللفظ.
ثم أنشد أبياتا على منهاج الأول منها قول ذي الرّمّة: كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا … أواخر الميس أصوات الفراريج 2

أراد: كأنّ أصوات أواخر الميس، ومنها قول درنا بنت عبعبة، من بني قيس بن ثعلبة: هما أخوا في الحرب من لا أخا له … إذا خاف يوما نبوة فدعاهما 1 فأضاف " أخوا " إلى " من "، وفرق بينهما بفي.
ومما يشبه قول الأعشى: " إلا علالة أو بداهة قارح " قول الفرزدق: يا من رأى عارضا أكففه … بين ذراعي وجبهة الأسد 2 فأضاف " ذراعي " إلى " الأسد " وأقحم " الجبهة "، وفيه التفسير الثاني الذي ذكرناه، كأنه قال: بين ذراعي الأسد وجبهته، ويروى: يا من رأى عارضا أرقت له قال: " أما قوله عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ 3 فإنما جاز لأنه ليس ل " ما " معنى سوى ما كان قبل أن تجيء إلا التوكيد، فمن ثمّ جاز ذلك إذ لم ترد بها أكثر من هذا، وكانا حرفين، أحدهما في الآخر عامل، ولو كان اسما أو ظرفا أو فعلا لم يجز ". يعني أنه إنما جاز الفصل بين الباء وبين " نقضهم " " بما " لأن " ما " لا تغيّر الكلام، ولا تزيد فيه معنى لم يكن من قبل دخولها إلا التوكيد، فلما كانت كذلك كان دخولها كخروجها، ولو كان الفصل بين الجار والمجرور باسم أو ظرف أو فعل، لم يجز على الشرائط التي تقدمت، وقد اختلف النحويون فيما إذا كانت زائدة، فبعضهم يجعلها اسما، وبعضهم يجعلها حرفا، وكلا القولين محتمل، لأنا قد رأينا الأسماء والحروف قد تجيء مزيدة، فأما الاسم فقولك: " كان زيد هو العاقل "، وأما الحرف فقولك: " لمّا أن قام زيد " لأن المعنى فيهما كان زيد العاقل، ولما قام زيد.
وقوله: " كانا حرفين أحدهما في الآخر عامل ". يعني بالحرفين الباء و " نقضهم " ولم يدخل بينهما شيء يعتد به.
قال: وأما قوله: " أدخل فوه الحجر " فهذا جرى على سعة الكلام والجيد أدخل

فاه الحجر كما قال: أدخلت في رأسي القلنسوة ". يعني أنه كان الوجه وحقيقة الكلام أن يقال: " أدخل فاه الحجر "، وذلك أن الحجر والفم مفعولان، أحدهما فاعل بالآخر، والحجر هو الفاعل، لأنه الداخل الفم، فإذا رددناه إلى ما لم يسمّ فاعله أقيم الذي كان فاعلا في المعنى مقام الفاعل، وهو الحجر، كما قال: " أعطي زيد درهما "، فإذا قلت: " أدخل فوه الحجر " فقد أقمت الفم مقام الفاعل، وهو مفعول في المعنى.
قال: " فجرى هذا على سعة الكلام "، إذ كان لا يشكل كما قيل: أدخلت في رأسي القلنسوة.
والرأس هو الداخل فيها لأنها محيطة به.
قال: " وليس مثل اليوم والليلة؛ لأنهما ظرفان، فهو مخالف له في هذا، موافق له في السعة ". يعني أن اليوم والليلة لا يقامان مقام الفاعل؛ إذ كان معهما مفعول صحيح كما تقام القلنسوة والفم، ولا يقال: " ضرب زيدا اليوم "، ولا " سيرت الليلة زيدا " كما يقال: " أدخلت القلنسوة رأس زيد " فهذا باب اختلافهما.
وأما اتفاقهما في سعة الكلام، فلأن الظرف قد يقام مقام الفاعل، وقد يضاف اسم الفاعل إليه، ويؤتى بالمفعول من بعده كقوله: طباخ ساعات الكرى زاد الكسل 1 فجعل " الساعات " مفعولة على السعة، فصارت هي والزاد مفعولين، ثم قدمها على الزاد، وجعلها كالمفعول الأول كما قدم القلنسوة على الرأس فجعلها كالمفعول الأول.
قال الشاعر:- ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه … وسائره باد إلى الشمس أجمع 2 وكان الوجه أن يقول: مدخل رأسه الظّلّ؛ وذلك لأن الرأس هو المفعول الأول.
قال: " فوجه الكلام فيه هذا؛ كراهية الانفصال ".

يعني وجه الكلام في هذا البيت إضافة " مدخل " إلى الظل؛ لأنك لو لم تفعل هذا فأضفته إلى الرأس لكنت قد فصلت بينهما بالظل، فكأن إضافته إلى الظل على السعة أحسن من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظل.
قال: " وإذا لم يكن في الجرّ فحدّ الكلام أن يكون الناصب مبدوءا به ". يعني إذا لم تضف فالوجه أن يكون المفعول الأول هو المبدوء به؛ لأن المفعول الأول هو الفاعل في المعنى، وهو الناصب للمفعول الثاني قبل أن يجعل مفعولا.
وهذا الكلام من سيبويه يوهم أنا إذا قلنا: " ضرب زيد عمرا "، أن للفاعل تأثيرا في نصب المفعول، وإنما سماه ناصبا يريد الفاعل في المعنى، لأنهما حيث اجتمعا في الفعل قبل النقل، وجعله فاعلا للفعل أوجب نصب الآخر، كما قال الله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ 1 ولم يكن الشيطان المخرج وإنما كان سببا لإخراج الله إياهما.
[ويجوز أن يكون معنى قول سيبويه: " يكون الناصب مبدوءا به " يريد المنصوب، ويكون لفظ الفاعل في موضع مفعول، كما قيل عِيشَةٍ راضِيَةٍ 2 في معنى " مرضيّة " أي ذات رضا].
(هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى وما يعمل فيه).
وذلك قولك: " هذا الضارب زيدا "، فصار في معنى هذا الذي ضرب زيدا، وعمل عمله؛ لأن الألف واللام منعتا الإضافة، وصارتا بمنزلة التنوين، وكذلك " هذا الضارب الرجل ". قال أبو سعيد: يعني أن الألف واللام قد صارتا بمنزلة الذي، وصار اسم الفاعل المتصل به بمعنى الفعل.
فإن قال قائل: فأنتم قد منعتم أن يعمل اسم الفاعل إذا كان في معنى فعل ماض فكيف أجزتم نصب زيد في: " هذا الضارب زيدا " وهو في معنى فعل ماض؟ قيل له: إنما جاز هذا لأنا لما جعلنا الألف واللام بمعنى الذي، ونوينا به نية " الذي "، ووصلناها بما توصل به الذي وإن كانت الذي اسما، والألف واللام حرفا، جعلنا

اسم الفاعل المتصل بالألف واللام في مذهب الفعل، وإن كان اسما.
ووجه ثان وهو أن الألف واللام لمّا لم يجز أن يليها لفظ الفعل، اضطرنا ذلك إلى نقل اللفظ عن الفعل إلى الاسم؛ ليتصل بالألف واللام، فكأنّ الذي نقل لفظ الفعل إلى الاسم حكم أوجبته تسوية اللفظ فقط، فبقي المعنى على حاله.
ووجه ثالث: وهو أن اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي كان حكمه أن يضاف إلى المفعول به، كقولك: " هذا ضارب زيد "، فلما دخلت الألف واللام فمنعت الإضافة واحتيج إلى ذكر المفعول للفائدة نصب.
وحكي عن الأخفش أنه قال: " هذا الضارب زيدا " إذا كان في معنى الفعل الماضي، إنما ينصب كما ينصب " الحسن الوجه " وليس على نصب المفعول الصحيح، والقول ما ذكرناه عن سيبويه للحجة التي ذكرناها.
فإن قال قائل: لم جعل سيبويه " الضارب " مفسرا بالذي ضرب ولم يفسّره بالذي يضرب؟ قيل له: من قبل أن اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي لا ينصب الاسم الذي بعده مع غير الألف واللام، والذي في معنى المستقبل ينصب، فإذا ذكر نصب اسم الفاعل مع الألف واللام، في معنى الفعل الماضي، لم يقع شك في أن المستقبل يعمل ذلك العمل؛ لأن المستقبل أقوى عملا من الماضي؛ ولو فسره بالمستقبل جاز أن يقول قائل: إن الماضي لا يعمل ذلك العمل.
قال: " وقد قال قوم من العرب ترضى عربيّتهم: " هذا الضارب الرجل " شبّهوه بالحسن الوجه، وإن كان ليس مثله في المعنى ولا في أحواله ". قال أبو سعيد: قد بينا أن اسم الفاعل يجوز أن يضاف إلى المفعول، فيما ليس فيه الألف واللام، ويجوز أن ينصب به ما بعده، كقولنا " هذا ضارب زيد " و " ضارب زيدا "، فإذا أدخلنا الألف واللام وجب النصب عند " سيبويه "، ولم يجز عنده الإضافة، وذلك أن الإضافة هي " معاقبة " للتنوين في قولك " هذا ضارب زيدا "؛ لأنه سقط بالإضافة التنوين الذي كان في قولك " ضارب زيدا " فإذا قلت: " هذا الضارب زيدا " لم يجز إضافة الضارب إلى زيد؛ لأنا لا نقدر على حذف شيء بالإضافة، فتكون الإضافة معاقبة له، فلم يجز " هذا الضارب زيد " لذلك.
فإذا قلت: " هذا الضارب الرجل " وما كان فيه الألف واللام من المفعولات جاز

جره، وإن كان القياس النصب لما ذكرنا، وإنما جاز الجر تشبيها بالحسن الوجه إذا كان في الوجه الألف واللام، وإن لم يكن فيه ألف ولام لم يجز، لأنك لا تقول: " مررت بالحسن وجه "، كما تقول: " مررت بالحسن الوجه " بالألف واللام وهذا يحكم في بابه.
وقد أجاز سيبويه " هذا الضارب الرجل وزيد " و " هذا الضارب الرجل زيد " على عطف البيان، وإنما جاز في الاسم الثاني الجر، وإن لم يكن فيه ألف ولام؛ لأنه تابع للاسم الذي قبله، ولم يل اسم الفاعل، وقد يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، ألا ترى أنك تقول: " يأيها الرجل ذو الجمّة " فتجعل " ذو الجمّة " نعتا للرجل ولا يجوز أن يقع موقعه، وتقول: " يا زيد والرجل "، ولا يجوز أن يقع موقع الأول؛ لأنك لا تقول: يأيها ذو الجمّة، " يا الرجل " وأنشد في ذلك قول المرّار الأسديّ: 1 أنا ابن التارك البكريّ بشر … عليه الطير ترقبه وقوعا 2 فجعل " بشرا " عطف بيان من " البكري "، وأجراه عليه ولا يصح أن يكون بدلا، لأن البدل يقع موقع المبدل منه وكان أبو العباس المبرد لا يجيز الجر في الاسم الثاني عطفا كان أو بدلا، أو عطف بيان.
وينشد البيت نصبا: أنا ابن التارك البكريّ بشرا والقول ما ذكرناه عن سيبويه؛ للقياس الذي بيناه ولإنشاد العرب والنحويين البيت بالجر، والفراء يجيز " هذا الضارب زيد " " وهذا الضارب رجل "، ويزعم أن تأويله: هذا الذي هو ضارب زيد، وضارب رجل، فيلزمه " هذا الحسن وجه "، على تقدير هذا الذي هو حسن وجه، و " هذا الغلام زيد " على تقدير هذا الذي هو غلام زيد، لأنه قدّر دخول الألف واللام على الاسم، ولم ينقل الفعل عن لفظه لدخولها وصيّر ما بعد الألف واللام معها على حكاية لفظ " الذي " وهذا قول فاسد، وأنشد سيبويه في العطف قول الأعشى:

الواهب المائة الهجان وعبدها … عودا تزجّى خلفها أطفالها 1 فعطف " عبدها " على المائة الهجان، وقال بعض المخالفين له: ليس له في هذا البيت حجة، وإن كان " عبدها " مجرورا؛ وذلك أنه لا خلاف أن المضاف إلى الألف واللام في هذا الباب بمنزلة ما فيه الألف واللام، وأن قولنا: " هذا الضارب غلام الرجل " بمنزلة قولنا: " هذا الضارب الرجل "، كما أن قولنا: " هذا الحسن وجه الأخ " بمنزلة قولنا " هذا الحسن الوجه " فلما قال: " الواهب المائة الهجان " جاز ذلك بإجماع؛ لأن المائة فيها الألف واللام، والهاء في " عبدها " تعود إلى المائة فصار العبد كمضاف إلى ما فيه الألف واللام، فكأنه قال: الواهب المائة وعبد المائة، وهذا جائز بلا خلاف، وإنما احتج سيبويه بهذا بعد أن صح عنده بالقياس الذي ذكرناه، جواز الجر في الاسم المعطوف، وأنشد البيت ليرى من المثال في الاسم المعطوف، لأنه لا حجة له في غيره.
قال سيبويه: وإذا ثنّيت أو جمعت فأثبتّ النون قلت: هذان الضاربان زيدا، وهؤلاء الضاربون الرجل، لا يكون فيه غير هذا؛ لأن النون ثابتة، ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ 2. فهذا بيّن وقال ابن مقبل: 3 يا عين بكّي حنيفا رأس حيّهم … الكاسرين القنا في عورة الدّبر 4 " فالقنا " في موضع نصب، و " حنيف " قبيلة، والعورة الموضع الذي يبقى فيه العدو، ولا يكون بينهم حاجز، ومنه قوله تعالى: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ 5 أي ممكنة للعدو وليس بينها وبينه حائل، و " عورة الدبر " ما تبقى من خلف فهؤلاء يقاتلون إذا أدبر غيرهم وولى.
قال: " فإذا كففت النون جررت، وصار الاسم داخلا في الجار، وبدلا من النون، لأن النون لا تعاقب الألف واللام، ولم تدخل على الاسم بعد أن ثبتت فيه الألف

واللام.
لأنه لا يكون واحدا معروفا ثم يثنى، فالتنوين قبل الألف واللام؛ لأن المعرفة بعد النكرة ". يعني أنك إذا قلت: " هذان الضاربا زيد " جررت، وجعلت زيدا مكان النون، والفرق بين التثنية والواحد في الإضافة أن المثنى إذا أضفته أسقطت النون للإضافة، فجازت الإضافة فيه كما جازت في المثنى الذي ليس فيه ألف ولام، إذا قلت: " هذان ضاربا زيد "؛ لأنك تسقط النون للإضافة فيهما جميعا، وإذا قلت: " هذا الضارب زيد " لم يجز؛ لأنه ليس في " الضارب " تنوين ولا نون تسقطها بسبب الإضافة.
وقوله: " لأن النون لا تعاقب الألف واللام ". يعني أن النون توجد مع الألف واللام، فجازت الإضافة بإسقاطها مع الألف واللام، وكانت مخالفة للتنوين، إذ كان لا يوجد مع الألف واللام.
وقوله: " لأنه لا يكون واحدا معروفا ثم يثنّى " يعني أن التثنية لحقت المنكور، ودخلت عليه، وكان المنكور منونا، فجعلت النون في التثنية عوضا من الحركة والتنوين، ثم دخلت الألف واللام على المثنى الذي قد ثبت فيه النون، فلم تحذف لقوتها، وقد ذكرنا هذا مستقصى في أول الكتاب.
وإنما لم يبن الواحد المعروف، لأن الواحد المعروف إنما يدل على شيء بعينه، فإذا ضممنا إليه مثله فقد أخرجنا كل واحد منهما أن يدل على شيء بعينه لمشاركة الآخر له، وإنما أراد أن يبين بهذا أن النون لم تدخل على ما فيه الألف واللام لأن النون عنده عوض من التنوين والحركة، وما فيه الألف واللام ليس فيه تنوين، وإنما يثنّى الاسم قبل دخول الألف واللام وكانت النون عوضا من الألف واللام، ثم ثنّيت بعد دخول الألف واللام؛ لما ذكرنا.
قال: " فالنون مكفوفة، والمعنى معنى ثبات النون كما جاز ذلك في الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع، وذلك قولك: " هما الضاربا زيد " و " الضاربو عمرو ". يعني أن النون في قولنا: " هما الضاربا زيد " مرادة ولولا ذلك لم تجز إضافة ما فيه الألف واللام إلى زيد، لأن الإضافة توجب التعريف، وما فيه الألف واللام قد تعرف بهما، كما تعرف " غلاما زيد " بزيد، ولا يجوز أن تقول: " الغلاما زيد " فلولا أن التقدير: هما الضاربان زيدا، لم تجز الإضافة، وهذا نظير اسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل

المضارع، في أن الإضافة لا تخرجه عن نية التنوين، إذا قلت: " مررت برجل ضارب زيد " فهو مضاف في اللفظ، والنية فيه التنوين.
قال الفرزدق: أسيّد ذو خرّيطة نهارا … من المتلقّطي قرد القمام 1 أضاف " المتلقطي " إلى " قرد القمام "، و " أسيّد " تصغير أسود، و " قرد القمام " ما تراكب من القمامة، وقال رجل من بني ضبّة: الفارجي باب الأمير المبهم وقال رجل من الأنصار: الحافظو عورة العشيرة لا … يأتيهم من ورائهم نطف 2 ويروى: " وكف " ويروى " الحافظو عورة العشيرة " فمن قال: " الحافظو عورة العشيرة " فعلى ما ذكرنا، وإذا قال: " الحافظو عورة العشيرة " فلم يرد الإضافة، وحذف النون اختصارا واستخفافا، لمّا كانت الألف واللام بمعنى الذي واللذين وهذه الأسماء موصولة، تكون هي وصلاتها كالاسم الواحد، فحذفوا منها لطولها، فقالوا في: " الذي ": " اللّذ " بحذف الياء وكسر الذال قال الشاعر: واللذ لو شاء لكانت برّا … أو جبلا أصمّ مشمخرّا 3 ومنهم من قال: " اللّذ " بحذف الياء وإسكان الذال قال الشاعر: كاللذ تزبّى زبية فاصطيدا 4 وقال في " الّذي ": " الذيّ "، وليس يدخل فيما قصدناه، ولكنا لم نحب أن نغفله؛ ليكون مضافا إلى نظائره من اللغات قال الشاعر: وليس المال فاعلمه بمال … وإن أنفقت إلّا للّذيّ ينال به العلاء ويصطفيه … لأقرب أقربيه وللقصيّ 5

وكذلك " اللذان " يقال فيهما: " اللّذا " تخفيفا واختصارا؛ لطول الاسم مع الصلة.
قال الأخطل: أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا … سلبا الملوك وفكّكا الأغلالا 1 وقال الأشهب ابن رميلة 2: وإن الّذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد 3 أراد " إن الذين "، والدليل على ذلك قوله: " دماؤهم "، فجعل العائد جمعا، فلما جاز في " الذي واللّذين والّذين " من الحذف والتخفيف ما ذكرنا من غير إضافة، جاز في الألف واللام التي في معناها حذف النون من غير إضافة.
" والنطف والنكف " جميعا الدنس والعار، وما يعاب به فاعلمه.
قال: وإذا قلت: " هم الضاربوك " و " هما الضارباك " فالوجه فيه الجرّ؛ لأنك إذا كففت النون من هذه الأسماء في المظهر كان الوجه الجر، إلا في قول من قال: " الحافظو عورة العشيرة ". قال أبو سعيد اعلم أن سيبويه يعتبر المضمر بالمظهر في هذا الباب فيقول: الكاف في الضاربوك والضارباك في موضع جر؛ لأنك لو قلت: " الضاربو زيد " جررت، وهذا هو الاختيار.
ويجوز أن يكون في موضع نصب لأنك تقول: " الضاربو زيدا " على من قال: " الحافظو عورة العشيرة " وإذا قلت: " هم ضاربوك " فالكاف في موضع جر لا غير؛ لأنك تقول: " هم ضاربو زيد " لا غير.
وكان " الأخفش " يجعل الكاف في موضع نصب على كل حال، وحجته في ذلك

أن اتصال الكناية قد عاقبت النون والتنوين ألا ترى أنك لا تقول: " هو ضاربنك " ولا: " هما ضاربانك " ولا " هم ضاربونك " كما تقول: هو " ضارب زيدا " و " هما ضاربان زيدا "، فلما امتنع التنوين والنون لاتصال الكناية، صار بمنزلة ما لا ينصرف من الأسماء، ويعمل من غير تنوين، كقولك للنساء: " هؤلاء ضوارب زيدا "، والذي جمع بينهما أن التنوين حذف من " ضوارب "؛ لمنع الصرف، لا للإضافة، وحذف من " ضاربك " لاتصال الكناية، لا للإضافة، وقد حكى بعضهم جواز " ضاربنك " و " ضاربني " في الشعر، وأنشدوا أبياتا لا تصح منها قوله: وليس حاملني إلا ابن حمّال 1 والرواية الصحيحة " وليس يحملني " وأنشد بعضهم- وزعم سيبويه أنه مصنوع-: هم القائلون الخير والآمرونه … إذا ما خشوا من محدث الدهر معظما 2 وقال الآخر: ولم يرتفق والناس محتضرونه … جميعا وأيدي المعتفين رواهقه فوصل الكناية في " آمرونه " و " محتضرونه " بالنون، والوجه أن يقول: " آمروه " و " محتضروه "، فزعم سيبويه أن هذا من ضرورة الشعر، وجعل الهاء كناية.
وقد روي عن بعض القراء: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ.
فَاطَّلَعَ- ذهب إلى " مطلعونني " - فأثبت نون الجمع مع اتصال الكناية، والكناية هي النون الثانية وياء المتكلم، وحذف إحدى النونين لاجتماعهما، وأسقط الياء لدلالة الكسرة عليها.
وأما " الآمرونه " و " محتضرونه " فذكر أبو العباس: أن هذه الهاء هي هاء السكت، وكان حكمها أن تسقط في الوصل، فاضطر الشاعر أن يجريها في الوصل مجراها في الوقف، وحركها؛ لأنها لما ثبتت في الوصل أشبهت الحروف التي حكمها أن تثبت في

الوصل كهاء الكناية إذا قلت " غلامه " وما أشبه ذلك؛ وأما القراءة في " مطلعون " فهي شاذة رديئة في القياس.
فإن قال قائل: وما السبب الذي أوجب سقوط التنوين والنون مع اتصال الكناية؟ قيل له: سبب ذلك أن علامة المضمر غير منفصلة من الاسم الذي اتصلت به، ولا ينطق بها وحدها، وهي زائدة في الاسم، والتنوين والنون زائدان أيضا، والكناية تقع في آخر الاسم كالنون والتنوين فتعاقبتا؛ كراهة أن يجتمع في آخر الاسم هاتان الزيادتان، فاكتفى بإحداهما عن الأخرى لمّا صارتا كشيئين من جنس واحد.
وهذا الفصل قد اشتمل على تفسير كلام سيبويه الذي لم يذكره من هذا الباب في هذا المعنى.

هذا باب من المصادر جرى مجرى الفعل المضارع في عمله ومعناه

وذلك قولك: " عجبت من ضرب زيدا بكر ومن ضرب زيد عمرا " إذا كان هو الفاعل.
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن المصادر تعمل عمل الأفعال المأخوذة منها، إذا نوّنت، أو دخلتها الألف واللام، بما أغنى عن إعادته.
وتقدير المصدر إذا كان كذلك تقدير " أن "، وما بعدها من الفعل، واعلم أن المصدر متى كان عاملا، فتقديره تقدير (أن) وما بعدها من الفعل، وإذا كان مؤكّدا لفعله، أو عاملا فيه الفعل، الذي أخذ منه على وجه من الوجوه، لم يجز أن يقدّر بأن، وذلك قولك: " ضربت زيدا ضربا " و " ضربت زيدا الضرب الشديد "، لا يقدّر بأن، لأنك لا تقول: " ضربت زيدا أن أضرب "، ولو قلت: " أنكرت ضربك زيدا " لكان في معنى " أن "، لأنك تقول: أنكرت أن تضرب زيدا، وأنكرت أن ضربت زيدا، والعامل فيه غير الفعل المأخوذ منه.
أما قولك آمرا: " ضربا زيدا " و " الضرب زيدا " فكثير من النحويين يتسعون فيه فيقولون: العامل في " زيد " المصدر، والحقيقة في ذلك غير ما قالوه اتساعا، وإنما العامل في زيد الفعل الذي نصب المصدر، وتقديره: " اضرب ضربا زيدا "، فالعامل في " ضرب " وفي " زيد " جميعا الفعل ولكن هذا المصدر صار بدلا من اللفظ بفعل الأمر فاتسعوا أن يقولوا:

إنه العامل في الاسم، لما كان خلفا من العامل.
ويجوز إضافة المصدر إلى الفاعل إن شئت، وإلى المفعول؛ لتعلقه بكل واحد منها؛ فتعلقه بالفاعل وقوعه منه، وتعلقه بالمفعول وقوعه به، فإلى أيهما أضفته جررته، وأجريت ما بعده على حكمه، إن كان فاعلا فمرفوع وإن كان مفعولا فمنصوب، كقولك: عجبت من دقّ الثوب القصار " إذا أضفت إلى المفعول، و " من دقّ القصار الثوب " إن أضفت إلى الفاعل، وإنما جاز أن تأتي بعد المصدر بالفاعل والمفعول، ولم يجز أن تأتي بعد اسم الفاعل إلا بالمفعول؛ من قبل أن المصدر غير الفاعل وغير المفعول.
فلا يستغنى بذكره عن ذكرهما، واسم الفاعل هو الفاعل، فلا يحتاج إلى ذكر الفاعل بعده، ولا يجوز إضافته إلى الفاعل، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
ومعنى قول سيبويه: " وإنما خالف هذا الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع ". يعني: خالف المصدر الاسم الذي جرى مجرى الفعل المضارع وهو اسم الفاعل؛ من أجل ما ذكرنا وهو أن المصدر ليس بفاعل ولا مفعول.
قال: فمما جاء من هذا قوله عز وجل: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ 1 فالتقدير فيه: أو أن تطعموا، فحذف الفاعل، ولو أظهر لقال أو إطعام أنتم.
ويجوز عندي ألّا يقدر فاعل وينصب بالمصدر نفسه، كما نصب التمييز في قولك: " عشرون درهما "، و " ما في السماء موضع راحة سحابا " من غير أن يقدّر فاعل.
فإن قال قائل: فإذا نصبت " يتيما " ولم تقدر فاعلا في " إطعام " وشبّهته " بعشرين "؛ فقد جعلته تمييزا فلا يجوز أن تنصب إلا نكرة، ولا يقال " أو إطعام زيدا "، قيل له: نحن وإن نصبناه من غير أن نقدر فاعلا، فإنما ننصبه تشبيها بالفعل الذي ينصب المفعول، فلا يلزم أن يكون مثل الفعل في جميع أحواله، ألا ترى أنا نقول: " أو إطعام زيد عمرا " فننصب " عمرا " بإطعام، ونقيم " زيدا " منه مقام التنوين وهو مجرور، ولا نقدر فاعلا غير " زيد "، فقد حصل في المصدر بطلان لفظ الفاعل الذي هو مرفوع من الفعل لا محالة، ولم يكن المصدر في هذه الحال بمنزلة الفعل، فكذلك ما ذكرناه.

قال الشاعر في إعمال المصدر: فلولا رجاء النّصر منك ورهبة … عقابك قد صاروا لنا كالموارد 1 فعدى " رهبة " إلى " عقابك " وقال آخر: أخذت بسجلهم فنفحت فيه … محافظة لهنّ إخا الذّمام 2 فنصب " إخا الذمام " بمحافظة، وقال: بضرب بالسيوف رؤوس قوم … أزلنا هامهنّ عن المقيل 3 نصب " الرؤوس " " بضرب " ومما جاء من المصادر غير منوّن قول لبيد: عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم … قبل التّفرّق ميسر وندام 4 أضاف عهدي إلى الياء؛ ونصب " الحيّ " به، والياء في معنى الفاعل، و " عهدي " في موضع ابتداء، والخبر قوله: " وفيهم "؛ لأن الواو تكون حالا والحال يكون خبرا للمصدر، كقولك: " قيامك ضاحكا "، و " قيامك وأبوك يضحك " كما تقول: " مررت بزيد ضاحكا " و " مررت بزيد وأبوه يضحك ". قال: ومنه قولهم: " سمع أذني زيدا يقول ذاك " فأضاف السمع إلى الأذن.
و" يقول " حال يسد مسد الخبر، كأنه قال: سمع أذني زيدا قائلا ذاك.
وهذا كلام على المجاز، لأن زيدا لا يسمع؛ إنما يسمع كلامه، ولكنه أراد سمع أذني كلام زيد، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وقال رؤبة: ورأي عينيّ الفتى أخاكا … يعطي الجزيل فعليك ذاكا 5 " فرأي عينيّ " ابتداء، و " يعطي " حال يسد مسدّ الخبر.
قال: وتقول عجبت من ضرب زيد وعمرو، إذا أشركت بينهما، كما فعلت

ذلك في الفاعل، ومن قال: " هذا ضارب زيد وعمرا " قال: " عجبت له من ضرب زيد وعمرا " كأنه أضمر " ويضرب عمرا " أو " وضرب عمرا ". يعني أن قولك: " عجبت من ضرب زيد وعمرو " هو الوجه، ويجوز " عمرا "، وهو بمنزلة قولك: " هذا ضارب زيد وعمرو " و " ضارب زيد وعمرا " وصار الجر أجود؛ لمشاكلة اللفظيين، واتفاق المعنيين، وإذا نصبته كان المنصوب مردودا على الأول في معناه، وليس بمشاكل له في لفظه، فإذا حصل اتفاق اللفظ والمعنى كان أجود.
وقوله: كأنه أضمر " ويضرب " أو " ضرب " يعني أنك تردّ " عمرا " على المعنى، فإذا رددته على المعنى فلا بد من تقدير شيء ينصبه، إذ ليس في اللفظ ناصب، قال الراجز: قد كنت داينت بها حسّانا … مخافة الإفلاس واللّيانا 1 يحسن بيع الأصل والقيانا فنصب " القيان " على المعنى، وأما نصب " الليان " فيجوز أن يكون من هذا الوجه، كأنه قال: وخاف الليان، ويجوز أن يكون مخافة الإفلاس، ومخافة الليان، فحذف المخافة، وأقام " الليان " مقامها، ويجوز أن يكون على " المفعول له " كأنه قال: ولليان فحذف اللام ونصب كما تقول: " جئتك ابتغاء الخير " أي لابتغاء الخير.
قال: وتقول: " عجبت من الضرب زيدا كما تقول: عجبت من الضارب زيدا.
فيكون الألف واللام بمنزلة التنوين، قال الشاعر: ضعيف النّكاية أعداءه … يخال الفرار يراخي الأجل 2 فنصب " أعداءه " بالنكاية كأنه قال: نكاية أعداءه.
وقال المرّار: لقد علمت أولى المغيرة أنني … لحقت فلم أنكل عن الضّرب مسمعا 3

فنصب " مسمعا " بالضرب، ويجوز أن يكون منصوبا " بلحقت " كأنه قال: لحقت مسمعا، فلم أنكل عن الضرب.
وكان بعض البصريين المتأخرين لا ينصب بالمصدر إذا كان فيه الألف واللام، فإذا ورد شيء منصوب بالمصدر الذي فيه الألف واللام أضمر بعده مصدرا ليس فيه ألف ولام، فيقدر ضعيف النكاية نكاية أعداءه.
وعن الضرب ضرب مسمعا، وإنما دعاه إلى هذا أن المصدر إنما يعمل بمضارعة الفعل، والفعل لا يكون إلا منكورا.
قال ومن قال: " هذا الضارب الرجل " لا يقول عجبت من الضرب الرجل، لأن " الضارب الرجل " مشبه " بالحسن الوجه " لأنه وصف للاسم كما أن " الحسن " وصف، وليس هو بحد الكلام مع ذلك ". يعني أن قولك: " الضارب الرجل " ليس بحد الكلام وإنما هو مشبه بالحسن الوجه؛ لاتفاقهما أنهما وصفان.
قال: وتقول: " عجبت من ضرب اليوم زيدا " كما قال: يا سارق الليلة أهل الدّار 1. يعني أن الوجه إضافة المصدر إلى ما بعده ظرفا كان أو اسما، على أن يجعل الظرف مفعولا على السعة، وليس ذلك بمنزلة قوله: لله درّ اليوم من لامها 2 لأن " درّ " ليس بمصدر يعمل الفعل، ولا تقول: " لله درّ اليوم من لامها "، كما قلت: " عجبت من ضرب اليوم زيدا "؛ لأن " درّ " لا ينصب ولا ينوّن، ولا يجوز أن تقول: " لله درّ زيدا " فإذا احتاج الشاعر إلى مثل: " عجبت من ضرب اليوم زيدا " كان الأجود أن يخفض اليوم وينصب زيدا، ويجوز نصب " اليوم " وخفض " زيد " على ما تقدم القول فيه، وإذا احتاج إلى مثل: " لله درّ اليوم زيدا " لم يجز له خفض اليوم، ونصب زيد.
قال: لأنهم لم يجعلوا " درّ " فعلا، ولم يجعلوه فعل في اليوم شيئا، إنما هو الخزانة 3/ 439 - العيني 3/ 501 - ابن يعش 6/ 64.

بمنزلة قولك: لله بلادك، وتقول: " عجبت له من ضرب أخيه " يكون المصدر مضافا فعل أو لم يفعل، ويكون منوّنا، وليس بمنزلة " ضارب ". يعني أن المصدر إذا نونته عمل فيما بعده، سواء أكان من فعل ماض أم مستقبل، كقولك: " عجبت من ضرب زيد عمرا أمس ". ولا يجوز إعمال اسم الفاعل إذا كان مأخوذا من فعل ماض، وقد تقدم القول في الفرق بين هذين.

هذا باب الصفة المشبهة

بالفاعل فيما عملت فيه، ولم تقو أن تعمل عمل الفاعل؛ لأنها ليست في معنى الفعل المضارع، فإنما شبّهت بالفاعل فيما عملت فيه، وما تعمل فيه معلوم، إنما تعمل فيما كان من سببها معرّفا بالألف واللام أو نكرة لا تجاوز هذا لأنه ليس بفعل، ولا اسم هو في معناه.
قال أبو سعيد: ينبغي أن نقدم جملة نوطئ بها شرح هذا الباب ونقربه؛ حتى نوقف على أصله، والسبب الذي أجاز تغييره عنه، وبالله تسديدنا.
اعلم أن العرب قد تصف الشيء بفعل غيره إذا كانت بينهما وصلة في اللفظ بضمير يرجع إلى الموصوف، فمن ذلك قولك: " مررت برجل قائم أبوه "، و " مررت برجل ذاهب عمرو إليه " و " رأيت رجلا محبّة له جاريتك " نعت رجلا بقيام أبيه، وذهاب عمرو، ومحبة الجارية، لما كان في الكلام ضمير يعود إليه ولو لم يكن ضمير يعود إليه لم يجز الكلام، ولا تقول: " مررت برجل قائم عمرو " لأنه لا وصلة بينهما.
فإذا قد تبين ما وصفناه، وصح أن الشيء يوصف بفعل غيره؛ للعلاقة اللفظية التي بينهما جاز أيضا أن ترفع الشيء بفعل غيره إذا كان على ما ذكرنا، من الضمير العائد إلى الأول، وهو الذي يشتمل عليه ابتداء هذا الباب، وتلزمه هذه الترجمة، ويقال له: " الصفة المشبهة " وذلك قولك: " مررت برجل حسن الوجه " و " مررت برجل قائم الأب "، " وبامرأة حسنة الوجه " وكان الأصل في ذلك: " مررت برجل حسن وجهه "، و " بامرأة حسن وجهها "، فإذا قلت ذلك فقد نعتّ الرجل والمرأة بالحسن الذي للوجه، ورفعت الوجه بفعله، وكذلك إذا قلت: " مررت برجل قائم الأب " فالأصل فيه: " مررت برجل قائم أبوه " نعتّ رجلا بقيام أبيه ورفعت الأب بفعله، وجعلت الضمير العائد إلى الرجل

متصلا بالأب والوجه، وأخليت النعت الذي هو " حسن " و " قائم " من ضمير الأول؛ لأنك رفعت الأب والوجه بفعلهما، وجعلت الضمير العائد إلى الأول متصلا بهما، ثم إنك توسعت على مذهب العرب، فجعلت الأول فاعلا للحسن وللقيام في اللفظ، وإن كانت حقيقة الحسن للوجه، والقيام للأب، فإذا فعلت ذلك جعلت في " حسن " و " قائم " ضميرا للأول مرفوعا بحسن وقائم، كأنهما فعل، فإذا فعلت ذلك لم يجز أن ترفع الأب والوجه، لأنه لا يرتفع فاعلان بفعل واحد، إلا على سبيل العطف، ولم يجز أن يبقى الضمير الذي في الأب والوجه؛ لأنك قد جعلت ذلك الضمير بعينه فاعلا، وجعلته مستكنا في الفعل، فبطل أن يكون الوجه مرفوعا لمّا جعلت ضمير الأول فاعلا في " حسن " ولم يكن بد من ذكر الوجه، لأنك لو لم تذكره لم يعلم أن الحسن في الأصل للأول، أو منقول إليه عن غيره، فذكرت الوجه؛ ليعلم أن الفعل كان له، ونقل عنه فلما ذكرته للحاجة إليه وكان متعلقا بالفعل وقد ارتفع بالفعل غيره، وجب أن يكون محله كمحل المفعول لفظا، والمفعول قد يكون نصبا إذا نوّن اسم الفاعل، وقد يكون جرا إذا أضيف إليه اسم الفاعل، فجاز في " الوجه " النصب والجر على ذلك المعنى.
وأنا أعيد ما فسرته ممثلا له بمثال حاضر قريب، تقول: " مررت برجل حسن وجهه "، فترفع الوجه بحسن، وليس في " حسن " ضمير، والضمير الذي في " وجهه " يعود إلى رجل و " حسن " هو صفة للرجل، ثم تنزع الضمير الذي في وجهه، فتجعله في " حسن " فاعلا، فتقول: " مررت برجل حسن وجها وحسن وجه " فيصير الوجه لفظه لفظ المفعول، لما جعلت الفاعل غيره، فيصير بمنزلة قولك: " مررت برجل ضارب زيد وضارب زيدا "، فالصفة المشبهة " حسن " واسم الفاعل " ضارب "، فحسن يعمل في الوجه ما يعمل " ضارب " في " زيد " وليس " حسن " كضارب؛ لأن " ضاربا " يعمل كعمل فعله، ويجري عليه، تقول " هذا ضارب زيدا " كما تقول؛ " هذا يضرب زيدا "، وتقول: " هذا حسن وجها " ولا تقول: " هذا يحسن وجها " غير أنا شبهنا " حسن " بضارب لما قدمنا، وبينهما اختلاف في وجوه نذكرها والذي يبين لك أنك إذا قلت: " مررت برجل حسن وجها " أو " حسن الوجه " ولم ترفع الوجه بالحسن، ورفعت به ضمير الأول، أنك تثنيه وتجمعه وتؤنثه على حسب الأول، تقول: " مررت برجلين حسني الوجوه، وبرجال حسني الوجوه، وبامرأة حسنة الوجه "، كما تقول: " مررت برجل قائم، وبرجلين قائمين،

وبامرأة قائمة ". ولو لم تجعل فيه ضميرا ورفعت الوجه بفعله، لم تثن ولم تجمع، وقلت: " مررت برجلين حسن أوجههما، وبرجال حسن أوجههم، وبامرأة حسن وجهها، وبنساء حسن أوجههنّ " فإذ قد وصفنا السبب المغيّر للفظ الأصلي في الصفة المشبهة، فإنا نذكر ضروب اللفظ بذلك، والاختيار منها.
إذا قلت: " مررت برجل حسن الوجه " ففيه خمسة ألفاظ: أولها: " مررت برجل حسن وجهه " والثاني: " مررت برجل حسن الوجه " وهو أجود الوجوه بعد الأول، إذا نقلت الفعل، و " مررت برجل حسن الوجه "، و " مررت برجل حسن وجه "، و " مررت برجل حسن وجها ". فأما قولك: " مررت برجل حسن وجهه " فهو الأصل غير مغيّر، وأما قولك " مررت برجل حسن الوجه "، فهو الاختيار من وجهين: أحدهما أن الوجه في هذا الباب تختار فيه الإضافة، وإدخال الألف واللام في المضاف إليه.
فأما الذي أوجب اختيار الإضافة، فمن قبل أن اسم الفاعل في هذا الباب لم يكن منه فعل مؤثر فيما بعده، كما كان ذلك في قولك: " زيد ضارب عمرا "؛ لأن " حسن " لم يعمل بالوجه شيئا، كما عمل زيد " الضرب بعمرو " فأرادوا الفرق بين ما كان له فعل مؤثر وبين ما لم يكن له فعل مؤثر، فاختاروا فيما كان له فعل مؤثر إجراؤه على الفعل ونصبه، وما لم يكن له فعل مؤثر يجري عليه، جعلوه بمنزلة الاسم إذا اتصل بالاسم، كقولك: " غلام زيد "، و " دار عمرو "؛ لأن الصفة المشبهة غير معتبرة بفعلها، وإنما حدث لها هذا المعنى حيث صارت اسما.
ووجه ثان يوجب اختيار الجر، وهو أن الصفة المشبهة غير مستغنية عن الاسم الذي بعدها؛ لأنك لو حذفت الاسم تغير المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: " زيد حسن الوجه " فقد أوجبت أن الحسن للوجه، منقول إلى لفظ زيد، ولو حذفت فقلت: " زيد حسن " كان الحسن له دون غيره، وأنت إذا قلت: " زيد ضارب عمرا " ثم حذفت " عمرا " لم يجهل أن الضرب واقع منه بغيره فحذف " عمرو " لا يخل بالمعنى، فلما كان كذلك، وكان ذكر الوجه ألزم من ذكر المفعول الصحيح، وجب أن يكون الجر أولى به؛ لأن المجرور داخل في الاسم الأول كبعض حروفه.

وأما الاختيار للألف واللام فيه؛ فمن قبل أنه قد كان " الوجه " معرّفا بالإضافة إلى الهاء التي هي ضمير الأول فلما نزعوا ذلك الضمير، وجعلوه فاعلا مستكنا في الأول جعلوا مكانه ما يتعرف به، وهو الألف واللام.
وأما الذي قال: " مررت برجل حسن الوجه " فإنه ترك الاختيار حين ترك الإضافة، وأتى بالتشبيه باسم الفاعل الذي يوجب النصب.
ومن قال: " مررت برجل حسن وجه " فقد أتى بأحد وجهي الاختيار وهو الإضافة، وحذف الألف واللام؛ استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه.
ومن قال: " مررت برجل حسن وجها " ففيه وجهان: أحدهما أنه أعمل " حسن " في الوجه كما يعمل " ضارب " في " زيد " إذا قلت: " هذا ضارب زيدا "، والوجه الثاني: أن يكون على التمييز كما تقول: " هو أحسن منك وجها "، و " ما في السماء موضع راحة سحابا ". واعلم أن المضاف في هذا الباب لا يكتسب بالإضافة تعريفا إذ كانت النية فيه التنوين، فلذلك جاز أن تدخل الألف واللام على المضاف، فيقال: " مررت بالرجل الحسن الوجه " فيعرّف " الحسن " بالألف واللام لا بالإضافة.
فإن قال قائل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: " مررت بالرجل الضارب زيد " لأنكم إذا قلتم: " مررت برجل ضارب زيد "، وعنيتم المستقبل والحال لم يكن " ضارب " متعرفا بزيد، فإذا احتجتم إلى تعريفه، أدخلتم عليه الألف واللام كما أدخلتموها على " الحسن ". قيل له: بينهما فرق، وطريقهما مختلف، فمن ذلك أن " حسن الوجه " إنما هو مأخوذ من فعل ماض، وأمر مستقر، وإذا كان " ضارب " في مذهب " حسن " من المضي وجبت إضافته، وتعرّف بما يضاف إليه.
ومنها أن الأصل في " حسن " والأولى به الجر، الذي لا يوجب له تعريفا، فإذا أدخلنا عليه الألف واللام لتعريفه تركناه على ما هو حقيق به.
والأصل في " ضارب " التنوين؛ لأنه يجري مجرى الفعل، وإنما يضاف تخفيفا، فإذا أدخلنا عليه الألف واللام، جرى مجرى الفعل المضارع، وإنما يضاف تخفيفا؛ فإذا أدخلنا الألف واللام عليه جرى على أصله الذي يوجبه له القياس؛ لبطلان التخفيف الذي يلتمس بحذف التنوين.

[قول سيبويه في «الحسن الوجه»:]

قال سيبويه في " الحسن الوجه ": فالإضافة فيه أحسن وأكثر؛ لأنه ليس كما جرى مجرى الفعل، ولا في معناه، فكان أحسن عندهم أن يتباعد منه في اللفظ، كما أنه ليس مثله في المعنى، وفي قوته في الأشياء ". يعني أن قولك: " حسن الوجه " لم يجر مجرى " حسن " كما جرى " ضارب " مجرى " ضرب "، فكان الأحسن عندهم في " حسن " الإضافة؛ لبعد الإضافة من الفعل في اللفظ، كما تباعد " حسن الوجه " من الفعل، ومما جرى مجراه في المعنى.
قال: " والتنوين عربيّ جيد " لما ذكرناه.
قال: " ومع هذا أنهم لو تركوا التنوين أو نون الجمع لم يكن أبدا إلا نكرة على حاله منوّنا، فلما كان ترك التنوين والنون فيه، لا يجاوز به معنى التنوين والنون كان تركهما أخفّ عليهم، فهذا يقوي الإضافة مع التفسير الأول ". يعني أن الإضافة والتنوين في " حسن الوجه " لا يختلفان في المعنى، فلأنهما لا يختلفان في المعنى مع طلب التباعد بين " حسن الوجه " و " ضارب زيدا " قويت الإضافة.
والمضاف إلى ما فيه الألف واللام بمنزلة ما فيه الألف واللام في هذا الباب، كقولك: " هذا أحمر بين العينين " و " هو جيّد وجه الدار " كأنك قلت: هذا أحمر العينين، وهو جيد الدار، ولو نونت لكان أيضا عربيّا، كقولك: " هذا جيّد وجه الدار " كقول زهير: أهوى لها أسفع الخدين مطّرق … ريش القوادم لم تنصب له الشّرك 1 أراد مطرق ريش القوادم، أي متراكب كثير، يعني بذلك صقرا، قال العجاج: 2 محتبك ضخم شؤون الرأس 3 أي شؤون رأسه، وقال " النابغة " فيما كان على مذهب التنوين: ونأخذ بعده بذناب عيش … أجبّ الظهر ليس له سنام 4

أراد: " أجبّ الظهر ليس له سنام " على مذهب " حسن الوجه " إلا أنه لا ينصرف، ولو جعله على مذهب " حسن الوجه " بالإضافة لقلت: " أجبّ الظهر ". قال: (واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر أحسن وأكثر من ألّا تكون فيه الألف واللام؛ لأن الأول في الألف واللام وفي غيرهما هاهنا في حال واحدة، وليس كالفاعل فكان إدخالهما أحسن، كما كان ترك التنوين أكثر، وكان الألف واللام أولى؛ لأن معناه حسن وجهه، فكما لا يكون في هذا إلا معرفة اختاروا في ذلك المعرفة).
يعني أن الألف واللام إثباتهما في الوجه أحسن، لأن المعنى في إثباتهما ونزعهما سواء، وفي إثباتهما تعريف عوض من التعريف الذي كان في " وجهه "، حيث كان مضافا إلى الهاء، وقد بينا هذا.
قال: " والأخرى عربية ". يعني نزع الألف واللام، قال عمرو بن شأس: ألكني إلى قومي السّلام رسالة … بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا 1 ولا سيئي زيّ إذا ما تلبّسوا … إلى حاجة يوما مخيّسة بزلا فهذا على من قال: " مررت بحسن وجه "، ومن قال: " مررت بحسن الوجه " قال سيّئي الزيّ، ومن قال: " بحسن الوجه " قال: سيئي الزيّ، ومن قال: " حسن وجها " قال: " سيئين زيّا " قال حميد الأرقط: " لاحق بطن بقرا سمين " 2 قال: " ومما جاء منونا قول أبي زبيد: كأن أثواب نقّاد قدرن له … يعلو بخملتها كهباء هدّابا 3 أراد كهباء هدابها، ولو كان مما يتصرف قلت: متكهّبا هدّابا كقولك: " حسنا

وجها "، تنصبه على الحال من ضمير الثياب المتصل بخملتها، كأنه قال: تعلو الخملة الثياب أكهب هدابا يصف أسدا، و" النقّاد ": الراعي صاحب النّقد، وهو ضرب من الغنم صغار، فشبّه لون الأسد بثوب النقّاد، والكهباء: الغبراء.
وقال أيضا: هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة … محطوطة جدلت شنباء أنيابا 1 كأنه قال: نقية أنيابها، المحطوطة: البراقة اللون المصقولة.
وقال عدي: من حبيب أو أخي ثقة … أو عدوّ شاحط دارا 2 أراد: شاحط داره.
وقال سيبويه: " وقد جاء في الشعر حسنة وجهها، شبهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء ". يعني أن من العرب من يقول: " زيد حسن وجهه " و " هند حسنة وجهها "، فيضيف " حسن " إلى " الوجه "، وفي الوجه ضمير يعود إلى الأول، وذلك رديء؛ من قبل أن في " حسن " ضميرا يرتفع به يعود إلى " زيد "، فلا حاجة بنا إلى الضمير الذي في " الوجه "؛ لأن الأصل: " كان زيد حسن وجهه "، والهاء تعود إلى " زيد "، فنقلنا هذه الهاء بعينها إلى " حسن "، فجعلناها في حال رفع، فاستكنّت فيه، فلا معنى لإعادتها، ولكن من أعادها- إن كان قد أعادها معيد- جعل الضمير مكان الألف واللام، وبقي الضمير الأول على حاله مرفوعا، وجعل للاسم الأول ضميرين يعودان إليه، وصيّره كقولك: " زيد ضارب غلامه " ففي " ضارب " ضمير " يعود إليه مرفوع " وفي الغلام ضمير يعود إليه مجرور.
وأنشد سيبويه قول الشماخ استشهادا لحسنة وجهها: أمن دمنتين عرّج الركب فيهما … حقل الرّخامي قد عفا طللاهما 3 أقامت على ربعيهما جارتا صفا … كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما

والشاهد في البيت الثاني في قوله: " جونتا مصطلاهما " فجونتا مثنى، وهو بمنزلة " حسنتا " وقد أضيفتا إلى " مصطلاهما "، ومصطلاهما بمنزلة " وجوههما " فكأنه قال: حسنتا وجوههما، والضمير الذي في مصطلاهما يعود إلى " جارتا صفا ". ومعنى " جارتا صفا " الأثافي و " الصفا " هو الجبل، وإنما يبنى في أصل الجبل في موضعين ما يوضع عليه القدر، ويكون الجبل هو الثالث، فالبناء في الموضعين هما جارتا صفا، وقوله: " كميتا الأعالي "، يعني أن الأعالي من موضع الأثافي لم تسود؛ لأن الدخان لم يصل إليها فهي على لون الجبل، وجعل ما علا من الجبل أعالي الجارتين، و " جونتا مصطلاهما " يعني مسودّتا المصطلى، يعني الجارتين، مسودّتا " المصطلى "؛ وهو موضع الوقود.
وقد أنكر ذلك على سيبويه، وخرّج للبيت ما يخرّج به عن " حسن وجهه "، و " حسنة وجهها " وذلك أنه لا خلاف بين النحويين أن قولنا: " زيد حسن وجه الأخ جيد بالغ، وأنه يجوز أن تكني عن الأخ فتقول: " زيد " حسن وجه الأخ وجميل وجهه فالهاء تعود إلى الأخ، لا إلى زيد، فكأنا قلنا: زيد حسن وجه الأخ وجميل وجه الأخ، فعلى هذا قوله: " كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما " كأنه قال: كميتا الأعالي، جونتا مصطلى الأعالي، فالضمير في " المصطلى " يعود إلى " الأعالي "، لا إلى الجارتين، فيصير بمنزلة قولك: " الهندان حسنتا الوجوه، مليحتا خدودهما " فإن أردت بالضمير الذي في خدودهما " الوجوه " كان الكلام مستقيما كأنك قلت: حسنتا الوجوه، مليحتا خدود الوجوه، وإن أردت بالضمير فإن أردت بالضمير " الهندين " فالمسألة فاسدة، فكذلك " جونتا مصطلاهما " إن أردت بالضمير الأعالي؛ فهو صحيح وإن أردت بالضمير الجارتين فهو رديء، لأنه مثل قولك: " هند حسنة وجهها ". فإن قال قائل: فإذا كان الضمير الذي في " مصطلاهما " يعود إلى الأعالي فلم ثنّي والأعالي جمع؟ قيل له: الأعالي في معنى الأعليين فرد الضمير إلى الأصل، ومثله: متى ما تلقني فردين ترجف … روانف أليتيك وتستطارا 1

فرد " تستطارا " إلى رانفتين؛ لأن " روانف " في معنى رانفتين، وعلى هذا يجوز أن تقول: " الهندان حسنتا الوجوه جميلتا خدودهما " لأن الوجوه في معنى الوجهين، فكأنك قلت: جميلتا خدود الوجهين، وقد يجوز أن يكون " تستطارا " للمخاطب، وتنصب " تستطارا " على الجواب بالواو، كما قال الله عز وجل: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 1 ومما يدخل في هذا النحو قول طرفة: رحيب قطاب الجيب منها رفيقة … بجسّ الندامى بضّة المتجرّد 2 فهذا هو الإنشاد الصحيح بتنوين " رحيب "، ورديء إضافته بمنزلة " حسنة وجهها "، وذلك لأن الأصل رحيب قطاب الجيب منها، فقطاب يرتفع برحيب، والضمير في " منها " يعود إلى الأول، فإذا أضفنا " رحيب " فقد جعلنا فيها الضمير العائد فلا معنى لمنها، على ما بينا في " حسنة الوجه " وكذا لا يحسن أن تقول: " زيد حسن العين منه " على ذلك.
قال سيبويه: " واعلم أنه ليس في العربية مضاف تدخل عليه الألف واللام، غير المضاف إلى المعرفة في هذا الباب، وذلك قولك هذا الحسن الوجه ": فإن قال قائل: لم جاز أن تدخل الألف واللام على الصفة المشبهة إذا كانت مضافة قيل له: من قبل أن الإضافة لا تكسوها تعريفا البتة، وقد بينا أمرها وأصلها، وأنها في تقدير المنفصل، فإذا كانت الإضافة لا تكسوها تعريفا ولا تخصيصا، لم تمنعها الإضافة دخول الألف واللام، وحلت محل النكرة، التي تتعرّف بدخول الألف واللام لمّا احتاجت إلى دخولهما حين احتاجت إلى التعريف الذي لا تكتسبه بالإضافة.
فإن قال قائل: ولم جعله " سيبويه " مضافا، والمضاف ما كان مقدرا فيه اللام، أعني لام الإضافة أو " من "؟ فإن الجواب في ذلك أنه أراد أنه مضاف في اللفظ، والتقدير على ما وصفنا ثم ذكر ما أغنى عنه التفسير المتقدم.
ثم قال: فأما النكرة فلا يكون فيها إلا " الحسن وجها " تكون الألف واللام بدلا من التنوين.

يعني أنك إذا أدخلت الألف واللام في الصفة، ونكّرت ما بعدها لم تجز إضافتها.
فإن قال قائل: فلم لا تجوز إضافة الصفة إلى نكرة في اللفظ، وليست الإضافة فيه صحيحة، فيقال: " الحسن وجه "؟ قيل له: ومن قبل أنا إذا أعطيناها لفظ الإضافة- وإن لم يكن معناها معنى الإضافة- لم يجز أن يكون لفظها خارجا عن لفظ الإضافة الصحيحة.
لأنا سميناها بها، وليس في شيء من الإضافات لفظا وحقيقة ما يكون المضاف معرفة، والمضاف إليه نكرة فلم يحسن أن تقول: " مررت بزيد الحسن وجه " فيكون " الحسن " معرفة و " الوجه " نكرة، فيجري على خلاف ألفاظ الإضافة التي سميناها بها.
فإن قال قائل فأنتم تقولون: " مررت بالحسن الوجه " فتضيفون ما فيه الألف واللام، وليس ذلك في باب المضاف؟ فالجواب عن ذلك، أنه غير مخالف لباب الإضافة، وإن كان في المضاف الألف واللام، وذلك من قبل أن المضاف قد يكون معرفة بالمضاف إليه، إذا قلت: " غلام زيد " و " دار بكر " فالمضاف معرفة بالمضاف إليه، والمضاف إليه معرفة بنفسه، وقد صح أن المضاف قد يكون معرفة إذا كان المضاف إليه معرفة، فغير مستنكر أن يكون في " الحسن " الألف واللام، ويكون مضافا، إذا كان التعريف والإضافة لا يتنافيان في اللفظ، غير أن قولنا: " الحسن الوجه "، لما لم يقع له التعريف بالإضافة كما وقع " لغلام زيد " أدخلوا ما يقع به لتعريف من الألف واللام، مكان ما يقع من التعريف بالإضافة، و " غلام زيد " وما بعده قد وقع تعريفه بزيد، فلم يحتج إلى دخول الألف واللام، " فالحسن الوجه " يشبه " غلام زيد " في هذا المعنى.
ومع هذا فإن الأصل دخول الألف واللام في الوجه، وطرحهما استخفافا، والشيء الذي هو الأصل أقوى وألزم، فلما كان دخول الألف واللام مع الإضافة، إنما هو ضرورة، لم يتجاوز بها اللفظ الذي هو الأصل، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال سيبويه: بعد قوله: " تكون الألف واللام بدلا من التنوين ". لأنك لو قلت: " حديث عهد " أو " كريم أب " لم تخلل بالأول في شيء فيحتمل به الألف واللام؛ لأنه على ما ينبغي أن يكون عليه ". " أما قوله: " فأما النكرة فلا يكون فيها إلا الحسن وجها " يعني إذا كان الثاني نكرة وهو " وجها " والأول فيه الألف واللام، لم تجز الإضافة، ووجب نصب الثاني.

وقوله: " تكون الألف واللام بدلا من التنوين " يعني أن الألف واللام في الأول بدل من التنوين فيه فلو كان منوّنا كان مثل قولك: " حسن وجها " لا غير، فإذا أدخلت فيه الألف واللام كان محلّ إدخال التنوين.
وقوله: " لأنك لو قلت حديث عهد، أو كريم أب ". فهو بمنزلة قولك: " حديث العهد " أو " كريم الأب "؛ لأنك وإن نكرته فقد علم أنه ليس تعني من العهود إلا عهده، ومن الآباء إلا أباه، فتنكير الثاني لا يخل ولا يزوله عن حاله لو كان معرفا، وليس بمنزلة سائر الأشياء المضافة تتنكر بتنكير المضاف إليه، وتتعرف بتعريفه.
قوله: (فيحتمل به الألف واللام) يعني لو كانت إضافة الأول إلى الثاني في التنكير، تخالف الإضافة في حال التعريف، لجاز أن تدخل الألف واللام على الأول، وإن كان مضافا إلى نكرة، فتقول " الحسن وجه " كما جاز أن تدخل عليه الألف واللام، وهو مضاف إلى المعرفة، فلما كان الثاني المضاف إليه، تنكيره وتعريفه سواء في المعنى، ثم أردنا إدخال الألف واللام في الأول، وهو مضاف إلى المعرفة، أدخلناهما في الثاني؛ لئلا يخرج عن لفظ الإضافة على ما بيناه قبل هذا.
ولو كان الثاني منكورا على خلاف معناه معروفا، جاز إدخال الألف واللام في الأول، وإن كان الثاني نكرة؛ لأن الألف واللام تعرفه فقط دون غيره، ولو عرفنا الثاني زال عن معناه منكورا، فلما لم يكن كذلك آثروا تعريف الثاني، إذا عرفوا الأول؛ لاستواء التعريف والتنكير في المعنى، وصحة لفظ التعريف في مشاكلة الإضافات على ما مر.
ومما يدل على صحة القول بتعريف الأول، وتنكير الثاني عند الحاجة والضرورة، أنا لو نادينا رجلا فقلنا: " يا حسن وجه " و " يا ضارب رجل "، وقصدنا واحدا بعينه دون سائر أمته، لكان الأول معرفة بالقصد بالنداء، والثاني منكورا على حاله الأولى.
وقوله: " فيحتمل به الألف واللام " يحتمل أن يكون الضمير في " به " عائدا إلى الأول، ويحتمل أن يكون إلى الثاني، فإن كان إلى الأول فالمعنى فيحتمل بالأول الألف واللام لما ذكرناه، وإن كان إلى الثاني فمعناه فيحتمل بالثاني دخول الألف واللام على الأول.
وقوله: " لأنه على ما ينبغي أن يكون عليه " يعني لو كان تنكير الثاني يخالف

تعريفه لجاز أن تدخل الألف واللام على الأول، وتدع الثاني نكرة على ما كان؛ لأنه على ما ينبغي أن يكون عليه، يعني أن الثاني يكون على حاله منكورا لصحة معناه، وتدخل الألف واللام في الأول.
ثم قال: قال رؤبة: الحزن بابا والعقور كلبا 1 ومعناه الحزن بابه وهو الشديد، والعقور كلبه، ثم نصب لدخول الألف واللام في الأول.
قال: وزعم أبو الخطاب 2 أنه سمع قوما من العرب ينشدون هذا البيت للحارث بن ظالم 3. فما قومي بثعلبة بن بكر … ولا بغزارة الشّعرى رقابا 4 و" الشّعرى " جمع أشعر، وهو الكثير الشعر، وكانت العرب تمدح بالجلاء وخفة الشعر، قال الشاعر هدبة: فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا … أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا ضروبا بلحييه على عظم زوره … إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا 5 فهجاه بكثرة شعر قفاه ووجهه، وكذلك قوله: ولا بغزارة الشعرى رقابا هجاهم بكثرة شعور رقابهم.
والشاهد أنه أدخل الألف في " الشّعرى "، ونصب رقابا، وانتفى الحارث بن ظالم من ثعلبة بن سعد، وهم من بني ذبيان، ومن فزارة بن ذبيان، وانتسب إلى قريش من قصيدة له طويلة.

قال سيبويه: وإنما أدخلت الألف واللام في " الحسن " ثم أعملته كما قلت: الضارب زيدا.
يعني أنك أدخلت الألف واللام على " حسن وجها "، فصارت الألف واللام بمنزلة التنوين، فعمل في " وجه " مع الألف واللام، كما عمل مع التنوين كما قلت: ضارب زيدا " ثم أدخلت الألف واللام في " الضارب زيدا " فصار بمنزلة التنوين وكان ذلك بمنزلة قولك: " ضارب زيدا "، ثم تقول: الضارب زيدا تنصب زيدا مع الألف واللام، كما كنت تنصبه مع التنوين.
وعلى هذا الوجه تقول: " الحسن الوجه " وهي عربية جيدة، قال الحارث بن ظالم: فما قومي بثعلبة بن سعد … ولا بغزارة الشعرى رقابا 1 قال سيبويه: وقد يجوز في هذا أن تقول: " هو الحسن الوجه " على قوله: " هو الضارب الرجل "، فالجر في هذا الباب من وجهين.
قال أبو سعيد اعلم أنّا إذا قلنا: " الضارب زيدا والضارب رجلا " لم يجز فيه إلا النصب؛ لأنّ " ضارب " قبل دخول الألف واللام عليه كان أصله منونا ناصبا لما بعده، ويجوز حذف التنوين منه وجر ما بعده استخفافا، وإن كان الأصل التنوين، فإذا أدخلنا الألف واللام أدخلناه على ما بعده قبل أن ننقله عن أصله وحدّه؛ لطلب الخفة، فعاقبت الألف واللام التنوين، فوجب نصب ما بعده، وذلك قولك: " الضارب زيدا " و " الضارب رجلا "، وعلى هذا تقول: " الضارب الرجل "، كما قلت: " الضارب زيدا "، وقد بينا أن الصفة المشبهة قد أعملت عمل اسم الفاعل فقيل: " الحسن الوجه "، كأنا قلنا: " حسن وجها "، ثم أدخلنا الألف واللام للتعريف، كما قلنا: " ضارب الرجل "، ثم قلنا: " الضارب الرجل ". وقد بينا وجه الجر في: " الحسن الوجه " الذي يستحقه في بابه، وبينا ما بينه وبين اسم الفاعل من المناسبة، فأجازوا لذلك أن يقولوا: " الضارب الرجل "، فحملوه على " الحسن الوجه " لفظا للألف واللام التي في الرجل، بالمشابهة للألف واللام التي في الوجه، فلما كان " الحسن الوجه " في حال النصب، قد جعل في منزلة " الضارب الرجل " وفي

خبره، وحملوا " الضارب " بعد النصب على " الحسن الوجه " في حال الخفض لما بينهما من المناسبة، ولاشتباه لفظيهما، حملوا على " الحسن الوجه " كل محمول نصبه على " الضارب الرجل " فجروه، وحصل " للحسن الوجه " الجر من وجهين؛ أحدهما: ما كان له من الجر في الأصل، والآخر: دخوله مع " الضارب الرجل " بعد أن كان منصوبا في تشبيه " الحسن الوجه " في الأصل.
وتحصيل هذا المعنى، أنّا إذا قلنا: " حسن الوجه " فأدخلنا الألف واللام، فقد أدخلناهما على مخفوض، لم يكن منونا.
والوجه الثاني: أنا إذا قلنا: " الحسن الوجه "، فكأنه كان " حسن الوجه "، ثم دخل عليه الألف واللام، فعاقب التنوين، فصار بمنزلة " الضارب الرجل " على ما فسرنا ثم خفضناه كخفض " الضارب الرجل "، فأحد وجهي الجر على أصله والآخر حملا على ما شبه بأصله، وهو الضارب الرجل.
وقد حكي عن المازني 1 أنه قال: النصب في " الضارب الرجل " من وجهين؛ أحدهما: ما له من الأصل على ما وصفنا من النصب، والآخر: أنّا لما قلنا: " الضارب الرجل " تشبيها " بالحسن الوجه " في الخفض، وقد جاز في " الحسن الوجه " أن تنصبه تشبيها بالرجل، نصبنا كل محمول على " الحسن الوجه " في الخفض، فصار نصب " الضارب الرجل " من وجهين: أحدهما ما له في الأصل، والآخر حملا على ما شبه به على نحو ما ذكرنا في الجر.
فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: (وإذا ثنيت أو جمعت فأثبتّ النون فليس إلا النصب، وذلك قولك: هم الطيبون الأخبار، وهما الحسنان الوجوه وهم الحسنون الوجوه، وهما الكريمان (الآباء).
وإنما لم يكن إلا النصب من قبل أن النون في الاثنين والجماعة محل التنوين من الواحد.
والدليل على ذلك أنك تثبت النون إذا لم تضف، وتحذفها في الإضافة، كما تفعل ذلك في التنوين، فإذا أثبت النون في التثنية والجمع فقد فصلته من الثاني، وبطل الجر، فلم

يكن إلا النصب من ذلك قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 1، وقالت خرنق: 2 لا يبعدن قومي الذين هم … سم العداة وآفة الجزر النازلون بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر 3 والشاهد في البيت: نصب " معاقد " لما ثبتت النون في الطيبين.
قولها: " سم العداة وآفة الجزر " يعني أنهم حتف من عاداهم، وآفة الإبل؛ لما ينحرونها للأضياف، و " النازلون بكل معترك " يعني النازلون بمواضع القتال والاعتراك، والغاشون للحروب، " والطيبون معاقد الأزر " يعني أنهم أعفاء، يقال: فلان طيب معقد الإزار، وهو كناية عن العفة.
قال سيبويه: " فإن كففت النون جررت كان المعمول فيه نكرة أو فيه الألف واللام، كما قلت: " هؤلاء الضاربو زيد ". يعني أن النون لما كانت في التثنية والجمع بمنزلة التنوين في الواحد، وكانت الإضافة تعاقب التنوين عاقبت النون، فقد حصل لك بهذا أن قولنا: " الضاربا زيد " و " الضاربو زيد " جائز، وإن كان لا يجوز " الضارب زيد "؛ لأنك قد حذفت في التثنية والجمع النون، وجعلت الإضافة معاقبة لها، وكذلك لا يجوز " الحسن وجه " ويجوز " الحسنا وجوه " " الحسنو وجوه "؛ لمعاقبة النون الإضافة تشبيها " بالضاربي زيد " و " الضاربي زيد ". قال سيبويه: " وإن شئت نصبت على قولهم: الحافظو عورة العشيرة ". يعني أنك إن شئت حذفت النون استخفافا، ونصبت على تقدير النون، فقلت: " الطيور أخبارا " كأنك أردت النون، وحذفتها تخفيفا، وإنما جاز هذا لأن الألف واللام بمنزلة " الّذين " و " اللّذين "، وقد جاز حذف النون من " الذين " و " اللذين " تخفيفا، فحذفت أيضا من أسماء الفاعلين التي في معنى الذين قال الشاعر:

وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد 1 أراد الذين حانت بفلج دماؤهم، فحذف النون، ولو جعل الألف واللام مكانها لقال: إن الحائني بفلج دماؤهم.
والحافظو عورة العشيرة، كقولك: حفظوا بحذف النون، وكما حذف من " الذي " حذف مع الألف واللام، قال الأخطل في التثنية: أبني كليب إن عمّيّ اللذا … قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا فحذف النون من " اللذا "، ولو جعل مكانها الألف واللام لقال " القاتلا الملوك " فحذف النون تخفيفا.
قال سيبويه: " وتقول فيما لا يقع إلا منونا عاملا في نكرة وإنما وقع منونا؛ لأنه فصل به بين العامل والمعمول، فالفصل لازم له أبدا مظهرا أو مضمرا، وذلك قولك: " هو خير منك أبا وأحسن منك وجها "، ولا يكون المفعول فيه إلا ما كان من سببه ". إن قال قائل: لم لم يقع " خير منك " و " أفضل منك " وبابهما مضافا؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما أن هذا الباب وضع للتفضيل، فإذا قلت: " زيد أفضل من عمرو "؛ فقد زعمت أن فضل زيد ابتدأ من فضل عمرو راقيا صاعدا، فدللت بهذا على أنه أفضل من كل أحد مقدار فضله كمقدار فضل عمرو، فكأنك قلت: علا فضله عن هذا المقدار، فتبين المخاطب أنه قد علا عن هذا الابتداء، ولم يعلم موضع الانتهاء، فصار كقولك: " سار زيد من بغداد " فقد علم المخاطب أن زيدا ابتدأ مسيره من بغداد، فجاوزها ولم يعلم أين انتهى، فلما كان معنى هذا الباب الدلالة على ابتداء التفضيل عن مقدار المفضل عليه، وكل من كان في محله ومنزلته، لم يكن بدّ من من ظاهرة أو مضمرة، فلما كانت كذلك نوّن ولم تصلح إضافته إلى المفضل عليه؛ لدخول " من " فاصلة بينهما لفظا وتقديرا، وانتصب ما بعده لتنوين الأول؛ لأنه ليس بفاعل، والفاعل " هو " مضمر في " أفضل " وفي " خير " وهو الأول.
والعلة الثانية أنك إذا قلت: " زيد أفضل منك " فأفضل بمنزلة الفعل، لأنك إنما أردت به العبارة عن الفعل، فكأنك قلت: فضله يزيد على فضلك، ولذلك لم يثنّ ولم

يجمع؛ لمّا كان متضمنا للمصدر وزيادته، فكان بمنزلة الفعل الذي هو متضمن للمصدر والزمان، فلما كان الفعل لا يضاف، ولم يضف هذا.
فإن قال قائل: فلم لا يكون " أفضل " وبابه إلا نكرة، وخالف باب الصفة المشبهة في لزوم التنكير، والصفة المشبهة يجوز فيها التنكير والتعريف؟ فالجواب في ذلك أن " أفضل " حين " منع التثنية والجمع بحلوله محل الفعل؛ بسبب دلالته على المصدر والزيادة كدلالة الفعل على المصدر والزمان منع التعريف، كما لا يكون الفعل معرفا، ولا يكون مثنّى ولا مجموعا.
فإن قال قائل: فلم لا يعمل إلا في نكرة؟ ففي ذلك وجهان: أحدهما: أن المنتصب في " أفضل " وبابه إنما هو دال على نوع كما يدل مفسر " عشرين " وما جرى مجراه، فنكّر مفسر " أفضل " كما نكر ما فسر العشرين وبابها؛ لأنه لا يدل على شيء بعينه.
فإن قال قائل: لم وجب تنكيره؟ فالجواب في ذلك أنا إذا ذكرنا المقدار الذي هو العدد، لم يعلم على ماذا وقع؛ لأن الأنواع كلها مشتملة على المقادير، فلا بد من ذكر النوع المذكور مقداره؛ ليعلم أنه المقصود بالكلام، فلما كانت الحاجة إلى ذكر النوع- لما ذكرناه- وجب أن نذكر منه نكرة شائعة فيه؛ لأن كل ما كان معروفا هو في حكم نفسه، ولا يذهب الوهم إلى غيره، والنكرة شائعة في نوعها، فإذا أردنا إبانة النوع أبنّاه بالشائع فيه دون المنفرد منه.
ووجه آخر في هذا، وذلك أنا إذا أردنا الدلالة على النوع دللنا عليه بأخف الأشياء منه، وهو الواحد المنكور، كما أنا إذا احتجنا إلى تحريك شيء فقط، آثرنا أخف الحركات وهو الفتح إلا أن تعرض عليه علة مانعة.
والوجه الثاني من الوجهين الدالين على أن " أفضل " وبابه لا يعمل إلا في نكرة، هو أنه لا يكون إلا نكرة، فلما خالف في نفسه الصفات المشبهة، فلم يكن إلا نكرة نقص عملها على مقدار ضعفها، فلم تعمل إلا في نكرة.
فإن قال قائل: فإن الفعل نكرة في نفسه، ومع هذا فهو يعمل في المعارف والنكرات.
قيل له: الفصل بينهما أن الفعل يستحيل أن يكون معرفة بحال، وهو الأصل في

التأثير والعمل في الأسماء، فعمل في الأسماء كلها؛ إذ كانت الأسماء العاملة في الأسماء إنّما عملت لمضارعتها، وليس كذلك باب " أفضل "؛ لأنه اسم يعمل بمضارعة اسم هو أقوى منه، وهو الصفة المشبهة، فلما كانت الصفة المشبهة التي عمل " أفضل " وبابه لمضارعتها، تكون معرفة ونكرة وهي عاملة، ونقص " أفضل " عنها، فلم تكن إلا نكرة، نقص ما عمل فيه فلم يكن إلا نكرة.
ووجه ثان وهو أنا رأينا " أفضل " وبابه يعمل في واحد يكون معنى الجنس، فصار نسبته من الصفة المشبهة كنسبة " لا " من " إنّ " في أنها لا تعمل إلا في نكرة، وذلك أنّ " إنّ " تعمل في المعارف والنكرات، ولا تجعل الواحد بمعنى جنس، وقد ينصب ب " لا " كما ينصب بإنّ إلا أن " لا " تجعل الواحد في معنى الجنس، فلم تعمل إلا في نكرة، وكذلك " أفضل " وبابه، لما صار الواحد بعده في معنى الجنس لم يعمل إلا في نكرة، وخالف الصفة المشبهة كما خالفت " لا " " إنّ " وبابها فيما ذكرنا.
فإن قال قائل: إذا جاز أن تقول: " مررت برجل قائم أبوه وحسن وجهه " فتجريه على رجل، وترفع فاعله به، فلم لا تقول: " مررت برجل خير منك أبوه وأفضل منك أخوه "، ونحو ذلك، فتجريه على الأول، وترفع به فاعله كما تقول: " مررت برجل خير منك وأفضل منك " فتجريه على الأول، وترفع ضميره به؟ قيل له: الفصل بينهما أن " حسن وجهه وقائم أبوه "، وما جرى مجراهما من أسماء الفاعلين، إذا نقلنا الضمير إلى الأول فجعلناه فاعلا في اللفظ، ثنّي وجمع وأنّث، على مقدار ما فيه من الضمير، وذلك قولك: " مررت برجل حسن الوجه، وبرجلين حسني الوجه، وبرجال حسني الوجوه، وبامرأة حسنة الوجه "، فلما جرت على ما قبلها فأشبهت اسم الفاعل الجاري على فعله، في تثنيته وجمعه وتأنيثه وتذكيره، وصار محله الفعل، فكذلك اسم الفاعل لما ثنيناه وجمعناه وأنثناه وذكرناه في قولنا: " مررت برجل ضارب زيدا "، وبرجلين ضاربين زيدا، وبرجال ضاربين زيدا، وامرأة ضاربة زيدا، على قولك: " مررت برجل ضرب زيدا، ورجلين ضربا زيدا، ورجال ضربوا زيدا، وامرأة ضربت زيدا ". فإذا كان اسم الفاعل لشيء هو من سبب الأول، جاز أن تجريه على الأول؛ لأنه يثنّى بتثنيته ويؤنث بتأنيثه، ويجمع بجمعه، فصار كأنه له فعل، وأما " أفضل " وبابه فإنه لا

يثنى ولا يؤنث ولا يجمع؛ لأنه ليس باسم الفاعل الجاري على فعله، ولا هو على ذلك البناء كما كان " حسن الوجه، وقائم الأب، ونظيف الثوب "؛ لأن " حسن الوجه وقائم الأب " هو اسم الفاعل بعينه، غير أنّا نقلنا الفعل عن فاعله إلى غيره، وبقي بناء لفظ الفاعل على حاله، فبعد باب " أفضل " من شبه أسماء الفاعلين، وصارت كالأسماء الجوامد التي لم تشتق من الأفعال، كقولك: " مررت برجل قطن لباسه، وبرجل كتّان رداؤه " ألا ترى أنه لا يثنّى القطن ولا الكتان، ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنك تقول: " مررت برجل قطن قميصاه وكتان قمصه "، على معنى قميصاه قطن، وقمصه كتّان فيكون الابتداء والخبر في موضع نعت الأول، كما تقول: " مررت برجل أبوه قائم ". ويجوز أن يجري على من هو له إذا أفرد كقولك: " مررت برجل أفضل منك وبامرأة خير منك "؛ لأن الأخير هو الأول، فهو يجري عليه وإن كان جامدا، ألا ترى أنك تقول: " مررت بجبل عشرين ذراعا "، و " مررت بأخيك زيد "، ونحو ذلك، وليس في شيء من هذا معنى الفعل، إلا أن الثاني هو الأول، وقد يكون فيه نعتا أو عطف بيان، فإن كان الجاري على الأول شيئا فيه معنى من معاني الفعل- وإن كان محله محل الأسماء الجامدة في أكثر أحوالها- فلا بد من ضمير يكون له فيه؛ لأنه وإن كان كذلك ففيه معنى الفعل، وهو قولك: " مررت برجل أفضل منك وخير منك "؛ لأنه في معنى يفضلك ويعلو عليك.
وقد أجاز قوم من العرب: " مررت برجل أفضل منك أخوه، وخير منك عمّه "؛ لأنه مأخوذ من فعل وإن بعد شبهه بأسماء الفاعلين، وهو قليل رديء؛ لما ذكرناه قبل، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وقول سيبويه: " ولا يكون المعمول فيه إلا من سببه ". يعني أنك إذا قلت: " هو خير منك أبا وأحسن منك وجها "، فأبوه هو الفاضل لا غير، وكذلك وجهه هو الحسن لا غير، إلا أنك نقلت فضل الأب وحسن الوجه إليه، فجعلته الفاضل والحسن لفظا، ثم فسرت ما به فضل وحسن، كما ذكرنا ذلك في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل، فهذا قوله: " لا يكون المعمول فيه إلا من سببه ". قال سيبويه: " وإن شئت قلت: هو خير عملا وأنت تنوي " منك ". يعني أن تقدير " منك " لا بد منه، وإن كان محذوفا؛ لأن التفضيل لا بد فيه من أن

تذكر الغاية التي منها بدأ المفضل راقيا في الفضل، وذلك بمن فإن أظهرتها فهو حق الكلام، وإن حذفتها فلعلم المخاطب أن التفضيل لا يقع إلا بها.
قال سيبويه: " وإن شئت أخرت الفصل في اللفظ وأصله التقديم ". يعني إن شئت قلت: " هو أفضل أبا منك " والفصل هو: " منك " لأنها فصلت ما قبلها من الإضافة إلى ما بعدها، أعني أنك إذا قلت: " هو أفره منك عبدا " لو حذفت " منك " وجب إضافة أفضل إلى ما بعده كقولك: " هو أفضل عبد " على خلاف معنى " من "، فإذا جئت بها فقد منعت الإضافة، وفصلت الأول من الثاني.
وقوله: " وأصله التقديم " يعني أن أصل " منك " أن تكون مقدمة على التفسير، وذلك أن التفسير إنما يجيء بعد تمام المفسّر، وهي من تمامه؛ لأنها الدالة على موضع التفضيل، فهي من تمام أفضل، والتفسير تبيين الأفضل، فهذا معنى قوله: " وأصله التقديم "؛ يعني أصل الفضل الذي بيناه.
قال سيبويه: " لأنه لا يمنعه تأخيره عن عمله مقدما ". يعني أنك إذا قدمت " منك " أو أخرته فهي فاصلة داخلة بمعنى التفضيل وقد عمل " أفضل " فيه وفي التفسير جميعا، فلك أن تقدم أيهما شئت، وإن كان أصل التقديم للفصل، كما أنك إذا قلت: " ضرب زيدا عمرو " جاز وإن كان الأصل فيه تقديم عمرو، وجاز تأخيره لأنه لا يحوّل المعنى عما كان عليه مقدما.
قال سيبويه: " كما قال ضرب زيدا عمرو، فعمرو مؤخر في اللفظ مبدوء به في المعنى، وهذا مبدوء به في أنه يثبت التنوين ". يعني أن " منك " مبدوء به قبل التفسير، وهو الذي جلب التنوين ومن أجله دخل الكلام وإن كان مؤخرا في اللفظ، لأن دخوله يوجب التنوين، وموضعه التقديم فمن حيث جاز أن تقدم المفعول على الفاعل، بنية التأخير، جاز أيضا تقديم التفسير على " منك " بنية التأخير، وإنما جاز ذلك فيهما، لأن كل واحد منهما لا يخل به تأخيره عن موضعه في المعنى الذي له دخل في الكلام.
قال سيبويه: " وتعمل ". يعني أن " منك " تثبت التنوين، ثم تعمل الاسم المنون في التفسير الذي بعده بالتنوين الذي فيه، أو بتقدير التنوين، لأن قولك: " أفضل منك أبا " ففي أفضل التنوين مقدر، وهو

محذوف لأنه لا ينصرف.
قال سيبويه: " ولا يعمل إلا في نكرة كما أنه لا يكون إلا نكرة ولا يقوى قوة الصفة المشبهة فألزم فيه، وفيما يعمل فيه وجها واحدا ". وقد مر تفسير هذا في أول الباب.

قول سيبوبه في العمل في الجمع

وقال سيبويه: " ويعمل في الجمع كقولهم: هو خير منك أعمالا ". فإن قال قائل: لم جاز التفسير في هذا بالواحد والجماعة، ولا يجوز في " عشرين " وبابه أن تقول: " عشرون فلوسا وكلابا ". فالجواب في ذلك أن " عشرين " قد فهم مقداره، وإنما الحاجة إلى معرفة الجنس الذي يجيء من بعده، فلم يكن لجمع الجنس معنى، إذ لا فائدة فيه أكثر من الدلالة على الجنس، وأنت إذا قلت: " هو أفره منك عبدا وخير منك عملا " لم يكن في " أفره " دلالة على عدد، فيجوز أن يكون له عبد واحد، وعمل واحد، ويجوز أن يكون له عبيد، فإذا قلت: هو أفره منك عبيدا وخير منك أعمالا دللت بلفظ الجميع على فائدة النوع وأنهم جماعة، وإذا قلت: " هو أفره منك عبدا " جاز أن يكون له عبد واحد، وعبيد كثيرة، فهذا فصل ما بينهما فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " وإن أضفته فقلت: " أول رجل " اجتمع فيه لزوم النكرة وإن تلفظ بالواحد ". يعني أنك إذا أضفت " أفضل " وبابه فإنك تضيفه إلى جمع هو أحدهم، ولا يكون إلا ذلك، تقول: " زيد أفضل الناس " و " حمارك أفره الحمير " و " عبدك خير العبيد " فتضيفه إلى جماعة هو أحدهم، كإضافة البعض إلى الكل، والواحد إلى جنسه، ولو قلت: " عبدك خير الأحرار " و " حمارك أفره البغال " لم يجز؛ لأنك أردت تفضيل شيء على جنسه، فلا بد من أن تضيفه إلى جنسه الذي تفضله عليه، ليعلم أنه قد فضل أمثاله من جنسه، ولو أردت تفضيله على غير ذلك، دخل فيه الفصل والتنوين، فقلت: " الفرس خير من الحمار " و " العلم خير من المال "، ونحو ذلك، فإذا قلت: " زيد أفضل الرجال "، و " حمارك أفره الحمير " جاز أن تجيء بواحد من هذا الجنس، فتضعه موضع جماعته؛ لأنك أردت بالرجال والحمير جنس الرجال وجنس الحمير، ولم ترد رجالا معهودين ولا حميرا معهودة.

ومثل ذلك: " أهلك الناس الدينار والدرهم " أردت جنس الدنانير والدراهم، ولم ترد دينارا بعينه معهودا، ولا درهما بعينه، فكذلك إذا قلت: " زيد أفضل الرجال " و " حمارك أفره الحمير " فإنما أردت جنس الرجال وجنس الحمير، ونوضح هذا بمسألة لو قلت: " زيد أفضل إخوته " لم يجز، وإذا قلت: " زيد أفضل الإخوة " جاز، والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم، والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل، فقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وبكر وعمرو وخالد، وإنما تقول: عمرو وبكر وخالد ولا تدخل زيدا في جملتهم، فإذا كان زيد خارجا عن إخوته صار غيرهم، فلم يجز أن تقول: " زيد أفضل إخوته " كما لم يجز أن تقول: " حمارك أفره البغال "؛ لأن الحمار غير البغال كما أن زيدا غير إخوته، وإذا قلت: " زيد خير الإخوة " جاز لأنه أحد الإخوة، والاسم يقع عليه، وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى أنه لو قيل لك: من الإخوة؟ عددته فيهم، فقلت: " زيد وعمرو وبكر وخالد " فيكون بمنزلة قولك: " حمارك أفره الحمير "؛ لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير، فلما كان ذلك على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس، فيقول: " زيد أفضل رجل " و " حمارك أفره حمار " فيدل " رجل " على الجنس، كما دل الرجال، وكما في " عشرين درهما " و " مائة درهم " و " أفضل منك أبا " الواحد المنكور في هذا الباب يدل على الجنس، وقد شرحنا ذلك قبل هذا الفصل، ولا يجوز في المضاف من هذا الباب التثنية والجمع والتأنيث، كما لم تجز في الذي قبل هذا التثنية والجمع والتأنيث، تقول: " زيد أفضل الرجال " و " الزيدان أفضل الرجال " و " الزيدون أفضل الرجال " و " هند أفضل النساء "، و " الهندات أفضل النساء " وإنما لم يثنّ ولم يجمع ولم يؤنث لمثل العلة التي لم يثنّ من أجلها " هذا أفضل منك " و " هذان أفضل منك "، وكذلك جمعه وتأنيثه؛ لأنهما جميعا للتفضيل إلا أن المضاف يفضّل على جنسه الذي هو بعضه، ودال على تفضيل غيره.
فقوله: " اجتمع فيه لزوم النكرة وأن يلفظ بواحد ". يعني أنك إذا قلت: " أفضل رجل " فنكّرت لم يكن بدّ من التوحيد، وإذا وحّدت لم يكن بدّ من التنكير فيجتمع فيه " لزوم النكرة وأن يلفظ بواحد ". قال أبو سعيد: يعني وأن توحد، فيجتمع فيه التوحيد والتنكير معا.
قال سيبويه: (وذلك لأنه أراد أن يقول: " أول الرجال " فحذفه استخفافا

جارٍ التحميل