شرح كتاب سيبويهصفحات 215-254

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 215-254

وإن كان مبنى الكلام على جحد عقيبه استثناء يرده إلى الإيجاب فهو كالإيجاب كقولك: ما سرت إلا يوما حتى أدخلها، وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، لأنه لا فرق بين قولك: ما سرت إلا يوما، وبين سرت يوما؛ وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها بمنزلة: سرت قليلا حتى أدخلها؛ والقليل قد يؤدي إلى الدخول، كما يؤدي الكثير إليه؛ وهذه العوارض التي تعارض المعرفة واليقين لا تغير لفظ الإيجاب كقولك: إنّ زيدا لقائم فيما أرى، وفيما أظن، وإن زيدا لقائم بلغني.
وأما ما حكاه سيبويه عن بعض النحويين من اعتبار القلب فهو ضعيف يخالف كلام العرب، ولا لاعتبار ذلك أصل يرجع إليه؛ هؤلاء القوم أجازوا: سرت حتى أدخلها، ولم يجيزوا: كنت سرت حتى أدخلها، لأنه لا يحسن: سرت حتى أدخلها كنت، كما يحسن: حتى أدخلها سرت؛ فاحتج عليهم سيبويه بقول العرب: قد سرت حتى أدخلها، وهم لا يجيزون: سرت حتى أدخلها قد، ويقولون: ربما سرت حتى أدخلها، ولا يقولون: سرت حتى أدخلها ربما؛ واحتج عليهم أيضا بأنه لا فرق بين قولنا: كنت سرت حتى أدخلها وبين: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، وهم يجيزون: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، لأنه يحسن فيه القلب، تقول: سرت حتى أدخلها مرة في الزمان الأول.
وذكر سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، فأجاز الرفع في موضع، ولم يجزه في موضع، وذلك أن (إنما) تكون على وجهين: أحدهما تحقير الشيء، والآخر الاقتصار عليه؛ فأما الاقتصار عليه فقولك في رجل ادّعي له الشجاعة والكرم واليسار، فاعترفت بواحد منها دون الباقي، وأثبته له فقلت: إنما هو موسر أو إنما هو شجاع، فعلى هذا الوجه يرفع الفعل بعد (حتى) إذا قلت إنما سرت حتى أدخلها، لأنك أثبت له المسير، وقد أداه إلى الدخول.
وأما تحقير الشيء فقولك لمن تحقر صنيعا له: إنما تكلمت وسكت، وإنما سرت فقعدت، لم يعتد بكلامه ولا بسيره؛ فعلى هذا الوجه نصب سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، لأنه لم يعتد بسيره سيرا، فصار بمنزلة المنفي.
ويقبح الرفع؛ لأنك لم تجعل السير مؤديا إلى الدخول، فيكون منقطعا بالدخول، وإلا نصبت (يدخل)، فيكون غاية السير، وهذا معنى قوله: ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير، يعني إذا رفعت مع التحقير.
فأما أقلّ (ما سرت) فإنه يكون على وجهين: أحدهما أن يريد سيرا قليلا مؤديا

كأنه قال: قل سيري، كما تقول: سرت قليلا؛ فهذا يرفع فيه الفعل الذي بعد (حتى) للمسير القليل الذي أدى إلى الدخول.
والوجه الآخر أن يكون في معنى الجحد، وذلك قولك: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، لأن معناه النفي لغير سير؛ وليس النفي لغير سير فعل يوجب الدخول فيرفعه؛ وكذلك قوله: أقل ما سرت حتى أدخلها، من قبيل أن (قلّ) نفي، وقد ذكرنا فيما تقدم أن (أقلّ رجل) و (أقلّ رجل) في معنى الجحد، بما أغني عن إعادته ". قال أبو سعيد: " ولو قلت: ما كثر ما سرت حتى أدخلها، وما طال ما سرت حتى أدخلها، لم يجز فيه غير النصب، لأنك لم تذكر فعلا يؤدي إلى الدخول، وإنما نفيت فعلا، ولم تثبت فعلا آخر؛ ولهذا نصب سيبويه بعد: أقلّ ما سرت حتى أدخلها، لما كان نفيا ل (كثر ما سرت)، كما أن (ما سرت) نفي لقوله: سرت، وقواه بأنه قبيح أن تقول: قل ما سرت حتى فأدخلها، كقبح ما سرت فإذا أنا داخل، لأن (الفاء) تقتضي أن ما بعدها وقع عقيب فعل اتصل به، وأنت قد نفيت ما قبل (الفاء)؛ ولو قلت: قلما سرت فأدخلها، فنصبت، كان جيدا للنفي، كما تقول: ما أتيتنا فنكرمك، ولا يحسن كثر ما سرت فأدخلها، لأنه موجب، والوجه كثر ما سرت فأدخلها بالرفع، كقولك: أنا آتيك فأكرمك، ولا يحسن فأكرمك بالنصب، وقد تقدم الرد على من يعتبر القلب وهو ينصب ربما سرت حتى أدخلها؛ وطال ما سرت حتى أدخلها، وكثر ما سرت حتى أدخلها.
لأنه لا يحسن أن تقول: سرت حتى أدخلها ربما، ولا سرت حتى أدخلها طالما، وكثر ما.
ثم قال عنهم: فإن احتجوا- يعني في نصبها- بأنه غير سير واحد، فرد كلامهم بأنه يقال: سرت غير مرة حتى أدخلها، وهذا لا يدفعونه، لأنه يحسن فيه القلب، ومعناه معنى: ربما سرت، وطال ما سرت فأبطل احتجاجهم بالنصب إذا تعلقوا بغير القلب.
وقوله: ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا، كما اعتزموا عليه في (قد)، يريد أن نصب العرب لما ينصبونه من: ربما سرت حتى أدخلها، وكنت سرت حتى أدخلها، وغير ذلك، وإنما نصبوه لا من أجل قبح القلب، ولكن لأن كل ما يرفع بعد (حتى) يجوز فيه النصب على الغاية، لأن ما بينهما متقارب في المعنى، لأن السير ينقطع عند الدخول، رفعت أو نصبت، فنصبهم لأنهم ذهبوا به مذهب الغاية، ويجوز فيه الرفع كما رفع من رفع في (قد)، ويجوز النصب عنده.
وقوله: كان سيري أمس حتى أدخلها، في (أمس) وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع نصب بسيري لا بخبر (كان)، كما تقول: كان قطعي

المفازة حتى أدخلها، فتنصب المفازة بقطعي لا بخبر كان؛ فإذا كان كذلك وجب النصب في (أدخلها) لا غير، ويكون خبر (كان) حتى، وهي تكون خبرا للمصدر الذي يمتد في الزمان إذا كانت غاية كقولك: سيري إلى الليل، وسيري حتى الليل، وسيري إلى أن أدخل، وسيري حتى أدخل؛ فإن جئت بخبر (كان)، جاز الرفع والنصب فقلت: كان سيري أمس سيرا متعبا حتى أدخلها، وأدخلها، فإن شئت جعلت (أدخلها) من صلة سيرا متعبا، وإن شئت جعلته من صلة كان سيري، وقدمته فقلت: كان سيري أمس حتى أدخلها سيرا متعبا.
والوجه الآخر أن تجعل (أمس) خبر سيري، كما تقول: كان القتال أمس، فإذا جعلته كذلك جاز الرفع والنصب في (حتى أدخلها).
وقوله: " ما بعد (حتى) لا يشرك الفعل الذي قبل (حتى) في موضعه كشركة الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم أجئ فأقل ". قال أبو سعيد: ((ليست (حتى) من حروف العطف في الأصل، وإنما عطف بها في الأسماء، الاسم الذي يصح أن يكون غاية كقولك: خرج القوم حتى زيد، كما تقول: خرج القوم حتى زيد، ولو قلت: خرج القوم حتى شأنك لم يجز، ولو قلت: وشأنك، وفشأنك جاز؛ لأنهما حرفا عطف وضعا للاشتراك.
وإنما جاز العطف بحتى في الأسماء لأن الاسم المجرور بعد (حتى) داخل في الأسماء التي قبلها، فصار فيه معنى العطف بدخوله فيما دخل فيه ما قبله؛ وأما في الفعل فليس كذلك، وإنما شبّه بالفاء فيما مضى لاتصال الآخر بالأول، وأنهما قد وقعتا فيما مضى كقوله: ... … فإنّ المندّى رحلة فركوب 1 لأن التندية والركوب قد وقعتا في الماضي من الأزمنة، والآخر كان مع فراغه من الأول)).
وقوله: " واعلم أن (أسير) بمنزلة سرت، إذا أردت بأسير معنى سرت ". قال أبو سعيد: ((إنما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقا وطبعا، ولا ينكر منه في المضي والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرة من الدهر، من ذلك قول بعض بني سلول:

ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني … فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني 1 يريد: ولقد مررت، ولم يرد أن ذلك كان منه مرة وأنه لا يعود إليه، وإنما أراد أن ذلك سجيته أبدا، وقال جرير: قالت جعادة ما لجسمك شاحبا … ولقد يكون على الشباب نضيرا وسمعناه: ولقد كان، وكونه على الشباب نضيرا، فعل مستدام لا يقصد به إلى فعلة واحدة، بل يكون أبدا على الشباب نضيرا، فهذا حكمه دائما)).
وقوله: أين الذي سار حتى يدخلها.
لا يمنع الاستفهام من الرفع، لأن السير وجب، وإنما سأل عن صاحبه، وكذلك لو نفي فقال: ما رأيت الذي سار حتى يدخلها، وما ضربت الذي سار حتى يدخلها، لأن الاعتماد على نفي الرؤية والضرب.
وأما قوله: أسرت حتى تدخلها؟ فالنصب، لأنه لم يوجب سيرا يجب به الدخول.
ولو قال: قل ما سرت فأدخلها، إذا جعل الدخول واجبا فيما مضى، جعل اللفظ فيه ماضيا، فقال: قلما سرت فدخلت، لأن دخلت منقطع عن قلما سرت، فصار بمنزلته منفردا إذا كان ماضيا، ولم يكن ماضيا، ولم يكن قبله (قلما سرت)، فالإخبار عنه بلفظ المضي؛ ونحو من هذا قولهم: جاءني زيد أمس يضحك، ويضحك في موضع الحال، وإن كان وقوعه في (أمس).
ولو خبّرت عن زيد بالضحك لم يجز أن يكون إلا بلفظ الماضي، ولم تقل إلا: ضحك زيد؛ وكذلك جاءني زيد يضحك أبوه، إذا كان متصلا بزيد؛ فإذا لم تجعله متصلا بزيد قلت: ضحك أبو زيد أمس، ولم يكن إلا ماضيا.
وقال أبو الحسن الأخفش: 2 ما سرت حتى أدخلها، معنى الرفع فيه صحيح، إلا أن العرب لم ترفع غير الواجب في باب (حتى)، ألا ترى أنك لو قلت: ما سرت فأدخلها، أي ما كان سير ولا دخول، أو قلت: ما سرت فإذا أنا داخل الآن لا أمنع، كان حسنا.
وغلط أبو الحسن، وذلك أن الدخول في (حتى) إذا رفع إنما يقع بالسير، فإذا نفى السير لم يكن دخول.

قال أبو سعيد: والذي عندي أن أبا الحسن أراد أن ما يدخل على قولك: سرت حتى أدخلها بعد وجوب بالرفع، فتبقى جملة الكلام، فلذلك رآه صحيحا في القياس، وإن كانت العرب لا تتكلم به.

هذا باب ما يكون العمل فيه من اثنين

قال سيبويه: " وذلك قولك: سرت حتى يدخلها زيد، إذا كان دخول زيد لم يؤده سيرك، ولم يكن سببه، فيصير هذا كقولك: سرت حتى تطلع الشمس، لأن سيرك لا يجوز أن يكون سببا لطلوع الشمس، ولا يؤديه، ولكن لو قلت: سرت حتى يدخلها ثقلي، وسرت حتى يدخلها بدني، لرفعت، لأنك جعلت دخول ثقلك يؤديه سيرك، وبدنك لم يكن دخوله إلا بسيرك.
وبلغنا أن مجاهدا قرأ الآية: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ 1، وهي قراءة أهل الحجاز.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها، وتقول: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد، إذا جعلت دخول زيد من سبب سيرك، وهو الذي أدّاه، ولا تجد بدّا من أن تجعله هاهنا في تلك الحال، لأن رفع الأول لا يكون إلا وسبب دخوله سيره.
وإذا كانت هذه حال الأول، لم يكن للآخر بد من أن يتبعه، لأنه يعطفه على دخولك في (حتى)؛ وذلك أنه يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيد، إذا كان سيرك يؤدي إلى دخوله، كما تقول: سرت حتى يدخلها ثقلي، وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى يدخلها زيد، لأنك لو قلت: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس، كان جيدا وصارت إعادتك (حتى) كإعادتك له في (تبّا له) و (ويل له)، ومن عمرا؟ ومن أخو زيد؟ وقد يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها عمرو، إذا كان أداه سيرك؛ ومثل ذلك قراءة أهل الحجاز وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة: 214]. واعلم أنه لا يجوز: سرت حتى أدخلها، وتطلع الشمس، هذا محال، لأن طلوع الشمس لا يكون أن يؤديه سيرك، فترفع (تطلع الشمس) وقد حلت بينه وبين (حتى).
ويحسن أن تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها، كما تقول: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها، وقال امرؤ القيس:

سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم ….. وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 1 فهذه الآخرة هي التي ترفع.
وتقول: سرت وسار حتى ندخلها، كأنك قلت: سرنا حتى ندخلها؛ وتقول: سرت حتى أسمع الأذان، هذا وجهه، وحدّه النصب، لأن سيرك ليس يؤدي سمعك الأذان، إنما يؤديه الصبح؛ ولكنك تقول: سرت حتى أكلّ، لأن الكلال يؤديه سيرك.
وتقول: سرت حتى أصبح، لأن الإصباح لا يؤديه سيرك، إنما هي غاية طلوع الشمس.
وفي نسخة أبي بكر مبرمان 2 وغيرها، قال أبو الحسن: أنا أزعم أن (حتى) هذه التي ترفع ما بعدها ليست (حتى) التي تنصب ما بعدها.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن رفع الفعل بعد (حتى) بإيجاب ما قبله له وتأديته إليه، فإذا قلت: سرت حتى أدخلها جاز أيضا أن يدخلها من يتبعك ومن يسير بسيرك من أجير وعبد وصاحب ورفقة، كنت أنت بسيرك سببا لسيرهم المؤدي إلى الدخول، وكذلك ما معك من ظهر وثقل، دخوله بسيرك لأنه تابعك.
وقوله: لا يجوز سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس، لأن تطلع الشمس، لا يرتفع أبدا، لأن السير لا يؤدي إليه، ولا يكون سببا له، فبطل عطفه على (أدخلها)؛ ولا يجوز نصبه وليس قبله ما ينصبها، لأن (حتى) إذا ارتفع ما بعدها فليست هي (حتى) التي تنصب الفعل بعدها، وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
ولو أعاد (حتى) وجعلها ناصبة فقال: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس جاز.
وأما قوله: وقد حلت بينه وبين (حتى)، يعني أنك حلت ب (أدخلها) المرفوعة بين (تطلع) وبين (حتى) الناصبة كأن (أدخلها).
لو لم يكن، وكان في موضعها (تطلع

الشمس) لجئنا (حتى) الناصبة في موضع (حتى) التي يرتفع الفعل بعدها، فهذه حيلولة ما بين (حتى) وبين (تطلع) وإنما خالفوا بين (أدخلها) وبين (حتى) المعدومة كما تقول: حلت بين زيد وبين الأكل، وحلت بينه وبين الغسل إذا منعته من فعلهما فهما معدومان؛ وأما بيت امرئ القيس، فلو رفع (بكل) لجاز، ولكنه نصب ليريك جواز عطف (حتى) على (حتى)، وهما مختلفان في النصب والرفع، لأن الأولى قد نصبت (بكل)، والثانية بعدها مبتدأ وخبر، فلو وقع موقع المبتدإ فعل لكان مرفوعا.
وقد فرع أصحابنا مسائل في باب (حتى) رأيت ذكرها متصلا بهذا الباب.
تقول: سرت حتى مطلع الشمس، وسرت حتى الظهر، ومنه قول الله- عز وجل- سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 1 ولا يجوز أن تقول: سرت حتى الشام، ولا سرت حتى مكانك، إلا أن تذكر الأمكنة قبلها، والجملة التي بعد (حتى) جزء منها، فتكون كالغايات بعد (حتى)، وذلك قولك: دخلت المدن حتى الشام، وسرت على الجسور حتى جسر بغداد، ولا يحتاج في الأزمنة إلى ذلك، لأن الأزمنة تحدث على ترتيب، وشبهت بالأفعال، و (حتى) تقع على الأفعال كلها، فصار قولك: قف حتى تطلع الشمس، وحتى طلوع الشمس بمنزلة، وكذلك المصادر كلها: قف حتى مجيء زيد، وحتى قيام الأمير.
ولو قلت: أخذت من الدار حتى أقصاها، لم يجز، لأنك لم تذكر ما أقصاها جزء منه، ولو قلت: أخذت الدار حتى أقصاها جاز؛ ولو قلت: أقمنا حتى اليوم، وحتى الليلة، وحتى العشية، وحتى الغداة، والساعة، والعام حسن.
ولو قلت: أقمنا حتى الشهر، وحتى السنة، واليومين، والليلتين، والشهور، والأشهر لم يجز، فإن نعته بما يزيل عنه الإبهام جاز، كقولك: أقمنا حتى الشهر المستطاب؛ وإنما جاز هذا فيما أجزناه فيه لأنه وقت مخصوص لا إبهام فيه، وذلك أنهم يقولون: أنا اليوم خارج، وأنا اليوم صائم، وأنا الليلة عندك، وأنا العام حاج، فيعلم ما اتفقوا عليه واعتادوه، أنه يراد اليوم الذي هو فيه، والعام الذي هو فيه؛ ولا يقولون: أنا الشهر خارج، وهم يريدون الشهر الذي هم فيه.
وإذا قلت: أنا اليومين صائم، لم يعلم به يومان بأعيانهما حتى تزيد فيه ما يزيل الإبهام مثل: أنا اليومين المتصلين باليوم صائم، فقس على ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا باب الفاء

اعلم أن ما انتصب في باب (الفاء) فإنه ينتصب على إضمار (أن)، وما لم ينتصب فإنه يشرك الفعل الأول فيما دخل فيه، أو يكون في موضع مبتدإ، أو مبني على مبتدإ، أو موضع اسم مما سوى ذلك.
وسأبين ذلك إن شاء الله.
تقول: لا تأتيني فتحدثني، لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: لا تأتيني ولا تحدثني، ولكنك لمّا حولت المعنى عن ذلك تحوّل إلى الاسم؛ كأنك قلت: ليس يكون منك إتيان فحديث، فلّما أردت ذلك استحال أن تضمّ الفعل إلى الاسم، فأضمروا (أن)، لأن (أن) مع الفعل بمنزلة الاسم؛ فلم نووا أن يكون الأول بمنزلة قولهم: لم يكن إتيان، استحالوا أن يضموا الفعل إليه، فلما أضمروا (أن) حسن، لأنه مع الفعل بمنزلة الاسم.
و (أن) لا تظهرها هنا لأنه لا يقع فيها معان لا تكون في التمثيل، كما لا يقع معنى الاستثناء في (لا يكون) ونحوها إلا أن تضمر؛ ولولا أنك إذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، لم يجز: فأحدثك، كأنك قلت في التمثيل: فحديث؛ وهذا تمثيل ولا يتكلم به بعد (لم آتك)، لأنك لا تقول: لم آتك فحديث، فكذلك لا تقع هذه المعاني في (الفاء) إلا بإضمار (أن)، ولا يجوز إظهار (أن).
كما لا يجوز إظهار المضمر في (لا يكون) ونحوها.
فإذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، ولم يجز أن تقول: فحديث، لأن هذا لو كان جائزا لأظهرت (أن).
ونظير جعلهم لم آتك، ولا آتيك، وما أشبه ذلك بمنزلة الاسم في النية، حتى كأنهم قالوا: لم يك إتيان، إنشاد بعض العرب قول الأحوص اليربوعي: مشائيم ليسوا مصلحيين عشيرة … ولا ناعب إلّا ببين غرابها 1 ومثله قول الفرزدق: وما زرت سلمى أن تكون حبيبة … إليّ ولا دين بها أنا طالبه 2

جرّه لأنه صار كأنه قال: لأن، ومثله قول زهير: بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 1 لما كان الأول تستعمل فيه (الباء) ولا تغير المعنى، وكانت مما يلزم الأول، نونّها في الحرف الآخر، حتى كأنهم تكلموا بها في الأول.
وكذلك صار (لم آتك) بمنزلة لفظهم (فلم يكن إتيان) لأن المعنى واحد.
واعلم أن ما ينتصب في باب (الفاء) قد ينتصب على غير معنى واحد، وكان ذلك على إضمار (أن) إلا أن المعاني مختلفة، كما أن (يعلم الله) يرتفع كما يرتفع (يذهب زيد)، و (علم الله) ينتصب كما ينتصب (ذهب زيد)، وفيهما معنى اليمين.
والنصب هاهنا في التمثيل كأنك قلت: لم يكن إتيان فأن تحدّث، والمعنى على غير ذلك، كما أن معنى (علم الله لأفعلن) غير معنى (رزق الله)، ف (أن تحدّث) في اللفظ مرفوع ب (يكن)، لأن المعنى: لم يكن إتيان فيكون حديث.
وتقول: ما تأتينا فتحدثنا، فالنصب على وجهين من المعاني: أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ أو لو أتيتني لّحدثتني.
وأما الآخر: فما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك.
وإن شئت شركت بين الأول والآخر، فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: ما تأتيني فتحدثني فكأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
فمثل النصب قول الله- تبارك وتعالى-: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا 2، ومثل الرفع قوله- سبحانه-: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ 3 أي: وما يعتذرون.
وإن شئت رفعت على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت تحدّثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين: غير أنّا لم تأتنا بيقين … فنرجّي ونكثر التأميلا 4 وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا، فالنصب فيه كالنصب في الأول؛ وإن شئت رفعت

على: فأنت تحدّثنا الساعة، والرفع فيه يجوز على (ما).
وإنما اختير النصب لأن الوجه هاهنا وحدّ الكلام أن تقول: ما أتيتنا فحدثتنا، فلما صرفوه عن هذا ضعف أن يضموا (تفعل) إلى (فعلت)، فحملوه على الاسم، كما لم يجز أن يضموه إلى الاسم في قولهم: ما أنت منا فتنصرنا ونحوه.
وأما الذين رفعوه فحملوه على موضع (أتيتنا)، لأن (أتيتنا) في موضع فعل مرفوع، و (تحدثنا) هاهنا في موضع (حدّثتنا).
وتقول: ما تأتينا فتكلّم إلا بالجميل، فالمعنى: أنك لم تأتنا إلا تكلمت بجميل، ونصبه على إضمار (أن)، كما كان نصب ما قبله على إضمار (أن)، وتمثيله كتمثيل الأول؛ وإن شئت رفعت على الشّركة كأنه قال: وما تكلّم إلا بالجميل.
ومثل النصب قول الفرزدق: وما قام منّا قائم في ندينّا … فينطق إلّا بالتي هي أعرف 1 وتقول: لا تأتينا فتحدّثنا إلا ازددنا فيك رغبة، والنصب هاهنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدّثني، إذا أردت معنى: ما تأتيني فتكون محدّثا، وإنما أراد معنى: ما أتيتني فتكون محدثا إلا ازددت فيك رغبة، ومثل ذلك قول اللعين المنقري: وما حلّ سعدىّ غريببا ببلدة … فينسب إلا الزّبرقان له أب 2 وتقول: لا يسعني شئ فيعجز عنك، أي: لا يسعني شئ فيكون عاجزا عنك ولا يسعني شئ إلا لم يعجز عنك.
هذا معنى الكلام، وإن حملته على الأول قبح المعنى، لأنك لا تريد أن تقول: إن الأشياء لا تسعني ولا تعجز عنك فهذا لا ينويه أحد وتقول: ما أنت منا فتحدثنا، ولا يكون الفعل محمولا على (ما)، لأن الذي قبل الفعل ليس من الأفعال فلم يشاكله، قال الفرزدق: ما أنت من قيس فتنبح دونها … ولا من تميم في اللها والغلاصم 3 وإن شئت رفعت على قوله: فترجّى وتكثر التّأميلا 4

وتقول: ألا ماء فأشربه، وليته عندنا فيحدّثنا، وقال أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منّا فيخبرنا … ما بعد غايتنا من رأس مجرانا 1 لا يكون في هذا إلا النصب لأن الفعل لم تضمه إلى فعل.
وتقول: ألا تقع إلى الماء فتسبح، إذا جعلت الآخر على الأول، كأنك قلت: ألا تسبح؛ وإن شئت نصبته على ما انتصب عليه ما قبله، كأنك قلت: ألا يكون وقوع فأن تسبح.
فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به.
والمعنى في النصب أنه يقول: إذا وقعت سبحت.
وتقول: ألم تأتنا فتحدثنا، إذا لم يكن على الأول؛ وإن كان على الأول جزمت، ومثل النصب قوله: ألم تسأل فتخبرك الرّسوم … على مرتاج والطّلل القديم 2 وإن شئت جزمت على أول الكلام.
وتقول: لا تمددها فتشقّها، إذا لم تحمل الآخر على الأول، وقال الله:

  • عز وجل-: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ 3 وتقول: لا تمددها فتشقها.
    إذا شركت بين الآخر والأول كما شاركت بين الفعلين في (لم).
    وتقول: ائتني فأحدثك، وقال أبو النجم: يا ناق سيري عنقّا فسيحا … إلى سليمان فنستريحا 4 ولا سبيل هاهنا إلى الجزم، قبل أن هذه الأفعال التي يدخلها الرفع والنصب والجزم وهي الأفعال المضارعة، لا تكون في موضع (افعل) أبدا، لأنها إنما تنتصب وتنجزم بما قبلها، و (افعل) مبنية على الوقف.
    فإن أردت أن تجعل هذه الأفعال أمرا أدخلت (اللام) وذلك قولك: ائته فليحدثك، وفيحدثك إذا أردت المجازاة؛ ولو جاز الجزم في: ائتني فأحدثك ونحوها لقلت: تحدثني، تريد الأمر.

وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان؛ وإن أردت: فحدثتنا، رفعت.
وتقول: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؛ وإن حملته على الأول جزمته.
وقال رجل من بني دارم: كأنّك لم تذبح لأهلك نعجة … فيصبح ملقى بالفناء إهابها 1 وتقول: ودّ لو تأتيه فتحدثه.
والرفع جيد على معنى التمني؛ ومثله قول الله- عز وجل-: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ 2. وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودوا لو تدهن فيدهنوا.
وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعا، ومعناه: أن لو شتمني لو ثبت عليه.
وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع، لأن هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعل.
واعلم أنك إن شئت قلت: ائتني فأحدثك، ترفع.
وزعم الخليل: أنك لم ترد أن تجعل الإتيان سببا لحديث، ولكنك كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك البتة، جئت أو لم تجئ.
قال النابغة الذبياني: ولا زال قبر بين تبنى وجاسم … عليه من الوسميّ جود ووابل فينبت حوزانا وعوفا منوّرا … سأتبعه من خير ما قال قائل 3 وذلك أنه لم يرد أن يجعل النبات جوابا لقوله: (ولا زال)، ولا أن يكون متعلقا به، ولكنه دعا ثم أخبر بقصة السحاب، كأنه قال: فذاك ينبت حوزانا ولو نصب هذا البيت- قال الخليل- لجاز، ولكنا قبلناه رفعا وقال: ألم تسأل الرّبع القواء فينطق … وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق 4 لم يجعل الأول سببا للآخر، ولكنه يجعله ينطق على كل حال، كأنه قال: فهو مما ينطق، كما قال: ائتني فأحدثك، فجعل نفسه مما يحدثه على كل حال.
وزعم

يونس: أنه سمع هذا البيت ب (ألم) وإنما كتبت هذا لأن لا يقول إنسان: فلعلّ الشاعر قال: (ألا).
وسألت الخليل عن قول الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته … تقضّى لبانات ويسأم سائم 1 فرفعه وقال: لا أعرف فيه غيره، لأن أول الكلام خبر وهو واجب، كأنه قال: ففي حول تقضىّ لبانات ويسأم سائم.
هذا معناه.
واعلم أن (الفاء) لا تضمر فيها (أن) في الواجب، ولا يكون في هذا الباب إلا الرفع، وسنبين لم ذلك.
وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آتيه فأحدثه، ليس إلا، إن شئت رفعته على أن تشرك بينه وبين الأول، وإن شئت كان منقطعا، لأنك قد أوجبت أن تفعل فلا يكون فيه إلا الرفع، وقال الله- تبارك وتعالى-: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ 2، فارتفعت لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلمون، ليجعلا كفره سببا لتعليم غيره، ولكنه على كفروا فيتعلمون، أي: فهم يتعلمون؛ ومثله: كُنْ فَيَكُونُ 3 كأنه قال: إنما أمرنا ذلك فيكون.
وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبه في الاضطرار- من حيث انتصب في غير الواجب- وذلك أنك تجعل (أن) العاملة؛ فمما نصب في الشعر اضطرارا قول الشاعر: سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا 4 وقال الأعشى، وأنشدناه يونس: ثمّت لا تجزونننى عند ذاكم … ولكن سيجزيني الإله فيعقبا 5 وهو ضعيف في الكلام؛ وقال طرفة: لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها … ويأوي إليها المستجير فيعصما 6 وكان أبو عمرو يقول: لا تأتنا فنشتمك.

وسمعت من يقول: ما أتيتني فأحدثك فيما أستقبل، فقلت له: ما تريديه؟ فقال: أريد أن أقول: ما أتيتني فأنا أحدثك وأكرمك فيما أستقبل.
وقال: هذا مثل: ائتني فأحدثك إن أراد: ائتني فأنا صاحب هذا.
وسألته عن قول الله- تبارك وتعالى-: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً 1 فقال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان وكان كذا؛ وإنما خالف الواجب النفي، لأنك تنقض النفي فتقول: ما أتيتني قط فتحدثني إلا بالبشر، فقد نقضت نفي الإتيان إذا نصبت وتغير المعنى يعني أنك تنفي الحديث وتوجب الإتيان، وزعمت أنه قد كان.
وتقول: ما تأتيني فتحدثني، إذا أردت معنى: فكيف تحدثني، فأنت لا تنفي الحديث، ولكنك زعمت أن منه الحديث، وإنما يحول بينك وبينه ترك الإتيان.
وتقول: ائتني فأحدثك، فليس هذا من الأمر الأول في شيء.
وإذا قلت: قد كان عندنا فسوف يأتينا فيحدثنا، لم تزد على أن جئت بواجب كالأول، فلم يحتاجوا إلى (أن) لما ذكرت، ولأن تلك المعاني لا تقع هاهنا؛ ولو كانت (الفاء) و (الواو) و (أو) ينصبن لأدخلت عليها (الواو) و (الفاء) للعطف، ولكنها ك (حتى) في الإضمار والبدل، شبهت بها لما كان النصب فيها الوجه، لأنهم جعلوه الموضع الذي يستعملون فيه إضمار (أن) بعد (الفاء)، كما جعلوه في (حتى)، إنما يضمر إذا أراد معنى الغاية، وك (اللام) فيما كان ليفعل.
قال أبو سعيد: ((الكلام في الجواب ب (الفاء) من وجهين: أحدهما الناصب للفعل.
والآخر إذا أضمر (أن) الناصبة للفعل (المضمرة)، لم لا يجوز إظهارها؟ فأما الناصب فقال سيبويه: الناصب (أن) مضمرة بعد (الفاء).
وقال أبو عمر الجرمي: الواو، والفاء، وأو هي الناصبة بأنفسها.
وقال الفراء: (الفاء) تنصب في جواب الستة، لأنها عطفت ما بعدها على غير شكله لمّا قيل: لا تظلمني فتندم، دخل النّهي على الظلم، ولم يدخل على الندم، فحين

عطفت فعلا على فعل لا يشاكله في معناه، ولا يدخل عليه حرف النهي كما دخل على الذي قبله، استحق النصب بالخلاف، كما استحق ذلك الاسم المعطوف على ما لا يشاكله في قولهم: لو تركت والأسد لأكلك، من قبل أن الأفعال فروع الأسماء؛ فإذا كان الخلاف في الأصل يوجب النصب، كان ذلك قائما صحيحا في الفرع.
والخلاف الذي يوجب النصب في الأسماء عندهم أشياء منها: نصب الظروف بعد الأسماء.
كقولك: زيد خلفك، وزيد عندك، لما خالف (خلفك) و (عندك) ما قبلهما انتصبا بالخلاف، وقد تكلمت على هذا فيما مضى.
ومنها ما قاله الفراء وأصحابه: لو تركت والأسد لأكلك، (الأسد) منصوب على الخلاف في (التاء)، لأنه لا يصلح أن يقال: لو تركت وترك الأسد، من قبل أن الأسد لا يقدر عليه فيمسك ويترك؛ ثم قال بعد هذا: فإذا قالت العرب: لو ترك زيد والأسد لأكله، آثروا الرفع لموافقة الأسد زيدا، لأنها ظاهران)).
قال أبو سعيد: إن كان مخالفة الثاني للأول؛ لأن الأول مكني والثاني ظاهر، فلا فرق بين (لو تركت والأسد) وبين (ضربت وزيد) و (قمت وزيد) أكّد الضمير أو لم يؤكّد؛ وإن كان الخلاف بين الأول والثاني لأن التّرك في الأول على غير وجه ترك الثاني، فلا فرق بين الاسمين الظاهرين وبين الاسمين إذا كان أحدهما مضمرا في مخالفة أحدهما للآخر في الترك.
واحتجاج الذي احتج للخلاف بأنه لا يصلح أن يقال: لو تركت وترك الأسد من قبل أن الأسد عليه فيمسك ويترك ركيك جدا، لأن الخلاف إذا كان من أجل أن الأسد لا يقدر عليه، إذا قلنا: لو ترك زيد والأسد، وهذا كلام صدر عن غير تأمّل.
ومما يفسر قول من جعل النصب بالخلاف في الأسماء، وقاس الفعل عليه، العطف الذي يوفق بين الإعرابين، ويخالف بين المعنيين في الأسماء، وذلك قولك: ما مررت بزيد لكن بعمرو، وما قام زيد لكن عمرو وما رأيت زيدا لكن عمرا؛ وما بعد (لكن) يخالف ما قبلها؛ وكذلك (لا) في العطف إذا قلت: جاءني زيد لا عمرو، ومررت بزيد لا عمرو ورأيت زيدا لا عمرا.
وأما أبو عمر الجرمي فقد احتج عليه أبو العباس محمد بن يزيد وغيره بما احتج به سيبويه، وذلك أن سيبويه قال: لو كانت (الفاء) و (الواو) و (أو) ينصبن لأدخلت عليها (الفاء) و (الواو) للعطف؛ فلزم الجرمي مما قال سيبويه أن يقول: ما أنت بصاحبي فأكرمك، وفأحدثك، لأن (الفاء) هي الناصبة.

وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن وتأكل التمر، لأن (الواو) هي الناصبة؛ كما تقول: أريد أن تأكل السمك وأن تشرب اللبن وأن تدخل الحمام.
ومما يشاكل ذلك أن (واو) القسم لما كانت هي الخافضة مكان (الباء)، جاز أن تدخل عليها حروف العطف فتقول: والله وو الرحمن وو الله ثم والله لأخرجن.
و (الواو) التي تقع موقع (رب) وتغني عنها هي (واو) عطف، ولا يجوز دخول حرف عطف عليها، فإذا قلت: وبلد أقمت فيه، لم تقل: وو بلد أقمت فيه، وو رجل عاشرته، ولا ثم ورجل صادقته.
واعلم أن (الفاء) - في الأصل- في جميع أماكنها عاطفة.
وقد يتناول العامل الشيئين بإعراب واحد ولفظ واحد على وجهين مختلفين كقولك: لو ترك زيد وعمرو لضربه وكذلك لو ترك زيد والثريد لأكله، ولو ترك أخواك لظلم أحدهما الآخر؛ فلفظ الترك قد وقع عليهما، وهما مختلفان، لأن أحدهما ممنوع منه، ومعنى الترك لهما مختلف لا يظهر في اللفظ، وقد عرف معناه.
والعطف ب (الفاء) على وجهين: أحدهما عطف ظاهر، والآخر عطف متأول.
فالعطف الظاهر أن تعطف ما بعدها على ما قبلها، فتدخله في إعرابه، وظاهر معناه، ويكون حكمها حكم (ثم) في الإعراب والمعنى، كقولك: زيد يأتيك فيحدثك وأريد أن تأتيني فتحدثني وإن يأتك زيد فيحدثك تحسن إليه.
ويجوز مكان ذلك (ثم) والمعنى واحد كقولنا: زيد يأتيك ثم يحدثك، وأريد أن تأتيني ثم تحدثني، وإن يأتك زيد ثم يحدثك تحسن إليه.
والمنصوب بعد (الفاء) في هذا الوجه ليس بإضمار (أن)، بل بالناصب الذي نصب ما قبل (الفاء) وعطف عليه، كقولك: إذا آتيك فأسرك، وجئتك لكي أكلمك فأنفعك.
وأما العطف المتأوّل فهو أن يكون ما قبل (الفاء) غير موجب، ويكون معلقا بما بعد (الفاء) شرطا على وجوه مختلفة أحوجت إلى التغيير وإضمار (أن) ليدل على تلك الوجوه؛ فمن ذلك: لا تأتيني فتحدثني.
في (تحدثني) النصب من وجهين، والرفع من وجهين؛ فأما أحد وجهي النصب فأن يكون الإتيان منفيا نفيا.
مطلقا، والحديث ممتنع من أجل عدم الإتيان؛ ولو وجد الإتيان لوجد الحديث.

والوجه الآخر معناه: ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك؛ فالإتيان المنفي هو الإتيان الذي معه الحديث؛ فهذان الوجهان المقصودان في النصب هما منعا عطف (تحدثني) على (تأتيني) في الرفع لأنه إذا قال: لا تأتيني فتحدثني بالرفع، فليس أحدهما شرطا في الآخر؛ ويكون أحد وجهي الرفع أن تعطف (تحدثني) على (تأتيني)، وتكون (لا) مشتملة عليهما جميعا في النفي، فكأنه قال: لا تأتيني ولا تحدثني؛ فهذا عطف فعل على فعل، والنفي قد شملهما.
والوجه الآخر أن يكون الإتيان منفيا والحديث موجبا، ويكون عطف جملة على جملة، كأنه قال: لا تأتيني ثم أنت تحدثني الآن، وليس تعلق أحدهما بالآخر، ولا هو شرط فيه؛ فلما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه لئلا يبطل المعنى المقصود، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه فجعلوا الأول في تقدير مصدر وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر؛ وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر ليس بظاهر؛ فلذلك قدرت (إن) فعملت ولم تظهر، وكان التغيير والتقدير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود؛ ولو أظهرت (أن) لكان المصدر قد ظهر، ولم يظهر في المعطوف عليه.
وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما، واكتفى بذلك.
يقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك: أنا في القوم ليس زيدا، والتقدير: ليس بعضهم زيدا، ولا يتكلم بهذا؛ وقوله: ولا نائب على تقدير: ليسوا بمصلحين، لم يتكلم بذلك.
ويقويه أيضا قولهم في الأسماء: إياك والأسد، ولا يظهر الفعل الذي ينصب (إياك والأسد)؛ وهذا التقدير في إضمار (أن) في جميع ما ينصب بجواب (الفاء) واحد، وإن كانت المعاني مختلفة، واختلافها أن جواب النفي على وجهين مختلفين، والنصب فيهما بإضمار (أن)، وتقدير مصدر للأول يعطف عليه مصدر للثاني.
وجواب الاستفهام والأمر والنهي والتمني على غير المعنى في وجهي النصب في جواب الجحد، لأن قولك: لا تأتيني فأحدثك على معنى: ما تأتيني فكيف تحدثني، أو على معنى: ما لم تأتيني إلا لم تحدثني؛ وهذان المعنيان ليسا في جواب الاستفهام إذا قلت: هل عندك طعام فآكله، ولا في الجواب الأمر إذا قلت: ائتني فأكرمك؛ واتفاق العامل في ذلك مع اختلاف المعاني كقولك: يعلم الله، ويذهب زيد، لأن قولنا: (يعلم الله) ليس بفعل لله لأن الله- عز وجل- لم يزل عالما، (يذهب زيد) فعل له، فالمعنيان مختلفان، والرفع بهما واحد.

وأما قوله: ما أتيتنا فتحدثنا، وجها النصب في (تحدثنا) جيدان، وإن كان الفعل الأول ماضيا والجواب مستقبلا.
وأما الرفع فأحد وجهيه جيد، والآخر ضعيف، وقد أجازه سيبويه على ضعفه.
فأما الوجه الجيد فعلى قولك: ما أتيتنا فحدثتنا، فتنفي الإتيان والحديث؛ والجيد في ذلك وحد الكلام أن تعطف الماضي على الماضي.
وأما الوجه الضعيف فعلى قولك: ما أتيتنا فأنت تحدثنا الساعة ولكن الذي رفعه جملة على أن (ما) إذا وقع بعدها فعل يعرب، لم يكن إلا مرفوعا، فصار موضع الماضي موضع رفع، فلذلك رفع المستقبل الذي بعده وهو في موضع (حدثتنا) ومعناه معنى: ما كنت تأتينا فتحدثنا، والإتيان والحديث منفيان فيما مضى.
وقوله: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل.
ولا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، وكل ما كان من هذا النحو مما فيه حرف الاستثناء إذا نصبت فهو على وجه واحد من وجهي النصب بعد الجحد، كأنك قلت: ما تأتينا متكلما إلا بالجميل، ولا تأتينا محدثا إلا ازددنا فيك رغبة.
وأما قوله: لا يسعني شيء فيعجز عنك، فليس إلا وجه واحد، كأنك قلت: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، ولا يسعني شيء عاجزا عنك؛ ولو حملته على الوجه الآخر من النصب فسد الكلام، ولأن تقديره: لا يسعني شيء فكيف يعجز عنك ذلك الشيء، ومن المحال أن كل ما لا يسعه لا يعجز عن المخاطب؛ والرفع في الوجهين أيضا فاسد؛ لأنه يؤول معناه إلى أنه لا يسعه شيء.
وأما: ما أنت منا فتحدثنا، فلا يكون في ((فتحدثنا)) الرفع بالعطف على الأول.
لأنه اسم تعطف الفعل عليه، ولكن على الاستئناف، وتقديره: فنحن نحدثك، كما قدّر في البيت (نحن): فنرجّى ونكثر التأميلا 1 وقوله: تأتينا فتحدثنا، على تقدير: ألم تأتينا محدثا؛ وكذلك كل موضع يدخل فيه حرف الاستفهام على حرف الجحد كان تقديره: على ما تأتينا محدثا، ويجوز فيه، وفيما جرى مجراه العطف على اللفظ على مذهب ثم كقولك: لا تمددها فتشققها، وألم تأتنا فتحدثنا.

ألم تسأل فتخبرك الرّسوم 1 وأما قوله: إلى سليمان فنستريحا 2 فالنصب في نستريح لا غير، ولا يجوز الجزم بالعطف على (سيري)، لأن (سيري) ليس بمجزوم لأنه فعل أمر وهو مبني ولا عامل فيه، وقد ذكر ذلك، وإن جزم فعلى مثل قوله: ... فاخمشي … لك الويل أو يبكي من بكى 3 محمول على المعنى.
وقوله: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا، ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان كان معناه قبل دخول الاستفهام: ما أتيتنا فتحدثنا، فتنصبه بجواب الجحد، ثم تدخل ألف الاستفهام على المنصوب ولا يتغير فإن رفعته فعلى معنى: فحدثتنا، وهو مثل قولك: سرت فأدخلها، على معنى: فإذا أنا داخل؛ ومثله قوله: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا كان الوثوب واقعا، لأن تقديره: فإذا أنا واثب عليه كقولك: سرت فأدخلها، إذا كان الدخول واقعا؛ وإذا لم يقع الوثوب فهو بمعنى: لو شتمني لو ثبت عليه، وهو بمنزلة: ما أتيتنا فتحدثنا، إذا لم يكن الحديث واقعا، فالنصب هو المختار.
وقال أبو عمرو: حسبته شتمني فأثب عليه، أي كان منه شتمي فيكون مني الوثوب عليه؛ فلما جاء الثاني على غير مجيء الأول، لأن الأول ماض والثاني غير ماض نصبته، لأنه أشبه النفي وجوابه؛ وإن كنت قد وثبت رفعت؛ لأن معناه: حسبته كان منه شتمي فكان مني وثوب، فيجيء الثاني في معنى الأول؛ وأما: تقضّى لبانات ويسأم سائم 4 فالذي رواه الخليل في البيت الرفع، ولم يعرف غيره.
وفي (كان) ضمير الأمر والشأن كما تقول: كان يقوم زيد، وكان يتكلم العمران، ونحوه.

قال غيره: تقضّي لبانات ويسأم سائم يجعل (تقضّي) مصدرا، وهو اسم (كان) وليس في (كان) ضمير، ويسأم معناه: وأن يسأم، وهو عطف على (تقضّي) وتقديره: وأن تتقضّى لبانات وأن يسأم سائم.
وإنما قبح إضمار (أن) بعد (الفاء) في الواجب، لأن الذي أحوجنا إلى إضمارها وتقدير الكلام على غير ظاهره، وحمله على غير لفظه، الدلالة على المخالفة بين الأول والثاني على ما بيناه.
وإذا كان ذلك في الواجب، لم يقع خلاف بين الأول والثاني يحوجنا إلى ذلك التقدير؟ وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آته فأحدثه، الأول والثاني واجبان على كل حال.
أما قوله: سوف آته فأحدثه، فهما فعلان، قد عطف أحدهما على الآخر، وهما بمعنى واحد.
وأما إنه عندنا فيحدثنا، فالثاني منقطع من الأول، وهو موجب مثله، إلا أنه عطف جملة على جملة، ومثله في الانقطاع من الأول قول الله- تبارك وتعالى-: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ 1، استأنف (يتعلمون) وأخبر به، وليس بعطف على ما قبله، كأنه قيل لهم: لا تتعلموا فيأبون فيتعلمون على جهة المخالفة، ومثله قول الله- عز وجل-: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 2. قوله (فيكون) ليس بجواب لكن لأن الكلام الأول وجوابه جميعا من كلام واحد غير منقطع أحدهما من الآخر، ولم يرد الله- عز وجل- أنه يقول للشيء كن فيكون، وكن فيكون منصوب لأن للشيء، والذي قيل للشيء (كن) فحسب، ثم خبّر عنه أنه يكون، فصار (يكون) كلاما منفردا مستأنفا، ودخلت عليه (الفاء) لأنه عطف جملة على جملة.
وأما من قرأ (فيكون) بالنصب، فإنما يعطفه على المنصوب الذي قبله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40] معطوف على (نقول).
وأما قراءة عبد الله بن عامر اليحصبي: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 47] فضعيفة؛ لأنه لا منصوب قبله فيعطف عليه، وإنما ينصب مثله في ضرورة الشعر؛ لأنه موجب، وما قبله موجب، وهو مثل:

وألحق بالحجاز فأستريحا (1) ومثل: يأوي إليها المستجير فيعصما (2) ومثل: ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (3) ويروى: ليعصما، وليعقبا؛ ولو روي جميع ذلك باللام لكان مستقيما غير خارج من المعنى، ولا داخل في الضرورة، وألحق بالحجاز لأستريحا؛ ومثل (كن فيكون) قول الله- عز وجل-: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (4). وقول الشاعر: فينبت حوذانا... (5) لأن المرفوع في ذلك ليس بداخل في الكلام الذي قبله، ولا متصل به، وإنما هو بمنزلة (فيكون) بعد (كن)، وسائر في الباب قد أغنى عنه ما ذكرناه، وقد بان بكلام سيبويه.

هذا باب الواو

اعلم أن (الواو) ينتصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد (الفاء)، وأنها قد تشرك بين الأول والآخر كما تشرك (الفاء)، وأنها لا يستقبح فيها أن تشرك بين الأول والآخر كما استقبح ذلك في (الفاء)، وأنها يجيء ما بعدها مرتفعا منقطعا من الأول كما جاء ذلك في (الفاء).
واعلم أن (الواو) وإن جرت هذا المجرى، فإن معناها ومعنى (الفاء) مختلفان، ألا ترى الأخطل قال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم 612345

فلو دخلت (الفاء) هاهنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا يجتمعن النهي والإتيان، فصار (تأتي) على إضمار (أن).
ومما يدلك أيضا على أن (الفاء) ليست كالواو فذلك قولك: مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أن يعلم بالفاء أنه بعد الأول، وليس (الواو) كذلك.
وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت (الفاء) هاهنا فسد المعنى، وإن شئت جزمت في النهي في غير هذا الموضع.
قال جرير: فلا تشتم المولى وتبلغ أذانه … فإنّك إن تفعل تسفّه وتجهل 1 ومنعك أن تجزم الأول لأنه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدة، ويشرب اللبن على حدة؛ فإذا جزم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال.
ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة: ألم أك جاركم ويكون بيني … وبينكم الموّدة والإخاء 2 كأنه قال: لم أك هكذا ويكون بيني وبينكم.
وقال دريد بن الصّمة: قتلت بعبد الله خير لداته … ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا 3 وتقول: لا يسعني شيء ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في (الفاء)، إلا أن (الواو) لا يكون موضعها في الكلام موضع (الفاء).
وتقول: ائتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيان منك وأن آتيك، تعني إتيان منك وإتيان مني، وإن أردت الأمر أدخلت (اللام)، كما فعلت ذلك في (الفاء) حيث قلت ائتني فلأحدثك.
فتقول: ولآتك.
ومن النصب في هذا الباب قول الله- تبارك وتعالى-: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 4، وقد قرأ بعضهم: ((ويعلم الصابرين)).
وقال الله- جل ثناؤه-: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ

تَعْلَمُونَ 1. وإن شئت جعلت (وتكتموا) على النهي، وإن شئت جعلته على (الواو).
وقرئ: يا ليتنا ترد ولا تكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين 2 فالرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأوّل، والآخر على قولك: دعني ولا أعود، أي فإني ممن لا يعود، وإنما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتة، ترك أو لم يترك ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك وأن لا يعود.
وأما عبد الله بن أبي إسحاق فكان ينصب هذه الآية.
وتقول: زرني وأزورك، أي أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه.
ولم ترد أن تقول: لتجتمع منك من الزيارة وأن أزورك، تعني: لتجتمع منك الزيارة فزيارة منّي، ولكنه أراد أن يقول: زيارتك واجبة على كل حال، فلتكن منك زيارة.
قال الأعشى: فقلت ادعي وادعو إنّ أندى … لصوت أن ينادى داعيان 3 ومن النصب أيضا قوله: للبس عباءة وتقرّ عيني … أحبّ إليّ من لبس الشفوف 4 لما لم يستقم له أن يحمل (وتقرّ عيني)، وهو فعل على (لبس) وهو اسم، لما ضممته إلى الاسم، وجعلت (أحبّ) لهما ولم ترد قطعة، لم يكن بد " من إضمار (أن).
وسترى مثله مبينا.
وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب، وهو لكعب الغنوي: وما أنا للشيّء الذي ليس نافعي … ويغضب منه صاحبي يقؤول 5 والرفع أيضا جائز حسن، كما قال قيس بن زهير بن جذيمة: فلا يدعني قومي صريحا لحرّة … لئن كنت مقتولا ويسلم عامر 6 و (يغضب) معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلا في

صلة (الذي).
قال أبو سعيد: الناصب بعد (الواو) أن، كما أن الناصب بعد (الفاء) أن، ومعناهما مختلف، كما أن معاني ما بعد الفاء مختلفة، وإن كان الناصب فيها كلها واحدا، ومعنى (الواو) في كل أحوال نصبها: الجمع؛ فإذا قلت: لا تنه عن خلق وتأتي مثله فمعناه: لا تجمع بين نهيك عن الشيء، وبين إتيانك إياه، وتقديره: لا يجتمع نهيك عنه وإتيانك إياه، كأنه قال: لا يكن نهي، عنه وإتيان إياه، وأن تأتيه، وحذف أن في (الواو) كحذفها في (الفاء)؛ ولو حملت (تأتي) على (تنه) فقلت: لا تنه عن خلق وتأت مثله- مجزوما- لاستحال، لأنك إذا قلت: لا تضرب زيدا وتكرم عمرا، فقد نهيته عن ضرب زيد على حدة وإكرام عمرو على حدة، وكل واحد منهما غير معلق بالآخر وكأنه قال: لا تضرب زيدا، ولا تكرم عمرا.
فلو قال: لا تنه عن خلق وتأت مثله، لكان معناه: لا تنه عن خلق ولا تأت مثله، ولو قال هذا لكان قد نهاه أن ينهى عن شئ ونهاه أن يأتي شيئا من الأشياء، هذا محال فرد الأول والثاني في التقدير إلى غير ظاهر الكلام ليدل على أنه يريد لا تجمع بينهما.
وذكر أبو علي عسل بن ذكوان قال: أخبرنا أبو عثمان قال: سمعت الأصمعي يقول: لم أسمعه إلا و (تأتي) بياء مرفوع على القطع.
قال أبو سعيد: ولا يصح هذا إلا بأن تكون (الواو) في معنى الحال، كأنه قال: لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله، أي: وهذه حالك، وهذا في معنى النصب صحيح.
ولو قلت: لا تنه عن خلق فتأتي مثله لأفسدت المعنى، لأنك إذا قلت: لا تضرب زيدا فيشتمك، فمعناه: متى ضربته شتمك؛ فلو قلت: فتأتي مثله، صار معناه: متى نهيت عن خلق أتيت مثله، وهذا غير المقصود؛ وليس مذهب (الواو) في الجواب كمذهب (الفاء)، مذهب (الواو): لا يجتمعن هذا وذاك؛ ومذهب (الفاء) على اختلافه يخالف مذهب (الواو).
ومنع سيبويه جزم الثاني في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، لأن المقصود في كلام الناس والمعتاد ألا يجمع بينهما للضرر الذي يعتقد في الجمع بينهما.
ولو أراد مريد أن ينهى عن أكل السمك على كل حال، وعن شرب اللبن على كل حال لقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؟ وقول الحطيئة:

ألم أك جاركم وتكون بيني … وبينكم المّودة والإخاء 1 أراد: ألم يجتمع لي الجوار والمودة، يؤكد الحرمة بيني وبينهم والوسيلة إليهم.
وقول دريد: فلم أفخر بذاك وأجزعا 2 أي: لم أجمع الفخر والجزع.
وقوله: ائتني وآتيك- على الجواب- فإن أراد أن يأمر في الثاني كما أمر في الأول، أدخل (اللام) فقال: ائتني ولآتيك، لا يجوز حذف (اللام) إلا في الشعر، لأنه لا مجزوم قبله فيعطفه عليه، وقد تقدم الكلام في نحوه.
وأما قول الله- تبارك وتعالى-: فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 3. وكان عيسى بن عمر يقرأ (ولا تكذب بآيات ربنا ونكون) بالرفع ويجعلهما تمنيين معطوفين على (نرد)، وهذا أحد وجهي الرفع.
الذي قال فيه سيبويه: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول ويقول: إن الله- جل وعز- أكذبهم في تمنيهم على مذهب من يقول إن التمني خبر، فلذلك وقع عليه التكذيب.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأهما أيضا بالرفع على غير مذهب عبس، ولكن على الاستئناف على تأويل (ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين إن رددنا) والفعلان الآخران خبران غير متمنيين من أجلهما كذبهم، ولم يكن يرى التمني خبرا.
ورفعهما في مذهب أبي عمرو على الوجه الآخر من وجهي الرفع الذي قال فيه سيبويه: والآخر على قوله: دعني ولا أعود، أي: فإني ممن لا يعود، فإنما يسأل الترك، وقد أوجب على نفسه ألا عودة له البتة ترك أو لم يترك.
وأما قراءة عبد الله بن أبي إسحاق بنصب الفعلين الآخرين (ولا نكذب ونكون) فتقديره: يا ليتنا يجتمع لنا الرد وترك التكذيب والكون في جملة المؤمنين، وظاهر هذا التقدير يوجب أن الفعلين الآخرين متمنيان على ما ذكرنا من تقدير (الواو)، ولأن التمني إذا وقع لاجتماع هذه الأشياء فهي متمناة؛ ولو كان مكان الواو فاء فقيل: يا ليتنا نرد فلا

نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين لتغير المعنى، وصار جوابا على معنى: متى وقع الرد لم يقع التكذيب.
كقولك لا تضرب زيدا فيؤذيك، ومعناه: متى وقع الضرب أدى إلى الأذى، وتقديره: يا ليتنا يكون لنا رد وترك تكذيب.
وأما قول الشاعر: للبس عباءة وتقرّ عيني 1 فلا بد من نصبه، لأن قوله (للبس) مبتدأ، و (تقر) عطف عليه، بمعنى: وأن تقرّ عيني، و (أحب إليّ) خبر لهما، وقد فضلا مجتمعين على (لبس الشفوف).
ولو انفرد أحدهما بطل المعنى المراد، لأنه لم يرد: للبس عباءة أحب إليّ من لبس الشفوف، وهي الرقاق من الثياب، ولبس ذلك مما يختاره الناس، فمعناه: للبس عباءة مع قرة العين والسرور أحب إليّ من لبس الناعم، كما تقول: خبز الشعير مع السرور أحب إلىّ من خبز الجواري؛ فلما كان المعنى يضطر إلى ضم (تقر) إلى (لبس) ليكون أحب لهما، اضطر إلى إضمار (أن) والنصب وأما (يغضب منه) فإن الأجود فيه الرفع، وهو في صلة (الذي) عطفا على موضع (لبس)، وتقديره: الذي لا ينفعني ويغضب منه صاحبي، وعطفه على موضع (لا)؛ فهذا وجه ظاهر، قريب المتناول، صحيح المعنى، والنصب متأول ومعناه على ظاهره غير صحيح، لأنا إذا نصبناه قدرناه معطوفا على (الشيء)، وليس الشيء بمصدر ظاهر فيسهل عطفه عليه؛ فإذا عطفناه صار في موضع خفض باللام، واللام في صلة (قؤول)، فيصير التقدير: ما أنا لغضب صاحبي يقؤول، والغضب لا يكون مفعولا للقول؛ وباب جوازه: وما أنا للقول الذي يوجب غضب صاحبي بقؤول.
ورد أبو العباس المبرد 2 على سيبويه تقديمه النصب على الرفع.
والذي عندي أن سيبويه لم يقدم النصب على الرفع.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن سيبويه لم يقدم النصب لأن النصب هو المختار عنده، ولكن الباب للنصب دون الرفع، وإنما قدم ما يقتضيه الباب وما القصد إلى

ذكره فيه.
وأما قوله: ويسلم عامر (1) فرفعه على أن (الواو) واو حال، كأنه قال: وعامر هذه حاله، وتأويله: وعامر يسلم، لأن (واو) الحال تطلب الأسماء المبتدأة، والنصب في (يسلم) أجود مثل قوله- عز وجل-: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (2). لأن معناه: لأن كنت مقتولا مع سلامة عامر.

هذا باب أو

واعلم أن ما انتصب بعد (أو) فإنه ينتصب على إضمار (أن) كما انتصب في (الفاء) و (الواو) على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما لم يستعمل في (الفاء) و (الواو)؛ والتمثيل هاهنا مثله ثمّ هذا تفسير لكلامه وقع في النسخ هكذا تقول إذا قال: لألزمنك أو تعطيني، كأنه قال: ليكن اللزوم أو أن تعطيني.
واعلم أن معنى ما انتصب بعد (أو) على إلا (أن)، كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل، تقول: لألزمنك أو تقضيني، ولأضربنّك أو تسبقني، والمعنى: لألزمنك إلا أن تقضيني، ولأضربنك إلا أن تسبقني.
هذا معنى النصب.
قال امرؤ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنمّا … نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 3 والقوافي منصوبة، والتمثيل على ما ذكرت لك، والمعنى على: إلا أن نموت فنعذرا، وإلا أن تعطيني، كما كان تمثيل (الفاء) على ما ذكرت لك، وفيه المعاني التي فصلت لك.
ولو رفعت كان عربيا جائزا على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر.
وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول، يعني: ونحن ممن يموت.
وفي القرآن: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ 4.12

وإن شئت كان على الاشتراك، وإن شئت كان على: أو هم يسلمون.
وقال ذو الرمة: حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة … على الخسف أو نرمي بها بلدا فقرا 1 فإن شئت لكان على ألا تنفك نرمي بها، أو على الابتداء.
وتقول: الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم؛ وقال زياد الأعجم: وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما 2 معناه: إلا أن، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء، لأنه لا سبيل إلى الاشتراك.
وتقول: هو قاتلي أو افتدي منه؛ وإن شئت ابتدأته كأنه قال: أو أفتدي، وقال طرفة بن العبد: ولكنّ مولاي امرؤ هو خانقي … على الشّكر والتّسآل أو أنا مفتدى 3 وسألت الخليل عن قول الله- تبارك وتعالى-: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ 4 فزعم أن النصب محمول على (أن) سوى هذه التي قبلها؛ ولو كانت هذه الكلمة على (أن) لم يكن للكلام وجه، ولكنه لما قال: ((إلا وحيا)) كان في معنى: إلا أن يوحي، وكان (أو يرسل) فعلا لا يجري على (إلا)، فأجرى على (أن) هذه، كأنه قال: إلا أن يوحي أو يرسل، لأنه لو قال: إلا وحيا وإلا أن يرسل، كان حسنا، وكان (أن يرسل) بمنزلة الإرسال، فحملوه على (أن)، إذا لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل، فكأنه قال: إلا وحيا أو أن يرسل قال الحصين بن الحمام المري: ولولا رجال من رزام أعزة … وآل سبيع أو أسوءك علقما 5 يضمر (أن) وذلك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على (لولا) فأضمر (أن) كأنه قال: لولا ذاك، ولولا أن أسوءك.

وبلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ [الشورى: 51].
فكأنه قال- والله أعلم-: الله لا يكلم البشر إلا وحيا أو يرسل رسولا، أي في هذه الحال، وهذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل؛ وقال عمرو بن معدي كرب: وخيل قد دلفت لها بخيل … تحية بينهم ضرب وجميع 1 وسألت الخليل عن قول الأعشى: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا … أو تنزلون فإنّا معشر نزل 2 فقال: الكلام هاهنا على قولك: أيكون كذا، أو يكون كذا، لما كان موضعها لو قال فيه: أتركبون لم ينقض المعنى، صار بمنزلة قولك: ولا سابق شيئا 3 وأما يونس فقال: أرفعه على الابتداء، كأنه قال: وأنتم نازلون، على هذا الوجه فسّر الرفع في الآية، كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة بن العبد: أو أنا مفتدى 4 وقول يونس أسهل، وأما ما قاله الخليل فجعله بمنزلة قول زهير: بدا ليّ أني لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 5 والاشتراك على هذا التوهم بعيد كبعد (ولا سابق شيئا).
ألا ترى أنه لو كان هذا كهذا لكان في (الواو) و (الفاء)؛ وإنما توهم هذا فيما خالف معناه التمثيل.
قال أبو سعيد: أصل (أو) العطف حيث كانت، والمنصوب بعدها على وجهين: أحدهما: أن يتقدم فعل منصوب بناصب من الحروف، ثم يعطف عليه ب (أو) كما يعطف بسائر حروف العطف، كقولك: أريد أن تخرج إلى الكوفة أو تلازم زيدا، أو مدحت الأمير كي يهب لي دنانير أو يحملني على دابة؛ ومعناها أحد الأمرين؛ وفي هذا

المعنى يجوز أن يكون ما بعدها مرفوعا ومجزوما، فالمرفوع نحو قولك: أنا ألزمك أو أخرج لك إلى صنيعتك؛ والمجزوم: ليخرج زيد إلى البصرة أو يقم في مكانه.
والآخر: أن يخالف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها مع ما بعدها معنى (إلا أن) والفصل بين هذا وبين الأول أن الأول لا تعلق بين ما قبل (أو) وبين ما بعدها، وإنما هو دلالة على أحد الأمرين، وليس بين الأمرين ملابسة.
كما لا ملابسة بين تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16]، إنما هو إخبار بوجود أحدهما.
وكذلك أنا ألزمك أو أخرج إلى ضيعتك، بما هو إخبار بوجود لزوم أو وجود خروج إلى الضيعة، وهذا كعطف الاسم على الاسم ب (أو) كقولك: جاءني زيد أو عمرو ونحوه.
والوجه الثاني: الفعل الأول فيه قبل (أو) كالعام في كل زمان، والثاني كالمخرج من عمومه، ولذلك صيّر معناه معنى (إلا أن)؛ ألا ترى أن قولك: (لألزمنك) متضمن للأوقات المستقبلة، وكذلك لأضربنك فإذا قلت أو تقضيني أو تسبقني، فقد أخرجت بعض الأوقات المستقبلة من ذلك المتضمّن وكأن التقدير: لألزمنك إلا الوقت الممتد الذي أوله قضاؤك لي، ولأضربنك إلا الوقت الذي أوله سبقك إياي؛ واجتمع (أو) و (إلا) في هذا المعنى للشبه الذي بينهما في العدول عما أوجبه اللفظ الأول؛ وذلك إذا قلنا: جاءني القوم إلا زيدا، فاللفظ الأول قد أوجب دخول (زيد) في القوم لأنه منهم، فإذا قلت (إلا)، فقد أبطلت ما أوجبه اللفظ الأول، وإذا قلت: جاءني زيدا وعمرو، فقد وجب المجيء لا لزيد في اللفظ قبل دخول (أو)، فلما دخلت بطل ذلك الوجوب؛ ولهذا المعنى احتيج إلى تقدير الفعل مصدرا وعطف الثاني عليه، فذلك التقدير على ما مضى في (الفاء)، وجاز: أو نموت فنعذر، على وجهين: بالعطف على (تحاول) وبالاستئناف؛ لأن المعنى لا يفسد وأما (تقاتلونهم أو يسلمون) فالثاني عطف على الأول، والذي يقع من ذلك أحد الأمرين إما القتال وإما الإسلام.
وذكر أن في بعض المصاحف: أو يسلموا، ويسلموا نصب على معنى (إلا أن) فيجوز أن يقع القتال ثم يرتفع بالإسلام.
وأما حراجيح لا تنفكّ إلا مناخة 1 فالأصمعي وأبو عمر الجرمي ومن بعدهما كانوا يقولون: أخطأ ذو الرمة، لأنه لا يقال: لا يزال زيد إلا قائما، كما لا يقال: يزال زيد قائما، لأن ذلك لا يستعمل إلا بلفظ

الجحد، وإذا استثنينا صار الجحد إيجابا، فلذلك لم يجز الاستثناء منه؛ و (لا تنفك) بمعنى: لا تزال.
قال أبو سعيد: ولقول ذي الرمة وجهان صحيحان: أحدهما: أن يكون (تنفك) بغير معنى: تزال، ويكون بمعنى: انفك الشيء من الشيء إذا انفصل منه، كما يقال: فككت الغلّ عنه فانفك، وفككت زيدا مما وقع فيه فانفك منه.
ويجوز دخول الاستثناء في هذا الوجه، تقول: ما انفك زيد إلا بعد شدّة، فيكون التقدير: لا ينفك من الشدة والسير إلا مناخة على الخسف؛ كما تقول: ما انفصل زيد من الموضع إلا مجهودا.
والوجه الثاني: أن يكون (على الخسف) خبر (تنفك)، و (إلا مناخة) استثناء مقدم.
فكأنا قلنا: لا تنفك مجهودة، كما تقول: لا تزال مجهودة إلا في حال إناختها، فإنها تستريح إذا أنيخت.
وقوله: أو نرمى بها بلدا قفرا 1 فيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفا على خبر (تنفك) وهو (على الخسف)، كأنك قلت: لا تزال على الخسف، ولا نزال نرمي بها بلدا قفرا؛ ويجوز أن يكون على الابتداء، أو نحن نرمي بها بلدا قفرا.
ويجوز الرفع في: كسرت كعوبها أو تستقيما 2 فيقال: أو تستقيم، في غير هذه القصيدة، لأن (كسرت) في موضع رفع لأنه جواب (إذا)، وجوابها بالفعل المستقبل رفع.
وأما قول الله- تبارك وتعالى-: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا 3. فقوله (يرسل) لا يجوز أن يكون معطوفا على

(يكلمه الله) ولا يكون الناصب له (أن) هذه الظاهرة، لأنا إذا أوقعنا (أن) هذه الظاهرة على (يرسل) صار التقدير: ما كان لبشر أن يرسل الله إليه رسولا وهذا فاسد في المعنى ولكنه محمول على ما بعد إلا وتقديره: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه، وهو عطف مصدر على مصدر.
وأما من قرأ: ((أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه)) فإنه يجعل (وحيا) بمنزلة (موحيا)، كما تقول: أتاني زيد مشيا أي ماشيا، فيكون (وحيا) الذي هو مصدر في موضع اسم الفاعل حالا، و (يرسل) فعل مستقبل في موضع اسم الفاعل حال معطوف على (وحيا)، تقول: جاءني زيد يضحك في معنى: ضاحكا.
وأما قول الأعشى: أو تنزلون فإنّا معشر نزل 1 فقد ذكر سيبويه فيه قول الخليل على تقدير: أو تركبون أو تنزلون، وذكر عن يونس أنه يرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون قال وقول يونس أسهل.
قال أبو سعيد: وفيه قول ثالث، وهو عندي أسهل من هذين القولين، وهو أن تقدر في موضع (إن تركبوا) إذا تركبون، لأن (إن) و (إذا) يجازى بهما وهما مقارنان في معنى ما يريده المتكلم، وإن كان بعد (إن) مجزوم، وبعد (إذا) مرفوع؛ فإذا قدرنا (أتركبون) وهو في معنى (أن تركبوا) عطفنا (أو تنزلون) عليه في التقدير.
قال سيبويه: لما ذكر قول الخليل في (أو تنزلون) وعطفه على تقدير (أتركبون) وأنه جعله كقول زهير (ولا سابق شيئا) على تقدير: لست بمدرك ما مضى، والاشتراك على هذا التوهم بعيد كبعد (ولا سابق شيئا)، يعني بعد عطف (أتنزلون) على توهمهم (أتركبون) كبعد عطف (سابق) على توهم (بمدرك ما مضى)؛ ولو كان هذا كهذا التوهمّ في (الفاء) و (الواو) من غير ضرورة إلى ذلك.
وقيل: هو يأتيك فيحدثك، على توهم: يكون منه إتيان فحديث؛ وإنما تفعل ذلك فيما خالف معناه التمثيل للضرورة نحو: لا تأته فيشتمك، على: لا يكون منك إتيان فشتيمة.
وباقي الباب مفهوم مستغنى عن شرحه بما ذكره سيبويه أو بشرح نظائره.

هذا باب اشتراك الفعل في (أن) وانقطاع الآخر من الأول الذي عمل فيه (أن)

فالحروف التي تشرك: الواو، والفاء، وأو، وثم.
وذلك قولك: أريد أن تأتيني ثم تحدثني، وأريد أن تفعل ذلك وتحسن، وأريد أن تأتينا فتبايعنا، وأريد أن تنطق بجميل أو تسكت.
ولو قلت: أريد أن تأتيني ثم تحدثني جاز، كأنك قلت: أريد إتيانك ثم تحدثني ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال، وقال- الله تبارك-: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ 1 ثم قال- عز وجل-: وَلا يَأْمُرَكُمْ 2، فجاءت منقطعة من الأول، لأنه أراد: ولا يأمركم الله؛ وقد نصبها بعضهم على قوله: وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا.
وتقول: أريد أن تأتيني فتشتمني، لم يرد الشتيمة، ولكنه أراد: كلما أردت إتيانك شتمتني؛ هذا معنى كلامه، فمن ثم انقطع من أن.
قال: يريد أن يعربه فيعجمه 3 أي: فإذا هو يعجمه.
وقال الله- تبارك وتعالى-: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ 4 أي: ونحن نقر في الأرحام، لأنه ذكر الحديث للبيان، ولم يذكره للإقرار؛ وقال الله- جل ثناؤه-: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 5 فانتصب لأنه أمرها بالإشهاد لأن تذكّر، ومن أجل أن تذكّر.
فإن قال إنسان: كيف جاز أن نقول: أن تضلّ، ولم يعدّ هذا للضلال والالتباس؟ فإنما ذكر (أن تضلّ) لأنه سبب الإذكار، كما يقول الرجل:

أعددته أن يميل الحائط فأدعمه، وهو لا يطلب بإعداده ذلك ميل الحائط، ولكنه أخبر بعلة الدّعم وسببه.
وقرأ أهل الكوفة: (فتذكّر) رفعا.
وسألت الخليل عن قول الشاعر: فما هو إلّا أن أراها فجاءة … فأبهت حتىّ ما أكاد أجيب 1 فقال: أنت في (أبهت) بالخيار، إن شئت حملتها على (أن).
وإن شئت لم تحملها عليه، فرفعت، كأنك قلت: ما هو إلا الرأي فأبهت.
وقال ابن أحمر فيما جاء منقطعا من (أن): يعالج عاقرا أعيت عليه … ليلقحها فينتجها حوارا 2 كأنه قال: يعالج فإذا هو ينتجها، وإن شئت على الابتداء.
وتقول: لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد، وإن شئت رفعت، كأنك قلت: لا يعدو ذلك فيصنع ما تريد.
وتقول: ما عدا أن رآني فيثب، كأنه قال: ما عدا ذلك فيثب، لأنه ليس على أول الكلام، فإن أردت أن تحمل الكلام على (أن)، فإنّ أحسنه ووجهته أن تقول: ما عدا أن رآني فوثب، فضعف (يثب) هاهنا كضعف (ما أتيتني فتحدّثني) إذا حملت الكلام على (ما).
وتقول: ما عدوت أن فعلت وهذا هو الكلام، وما أعدو أن أفعل، وما آلو أن أفعل، يعني: لقد جهدت أن أفعل.
وتقول: ما عدوت أن آتيك، أي: ما عدوت أن يكون ذلك من رأى فيما يستقبل.
ويجوز أن يجعل (أفعل) في موضع (فعلت) ولا يجوز (فعلت) في موضع أفعل إلا في مجازاة نحو: إن فعلت فعلت.
وتقول: والله ما أعدو أن جالستك، أي: أن كنت فعلت ذلك: أي: ما أجاوز مجالستك فيما مضى، ولو أراد: ما أعدو أن جالستك غدا، كان محالا ونقضا، كما أنه لو قال: ما أعدو أن أجالسك أمس كان محالا.

وإنما ذكرت لك هذا التصرّف وجوهه ومعانيه، وألا تستحيل منه مستقيما، فإنه كلام يستعمله الناس.
ومما جاء منقطعا من الأول قول عبد الرحمن بن أم الحكم: على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى … قضيته ألا يجوز ويقصد 1 كأنه قال: عليه غير الجور، ولكنه يقصد، أو هو قاصد، فابتدأ ولم يحمل الكلام على (أن)، كما تقول: عليه أن لا يجوز ويقصد، وينبغي له كذا وكذا؛ فالابتداء في هذا أسبق وأعرف، لأنها بمنزلة قولك: كأنه قال: ونؤلك.
فمن ثمّ لا يكادون يحملونها على (أن).
قال أبو سعيد: حروف العطف إنما تعطف ما دخل في معنى الأول، فإن لم يدخل في معناه رفع على الاستئناف كقولك: أريد أن تزورني، وأريد أن تأتيني فتقعد عني، وأريد أن تطيعني فتخالفني فما بعد (الفاء) في هذا ونحوه مرفوع لا غير، لأنه لم يدخل في الإرادة، و (أن) الناصبة كانت في صلة الإرادة، فلو نصبنا الثاني، وعطفناه على الأول، كان قد دخل في الإرادة؛ وإنما ينصب بحروف العطف ما يصح دخوله في معنى الأول، كنحو ما ذكره سيبويه وما يصح دخوله في معنى الأول؛ وقد يجوز أن يقطع عنه ويستأنف.
وقول الله- تبارك وتعالى-: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً 2 من قرأ بالرفع فهو عطف جملة على جملة بعد تمامها، كأن قوله: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: 79] قد انقطعت الجملة عند قوله (تدرسون) ثم ابتدأ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [آل عمران: 79]؛ ومن قرأ (وَلا يَأْمُرَكُمْ) فهو في الجملة الأولى، لأن معناه: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولا كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا؛ وفي هذا الوجه في (يأمركم) ضمير فاعل من (بشر) وفي الوجه الأول ضمير فاعل من (الله) تعالى.
وأما قول الله- تبارك وتعالى-: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ 3 فلا يصح

نصب (نقر) ونحمله على (نبين)، وذلك أن الله- عز وجل- ذكر خلق الإنسان من تراب، ونقله من حال إلى حال وهم معترفون بذلك، ليبين به البعث الذي لا يعترفون به فقال- عز من قائل-: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ 1، فبين- جل ثناؤه- بقدرته على هذه الأحوال التي يعترفون بها قدرته على البعث، لأنه أحيا ما قد بلى ورمّ وصار ترابا من الجلد والعظم وغير ذلك ونقله إلى الحياة، كنقل التراب إلى الحيوان في الابتداء؛ وذكر الله- تبارك وتعالى- ذلك للبيان لهم أمر البعث.
وقوله- تبارك وتعالى-: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 2 (أن) في صلة ما قبله، وسياقه: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ 3 يعني: إن لم يكن الشهيدان رجلين فالمستشهدون رجل وامرأتان؛ وبين السبب في جعل المرأتين مكان الرجل وهو إذكار إحداهما الأخرى الشهادة إذا نسيتها؛ ولو كانت امرأة واحدة فنسيت، لم يكن لها من يذاكرها للشهادة إذا نسيتها.
فإن قال قائل: يذكرها الرجل الشاهد معها.
قيل له: العادة الجارية أن النساء يلاقين النساء في المجادلة والمؤانسة والمطاولة في المجالسة والحديث، كما أن الرجال فيما بينهم كذلك، فلنقصد النساء ضم إلى المرأة مثلها ليقوى بالضم حالهما.
وتذكرهما في هذه الحال على ترتيب الكلام؛ وامرأتان لتذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت.
والعرب تتسع في مثل هذا بالتقديم والتأخير، فيقدمون الإذكار مرة على ما يوجبه الترتيب الذي ذكرناه، ومرة يقدمون سببه وهو الضلال، والضلال: النسيان في هذا الموضع، لأنه لا يقع في ذلك لبس، ومثله: أعددت الخشب أن يميل الحائط فأدعمه به، وهو إنما أعده للدعم، وذكر الميل الذي هو سبب الدعم.
وقراءة أهل الكوفة بكسر (إن) قرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا [البقرة: 282] كما تقول: إن تأتني فأحسن إليك؛ ولا يدخل هذا فيما ذكره سيبويه.
وأما (فأبهت) بالرفع، فهو بمنزلة: فإذا أنا مبهوت، وهو من نحو:

سرت فأدخلها، و (فإنّ المندّى رحلة فركوب) 1 فأما قوله: يعالج عاقرا أعيت عليه …... فينتجها... 2 فرفع (ينتجها) سهو وغلط وذلك لأن العاقر لا تلد ولا يكون لها نتاج، فكيف يرفع وهو لا يخبر بكونه، وإنما يصف ابن أحمر رجلا من قومه يعالج أمرا في مكروه ابن أحمر ونسائه لا يتم ولا يكون، وذلك الأمر هو العاقر، والرجل يعالجها ليلقحها ولينتجها، وذلك لا يكون، كأن هذا الرجل يعالج هذه العاقر لتلد وهي لا تلد، فلا يكون في (ينتجها) إلا النصب، وقبل هذا البيت: أر أنا لا يزال لنا حميم … كداء البطن سلّا أو صغّارا يعالج عاقرا أعيت عليه … ليلقحها فينتجها حوارا يدنّس عرضه لينال عرضي … أبا دغفاء ولّدها فقارا ولّدها فقارا أي: عظاما، يهزأ به، وأبا دغفاء: كنية الرجل ودغفاء: حمقاء، ويقال: عاصت واعتاصت واعتاظت، ومعناها: ذلهاء امتنعت من الحمل.
وكل واحد من وجهي الرفع لا يصح في (ينتجها) لأنك إذا عطفته على (يعالجها) لم يجز، لأن العلاج للعاقر يكون، ونتاجها لا يكون؛ كما يقال: فلان يطلب ما لا يكون؛ وإذا جعلته مستأنفا بمعنى: فهو ينتجه، لم يصح أيضا لأنها عاقر.
وأما الرفع في (لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد)، فلأن (لا يعدو أن يأتيك) بمعنى: يأتيك، فكأنه قال: يأتيك فيصنع ما تريد؛ وموضع (لا يعد) موضع فعل مرفوع يعطف عليه (فيصنع ما تريد)، ومثله: لا يخالف أمرك فيصنع ما تريد، لأن معناه: يطيع أمرك (فيصنع ما تريد) عطف عليه.
والكلام في (ما عدا أن يأتي فوثب) كالكلام في (ما أتيتني فحدثتني) وهو مستحسن.
والكلام في (ما عدا أن رآني فيثب) كالكلام في (ما أتيتني فتحدثني) في ضعف

الرفع إذا أردت العطف على الماضي؛ وقد ذكرناه في باب الجواب بالفاء وقوله (ما عدوت أن آتيك) فيه وجهان: أحدهما: أن تريد: ما عدوت فيما مضى أن آتيك فيما استقبل، ومعناه: رأيت فيما مضى أن آتيك فيما استقبل، وما تجاوزت فيما مضى اعتقاد أن آتيك في المستقبل.
والوجه الآخر: ما عدوت فيما مضى أن آتيك وتجعل (آتيك) في موضع (آتيتك)؛ وهذا معنى قوله: ويجوز أن تجعل (أفعل) في موضع (فعلت)؛ وإنما جاز ذلك لأنك تقول: كنت أتيتك، وكنت آتيك، ومعناهما واحد، وجئتك إذ قام زيد، وإذ يقوم زيد، ومعناهما واحد؛ وإنما يجوز ذلك إذا تقدم قبله شيء قد مضى، أو شيء فيه دلالة على المعنى، والفعل المستقبل مصاحب له، كما تقول: جاءني زيد أمس يضحك، و (يضحك) وإن كان ماضيا وهو بمنزلة الحال لمصاحبته لجاءني؛ وكونه في وقته، ولا يجوز الماضي في موضع المستقبل إلّا في المجازاة نحو: إن فعلت فعلت، لو قلت: يكون زيد قام، لم يجز كما جاز: كان زيد يقوم؛ فهذا فرق واضح وقوله: ما أعدو أن جالستك، فمعناه: ما أعدو الساعة مجالستك فيما مضى، كأن المجالسة فيما مضى شيء قد ثبت، فهو لا يعدوه ولا يتجاوزه، كما تقول: لا أعدو زيدا، ولا أعدو دارك ومنزلك، أي: لا أعدو ذلك إلى غيره.
وإنما لم يجز (ما أعدو أن أجالسك أمس)، لأن قولك (أعدو) مستقبل، وإذا كان ابتداء الكلام مستقبلا، لم يجز أن يكون بعده المستقبل في معنى الماضي، وإنما قال: (أن) لا يجوز (ويقصد) لأنه جعله بمنزلة: وينبغي له أن يقصد، فناب (يقصد) عن (ينبغي له أن يقصد)؛ ومن أجل ذلك تضمن معنى الأمر، ولم يحمل على (أن)؛ ومثله في القرآن: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، (1) وفيها معنى: ينبغي لهن أن يرضعن، ويكون في ذلك معنى الأمر، وإن لم يكن لفظ الأمر، كما لو قال المولى لعبده: الواجب عليك أن تفعل، أو الذي أريده منك أن تخرج إلى السوق، وجب عليه فعل ذلك، وإن لم يظهر لفظ الأمر له بذلك.

هذا باب الجزاء

فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيّهم.
وما يجزي به من1

الظروف: أيّ حين، ومتى، وأين، وأنىّ، وحيثما.
ومن غيرهما: إن، وإذ ما.
ولا يكون الجزاء في (حيث) و (لا) في (إذ) حتى يضم إلى كل واحدة منهما (ما)، فتصير (إذ) مع (ما) بمنزلة (إنما) وكأنما، وليست (ما) فيهما بلغو، ولكن كل واحد منهما مع (ما) بمنزلة حرف واحد.
فما كان من الجزاء ب (إذ ما) قول العباس بن مرداس: إذ ما أتيت على الرسول فقل له … حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس 1 وقال الآخر، وقالوا: هو لعبد الله بن همام السلولى: إذ ما تريني اليوم مزجي ظعينتي … أضعّف سيرا في البلاد وأفزع فإنّي من قوم سواكم وإنّما … رجالي فهم بالحجاز وأشجع 2 سمعناهما ممن يرويهما عن العرب، والمعنى (إما).
ومما جاء من الجزاء ب (أنّي) قول لبيد: فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها … كلا مركبيها بين رجليك شاجر 3 وفي (أين) قول ابن همام السلولي: أين تضرب بنا العداة تجدنا … نصرف العيس نحونا للتّلاقي 4 وإنما منع (حيث) أن يجازي بها أنك تقول: حيث تكون أكون، ف (تكون) وصل لها، كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون ويبّين هذا أنها في الخبر بمنزلة (إنما) و (كأنما) و (إذا)، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائم زيد، وأكون حيث زيد قائم.
ف (حيث) كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا في حروف الجزاء؛ فإذا ضممت إليها (ما)، صارت بمنزلة (إن) وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجيء ب (ما) وصارت بمنزلة (إمّا).
وأما قول النحويين: يجازي بكل شيء يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازي ب (إن) وب (حيثما) و (إذ ما)، ولا يستقيم بهن الاستفهام؛ ولكن القول فيه

كالقول في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلة؟ والوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلة لما قبله، كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلة لما قبله؛ وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلة لما قبله، كما أنك إذا قلت: أين تكون؟ وأنت تستفهم، فليس الفعل بصلة لما قبله فهذا في الجزاء ليس بصلة لما قبله، كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصل لما قبله.
ويقول: من يضربك؟ في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك اضربه، فالفعل فيهما غير صلة.
وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي ما أدخلت عليها (ما) لغوا، بمنزلتها مع (متى) إذا قلت: متى تأتني آتك؛ وبمنزلتها مع (إن) إذا قلت: إن ما تأتني آتك؛ وبمنزلتها مع (أين) كما قال الله- تبارك وتعالى-: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ 1؛ وبمنزلتها مع (أي) إذا قلت: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 2؛ ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا فيقولوا: ما ما، فأبدلوا (الهاء) من (الألف) التي في (ما) الأولى، وقد يجوز أن تكون (مه) كإن ضمّ إليها (ما).
وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع، فقال: هي متكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء؛ لأن معناها على أي حال تكن أكن، وسألته عن (إذا)، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في (إذا) بمنزلة الفعل في (إذ)، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، ف (إذا) فيما يستقبل بمنزلة (إذ) فيما مضى؛ ويبيّن هذا أن (إذا) يجيء وقتا معلوما، ألا ترى أنك لو قلت: آتيك إذا احمّر البسر، كان حسنا، ولو قلت: آتيك إن احمّر البسر، كان قبيحا؛ ف (إن) أبدا مبهمة، وكذلك حروف الجزاء؛ و (إذا) توصل بالفعل، فالفعل في (إذا) بمنزلته في (حين) كأنك قلت: الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه.
قال ذو الرمة: تصغي إذا شدّها بالرّحل جانحة … حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب 3

جارٍ التحميل