شرح كتاب سيبويهصفحات 72-111

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 72-111

واختصارا، كما قالوا: " كل رجل " يريدون كل الرجال).
قال: وهذا بيّن لأن رجلا شائع في الجنس، والرجال للجنس، فأقاموا " رجلا " مقام الرجال.
قال سيبويه: (كما استخفوا بحذف الألف واللام استخفوا بترك بناء الجمع، واستغنوا عن الألف واللام اللتين في قولهم: خير الرجال وأول الرجال).
وقد تقدم هذا المعنى وشرحه؛ لأنهم يقولون: " خير الرجال " فتكون الألف واللام مع الجمع؛ لأن الذي يستوعب الجنس كله لفظ الجمع، ودخلت الألف واللام لتعريف الجنس، لأن الجمع بلا ألف ولام لا يدل على كل جنس، وإنما يدل على كل جماعة من الجنس، ألا ترى أنه يقال لكل ثلاثة من الرجال: " رجال " فإذا أدخلت الألف واللام تعرف على أحد معنيين: إما أن تدخلا على رجال معهودين، فيتعرفوا بدخولهما، وإما أن يكون دخولهما على حد تعريف الجنس، فإذا قلت: " زيد خير الرجال " فهذا اللفظ على حقه وأصله في الكلام، فإذا أرادوا التخفيف نزعوا الألف واللام، وغيّروا بناء الجمع إلى الواحد؛ لأن الواحد الشائع دال على النوع، مغن عن لفظ جماعة تدل على ذلك، فلم يؤثروا غيره في حال الاختصار والاستخفاف؛ لأنه أخف ألفاظ الجنس، وهو مغن عن غيره، فأما أن تدخل الألف واللام وتجمع، فتعطي الكلام حقه وأصله، وإما أن تختصر وتوجز فتكتفي بالواحد المنكور، فاعرف ذلك إن شاء الله.
قال سيبويه: " ومثل ذلك في ترك الألف واللام وبناء الجمع قولهم: عشرون درهما، وإنما أرادوا عشرين من الدراهم، فاختصروا واستخفوا " قال أبو سعيد: اعلم أن المقادير كلها محتاجة إلى إبانتها بالأنواع؛ لأنها تقع على الأشياء كلها، فإذا قلت: " عندي عشرون " احتمل أن يكون من الدراهم ومن الدنانير والثياب والعبيد، وغير ذلك من الأنواع، فإذا أردت إبانة ذلك لم يكن بدّ من ذكر النوع الدال على المقدار الذي ذكرته، وقد تقدم القول أن النوع حكمه أن يعرّف مجموعا بالألف واللام، فأما جمعه فلأنه واقع على كل واحد من ذلك الجنس، فهو إذا واقع على جماعة، وأما دخول الألف واللام فليتعرّف أنه أريد به الجنس، فيكون معرّفا به، فكان وجه ذلك أن تقول: " عشرون من الدراهم "؛ لأن النون قد فصلت، وليس " العشرون " عاملة في المعارف، فلو قلت ذلك لكنت قد أتيت بالكلام على وجهه وحقيقته، إلا أنه

يجوز فيه التخفيف كما ذكرنا فيما قبله، فإذا خفّف نزعت منه الألف واللام ووحّد، لأن الواحد المنكور شائع في الجنس، وقد مر شرح هذا مستقصى، فلما خففوه بنزع الألف واللام والتوحيد، وكانت العشرون عاملة في النكرات نزعوا " من " أيضا تحقيقا وأعملوا العشرين في درهما.
فإن قال قائل: ولم جاز أن تعمل " العشرون " وما جرى مجراها، وليست بفعل ولا جارية عليه، وإنما هي اسم جامد؟ فالجواب في ذلك أن " العشرين " في الجمع بمنزلة " ضاربين "، فلما كان " ضاربون زيدا " قد تدخل فيه النون فتنصب ما بعده كقولك: " ضاربون زيدا " وتنزع النون فتجر ما بعده كقولك " ضاربو زيد "، وكانت العشرون فيها النون إذا كان ما بعدها جنسا كقولك: " عشرون درهما "، وتنزع النون منها إذا كان ما بعدها مالكا، وما جرى مجراه للإضافة، كقولك: " عشرو زيد "، وكان " ضاربون " مقتضيا للمضروب كما كان " عشرون " مقتضيا للنوع، أشبه العشرون الضاربين، فنصب ما بعده مع النون، وخفض ما بعده مع نزعها.
وسنبين دخول النون على العشرين لم كانت عاملة في نكرة إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " ولم يكن دخول الألف واللام يغير العشرين عن نكرته ". يعني: ولم يكن دخول الألف واللام في الدراهم، إذا قلت: " عشرون من الدراهم "، يغير العشرين عن نكرته، لأنه مفصول منها، فلما كان دخول الألف واللام في الدراهم ليس يؤثر في العشرين معنى يزول بتنكيرها وتوحيدها، وكان نكرته الموحدة دالة على مثل ما دلت عليه الجماعة، استجازوا تخفيفها حين استوى المعنى بالتخفيف في قولك: " عشرون درهما "، والكلام على أصله في قولك: " عشرون من الدراهم " وذلك معنى قوله: " فاستخفوا بترك ما لم يحتج إليه ". قال سيبويه: " ولم تقو هذه الأحرف قوة الصفة المشبهة ". يعني أنها لم تقو أن تعمل إلا في نكرة، والصفة المشبهة تعمل في المعرفة والنكرة، ولأنك تقول: " زيد حسن الوجه "، كما تقول " زيد حسن وجها " ولم تقو أن تجري على الأول، فتقول: " مررت برجل أفضل منك أبوه " كما قويت الصفة المشبهة في قولك: " مررت برجل حسن الوجه أخوه ".

قال سيبويه: " ألا ترى أنك تؤنثها وتذكرها وتجمعها كالفاعل ". وقد مر هذا الاعتلال مستقصى.
قال سيبويه: " وتقول: " مررت برجل حسن الوجه أخوه " كما تقول: " مررت برجل ضارب زيد أبوه ". فإن قال قائل: ما هذا التشبيه، وكيف تقدير هذا الكلام؟ فالجواب في ذلك أنك إذا قلت: " مررت برجل حسن الوجه "، ففي " حسن " ضمير من " رجل " قد نقل إليه من الوجه، كما أنك إذا قلت: " مررت برجل ضارب زيد " ففي " ضارب " ضمير للرجل، إلا أنه غير منقول عن غيره إليه فإذا قلت: " مررت برجل حسن الوجه أخوه " نقلت ذاك الضمير من الوجه إلى الأخ، كما كنت تنقله إليه؛ لأنه من سببه، كما تقول: " مررت برجل ضارب زيد أبوه " فتجعل: " أبوه " مكان الضمير الذي كان في " ضارب " من رجل؛ لأنا قد بيّنا أن الصفة المشبهة تجري مجرى اسم الفاعل.
قال سيبويه: فإن جئت ب " خير منك " أو " عشرين " رفعت، لأنها ملحقة بالأسماء لا تعمل عمل الفعل فلم تقو قوة المشبهة، كما لم تقو المشبهة قوة ما يجري مجرى الفعل.
يعني أنك إذا قلت: " مررت برجل خير منك أبوه " و " برجل عشرون درهما ماله "، لم تجر " خيرا " و " عشرين " على الأول، وترفع ما بعده كما تجري اسم الفاعل على ما قبله وترفع ما بعده به، ولا تقول: " مررت برجل خير منك أبوه " كما تقول: " مررت برجل قائم إليك أبوه ". وقوله: ولم يقو: " خير منك " و " عشرون رجلا " قوة الصفة المشبهة يعني لم يقو أن تقول: " مررت برجل خير منك أبوه " و " عشرين درهما دراهمه " كما تقول: " مررت برجل حسن الوجه أبوه " كما لم تقو الصفة المشبهة قوة اسم الفاعل الجاري على فعله لا تقول: " زيد الوجه حسن " كما تقول: " زيد الرجل ضارب "، وقد بيّنا هذا فيما تقدم.
قال سيبويه: (وتقول: " هو خير رجل في الناس "، و " أفره عبد في الناس "؛ لأن الفاره هو العبد).
يعني أنك إذا قلت: " هو خير رجل في الناس " و " أفره عبد " فأضفت، فقد صار الأول الذي هو " خير " و " أفره " بعض المضاف إليه لأن معناه خير الرجال، وأفره العبيد،

فلا بد من أن يكون هو رجلا من الرجال الذين أضيف إليهم، وهو عبد من العبيد، لما بيّنا من أن الإضافة توجب هذا، فإذا كان كذلك فقد صار هو العبد الفاره، والرجل الفاضل الذي فضل على جنسه.
وحقيقة معنى قوله: " لأن الفاره هو العبد ": أن في " أفره " ضميرا يرتفع بأفره، وذلك الضمير هو الأول، وقد ارتفع بالفراهة، والفراهة له في الحقيقة، ولم تنقل إليه عن غيره، ولا يشبه هذا قولك: " هو أفره منك عبدا " لأن في " أفره " ضميرا من الرجل، يرتفع بأفره كما يرتفع الفاعل بفعله، وليست الفراهة له في الحقيقة وإنما الفراهة للعبد نقلت إليه.
قال سيبويه: " ولم تلق أفره ولا خيرا على غيره ثم تختصّ شيئا " يعني أنك لم تلق أفره ولا خيرا على شيء نقل إليه عن غيره، ثم بيّن من المنقول عنه، كقولك: " زيد أفره منك عبدا " و " خير منك أبا " فالمعنى مختلف.
(وليس هاهنا فصل) يعني: أنك إذا قلت: " هو أفره عبد " لم يكن ثم فصل وهو منك، والفصل يوجب أن الثاني غير الأول كقولك: " زيد أنظف منك ثوبا " فثوبا غير زيد، فمتى جعلت الثاني غير الأول احتجت إلى " من " وإذا جعلت الثاني هو الأول لم تحتج إليها على حد ما بينا.
قال سيبويه: " ولم يلزم إلا ترك التنوين كما أن " عشرين " و " خيرا منك " لم يلزم فيه إلا التنوين ". قال أبو سعيد: يعني أن باب " أفضل رجل وخير رجل " لزم فيه ترك التنوين كما أن " عشرين رجلا " و " خيرا منك أبا " لزم فيه التنوين، وكل واحد منهما قد تقدمت علته.
وليس لزوم التنوين في " عشرين " و " خير منك " هو علة ترك التنوين في " أفضل رجل " و " خير رجل "، ولكن كل واحد منهما يلزم فيه الذي ذكر.
قال سيبويه: " وإنما أثبتوا الألف واللام في قولهم: " أفضل الناس " لأن الأول قد يصير به معرفة ". يعني: أن باب المضاف في: " أفضل " يجوز تعريف الثاني فيه وتنكيره، وإنما جاز ذلك لأنه يجوز تعريف الأول فيه، ألا ترى أنك إذا قلت: " هذا أفضل رجل " فهو نكرة، قد فضل على هذا الجنس وهو منهم، تقول: " مررت برجل أفضل رجل "، وقد يكون هذا

بعينه معرفة بتعريف ما أضيف إليه، فتقول: " مررت بزيد أفضل الناس "، وإنما جاز دخول الألف واللام من قبل أن المضاف يكتسي بالمضاف إليه تخصيصا، فإذا كان كذلك جاز أن تعرّف المضاف إليه، لتزيد المضاف تخصيصا بتعريف المضاف إليه، وإذا كان غير مضاف لم يكن مختصا بمعنى يخصه، فلم يجز دخول الألف واللام على التمييز؛ لأنه لا يغير الأول عن حاله، ولم يكن له معنى، إذا كانت الحاجة إلى واحد منكور شائع في الجنس دال عليه على ما قدمناه.
قال سيبويه: " فأثبتوا الألف واللام وبناء الجميع ولم ينوّن ". يعني أنهم قالوا: " أفضل الرجال " فأثبتوا الألف واللام في الرجال، وجمعوا الرجال، ولم ينونوا " أفضل "، أعني أنهم لم يجعلوه في تقدير التنوين حين أضافوا، كما كان كذلك في حسن الوجه لأن النية فيه " حسن وجهه " فلذلك تعرف " أفضل الرجال " ولم يتعرف " حسن الوجه ". قال سيبويه: " وفرقوا بترك التنوين والنون بين معنيين ". أراد فرقوا بين معنى الإضافة والتمييز.
ونذكر من هذا الباب ما يكون عونا على معرفته وزائدا في إيضاحه، وإن لم يكن تفسيرا لشيء من ألفاظ سيبويه، ومن ذلك أنك إذا قلت: " زيد أفضل منك أبا "، فقد جعلت " أفضل " بمنزلة الفعل، كأنك قلت: " زيد يفضل أبوه على أبيك "، فهذا تستوي تثنيته وجمعه، ولا بد له من " من " ولا تدخله ألف ولام، ولا يضاف، لأنك عبرت به عن معنى الفعل، فأعطيته ما للأفعال، وأدخلت " من " للمعنى الذي ذكرناه من ابتداء التفضيل، فإن أردت أن تنقل هذا التفضيل إلى الذات فتجعله بمنزلة الفاضل أدخلت الألف واللام وأضفت، وثنيت وجمعت وأنثت، وأزلت من وتقديرها، فتقول: " زيد الأفضل أبا والأكرم خالا " " وهما الأفضلان " و " هم الأفضلون والأفاضل "، وجعلت بناء المؤنث على غير بناء المذكر في تفضيل الذات، فقلت: " هند الفضلى " و " الهندان الفضليان " و " الهندات الفضليات " والفضل، كما تقول: " زيد الفاضل " و " هند الفاضلة " إلا أن في الأفضل مبالغة في المدح ليست في الفاضل، قال الله تعالى: بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 1.

ولا يصلح أن تقول: الأفضل منك أبا، لأن منك إنما تدخل إذا كان " أفضل " في معنى الفعل: لابتداء الغاية التي منها ابتداء الفضل فإذا نقلت إلى الذات بطل ذلك المعنى، وصار " الأفضل " بمعنى الفاضل، فكما لا يجوز أن تقول: " الفاضل منك " لم يجز أن تقول: " الأفضل منك ". وقال الزجاج: فرقهم بالنون قولهم في التثنية " الأفضلان " والجمع " الأفضلون " مثل: بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا فهذه النون فاصلة لأنها جعلت الآخر غير الأول.
قال سيبويه: (وقد جاء من الفعل ما أنفذ إلى مفعول، ولم يقو قوة غيره، مما تعدى إلى مفعول، وذلك قولك: امتلأت ماء، وتفقأت شحما).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب مثل ما تقدم من نقل الفعل عن الثاني إلى الأول وذلك أن قولك: امتلأت ماء، معناه امتلأ مائي، وتفقأت شحما، أي تفقأ شحمي، ومثله: " تصببت عرقا " واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً 1 وإنما هو تصبب عرقي، واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الثاني إلى الأول، ونزع عن الثاني، فارتفع الأول بالفعل المنقول إليه، فصار فاعلا في اللفظ، فمنع الفعل أن يعمل في فاعله على الحقيقة فيرفعه؛ لأنه لا يرتفع به أكثر من واحد وتوابعه، وانتصب المنقول عنه الفعل؛ لأن الفعل لا تصح إضافته إليه فينخفض به ولا يرتفع به وقد ارتفع به غيره، ولم يبق إلا النصب فنصب.
فإن قال قائل: فلم نكّر ولم تدخل عليه الألف واللام كما فعل ذلك في الوجه من قولك: حسن الوجه؟ فإن الجواب في ذلك أن " تفقأت شحما " وبابه وإن كان قد شابه " حسن الوجه " من جهة، فقد فارقه من غيرها، وذلك أن " حسن الوجه " انتقل الفعل عنه إلى اسم الفاعل، وصار المنقول عنه بمنزلة المفعول، والمنقول إليه بمنزلة اسم الفاعل الذي يضاف مرة وينون أخرى فيعمل، ولا يكتفي " الحسن " بنفسه، إذا أردت به حسن الوجه.
و" تفقأت " قد يكتفي بنفسه، فيقال: " تفقأت " ويسكت عليه، غير أن التفقؤ يكون من أشياء، فصار " تفقأت " بمنزلة " عشرين " لأنك تتفقأ من أشياء كثيرة، كما أن " العشرين " تكون من أشياء كثيرة، فلما كان إبانة " العشرين " بنكرة الجنس على طريق التمييز، وجب أن تكون إبانة التفقؤ بنكرة على طريق التمييز؛ ولا يجوز إدخال الألف

واللام، ولا التقديم ولا الإضمار في ذلك عند سيبويه، لا يجوز أن تقول: " شحما تفقأت " ولا " عرقا تصببت "، ولا " تصببت العرق " ولا " عرق تصببته "، كما لم يجز في " العشرين " وما مر من أبواب التمييز شيء من ذلك.
وزعم المازني وأبو العباس المبرد أنه يجوز تقديم التمييز في هذا الباب، فتقول: " عرقا تصببت "، و " نفسا طبت "، و " شحما تفقأت "، واحتجوا لذلك بأن قالوا: العامل في التمييز شيئان: أحدهما اسم جامد، والآخر فعل متصرف، فالاسم الجامد نحو " العشرين درهما " و " أفضل منك أبا " وهذا الضرب لا يجوز تقديم التمييز فيه على الاسم المميز، والضرب الثاني وهو ما كان العامل فيه متصرفا، وذلك " تفقأت شحما ". قالوا: هذان الضربان في التمييز يشبهان الحال، وذلك أن العامل في الحال على ضربين: فعل متصرف، وشيء في معنى فعل غير متصرف، فما كان فعلا متصرفا جاز التقديم فيه والتأخير، كقولك: " قام زيد ضاحكا "، و " ضاحكا قام زيد "، وما كان العامل فيه معنى الفعل، لم يجز تقديم الحال عليه، وذلك قولك: " هذا زيد قائما " و " خلفك زيد قائما " ولا يجوز: " قائما هذا زيد "، و " قائما خلفك زيد "، واحتجوا في ذلك أيضا ببيت أنشدوه، وهو قول الشاعر: أتهجر سلمى للفراق حبيبها … وما كان نفسا بالفراق يطيب 1 أراد: وما كان يطيب نفسا بالفراق.
وكأن الحجة لسيبويه في ذلك أن هذه الأشياء المنصوبة قد كانت فاعلة نقل عنها الفعل، فجعل الأول في اللفظ، ولو نصبناها وقدمناها لأوقعناها موقعا لا يقع فيه الفاعل؛ لأن الفاعل متى تقدم الفعل لم يرتفع به، وكذلك إذا قدمناه لم يصح أن يكون في تقدير فاعل نقل عنه الفعل، إذ كان هذا موضعا لا يقع فيه الفاعل، ووجه ثان وهو أن هذا الباب لا يعمل إلا في نكرة، فهو أضعف من باب الصفة المشبهة باسم الفاعل فلما كانت الصفة المشبهة باسم الفاعل لا يجوز تقديم ما عملت فيه عليها كان هذا أحرى بالامتناع من ذلك.

فإن قال قائل: فإن هذا الباب قد يعمل في المعارف كما يعمل في النكرات، وذلك قولك: " سفه زيد نفسه "، و " غبن رأيه " و " وجع ظهره "، قال الله عز وجل: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 1، وقال بعض الشعراء: أيجع ظهري وألوي أبهري … وما الصحيح ظهره كالأدبر 2 قيل له هذه أحرف شاذة حملت على معانيها، فإذا قال: " سفه نفسه " فكأنه قال: " سفّه نفسه "، وتأويل آخر وهو أن تجعله سفه في نفسه، فحذف الخافض وأوصل الفعل، وكذلك " غبن رأيه " على معنى جهل رأيه، وإن شئت على التأويل الآخر، وهو " غبن في رأيه "، و " وجع في ظهره " معناه وجع من ظهره فإن شئت وجع من ظهره وإن شئت على معنى وجع ظهرا على التأويلين اللذين مرّا وإذا شذ الشيء في باب لم يجعل أصلا يقاس عليه.
وأما البيت الذي أنشدوه: أتهجر ليلى بالفراق حبيبها … وما كان نفسا بالفراق يطيب 3 فإن الرواية عند كثير من أصحابنا: " وما كان نفس بالفراق تطيب ". وإذا كان كذلك فلا حجة فيه وربما اضطر الشاعر فأدخل الألف واللام في هذا الباب، وهو يريد طرحهما.
قال الشاعر: رأيتك لمّا عرفت جلادنا رضيت … وطبت النفس يا بكر عن عمرو 4 أراد وطبت نفسا، غير أنه أدخل عليها الألف واللام لمّا علم أنه يريد نفسا بعينها، وهي نفس المخاطب، ومثله: " فأرسلها العراك " ونحوه 5

وقوله: " وقد جاء من الفعل ما قد أنفذ إلى مفعول " أراد " تفقأت وامتلأت " ونحوهما لأنهما أفعال قد أنفذت إلى ما بعدها من التمييز، وهو " شحما وماء وعرقا "، وأشباه ذلك.
ومعنى " أنفذ " أي أعمل فيه.
" ولم يقو قوّة غيره مما تعدى إلى مفعول " يعني: ولم يقو قوة " ضربت زيدا " الذي قد تعدى إلى مفعول؛ لأن " ضربت " ونحوه يتعدى إلى المعارف والنكرات، وتقدّم مفعولاتها وتؤخر، وليس ذلك في: " تفقأت شحما " وبابه.
قال سيبويه: " ولا تقول: امتلأته ولا تفقأته، ولا يعمل في غيره من المعارف ". قال أبو سعيد: وإنما لم يجز أن تقول: تفقأته؛ لأن الضمير معرفة، وقد قدمنا أنه لا يعمل في الضمائر ولا في غيرها من المعارف، وهي ما فيه الألف واللام، أو كان مضافا إلى معرفة.
قال سيبويه: " ولا يقدّم المفعول فيه فتقول: ماء امتلأت " وقد تقدم تفسير هذا، وما فيه من الاختلاف، ثم قال سيبويه مشيرا إلى: " تفقأت شحما "، و " تصببت عرقا ": " وذلك لأنه فعل لا يتعدى إلى مفعول وإنما هو بمنزلة الانفعال " قال أبو سعيد: اعلم أن في أوزان الأفعال ما يكون متعديا وغير متعدّ، ومنه ما لا يكون متعديا ألبتّة، على معان مختلفة، فمن ذلك أن " فعلت " يتعدى كل ما كان على وزنه، وفعلت لا يتعدى ما كان على وزنه، " وانفعلت " غير متعدّ أيضا نحو انطلق وانقطع وإنما لم يتعدّ لأنه وضع في أصله لقبول المفعول تأثير الفاعل، كقولك: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع، وجررته فانجر ونحو ذلك.
وربما استعمل للفاعل المبتدئ بالفعل الذي لا يتعداه، كقولهم: " انطلق زيد " كما تقول: " ذهب وعدا "، ولم يجئ متعدّيا في شيء من كلامهم؛ إذ كان الأصل ما ذكرناه، وقد يكون من الأمثلة ما يكون مجراه مجرى الانفعال في حال، ومجرى غيره في أخرى، = ديوان لبيد 86، الخزانة 1/ 524، ابن يعيش 2/ 62، 4/ 55.

وذلك نحو: " تفعّل وافتعل "، وتقول: كسّرته فتكسّر، وقطّعته فتقطّع، وفقّأته فتفقّأ، وصبّبته فتصبب.
وقد يجيء على غير ذلك تقول: تجبر الرجل وتكبر وليس على قولك: جبرته فتجبر و " تجرّيت الشيء "، و " تعلقت الرجل " على غير معنى الانفعال؛ إذا كان متعديا، وكذلك " افتعل " نحو شغلته فاشتغل، وغررته فاغترّ، فهذا مثل الانفعال، وقد تقول: " ارتبطته واشتريته "، كما تقول: ربطته وشربته على غير الانفعال ونحو ذلك.
فلما كان هذان المثالان قد يجريان مجرى الانفعال أو غيره، وكان الانفعال لازما لموضعه، غير متعدّ بحال كان قوله: " تفقأت " هو مطاوعة " فقأت " و " امتلأت " مطاوعة " ملأت "، وقد بينّا أن المطاوعة إنما هي قبول فعل الفاعل كالانفعال الذي بينّاه.
اعلم أن " تفقأت " و " امتلأت " اللذين ذكرهما لا معنى لتعديهما؛ إذ كانا بمنزلة الانفعال في هذا الموضع، فلا يجوز أن يتعديا، كما لا يتعدى " انفعل " الذي هو مثل " انكسر " " واندفع " من كسرته ودفعته.
فإن قال قائل: فلم زعمتم أنهما مثلان في هذا الباب؟ فالجواب في ذلك: أنك تقول: " ملأته فامتلأ " و " فقأته فتفقأ "، كما تقول: " كسرته فانكسر، ودفعته فاندفع " فهذا حجة فساد تعدّي هذه الأفعال؛ إذ كانت على ما وصفنا مع ما تقدم من الاعتلال لذلك.
قال سيبويه: " ومثله: دحرجته فتدحرج ". يعني: مثله في فعل المطاوعة، فيكون " دحرجته " مثل " ملأته "، و " تدحرج " مثل " امتلأ "، ولا يتعدى إذ كان معناه الانفعال.
قال سيبويه: " وإنما أصله امتلأت من الماء، وتفقأت من الشحم، فحذف هذا استخفافا ". يعني: أن قوله: امتلأت ماء، وتفقأت شحما، إنما هو امتلأت من الماء، وتفقأت من الشحم، والماء والشحم هاهنا جنسان بمنزلة عشرين من الدراهم، فإذا حذفت " من " نقلت الجنس إلى واحد منكور شائع فيه، فقلت: امتلأت ماء وتفقأت شحما كما قلت: " عشرون درهما "، وتفسيره تفسير العشرين.
قال سيبويه: " وكان الفعل أجدر أن يتعدى؛ إذا كان عشرون ونحوه يتعدى وهو في أنهم قد ضعفوه مثله ".

قال أبو سعيد: يعني أن " امتلأت وتفقأت " وبابه أولى بالعمل في المنكور الذي بعده؛ إذ كانوا قد عدوا العشرين إلى المنكور المميز له وهو جامد فإذا كانوا قد عدوه للعلة التي ذكرناها من شبهه باسم الفاعل، كان ما هو فعل على الحقيقة أولى بالتعدي، وأحق بالعمل والنفوذ، غير أنهم قد ضعّفوا هذا الفعل للعلة التي ذكرناها آنفا، حتى منعوه التعدي إلى غير المنكور، فلما حل هذا المحل صار بمنزلة " العشرين ". قال سيبويه: " وتقول: هو أشجع الناس رجلا، وهما خير الناس اثنين ". قال أبو سعيد: إذا قلت: " هو أشجع الناس رجلا وهما خير الناس اثنين " فمعناه هو أشجع الناس إذا صنفوا رجلا رجلا، وهما خير الناس إذا صنفوا اثنين اثنين، ولا يصح في هذا أن تقول: " هو أشجع الناس رجالا "؛ لانقلاب المعنى؛ لأنك إذا قلت: " هو أشجع الناس رجالا " كان بمنزلة قولك: " هو أفره الناس عبيدا، ومعناه عبيده أفره من عبيد غيره، وإنما أردت بقولك: " هو أشجع الناس رجلا " ما أردت بقولك: " حسبك به رجلا "، على التمييز، والشجاعة له غير منقولة إليه عن غيره.
وإن أردت بقولك: " هو أشجع الناس رجلا " ما أردته بقولك: " هو أشجع الناس رجالا " جاز، كما يجوز: " هو أفره الناس عبيدا وعبدا، وإنما تقول هذا إذا أردت أن قبيلته ورجاله أشجع من رجال غيره، كما تقول: " هو أشجع الناس قبيلة ". وإن أدخلت " من " في الوجه الأول جاز أن تقول: " هو أشجع الناس من رجل " كما تقول: " حسبك بزيد من رجل " فإن أردت به: " هو أشجع الناس رجالا " كما تقول: " هو أفره الناس عبيدا " لم يصلح أن تقول: " هو أشجع الناس من رجل " كما لا تقول: " هو أفره الناس من عبد "، وقد جعلت " هو " للمولى.
وإنما انتصب " رجلا " و " اثنين " في هذين الموضعين، لأن المضاف إليه قد صار بمنزلة التنوين، وهو المجرور الذي قاله سيبويه، فانتصب ما بعده؛ لأنه يصير بمنزلة اسم منون كقولك: " خير منك أبا " و " أحسن منك وجها ". قال سيبويه: " والمجرور هاهنا بمنزلة التنوين، وانتصب الرجل والاثنان كما انتصب الوجه في قولك: هو أحسن منك وجها ". وإنما انتصب " وجها "؛ لأن " منه " قد منعت " أحسن " من الإضافة إلى " الوجه " فامتنع الجر في " الوجه " وصارت منه بمنزلة النون في " عشرين " التي تمنع إضافة

" العشرين " ما كانت موجودة، وكذلك " منه " إذا كانت موجودة أو مقدرة، امتنع " أحسن " من الإضافة إلى " وجه " وانتصب " وجها " على ما ينتصب عليه " درهما " بعد " عشرين " وصار " الناس " في قولك: " أشجع الناس وخير الناس " بمنزلة " منه " في " أحسن منه وجها " وبمنزلة النون في عشرين، فمنع إضافة: " أشجع " إلى " رجل " و " خير " إلى " اثنين " فانتصب " رجلا " و " اثنين "، كما انتصب " وجها " و " درهما " في " أحسن منه وجها "، و " عشرين درهما ". قال سيبويه: " ولا يكون إلا نكرة كما لم يكن ثم إلا نكرة ". يعني لا يكون " أشجع الناس رجلا " إلا نكرة، ولا تقول: " هو أشجع الناس الرجل " كما لم تقل: " هو أحسن منه الوجه " ولا يكون " وجها " في " أحسن منه وجها " إلا نكرة، وقد بينا تفسير ذلك فيما مضى.
قال سيبويه: " والرجل هو الاسم المبتدأ " يعني أن قولك: " هو أشجع الناس رجلا " على غير قولك هو أشجع الناس أبا؛ لأن قولك: " هو أشجع الناس أبا " ليست الشجاعة في الحقيقة للأول، وإنما هي لأبيه منقولة إليه لفظا، وأبوه غيره، وفي: " أشجع الناس رجلا " ليست الشجاعة منقولة إليه عن غيره، بل هو الرجل الشجاع فهو كقولك: " حسبك بزيد رجلا " و " أكرم به فارسا ". قال: يعني في المسألة التي ذكرها " هو أشجع الناس " كما تقول: " حسبك بزيد رجلا " و " أكرم بزيد رجلا " وهو الممدوح بهذا والمتعجب منه، ولم يرد " هو أشجع الناس رجلا " على حد قولك: " هو أفره الناس عبدا " إذا كان هو للمولى، وقد ذكرنا سائر الوجوه فيه، فاعرف ذلك إن شاء الله.
وقال أبو الحسن: 1 هو جميع الرجال؛ لأنك إنما أردت من الرجال، فكان " رجل " إنما يدل على هذا المعنى، وكذلك " اثنان " هما كل اثنين؛ لأنك إنما أردت هما خير الناس إذا صنفوا اثنين اثنين.
والاثنان كذلك إنما معناه هو خير رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس، وإن شئت لم تجعله الأول، فتقول: " هو أكثر الناس مالا ".

قال أبو سعيد: والذي قاله أبو الحسن تفسير، وقد دخل فيما قلناه.
أما قوله: " لأنك أردت من الرجال ". فمعنى ذلك أنك إذا قلت: " هو أشجع الناس رجلا " فهو بمنزلة قولك: " هو أشجع الناس من الرجال "، ثم تنزع " من " وتوحّد الرجال، وتنكّر الواحد على ما ذكرناه؛ ليدل على الجنس، فتقول: " هو أشجع الناس رجلا " كما أنك إذا قلت: " عندي عشرون درهما " فمعناه من الدراهم وجئت بنكرة من جنس الدراهم، وحذفت من لتدل على الجنس، وقد مر نحو هذا فيما تقدم.

قول سيبويه في جريان هذا المجرى أسماء العدد

قال سيبويه: " ومما أجري هذا المجرى أسماء العدد، تقول فيما كان لأدنى العدد بالإضافة إلى ما يبنى لجمع أدنى العدد إلى أدنى العقود ". قال أبو سعيد: اعلم أن أدنى العدد الذي يضاف إلى أدنى الجموع، ما كان من ثلاثة إلى عشرة، نحو ثلاثة وأربعة وخمسة وعشرة.
وأدنى الجموع على أربعة أمثلة، وهو أفعل وأفعال وأفعلة وفعلة، " فأفعل " نحو: " ثلاثة أكلب وأربعة أفلس "، وأفعال نحو: " خمسة أجداع وسبعة أجمال "، وأفعلة نحو: " ثلاثة أحمرة وتسعة أغربة، وفعلة نحو: " عشرة غلمة وخمس نسوة ". وأدنى العدد يضاف إلى أدنى الجموع، وإنما أضيف من قبل أن أدنى العدد بعض الجمع، لأن الجمع أكثر منه فأضيف إليه، كما يضاف البعض إلى الكل، كقولك: " خاتم حديد " و " ثوب خزّ " لأن الحديد والخز جنسان، والثوب والخاتم بعضهما.
فإن قال قائل: وكيف صارت إضافة أدنى العدد إلى أدنى الجمع أولى من إضافته إلى الجمع الكثير؟ قيل له: من قبل أن العدد عددان: عدد قليل وعدد كثير، فالقليل ما ذكرناه من الثلاثة إلى العشرة، والكثير ما جاوز ذلك، والجمع جمعان: جمع قليل، وهو ما ذكرنا من هذه الأبنية الأربعة التي قدمنا، وجمع كثير، وهو سائر أبنية الجمع، فاختاروا لإضافة أدنى العدد إليه أدنى الجمع؛ للمشاكلة والمطابقة، وقد يضاف إلى الجمع الكثير، كقولهم: " ثلاثة كلاب "، و " ثلاثة قروء " لأن الجمع الكثير والقليل قد يضاف إلى جنسه؛ فعلى هذا إضافتهم العدد القليل إلى الجمع الكثير، ولهذا قال الخليل: إنهم إذا قالوا: " ثلاثة كلاب " فكأنهم قالوا: ثلاثة من الكلاب، فحذفوا وأضافوا استخفافا.
وينزعون الهاء من الثلاثة إلى العشرة في المؤنث، ويثبتونها في المذكر، كقولهم:

" ثلاث نسوة " و " عشر نسوة " و " ثلاثة رجال " و " عشرة رجال " فإن قال قائل: لم أثبتوا الهاء في المذكر ونزعوها من المؤنث؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما: أن الثلاث من المؤنث إلى العشر مؤنثات الصيغة، فالثلاث مثل: " عناق "، وأربع مثل: " عقرب " وكذلك إلى العشرة، قد صيغت ألفاظا للتأنيث، مثل عناق، وأتان، وعقرب، وقدر، وفهر، ويد، ورجل، وأشباه لذلك كثيرة، فصيغت هذه الألفاظ للتأنيث، فصارت بمنزلة ما فيه علامة التأنيث، وغير جائز أن تدخل هاء التأنيث على مؤنث تأنيثه بعلامة أو غيرها، وهذا القول يوجب أنه متى سمي رجل بثلاث لم تصرفه في المعرفة؛ لأنها قد صار محلها محل عناق، إذا سمي بها رجل.
وأما الثلاثة إلى العشرة في المذكر، فإنما دخلت الهاء فيها لتأنيث الجماعة ولو سمي رجل بثلاث من قولك: " ثلاثة " لانصرف في المعرفة والنكرة؛ لأنه يصير محلها: محل " سحابة " و " سحاب "، وإذا سمي رجل بسحاب انصرف في المعرفة والنكرة.
والقول الثاني: أنه فصل بين المذكر والمؤنث بالهاء، ونزعها يدل على تأنيث الواحد وتذكيره.
فإن قال قائل: فهلا أدخلوا الهاء في المؤنث، ونزعوها من المذكر؟ فالجواب أن المذكر أخف في واحده من المؤنث، فثقل جمعه بالهاء وخفف جمع المؤنث؛ ليعتدلا في الثقل.
وفي الفرق بينهما وجه آخر، قاله بعض البصريين، وهو أنه قد تلحق الهاء في جمع المذكر في الموضع الذي تسقط فيه من المؤنث، كقولهم: " عناق " و " ثلاث أعنق "، و " عقاب " و " ثلاث أعقب " ثم قالوا: غراب، و " ثلاثة أغربة "؛ لأن العقاب مؤنث، والغراب مذكر.
وقد فرق بينهما بعض الناس بمثل هذا المعنى من غير هذا الطريق، فقال: لما قالت العرب: قرد وقردة، وقردة وقرد حملوا " الثلاث " إلى " العشر " على ذلك، فأثبتوا فيما واحده مذكر الهاء، كما أثبتوا الهاء في " قردة " حين كان واحدها مذكرا فاعرفه إن شاء الله تعالى.
واعلم أن " الثلاثة " إلى " العشرة " من حكمها أن تضاف إلا أن يضطر الشاعر، فينون وينصب ما بعدها، فيقول: " ثلاثة أثوابا " ونحو ذلك، والوجه ما ذكرناه من

الإضافة.
وإنما كان ذلك الوجه؛ لما قدمنا ذكره؛ لأنه بمنزلة إضافة الشيء إلى النوع الذي هو منه، كقولنا: " ثوب خزّ " و " خاتم حديد " وكذلك أضيف: " مائة ثوب " و " ألف ثوب " ومع ذلك فإن الإضافة في اللفظ أخف.
وتعرّف " ثلاثة " بإدخال الألف واللام على ما بعدها، فتقول: " ثلاثة الأبواب " و " خمسة الأشبار "، قال ذو الرمة: وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى … ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع وقال آخر: وما زال مذ عقدت يداه إزاره … فدنا فأدرك خمسة الأشبار 1 فإن قال قائل: فلم قالوا: " ثلاثة أثواب " و " عشر نسوة "، ولم يقولوا: " واحد أثواب، واثنتا نسوة ". فالجواب في ذلك: أن الواحد والاثنين يكون لهما لفظ يدل على المقدار والنوع، فيستغنى بذلك اللفظ عن ذكر المقدار الذي يضاف إلى النوع، كقولك: " ثوب " و " امرأتان " فدل: " ثوب " على الواحد من هذا الجنس، ودلت " امرأتان " على ثنتين من هذا الجنس، فاستغنى بذلك عن قولك " واحد أثواب " و " اثنتا نسوة " وقد جاء في الشعر، قال الراجز: كأنّ خصييه من التّدلدل … ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل 2 أراد حنظلتان، فأضاف " ثنتا " إلى نوع الحنظل.
وأما ثلاثة إلى العشرة، فليس فيه لفظ يدل على النوع والمقدار جميعا، فأضيف المقدار الذي هو الثلاثة إلى النوع وهو ما بعدها.
فإن سأل سائل، فقال: ما معنى قول سيبويه: " ومما أجري هذا المجرى " وإلى ماذا أشار بهذا؟ وكيف جريه مجراه؟ فالجواب في ذلك: أن الفصل الذي قبل هذا، وهو قولك: " زيد أشجع رجل "

و " أشجع الناس رجلا " قد يكون فيه منصوب ومخفوض على معنيين مختلفين، ومعنيين متفقين، فجرى باب العدد مجرى: " أشجع الناس رجلا " و " أشجع رجل في الناس " في معنى اجتماع الجر والنصب فيه؛ لأنك تقول في باب العدد: " ثلاثة أثواب "، و " عشرون درهما " و " مائة درهم " فيكون بعضه منصوبا؛ وبعضه مخفوضا؛ على ما توجبه العلل التي نفسرها، إن شاء الله تعالى، على ما كان في الفصل قبل هذا.
قال سيبويه: " وتدخل في المضاف إليه الألف واللام لأنه به يكون الأول معرفة، وذلك قولك: " ثلاثة أثواب " و " أربعة أثواب " و " أربعة أنفس "، وكذلك تقول فيما بينك وبين العشرة، وإذا أدخلت الألف واللام قلت: " خمسة الأثواب وستة الأجمال " وقد مر تفسيره.
قال سيبويه: " فلا يكون هذا أبدا إلا غير منون يلزمه أمر واحد لما ذكرت لك ". يعني أنه لا بد في الثلاثة وما بعدها إلى العشرة من الإضافة، وترك التنوين، وقد أبنّا ذلك، وأنه غير مستقيم في الكلام التنوين والتقدير: إلا أن يضطرّ شاعر إليه.
قال سيبويه: فإذا زدت على العشرة شيئا من أسماء أدنى العدد، فإنه يجعل مع الأول اسما واحدا استخفافا، ويكون في موضع اسم منون، وذلك قولك: " أحد عشر درهما، واثنا عشر درهما وإحدى عشرة جارية ". قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا جاوزت العشرة بنيت النّيّف والعشرة إلى تسعة عشر فجعلتهما اسما واحدا، كقولك: " أحد عشر " و " تسعة عشر "، وفتحت الاسم الأول والأخير، والذي أوجب بناءهما جميعا أن معناه " أحد وعشرة " و " تسعة وعشرة "، فنزعت الواو وهي مقدرة، والعدد متضمن لمعناها فبنيا؛ لتضمنهما معنى الواو، وجعلا كاسم واحد.
واختير الفتح لهما؛ لأن الثاني حين ضم إلى الأول صار بمنزلة هاء التأنيث التي يفتح ما قبلها، وفتح الثاني؛ لأن الفتح أخفّ الحركات، ولا يكون إلا مثل الأول؛ لأنهما اسمان جعلا اسما واحدا، فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية، فجريا مجرى واحدا في الفتح، وقد قلنا: إن الذي أوجب فتح الأول هو ضم الثاني إليه، وأجري الثاني مجراه؛ لأنه ليس أحدهما أولى بشيء من الحركات من الآخر، وانتصب ما بعدهما من قبل أن فيهما تقدير التنوين، ولا يصح إلا كذلك.

والدليل على أنه لا يصح كذلك أن تقديره: " خمسة " و " عشرة "، فالخمسة ليس بعدها شيء أضيفت إليه، فوجب أن تكون منونة، والعشرة محلها محل الخمسة، فكانت منونة مثلها.
وأيضا فإنا لم نر شيئين جعلا اسما واحدا وهما مضافان، أو أحدهما مضاف، فوجب نصب ما بعدهما للتنوين المقدر فيهما، وإنما جاز نزع الواو، وجعل الاسمين اسما في العدد؛ لأن حكم العدد أن يكون لكل شيء منه لفظ يدل عليه؛ كقولك: ثلاثة وسبعة، وألف، ولو جعلت مكان سبعة " ثلاثة " و " أربعة "، ومكان الألف " مائة " و " تسعمائة " لدل على الألف، ولكن الوجه أن يدل اللفظ جملة على العدد المقصود؛ ولذلك جعلا كاسم واحد؛ لأن ذلك هو الباب وجعل ما بعدهما واحدا منكورا.
أما جعلنا له واحدا؛ فلأنهما قد دلا على مقدار العدد، وبقي الدلالة على النوع، فكان الواحد منه كافيا؛ إذ كان ما قبله قد دل على المقدار والعدد.
وأما جعلنا له منكورا فلأن النكرة شائعة في جنسها، وليست ببعض الجنس أولى منه ببعض، فكانت أشكل بالمعنى الذي أردت له من الدلالة على الجنس، وأدخل فيه من غيرها، فبيّن بها النوع الذي احتيج إلى تبيينه، وذلك قولك: " أحد عشر رجلا " و " خمس عشرة امرأة ". أما المذكر فإنك تقول: " أحد عشر رجلا واثنا عشر رجلا وثلاثة عشر رجلا إلى " تسعة عشر رجلا " فأما " أحد " فالهمزة فيه منقلبة من الواو وإنما هو من " وحد "، و " واحد " فاعل منه، وتصرّفه فتقول: " توحّد " كما تقول: " توكّل "، وقلما تبدل الهمزة من الواو المفتوحة، وإنما سمع في هذا الحرف الواحد، وفي قولهم: " امرأة أناة " في معنى: وناة، إذا كانت ساكنة رزانا، وقالوا " أخذ " فزعم بعضهم أن الأصل: " وخذ "، ولذلك قالوا: " اتخذ " كما قالوا " اتعد " ولو كان الأصل من الهمزة لقالوا: " ايتخذ " كما قالوا: " ايتمن " و " ايتسى " من الأمانة والأسوة.
وكان " اتخذ " من " وخذ " كما قيل في " وعد ": " اتعد ". وقد ذكرنا الكلام على " اتخذ " في باب الإدغام مستقصى، وسنقف عليه إن شاء الله تعالى.
فإن قال قائل: فإذا زعمتم أن النيّف مبنيّ مع العشرة، فلم قلتم في حال الرفع: " اثنا عشر "، وفي حال النصب والجر " اثني عشر "، والمبني لا يتغير؟ فالجواب في ذلك: أن قولنا: " اثنان " إعرابه قبل آخره؛ فإذا أضفناه جعلناه مع غيره اسما واحدا، وحل ذلك

الاسم الذي تضيفه إليه، أو تجعله معه اسما واحدا محلّ النون، فجرى التغيير على الألف مع الاسم الذي بني معه، كما جرى التغيير عليها مع النون، ويكون ذلك الاسم على حاله، كما كانت النون على حالها.
وعلة أخرى أنّ " الاثنين " لا يبنى في الموضع الذي يكون الواحد والجمع فيه مبنيّا، وهو " الذي " و " الذين " مبنيان، و " اللذان " معرب، وكذلك الواحد والجماعة من النيف مبني، والاثنان معرب، وثبتت الهاء في: " ثلاثة " إلى: " تسعة " في المذكر إذا كان نيفا، كما أثبتّها في: " ثلاثة " إلى " تسعة " في الآحاد، ونزعتها من العشرة؛ كراهية أن يجمعوا بين تأنيثين من جنس واحد؛ ولأن كونها في أحدهما دلالة على الآخر، إذا كانا بالجملة واحدة.
فإن قال قائل فقد قالوا: " إحدى عشرة "، وهذه الألف للتأنيث والهاء للتأنيث.
قيل له: إذا كان التأنيث بالألف لم يمتنع دخول التاء عليها؛ لأن الألف للتأنيث بمنزلة شيء من نفس الحرف، كقولهم: " حبلى " و " حبليات "، فلا تسقط ألف التأنيث، وإذا قالوا: " مسلمة " فجمعوا، قالوا: " مسلمات " فأسقطوا التاء مع التاء، ولم يسقطوها مع الألف، وكذلك يسقطونها مع " ثلاثة " من العشرة، ولا يسقطونها من عشرة مع إحدى.
وأما " ثنتا عشرة " ففيها لغتان: ثنتا عشرة واثنتا عشرة، فالذي قال " اثنتا عشرة " بناه على المذكر فقال للمذكر: " اثنان "، وللمؤنث " اثنتان "، كما يقول: " ابنان " و " ابنتان " والذي يقول: ثنتان بنى " ثنت " على مثال: " جذع "، كما قالوا: " بنت " فألحقها بجذع، ثم قال: ثنتان، كما تقول: " بنتان "، ولم تدخل هذه التاء على تقدير أن يكون ما قبلها مذكرا؛ لأنها لو دخلت على سبيل ذلك، لأوجبت فتح ما قبلها.
والكلام في تغيير الألف في: " ثنتان واثنتان " إذا قلت: " ثنتا عشرة " و " ثنتي عشرة " مثل الكلام في: " اثني عشر " وأما " ثماني عشرة " فإن أكثر العرب يقولون: " ثماني عشرة " كما يقولون: " ثلاث عشرة "، " وأربع عشرة "، ومنهم من يسكّن الياء.
فيقول: " ثماني عشرة ". قال الشاعر: صادف من بلائه وشقوته … بنت ثماني عشرة من حجته 1 وإنما أسكن الياء كما أسكن في: " معديكرب " و " قالي قلا " و " أيادي سبا "؛ لأن

الياء أثقل من غيرها، وغيرها من الصحيح إنما يفتح إذا جعل مع غيره اسما واحدا، فسكنت الياء؛ إذ لم يبق بعد الفتح إلا التسكين.
وسنذكر هذا في موضعه بأتم من هذا الكلام إن شاء الله تعالى.
وفي " عشرة " لغتان: إذا قلت: " ثلاث عشرة " فأما بنو تميم فيفتحون العين ويكسرون الشين، ويجعلونها بمنزلة كلمة، وأما أهل الحجاز فإنهم يفتحون العين ويسكّنون الشين فيجعلونها مثل " ضربة " وهذا عكس لغة أهل الحجاز وبني تميم، لأن أهل الحجاز في غير هذا يشبعون عامّة الكلام، وبنو تميم يخففون.
فإن قال قائل فلم قالوا: " عشرة " فكسروا الشّين؟ قيل له: من قبل أن عشر التي في قولك: " عشر نسوة " مؤنثة الصيغة، فلم يصحّ دخول الهاء عليها، فاختاروا لفظة أخرى يصح دخول الهاء عليها، وخفف أهل الحجاز ذلك، كما يقال: " فخذ وفخذ " " وعلم وعلم " ونحو ذلك.
قال سيبويه: " فعلى هذا يجرى من الواحد إلى التسعة ". قال: يعني من: " أحد عشر " إلى " تسعة عشر ". قال سيبويه: فإذا ضاعفت أدنى العقود كان له اسم من لفظه، ولا يثنى العقد، ويجري ذلك الاسم مجرى الواحد الذي لحقته الزوائد للتثنية، ويكون حرف الإعراب الواو والياء، وبعدهما النون.
قال أبو سعيد: اعلم أنهم إذا جاوزوا: " تسعة عشر " صاغوا لفظا للمؤنث والمذكر على صيغة واحدة، وألحقوا آخرها واوا ونونا في الرفع، وياء ونونا في الجر والنصب، وفسروه بواحد منكور من الجنس منصوب، وذلك قولهم: " عشرون درهما ". فإن قال قائل: ما هذه الكسرة التي لحقت أول: " العشرين " وهلا جرت على " عشرة " فيقال: " عشرون " أو على: " عشر " فيقال: عشرون؟ فإن الجواب في ذلك أن " عشرين " لما كانت واقعة على الذكر والأنثى كسروا أولها؛ للدلالة على التأنيث، وجمع بالواو والنون؛ للدلالة على التذكير، فتكون آخذة من كل منهما بتأثير.
فإن قال قائل: فقد كان ينبغي على هذا القياس أن يجعلوا هاتين العلامتين في الثلاثين إلى التسعين.

قيل له: قد يجوّز له أن تكون الثلاث التي في الثلاثين هي الثلاث التي للمؤنث، وتكون الواو والنون لوقوعه على التذكير، فيكون قد جمع للثلاثين لفظ التأنيث والتذكير، فيكون على قياس العلة الأولى مطردا.
ويجوز أن يكون قد اكتفوا بالدلالة في: " العشرين " عن الدلالة في غيره من الثلاثين إلى التسعين؛ لأن العشرين أول، وهو يقع على المؤنث والمذكر، والثلاثين إلى التسعين تجري على مثل ما جرى عليه " العشرون "، فإذا وقع: " العشرون " على المذكر والمؤنث كان الثلاثون مثله، واكتفوا بعلامة التأنيث في: " العشرين " عن علامته في: " الثلاثين ". ودليل آخر في كسر العين من عشرين، وهو أنا رأيناهم قالوا في ثلاث عشرات: " ثلاثون ". وفي أربع عشرات " أربعون " وكأنهم جعلوا ثلاثين عشر مرار ثلاثة، وأربعين عشر مرار أربعة، إلى التسعين، فاشتقوا من لفظ الآحاد ما يكون لعشر مرار ذلك العدد، فكان قياس العشرين من الثلاثين أن يقال: " اثنين " و " اثنون " بعشر مرار اثنين، إلا أنهم تجنبوا ذلك؛ لأن الاثنين لا يكون إلا مثنى، فلو قلنا: اثنون، كنا قد نزعنا " اثن " من الاثنين، فأدخلنا عليه الواو والنون، و " اثن " لا يستعمل إلا مع حروف التثنية، فبطل استعماله في موضع العشرين، فلما اضطروا لهذه العلة إلى استعمال العشرين كسروا أوله؛ لأن اثنين وثنتين مكسورا الأول، فكسروا أول العشرين لذلك، وأدخل الواو والنون، لأنه يقع على المذكر والمؤنث، وإذا اختلط المؤنث والمذكر في لفظ غلّب التذكير، وانفرد اللفظ به.
ودليل آخر؛ وهو أنهم يقولون في المؤنث: " إحدى عشرة، وتسع عشرة " فلما جاوزوها إلى العشرين، نقلوا كسرة الشين التي كانت للمؤنث إلى العين، كما يقولون في: " كذب " " كذب " وفي: " كبد كبد " وجمعوا بالواو والنون، كما يفعلون في الأشياء المؤنثة المحذوفة منها الهاءات عوضا من المحذوف، كقولهم في " سنة ": سنين وسنون، وفي " أرض " أرضون وأرضين وفي: " ثبة " ثبون وثبين، وهذا كثير جدّا، والجمع بالواو والنون له مزية على غيره من الجموع، فجعل عوضا من المحذوف.
واعلم أن " عشرين " ونحوها ربما جعل إعرابها في النون، وأكثر ما يجيء ذلك في الشعر، فإذا جعلوا إعرابها كذلك ألزمت الياء؛ لأنها أخف من الواو، كما فعلوا ذلك في " سنين " إذا جعلوا إعرابها في النون، قالوا: " أتت عليه سنين ".

قال الشاعر: وأنّ لنا أبا حسن عليا … أب برّ ونحن له بنين 1 وأنشد بعضهم: أرى مرّ السّنين أخذن مني … كما أخذ السّرار من الهلال 2 وقال سحيم بن وثيل الرّياحي 3 وماذا يدّري الشعراء مني … وقد جاوزت حد الأربعين أخو خمسين مجتمع أشدّي … ونجّدني مداورة الشؤون 4 وهذا قول عامة أصحابنا أنه متى لزم النون الإعراب لزم الياء، وصار بمنزلة قنّسرين وغسلين، وأكثر ما يجيء هذا في الشعر.
وقد زعم بعضهم أنه قد يجوز أن تلزم الواو، وإن كان الإعراب في النون، وزعم أن " زيتون " يجوز أن يكون " فيعول "، ويجوز أن يكون " فعلون "، وهو إلى " فعلون " أقرب؛ لأنه من الزيت، وقد لزم الواو.
قال سيبويه: " لو سمي رجل بمسلمون كان فيه وجهان: إن جعلت الإعراب في الواو فتحت النون على كل حال، وجعلت في حال الرفع واوا، وفي حال النصب والجر ياء، كقولك: " جاءني مسلمون "، و " رأيت مسلمين " و " مررت بمسلمين "، وإن جعلت الإعراب في النون ألزمته الياء على كل حال "، فتقول: " جاءني مسلمين "، و " رأيت مسلمينا "، و " مررت بمسلمين "، فهذا ما ذكره، ولم يزد عليه شيئا.
وقد رأينا في كلام العرب وأشعارها بالرواية الصحيحة وجها آخر، وهو أنهم إذا سموا بجمع فيه واو ونون، فقد يلزمون الواو على كل حال، ويفتحون النون، ولا يحذفونها في الإضافة، وكأنهم حكوا لفظ الجمع المرفوع في حال التسمية وألزموه طريقة واحدة، قال الشاعر:

ولها بالماطرون إذا … أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتبعت … ذكت من جلّق بيعا وقفت للبدر ترقبه … فإذا بالبدر قد طلعا 1 ففتح نون الماطرون، وأثبت الواو، وهو في موضع جر.
والعرب تقول: " الياسمون " في حال الرفع والنصب والجر، ويقولون: " ياسمون البرّ "، فيثبتون النون مع الإضافة ويفتحونها، ومنهم من يرويه: بالماطرون، ويعرب نون " الياسمون "، ويجري ذلك مجرى " الزيتون " وهو الأجود، والدليل على ذلك قول الشاعر في أبيات تروى لأبي دهبل، ولعبد الرحمن بن حسان أولها: طال ليلي وبتّ كالمحزون … واعترتني الهموم بالماطرون 2 وفي القصيدة: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّا … ص ميزت من جوهر مكنون فإذا زدت على " العشرين " نيّفا أعربته، وعطفت " العشرين " عليه كقولك: " أخذت خمسة وعشرين " وهذه " ثلاثة وعشرون "، لأنه لا يصح أن يبنى النيّف مع العشرين؛ لأنه معرب، ولا يصح أن يبنى اسم مع اسم وأحدهما معرب، ولم يقع الآخر موضع شيء منه، كوقوع: " عشر " في موضع النون من " اثني عشر ". وينصب النوع الذي بعد: " العشرين " إلى: " التسعين " ويوحّد وينكّر، والذي أوجب نصبه أن " عشرين " جمع فيه نون بمنزلة: " ضاربين " ويجوز إسقاط نونه إذا أضيف إلى مالك كقولك: هذه عشرو زيد وعشرون يطلب ما بعده ويقتضيه.
كما أن: " ضاربين " يطلب ما بعده ويقتضيه، فتنصب ما بعد " العشرين " كما تنصب ما بعد " الضاربين " من المفعول للتشبيه الذي ذكرناه، إلا أن " عشرين " لا يعمل إلا في منكور ولا يعمل فيما قبله؛ لأنه لم يقو قوة " ضاربين " في كل شيء؛ لأنه اسم جامد غير مشتق من فعل، فلم يتقدم عليه ما عمل فيه؛ لأنه غير متصرف في نفسه، ولم يعمل

إلا في نكرة؛ من قبل أنّ المعنى في: " عشرين درهما " عشرون من الدراهم، فاستخفوا وأرادوا الاختصار فحذفوا من وجاءوا بواحد منكور شائع في الجنس، فدلوا به على النوع، وقد مر هذا مستقصى فيما مرّ.
ولا يجوز أن يكون التفسير إلا بواحد؛ إذ كان الواحد دالّا على نوعه مستغنى به، فإذا أردت أن تجمع جماعات مختلفة، جاز أن تفسر " العشرين " ونحوها بجماعة، فيكون " عشرون " كل واحد منها جماعة، ومثل ذلك قولك: " قد التقى الخيلان " وكل واحد منهما جماعة خيل، فعلى هذا تقول: " التقى عشرون خيلا " على أن كل واحد من العشرين خيل.
وقال الشاعر: تبقّلت من أول التبقّل … بين رماحي مالك ونهشل 1 لأن مالكا ونهشلا قبيلتان، وكل واحدة منهما لها رماح، فلو جمعت على هذا لقلت: " عشرون رماحا قد التقت "، يريدون عشرون قبيلة لكل واحدة منها رماح، ولو قلت عشرون رمحا، كان لكل واحد منها رمح، وقال الشاعر في مثل ذلك.
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا … فكيف لو قد سعى عمرو عقالين لأصبح القوم أوبادا ولم يجدوا … عند التفرق في الهيجا جمالين 2 أراد جمالا لهذه الفرقة، وجمالا لهذه الفرقة، فإذا بلغت المائة جئت بلفظ يكون للمذكر والأنثى، وهو " مائة " كما قال: " عشرون " وما بعدها من العقود، وبينت المائة بإضافتها إلى واحد منكور.
فإن قال قائل: ما العلة التي لها أضيفت إلى واحد منكور؟ فالجواب في ذلك: أنها شابهت " العشرة " التي حكمها أن تضاف إلى جماعة، و " العشرين " التي حكمها أن تميز بواحد منكور، فأخذت من كل واحد منهما شبها فأضيفت لشبه العشرة، وجعل ما تضاف إليه واحدا لشبه العشرين؛ لأن ما تضاف إليه نوع يبينها كما بيّن النوع المميز العشرين.
فإن قيل وما شبهها من العشرة والعشرين؟ قيل أما شبهها من العشرة، فلأنها عقد

العشرة كما أن العشرة عقد الواحد؛ لأن مائة عشر مرات عشرة، كما أن العشرة عشر مرات واحد.
وأما شبهها من " العشرين " فلأنها تلي التسعين، وحكم عشرة الشيء كحكم تسعته، ألا ترى أنك تقول: " تسعة أثواب، وعشرة أثواب "، فتكون العشرة كالتسعة والمائة من التسعين كالعشرة من التسعة، والتسعون كالعشرين، فإذا ثنيت " مائة " أضفت كإضافة المائة، وذلك قولك: " مائتا درهم " و " مائتا ثوب " ونحو ذلك.
ويجوز في الشعر إدخال النون على المائتين، ونصب ما بعدها، قال الشاعر: إذا عاش الفتى مائتين عاما … فقد ذهب اللذاذة والفتاء 1 وقال آخر: أنعت عيرا من حمير خنزره … في كل عير مائتان كمره 2 فإذا أردت تعريف المائة والمائتين أدخلت الألف واللام في النوع وأضفتهما إليه كقولك: " مائة الدرهم ومائتا الثوب ". فإذا جمعت المائة أضفت الثلاث فقلت: ثلاثمائة إلى تسعمائة.
فإن قال قائل: هلّا قلتم: ثلاث مائتين أو مئات، كما قلتم: ثلاث مسلمات وتسع تمرات؟ فالجواب في ذلك أنا رأينا " الثلاث " المضاف إلى المائة قد أشبهت " العشرين " من وجه، وأشبهت الثلاث التي في الآحاد من وجه، فأما شبهها بالعشرين فلأن عقدها على خلاف قياس الثلاث إلى التسع، لأنك تقول ثلاثمائة وتسعمائة، ثم تقول: " ألف " ولا تقول: " عشر مائة "، فصار بمنزلة قولك: عشرون وتسعون، ثم تقول: مائة على غير قياس التسعين، وتقول في الآحاد: " ثلاث نسوة " و " عشر نسوة " فتكون العشر بمنزلة الثلاث فأشبهت ثلاث المائة العشرين، فبيّنت بواحد، وأشبهت الثلاث في الآحاد فجعل بيانها بالإضافة.
والدليل على صحة هذا أنهم قالوا: " ثلاثة آلاف " فأضافوا الثلاثة إلى جماعة؛ لأنهم

يقولون: عشرة آلاف، فلما كانت عشرته على قياس ثلاثته أجروه مجرى: " ثلاثة أثواب "؛ لأنهم قالوا: عشرة أثواب، فإذا قلت: ثلاثمائة، فحكم المائة بعد إضافة الثلاثة إليها أن تضاف إلى واحد منكور، كحكمها حين كانت منفردة ويجوز أن تنوّن وتميّز بواحد كما قيل: " مائتان عاما ". وأما قوله تعالى: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً 1 فإن أبا إسحاق الزجاج 2 زعم أن سنين منتصبة على البدل من ثلاثمائة، ولا يصح أن تنتصب على التمييز؛ لأنها لو انتصبت على التمييز فيما قالوا، لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسعمائة سنة، كما أنك إذا قلت: " عشرون رماحا " فكل واحد منها رماح، فيكون " عشرون رماحا " ستين رمحا أو أكثر، وليس ذلك معنى الآية، وقبيح أن تجعل " سنين " نعتا لها؛ لأنها جامدة ليس فيها معنى فعل.
وقال الفراء: يجوز أن تكون سنين منصوبة على التمييز، كما قال عنترة: فيها اثنتان وأربعون حلوبة … سودا كخافية الغراب الأسحم 3 ويروى: سود.
قال: فقد جاء التمييز " سودا " وهي جماعة، قال أبو سعيد ولأبي إسحاق أن يفصل بين هذا وبين سنين؛ لأن سودا إنما جاء بعد المميز، فيجوز أن يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، كما تقول: " كلّ رجل ظريف عندي "، وإن شئت قلت: " ظريف " فتحمله مرة على اللفظ ومرة على المعنى، وليس قبل " سنين " شيء وقع به التمييز، فتكون " سنين " مثل " سودا ". واعلم أن " مائة " ناقصة بمنزلة " رئة " و " إرة " فلك أن تجمعها فتقول: " مئون " في حال الرفع، ومئين في حال النصب والجر، وإن شئت قلت: مئين، فجعلت الإعراب في النون وألزمته الياء، وإن شئت قلت: مئات، كما تقول: " ديات ". وأما قول الشاعر:

وحاتم الطائي وهّاب المئي 1 فقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: أراد جمع المائة على الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، كقولك: " تمرة وتمر "، فكأنه قال: " مائة " و " مئ " مثل: " مع " ثم أطلق القافية للجر.
وقال بعضهم: " أراد المئيّ " وكان أصله المئيّ على مثال " فعيل "؛ لأن الذاهب من المائة إما ياء وإما واو، فإن كانت ياء فهي: " مئيّ " وإن كانت واوا انقلبت أيضا ياء، وصار لفظها واحدا ثم تكسر الميم، وذلك أن بني تميم يكسرون الفاء من فعيل إذا كانت العين أحد الحروف الستة، وهي حروف الحلق، كقولك: " شعير " و " رحيم " فيقولون في ذلك: " مئيّ " وأصله: مئيّ.
ومما جاء على هذا المثال من الجمع " معيز " جمع معز، و " كليب وعبيد "، وغير ذلك مما جاء على فعيل، فعلى هذا القول مئيّ مشددة، ويجوز تخفيفها في القافية المقيدة، كما ينشد بعضهم قول طرفة: أصحوت اليوم أم شاقتك هر … ومن الحبّ جنون مستعر 2 وقال بعض النحويين: إنما هو " مئين " فاضطر إلى حذف النون كما قال: قواطنا مكة من ورق الحمى 3 ويجوز أن يكون " المئي " على فعول مثل عصي وقسيّ ثم خفف، كما قال: تعال نصنع رجلا مثل عدىّ … نصنعه من الرّقاع والعصىّ أما قول حسان: وذلك أن ألفكم قليل … بواحدنا أجل أيضا ومين 4 أراد: ومئين، فحذف الهمزة ألبتة كما قالت: ها من أحسّ لي أخوين … كالبدرين أم من راهما أرادت رآهما، فحذفت الهمزة ألبتة، فاعرفه إن شاء الله تعالى.

فإذا بلغت إلى الألف أضفت إلى واحد، فقلت: ألف درهم، كما أضفت " المائة " إلى الواحد حين قلت: مائة درهم، والعلة فيه كالعلة فيها؛ من قبل أن الألف على غير قياس ما قبله؛ لأنك لم تقل: عشر مائة، كما قلت: تسعمائة، وصغت لفظا يدل على العقد الذي بعد تسعمائة، غير جار على شيء قبله، كما فعلت ذلك بالمائة، حين لم تجرها على قياس التسعين، فإذا جمعت الألف جمعته على حد ما يجمع عليه الواحد.
وتضيف ثلاثته وأربعته إلى جماعة نوعه، فتقول: ثلاثة ألف وعشرة ألف، كما قلت: ثلاثة أثواب وعشرة أثواب.
وإنما خالف جمع الألف في الإضافة جمع المائة؛ لأن الألف عشرته كثلاثته، فصار بمنزلة الآحاد التي عشرتها كثلاثتها، وليس عشرة المائة كثلاثتها، وقد بينا هذا فيما تقدم، وليس بعد الألف شيء من العدد على خلاف لفظ الآحاد إلى الألف، فإذا تضاعف أعيد عليه اللفظ بالتكرير كقولك: عشرة آلاف ألف ومائة ألف ألف ونحو ذلك، وإنما قلت: عشرة آلاف درهم، لأن الألف قد لزم إضافته إلى واحد يبيّنه، وكذلك جماعته كواحده في تبيينه بالواحد من النوع، واعلم أن " الألف " مذكر، تقول: أخذت منه ألفا واحدا، وقال الله عزّ وجل: بِثَلاثَةِ آلافٍ 1 فأدخل الهاء على الثلاثة فدل على تذكير الألف، وربما قيل: هذه ألف درهم، يريدون: " هذه الدراهم " فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى: قال سيبويه: " فعلى هذا يجرى الواحد إلى التسعة ". يعني يجرى النّيّف من " أحد عشر " إلى " تسعة عشر " مجرى واحدا في بناء أحدهما مع الآخر، وقد بيناه بما فيه.
قال سيبويه: " فإذا ضاعفت أدنى العقود كان له اسم من لفظه ولا يثنى ذلك العقد " يعني " عشرين " واسمها من لفظها؛ لأنها ليست بتثنية شيء ينطق به ولا بجمعه؛ لأنك لا تجد شيئا من العدد تقع عليه عشر، فقد صح أنه ليس بتثنية عشرة، ولا بجمع شيء ينطق به.
قال سيبويه: " ويجرى ذلك الاسم مجرى الواحد الذي لحقته الزيادة للجمع،

كما لحقته الزيادة للتثنية، ويكون حرف الإعراب الواو والياء، وبعدهما النون، وذلك قولك: عشرون درهما ". قال أبو سعيد: يعني يجرى " العشرون " بما لحقه من الواو والنون بمنزلة اسم كان على عشر، فجمع جمع السلامة، الذي هو بمنزلة التثنية في سلامة الواحد، ولحاق الزيادة، ويدخل التغيير على زيادته من واو إلى ياء، كما قد عرفت في الجموع السالمة.
قال سيبويه: " فإن أردت أن تثلث أدنى العقود كان له اسم من لفظ الثلاثة يجرى مجرى الاسم الذي كان للتثنية، وذلك قولك: " ثلاثون عبدا "، وكذلك إلى أن تتسّعه ". قال أبو سعيد: يعني أن الثلاثين قد فعل بها ما فعل بالعشرين من إجرائها على حد جمع السلامة، إلا أن لفظها مأخوذ من الثلاثة، بإسقاط الهاء غير مغيّر منه شيء، إلا إسقاط الهاء، وكذلك إلى التسعين مأخوذ من الثلاثة إلى التسعة على حد ما ذكرناه من أخذ " الثلاثين " من " الثلاثة ". قال سيبويه: " وتكون النون لازمة له كما كان ترك التنوين لازما للثلاثة إلى العشرة ". قال أبو سعيد: يعني أن النون والتمييز لازم للعشرين إلى التسعين، كما كان ترك التنوين والإضافة لازما للثلاثة إلى العشرة، وقد ذكرنا هذا مشروحا فيما مضى.
قال سيبويه: " وإنما فعلوا هذا بهذه الأسماء؛ وألزموها وجها واحدا؛ لأنها ليست كالصفة التي في معنى الفعل، ولا التي شبّهت به ". قال أبو سعيد: يعني إنما ألزموها النون ولم يجيزوا إضافتها إلى الجنس، فيقولوا: " عشرو درهم "، كما قالوا في الصفة التي في معنى الفعل، يريد اسم الفاعل: " ضاربون زيدا " و " ضاربو زيد "، وفي الصفة المشبّهة: حسنون وجوها؛ وحسنو وجوه؛ لأنها- أعني عشرين- لم تقو قوة اسم الفاعل والصفة المشبهة فلم تصرّف تصرفهما، وألزمت طريقا واحدا، وقد مرّ في هذا ما يغني عن إعادته.
قال سيبويه: " ولم يجز حين جاوزت أدنى العقود فيما تبيّن به من أيّ صنف العدد، إلا أن يكون لفظه واحدا، ولا يكون فيه الألف واللام لما ذكرت لك، وكذلك هو إلى التسعين فيما يعمل فيه، ويبيّن به من أيّ صنف العدد ".

قال أبو سعيد: يعني أنه لا يجوز أن يجعل المميز من " أحد عشر " الذي يلي أدنى العقود إلى " تسعة وتسعين " إلا واحدا منكورا لا ألف فيه ولا لام.
قال سيبويه: (فإذا بلغت العقد الذي يليه تركت التنوين والنون وجعلت الذي يعمل فيه ويبيّن به العدد من أيّ صنف هو واحدا).
قال يعني: إذا بلغت عقد العشرة وهو " مائة " أضفت إلى واحد منكور.
قال سيبويه: (كما فعلت ذلك فيما نوّنت فيه، إلّا أنك تدخل فيه الألف واللام، لأن الأول يكون به معرفة ولا يكون المنّون به معرفة، وذلك قولك: " مائة درهم " و " مائة الدرهم ").
قال أبو سعيد: يعني بينت " مائة " بواحد أضفتها إليه، كما بيّنت ما فيه النون، وما كان في تقدير التنوين نحو: " خمسة عشر " بواحد ميّزه؛ لأن الواحد الذي أضيفت إليه المائة قد يكون معرفة بدخول الألف واللام عليه، وقد تكون " المائة " معرفة بإضافتك إياها إليه، والواحد الذي يميز " العشرين " ونحوها لا تدخله الألف واللام، ولا يتعرف الأول به، وقد مر تفسير هذا.
قال سيبويه: (وكذلك إن ضاعفته فقلت: مائتا الدرهم ومائتا الدينار).
يعني أنك تضيف " المائتين " إلى واحد بينهما، كما أضفت المائة، وتعرّف ذلك الواحد بإدخال الألف واللام، كما فعلت ذلك بالمائة.
قال سيبويه: " وكذلك العقد الذي بعده واحدا كان أو مثنى، وذلك قولك: ألف درهم وألفا درهم ". قال أبو سعيد: يعني أن ألف درهم وألفي درهم، كمائة درهم ومائتي درهم.
قال سيبويه (وقد جاء في الشعر بعض هذا منونا، قال الرّبيع بن ضبع الفزاري): إذا عاش الفتى مائتين عاما … فقد ذهب اللذاذة والفتاء 1 وقال آخر: أنعت عيرا من حمير خنزره … في كل عير مائتان كمره 2

قال أبو سعيد: قد ذكرنا هذين البيتين بما يستحقانه من التفسير.
قال سيبويه: " وأما تسعمائة فكان ينبغي أن تكون في القياس " مئين " أو " مئات "، ولكنهم شبّهوه بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبيّن به العدد واحدا؛ لأنه اسم لعدد ". قال أبو سعيد: يعني أن القياس في " تسعمائة " كان بجمع المائة، فكان ينبغي أن تقول: " ثلاث مئات " أو " ثلاث مئين "، وذلك أن " ثلاثا " و " تسعا " تضاف إلى جماعة في الآحاد فانبغى أن تكون هاهنا أيضا مضافة إلى جماعة غير أنهم أضافوها إلى واحد، وبينوها كما بيّنوا " أحد عشر " و " عشرين " بواحد، وقد بينا وجه الشبه فيه.
قال سيبويه: " وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى جمع حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام، قال علقمة بن عبدة ": بها جيف الحسرى فأمّا عظامها … فبيض وأما جلدها فصليب 1 وقال آخر: لا تنكروا القتل وقد سبينا … في حلقكم عظم وقد شجينا 2 قال أبو سعيد: يعني ليس بمستنكر في كلام العرب أن يكون اللفظ واحدا، ويكون عبارة عن جميع، ولا سيما في باب العدد، كما قلنا في: " عشرين درهما "، و " مائة درهم "، وقد استعملت العرب لفظ الواحد بمعنى الجميع في الشعر، لمّا لم يستعمل في الكلام؛ لأن من كلامهم في مواضع كثيرة العبارة عن الجميع بواحد، فحمل الشاعر هذا المعنى بأن استعمل لفظ الواحد بمعنى الجمع في غير تلك المواضع، وهو البيت الذي أنشده لعلقمة.
وإنما يريد وأما: " جلودها " فاكتفى بقوله: " جلدها " عن جلودها، وإنما يصف فلاة قطعها، ويذكر بعدها فيقول: " بها جيف الحسرى " أي بها جيف الإبل المعيبة التي قد تركت في هذه الفلاة لبعدها، " فأما عظامها فبيض " أي قد تفصّلت وظهرت من اللحم، وأكلت الطيور والسباع ما عليها من اللحم، وأما جلودها فقد سال ودكها عليها، بوقوع

الشمس وإحمائها لها، وكان ينبغي أن يقول: " جلودها " كما قال: " عظامها ". وأما البيت الثاني فالشاهد منه: " في حلقكم عظم " وإنما أراد في حلوقكم، لأنهم جماعة، وكأنّ هؤلاء قوم سبوا من عشيرة هذا الشاعر، وباعوا ما سبوا منهم، ثم ثاب لعشيرة هذا الشاعر ظفر لمن سبي منهم، فقتلوا منهم، فقال شاعرهم وهو: " المسيّب بن زيد مناة الغنوي " من القبيلة التي عاقبت وقتلت، ويخاطب الآخرين، الذين سبوا منهم: لا تنكروا القتل وقد سبينا والأبيات في غير كتاب سيبويه، يقولها المسيب بن زيد مناة الغنوي، يخاطب حنظلة بن الأعرف الضبابيّ: إن تك مقتولا فقد سبينا … أو تك مجذوعا فقد شرينا أو تك مفجوعا فقد وهينا … في حلقكم عظم وقد شجينا 1 " شرينا " أي باعونا، وقوله: " شجينا " أي شجينا نحن، و " في حلقكم عظم " هذا مثل، كأنّه يقول: قد غصصتم؛ لشدة ما نزل بهم كأنّ في حلوقكم عظاما لا تنزل ولا تخرج، ومعنى " شجينا " أي شجينا نحن أيضا كما أصابكم، ولا تنزل الغصّة ولا تخرج، ومن ذلك شجيت الساق بالخلخال، إذا لم يكن الخلخال قلقا فيها، ويقال: " فلان شجى " في حلق فلان " إذا كان يثقل عليه أمره فلا يستسيغه، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " واختص بهذا الباب إلى تسعمائة ". يعني أضيف: " الثلاث " و " التسع " وما بينهما إلى " مائة " وهي واحدة، وليس ذلك بالقياس في إضافة: " الثلاث "؛ لأن الثلاث حكمها أن تضاف إلى جماعة، غير أن الثلاث خصت بالإضافة إلى مائة.
وقد تقدم المعنى الذي له خصّت بذلك.
قال سيبويه: (كما أن " لدن " لها مع غدوة حال ليست لها في غيرها تنصب بها).
يعني: أن " لدن " ينخفض ما بعدها؛ لأنها بمنزلة " عند " فتقول: " من لدن زيد " و " لدن عشية " و " لدن عتمة " وما أشبه ذلك، وهو القياس فيها، غير أنهم قد قالوا: " لدن غدوة " فنصبوا بها " غدوة " خاصة، وإنما نصب بها " غدوة "؛ لأن فيها لغات: منهم من

يقول: " لدا ولد " وغير ذلك، فالذي نصب بها شبه النون الداخلة على " لد " بعد فقدها منه، بمنزلة النون الداخلة في " عشرين "، بعد نزعها منه في قولك: " عشرو زيد " و " عشرون درهما "؛ إذ كانت تسقط في حال، وتثبت في حال، وقال بعضهم: " لدن غدوة " فنصب بها " غدوة " خاصة، كأنه أدخل النون على " لد " في لغة من يسكّنها ثم فتح الدال؛ لالتقاء الساكنين كما قالوا: " اضربن زيدا "، ففتحوا الباء لالتقاء الساكنين.
قال سيبويه: (كأنه ألحق التنوين في لغة من قال " لد "، وذلك قولك: " من لدن غدوة " وقال بعضهم من لدن غدوة كأنه أسكن الدال ثم فتحها، كما قال: " اضربن زيدا "، ففتح الباء لما جاء بالنون الخفيفة، والجر في " غدوة " هو الوجه والقياس وتكون النون من نفس الكلمة بمنزلة من وعن).
قال أبو سعيد: يعني أن النون في " لدن " بمثلة النون في " من " والدليل على ذلك أنه يخفض بها مع ما بعدها، مع ثبات النون، فعلمنا أن النون من صيغتها، وقد مرّ الكلام في هذا الفصل.
قال سيبويه: " وقد يشذّ الشيء من كلامهم عن نظائره ويستخفون الشيء في موضع لا يستخفونه في غيره ". يعني في شذوذ " غدوة " مع " لدن ". ومن ذلك قولهم: ما شعرت به شعرة وليت شعري.
قال أبو سعيد رحمه الله: يعني أن مصدر " شعرت " إنما هو " شعرة " في أكثر المواضع بإثبات الهاء، وهي مع " ليت " بحذفها؛ إذ قالوا: " ليت شعري " لما كثر استعمالها طرحوا الهاء منها.
ومثل ذلك تقول: امرأة عذراء بيّنة العذرة، كما تقول: حمراء بينة الحمرة، ويقولون لمن افتضها: هو أبو عذرها، يريدون أبو عذرتها، أي صاحب عذرتها، وجرى ذلك مثلا لكل من يستخرج شيئا أن يقال له: أبو عذرها، والأصل فيه: " عذرة المرأة " واستخفوا بطرح الهاء حين جرى في كلامهم مثلا، وكثر استعمالهم له.
قال سيبويه: (وتقول العمر والعمر، ولا يقولون في اليمين إلا بالفتح، يقولون كلّهم: " لعمرك " وسترى أشباه هذا في كلامهم إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد: وإنما قالوا في اليمين بالفتح حين كثر الحلف، فاختاروا أخفّ

اللفظين، وتركوا الآخر الذي في معناه، وإنما يستدل " سيبويه " بما ذكر من ذلك، أنّ اللفظ قد تكون له حال، لا تكون لنظيره لضرب من العلل.
قال سيبويه: (ومما جاء في الشعر على لفظ الواحد يراد به الجمع: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا … فإن زمانكم زمن خميص) (1) قال: وهو مثل البيتين الأولين أراد في بعض بطونكم، ومعنى هذا البيت أنهم في زمن من مجاعة فيأمرهم أن يأكلوا بعض الشبع، فإن الزمان فيه جدوبة.
قال سيبويه: (ومثل ذلك في الكلام قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً (2)، و " قررنا به عينا " وإن شئت قلت: أعينا وأنفسا، كما قلت: ثلثمائة وثلاث مئين ومئات ". وقد مر تفسير ذلك.
قال سيبويه: " ولم يدخلوا الألف واللام كما لم يدخلوا في امتلأت ماء ". قال أبو سعيد رحمه الله: يعني لم يدخلوا الألف واللام في " طبت به نفسا " ونحوه.

هذا باب استعمال الفعل في اللفظ

لا في المعنى؛ لاتساعهم في الكلام، وللإيجاز والاختصار.
فمن ذلك أن تقول على قول السائل: " كم صيد عليه " وكم غير ظرف؛ لما ذكرت لك من الاتساع والإيجاز فتقول: " صيد عليه يومان "، وإنما المعنى صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع واختصر؛ ولذلك وضع السائل " كم " غير ظرف.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الفصل قد اشتمل على معان يكشفها التفسير، منها أن تعلم أن في الظروف ما يجوز أن يستعمل اسما كزيد وعمرو، كقولك: " صمت اليوم " على مثل: " ضربت زيدا "، وتجعل " اليوم " مفعولا كزيد.
ومنها أن تعلم أن المبتدأ إذا كان بعده فعل فيه ضميره، جاز أن يجري على المبتدأ من الاسم ما لزم ضميره من اللفظ، كقولك: " زيد ضربته " يجوز أن يقال: " زيد " مفعول، ونحن نعلم أن " زيدا " مبتدأ، وإنما يراد ضميره مفعول.12

ومنها أن تعلم أن الاسم الذي يستفهم به، إذا كان له موضع من رفع أو نصب أو جر، فجوابه يكون على لفظ ما يستحقّ الاستفهام، وعلى تقدير عامله الذي عمل فيه كقولك: " كم رجلا جاءك " فتقول: " عشرون "، وذلك أن " كم " في موضع مبتدأ، وهو حرف الاستفهام و " جاءك " خبره، ورجلا على التمييز، والجواب: " عشرون " على لفظ كم مرفوع بالابتداء وتقديره " عشرون رجلا جاءني ". وإذا قال: " كم رجلا رأيت " فالجواب: " عشرين "؛ لأن " كم " في موضع نصب برأيت.
وإذا قال: " بكم رجلا مررت " قلت: " ثلاثة رجال " فخفض؛ لأن " كم " في موضع خفض.
ومنها أن الظرف الذي يجوز إجراؤه مجرى الأسماء يجوز أن يقام مقام الفاعل مجازا؛ لأنا قد جعلناه بمنزلة " زيد " كقولك: " سير بزيد يوم طويل "، كما تقول: " ضرب بزيد الحائط "، فقد أقمت " اليوم " مقام الفاعل وجعلته كالأسماء الصحيحة.
ومنها أن تعلم أن المقادير المضافة إلى الأنواع المميزة بها، حكمها حكم ما أضيفت إليه، وميزت به كقولنا: " سرت عشرة أيام "، فعشرة هي الظرف؛ لأنها مقدار أضيف إلى الأيام و " أيام " ظرف، و " سرت عشرين يوما "، " العشرون " ظرف؛ لأنها مقدار مميّز بظرف.
فتقول الآن: إن قول السائل: " كم صيد عليه " أرادكم يوما صيد عليه، فكم مبتدأ، وهو مقدار مميّز بظرف فهو إذن ظرف و " صيد عليه " خبره، وفي " صيد " ضمير يعود إلى " كم " قد أقيم مقام الفاعل، فصار ذلك الضمير بمنزلة سير عليه يوم طويل.
وقوله: ولم يجعل " كم " ظرفا.
أراد لم يجعل ضمير " كم " الذي في " صيد " فعبّر بلفظ " كم " عن ضميره ولم يجعله ظرفا؛ لأنه قد أقامه مقام الفاعل، ثم أتى المجيب بنحو ما بنى السائل عليه كلامه، فجعل اليومين مرفوعين بصيد، ولم يجعلهما ظرفا، كما لم يجعل الضمير الذي في " صيد " ظرفا حين سأل، وهو مجاز واتساع؛ لأن " اليوم " لا يصاد، وإنما يصاد فيه كما قال: أما النهار ففي قيد وسلسلة … والليل في جوف منحوت من الساج 1

وإنما أراد أن الرجل في قيد وسلسلة في النهار، فكذلك المعنى صيد عليه الوحش في يومين.
قال: (ومن ذلك أيضا أن تقول: " كم ولد له؟ " فيقول: " ستون عاما "، والمعنى ولد له الأولاد، وولد له الولد ستين عاما).
فحذف الأول وأقام الستين مقام الأولاد اتساعا.
ومن ذلك أن يقول: " كم ضرب به "؟ فتقول: " ضرب به ضربتان " و " ضرب به ضرب كثير ". فمعنى " كم " هاهنا معنى المصدر، كأنه قال: " كم ضربة ضرب به " يريدكم ضرب بزيد، وفي " ضرب " ضمير يعود إلى " كم " قد أقيم مقام الفاعل وهو مصدر: فلذلك كان جوابه: " ضرب به ضربتان "، فسبيل المصدر في الاتساع كسبيل الظرف؛ لأنك إذا قلت: " ضرب بزيد ضرب شديد " فالضرب ليس بمضروب في الحقيقة، وإنما المضروب الذي وقع به الضرب، وجعلت الضرب مفعول: " ضرب " مجازا.
قال: (ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها 1 وإنما يريد أهل القرية فاختصر، وعمل الفعل في " القرية " كما كان عاملا في " الأهل " لو كان هاهنا).
وقد بينا حذف المضاف والاكتفاء بالمضاف إليه فيما مضى، وإنما ذكره سيبويه حجة في الاتساع والاختصار؛ لأن المسألة في اللفظ للقرية والمعنى للأهل، فكذلك قولهم: " ولد له ستون عاما " لفظ " الأولاد " للأعوام، والمعنى للأولاد في الأعوام، على أن بعض الناس يزعم أن ذلك على الحقيقة، وأن مسألة القرية من " يعقوب " عليه السّلام صحيحة؛ لأن القرية يجوز أن تخاطبه؛ إذ كان نبيّا، وتكون مخاطبتها معجزة له.
ولا معنى للتشاغل بنقض هذا الكلام؛ إذ كان جوازه في كلام العرب وغيرهم أشهر من أن تحتاج معه إلى إقامة دليل.
- اللصوص.
المقتضى 4/ 33 - رغبة الآمل 8/ 122.

قال: " ومثله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 1 والمعنى بل مكرهم في الليل والنهار، ومثله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ 2 وإنما هو ولكن البرّ برّ من آمن بالله ". وفي هذا وجه آخر، وهو أن يجعل البر في معنى البارّ، فكأنه قال تعالى: ولكن البارّ من آمن بالله.
قال: (ومثله في الاتساع قوله عز وجل: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما 3 المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل... الناعق والمنعوق به).
فالناعق الراعي والمنعوق به الغنم، فجعل المؤمنين كالراعي والكفار كالمنعوق به، والتمثيل في ذلك كلّه أن الكفار لم يعتقدوا ما خوطبوا به، ولم يحصلوا به أكثر من سماعه، ويدلك على صحة هذا أن الكفار لم يشبّهوا بما ينعق؛ لأن الذي ينعق هو الراعي، وهم لم يشبهوا به، وإنما شبّهوا بالمنعوق به.
وقال بعضهم: أراد بقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ الذي ينعق به، كما قال تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ 4 أي ينطق به، وكما قال تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً 5 أي يبصر فيه، والمعنى في هذا التأويل أنه جعل الذين كفروا في دعاء بعضهم لبعض كمثل صياح الغنم بعضها ببعض، واللفظ مقلوب على ما خبّرتك.
قال: ومثل ذلك " بنو فلان يطؤهم الطريق " يريد يطؤهم أهل الطريق ". وهذا مدح، والمعنى فيه أن بيوتهم على الجادة فالمارّة تنزل عليهم ويضيفونهم، فجعل مرور أهل الطريق بهم وطأهم إياهم.
وقالوا: " صدنا قنوين " وإنما يريد صدنا بقنوين أو صدنا وحسن قنوين وإنما قنوان اسم أرض.
قال: وفي السعة مثله " أنت أكرم عليّ من أن أضربك "، و " أنت أنكد من أن تتركه " إنما يريد أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب.

والقول في ذلك ما قاله " أبو إسحاق الزجاج " رحمه الله، قال: إن قدّرته: أنت أكرم عليّ من ضربك، لم يجز لأنك لست تريد أن تخبر أنه أكرم عليك من ضربه، وهذا هو ظاهر الكلام، وإن حمل المعنى عليه بطل، قال أبو إسحاق: وتهذيب هذا الكلام هو: كأن قائلا قال: " أنت تضربني " فنسب الضرب إلى نفسه، فقال الآخر: أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب الذي نسبته إلى نفسك، وليس ذلك.
ومثل هذا أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 1 وليس لله تعالى شريك، وإنما جاز هذا؛ لأنهم جعلوا لله تعالى شركاء في زعمهم، فكأنه قال: أنت أكرم عليّ ممن يستحق ما زعمت أنه لك، ونسبته إلى نفسك، وأنشد سيبويه قول " النابغة الجعدي " مستشهدا لجواز الحذف: كأنّ عذيرهم بجنوب سلّى … نعام قاق في بلد قفار 2 أراد عذير نعام، والعذير الحال، وقال " أبو العباس " وحده: العذير الصوت، وما فسر أحد سواه ذلك، و " قاق ": صوت.
ومن ذلك قول عامر بن الطفيل: فلأبغينّكم قنا وعوارضا … ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد 3 أراد بقنا وعوارض، وحذف الباء فأوصل الفعل ومعناه: ولأطلبنكم بهذين المكانين.
قال: ومن ذلك قولهم: " أكلت أرض كذا وكذا، أراد أكلت خير بلد كذا، ومنه قولهم: هذه الظهر، أو العصر، أو المغرب ". تريد هذه صلاة الظهر وصلاة العصر، وصلاة المغرب؛ لأن الظهر اسم للوقت، وكذلك العصر، كأنه أراد هذه صلاة هذا الوقت، ومنه قولهم: " اجتمع القيظ "، وإنما يريدون: اجتمع الناس في القيظ، وتقديره: اجتمع ناس القيظ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

وقال الحطيئة: وشرّ المنايا ميّت بين أهله … كهلك الفتى قد أسلم الحيّ حاضره (1) يريد: وشر المنايا منية ميّت بين أهله، كموت الفتى، وقد أسلم الحيّ حاضره، والحيّ هو الفتى، قد أسلمه الحاضرون له من أهله؛ لأنهم لا حيلة لهم في دفع المرض والموت عنه.
وقال النابغة الجعدي: وكيف تواصل من أصبحت … خلالته كأبي مرحب (2) يريد كخلالة أبي مرحب، وهي صداقته.

هذا باب وقوع الأسماء ظروفا

(وتسمى هذه الأسماء الظروف العليا وتصحيح اللفظ على المعنى، فمن ذلك قولك: " متى يسار عليه "؟ وهو يجعله ظرفا، فيقول: اليوم، أو غدا، أو بعد غد، أو يوم الجمعة).
يعني إذا جعل السائل " متى " ظرفا، وقدّره نصبا، وجعل الذي يقوم مقام الفاعل حرف الجر، أو مصدرا مضمرا في " يسار " وجب أن تنصب الجواب إذا اخترت أن تكون على حد السؤال، وقد مضى هذا.
قال: (وتقول: متى سير عليه؟ فيقول: " أمس "، أو " أول من أمس "، فيكون ظرفا، على أنه كان السير في ساعة دون ساعات، أو حين دون سائر أحيان اليوم، ويكون أيضا على أنه يكون السير في اليوم كله).
اعلم أن الظروف تنقسم قسمين: أحدهما يتضمن أجزاءه كلها الفعل، والآخر يتضمن جزءا منه الفعل، واللفظ يجري على كلّ.
فالذي يتضمن أجزاءه كلها الفعل قولك: " صمت اليوم " فلا يجوز أن يكون جزء من اليوم، لم يكن فيه صوم، وكذلك قولك: " لم أكلّم فلانا اليوم " لا يجوز أن تكون كلمته في جزء منه، وقد جعلت " اليوم " ظرفا لترك كلامه، ألا ترى أن رجلا لو قال:12

" والله لا كلّمتك اليوم " ثم كلمه في جزء منه حنث.
وأما ما يكون العمل في بعضه فقولك: " صحت اليوم وتحكّمت يوم الجمعة " وقد أحاط العلم بأنه لا يكون صياحه متصلا بلا فتور ولا مراوحة، وإنما ذلك على ما يعتاد من عادة الناس في الأفعال التي تتصل والتي تنقطع، فإذا كان الفعل قد يكون متصلا في حال، ومتقطعا في حال كالسير وما أشبه ذلك، وجاز أن تنوي الاتصال، فتجعله في الظرف كله، وجاز أن تنوي الانقطاع فتجعله في بعض الظرف، وسواء في ذلك أن تنصب الظرف أو ترفعه، فتقيمه مقام الفاعل.
قال: " ومن ذلك الليلة الهلال، وإنما الهلال في بعض الليلة، وتقديره: الليلة ليلة الهلال " فجعل هذا شاهدا لقولك: " سير عليه اليوم " والسير في بعضه.
قال (ومما لا يكون العمل فيه من الظروف إلا متصلا في الظرف كله قولك: " سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد " وهذا جواب لقوله كم سير عليه؟ إذا جعله ظرفا).
قال أبو سعيد: اعلم أن " كم " استفهام عن كل مقدار من عدد وغيره، في الأنواع كلها، زمانا كان أو مكانا أو غيرهما، وليس يختص بنوع دون نوع، و " متى " استفهام عن الزمان فقط، فإذا أوقعت " كم " استفهاما عن الزمان، كان القصد فيها المسألة عن مقداره أو عدده، و " متى " استفهام عن الزمان فقط من غير اقتضاء مقدار أو عدد، فإذا أجبت عن " متى " فحكم الجواب أن يكون واقعا على زمان بعينه، غير متضمن لعدد، كقول القائل: " متى سير بزيد " فيقال: " يوم الجمعة "؛ لأن مسألته وقعت لتعرف الزمان بعينه، لا لتعرف كميته.
ولا يجوز أن تقول: " يومان "؛ لأن قوله: " يومان " إجابة عن كمية، ولا يعرف السائل الوقت الذي سار فيه بعينه، ولو قرّبه من المعرفة فقال: " يوم سار فلانّ " أو " يوم كان المطر " لجاز وحسن، ولو قال: متى سير عليه؟ فقال: " أيام الصّرام " لجاز، وإن كانت أيام الصّرام فيها عدد؛ لأن القصد منها إلى تعيين وقت لا إلى عدد الأيام؛ لأن أيام الصّرام قد جعلت لوقت واحد يعرف بهذا اللفظ، كما يعرف يوم الجمعة بهذا اللفظ.
وأما " كم " فقد يكون جوابها معرفة ونكرة، وأيتهما كانت جوابا لها، فالفعل واقع

فيها كلّها، كقولك: " كم سير عليه؟ " فيقول: يوم الجمعة، فالسير واقع في يوم الجمعة كلّه، وكذلك إذا قيل: " كم سير عليه "؟ فيقال: " يومان "، فالسير واقع فيهما، وقد تقول: " كم سير عليه " فيقال: " يوم الجمعة "، والسير واقع في بعضه، إذ كان المجيب مستكثرا للسير في الساعات التي وقع فيها من الجمعة، فيجري اللفظ على الكل وهو يريد البعض، كما تقول: " يوم الرحيل جاءني الخلق " يريد الكثير منهم، وفلان يتكلم دهره، إذا كان كثير الكلام، وإن كان السكوت الذي يكون منه أكثر من الكلام، فاللفظ على الكل والمعنى فيه البعض.
وقوله: " سير عليه الليل والنهار، والدهر، والأبد ". لا يكون إلا جواب " كم "، لأنه وضع هذه الألفاظ على الأوقات فهي متضمنة للكمية ولم يجعل اسما لوقت بعينه، غير أنه إذا قيل: " سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد "، في جواب: كم سير عليه؟ فإنما يريد التكثير والمبالغة، وقد علم أن الدهر لا يتصل فيه السير، ولكنه على ما عرّفتك من قول القائل: " جاءني الخلق " وأنت تريد البعض.
قال: " ومما يدلك على أنه لا يكون أن تجعل العمل فيه في يوم دون الأيام، وفي ساعة دون الساعات؛ أنك لا تقول: " لقيته الدهر والأبد "، وأنت تريد يوما منه، ولا " لقيته الليل "، وأنت تريد لقاءه في ساعة دون ساعات إلا أن تريد: سير عليه الليل أجمع، والدهر كلّه ". يعني أن الأبد والدهر، والليل والنهار، إذا كانا على طريق الأبد، والدهر أسماء، جعلت لترادف الأزمنة، وللدلالة على تكثيرها، لا يجوز أن تقول: " لقيته الدهر " وأنت تريد مرة، وإنما يستعمل مثل هذا في الأوقات المحصلة، والتي تميّز عن غيرها.
وبيّن أن الفعل وقع فيها دون ما سواها، كقولك " لقيته يوم الجمعة " و " لقيته العام الماضي " وإن كنت لقيته مرة واحدة في يوم الجمعة، وفي العام الماضي؛ لأنك أردت أن تعرف وقت اللقاء، لا مقداره.
قال: " وإن لم تجعله ظرفا فهو عربي كثير في كلامهم ". يعني إن قلت: " سير عليه الليل والنهار "، فتجعله مفعولا على السعة ثم تقيمه مقام الفاعل.

جارٍ التحميل