شرح كتاب سيبويهصفحات 272-311

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 272-311

عادت الفاء إلى حكمها، فلم يجز تقديم ما بعدها عليها، ولو قلت: أمّا طعام زيد فلا تأكل ولم تقدّم زيدا جاز، وحقّه أن تقدم ما تقديره أنّه يلي الفاء.
وأما تقديم الظرف الذي حقّه أن يكون بعد الفاء؛ فقولك: أمّا يوم الجمعة فلا تخرج فيه، وتقديره: مهما يكن من شيء فيوم الجمعة لا تخرج فيه.
وأما الشرط فقولك: أمّا إن جاءك زيد فأكرمه؛ لأنّ التقدير: مهما يكن من شيء فإن جاءك زيد فأكرمه، قال الله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ 1 والتقدير: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح وريحان أي: فله روح وريحان، فهذا تمثيل ما تقدم مما بعد الفاء.
وأمّا ما يكون قبل الفاء جزاء من الشّرط المحذوف بعضه المبقيّ بعضه فقولك: أمّا علما فلا علم عند زيد؛ فالعلم منصوب بما دلّ عليه " أمّا " وتقديره: مهما يذكر زيد علما، أي: من أجل علم وبعلم فلا علم عنده.
ولا يجوز أن يكون العامل في " علما " ما بعد الفاء؛ لأنه لا يعمل فيها قبله.
ألا ترى أنك لو قلت: " لا علم عند زيد، لم يحسن أن تقول: عند زيد لا علم، وأصحابنا في ذلك مختلفون على مذهبين: فالمازني يجيز: أمّا زيدا فأنا ضارب، ولا يجيز: أمّا زيدا فأنا رجل ضارب، وذلك أنك لو نزعت أمّا والفاء فقلت: أنا ضارب زيدا لجاز تقديم زيد على أنا؛ ولقلت: زيدا أنا ضارب، ولا يجوز: زيدا أنا رجل ضارب؛ لأن ضاربا نعت لرجل، وضارب في موضعه فلا يجوز تقديمه على ما قبل المنعوت، كما لا يجوز أن تقدّم ما عمل فيه النعت على المنعوت، وهذا أصل البصريين، وسيمر بك في موضعه.
وكان المازنيّ يقول: إن الذي يجوز فيه تقديمه على الفاء هو الذي يجوز أن يلي الفاء ويقدّم عليها، وما لم يجز أن يلي الفاء لم يجز تقديمه على الفاء، فلا يجوز أن يقال: مهما يكن من شيء فزيدا أنا رجل، وعلى هذا القياس أيضا لا يجوز: أمّا زيدا فإنّي ضارب؛ لأنّك لا تقول: زيدا إنّي ضارب؛ لأن خبر إنّ لا يعمل فيما قبله، وأجاز أن

تقول: أمّا اليوم فإنك راجل على أن تنصب اليوم بما في أمّا من معنى مهما، كأنه قال: مهما يكن من شيء فإنك راجل.
وكان أبو العبّاس المبرّد يجيز تقديم ذلك، وذكر أنّ " أمّا " موضوعة على التقديم إليها ما بعد الفاء، وردّ على المازنيّ ما قاله.
وذكر أن جواز ذلك مذهب سيبويه؛ لأن سيبويه قال: أجهد رأيك أنّك ذاهب، فنصب جهدا على الظرف، كأنّه قال: في جهد رأيك ذهابك والناصب لجهد استقرّ، وقال: لا يكون إلا ظرفا، وقال: أمّا جهد رأي فإنّك ذاهب فكسر إنّ لما أدخل أمّا وقال: لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول.
قال أبو سعيد: وتفسير ذلك أن قولك: أجهد رأيك أنك ذاهب، لا يجوز أن تنصب " جهد رأيك " بما بعد أنّ، وهو ذاهب؛ لأن خبر أنّ لا يعمل فيما قبل أنّ، فاضطرّ إلى أن يجعل أنّ وما بعدها مصدرا في موضع ابتداء، ويجعل أجهد رأيك ظرفا له، كما تقول: خلفك زيد على تقدير استقرار، وأمّا جهد رأيك فإنك ذاهب فقال: فيه نصبت جهد بالفعل لا بالظرف، فقوله بالفعل يعني: بذاهب في مفهوم اللفظ.
والظاهر من هذا الكلام أن سيبويه نصب ما قبل الفاء بخبر " إنّ " الذي لا يجوز تقديمه على " أنّ " في غير " أمّا ". قال أبو سعيد: يحتمل عندي أن يكون سيبويه ما أراد بهذا الذي قاله أبو العباس، وإنما أراد أن يفصل بين قولك: جهد رأيي أنك ذاهب وبين أمّا جهد رأيي فإنك ذاهب، بأن جهد رأى في الأول هو ظرف ب " أنّ "؛ وما بعدها خبر لها لأنّها في معنى المصدر، ولا طريق إلى نصبه غير الظرف وإذا أدخل " أمّا " فإنه يجوز أن ينصب بما في " أمّا " من معنى فعل الشرط المحذوف، ولا يكون على ما قال أبو العباس.
وأما الفرّاء فأجاز نصب بعض ذلك بما بعد الفاء ولم يجز تقديم بعض فيما أجاز تقديمه، أمّا عبد الله فإني ضاربه، فقال بالرفع والنصب، وقال: إنما جاز النّصب لأن الفاء كأنها لحدوثها أحدثت " أنّ " لأنها من حروف الاستئناف وما بعد الفاء مستأنف، ولو ألغيت " أمّا " و " الفاء " لم يجز ذلك، فقولك: " عبد الله إنّي ضارب " خطأ، ومثل ذلك " ليت " و " لعل " و " كأنّ ". ويشبه أن يكون مذهب الفراء في ذلك أن هذه الحروف كأنها جلبت من أجل الفاء

لأنّ الفاء تدخل على كلام مستأنف، وهذه الحروف تدخل على مبتدإ وخبر فلم يجعله مما قال الفراء؛ فكذلك قولك: أمّا عبد الله فلأضربنّه، وجه الكلام الرفع لمكان اللام لأنّه لا ينصب ما بعدها ما قبلها، فهذا احتجاج لاختياره الرفع فمفهوم كلامه أنّ النصب يجوز، وليس بالوجه.
ومما أجاز: أمّا عبد الله فما أعرفني به، أو ما أزورني له، رفعت ونصبت وخلقة التعجّب أن لا يقع ما بعده على ما قبله، لو حذفت " أمّا " و " الفاء " لا تقول: " عبد الله ما أضربني له " إلا أنّ النصب جاز حين دخلت " أمّا " و " الفاء " كما جاز في " أنّ " و " ليت " و " لعلّ ". قال أبو سعيد ": لأن التعجّب في الأصل خبر عن فعل إذا قلت: ما أظرف زيدا وما أضربه، فمعناه: زيد ظريف جدّا وضارب جدّا ضربا كثيرا، ولو جئت بهذا اللفظ نصبت به ما قبله.
وقال الفرّاء إنه سمع الكسائي أنشد من هذا البيت: " أما قريشا فأنا أفضلها " أي: أنا منها، وأنا أفضلها، والرفع في هذا أقوى، وكذلك: أمّا عبد الله فإنّي أفضل منه.
قال أبو سعيد: وكأنّ هذا محمول على معناه، لأنّ قوله: إنّي أفضلها: أنا أفضلها.
من فضلت أفضل، وكذا معنى: فإني أفضل منه، أي: أنا أفضله.
قال الفرّاء: ومما لا يجوز فيه إلا الرفع: أمّا القميص فأن تلبس خير لك، قال: وذلك أنّ " أن " التي مع تلبس لم تكتسبهما الفاء إنما هي بمعنى اسم، كأنّك قلت: أن تلبس القميص خير لك.
قال أبو سعيد: يعني أنه لا سبيل إلى إسقاط " أن " في التقدير، فلم يصلح أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، لأنها وما بعدها بمنزلة اسم.
ومما لا يجوز عنده إلا رفعه: أمّا عبده فما أعطيته قليلا ولا كثيرا؛ لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها، أما عبد الله فما أظرفه لا يجوز إلا بالرفع، والفصل بين هذا وبين أما عبد الله فما أعرفني به بالرفع والنصب أنّ العائد إلى عبد الله وهو الهاء في به وموضعه نصب بوقوع المعرفة عليه لا بالتعجّب، والمعنى: فأنا أعرفه، والهاء في ما أظرفه، وإن كانت في

اللفظ منصوبة فهي مرفوعة في المعنى؛ لأنّ معنى ما أظرف زيدا: زيد ظريف جدّا؛ فهو مرفوع بالمعنى.
وفصل الفراء بين: أمّا زيدا فقد ضربت زيدا، وأمّا زيدا فقد ضربته، فقوّى النصب في إعادته زيدا مظهرا على إعادته مكنيّا؛ لأنك إذا أعدته ظاهرا فكأنك لم تقصد قصد الكلام الأوّل، وإذا أعدته مكنيّا فقد قصدت الأوّل فصار بمنزلة: زيد ضربته.
وأجاز: أما زيدا فقد قام زيد، ولم يجز: أمّا زيدا فقد قام، لأنّه إذا قال: فقد قام زيد فقد اعتمد في الأوّل أن تعمل فيه الجملة الأولى المقدّرة، وتقديره: مهما تذكر زيدا فقد قام زيد، وإذا قال: فقد قام فهو محتاج إلى الأول فصار بمنزلة قولك: زيد قد قام.
وكان هشام بن معاوية 1 يجيز: فيك لأرغبنّ، وعليك لأنزلنّ، أو منك لآخذنّ؛ فهذه الحروف في صلة ما بعد اللام.
ولا يجوز بإجماع الكوفيين: زيدا لأضربنّ، ولا طعامك لآكلنّ.
وفصل هشام بين هذا وبين ما أجازه في الحروف أنّ الحروف لا يبين الإعراب فيها؛ ولأنّ الظروف يجوز فيها من التقديم ما لا يجوز في غيرها.
وينبغي على مذهب الفرّاء أن يجوز: أمّا زيدا فلأضربنّ، وقد أجازه في أمّا.
قال أبو سعيد: وعندي أنه حمله على مذهب " أنّ " في اختصاص أمّا بتقديمها ما بعد الفاء عليها.
عدنا إلى كلام سيبويه في ترجمة للباب.
فقوله: باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور ظاهرا يوجب أن قوله: أمّا سمنا فسمين وكذلك علما ونبلا أنّ سمنا وعلما ونبلا تنتصب على الحال، وكذلك أنت الرجل علما ودينا وفقها وأدبا.
وقال في هذا الباب: إنّ هذا مذهب بني تميم دون أهل الحجاز، وذلك أنّ بني تميم إذا أدخلوا الألف واللام على المصدر، يعني: سمنا وعلما لم يجروه مجرى الأوّل؛ فدلّ هذا عنده على أن الحجازيين يذهبون في نصبه أنه مفعول له، والمفعول له يكون نكرة

ومعرفة، تقول: فعلته مخافة الشّرّ، ومخافة، وأن بني تميم يذهبون به مذهب الحال لأن الحال لا تكون إلا نكرة، فإذا قالوا: أما العلم فإنك عالم به، رفعوا العلم بالابتداء وكان التقدير: مهما يكن من شيء فالعلم أنا عالم، ويقدّرون أمّا النبل فهو نبيل، أي نبيل به حتّى يكون فيه، أي: في الجملة ما يعود إلى الأوّل.
وأما إذا قالوا: أمّا العلم فأنا عالم به، فإن جعلت الأوّل غير الثاني نصبت الأوّل، فالتقدير: أما العلم فأنا عالم بزيد، ونصبته على المصدر كأنّك قلت: مهما يكن من شيء فأنا عالم بزيد العلم، ثمّ قدمت العلم منصوبا على المصدر.
وقوله: إن العلم الأوّل غير العلم الثاني، فإنه يريد أنّ الإنسان قد يقول: فلان عالم بالفقه أو بالنّحو، فتكون منزلة الفقه من العلوم وإن كان عالما بمنزلة زيد في قولك: هو عالم بزيد علما، والعلم غير زيد، جاز أن يقول: هو عالم بالفقه علما، والعلم غير الفقه، ويكون المعنى فيه بعلمه وعلاجه فيصير قوله: أمّا العلم فأنا عالم بالفقه، أي: أعلمه علما، كما تقول: أعلم زيدا علما، وقوله بعد ذكره: أمّا سمنا فسمين، وعمل ما قبله فيما بعده فإنه يعني بما قبله: ما تتضمنه الجملة التي تدلّ عليها أمّا، كأنه قال: مهما يذكر زيد سمنا فهو سمين، لأنه قد عمل في سمين فنصبه.
وقوله: وعلى هذا الباب فأجر جميع ما أجريته نكرة حالا إذا أدخلت فيه الألف واللام فإنه يريد أن يكون مفعولا له إذا أدخلت الألف واللام فيه على مذهب أهل الحجاز، وإذا رفعته على مذهب بني تميم بالابتداء أو نصبته على مذهب الحجازيين.
فأمّا إنشاده: ألا ليت شعري هل إلى أمّ معقل … سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا 1 فإنّ الصبر منصوب بما قبله من التقدير كأنّه قال: مهما ترم الصبر أو تذكر الصبر فلا صبر، وليس بعده ما يعمل فيه.
وبنو تميم يقولون: أمّا الصبر عنها فلا صبر؛ كما قالوا: أمّا العلم فعالم على إضمار الهاء كأنه قال: فهو عالم به.

وعلى مذهب الحجازيين يكون الصبر مفعولا، كأنّه قال: مهما تذكر الشيء للصبر عنها فلا صبرا وحذفت اللام ونصبت.
وأمّا احتجاج سيبويه لمذهب بني تميم في إضمار العائد وحذفه في قولك: أما العلم فعالم على تقدير: " عالم به "، وقوله تعالى: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً 1 في موضع النعت ليوم، فلا بدّ في هذه الجملة من عائد إلى اليوم.
فمذهب سيبويه والفراء أن العائد هو فيه.
وكان الكسائي يجعل العائد هاء، كأنه قال: لا تجزيه، وقال الهاء تحذف من صلة الذي، فإذا اتصلت بحرف جرّ لم تحذف من الصلة، تقول: زيدا الذي ضربت، تريد: الذي ضربته، ولا تقول: زيدا الذي تكلمت اليوم، ولا تقول: الذي نزلت، تريد عليه، وتكلّمت فيه، والفصل بين الظرف وغيره أنهم قد أجازوا: تكلمت اليوم، تريد: تكلمت فيه.
ولم يجيزوا: تكلمت زيدا، تريد في زيد، فعلمنا أنّ حذف حرف الجرّ مع ظروف الزمان والمكان جائز وإن لم يجز في غيرها.
وأنشد سيبويه قول عبد الرحمن بن حسان: ألا ياليل ويحك نبّئينا … فأمّا الجود منك فليس جود 2 فهذا تقوية للغة بني تميم، أي: ليس لنا منك جود؛ فالجود: مبتدأ ولا بدّ من عائد إليه مما بعده، وتقديره: فأما الجود فليس لنا جود به، أو من أجله أو غيره من التقدير.
وقوله: (وممّا ينتصب من الصفات حالا كما انتصب المصدر الذي يوضع موضعه، ولا يكون إلا حالا).
وقوله: (أمّا صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف، وأمّا ظاهرا فليس بظاهر، وأمّا عالما فليس بعالم فهذا نصب؛ لأنه جعله كائنا في حال علم وخارجا من حال الظهور ومصاف، والرفع لا يجوز هاهنا؛ لأنك قد أضمرت صاحب الصفة).
فإنه يريد أنّ صديقا مصافيا حال وقد أضمرت الذي منه الحال، وكأن التقدير: أمّا

صديقا مصافيا فليس بصديق مصاف.
وقال المبرّد: العامل في " صديق مصاف " التقدير الذي دلّت عليه " أمّا " كأنه قال: مهما يذكر زيد صديقا مصافيا فليس بصديق، وليس يعمل فيه قولك: بصديق، لأنّ ما بعد الباء عنده لا يعمل فيما قبلها.
وغيره من أصحابنا أجاز فأعمل ما بعد الباء فيما قبلها؛ لأن الباء ههنا زائدة ودخولها كخروجها.
واعلم أنّ قولك: " بزيد " أن الباء حرف فلا يتقدّم معمولها إذ ليست للحروف قوّة الفعل كما لا تقول: راكبا مررت بزيد؛ لأنّ ما في صلة الباء لا يتقدّم عليها.
ومن أجاز إعمال ما بعد الباء في " أمّا " فرّق بين الباء التي تدخل للجحد التي تعدّي الفعل بالزيادة التي ذكر.
واعلم أنّ قولك: أمّا صديقا مصافيا، مفارق لقولك: أمّا العلم فعالم؛ لأنه لمّا لم يضمر شيئا هو العلم رفعت بالابتداء، وأنت قد أضمرت زيدا في قولك: أمّا صديقا مصافيا، وإنما طرحت زيدا بعد أن عرف وجرى ذكره؛ فلذلك أضمرته، وإذا قلت: أمّا الصديق المصافي فليس بصديق مصاف، فليس إلا الرفع، لأنه لما كان بالألف واللام لم يكن حالا فرفعته بالابتداء.
ومعنى قول سيبويه: لأنك قد أضمرت صاحب الصفة، أي: أضمرت زيدا الذي هو صديق، ويعني بالصفة الحال، والصفة ههنا هي الموصوف الذي هو زيد، وليست بمنزلة المصدر الذي هو غيره نحو العلم.
والحجازيون لا يقولون: أمّا الصديق المصافي فليس بصديق بنصب الصديق، كما قالوا: أمّا النبل فنبيل؛ لأن الصديق ليس بمصدر فيكون مفعولا له كالنّبل الذي هو مصدر نصب لأنه مفعول له، ويكون جوابا لمن قال: لمه؟ ألا تراك تقول: صاحبك صاحب النبل والشّرف وصاحبك الصديق المصافي، يعني للصديق.
وقول سيبويه: (وإذا قلت: وأمّا الضرب فضارب فهذا ينتصب على وجهين: على أن يكون الضرب مفعولا كقولك: أمّا عبد الله فأنا ضارب فيكون مصدرا مؤكّدا، وقد يجوز نصب الضرب من وجه ثالث وهو المفعول له في لغة أهل الحجاز).
قال أبو سعيد: والصواب عندي في هذا الباب وما ذكرنا من خلاف النحويين ألّا

تقدّم ما بعد الفاء على الفاء إلى جانب " أمّا " إلا ما يجوز تقديمه حتى تلي الفاء.
ومن أجاز تقديم بعضه من أجل ما قد منعوا بعضا فأجاز الكسائي والفراء: أما زيدا فإنّي ضارب، وزيد منصوب بضارب، ولم يجيزوا: أما القميص فأن تلبس خير لك، والقميص منصوب بليس؛ لأنّ ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها.
ولم يجز المبرّد: أمّا درهما فعندى عشرون؛ لأن درهما منصوب بعشرين، ولا يعمل عشرون فيما قبلها، وإذا لم يكن حضور " أمّا " يجوز تقديم ما لا يجوز تقديمه من هذه الأشياء التي يجيزونها وجب أن يمنعوا: أمّا زيدا فإنّي ضارب، على أن تنصب زيدا بضارب؛ لأنّه لا يجوز: زيدا إنّي ضارب، فينبغي أن لا يجوّز " أمّا " فإن جاز من أجل " أمّا " وجب جواز الباقي لحضورها، ويجوز عندي: أمّا اليوم فإنّي قائم، وأمّا خلفك فإني جالس، تنصب اليوم وخلفك بمعنى: " أمّا "؛ لأنّ معناهما: مهما يكن من شيء.
والظروف تعمل المعاني فيها.
ألا ترى أنك تقول: زيد غلامك اليوم، وزيد أخو عمرو في السفر، بمعنى: زيد يملكه اليوم، ويؤاخيه في السفر، وتقديمه أيضا جائز على هذا المعنى، تقول: زيد اليوم غلامك، وزيد في السفر أخو عمرو، ولو قلت زيد أخ عمرا تريد: يؤاخي عمرا لم يجز؛ لأنّ عمرا ونحوه لا يعمل فيه إلا الفعل، أو ما جرى مجراه من الأسماء.

هذا باب ما يختار فيه الرفع ويكون فيه الوجه في جميع اللّغات

(وزعم يونس أنه قول أبي عمرو، وذلك قولك: أمّا العبيد فذو عبيد، وأمّا العبد فذو عبد وأما عبدان فذو عبدين، وإنما اختير فيه الرفع لأن ما ذكرت في هذا الباب أسماء، والأسماء لا تجري جري المصادر، ألا ترى أنك تقول: هو الرّجل علما وعقلا، أي: يعلم ويعقل، ولا تقول: هو الرجل خيلا وإبلا).
قال أبو سعيد: قوله: أمّا العبيد فذو عبيد؛ فرفع العبيد هو الوجه، لأن العبد ليس بمصدر فيقدّر له فعل من لفظه ينصبه على ما تقدّم في المصادر فوجب رفعه بالابتداء، وما بعده يكون خبرا له، والعائد إليه محذوف تقديره: أمّا العبيد فأنت منهم، أو فيهم، أو نحو هذا ذو عبيد.
وذكر سيبويه في الباب عن بعض العرب: (أنهم ينصبون هذا فيقولون: أمّا العبيد

فذو عبيد، وأمّا العبد فذو عبد، يجرونه مجرى المصدر سواء، وهو قليل خبيث، وذلك أنهم شبهوه بالمصدر، كما شبّهوا الجمّاء الغفير وخمستهم بالمصدر، وكأنّ هؤلاء أجازوا: هو الرجل عبيدا ودراهم، أي: للعبيد والدراهم، وهذا لا يتكلّم به، وإنما وجهه وصوابه الرفع، وهو قول العرب وأبي عمرو ويونس، ولا أعلم الخليل خالفهما).
وكان المبرّد لا يجيز النصب ولا يرى له وجها، وكان سيبويه يجيز النصب على ضعفه إلا أن يكون العبيد بغير أعيانهم ليلحق بالمصادر المبهمة، فلو قال: أمّا العبيد الذين عندك أو الذين في دارك، أو هؤلاء العبيد، لم يجز النّصب.
وكان الزجّاج يتأوّل في نصب العبيد تقدير الملك، والملك مصدر، كأنه قال: أمّا ملك العبيد، كما تقول: أمّا ضرب زيد فأنا ضاربه.
قال أبو سعيد: والذي عندي: أن جعل العبيد، وهو اسم، مكان التعبيد وهو مصدر، والعرب قد استعملت العبيد في تصريف الفعل من العبد، قال رؤبة: والناس عندي كثمام التّمّي … يرضون بالتّعبيد والتأمّي 1 فعلى هذا يجعل العبيد مكان التعبيد، كما جعل الشراب وهو اسم للمشروب في موضع المصدر؛ فقالوا: شربت شرابا، بمعنى شربت شربا، وقالوا: أعطيته عطاء؛ بمعنى: إعطاء، والعطاء: اسم للشيء الذي يعطى؛ فعلى هذا يكون النصب، ولا يجوز: هو الرجل خيلا وإبلا، كما جاز هو الرجل علما وعقلا؛ لأن علما وعقلا في موضع الحال، أو المفعول له على أحد التقديرات.
وعلى كلا الوجهين لا يجوز: هو الرجل خيلا وإبلا؛ لأن خيلا وإبلا ليسا بمصدرين فيكونا في موضع الحال كما تكون المصادر أحوالا، ولا مفعولا له؛ لأنّ المفعول له أيضا مصدر، والعامل في الحال أو المفعول له إذا قلت: أنت الرجل علما، فكأنه قال: أنت العالم علما، ثم تقيم الرجل مقام العالم، ولا يجوز: أنت الرجل خيلا؛ إذ لا يمكن أن يشتقّ من لفظ الخيل اسم فاعل يكون الرجل في موضعه فينصب الخيل.
فإذا قلت: أمّا النّصرة فلا نصرة لك، وأما الحارث فلا حارث لك، وأمّا أبوك فلا

أبا لك، فليس في هذا كلّه إلا الرفع، ولا يجوز نصبه على مذهب من نصب العبيد؛ لأن هذه أشياء معلومة فلا يجوز حملها على المصدر المبهم، ويحتمل قولك: أما أبوك فلا أبا لك معنيين: أحدها: أن تجعل أباه غير فاعل به ما يفعله الآباء من النصرة له والبرّ به.
وإمّا أن تكون حال عرضت لأبيه أعجزته عن ذلك، وهكذا قولهم: أمّا النصرة فلا نصرة لك، إمّا أن يكون منع منها ومن منافعها، أو تغيرت هي في نفسها فبطل منافعها.
وقوله: (وسمعنا من العرب من يقول: أمّا ابن مزنيّة؛ فأنا ابن مزنيّة؛ كأنه قال: أما ابن مزنيّة فأنا ذاك، فجعل الآخر الأول كما كان قائلا ذلك في الألف واللام: أما ابن المزنيّة فأنا ابن المزنيّة، وإن شئت نصبته على الحال كما قلت: أمّا صديقا فأنت صديق، فإنه يريد: أنك إن شئت جعلته مبتدأ وخبرا، كأنه قال: أما ابن مزنيّة فأنا هو، وأنا ذاك، وإن شئت نصبته حالا على التفسير المتقدم).
وقوله: (وأمّا قول الناس للرجل: أمّا أن يكون عالما فهو عالم وأما أن يعلم شيئا فهو عالم، فقد يجوز أن تقول: أمّا أن لا يكون يعلم فهو يعلم وأنت تريد أن يكون، كما جاءت: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ 1 في معنى لأن يعلم أهل الكتاب.
فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر، لأنّ أن مع الفعل الذي يكون صلة بمنزلة المصدر، كأنّك قلت: أمّا علما وأمّا كينونة علم فأنت عالم.
ألا ترى أنّك تقول: أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم، كأنّك قلت نزالا وخصومة، وأنت تريد المصدر الذي في قوله فعل ذاك مخافة ذاك.
ألا ترى أنك تقول: سكتّ عنه أن أجترّ مودّته، كما تقول: اجترار مودّته.
ولا تقع أن وصلتها حالا يكون الأوّل في حال وقوعه، لأنّها إنما تذكر لما لم يقع بعد.
فمن ثم أجريت مجرى المصدر الأوّل الذي هو جواب لمه؟).
فإنه يريد: أنك إذا أدخلت أن بعد أمّا فهي وما بعدها مصدر لا تكون في معنى الحال، ولا مصدرا يعمل فيه الفعل الذي هو من لفظه، كعمل ضربت في ضربا إذا قلت ضربت ضربا؛ لأن أن لا تدخل على هذين لأنهما للمستقبل؛ لكون الفعل الذي بعدها مستقبلا بل يكون مفعولا له، كقولك: كلمت زيدا لأن أجترّ مودته، وفعلت ذلك مخافة

الشّرّ، ويحسن في هذا دخول لا زائدة، فيقول: أمّا أن لا يكون وأنت تريد ما يكون؛ لأن الفعل إذا قصد به كون شيء، فقد قصد به نفي ضده.
ألا تراك لو قلت: فعلت هذا الأمر لغضبك، تريد: فعلته من أجل ما أخشاه من غضبك، أو لأن يقع غضبك، كان كلاما صحيحا.
فإذا قلت فعلت هذا لأن لا تغضب، لم يخرج عن هذا المعنى، وفي القرآن: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (1)، لأن التقدير: يبين الله لكم الضلال المتوهّم منكم لو لم يبيّن، وهذا الوجه أحبّ إليّ من قول من قال: كراهة أن تضلّوا، وكذلك قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (2) إن لم تجعل (لا) زائدة لم تكن الضرورة داعية إلى زيادتها، لأنّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ (3)، أي: يفعل بكم هذه الأشياء ليبين جهل أهل الكتاب، وأنهم لا يعلمون أنّ ما يؤتيكم الله من فضله في ذلك لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة (لا).

هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي ليست بصفة ولا مصادر لأنه حال يقع فيه الأمر فينتصب لأنه مفعول فيه

(وذلك قولك: كلمته فاه إلى فيّ، وبايعته يدا بيد، كأنه قال: بايعته نقدا، وكلمته مشافهة، أي في هذه الحال).
قال أبو سعيد: اختلف الناس في ما نصب فاه، فأصحابنا يقولون: إن الناصب: كلمته، وإنه لا إضمار فيه، وجعلوه نائبا عن: مشافهة التي معناها: مشافها، وجعلوه من الشاذ المحمول على غيره، لأنه معرفة، وأنه اسم غير صفة، فصار بمنزلة قولك: الجمّاء الغفير، ورجع عوده على بدئه.
وقد ذكرنا شرح ذلك.
والكوفيون ينصبون: فاه بإضمار: جاعلا.123

كأنه قال: كلمته جاعلا فاه إلى في، ولو كان على ما قالوا من إضمار: جاعل ما كان فيه شذوذ، ولجاز أن يقال: كلمته وجهه إلى وجهي، وعينه إلى عيني، ولم يقل هذا أحد فدلّ على أنه شاذ، كما قال أصحابنا فلذلك لم يقس عليه، وأكثر أصحابنا أجاز تقديم فاه منصوبا لما كان العامل فيه: كلمته، وهو فعل ومعمول، كقولك: قائما ضحك زيد، وضحك زيد قائما.
ولهذا أجاز المازني والمبرد: شحما تفقأت، ولم يجيزا: زيد ثوبا أنظف منك، تريد: زيد أنظف منك ثوبا، لاختلاف العاملين.
ومن أصحابنا من زعم أن مذهب سيبويه يمنع أن يقال: فاه إلى فيّ كلمته، لأن هذا كلام في غير موضعه، وقد منع سيبويه: جاء زيد سرعة قياسا على جاءني زيد مشيا، لأن مشيا بمعنى: ماشيا، ليس بقياس يطرد في نظائره، فإذا منع القياس في هذا كان في تقديم فاه أولى.
والكوفيون يمنعون تقديمه- أيضا- مع قولهم: إن العامل فيه: جاعل، ويلزمهم جوازه لأن جاعلا لا يمنع من العمل فيما قبله.
قال سيبويه: (وبعض العرب يقول: كلمته فوه إلى في، كأنه قال: كلمته وفوه إلى في، أي كلمته، وهذه حاله).
قال أبو سعيد: من رفع فالتقدير: كلمته أي: كلمته وهذه حاله، ومن نصب فليس على تقدير الواو ألا تراك تقول: كلمت زيدا قائما، وكلمت زيدا وهو قائم إذا أتيت بالواو في موضع الحال لم يكن ما بعدها إلا مبتدأ وخبر، فأما بايعته يدا بيد فلا يجوز بايعته يد بيد ولا بايعته ويد بيد، وليس إلا النصب لأنك لو رفعت كان التقدير: بايعته ويده في يدي، وليس هذا هو الغرض بل معنى قولهم: بايعته يدا بيد، أي: بايعته بالنقد والتعجيل سواء كان منه قريبا أو بعيدا، وإذا قال كلمته فوه إلى في فإنما تريد أن تخبر عن قربه منه وأنه مشافهة وليس بينهما أحد، ومثله من المصادر مما تلزمه الإضافة ويجوز فيما بعده الابتداء وأن يكون حالا قولهم: رجع فلان عوده على بدئه، كأنه قال: أتاني فلان عودا على بدء، غير أنه لا يستعمل مفردا في الكلام وإنما قدرناه مفردا ليبين، ومن قال كلمته فوه إلى في، أجاز الرفع في قوله قال: رجع فلان عوده على بدئه، كأنه قال: أتاني فلان عودا على بدء، غير أنه لا يستعمل مفردا وإنما قدرناه مفردا، والمعنى: رجع فلان وعوده على بدئه، والمعنى لم يتغير.

قال سيبويه: (ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه الفعل بعت الشاء شاة ودرهما، وقامرته درهما في درهم، وبعت داري ذراعا بدرهم، وبعت البرّ قفيزين بدرهم، وأخذت منه زكاة ماله درهما لكل أربعين درهما، وبينت له حسابه بابا بابا، وتصدقت بمالي درهما).
قال أبو سعيد: هذه هي الأسماء المنصوبة هي حالات جعلت في موضع مسعرا، فإذا قال: بعت الشاء شاة بدرهمين، فالمعنى: بعت الشاء مسعرا على شاة بدرهم، وجعلت الواو في معنى الباء فبطل خفض الدرهم وعطف على شاة، فاقترن الدرهم والشاة فعطفت أحدهما على الآخر، وإن كانت الشاة مثمنا والدرهم ثمنا، وأما قامرته درهما في درهم فالمعنى: قامرته هذا الضرب من القمار، والتقدير: قامرته بادلا درهما في درهم، ثم جعل درهما في موضع الحال، وهكذا بعته داري ذراعا بدرهم، وبعت البر قفيزين بدرهم، على معنى مسعرا بهذا السعر، وأخذت منه زكاة ماله درهما لكل أربعين درهما، فإنه قال: أخذت زكاة ماله فارضا أو مقدرا هذا الفرض، والتقدير: وبينت له حسابه بابا بابا أي: مصنفا ومبوبا وتصدقت بمالي درهما درهما، أي مفرقا هذا التفريق فأما صاحب الحال في هذا فإن الذي منه الحال في: بعت الشاء شاة، ودرهما هو الشاء، وأما في قامرته فيجوز أن يكون من الهاء، ويجوز أن يكون منهما لأنهما بمعنى واحد، ألا تراك تقول: تقامرنا درهما في درهم فتكون الحال من الاثنين، أي: تقامرنا متقامرين هذا الضرب من القمار، وقد يقول القائل: ضربت زيدا قائمين والمعنى: أنهما جميعا قائمان ومن بعت داري من الدار ومن بعت البر من البر، وأما أخذت زكاة ماله فيجوز أن يكون من التاء ويجوز التقدير: فارضا هذا الفرض ويجوز أن يكون من الزكاة فتكون مفروضة هذا الفرض، وأما بينت حسابه بابا بابا فيجوز أن يكون من التاء على معنى: مصنفا ومبوبا، ومن تصدقت بمالي، يجوز أن يكون من المال فيكون مفرقا ومن التاء فيكون مفرقا هذا الضرب من التصريف وقوله (فأما قول الناس: كان البرقفيزين وكان السمن منوين، فإنما استغنوا هاهنا عن ذكر الدرهم لما في صدورهم من علمه، ولأن الدرهم هو الذي يسعر عليه) قال المفسر: فإنه يريد أنهم قد حذفوا الثمن في هذا لما عرف بعادة الناس في ذلك؛ لأنهم قد اعتادوا الابتياع بثمن بعينه، دراهم أو دنانير فتركوا ذكره اكتفاء بمعرفته، كما يقال لنا: الخبز عشرة، أي: عشرة

أرطال بدرهم، والكرّ بثلاثين، يراد: الكرّ من الحنطة، وبينت حسابه بابا بابا لأن الحذف هناك يغير المعنى، وهذا غير مغيّر لما عرف مكانه.
وقوله: (وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول بعت الشاء شاة ودرهم، وإنما تريد: شاة بدرهم)، فإنه يريد أن شاة بدرهم ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والتقدير: شاة منه ودرهم مقرونان، كما يقال: كل رجل وضيعته بمعنى: مع ضيعته وكذلك شاة منه مع درهم، لأن الواو في معنى مع، فصح معنى الكلام بذلك، فلما رفع الدرهم وعطف على الشاة قدّر خبرا.
لا يخرج عن معنى (مع)، وهو ومقرونان ونحوه، وعلى هذا يجوز في قول الخليل: بعت الدار ذراع ودرهم، وتكون الجملة في موضع الحال، كأنه قال: بعت الدار مسعّرة هذا السعر.
قال: (وزعم الخليل أنه يجوز بعت داري الذراعان بدرهم، وبعت البر القفيزان بدرهم)، ولا يجوز بعت داري الذراعين بدرهم، ولا بعت البرّ القفيزين بدرهم، لأنه في موضع الحال، ولا يجوز أن تكون بالألف واللام.
وقوله: (كلمته فاه إلى فيّ) شاذ لا يقاس عليه، وإنما جعل بمنزلة المصدر الذي يكون حالا وهو معرفة نحو: أرسلها العراك، وفعلت ذاك طاقتي.
(وليس كل مصدر في هذا الباب تدخله الألف واللام ويكون معرفة بالإضافة)، فيصير حالا، فالأسماء المعارف أبعد أن تكون حالا من المصادر، ألا ترى أنك تقول: لقيته قائما وقاعدا، ولا تقول: لقيته القائم والقاعد، فلذلك لم يجز أن تقول: بعت البر القفيزين بدرهم ولا بعت الدار الذراعين بدرهم لأنك تجعله في موضع مسعر وفيه الألف واللام، وإنما جاز: الذراعان بدرهم، والقفيزان بدرهم لأنه مبتدأ وخبر في موضع الحال، والعائد إلى الأول ضمير محذوف كأنه قال: الذراعان منها والقفيزان منه بدرهم، كما تقول: لقيت زيدا أبوه قائم، فتكون الجملة في موضع الحال ل (زيد).
ومثله: بعت الثوب ربح الدرهم درهم، فربح: مبتدأ، ودرهم: خبره، والجملة في موضع الحال، كأنه قال: ربح الدرهم فيه درهم.
وقوله: (قال الخليل: لا يجوز: ربحت الدرهم درهما حتى تقول: ربحت في الدرهم درهما أو الدرهم وكذلك وجدنا العرب تقول قال: (ولا يجوز حذف الجار إلا فيما استعملت العرب حذفه، ألا ترى أنك لا تقول: مررت أخاك، تريد: بأخيك) ولا

رغبت زيدا وأنت تعني: رغبت في زيد، ولا تكلمت زيدا، وأنت تعني: تكلمت في زيد، ولا نزل زيدا، وأنت تعني: نزل علي زيد لأن هذا ليس من صفة الكلام فإنه يريد أنه ليس بمنزلة بايعته يدا بيد، الذي هو من صفة البيع، لأنه يعطي بيد ويأخذ بيد، ولا تقول: كلمته يدا بيد لأنه لا علقة للكلام في ذلك.
وقوله: (قال الخليل: إن شئت جعلت رجعت عودك على بدئك مفعولا، ولا بمنزلة قولك: رجعت المال على زيد، ورددت المال عليك، كأنه قال: ثنيت عودي على بدئي)، فإنه يريد أن قوله رجع زيد عوده على بدئه، يكون عوده بدأ نصبا يرجع على أنه مفعول به، كما تقول: رجعت زيدا، أي: رددته، كما قال تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ (1)، أي: ردك الله، وكذلك إن قدرته على: ثنيت عودي على بدئي فهو مفعول به لأن معناه: عطفت، ولا يكون حينئذ في موضع الحال.

هذا باب ما ينتصب فيه الاسم لأنه حال

(يقع فيه السعر وإن لم يلفظ بالفعل، وذكر الباب).
قال أبو سعيد: إذا قلت لك: الشاء شاة بدرهم، فالشاء: مبتدأ، ولك: خبر مقدم، وشاة بدرهم: حال.
كأنك قلت: وجب لك الشاء مسعرا بهذا السعر، ولو اكتفيت بقولك: لك الشاء، وسكت، جاز لتمام الاسم والخبر.
وقوله: (إن شئت ألغيت لك).
يعني: لم يجعلها خبرا، فتقول على هذا: لك الشاء شاة بدرهم، فتكون الشاء: مبتدأ، وشاة: مبتدأ ثانيا، وبدرهم: خبرها، والتقدير: شاة منها بدرهم، كأنك قلت: الشاء شاة منها لك بدرهم.

هذا باب ما يختار فيه الرفع والنصب لقبحه أن يكون صفة

(وذلك قولك: مررت ببرّ قبل قفيز بدرهم، وسمعنا العرب الموثوق بهم ينصبونه، وسمعناهم يقولون: العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم)، وذكر الباب.
قال أبو سعيد: يريد أن يقبّح أن يجعل قفيزا نعتا للبرّ، فتقول: مررت ببرّ قفيز منه1

بدرهم؛ لأن القفيز ليس بحلية ولا وصفا، وإنما هو مكيال، فإما أن تجعله مبتدأ وما بعده خبر، وتكون هذه الجملة في موضع خبر أو حال أو نعت.
فالخبر قولك: البر قفيز منه بدرهم، والحال: مررت ببرّك قفيز منه بدرهم، فجملة المبتدأ والخبر في موضع الحال من برّك، والنعت: مررت ببر قفيز منه بدرهم: مبتدأ وخبر في موضع النعت، كقولك: مررت برجل أبوه قائم، وتنصب قفيزا على الحال ولا تكون جملة، والاختيار إذا كان الذي قبله نكرة أن لا تنصب، ولكن تجعل جملة في موضع الحال.
ولهذا قالوا: (العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم) حملوه على الهاء في به، وهي معرفة، وحسن أن يكون حالا، ولم يحسن أن يكون صفة لأنهم قد يجعلون الجواهر أحوالا.
يقولون: هذا مالك درهما، وهذا خاتمك حديدا، ولا يحسن أن تجعله صفة، فتقول: مررت بخاتم حديد، ولا مررت بمال درهم، لأن الحال خبر، والخبر يكون بالاسم وغيره، والصفة لا تكون إلا لتحلية.

هذا باب ما تنتصب فيه الصفة لأنه حال

(وقع فيه الأمر وفيه الألف واللام شبهوه بما يشبّه من الأسماء بالمصادر نحو قولك: فاه إلى فيّ، وليس بالفاعل ولا المفعول) وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: حق الصفة أن تكون تحلية في الموصوف في حال الإخبار عنه إذا كان معرفة كقولك: العاقل والأحمق، والبصري واليمني، والقائم والقاعد، لأن هذه أشياء حاصلة في المحلّى لها، فإذا قيل: ليدخل العاقل، فالعاقل معروف في وقت الأمر، ولا يجوز أن تقول: ليدخل الأول إلا أن يكون اسما لواحد قد استحقه، هذا هو القياس.
وقد اتسعوا في مثل هذا فأمروا بالفعل الذي يستحق فاعله به صفة ما، وأوقعوا تلك الصفة عليه قبل وقوعه منه على معنى ما تكون فيه فيقولون: ليدخل الأول، ومعناه: ليدخل رجل من القوم إذا دخل صار الأول فهذا المفروض فيه، فسموه بالأول قبل استحقاقه على هذا المعنى، ومن أجل هذا المعنى جاز أن تجعل الأول فالأول حالا، لأنه ليس بصفة مستقرة كالعامل وأنها نصبت أولا في ترتيب الفعل إذا سبق فيه فأشبه النكرات.

وقال المبرد: إنما أدخلوا الألف واللام في قولهم: ادخلوا الأول فالأول، كأن القائل قال: أعرفكم إذا دخلتم، وإذا قالوا: ادخلوا أولا فأولا، وليس يعرف ترتيبهم إذا دخلوا على ذلك فصار منكورا.
وحكى سيبويه: (أن عيسى بن عمر كان يقول: ادخلوا الأول فالأول) على البدل من الواو (لأن معناه: ليدخل) الأول فالأول، ولم يجز ذلك سيبويه لأن لفظ الأمر للمواجه، لا يجوز أن يعرّى من ضمير، وإذا أبدل الظاهر منه فكأنه لا ضمير فيه، ألا ترى أنه لا يجوز: ادخلا الزيدان، ولا ادخلوا غلمان زيد، فتبدل من ضمير الاثنين والجماعة المخاطبين لأنا لا نقول: ادخل غلمان زيد، فإذا أبدلنا فقد أبطلت الواو.
ولم يفسر سيبويه علته بل جوزه على وجه من وجوه ما يحمل على المعنى، وهو قولهم: ليبك يزيد ضارع لخصومة 1 ومثال هذا من الكلام أن تقول ومختبط مما تطيح الطوائح: ضرب زيد عمرو، ومعناه: أن عمرا ضرب زيدا، خبرت عن زيد بالضرب الواقع به، ولم تسم الفاعل؛ أردت أن تبتدئ الفاعل، فقلت: عمرو على معنى: ضربه عمرو فهو على كلام ثان، فعلى هذا، قال الشاعر: ليبك يزيد... كأنه حث على البكاء عليه حين مات لما فات من منافعه، ولم يذكر الباكي، ثم قال: ضارع لخصومة، أي: ليبكه من كان يعينه ويأخذ بيده فحمل ضارعا على معنى: ليبك إذا كان يبكي يدل على باك، فكذلك ادخلوا فيه معنى: ليدخل القوم، ولو قال: ليدخل القوم الأول فالأول لجاز بلا خوف لأنه أمر للغائب يجوز أن يليه الظاهر، ويكون بدلا من المضمر الذي فيه: قال سيبويه: (فإذا قلت: ادخلوا الأول والآخر والصغير والكبير رفعت، فليس معنى رفع هذا على البدل، وإنما هو على التوكيد كقوله: ادخلوا كلكم لأن معناه

معنى: كلهم).
وذكر الباب.
قال أبو سعيد: إذا قلت: ادخلوا الأول والآخر، والصغير والكبير فرفعت، ليس رفع هذا على البدل، إنما هو على التوكيد كقولك: ادخلوا كلكم، ولا يقع مثل هذا في الفاء لأنه لا يجوز أن تقول: مررت بزيد أخيك صاحبك، وصاحبك نعت لزيد، إنما تقول: مررت بزيد أخيك وصاحبك كقول الشاعر: ويأوي إلى نسوة عطّل … وشعث مراضيع مثل السّعالى (1) فعطف شعثا على عطل، وهما جميعا نعتان لنسوة، وكذلك تقول: مررت بزيد الفقيه والبزاز، ولا يحسن أن تقول: فالبزاز، ولو قلت: عطّل فشعث- أيضا- لم يحسن.

هذا باب ما ينتصب من الأسماء والصفات لأنها أحوال تقع فيها الأمور

(وذلك قولك: هذا بسرا أطيب منه تمرا، فإن شئت جعلته: حينا قد مضى، وإن شئت جعلته: حينا مستقبلا غير أنه لا بد على دليل على المضي منه والاستقبال).
قال أبو سعيد: الباب إنما يأتي لتفضيل شيء في زمن من أزمانه على نفسه في سائر الأزمان، فيجوز أن يكون الزمان الذي فضل فيه ماضيا، وأن يكون مستقبلا غير أنه لا بد من دليل على المعنى منه، والاستقبال بحسب ما يفضل من ذلك، فإن كان زمانا ماضيا أضمرت أن، وإن كان مستقبلا أضمرت إذ، فإذا قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، وكانت الإشارة إليه في حال ما هو تمر أو رطب، فالتفضيل لما مضى والتقدير لهذا: إن كان بسرا أطيب منه إذ كان تمرا فهذا مبتدأ، وخبره أطيب منه، وبسرا وتمرا جميعا حالان من المشار إليه في زمانين، والعامل في الحال (كان)، وفي كان ضمير من المبتدإ.
وقوله: (مررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون).
فأخبث الأول حال من الرجل، وأخبث الثاني نعت له في موضع خفض، إلا أنه لا ينصرف، وأخبث الثالث في موضع الحال من كان منك، والتقدير: مررت برجل إذا كان أخبث ما يكون، أو إذا كان أخبث ما يكون إذا كنت أخبث ما تكون، ولو رددت هذا1

إلى ما يبين فيه الإعراب لقلت: مررت برجل شر ما يكون شر منك شر ما تكون، وكذلك: مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون، وهو أخبث منك إذا كنت أخبث منك إذا كنت أخبث ما تكون.
وهذا كله على التقدير الذي ذكرته لك، ونصبه على الحال، والعامل كان، وإن شئت فقلت مررت برجل خير ما يكون أي: خير أحواله، وخير منك خير، والتقدير: خير أحواله خير من أحوالك وهذا كلام على المجاز والمستعمل أن تقول: زيد خير منك، أو حال زيد خير من أحوالك فتخبر عن الأول بما يشاكله، وإنما جاز أن تقول: خير أحواله خير منك على نحو مجاز قولهم: نهارك صائم وليلك قائم، وإنما معناه: صاحب نهارك، وصاحب ليلك، والمخاطب هو صاحب الليل والنهار، ثم قال سيبويه: (وتقول: البرّ أرخص ما يكون قفيزان، أي البرّ: أرخص أحواله التي يكون عليها قفيزان)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: البرّ: مبتدأ، وأرخص ما يكون: مبتدأ ثان، وقفيزان: خبر المبتدأ الثاني، والجملة: خبر للبرّ، والعائد إليه محذوف، تقديره: أرخص ما يكون منه ومعناه: أرخصه قفيزان، والحذف في هذه الأشياء مطرد، وقد مضى نحوه، فأما البيت الذي أنشده سيبويه وهو: الحرب أوّل ما تكون فتيّة … تسعى ببزّتها لكلّ جهول 1 ففيه ثلاثة أوجه: وجه يرفع فيه: أول، وفتية.
والثاني: نصب أول ورفع فتية.
والثالث: رفع أول ونصب فتية.
فمن رفع أول وفتية وأنت تكون، فإنه جعل الحرب مبتدأ وأول مبتدأ ثان، وفتية خبر أول وكان حقه أن يكون أول فتى، لأنه خبر أول، وأول مذكر، ولكنه حمله على المعنى، وأنث لأن المعنى أول أحوالها، نحو قولك: بعض أحوالها، فأنث المضاف لتأنيث المضاف إليه، كقولهم:

ذهبت بعض أصابعه … إذا بعض السنين تعرفتنا ومن نصب أول ورفع فتية، جعل فتية خبر الحرب، وجعل أول: ظرفا له، كأنه قال: الحرب فتية في أول ما تكون، وحذف في، وأما من رفع أول ونصب فتية على الحال، فكأنه قال: الحرب أول ما تكون إذا كانت فتية.
ويجوز فيه وجه رابع، وهو نصب أول وفتية ويجعل الحرب مبتدأ، ويجعل خبرها: تسعى، ويجعل أول ظرفا، ينصبه ب (تسعى)، وتكون فتية خبر تكون.
قال سيبويه: (وأما عبد الله أحسن ما يكون قائما، فلا يكون فيه إلا النصب لأنه لا يجوز لك أن يجعل أحسن أحواله قائما على وجه من الوجوه).
قال أبو سعيد: كان الأخفش يجيز رفع قائم، وأجازه المبرد كان التقدير إذا قلت: أحسن ما يكون، فقد قلت: أحسن أحواله، وأحسن أحواله هو عبد الله ويكون قائما خبرا له، وعلى مذهب سيبويه إذا قلت: أحسن ما يكون، فمعناه: أحسن أحواله، وأحواله ليست إياه، وقائم هو عبد الله، ولا يجوز أن يكون خبرا لأحسن، وهذا اختيار الزجاج، وهو عندي الصحيح ولأنا إذا قلنا: زيد أحسن أحواله قائم لم يجز لأن قائما ليس من أفعاله، فإن قيل: فقد قال: عبد الله أحسن صفاته قائم فما تنكر أن يكون مصدر الفعل، وإذا كان كذلك صار بمنزلة: أحسن أفعاله وصفاته: قائم، وقاعد، ونائم، ونحو ذلك، وقائم بعض صفاته وكان المبرد لا يجيز: عبد الله أحسن ما يكون القيام.
ونصب قائما عند سيبويه على معنى: عبد الله أحسن ما يكون إذا كان قائما على ما ذكرنا في أول الباب، والعامل في إذا، وإذ فيما تقدم من قوله: هذا بسرا أطيب منه تمرا أطيب.
وإنما جاز أن يعمل فيها أطيب وإن كان أطيب لا يتصرف ولا يعمل فيما قبله من الحال والمصدر، لأن ما يعمل في الظروف قد يكون ضعيفا متأخرا.
يعمل بمعناه.
ألا ترى أنك تقول: زيد الساعة في الدار، ولا تقول: زيد قائما في الدار، وتقول: زيد الساعة أخوك تريد به الصداقة، ولا تقول: زيد قائما أخوك، وإن أردنا به الصداقة.
وتقول: زيدا أخوك أخوّة مؤكدة، ولا تقول: زيد أخوة مؤكدة أخوك، فأطيب في قلة تمكنه وعمله، بمنزلة أخوك في قلة تمكنه وعمله في التأويل بلفظ الفعل وبالجري مجراه وحملنا قولنا: بسرا في النصب على إضمار ظرف من الزمان وكان أولى الظروف

بذلك إذ وإذا اللذين يتضمنان ما مضى وما يستقبل من الزمان إذ كان التفضيل الواقع في ذلك يكون للماضي والمستقبل، ووصلا بكان لأنها موضوعة للعبارة عن الزمان والذي بعده من الحال منصوب بكان والذي عمل فيه أطيب هو الظرفان " إذ "، و " إذا " على ما ذكرنا من عمل ما يعمل من غير المتمكن في الظرف المتقدم وكان بمعنى وقع.
قال سيبويه: (وتقول: عبد الله أخطب ما يكون يوم الجمعة والبداوة أطيب ما يكون شهري ربيع).
وذكر الباب.
قال أبو سعيد: نصب يوم الجمعة وشهري ربيع على الظرف ومن رفع يوم الجمعة وشهري ربيع، فلأن أخطب ما يكون بمنزلة المصدر، وقد يخبر عن المصادر بالظرف من الزمان، ثم يجوز في ظروف الزمان إذا كان معرفة أو ما جرى مجراه نصب الظروف ورفعه، فمن نصب قال: القتال يوم الجمعة، كما تقول: زيد خلفك، والناصب تقديره: القتال كائن يوم الجمعة، ومن رفع فالتقدير: وقت القتال يوم الجمعة، وذلك مطرد.
وأما إذا كان ظرف الزمان نكرة مؤقتا، فإن أكثر كلام العرب الرفع كقولك: سيرنا يومان، ومقامنا شهران، قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 1، وقال عز وجل: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها 2 فهذا أكثر كلام العرب، وجاز: أخطب أيامه يوم الجمعة، على سعة الكلام، وكأنه قال: أطيب الأزمنة البداوة شهرا ربيع وأخطب الأيام التي يكون عبد الله فيها خطيبا يوم الجمعة، ومثله في السعة قول الله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 3 وهما لا يمكران وإنما يمكر فيهما، وقوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً 4، والنهار لا يبصر وإنما يبصر فيه.
وقوله: آتيك يوم الجمعة أبطؤه فترفع أبطؤه على معنى: ذلك أبطؤه، وتضمر الخبر أي: ذلك أبطؤه، على ذلك التفسير، ويوم السبت أبطؤه، فتجعل أبطؤه خبر يوم السبت، وأعطيته درهما أو درهمين أكثر ما أعطيته وأكثر، فإنه يريد أنك إذا نصبت أكثر، فإن شئت جعلته مفعولا به بدلا من الدرهمين، وإن شئت نصبته على الحال، كأنه قال: أو

درهمين في حال كثرته، لأنه أكثر ما دونه ففيه لهذا تأويل كثير.
ولك أن تقول: أعطيته درهما أو درهمان أكثر ما أعطيته، قلت: آتيك يوم الجمعة أو يوم السبت أبطؤه.
يكون درهمان: مبتدأ، وأكثر: خبرا، وإنما جاز أن يكون أكثر ما أعطيته: نصبا على الحال، وهو مضاف إلى (ما) لأن ما يجوز أن يكون نكرة فلا يتعرّف أكثر بالإضافة إليها، كما قال: ربّما تكره النفوس من الأمر … له فرجة كحلّ العقال (1) فأدخل عليه ربّ.

هذا باب ما ينتصب من الأماكن والوقت

(وذلك لأنها ظروف توقع فيها الأشياء وتكون فيها فانتصبت لأنه موقوع فيها، ويكون فيها، وعمل فيها ما قبلها.
كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما، عمل فيه ما قبله).
قال أبو سعيد: ولا أعلم خلافا بين البصريين، أنك إذا قلت: زيد خلفك وكذلك سائر ما يجعل الظروف خبرا له أنه منصوب بتقدير فعل هو استقر أو وقع أو حدث أو كان أو نحو ذلك، وقال الكوفيون: إذا قلت: زيد خلفك، فلم ينتصب " خلفك " بإضمار فعل، ولا بتقديره وإنما ينتصب بالخلاف الأول، ولأنّا نقول: زيد أخوك، فيكون الأخ هو زيد، وكل واحد منهما يرفع الآخر، وإذا قلت: زيد خلفك، كان خلفك مخالفا، لزيد لأنه ليس هو فنصبناه بالخلاف، وهذا فاسد من وجوه: أحدها: أنه لو كان الخلاف يوجب النصب لوجب أن ينتصب الأول لأنه مخالف للثاني كما خالفه الثاني، وعلى أنهم يزعمون أن الأول رفع بعائد يعود إليه من خلفك، وذلك العائد في موضع رفع، فإذا ارتفع العائد فلا بد من رافع، فإذا كان في خلفك ما يرفع العائد وجب أن يكون ذلك الرافع هو الذي نصب خلفك، ومذهب البصريين: أنا إذا قلنا: زيد استقر خلفك أن في استقر ضميرا مرفوعا باستقر هو فاعله، وخلفك منصوب به.1

وفي كلام سيبويه: ما ظاهره ملبس لأنه جعل ما قبل الظروف هو العامل، فيجيء على هذا إذا قلت: هو خلفك أن يكون الناصب لخلفك هو أم زيد إذا قلت: زيدا خلفك.
ومراد سيبويه على ما ينتظم من مذهبه أن الذي ظهر دلّ على المحذوف، فناب عنه إذ كان المحذوف لا يسمع ولا يظهر فجعل ما ناب منه عاملا لبيانه، وإنما مثله بقوله: أنت الرجل علما، وعشرون درهما لأن الرجل إنما ينصب علما إذ كان بتقدير كامل ونحوه مما هو بمعنى الفعل، وكذلك عشرون درهما يقدر نصبه على مذهب ضاربين زيدا ونحوه من التقدير، وكذلك زيد خلفك بمعنى استقر فكان اشتراكها في نصب ما بعدها لاشتراك جميعها في تقدير ناصب لما بعدها من طريق المعنى والتشبيه.
قال سيبويه: (ومن ذلك: هو ناحية من الدار).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: إن المكان ينقسم قسمين، أحدهما: يكون ظرفا، والآخر لا يكون ظرفا.
ومعنى الظرف أن يكون الفعل لا يتعدى إلى المفعول به ويتعدى إليه بتقدير في فهذا لا يسوغ في كل مكان، ألا تراك تقول: قمت قدّامك وجلست مكانا عاليا، ولا تقول: قعدت السوق، ولا قمت السطح، حتى تقول: في السطح، وفي السوق من حيث يكون المكان ظرفا اطرد فيه حذف في.
فما يكون ظرفا من هذه الأماكن، فإن كان هذا الاسم يقع على مكان ولا يختص مكانا دون مكان، وما لا يكون ظرفا فإنه يختص مكانا دون مكان، فيما لا يختص خلف وقدّام ويسرة ويمنة، وميل وفرسخ.
وما كان من أسماء الأماكن مطلقا ومشتقا من فعل لا يخلو من مكان، فالمطلق هو المكان لأنه واقع على الأمكنة كلها، والمشتق هو المذهب والمتطرق والمجلس، وما كان منسوبا إلى وجهة معروفة نحو الشرقي والشمالي، والجنوبي، ويجري مجرى المكان في عموم الموضع لأنك تقول: قمت موضعا أو ذهبت موضعا، فلا يختص موضعا دون موضع، ويجري أيضا في باب العموم مصادر أفعال جعلت بمنزلة أسماء الأماكن المأخوذة من الفعل كقولك: هو قصدك، ومشيت قصدك فيجري مجرى المذهب والمنزل والمجلس، وكذلك حلّة الغور بمنزلة المذهب، ألا تراك تقول: قمت محل فلان، وحللت محل فلان، وغير هذا مما سيمرّ بك أو يمر بك نظيره.

وأما ما لا يكون ظرفا إلا أن يجيء منه شيء شاذ، فما كان من الأماكن مخصوصا لا يقع اسمه على مكان، وذلك نحو الدار والمسجد والسوق والسطح والحمام والبيت ونحو ذلك لو قلت: زيد البيت، أو أنت الحمام لم يجز، ولو قلت: أنت يمنة أو قدّام زيد، أو أنت مكانا طيبا كان جائزا مستمرا.
واعلم أن الظروف تنقسم قسمين: أحدهما متمكن، والآخر غير متمكن.
فالتمكن هو الذي يستعمل ظرفا وغير ظرف.
ومعنى غير ظرف: أنه تدخل عليه العوامل الخافضة والرافعة كسائر الأسماء، وذلك نحو الموضع والمكان، وإذا استعملت المكان ظرفا قلت: زيد مكانا طيبا وزيد مكانك، وإذا استعملت غير ظرف قلت: هذا مكانك، وأقمت مكانك، ونظرت إلى مكانك.
وأما الظرف غير المتمكن فهو الذي لا يدخله الرفع ولا حروف الجر، إلا من في بعضها، وذلك نحو: عند وقبل وبعد، فتقول: زيد عندك وزيد قبلك وعمر بعدك.
ولا يجوز أن تقول: طاب عندك، ولا قيم عندك، ولا قمت في عندك ولا قبلك، ولا سير بعدك.
والظروف المتمكنة بعضها أمكن من بعض لأن فيها ما لا يحسن أن تجعله متمكنا ويرفع إلا في ضرورة شعر أو مستنكرة من الكلام ونقل ذلك فيه قبل الرفع في خلف وقدّام ووراء وأمام وفوق وتحت، فإن هذه الجهات المحيطة بالأشياء كثر استعمالهم لها ظروفا وهي مبهمة، فربما استعملوها أسماء وترى ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما قول سيبويه بعد أن ذكر المبتدأ الذي بعده الظروف خبرا له: (فهذا كله انتصب على ما هو فيه وفي غيره، وصار بمنزلة النون التي تعمل فيما بعدها نحو: العشرين، ونحو قولك: خير منك عملا، فصار هو خلفك وزيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو موضع له، والذي هو في موضع خبره)، قال المفسر فإن بعض هذه العبارة إيهام لمذهب الكوفيين، وفي بعضها ما يوهم أن المبتدأ هو الذي ينصب الظرف، وحقيقة نصبه ما قدمناه من تقدير استقر ونحوه فأما إيهام مذهب الكوفيين فقوله إنا ننصب الظرف بالخلاف للأول، وقوله: على ما فيه.
فما للظرف وهو المبتدأ والهاء المتصلة ب (في) عائدة إلى ما وهي للظرف، وهو

الثاني عبارة عن الظرف والهاء في غيره عبارة عن المبتدإ.
فأما قوله: (وصار بمنزلة النون)، يعني صار المبتدأ بمنزلة النون، وهو عشرون، وخير منك في عملها فيما بعدها، لأن عشرين تنصب درهما إذا جاء بعدها، وخير منك ينصب عملا.
فظاهر هذا أن المبتدأ نصب الظرف الذي بعده، ثم حقق هذا بقوله: فصار هو خلفك، وزيد خلفك بمنزلة ذلك، يعني بمنزلة العشرين، وخير منك في نصبهما ما بعدهما.
وقوله: (والعامل في خلف الذي هو موضع له) ف (هو) الذي يرجع إلى خلف، والهاء في (له) ترجع إلى الذي، فكأنه قال: والعامل في خلف الاسم الذي الخلف موضع له، وذلك الاسم هو المبتدأ الذي هو في موضع خبره، وظاهر هذا كله: أن المبتدأ ينصب الظرف، فكما يرفع الخبر إذا كان هو هو نحو قولك: زيد أخوك، والأخ قد عمل فيه الأول فارتفع به، يعني أخوك قد عمل فيه زيد، فارتفع، وقوله: (وبه استغنى الكلام وهو ينفصل منه)، أي: ليس بنعت له، فهذا ما يقتضيه اللفظ ظاهرا، ويجوز أن يكون سيبويه جعل المبتدأ لمّا كان الفعل لا يظهر وكان ذكره نائبا عن ذكر الفعل، أقامه مقام الفعل في العمل لمّا ناب عن ذكره وأغنى عنه فنسب العمل إليه.
ويجوز أن يكون نسب العمل في الظرف إلى المبتدإ لأن فاعل استقر هو المبتدأ، فالمضمر هو المظهر وملابسته للفعل المضمر جاز أن يعبّر عنه أنه العامل فيه.
ومما يقوي أن الناصب للظرف الفعل المقدر الذي فيه ضمير المبتدإ، لأن الاسم لا يرتبط باسم هو غيره إلا بضمير يعود إليه، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد عمرو قائم، حتى تقول: إليه ونحو هذا، فلما كان الظرف غيره احتاج إلى شيء تربطه به، فكان الفعل المقدر الذي ينصب الظرف، وفيه ضمير الاسم.
وأما الكوفيون فإنهم يجعلون في الظرف عائدا، والظرف اسم لا يحتمل الضمير إلا بتقدير الفعل، أو تأويله.
قال سيبويه: (ومن ذلك قول العرب: هو موضعه وهو مكانه)، والموضع والمكان ظرفان متمكنان، وكذلك (هذا مكان هذا، وهذا رجل مكانك).
قال أبو سعيد: هذا يكون على معنيين كلاهما ظرف، أحدهما: أن يراد المكان

الذي يكون فيه، والآخر: أن يراد البدل منه في صنعة أو ولاية.
فتقول: زيد مكان عمرو، بمعنى أنه في الموضع الذي فيه عمرو، والآخر أن تريد: أنه بدل عمرو في عمله أو ولايته، ويجوز أن يدخل عليه حرف الجر، فيقول: هذا في مكانك، ومعي رجل مكان فلان، أي: معي رجل يكون بدلا منه يعني غناءه، (ومثله هو صددك وسقبك)، فمعنى: صددك، قصدك، ومعنى سقبك: قربك.
ثم قال سيبويه: (واعلم أن هذه الأشياء كلها قد تكون أسماء غير ظروف بمنزلة: زيد وعمرو وسمعنا من العرب من يقول: دارك ذات اليمين)، وذكر الفصل.
فإنه يريد: أن الظروف نحو: خلف وأمام، وذات اليمين، وإن كانت ظروفا، فإنها قد تكون أسماء، وقد تتفاضل في التمكن، وسأذكر في آخر الباب جملة من ذلك، فأما قول الشاعر: فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه … مولى المخافة خلفها وأمامها 1 فإن في غدت ضمير الوحشية، وهي بقرة جرى ذكرها وكلا الفرجين موضعه رفع بالابتداء، وكلا وما بعده إلى آخر البيت: جملة في موضع الحال، والأصل أن تقول: فغدت تحسب أن كلا الفرجين مولى المخافة، فقدم كلا قبل أنّ، وأضمر في أن، فالهاء تعود إلى كلا، ومولى المخالفة هو خبر أن، ومعناه: صاحب المخافة وخلفها وأمامها بدل من كلا.
ومعنى البيت: أن هذه الوحشة غدت تحسب أن كلا طريقيها في العدو وفيها ما يريبها وتخاف منه، والطريقان هما: خلف وأمام، ثم قال سيبويه: (ومن ذلك أيضا هو سواك، وهذا رجل سواك، فهذا بمنزلة مكانك إذا جعلته بدلا، ولا يكون اسما إلا في شعر فإن بعض العرب لما اضطر في الشعر جعله بمنزلة غير، قال الشاعر وهو رجل من الأنصار: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم … إذا جلبوا منّا ولا من سوائنا 2 وقال الأعشى:

تجانف عن جلّ اليمامة ناقتي … وما عدلت عن قبلها لسوائكا) 1 وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: (ومثل ذلك أنت كعبد الله، كأنه يقول أنت في حال كعبد الله، فأجري مجرى بعبد الله، إلا أن ناسا إذا اضطرّوا في الشعر جعلوها بمنزلة مثل، قال الراجز: فصيّروا مثل كعصف مأكول 2. وقال: وصاليات ككما يؤثفين) 3 وذكر الفصل.
مثّل سيبويه، سواء غير متمكن لما استعمله الشاعر متمكنا في ضرورة الشعر بالكاف التي هي حرف قد وضعها الشاعر في موضع مثل اسما لأنها للتشبيه، كما أن مثلا للتشبيه قد دخل عليها ما يدخل على مثل من العوامل، وأضاف مثل إلى الكاف في: كعصف، لأنه قدر مثل عصف، وأدخل عليها الكاف، وقوله: ككما يؤثفين الكاف الأولى حرف، والثانية اسم بمعنى مثل، فصارت الكاف في الضرورة في حكم مثل، كما صار سوى في حكم غير في التمكن، ثم بيّن سيبويه أن سوى والكاف جميعا بمنزلة الظروف، لأنك تقول: مررت بمن سواك، ونزلت على من سواك، ومررت بالذي كزيد، فصار كقولك: بمن عندك، وبالذي عندك، وهو غير متمكن، ولو قلت: بمن فاضل أو بالذي صالح، كان قبيحا، لأن فاضلا وصالحا، اسمان متمكنان فلا يحسن حتى تقول: بمن هو فاضل، وبالذي هو صالح، ولا يحسن أيضا أن تقول: مررت بمن مثل زيد، وبمن غير زيد، ولا بالذي مثل زيد: ولا بالذي غير زيد، لأنها أسماء متمكنة غير ظرف فلا بد من ذكر العائد الذي يعود إلى الذي، ومن.
وقد أجاز الكوفيون: زيد مثل عمرو، ويجعلون مثل ظرفا، كما تقول: زيد دون

عمرو وفوق عمرو.
قال: (وتقول: كيف أنت إذا أقبل قبلك، ونحي نحوك، كأنه قال: أنت إذا أريدت ناحيتك)، فإنه جعل قبلا ونحوا وناحية أسماء، وأقامها مقام الفاعل، وكذلك قوله: (كيف أنت إذا أقبل النقب الرّكاب)، لأن الركاب: اسم للإبل، وقد أقامه مقام الفاعل في أقبل، ونصب النقب وهو طريق في الجبل، فشبه قبلك ونحوك وناحيتك بالركاب في إقامته مقام الفاعل، فإن كانت هذه الأسماء تكون ظرفا في حال، والركاب لا تكون ظرفا.
وقوله: (وزعم الخليل أن النصب جيد إذا جعله ظرفا، وهو بمنزلة قول العرب: هو قريب منك، وقريبا منك، أي: مكانا قريبا منك، وحدثنا يونس: أن العرب تقول: هل قريبا منك أحد، كقولك: هل قربك أحد؟) فإن سأل سائل كيف حسن رفع هذه الظروف، ولم يحسن رفع خلف وقدام ونحوها إلّا في شعر؟ قيل له: لأن هذه الجهات المحيطة قد كثر استعمالها ظرفا، فقويت في الظرفية أكثر من قوة غيرها من أسماء الجهات، فكذلك بعد الرفع منها، وقوله: (وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد وذكر سيبويه " دون " في معنيين، أحدهما: أن تكون ظرفا ولا يجوز فيه غير النصب، وإنما يستعمل في معنى المكان تشبيها، فيقال: زيد دون عمرو في العلم والشرف ونحوه، كأن هذه المناقب منازل يعلو بعضها بعضا، كالأماكن التي بعضها أعلى من بعض، ثم جعل بعض الناس في موضع من الشرف أو من العلم، وجعل غيره أسفل من موضعه.
وقد أنشد في كتاب سيبويه بيتان ليسا من الكتاب في رفع دون، أحدهما: أراها يحسن الآل مرة … فتبدو وأخرى يكتسي الآل دونها 1 أنشده ناقصا.
والآخر: وعيرا تحمي دونها ما وراءها … ولا يحيطها الدهر إلا المخاطر 2

وليس البيتان بمعروفين وأمّا الموضع الآخر ل (دون) فأن تكون بمعنى: حقير أو مسترذل، فقال: هذا دونك، أي: هذا حقيرك ومسترذل.
كما تقول: ثوب دون، إذا كان رديئا، وجائز أن يكون دون الذي في المرتبة والمنزلة المستعمل ظرفا محمولا على هذا الرفع، لأنك إذا جعلته في مكان أسفل من مكانه على التمثيل صار بمنزلة أسفل وتحت، وهما يجوز رفعهما على التنكير على أن أسفل اسم متمكن إذا كان نقيض أعلى، تقول: هذا أسفل الحائط وهذا أعلاه، كما تقول: هذا رأسه وهذا آخره.
قال سيبويه: (وليس كل موضع يحسن أن يكون ظرفا).
وذكر الفصل.
فإنه يريد أنهم لا يقولون: هو جوف الدار وخارجها كما تقول: هو خلفك لأن خلف للأماكن التي تلي الأسماء من أقطارها إلى غير نهاية، لأن خلفك وقدامك وأقطارك كلها لا غاية لها، وجوف الدار وخارجها بمنزلة البطن والظهر، لأنه جزء من الدار وجزء من حدودها، وكما لا تكون الدار ظرفا، فكذلك أجزاؤها، فإن لم ترد هذا وأردت الجهة كان ظرفا، فقلت: زيد ناحية الدار، أي جهة الدار وقصد الدار، وكذلك هو ناحية من الدار، لأن هذا ليس بجزء من الدار، بل هو جهة غير الدار.
ثم بيّن سيبويه أن ما كان من المجرور، فهو خارج عن الظرف كما يخرج المرفوع عن الظرف أنك تقول: زيد وسط الدار بتسكين السين، فيكون ظرفا، ثم تقول: هو في وسط بتحريك السين، فيصير اسما كقولك: ضربت وسطه، وقطعت وسطه، فهذا بيّن من فصلهم بينهما في بنية اللفظ، وقوله: (واعلم أن الظروف بعضها أشد تمكنا من بعض في الأسماء نحو: القبل والقصد والناحية)، وذكر الفصل.
قال المفسر: فإنه يعني أن القبل والقصد والناحية استعملت في الأسماء أكثر من استعمال الخلف والأمام والتحت، فلذلك كثر الرفع وقوي وتمكن في الخلف استعماله ظرفا، وقل في الاسم، وقد جاء من ذلك ما تقدم ذكره في الكلام والشعر، فالكلام قولك: خلفك أوسع من قدّامك وأمامك أضيق ونحوه، وأنشدوا لحسان: نصرنا فما تلقى لنا من كتيبة … يد الدهر إلا جبرئيل أمامها 1 ومما يقوي النحو والقبل في الاسمية إذا قلت: نحي نحوك، وأقبل قبلك أنها لا تتسع

كاتساع خلف وقدام لأنها لم تقع على موضع يتسع، وإنما وقعت على موضع يقرب، وعرفت بما أضيفت إليه، وقد ذكر أصحابنا في الظروف بدل ولم يذكروا مثل، وذكره الكوفيون وأجازوا: زيد مثلك نحو زيد دونك أي: في المنزلة، وكذا هو مثلك في المنزلة واحتج لهم بقوله: إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 1 على أن مثلهم ظرف، كقولك: فوقهم ودونهم.
قال سيبويه: (وهذه حروف تجري مجرى خلفك، ولكنا عزلناها لتفسير معانيها، لأنها غرائب فمن ذلك حرفان ذكرناهما في الباب الأول لم نفسر معناهما، وهما صددك ومعناه: القصد، وسقبك ومعناه: القرب، ومنه قول العرب: هو وزن الجبل، أي ناحية منه، وهم زنة الجبل أي: حذاءه.
ومن ذلك قول العرب: قرابتك أي: قربك، يعني المكان، وهم قرابتك في العلم أي: قريبا منك في العلم، فصار هذا بمنزلة قول العرب: هو حذاءه وإزاءه وحواليه بنو فلان، وقومك أقطار البلاد).
قال أبو سعيد: هذه التي ذكرناها من الظروف جهات أجريت مجرى خلف وقدام، واستعملوا حول على التوحيد وعلى التثنية والجمع، فقالوا: حوله وحوليه وأحواله وحواله وحواليه، وهي جانبيه وجنباته، وهم قطريه وأقطاره، وذلك كله يصح، ومنه البيت الذي أنشده لأبي حيّة: إذا ما تغشاه على الرحل ينثني … مساليه عنه من وراء ومقدم 2 ومسالاه عطفاه، فصار بمنزلة: جنبي فطيمة، ويقال: زيد جنب الدار وجانب الدار، أي: ما قرب منها.
قال أبو سعيد: وأنا أذكر جملة من الظروف في بعضها خلاف بين الكوفيين والبصريين وفي بعضها وفاق لينكشف مذهب الظروف عند النحويين اتفق الكوفيون والبصريون أن خلفك وقدام عمرو ونحو هذا من أسماء الأماكن العامة هي ظروف، واختلفوا فيها إذا أفردت، فرأى البصريون أنها ظروف ومنع من ذلك الكوفيون، فقالوا:

إذا أفردت صارت اسما، فأجاز البصريون: زيد خلفا وقداما على الظرف، وقال الكوفيون: زيد خلف بمعنى متأخر وقدام بمعنى متقدم، وماذا قلت: قام زيد خلفا، وذهب قداما فنصبه عند البصريين على الظرف كما ينتصب لو قلت: ذهب قدامك وقام خلفك، وعند الكوفيين أن تقديره تقدير الاسم الذي هو حال، كأنه قال: قام متأخرا، وذهب متقدما، فإذا قلت: قام مكانا طيبا، فالبصريون يجعلون مكانا ظرفا، والكوفيون يقولون: إنه ناب عن قولك: فرحا ومغتبطا، وزعم الكوفيون أن الظرف، ويسمونه المحل، يحتاج إلى الإضافة لأنه يكون خبرا عن الاسم كما يكون الفعل خبرا عن الاسم لو قلت: ذهب زيد، فلما كان الفعل يحتاج إلى فاعل ويتصل به أشياء يطلبها الفعل من المصدر والمكان والزمان والمفعول ألزموا المحل الإضافة ليسد المضاف إليه مسد ما يطلبه الفعل ويدل عليه، وقال البصريون: إنما الإضافة لتعيين الجهة والتعريف، والأصل هو التنكير وإنما التعريف داخل عليه، وأجمع البصريون والكوفيون: أن الوقت يرفع وينصب إذا كان خبرا لمرفوع ابتدأ في حال تعريف الوقت وتنكيره، فالتعريف نحو قولك: القتال يوم الجمعة واليوم، وإن شئت قلت: اليوم يوم الجمعة، وأمّا التنكير فقولك: رحيلنا غدا وغد، كما قال النابغة: زعم البوارح أن رحلتنا غدا … وبذاك خبّرنا الغراب الأسود 1 ويروى غد، فإذا رفعت الخبر صار التقدير في الأول أن يكون الوقت مضافا إليه ومحذوفا منه، كأنك قلت: وقت القتال اليوم، وإذا نصبت فبإضمار فعل، كأنك قلت: القتال يقع اليوم أو وقع، وعلى هذا: زيارتنا عشيّ وعشيا ورواح ورواحا، فإذا كان الفعل مستغرقا للوقت كله، فإن البصريين يجيزون نصبه على الظرف، كما يجيزونه في غير المستغرق لجميع الوقت ويدخلون عليه في.
والكوفيون لا يجيزون فيه النصب ويجعلونه خبرا هو الأول، ولا يدخلون في.
فقول البصريين: صيامك يوم الخميس، ويوم نصب ورفع، والصوم يستوعب اليوم، وجوز في قوله: (صمت في يوم الخميس)، ومذهب الكوفيين رفع اليوم، ولا يجيزون نصبه، ولا يدخلون في لأنها عندهم توجب التبعيض، والصوم يستوعب اليوم، والصحيح

قول البصريين لأن في لا يمتنع دخولها على زمان الفعل وإن قلّ، ألا ترى أنك تقول: قد سار في بعض النهار، ولم يسر فيه كله فالجزاء الذي وقع فيه السير واستوعبه قد دخلت عليه في، وتقول: تكلمت في القوم أجمعين فتدخل في على القوم وقد استوعبهم الكلام، فكذلك لم تدخل في على اليوم، وإن استوعبه الكلام، وقد منع الكوفيون أن يقال: زيد خلفك أشد المنع، واحتالوا لما جاء في الشعر ما فيه تعسف حين قال بعضهم في قوله: إلا جبرئيل أمامها (1) إنّ ذلك إنما جاز، لأن جبريل لعظم خلقه يملك الأمام كله، وهذا خطأ، لأن الأمام لا نهاية له، فلا يجوز أن يملأه شيء، وهكذا سائر الجهات، وأجازوا ذلك في أخبار الأماكن، فقالوا: داري خلفك، ومنزلي أمامك، وعلى هذا [التأويل] حمل ثعلب قول لبيد: خلفها وأمامها (2)

هذا باب ما شبّه من الأماكن المختصة

(بالمكان غير المختص شبّهت به إذا كانت تقع على الأماكن).
قال أبو سعيد: هذا الباب ينقسم قسمين: أحدهما: يراد به تعيين المنزلة بعد أو قرب.
والآخر: يراد به تقدير البعد والقرب.
فما أريد به تعيين الموضع وذكر المحل من قرب أو بعد، وإن النصب يجوز فيه على الظرف، والرفع على خبر الأول تشبيها، والأكثر فيه النصب.
ويدلّك على ذلك أنك تدخل الباء عليه فتقول: هو مني بمنزلة، كأنه قال: هو مني استقر بمنزلة، والباء وفي بمعنى واحد، كما تقول: هو بالبصرة، وفي البصرة.
فأما قولهم: هو مني مزجر الكلب، فلمن كان مباعدا مهانا.12

وأما قول الشاعر: فوردن والعيّوق مقعد رابئ وال … ضّرباء خلف النّجم لا يتتلّع 1 فإنه يصف حمرا وردت الماء ليلا وقد ارتفع العيّوق والثّريا في وسط السماء، سحرا في آخر الليل وذلك أثناء شدة الحر، ومثل موقع الثريا من العيوق، والعيوق إذا ارتفع وتوسط السماء صار مع الثريا كالمشرف عليها، فشبّه ذلك المقعد بمقعد رابي الضّربا، وهو الأمين المشرف على الذين يضربون بالقداح كيلا يخونوا وهو علامتهم، وأراد بالنجم الثريا، فإذا نصب فالناصب: استقر كما ذكرنا في الظروف، وإذا رفعت فقلت: هو مقعد القابلة، جعلته بمنزلة قولك: هو قريب كمقعد القابلة، وكذلك إن قلت: هو مناط الثريا، كأنك قلت: هو بعيد كمناط الثريا، وجاز أن تكون هذه الأشياء ظروفا، لأنهم قد اتسعوا فيما هو من الأماكن أخص من هذه، فجعلوه ظروفا ونصبوه.
فقالوا: ذهبت الشام، ودخلت البيت، تشبيها بالأماكن المحيطة مثل: خلف وقدام.
ثم قال سيبويه: (وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك أو متكأ زيد أو مربط الفرس لم يجز).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: فإن سيبويه منع أن يقاس على مناط الثريا ونحوه مما استعملوه ظرفا غيره من الأماكن نحو: مربط الفرس إلا أن تظهر المكان، فتقول: هو مني مكان مربط الفرس، فيجوز، وأنشد سيبويه بيت ابن هرمة: ............. …..... أم هم درج السّيول 2 فألحقوا درج السيول بمناط الثريا، واستعملوه ظرفا، ورفعه جائز كما ذكرنا في مناط الثريا ونحوه.
وقد ذكر يونس: أن من العرب من يقول: زيد خلفك يجعله هو الخلف، وقد ظهر أن سيبويه يجيز: زيد خلفك، إذا جعلته هو الخلف، ولم يشرط ضرورة شاعر، وهو قول المازني، فكان الجرمي لا يجيزه إلا في ضرورة الشعر.
والكوفيون يمنعونه أشد المنع، وقد

تقدم قولنا فيه.
وأما ما يقصد فيه تقدير القرب والبعد على وجه المساحة، فقولك: هو مني فرسخان، وهو مني عدوة الفرس، ودعوة الرجل، وهو مني يومان، وهو مني فوت اليد.
فإن هذا لا يستعمل فيه إلا الرفع، ويفارق الباب الأول لأن معنى هذا أنه يخبرك أن بينه وبينه فرسخين، ويومين، ومعنى فوت اليد: أن يمدّ يده إليه فلا يناله، ويريد به تقريب ما بينهما، فجرى على الكلام الأول كأنه هو توسّعا كما قالوا: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، وإلا فتقديره إذا قلت: هو مني فرسخان، أي بعده مني مسيرة فرسخين فيجوز وكما يجوز وفي يوم الجمعة حين قالوا: أخطب أيامه يوم الجمعة، واليوم لا يخطب، فجعلوه خطيبا، وكما قالوا: أمّا النهار ففي قيد وسلسلة.
وإنما يريد: المقيد في النهار، فأجرى اللفظ على النهار، فأما قوله: (وقول العرب أنت مني براء ومسمع).
وذكر الفصل.
فإنه يريد أنهم رفعوه، جعلوه الأول كما قالوا: زيد مني قريب، ومن العرب من ينصب فيقول مرأى ومسمعا فجعله ظرفا لأنهم قالوا: بمرأى ومسمع، فدخلت عليه الباء، صار غير الاسم الأول فإذا صار غيره ولا يأتيه نصب، نصب على الظرف كما تقول: أنت مني مكان زيد أو أنت مكان زيد.
قال سيبويه: (واعلم أن هذه الظروف بعضها أشد تمكنا من بعض في أن تكون أسماء كالقصد والنّحو والقبل والناحية).
وإنّا قد ذكرنا تمكن هذه الأسماء وأنها أقرب إلى الأسماء المتمكنة من الخلف والأمام.
قال سيبويه: (وأمّا الخلف والأمام والتحت والفوق، فتكون أسماء، وكينونة تلك أكثر وأجرى في كلامهم).
فإنه يعني: أن القصد والنحو والقبل والناحية، أكثر في الأسماء من الخلف والأمام، وقد ذكر سيبويه في الباب قبل هذا: (أن دونك لا يرتفع أبدا)، وقد ذكره هاهنا فيما أجاز رفعه بما يكون أسماء غير ظروف، والأقيس أن يكون بمنزلة الخلف والأمام، وهو قول النحويين إلّا من احتج لسيبويه أنه فوق بين دونك ظرفا، وبينه إذا كان بمعنى: وضيعك، وكذا مرأى ومسمعا كونهما أسماء أكثر، ومع ذلك فإنهم جعلوه اسما خاصا

بمنزلة: المتكأ والمجلس، وهما لا يجعلان ظرفا، وإنما نصب بعضهم: مرأى ومسمعا لأنهم لما أدخلوا على بمرأى علم أنهم جعلوه غير زيد، فإذا نزعوا الباء فهي أيضا غيره فنصبوه كما نصبوا الظرف الذي هو للاسم الأول، ومن رفعه فإنما يجعله الاسم الأول، فيجازى به.
وأما قوله: (وزعم يونس أن من العرب من يقول: هو مني مزجر الكلب).
وذكر الفصل، وأنشد: وأنت مكانك من وائل … مكان القراد من است الجمل 1 وقوله: (وتقول: داري خلف داره فرسخا)، فإنه يريد أنك تنصب فرسخا على التمييز لأنه أريد به التقدير، فصار كقولك: ما في السماء قدر راحة سحابا لأنه لما قال: داري خلف دارك أبهم فلم يدر ما قدر، فقال: فرسخا وذراعا وميلا.
وقوله: (كان هذا الكلام شيء منون)، يعني: خلف دارك، وهو بمنزلة عشرين، كأنه قال: داري عشرون ذراعا، وقوله: (كأنه منون يعمل فيما ليس من اسمه، ولا هو هو).
فإنه يعني بالمنوّن: عشرين عمل في الدرهم، وليس الدرهم هو العشرين ولا هو من اسم العشرين، لأن العشرين ليست مضافة إليه، وما هو من اسمه فهو مضاف إليه وذلك قولك: زيد أفضلهم رجلا.
وقوله: (وإن شئت قلت: داري خلف دارك فرسخان).
وذكر الفصل.
فإنه يريد أنك تجعل فرسخين خبرا وتلغي الظرف، كما تخبر عن زيد ب (قائم) وتلغي فيها فتقول: زيد قائم فيها، وإن دخلت (من) فأبو عمرو يرفع، ويجعل من خلف دارك كقولك: من إذا قلت: يقدمني، وغيره يجعل من مع خلف بمنزلة خلف فينصب ويرفع كما تقول: داري خلف دارك فرسخان وفرسخين لأنك تقول: أنت من خلفي، ومعناه: أنت خلفي لا فرق بينهما.
وقوله: (وتقول: أنت مني فرسخين)، أي أنت مني ما دمنا سائرين فرسخين، يجعل أنت مبتدأ، ومني خبره، وفرسخين ظرف، ومعنى مني أي من أصحابي وأشياعي

كما قال الله تعالى: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي 1 أي: من أصحابه وجيرانه، ولا ينتظم معنى ذلك إلا بما قدّره سيبويه لأن ضميره من أصحابه في صحبته إياه في مقدار هذه المسافة، واعلم أن ظروف الزمان تكون أخبارا للمصادر، ولا تكون أخبارا للجثث، وأما ظروف المكان فتكون أخبارا للمصادر والجثث، وإنما كانت ظروف المكان كذلك لأن الجثة الموجودة قد تكون في بعض الأمكنة دون بعض مع وجودها، أعني الأماكن.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد خلفك علم أنه ليس قدّامه ولا تحته ولا فوقه ويمنته ويسرته مع وجود هذه الأماكن، ففي إفراد الجثة بمكان فائدة.
وأما ظروف الزمان فإنما يوجد منها شيء بعد شيء ووقت بعد وقت، وما وجد منها فليس شيء من الموجودات أولى به من شيء فلو قلت: زيد الساعة أو يوم الأحد لجعلت ل (زيد) في هذا اليوم حالا ليست لعمرو، وليس كذلك لأن زيدا وعمرا وغيرهما من الموجودات تتساوى في الوصف بالوجود في هذا اليوم، وأما المصادر فهي أشياء حادثة معروفة بالأفعال في المضي والاستقبال.
فإذا قلنا: القتال يوم الجمعة، وإنّا نريد الدلالة على حدوثه في هذا اليوم، كأنّا قلنا: القتال يحدث يوم الجمعة.
قال سيبويه: (وتقول الهلال الليلة).
كأنه يجعل الليلة ظرفا للهلال والهلال جثة لأنه جزء من القمر.
فهو جثة كأنه في استهلاله أو تصوره لهذه الصورة الليلة، فإن رفعت فقلت: القتال يوم الجمعة، والهلال الليلة جاز على معنى: قتال يوم الجمعة، والهلال الليلة ثم تحذف، وقد أجاز سيبويه اليوم الجمعة، واليوم السبت بنصب اليوم، ولم يجز في الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس إلا الرفع، وإنما ذاك لأن الجمعة بمعنى الاجتماع، والسبت بمعنى الراحة، فهما مصدران يقعان في اليوم بمنزلة قولك: اليوم القتال، فأما اليوم الأحد فبمنزلة اليوم الأول، والاثنين بمنزلة الثاني، والثلاثاء والأربعاء والخميس بمنزلة الثالث والرابع والخميس، وليس ذلك بمعنى: يقع في اليوم، كالاجتماع والراحة، وأجاز الفراء وهشام النصب في جميع ذلك، فإذا رفع جعل الثاني هو الأول، وإذا نصب فعلى معنى الآن الأحد

والاثنين، لأن: الآن أعم من الأحد، فيجعل الأحد واقعا عليه كما تقول: في هذا الوقت: هذا اليوم.
وقد كان سيبويه يقول: (إن قوله: اليوم يومك)، المعنى: اليوم شأنك الذي ينسب إليك، وتذكر به ونحوه من المعاني فأما اليوم الأحد فبمنزلة: اليوم عشرون في الشهر وخمسة ونحوه، لأنه ليس بشيء في الشهر، ومما يجوز فيه الرفع والنصب: النيروز، واليوم المهرجان، واليوم الفطر، واليوم الأضحى، ورفعه على ما ذكرنا.
قال سيبويه: (وتقول: عهدي به حديثا وقريبا).
وذكر الفصل.
فإنه يريد: أنك إذا جعلت قريبا وحديثا للزمان فكأنك قلت: عهدي يزيد في زمان قريب، وزمان حديث، ويجوز: عهدي به قريب وحديث، يجعل قريبا وحديثا هو العهد ويرتفع لأنه خبر مبتدأ.
قال سيبويه: (وتقول عهدي به قائما، وعلمي به ذا مال تنصب على أنه حال).
وذكر الفصل.
قال: قد ذكرنا فيما تقدم الحال التي هي في موضع خبر المصدر بإضمار: إذ كان، وإذا كان.
وأجاز الزجاج: قائما ضربي زيدا، على تقديم الحال، كما يجوز: اليوم القتال، فكأنك قلت: إذ كان قائما ضربي زيدا يقع، كما أنّا إذا قلنا: اليوم القتال، فتقدير اليوم: القتال يقع.
قال سيبويه: (واعلم أن ظروف الدهر أشدّ تمكنا في الأسماء، لأنها تكون فاعلة ومفعولة، تقول: أهلكت الليل والنهار، واستوفيت أيامك، فأجري الدهر هذا المجرى، فأجر الأشياء كما أجروها).
قال أبو سعيد: كان المبرد يخطّئ سيبويه في هذا، لأنه ذكر في أول الكتاب: أن ظروف المكان أقرب إلى الأناسيّ، لأن لها جثثا وأسماء تعرف بها كما تعرف الأناسيّ.
تقول: خلفك واسع، ومكانك أحبّ إليّ من مكان زيد.
فصوّب الزجاج من أجل أن ظروف الزمان يقلّ فيها ما لا يتمكن؛ ألا ترى أن (سحر) إذا نكّر تمكن.
قال أبو سعيد: وهذا ضعيف لأن في ظروف الزمان ما لا يتمكن أكثر مما في ظروف المكان، لأن فيها: قبل، وبعد، وبعيدات بين، وذات مرة وذا صباح، ونحو هذا.

ورد أبي العباس على سيبويه ضعيف، لأن ظروف الزمان أقوى في الاسمية، وذاك أن الفعل لفظ مبني على الزمان الماضي وغيره، كما أنه مبني من لفظ حروف المصادر وليس كذلك المكان.
فأسماء الزمان بمنزلة المصادر، والمصادر متمكنة كسائر الأسماء في وقوع الفعل منها وبها، والزمان تشبيها.
ويدل على هذا أنه يكثر في كلام العرب العبارة عن الزمان بألفاظ المصادر، والخبر عن المصادر بألفاظ الزمان حتى كأنها شيء واحد.
تقول: آتيك صلاة العصر، ومقدم الحاج، فتعبر عن الزمان بلفظ المصدر، وتقول: قيامك يوم الخميس، ورحيلنا يوم الجمعة، فتخبر عن المصادر بألفاظ الزمان، قال الله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (1) وهذا كثير مطرد، وليس للمكان هذا.
وعلى أن اللفظ العام لظروف الزمان هو الوقت والزمان والدهر، وكل واحد متمكن، ثم ينقسم هذا إلى: الليل والنهار، وهما متمكنان قويان في التمكن، ثم ينقسمان إلى الساعات، وهي قوية التمكن، وليس كذلك المكان، لأن الاسم العام له هو المكان، ثم ينقسم إلى الجهات الست.
نحو: خلف وقدام، ونحوهما وهي ضعيفة التمكن.
فأما ما حكاه المبرد من كلام سيبويه، أن ظروف المكان أقرب إلى الأناسيّ لا تكون ظروفا، وجميع ألفاظ الزمان تكون ظرفا، وجملة الزمان أنه إذا استعمل ظرفا، قوي في الظرفية، فإذا استعمل اسما قوي في الاسمية.

هذا باب الجر

(والجر إنما يكون في كل اسم مضاف إليه).
قال أبو سعيد: جعل سيبويه المجرور بحرف أو بإضافة اسم إليه كله مضافا ثم قسم ذلك فقال: (إن المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن الجر يكون بشيئين: أحدهما: دخول حرف ليس باسم ولا ظرف.1

والآخر: بإضافة اسم إلى اسم.
فأما الحروف الجارة التي لا مذهب لها غير الحروف: فالباء، واللام، ومن، وفي، ورب، وإلى، وواو القسم، وتاؤه، وحتى.
وقد تخرج إلى تأويل آخر في بعض المواضع ولها باب مفرد، فإن للجر حروفا سوى هذه تكون حروفا في حال وأسماء في حال، وهي: على، ومن، وكاف التشبيه، ومنذ، ومذ.
وإنما كانت كذلك لأنها تدخل عليها حروف الجر، كما قال: غدت من عليه....... …......... 1 بتأويل من فوقه، ومن عن يمينه، بتأويل من ناحية يمينه، وتجعل الكاف بمعنى: مثل، كما قال: علي كالخنيف السحق، يعني: علي مثل الخنيف 2. ومنذ، ومذ يخفض بهما، فيكونان حرفي خفض، وقد يرفع ما بعدهما فيجعلان اسمين بمعنى: وقت وأمد.
وللجر حرفان سوى ذلك تكون حرفين وفعلين وهما: خلا، وحاشا في الاستثناء، لأنهما يخفض بهما فيكونان حرفي خفض، وينصب ما بعدهما فيكونان فعلين.
وقد ذكر الأخفش: أن عدا يخفض بها، وينصب بها، فإن صح ذلك فهو حرف ثالث.
وأما إضافة الاسم إلى الاسم فعلى ثلاثة أقسام: أحدهما: أسماء هي ظروف مضافة إلى ما بعدها من مصادر وغيرها، ذكرها النحويون فيما يجر لغلبة الجر عليها.
وأسماء أخر تضاف في حال، وليست الإضافة بغالبة عليها، وهي أكثر الأسماء.
فأما الظروف فهي:

بين، وسواء، ولدن، ولدى، وعند، وعلى، وأسفل، وخلف، وقدّام، ووراء، وأمام، وتجاه، وقباله، وحذاء، وحذه، وإزاء، وتلقاء، وتحت، وفوق، ووسط، وقبل، وبعد، ومع، وعلى، وعن فيمن جعلهما اسمين، وغير ذلك من الظروف التي تقدم ذكرها قبل هذا الباب.
وأما الأسماء التي تغلب الإضافة عليها، فهي: مثل، ومثل في معنى: بدل وبدل، في معنى: وسط ونحوه سنيّ، وقرن فالقرن في القتال، والقرن في السن، ولدن، وخدن، وشبه، وشبه، ومرة وحين، وبيد في معنى: غير وبيد، ومساوه بمعنى: قدره، وكذلك قيد، وقيدي.
وباب وسبحان ومعاذ وعياذ وأنّى وبعض وكل، وذو داره، وذوا، وذواتا، وذووا، وذوات، وأولو، وأولات، وقد، وقط بمعنى: حسب.
وفيها أسماء تغلب عليها الإضافة وقد ينصب ما بعدها وهي مصادر غير متمكنة، وهي: بله، وبيد، ورويد، ومعانيها متقاربة فإذا خفضت بها قدرت إضافتها، وإذا نصبت قدرت التنوين فيها، ولم يقدر الإضافة.
وقد نصب ب (لدن) ولد، والوجه الإضافة، وقد ذكره سيبويه في مواضع من الكتاب.
وأما الأسماء التي تضاف في حال وليست الإضافة بالغالبة عليها، فنحو: غلام زيد، وجار عمرو، وخاتم حديد، وثوب خزّ، وهي أكثر من أن تحصى.
والإضافة تكون على معنى أحد الحرفين من حروف الجر، وهما: من، واللام.
فمن إذا كانت الإضافة على معناها تبعيض كقولك: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، أي: ثوب من خز، وخاتم من حديد، وما كان على معنى اللام فإضافته على وجه الاستحقاق، كقولك: هذه دار زيد، ودار لزيد، ورب السموات والأرض، ورب العالمين، وخلق الله، وأرض الله وسماؤه وعرشه، فهم عباد له، وخلق له، وأرض له، فالعباد مستحقون أن يكونوا عبادا، وهو مستحق لعبوديتهم.
وربما أوهمتك الإضافة الخروج عن هذين الوجهين، فإذا رددتها إلى أصول ما وضعت له رأيتها لازمة لأحد الحرفين كقولك: أفضلهم زيد أي: الفاضل منهم زيد،

جارٍ التحميل