شرح كتاب سيبويهصفحات 411-450

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 411-450

قال: (لأنه قد صار فيها، مع أنك تبتدئ بعدها الأسماء، أنك تقدم الاسم قبل الفعل).
يعني أن الألف قد اجتمع فيها أنه يليها الابتداء، كقولك: " أزيد ضربته ". ويليها الاسم المنصوب الذي يعمل فيه الفعل الذي بعده، كقولك: " أزيدا ضربت "، وهو حسن جيد، ألا ترى أنك تقول: " أزيدا ضربت أم عمرا؟ "، وهو الاختيار قال: (والرفع فيه على الجواز).
يعني: أن الرفع في الألف على الجواز، لا على الاختيار.
(ولا يجوز ذلك في " هلا " و " لولا "؛ لأنه لا يبتدأ بعدها الأسماء).
لا يجوز أن تقول: " هلا زيد قائم "، ولكن يجوز أن تقول: " هلا زيد ضربته "، على معنى " هلا ضرب زيد ضربته ". قال: (وليس جواز الرفع في الألف، مثل جواز الرفع في " ضربت عمرا "، و " زيدا كلمته ").
قال أبو سعيد: وقد قدمنا أن الاختيار " ضربت زيدا، وعمرا كلمته " ويجوز و " عمرو كلمته "، والاختيار " أزيدا ضربته " ويجوز " أزيد ضربته ". غير أن الرفع في قولك: " وعمرو كلمته " أحسن؛ لأن الألف بالفعل أولى مثل المجازاة والأمر والأشياء التي هي بالفعل أولى، و " عمرا كلمته "، إنما يختار فيه النصب طلبا للمشاكلة، وحملا للجملة الثانية على ما يجاورها من الجملة الأولى، وليس فيها حرف هو بالفعل أولى فاعرف ذلك إن شاء الله.

هذا باب ما ينتصب في الألف

تقول: (" أعبد الله رأيته "، و " أزيدا مررت به "، و " أعمرا قتلت أخاه "، و " أعمرا اشتريت له ثوبا ". ففي هذا كله قد أضمرت بين الألف والاسم فعلا هذا تفسيره، كما فعلت ذلك فيما نصبته في هذه الحروف في غير الاستفهام).
يعني: أنك إذا قلت: " أعبد الله ضربته "، كان تقديره " أضربت عبد الله ضربته "، وكان هذا أولى في الألف؛ لأنها جيء بها للاستفهام عن الفعل؛ لأن المستفهم لا يشك في الاسم، وإنما شكه في الفعل، فأولوها المعنى الذي له دخلت، وكان ذلك الاختيار عندهم.

وقوله: (كما فعلت ذلك فيما نصبته في هذه الحروف في غير الاستفهام).
يعني: أضمرت فعلا ينصب الاسم في الاستفهام، كما أضمرت فيما قبل الاستفهام فعلا ينصب؛ لأن الاستفهام غير عامل، ولم يعن بقوله: " الحروف ": حروف المعاني، وإنما أراد الأسماء والأفعال التي أشار إليها.
(قال جرير: أثعلبة الفوارس أم رياحا … عدلت بهم طهيّة والخشابا) 1 أراد: أذكرت ثعلبة الفوارس؛ لأن " عدلت " يتعدى بحرف جر، وتضمر " قست "، أو " مثلت "، أو ما يقارب الفعل المذكور.
وقال: (فإذا أوقعت الفعل عليه، أو على شيء من سببه نصبته، وتفسيره ها هنا هو التفسير الذي فسر في الابتداء: أنك تضمر فعلا هذا تفسيره).
يعني: أن الفعل الذي ينصب هذا الاسم قبل دخول الاستفهام، هو الذي ينصبه إذا دخل الاستفهام.
قال: (إلا أن النصب هو الذي يختار ها هنا، وهو حد الكلام، وأما الانتصاب ثمّ وها هنا فمن وجه واحد).
يعني: أنك إذا قلت: " زيدا ضربته "، فتقديره: " ضربت زيدا ضربته ". وإذا قلت: " زيدا مررت به "، فتقديره، " لقيت زيدا مررت به "، وإذا قلت: " زيدا لقيت أخاه " فتقديره: " لابست زيدا لقيت أخاه "، فإذا أدخلت ألف الاستفهام على هذا، فتقديره أيضا: " أضربت زيدا ضربته "، و " ألقيت زيدا مررت به "، و " ألابست زيدا لقيت أخاه ". فالنصب مع الاستفهام يقدر بالعامل الذي يقدر في الابتداء، وهو في الاستفهام مختار، وفي الابتداء الاختيار الرفع.
قال: (ومثل ذلك: " أعبد الله كنت مثله "؛ لأن " كنت " فعل، و " المثل " مضاف إليه، وهو منصوب ومثله " أزيدا لست مثله "؛ لأنه فعل فصار بمنزلة " أزيدا لقيت أخاه، وهو قول الخليل).
وقد بينا أن قولنا: " كان زيد قائما " في التصريف والعمل، بمنزلة " ضرب زيد

رجلا "، وإذا قلت: " كنت زيدا "، فهو بمنزلة قولك: " ضربت زيدا ". وإذا قلت: " كنت مثل زيد "، فهو بمنزلة قولك: " ضربت مثل زيد لك "، فإذا قلت: " أعبد الله كنت مثله "، فهو بمنزلة قولك: " أعبد الله ضربت مثله، وضربت أخاه ". وليس بمنزلة " كان "، وإن كان لا يتصرف " أعبد الله ضربت مثله "، و " ضربت أخاه "، وليس لها مستقبل، ولا اسم فاعل؛ لأنها فعل يتصل بها كنايات الفاعلين، كقولك: لست، ولسنا، ولستما، ولستم، وما أشبه ذلك.
وقد فهم من قول سيبويه في هذا الموضع أنه يجيز " قائما ليس زيد "، فيقدم خبر " ليس " عليها.
وقد أنكر بعض النحويين تقديم خبرها عليها، وتقديمه جائز؛ لأن الذي منع " ليس " من التصرف في نفسها: أن معناها في زمان واحد، وإنما جاز تقديم الخبر في " ليس "؛ لأنها فعل يتصل بها الضمائر التي ذكرناها، ولا خلاف بين النحويين في جواز تقديم خبرها على اسمها، كقولك: " ليس قائما زيد "، فهذا أحد ما يدل على جواز التقديم؛ لأن تقديم الخبر على الاسم ضرب من التصرف.
فإن قال قائل: " نعم، وبئس " - على قولكم- فعلان، ولا يجوز تقديم ما يعملان فيه عليهما، وكذلك فعل التعجب، إذا قلت: " ما أحسن زيدا "، ولا يجوز تقديم الاسم عليه.
قيل له: بين " ليس " وبين فعل التعجب، و " نعم، وبئس " فرق وذلك؛ لأن " ليس " لا يمتنع دخولها على الأسماء كلها، مضمرها ومظهرها، ومعرفتها ونكرتها، ويتقدم اسمها على خبرها، وخبرها على اسمها، و " نعم، وبئس " لا يتصل بها كناية المتكلم، ولا يقعان على الأسماء الأعلام، وفعل التعجب يلزم طريقة واحدة، ولا يكون فاعلها إلا ضمير " ما "، فكانت " ليس " أقوى منها.
قال: فإن قال قائل: فأنتم تقولون: " عسى زيد أن يقوم "، " زيد " يرتفع " بعسى "، و " عسى " فعل، " وأن يقوم " في موضع نصب.
و " عسى " فعل يتصل به الكنايات؛ لأنك تقول: " عسيت، وعسينا، وعسيتم "، ومع هذا كله لا يجوز تقديم " أن " على " عسى "، لا تقول: " أن يقوم عسى زيد "، على تقدير: عسى زيد أن يقوم.
قيل له: لا يشبه " عسى " " ليس "؛ لأن " عسى " وضعت للدلالة على المستقبل بلفظ " أن "، حتى لا يحسن نقل " أن " إلى المصدر، فلا يقال: " عسى زيد القيام "، و " أن " إذا

تقدمت، فليس قبله معنى يمنعها من جعل المصدر مكانها.
ألا ترى أنا نقول: " أن تصوم خير لك "، إنما تريد: الصوم خير لك، ولو جعلنا " الصوم " مكان " أن تصوم " لجاز، ولا يجوز مع " عسى " أن تنقل إلى لفظ المصدر " أن "، فتقول: " عسى زيد الصوم "، مكان " عسى زيد أن يصوم "، فلما أحدثت " عسى " هذا المعنى في " أن " لم تقدم عليها.
قال سيبويه: (ومثل ذلك " ما أدري أزيدا مررت به أم عمرا " و " ما أبالي أعبد الله لقيت أخاه أم عمرا "؛ لأنه حرف استفهام وهي تلك الألف التي في قولك: " أزيدا لقيته أم عمرا ").
يعني: لأن حرف الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فإذا كان قبله فعل فهو ملغى، وإنما يقع قبله من الأفعال ما كان من أفعال القلوب نحو: العلم، والظن، والشك، والمبالاة؛ وما كان من أفعال اللسان، نحو: القول، والإخبار، والزعم، فإذا ألغي الفعل الذي قبل الاستفهام، صار الاستفهام كأنه مبتدأ، فأجرى على حكمه إذا كان مبتدأ.
قال: (وتقول: أعبد الله ضرب أخوه زيدا، لا يكون إلا الرفع؛ لأن الذي من سبب عبد الله مرفوع فاعل، والذي من مسببه مفعول، فيرفع إذا ارتفع الذي من سببه كما ينتصب إذا انتصب، ويكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب، فإنما جعل هذا المضمر بيان ما هو مثله).
يعني: أنه يجوز أن تنصب " عبد الله "؛ لأن نصبه يكون من وجهين: إما أن يكون الفعل الذي بعده واقعا على ضميره، فيضمر فعل ينصبه.
وإما أن يكون الفعل الذي بعده واقعا على سببه فيضمر ما ينصبه على حسب ما قدمنا، وهذه المسألة الفعل فيها واقع من سببه بزيد، فوجب رفع " عبد الله " على أحد وجهين: إما أن يكون بالابتداء، وإما أن يكون بإضمار فعل يرفع، كأنك قلت: ألا بس عبد الله زيدا ضرب أخوه زيدا.
وقول سيبويه: (ويكون المضمر ما يرفع، كما أضمرت في الأول ما ينصب).
يحتمل هذين الوجهين: إن شئت قدرت الابتداء، وإن شئت قدرت فعلا، ويكون المضمر بمعنى المقدر.
وإنما أضمرت فعلا يرفع " عبد الله "، إذ كان سببه فاعلا، كما أضمرت فعلا ينصبه، حيث كان سببه مفعولا في قولك: " أعبد الله ضرب أخاه زيد ".

وقوله: (فإنما جعل هذا المضمر بيان ما هو مثله).
يريد بقوله: بيان المبين، يعني: هذا المضمر بيان الظاهر، يريد مبين الظاهر؛ لأن الظاهر قد بينه ودل عليه.
والمصدر قد يكون اسما للفاعل والمفعول.
فالفاعل قولك: " هذا رجل عدل " و " ماء غور "، يريد: عادل، وغائر.
والمفعول قولك: " هذا رجائي "، أي: مرجوي.
و " درهم ضرب "، أي: مضروب.
ومن الناس من يروي: فإنما جعل هذا المظهر بيان ما هو مثله، ويقول " المضمر " خطأ في الرواية، فإذا قال: المظهر، فإنما يريد أن الفعل الظاهر قد بيّن المضمر، ودل عليه، فالبيان ها هنا المبين.
قال: (وتقول: " أعبد الله ضرب أخوه غلامه "، إذا جعلت الغلام في موضع " زيد "، حين قلت: " أعبد الله ضرب أخوه زيدا "، فيصير هذا تفسيرا لشيء رفع " عبد الله "؛ لأنه يكون موقعا للفعل بما يكون من سببه، كما يوقعه بما ليس من سببه، كأنه قال في التمثيل، وإن كان لا يتكلم به " أعبد الله أهان غلامه، أو عاقب غلامه "، أو صار في هذه الحال عند السائل وإن لم يكن، ثم فسر: وإن جعلت الغلام في موضع " زيد " فاعلا حين رفعت " زيدا "، نصبت، فقلت: " أعبد الله ضرب أخاه غلامه "، كأنه جعله تفسيرا لفعل أوقعه غلامه عليه؛ لأنه قد يوقع الفعل عليه ما هو من سببه كما يوقعه هو على ما هو من سببه، وذلك قولك: " أعبد الله ضربت أخاه "، و " أعبد الله ضربه أخوه " فجرى مجرى " أعبد الله ضرب زيدا " و " أعبد الله ضربه زيد "، فكأنه في التمثيل تفسير لقوله: " أعبد الله أهانه غلامه "، و " أعبد الله أهان غلامه " و " أضرب أخاه غلامه ". ولا عليك أقدمت " الأخ " أم أخرته أم قدمت " الغلام " أم أخرته، أيهما ما جعلته " كزيد " مفعولا، فالأول رفع، وإن جعلته " كزيد " فاعلا فالأول نصب).
جملة هذا الكلام: أن الاسم الذي يلي حرف الاستفهام، إذا أتى بعده سببان له: أحدهما فاعل والآخر مفعول به، فلا بد من حملة على أحدهما؛ لأنه لا يمكن حمله عليهما؛ لأنك لو حملته عليهما لنصبته ورفعته في حال واحدة؛ لأن أحد سببيه مرفوع، والآخر منصوب، ومحال أن يكون هو مرفوعا منصوبا في حال، فإذ قد استحال هذا، فلا بد من حمله على أحدهما، فإذا حملناه على أحدهما صار الآخر كأنه أجنبي؛ فإن حملته على المرفوع منهما رفعته على الشرط الذي ذكرناه في قولك: " أعبد الله ضرب أخوه زيدا "،

وإن حملته على المنصوب منهما، صار بمنزلة قوله: " أعبد الله ضرب أخاه زيد "، فإذا قلنا: " أعبد الله ضرب أخوه غلامه "، فحملناه على " الأخ " وهو الفاعل، صار " عبد الله " كأنه الفاعل، فأضمرنا فعلا يرفعه، كأنا قلنا: " أعبد الله ضرب غلامه "، وإذا حملناه على " الغلام " فكأن الفعل به واقع من أخيه به، فيصير التقدير: " أعبد الله ضرب أخوه ". وقول سيبويه: (كأنه قال في التمثيل- وإن كان لا يتكلم به- " أعبد الله أهان غلامه، أو عاقب غلامه ").
يريد: وإن كان لا يتكلم به في هذا المعنى الذي ذكره، وهو قولك: " أعبد الله ضرب أخوه غلامه "، وإنما جعله تقدير الرفع " عبد الله " في هذا الكلام، ولا يؤدي عن معناه بعينه.
(وتقول: " آلسوط ضرب به زيد "، وهو كقولك: " آلسوط ضربت به " وكذلك " آلخوان أكل عليه اللحم " وكذلك " أزيدا سميت به، أو سمي به عمرو "؛ لأن هذا في موضع نصب).
قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا قلت: " أكل اللحم على الخوان "، و " ضرب زيد بالسوط، و " سمي أخوك بزيد "، فهذه الحروف في موضع نصب، وذلك أنك أقمت الأسماء مقام الفاعل، فصارت هي في موضع نصب، وحلت محل قولك: " مررت بزيد "، " مر زيد بعمرو "، " ونزل زيد على أخيك "، فلما اتصلت الحروف بكنايات هذه الأسماء، وقد قدمت الأسماء، وجب أن تنصبها؛ لأن الحروف التي اتصلت بكناياتها في موضع نصب، فصار بمنزلة قولك: " أزيدا مررت به ". قال: (وإنما تعتبره أنك لو قلت: " السوط ضربت " فكان هذا كلاما أو " الخوان أكلت "، لم يكن إلا نصبا كما أنك لو قلت: " أزيدا مررت "، فكان كلاما، لم يكن إلا نصبا فمن ثمّ جعل هذا الفعل الذي لا يظهر تفسيره تفسير ما ينصب، فاعتبر ما أشكل عليك من هذا بذا).
يعني: الذي يدلك على أن موضع هذه الحروف نصب، أنه لو كان هذا الفعل يتعدى بغير حرف، ثم جئت باسمه تقيمه مقام الفاعل، لم يكن الاسم الآخر إلا نصبا، كقولك: " ضرب زيد السوط "، و " أكل اللحم الخوان "، فهذا لا يتكلم به، ولو تكلم به لم يكن إلا نصبا؛ لأنه لا يرتفع اسمان بفعل واحد.

قال: (وإن قلت: أزيد ذهب به "، أو " أزيد انطلق به "، لم يكن إلا رفعا؛ لأنك لو لم تقل " به "، فكان كلاما.
لم يكن إلا رفعا.
كما قلت: " أزيد ذهب أخوه "؛ لأنك لو قلت: " أزيد ذهب " لم يكن إلا رفعا).
قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا قلت: " ذهب بزيد " " فالباء " في موضع رفع؛ لأنه لا بد للفعل من فاعل أو ما يقوم مقام الفاعل، فلما لم يكن غير " الباء "، أقيمت " الباء " مقام الفاعل.
وإذا قلت: " ذهبت بزيد "، " فالباء " في موضع نصب لا غير؛ لأن " التاء " قد ارتفعت بالذهاب، فانتصب موضع " الباء "؛ لاشتغال الفعل بغيرها، فإذا اشتغلت الباء بالذهاب، واتصلت بكناية اسم قبل الفعل فهي في موضع رفع، ورفع ذلك الاسم؛ لأن الذي اتصلت به كنايته مرفوع، كقولك: " أزيد ذهب به، وانطلق به "، وصار بمنزلة قولك: " أزيد ذهب أخوه "؛ لأن كناية " زيد " اتصلت " بالأخ "، و " الأخ " مرفوع، كما اتصلت " بالباء "، وهي مرفوعة فاستويا، ورفع زيد على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما: إن شئت بالابتداء وإن شئت بإضمار فعل.
قال أبو سعيد: ويجوز عندي نصب " زيد " في قولك: " أزيد ذهب به "، و " أزيد انطلق به "، بأن تقيم المصدر مقام الفاعل، فإذا أقمنا المصدر مقام الفاعل صار موضع الباء نصبا، وكأنك قلت: " أزيدا ذهب الذهاب به "، وإذا صار موضع الباء نصبا نصبت " زيدا "؛ لأن كنايته اتصلت بمنصوب، وصار بمنزلة قولك: " أزيدا ضربت أخاه "، وهذا لا يمتنع منه أحد من البصريين.
وقد قال أبو العباس المبرد في كتاب (المقتضب) في " سير بزيد يوم الجمعة فرسخين " ذكر فيها وجوها منها: أن تقيم " يوم الجمعة ". مقام الفاعل وتنصب الباقي.
ومنها: أن تقيم " الفرسخين " مقام الفاعل وتنصب الباقي.
ومنها: أن تقيم " الباء " مقام الفاعل، وتنصب الباقي.
ومنها: أن تقيم المصدر مقام الفاعل، ويكون التقدير: " سير السير "؛ لأن الفعل يدل على المصدر، فإذا أقمت المصدر مقام الفاعل صار الباقي في موضع نصب، ووجب فيه ما قلنا.
قال: (وتقول: " أزيدا ضربت أخاه "؛ لأنك لو ألقيت الأخ لقلت " أزيدا ضربت "

فاعتبر هذا بهذا، ثم اجعل كل واحد جئت به تفسير ما هو مثله).
يعني: أن الاسم المنصوب الذي ولى الاستفهام، ووقع الفعل على ضميره أو على ما اتصل بضميره، إنما تعتبر لزوم نصبه بأن تحذف ضميره من الفعل أو تحذف ما اتصل بضميره.
فإن كان الفعل يتسلط عليه فينصبه علمت أن حكمه أن يكون منصوبا بإضمار فعل يكون هذا تفسيره، وإن لم يتسلط عليه ناصب له فليس حكمه أن يكون منصوبا بإضمار فعل.
مثال ذلك أنك تقول: " أزيدا ضربته " تنصب " زيدا " بإضمار فعل؛ لأنك لو حذفت الهاء من " ضربته "، وجب أن تنصب " زيدا " ب " ضرب " هذا الظاهر.
وإذا قلت: " أزيدا مررت به "، لو حذفت " الباء " وضمير " زيد " لوجب أن تقول: " أزيدا مررت "، لو كان مما يتعدى بغير حرف، وكان يعمل " مررت " في " زيد ". وإذا قلت: " أزيدا ضربت أخاه "، ثم حذفت " الأخ "، لوجب أن تقول: " أزيدا ضربت "، فوجب أن يكون هذا الفعل الذي يتصل " بزيد "، فينصبه- إذا حذفت الكنايات بعده- وهو الذي يفسر ما ينصب " زيدا " إذا جعلت بعده كنايته.
وإذا قلت: " أزيد ذهب به "، و " أزيد قام أخوه "، لو حذفت " الأخ "، و " الباء " وبقيت " أزيد ذهب " أو " أزيد قام "، ما جاز أن يتسلط عليه فينصبه.
فعلمت بذلك أنه لا يكون تفسير شيء ينصب " زيدا " فإذا لم يكن كذلك لم ينصب " زيدا ". قال سيبويه: (واليوم والظروف بمنزلة " زيد وعبد الله "، إذا لم يكن ظروفا، وذلك قولك: " أيوم الجمعة ينطلق فيه عبد الله " كقولك: " أعمرا تكلم فيه عبد الله " و " أيوم الجمعة ينطلق فيه " كقولك: " أزيد يذهب به ").
يعني: إذا قلت: " أيوم الجمعة ينطلق فيه عبد الله " فهو في موضع نصب؛ لأن " عبد الله " يرتفع ب " ينطلق "، وإذا ارتفع به، انتصب غيره مما يتعلق بالفعل، فصار " يوم الجمعة " منصوبا؛ لأن كنايته تتصل بمنصوب، وإذا قلت: " أيوم الجمعة ينطلق فيه " " ففي " موضعها رفع بإقامتها مقام الفاعل، وكناية " اليوم " تتصل بها، فصار " اليوم " مرفوعا، ويجوز فيه الوجه الذي ذكرناه: وهو أن تقيم المصدر مقام الفاعل، وتجعل موضع " في " منصوبا.
قال: (وتقول: " أأنت عبد الله ضربته " تجريه ها هنا مجرى " أنا زيد ضربته "، لأن الذي يلي حرف الاستفهام " أنت "، ثم ابتدأت هذا، وليس قبله حرف استفهام ولا

شيء هو بالفعل، وتقديمه أولى، إلا أنك إن شئت نصبته كما نصبت " زيدا ضربته "، فهو عربي جيد.
وأمره ها هنا على حد قولك: " زيد ضربته ").
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ومن ذهب مذهبه، إذا حال بين حرف الاستفهام وبين الاسم الذي وقع الفعل على ضميره باسم آخر، ولم يكن من سببه، جعل ذلك الاسم الحائل بينهما مخرجا للاسم الذي بعده عن حكم الاستفهام الذي من أجله يختار النصب فيه بإضمار فعل، فلم يجز النصب في " عبد الله "، إذا قلت: " أأنت عبد الله ضربته؟ "؛ لأن " عبد الله " لم يل حرف الاستفهام كما وليه في قولك: " أعبد الله ضربته؟ "، وحال أنت " بين ألف الاستفهام وبين " عبد الله "، فصار " عبد الله " كأنه مبتدأ ليس قبله حرف استفهام كقولك: " عبد الله ضربته " ومن قال: " عبد الله ضربته " في الابتداء، وليس بالاختيار، قال ها هنا: " أأنت عبد الله ضربته "، وإن لم يكن الاختيار على تقدير " أأنت ضربت عبد الله ضربته ". كما تقول: " عبد الله ضربته " على تقدير: " ضربت عبد الله ضربته " ويجب على مذهب سيبويه أن ترفع " أنت " بالابتداء لا غير في هذا الموضع.
فإن قال قائل: لم لا ترفع " أنت " بفعل مضمر، لأن له ضميرا في الفعل مرفوعا وهو التاء في " ضربته "، فيصير التقدير: " أضربت عبد الله ضربته؟ ". وقد قال سيبويه في فصل قبل هذا: (ويكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب بعد قوله: " أعبد الله ضرب أخاه زيد ". والظاهر من هذا أنه يرفع " عبد الله " بإضمار فعل، كما ينصبه بإضمار فعل، إذا قلت: " أعبد الله ضرب أخاه زيد ") فوجب أن ترفع " أنت " بفعل يوقعه على " عبد الله " على ما ذكرنا.
قيل له: بينهما فرق، وذلك أنّا إذا قلنا: " أعبد الله ضرب أخوه زيدا "، و " عبد الله " يلي حرف الاستفهام، والفعل الذي يعمل في سببه الرفع متصل به ولا فاصل بينهما، فهو بمنزلة قولك: " أعبد الله ضربت أخاه " في أن الاسم يلي حرف الاستفهام، وبعده الفعل الواقع بسببه متصلا بلا فاصل، وإذا قلنا: " أأنت عبد الله ضربته "، فبين " أنت "، وبين الفعل الذي فيه ضميره " عبد الله " يصح أن يكون مبتدأ فاصلا بين " أنت " وبين الفعل فلم يكن بنا حاجة إلى إضمار فعل ل " أنت "؛ لأن فعله لم يله، وقد فصل بينه وبينه، وقد كنا بيّنا أن قوله: " أعبد الله ضرب أخوه زيدا "، يجوز رفعه بالابتداء، ويكون كلاما مختارا، ويكون بينه وبين قولنا: " أعبد الله ضربته " فرق؛ لأن " عبد الله " إذا رفعناه بالابتداء أو بإضمار

فعل، فلفظهما واحد فكان الابتداء مختارا؛ لأنه أخف في التقدير وليس في اختياره تقدير لفظ، وليس لتقدير الفعل الواقع قبله لفظ يدل عليه، كما كان في المنصوب.
وقد كان أبو عمر الجرمي يختار في قولنا: " أزيد قام "، أن يكون " زيد " مرتفعا بالابتداء.
وكان الأخفش يختار أن يكون مرفوعا بفعل على تقدير: " أقام زيد قام "، وقد فسرنا قول سيبويه: ويكون المضمر ما يرفع أنه يحتمل أن يكون الابتداء، أعني: ويحتمل أن يكون عني فعلا يرفعه بما أغنى عن إعادته.
وقال أبو الحسن الأخفش: " أأنت عبد الله ضربته "، النصب أجود؛ لأن " أنت " ينبغي أن يرتفع بفعل، إذ كان له فعل في آخر الكلام.
وينبغي أن يكون الفعل الذي يرتفع به " أنت " ساقطا على " عبد الله "، وكأنه في التقدير: " أضربت أنت عبد الله ضربته " وقد ذكرنا هذا.
قال: (فإن قلت: " أكلّ يوم زيدا تضربه "، فهو نصب كقولك: " أزيدا تضربه كل يوم "؛ لأن الظروف لا تفصل كما لا تفصل في قولك: " ما اليوم زيد ذاهبا "، و " إن اليوم عمرا منطلق "، فلا تحجز هاهنا كما لا تحجز ثمت).
يريد: أن تقدم الظرف كتأخره في قولك: " أكلّ يوم زيدا تضربه "؛ لأنه لا فرق بين أن تقول: " أزيدا كل يوم تضربه "، وبين أن تقول: " أكل يوم زيدا تضربه ". ولا يشبه هذا قولك: " أأنت عبد الله ضربته "، ولا قولك: " أزيد هند يضربها "، وذلك أنك إذا قلت: " أأنت عبد الله ضربته "، رفعت " أنت " بالابتداء، ولم يكن فيما بعده ضمير له منصوب، ولا متصل بمنصوب، والعائد إليه التاء التي في " ضربته "، فهي ضمير مرفوع.
وإذا قلت: " أكل يوم زيدا تضربه " فلا بد من نصب الظرف؛ لأنه لا عائد إليه، فإذا نصبناه فلا بد من أن تنصبه بالفعل الظاهر، أو المضمر الذي ينصب " زيدا ". فإن نصبناه بالظاهر فتقديره: " أزيدا تضربه كل يوم "، ويجب نصب " زيد "؛ لأنه يلي حرف الاستفهام.
وإن نصبناه بالمضمر فتقديره: " أتضرب زيدا كل يوم تضربه "، فيجب نصب " زيد " بالفعل الذي تنصب به الظرف.
فإن قال قائل: اجعله مرفوعا ويكون العائد إليه " فيه " محذوفه كقولك: " اليوم لقيتك "، على تقدير " لقيتك فيه "، فيكون تقدير هذا: " أكل يوم زيد تضربه فيه "، فيكون

" كل " مبتدأ، و " زيد " مبتدأ ثان، و " تضربه " خبر زيد، و " زيد " وما بعده خبر " كل ". قيل له: هذا جائز، وإنما كلامنا على الاختيار، فإذا قدرنا هذا التقدير لاتصل ضمير " كل " ب " في "، وهي في موضع نصب، فوجب اختيار نصب " كل "؛ لاتصال ضميره بالمنصوب.
وبيّن سيبويه أن وقوع الظرف بين ألف الاستفهام، وبين الاسم لا يمنعه الحكم الأول، وكان الاسم هو الذي بعد حرف الاستفهام، والظرف ملغي، كما كان ذلك في قولك: " ما اليوم زيد ذاهبا "، و " إن اليوم عمرا منطلق "، كأنك قلت: " ما زيد ذاهبا اليوم "، و " إن عمرا منطلق اليوم ". قال: (ويقولون: " أعبد الله أخوه تضربه "، كما تقول: " أأنت زيد ضربته ").
فترفع " عبد الله " بالابتداء، و " أخوه " ابتداء ثان، والهاء تعود إلى " الأخ "، وفي " تضربه " ضمير فاعل من " عبد الله "، وصار " عبد الله " حاجزا بين ألف الاستفهام وبين الأخ، كما بينا ذلك في قولك: " أأنت زيد ضربته "، وإن نصبته على حد قولك: " زيدا تضربه "، قلت: " أزيد أخاه تضربه " فترفع " زيدا " بالابتداء على ما بينا، وتنصب " الأخ " بفعل، هذا الظاهر تفسيره، كأنه قال: " أزيد يضرب أخاه يضربه "؛ لأن " الأخ " قد صار بمنزلة اسم مبتدأ ليس قبله شيء؛ لحيلولة " زيد " بينه وبين حرف الاستفهام.
قال أبو الحسن: " أزيد أخاه يضربه "، الوجه النصب؛ لأن " زيدا " ينبغي أن يرتفع بفعل مضمر وذلك الفعل يقع على أخيه، وقد بينا هذا من قوله: في قولك: " أأنت عبد الله ضربته ". قال: وأما " أزيد أخوه تضربه " فليس الفعل من " زيد " في شيء؛ لأنه إنما وقع ها هنا على الأخ.
هذا قول الأخفش ومذهبه في هذه المسألة اختيار رفع " زيد " بالابتداء؛ لأن " زيدا " لا فعل له في آخر الكلام، فيضمر قبله فعل له، ولا وقع بعده فعل ينصب ضميره فينصب.
فالاختيار رفعه بالابتداء، ورفع " الأخ " بابتداء ثان، و " تضربه " خبر للأخ والجملة خبر لزيد، وقد خرج " الأخ " من وقوع حرف الاستفهام عليه لفصل " زيد " بينه وبينها، فصار بمنزلة المبتدأ، كأنك قلت: " أخوك تضربه "، وليس قبله كلام.
ومن قال في الابتداء: " زيدا ضربته "، وإن لم يكن الاختيار لزمه أن ينصب " الأخ "، فإذا نصبت " الأخ " نصبته بإضمار فعل، كأنه قال: " تضرب أخاك تضربه ". فإذا قال ذلك، وجب أن يختار نصب " زيد " أيضا.
لأنه نصب سببه الذي فيه ضمير يعود إليه ما بعده

فصار كأنه قال: " أزيدا ضربت أباه ". قال: فإن قال قائل: " أزيدا أخاه تضربه "، فما الذي ينصب " زيدا " و " الأخ " أهما فعلان أم فعل واحد؟ فإن قلت: فعل واحد، فكيف يستقيم هذا ومعناهما مختلف؟ لأن " زيدا " ليس بمضروب، و " أخوه " مضروب، ولا يجوز أن تضمر " لزيد " الضّرب، كما أضمرناه للأخ، ألا ترى أنا إذا قلنا: " أزيدا ضربت أخاه "، فإنما تقدّر: " ألا بست زيدا ضربت أخاه "، ولا تقدّر: " أضربت زيدا ". وإن كان نصبهما بفعلين مختلفين فكيف يصير " تضربه " تفسيرا لفعلين مختلفين؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما: أن هذا الفعل الواقع بضمير " الأخ "، قد دل على الفعل الذي نصب " الأخ "، فإذا دل عليه، صار كالظاهر وعلم ما هو، فإذا علم صار تفسيرا للفعل الذي نصب " زيدا "؛ لأن ما علم فهو كالظاهر وتقدير هذا: أنا إذا قلنا: " أزيدا أخاه تضربه "، نصبنا " زيدا ب لابست "، ونصبنا " الأخ " ب " تضرب "، فكأنا قلنا: " ألابست زيدا تضرب أخاه تضربه "، " فتضربه " الثاني الذي وقع على ضمير الأخ، قد دلّ على " تضرب " الذي نصب " الأخ "، ودل " تضرب " الذي نصب " الأخ " على " لابست " الذي نصب " زيد "، وهذا قول الأخفش.
وفيه قول ثان: وهو أنا قد رأينا الفعل الواحد قد يدل في حال على نظيره في اللفظ، ويدل في حال أخرى على غير نظيره؛ فمن ذلك أنك إذا قلت: " أزيدا ضربته " فتقديره: أضربت زيدا ضربته، فدل " ضربته " على " ضربت " الذي هو نظيره.
وإذا قلت: " أزيدا ضربت أخاه "، فتقديره: " ألابست زيدا ضربت أخاه "، فلم يدل " ضربت " على مثله، إنما دل على " لابست "، وإنما يدل على فعل يليق بمعنى الاسم الذي قبله، فإذا قلت: " أزيد أخاه تضربه "، دل تضربه على فعلين: فعل ينصب " الأخ "، وفعل ينصب " زيدا "، فيدل الضرب على ملابسة وضرب في حال واحدة، كما دل على الملابسة والضرب في حالين مختلفين، على حسب الأسماء التي قبله، وقد يجوز أن تقول: " أعبد الله أخاه تضربه "، كما قلت: " أعبد الله ضربت أخاه "، والاختيار ما وصفناه.
قال سيبويه: (وقد يجوز الرفع في " أعبد الله مررت به " على ما ذكرت لك، و " أعبد الله ضربت أخاه " وأما قولك: " أزيدا مررت به "، فبمنزلة قولك: " أزيدا

ضربته " والرفع في هذا أقوى منه في قولك: " أعبد الله ضربته "، وهو أيضا قد يجوز).
يعني أن الفعل لم يقم في قولك: " أعبد الله مررت به " على ضمير " عبد الله "، وإنما وقع على الباء، واتصلت الباء بضميره، وكذلك " أعبد الله ضربت أخاه "، وقع الفعل على " الأخ "، واتصل " الأخ " بضميره، وإذا قلت: " أعبد الله ضربته "، فقد وقع الفعل على ضميره، فصار " عبد الله " من الفعل أقرب، والفعل أشد له ملابسة، فيكون النصب فيه أجود، والرفع فيه أضعف منه في قولك: " أعبد الله مررت به "، و " أعبد الله ضربت أخاه " ومع هذا يجوز الرفع في قولك: " أعبد الله ضربته "، كما جاز الابتداء إذا قلت: " أعبد الله ضربته "، وكما جاز فيما بعد الجملة المبنية على فعل في قولك: " ضربت زيدا وعمرو كلمته "، وإنما جاز هذا؛ لأنك تجعل " عبد الله " مبتدأ، وتجعل ما بعده خبرا له، فيصير بمنزلة قولك: " أعبد الله أخوك ". وقال أبو الحسن: تقول: " أزيدا لم يضربه إلا هو " لا يكون فيه إلا النصب، وإن كانا جميعا من سببه؛ لأن المنصوب ها هنا اسم ليس بمنفصل من الفعل، وإنما يكون الأول على الذي ليس بمنفصل؛ لأن المنفصل يعمل كعمل سائر الأسماء، ويكون هو في مواضعها.
وغير المنفصل لا يكون هكذا، وكذلك " أزيد لم يضرب إلا إياه "؛ لأن فعل " زيد " إذا كان مع اسم غير منفصل، لم يتعد إلى " زيد " ولم يتعد فعل " زيد " إليه، ألا ترى أنك لا تقول: " أزيدا ضرب "، وأنت تريد: " زيدا ضرب نفسه " ولا " أزيد ضربه " وأنت تريد أن توقع فعل " زيد " على " الهاء "، و " الهاء " لزيد؛ فلذلك لم يعمل في " زيد ". قال أبو سعيد: أعلم أن الأخفش ذكر هاتين المسألتين، وبناهما على أصول النحويين وتحتاج إلى شرح وإيضاح، وأنا أذكر ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى.
اعلم أن الأفعال المؤثرة إذا وقعت من الفاعل بنفسه لم يجز أن تتعدى ضميره المتصل إلى ضميره المنفصل كقولك: " ضربتني "، ولا " ضربتك "، ولا ما أشبه ذلك، وإنما يقال: " ضربت نفسي " و " شتمت نفسي "، و " أكرمت نفسي " وما أشبه ذلك.
وإنما لم يجز هذا من قبل أن أكثر العادة الجارية من الفاعلين، أنهم يقصدون إلى إيقاع الفعل بغيرهم، فجرت الألفاظ على ذلك، والذي يوقعون به الفعل غيرهم.
وأفعال الإنسان بنفسه هي الأفعال التي لا تتعدى نحو: " قام "، و " ذهب "، و " انطلق "، وما أشبه ذلك، فإذا أوقع الإنسان فعلا بنفسه على سبيل ما يفعله بغيره أجرى

لفظه على لفظ غيره فلم يعدّه إلى ضميره، وأتى بلفظ النفس فصار بمنزلة قولك: " ضربت غلامي ". وكان أبو العباس المبرد يقول: " إنما لم يجز ذلك؛ لأن الفاعل بالكلية لا يكون مفعولا بالكلية ". قال أبو سعيد: وهذا قول يضمحل، ويبطل؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه يجوز أن تقول: " ما ضربني إلا أنا "، وضمير الفاعل هو ضمير المفعول، فلو كان الأول غير جائز؛ لأن الفاعل لا يكون مفعولا، لما جاز هذا؛ لأن الفاعل هو المفعول، وإن كان الضمير منفصلا.
وكان الزّجّاج يقول: إنهم استغنوا بالنفس عن الضمير، كما استغنوا بكليهما عن " أجمعين "، ألا ترى أنك تقول: " قام الزيدون أجمعون "، و " قام الزيدون كلهم "، وتقول: " قام الزيدان كلاهما "، ولا تقول: " قام الزيدان أجمعان " فكذلك استغنوا ب " ضربت نفسي " عن قولهم " ضربتني "، والقول الذي بدأنا به أحسن.
ويجوز تعدي ضمير الفاعل إلى ضميره في الأفعال الملغاة وهي: " ظننت " و " حسبت "، و " خلت "، و " علمت "، و " رأيت " من رؤية القلب، و " وجدت " من وجود القلب، و " زعمت "، تقول: " رأيتني وادّا لك "، و " وجدتك غنيا فطغيت ". وإنما يتعدى ضمير الفاعل في هذه الأفعال إلى ضميره الذي هو المفعول الأول دون المفعول الثاني؛ لأنك إذا قلت: " ظننتك منطلقا "، " فالتاء ": الفاعل، و " الكاف ": المفعول الأول، و " منطلقا ": المفعول الثاني، وجاز ذلك في هذه الأفعال واختير من قبل أن تأثير هذه الأفعال في المفعول الثاني، لا في المفعول الأول، والدليل على ذلك أنك إذا قلت: " ظننت زيدا منطلقا "، فالشك لم يقع في " زيد "، الذي هو المفعول الأول، وإنما الشك في انطلاقه، فصار المفعول الأول كاللغو في التحصيل.
وقد حكى الفراء: أن العرب تقول: " عدمتني "، و " فقدتني "، فأجروهما مجرى الأفعال الملغاة، وإنما جاز ذلك؛ لأن فقدان الرجل نفسه وعدمه نفسه ليس مما يصح، ولا يتأتى؛ لأنه محال أن يعدمه في التحصيل، ألا ترى أنك إذا عدمت شيئا فمعناه أنك تعلمه غير موجود، ومحال أن تعلم أنك غير موجود؛ لأنه إذا صح منك العلم فأنت موجود، فهذان الفعلان مستعاران، والمعنى: عدمت غيري وفقدت غيري وإن كان الفعل

منقولا إلى لفظه.
واعلم أنه لا يجوز أن يتعدى ضمير فعل إلى ظاهر نفسه في الأفعال كلها، ولا ظاهره إلى ضمير نفسه في هذه الأفعال المؤثرة.
لا يجوز أن تقول: " زيدا ضرب "، فتنصب " زيدا " بضرب.
وتجعل في " ضرب " ضميرا من " زيد " وأوقع الفعل بظاهره، ولا " الزيدين ضربا " ولا " الهندات ضربن ". ولا يجوز مثل هذا في الأفعال الملغاة، لا تقول: " زيدا ظن منطلقا " ولا " أخويك ظنّا منطلقين ". ولا يجوز أيضا أن تقول: " ضربه زيد " تريد: ضرب نفسه، كما تقول: " ضرب غلامه زيد " ويجوز هذا في باب الملغى؛ تقول: " ظنه زيد منطلقا "، و " ظنهما الزيدان منطلقين ". وإنما لم يجز " زيدا ضرب " ولا " الزيدين ضربا "؛ لأنا لو أجزنا ذلك، ثم حذفنا المفعول بطل الكلام، والمفعول فضلة في الكلام، ولا يجوز أن تكون الفضلة لازمة لا يجوز إلغاؤها.
وإذا كان الضمير منفصلا كان بمنزلة الأجنبي، وجاز فيه ما أبطلناه في غيره من الضمير المتصل، تقول: " ما ضربني إلا أنا "، و " ما ضربت إلا إياي " و " ما ضرب زيدا إلا هو "، وصار بمنزلة قولك: " ما ضربني إلا زيد "، و " ما ضرب زيدا إلا عمرو ". ثم نعود إلى كلام الأخفش.
قوله: " أزيدا لم يضربه إلا هو "، لا يكون فيه إلا النصب، وإن كانا جميعا من سببه؛ يعني أن " زيدا " يعود إليه عائدان؛ الهاء التي في " يضربه " وهي منصوبة، و " هو " التي بعد " إلا " وهي مرفوعة، ولا يجوز حمل " زيد " إلا على المنصوب، وذلك أن يحمل عليه الأول، كأنا نقيم الأول مقامه ونحذفه، فلو جعلناه مكان الهاء في " يضربه " فالتقدير في الهاء أنها محذوفة فتصير كقولك: " أزيدا لم يضرب إلا هو ". وهذا كلام مستقيم جائز؛ لأن الفاعل ضمير منفصل، فكأنا قلنا: " أزيدا لم يضرب إلا عمرو؟ ". ولو حملناه على الضمير المنفصل فرفعناه صار تقديره: " أزيد لم يضربه؟ " ولو قلنا ذلك لفسد الكلام؛ لأن ضمير الفاعل حينئذ كان يتعدى إلى ضميره، وقد بيّنا أن ذلك لا يجوز.
قال: وكذلك " أزيد لم يضرب إلا إيّاه "، لا يكون في " زيد " إلا الرفع حملا على ضميره الذي في " يضرب "؛ لأنا إذا فعلنا ذلك، ثم حذفنا ذلك الضمير ووضعنا " زيدا " موضعه صار التقدير: " لم يضرب زيد إلا إياه "، وهذا مستقيم؛ لأن الظاهر يتعدى إلى

ضميره المنفصل، وهو كالأجنبي.
ولو حملناه على " إياه "، فقلنا: " أزيدا لم يضرب إلا إياه "، ثم حذفنا الذي حملنا " زيدا " عليه لبقي " أزيدا لم يضرب "، وهذا غير جائز كما لم يجز " زيدا ضرب "، وقد جعلت في " ضرب " ضميرا فاعلا ل " زيد ". قال الأخفش: فإن قيل: " آلخوان أكل عليه اللحم "، فتنصب " الخوان "، وأنت لا تقول: " آلخوان أكل اللحم "؛ فلأن " اللحم " اسم منفصل، والأسماء المنفصلة يعمل فعلها في الأول، فجرت كلها على ذلك كما تقول: " الدرهم أعطيه زيد ". قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الكلام قد اضطرب فيه النحويون، ولم يتكلم فيه أحد منهم بكلام محصل.
وذلك أنه ليس في ظاهره ما يصله بما قبله، فهو في الظاهر كالمنقطع مما قبله.
والوجه فيه عندي أنه متصل بالكلام الذي قبله، وذلك أنا قد قدّمنا أن الاسم الذي بعد حرف الاستفهام إنما يحمل على سببه، أو ضميره في الفعل الذي بعده؛ إذا كنا متى ألغينا الضمير وصل الفعل إليه؛ لأنه قال: " أزيدا لم يضربه إلا هو "، تنصب " زيدا "؛ لأنك لو ألغيت الهاء التي في " تضربه "، لقلت: " أزيدا لم يضرب إلا هو " فقال له قائل: فأنت تقول: " آلخوان أكل عليه اللحم "، وأنت لو حذفت الضمير العائد إلى " الخوان "، فقلت: " آلخوان أكل اللحم "، لبطل الكلام، فلا ينبغي أن نعتبر الأول بحذف ضميره، وقد اعتبرت نصب " زيد " بحذف ضميره الذي في " تضربه "، ففصّل الأخفش فقال: " إذا قلنا: " آلخوان أكل اللحم " لم يجز؛ لأن " الخوان " لا يتعدى الفعل إليه إلا بحرف جر، كما لا يجوز أن نقول: " مررت زيدا "، وقد يكون في الفعل ما يتعدى بغير حرف جر كقولك: " لقيت زيدا " و " جزت زيدا "، فالمعنى الذي أفسد " آلخوان أكل اللحم "، غير المعنى الذي أفسد قولنا: " أزيد لم يضربه إلا هو "؛ لأن المعنى الذي أفسد: " أزيد لم يضربه إلا هو "، هو أنّا لو حذفنا الاسم الذي حملنا رفع " زيد " عليه، لبقي " أزيد لم يضربه "، ونحن إذا قلنا هذا، صار الضمير متعديا إلى ضميره، وقد بينا فساد هذا في كل فعل.
وهذا الوجه الآخر في " آلخوان أكل اللحم " إنما يفسد؛ لحذف حرف الجر، كما يفسد: " مررت زيدا ". والأسماء التي تتعدى أفعالها بغير حرف جر والتي تتعدى بحرف تستوي أحكامها فيما يختار من نصب الأول؛ ألا ترى أنك تقول: " أزيدا مررت به "، كما تقول: " أزيدا رأيت " فقال الأخفش: " اللحم " في قولنا: " الخوان أكل عليه اللحم " اسم

منفصل، والأسماء المنفصلة لا يمتنع تعدي فعلها إلى كل شيء من الأسماء.
وقولنا: أزيدا لم يضربه إلا هو "، و " أزيد لم يضرب إلا إياه "، لو غيّرنا فقلنا: " أزيد لم يضرب إلا هو " حملا على " هو " و " أزيدا لم يضرب إلا إياه "، حملا على " إياه " لصار تقدير الأول: " أزيد لم تضربه "، وصار تقدير الثاني: " أزيدا لم يضرب "، فيكون الأول: يتعدى ظاهره إلى ضميره، والثاني يتعدى ضميره إلى ظاهره وكلاهما فاسد على ما بيّناه.
و " اللحم " اسم منفصل غريب أجنبي عن الأول.
ثم قال: والأسماء المنفصلة يعمل فعلها في الأول، فجرت كلها على ذلك، كما تقول: " الدرهم أعطيه زيد "، يريد: أن الأسماء المنقطعة الأجنبية من المفعول، الغريبة منه، يعمل فعلها في المفعول إذا تقدم، سواء تعدّت أفعالها بحرف، أو بغير حرف، فيكون " آلخوان أكل عليه اللحم "، بمنزلة قوله: " آلدرهم أعطيه زيد "، وإن كان " أكل " إنما قد تعدى إلى ضمير " الخوان " بحرف، و " أعطي " قد تعدّى إلى ضمير " الدرهم " بغير حرف، كما أن قولك: " أزيدا مررت به "، بمنزلة قولك: " أزيدا لقيته "، وإن كان " المرور " متعديا بحرف، و " اللقاء " بغير حرف.
قال: " فاللحم " اسم منفصل، إلا أنه لا يقع على " الخوان " إلا بحرف جر، والأسماء غير المنفصلة لم تجر مجراها، لأن المنفصلة إن كان فيها ما لا يجوز أن يلفظ به، فقد يكون من المنفصلة ما يلفظ به كثيرا، على أن يعمل أحدهما في الآخر، فشبهت ما لا يحسن في التقديم بهذا الذي يحسن، وأما غير المنفصلة فلم يكن فيها شيء يشّبّه به.
قوله: (والأسماء غير المنفصلة لم تجر مجراها).
يعني: الأسماء المنفصلة الغريبة الأجنبية في التعدي إلى المفعول الذي هو غيرها، لم تجر مجرى تعدي الأسماء إلى ضميرها، وقد بينا هذا.
وقوله: لأن المنفصلة إن كان فيها ما لا يجوز أن يلفظ به، فقد يكون من المنفصلة ما يلفظ به كثيرا، على أن يعمل أحدهما في الآخر.
يعني: أن قولنا: " آلخوان أكل عليه اللحم "، و " أزيدا مررت به "، وما أشبه ذلك من الأفعال التي تتعدى بحرف، وفاعلها منفصل من مفعولها: إن كان لا يجوز أن يلفظ به بحذف حرف الجدر، ففي الأفعال ما يتعدى بغير حرف كقولك: " آلخوان ألزم اللحم "، و " أزيدا لقي عمرو ".

وقوله: (فشبهت ما لا يحسن في التقديم بهذا الذي يحسن).
يعني فشبهت " آلخوان أكل عليه اللحم "، و " أزيدا مررت به " ب " آلخوان ألزم اللحم "، و " أزيدا لقي عمرو ". وقوله: (وأما غير المنفصلة فلم يكن فيها شيء تشبه به).
يعني: قولبك: " أزيدا لم يضرب "، إذا جعلت في " يضرب " ضميرا من " زيد "، وعديته إلى " زيد "، وقولك: " لم يضربه زيد "، إذا عديت فعل " زيد " إلى ضميره وليس شيء يشبّه به من الأفعال؛ لأن الأفعال كلها لا يجوز فيها ذلك.
(ومما يقبح بعده ابتداء الأسماء، ويكون الاسم بعده إذا أوقعت الفعل على شيء من سببه نصبا في القياس: " إذا "، و " حيث "، تقول: " إذا عبد الله تلقاه فأكرمه "، و " حيث زيدا تجده فأكرمه؛ لأنهما يكونان في معنى حروف المجازاة).
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن الحرف إذا كان بالفعل أولى، فوليه اسم بعده فعل واقع عليه بضميره، فالاختيار إضمار فعل ينصب الاسم.
و " إذا " فيها معنى المجازاة التي لا تكون إلا بفعل، فالاختيار إضمار فعل بعدها، فقولك: " إذا عبد الله تلقاه فأكرمه "، تقديره: " إذا تلقى عبد الله تلقاه "، وكذلك " حيث " قد تجري مجرى " إذا "، في قولك: " حيث زيدا تجده فأكرمه "، على تقدير: " حيث تجد زيدا تجده " وفيهما معنى المجازاة؛ لأن قولك: " إذا عبد الله تلقاه "، يوجب الأوقات المستقبلة كلها، ولا يخص وقتا دون وقت، فهو بمنزلة قولك: " متى تلق عبد الله فأكرمه "، و " حيث تجد زيدا فأكرمه "، يوجب الأماكن كلها، لا يخص مكانا دون مكان، فهو بمنزلة " أين " فكأنك قلت: " أين تجد زيدا فأكرمه "، غير أن " متى "، و " أين " يجزمان، و " إذا " و " حيث " لا يجزمان عند البصريين إلا في ضرورة الشعر وسترى ذلك إن شاء الله.
قال: (ويقبح إن ابتدأت الاسم بعدهما إذا كان بعده الفعل لو قلنا: " اجلس حيث زيد جلس "، و " أو جلس " " إذا زيد يجلس "، و " إذا زيد جلس " كان أقبح من قولك: " إذا جلس زيد "، و " إذا يجلس "، " وحيث يجلس "، و " حيث جلس ").
يعني: أن تقديم الفعل أولى؛ لأنهما أحق بالفعل، كما قبح " هل زيد جلس " و " أين زيد جلس ". قال: (والرفع بعدهما جائز؛ لأنك قد تبتدئ بالاسم بعدهما فتقول: " اجلس حيث

عبد الله جالس "، و " اجلس إذا عبد الله جلس ").
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قدر حالة الرفع بعدهما على الابتداء بهذا الكلام الذي ذكرناه.
فأما " حيث ": فلا شك في جواز ذلك فيها؛ لأنها قد تخرج عن معنى المجازاة إلى أن يكون ما بعدها مبتدأ وخبرا كقولك: " لقيته حيث زيد جالس "، فيكون نظيرها من الزمان " إذ "، كقولك: " لقيته إذ زيد جالس ". وأما " إذا ": فلا تقع إلا للمستقبل، ولا تنفك عن معنى المجازاة، فقال قائلون: متى ما وليها الاسم، فلا بد من أن يكون الفعل بعدها مقدرا، فإذا قلت: " اجلس إذا عبد الله جلس " فتقديره: " اجلس إذا جلس عبد الله جلس " كما أنا إذا قلنا: " اجلس إن عبد الله جلس "، فتقديره " اجلس إن جلس عبد الله.
والبصريون يقولون في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 1 إن " أحد " يرتفع بفعل مضمر لا بالابتداء، كأنا قلنا: " وإن استجارك أحد من المشركين استجارك "، فالظاهر تفسير للمضمر قالوا: ومما يقوى أن " إذا " لا بد من فعل بعدها، أنك لا تقول: " اجلس إذا عبد الله جالس " كما تقول: " اجلس حيث عبد الله جالس "، فقد بان الفصل بينهما.
وللمحتج عن سيبويه أن يقول: لما كانت " إذا " غير عاملة في الفعل كعمل " إن "، جاز أن يكون الواقع بعدها مرفوعا بالابتداء، ويكون معنى المجازاة يصح لها بالفعل الذي بعد المبتدأ، كما أن " لو " هي بالفعل أولى، وفيها معنى المجازاة.
فإذا قلت: " لو أنك جئتنا لأكرمناك "، ف " إنك جئتنا " في موضع اسم مبتدأ، وجاز لأن الفعل الذي هو خبر " أن " يصحح لها معنى المجازاة.
وللقائل الأول أن يقول: قولك: " لو أنك جئتنا لأكرمناك " يرتفع أن بفعل مضمر؛ لأن " أن "، وما بعدها بمنزلة المصدر، فيكون تقديره: " لو وقع أنك جئتنا " على معنى: لو وقع مجيئك.
وللمحتج عن سيبويه أن يقول: لو كان الأمر كذلك لجاز: " لو أن زيدا قائم

أتيناك "، على معنى لو وقع هذا.
قال سيبويه: (ول " إذا " موضع آخر يحسن فيه ابتداء الاسم بعدها فيه تقول: " نظرت فإذا زيد يضربه عمرو "؛ لأنك لو قلت: " نظرت فإذا زيد يذهب " لحسن).
اعلم أن " إذا " تقع في الجواب والمفاجأة، ويليها المبتدأ والخبر، فتكون هي وما بعدها بمعنى الفعل، فإذا قلت: " نظرت فإذا زيد يضربه عمرو "، تقديره: نظرت فأبصرت زيدا يضربه عمرو.
وقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 1، كأنه قال: قنطوا ف " إذا " وما بعدها بمنزلة فعل، غير أن الذي قصده سيبويه في هذا الموضع أن " إذا " لما كان حكمها أن يليها الاسم لا الفعل، ثم أتى بعد الاسم الذي وليها فعل واقع على ضميره لم تنصب الاسم الأول بإضمار فعل بعد " إذا "؛ لأن " إذا " في هذا الموضع بالاسم أولى، وليست بمعنى المجازاة، فيختار الفعل بعدها.
ألا ترى أنك تقول: " نظرت فإذا زيد قائم "، وقد كان بعض النحويين البصريين: يجعل " إذا " بمنزلة الحضرة والمكان.
فإذا قلت: " خرجت فإذا زيد قائم "، كأنه قال: " فحضرتي زيد قائم "، و " زيد " مرفوع بالابتداء و " قائم " خبره، و " حضرتي " في موضع نصب ب " قائم "، كما تنتصب ظروف المكان.
قال: ويجوز أن تقول: " خرجت فإذا زيد "، فتجعل " زيدا " مبتدأ، و " إذا " خبره، كأنه قال: " بحضرتي زيد ". ويجوز على ذلك أن تقول: " خرجت فإذا زيد قائما "، فتجعل " إذا " خبر " زيد "، وينصب " قائما " على الحال.
ومن جعل " إذا " حرفا، وجعل ما بعدها مبتدأ وخبرا، فإنه يقول: " خرجت فإذا زيد " الخبر محذوف، كأنه قال: " فإذا زيد بحضرتي ". و " الفاء " إذا كانت جوابا فالحذف فيها شائع، كقولك: " إن تأتنا فمحسن " تريد: فأنت محسن، وجملة الحذف أنه متى فهم الكلام معه جاز ولا سيما مع استعمال العرب لذلك.
قال: (وأما " إذ "، فيحسن ابتداء الاسم بعدها تقول: " جئت إذ عبد الله قائم " و " جئت إذ عبد الله يقوم "، إلا أنها في " فعل " قبيحة تقول: " جئت إذ عبد الله قام "، ولكن " إذ " إنما تقع في الكلام الواجب، فاجتمع فيها هذا، وأنك قد تبتدئ الاسم بعدها، فحسن الرفع).

يقول: إن " إذ " ليس فيها معنى المجازاة والذي يليها الجمل.
قال: فإذا قلت " جئت إذ عبد الله أكرمه "، كان الاختيار رفع " عبد الله "؛ لأن " إذ " ليست بالفعل أولى، كما كانت " إذا "؛ لأن معناها الماضي، وهي لوقت مبهم، يفسّر بالجملة التي بعدها، والجملة التي بعدها مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل ماضيا كان الفعل أو مستقبلا، كقولك: " جئت إذ قام زيد "، و " إذ يقوم زيد "، و " جئت إذ زيد قائم "، و " إذ زيد يقوم ". فإذا قلت: " جئت إذ زيد قام "، قبح أن يكون خبر المبتدأ الذي بعدها فعلا ماضيا.
فإن قال قائل: وكيف حسن " جئتك إذ قام زيد "، ولم يحسن " جئتك إذ زيد قام "؟ قيل له: لأن " قام " في قولك: " زيد قام "، موضعها رفع بخبر الابتداء، وخبر الابتداء حكمه أن يكون الاسم أو ما يضارعه، والفعل الماضي مضارعته ليست بتامة، وليس بالكلام حاجة إلى لفظ المضي؛ لأن " إذا " قد دلت على المضي.
وإذا قلت: " جئتك إذ قام زيد "، فليس " قام " في موضع اسم.
فإن قال قائل: فأنت تجيز " زيد قام " ولا تستقبحه، و " قام " في موضع خبره، فلم استقبحت ذلك في " إذ "؟ قيل له: من أن قولنا: " زيد قام "، لو قلنا مكان " قام " " يقوم "، لتغير معنى الفعل؛ لأن لفظ الفعل هو الذي يدل على الماضي والمستقبل، وفي " إذ "، قد دل على الماضي، فلا حاجة بالكلام إلى لفظ الماضي بعد الذي يدل على المبتدأ.
ثم قوى سيبويه الفرق بين " إذ "، و " إذا " بأن: قال: (إن " إذ " إنما تقع في الكلام الواجب).
يعني: الماضي، وارتفع الاسم المبتدأ والخبر بعدها، ليرى أنها بعيدة من معنى المجازاة، وأن الرفع حسن في نحو قولك: " جئتك إذ زيد أكرمه ". قال: (ومما ينتصب أوله؛ لأن آخره ملتبس بالأول قولك: " أزيدا ضربت عمرا وأخاه "، و " أزيدا ضربت رجلا يحبه "، و " أزيدا ضربت جاريتين يحبهما "، فإنما نصبت هذا الأول؛ لأن الآخر ملتبس به إذ كانت صفته ملتبسة به).
قال أبو سعيد: اعلم أن الجملة إذا كان فيها ضمير اسم متقدم فهي من سبب ذلك الاسم، وإن كان في الجملة اسم ليس فيه ضمير ولا تبالي في أي موضع من الجملة وقع ذلك الضمير؛ فإذا قلت: " أزيدا ضربت عمرا وأخاه "، ف " عمرو " منصوب ب " ضربت "،

و " أخاه " عطف عليه، ف " عمرو " و " الأخ " منصوبان ب " ضربت " متصلان به داخلان في جملته، فصار بمنزلة قولك: " أزيدا ضربت أخاه "، ولو قلت: " أزيدا ضربت عمرا في داره "، لكان الوجه أيضا النصب؛ لأن قولك: " في داره " ظرف وقع فيه الضرب فهو في جملة " ضربت "، وكذلك إذا قلت: " أزيدا ضربت رجلا يحبه "، ف " يحبه " نعت لرجل، والنعت والمنعوت يتسلط عليهما عامل واحد.
ف " يحبه " في جملة " ضربت " فصار الاسم المنصوب ب " ضربت " من سبب الاسم الأول؛ إذ كان في جملته عائد إليه، لو كان الذي يلي الاسم جملة ليس فيها ذكر له، ثم جئت بجملة أخرى، فعطفتها على الجملة الأولى، وفيها ذكر للاسم لم يجز، وذلك قولك: " أزيدا ضربت عمرا وضربت أباه "، لأن قولك: " وضربت أباه " جملة أخرى، والجملة الأولى قد مضت بلا ذكر.
قال: (وإذا أردت أن تعلم التباسه به، فأدخله في الباب الذي تقدم فيه الصفة، فما حسن تقديم صفته فهو ملتبس بالأول، وما لا يحسن فليس ملتبسا به).
قال أبو سعيد: اعلم أن الجملة قد تكون نعتا للنكرة وقد ينعت الاسم بفعل سببه، فيجري النعت على إعراب الأول، ويرتفع سببه بفعله، وذلك قولك: " مررت برجل أبوه قائم "، " فأبوه قائم " نعت لرجل، وفيها ذكر يعود إليه، والقيام للأب، فيجوز تقديم القيام وإجراؤه على " رجل " ورفع " الأب " به، فتقول: " مررت برجل قائم أبوه "، وكذلك " مررت برجل عمرو قائم في داره "؛ لأن " عمرو قائم في داره " جملة فيها ذكر يعود إليه، فتقول على هذا: " مررت برجل قائم في داره عمرو "، ولو قلت: " مررت برجل عمرو قائم " لم يجز أن يكون نعتا لرجل، إنما يكون على أنك قطعت الكلام وخبّرت بخبر ثان، فلو قلت: " مررت برجل قائم عمرو " لم يجز.
فقال سيبويه: (إذا أردت أن تعلم الملتبس، فتقدم فعل الثاني، فإن صلح أن يكون نعتا للأول، فهو ملتبس به، وإن لم يصلح، فليس بملتبس به).
ثم قال: (ألا ترى أنك تقول: " مررت برجل منطلقة جاريتان يحبهما "، و " مررت برجل منطلق زيد وأخوه ").
" فمنطلقة ": نعت ل " رجل "، والفعل للجاريتين؛ لأن في " يحبهما " ضميرا مرفوعا يرجع إلى الرجل، و " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "، فتصف الرجل بانطلاق زيد وأخيه؛ لأنهما مرفوعان بفعل واحد.

قال: (ولو قلت: " أزيدا ضربت عمرا وضربت أخاه "، لم يجز) لأنك تقول: " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "، ولو قلت: " مررت برجل منطلق زيد ومنطلق أخوه "، لم يجز؛ لأنك إذا قلت ذلك فقد نعت " رجلا " بقولك: " منطلق زيد "، و " منطلق " هذا الأول لم يتصل به ما فيه ضمير لرجل؛ لأن " أخاه " إنما ارتفع ب " المنطلق " الثاني؛ فقط نعت " رجلا " بفعل ليس فيه ما يعود إليه وذلك لا يجوز.
وإذا قلت: " مررت برجل منطلق زيد وأخوه "، فقد رفعت " الأخ " بمنطلق، كما رفعت به " زيدا " فلا عليك أقدمت أم أخرت.
وهذه مسائل متصلة تشاكل: " أزيدا لم يضربه إلا هو " وتقول: " أأخواك ظناهما منطلقين "، فللأخوين هاهنا سببان مرفوع ومنصوب، وهما جميعا غير منفصلين، فحملت الأول على المرفوع من قبل أن الظاهر يتعدى فعله في هذا الباب إلى مضمره نحو: " ظنهما أخواك ذاهبين "، ولا يتعدى فعل المضمر إلى الظاهر في هذا الباب، ولكن يتعدى فعل المضمر إلى المضمر مثل قولك: " أظنني ذاهبا "، و " ظننتني ذاهبا "، كما قد ذكرنا فيما تقدم أن الأفعال الملغاة التي هي " ظننت "، وأخواتها، يتعدى ضميرها إلى ضميرها كقولك: " أظني منطلقا " و " ظننتني منطلقا "، وظاهرها إلى ضميرها كقولك: " ظننته زيدا منطلقا "، ولا يتعدى ضميرها إلى ظاهرها كقولك: " الزيدين ظنا منطلقين " فإذا قلت: " أأخواك ظناهما منطلقين " فللأخوين ضمير مرفوع وهو الألف في " ظنّا "، وضمير منصوب وهو " هما "، فتحمله على ضمير المرفوع، لأنك إذا فعلت ذلك فجعلت " هما " مكان الضمير المرفوع، صار " أظنهما أخواك منطلقين "، وهذا جائز سائغ كما ذكرنا وبيّنا، ولو حملتهما على ضميرها المنصوب فقلت: " أأخويك ظناهما منطلقين " لم يجز؛ لأنك لو حذفت ضميرها المنصوب لقلت: " أخويك ظنّا منطلقين " فكنت تنصب الظاهر بضميره المضمر وقد بيّنا أن المضمر لا يتعدى إلى الظاهر.
قال: (وتقول: " إياهما ظنّا منطلقين " لأنك تقول: " إياهما ظن أخواك منطلقين "، إذا كانا ظنّا أنفسهما، فيتعدى فعل المضمر المرفوع إلى المضمر المنصوب في هذا الباب في الشك والعلم).
يعني: أن قولك: " إياهما ظنّا منطلقين " جائز، كما يجوز: " ظننتني منطلقا "، وإن

كان " إياهما " ضميرا منفصلا؛ لأن الضمير المنفصل أقوى من الضمير المتصل في تعدي الفعل إليه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: " ظننتني منطلقا "، ثم قدّمت لقلت: " إياي ظننت منطلقا " إذ كان لا يمكن اتصال الضمير وهو قبل الفعل.
قال: وتقول: " أأنت حسبتك منطلقا "، و " أإياك حسبتك منطلقا " فتحمل الضمير الأول إن شئت على التاء في " حسبتك "، فتقول: " أأنت " وإن شئت على الكاف، فتقول: " أإياك ". قال: (وتقول: " عبد الله أخوك يضربه " كما فعلت في قولك: " أأنت زيدا ضربته "؛ لأن الاسم ها هنا بمنزلة مبتدأ ليس قبله شيء).
يعني: أنك لا تنصب " الأخ "، وإن كانت الهاء في " تضربه " تعود إليه.
وعلى مذهب الأخفش " أعبد الله أخاه يضربه "، على تقدير: أتضرب عبد الله أخاه تضربه، وقد مضى الكلام في هذا.
قال: (فإن نصبته على قولك: " زيدا ضربته "، قلت: " أزيدا أخاه تضربه ").
يعني من قال: " ضرب زيدا ضربه " في الابتداء، وإن كان الاختيار غيره، قال هاهنا: " أزيدا أخاه تضربه "؛ لأن " الأخ " بمنزلة مبتدأ إذ كان " زيد " قد حال بينه وبين ألف الاستفهام.
قال: (فأما قولك: " أزيدا مررت به "، فبمنزلة قولك: " أزيدا ضربته ". والرفع في هذا أقوى منه في قولك: " أعبد الله ضربته " وهو أيضا قد يجوز، إذا جاز هذا، كما كان ذلك فيما قبله من الابتداء، وفيما جاء بعد ما بني على الفعل، وذلك لأنه ابتدأ " عبد الله "، وجعل الفعل في موضع المبني عليه كأنه قال: " أعبد الله أخوك ").
أما قوله: " أزيدا مررت به "، بمنزلة قولك: " أزيدا ضربته "، وقد بيّنا ذلك، وإن كنا ننصب " زيدا " في قولنا: " أزيدا مررت به " بإضمار فعل يتعدى بغير حرف، كأنا قلنا: " أجزت زيدا مررت به ". وقوله: (والرفع في هذا أقوى منه في: " أعبد الله ضربته ").
يعني: أن قولك: " أزيد مررت به "، أقوى من قولك: " أزيد ضربته "؛ لأن الفعل لم يصل إلى ضميره في " مررت " إلا بحرف، وفي " ضربت " قد وصل بغير حرف، فبعد الاسم الأول في المرور أكثر من بعده في الضرب وقد بيّنا هذا.

وقوله: (وهو أيضا قد يجوز).
يعني أن قولك: (أعبد الله ضربته) جائز، وإن كان الرفع في الآخر أقوى.
وقوله: (كما كان ذلك في الابتداء).
يعني: كما كان ذلك في قولك: " أعبد الله ضربته "، وفيما جاء بعد ما بني على الفعل، وهو قولك: " كلمت عمرا وزيد ضربته ". وقوله: (وذلك لأنه ابتدأ " عبد الله " وجعل الفعل في موضع المبني عليه).
يعني: أنك إذا قلت: " أعبد الله ضربته "، فقد جعلت " عبد الله " مبتدأ، و " ضربته " في موضع خبره كأنك قلت: " أعبد الله أخوه ". قال: (ومن زعم أنه إذا قال: " أزيدا مررت به "، فإنما نصبه بهذا الفعل، فهو ينبغي له أن يجره لأنه لا يصل إلا بحرف إضافة).
يعني: أن قائلا إذا قال في قولنا: " أزيدا مررت به "، إنما انتصب " زيدا " بإضمار " مررت "، كأنه قال: " أمررت زيدا مررت به ". يلزمه ألا ينصب " زيدا "؛ لأن " مررت " لا يتعدى إلا بحرف جر، ويلزمه أن يقول: " أبزيد مررت به "، فأبطل سيبويه قول من يقول: إنا نقدر " أمررت زيدا مررت به ". ثم قال: (وإذا أعملت العرب شيئا مضمرا، لم تصرفه عن عمله مظهرا كالجر الرفع والنصب).
يعني: أن العرب لا تقول: " مررت زيدا " مظهرا، فلما لم يجز ذلك لم يجز أن تقدر: " أمررت زيدا مررت به " ثم أكد ذلك: فقال: (تقول: " وبلد " تريد: ورب بلد، وتقول: " زيدا "، تريد: عليك زيدا، وتقول: " الهلال " تريد: هذا الهلال، فكله يعمل عمله مظهرا).
فأراك أن ما يعمل عمله مضمرا جرا، أو رفعا، أو نصبا، فإنه يعمل مثله مظهرا، ليعلم أن " مررت " لو كان يتعدى بغير حرف جر مضمرا لتعدى مظهرا.

هذا باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل، كما يجري في غيره مجرى الفعل

اعلم أن أسماء الفاعلين الجارية على أفعالهم، نحو: ضارب، وقاتل، ومضارب،

ومكسّر، ومستغفر، وما أشبه ذلك، إذ كانت جارية على: ضرب، وقاتل، وكسر، واستغفر؛ وأسماء المفعولين: نحو: معطى، ومكسوّ، ومعرّف، ومعلم إذا كانت جارية على: أعطى، وكسي، وعرّف، وأعلم، تعمل عمل الفعل الذي جرت عليه، إذا كان الفعل للحال، أو المستقبل، وتتصرف تصرفه، تقول: " هذا ضارب زيدا "، كقولك: " هذا يضرب زيدا "، " وهو مكسوّ جبة "، و " معرّف زيدا "، كما تقول: " هذا يضرب زيدا "، و " يعرّف زيدا "؛ وإن شئت قلت: " هذا زيدا ضارب "، و " هذا زيدا معرف "، كما تقول: " هذا زيدا يضرب "، و " هذا زيدا يعرف "، فيجري مجرى الفعل ويعمل عمله.
فإن قال قائل: لم أعملتم هذه الأشياء، وهي أسماء عندكم؟ قيل له: حمل الأسماء على الأفعال إذا كانت بينهما مشاكلة، وحمل الأفعال على الأسماء جائز، فمن ذلك أنّا قد حملنا الأفعال المضارعة التي في أوائلها الزوائد الأربع على الأسماء، فأعربناها للمضارعة التي بينها وبين الأسماء، وقد ذكرنا تلك المضارعة، ولم تكن في الأصل معربة، ولا مستحقة للإعراب، فبالمضارعة التي حملنا بها الأفعال على الأسماء، وأعربناها حملنا أيضا الأسماء على الأفعال فأعملناها؛ لأن العمل في الأصل للأفعال.
فإذا كان الاسم في معنى فعل ماض لم تعمله؛ لأن ذلك الفعل الذي الاسم في معناه لم يضارع الاسم مضارعة تامة، فيحمل عليه في إعرابه، وكذلك الاسم لم يضارعه فيحمل عليه في عمله، لا تقول: " زيد ضارب عمرا أمس "، ولا " وحشيّ قاتل حمزة يوم أحد "، لأنه في معنى: ضرب، وقتل، وليس بينهما مضارعة، بل تضيفه إليه فتقول: " زيد ضارب عمرو أمس "، و " وحشيّ قاتل حمزة ". وهذا قول النحويين إلا الكسائي، وقد مضت الحجة فيه.
فإذا قلت: " هذا معطي زيد درهما أمس "، " وهذا ظان زيد منطلقا أمس " فكثير من أصحابنا يزعمون أن الثاني ينتصب بإضمار فعل آخر، كأنه قال: " هذا معطي زيد أعطاه درهما أمس "، و " هذا ظان زيد ظنه منطلقا أمس ". والأجود عندي أن يكون منصوبا بهذا الفعل بعينه، وذلك لأن الفعل الماضي فيه بعض المضارعة، ولذلك بني على حركة، فبذلك الجزء من المضارعة يعمل الاسم الجاري عليه عملا ما، دون عمل الاسم الجاري على الفعل المضارع، فعمل في الاسم الثاني لمّا لم يمكن إضافته إليه، لأنه لا يضاف إلى اسمين، فأضيف إلى الاسم الذي قبله، وصارت إضافته بمنزلة التنوين له، وعمل في الباقي

بما فيه من معنى الفعل والتنوين.
قال سيبويه عقيب ذكر هذا: (وذلك قولك: " أزيدا أنت ضاربه "، " وأ زيدا أنت ضارب له "، و " أعمرا أنت مكرم أخاه "، و " أزيدا أنت نازل عليه ". كأنك قلت: " (أزيدا) " أنت ضارب "، " وأنت مكرم "، و " أنت نازل "، كما كان ذلك في الفعل؛ لأنه يجري مجراه، ويعمل في المعرفة كلها، والنكرة مقدما ومؤخرا، ومظهرا ومضمرا).
يعني أن قولنا: " أزيدا أنت ضاربه " بمنزلة قولك: " أزيدا أنت تضربه " وقد بينا أن اسم الفاعل يجري مجرى الفعل، ويعمل عمله.
فإن قال قائل: فأنت إذا قلت: " أزيدا أنت ضاربه "، الهاء في موضع جر، فكيف نصبت زيدا، وضميره مجرور؟ قيل له: جر ضميره لا يمنع أن يكون " ضارب " في معنى الفعل، كما كان ذلك في قولك: " أزيد مررت به "؛ لأن ضميره مجرور، وإنما الجر في اللفظ، والنية نية التنوين في " ضاربه "، كأنك قلت: " ضارب له ". وقوله: (ويعمل في المعرفة والنكرة، مقدما ومؤخرا، ومظهرا ومضمرا).
يعني: اسم الفاعل، تقول: " هذا ضارب زيدا "، و " قاتل رجلا "، و " هذا زيدا ضارب "، و " هذا أباك قاصد "، فذكر سيبويه هذا؛ ليثبت أنه يعمل عمل الفعل ويجري مجراه.
قال: (وكذلك " آلدار أنت نازل فيها " وتقول: " أعمرا أنت واجد عليه "، و " أخالد أنت عالم به "، و " أزيدا أنت راغب فيه "؛ لأنك لو ألقيت " عليه " و " فيه " و " به " مما ها هنا لتعتبر، لم يكن ليكون إلا مما ينتصب، كأنه قال: " أعبد الله أنت ترغب فيه "، و " أعبد الله أنت تعلم به "، و " أعبد الله أنت تجد عليه "، فإنما استفهمته عن علمه به، وعن رغبته فيه في حال مسألتك).
يعني: أن اسم الفاعل إذا كان متعديا بحرف جر، فليس يمنعه ذلك من أن يجري مجرى الفعل، وينصب الاسم الأول بإضمار فعل.
فإذا قلت: " أعبد الله أنت راغب فيه " صار بمنزلة قولك: " أعبد الله أنت ترغب فيه "، إذا كان راغبا فيه، فتنصب كما نصبت في قولك: " أعبد الله أنت مررت به " وقد بينا هذا.
وإنما تنصب " عبد الله " في قولك: " عبد الله أنت راغب فيه " إذا كان راغبا في معنى " يرغب " لا في معنى " رغبت ".

وهذا معنى قول سيبويه: (فإنما استفهمته عن علمه به، ورغبته فيه في حال مسألتك).
لأن الذي يعمل عمل الفعل من أسماء الفاعلين ما كان في معنى الفعل المضارع، وقد بيّنا ذلك.
قال: (ولو قال: " آلدار أنت نازل فيها "، فجعل " نازلا " اسما رفع، كأنه قال: " آلدار أنت رجل فيها ").
يعني: أن اسم الفاعل قد يجوز ألا يذهب به مذهب الفعل؛ لأنه اسم، ويجري مجرى الأسماء التي لم تؤخذ من الأفعال.
فإذا فعلت ذلك لم تنصب الاسم الأول؛ لأنه ليس بعده فعل، ولا شيء جعل في معنى الفعل، ووقع على ضميره.
فإن قال قائل: فإذا قلت: " آلدار أنت نازل فيها "، فجعلته بمنزلة قولك: " آلدار أنت رجل فيها "، فما موضع " فيها " من الإعراب؟ وما العامل فيها؟ قيل له: أما قولنا: " آلدار أنت رجل فيها "، فموضعها رفع " باستقر "، وهي في موضع النعت لرجل، كقولك: " مررت برجل في الدار "، و " مررت برجل خلفك "، وأما قولك: " آلدار أنت نازل فيها "، فقد يكون على هذا الوجه، وقد يكون أيضا على معنى الفعل الماضي، ويكون عاملا في الظرف الذي هو " فيها " بمعناها لا بلفظها، وقد تعمل المعاني في الظروف، ولا تعمل في الأسماء.
ألا ترى أنك تقول: " زيد غلامك اليوم "، و " غلام " ليس باسم فاعل، ولا مأخوذ من الفعل.
قال: (ولو قال: " أزيد أنت ضاربه " فجعله بمنزلة: " أزيد أنت أخوه "، جاز).
يعني: أنه لا يجريه مجرى الفعل، فيكون اسم الفاعل المضاف، فإذا لم يجر مجرى الفعل كان بمنزلة " أخوه "، فإذا لم يكن مضافا، كان بمنزلة " رجل ". قال: (" ومثل " ذلك في النصب: " أزيدا أنت محبوس عليه "، و " أزيدا أنت مكابر عليه ").
يعني: أنك إذا قلت: " أزيدا أنت محبوس عليه "، فعلى موضعه نصب، وقد اتصل به ضمير " زيد "، فوجب أن ينصب " زيد " بإضمار فعل، وكذلك في: " أزيدا أنت مكابر عليه "، كأنك قلت: " أتنتظر زيدا أنت محبوس عليه "، " واستلبت زيدا أنت مكابر عليه "، وفي " محبوس " و " مكابر " ضمير يقوم مقام الفاعل؛ لأن معناه: أنت " تحبس عليه، وتكابر

عليه "، وهذا من أسماء المفعولين التي تجري مجرى الفعل.
قال: (وإن لم يرد به الفعل، وأراد به وجه الاسم رفع).
يريد أن " محبوسا "، و " مكابرا "، إذا ذهبت به مذهب " رجل " في المسألة الأولى، قلت: " أزيد أنت محبوس عليه "، و " أزيد أنت مكابر عليه ". قال: (" وكذلك جميع هنا " فمفعول مثل يفعل، وفاعل مثل يفعل).
يريد أن " مفعول " مثل " محبوس " و " مكابر " وما أشبهه " يجري مجرى " يحبس "، و " يكابر " والأفعال التي لم تسم فاعلوها.
و " ضارب، وشاتم، ومقاتل، ومكسّر "، يجري مجرى " يضرب، ويشتم، ويقاتل، ويكسر ". والأفعال التي تسمى فاعلوها.
قال: (ومما يجرى مجرى فاعل من أسماء الفاعلين " فواعل " أجروه مجرى " فاعله "، حيث كان جمعه وكسّروه عليه، كما فعلوا ذلك بفاعلين، وفاعلات).
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن اسم الفاعل الجاري على فعله يعمل عمل الفعل على الشرط الذي شرطنا، وقد علمت أن الفاعل يثنى ويجمع على حسب ما يكون له من الفعل، فيكون تثنية الفاعل وجمعه جاريا مجرى الفعل، وأحق الجموع بذلك الجموع السالمة؛ لأنها تطرد على الواحد اطرادا لا ينكسر ويسلم فيه لفظ الواحد، وطريقته طريقة واحدة وذلك قولك: " الزيدان ضاربان عمرا "، و " الزيدون ضاربون عمرا "، وتقدم فتقول: " الزيدان عمرا ضاربان "، و " الزيدون عمرا ضاربون "، و " الهندات ضاربات عمرا " و " عمرا ضاربات "، ثم أجروا الجمع المكسر على الجمع السالم؛ إذ كانا جميعا جمعين، وكان القصد فيهما إلى معنى واحد، وإن كانت وجوه الجمع المكسر كثيرة، فقالوا: " الزيدون ضراب عمرا، وعمرا ضراب " و " الهندات ضوارب عمرا، وعمرا ضوارب " ثم أجروا اسم الفاعل الذي فيه معنى المبالغة مجرى الفعل الذي فيه معنى المبالغة في العمل، وإن لم يكن جاريا عليه في اللفظ، فقالوا: " زيد ضراب عبيده "، و " قتاال أعداءه "، كما قالوا: " يضرب، ويقتل " إذ أكثر ذلك منهم، فكان " قتّال، وضرّاب " بمنزلة: قاتل، وضارب، كما كان " يضرّب ويقتّل " بمنزلة يضرب ويقتل.
قال: (فمن ذلك قولهم: " هنّ حواجّ بيت الله) وفي حواج نية التنوين، كأنك قلت: " هنّ حواجّ بيت الله " جمع " حاجة " وسقط التنوين؛ لأنه لا ينصرف، وتجوز إضافته فتقول: " هن حواج بيت الله "، ويسقط التنوين للإضافة لا لمنع الصرف.

قال أبو كبير الهذلي: ممّن حملن به وهنّ عواقد … حبك النّطاق فشبّ غير مهبّل 1 فصرف " عواقد " للضرورة، ونصب " حبك "، ويروى " مما حملن به " والهاء في " به " تعود إلى " ما " و " من ". (وقال العجاج: أو الفا مكة من ورق الحمى) 2 فصرف " أو الفا "، ونصب " مكة " وقد ذكرنا في أول الكتاب الكلام في الحمى.
قال: (وقد جعل بعضهم " فعّالا " بمنزلة " فواعل "، فقالوا: " قطّان مكة " و " سكان البلد الحرام "، لأنه جمع " كفواعل ").
قال أبو سعيد: قد بينا أن الجمع المكسر- وإن كانت له وجوه- يجري مجرى الجمع السالم، غير أن بعض الجمع المكسر أشدّ اطرادا من بعض.
فأشده اطرادا " فواعل "، وذلك أنه تكسير جمع الفاعل والفاعلة على القياس الذي لا ينكسر؛ لأن قياس تكسير الاسم الذي على أربعة أحرف أن تدخل ألف الجمع ثالثة، ويفتح أوله ويكسر ما بعد الألف، فلما جمعت " فاعلة " أدخلت بعد ألف " فاعلة " ألفا للجمع، وقلبت ألف " فاعلة " واوا، لاجتماع الساكنين ثم حملوا " فعّالا " عليه.
قال: (وأجروا اسم الفاعل، إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر، مجراه إذا كان على بناء " فاعل "؛ لأنه يريد به ما أراد بفاعل من إيقاع الفعل، إلا أنه يريد أن يحدّث عن المبالغة، فمما هو الأصل الذي عليه أكثر هذا المعنى: فعول، وفعّال، ومفعال، وفعل.
وقد جاء " فعيل ": كرحيم، وسميع، وعليم، وقدير، وبصير، يجوز فيهن ما جاز في " فاعل " من التقديم والتأخير، والإضمار والإظهار).
قال أبو سعيد: وقد بينا أن اسم الفاعل الذي فيه معنى المبالغة نحو قتّال، وضرّاب، يجري مجرى اسم الفاعل، كما كان: " يضرّب، ويقتّل "، يجري مجرى: يقتل، ويضرب، فجمع سيبويه الأبنية التي تكون للمبالغة، فقال: فعول، وفعال مفعال وفعل، وفعيل،

كقولك: " ضروب زيدا "، و " ضرّاب أخاه، و " منحار إبله "، و " حذر أمرك "، و " رحيم أباه "، والتقديم في ذلك كله والتأخير، والإضمار والإظهار جائز.
قال: (لو قلت: " هذا ضروب رؤوس الرجال "، وسوق الإبل على: وضروب سوق الإبل، جاز، كما تقول: " هذا ضارب زيد وعمرا " تضمر: " وضارب عمرا ").
ومثل هذا في الفعل: " مررت بزيد وعمر "، تخفض الأول ثم تضمر فعلا في معناه تعديه إلى الثاني بغير حرف، فكأنك قلت: " مررت بزيد ولقيت عمرا ". قال: (ومما جاء فيه مقدما مؤخرا على نحو ما جاء في فاعل قول ذي الرمة: هجوم عليها نفسه غير أنه … متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض) 1 فعدى " هجوم " إلى " نفسه "، كأنه قال: " يهجم نفسه عليها ". يصف ظليما طرح نفسه على البيض ما لم ير إنسانا، فإذا رأى إنسانا، قام فتنحى حتى لا يهتدي للبيض.
(وقال أبو ذؤيب الهذلي: قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها … على الشّوق إخوان العزاء هيوج) 2 هذا البيت منسوب إلى أبي ذؤيب في نسخة كتاب سيبويه، وهو غلط وإنما هو للراعي يريد: أن المرأة هيوج إخوان العزاء، أي تهيجهم، وتشوقهم، وإخوان العزاء: ذوو الصبر، فإذا كانت تهيج ذوي البصائر والصبر فهي لغيرهم أهيج؛ يصف امرأة، وأنها لو تراءت لراهب قلى دينه، وذلك في بيت تاليه، هذا البيت وهو قوله: ليالي سعدى لو تراءت لراهب … برومة بحر عنده وحجيج 3 وقال القلاخ: أخا الحرب لباسا إليها جلالها … وليس بولاج الخوالف أعقلا 4 أراد: لباسا جلالها.
قال: (وسمعت من العرب من يقول: " أما العسل فأنا شرّاب ").

فنصب " العسل ". " بشراب "، كما يقول: " أما العسل فأنا شارب، أو أنا أشرب ". قال: (بكيت أخا اللأواء يحمد يومه … كريم، رؤوس الدّارعين ضروب) 1 أراد: ضروب رؤوس الدارعين، فقدم كما يقدّم في " ضارب ". وقال: (أبو طالب ابن عبد المطلب): ضروب بنصل السّيف سوق سمانها … إذا عدموا زادا فإنّك عاقر) 2 أراد: ضروب سوق سمانها بنصل السيف.
وقال: (وقد جاء في " فعل " وليس في كثرة ذلك.
قال الشاعر: أو مسحل شنج عضادة سمحج … بسراته ندب لها وكلوم) 3 قال أبو سعيد: اعلم أن النحويين قد خالفوا سيبويه في تعدي " فعل، وفعيل "، وجريهما مجرى الأفعال، فقالوا: لا تتعدى، ولا تعمل عمل الفعل.
فلا يقال: " رجل حذر عمرا "، ولا " زيد رحيم أخاه ". وقالوا من قبل أن " فعيل، وفعل " هما اسمان يبنيان للذات، لا لأن يجريا مجرى الفعل، فيكون كقولك: " رجل كريم ونبيل " و " رجل عجل، ومغث، ولقس "، إذا كان ذلك في طبعه، وأنشد سيبويه بيتين في تعدي " فعل "، وبيتا في تعدي " فعيل ". وقد أنكر مخالفوه احتجاجه بالأبيات: فأما البيت الأول، فقوله: أو مسحل شنج عضادة سمحج- وهو للبيد- وموضع الاحتجاج: نصب " عضادة " ب " شنج " - فقال النحويون: انتصاب " عضادة " على الظرف، لا على المفعول به، ومعنى " عضادة ": القوائم، " وشنج " لازم، و " مسحل ": هو العير، و " سمحج ": هي الأتان، كأنه قال على مذهب النحويين: أو حمار لازم يمنة أتان، أو يسرة أتان، أو ناحية أتان على تقدير: لازم في ناحية أتان.
وقال المحتج عن سيبويه: شنج: في معنى لازم والعضادة: هي القوائم، وهي لا تكون

ظرفا؛ كأنه قال: هو لازم قوائم سمحج.
كما قال الآخر: قالت سليمى لست بالحادي المدلّ … ما لك لا تملك أعضاد الإبل 1 " فأعضاد " بمنزلة " عضادة "، وقد نصبها " بتلزم ". وشنج في معنى ذلك.
والبيت الثاني في " فعل " قوله: حذر أمورا لا تضير وآمن … ما ليس منجيه من الأقدار فنصب " أمورا " " بحذر ". قال النحويون: هذا بيت لا يصح عن العرب، ورووا عن أبي عثمان المازني عن اللاحقي عن الأخفش أنه قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدي " حذر "، فعملت له هذا البيت.
ويروى أيضا: أن البيت لابن المقفع.
وأما الشاهد في فعيل فقول ساعدة بن جؤيّة: حتّى شآها كليل موهنا عمل … باتت طرابا وبات الليل لم ينم 2 فعدّى " كليل " إلى " موهن ". فقال النحويون: هذا غلط من سيبويه بيّن، وذلك أن " الكليل " هو البرق، ومعناه: البرق الضعيف: وكذا " رجل كليل " إذا كان ضعيفا، وفعله لا يتعدى كقولك: كلّ.
يكلّ، ولا تقول: " كلّ زيد عمرا ". و " الموهن ": الساعة من الليل، فهو ينتصب على الظرف، وإنما يصف حمارا وأتانا.
و " شآها ": في معنى: شاقها، يعني شاق هذه الحمير هذا البرق الضعيف في هذه الساعة من الليل؛ حين نقلها من الموضع الذي كانت فيه، إلى الموضع الذي كان منه البرق.
و " عمل ": تعب كليل، ومعناه: أن هذا البرق الضعيف كان يبدو مرة بعد مرة، فذلك البدوّ عمل.
وباتت الأتن طرابا وقد استخفها الشوق، وبات الحمار لم ينم من الشوق أيضا، والنزاع إلى الموطن.
وقد خرج لسيبويه أن " كليل " في معنى " مكل "، ووزنه " مفعل "، و " فعيل " في معنى الفعل المتعدي مثل " عذاب أليم " و " داء وجيع "، إذا وضع بمعنى المؤلم والموجع، والمؤلم

والموجع يتعديان، فيصير كأنه: مكلّ موهنا بدوامه عليه، كما يقال: " أتعبت يومك "، ونحو ذلك من المجاز والاتساع.
وكان الجرمي يجيز تعدي " فعل " على مذهب سيبويه، قال: لأنه جاء على وزن الفعل، فأشبه أن يكون جاريا مجراه وليس بكثير.
قال سيبويه: (ويقال إنه لمنحار بوائكها).
يعني: سمانها وأقناها، الواحد بائك.
" ومنحار ": مفعال وقد ذكرناه.
قال: (وفعل أقل من فعيل بكثير).
يعني: أن اسم الفاعل على " فعيل " أكثر منه على " فعل ". وقد ذكرنا مذهبه ومذهب من يخالفه في تعدي " فعيل، وفعل ". قال: (وأجروه حين بنوه للجمع يعني فعولا كما كان أجرى في الواحد؛ ليكون " كفواعل " حين أجرى مجرى مثل " فاعل "، من ذلك قول طرفة: ثمّ زادوا أنّهم في قومهم … غفر ذنبهم غير فجر) 1 ويروى: فخر يعني: أنهم أجروا جمع " فعول "، و " فعيل "، وما كان للمبالغة في باب التعدي مجرى جمع " فاعل " في التعدي، و " غفر " جمع: غفور، وقد عدوّه إلى ذنبهم، كما عدوا غفور.
وقال الكميت: وليس بحجة عند الأصمعي: شمّ مهاوين أبدان الجزور مخا … ميض العشيّات لا خور ولا قزم 2 فعدى " مهاوين " إلى أبدان الجزور، وهي جمع " مهوان "، مثل: منحار ومعناه: أنه يهين اللحم إذا نحر الجزور، ويعطي.
قال: (ومنه قدير، وعليم، ورحيم، لأنه يريد المبالغة في الفعل، وليس هذا بمنزلة قولك: حسن وجه الأخ؛ لأن هذا لا يقلب ولا يضمر، وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام، أو نكرة ولا يعني أنك أوقعت فعلا سلف منك إلى أحد، ولا يحسن أن تفصل بينهما، فتقول: " هو كريم " فيها حسب الأب).
يعني: أن قديرا وعليما يتعدى كتعدي الفعل، ويقدم المفعول عليه ويؤخر ويضمر

" عليم "، فيعمل مضمرا وقد ذكرنا ذلك في اسم الفاعل، وليس كذلك الصفة المشبهة، وهو: باب " حسن الوجه "، إذا قلت: " هذا حسن الوجه " لم يحسن أن تقول: " هذا الوجه حسن "، كما تقول: " هذا زيدا ضارب " فهذا هو معنى قوله: لأن هذا لا يقلب أي لا يقدم.
وإذا قلت: " هذا حسن الوجه والعين " لم يصلح أن تنصب العين بإضمار " وحسن العين " كما تقول: " هذا ضارب زيد وعمرو " ثم تقول: " هذا ضارب زيد وعمرا "، على إضمار " وضارب عمرا "، فاسم الفاعل يتصرف، ويجري مجرى الفعل، وليس بمنزلة الصفة المشبهة.
وقوله: (وإنما حده أن يتكلم به في الألف واللام لا يعني أنك إذا أوقعت فعلا سلف منك إلى أحد).
يعني: باب " حسن الوجه "، وذلك أن " حسن الوجه " ليس بجار على فعله.
ألا ترى أنك لا تقول: " زيد يحسن الوجه، ولا " زيد حسن الوجه "، وإنما شبه " حسن " بالفاعل، والاختيار عندهم أن يكون في الوجه الألف واللام، وأن يضاف فيقال: " حسن الوجه "، ولا يحسن أن تفصل بين " حسن " وما يعمل فيه، فتقول: " هو حسن في الدار الوجه "، و " كريم فيها الأب "، كما تقول: " هو ضارب في الدار زيدا "، وأنا أستقصي الكلام في " حسن الوجه " إذا انتهيت إليه، وأبين علله إن شاء الله تعالى.
قال: (ومما أجري مجرى الفعل من المصدر قوله: يمرون بالدّهنا خفافا عيابهم … ويخرجن من دارين بجر الحقائب على حين ألهى الناس جلّ أمورهم … فندلا زريق المال ندل الثّعالب) 1 قال أبو سعيد: اعلم أن المصادر تعمل عمل الأفعال التي أخذت منها، كما عملت أسماء الفاعلين عمل الأفعال التي جرت عليها، وذلك أن الفعل متوسط بين المصدر واسم الفاعل لأنه مأخوذ من المصدر، واسم الفاعل مأخوذ منه، وقد تقدم ذلك.
غير أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول به، لأنه متعلق بهما، وهو غيرهما، كقولك: " هذا بناء الحائط "، و " هذا بناء زيد ". واسم الفاعل لا يضاف إلى الفاعل كما يضاف إلى المفعول به، لا تقول: " هذا ضارب زيد "، والضارب هو " زيد " لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، واسم

الفاعل قد يتقدم عليه المفعول، والمصدر لا يتقدم عليه مفعوله، تقول: " هذا زيدا ضارب " على تقدير: " هذا ضارب زيدا "، ولا يجوز: " هذا زيدا ضربك " على تقدير: " هذا ضربك زيدا "؛ لأن المصدر مقدر " بأن " والفعل بعدها، وما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها، لا يجوز أن تقول: " زيدا أن أضرب خير له "، على تقدير: " أن أضرب زيدا خير له "، والمصدر يعمل في المفعول، ماضيا كان أو مستقبلا، واسم الفاعل لا يعمل إلا في المستقبل والحال، والفرق بينهما: أن المصدر وإن كان في معنى الماضي فلا بد أن يقدر فيه " أن " والفعل، فليس بمنزلة الفعل المحض فصار محله كمحل الألف واللام إذا كانتا بمعنى الذي، وهي تعمل في الماضي والمستقبل، تقول: " أعجبني الضارب زيدا " في معنى: الذي يضرب زيدا، ويعجبني: " الضارب زيدا " بمعنى: " الذي يضرب زيدا "، فيعمل في الماضي والمستقبل إذا كان تقديره: تقدير الذي ضرب، والذي يضرب.
وكذلك المصدر، تقديره: أن ضرب، وأن يضرب، فقد خالف المصدر اسم الفاعل من ثلاثة أوجه: أولهما: الإضافة إلى الفاعل.
الثاني: أن مفعوله لا يتقدم عليه.
الثالث: أنه يعمل في الماضي والمستقبل، واسم الفاعل لا يجوز فيه شيء من ذلك.
واعلم أنك إذا أضفت المصدر جررت الذي تضيفه إليه بالإضافة، وأجريت ما بعد المضاف إليه على حكم إعرابه، إن كان فاعلا رفعته، إن كان مفعولا به نصبته، كقولك: " أعجبني قطع اللصّ الأمير "، و " أعجبني دقّ الثوب القصّار " وإن شئت: " أعجبني دق القصار الثوب " و " قطع الأمير اللص "، وإن نونت وأدخلت الألف واللام أجريت كل واحد منهما على حكمه، فقلت: " أعجبني ضرب زيد عمرا "، و " أعجبني القطع اللص الأمير "؛ لأنك أبطلت الإضافة بدخول الألف واللام والتنوين.
وأما قوله: (فندلا زريق المال ندل الثعالب) فظاهر كلام سيبويه أنه ينصب " المال " ب " ندلا "، وأنا أبين حقيقة ذلك: اعلم أنك إذا قلت: " ضربا زيدا "، فتقديره: " اضرب ضربا زيدا " فضرب منصوب بالفعل المضمر، فينبغي أن يكون " زيد " منصوبا بذلك الفعل أيضا، وقد جرت عادة النحويين في هذا بأن يقولوا: إن " زيدا " منصوب بالضرب، وحقيقته ما ذكرته لك.
غير أنهم توسعوا لما ناب المصدر عن الفعل الذي هو عامل أن يقولوا: إنه عامل، ولو أضمرنا

في قولنا: " ضربا زيدا " فعلا غير أضرب، كقولنا: " أوقع ضربا زيدا "، و " افعل ضربا زيدا "، حتى يكون الضرب مفعولا لذلك الفعل المضمر لا مصدرا، لانتصب " زيدا " ب " ضربا "، فكان يصير بمنزلة قولك: " رأيت ضربا زيدا "، فعلى هذا قوله: " فندلا رزيق المال " هو على وجهين: إما أن يكون على قولك: " اندل ندلا المال "، فيكون " المال " منصوبا باندل على الحقيقة و " ندلا " نائب عنه، وإما أن يكون " ندلا " منصوبا " بأوقع " أو " أفعل "، فيكون " المال " منصوبا ب " ندلا ". (وقال المرار الأسدي: أعلاقة أم الوليد بعد ما … أفنان رأسك كالثّغام المخلس) 1 قال: فالقول في: " أعلاقة أم الوليد "، كالقول في: " ندلا رزيق المال ". وقوله: " بعد ما أفنان رأسك كالثّغام المخلس ": " أفنان " مبتدأ، وخبره " كالثغام " و " ما " وما بعدها من الابتداء والخبر بمعنى المصدر، كما تكون هي وما بعدها من الفعل بمعنى المصدر، وكما تكون " أنّ " المشددة وما بعدها من الاسم والخبر بمعنى المصدر، فيكون تقديره: " بعد إشباه رأسك الثغام "، كما لو قلت: " بعد ما أشبه رأسك الثغام " كان تقديره: " بعد إشباه رأسك " (وقال الشاعر: بضرب بالسّيوف رؤوس قوم … أزلنا هامهنّ عن المقيل) 2 نصب " رؤوسا " ب " ضرب "، لما نونه.
قال: (وتقول: " أعبد الله أنت رسول له " و " رسوله "، لأنك لا تريد " بفعول " ها هنا، ما تريد به في " ضروب "؛ لأنك لا تريد أن توقع منه فعلا عليه، فإنما هو بمنزلة قولك: " أعبد الله أنت عجوز له).
يعني: أن " رسولا " لا يجري مجرى الفعل، كما جرى " ضروب " مجرى الفعل، ألا ترى أنك لا تقول: " هذا رسول زيدا "، كما تقول: " هذا ضروب زيدا "، وذلك أن

" الرسول "، اسم للمرسل لا للمرسل عند مبالغة فعله، فهو بمنزلة عجوز التي لا تجري على الفعل، فلذلك لا تنصب " عبد الله "، الذي يلي حرف الاستفهام؛ لأنه ليس بعده فعل واقع به ولا اسم.
وتقول: (" أعبد الله أنت عديل له "، و " أعبد الله أنت له جليس "؛ لأنك لا تريد مبالغة في فعل، ولم تقل: مجالس، فيكون " كفاعل "، وإنما هذا اسم بمنزلة قولك: " أزيد أنت وصيف له " أو " غلام له "، وكذلك: " البصرة أنت عليها أمير ").
يعني: أن " جليسا " و " أميرا " لا يجريان مجرى الفعل، فلا ينصب الاسم الأول.
وإنما " جليس "، بمنزلة " وصيف "، وبمنزلة " غلام "، وكذلك " الأمير "، وكذلك لو قلت: " أعبد الله أنت مجالس له " لنصبت " عبد الله "؛ لأن " مجالس " يجري على " يجالس " فكأنك قلت: " أعبد الله أنت تجالسه " على تقدير: " أتجالس عبد الله أنت تجالسه ". وقوله: (لأنك لم ترد به مبالغة في الفعل).
يعني: أن " جليس " ليس للمبالغة، كما كان " رحيم ". لا تقول: " هذا جليس زيدا "، كما تقول: هذا رحيم زيدا، إذا كثرت منه الرحمة؛ لأن " الجليس " و " الأمير " قد يقال لهما في أول جلسة وأول إمارة.
قال: (فأما الأصل الأكثر الذي يجري مجرى الفعل من الأسماء " ففاعل ". وإنما جاز في التي بنيت للمبالغة؛ لأنها بنيت للفاعل من لفظه).
يعني: أن اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل، ما جرى على الفعل، كضارب من " ضرب " ومجالس من " جالس "، وما كان من مبالغة الفاعل " فضروب " و " ضرّاب " و " جليس " و " أمير " على غير هذين الوجهين.
قال: (وليست هي بالأبنية التي هي في الأصل أن تجري مجرى الفاعل، يدلك على ذلك أنها قليلة.
فإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل، فإنما هي بمنزلة " غلام " و " عبد "؛ لأن الاسم على " فعل ويفعل " فاعل، وعلى فعل ويفعل: مفعول).
يعني: أن فعيلا ليست من الأبنية التي تجري مجرى الفعل في الأصل، ومع ذلك فهي قليلة وإنما يحتج بذلك كله؛ ليرى أن " جليسا " لا يتعدى إذا لم يكن جاريا على الفعل، وإذا لم يكن فيها مبالغة الفعل، ولم تكن للمبالغة.
والاسم الجاري على الفعل أن يكون من " فعل يفعل " " فاعل " نحو: " ضرب يضرب ضارب ". وفاعل يفاعل فهو مفاعل نحو:

" جالس يجالس فهو مجالس " وعلى " فعل يفعل " فهو " مفعول " نحو: " كسي يكسى فهو مكسو ". و " جولس يجالس فهو مجالس ". وجملة ذلك أن الاسم الجاري على الفعل في الفعل الثلاثي، ما كان على لفظ فاعل كقولك: " ضرب يضرب فهو ضارب "، " وقتل فهو قاتل "، و " علم فهو عالم "، و " سمع فهو سامع ". وما كان على أكثر من ثلاثة أحرف، فإن اسم الفاعل الجاري عليه لفظ مستقبله وعدة حروفه، إلا أن الحرف الأول منه ميم " مضمومة " مكان حرف الاستقبال، وما قبل آخره مكسور نحو قولك: " قاتل فهو مقاتل "، و " جالس فهو مجالس "، و " استغفر فهو مستغفر "، و " تعشى فهو متعشّ "، و " كسرّ فهو مكسّر "، و " دحرج فهو مدحرج "؛ لأنك تقول: " يقاتل، ويجالس، ويستغفر، ويتعشى، ويكسر، ويدحرج ". والمفعول من الفعل الثلاثي على لفظ المفعول كقولك: " ضرب فهو مضروب "، و " كسي فهو مكسوّ ". وإذا كان على أكثر من ثلاثة أحرف فهو على لفظ فعله المستقبل كقولك: " قوتل فهو مقاتل، وأعطي فهو معطى، وكسّر فهو مكسر " لأنك تقول: يعطى، ويقاتل، ويكسّر.
والأفعال التي للمبالغة، ولم تجر مجرى الفعل هي ما قدمناه، وذلك خمسة أسماء: فعول، وفعّال، ومفعال، وفعل، وفعيل على قول سيبويه.
قال: (وتقول: " أكلّ يوم أنت فيه أمير "، ترفعه لأنه ليس بفاعل، وقد خرج " كل " من أن يكون ظرفا، فصار بمنزلة " عبد الله "، ألا ترى أنك تقول: " أكلّ يوم ينطلق فيه " صار كقولك: " أزيد يذهب به ").
يعني: أن قولك: " أكلّ يوم أنت فيه أمير "، يرتفع " كلّ "، ولا يجوز نصبه فيه، وذلك لأن " أمير " ليس في معنى فعل، فيضمر فعل " ينصب " " كل ". فإن قال قائل: فإن الأسماء التي لا تجري مجرى الفعل، تعمل في الظروف، و " كل يوم " هو ظرف، فهلا أضمرت فعلا ينصبه، ويكون " أمير " هذا الذي يفسر ذاك الفعل، كما كان " أمير " ينصب الظرف، إذا قلنا: " زيد أمير يوم الجمعة "، " وزيد يوم الجمعة غلامك "؟ قيل له: المعاني وإن كانت تعمل في الظروف؛ فإنها لا تبلغ من قوتها أن تكون تفسيرا لفعل مضمر إذا كانت هي لا تجري مجرى الأفعال، ولا تكون لها تلك القوة.

ولو قلت: " أكلّ يوم أنت أمير " نصبت، وصار " كل " ظرفا للأمير، فإذا قلت: " أكلّ يوم أنت فيه أمير " فقد صارت " فيه " هو الظرف للأمير، وارتفع " كلّ " بالابتداء.
وكذلك إذا قلت: " أكلّ يوم ينطلق فيه " وجعلت " فيه " في موضع رفع، وأقمتها مقام الفاعل في " ينطلق "، ورفعت " كل " بالابتداء، وفي هذا وجه آخر وهو: أن تجعل في " ينطلق " ضمير مصدر تقيمه مقام الفاعل، فيصير " فيه " موضعه نصب، فينتصب " كلا "؛ لأن ضميره اتصل بمنصوب على تقدير: أكلّ يوم ينطلق الانطلاق فيه، ويكون الناصب " لكل يوم " فعلا مبهما كأنك قلت: " أينطلق الانطلاق كلّ يوم ينطلق الانطلاق فيه ". قال: (ولو جاز أن تنصب " كل يوم " وأنت تريد بالأمير الاسم لقلت: " أعبد الله عليه ثوب "؛ لأنك تقول: " أكلّ يوم لك فيه ثوب ").
يعني أن " الأمير " ليس يجري مجرى الفعل، فهو بمنزلة " الثوب " ولا ينصب الاسم الأول، وإن كان في الكلام ضمير يعود إليه متصل بمنصوب؛ لأن ذلك المنصوب نصبه كنصب الظرف بمعنى استقر، فإذا قلت: " أعبد الله عليه ثوب "، فتقديره: أعبد الله استقر عليه ثوب كما تقول: " أعبد الله خلفه ثوب "، ولو أظهرت الاستقرار لنصبت " عبد الله "، كقولك: " أعبد الله استقر عليه ثوب "، وقولك: " أكلّ يوم لك ثوب " تنصب " كل يوم " بالظرف، والعامل فيه " لك " بمعنى الاستقرار، فإذا شغلت الظرف بضمير " اليوم "، خرج " اليوم " من أن يكون ظرفا، ورفعته بالابتداء فقلت: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "، ولا تنصب " اليوم "؛ لأنه لم يظهر فعل ولا اسم فاعل.
قال: (ولو جاز أن تقول: " أكلّ يوم لك فيه ثوب "، لجاز أن تقول: " أعبد الله عليه ثوب "؛ لأن " عليه " في موضع نصب مثل: " فيه ". وهذا لا يجوز فيهما جميعا، لأنك لم تأت بفعل).

هذا باب الأفعال التي تستعمل وتلغى

(وهي ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت، وزعمت، وما يتصرف من أفعالهن كأحسب وتظن).
قال أبو سعيد: أعلم أن هذه الأفعال تدخل على جمل، هي أسماء وأخبار قد كانت قائمة بنفسها فيحدث الشك أو اليقين في أخبارها، فلذلك لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين دون الآخر، وذلك أنك إذا قلت: " حسبت زيدا منطلقا "، فالمحسبة وقعت منك

جارٍ التحميل