والثاني، أنه جعل اللازم نصبا إذا كان واقعا كقولك:
مررت برجل ملازمه زيد، وبماء مخالطه عسل، وأتيت بلبن ممازجه ماء إذا كانت الملازمة والمخالطة والممازجة قد وقعت ووجدت، كأنه قال:
ملازمه الساعة، ومخالطه الساعة، وممازجه الساعة.
والثالث، أنه جعل الفعل والملازم إذا كان غير واقع جاريا على الأول، وذلك قولك:
مررت برجل مفارقه الروح، وبرجل متلفه السير، إذا لم يقع المتلف ومفارقه الروح.
كأنه قال: متلفه غدا السير.
والمذهب الآخر مذهب يونس، وهو:
أنه يجعل ما كان واقعا من ذلك نصبا كمذهب عيسى في الفعل اللازم الذي لا علاج فيه، ويجعل ما كان غير واقع رفعا على كل حال، بمعنى في الفعل اللازم وفيما كان علاجا نحو الضرب والكسر.
قال سيبويه: (فإذا جعلته اسما لم يكن فيه إلا الرفع على كل حال، تقول: مررت برجل ملازمه رجل، أي: مررت برجل صاحب ملازمته رجل، وهو كقولك: مررت برجل أخوه رجل)، يعني أن ملازمه يجعل بمنزلة ما لم يؤخذ من الفعل، لأن حقيقته اسم كقولك: غلامه وأخوه، وإن جمع على هذا الحد، قلت:
مررت برجل ملازموه بنو فلان، لأنه لم يذهب به مذهب الفعل، فيوحد لتقدمه، فصار كقولك:
مررت برجل غلمانه بنو فلان، وإخوته وأصحابه، فإن جعلته عملا جاريا مجرى الفعل، قلت:
مررت برجل ملازمه قومه، كأنك قلت: ملازم أباه قومه أي قد لزم أباه قومه فوحدته لما أجريته مجرى الفعل لتقدمه، وأما قول سيبويه:
(فإن زعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا فهم ينصبون: به داء مخالطه، وهو صفة للأول.
وتقول: هذا غلام لك ذاهبا.
ولو قال: مررت برجل قائما.
لجاز، فالنصب على هذا).
وذكر الفصل.
قال المفسر فإنه ذكر حجاج من نصب:
مررت برجل مخالطه دم، وأنّ من العرب من ينصبه على الحال، فنصب مخالطه على الحال، وإن كان يرفع على أنه صفة لداء، وهذا غلام لك ذاهبا على الحال.
وإن قيل: ذاهب على الصفة، ومررت برجل قائما وإن كان يقال: قائم على الصفة.
هذا باب ما جرى من الصفات غير العمل على الاسم الأول
(إذا كان الشيء من سببه).
وذكره.
قال أبو سعيد: ما احتج به بيّن، وهذه الصفات هي الأسماء المتقدمة في التحصيل، لأن قائلا لو قال:
ضربت قائما أبوه لكان الضرب واصلا إلى غير الأب فصار قائما الذي نصبه الضرب غير الأب، ولو قيل: لعن الله قائما أبوه لوقع اللعن على قائم والأب لم يدخل في اللعن، فجعل قائما على الموصوف الذي قام مقامه، كأنه قال:
ضربت رجلا قائما هو الرجل المحذوف.
وكذلك كان زيد قائما أخوه، فقائما أخوه هو زيد لأن الخبر هو المخبر عنه.
هذا باب الرفع فيه وجه الكلام وهو قول العامة
(وذلك: مررت بسرج خزّ صفّته).
وذكر الباب.
قال أبو سعيد: أما قولك: مررت بسرج خز صفته، وبصحيفة طين خاتمها، وبرجل فضة حلية سيفه، وبدار ساج
بابها فإنك إذا أردت حقيقة هذه الأشياء، لم يجز غير الرفع، ويصير بمنزلة: مررت بدابة أسد أبوه، وأنت تريد بالأسد السّبع، لأن هذه جواهر، ولا يجوز النعت بها، وإن أردت المماثلة والحمل على المعنى أخبر فيها ما حكي عن العرب، فقد سمع منهم:
هذا خاتم طين، تحمل طين على طين، كما قال الشاعر:
... … كدكّان الدّرابنة المطين 1
وإذا سمع منهم: صفّته خزّ، تحمل على: ليّنة.
وقد يقال للشيء اللين: أنه خز، يريد: لينة، كأنهم قالوا: هو ليّن، أي: مثل خزّ.
وقد سمع منهم: مررت بقاع عرفج كله، ومررت بعرب أجمعون، ومعناه: مررت بقاع ثابت كله أو مسد كله، لأن العرفج: شوك، وبقوم منعوتين أو مفسرين أجمعون.
وجملة الأمر أنه إذا جعل شيء من هذا صفة ورفع بها ما بعدها، فمن النحويين من يذهب إلى أنه بتقدير مثل وحذفه، فإذا قال: مررت بدار ساج بابها، وسرج خز صفته، وهذا مذهب المبرد في مثل هذا، ومنهم من يجعل اسم الجوهر في مثل هذا فاعلا، ويرفع به، فإذا قيل: مررت بدار ساج بابها، وجعل الساج في تقدير: وثيق وصلب، ونحوه، فكأنه قال: مررت بدار وثيق بابها أو صلب، ويتأوّل في خزّ: لين صفته، وفي كل شيء منه ما يليق بمعناه.
أنشد بعض النحويين في جواز نحو هذا:
وليل يقول الناس من ظلماته … سواء صحيحات العيون وعورها (1)
كأن لنا منه بيوتا حصينة … مسوحا أعاليها وساجا ستورها (2)
وذهب بالمسوح إلى سود.
وساج إلى كثيف.
والأجود رفع مسوح وساج.
هذا باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة
(وذلك أفعل منه)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن ما يقع بعد الاسم من الأسماء المفردة والمضافة أو الموصولة على ضربين:
أحدهما: يكون صفة للأول.12 قائله المثقب العبدي.
والآخر: لا يكون صفة له.
فأما الذي يكون صفة فما كان تحلية أو جرى مجرى التحلية وذلك قولك: مررت برجل قائم، وكاتب وضاحك ونحوه، ومنه: مررت برجل خير منك، ومثلك وحسبك من رجل، وبدرهم سواء، وبرجل أبي عشرة.
وما لا يكون صفة، فنحو: بستان ودار وحصير ودفتر ونحوه، لا تقول: مررت بملكك البستان، ولا بملكك ثوب، إلا على البدل، ولا بملكك بستانك، ولا بمالك دفترك إلا على البدل أيضا، فإن اتصل بشيء مما لا يكون صفة: له إنما يكون معه جملة مبتدأ وخبر، نحو: مررت برجل دفتر له عندك، وبرجل ثوبه فاخر، ونحو ذلك جاز وتكون الجملة نعت الأول، وأما الصفة إذا اتصل بها اسم فعلى ضربين:
أحدهما: يختار أن يجرى مجرى الاسم الذي يكون صفة، فيرفع بالابتداء والخبر، وهو قولك: مررت برجل خير منه أبوه، وبرجل سواء عليه الخير والشر، وبرجل أب للصاحبة، وبرجل حسبك به من رجل، فهذا الضرب من الصفة يرفع كما يرفع ما لا يكون صفة، ويكون ما بعده خبرا له، وهذا يعني ترجمة الباب، لأن " خير منه " وسواء، وحسبك، وأيما رجل، وأبو عشرة، إذا انفردت كانت صفة، وإذا كانت بعدها أسماء لم تكن صفة بمنزلة أسماء الجواهر وتحقيق لفظ الباب أن يقال: هذا باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة إذا انفردت مجرى ما لا يكون صفة إذا لم ينفرد.
والضرب الآخر من الصفة ما يجرى على ما قبله في إعرابه ويرتفع به ما بعده كارتفاع الفاعل بفعله، وهو قولك: مررت برجل شديد عليه الحر والبرد، من قبل أن شديدا اسم فاعل منه، والحر والبرد مرفوعات به، وهكذا مررت برجل مستو عليه الخير والشر، جررت لأنه صار عملا بمنزلة قولك: مررت برجل مفضض سيفه، ومررت برجل
مسموم شرابه، وجملة ما يكون صفة جاريا على الأول، ويرتفع به ما بعده ما كان من أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين، وقد مضى شرحها.
وأما ما يكون صفة في الانفراد ولا يكون صفة في غير الانفراد، فما ذكره في هذا الباب من قوله: (خير منه أبوه، والأسماء التي ذكرت ومعه).
وذكر سيبويه فصولا بين البابين يبعد بها من مذهب الفعل خير منه أبوه فيه، فيرتفع ما بعده ويفصل ما بينها وبين أسماء الفاعلين بالصفات المشبهة منها، لأن أسماء الفاعلين
تفرد وتؤنث بالهاء، وقد ذكرناه، وتثنى وتجمع وتدخل عليها الألف واللام وتضاف إلى ما فيه الألف واللام، وهذا كله يجري على الصفة المشبهة نحو حسن وكريم وطويل، فتقول:
الحسن الوجه، كما تقول: الملازم الرجل، وليس ذلك في باب (خير منه) لأنه لا تدخل فيه الألف واللام، ولا يفرد وما يفرد أقرب إلى الفعل، لأن الفعل ينفرد، تقول: مررت برجل يضحك ويتكلم، ويدخله التأنيث فتقول: مررت بامرأة تضحك وضحكت، ويتصل به تثنية الضمير وجمعه، تقول: مررت برجلين يضحكان، وبرجال يضحكون.
والألف واللام تدخل على اسم الفاعل الذي منزلته وحكمه حكم الفعل، وقدمنا من الاحتجاج الفصل بينهما في باب الصفة ما يوجب ألّا يرفع ما بعد (خير منه) بما يغني عن إعادته.
فإذا قلت: مررت برجل سواء في الخير والشر جررت، لأن سواء صفة للأول وليس بعده ما يرتفع به فإن قلت: برجل سواء أبوه وأمه، رفعت سواء على أبوه وأمه، سواء بالابتداء، فإن قلت: برجل سواء درهمه، كما تقول: مررت برجل تمام درهمه، ولو خفضت سواء لرفعت ما بعده بالفاعل، وقد ذكرنا أن ذلك لا يحسن، وتقول: مررت برجل سم شرابه، وفضة سيفه على الابتداء والخبر، وليس ذلك ك (مسموم ومفضض) لأنه مسموم ومفضض اسم مفعول جار على الفعل، قال سيبويه:
(وزعم يونس: أن ناسا يجرون هذا كما يجرون مررت برجل خز صفته).
قال أبو سعيد: كأنهم يتأولون في ذلك تأويل اسم الفاعل فيتأوّل (خير منه أبوه) تأويل (فاضل عليه أبوه)، و (راجح عليه أبوه)، ونحو هذا.
ويتأولون في: سواء أبوه وأمه، مستو أبوه وأمه، كما يتأولون في خزّ صفّته، ليّن صفّته.
ثم ذكر سيبويه تقويه الرفع بأنك لا تقول: مررت بخير منه أبوه، ولا سواء عليه الخير والشرّ، كما تقول: بحسن
أبوه، ثم قال سيبويه:
(وتقول: مررت برجل كل ماله درهمان، لا يكون فيه إلا الرفع، لأن " كل " مبتدأ، والدرهمان مبنيان عليه فإن أردت به ما أردت بقولك: ما مررت برجل أبي عشرة أبوه، جاز لأنه قد يوصف به).
قال أبو سعيد: يريد أن الاختيار رفع " كل " و " أبو عشرة "، ويجوز: مررت برجل
أبي عشرة أبوه، وليس بالاختيار، فإذا أجريته على الأول ورفعت أبوه صار التأويل:
مررت برجل والد عشرة أبوه، وإذا أضفته قلت: مررت برجل أبي عشرة أبوه كما تقول:
بضارب زيد أبوه، وعلى هذا تقول: مررت برجل كل ماله درهمان، كأنه قال: مجتمع له درهمان، أو جامع مع ملكه درهمان، وليس ذلك بأبعد من: مررت برجل خزّ صفّته، لأنك قد تصف ب (أبي عشرة)، وكل مال مفردين، فتقول: مررت برجل أبي عشرة، ومررت بمال كل مال، ولا تقول: مررت بثوب خز على النعت.
قال سيبويه: (ومن جواز الرفع في هذا الباب أني سمعت رجلين من العرب يقولان: كان عبد الله حسبك به رجلا)، وذكر الباب.
قال أبو سعيد: عبد الله: اسم كان، وحسبك: مبتدأ، وبه خبره، وهو في موضع رفع، ورجلا: نصب على التمييز، ولو أجراه على الأول، لقال: كان عبد الله حسبك به، تنصب حسبك بخبر كان، وبه في موضع الفاعل، تقول: كفى بالله، والمعنى: كفى الله، وإجراء حسبك على الأول أقوى من إجرائه على الثاني ونحوه إذ كان حسبك مفردا يوصف به لأنه مأخوذ من أحسبني الشيء، أي: كفاني.
هذا باب ما يكون من الأسماء صفة لمفرد وليس بفاعل ولا صفة تشبه الفاعل
(كالحسن وأشباهه، وذلك قولك: مررت بجبة ذراع طولها).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: ما كان من المقادير نعتا لما قبله إذا انفرد بما يتضمن لفظه من الطول والقصر والقلة والكثرة، ناب عن طويل وقصير وقليل وكثير.
فإذا قال: مررت بحبل ذراع، فكأنه قال: قصير، فإذا قال: بحبل سبع أذرع، فكأنه قال: بحبل طويل، وإذا قال: بإبل مائة، فكأنه قال: بإبل كثيرة، وإذا قال: بإبل خمسين، فكأنه قال: بإبل قليلة.
فإن قال قائل: فهلا نعتّم ب (قفيز) ونحوه، وأجريتموه مجرى قليل وكثير كما فعلتم بذراع، تقول: مررت بحنطة قفيز على الصفة بتأويل حنطة قليلة كما قلت: بحبل ذراع، بتأويل قصير، قيل كذلك تفعل وهذا واجب في جميع
الأعداد من أي صنف كان، ألا ترى أنك تقول: مررت بنسوة أربع، ورجال خمسة، وسائر الأعداد، وجاز الوصف بذراع، وشبر، وباع، ونحوه من سائر المقادير، كما جاز في الأعداد.
وإنما منع سيبويه من الصفة ب (قفيز) في قوله: (مررت ببر قفيز بدرهم) على الصفة، لأنك لم ترد أنّ فعل البرّ الذي مررت به كله قفيزا واحدا، كما أردت بقولك:
مررت ببرّ بدرهم، وإن كان قفزانا كثيرة، وإذا جئت بعد المقدار باسم، جعلت المقدار له، رفعت على الابتداء والخبر، تقول: مررت بجبة ذراع طولها، وبثوب سبع طوله، وبرجل مائة إبله، وببر قفيز كله، وبنسوة أربع عددهن، وناس خمسة أولهم.
وإنما اختير فيه الرفع لأن ما هو أقرب إلى الفعل منه يختار فيه الرفع، كقولك:
مررت برجل خير منه أبوه، وأفضل منه زيد، ولم يكن مثل باب حسن الوجه، لأنك تقول: مررت بجبة ذراع الطول، إذا نونت ولا ذراع الطول إذا لم تنون، كما تقول:
حسن الوجه إذا نونت، وحسن الوجه إذا لم تنون، وبعض العرب يجر، كما يخبر الجر حين يقول: مررت بسرج خز صفته فتقول: مررت بجبة ذراع طولها، كأنك قلت: قصير طولها، ومررت برجل مائة إبله، كأنك قلت: كثيرا إبله، وفي سياق كلام سيبويه، (ومنهم من يجره) بعد قوله، (وبعض العرب يجره) لأنه:
أراد: تشبيهه برجل أسد أبوه، وما بعد هذا من كلامه، فقد مضى تفسيره.
قال سيبويه: (وزعم يونس أنه لم يسمع من أحد)، يعني: مررت برجل مائة إبله، (ولكنهم يقولون: هو نار جمرة، لأنهم قد يبنون الأسماء على المبتدإ).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: من قال: هو نار جمرة، جعل النار في تأويل فعل، كأنه قال: مجمر جمرة، فجعل في: أسد أبوه من تأويل شديد، وفي مائة إبله من تأويل كثير، مثل: ما في نار من تأويل: مجمر، وأحوج إلى هذا، أن جمرة لا بد من نصبها في شيء يجري مجرى الفعل.
وقال الزجاج: باب الأخبار أن تكون أفعالا، لأنك تخبر بحدث، وقولك: هو نار جمرة، ليس الضمير لنار، إنما هو لرجل، أو جوهر، وإنما المعنى هو مثل: نار جمرة، وقال أخبر: مررت برجل نار جمرة، أريد مثل نار، كما أردت حيث كان خبر ابتداء كأنك قلت: مررت برجل مثل نار، أو شبه نار جمرة.
قال: وكلام سيبويه يدل على أن نارا تقع خبرا ولا تقع صفة.
فقال أبو سعيد: أظنه تأول من كلام سيبويه قوله: ولكنهم يقولون: هو نار جمرة، لأنهم قد بنوا الأسماء على المبتدإ
ولا يصفون بها، وليس الأمر كذلك عندي، ومما يجري مجرى ما تقدم من اختيار الرفع فيه وجواز الجر قولك في الرفع: مررت برجل رجل أبوه،
إذا أردت معنى: أنه كامل، والجر والإجراء على الأول فيما كان صفة محضة أحسن من الابتداء والخبر، كقولك: مررت برجل حسن أبوه، وفي هذا بعد لأنّ (حسن) يجري مجرى الفعل، والأولى أن يرفع به الأب إن كان من سبب الأول كما يرفع ضميره في قولك: مررت برجل حسن ظريف أبوه، فالرفع فيه الوجه، والجر فيه قبيح.
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: إذا قلت: مررت برجل حسن ظريف، لم يحسن جر (حسن)، و (ظريف) إذا أردت أن ترفع الأب ب (حسن) وظريف: نعت لحسن، لأن باب الإجراء والصفة والعمل فيه بعد، إنما هو للأسماء الجارية على الأفعال التي تؤنث وتذكّر، فإذا أضفت اسم الفاعل خرج من الأفعال وقوى في الاسمية، فصار الباب الرفع فيه، فيكون أبوه مبتدأ، وحسن ظريف خبره مقدم، ويجوز أن يكون (حسن ظريف) خبر مقدم، ويجوز أن يكون حسن ظريف هو المبتدأ على ضعف، ولو قلت: مررت برجل حسن ظريف أبوه، فرفعت الأب ب (ظريف) كان جائزا حسنا، ولو قلت: مررت بضارب ظريف زيدا، وهذا ضارب عاقلا أباه، كان قبيحا لأنه وصفه فجعله كالاسم الذي يبتدأ به ثم يوصف.
قال سيبويه: (فإن قلت: مررت برجل شديد رجل أبوه، فهو رفع لأن هذا وإن كان صفة فقد جعلته في هذا الموضع اسما بمنزلة: أبي عشرة، يفتح فيه ما يفتح فيه، ومن قال:
(مررت برجل أبي عشرة أبوه)، قال: مررت برجل شديد رجل أبوه).
قال أبو سعيد: إذا قلت: مررت برجل شديد رجل أبوه، ف (رجل) الذي بعد شديد بدل من شديد، فبطل أن يعمل شديد في (أبوه) وقد أبدل منه رجل لأن الفعل لا يبدل منه الاسم، فإن وجدناه ورفعنا أبوه برجل، جرى مجرى: أبي عشرة لأن حكمهما واحد في اختيار الرفع فيهما، وليس قولك: مررت برجل أبي عشرة أبوه، كقولك: مررت برجل حسن الوجه أبوه، لأن حسن الوجه أبوه، كقولك: حسن الوجه، فصار بدخول التنوين يشبه ضاربا، إذا قلت: مررت برجل ضاربا وأبو عشرة، لا يدخله التنوين، فلا تقول: مررت برجل أب عشرة، كما تقول: حسن الوجه، وقد مضى الفصل بينهما، وقد
أعاد سيبويه ما يؤكد به الفصل بينهما، وقد شرحناه.
قيل: قال سيبويه: (وأما قوله:
مررت برجل سواء والعدم) فلا بد من أن تجعل سواء نعتا لرجل لأنه ليس مع سواء اسم، فيكون معه مبتدأ وخبرا،
فصار بمنزلة قولك: مررت بقوم سواء، وإذا أجريت سواء على الرجل ففيه ضمير لأنه في معنى مستو، فإذا عطفت على ذلك الضمير أكدت، كما يجب في ضمير المرفوع إذا عطفت عليه، والضمير الذي في سواء مثل الضمير الذي في: عرب أجمعون، لأن عربا محمول على متعربين، كما أن سواء في معنى مستو، وأجمعون توكيد للضمير في عرب.
فأما قول سيبويه: (وهي معطوفة) فإنه يعني: أجمعين، ويعني بالعطف: عطف البيان.
وقوله: (على المضمر).
يعني: المضمر في عرب كما تقدم، وقوله: (وليست كأبي عشرة)، يعني: وليست أجمعون في ارتفاعه بمنزلة ارتفاع أبي عشرة أبوه.
وقوله: (فإن تكلمت به على قبحه رفعت)، يعني: إن قلت: سواء والعدم من غير توكيد رفعت سواء، يعني: إن جئت ب (هو) في: سواء هو والعدم، ولم يجعل هو توكيدا للمضمر وجعلته مبتدأ وعطفت عليه العدم رفعت، سواء خبر المبتدأ كأنك قلت: مررت برجل هو والعدم سواء، فيصير كقولك: مررت برجل سواء درهمه.
قال سيبويه: (وتقول: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشر منه إليه).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: إذا قلت: ما رأيت رجلا أبغض إليه الشر منه إليه، فأبغض نعت لرجل وإليه: في صلته، والهاء في إليه: ضمير لرجل.
كأنه قال: منه إلى زيد، وكذلك وأحسن في عينيه الكحل منه أحسن نعت رجلا والهاء في عينيه تعود إلى الكحل، وفي عينه الآخر العود إلى شيء قد ذكر كأنه قال: في عين زيد، فإن قيل: فقد مرّ من احتجاج سيبويه في (مررت برجل خير منه أبوه) ما يوجب أن يكون هذا مثله لأنه احتج في رفعه بأنك لا تستطيع أن تفرد شيئا من هذه الأشياء لو قلت: هذا رجل خير، وهذا رجل أفضل.
لم يستقم وكذلك لا تفرد أبغض وأحسن في قولك: ما رأيت رجلا أبغض وأحسن في قولك: ما رأيت رجلا أبغض أو أحسن، وذكر أيضا أن الذي يجرى على الأول اسم الفاعل والصفة المشبهة، وقوله: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل ليس باسم فاعل ولا صفة مشبهة، وقد اجتمعا في علة منع الإجراء على الأول فلم أجريت
أحدهما عليه، ومنعت إجراء الآخر؟
الجواب: أن بينهما فرقا في المعنى يوجب أن ما أجراه على الأول قرب شبه من اسم الفاعل، وفرقا في اللفظ دعت الضرورة فيه إلى إجرائه على الأول، فأما فرق المعنى فإنك إذا قلت: مررت برجل خير منه أبوه أو أفضل منه زيد، فمن يقع على المفضول والذي بعده هو الفاضل، وأحدهما غير الآخر، يعني رجل وليس للأول في الفضل صنع، وإذا قلت: ما رأيت رجلا أحسن في عينيه الكحل، والكحل هو الفاضل، فصار الفاضل واحدا، وصار ما اكتسب من
الفضل بسبب الأول، وذلك أنك تفضل الكحل إذا كان في عين زيد على نفسه إذا كان في عين غيره فيكون به في غير المذكور فضل ونقص، وكذلك لو قلت: مررت برجل أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد فضل الكحل لكونه في عين الرجل على نفسه في عين زيد، وأما الفرق في اللفظ فإنك إذا قلت: مررت برجل خير منه أبوه وأفضل منه زيد، ف (منه) في صلة خبر، وأفضل وأبوه وزيد:
مبتدآت أو خبر مبتدأين، ولم تفصل بين شيئين أحدهما في صلة الآخر، ولو رفعت ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فرفعت أحسن، لكان إما مبتدأ خبره الكحل أو الكحل مبتدأ وخبره أحسن.
وقوله: (في عينه منه في عين زيد كله في صلة أحسن)، فتفصل بين أحسن وبين ما في صلته بالكحل الذي حقه أن يكون مؤخرا عن الجميع أو مقدما على الجميع، فإن آخرته قلت: ما رأيت رجلا أحسن في عينيه منه في عين زيد الكحل.
ففي هذا- أيضا- قبح لأنه إضمار قبل الذكر وتجعل أحسن مبتدأ، فهو فاسد لأن هاء منه ضمير الكحل فهو مؤخر، وإن جعلت أحسن خبرا مقدما، جاز إن قدمت الكحل قلت: ما رأيت رجلا الكحل في عينيه أحسن منه في عينه منه في عين زيد، جاز بلا خلاف فأدى ذلك إلى أن يقال: (ما رأيت رجلا أبغض إليه الشر منه إلى زيد)، في تأويل: ما رأيت رجلا مبغضا إليه الشر، كما بغض إلى زيد، وما رأيت رجلا عاملا في عينه الكحل كعمله في عين زيد، وقد خففوا وحذفوا ما ليس فيه لعلم المخاطب، وأوقعوا من على غير ما كانت تقع عليه، فقالوا: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه، والضمير في منه المذكور جرى ذكره، والأصل: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فحذفوا الضمير العائد إلى الكحل في منه واكتفوا بذكر الكحل، وحذفوا
في عين الأخيرة اكتفاء بما تقدم من ذكر عينه، وفصلوا بين الاسم المحتاج إلى ذكره، ومثله:
ما رأيت رجلا أبغض إليه الشر منه، وما من أيام أحب إلى الله تعالى فيها الصوم في عشر ذي الحجة، والأصل: أحبّ إلى الله تعالى فيها الصوم منه إليه في عشر ذي الحجة، وأوقعوا على عشر ذي الحجة، وهي في الأصل: واقعة على ضمير الصوم، فالمعنى هو المعنى الأول، وإن وقع هذا الحذف، وقوله:
(والهاء في منه: هو الاسم الأول) الذي كني بذكره قبل الحذف على ما قد بيناه.
وقوله:
(ولا تخبر أنك فضلت بعض الأيام على بعض).
(والهاء في الأول هي للكحل)، يعني في منه قبل الحذف (وإنما فضلت في هذا الموضع على نفسه في غير هذا
الموضع ولم يرد أن يجعله أحسن من نفسه البتة، قال الشاعر وهو: سحيم بن وثيل:
مررت على وادي السباع ولا أرى … كوادي السباع حين يظلم واديا
أقل به ركب أتوه تئية … وأخوف إلا ما وقى الله ساريا 1
والمعنى: أقل به الركب تئية منهم به).
والهاء به الأولى ضمير واديا، والهاء في به التي بعد ضمير وادي السباع، وأتوه:
نعت لركب، وتئية في معنى لبث وتمكث، كأنه قال: ولا أرى واديا أقل به مكثا وتلبّثا به الركب إذا أتوه منهم بوادي السباع، فحذف منهم وبه كما تقول: أنت أفضل، ولا تقول من أحد، وتقول: الله أكبر، ومعناه أكبر من كل شيء، كما تقول: لا مال ولا تذكر لك، ولا بد من تقديره وما يشبهه، لأن مال يحتاج إلى خبر ومثل هذا كثير.
وما جعل في النكرة المجرورة في موضع نعته رفعا بالابتداء، فهو في المعرفة رفع في موضع الحال منه قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ 2 إلى قوله:
وَمَماتُهُمْ 3، وقوله: (وتقول: مررت بعبد الله خير منه أبوه، ومن أجراه على
الأول)، يعني في النكرة فإنه ينبغي أن ينصب في المعرفة، يعني على الحال لأن الحال كالنعت: تقول: مررت بعبد خيرا منه أبوه.
وقوله: وهي لغة رديئة وليست بمنزلة العمل نحو: ضارب وملازم، وما ضارعه نحو حسن، لو قلت: مررت بخير منه أبوه، كان قبيحا، وكذلك بأبي عشرة أبوه، ولكن خير خلص للأول جرى عليه كأنك قلت: مررت برجل بخير منك، حين قلت: برجل خير منك فإنه يعني: ولكنه لما انفرد به الأول جرى عليه ولم يقبح كما قبح في قوله:
برجل خير منه أبوه، ومن قال: مررت برجل أبي عشرة أبوه فشبهه بقوله: مررت برجل حسن أبوه، فهو ينبغي له أن يقول: مررت بعبد الله أبي العشرة أبوه، كما قال: مررت بزيد الحسن أبوه.
قال: (ومن قال: مررت بزيد أخوه عمرو لم يكن فيه إلا الرفع لأنّ هذا اسم معروف بعينه فصار بمنزلة قولك:
مررت بزيد عمرو أبوه، قال: ولو أن العشرة كانوا قوما بأعيانهم قد عرفهم المخاطب لم يكن فيه إلا الرفع لأنك لو قلت: مررت بأخيه أبوك كان محالا).
قال أبو سعيد: لأن مذهب الفعل الذي يعمل ما يجرى مجراه وهو شائع غير معين، فإذا تعين الاسم لم يجر مجراه، ألا ترى أنك لا تقول: مررت بأخيه أبوك، ويجوز أن تقول: بمؤاخيه أبوك، لأن مؤاخيه في مذهب يؤاخيه، والعشرة إذا كانوا بأعينهم فهو بمنزلة هؤلاء إخوتك، فإذا لم يكونوا بأعينهم فكأنّا قلنا: مررت بعبد الله المكثر الأولاد أبوه، على أن جوازه في النكرة إذا قلنا: مررت بأبي عشرة أبوه في المعرفة إذا لم يكن شيئا بعينه يجوز على استكراه.
فكيف إذا صار شيئا بعينه؟
قال: (فإن جعلت الأخ صفة للأول جرى عليه، كأنك قلت: مررت بأخيك، فصار الشيء بعينه نحو: زيد وعمرو وضاع أبو عشرة حسن حين لم يكن شيئا بعينه قد عرفه كمعرفتك على ضعفه واستكراهه، واعلم أن كل شيء من العمل وما أشبهه نحو: حسن وكريم إذا دخلت على ما فيه الألف واللام جرى على المعرفة كمجراه على النكرة حين كان نكرة كقولك: مررت بزيد الحسن وجهه، ومررت بأخيك الضاربه عمرو).
قال أبو سعيد: يصير تأويله وأخوك حسن وجهه، وبأخيك الذي ضربه عمرو،
قال: (واعلم أن العرب يقولون: معلوجاء وقوم مشيخة، وقوم مشيوخاء، يجعلونه صفة بمنزلة: شيوخ، وعلوج).
وهذا مفهوم، وقد تركنا من كلامه شيئا دلّ عليه ما ذكرناه وأغنى عنه.
هذا باب ما جرى من الأسماء التي من الأفعال وما أشبهها من الصفات التي ليست تعمل
(نحو: الحسن والكريم، وما أشبهه ذلك مجرى الفعل إذا أظهرت بعده الأسماء وأضمرتها، وذلك قولك: مررت برجل حسن أبواه)، إلى آخر الفصل.
قال أبو سعيد: مبنى هذا الباب على ما تقدم من توحيد الفعل، وحقيقة الفعل أنه لا يثنى ولا يجمع، ولو كان الفعل يثنى ويجمع لكان إذا فعله فاعله مرتين ثني وفاعله واحد، فيقال: زيد قاما، وزيد يقومان، وإذا فعله مرارا قيل: زيد قاموا، وزيد يقومون، وهذا باطل لا يعقل، فهو موحد على كل حال، وإذا تقدم على الفاعل ظهر توحيده في اللفظ، وأتى بعده منفصلا منه فاعله موحدا كان أو مثنى أو مجموعا، كقولك: قام زيد، وقام أخواك وقام أصحابك، وإذا تقدمت الأسماء فعمل فيها الابتداء وغيره، ثم أتي بعد هذا الفعل، ثم لا بد للفعل من فاعل صار ضمير تلك الأسماء هو فاعل الفعل، واتصل بالفعل كقولك: زيد قام، والزيدان قاما، والزيدون قاموا، ففي قام ضمير من زيد في النية
لا علامة له، والألف في قاما ضمير الزيدين، والواو في قاموا ضمير الزيدين.
وإنما أضمرت الأسماء في الفعل ولم تعد ظاهرة لعلتين:
إحداهما: أن الضمير أخف لفظا من الظاهر.
والأخرى: أنه قد علم أن الضمير لا يأتي مبتدأ من تقديم اسم ظاهر، فعلم أن الضمير يعود على ما جرى ذكره من الأسماء.
وإذا ذكر بعده ظاهر جاز أن يتوهم الضمير الأول إذ الأسماء قد تشترك ألفاظها وهي شتى.
فإن قال قائل: لم لم يجعل للضمير الواحد علامة وجعل الاثنين والجماعة؟
قيل: لأنه معلوم أن الفعل لا بد له من فاعل لا يخلو من الاثنين والجماعة، فخلوه من الاثنين والجماعة جعل لهما علامة لئلا يقع لبس، واكتفى بما تقدم في الفعل من حاجة الفعل إلى فاعل من علامة ظاهرة.
وإذا قيل: زيد قام هو، فالضمير الذي قام في النية وهو توكيد له، ومما يحتج لتوحيد الفعل من واحد كان أو من أكثر.
إنك تقول: أعجبني قيام القوم، فيوحّد القيام، وإن كان لجماعة إذ كان معناه معنى شيء واحد من الجماعة، وكذلك: أعجبني قيام الرجلين، وإذا كنّا نوحده للاثنين والجماعة، وهو اسم تمكن تثنيته وجمعه فكيف إذا ثنيته على شيئين مختلفي المعنى؟
لأنك إذا قلت: قام دلت على قيام وزمان ماض غير محدد تعيينه، فكيف يجوز أن تثنيه وأنت في الذي هو اسم يختار أن يبنى بلفظ الواحد عن جماعة؟
وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ 1 فوحد البغي وهو مضاف إلى جماعة، وقال عز وجل: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 2، فأضاف القول موحد إلى جماعة، وإذا كان الفعل لمؤنث وهو مقدم، فالتأنيث على ضربين:
أحدهما: تأنيث حقيقي.
والآخر: غير حقيقي.
فأمّا الحقيقي فهو أنثى كل نوع من الحيوان الذي فيه ذكر وأنثى، كالمرأة في الناس، والناقة في الإبل، والأتان في الحمير، فهذه الأشياء تأنيثها حقيقي لأنه لخلق فيها تبين بها من المذكر.
فهذا الضرب إذا تقدم فعله فكان ماضيا، وردت في آخره تاء ساكنة لعلامة التأنيث، وإذا كان مستقبلا جعلت حرف
المضارعة تاء مكان الياء بغيرها، فقلت: قامت هند، وخرجت المرأة، وماتت الناقة، وولدت الأتان.
وفي المستقبل: تقوم هند، وتخرج المرأة، وتلد الأتان والشاه، وما أشبهها.
ولا يحسن إسقاط علامة التأنيث، وأقواها في ذلك مؤنث ما يعقل.
وأما التأنيث غير الحقيقي، فهو ما كان تأنيثه وتذكيره واقعين على ما لا خلقة فيه فاصلة بين الذكر والأنثى، كنحو: دار، وقدر، وعين، وأذن، وفخذ، وما أشبه ذلك فإذا تقدم الفعل في هذا الضرب فالأصل الذي رتب اللفظ له إثبات علامة التأنيث كقولنا:
بنيت دارك، وكحلت عينك، وأشباه ذلك، ويجوز إسقاط علامة التأنيث كقولك: بنى دارك وكحل عينك، وما أشبهه ذلك، وكل تأنيث حصل في مؤنث بعلامة أو بغير علامة في جمع أو واحد من غير خلقة التأنيث التي تكون لإناث الحيوان بفرج يكون لهن، فهو تأنيث غير حقيقي، وإذا تقدم المؤنث الذي تأنيثه غير حقيقي ثم أتي بفعله وأضمر لم يحسن إسقاط علامة التأنيث كحسن إسقاطها إذا تقدم الفعل، وذلك قولك: دار بنيت، وعينك كحلت، ولو قلت: دارك بني، وعينك كحلت، لم يحسن كحسن بني دارك، وكحل عينك لأنك إذا قدمت الفعل فصلت الفاعل من الفعل وظهر لفظه الموضوع للتأنيث، فاكتفي به وأغنى عن العلامة، وإذا تقدم الاسم صار الفعل لضميره، وهو مختلط بالفعل وليس في لفظه دلالة على التأنيث، لأن ضمير الواحد والاثنين الفاعلين في الفعل الماضي في المذكر والمؤنث سواء، فكرهوا إسقاط العلامة مع ذهاب اللفظ الموضوع للتأنيث، وقد يجيء في الضرورة إسقاط علامة التأنيث في فعل الحيوان.
وحكى بعض الرواة عن بعض العرب: حضر القاضي اليوم امرأة، ولم يكن قصدنا في هذا الموضع ذكر أحكام التأنيث والتذكير فنستقصيه بأكثر من هذا، وإذا عرض منه بعد هذا شيء ذكرته في موضعه إن شاء الله تعالى، واعلم أن بعض العرب يجعل في الفعل المقدم علامة التثنية والجمع كما جعل فيه علامة التأنيث، فتقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، وضربتني أخواتك، كما قالوا: قالت فلانة، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجميع علامة، كما جعلوا للمؤنث وهي قليلة، قال الفرزدق:
ولكن ديافيّ أبوه وأمّه … بحوران يعصرن السليط قرائبه 1
وقال آخر:
يلومونني في اشتراء النخيل … أهلي فكلهم يعذل
وأهل الذي باع يلحونه … كما ألحى البائع الأوّل 2
وأنشد الفراء البيت الأول من هذين بالميم، فقال:
يلوم، وهي أبيات لأمية، لولا كراهة الإطالة لأنشدتها كلها.
وقال آخر في التثنية:
ألفينا عيناك عند القفا … أولى فأولى لك ذا واقيه 1
وهذا قليل في الكلام غير مختار.
فإن قال قائل: لم صار إثبات علامة المؤنث لازما في بعض المؤنث، وفي بعض إثباتها أكثر من تركها، وإن لم يكن لازما، وإثبات علامة التثنية والجمع قليل غير مختار، وما الفصل بين ذلك؟
ففي ذلك غير جواب، فأحد الأجوبة: أن التأنيث لازم للاسم لا يفارقه، والتثنية والجمع قد تفارق، لأن المثنى والمجموع إذا أفرد كل واحد منهما زالت التثنية والجمع.
والجواب الثاني: أن المذكر والمؤنث هما جنسان متباينان، ليس أحدهما بعضا للآخر والواحد والتثنية والجمع بمنزلة شيء واحد إذ كان ترك التثنية والجمع من الواحد، فلم يجعل بين فعلهم إذا قدّم فصل، كما لا فصل بين الثلاثة والأربعة.
ومنزلة الواحد من الاثنين في الزيادة، كمنزلة الثلاثة من الأربعة.
والجواب الثالث: أن علامة التثنية والجمع كضمير التثنية والجمع، فلو قدمناه لم يعلم أهو علامة أم ضمير شيء تقدم ذكره؟ فتجنبوا أن يقولوا: قاما أخواك، وقاموا أخوتك، فتكون الألف في قاما أخواك، وقاموا أخوتك، فتكون الألف في قاما أخواك كالألف في أخواك، فأما الواو في قاموا أخوتك، كالواو في أخوتك قاموا.
واعلم أن الاسم الجاري على الفعل يعمل في الاسم كعمل الفعل، ويجري على ما قبله صفة أو حالا أو خبرا، فإذا
تقدم على ما يرفعه، كان الاختيار التوحيد كالفعل ومن يثني الفعل إذا تقدم على ما يرفعه ويجمع، ثنى اسم الفاعل وجمع، وما كان علامة التأنيث فيه لازمة من فعل المؤنث إذا تقدم، فعلامة التأنيث لازمة لاسم الفاعل منه، والأصل في اسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل أن يكون مما يجمع جمع السلامة، وذلك أن الفعل هو العامل في الأصل، واسم الفاعل محمول عليه.
وقد ذكرنا أن الفعل موحّد ويتصل به ضمير الفاعلين، فيصير في لفظ شيء مجموع جمع السلامة، كقولك: زيد قام، والزيدون قاموا، فلفظ قام لم يتغير واتصل به علامة
الجمع، وكذلك الزيدون قائمون، وأخوتك خارجون، دخلت الواو على لفظ قائم وخارج، وقد تحمل على اسم الفاعل ما لا يجمع جمع السلامة، وما ليس بجار على الفعل على ما ستقف عليه مما يذكر في هذا الباب لموافقة بينهما تجيز حمله عليه.
وعلى هذه الجملة التي قدمتها أو بعضها مبني على كلام سيبويه في هذا الباب، والله يحسن توفيقنا وإرشادنا بمنّه.
قال: (فإن بدأت بالاسم قبل الصفة قلت: قومك منطلقون، وقومك حسنون)، جمعت منطلقون لوقوعه موقع فعل يتصل به ضمير مجموع، (وأذاهبة جاريتان؟ وأكريمة نساؤك؟).
وحدت اسم الفاعل لوقوعه موقع الفعل الموحد لتقدمه، وإنما وحدت كريمة، وجمعت نساؤكم لأن كريمة تجري على الفعل فتوحد في التقدم، وتجمع في التأخير، إذا قلت: نساؤكم كريمات، والألف والنون للاثنين، والواو والنون لجمع مذكر ما يعقل، والألف والتاء لجمع المؤنث وجمع ما لا يعقل، وقال: (أقرشيّ قومك)، فأجراه مجرى اسم الفاعل، وإن لم يكن اسم فاعل كأنه قال: أمتقرّش قومك، في معنى: أيتقرّش قومك، كما قالت العرب: تنزر الرجل، وتقيّس، وتمضّر، في معنى انتسب إلى نزار، وقيس، ومضر، فلهذا وحد أقرشي وقومك جمع، فاستشهد سيبويه في توحيد الفعل المقدّم بقوله:
(أليس أكرم خلق الله قد علموا … عند الحفاظ بنو عمرو بن حنجوت) 1
بنو عمرو، اسم ليس، وأكرم خلق الله: الخبر، ولم يقل: أليسوا.
وهذا طريف من الاستشهاد، لأن توحد الفعل المتقدم في عامة كتاب الله تعالى وسائر كلام الناس، أكثر من أن يحتاج إلى شاهد، وبعده من كلام سيبويه ما أتى التفسير عليه إلى أن قال:
(وقال بعض العرب: قال فلانة، وكلما طال الكلام فهو أحسن نحو قولك:
حضر القاضي امرأة، لأنه إذا طال الكلام كان الحذف أجمل، وكأنه شيء يصير بدلا من شيء كالمعاقبة، نحو قولك: زنادقة، فحذف الياء لمكان الهاء، وكما قالوا في مغتلم، مغيلم ومغاليم، لأن الياء صارت بدلا لمّا حذفوا التاء، لأنه صار عندهم إظهار المؤنث يكفيهم عن ذكرهم التاء كما كفاهم الجميع والاثنان حين أظهروهم عن الواو والألف، وحذف التاء في الواحد من الحيوان قليل، وهو في الموات كثير).
قال أبو سعيد: قد ذكر سيبويه عن العرب حذف علامة التأنيث من الحيوان مع قلته، وكان أبو العباس محمد بن يزيد ينكر ذلك أشد الإنكار، ويقول:
لم يوجد ذلك في قرآن، ولا في كلام فصيح وشعر، والذي قاله سيبويه أصحّ لأنه حكاه عن العرب، وهو غير متهم في حكايته، واحتج له بما لا مدفع له وقد قال جرير فيه في قوله ما يوافق حكاية سيبويه، وهو:
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء … على باب استها صلب وشام 1
وليس كل لغة توجد في كتاب الله عز وجل ولا كل ما يجوز في العربية يأتي به القرآن أو الشعر، ولأبي العباس مذاهب يجوزها لم توجد في قرآن ولا غيره، من ذلك إجازته:
إن زيد قائما، قياسا على: ما زيد قائما، ولا أظن الاستشهاد عليه ممكنا في شيء من الكلام.
قال: (وهو في الموات كثير)، يعني: حذف التاء من فعل الموات الماضي، (ففرقوا بين الموات والحيوان كما فرقوا بين الآدميين وغيرهم) في الجمع، (تقول: هم ذاهبون، وهم في الدار، ولا تقول: جمالك ذاهبون، ولا تقول: هم في الدار، وأنت تعني الجمال، ولكنك تقول: هنّ، وهي ذاهبة، وذاهبات).
قال أبو سعيد: جعلت العرب لما يعقل في مواضع اختصاصا في اللفظ، وفصلت بينه وبين ما لا يعقل فيه لما اختص به ما يعقل بأنه يخاطب ويخاطب، ويأمر، ويؤمر، وتخبر وتخبر عنه.
وما لا يعقل ليس له من ذلك إلا أنه يخبر عنه، فجعل لما يعقل تفضيل واختصاص، وجعل ذلك التفضيل في اللفظ للمذكر مما يعقل دون المؤنث لفصل المذكر على المؤنث، وذلك جمعه السالم بالواو والنون، الياء والنون، وذلك قولك:
الرجال ذاهبون ومنطلقون، ورأيتهم ذاهبين ومنطلقين، وجمع ضميره بالهاء والميم، كقولك: الرجال هم في الدار، وأخوتك هم عندنا، وتقول للنساء في الجمع السالم:
الهندات ذاهبات ومنطلقات، وضميرهن بالهاء والنون تقول: النساء رأيتهنّ، والنوق رأيتها، ثم ألحق ما لا يعقل بلفظ المؤنث لنقص رتبته عن ما يعقل، كنقص رتبة المؤنث
عن المذكر.
وسمى سيبويه في هذا الفصل ما لم يكن من الحيوان مواتا وإن كان في الحقيقة ليس من الحيوان ولا من الموات لمساواته الموات في اللفظ، فقال:
(ومما جاء في القرآن من مساواته الموات في اللفظ فقال ومما جاء في القرآن من الموات قد حذفت فيه التاء نحو قوله جلّ وعز: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) 1، والموعظة ليست من الموات في الحقيقة، قال: (وهو في الآدميين أقل منه في سائر الحيوان).
يعني: حذف التاء من مؤنث ما يعقل من الآدميين أقل من حذفها من سائر الحيوان، لما ذكرنا من فضلهم في الخطاب وغيره.
والجن في قياس الإنس: مؤنثهم ومذكرهم.
وقال آخر في جمع التذكير، قال: (ألا ترى أن لهم في الجميع حالا ليست لغيرهم لأنهم الأولون، وأنهم قد فضلوا بما لم يفضل به غيرهم من العلم والعقل) وخلق الله ما يعقل لعبادته المؤدية لهم إلى منافعهم، وخلق ما لا يعقل لمصالح ما يعقل، فهم الأصل في الخلق والأولون.
واعلم أن الجموع المكسرة مؤنثة كلها يستوي في حكم اللفظ جميع المؤنث والمذكر وما يعقل وما لا يعقل.
وحكم اللفظ في تأنيثها حكم تأنيث الموات، تقول:
رجل وهي الرجال، وجمل وهي الجمال، وعير وهي الأعيار، فجرت هذه كلها مجرى هذه الجذوع لأنه قد خرج عن الواحد الأول الأمكن الذي يقع بالخلقة فيه الفرق بين المؤنث والمذكر، وأجري كله مجرى الموات.
قالوا: جاء جواريك وجاء نساؤك وجاء بناتك.
فلم تلزمه التاء كما لزمت: جاءت جاريتك، وجاءت امرأتك، وجاءت بنتك، لأن هذا التأنيث الحادث لجمع التكسير غير التأنيث الحقيقي الذي كان في الواحد.
قال: (وقالوا فيما لم يكسر عليه الواحد لأنه في معنى الجمع) يعني: نسوة في
قوله: وَقالَ نِسْوَةٌ 1 وإن لم يكن لها واحد من لفظها، والنسوة جمع ليس لها واحد من لفظها، وهما مشتركان في جواز إسقاط تاء التأنيث منهما لما ذكرت لك.
فنسوة حكمها حكم الجمع، كما أن لمّا كان معناها معنى الجمع جاز أن يرد لفظها على المعنى، فيقال:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ 2، وقوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ 3 يجوز أن يكون الَّذِينَ ظَلَمُوا 4 بدلا من الواو في: أسروا، وأسروا: عطف على اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ 5، ويكون من لغة من قال:
قاموا إخوتك، وأكلوني البراغيث.
(وقال الخليل: فعلى هذا المثال تجري هذه الصفات، وكذلك شاب، وشيخ، وكهل، إذا أردت: شابين وشيخين وكهلين).
(تقول: مررت برجل كهل أصحابه، ومررت برجل شاب أبواه).
قال أبو سعيد: قد تقدم أن الصفة الجارية مجرى الفعل هي التي تجمع جمع السلامة، كما أن الفعل يتصل به تثنية الضمير وجمعه، فلذلك صار شاب أبواه على مذهب شابين وشيخين وكهلين، أي مذهب: شبوا وشاخوا واكتهلوا، وإذا تقدم الفعل وحّد، واسم الفعل الموحد المقدم بمنزلة الفعل المقدم الموحد، فإذا ثنيت شيئا من هذا أو جمعته فالوجه فيه أن ترفعه بالابتداء والخبر لأنك أخرجته عن مذهب بترك التوحيد، فقلت: مررت برجل شبان أبواه كاهلون أصحابه، تجعله بمنزلة قولك:
مررت برجل خزّ صفّته.
قال الخليل: ومن قال: أكلوني البراغيث، أجرى هذا على أوله، فقال: مررت برجل حسنين أبواه، ومررت بقوم قرشيين آباؤهم.
قال أبو سعيد: لأن هذا مذهب الفعل عند أهل هذه اللغة.
قال سيبويه: (وكذلك نحو: أعور وأحمر، تقول: مررت برجل أعور أبواه،
وأحمر أبواه، فإن ثنيت قلت: مررت برجل أحمران أبواه، وتجعله اسما.
ومن قال:
أكلوني البراغيث، قلت: على حد قوله: مررت برجل أعورين أبواه، وتقول: مررت برجل أعور آباؤه، كأنك تكلمت به على حد: أعورين وإن لم يتكلم به كما توهموا في: هلكى ومرضى وموتى، إنه فعل بهم فجاؤوا به على مثال: جرحى وقتلى، ولا يقال: هلك ولا مرض ولا موت.
وقال الشاعر: وهو النابغة الجعدي:
ولا يشعر الرّمح الأصمّ كعوبه … بثروة رهط الأبلج المتظلّم) 1
وقال الكوفيون: مررت برجل أعور أبوه، ومررت برجل زرقاء عينه فتجرى أعور وزرقاء على إعراب ما قبله، ويرفع ما بعده.
وتأولوا: مررت برجل زرقاء عينه مزرقة عينه، وزرقة عينه، ولا يجوز عندهم أن يرفع بلفظ الواحد من ذلك اثنان، لا يقول:
مررت برجل أعور أبواه، ولا مررت برجل زرقاء أمتاه.
فإن ثنيت أعور، وزرقاء، جاز فيه الاستئناف وإجراؤه على الأول، وترفع ما بعده به، يقولون: مررت برجل أعوران أبواه، ومررت برجل زرقاوان عيناه، وإن ثنيت:
أعورين أبواه، وزرقاوين عيناه.
ولهم في نحو هذا مسائل كثيرة: كرهنا إطالة الكتاب بذكرها إلا أن إجازتهم:
مررت برجل زرقاء عينه، على مزرقة عينه، ومررت برجل أعور أبواه، فوجب عليهم توحيد الأول مع تثنية الثاني على ما قال سيبويه، لأنهم إذا جعلوا زرقاء في معنى مزرقة ونائبة عنها، ورفعوا العين بها فلا بد من أن يكون أعور أبواه بمعنى: معور أبوه وترفع الأب به، ولا ضمير فيه، فإذا ثنيت ما بعده وقد جعلته نائبا عن اسم الفاعل جاز أن تثني وتوحد وتثني ما بعده إذا جاز أن يكون ذلك في اسم الفاعل كقولك: مررت برجل معور أبواه، ومزرقة عيناه.
وإنما رفع سيبويه ب (أعور) على معنى معور، وجرى في التثنية والجمع على ذلك المذهب موحدا.
ومن قال: مررت برجل أعور آباؤه على معنى معور آباؤه، غير أن معورا يجمع
جمع السلامة، فيقال: معور ومعورون.
وأعور، لا يجمع جمع السلامة، وناب ما يجري على الأول أن يجمع جمع السلامة.
فقال سيبويه: (إن أعور إن كان لا يجمع جمع السلامة، فقد أجروا واحده على الأول على تأويل المعور إذا رفع به واحد، وكذلك إذا رفع به اثنان أو جماعة).
ومعنى قول سيبويه: وتقول: مررت برجل أعور آباؤه كأنك تكلمت به على حد أعورين، ولم يتكلم به كما توهموا في هلكى ومرضى وموتى أنه فعل بهم أن ما كان من الجمع على (فعيل) إنما يكون لما كان مبنيا على فعل ما لم يسمّ فاعله، والاسم منه (فعيل) كقولهم: جريح وقد جرح، وصريع وقد صرع، وقتيل وقد قتل، والجمع: جرحى، وصرعى، وقتلى.
ثم قالوا: في جمع أشياء ليس اسمها على فعيل ولا الفعل منه على فعل منها: هالك وهلكى، ففعله: هلك، ومرضى الفعل منه: مرض على لفظ ما سمي فاعله.
وكذلك موتى ومات يموت، وليس مما لم يسم فاعله واسمه: ميّت على فعيل، فتقدير: أعورين وإن لم يتكلم به كتقدير: هلك فهو هليك، ومرض فهو مريض حتى يصح أن يكون جمعه: هلكى ومرضى وإن لم يتكلم به.
وقال الكوفيون في قوله: الأصم كعوبه، فوحد الأصم به وجمع الكعوب لأن الكعوب جرى مجرى الواحد، لأن مثاله مثال الواحد، كما أن الصعود والنزول وما أشبه ذلك، وهذا لا يبطل به ما احتج لأنّا لو أجرينا كعوبا مجرى الواحد لأن له مثالا في الواحد، لجاز أن تقول: كعوبها أصم، وهذا لا يقوله أحد، فلا بدّ من حمل الأصم على معنى اسم الفاعل، كأنّا قلنا: الصلب كعوبه، أو الشديد وإذا ثنينا أعور ونحوه، فالاختيار عند سيبويه الرفع على الابتداء والخبر، فيقال: مررت برجل أحمران أبواه، إلا في قول من قال: أكلوني البراغيث، وضرباني أخواك، فإنه يقول: أحمرين أبواه، ويجري أحمرين مجرى محمّرين، ويجري محمرين مجرى محمّران وأحسن من قولك: مررت برجل أعورين أبواه، ومررت برجل أعور آباؤه، أن تقول: مررت برجل صمّ قومه، ومررت برجل حسان قومه، وعور قومه وذلك أن هذا جمع مكسّر لا يجري مجرى الفعل المجموع اللفظ فيكون بمنزلة: حسنين قومه على لغة من قال: أكلوني البراغيث، فإذا لم يجر مجرى الفعل المجموع صار حكمه حكم الواحد فاجتمع فيه لفظ الجمع وحكم الواحد، فكأنه نقل من
لفظ واحد إلى لفظ آخر يكون الواحد يحرسه أن تلحقه زيادة التثنية أو الجمع كالزيادة التي لحقت في: قرشيّ في الاثنين والجميع، فلهذا صار: مررت برجل حسان قومه أحسن من: مررت برجل قرشيين قومه، فصار الوجه: قرشيون قومه، والذي يجري مجرى الفعل ما دخله الألف واللام والنون في التثنية، والواو والنون في الجمع ولم تغيره نحو قولك:
حسن وحسنان، فالتثنية لم تغير بناءه، وتقول: حسنون، فالواو والنون لم تغير الواحد فصار هذا بمنزلة: قالا وقالوا، لأن الألف والواو لم تغير الفعل، وأمّا: حسان وعور فإنه اسم كسّر عليه الواحد فجاء مبنيا على مثال بناء الواحد، وخرج من بناء إلى بناء آخر لا تلحقه في آخره زيادة كالزيادة التي لحقت في قول في الاثنين والجميع، فهذا والجميع له بناء بني عليه كما بني الواحد على مثاله فأجرى مجرى الواحد.
ومما يدل على أن هذا الجمع ليس كالفعل أنه ليس شيء من الفعل إذا كان للجمع على غير بنائه إذا كان للواحد، فمن ثم صار: حسان وما أشبهه بمنزلة الاسم الواحد نحو: مررت برجل جنب أصحابه، ومررت برجل صرورة قومه، واللفظ واحد، والمعنى أنه جمع، يعني أن حسان وإن كان جمع حسن فمذهبه في الباب مذهب جنب وصرورة اللذين يقعان للواحد والجميع وليستا مكسرتين لأن حسان على غير لفظ الواحد المزيد عليه علم الجميع.
وفي بعض النسخ في الكتاب فصل أذكر أنه ليس من كلام سيبويه وأنه شرح، وقد أتى على معناه تفسيرنا وهو:
واعلم أن ما كان يجمع بغير الواو والنون نحو: حسن وحسان فإن الأجود فيه أن تقول: مررت بزيد حسان قومه، وما كان يجمع بالواو والنون نحو: منطلق ومنطلقين، فإن الأجود فيه أن يجعل بمنزلة الفعل المقدم فتقول: مررت برجل منطلق قومه.
إلى هنا قال أبو العباس محمد بن يزيد: أختار في كل ما جمع بالواو والنون، الإجراء على الأول.
وأمّا ما كسّر فإني أختار فيه أن أجريه مجرى باب خير منه فأقول: مررت برجل عور قومه، بالابتداء والخبر، وكذلك حسان وكرام.
وقال أبو إسحق الزجاج: الجيد قول سيبويه في قولك:
مررت برجل عور قومه بالجر لأنه قد كان يجوز: برجل منطلقين آباؤه، فإذا جاز في الذي فيه علامة الجمع كان الاختيار في الجمع الذي ليس يلحقه ما يلحق الفعل، وهذا
قياس يستمر في العربية وقد مضى فيه قبل هذا الفصل من الشرح ما فيه مقنع إن شاء الله.
قال: (واعلم أنه من قال: ذهب نساؤك، قال: إنه لذاهب نساؤك، ومن قال:
جاءه موعظة، قال: أجائيّ موعظة، يعني يذهب الهاء من اسم الفاعل كما أذهب التاء من الفعل، وقرأ أبو عمرو: " خاشعا أبصارهم "، وقال الشاعر وهو أبو ذؤيب الهذلي:
بعيد الغزاة فما إن يزا … ل مضطمرا طرتاه طليخا 1
وقال الفرزدق:
وكنّا ورثناه على عهد تبّع … طويلا سواريه شديدا دعائمه 2
وقال الفرزدق أيضا:
قرنبي يحكّ قفا مقرف … لئيم مآثره قعدد 3
وقال الآخر وهو أبو زبيد الطائي:
مستجن بها الرّياح فما يج … تابها في الظّلام كل هجود 4
وقال رجل من بني أسد:
فلاقى ابن أنثى يبتغي مثل ما ابتغى … من القوم مسقى السّمام حدائده 5
وقال آخر وهو الكميت بن معروف:
وما زلت محمولا عليّ ضغينة … ومضطلع الأظغان مذ أنا يافع 6
وهذه كلها شاهد في تذكير اسم الفاعل، وفاعله مؤنث.
قال: وهذا في الشعر أكثر من أن أحصيه لك.
ومن قال: أذاهب فلانة، قال: أذاهب فلانة وأحاضر القاضي امرأة، وقد يجوز في الشعر: موعظة جاءنا كأنه اكتفى بذكر الموعظة عن التاء).
قال أبو سعيد: قد ذكرت أن علامة التأنيث المضمر وإن لم تكن حقيقي التأنيث
لازمة، لأن الذي يذكر فعل المؤنث يكتفي بما يظهر من تأنيث الاسم الظاهر، فإذا كني عنه فقد بطل لفظ ظاهره الدالّ على التأنيث فلا بد من تأنيث الضمير للدلالة على حكم الاسم المضمر من تأنيث أو تذكير، فإذا ذكّره الشاعر، فإنما هو ضرورة فيحمل الاسم المؤنث على اسم آخر له مذكر ينوب منابه كما قال الأعشى:
فإمّا ترى لمتى بدّلت … فإنّ الحوادث أودى بها 1
فيجعل الحوادث بمعنى الحدثان.
فإن قال قائل: فلو قال: أودت بها لا تزن، فما أحوجه إلى تأويل الحدثان؟
قيل له: أحوجه إلى ذلك أن القصيدة مردفة بألف، ولو أتى بتاء التأنيث لم يستقم أن يكون البيت من القصيدة، وأول القصيدة:
ألم تنه نفسك عمّا بها … بلى عادها بعض أطرابها 2
وقد روي: فإن الحوادث تعني بها، وعلى هذه الراوية ما فيه ضرورة، وقال عامر بن جوين الطائي:
فلا مزنة ودقت ودقها … ولا أرض أبقل إبقالها 3
على تأويل ولا مكان، وقد روي: ولا أرض أبقلت ابقالها بتخفيف همزة (ابقالها) ولا حجة فيه على هذا الإنشاد، وقال آخر، وهو الطفيل الغنوي: 4
إذ هي أحوى من الربعيّ حاجبه … والعين بالأثمد الحاري مكحول
فذهب بالعين مذهب الطرف، كأنه قال: والطرف بالاثمد مكحول.
(وزعم الخليل: " أن السماء منفطر به "، كقولك: معضّل للقطاة، ومرضع للتي بها رضاع).
وهذا من باب امرأة حامل وحائض، لأنه يختص به الأنثى، وقد شرح في غير هذا الموضع، فذهب منفطر ذات انفطار ومنفطرة على الفعل والعمل كقولك:
انفطرت فهي منفطرة، وانشقت فهي منشقة وإذا قلت: مرضعة فهي على
أرضعت، وعلى ترضع.
وأمّا قوله: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 1، ورَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ 2، ويا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ 3 فزعم أنه بمنزلة ما يعقل ويسمع لما ذكرهم بالسجود، وصار النمل بتلك المنزلة حين حدثت عنه كما تحدّث عن الأناسى، وكذلك في فلك يسبحون، لأنها جعلت في طاعتها، وفي أنه لا ينبغي لأحد أن يقول:
مطرنا بنوء كذا، ولا ينبغي لأحد أن يعيد شيئا منها بمنزلة ما يعقل من المخلوقين، ويبصر الأمور.
قال النابغة الجعديّ:
شربت بها والديك يدعو صباحه … إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا) 4
وكان القياس بنات نعش واحدها ابن، لأن ما لا يعقل من المذكر يجمع في جمع السلامة والتكسير، كالمؤنث ألا ترى أنك تقول: حمّام وحمّامات، وسرادق وسرادقات، وتقول: جمل بارك، وجمال بوارك، ولا تقل رجل بارك، ورجال بوارك، وحمل بنو نعش على ما يعقل لما كان دورها على مقدار لا يتغير، فكأنها تقدر ذاك الدور وتعقله.
قال: (فجاز هذا حيث صارت هذه الأشياء عندهم تؤمن وتطيع وتفهم الكلام وتعيد بمنزلة الآدميين.
قال: وسألت الخليل عن ما أحسن وجوههما، فقال: لأن الاثنين جمع، وهذا بمنزلة قول الاثنين، نحو: دخلنا ولكنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما يكون منفردا وبين ما يكون شيئا من شيء).
المنفرد نحو: ثوب ودار وفرس إذا ثنّي هذا الضرب، فالوجه لفظ التثنية كقولك:
ثوبان وداران وفرسان.
والذي هو شيء من شيء نحو: وجه ورأس وبطن وظهر وقلب، وهو من حيوان
له هذه الأعضاء، فإذا ثنوها فالاختيار لفظ الجمع في تثنيتها، كقولك في تثنية وجه أوجه ووجوه.
قال الله عز وجل: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما 1، وإنما صار هكذا لأن في البدن أعضاء كثيرة مثناة وهي أكثر البدن، وإذا ضمّ ما في بدن واحد من المثنى إلى مثله صار جمعا لأنه يصير أربعة، والواحد المضموم إلى
مثله من آخر محمول على الاثنين، فلذلك اختير الجمع.
ووجه آخر فرقوا بين ما في البدن منه واحد وما في البدن منه اثنان إذا ضموا أحد الاثنين إلى مثله من آخر يكون مثنى وإذا ضموا الواحد إلى مثله يكون جمعا للفرق، وهذا هو الاختيار، وقد يجمع الذي يختار تثنيته ويثنى الذي يختار جمعه.
قال الراجز وهو خطام المجاشعيّ:
ظهراهما مثل ظهور الترسين 2
فثنى وجمع.
(وذكر يونس أن رؤبة كان يقول:
ما أحسن رأسيهما
وقالوا: وضعا رحالهما، يريد: رحلي الراحلتين).
وحدّ الكلام وضعا: رحلي الراحلتين، وربّما وجدوا ما يصفونه إلى الاثنين والجمع، وأمنوا اللبس بدلالة المضاف إليه، قال الشاعر:
كأنه وجه تركيين قد غضبا … مستهدف لطعان غير تذبيب 3
واحتج في لفظ الجمع الذي يراد به التثنية بقوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ 4، فذكر خصمين وهما اثنان، وقبلها قالوا.
قال أبو سعيد: وليس في هذا حجة لأن الخصم يقع على جماعة، والخصمين تقع
على جماعتين، قال الله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ (1)، والحجة في قوله: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ (2)، ولعل سيبويه أراد ذلك، والله أعلم.
هذا باب إجراء الصفة على الاسم فيه بعض المواضع أحسن
(وقد يستوي فيه إجراء الصفة على الاسم وأن تجعله خبرا فتنصبه.
فأمّا ما استويا فيه فقوله: مررت برجل معه صقر صائد به، إن جعلته وصفا وإن لم تحمله على الرجل وحملته على الاسم المضمر المعروف، نصبته.
فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا به.
كأنه قال: معه، ناب (صائدا به) حين لم يود أن يحمله على الأول، كما تقول:
أتيت على رجل مررت به قائم.
إن حملته على الرجل وإن حملته على مررت به، نصبته.
كأنك قلت: مررت به قائما).
قال أبو سعيد: إذا قلت: مررت برجل معه صقر صائد به، فقولنا: معه صقر: جملة في موضع الصفة ل (رجل) صقر مبتدأ، ومعه خبر مقدم، كما تقول: في الدار زيد.
وصائد به: صفة أخرى، كما تقول: مررت برجل ضاحك.
وأصله: مررت برجل معه صقر صائد بصقر.
ولكن لما تقدم ذكر الصقر أوجب أن يكنى عنه إذا عاد ذكره.
فهاتان صفتان لرجل، فإن لم تحمل صائدا على رجل، وحملته على الهاء التي في معه، وهو الاسم المضمر المعروف الذي عناه سيبويه، نصبته، وصار بمنزلة قولك:
مررت برجل مع أبيه صقر صائدا به، ومررت برجل مع جاريته صقر صائدة به، ومررت برجل مع غلاميه صقر صائدين به.
إذا جعلت الصيد للاسم المتصل ب (مع)، لم يكن سبيل إلى النعت، لأنه لا تنعت معرفة بنكرة، فنصب على الحال، هذا في معنى قوله: تجعله خبرا.12
يعني: حالا فنصبته، ومعنى قول سيبويه: (كأنه قال معه ناب صائدا)، يعني: لو ابتدأ فقال: مع زيد أو معك أو معه لشيء قد جرى ذكره، صقر صائدا به، لم يكن بدّ من نصب (صائدا) لأنه لا يمكن صفة الأول المعرفة به.
وإذا نصبت صائدا على الحال، فهو من الجملة التي هي صفة، فيصير للأول صفة واحد، ثم ذكر نظائر لم تقدم مما تجوز فيه الحال وغيره.
فقال: (ومثله: نحن قوم ننطلق عامدون إلى بلد كذا وكذا، إن جعلته وصفا.
وإن لم تجعله وصفا نصبت، كأنه قال: نحن ننطلق عامدين، ومنه: مررت برجل معه باز قابض على آخر، ومررت برجل معه جبة لابس غيرها.
وإن جعلته على الإضمار الذي في معه، نصبت، وكذلك: مررت برجل عنده صقر صائد بباز)، وإن جعلته على الوصف، فهو هكذا.
وإن حملته على ما في عنده من الإضمار، نصبت، كأنك قلت: عنده صقر صائدا بباز، يعني كأنك بدأت فقلت: عنده صقر صائدا بباز لرجل جرى ذكره، كما تقول:
عنده صقر صائدا بباز، وكذلك: مررت برجل معه الفرس راكبا برذونا، يعني قلت:
مبتدئا معه، على ما مضى من شرح مثله فهذا لا يكون فيه وصف ولا يكون إلا خبرا يريد حالا.
قال: (ولو كان هذا على القلب كما يقول النحويون، لفسد كلام كثير ولكان الوجه: مررت برجل حسن الوجه جميله، لأنك لا تقول: مررت بجميله حسن الوجه، ولقال: مررت بعبد الله معه بازك الصائد به، فنصب، فهذا لا يكون فيه إلا الوصف لأنه لا يجوز أن تجعل المعرفة حالا يقع فيه شيء، ولم تقل: جميله لأنك لم ترد أن تقول: إنه حسن الوجه في هذه الحال، ولا أنه حسن وجهه جميلا وجهه، في هذه الحال: حسن وجهه، فلم يرد هذا المعنى، ولكنه أراد أن يقول: هذا رجل جميل الوجه، كما يقال: هذا رجل حسن الوجه، فهذا الغالب في كلام الناس.
وإن أردت الوجه الآخر فنصبت، فهو جائز لا بأس به، وإن كان ليست له قوة الوصف في هذا، فهذا الذي الوصف فيه أحسن وأقوى).
قال أبو سعيد: هذا الذي ذكره سيبويه عن النحويين من نصب ما لا يحسن فيه القلب، أصله صفة مضافة إلى ضمير شيء جرى ذكره أو صفة متعلقة، فضمير شيء
جرى ذكره، ولو أظهر ذلك الضمير لم يقع فيه خلاف، وجواز الصفة وحسن القلب فيه كقولنا:
مررت برجل معه صقر صائد بصقر، ومررت برجل معه جبّة لابس غير جبّة، وكذلك: مررت برجل حسن الوجه جميل الوجه.
فإذا أظهر الكناية جاز قلبه ولم يقع بينهم خلاف في جوازه، ولا فرق في التحصيل من أن يكون مضافا إلى ظاهر أو مكنىّ في صحة معنى الصفة، ألا ترى أنك تقول:
مررت برجل ملازمك ومكرمك، وما أشبه ذلك، كما تقول: مررت برجل ملازم زيد ومكرم عمرو، وما أشبه ذلك، ثم ألزمهم في نصبهم لقبح القلب أن ينصبوا المعرفة في قولهم: مررت بعبد الله معه بازك الصائد به، ولا
وجه لنصب الصائد إلا على هذه الحال، ولا تجوز الحال فيما فيه الألف واللام من نحو الصائد وما أشبهه.
وقال في بعض ما نصبوه مما لا يحسن فيه القلب أن نصبه على الحال تجوز إذا حمل على الضمير الذي ذكرناه وفسرناه، وبعضه يجوز وليس بوجه الكلام لأن المتكلم لا يريد الوجه الذي تصبح به الحال كقوله: مررت برجل حسن الوجه جميله، إذا نصبنا جميله على الحال أنه حسن وجهه في حال جماله، وليس ذلك بالمقصود من كلام الناس وإن أراده مريد فهذا إعرابه.
(ونحو ذلك ممّا الوصف فيه أحسن: هذا رجل عاقل لبيب، لم تجعل الآخر حالا وقع فيه الأول ولكنه أثنى عليه) بعاقل ولبيب (وجعلهما شرعا سواء فيه وسوى بينهما في الإجراء على الاسم، والنصب فيه جائز على ما ذكر فيه)، فيقول: هذا رجل عاقل لبيبا، وتقديره:
يعقل في حال لبّه (وإنما ضعف لأنه لم يرد أن الأول وقع وهو في هذه الحال، ولكنه أراد أنهما ثابتان ولم يكن واحد منهما قبل صاحبه كما تقول: هذا رجل سائر راكبا دابة)، وحسن سائر راكبا، لأن تقديره: يسير راكبا، وهو كلام حسن جيد مفيد.
(وقد يجوز في سعة الكلام): هذا رجل عاقل لبيبا، وحسن الوجه جميله على التقدير الذي ذكرناه.
قال: (ولا ينقض المعنى في أنهما شرع سواء فيه، وسترى هذا النحو في كلامهم) ونحو هذا في كلامهم قول قائلهم: قم قائما، وقد علم أن وقوع القيام في حال ما هو
قائم، وقال الله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 1 وقد علم أنه رسول في حال الإرسال.
قال: (فأما القلب فباطل لو كان ذلك لكان الحدّ والوجه في قولهم: مررت بامرأة آخذة عبدها فضاربته، النصب، لأن القلب لا يصلح، ولقلت: مررت برجل عاقلة أمّة لبيبة، لأنه لا يصلح أن تقدم لبيبة فتضمر فيها الأم، ثم تقول: عاقلة أمه، وسمعناهم يقولون: هذه شاة ذات حمل مثقلة به، قال الشاعر وهو حسان بن ثابت:
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم … وفينا نبيّ عنده الوحي واضعه 2
ومما يبطل القلب قولهم: زيد أخو عبد الله مجنون به، إذا جعلت الأخ صفة، والجنون من زيد بأخيه لأنه لا يستقيم: زيد مجنون به أخو عبد الله، وتقول: مررت برجل معه كيس مختوم عليه، الرفع الوجه لأنه صفة الكيس، والنصب جائز على قوله:
فيها رجل قائما، وهذا رجل ذاهبا).
قال أبو سعيد: ألزمهم بقبح القلب نصب خبر المبتدإ في: زيد أخو عبد الله مجنون به، وذلك أن زيدا مبتدأ، وأخو عبد
الله صفته، ومجنون به خبره، والهاء تعود إلى عبد الله، ولو قيل: زيد مجنون به أخو عبد الله، لم يجز.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا من الاحتجاج لبطلان اعتبار القلب ما فيه مقنع وكثّر سيبويه المسائل في ذلك تشنيعا على قائله وتقبيحا له، وقد طعن في استشهاده بالبيت، والذي قاله صحيح على ما أذكره.
جعل سيبويه الهاء في واضعه ضمير الوحي، وفي واضعه ضمير فاعل للرسول، وقوله: عنده الوحي صفة لرسول، وواضعه صفة أخرى، ومعناه: مفشيه وذاكره، لأنهم ظنوا أنه يخفي ما دبروه فيبلغوا إرادتهم، فأفشاه الوحي فبطل، ولا يحسن القلب فيه لأن الهاء في واضعه ضمير الوحي، فإن قلب فقيل:
وفينا رسول واضعه عنده الوحي، فقد قدّم ضمير الوحي وهو الهاء في واضعه، ومعنى الوحي في البيت هو ما بيّنه الله بالوحي من صنيع القوم، والذي كشفه النبي صلّى الله عليه وسلّم
بالوحي، وكشفه النبي صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه، وليس بحقيقة الإيحاء، فهذا طريق واضح واحتجاج صحيح من سيبويه والذي ردّ على سيبويه ذهب إلى الظاهر من الوحي الذي هو نزول الملك عليه، وليس ذلك ممّا يضعه النبي صلّى الله عليه وسلّم، وجعل هذا القائل الهاء في واضعه للذي صنعتم كأنه قال: وفينا رسول الله عنده الوحي مبين ما صنعتم، ولو قدم واضعه على هذا التأويل، فقال: وفينا رسول واضعه، لجاز لأن الهاء ترجع إلى الصنيع، وقد تقدم ذكره في واضعه معنى آخر، وهو أن يكون من قولنا:
وضعت الشيء، أي: وضعت منه وأسقطته، فيكون وضع النبي صلّى الله عليه وسلّم لصنعهم إسقاطه وإبطاله.
وفيه وجه آخر:
أن يكون الوحي مبتدأ، وواضعه: خبره، وعنده: ظرف لواضعه، أو تقدير الكلام.
وفينا رسول الوحي واضع ما صنعتم عنده.
قال: (فاعلم أنك إذا نصبت في هذا الباب، فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا غدا، فالنصب على حاله، لأنّ هذا ليس بابتداء ولا يشبه فيها (عبد الله قائم غدا) لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع، فإذا صار مجرورا أو عاملا فيه فعل أو مبتدأ لم يلغه لأنه ليس يرفعه الابتداء.
وفي الظروف إذا قلت فيها: أخواك قائمان.
ترفعه بالابتداء).
قال أبو سعيد: في هذا الفصل من كلام سيبويه ما يختلف في معناه، والذي أقوله:
إن سيبويه أراد أن إلغاء الظرف ورفع ما بعده على الابتداء والخبر لا يجوز في هذا الموضع، كما يجوز في المبتدإ الذي ليس قبله شيء كقولك مبتدئا: معك زيد قائما وقائم بالرفع والنصب، فإن نصبته جعلت معك خبر زيد، وجعلت زيدا مبتدأ، ونصبت قائما على الحال، وإن رفعت قائما ألغيت معك وقدّرت زيد قائم، وقائم رفع لأنه خبر، وكذلك فيها عبد الله قائم، يجوز إلغاء فيها ورفع قائم فيكون التقدير: عبد الله قائم، ولا يجوز الإلغاء إذا اتصل الظرف بما يكون نعتا له أو خبرا أو حالا إذا كان مع الظرف الضمير العائد إلى الأول، وذلك قولك في نعت المجرور: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وفي المنصوب الذي يعمل فيه: رأيت رجلا معه صقر صائدا به غدا، وفي المبتدإ:
زيد معه صقر صائدا به غدا.
وهذا معنى قوله: (فإذا صار مجرورا أو عاملا فيه فعل أو مبتدأ لم تلغه)، وإلغاؤه
أنك لو حذفت معه لم يعد إلى المنصوب شيء من نعته، ولا إلى المبتدإ شيء من خبره، لأن قولك: معه صقر: جملة، فإذا كانت في موضع نعت أو خبر أو حال لم يكن بدّ من عائد يعود إليه، والعائد هو: الهاء في (معه)، وإذا كان الكلام مبتدأ ليس قبله شيء فليس يمتنع من إسقاط الظرف مانع، كقولك: فيها عبد الله قائم غدا، وفيها أخواك قائمان لا يخل بالكلام إسقاط الظرف وإلغاؤه.
وقد ظن من فسّر الكتاب: أن سيبويه يرفع الاسم بالظرف لا بالابتداء، فيكون (صقر) مرفوعا معه، ويتأول قوله: (لأنه ليس يرفعه الابتداء)، والذي عندنا من مذهب سيبويه في هذا الموضع وفي غيره أن الاسم تقدم أو تأخر يرتفع بالابتداء، كقولك: خلفك زيد، وعندك مال، لأنك إذا قلت: إن عندك مالا، نصبته ب (إنّ) والذي تنصبه إنّ هو الذي يرفعه الابتداء.
وأما قول سيبويه: (لأنه ليس يرفعه الابتداء)، ترجع الهاء في (لأنه) إلى أول الكلام، وإنما يريد، لأن الهاء المجرورة في (معه) فاعرف ذلك إن شاء الله.
قال أبو سعيد: وفيما يرد من كلام سيبويه ما يحتاج إلى تبيين أصول تسهله، فمن ذلك: أن اسم الفاعل إذا جرى على من هو له صفة أو حالا أو خبرا أو صلة، لم يحتج إلى إظهار فاعله، وكان الفاعل مضمرا فيه منونا وإن جرى على غير من هو له احتجت إلى إظهار فاعله كقولك في الصفة: مررت برجل معه امرأة ضاربها.
فضاربها: مخفوضا، صفة لرجل ولا تحتاج إلى شيء بعده فإن قلت: ضاربها بالرفع احتجت أن تقول: ضاربها
هو، لأنك إذا رفعت فهو صفة للمرأة وفعل للرجل، فجعلت، ضاربه صفة لغير من هو فاعله فاحتجت إلى إظهار الفاعل، وإن قلت: مررت برجل معه امرأة ضاربته لم يحتج إلى إظهار شيء بعده، لأن ضاربته صفة لها وفعل لها، وإن قلت:
ضاربته بالخفض فجعلتها نعتا للرجل احتجت إلى أن تقول: ضاربته هي، فتظهر اسم الفاعل فتقول: ضاربته هي، ولو جعلت مكان اسم الفاعل فعلا، لم تحتج إلى إظهار شيء وتكتفي بالضمير الذي فيه، ويكون صفة لغير من هو له، تقول: مررت برجل معه امرأة تضربه، ومررت برجل معه امرأة يضربها.
فتجعل تضربه ويضربها صفة لمن شئت منهما ولا تحتاج إلى إظهار اسم الفاعل المستكن في الفعل ألا ترى أنك تقول: مررت برجل تضربه، فيكون تضربه في موضع
الصفة له، والفاعل المخاطب.
ولو قلت: مررت برجل ضاربه، لم يجز حتى تقول:
أنت، ولو قلت: مررت برجل يضربك، ورددته إلى اسم الفاعل لقلت: مررت برجل ضاربك، ولم تحتج إلى إظهار الفاعل.
قال سيبويه: (وتقول: مررت برجل معه امرأة ضاربته)، فهذا بمنزلة: مررت برجل معه كيس مختوم عليه، فهذا جرى على من هو له، فإن قلت: ضاربها، جررت صفة لرجل ونصبت حالا من الهاء، وإن شئت قلت: ضاربها هو، فيكون (هو) توكيدا للضمير الذي في ضاربها، ويجوز أن يكون منفصلا فاعلا للضرب، كقولك: مررت بامرأة ضاربها زيد، وإن شئت جررت وجئت ب (هو) توكيدا، فقلت: برجل معه امرأة ضاربها هو.
قال: (ومثل قولك: ضاربها هو قولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها، هو قولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها أبوه، إذا جعلت الأب مثل زيد)، يعني يكون ضاربها هو متبدأ وخبرا في موضع نعت المرأة، وكذلك إذا قلت: ضاربها أبوه، ولو جعلت مكان أبوه زيدا جاز أيضا، فقلت: مررت برجل معه امرأة ضاربها زيد مبتدأ وخبر في موضع نعت المرأة، والعائد من المرأة إلى الجملة (الهاء) في ضاربها، وذكر أبوه فهو كذكر الأجنبي الذي هو زيد، فإن جعلت الجملة صفة لرجل لم يكن بد من عائد إليه، فقلت: مررت برجل معه امرأة ضاربها هو أو ضاربها أبوه، ولم يجز: ضاربها زيد، لأنه لا شيء فيه يرجع إلى رجل، ويجوز أن تجعل الاسم جاريا على ما هو صفته وترفع ما بعده به، كقولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها أبوه أو هو، ولا يجوز أن نصف ما ليس فيه ما يعود إلى الموصوف، ولا حالا مما ليس فيه ما يعود إليه لو قلت: مررت برجل ضاربها زيد، أو مررت بعبد الله ضاربها خالد،
لم يجز لأنه ليس فيه ما يعود إلى الأول، وإذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها زيد، تنصب الواطئها، لم يجز لأنه صفة للجارية، والضمير يعود إليها.
فإن قلت: يا ذا الجارية الواطئها أبوه، جاز للضمير العائد في أبوه إلى المنادى، وإذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها، نصبت صفة للمنادى، والتقدير: يا ذا الجارية الذي وطئها فإن جعلت: الواطئها بمعنى التي جعلتها صفة للجارية وخفضتهما، وجئت باسم الفاعل فقلت: الواطئها هو، لأنّ واطئ ليس من فعل التي، وقد وصلتها به فأظهرت اسم الفاعل،
ولا يجوز حذف هو، كما لا يجوز حذف أبوه وزيد، إذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها أبوه، ويا ذا الجارية الواطئها زيد، ولو جئت بالذي ووصلتها بفعل استغنيت عن إظهار الضمير فقلت: يا ذا الجارية التي وطئها إذا كان الوطء لزيد، وقد جرى ذكره، ويا ذا الجارية التي وطئها، وإنما جاز ذلك في الفعل ولم يجز في اسم الفاعل لأنّ صيغة الفعل تدل على فاعله، ويقع فيه الضمير الدالّ عليه لفظا، واسم الفاعل ضميره في النية وليست له علامة، ألا ترى أنّا نقول: زيد تضربه، فنعلم أن الفاعل هو المخاطب، وكذلك: زيد أضربه، الضارب هو المتكلم للصيغة الدالة عليه، ولو قيل: زيد ضاربه، يريد ذلك المعنى، لم يستقم ولم يدلك على المراد.
قال: (ولو جاز هذا) يعني: (يا ذا الجارية الواطئها، وأنت تريد هو وتحذفها وما أشبهه مما ذكرناه لجاز: مررت بالرجل الآخذه، تريد: أنت، ولجاز: مررت بجاريتك راضيا عنها، تريد: أنت، ولو قلت: مررت بجارية رضيت عنها، أو مررت بجاريتك قد رضيت عنها، كان جيدا لأنك تضمر في الفعل وتكون فيه علامة الإضمار)، وقد مضى الفصل بين الاسم والفعل.
وأهل الكوفة يجيزون حذف الفاعل من اسم الفاعل في مثل ما ذكرنا إذا كان له ذكر في أول الكلام كقولك: يدك باسطها، يريد: باسطها أنت، ولذكر الكاف في أوله جاز حذفها، وقد أنشدوا:
وإن امرؤ أسرى إليك ودونه … من الأرض موماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته … وأن تعلمي أن المعار موفّق 1
قالوا: أراد لمحقوقة أنت، وحذف أنت لذكرها في إليك.
قال المفسر: والذي عندنا لمحقوقة استجابتك لصوته مبتدأ وخبر، وهي في موضع خبر (أن) في العائد إلى اسم أنّ من الجملة الهاء، في لصوته، ولا يجوز حذف الفاعل بوجه، وقد مضى الاحتجاج لذلك.
(وأمّا ربّ رجل وأخيه منطلقين، ففيهما قبح حتى تقول: وأخ له، فالمنطلقان عندنا مجروران من قبل أن قوله:
وأخيه في موضع نكرة، لأن المعنى إنما هو وأخ له.
فإن قلت: أمضافة إلى معرفة أم إلى نكرة؟
فإنك قائل: إلى معرفة ولكنّها أجريت مجرى النكرة، كما أنّ مثلك مضافة إلى معرفة وهي توصف بها النكرة وتقع مواقعها، ألا ترى أنك تقول: ربّ مثلك، ويدلك على أنها نكرة أنه لا يجوز لك أن تقول: ربّ رجل وزيد، ولا يجوز لك أن تقول:
ربّ أخيه، حتى يكون قد ذكرت قبل ذلك نكرة.
ومثل ذلك قول بعض العرب: كلّ شاة وسخلتها، أي: وسخلة لها، ولا يجوز حتى تذكر قبلها نكرة فيعلم أنّك لا تريد شيئا بعينه، وأنك تريد شيئا من أمة كل واحد منهم رجل وضممت إليه شيئا من أمة كلهم، يقال له:
أخ، ولو قلت: وأخيه تريد به شيئا بعينه كان محالا، وقال الشاعر:
أي فتى هيجاء أنت وجارها … إذا ما رجال بالرجال استقلّت) 1
وجارها جر عطف على فتى، ومعناه: أيّ فتى هيجاء أنت، وأي جار هيجاء أنت، وجارها: نكرة لأنّ أيّ إذا أضيفت إلى واحد لم يكن إلا نكرة لأنه في معنى الجنس، كقولك: أيّ رجل زيد، ولا تقل: أيّ غلامك زيد، فجارها وإن كان مضافا إلى ضمير هيجاء نكرة مجرورة بإضافة أيّ إليه في التقدير، ولا يجوز أن يكون رفعا لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين:
إمّا أن يكون عطفا على أنت، أو عطفا على أيّ.
فإن كان عطفا على أنت صار غير أنت، وصار شريك أنت في المدح، وكأنه قال:
أيّ فتى هيجاء أنت وزيد، وتكون الهاء في جارها ضمير مؤنث غير هيجاء، كأنه قال:
أنت وجار هند وما أشبهها، وإن قدّر أنت وجار الهيجاء، فجار الهيجاء ليس برجل يعرف، وليس قصد الشاعر إلى هذا وإن كان عطف، وجارها على أيّ كان الكلام بإعادة حرف الاستفهام واحتاج أن تقول: أيّ رجل عندك، وأزيد عندك؟
ومتى قال: وجارها لم يكن فيه أي: جارها الذي هو التعجب، قال الأعشى:
وكم دون بينك من صفصف … ودكداك رمل وأعقادها
ووضع سقاء وإحقابه … وحلّ حلوس وإغمادها (1)
وفيها حجة لربّ رجل وأخيه، لأن قولك: من صفصف لا يليه إلا نكرة، كما أنّ ربّ لا يليه إلا نكرة، وأعقادها: معطوف على صفصف كعطف أخيه على رجل، وكذلك أغمادها: معطوف على ما قبلها، ولا تكون إلا نكرة، والذي ذكره من ذلك كلام العرب، وهذه الأبيات شواهده ولم تصر نكرة إلا على الوجه الذي ذكره من تقدّمه، تكون في موضع لا تقع فيه إلا نكرة، وعطف شيء مضاف إلى ضميرها عليها ولا تتجاوز ذلك.
(كما أن أجمعين لا يجوز في الكلام إلا وصفا، وكما أنّ أيّا تكون في النداء كقوله: يا هذا، ولا يجوز إلا موصوفا وليس هذا حال الوصف والموصوف في الكلام، كما أنه ليس حال النكرة كحال الذي ذكرت لك).
وهذه أشياء شاذة ذكرها سيبويه ليؤنس بشذوذ ربّ رجل وأخيه، وما جرى مجراه ثم استضعف ذلك لخروجه على القياس وقلته.
فقال: (وهذا على جوازه، وكلام العرب به ضعيف).
هذا باب ينصب فيه الاسم لأنه لا سبيل له إلى أن يكون صفة
(وذلك قولك: هذا رجل معه رجل قائمين، فهذا ينتصب لأن الهاء التي في معه معرفة، فأشرك بينهما وكأنه قال: معه امرأة قائمين، ومثله: مررت برجل مع امرأة ملتزمين، فله ضمير إضمار في (مع) كما كان له إضمار في معه، إلا أن المضمر في معه علم، وليس له في مع امرأة علم إلا بالنية، ويدلك على أنه مضمر والنية قولك: مررت بقوم مع فلان أجمعون).
قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أن يتقدّم اسمان أو أسماء قد أعربت بإعراب مختلف أو إعراب واحد من جهتين مختلفتين، فلا يمكن جمع صفاتها أو تثنيتها بلفظ واحد محمول على الإعراب الأول، فحمل على شيء يجتمعان فيه ممّا يصحّ اجتماعهما على ما أسوقه وأبيّنه إن شاء الله.1
وأما قوله: (هذا رجل)، فرجل مرفوع لأنه خبر مبتدإ، وخبره معه، فرفعاها من جهتين مختلفتين فلا يصحّ أن يكون: قائمان نعتا لهما، لأن قائمان لفظ واحد لا يصلح أن يكون رفعا بنعت الابتداء وخبر المبتدإ، فحمل على: معه رجل، ونصب على الحال، والاسمان اللذان منهما الحال:
أحدهما: الهاء في معه، والآخر: رجل.
وقد تكون الحال من اسمين مختلفي الإعراب، كقولك:
ضرب زيد عمرا قائمين، قال الشاعر عنترة:
متى ما تلقني فردين ترجف … روانف إليتيك وتستطارا 1
وفردين: حال من اسم الفاعل والمفعول في (تلقني)
ومثله:
تعلقت ليلى وهي ذات مؤصد … ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا … إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم 2
فصغيرين: حال من التاء في تعلقت، وهي في موضع رفع، ومن ليلى وهي في موضع نصب، والهاء في معه ورجل تأويلهما تأويل فاعلين أو فاعل ومفعول، لأنك إذا قلت: مع عمرو زيد، فتأويله: اجتمعا أو جامع زيد عمرا، ثم تكون الحال منهما على هذا التأويل أو يحمله على هذا، فيكون على التنبيه فتقدير أتيت لهما قائمين أو الإشارة بمعنى:
أسير إليهما قائمين.
وكذلك: مررت برجل مع امرأة في قولنا: مع امرأة، ضمير مرفوع لرجل في النية لا علم له في اللفظ، كما أنّ في قولنا: معه امرأة فيه ضمير مجرور وهو الهاء، والمعنى: في الاجتماع واحد، ومثل هذا الضمير قولك: مررت بقوم مع فلان أجمعون، في مع فلان:
ضمير مرفوع من قوم، أجمعون توكيد له، والنصب في قائمين كالنصب فيهما لو ابتدأت فقلت: معه امرأة قائمين أو معك أو مع زيد.
(ومما لا تجوز فيه الصفة: فوق الدار رجل، وقد جئتكم برجل آخر)، لأن
إعرابهما مختلف ولا يحسن أن تنصب هذا على الحال كما نصبت قائمين، وإن كان ليس فيه الألف واللام، لأن المنصوب بالحال لا بد له من عامل واحد مقدّر في نصبه، وليس في قولك: في الدار رجل وقد جئتك برجل آخر، شيء يقع عليهما من تنبيه أو إشارة أو اجتماع.
ويقول: (فيما اختلف إعرابه، فلم يمكن اجتماع صفة الاسمين: اصنع ما سرّ أخاك، وأحبّ أبوك الرجلان الصالحان على الابتداء، وتنصبه على المدح والتعظيم كقول الخرنق في قصيدة ":
لا يبعدن قومي الذين هم … سمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكل معترك … والطّيبون معاقد الأزر) 1
وقال بعض أصحابنا: الرفع أحسن وأكثر في كل شيء كان تعظيما لأنك إذا أثنيت على قوم فإنما تقول: هم كذا.
(وأما الألف واللام فلا تكونان حالا البتة، لو قلت: مررت بزيد القائم، كان قبيحا لا يجوز إذا أردت قائما، وإن شئت نصبته على المدح، وذلك قولك: اصنع ما ساء أباك وكره أخوك الفاسقين الخبيثين، وإن شاء ابتدأ، ولا سبيل إلى الصفة في هذا ولا في قولك: عندي غلام وقد أتيت بجارية فارهين، لأنك لا تستطيع أن تجعل فارهين صفة للأول ولا للآخر ولا سبيل إلى أن يكون بعض الاسم جرا وبعضه رفعا، فلما كان كذلك صار بمنزلة: ما كان معه معرفة من النكرات لأنه لا سبيل إلى وصف هذا، كما أنه لا سبيل إلى وصف ذلك، فجعل نصبا كأنه قال: عندي عبد الله، وقد أتيت بزيد فارهين، جعل الفارهين ينتصبان على: النازلين بكل معترك.
وفرّوا من الإحالة في: عندي غلام، وقد أتيت بجارية إلى النصب، كما فروا إليه في قولهم: فيها قائما رجل).
يريد لما لم يكن صفة غلام وجارية بفارهين لاختلاف إعرابهما، فروا إلى نصب فارهين على المدح، كما هربوا إلى نصب قائما على الحال من قولهم: فيها قائما رجل، لما لم يمكن أن يجعل قائم صفة لرجل لتقدمه عليه.
قال: (واعلم أنه لا يجوز أن تصف المعرفة والنكرة، كما لا يجوز وصف المختلفين، وذلك قولك: هذه ناقة
وفصيلها الراتعان، فهذا محال لأن الراتعين لا يكونان صفة للفصيل ولا للناقة، ولا تستطيع أن تجعل بعضها معرفة وبعضها نكرة، وهذا قول الخليل.
وزعم الخليل أن الجرين والرفعين إذا اختلفا فهما بمنزلة الجر والرفع وذلك قولك: هذا رجل، وفي الدار آخر كريمين، لأنهما لم يرتفعا من وجه آخر وقبّحه بقوله:
هذا لابن إنسانين عندنا كراما، فقال الجر هاهنا مختلف ولم يشرك الآخر فيما جرّ الأول، ومثل ذلك: هذه جارية أخوي ابنين لفلان كراما، لأن أخوي ابنين اسم واحد، والمضاف إليه الآخر منتهاه، ولم يشرك الآخر بشيء من حروف الإشراك فيما جر الاسم الأول، ومثل ذلك: هذا فرس أخو ابنيك العقلاء الحكماء، لأن هذا في المعرفة مثل ذاك النكرة، فلا يكون الكرام والعقلاء صفة للأخوين والابنين، ولا يجوز أن يجرى وصفا لما انجرّ من وجهين، كما لم يجز فيما اختلف إعرابه.
ومما لا تجري الصفة عليه: هذان أخواك، وقد تولى أبواك الرجال الصالحون، إلا أن ترفعه على الابتداء وتنصبه على المدح والتعظيم).
قال أبو سعيد: اختلاف الرفعين والجرين منع من جمع الصفتين، لأن الصفة تتبع الموصوف في الإعراب، فيكون الإعراب الحاصل في الموصوف وفي الصفة متعلقا بالعامل الذي عمل في الموصوف، فلو جمع الصفتان بلفظ واحد فجعلتا للمرفوعين المتقدمين أو المجرورين، صار لفظ الصفتين وهو واحد معلقا برافعين أو جارّين، فلذلك لم يصلح: هذا رجل في الدار آخر كريمان، لأن الرجل رفع بخبر الابتداء، وآخر مرفوع بالابتداء، وهما عاملان مختلفان لا يحمل كريمان عليهما، ورفع كريمين على الابتداء فهما عاملان مختلفان لا يحمل كريمان عليهما، وكذلك تقول: هذا لابن إنسانين عندنا كراما، على المدح ولم تقل: كرام على الصفة، لأن ابن مجرور باللام، وإنسانين مجروران بإضافة ابن إليهما، فهذان عاملان مختلفان، لا يصلح حمل كرام عليهما، وهو لفظ واحد، وكذلك: هذا فرس أخوي ابنيك العقلاء، لو خفضنا العقلاء وجعلناها صفة للأخوين والابنين كان فاسدا، لأن ابنيك من تمام الأخوين، وليس أخواك من تمام أنفسهما، والصفة داخلة فيما دخل فيه الموصوف، فيكون العقلاء من تمام الأخوين من حيث كان صفة للابنين وغير تمام