شرح كتاب سيبويهصفحات 164-203

فإن قال قائل: لو كان زوال الجر عن الاسم الذي لا ينصرف، لما ذكرت من الثقل، لكان الرفع أولى بزواله عنه؛ لأن الضم أثقل من الكسر.
فيقال: ليس كون الضم أثقل من الكسر بمانع أن يدخل الضم ما لا يدخله الكسر؛ لأن الفعل أثقل من الاسم؛ ولذلك نقص عن حركاته وتنوينه، ويدخله الضم، ولا يدخله الكسر، وكذلك ما شبه به، وجرى مجراه في الثقل، وأعطى لفظه حركات الفعل لمشاكلتهما في الثقل.
ثم نرجع إلى الفصل الذي قدمنا من كلام سيبويه: قوله: " اعلم أن ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام، ووافقه في البناء "، أراد به باب " أفعل " الذي مؤنثه " فعلاء "، وهو اسم مضارع للفعل، ومضارعته أنه صفة والفعل يوصف به أيضا، كقولك: " مررت برجل أحمر " و " مررت برجل يأكل "، ويضارعه أيضا أن الفعل لا يكون إلا بفاعل، والنعت لا يحسن إلا بمنعوت، ومشاركته له في البناء أن " أحمر " الهمزة فيه زائدة، كما هي زائدة في " أذهب " ووزنها " أفعل ". وقوله: " أجرى لفظه مجرى ما يستثقلون "، يعني لفظ " أحمر " وبابه، مجرى الفعل وهو ما يستثقلون، و " منعوه ما يكون لما يستخفون " يعني منعوه التنوين والجر، الذي يكون للاسم المستخف.
وقوله: " وذلك نحو: أبيض وأحمر وأسود، فهذا بناء: أذهب، وأعلم ". وقوله: " فيكون في موضع الجر مفتوحا "، يعني فيكون الاسم الذي لا ينصرف في موضع الجر مفتوحا، ولا يجوز أن يقال: فيكون في موضع الجر منصوبا؛ لأن هذه الفتحة لم يحدثها في هذه الحال عامل النصب، وإنما حمل الجر على النصب في هذا الموضع، إذ قد سقط لفظه، لما قدمنا ذكره من مشاكلة الفعل، فاحتيج إلى حمله على غيره.
وكان حمله على النصب أولى؛ لما بينهما من المشاكلة التي أنبأها في الموضع الذي ذكرنا فيه حمل النصب على الجر في تثنية الأسماء وجمعها.
وقال سيبويه: " وأما مضارعته في الصفة ". يعني مضارعة " أحمر " الفعل في كونه، أعني كون " أحمر " صفة.
" فإنك لو قلت: أتاني اليوم قوي، أو ألا باردا، ومررت بجميل، كان ضعيفا، ولم يكن في حسن: أتاني رجل قوي، وألا ماء باردا، ومررت برجل جميل ".

ثم قال: " ألا ترى أن هذا يقبح هاهنا، كما أن الفعل المضارع، لا يتكلم به إلا ومعه الاسم؛ لأن الاسم قبل الصفة، كما أنه قبل الفعل ". يعني: أن النعت لا يحسن إلا بذكر المنعوت، كما أن الفعل المضارع لا يستغني عنه الاسم.
وإنما خص المضارع.
وإن كان الماضي قد شاركه في هذا المعنى؛ لأن التشبيه الذي ذكره وقع بين المضارع وبين الاسم.
وقد مر هذا المعنى.
ثم قال: " ومع هذا أنك ترى الصفة تجري في معنى يفعل ". يعني: أنك تقول: " هذا ضارب زيدا " و " هذا يضرب زيدا " و " مررت برجل ضارب زيدا " و " يضرب زيدا ". ثم قالي: " فإن كان اسما كان أخف، نحو أكلب وأفكل، ينصرفان في النكرة ". يعني: فإن كان الذي وزنه وزن الفعل من الأسماء وليس بنعت، نصرف في النكرة، وذلك أنه ليس فيه إلا علة واحدة، وهي وزن الفعل.
فإن قيل: فأكلب هي جمع على وزن أقتل، فينبغي أن تمنعه من الصرف بهاتين العلتين.
فالجواب: أن الجمع إذا كان يجمع، أو يتأتى فيه الجمع، كان محله محل الواحد، ولم يعتد به ثقلا.
وسنبين ذلك إن شاء الله في باب ما لا ينصرف.
" فأكلب " قد يقال فيه: (أكالب)، لو كسرت، فلم يعتد بجمعها وانصرفت في النكرة.
ثم قال: " ومضارعة أفعل الذي يكون صفة للاسم أنه يكون وهو اسم صفة ". يعني: أن " أحمر " وبابه يكون صفة على هذا المثال، وهو اسم، كما يكون الفعل صفة في قولك: " مررت برجل يضرب زيدا ". فشاركه في حال اسمية الفعل، في كونها صفة وانضم إلى ذلك وزن الفعل فامتنع من الصرف.
ثم قال: " وأما يشكر، فإنه لا يكون صفة وهو اسم، إنما يكون صفة وهو فعل ". يعني أن " يشكر " و " يزيد " و " تغلب " و " أحمد " و " يعمر " والأسماء الأعلام التي على مثال الفعل لا تنصرف لوزن الفعل والتعريف، فمتى نكّرت انصرفت، كقولك: " مررت بيشكر ويشكر آخر "، و " ما كلّ يزيد أبا خالد "؛ لأن هذه الأسماء متى نكرت زال التعريف عنها، وحصل لها من الثقل وزن الفعل فقط، فانصرفت، وقد كانت هذه الأسماء ينعت بها في حال ما كانت أفعالا، كقولك: " مررت برجل يشكر زيدا "، و " هذا رجل يزيد في

البر "، فلما سمي بها بطل المعنى الذي كان من أجله يقع النعت بها وهو الفعلية، فلم يبق له في حال التنكير إلا وزن الفعل، وليس كذلك " أحمر " من قبل أن " أحمر " وقع في أول أحواله صفة على وزن الفعل، فشارك الفعل في حال فعليته في الوزن وفي معنى الصفة، فمنع الصرف لذلك.
وقال سيبويه: " اعلم أن النكرة أخف عليهم من المعرفة، وهي أشد تمكنا؛ لأن النكرة أول، ثم يدخل عليها ما تعرّف به، فمن ثم أكثر الكلام ينصرف في النكرة ". قال أبو سعيد: قد تقدم من تفسيرنا ما دل على أن النكرة أخف من المعرفة، وهي أشد تمكنا منها؛ لأنها لخفتها تحتمل ما لا تحتمله المعرفة، واحتمالها ما لا تحتمله المعرفة أنها تحتمل التنوين في الموضع الذي توجد الأسماء المعارف فيه غير منصرفة، نحو " أحمد " و " طلحة " و " عمر " و " إبراهيم "، إذا نكرت انصرفت، فاحتملت حين خفت بتنكيرها ما لا تحتمله حين عرفت.
وتمكن الشيء المتمكن هو وجوده متصرفا في أكثر من حركة، إذا كان اللفظ يتصرف في حركتين، ولفظ آخر يتصرف في أكثر من ثلاث حركات وتنوين، فالذي يتصرف في ثلاث حركات وتنوين أشد تمكنا؛ لأنه أكثر تصرفا.
وقد استعمل سيبويه لفظ التمكن في الظروف ولم يرد بها الإعراب، قال: كل ظرف يكون مرفوعا في حال ومنصوبا في حال فهو متمكن، نحو قولنا اليوم والليلة وخلفك وأمامك: لأنك تقول: قمت اليوم، وقمت الليلة، وقمت خلفك وأمامك فتكون ظروفا، ثم تقول: اليوم طيب، والليلة باردة، وخلفك واسع، وأمامك ضيق، فتكون أسماء مرفوعة، فيقال ما جرى هذا المجرى من هذه الظروف ظرف متمكن، فليس يراد به أنه متمكن بمعنى متصرف أنه معرب، إنما يراد أنه يدخله الرفع، وكل ظرف لا يدخله الرفع فهو غير متمكن، وإن كان معربا نحو " قبل " و " بعد " و " عند "؛ تقول: " أنا عندك " و " خرجت من عندك " و " رأيته قبلك " و " من قبلك "، ولا تقول: عندك ولا قبلك ولا بعدك مرفوعا بوجه من الوجوه، فهذه غير متمكنة من الظروف، وإن كانت معربة بدخول الجر والنصب عليها.
وأما المتمكن من الأسماء فهو كل ما دخله الإعراب منصرفا كان أو غير منصرف وإنما كان غير منصرف متمكنا؛ لأنه تصرف ضربا من التصرف، وهو تنقله من فتحة إلى

ضمّة ومن ضمة إلى فتحة.
وقول سيبويه في آخر هذا الفصل: " فمن ثم أكثر الكلام ينصرف في النكرة ". يعني: من أجل خفة التنكير وتمكن النكرة، يكون أكثر الكلام الذي لا ينصرف متى نكر انصرف، كنحو ما ذكرنا من " طلحة " وما بعده من الأسماء.
والأسماء التي لا تنصرف في المعرفة والنكرة هي خمسة أسماء فقط؛ أفعل، إذا كان صفة، نحو " أحمر " و " أشقر "، وفعلان الذي مؤنثة فعلى، نحو " سكران " و " غضبان "، ومؤنثهما " غضبى " و " سكرى "، وما كان في آخره ألف التأنيث ممدودة كانت أو مقصورة، نحو " حمراء " و " حبلى "، وما كان من الجمع على مثال ليس للواحد، نحو " مساجد " و " قناديل "، وما كان معدولا من العدد نحو " ثناء " و " ثلاث " إلى " عشار "، وفيه لغتان: " فعال " و " مفعل " من الواحد إلى العشرة، وكلتاهما لا تنصرف، وسائر الأسماء منصرفة في حال التنكير.
فإن قال قائل: لم قال سيبويه " فمن ثمّ أكثر الكلام ينصرف في النكرة " ونحن نعلم أيضا أن أكثر الكلام ينصرف في المعرفة؟ فالجواب في ذلك: أنه أراد فمن ثم أكثر الكلام الذي لا ينصرف إذا نكّر انصرف لأن ما لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة أكثر مما لا ينصرف في المعرفة ولا في النكرة.
قال سيبويه: " واعلم أن الواحد أشد تمكنا من الجمع؛ لأن الواحد الأول، ومن ثم لم يصرفوا من الجمع ما جاء على مثال ليس يكون للواحد نحو " مساجد ". و" مفاتيح ". قال أبو سعيد: وقد تقدم من التفسير ما دل على أن الواحد أشدّ تمكّنا من الجمع.
وأما قوله: " فمن ثم لم يصرفوا من الجمع ما جاء على مثال ليس يكون للواحد نحو " مساجد ومفاتيح ". فإن " مساجد " و " مفاتيح " وما جرى مجراهما لا ينصرف، من قبل أنه جمع، وأنه لا نظير له من الواحد، وقد علمت أن الجمع على ضربين: جمع له نظير من الواحد، وجمع لا نظير له من الواحد، فالجمع الذي لا نظير له من الواحد هو " مساجد " ونحوها، والجمع الذي له نظير من الواحد نحو " كلاب " و " فلوس " ونظيرهما من الواحد " كتاب " و " سدوس "، والجمع إذا كان له نظير من الواحد لا يعتد به ثقلا، فالجمع الذي لا

نظير له من الواحد قد اجتمع فيه معنيان يمنعان الصرف: أحدهما أنه جمع، والآخر أنه لا نظير له من الواحد؛ لأن نفس الجمع لا يمنع شبه الواحد في اللفظ، فإذا رأيناه جمعا ورأيناه مخالفا للواحد، ومخالفة الواحد هو معنى ثان، صار كأنه جمع آخر، كأنه جمع مرّتين، منع الصرف لذلك.
فإن قال قائل: فقد رأينا هذا البناء في الواحد، وهو قولهم للضّبع " حضاجر ". قال الحطيئة: هلا غضضبت لرحل جا … رك إذ تنبّذه حضاجر 1 قيل له: " حضاجر " جمع " حضجر " و " الحضجر " العظيم البطن، وإنما لقّبت الضبع بهذا اللقب، وصار علما لها لعظم بطنها، وبولغ لها في هذا الوصف، فجعلت كأنها ذات بطون عظام.
والدليل على أن " حضاجر " جمع " حضجر ". قول الشاعر: حضجر كأمّ التّوأمين توكّأت … على مرفقيها مستهلّة عاشر 2 أراد أنه عظيم البطن كامرأة في بطنها ولدان، وتم لها تسعة أشهر ودخلت في العاشر، واتكأت على مرفقيها، فنتأ بطنها وعظم، فذلك أعظم ما يكون.
فإن قال قائل: إذا كنت تمنع الصرف في الجمع الذي لا نظير له في الواحد، فينبغي ألا تصرف " أكلبا "؛ إذ لا نظير له من الواحد.
قيل له: لم يرد سيبويه بقوله: " على مثال ليس يكون للواحد " ما ذهبت إليه، إنما أراد: على مثال لا يجمع جمعا ثانيا؛ لأن ما كان على مثال يتأتّى فيه جمع ثان، فهو بمنزلة الواحد.
فإن اعترض معترض فقال: في الكلام أفعل نحو " آنك " و " أسنمة "، فإن سيبويه قد نفى أن يكون في الواحد أفعل.
ونحن نستقصي ما ينصرف وما لا ينصرف، إذا صرنا إليه إن شاء الله.
قال سيبويه: " واعلم أن المذكر أخف عليهم من المؤنث؛ لأن المذكّر أول، وهو

أشدّ تمكنا ". وقد مر الكلام في تفسير ذلك، والاحتجاج له.
ثم قال: " وإنما يخرج التأنيث من التذكير ". يعني أن كلّ شيء مؤنث فله اسم مذكر، وفي الأشياء ما لا يسمى باسم مؤنث، والتأنيث يخرج من التذكير؛ لأن المؤنث نفسها هي مذكّر بغير اللفظ الذي أنثتها به.
وقوله: " يخرج من التذكير " كقولك: يتفرّع من التذكير، ومثله في الكلام كثير، كقولك: الإنسان يخرج من النّطفة، والكبير يخرج من الصغير، وقد خرج من زيد شجاع، أي تفرّع ونشأ.
ثم قال: " ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه ". وهو الذي ذكرناه؛ إذ كان هذا اللفظ واقعا على كل مذكر ومؤنث بلفظ واحد.
ثم قال: " والتنوين علامة للأمكن عندهم والأخف عليهم ". يعني أن التنوين علامة لما ينصرف من الأسماء؛ لأن المتمكن يقع على ما ينصرف وعلى ما لا ينصرف، وما ينصرف أمكن مما لا ينصرف، فسمى المنصرف الأمكن، إذ كان غاية في استيفاء الحركات والتنوين.
ثم قال: " وتركه علامة لما يستثقلون "، يعني ترك التنوين علامة لما منع من الصرف.
قال سيبويه: " وجميع ما لا ينصرف، إذا أدخلت عليه الألف واللام أو أضيف، انجرّ؛ لأنها أسماء أدخل عليها ما يدخل على المنصرف، وأدخل فيها المجرور، كما يدخل في المنصرف، ولا يكون ذلك في الأفعال، فأمنوا التنوين ". قال أبو سعيد: إن سأل سائل فقال: إذا كان الاسم الذي لا ينصرف، متى دخل عليه الألف واللام أو أضيف، انصرف؛ لأنه بالإضافة والألف واللام يخرج عن شبه الفعل، فينبغي أن تكون حروف الجرّ متى دخلت على اسم لا ينصرف، انصرف بدخولها، كقولك: " مررت بأحمر " وما أشبه ذلك، ففي ذلك أربعة أجوبة: الأول منها: أن يقال إنّ الإضافة والألف واللام، متى دخلت واحدة منهما على الاسم غير المنصرف، أخرجته عن شبه الفعل، ثم تدخل عليه بعد ذلك العوامل، وقد خرج عن شبه الفعل، فيعمل فيه ما يعمل في الأسماء المنصرفة؛ لأنها صادفت شيئا لا شبه

للفعل به، وحروف الجرّ إذا دخلت على ما لا ينصرف، دخلت على شيء مشبه للفعل، فلم يكن لها فيه تأثير؛ لأنها صادفت ما يشبه الفعل.
والجواب الثاني: أن يقال قد رأينا الفعل تضاف إليه أسماء الزمان كقولك: " هذا يوم ينفع زيد " والإضافة بمحلّ حروف الجر، ولم نره يضاف ولا يدخل عليها الألف واللام، فلما جاز أن يضاف إلى الفعل في حال، لم يكن دخول حروف الجر على الاسم المشبه له مما يخرجه عن شبهه.
فإن قال قائل: فقد رأينا الألف واللام يدخلان على الفعل، كقول الشاعر: فيستخرج اليربوع من نافقائه … ومن حجره ذي الشيخة اليتقصّع 1 أراد: الذي يتقصّع.
قيل له: هذا شاذّ من أقبح ما يكون في ضرورة الشاعر ولا يحتج بمثله.
والذي دعا الشاعر إلى ذلك، مع الضرورة، أنه رأى الألف واللام تكون بمعنى " الذي " كقولك: " مررت بالقائم "، أي بالذي قام، فجعل " اليتقصّع " بمعنى الذي يتقصّع، وأخطأ في ذلك؛ لأن الألف واللام إذا كانتا بمعنى " الذي " نقل لفظ الفعل إلى اسم الفاعل.
والجواب الثالث: هو أن عوامل الأسماء لا تدخل على الأفعال، وعوامل الأفعال لا تدخل على الأسماء، فلو صرفنا الاسم بدخول حرف الجر عليه، لوجب أن تصرفه في كل حال، من قبل أنه لا بدّ له في شيء من أحواله من دخول عامل عليه من عوامل الأسماء، نحو إن وأخواتها، وكان وأخواتها، وظننت وأخواتها، والابتداء والفعل وهذه الأشياء كلها لا تدخل على الأفعال، فلو صرفنا الاسم لأجل هذه العوامل، لبطل منع الصّرف البتّة.
والجواب الرابع: هو أن الصّرف إنما هو جواز الجرّ والتنوين في الاسم، ولا ينفرد أحدهما من صاحبه، ومتى دخله التنوين جاز فيه الجر، ومتى جاز فيه الجر دخله التنوين، فإذا أضيف الاسم، أو دخله الألف واللام، فالإضافة والألف واللام يقومان مقام التنوين، فكأن الاسم قد نوّن، وإذا نوّن جاز دخول الجر عليه، وليس كذلك إذا دخله حرف من

حروف الجر؛ لأن دخوله لا يقوم مقام التنوين الذي هو علامة الصرف.
قوله: " وجميع ما لا ينصرف إذا أدخلت عليه الألف واللام أو أضيف انجرّ ". يعني جاز دخول الجر عليه بدخول عامله، ليس أنه بالإضافة ودخول الألف واللام ينجرّ لا محالة، وهذا كلام مفهوم.
وقوله: " لأنها أسماء أدخل عليها ما أدخل على المنصرف ". يعني الألف واللام.
وقوله: " أدخل فيها المجرور، كما يدخل في المنصرف ". يعني أضيف كما أضيف المنصرف، والمجرور هو المضاف إليه.
وقوله: " ولا يكون ذلك في الأفعال ". يعني ولا يكون الألف واللام والإضافة في الأفعال.
وتقدير لفظ اعتلاله هو أن يقال: لأنها أسماء دخل عليها من الإضافة والألف واللام ما لا يكون في الأفعال.
وقوله: " فأمنوا التنوين " يعني بدخول الألف واللام والإضافة أمنوا أن يكون في الاسم تنوين مقدر يكون حذفه علامة لمنع الصرف؛ لأن ما لا ينصرف فيه تنوين مقدر محذوف، وليس ذلك فيما ذكر.
قال سيبويه " فجميع ما يترك صرفه يضارع به الفعل؛ لأنه إنما فعل ذلك به لأنه ليس له تمكّن غيره، كما أن الفعل ليس له تمكن الاسم ". يعني جميع ما يترك صرفه من الأسماء يضارع الفعل بالثقل الذي دخله.
وقد وصفنا كيفيته.
وقوله: " وإنما فعل ذلك به "، يعني: وإنما فعل منع الصرف به، يعني بالاسم الذي لا ينصرف؛ " لأنه ليس له تمكن غيره " يعني تمكن الاسم المنصرف، " كما أن الفعل ليس له تمكن الاسم ". ثم قال: واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع، حذف في الجزم؛ لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع، فحذفوا كما حذفوا الحركة ونون الاثنين والجمع، وذلك قولهم: " لم يرم " و " لم يغز " و " لم يخش "، وهو في الرفع ساكن الآخر، تقول: " هو يغزو ويرمى ويخشى ". قال أبو سعيد: إن سأل سائل فقال: إذا قلت " لم يرم " فما علامة الجزم فيه؟ قيل له: حذف الياء.

فإن قال كيف جاز أن يكون حذف حرف من نفس الكلمة علامة إعراب؟ قيل له: إنما جاز ذلك؛ لأن هذا الحرف مشبه للحركة، وذلك أن الحركة منه مأخوذة، وعلى قول بعضهم: هو حركة مشبعة، ومع ذلك فقد كان في حال الرفع لا يدخله حركة، كما لا تدخل الحركة حركة، فلما أشبه الحركة، والجزم يحذف ما يصادفه من الحركات، حذف هذه الياء؛ إذ كانت بمنزلة الحركة فكان حذفها جزما، كما يكون حذف الحركة جزما.
فإن قال قائل: فما قولكم في الياء والواو في حال الرفع، هل تقولون: إن سكونها علامة الرفع، أم علامة الرفع ضمة محذوفة؟ فإن الجواب في ذلك أن يقال: علامة الرفع ضمة محذوفة، استثقل اللفظ بها على ياء قبلها كسرة، أو واو قبلها ضمة، والنية فيها الحركة، كما أنّا إذا قلنا: " يخشى " فليست علامة الرفع سكون الألف؛ لأن الألف لا تكون إلا ساكنة، وهي في حال النصب أيضا بألف، والحركة فيها مقدرة، وإن لم يكن اللفظ بها، وكذلك الأسماء التي أواخرها ياء قبلها كسرة؛ نحو " القاضي " و " الرامي " إذا قلت: " هذا القاضي " و " مررت بالقاضي "، فليس علامة الجر والرفع فيها سكون الياء، وكذلك ما كان في آخره ألف، نحو " العصا " و " الرّحى " تكون في حال النصب والرفع والجر ساكنة الألف، والحركات المختلفة مقدّرة فيها على حسب أحواله، ولو كان سكون الحرف علامة الإعراب؛ لوجب أن تكون " العصا " و " الرحى " وما جرى مجراهما مبنيّا؛ لأن رفعه وجره ونصبه بسكون الألف وهذا لا يقوله ذو لبّ.
وقوله: " واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع "، أراد: " يغزو " و " يرمي "، ولم يرد بقوله: " يسكن في الرفع " أن السكون هو علامة الرفع، وإنما أراد: يسكن في حال الرفع بالضم المقدّر.
وقوله: " حذف في الجزم؛ لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع "، يعني: حذف الحرف الساكن علامة للجزم؛ لأنهم لو اقتصروا على حذف الضّمّ المقدر، لاستوى لفظ الجزم والرفع، فحذفوا شيئا ليفرق بينهما في اللفظ.
وقوله: " فحذفوا كما حذفوا الحركة، ونون الاثنين والجمع "؛ يعني: حذفوا الياء في " يرمي " كما حذفوا الحركة في " يذهب "، ونون الاثنين والجمع في يقومان، ويقومون.

هذا باب المسند والمسند إليه

" وهو ما يستغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدّا قال أبو سعيد: أما قوله: " المسند والمسند إليه " ففيه أربعة أوجه أجودها وأرضاها: أن يكون " المسند " معناه " الحديث " و " الخبر "، و " المسند إليه " المحدّث عنه، وذلك على وجهين: فاعل وفعل: كقولك: " قام زيد " و " ينطلق عمرو " واسم وخبر: كقولك: " زيد قائم " و " إنّ عمرا منطلق "، فالفعل حديث عن الفاعل، والخبر حديث عن الاسم، فالمسند هو الفعل، وهو خبر الاسم، والمسند إليه هو الفاعل، وهو الاسم المخبر عنه.
وإنما كان المسند الحديث، والمسند إليه المحدّث عنه، كقولنا في الحديث الذي يحدّث به عن النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا الحديث مسند إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فالحديث هو المسند، ورسول الله هو المسند إليه.
والوجه الثاني: أن يكون التقدير فيه: هذا باب المسند إلى الشّيء، والمسند ذلك الشّيء إليه، وحذف من الأول، اكتفاء بالثاني، وذلك هو الاسم والخبر، والفعل والفاعل، وكل واحد منهما محتاج إلى صاحبه، وكل واحد منهما مسند إلى صاحبه؛ لاحتياجه إلى صاحبه، إذ لا يتم إلا به؛ كقولك لمن تخاطبه: " إنّما أمري مسند إليك "، أي أنا محتاج إليك فيه وأنت قيّمه.
والوجه الثالث: أن يكون المسند هو الثاني في الترتيب على كلّ حال، والمسند إليه هو الأول، فإذا كان فعلا وفاعلا، فالمسند هو الفاعل، والمسند إليه هو الفعل، وإن كان مبتدأ وخبرا، فالمسند هو الخبر، والمسند إليه هو المبتدأ، ويكون بمنزلة المبني والمبنىّ عليه، فالمبني هو الثاني فعلا كان أو خبرا، والمبنىّ عليه هو الأول، وإنما كان الأول هو المسند إليه، والمبنى عليه، من قبل أنّك جئت به، فجعلته أصلا لما بعده، ولم تبنه على شيء قبله، ثم جئت بما بعده، وهو محتاج إلى ما قبله، فصار فرعا عليه، فلذلك قيل: مبنيّ للثاني، إذ كان هو الفرع، وقيل الأوّل مبنيّ عليه، إذ كان هو الأصل، كما تبنى الفروع على الأساس.
الوجه الرابع: وهو أن يكون المسند هو الأوّل على كل حال، والمسند إليه الثاني على كلّ حال، فإن كان فعل وفاعل، فالفعل هو المسند والفاعل هو المسند إليه، وإن

كان مبتدأ وخبرا فالمبتدأ هو المسند، والخبر هو المسند إليه، ويكون المسند والمسند إليه بمنزلة المضاف والمضاف إليه، في أن المضاف هو الأول، والمضاف إليه هو الثاني، وذلك أن معنى الإضافة والإسناد واحد تقول: " أسندت ظهري إلى الحائط "، و " أضفت ظهري إليه ". قال امرؤ القيس: فلمّا دخلنا أضفنا ظهورنا … إلى كلّ حارىّ قشيب مشطّب 1 أي أسندناها؛ فعلى هذا الوجه يكون مسندا إلى الثاني، وذلك أنك جئت بالأول، فعلم أنه لا بدّ له من غيره، وأنه محتاج إلى ما بعده، فأسندته إلى الثاني فتمّ، فتبيّن هذه الوجوه فإنها محتملة كلّها.
قال سيبويه: " فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه "، يعني الخبر " وهو قولك: عبد الله أخوك، وهذا أخوك، ومثل ذلك: يذهب عبد الله ". يعني: فمن باب المسند والمسند إليه الذي أحكمنا معانيه، المبتدأ وما بعده إلى قوله: " يذهب عبد الله ". ثم قال: " فلا بد للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بد من الآخر في الابتداء ". يعني: لا بد للفعل من فاعل، كما لا بد للابتداء من خبر، وكل واحد منهما محتاج إلى صاحبه.
ثم قال: " ومما يكون بمنزلة الابتداء والخبر: كان عبد الله منطلقا، وليت زيدا منطلق؛ لأن هذا يحتاج إلى ما بعده كاحتياج المبتدأ إلى ما بعده ". قال أبو سعيد: اعلم أن الأسماء التي لا بد لها من أخبار هي أربعة: المبتدأ لا بدّ له من خبر وهو أصل هذه الأربعة.
واسم كان وأخواتها، كقولك: كان زيد منطلقا، وأصبح زيد ذاهبا، وليس عمرو عندنا، واسم إنّ وأخواتها، كقولك: إن زيدا منطلق، وليت أباك قائم، والمفعول الثاني من مفعولي ظننت وأخواتها كقولك: ظننت عبدك ذاهبا، وحسبت أباك منطلقا.
غير أن ظننت وأخواتها يجوز أن يكتفى بها وبفاعليها عن المفعولين فتقول: ظننت، وحسبت وتسكت، كما قالت العرب في مثل لها: " من يسمع يخل "، أي: يظن

ويتهم، يقوله الرجل إذا بلّغ شيئا عن رجل فاتّهمه.
ويخل من خال يخال، ولم يأت بمفعوليه، فإذا أتيت بالمفعول الأول فلا بدّ له من الثاني، وسنحكم هذا بأكثر من هذا الشرح إن شاء الله، و " كان " و " إنّ " متى أتيت بها، أو بواحدة من أخواتهما فلا بدّ أن تأتي بالاسم والخبر.
فهذه الأربعة التي ذكرناها داخلة في باب المسند والمسند إليه؛ لأن كل واحد من الاسم والخبر، محتاج إلى الآخر؛ فلذلك جعل سيبويه " كان عبد الله منطلقا، وليت زيدا منطلق "، بمنزلة المبتدأ والخبر، وأدخله في جملة ما انعقد عليه الباب.
ثم قال: " واعلم أن الاسم أوّله الابتداء: وإنما يدخل الناصب، والرافع سوى الابتداء، والجار على المبتدأ ". قال أبو سعيد: أما قوله: " اعلم أن الاسم أوله الابتداء " فهو كلام بيّن، من قبل أن المبتدأ معرّى من العوامل اللفظية، وتعرّى الاسم من غيره في التقدير قبل أن يقترن به غيره؛ لأن الكلام يوضع كل كلمة منه تدل على معنى ما، ثم تركّب فيقترن بعضها ببعض، فيقع بها الفوائد المستفادة باقترانها، وإن كانت كل واحدة منها قد دلّت على معنى بعينه، ثم يدخل الناصب على المبتدأ إمّا تأكيدا، وإمّا لتغيير معنى؛ فالتأكيد: " إنّ زيدا قائم " والمعنى زيد قائم، وتغيير المعنى " ليت زيدا منطلق " والأصل زيد منطلق، مبتدأ وخبر، فدخلت ليت فنصبت ما كان مبتدأ وغيّرت المعنى، والرّافع الذي دخل على المبتدأ كان وأخواتها، وظننت وأخواتها إذا لم يسمّ فاعلوها؛ كقولك: " كان عبد الله منطلقا "، و " ظنّ بكر أخاك "، وهذان الرافعان هما غير الابتداء، ودخلا على الابتداء فأزالاه.
وقد يدخل الجار على المبتدأ في قولك: " ما عندي من أحد " و " هل عندك من مال؟ "، والمعنى " ما عندي أحد "، و " هل عندك مال؟ "، فأحد، ومال يرتفعان بالابتداء، ثم دخل عليهما الجار، ومن ذلك أيضا قولك: " حسبك زيد "، فيكون حسب مبتدأ، وزيد الخبر، ثم تقول: " بحسبك زيد "، فيدخل الجر على ما كان مبتدأ قبل دخوله.
وقد ظن بعض الناس أن (الباء) في " مررت بزيد " و (من) في " أخذت من زيد " هو ما عناه سيبويه من دخول الجرّ على المبتدأ، وظن أن قوله: " المبتدأ " ما يكون مبتدأ في حال، وهو على غير ما ظن؛ لأن ما يدخل على المبتدأ هو الذي إذا نزع صار مبتدأ، وليس ذلك في " مررت بزيد ".

قول سيبويه: " اعلم أن الاسم أوله الابتداء " يعني: المبتدأ لأن المبتدأ هو الاسم المرفوع، والابتداء هو العامل فيه، وستقف على هذا، غير أنه اكتفى بالمصدر عن الاسم، كقولك: " أنت رجائي " أي مرجوّى.
وقوله: " إنما يدخل الناصب "، يعني كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، " والرافع سوى الابتداء "، يعني كان وأخواتها، وظن وأخواتها، ورفعهما غير الرفع الذي يوجبه الابتداء والجار، وهو الباء في " بحسبك زيد " وما ذكر معه، تدخل هذه العوامل على المبتدأ، فتزيل الابتداء ويصير الاسم معربا بها دون الابتداء.
قال سيبويه " ألا ترى أن ما كان مبتدأ قد تدخل عليه هذه الأشياء حتى يكون غير مبتدأ ". يعني: أن الاسم المبتدأ المعرّى من العوامل اللفظية قد تدخل عليه كان وإنّ وحروف الجر فيصير غير معرّى من العوامل، وإذا كان غير معرّى فقد صار غير مبتدأ.
قال: " فلا تصل إلى الابتداء ما دام مع ما ذكرت لك إلا أن تدعه ". يعني: لا تصل إلى الابتداء، وهو تعرّيه من العوامل اللفظية، وقد اقترنت به العوامل إلا أن تحذف العوامل فيصير الاسم مبتدأ؛ وإنما ذكر سيبويه ذلك مستدلا على أن المبتدأ هو الأول، إذ كان لفظ المبتدأ هو موجود مع هذه العوامل، وإنما الابتداء الرافع له زوال هذه العوامل.
وقوله: " ما دام مع ما ذكرت لك " يعني: ما دام المبتدأ مع ما ذكرت لك من العوامل إلا أن تدع العوامل.
ثم قال: " وذلك أنك إذا قلت: " عبد الله منطلق "، إن شئت أدخلت عليه " رأيت " فقلت: " رأيت عبد الله منطلقا ". وقد مر نحو هذا؛ لأن قوله: " رأيت عبد الله منطلقا " بمنزلة ظننت عبد الله منطلقا.
ثم قال: " فالمبتدأ أول كما أن الواحد أول العدد، والنكرة قبل المعرفة ". قال أبو سعيد وقد ذكرنا أن المبتدأ أول في هذا الباب، وذكرنا في الباب الذي قبله أن الواحد أول العدد، وأن النكرة قبل المعرفة.

هذا باب اللفظ للمعاني

قال سيبويه: " اعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين،

واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، وسترى ذلك إن شاء الله ". قال أبو سعيد: هذا آخر الباب من كلام سيبويه.
قوله: " اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين " يحتمل وجهين: يحتمل أن يكون أراد باللفظين الكلمتين، ويحتمل أن يكون أراد الحركتين؛ فإن كان أراد الكلمتين، فهو نحو " دار " و " ثوب " و " إنسان " وما أشبه ذلك مما يخالف بعضه بعضا في اللفظ والمعنى، وعليه أكثر الكلام، وإن كان أراد باللفظ الحركة، فهو قولك: " ما أحسن زيدا " إذا أردت التعجّب، و " ما أحسن زيد "، إذا أردت أنه لم يحسن، و " ما أحسن زيد " إذا استفهمت أيّ شيء منه أحسن، أعينه، أم أنفه، أم وجهه، أم خدّه؟ وكذلك " ضرب زيد عمرا " اختلفت حركة زيد وحركة عمرو، لاختلاف المعنيين، إذ كان أحدهما فاعلا والآخر مفعولا.
وأما قوله: " واختلاف اللفظين، والمعنى واحد " فهو على الوجه الذي جعلنا فيه اللفظين هما الكلمتين، نحو: " الجلوس " و " القعود " ومعناهما واحد، ولفظاهما مختلفان، ونحو: " هلمّ " و " تعال " و " أقبل "، وعلى الوجه الذي جعلنا فيه اللفظين هما الحركتين، فهو قولك: " إنّ زيدا قائم " و " زيد قائم " معناهما واحد، ولفظهما مختلف، ومثله قوله: " زيدا ظننت قائما " و " زيد ظننت قائم "، حركاتهما مختلفة ومعناهما واحد.
وقوله: " واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين " على الوجه الذي جعلنا فيه اللفظين الكلمتين؛ قولك: " عين " يصلح لمعان شتىّ مختلفة، منها: العين التي تبصر بها، ومنها عين الرّكبة، وعين الميزان، والعين من عيون الماء، ودينار عين، ومطر العين الذي من نحو القبلة، وعين القوم يكون الرئيس ويكون الذي يبحث لهم عن الأخبار، و " جلس " إذا قعد، و " جلس " إذا أتى نجدا، وهو جلس، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.
وعلى الوجه الذي جعلنا اللفظين فيه هما الحركتين قولك: " ضرب عمرو زيدا "، فيكون " زيد " مفعولا و " عمرو " فاعلا، ثم تقول: ضرب زيد فيكون مفعولا، مرفوع اللفظ كلفظ الفاعل، فاتفق لفظ الفاعل ولفظ المفعول به والمعنى مختلف.
فإن قال قائل: لم أتى سيبويه بهذا الباب، وما الفائدة فيه من طريق الإعراب؟ فإن بعض النحويين أجاب عن هذا بأن قال: أراد سيبويه باختلاف اللفظين اختلاف

الكلمتين، وجعل هذا دليلا على اختلاف الإعرابين، لاختلاف المعنيين ودليلا على اختلاف الإعرابين والمعنى واحد، واتفاق الإعرابين والمعنى واحد، واتفاق الإعرابين والمعنى مختلف، وهذا يذكر عن أبي العباس المبرّد، وكان ينكر الوجه الآخر، وهو أن يقول القائل: إن سيبويه أراد اختلاف الحركتين فقط، ويقول: لم يذهب إليه سيبويه.
قال أبو سعيد: والذي عندي في ذلك أن الذي قصده سيبويه على ما يتوجه القول في صحته- والله أعلم- أنه أراد الإبانة عن هذا المعنى بعينه، لا أنه جعله دليلا على شيء سواء، وذلك أن في الناس من يزعم أنه لا يجيء لفظان مختلفان إلا ومعناهما مختلف، علمناه أو جهلناه، وهو قول جماعة من النحويين، ويحكي هذا عن ثعلب عن ابن الأعرابي، وإليه كان يذهب ثعلب فيما حكى لي، وعاب قوم من الناس اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، وقالوا: هذا يوقع اللبس، فأراد سيبويه إبانة مذهب العرب، وجعلهم اللفظين مختلفين لمعنى واحد، واللفظين متفقين للمعنيين المختلفين.
فإن قال قائل: لم قلتم إنّ اللفظين قد يجوز أن يختلفا، ويكون معناهما واحدا؟ فإن الجواب في ذلك: إنا رأينا العرب، ربما يتكلم القبيل منهم بلفظ ما لمعنى بعينه، ويتكلم غيرهم بلفظ سواه، لذلك المعنى بعينه، كقول بني تميم: " ثلاث عشرة " وقول أهل الحجاز " ثلاث عشرة "، وكقول بعضهم للطلع " طلع " وبعضهم يقول للطلع بعينه " إغريض "، وأهل المدنية يقولون للزّئبق " زاووق " وغيرهم يقول: " زئبق " لذلك المعنى بعينه، فيما لا يحصى كثرة.
ورأينا العرب بعضهم يأخذ عن بعض، على حسب المخالطة لهم، والإلف لكلامهم، كمثل ما نعرفه من أنفسنا أنّا نتكلّم بلغة من اللغات في وقت، ثم ندعها ونألف غيرها، حتى يكون أكثر كلامنا بغيرها، إمّا أن يكون غيرها أخفّ منها لفظا، وإمّا أن نسمع قوما يتكلمون بها فنألفها على طول السّماع لها.
وليس تخرج اللغة الثانية اللغة الأولى أن تكون في معناها، فكذلك العربية، ومثل ذلك أن أهل العراق يسمّون البرّ " برّا " وأهل مكة يسمونها " حنطة " وأهل مصر يسمونها " القمح "، فلو أن عراقيّا أتى مكة فتكلم " بحنطة " ليفهموا عنه، فألفها، أو كلّم أهل مصر على لغتهم " بقمح " ثم ألف ذلك واعتاده، ما كان يتغيّر " البرّ " عنده عما كان، ولو أن قمحا حمل من مصر إلى مكة، لسمّوه بعينه حنطة، وهذا أبين من أن يطال فيه الكلام.

ويقال لمن يخالف هذا: أخبرنا عن قولهم: " عليهم " و " عليهم " و " عليهمو " و " عليهمو " و " عليهمى "، هل هذه الألفاظ المختلفة لشيء واحد، أو لأشياء؟ فإن قال لأشياء، فينبغي أن يكون الضمير العائد في " عليهم " يعود إلى قوم غير الذين عاد إليهم الضمير في " عليهم "، وهذا ما لا أظن أحدا يستجيزه؛ لأن الضمير يعود إلى ما تقدم وهم قوم بأعيانهم.
ويلزمه أيضا أن تكون سائر اللغات في " عليهم " يختلف القوم الذين يعود إليهم الضمير.
وأما الذي عاب العرب في جعل المتفقين لمعنيين مختلفين، فهو المعيب عليه في عيبه، وذلك أنّا قد بيّنّا أن العرب لحاجتها إلى اتفاق القوافي في شعرها وانتظام السجع في خطبها وكلامها، جعلوا الإعراب دالا على معانيها باختلاف الحركات، فقدّموا وأخّروا للتوسيع في الكلام، وكذلك أيضا جعلوا للشيء الواحد أسماء، وللشيئين المختلفين لفظا واحدا، ولم يقتصروا على ذلك الاسم فقط حتى لا يكون للمعنيين المختلفين اسم غير هذا الواحد، ألا ترى أنّا إذا قلنا " العين " التي يبصر بها، وقلنا " العين " السحابة التي تنشأ من القبلة، فقد عبرنا عنها بلفظ آخر، وقد عبرنا عنها بالعين، وكل ذلك فعلته العرب، لما ذكرنا فاعرف ذلك إن شاء الله.
وفي الباب من كلام غير سيبويه ما قد أتينا على شرحه، وبالله التوفيق.

هذا باب ما يكون في اللفظ من الأعراض

قال أبو سعيد: قوله: " من الأعراض " يعني ما يعرض في الكلام، فيجيء على غير ما ينبغي أن يكون عليه قياسه.
قال سيبويه: " اعلم أنهم مما يحذفون الكلم، وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أن يستعمل حتى يصير ساقطا، وسترى ذلك في بابه إن شاء الله ". قال أبو سعيد: قوله: " مما يحذفون " أراد ربما يحذفون، وهو يستعمل هذه الكلمة كثيرا في كتابه، والعرب تقول: " أنت مما تفعل كذا " أي ربّما تفعل، وتقول العرب أيضا: " أنت مما أن تفعل كذا " أي من الأمر أن تفعل، فتكون " ما " بمنزلة الأمر، و " أن تفعل " بمنزلة الفعل ويكون " أن تفعل " في موضع رفع بالابتداء، وخبره " مما " وتقدير: " أنت فعلك كذا وكذا من الأمر الذي تفعله ".

قال الشاعر في الوجه الأول: وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة … على وجهه تلقي اللّسان من الفم 1 وقال آخر في المعنى الثاني: ألا غنّنا بالزّاهريّة إنّني … على النّأي ممّا أن ألمّ بها ذكرا 2 أي من الأمر أن ألم بها ذكرا، أي من أمري إلمامي بها.
قال سيبويه: " فمما حذف وأصله في الكلام غير ذلك: " لم يك " و " لا أدر "، وأشباه ذلك ". قال أبو سعيد: أما قوله " لم يك " فأصله " لم يكن "؛ لأن الأصل فيه قبل دخول " لم " أن يقال: " يكون " فدخلت عليها " لم " فسكنت النون لدخول الجزم، والتقى ساكنان الواو والنون، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين، وكثر في كلامهم هذا الحرف، لأنه عبارة عن كل ما كان ويكون، والنون تشبه- إذا كانت ساكنة- حروف المدّ واللّين؛ لأنها غنّة في الخيشوم.
وقد ذكرنا شبهها بحروف المدّ واللّين فيما تقدم، فشبّهوها في هذا الموضع وقد دخل عليها الجازم بقولهم: " لم يغز " و " لم يرم " فإذا لقيها ألف ولام، أو ألف وصل، لم يكن فيها إلا الإثبات والتحريك، كقولهم: " لم يكن الرّجل عندنا " قال لله عز وجل: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ 3 وإنما لم يحذفوها إذا لقيها ساكن من قبل أنها إذا تحرّكت لالتقاء السّاكنين، زال عنها شبه حروف المدّ واللّين، ويكون مخرجها من الفم لا من الأنف، فأقرّت على ما ينبغي لها.
فإن قال قائل: فينبغي أن يقال على قياس " لم يك ": " لم يص " و " لم يه " في " لم يصن " و " لم يهن "، قيل له: قد بيّنا أن القياس في " لم يكن " إثبات النون، وإنما شبّهوا النون بحروف المدّ واللّين، لما كثر في كلامهم هذا الحرف، وطلبوا خفّة اللفظ به، فالذي أوجب الحذف اجتماع معنيين: أحدهما شبه النّون بحروف المدّ واللين، والآخر كثرته في الكلام.
وإذا انفرد أحدهما لم يجب الحذف، ولهذا نظائر: منها: أنّا نقول: " من الرّجل "

فنفتح النون، لالتقاء الساكنين، ثم يقول: " إن الله أمكنني فعلت " فنكسر النون لالتقاء الساكنين، وقبل كل واحدة منهما كسرة، وذلك من قبل أنّ " من " كثرت في كلامهم، وكثر دخولها على ما فيه الألف واللام، فطلبوا خفّة اللفظ بها، فلم يكسروا النون فتجتمع كسرتان مع كثرة اللفظ بها، ففرّوا إلى الفتح، وقلّت " إن " مع الألف واللام، فكسروها على ما ينبغي من الكسر لالتقاء الساكنين.
وقوله: " ولا أدر " كان ينبغي أن يقال: " لا أدري "؛ لأنه في موضع رفع، والأصل " لا أدري " فاستثقلت الضمة على الياء؛ لانكسار ما قبلها، فسكنت، فأشبهت بسكونها المجزوم؛ لأن المجزوم ساكن.
فحذفوا الياء منها كما تحذف من المجزوم مع كثرة الكلام بها، ودلالة الكسر عليها.
فإن قال قائل: لم خص سيبويه هذا الحرف بالشّذوذ، ونحن نرى الياء قد تحذف من أواخر الأسماء والأفعال، إذا كان ما قبلها مكسورا في غير هذا الحرف، كما قرأ بعضهم: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ 1 وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ 2 والْكَبِيرُ الْمُتَعالِ 3؟ قيل له: إنما أراد سيبويه في هذا الموضع- والله أعلم وأحكم- أن يبيّن أن كثيرا من العرب، الذين لغتهم إثبات الياء في مثل هذا، يحذفونها من " لا أدر " ولغتهم: " لا أرمي " و " لا أبري " و " لا نشتري "، فخصوا هذا الحرف بالحذف لكثرته في كلامهم، وإن كان من لغتهم الإثبات.
ولقول سيبويه وجه آخر، وهو أنه أكثر من غيره في الحذف، فإن جاز في كل ما كان نظيرا لهذا الحرف حذف الياء منه، فليس يخرجه ذلك من أن يكون على غير القياس، الذي ينبغي أن يكون الكلام عليه.
قال سيبويه: " وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء، فإنهم يقولون: يدع، ولا يقولون: ودع، استغنوا عنه بترك.
وأشباه ذلك كثيرة ". قال أبو سعيد: اعلم أن " يدع " في معنى " يترك " و " يذر " مثلها.
غير أنهم يقولون:

" ترك يترك تركا فهو تارك "، ولا يقولون: " ودع يدع ودعا فهو وادع " ولا " وذر يذر وذرا فهو واذر " وإنما يقولون: " يدع " و " دع " في الأمر، و " يذر " و " ذر "؛ لأن الأمر مستقبل أيضا، وخصّوا المستقبل؛ لأن الكلام بالمستقبل أكثر منه بالماضي: لأن الاستقبال يصلح لزمانين، وفعل الأمر مستقبل أيضا، فكان استعماله فيما كثر أولى، وقد جاء في الشّعر ماضيا.
قال الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي: ليت شعري عن خليلي ما الذي … غاله في الحبّ حتى ودعه 1 وقال سويد أبي كاهل: فسعى مسعاته في قومه … ثم لم يبلغ ولا عجزا ودع 2 وقد قيل في البيتين جميعا إن " ودع " بمعنى: " ودّع " مخفف من التشديد.
قال سيبويه: " والعوض قولهم: زنادقة، وزناديق، وفرازنة وفرازين، حذفوا الياء وعوضوا الهاء ". قال أبو سعيد: اعلم أن كل اسم على خمسة أحرف، ورابعها حرف زائد من حروف المدّ واللين؛ فإنك إذا جمعته جمع التكسير، فتحت أوّله، ودخلت ألف الجمع ثالثة، وكسرت ما بعد ألف الجمع، وقلبت ذلك الحرف الذي كان رابعا في الواحد ياء ساكنة، إن كان في الواحد واوا أو ألفا، وأقررته ياء إن كان في الواحد ياء كقولك في " صندوق ": " صناديق "، وفي " كرباس ": " كرابيس " وفي " قنديل ": " قناديل ". وهذا القياس المطّرد، وقد أبدلوا من هذه الياء هاء، فقالوا: " زنديق " و " زنادقة "، والأصل " زناديق " مثل " قنديل " و " قناديل "، وقالوا: " فرازنة " و " فرازين " والأصل " فرازين "؛ لأن الواحد " فرزان " مثل " سرحان " و " سراحين " و " كرباس " و " كرابيس ". قال سيبويه: وقولهم: " أسطاع يسطيع، إنما هو أطاع يطيع، زادوا السّين عوضا من ذهاب حركة العين، وقولهم: اللهم، حذفوا " يا " وألحقوا الميم عوضا ". قال أبو سعيد: أما قوله أسطاع يسطيع ومصدره إسطاعة، فإن فيه أربع لغات:

أسطاع يسطيع إسطاعة والألف في هذه مقطوعة في الفعل الماضي منه وفي المصدر، وحرف المضارعة مضموم؛ واستطاع يستطيع استطاعة، والألف موصولة في الفعل الماضي والمصدر والأمر وأول المستقبل مفتوح؛ واسطاع يسطيع اسطاعة، فالألف موصولة في الفعل الماضي والمصدر والأمر، وأول المستقبل مفتوح، واستاع يستيع استاعة، بوصل الألف فيهما.
ومعنى الجميع القدرة على الشيء واشتقاقه من الطاعة؛ لأنك إذا استطعت الشيء، وقدرت عليه، فالشيء منقاد لك، فكأنه مطيع، وتصريف الفعل من ذلك.
أما أسطاع يسطيع، فأصله أطوع يطوع، ومن حكم أفعل في الفعل، إذا كان موضع العين منه واوا أو ياء أن تلقى حركة العين على الفاء، فتقلب الواو ألفا والياء ألفا، كقولك " أجار يجير وأقام يقيم " و " ألان يلين " والأصل: أقوم وألين، فألقوا حركة الياء والواو على ما قبلهما، وقلبتا ألفين؛ فلهذا القياس وجب أن يقال في " أطوع " " أطاع "، ثم زادوا السين في " أطاع " عوضا من إلقاء حركة الواو على الطاء.
وقد طعن قوم على سيبويه في قوله: زادوا السين عوضا من ذهاب حركة العين، والعين هي الواو في " أطوع "؛ لأنها عين الفعل؛ فقالوا: الحركة ما ذهبت، وإنما ألقيت على ما قبلها.
والجواب عن سيبويه: أنه أراد جعلوا السّين عوضا من ذهاب حركة العين من العين والحركة قد ذهبت منها، وإن وجدت في غيرها، فكأنّ تحصيله أنهم جعلوا السين عوضا من نقل الحركة.
ومن قال: " استطاع " فهو استفعل، من الطاعة، كما تقول: " استجار " و " استمال ". ومن قال: " اسطاع " فإنه حذف تاء الاستفعال، لما كثر الكلام بهذا الحرف، وكان الطاء والتاء من مخرج واحد، وثقل موالاتهما بلا فاصل.
ومن قال: " استاع " فإن الأصل أيضا " استطاع " وحذف الطاء؛ لأن الطاء أثقل من التاء، لما فيها من الإطباق.
وقال يعقوب بن السكيت: استاع واسطاع من القلب والإبدال، جعلوا التاء مكان الطاء؛ وهذا بعيد جدّا، وذلك أن قولنا: اسطاع، إن لم نجعله من استطاع، خرج من أن يكون له نظير في الفعل، ولا يكون له اشتقاق، وهو قول فاسد

بيّن الفساد، ولم يجئ في استفعل حذف التاء الزائدة وفاء الفعل إلا في هذا الحرف، ولا يجيء التعويض من إلقاء حركة العين على الفاء إلا في أسطاع يسطيع، ونظيره " أهراق " " يهريق "، ولم يجئ غيرهما.
وفي " أهراق " ثلاث لغات: يقال: هراق يهريق هراقة، وأهراق يهريق إهراقة.
وأراق يريق إراقة؛ فمن قال: أهراق يهريق، فإن الأصل: أروق يروق، ثم ألقى حركة الواو- على ما قدمنا- على الراء، وقلب الواو ألفا، وعوض لنقل حركة الواو إلى الراء الهاء.
ومن قال: هراق يهريق، فإنه أراد به: أراق، فجعل مكان الهمزة هاء، كما قالوا إياك وهيّاك، وأما والله وهما والله.
فإن قيل فينبغي أن تسقط الهاء التي هي عوض من الهمزة في المستقبل، كما يسقطون الهمزة؛ لأنك تقول في المستقبل: يريق بإلقاء الهمزة التي في أراق.
قيل له: إنما حذفنا الهمزة في يريق من أراق، لئلا يجتمع همزتان في فعل المتكلم إذا قال أؤريق وأؤكرم، كما تقول: " أدحرج "، والهاء ليست كذلك، فإذا عوّضوا من الهمزة هاء في الماضي فإنّ المستقبل ليس يجتمع فيه همزتان، فيحتاج إلى حذف.
ومن قال: أراق يريق فهو بمنزلة أقام يقيم.
فإن قيل: لم كان العوض في أسطاع سينا، والعوض في أهراق هاء؟ فإن الجواب في ذلك أن يقال: السين والهاء هما من الحروف الزوائد والبدل، فإذا عوّضوا حرفا فقد وصلوا إلى ما أرادوا من التعويض، أي حرف كان؛ لأن الغرض التعويض، لا الحرف بعينه، ومع ذلك فمحتمل أن تكون زيادة السين للعوض في أسطاع، لأن يشاكل سائر اللغات فيها التي السّين مزيدة في بنائها، وزيادة الهاء في " أهراق " ليشاكل " هراق " الذي الهاء فيه مبدلة من الهمزة.
وأما قولهم: " اللهم " فإن الميم زيدت عوضا من " يا " وشدّدوا الميم، لأن يكون على عدة " يا "، لأن " يا " حرفان، وخصوا الميم؛ لأنها تقع زائدة في أواخر الأسماء نحو: " زرقم " و " ستهم " و " دلقم ". ولا يقع هذا الحرف إلا في النداء.
وقال الفراء: إن الأصل في هذا الحرف: يا الله أمنّا بخير، وكثر في كلامهم حتى ألقوا الهمزة وطرحوا ضمتها على الهاء، وحذفوا حركة الهاء.
وهذا عند البصريين غير جائز، من قبل أن هذا الاسم يستعمل في المواضع التي

لا يحسن فيها هذا التقدير؛ من ذلك أنا نقول: اللهمّ أمّنا بخير، ولا نقول: يا الله أمّنا بخير، ونقول في الدعاء على غيرنا: اللهم عذّب الكفّار ودمّر عليهم، ولا يحسن في مبدأ مثل هذا الدعاء: يا الله أمنّا بخير عذّب الكفّار.
واحتج الفراء في إبطال من يقول: إن الميم عوض من " يا " بأن قال: قد يجيء في الشعر " يا " مع " اللهمّ " كقول الشاعر: وما عليك أن تقولي كلّما … سبّحت أو صلّيت يا اللهمّا اردد علينا شيخنا مسلّما (1) وهذا عند البصريين في ضرورة الشعر جائز أن يعوّضوا من حروف، ثم يردونه مع بقاء العوض، فمن ذلك قولهم: يا رجل، ويا غلامان، فتكون " يا " عوضا من الألف واللام، ويتعرّف المنادى بيا، كما يتعرف بالألف واللام، ثم يضطر الشاعر فيجمع بينهما، فمن ذلك قوله: فيا الغلامان اللذان فرّا … إيّاكما أن تكسباني شرّا (2) وقوله: من أجلك يا التي تيمت قلبي … وأنت بخيلة بالودّ عنّي (3) ومن ذلك أنهم جعلوا الميم في فم بدلا من الواو، ثم يضطر الشاعر فيردّ الواو مع بقاء الميم.
قال الفرزدق: هما نفثا في فيّ من فمويهما … على النّابح العاوي أشدّ رجام (4)

هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة

قال سيبويه: " فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب ".1234

ثم فسر ذلك فقال: " فأما المستقيم الحسن، فقولك، أتيتك أمس، وسآتيك غدا ". وهذا كما قال؛ لأن ظاهره مستقيم اللفظ، والإعراب غير دالّ على كذب قائله، وكذلك كل كلام تكلّم به متكلّم، فأمكن أن يكون على ما قال، ولم يكن في لفظه خلل من جهة اللغة والنحو، فهو كلام مستقيم في الظاهر، وقد تبيّن في مثل هذا أن قائله كاذب فيما قاله، فتحكم على كلامه أنه كذب غير مستقيم من حيث كان كذبا، إلا أنه مستقيم اللفظ.
ويلحق بقوله: " حملت الجبل " و " شربت ماء البحر " و " صعدت السّماء " في أنه كذب، غير أن الذي استعمله سيبويه في المستقيم، أن يكون مستقيم اللّفظ والإعراب فقط، وعنى بالمستقيم اللفظ والإعراب أن يكون جائزا في كلام العرب؛ دون أن يكون مختارا.
ثم قال: " وأما المحال فأن تنقض أوّل كلامك، فتقول: أتيتك غدا، وسآتيك أمس ". فهذا كلام محال.
ومعنى المحال أنه أحيل عن وجهه المستقيم، الذي به يفهم المعنى إذا تكلّم به.
وزعم قوم أن المحال إنما هو اجتماع المتضادّات، كالقيام والقعود، والبياض والسواد، وما أشبه ذلك؛ قالوا: لأن المحال هو ما لا يصحّ وجوده، والكلام الفاسد الذي ذكرتموه من قول القائل: " أتيتك غدا "، " وسآتيك أمس " كلام موجود، على ما فيه من الفساد والخلل، والمحال لا يوجد.
والذي نقول في هذا، وبالله التوفيق: إنّ المحال هو الكلام الذي يوجب اجتماع المتضادات، وقولنا إن القعود والقيام اجتماعهما محال، إنما نريد به الكلام الذي يوجب اجتماعهما محال، قد أحيل عن وجهه، ألا ترى أنك تقول لمن تكلّم به: قد أحلت في كلامك، فالكلام هو المحال، كما أن الكلام هو الكذب.
ثم قال: " وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر، ونحوه ". وإنما خصّ " حملت الجبل " و " شربت ماء البحر " بالكذب؛ لأن ظاهرهما يدلّ على كذب قائلهما، قبل التصفّح والبحث، وإلا فكل كلام تكلّم به، وكان مخبره على

خلاف ما يوجبه الظاهر فهو كذب، علم أو لم يعلم، كقول القائل: " لقيت زيدا اليوم " و " اشتريت ثوبا " إذا لم يكن الأمر على ما قال، فهو مستقيم كذب.
ثم قال: " وأما المستقيم القبيح، فأن تضع اللفظ غير موضعه، نحو قولك: " قد زيدا رأيت " و " كي زيد يأتيك ". وإنما قبح هذا، لأنّ من حكم " قد " أن يليها الفعل، ولا يفارقها؛ لأنها جعلت مع الفعل بمنزلة الألف واللام مع الاسم، وكذلك " سوف " مع الفعل، فقبح أن يفصل بين " قد " وبين الفعل بالاسم؛ لما ذكرنا من شبه الألف واللام.
و " كي " قد جعلت بمعنى " أن " أو بمعنى اللام، إذا قلت: " جئتك كي يأتيك زيد "، فهو بمعنى: ليأتيك زيد، ولأن يأتيك زيد، فحكم الفعل أن يليها دون الاسم؛ إذ كانت بمحل أن، فإيلاؤهم إياها الاسم وضع الكلام في غير موضعه.
فإن قال قائل: كيف جاز أن يسميه مستقيما قبيحا؟ وهل هذا إلا بمنزله قوله: حسن قبيح؟؛ لأنّ المستقيم هو الحسن.
فإن الجواب في ذلك أن الكلام ينقسم قسمين: كلام ملحون، وكلام غير ملحون؛ فالملحون هو الذي لحن به عن القصد، وكذلك معنى اللّحن، إنما هو العدول عن قصد الكلام إلى غيره، وما لم يكن ملحونا فهو على القصد، وعلى النحو، ومن ذلك سمي النحو نحوا، والمستقيم من طريق النحو هو ما كان على القصد سالما من اللّحن، فإذا قال: " قد زيدا رأيت " فهو سالم من اللّحن، فكان مستقيما من هذه الجهة، وهو مع ذلك موضوع في غير موضعه فكان قبيحا من هذه الجهة.
ثم قال: " وأما المحال الكذب فهو أن يقول ": " سوف أشرب ماء البحر أمس ". فهو محال كذب؛ فأما استحالته؛ فلاجتماع " سوف " و " أمس " فيه، وهما يتناقضان ويتعاقبان.
وأما الكذب فيه، فإنا لو أزلنا عنه " أمس "، الذي يوجب المناقضة والإحالة لبقي كذبا.
وكان الأخفش ينكر أن يقال في المحال صدق أو كذب.
فأما إنكاره الصّدق فبيّن، وأما إنكاره أن يكون كذبا؛ فلأنّ الكذب نقيض الصّدق، والمحال لا يجوز أن يكون صدقا بحال، فإن استحال أن يقال فيه صدق بوجه من الوجوه، استحال أن يقال كذب.
قال أبو سعيد: والقول عندي ما قاله سيبويه، وذلك أنّ قائلا لو قال: " زيد جمع

بين القيام والقعود في حال "، كان قد خبّر باجتماع هذين المعنيين، وقد علمنا أن الاجتماع الذي خبر به على غير ما خبّر، والكذب إنما هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وإن كان ذلك الشيء مما لا يجوز فيه الصّدق البتّة، ألا ترى أنك تقول للمشرك الذي يدّعي أن لله شريكا في ملكه وسلطانه، جل الله وعز: إنه كاذب، وإن كان هذا لا يجوز أن يكون البتة، وكذلك الذي يقول: " إن لله ولدا " كاذب.
قال الله عز وجل: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (1). وقد ذكر سيبويه المحال في موضعين؛ فقال في أحدهما: " وأما المحال فأن تنقض أول كلامك، فتقول: " أتيتك غدا " و " سآتيك أمس ". وقال في الموضع الآخر: " وأما المحال الكذب فأن تقول: " سوف أشرب ماء البحر أمس " فقال في الموضع الأول: " فأما المحال " ولم يقل: المحال الكذب.
وقال في الثاني: " المحال الكذب " غير أنه مثل الأول بشيء هو محال كذب أيضا، وإنما أبهم الأول؛ لأن المحال قد يكون كذبا وغير كذب، غير أن الذي يجمع ذلك كلّه تناقض اللفظ فيه.
فأما المحال الذي ليس بكذب، فاللفظ الذي يستحيل في الأمر، وفي الاستفهام، وفي: موضع لا يقع فيه الكذب؛ كقولك لمن تأمره: " قم أمس "، ولمن تستفهمه: " أستقوم أمس؟ " و " هل قمت غدا "؟ والمحال الكذب قد مرّ، فحصل من ذلك أن المحال على ضربين: كذب وغير كذب.
والكذب على ضربين: محال وغير محال.
وقال أبو الحسن الأخفش: ومنه الخطأ، وهو ما لا تعمّد فيه؛ نحو قولك: " ضربني زيد " وأنت تريد: " ضربت زيدا "، وهذا من جهة اللفظ مستقيم، فيقال فيه على قياس ما مضى: مستقيم خطأ، كما قيل: مستقيم كذب، ومستقيم قبيح.

هذا باب ما يحتمل الشّعر

قال سيبويه: " اعلم أنه يجوز في الشّعر ما لا يجوز في الكلام، من صرف ما لا ينصرف يشبّهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء ". قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب جملة من ضرورة الشعر؛ ليري بها الفرق بين الشّعر والكلام، ولم يتقصّه؛ لأنه لم يكن غرضه في ذكر ضرورة الشاعر1

قصدا إليها نفسها، وإنما أراد أن يصل هذا الباب، بالأبواب التي تقدمت فيما يعرض في كلام العرب ومذهبهم في الكلام المنظور والمنثور.
وأنا أذكر ضرورة الشاعر مقسّمة بأقسامها، حتى يكون الشاذ منها مستدلا عليه بما أذكره إن شاء الله وبالله التوفيق.
اعلم أن الشّعر لما كان كلاما موزونا، تكون الزيادة فيه والنقص منه، يخرجه عن صحة الوزن حتى يحيله عن طريق الشعر المقصود مع صحّة معناه، استجيز فيه لتقويم وزنه من زيادة ونقصان وغير ذلك ما لا يستجاز في الكلام مثله، وليس في شيء من ذلك رفع منصوب ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحنا.
ومتى وجد هذا في شعر كان ساقطا مطّرحا، ولم يدخل في ضرورة الشعر.
وضرورة الشعر على سبعة أوجه وهي: الزّيادة، والنّقصان، والحذف، والتّقديم، والتأخير، والإبدال، وتغيير وجه من الإعراب إلى وجه آخر على طريق التشبيه، وتأنيث المذكر وتذكير المؤنث.
فأما الزيادة، فهي زيادة حرف، أو زيادة حركة، أو إظهار مدغم، أو تصحيح معتلّ، أو قطع ألف وصل، أو صرف ما لا ينصرف.
وهذه الأشياء بعضها حسن مطّرد، وبعضها مطرد ليس بالحسن الجيد وبعضها يسمع سماعا ولا يطّرد.
فأوّل ذلك ما يزاد في القوافي للإطلاق، فإذا كانت القافية مرفوعة مطلقة، جاز إنشادها على ثلاثة أوجه: أحدها أن يجعل بعد الضمة واوا مزيدة.
كقول زهير: صحا القلب عن سلمى وقد كان لا يسلو … وأقفر من سلمى التعانيق فالثّقلو 1 فتلحق آخر " الثّقل " واوا إتباعا لضمّة لام الثقل.
ويجوز أن يجعل مكان الواو التنوين فينشد: ... … وأقفر من سلمى التعانيق فالثّقلن وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا … على صير أمر ما يمرّ وما يحلو 2

ومن يجعل الإطلاق تنوينا فهو يقلب الواو الأصلية تنوينا، فيقول: ما يمرّ وما يحلن.
وكنت إذا ما جئت يوما لحاجة … مضت وأجمّت حاجة الغد ما تخلو 1 والوجه الثالث في الإنشاد أن ينشد البيت على خفّة من الإعراب، كقول جرير: متى كان الخيام بذي طلوح … سقيت الغيث أيّتها الخيام 2 فتسكن الميم إذا وقفت، وتضمّها بلا واو ولا تنوين إذا وصلت، فتقول: " أيّتها الخيام " بنفسي من تجنّبه عزيز … عليّ ومن زيارته لمام 3 فإذا وصل " لمام " نوّن، فقال: " لمام ". ومن أمسى وأصبح لا أراه … ويطرقني إذا هجع النّيام 4 والذي ينون في إنشاد المطلق، لا يقف على التنوين، وإنما ينوّنه في الوصل، والذي يزيد الواو للإطلاق، قد يقف عليها؛ لأنه ليس في الكلام شيء آخره تنوين في الوقف، وقد يكون الوقف على حرف يبدل من التنوين، ألا ترى أنك تقول: " رأيت زيدا " فتبدل الألف من التنوين ولا يجوز: " رأيت زيدا " بالتنوين في الوقف، وبعضهم يقول: " هذا زيدو " و " مررت بزيدي " فيبدل من التنوين واوا أو ياء في الكلام، وليس أحد يقف على التنوين، فقد علمت أن الذي ينشد بالتنوين، لا يقف عليه منونا.
وإذا كانت القافية مطلقة مخفوضة، ففيها الأوجه الثلاثة، غير أنهم يجعلون مكان الواو في المرفوع، ياء في المخفوضة، كقول الأعشى: ما بكاء الكبير بالأطلال … وسؤالي فما يرّدّ سؤالي دمنة قفرة تعاورها الصّي … ف بريحين من صبا وشمال 5

وإذا كانت منصوبة، ففيها تلك الأوجه، وتجعل مكان الواو في المرفوعة، ألفا فيها، كقول الأعشى: استأثر الله بالوفاء وبال … حمد وولي الملامة الرّجلا 1 وإنما جازت هذه الزيادة في الشعر في القوافي؛ لأنهم يترنّمون بالشعر، ويحدون به، ويقع فيه تطريب، لا يتمّ إلا بحروف المدّ، وأكثر ما يقع ذلك في الأواخر، وكان الإطلاق بسبب المدّ الواقع فيه للترنّم.
وقد شبهوا مقاطع الكلام المسجّع، وإن لم يكن موزونا وزن الشّعر بالشّعر في زيادة هذه الحروف، حتى جاء ذلك في أواخر الآي من القرآن، كقوله تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا 2 وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 3 قَوارِيرَا.
قَوارِيرَا 4 و " قوارير " لا ينصرف، وقد أثبت في الوقف منها ألفا؛ لأنها رأس آية.
وهذا مذهب أبي عمرو.
وبعضهم ينون الأول من " قوارير " تشبيها بتنوين القوافي، على مذهب من ينشدها منوّنة.
وهذه الزيادة غير جائزة في حشو الكلام، وإنما ذكرناها؛ لاختصاص الشّعر بها دون الكلام، وهي جيّدة مطّردة، وليست تخرجها جودتها عن ضرورة الشّعر؛ إذ كان جوازها بسبب الشّعر.
ومن ذلك صرف ما لا ينصرف، وهو جائز في كلّ الأسماء، مطرد فيها؛ لأنّ الأسماء أصلها الصّرف ودخول التنوين عليها، وإنما تمتنع من الصرف، لعلل تدخلها، فإذا اضطر الشاعر ردّها إلى أصلها، ولم يحفل بالعلل الدّاخلة عليها، والدليل على ذلك: أن ما لا أصل له في التنوين لا يجوز للشاعر تنوينه للضرورة، ألا ترى أن الشاعر غير جائز له تنوين الفعل؛ إذ كان أصله غير التنوين، وليس يردّه بتنوينه إلى حالة قد كانت له.
فمما جاء منوّنا مما لا ينصرف قول النابغة: فلتأتينك قصائد وليركبن … جيش إليك قوادم الأكوار 5

فنون " قصائد " وهي لا تنصرف.
وقال أبو كبير: ممّن حملن به وهنّ عواقد … حبك النّطاق فعاش غير مهبّل 1 فصرف " عوائد " وهي لا تنصرف.
وقال الكسائي والفراء: يجوز صرف كل ما لا ينصرف إلا " أفعل منك " نحو: " زيد أفضل منك " فإنهما لا يجيزان صرفه في الشّعر، وزعما أن " من " هي التي منعت من صرفه.
وأبي أصحابنا البصريون ذلك، فأجازوا صرفه، وذكروا أن العلّة المانعة لصرف " أفضل منك " وزن الفعل، وأنه صفة، فيصير بمنزلة " أحمر " فكما جاز صرف " أحمر " في الضرورة، جاز صرفه، وليس " لمن " في منع صرفها تأثير؛ لأنهم قد قالوا: " زيد خير منك " و " شرّ منك " فينونون لمّا لم يكن على وزن أفعل، ولم يمنعوهما الصرف بدخول " من " عليهما.
ومما جاء من صرف ما لا ينصرف، على غير البناء الأول قول أمية بن أبي الصلت: فأتاها أحيمر كأخي السّه … م بعضب فقال كوني عقيرا 2 فصرف " أحيمر ". وقد ينوّن أيضا ما بني من الأسماء، التي قد استعملت منونة في حال، إذا اضطر الشاعر إليه، كقولك: " يا زيد " في ضرورة الشّعر، قال الشاعر: سلام الله يا مطر عليها … ولي عليك يا مطر السّلام 3 وينشد بالنصب، فيمن نصب ردّ الكلمة إلى أصلها؛ لأن الأصل في النداء منصوب.
ومن رفع ونوّن، زاد التنوين على لفظه، كما تفعله فيما لا ينصرف من المرفوع.
واعلم أن ما لحقه التنوين مما لا ينصرف في ضرورة الشّعر، لحقه الجرّ؛ لأنه يردّ الكلمة إلى أصلها، فتحرّكها بالحركة التي تنبغي لها، كقول النابغة:

إذا ما غدوا بالجيش حلّق فوقهم … عصائب طير تهتدي بعصائب 1 فخفض " عصائب " لما ردّها إلى أصلها.
وقد أجاز الكوفيون والأخفش ترك صرف ما ينصرف وأباه سيبويه وأكثر البصريين؛ لأنه ليس يحاول بمنع صرف ما ينصرف أصل يردّ إليه.
وأنشدوا في ذلك أبياتا كلها تتخرّج على غير ما أوّلوه، وتنشد على غير ما أنشدوه.
فمن ذلك إنشادهم قول عباس بن مرادس السلمي: فما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرداس في مجمع 2 فلم يصرف " مرداسا " وهو أبوه، وليس بقبيلة.
ومن ذلك أيضا قول الآخر: وممّن ولدوا عامر ذو الطول وذو العرض 3 فلم يصرف " عامرا " ولم يجعله قبيلة؛ لأنه قد وصفه فقال: " ذو الطول وذو العرض " ولو كان قبيلة، لقال: ذات الطّول وذات العرض.
وأنشدوا أيضا: ومصعب حين جدّ الأم … ر أكثرها وأطيبها 4 فأما بيت عباس بن مرادس، فإن الرواية عند أصحابنا: " يفوقان شيخي في مجمع " وشيخه هو مرادس، ورأيت في شعر عباس بن مرادس في نسخة عمرو بن أبي عمرو الشيباني: " يفوقان شيخي ". وأما: " عامر ذو الطول وذو العرض " فإن عامرا أبو القبيلة فيجوز أن يعني بلفظه القبيلة، فلا يصرف.
ثم يردّ الكلام إلى لفظه، فيصرف، كما قال عز وجلّ: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ 5 فصرف الأول، وترك صرف الثاني، على قراءة

أكثر القرّاء، فصرف الأول على لفظ أبي القبيلة، وترك صرف الثاني؛ لأنه أريد بلفظه القبيلة نفسها.
قال الشاعر في هذا المعنى: قامت تبكّيه على قبره … من لي من بعدك يا عامر تركتنى في الدار ذا غربة … قد ذلّ من ليس له ناصر 1 فأنث المبكّية، وحكى عنها أنها قالت لعامر: تركتني في الحيّ ذا غربة، وكان حكمها أن تقول: ذات غربة، ولكنه ردّ الكلام إلى معنى الإنسان؛ لأنها إنسان، فكأنها قالت: تركتني إنسانا ذا غربة.
وكذا قوله: ذو الطول وذو العرض، ردّه إلى نفس عامر.
وأما قوله: " ومصعب حين جدّ الأمر "، فإن أصحابنا يروونه: " وأنتم حين جدّ الأمر " وقد يروى في نحو هذا بيت لدوسر بن دهبل القريعيّ: وقائلة ما بال دوسر بعدنا … صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند 2 والجيّد الصحيح في إنشاد هذا البيت: " وقائلة ما للقريعي بعدنا ". قال أبو سعيد وكان ابن السّرّاج يقول: لو صحّت الرواية في ترك صرف ما ينصرف، ما كان بأبعد من قولهم: فبيناه يشري رحله قال قائل … لمن جمل رخو الملاط نجيب 3 فإنما هو: " فبينا هو يشري رحله " فحذف الواو من هو، وهي متحركة من نفس الكلمة، وليست بزائدة، فإذا جاز أن يحذف ما هو من نفس الحرف، جاز أن يحذف التنوين، الذي هو زائد، للضرورة.
قال أبو سعيد: والذي قاله وجه، غير أن حذف التنوين عندي، وإن كان زائدا أقبح من حذف الواو في " هو "؛ لأن التنوين علامة تفرّق بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وسقوطه يوقع اللّبس، وحذف الواو من " هو " لا يوقع لبسا، ولا يلحقه بغير بابه.
وممّا زيد عليه حرف للضرورة قولهم في الشعر: " رأيت جعفرّا " و " مررت بجعفر " و " هذا جعفرّ "، وذلك أنهم يقولون في الوقف: " هذا جعفرّ " و " مررت بجعفرّ " ليدلّوا على

أن آخره متحرّك في الوصل؛ لأنهم إذا شدّدوا اجتمع ساكنان في الوقف، الحرف الذي كان في الأصل، والحرف المزيد، وقد علم أن الساكنين لا بدّ من تحريك أحدهما في الوصل، فشدّدوا؛ ليدلّوا بالتشديد على التحريك في الوصل.
وإنما يفعلون هذا فيما كان قبل آخره متحرّك مثل: " خالد " و " جعفر " إذا وقفوا عليه، ولا يفعلون في زيد وعمرو، لئلا تتوالى ثلاثة سواكن، فإذا وصلوا ردّوا الكلام إلى أصله فقالوا: " مررت بجعفر يا فتى "، و " هذا جعفر فاعلم " استغنوا عن التشديد بتحريك آخره؛ إذ كانوا إنما شدّدوه؛ ليدلّوا على التحريك في الوصل، فإذا اضطر الشاعر إلى تشديده في الوصل شدّده، وأجراه مجراه في الوقف فقال: " رأيت جعفرّا " و " مررت بجعفرّ " و " هذا جعفرّ ". قال الشاعر: مهر أبي الحبحاب لا تشلّي … بارك فيك الله من ذي ألّ ومن موصّى لم يضع قيلا لي … خوارجا من لغط القسطلّ إذ أخذ القلوب بالأفكلّ 1 وإنما هو: " الأفكل "، و " القسطل " مخففان.
ونظير هذا قولهم: " الضّاربونه والقاتلونه " إذا وقفوا عليه، يزيدون الهاء، لبيان حركة النون، وكذلك كلّ حركة ليست للإعراب يجوز أن تلحقها هذه الهاء؛ فتقول: " أينه "، و " كيفه " في الوقف.
فإذا اضطر الشاعر جاز أن يجرى هذه الهاء في الوصل مجراها في الوقف، ويجعلها كهاء من نفس الكلمة داخلة للضمير.
قال الشاعر: هم القائلون الخير والآمرونه … إذا ما خشوا من معظم الأمر مفظعا 2 وقال آخر: ولم يرتفق والنّاس محتضرونه … لديه وأيدي المعتفين رواهقه 3 والصحيح الجيد في هذا أن تكون الهاء هي هاء الوقف، وجعلها في الوصل على

حكمها في الوقف وحرّكها كما قال: " القسطلّ " و " الأفكلّ ". وقال بعضهم: هذه الهاء هي ضمير المفعول، وضمير المفعول متى اتصل باسم الفاعل لم يجز فيه إلا حذف التنوين في الواحد والنون في الاثنين والجماعة، ألا ترى أنك تقول هذا ضاربك، وهذان ضارباك، وهؤلاء ضاربوك، ولا يقال: هذا ضاربك، وهذان ضاربانك، غير أن سيبويه قد أجاز هذا في ضرورة الشعر.
وأنشد البيتين اللذين أنشدنا، وضعّفهما وجعلهما موضوعين.
ومن ذلك أنهم قد يزيدون في آخر الاسم نونا مشدّدة؛ كقولهم في " القطن ": " قطننّ " وهذا من أقبح الضرورة.
وقال الراجز: كأن مجرى دمعها المستنّ … قطننّة من أجود القطننّ 1 ويروي: القطنّ فزادوا نونا أخرى في القطنّة، وأصلها بنون واحدة، وإنما زادها إتباعا للنون الأولى، وستقف على ما يزاد للإتباع، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك قول الراجز لابنه: أحبّ منك موضع الوشحنّ … وموضع الإزار والقفنّ 2 والأصل: الوشح: جمع وشاح، والقفا.
وزاد نونا مشددة، وفتح لها ما قبلها، تشبيها بالنون المشدّدة، التي تزاد في آخر الأفعال للتأكيد، وكسرها بحقّ الاسمية، كما تدخل هاء التأنيث فيفتح لها ما قبلها، ثم تعرب هي.
ودخلت هذه النون على " قفا " فالتقى ساكنان، الألف التي في " قفا "، والنون الأولى من النونين، وليس زيادة النون في هذين البيتين، كزيادتها فيما قبل.
وأما زيادة الحركة، فإنهم قد يحرّكون الحرف الساكن بحركة ما قبله، إذا اضطرّوا إلى ذلك، فمن ذلك قول رؤبة: وقاتم الأعماق خاوي المخترق … مشتبه الأعلام لمّاع الخفق 3 وإنما هو: " الخفق "، فحرك الفاء، بحركة الخاء.

ومثله قول زهير: ثم استمروا وقالوا إنّ موعدكم … ماء بشرقيّ سلمى فيدأو ركك 1 واسم الماء- فيما ذكروا: ركّ، فاضطرّ الشاعر إلى تحريك الكاف الأولى، بحركة الراء، ومثله في هذه القصيدة: كما استغاث بسيء فزّ غيطلة … خاف العيون فلم ينظر به الحشك 2 وإنما هو: " الحّشك " ومعناه: الدّرّة، وامتلاء الضرع، من قولك: حشك يحشك حشكا.
قال الهذلي: إذا تجرّد نوح قامتا معه … ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا 3 فكسر اللام من " الجلد " إتباعا للجيم، والقصيدة من الضرب الأول من البسيط، موضع اللام من " الجلد " متحرّك.
وأولها: ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما … لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا 4 وأما قول الراجز: علّمنا أخوالنا بنو عجل … شرب النبيد واعتقالا بالرّجل 5 فليس من هذا الباب، وإنما هو من باب إلقاء حركة الحرف الأخير على الساكن الذي قبله، وهو جيّد بالغ في الكلام والشّعر، كقولك: " مررت ببكر "، " وهذا بكر "؛ كقول أوس: ... … كما طرّقت بنفاس بكر 6 أراد: " بكر " ومثله: عجبت والدّهر كثير عجبه … من عنزيّ سبّني لم أضربه 7

وإنما هو: " أضربه " في الوصل، فألقي ضمة الهاء على الباء.
ومن ذلك زيادة الحركة على ما ينبغي أن يكون استعمال اللفظ عليه، وهو إظهار المدغم؛ كقولك في " رادّ ": " رادد "؛ لأنه فاعل، فأدغمت الدال الأولى في الثانية، لأن تنطق بهما في مرة واحدة طلبا للتخفيف، ولأنه يثقل أن يتكلم بالحرف ثم يعاد إليه فيتكلم به من غير فاصل.
وستقف على علة استثقال ذلك إن شاء الله تعالى.
فإذا اضطر شاعر رده إلى الأصل، فأظهره وحرّكه بما يكون له من الحركات، فمن ذلك قول قعنب بن أمّ صاحب: مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي … أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا 1 والذي يستعمل: ضنّوا فردّه إلى أصله؛ إذا كان أصله: ضنن، فمن ذلك: الحمد لله العليّ الأجلل 2 والذي يستعمل: الأجلّ.
ومنه: تشكو الوجى من أظلل وأظلل 3 أراد: من أظل وأظلّ ومن نحو هذا: تحريك المعتلّ فيما حقّه أن يكون اللفظ به على السّكون، ورده إلى أصله في التحريك الذي ينبغي له مع ما فيه من الاستثقال، لتقويم اللّفظ، فمن ذلك قول ابن قيس الرقيات: لا بارك الله في الغواني هل … يصبحن إلا لهنّ مطّلب 4 ومنه قول جرير: فيوما يجارين الهوى غير ماضي … ويوما ترى منهنّ غولا تغوّل 5 وإنما الوجه ألا تكسر الياء المكسورة ما قبلها، ولا تضمّ؛ لاستثقال الضم والكسر عليها وإن كانت النية فيها التحريك، فكان الوجه: لا بارك الله في الغواني، بتسكين الياء

وغير ماض، بسقوط الياء لدخول التنوين؛ لأنها تسكن والتنوين ساكن، فتحذف لالتقاء الساكنين.
وأما قول جرير؛ فإن أكثر رواة الشعر ينشدونه: " غير ما صبى "؟ والمعنى: يجارين الهوى بالحديث والمجالسة، دون التخطي إلى ما لا يجوز.
ومن ذلك قوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي … بما لاقت بني لبون بني زياد 1 والوجه فيه: " ألم يأتك " تسقط للجزم الياء؛ لأنها ساكنة في الرفع غير أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن يقول: " يأتيك " في حال الجزم، إذا كان من قوله: يأتيك في حال الرفع فلحق هذه الضرورة جزم أسكنها، وكان علامة الجزم حذف الضمة.
وفي الناس من يتأوله على غير هذا فيقول: نحن إذا قلنا: " يأتيك " في حال الرفع تقدّر ضمّة محذوفة، فإذا جزمناه قدرنا حذف تلك الضمة، وإن لم يظهر شيء من ذلك في اللفظ، كما تقول: " رأيت العصا " و " مررت بالعصا "، " وهذه العصا " فتكون في النيّة حركات مختلفة لا تظهر في اللفظ ويشدّ هذا قراءة ابن كثير: " إنّه من يتّقي ويصبر " في بعض الروايات عنه.
وهذا قليل في الكلام جدّا.
وهذا النحو قول عبد يغوث بن وقّاص الحارثي: وتضحك مني شيخة عبشميّة … كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا 2 ويروى: " ترى " على خطاب المؤنث؛ فمن قال: " ترى " على الخطاب، فلا ضرورة فيه، ومن قال: " ترى " فهو على التقدير الثاني في البيت الذي قبله، وهو أنه جعل الجزم حذف الحركة المنويّة في الألف.
فإن قال قائل: فقد قرأ حمزة: لا تخف دركا ولا تخشى 3 وليس في القرآن ضرورة.
قيل له: في ذلك وجهان سوى هذا، أحدهما: أنه جعل الأول نهيا، والثاني خبرا،

كأنه قال: ولا تخف دركا وأنت لا تخافه امتثالا لما أمرناك به، وانزجارا عمّا زجرناك عنه، ومثله كثير في الكلام.
والوجه الثاني: أن تكون الألف في: " تخشى " زيدت لإطلاق الفتحة إذ كانت رأس آية كما تزاد في القوافي والكلام المسجوع.
مثل الآية قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 1 يجوز أن يكون خبرا كأنه قال: سنقرئك ونزيل عنك النسيان، فلست تنساه، وذلك أنه عليه السّلام قد كان قبل نزول هذه الآية يتلقى الوحي بإعادة ما أوحي إليه قبل استتمامه مخافة النسيان، ويعجل في تلقّيه، فنهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ 2 وبشره بأنّه لا ينساه، فهذا وجه.
والوجه الثاني: لا يكون نهاه عن التشاغل والإهمال المؤديين إلى النسيان لما أقرئ؛ لأن النسيان ليس هو بفعل النّاسي، فينهى عنه، وإنما هو من فعل الله تعالى، يحدثه عند إهمال ما ينسى وترك مراعاته.
وفي الآيتين التقدير الذي ذكرناه في البيتين، وفي القراءة المروية عن ابن كثير.
واعلم أن الاعتلال قد يلحق البناء الذي لا ينصرف، ولا يدخله التنوين؛ فيدخله التنوين بسبب لحاقه؛ فمن ذلك: " جواري " وبابها ومن ذلك رجل يسمى " بيرمي " و " يعيلي " والوجه في ذلك في حال الرفع والجر أن يقال: " مررت بجوار " و " هذه جوار يا فتى " و " مررت بيرم "، " وهذا يرم يا فتى " ومثاله من الصحيح: " مررت بضوارب " و " هؤلاء ضوراب " و " مررت بيزيد " " وهذا يزيد "، غير أن الياء لما انكسر ما قبلها وأسكنت دخل البناء نقصان، فلزمه هذا التغير؛ لعلل سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
فإذا اضطر الشاعر فحرك هذه الياء في حال الرفع والجر لزمه أن لا يصرف إلا أن يضطر إلى الصرف، فيجريه مجرى ما لا ينصرف إذا اضطر إلى صرفه، فمن ذلك قول الفرزدق: فلو كان عبد الله مولى هجوته … ولكنّ عبد الله مولى مواليا 3

وكان الوجه أن يقول: مولى موال ويلغي الياء لسكونها وسكون التنوين، فلمّا اضطرّ إلى تحريكها لم يصرف لتمام حركات البناء المانع من الصرف.
وقال آخر: قد عجبت مني ومن يعيليا … لما رأتني خلقا مقلوليا أراد: " من يعيل " والكلام فيه كالكلام في الذي قبله؛ لأن " يعيلى " لا ينصرف مثاله من الصحيح لأنه يفيعل، وهو تصغير " يعلي ". وربما حملهم على هذا الفرار من الزّحاف في الشعر، وإن كان البيت يتقوم في الإنشاد على ما ينبغي أن يكون عليه الكلام؛ فمن ذلك قول المنتخل: أبيت على معارى فاخرات … بهن ملوّب كدم العباط 1 ولو أنشد: على معار، لكان مستقيما غير أنه يصير مزاحفا؛ لأن الجزء على " مفاعلتن " من الوافر، فيسكن خامسه ويصير على " مفاعيلن ". ويسمى هذا الزحاف: العصب.
وذكر المازني أنه سمع أعرابيّا ينشد: أبيت على معار فاخرات، واحتمل قبح الزحاف لاستواء الإعراب.
وقال آخر: ما إن رأيت ولا أرى في مدّتي … كجواري يلعبن في الصّحراء 2 فجمع بين ضرورتين، إحداهما: أنه كسر الياء في حال الجرّ، والثانية: أنه صرف ما لا ينصرف، وقد ينشد هذا البيت بالهمز: كجواري، وأنا مبين ذلك في باب البدل من ضرورة الشاعر إن شاء الله تعالى.
... … سماء الإله فوق سبع سمائيا 3 فأتى بثلاثة أوجه من الضرورة، منها: أن " سماء " ونحوها يجمع على " سمايا " كما تجمع " مطيّة " على " مطايا " و " خطيّة " على " خطايا " فجمعه على " سمائي " كما تجمع " سحابة " على " سحائب " وإنما يجمع هذا

الجمع في الصحيح دون المعتلّ.
ثم حرّك الياء في حال الجرّ، وكان حكمه أن يقول: " سبع سماء " كما تقول: " سبع جوار " بحذف الياء، لدخول التنوين.
والثالث: أنه جمع " سماءة " على " سمائي " كما تجمع " سحابة " على " سحائب "، والعرب لا تجمع " سماءة " على هذا الجمع، إنما تقول: " سماءة " و " سماء " كما تقول: " سمامة " و " سمام "، مثل " تمرة " و " تمر " و " سماوة " و " سموات "، كما تقول: " سمامة " و " سمامات ". على أن جماعة من النحويين منهم يونس وعيسى بن عمر والكسائي يرون أن ما كان من المعتل الذي لا ينصرف إذا سمّي به، يجعل خفضه كنصبه من غير ضرورة، بل هو الحق عندهم: فيقولون في رجل اسمه " جوار ": " مررت بجوارى " قيل: ولا ضرورة عندهم فيه.
ومن ذلك قطع ألف الوصل، وأكثر ما يكون في أوّل النصف الثاني من البيت.
قال حسان: لتسمعنّ وشيكا في دياركم … ألله أكبر يا ثارات عثمانا 1 فقطع الألف في قوله " الله أكبر ". وقال آخر: ولا يبادر في الشّتاء وليدنا … ألقدر ينزلها بغير جعال 2 وكان بعض النحويين يزعم أن الألف واللام للتعريف هما جميعا بمنزلة " قد " وأن الألف قد كان حكمها أن لا تحذف في الكلام، غير أنهم حذفوها لما كثرت استخفافا لا على أنها ألف وصل.
وقائل هذا ابن كيسان واحتج بقطعهم إياها في أوائل الأنصاف الأخيرة من الأبيات.
ولا حجة له في هذا عندي؛ لأنهم قد يقطعون غير هذه الألف، من ذلك قول الشاعر:

لا نسب اليوم ولا خلّة … إتسع الخرق على الرّاقع 1 فقطع ألف " اتّسع "، وليس هي مع اللام.
وإنما يكثر هذا في النّصف الأخير؛ لأنهم كثيرا يسكتون على النّصف الأول، فيصير كأنّه مبتدأ.
قال قيس بن الخطيم: إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه … بنشر وإفشاء الحديث قمين 2 فقطع الألف من " الاثنين " في حشو البيت قبل النصف الأخير.
فإن قال قائل: إذا جاز في الشعر قطع ألف الوصل، وهي زيادة، فلم لا يجوز مد المقصور عندكم، وقد قلتم إنّ الذي أبطل مدّ المقصور أنه زيادة، وليس للشاعر أن يزيد في الكلام ما ليس منه؟ فإنّ الجواب في ذلك: أنّ ألف الوصل قد يكون لها حال تثبت فيها وهي أن تكون مبتدأ بها، فإذا اضطرّ الشاعر، ردّها إلى حال قد كانت لها، كما يصرف ما لا ينصرف، فيردّه إلى أصله في الصرف، وليس كذلك مدّ المقصور؛ لأنه لا أصل له في ذلك.
فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد تزيد العرب في الشعر ياء في الجمع، فيما ليس حكمه أن يجمع بالياء نحو قولهم: " مسجد " و " مساجيد " في الشعر و " درهم " و " دراهيم " و " صيرف " و " صياريف ". قال الفرزدق: تنفي يداها الحصا في كل هاجرة … نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف 3 وإنما الوجه في الكلام: نفي الدراهم، والصيارف، وإنما زاد الياء هاهنا؛ لأن دخولها في الجمع في غير الضرورة على وجهين؛ أحدهما: أن يكون الاسم الواحد على خمسة أحرف، ورابعه حرف من حروف المدّ واللّين، فتقلبه ياء في الجمع، كقولهم: " صندوق " و " صناديق " و " قنديل " و " قناديل " و " كرباس " و " كرابيس ". والوجه الثاني: أن يكون الاسم الواحد على خمسة أحرف أو أكثر، وليس رابعه

جارٍ التحميل