فإذا قلنا: " ما أتاني إلا زيد " فكأنك قلت: ما أتاني رجل وحده ولا رجلان مجتمعون ولا متفرقون، فإذا ثبتنا على هذا الحد فقلنا أتاني إلا زيد.
فقد أوجبت إتيان الناس كلهم على هذه الأحوال المتضادة، وذلك لا يجوز ولا يقصد.
وبذلك على الفرق بينهما: أنك تقول: " ما زيد إلا قائم " فتنفي عنه القعود والاضطجاع.
ولا تقول: زيد إلا قائم، فتوجب له حال إلا القيام.
وهذا محال لاجتماع القعود والاصطجاع فيما توجبه له.
فتأمل ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما حمل على موضع العامل في الاسم والاسم لا على ما عمل في الاسم ولكن الاسم وما عمل فيه في موضع اسم مرفوع أو منصوب
وذلك قولك: ما أتاني من أحد إلا زيد و " ما رأيت من أحد إلا زيدا " فإنما منعك أن تحمل الكلام على من أنه خلف أن تقول: " ما أتاني إلا من زيد ".
فلما كان كذلك حمله على الموضع فجعله بدلا منه، فكأنك قلت: ما أتاني أحد إلا فلانا؛ لأن معنى " ما أتاني أحد " و " ما أتاني من أحد " واحد.
ولكن من دخلت هاهنا توكيدا كما تدخل الباء في قولك: كفى بالشيب والإسلام وفي: " ما أنت بفاعل " و " لست بفاعل ".
ومثل ذاك: " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " من قبل أن " بشيء " في موضع رفع في لغة بني تميم.
فلما قبح أن تحمله على الباء صار كأنه بدل من اسم مرفوع وبشيء في لغة أهل الحجاز في موضع منصوب، ولكنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به، استوت اللغتان وصارت " ما " على أقيس اللغتين.
لأنك إذا قلت: ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به فكأنك قلت: ما أنت إلا شيء لا يعبأ به.
وتقول: لست بشيء إلا شيئا لا يعبأ به كأنك قلت: لست إلا شيئا لا يعبأ به.
والباء هاهنا بمنزلتها فيما قال الشاعر:
يا بني لبيني لستما بيد … إلا يدا ليست لها عضد 1
ومما أجري على الموضع لا على ما عمل في الاسم: لا أحد فيها إلا عبد الله، ف " لا أحد " في موضع اسم مبتدإ وهي هاهنا بمنزلة " من أحد " في: " ما أتاني... ".
ألا ترى أنك تقول: ما أتاني من أحد لا عبد الله ولا زيد، من قبل أنه خلف أن تحمل المعرفة على " من " في ذا الموضع، كما تقول: لا أحد فيها لا زيد ولا عمرو؛ لأن المعرفة لا تحمل على " لا ". وذلك أن هذا الكلام جواب لقوله: هل من أحد أو هل أتاك من أحد.
وتقول: لا أحد رأيته إلا زيد، إذا بنيت " رأيته " على الأول كأنك قلت: لا أحد مرئيّ.
وإن جعلت " رأيته " صفة فكذلك كأنك قلت: لا أحد مرئيّا.
وتقول: ما فيها إلا زيد.
وما علمت أن فيها إلا زيدا، فإن قلبته فجعلته بلا " أن " و " ما " في لغة أهل الحجاز قبح ولم يجز؛ لأنهما ليستا بفعلين.
فيحتمل قلبهما.
كما لم يجز فيهما التقديم والتأخير.
ولم يجز ما أنت إلا ذاهبا ولكنه لما طال الكلام قوي واحتمل ذلك كأشياء تجوز في الكلام إذا طال وتزداد حسنا.
وسترى ذلك إن شاء الله، ومنها ما قد مضى.
وتقول: " إن أحدا لا يقول ذاك " وهو ضعيف خبيث؛ لأن " أحدا " لا يستعمل في الواجب.
وإنما نفيت بعد ما أوجبت، ولكنه قد احتمل حيث كان معناه النفي كما جاز في كلامهم " قد عرفت زيد أبو من هو " حيث كان معناه: أبو من زيد.
فمن أجاز هذا قال: " إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا " كما أنه يقول على الجواب: " رأيت أحدا لا يقول ذاك إلا زيد ". يصير هذا بمنزلة: ما أعلم أن أحدا يقول ذاك.
كما صار هذا بمنزلة: ما رأيت... حيث دخله معنى النفي.
وإن شئت قلت: إلا زيد، فحملته على " يقول " كما جاز:
يحكي علينا إلا كواكبها 1
كقولك: لا أحد فيها إلا زيد.
وأقل رجل رأيته إلا عمرو؛ لأن هذا الموضع إنما ابتدئ مع معنى النفي، وهذا موضع إيجاب، وإنما جيء بالنفي بعد ذلك في الخبر فجاز الاستثناء أن يكون بدلا من الابتداء حين وقع منفيّا.
ولا يجوز أن يكون الاستثناء أولا لو لم تقل: أقل رجل ولا: قلّ رجل؛ لأن الاستثناء لا بد له هاهنا من النفي ويجوز أن يحمل على إنّ هنا.
حيث صارت " أحد " كأنها منفية ".
قال أبو سعيد: ما كان من الحروف يخص بالجحد فلا يجوز دخوله على الموجب ولا تعليق الموجب به.
فإذا قلت: ما أتاني من أحد إلا زيد لم يجز خفض زيد؛ لأن خفضه بمن، ولا يجوز دخول " من " هذه على الموجب ولا تعليق الموجب بها.
وإنما دخلت في النفي على نكرة لنقله من معنى الواحد إلى معنى الجنس.
ولو كانت " من " التي تدخل على المنفي والموجب لجاز خفض ما بعد " إلا " بها.
كقولك ما أخذت من أحد إلا زيد.
لأن " من " إذا كانت في صلة الأخذ دخلت على المنفي والموجب.
ومثل الأول: " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به " لأن هذه الباء لا تدخل إلا على منفي لتأكيد الجحد، ولا يجوز: " ما أنت بشيء إلا شيء " لأن ما بعد " إلا " موجب إذا كان قبله جحد.
فإذا كانت الباء في صلة شيء يستوي فيه المنفي والموجب جاز حمل ما بعد " إلا " عليها كقولك: ما مررت بأحد إلا زيد، وإذا لم يجز حمله على الخافض فيما ذكرنا حمل على موضعه، ولو لم يكن الخافض.
تقول: " ما أتاني من أحد إلا زيد " و " ما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به ". لأن " من " لو لم تدخل لقلت: ما أتاني أحد إلا زيد.
وكذلك: ما أنت شيئا إلا شيء لا يعبأ به.
وتقول: وما كان زيد بغلام إلا غلاما صالحا.
ولو حذفت الاسم المستثنى منه من الأول لقلت: " ما أتاني إلا زيد " و " ما أنت إلا شيء لا يعبأ به " و " لست إلا شيئا لا يعبأ به ". وما كان زيد إلا غلاما صالحا.
وقال الكوفيون: يجوز فيما بعد " إلا " الخفض في النكرة ولا يجوز في المعرفة.
فأجازوا: ما أتاني من أحد إلا رجل، وما أنت بشيء إلا شيء لا يعبأ به.
ولم يجيزوا: إلا زيد.
ولم يجيزوا: ما أنت بشيء إلا الشيء التافه.
والحجة عليهم ما ذكرناه من أن حروف الخفض في هذين الموضعين إنما دخلت من أجل النفي، فإنه لا يتعلق بالموجب وما بعد إلا موجب.
وقد أقروا بأن المعرفة بعد " إلا " في ذلك لا تخفض وما أقروا به من ذلك حجة عليهم، فبما أنكروا إذ لا فرق بينهما.
وكذلك قوله: " لا إله إلا الله ". و " لا أحد فيها إلا زيد " لا يجوز حمل ما بعد " إلا " على النصب الذي توجبه " لا " النافية.
لأن " لا " إنما تعمل في منفي وما بعد " إلا " موجب وليس بصفة له ولا عطف عليه فيتبعه في لفظه.
ويجوز أن تقول: لا أحد فيها إلا زيدا؛ لأن الكلام قبل " إلا " تام لو اقتصر عليه.
وقوله: ما علمت أن فيها إلا زيدا: إنما جاز ذلك لأنك تقول: ما علمت أن فيها زيدا.
بمعنى واحد.
فمن حيث جاز: ما علمت فيها إلا زيدا " جاز ما علمت أن فيها إلا زيدا.
لأن " أن " للتوكيد والناصب لزيد في " ما علمت فيها إلا زيدا "
علمت.
و " في ما علمت أن فيها إلا زيدا " أن.
ولو قلت: ما علمت أن إلا زيدا فيها، لم يجز.
وذلك أن الاستثناء لا يجوز أن يكون في أول الكلام، لا تقول: إلا زيدا قام القوم.
وكذلك لا يجوز الاستثناء بعد حرف يدخل على جملة ولا يلي الحرف " إلا ".
وقد فرع النحويون على ذلك مسائل، فقالوا:
كيف إلا زيدا إخوتك.
جيد.
وأين إلا زيدا إخوتك.
جيد.
ومن إلا زيدا إخوتك.
جيد.
ولو قلت: " هل إلا زيدا عندك أحد.
و " ما إلا زيدا عندك أحد: كان خطأ.
والفرق بينهما: أن " أين " و " كيف " و " من " أخبار ينعقد الكلام بها.
و " هل " و " ما " لا ينعقد بهما شيء، وإسقاطهما لا يبطل الكلام.
ولو قلت: هل عندك إلا زيدا أحد.
وما عندك إلا زيدا أحد.
جاز لأن " عندك " خبر.
" فإن " بمنزلة " هل " و " ما " لا يجوز أن يليها حرف الاستثناء.
وقوله: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا " هو كلام قبيح.
كان القياس فيه أن لا يجوز لأن " إنّ " للإيجاب و " أحد " لغير الإيجاب.
ولكنهم أجازوه للنفي الذي بعده لما كان معنى الكلام يؤول إلى المنفي.
ومثله: " قد عرفت زيد أبو من هو " أبطل عمل " عرفت " في " زيد " وليس قبله حرف استفهام للاستفهام الذي بعده.
وكذلك وقع " أحد " في موضع إيجاب للجحد الذي أتى بعده في قولك: إن أحد لا يقول ذاك، فيصير كأنك قلت: ما أحد يقول ذاك.
فإذا نصبت " زيدا " بعد " إلا " فنصبه محمول على " إن " لأنها لما عملت في " أحد " صارت كأنها حرف جحد بعده فعل مجحود، نحو: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
ويجوز رفعه حملا على الضمير الذي في " يقول ذاك " كما جاز الرفع في قولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا وإلا زيد ".
وقوله: " يصير هذا ". يعني: يصير: إن أحدا لا يقول هذا، ما أعلم أن أحد يقول ذاك ". كما صار هذا، يعني: كما صار: رأيت.. حيث دخله معنى النفي.
وقوله: فليس هذا في القوة كقولك: لا أحد إلا زيد " وأقل رجل رأيته إلا عمرو " يعني ليس قولك " إن أحد لا يقول ذاك " في القوة كقولك: " لا أحد " و " أقل رجل "؛ لأن هذا الموضع إنما ابتديء به مع معنى النفي- يعني: لا أحد وأقل رجل، ابتديء بالنفي- وهذا موضع إيجاب، يعني: إن أحدا لا يقول ذلك.
وقوله: " فجاز الاستثناء أن يكون بدلا من الابتداء "، يعني: فجاز في " لا أحد إلا زيدا " وأقل رجل رأيته إلا عمرو، والبدل من الابتداء.
لأن " لا أحد " في موضع اسم مبتدإ.
وقوله: " لا يجوز أن يكون الاستثناء أولا لو لم تقل: أقل رجل.
و " لا رجل " يعني لا تقول: " إلا زيد أقل رجل رأيته ". ولا تقول " إلا زيدا لا رجل في الدار ". لأنه لا بد له من أن يتقدمه نفي فيجوز من أجله البدل.
والكلام المتقدم: " لا أحد إلا زيد " وأعاده هنا.
" ولا رجل " وهو يعني المثال الذي قدمه في لا أحد إلا زيد و " أقل رجل رأيته إلا عمرو " والمعنى واحد.
وقوله: وجاز أن تحمل على " أن " " هنا " يعني في قوله: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا " و " ما علمت أن أحدا يقول ذاك إلا زيدا " تحمل " زيدا " في النصب على " أن " في النصب وتجعل " إن " و " أن " بمنزلة فعل منفي نصب زيدا بعد " إلا " كقولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا ".
والله أعلم.
هذا باب النصب فيما يكون مستثنى مبدلا
حدثنا يونس وعيسى بذلك جميعا.
أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول: ما مررت بأحد إلا زيدا.
وما أتاني أحد إلا زيدا.
وعلى هذا: " ما رأيت أحدا إلا زيدا " فتنصب زيدا على غير " رأيت " وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلا من الأول ولكنك جعلته منقطعا فيما عمل في الأول.
والدليل على ذلك: أنه يجيء على معنى " ولكن زيدا " ولا أعني زيدا، وعمل فيه ما قبله كما عمل " العشرين " في الدرهم " إذا قلت: عشرون درهما.
ومثله في الانقطاع من أوله: إن لفلان (والله) مالا إلا أنه شقي فإنه لا يكون أبدا على: " إن لفلان " وهو في موضع نصب وجاء على معنى: ولكنه شقي ".
قال أبو سعيد: اختلف النحويون في الناصب للمستثنى في قولنا: أتاني القوم إلا زيدا، فأما ما قاله سيبويه في أبواب
من الاستثناء أنه يعمل فيه ما قبله من الكلام كما تعمل " عشرون " فيما بعدها إذا قلت " عشرون درهما ". وقد قال في هذا الباب: " وعلى هذا ما رأيت أحدا إلا زيدا.
تنصب " زيدا " على غير رأيت، وبعده: والدليل على ذلك أنه يجئ على معنى ولكن زيدا ولا أعني زيدا.
وكذلك في آخر هذا الباب: " إن لفلان مالا إلا أنه شقي " فإنه لا يكون أبدا على: إن لفلان.
وهو في موضع نصب وجاء على معنى " ولكنه شقي ". وقد كشف سيبويه ذلك بأبين مما تقدم.
وهو قوله في باب " غير ": " ولو جاز أن تقول أتاني القوم زيدا تريد الاستثناء ولا تذكر " إلا " لما كان نصبا.
".
قال أبو سعيد: والذي يوجبه القياس والنظر الصحيح أن تنصب زيدا بالفعل الذي قبل " إلا ". وذلك: أن الفعل ينصب كل ما تعلق به بعد ارتفاع الفاعل به.
على اختلاف وجوه المنصوبات به وكل منصوب به.
فمن ذلك المفعول الصحيح كقولك: " ضربت زيدا، والمصدر، والظرف من الزمان والمكان، والحال.
وكذلك تنصب المفعولات التي حذفت منها حروف الجر فوصل إليها الفعل.
والاسم الذي ينتصب بعده على التمييز كقولك: " تفقأت شحما ". وتملأت غيظا " و " اشتعل الرأس شيبا ".
ومنها: ما تنصب ما بعدها بتوسط حرف بينهما كقولهم: ما صنعت وأباك، و " استوى الماء والخشبة ".
فلما كان " أتاني " قد ارتفع به فاعله وهم: " القوم " وكان ما بعد " إلا " متعلقا به انتصب.
وتعلقه به: أن أتاني ذكر بعده " القوم " المرتفعون به.
وذكر بعد " إلا " الاسم المنصوب، ليعلم اختلاف حال تعلقهما به.
وكقولك: رأيت زيدا لا عمرا، قد تعلق حال " زيد " و " عمرو " برأيت على اختلاف أحوالهما في التعلق به.
وكان أبو العباس المبرد والزجاج يذهبان إلى أن المنصوب في الاستثناء ينتصب بتقدير: " استثنى " ويجعلان " إلا " نائبة عن " أستثني " وكأنه قال: أتاني القوم أستثني زيدا، وهذا غير صحيح لأنا نقول: أتاني القوم غير زيد فننصب غير، ولا يجوز أن نقول:
استثنى غير زيد، وليس قبل " غير " حرف تقيمه مقام الناصب له وإنما قبله فعل وفاعل ولا بد له إذا كان منصوبا من ناصب.
فالفعل هو الناصب، وناصب " غير " هو الناصب لما بعد " إلا ".
وذكر الفراء عن البصريين أنهم قالوا: نصبنا المستثنى بإضمار فعل معناه لا أعني زيدا.
وأظنه أراد ما قاله سيبويه في الموضع الذي حكينا فيه عنه من هذا الباب " ولكن زيدا.
ولا أعني زيدا ".
قال أبو سعيد: هذا تفسير لمعنى الاستثناء وليس بتحقيق للناصب له.
وناقضهم الفراء على الذي حكاه عنهم.
ولم يتشاغل به لأنه ظن ظنه بهم.
وأما قول سيبويه عقيب قوله " وعلى هذا: ما رأيت أحدا إلا زيدا فننصب زيدا على غير رأيت " فإنما يريد: فتنصب زيدا على غير البدل ولكن على الاستثناء كما تستثني من " أتاني القوم إلا زيدا ".
فإذا قلنا: " ما رأيت أحدا إلا زيدا، فنصب (زيد) على وجهين:
أحدهما: أن تجعله بدلا من " أحد ".
والآخر: أن تنصبه على الاستثناء.
والعامل للنصب في الوجهين هو: رأيت.
ومثله مما ينصب على معنيين وتقديرين مختلفين قولك: " صمت اليوم " نصبت اليوم على وجهين:
على الظرف، وعلى أنه مفعول على سعة الكلام.
والعامل فيه " صمت " في الوجهين جميعا.
ومعنى نصبه على الظرف أن تقدر فيه " في " وإن حذفت كأنه قال: صمت في اليوم.
ومعنى نصبه على سعة الكلام: أن تقدير " في " ويكون وصول " صمت " إلى " اليوم " كوصول " ضربت " إلى زيد ".
وقال الكوفيون في ذلك قولين مختلفين:
أما الكسائي: فيما حكي عنه فقال: إنما نصبنا المستثنى لأن تأويله: قام القوم إلا أن زيدا لم يقم ".
وقد رده الفراء بأن قال: " لو كان هذا النصب بأنه لم يفعل لكان مع " لا " أوجب في قولك: " قام زيد لا عمرو ".
قال أبو سعيد: ولا يلزم الكسائي ما ألزمه الفراء على ظاهر الكلام؛ لأن الكسائي احتج بظهور عامل ناصب بعد " إلا " فحمل " زيدا " على ذلك الناصب وهو " أن " في قوله:
إلا أن زيدا لم يقم " فإذا قلت: قام زيد لا عمرو " لم تقل: قام زيد لا أن عمرا لم يقم.
والذي يفسد به قول الكسائي: أن " أن " إذا وقعت بعد " إلا " فلها تقدير؛ لأنها واسمها وخبرها في موضع اسم يقدر له عامل يعمل فيه.
فلو قيل: قام القوم إلا أن زيدا لم يقم.
فلأن موضع من الإعراب وهو نصب وعامله هو العامل في " زيدا " إذا نصب.
فيعود الكلام إلى أن تطلب الناصب لموضع " أن ".
وقال بعض النحويين: قول الكسائي يرجع إلى قول سيبويه وأن قوله: " وتقدير إلا أن زيدا لم يقم " تقدير لمعنى الكلام لا لعامله.
وحكي عن الكسائي أنه شبه المستثنى بالمفعول وجعله خارجا من الوصف، وجعل خروجه من الوصف بأن
قال: " لم يفعل كما فعلوا ". وهذا نحو قوله في المفعول المنصوب بالفعل.
وقال الفراء: " إلا " أخذت من حرفين: " إن " التي تنصب الأسماء ضمت إليها " لا " ثم خففت فأدغمت النون في اللام فصارت إلا، فأعملوها فيما بعدها عملين: عمل " إنّ " فنصبوا بها.
وعمل " لا " فجعلوها عطفا.
وشبهها بحتى، حين ضارعت حرفين أجروها في العمل مجراهما.
فخفضوا بها: لأنها بتأويل " إلى " وجعلوها كالعطف: لأن الفعل يحسن بعدها كما يحسن بعد حروف العطف إذا قلت: ضربت القوم حتى زيد ". أي حتى انتهيت إلى زيد ".
وحتى زيدا، أي حتى ضربت زيدا.
وشبهها أيضا " بلو لا " لأنها " لو " و " لا " ركبتا وجعلتا حرفا واحدا.
قال أبو سعيد: والذي قاله الفراء فاسد.
لأنه خلاف بينهم في أن يقال " ما قام إلا زيد " فيرفع ولا شيء قبله فيعطف عليه.
ولا هو منصوب فيحمل على " أن " فبطل أثر الحرفين جميعا في هذا الموضع.
وأما تشبيهه إياها " بحتى " فبعيد.
لأن " حتى " حرف واحد ليس بمركب من حرفين فيعمل عمل الحرفين.
وإنما هو حرف واحد يتأول فيه تأويل حرفين في حالين.
فإن ذهب به مذهب الحرف الجار فكأنه الحرف الجار لا يتوهم غيره.
وإن ذهب به مذهب حرف العطف فكأنه حرف العطف لا يتوهم به غيره.
و " إلا " عنده " إن " و " لا " منطوق بهما وكل واحد منهما يعمل عمله مفردا لو لم يكن معه الآخر.
ويقال للمحتج عنه: إذا كان كل واحد منهما يعمل عمله مفردا فينبغي ألا يبطل عمله ألبتة.
لأن " لا " إذا كانت للعطف مفردة لم يبطل العطف بها.
و " إنّ " إذا كانت ناصبة
مفردة لم يبطل النصب بها.
وهو لم يجعل " إلا " كذلك.
لأنه إذا اعتمد على أحد الحرفين بطل عمل الآخر وهو حاضر منطوق به.
ليس بمستنكر عندنا ولا عند غيرنا أن يركب حرفان فيبطل معنى كل واحد منهما مفردا.
ويحدث معنى ثالث كقولك في حروف التحضيض: لولا ضربت زيدا و " ألا ضربت زيدا " و " لولا " و " لو ما " إذا كن للتحضيض وقد بطل من " هلا " معنى " هل " ومعنى " لا ".
وكذلك سائر الحروف إذا فصّلت.
وقد قال بعض النحويين: إن هذا القول قال له صاحبه ليخالف مذهب النحويين إلى قول ينسب إليه.
ونحن متى قلنا: إن " إلا " بكمال حروفها موضوعة لمعناها كوضع " حتى " بكمال حروفها لمعناها كنا متمسكين بظاهر لفظها وهو جملة هذه الحروف لهذا المعنى.
والذي يزعم أن بعض هذه الحروف منفصل من بعض فهو يدعي ما يحتاج إلى برهان عليه.
وقول سيبويه: " ومثله في الانقطاع من أوله: إن لفلان مالا إلا أنه شقي ".
يعني: بالانقطاع من أوله: أنه ليس ببدل منه؛ لأنه ذكر " ما مررت بأحد إلا زيدا " وما بعده مما ينصبه بالاستثناء ولم يجمله على ما قبل " إلا " من طريق البدل.
وكذلك لم يحمل " أنه شقي " على البدل مما قبله.
لا سبيل إلى البدل فيه.
لأن ما قبل " إلا " موجب.
ولما كان حرف الاستثناء فيه مخالفة ما قبله لما بعده بالنفي والإيجاب فإذا كان ما قبله موجبا كان ما بعده منفيّا كقولك:
" أتاني القوم إلا زيدا " أوجبت الإتيان للقوم ونفيه عن " زيد " وإن كان ما قبله منفيّا كان ما بعده موجبا كقولك:
" ما قام القوم إلا زيد " نفيت القيام عن القوم وأوجبته لزيد، وفي " لكن " معنى الاستثناء وذلك أنها للاستدراك فإن كان ما قبلها منفيّا كان ما بعدها موجبا مستدركا له ما نفي عما قبلها نحو قولك: ما قام عمرو لكن زيد.
وما خرج القوم لكن أخوك.
أثبتّ لما بعد " لكن " ما نفيته عما قبلها.
وتقول: خرج عمرو لكن زيد لم يخرج ". وخرج القوم لكن أخوك لم يخرج، غير أن ما بعد " لكن " في الأكثر من الكلام غير الذي قبلها كقولنا: ما قام زيد لكن عمرو.
وقد يكون الذي بعدها جزءا من الذي قبلها لقولك: ما قام القوم لكن زيدا و " زيد " بعض القوم.
فإذا كان ذلك في الاستثناء، وكان الذي بعد " إلا " جزءا من الاستثناء
المذكورة قبلها فهو الاستثناء المطلق الذي ليس بمنقطع مما قبله فيما يتعارفه النحويون، كقولك: " أتاني القوم إلا زيدا " أو " ما أتاني أحد إلا زيد وإلا زيدا ".
وإن كان الذي بعد " إلا " ليس بجزء مما قبله فهو الاستثناء المنقطع كقولك: " ما في الدار إنسان إلا حمارا " و " إلا حمار ".
وهو الذي يجري مجرى " لكن " على ما ذكرته من مذهب " لكن " فإذا قال: إن لفلان مالا " فقد أخبر بأنه سعيد بملكه المال واستدرك ذلك بقوله: " إلا أنه شقي " كأنه قال: " إلا أنه بخل على نفسه " وكأنه قال: إن فلانا سعيدا بملك المال لكنه شقي بترك الانتفاع به بإنفاق المال ولم يتلذذ بالانتفاع به وترك نفقته.
وكذلك: إذا قال: " إلا أنه شقي.
كذلك لو قال: إن لزيد مالا لكن عمرا شقي " أو " إلا أن عمرا شقي " جاز لأن مذهب " لكن " يكون الأول فيه غير الثاني وكذلك " إلا " إذا كانت بمعناه.
هذا باب يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول وهو لغة أهل الحجاز
وذلك قولك: ما فيها أحد إلا حمارا.
جاءوا به على معنى: ولكن حمارا.
وكرهوا أن يبدلوا الآخر من الأول فيصير كأنه من نوعه فحمل على معنى " ولكن " وعمل فيه ما قبله كعمل العشرين في الدرهم.
وأما بنو تميم فيقولون: لا أحد فيها إلا حمارا.
أرادوا: ليس فيها إلا حمار.
ولكنه ذكر " أحدا " توكيدا؛ لأن يعلم أنه ليس بها آدمي.
ثم أبدل فكأنه قال: ليس فيها إلا حمار.
وإن شئت جعلته إنسانها.
قال الشاعر وهو أبو ذؤيب الهذلي:
فإن تمس في قبر برهوة ثاويا … أنيسك أصداء القبور تصيح 1
فجعلها أنيسها.
ومثل ذلك:
" ما لي عتاب إلا السيف " جعلته عتابك.
كما أنك تقول: ما أنت إلا سير إذا جعلته هو السير.
وعلى هذا أنشدت بنو تميم قول النابغة الذبياني:
يا دار ميه بالعلياء فالسند …...
... … عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا أواري لأياما أبينها … والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد 1
وأهل الحجاز ينصبون.
ومثله ذلك قوله:
وبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس 2
جعلها أنيسها.
وإن شئت كان على الوجه الذي فسرته لك في الحمار أول مرة.
وهو في كلا المعنيين إذا لم تنصب بدل.
ومن ذلك من المصادر: ما له عليه سلطان إلا التكلف.
لأن التكلف ليس من السلطان.
وكذلك: إلا أنه يتكلف هو بمنزلة: التكلف وإنما يجيء هذا على معنى " ولكن ".
ومثل ذلك قوله عز وجل: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 3.
ومثله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا 4.
ومثل ذلك قول النابغة:
حلفت يمينا غير ذي مسنوية … ولا علم إلا حسن ظن بصاحب 5
وأما بنو تميم فيرفعون ذلك كله، يجعلون اتباع الظن علمهم وحسن الظن علمهم والتكلف سلطانه.
وهم ينشدون بيت ابن الأيهم التغلبي- رفعا-.
ليس بيني وبين قيس عتاب … غير طعن الكلى وضرب الرقاب 6
جعلوا ذلك: العتاب.
وأهل الحجاز ينصبون على التفسير الذي ذكرناه.
وزعم الخليل أن الرفع في هذا على قوله:-
وخيل قد دلفت لها بخيل … تحية بينهم ضرب وجيع 1
جعلوا الضرب تحيتهم كما جعلوا اتباع الظن علمهم.
وإن شئت كان على ما فسرت لك في الحمار إذا لم تجعله
أنيس ذلك المكان.
وقال الحارث بن عباد:
والحرب لا يبقى لجا … حمها التخيل والمراع
إلا الفتى الصبار في الن … نجدات والفرس الوقاح 2
وقال:
لم يغذها الرسل ولا أيسارها … إلا طري اللحم واستجزارها 3
وقال:
عشية لا تغني الرماح مكانها … ولا النبل إلا المشرف المصمّم 4
وهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو.
وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه؛ لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها ولا منها ".
قال أبو سعيد: أصل الاستثناء: إخراج بعض ما يوجبه لفظ من عموم ظاهر أو عموم حكم أو معنى يدل عليه اللفظ؛ فأما عموم اللفظ قولك: قام القوم إلا زيدا.
وأما عموم الحكم فقولك: والله لا أكلمك إلا يوم الجمعة.
لأن قولك: " لا أكلمك " حكم اللفظ ألا يكلمه أبدا.
ويوم الجمعة " داخل في جملة الأوقات التي لا يكلمه فيها في الحكم.
وخرج يوم الجمعة من ذلك الحكم بالاستثناء.
وأما ما خرج عن عموم معنى دل عليه الحكم فقولك: " ما قام إلا زيد " قد علم بما دل عليه الكلام أن المنفي معموم في المعنى.
وأن " زيدا " مستثنى من جملة ما عم بالنفي في المعنى.
ومثله: " ما زيد إلا خارج " وليس زيدا إلا خارجا ومعناه: إن كل شيء يذكر لزيد منفي وخرج " خارجا " من عموم النفي كأنه قال: ليس زيد شيئا إلا خارجا.
وهذا التقدير: تقدير معنى وليس بتقدير لفظ مقدر محذوف والدليل على ذلك:
أنك تقول: ما قام إلا زيد.
لا يجوز في " زيد " غير الرفع ولو كان " أحد " منويّا في اللفظ لجاز " إلا زيدا ". كما يجوز: ما قام أحد إلا زيدا ".
ومن الدليل على أن أصل الاستثناء ما ذكرناه.
أنا تقول: استثنيت زيدا من القوم.
ولا تقول: استثنيت زيدا من البساتين.
ولا استثنيت زيدا من عمرو؛ لأنه ليس بعض البساتين.
ولا بعمرو و " من " للتبعيض فكأنه في الأصل: زيد من القوم ثم أخرجته عنهم في المعنى الذي جعلته.
ولا يجوز أن تكون " من " هاهنا لابتداء غاية المكان كما تقول:
أخرجته من الكوفة.
لأن " القوم " ليسوا بأمكنة، ولا يراد أنهم ابتداء غاية للمستثنى منهم.
وقولهم: استثنى الحالف إذا قال: إن شاء الله أو أراد بعد يمينه ما تنصرف به الأيمان إلى بعض الوجوه التي كان يوجبها اليمين في إطلاق لفظها قبل التقييد.
فإذا قال لزوجته " أنت طالق " أو قال لعبده: أنت حر فهي طالق.
وهو حر على كل وجه وسبب.
وإذا قال: " أنت طالق " أو أنت حر إن خرج زيد أو إن قدم زيد أو إن دخلت الدار، فقد جعل الطلاق والعتاق على بعض الوجوه.
وكذلك إذا قال: أنت طالق أو أنت حر إن شاء الله فقد علق الطلاق والعتاق بمشيئة الله تعالى.
فمن الفقهاء من لا يوقع الطلاق ولا العتاق؛ لأنه لما كان لا يعلم مشيئة الله تعالى له في الحكم كأنه لم يشأ فلم يقع الطلاق ولا العتاق؛ لأن المعلق به لم يكن.
ومنهم من يقول إنه يقع؛ لأن يجعل مشيئته شاملة لكل شيء، وسمي استثناء؛ لأنه يعقب به اللفظ المطلق العام فصار على بعض الوجوه.
وهذا يوضح ما أصلناه في الاستثناء.
وأما قولهم: ما فيها أحد إلا حمارا ونحوه مما يشتمل عليه الباب.
فنصب أهل الحجاز ما بعد " إلا " لأنه ليس من نوع الأول.
لأن " أحدا " وضع لما يعقل.
وإنما يبدل القليل من الكثير إذا كان بعضه كقولك: مررت بتميم بعضهم.
فحملوه على وجه النصب الذي ذكرناه قبل هذا الباب وهو الاستثناء.
وأما بنو تميم فرفعوه ونحوه على تأويلين ذكرهما سيبويه.
أحدهما: أنك إذا قلت ما في الدار أحد إلا حمار فإنك أردت: ما في الدار إلا حمار.
وقولك: ما في الدار إلا حمار.
قد نفيت به الناس وغيرهم في المعنى.
فدخل في النفي ما يعقل وما لا يعقل ثم
ذكرت " أحدا " توكيدا لأن يعلم أنه ليس بها آدمي.
والوجه الآخر:
أن تجعل المستثنى من جنس ما قبله على المجاز كان " الحمار " هو من إحدى ذلك الموضع.
ومن عقلاء ذلك الموضع مثل: أنيسك أصداء القبور.
وعتابك السيف.
وأشباه ذلك من المجازات.
وقال المازني: إن فيه وجها ثالثا وهو: أنه خلط ما يعقل " بما لا يعقل " فعبر عن جماعة ذلك بأحد ثم أبدل " حمار " من لفظ مشتمل عليه وعلى غيره.
وقال الله تعالى:
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ 1. لما خلط ما يعقل وهم بنو آدم الذين يمشون على رجلين بما لا يعقل وهو الحية التي تمشي على بطنها والبهائم التي تمشي على أربع خبّر عنها كلها بلفظ ما يعقل وهو: منهم " و " من ". ولو كان ما لا يعقل لقال: فمنها ما يمشي.
قال أبو سعيد: قد ذكرت معنى ما قال المازني وبسطته واحتججت له.
وقول سيبويه بعد الأبيات التي في آخر الباب " وهذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو.
وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها ولا منها ".
فأما الأبيات فقوله: " لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح " 2 وهو على وجهي ما فسرته من لغة بني تميم.
أحدهما: كأنه قال: لا يبقى لجاحمها إلا الفتى الصبار، ودل ذل على أنه لا يبقى شيء سواه.
وذكر التخيل " والمراح " توكيدا.
والوجه الآخر: أنه جعل الفتى الصبار هو التخيل في الحرب والمراح مجازا.
كما جعل: حمارا هو من الأحدين مجازا.
وفيه وجه ثالث: وهو أن التخيل على معنى: ذوو التخيل وحذف ذوو وأقام التخيل مقامه مثل قوله عز وجل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 3. وهذا على الوجه الذي يتفق عليه
أهل الحجاز وبنو تميم.
وقوله: " لم يغذها الرسل ولا أيسارها " الرسل: اللبن.
والهاء في " أيسارها " و " استجزارها " تعود إلى المرأة التي تقدم ذكرها.
وإنما قال: ولا أيسارها وإن كان الأيسار أيسار اللحم؛ لأن الميسر لا يأكل منه إلا الضعيف الفقير منهم.
وتقويه الأبيات ب (ما أتاني زيد إلا عمرو) أن المنفي الذي ليس من جنس ما بعد إلا، يقدر فيه تقدير إسقاطه من اللفظ.
وأن الاعتماد عليه في النفي على العموم وأنه يذكر ما يذكر من المنفي لتوكيد النفي فيه.
ولأن يخرج من قلب السامع ذهاب الوهم إلى أنه قد فعل الفعل المنفي كأنك لم تذكر زيدا.
ولم تذكر إخوانك وقلت: ما أتاني إلا عمرو.
وما أعانه إلا إخوانه على نحو ما تقدر في الأبيات فيكون قوله:
ما تغني الرماح مكانها ولا النبل
كأنه قال:
ما يغني إلا المشرفي المصمم
وقوله: " لأنها معارف " يريد: أن ما قبل " إلا " وما بعده معرفتان: أحدهما غير الأخرى وليست بمنزلة: " ما قام أحد إلا زيد ".
هذا باب ما لا يكون إلا على معنى (ولكن)
فمن ذلك قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 1 أي: ولكن من رحم.
وقوله عز وجل: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ 2 أي: ولكن قوم يونس، وقوله تعالى: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ 3 أي: ولكن قليلا ممّن أنجينا منهم.
وقوله عز وجل: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ 4 أي لكنهم يقولون ربنا الله.
وهذا الضرب في القرآن كثير:
ومن ذلك من الكلام: لا تكونن من فلان في شيء إلا سلام بسلام.
ومن ذلك أيضا من الكلام فيما حدثنا أبو الخطاب: ما زاد إلا ما نقص.
وما نفع إلا ما ضر.
(فما) مع الفعل بمنزلة اسم نحو النقصان والضر.
كما أنك إذا قلت: (ما أحسن ما كلم زيدا).
فهو: ما أحسن كلامه زيدا، ولولا ما لم يجز الفعل بعد إلا في ذا الموضع كما لا يجوز بعد ما أحسن بغير (ما) فكأنه قال: ولكنه ضر ولكنه نقص.
هذا معناه.
ومثل ذلك من الشعر قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب 1
أي ولكن سيوفهم بهن فلول.
وقال النابغة الجعدي:
فتى كملت خيراته غير أنّه … جواد فما يبقي من المال باقيا 2
كأنه قال: ولكنه مع ذلك جواد.
ومثل ذلك قول الفرزدق:
وما سجنوني غير أني ابن غالب … وأنىّ من الأثرين غير الزّعانف 3
كأنه قال: ولكني ابن غالب.
ومثل ذلك في الشعر كثير.
ومثل ذلك: قول عنز بن دجاجة:
من كان أشرك في تفرّق فالج … فلبونة جريت معا وأغدت
إلّا كناشرة الذي ضيّعتم … كالغصن في غلوائه المتنبّت 4
كأنه قال: ولكن هذا كناشرة.
وقال:
لولا ابن حارثة الأمير لقد … أغضيت من شتمى على رغم
إلّا كمعّرض المحسّر بكره … عمدا يسبّبني على الظّلم 5
قال أبو سعيد: هذا الباب يخالف الذي قبله في لغة بني تميم؛ لأنه لا يمكن فيه
البدل ولا حذف الاسم الأول منه في التقدير كما أمكن في قول بني تميم إذا قلت: ما فيها أحد إلا حمار.
إذا قدر: ما فيها إلا حمار.
على الوجهين اللذين ذكرناهما من قول بنى تميم.
فمن ذلك قوله عز وجل: لا عاصِمَ... [هود: 43] فمن رحم يعني: من رحمه الله تعالى.
ومن رحمه الله تعالى معصوم فكأنه قال: لكن من رحم الله معصوم.
وما بعد (إلا) غير الذي قبله.
ومثله من الكلام لو جاء سيل عظيم يخاف منه الغرق أن يقول قائل: لا عاصم اليوم من هذا السيل إلا من أقام في الجبل، فالمقيم في الجبل ليس بعاصم.
ومعناه: ولكن المقيم في الجبل معصوم منه، ولا يمكن البدل فيه؛ لأنه يقال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ولو رد أيضا المحذوف منه من خبر عاصم لم يجز البدل لو قلت: لا عاصم لهم إلا من رحم.
أو ما لهم عاصم إلا من رحم، لم يجز: ما لهم إلا من رحم، ولا معنى لذلك.
وقد قيل: لا عاصم بمعنى: معصوم، وهذا ضعيف لا يعتد به وأجود من هذا أن يكون من رحم هو الله لأنه الراحم.
فكأنه قال: لا عاصم اليوم لهم إلا الله.
كما تقول: لا إله إلا الله.
وأما قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ [يونس: 98]
وقوله: فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ [هود: 116] فلا يجوز في واحد منهما البدل؛ لأنها للاستبطاء والتحضيض، وفي معنى: لو فعلت ذلك لكان أصلح وهذه أشياء تجري مجرى الأمر وفعل الشرط، ولا يجوز في شيء من ذلك البدل.
لو قلت: ليقم القوم إلا زيد لم يجز كما لا يجوز: ليقم إلا زيد.
وكذلك لو قلت: (إن قام أحد إلا زيد) أو: (لو قام أحد إلا زيد).
لم يجز كما لا يجوز أن قام إلا زيد، ولا: لو قام إلا زيد.
ولا يجوز فيه الاستثناء الذي هو: إخراج جزء من جملة هو منها؛ لأن المقصد من ذلك إلى قوم من الكفار أطبقوا على الكفر به ولم يكن منهم مؤمنون فقبح فعلهم، ثم ذكر قوما مؤمنين باينوا طريقهم فمدحهم.
ومعنى: (أولو بقية): أولو خير وصلاح، ويقال: فلان فيه بقية: أي خير وصلاح.
ويجوز الرفع في: (قوم يونس) ونحوه على الصفة كأنه قال:
هلا كانت قرية غير يونس: كقوله: إلا الفرقدان 1
فكان الزجاج يجيز (إلا قوم يونس) على لغة أهل الحجاز.
وعلى لغة بنى تميم: فقدر في لغة أهل الحجاز: (فهلا كان قوم بني آمنوا إلا قوم يونس) ثم قال: " ويجوز البدل وإن لم يكن الثاني من جنس الأول " يريد لغة بنى تميم...
وقد ذكرنا بطلان البدل في نحو هذا.
ولعل الزجاج جوز البدل؛ لأن: هلا كانت قرية، معناه: ما آمنت قرية إلا قوم يونس.
وقوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: 40] معناه: بغير حق يجب للكفار به إخراج المؤمنين من ديارهم.
وأن يقولوا ربنا الله (وليس بحق للكفار يجب به لهم إخراج المؤمنين فصار على معنى: ولكن).
وقوله (لا تكونن من فلان إلا سلاما بسلام).
معنى (لا تكونن من فلان) أي لا تخالطنه، وقوله: (سلاما بسلام) أي: متاركة.
من قوله عز وجل: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً 1 أي براءة ومتاركة فكأنه قال: لا تخالطنه إلا متاركة.
وليست المتاركة من المخالطة في شيء فصار المعنى: لا تخالطه ولكن: تاركه.
وقوله: (ما زاد إلا ما نقص).
(وما نفع إلا ما ضر) فما مع الفعل بمنزلة المصدر وكأنه قال: ما زاد إلا النقصان ولا نفع إلا الضرر.
وفي (زاد) و (نفع) ضمير فاعل جرى ذكره كأنه قال: ما زاد النهر إلا النقصان.
وما نفع زيد إلا الضرر على معنى: ولكنه نقص.
ولكنه ضر وتقديره: ما زاد ولكن النقصان أمره.
وما نفع ولكن الضرر أمره.
فالنقصان والضرر مبتدأ وخبره محذوف وهو: أمره.
وهو نحو ما ذكره أبو بكر مبرمان في تفسير من فسره له.
وأما قوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم 2
فإنه بمعنى (ولكن) على ما ذكره في الباب وقد يحتمل في لغة بنى تميم رفع (غير) كما يقول القائل: (لا عيب في زيد إلا الجود).
(ولا عيب فيه إلا الشجاعة والضرب بالسيوف).
ويجوز فتح (غير) على غير هذا المذهب لإضافته إلى (أن) كما قبح:
على حين عاتبت المشيب على الصبا 1
و:
.. لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت 2
وأما قوله:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد 3
فيقول القائل: (لكن) فيها مخالفة ما بعدها لما قبلها.
فكيف جاز أن تكون بمعنى:
(لكنه جواد).
(ولكنه جواد) لا يخالف (كملت خيراته)؟
فالجواب عن ذلك: أنه ذهب إلى معنى: لكن عيبه الجود كما يقول القائل: عيب زيد جوده.
على معنى: ليس فيه عيب لأن الجود ليس بعيب.
فإذا لم يكن فيه عيب إلا الجود فما فيه عيب.
كأنه قال: (كملت خيراته لكن نقصه أو لكن عيبه جوده) فيصير عيبه ونقصه مخالفا لكملت خيراته على ما ذكرناه.
وأما قوله:
وما سجنوني غير أني ابن غالب 4
فالظاهر من كلام سيبويه أنه لم يقع به سجن.
كأنه قال: (ما أنا بالذي يناله سجن وذل ولكني ابن غالب أي عزيز) لأن من له هذا النسب فهو عند الفرزدق عزيز.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يرد على سيبويه قوله في هذا البيت وينكر تأويله (لكن).
لأنه يوجب أن الفرزدق ما سجن.
قال أبو سعيد: الصحيح أنه كان مسجونا محبوسا.
وكان الذي سجنه: خالد بن عبد الله القسري، عامل هشام بن عبد الملك، وهذا البيت في قصيدة يمدح فيها هشاما، ويذكر حبسه ويستجير ب (هشام) وأول القصيدة.
ألمّ خيال من عليه بعد ما … رجا لي أهلي البرء من داء دانف
وقبل البيت الشاهد:
وما زال فيكم آل مروان منعم … على بنعمى بادئ ثم عاطف
فإن كنت محبوسا بغير جريرة … فقد أخذوني آمنا غير خائف
وما سجنوني غير أنّي ابن غالب … وأني من الأثرين غير الزّعانف 1
وذهب أبو العباس ومن ذهب مذهبه إلى أن معنى البيت (وما سجنوني إلا لأني ابن غالب) أي سجنوني حسدا لي على نسبي وشرفي.
قال أبو سعيد: يجوز تأول سيبويه على أنه كان مسجونا محبوسا.
وذلك على أنه لم يعد سجنه سجنا؛ لأنه لم يبطل عزه ولم يلحقه ذلا.
كما يقول القائل: تكلمت ولم تتكلم أي تكلمت بما لم يقع موقعا يؤثر فيه الكلام، فكأنه قال:
وما أذلوني بالسجن … ولكني عزيز بنسبي ومحلي
وأما قول ابن دجاجة المازني:
من كان أسرع في تفرّق فالج 2
فإن (فالجا) هذا فيما يذكره النسابون هو فالج بن ذكوان بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.
انتقل إلى بني سليم فانتمى إلى ذكوان ابن بهتة بن سليم.
وادعى نسبه فيهم؛ لأن قومه من آذوه فأحوجوه إلى الانتقال عنهم.
وقبل ذلك صنيع بني مازن ناشرة وآذوه حتى انتقل إلى بنى أسد.
فدعا هذا الشاعر على من أسرع في تفرق فالج وآذاه، وأخرج عنهم مثل ناشرة؛ لأن أمثال ناشرة ما أسرعوا في تفرق فالج لأن ناشرة كان مظلوما مؤذ.
فلم يدع الشاعر على أمثال ناشرة.
فكأنه قال: ولكن أمثال ناشرة ما أسرعوا في تفرق فالج.
فليس يكون في أمثال ناشرة بدل ولا إخراج واحد من جمع وليس فيه إلا معنى: (لكن).
وأما قوله: لولا ابن حارثة الأمير.
فإن قائل هذا الشعر: النابغة الجعدي.
والذي رأيته في شعره:
لولا ابن عفان الإمام...
لقد أغضيت أيها المخاطب على شتمي، أي لولا منع ابن حارثة إياي من شتمك لقد شتمتك فأغضيت على شتمي.
ولكن معرضا المحسر بكره في سبي مباح لي، ويسببني:
يكثر سبي.
ويروى المجسر بكره: وهو أبلغ في ظلم معرض له.
ويروى: المجشر بكره،
وهو الجاعل له في الجشر، والجشر ما بعد وناء عن الحي.
والمعنى في المجسر أصح وأجود.
وكان أبو العباس: يجعل الكاف في (كناشرة) وفي (كمعرض) زائدة.
وليس بنا ضرورة إلى ذلك؛ لأنا نجعلها بمعنى (مثل) فيصح معناه ويدخل فيه الذي دخلت عليه الكاف كما تقول:
(مثلك لا يفعل هذا) ويدخل فيه المخاطب.
هذا باب ما تكون فيه أنّ وأن مع صلتهما بمنزلة غيرهما من الأسماء
وذلك قولهم: ما أتاني إلا أنهم قالوا كذا وكذا.
ف (أنّ) في موضع اسم مرفوع كأنه قال: ما أتاني إلا قولهم كذا وكذا.
ومثله قولهم: ما منعني إلا أن يغضب عليّ فلان.
والحجة على أنّ هذا في موضع رفع: أن أبا الخطاب حدثنا أنه سمع من العرب الموثوق بهم من ينشد هذا البيت رفعا:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت … حمامة في غصون ذات أو قال (1)
وزعموا أن ناسا من العرب ينصبون هذا الذي في موضع الرفع فقال الخليل: هذا كنصب بعضهم (يومئذ) في كل موضع فكذلك: (غير أن نطقت) وكما قال النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصّبا … وقلت ألمّا أصح والشيب وازع (2)
كأنه جعل (حين) و (عاتبت) اسما واحدا.
قال أبو سعيد: ما في هذا الباب مفهوم وقد مر نظائره في الأبواب.
هذا باب لا يكون فيه المستثنى إلا نصبا
لأنه مخرج مما أدخلت فيه غيره.
فعمل فيه ما قبله كما عمل العشرون في الدرهم حين قلت: له عشرون درهما.
وهذا قول الخليل.
وذلك قولك: (أتاني القوم إلا أباك).
و (مررت بالقوم إلا أباك) و (القوم فيها إلا أباك).
فانتصب الأب إذ لم يكن داخلا فيما دخل فيه ما قبله ولم يكن صفة وكان العامل فيه ما قبله من الكلام.
كما أن (الدرهم) ليس بصفة للعشرين ولا محمول على ما حملت عليه وعمل فيها.12
وإنما منع الأب أن يكون بدلا من القوم أنك لو قلت: (أتاني إلا أبوك) كان محالا.
وإنما جاز: ما أتاني القوم إلا أبوك؛ لأنه يحسن لك أن تقول: ما أتاني إلا أبوك.
فالمبدل إنما يجيء أبدا كأنه لم يذكر قبله شيء؛ لأنك تخلى له الفعل وتجعله مكان الأول.
فإذا قلت: (ما أتاني القوم إلا أبوك) فكأنك قلت: ما أتاني إلا أبوك.
وتقول: ما فيهم أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا.
كأنه قال: كلهم قد قالوا ذاك إلا زيدا.
قال أبو سعيد: قد فسرنا جميع ما في هذا الباب فيما تقدم بما أغني عن إعادته.
هذا باب ما يكون فيه (إلا) وما بعده وصفا بمنزلة (مثل) و (غير)
وذلك قولك لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا.
والدليل على أنه وصف: أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا، وأنت تريد الاستثناء لكنت قد أحلت.
ونظير ذلك قوله عز وجل: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22].
ونظير ذلك من الشعر قوله وهو ذو الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة … قليل بها الأصوات إلا بغامها 1
كأنه قال: قليل بها الأصوات غير بغامها.
إذا كانت (غير) غير استثناء.
ومثل ذلك قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 2
وقوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ 3 ومثل ذلك من الشعر قول لبيد بن ربيعة:
وإذا أقرضت قرضا فاجزه … إنما يجزى الفتى غير الجمل 4
وقال أيضا:
لو كان غيري سليمى اليوم غيره … وقع الحوادث إلا الصارم الذّكر 1
كأنه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر لغيره وقع الحوادث إذا جعلت غيرا الآخرة صفة للأولى.
والمعنى: أنه أراد أن يخبر أن الصارم الذكر لا يغيره شيء، وإذا قلت:
ما أتاني أحد إلا زيد فأنت بالخيار، إن شئت جعلت (إلا زيدا) بدلا.
وإن شئت جعلته صفة.
ولا يجوز أن تقول: ما أتاني إلا زيد.
وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل) إنما يجوز ذلك صفة.
ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون) لا يجري في الكلام إلا على اسم.
ولا يعمل فيه ناصب ولا جار ولا رافع.
وقال عمرو بن معديكرب:
وكلّ أخ مفارقه أخوه … لعمرو أبيك إلّا الفرقدان 2
كأنه قال: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه.
إذا وضعت به (كلا).
كما قال الشماخ:
وكلّ خليل غير هاضم نفسه … لوصل خليل صارم أو معارز 3
ولا يجوز رفع (زيد) على (ألا أن يكون) لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه؛ لأن (أن) يكون بعض اسمه.
قال أبو سعيد: لا يكون في (لو) بدل بعد (إلا) لأنها في حكم اللفظ تجري مجرى الموجب.
وذلك أنها شرط بمنزلة (أن) ولو قلت: (أن أتاني رجل إلا زيد خرجت) لم يجز؛ لأنه يصير في التقدير: أن أتاني إلا زيد خرجت.
كما لا يجوز: أتاني إلا زيد.
فهذا وجه من الفساد فيه.
وفيه وجه آخر من فساده: أنه إذا قال: (لو كان معنا إلا زيد لهلكنا) وهو يريد الاستثناء لكان محالا؛ لأنه يصير في المعنى: لو كان معنا زيد فهلكنا؛ لأن البدل بعد (إلا) في الاستثناء موجب.
وكذلك: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 1.
لو كان على البدل لكان على التقدير: لو كان فيهما الله لفسدتا.
وهذا فاسد.
وأما قوله: قليل بها الأصوات إلا بغامها.
ففيه وجهان: أحدهما: ما قاله سيبويه، وإذا كان على ما قاله فقد أثبت بها أصواتا قليلة.
وجعل (إلا بغامها) نعتا للأصوات.
والوجه الثاني: أن يكون (قليل) بمعنى النفي فيكون بمعنى: ما بها أصوات إلا بغامها، وهو استثناء وبدل صحيح كما تقول: أهل رجل يقول ذاك إلا زيد.
وأما قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 2 فلا يكون (غير) إلا نعتا؛ لأنه لو كان بدلا على طريق الاستثناء لكان التقدير: لا يستوي أولو الضرر.
وهذا غير ما يراد من هذا؛ لأن المعنى: لا يستوي القاعدون الذين ليس بأولي ضرر والمجاهدون.
وأما قوله:
لو كان غيري سليمى غيره
فإن (سليمى) نداء لا يعتد به في الكلام.
وقائل هذا الشعر كأنه نابته شدة فصبر لها وثبت عندها ولم تضعضعه.
فقال:
لو كان غيري في هذه الشدة لضعضعته
وغيرته إلا أن يكون غيري الذي يقع في هذه الشدة.
الصارم الذكر فإنه مثلي لا تغيره هذه الشدة، والشدة التي مثلتها: هي وقع الحوادث الذي في البيت.
وتقديره الذي يقربه من الفهم: لو كان غيري المحالف للصارم الذكر لغيره وقع الحوادث وضره.. لو كان غيري المماثل للصارم الذكر لم يغيره وقع الحوادث كما لم يغيرني.
وقوله: ولا يجوز: ما أتاني إلا زيد وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل) إنما يجوز ذلك صفة ونظير ذلك من
كلام العرب (أجمعون).
يريد: أن (إلا) وما بعدها إنما تكون صفة إذا كان ما قبلها اسم موصوف مذكور، كما أن (أجمعين) لا يكون إلا تابعا للأسماء المذكورة قبله.
ولا يقام مقام المنعوت كما
يقام (مثل) و (غير) مقام المنعوت في قولك:
مررت بمثل زيد.
وبغير زيد.
تريد: برجل مثل زيد.
وبرجل غير زيد.
لأن (مثلا) و (غيرا) اسمان ينعت بهما.
وهما يتصرفان تصرف الأسماء والأحرف.
وإنما ينعت بهما حملا على (غير) لأن (غير) قد حمل عليه في الاستثناء.
فلما كان نفس (غير) إذا لم تكن قبلها اسم لم يكن نعتا.
إذ النعت يقتضي منعوتا قبله.
لم يكن المشبه به نعتا.
وليس باسم يلحقه ما يلحق الأسماء من دخول حرف الجر عليه فلم يجز: (ما مررت بإلا زيد) كما جاز: (ما مررت بمثل زيد) و (بغير زيد).
ومما يوصف به، ولا يقوم الموصوف مقام الأسماء والأفعال والظروف غير المتمكنة والجمل.
تقول: مررت برجل يضحك.
ومررت برجل عندك.
ومررت برجل أبوه جمال.
ولا تقول: مررت بيضحك.
ولا (مررت بعندك).
ولا (مررت بأبوه جمّال).
وقوله: وكل أخ مفارقه أخوه إلا الفرقدان
فتقديره: فكل أخ إلا الفرقدان مفارقه أخوه.
و (إلا) صفة ل (كل) و (مفارقه) خبر.
ولو كان صفة (لأخ) لقال: (إلا الفرقدين) لأن ما بعد (إلا) يعرب بإعراب (غير) الذي يقع في موقعه.
فالمرفوع نعت (كل) والمخفوض نعت (أخ).
وهذا الشاعر الجاهلي لا يقول بالبعث ولا بفناء الدنيا.
ويجوز أن يكون أراد: لا يتفرقان ما دامت الدنيا.
وقد كنت ذكرت في بعض أبواب الجر ما يجوز نعته من المعارف (بغير) وحكم (غير) من التعريف والتنكير بما أغني عن إعادته.
وقوله: وإذا قلت: ما أتاني أحد إلا زيد، فأنت بالخيار إن شئت جعلت (إلا زيدا) بدلا.
وإن شئت جعلته صفة.
وقد
مضى الكلام على هذين الوجهين.
قال: ولا يجوز رفع زيد على (إلا أن يكون).
كأن قائلا اعتقد أن زيدا في قولنا: ما قام أحد إلا زيد (يرتفع بأن تقدر بعد (إلا) أن يكون زيد فيرتفع زيد.
ب (يكون) فأنكر سيبويه ذلك وقال: (أن يكون) اسم و (زيد) من تمامه.
وهو بمنزلة الموصول الذي يكون هو وصلته بمنزلة اسم واحد.
فبعض الاسم قد حذف.
وهو (أن يكون) وبقية الاسم: (زيد) ولا يجوز حذف الموصول وترك بعض صلته.
هذا باب ما يقدم فيه المستثنى
وذلك قولك: ما فيها إلا أباك أحد.
وما لي إلا أباك صديق.
وزعم الخليل أنهم إنما حملهم على نصب هذا: أن المستثنى إنما وجهه عندهم أن يكون بدلا.
ولا يكون مبدلا منه؛ لأن الاستثناء إنما حده: أن تتداركه بعد ما تنفي فتبدله فلما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجه قد يجوز إذا أخرت المستثنى.
كما أنهم حيث استقبحوا أن يكون الاسم صفة في قولهم: (فيها قائما رجل) حملوه على وجه قد يجوز لو أخرت الصفة وكان هذا الوجه أمثل عندهم من أن يحملوا الكلام على غير وجهه.
وقال كعب بن مالك الأنصاري:
الناس ألب علينا فيك ليس لنا … إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر 1
سمعناه ممن يوثق به ممن يرويه عن العرب.
كراهية أن يجعلوا ما حد المستثنى أن يكون بدلا منه بدلا من المستثنى.
ومثل ذلك: ما لي إلّا أباك صديق
فإن قلت: ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد.
وما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد.
كان الرفع والجر جائزا.
وحسن البدل لأنك قد شغلت الرافع والجار ثم بدلته من المرفوع والمجرور ثم وصفت بعد ذلك.
وكذلك: من لي إلا أبوك صديقا.
لأنك أخليت (من) للأب ولم تفرده لأن يعمل كما يعمل المبتدأ.
وقد قال بعضهم: ما مررت بأحد إلا زيدا خير منك وكذلك: من لي إلا زيدا صديق، وما لي أحد إلا زيدا صديق.
وكرهوا أن يقدموه وفي أنفسهم شيء من صفته إلا نصبا.
كما كرهوا أن يقدم قبل الاسم إلا نصبا.
وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحد.
فيجعلون (أحد) بدلا كأنك قلت: (لي أبوك صديقا).
كما قلت (من لي إلا أبوك صديقا) حين جعلته مثل: ما مررت بأحد إلا أبيك خيرا منه.
ومثله قول الشاعر وهو الكلحبة:
أمرتكم أمري بمنقطع اللوى … ولا أمر للمعصي إلا مضيّعا 1
كأنه قال: للمعصي أمر مضيعا.
كما جاز: فيها رجل قائم وهذا قول الخليل.
وقد يكون أيضا على قوله: (لا أحد فيها إلا زيدا).
قال أبو سعيد: أما لزوم الاستثناء إذا تأخر المستثنى منه فكلام سيبويه واحتجاجه فيه بيّن.
وإذا تقدم المستثنى منه وتأخر نعته عن حروف الاستثناء فإن سيبويه ذكر فيه البدل والاستثناء وقدم البدل كقولك: ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد.
و (ما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد).
قال سيبويه: وقد قال بعضهم: ما مررت بأحد إلا زيدا خير منك فأما من أبدل فلأن البدل إنما هو من الاسم.
وقد تقدم والنعت فضله في الكلام.
وأما من اختار الاستثناء إذا تأخر فأبو عثمان المازني ممن يختار ذلك.
فإن حجته:
أن المبدل منه في تقدير الملغي.
فإذا قدر المتكلم به في كلامه إلغاءه فما حاجته إلى نعته؟
فوجب أن يذكر نعت المستثنى منه بعد الاستثناء؛ لأنه لم يلغه في التقدير.
وإذا لم يلغه لم يبدل منه.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يذهب إلى اختيار البدل ويحكيه عن سيبويه وأما قوله: (من لي إلا أبوك صديقا).
فإن أبا العباس محمد بن يزيد كان يقدره على أن (من) مبتدإ وأبوك خبره.
ومثله بقولك:
(ما زيد إلا أخوك) و (صديقا) حال.
والوجه عندي: أن من (مبتدإ) و (لي) خبره و (أبوك) بدل من (من) كأنه قال: ألي أحد إلا أبوك؟
وقوله: (لأنك أخليت) من للأب ولم تفرده.
معنى: أخليت (من) للأب.
أي: أبدلت الأب منه ولم تفرد (من) لأن (لي) خبرها.
وقد فسر مثل ما فسرت غير أبي العباس من مفسري كلام سيبويه.
ومما يدل على أن (لي) خبر (من): أن الظروف وحروف الجر إذا وقعت مع المبتدإ فإنما هي خبر أو في صلة الخبر.
أو في صلة المبتدإ إذا كان فيه معنى الفعل.
فأما كونها خبرا: فزيد عندك والغلام لي.
وأما كونها في صلة الخبر فقولك: زيد قائم عندك.
وزيد لي مملوك.
وأما كونها في صلة المبتدإ فقولك: القائم عندك زيد والساكن في دارك زيد.
فإذا قلت: (من لي إلا أبوك).
ولم تجعل (لي) خبرا فليس في المبتدإ ولا في الخبر معنى فعل.
وأما قوله:
ولا أمر للمعصي إلا مضيعا
فإن نصب (مضيعا) على وجهين:
أحدهما: على الحال.
وحرف الاستثناء قد يدخل بين الحال والاسم الذي الحال له.
كقولك: ما قام زيد إلا ضاحكا.
(فضاحكا) حال من زيد والعامل فيه (قام) والعامل في (مضيعا) اللام.
كأنه كان في الأصل: للمعصي أمر مضيعا.
كما تقول: في الدار رجل قائما.
وإن كان الحال من النكرة ليس بالقوى، ثم دخل حرف النفي على (أمر).
ودخلت (إلا) بين الحال وبين ما قبلها على ما بينا.
والوجه الآخر: على الاستثناء من الأمر المنفي وفي هذا الوجه ضعف من وجهين:-
أحدهما: أنه كان ينبغي أن يكون المستثنى اسما ثم تصفه فتقول: (إلا أمرا مضيعا).
فأقام الصفة مقام الموصوف.
وفي إقامة الصفة مقام الموصوف ضعف.
والوجه الآخر: أنه نصب على الاستثناء.
والأجود أن يرفع على البدل من موضع (لا) كما أن الرفع في: (لا إله إلا الله) أقوى وأحسن من أن تقول: (لا إله إلا الله) فتنصب.
هذا باب ما تكون فيه في المستثنى الثاني بالخيار
وذلك قولك: (ما لي إلا زيدا صديق وعمرا وعمرو).
و (ما لي إلا أباك صديق وزيدا وزيد).
أما النصب فعلى الكلام الأول.
وأما الرفع فكأنه قال: أبوك لي صديق.
لأن هذا المعنى لا ينقص ما تريد في النصب.
وهذا قول يونس والخليل.
قال أبو سعيد: إنما وجب النصب قبل أن تأتي بالمستثنى منه؛ لأنه لا يصح البدل
فيه.
كما ذكر في الباب الذي قبل هذا.
فلو عطفت قبل أن تأتي بالمستثنى منه لكان سبيل المعطوف كسبيل الاسم الذي يلي (إلا) في النصب.
كقولك: (ما لي إلا زيدا وعمرا صديق).
(ومن لي إلا أباك وزيدا صديق).
فلما جاء بالمستثنى منه فكأنه قال: ما لي صديق إلا عمرو.
ومن لي صديق إلا زيد.
وعلى ما مثله سيبويه إذا قال: ما لي إلا زيدا صديق فمعناه: زيد لي صديق.
ثم عطف فقال: وعمرو لي.
وإذا قال: من لي إلا أباك صديق، فكأنه قال: أبوك لي صديق وزيد.
والنصب على لفظ الأول.
هذا باب تثنية المستثنى
وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد إلا عمرا.
ولا يجوز الرفع في عمرو.
من قبل أن المستثنى لا يكون بدلا من المستثنى، وذلك أنك لا تريد أن تخرج الأول من شيء تدخل فيه الآخر.
وإن شئت قلت: ما أتاني إلا زيدا إلا عمرو.
فتجعل الإتيان لعمرو.
ويكون (زيدا) منتصبا من حيث انتصب (عمرو).
فأنت في ذا بالخيار: إن شئت نصبت الأول ورفعت الآخر وإن شئت نصبت الآخر ورفعت الأول.
وتقول: (ما أتاني إلا عمرا إلا بشرا أحد) كأنك قلت: ما أتاني إلا عمرا أحد إلا بشر فجعلت (بشرا) بدلا من (أحد) ثم قدمت (بشرا) فصار كقولك: ما لي إلا بشرا أحد؛ لأنك إذا قلت: ما لي إلا عمرا أحد إلا بشرا.
فكأنك قلت: ما لي أحد إلا بشر.
والدليل على ذلك قول الشاعر وهو الكميت:
فما لي إلا الله لا رب غيره … وما لي إلا الله غيرك ناصر 1
فغيرك بمنزلة: إلا زيدا.
وأما قوله وهو حارثة بن بدر الغداني:
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت … إلا تقرب آجالا لميعاد
يا كعب صبرا على ما كان من حدث … يا كعب لم يبق منا غير أجلاد
إلا بقيات أنفاس تحشرجها … كراحل رائح أو باكر غادي 1
فإن (غيرا) هاهنا بمنزلة (مثل) كأنك قلت: لم يبق منا مثل أجساد إلا بقيات أنفاس.
وعلى هذا أنشد بعض الناس هذا البيت رفعا للفرزدق:
ما بالمدينة دار غير واحدة … دار الخليفة إلا دار مروانا 2
جعلوا (غير) صفة بمنزلة: (مثل).
ومن جعله بمنزلة الاستثناء لم يكن بدّ من أن ينصب أحدهما وهو قول ابن أبي إسحاق.
وأما: إلا زيد فإنه لا يكون بمنزلة (مثل) إلا صفة.
ولو قلت: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله كان جيدا.
إذا كان عبد الله زيدا ولم يكن غيره؛ لأن هذا يكرر توكيدا كقوله: رأيت زيدا زيدا.
وقد يجوز أن تقول: رأيت غير زيد على الغلط والنسيان كما يجوز أن تقول:
رأيت زيدا عمرا؛ لأنه إنما أراد عمرا فنسي فتدارك.
ومثل: ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله.
إذا أردت أن تبين وتوضح قوله:
مالك من شيخك إلا عمله … إلا رسيمه وإلا رمله 3
قال أبو سعيد: الاسمان المستثنيان وإن اختلف إعرابهما فهما مشتركان في معنى الاستثناء.
وإنما رفع أحدهما ونصب الآخر على ما يوجهه تصحيح اللفظ.
فإذا قلت: (ما أتاني إلا زيد إلا عمرا) فلا بد من رفع أحد الاسمين؛ لأن الفعل المنفي لا فاعل له، فلا بد من رفع أحد الاسمين بعد (إلا) فاعلا له.
فإذا جعلنا المرفوع (زيدا) وبعده (إلا عمرو) لم يجز رفع (عمرو) لأن المرفوع بعد (إلا) إنما يرفع على أحد وجهين:
إما أن يرفع إذا فرغ له الفعل الذي قبل (إلا) أو يجعل بدلا من المرفوع الذي قبله.
وليس في (عمرو) وجه من وجهي الرفع؛ لأن الفعل قد ارتفع به (زيد) وفرغ له ولا اسم قبله يبدل منه.
ولا يجوز أن يكون بدلا من (زيد) لأن (عمرا) لا يكون بدلا من (زيد) لأنه
ليس به ولا ببعضه ولا مشتمل عليه.
فوجب النصب على ما يوجهه الاستثناء.
وقد ثبت للاسمين الإتيان الذي نفي عن غيرهما.
وهما جميعا مستثنيان، ومما يدل على أنهما مستثنيان جميعا: أنك لو أخرت المستثنى منه وقدمتهما نصبتهما كقولك:
ما لي إلا عمرا إلا بشرا أحد.
ومما يدل على ذلك ويكشفه قول الكميت:
وما لي إلا الله غيرك ناصر
فنفى كل ناصر سوى الله- عز وجل- وسوى هذا المخاطب.
وأما بيت الفرزدق ففي إنشاده أربعة أوجه:
أحدها: رفع (غير واحدة) ورفع (دار مروان)
الثاني: رفع (غير) ونصب (دار مروان)
الثالث: نصب (غير) ونصب (دار مروان)
الرابع: نصبهما جميعا.
فإذا رفعا ففي رفعهما وجهان:
أحدهما: أن ترفع (غير واحد) (نعتا لدار) التي قبلها فيكون معناه ما بالمدينة دار جامعة دورا ومقاصير وحجرا كما يكون دار الخلفاء والأمراء ونحوهم.
فكأنه قال: ما بالمدينة دار جامعة دورا إلا دار مروان، وتبدل (دار مروان) من (دار) المنفية.
والوجه الثاني: في رفعهما أن يجعل (غير واحدة) استثناء، فكأنه قال: (ما بالمدينة إلا دار واحدة).
كأنه لم يعد دور المدينة دورا.
استصغارا لها.
كما يقال (ما ببغداد إلا رجل واحد) إذا لم يعد رجالهم رجالا، بالإضافة إلى ذلك الرجل لما عنده من الكفاية والغناء الذي ليس عندهم.
وتقديره: ما بالمدينة إلا دار واحدة وهي دار الخليفة ثم يبدل (دار مروان) منها لأن (دار مروان) هي دار الخليفة.
فيكون بمنزلة قولك: (ما أتاني إلا زيد إلا أبو عبد الله) إذا كان أبو عبد الله هو زيد.
وإذا رفع أحدهما ونصب الآخر فهما مستثنيان بمنزلة قولك: ما أتاني أحد إلا زيد إلا عمرا.
وإلا زيدا إلا عمرو.
وإذا نصبهما جميعا: فلأنّ الكلام قد تم بقولك ما بالمدينة دار ثم نصبهما جميعا على الاستثناء، كما تقول: ما أتاني
أحد إلا زيدا إلا عمرا.
فيستثنيهما جميعا ولا يبدل.
واعلم أنه إذا أتى استثناءان يمكن أن يكون الثاني منهما مستثنى من الأول، فإن الاختيار أن يكون الثاني محطوطا من الأول كقولك: (لزيد عليّ عشرة دراهم إلا أربعة إلا
درهما) فالوجه: أن تجعل الدرهم استثناء من أربعة فيبقى من الأربعة ثلاثة.
وتكون ما بقي من الأربعة هو الاستثناء من عشرة.
فيبقى من العشرة سبعة ولا يضر أن يكون المستثنى نصف المستثنى منه أو أكثر من النصف بعد أن يكون أقل من المستثنى منه.
فإذا اجتمعت استثناءات كل واحد منها أقل من الذي يليه فإنك تعمد إلى الاستثناء الأخير فتنقصه من الذي قبله.
فتنظر ما بقي منه فتنقصه من الذي قبله، فلا تزال كذلك حتى تنتهي إلى الاستثناء الأول.
مثال ذلك: أن يقول رجل: لزيد عليّ عشرة دراهم إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا درهمين إلا درهما.
فالحكم في ذلك: أن عليه خمسة دراهم.
وذلك إذا عمدنا إلى آخر الاستثناءات وهو درهم فنقصناه من درهمين فبقى درهم، فنقصنا الدرهم من ثلاثة فبقى درهمان، فنقصنا الدرهمين من أربعة فيبقى درهمان، فتنقصهما من الخمسة فيبقى ثلاثة، فتنقصها من ستة فيبقى ثلاثة، فتنقصها من سبعة فيبقى أربعة، فتنقصها من ثمانية فيبقى أربعة، فتنقصها من تسعة فيبقى خمسة، فتنقصها من عشرة فيبقى خمسة.
فهذه الخمسة التي هي عليه.
وتقريب الحساب في ذلك أن تبتدئ بأول الاستثناءات فتنقصه من المال المقر به المستثنى منه.
ثم تزيد بالاستثناء على ما بقي وتنقص الثالث وتزيد الرابع وتنقص الخامس إلى أن تنتهي إلى المستثنى الأخير.
مثال ذلك: مسألتنا: تنقص التسعة من العشرة فيبقى واحد وتزيد الثمانية فيصير تسعة وتنقص السبعة فيبقى اثنان وتزيد الستة فيصير ثمانية، وتنقص الخمسة فيصير ثلاثة وتزيد الأربعة فيصير سبعة، وتنقص الثلاثة فيصير أربعة، وتزيد اثنين فيصير ستة، وتنقص واحدا فيبقى خمسة.
وذلك ما حصل على المقر.
فإن كان بعض الاستثناءات أكثر من الذي قبله بطل استثناؤه منه.
وصار فيه قولان:
أحدهما: أن يزاد على المستثنى منه.
والآخر: أن ينقص منه.
كقول القائل: له عليّ عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا أربعة.
أحد القولين: أن الأربعة تزاد على العشرة وتنقص الثلاثة من العشرة فالذي يحصل عليه من الإقرار أحد عشر درهما، كأنه قال: له علي عشرة دراهم إلا ثلاثة.
وقوله إلا أربعة أي سوى أربعة له علي، فعشرة إلا ثلاثة سبعة، وتزاد عليها الأربعة فيصير أحد عشر.
وهذا قول الفراء.
والقول الآخر: أن تنقص الثلاثة والأربعة جميعا من العشرة.
وبعض الفقهاء يذهب إلى أن الاستثناءين يحطان من جملة ما أقر به إذا أمكن استثناؤه منه إن كان يمكن استثناء الثاني من الذي قبله كقولك: له علي عشرة دراهم إلا أربعة إلا درهما.
نجعل الأربعة والدرهم جميعا مستثنين من العشرة فيصير عليه خمسة.
وعلى القول الأول المختار ينقص الدرهم من الأربعة وما يبقى وهو ثلاثة ينقص من العشرة فيبقى سبعة، والاختيار ما ذكرناه أولا.
وكرهنا الإطالة في ذلك والاحتجاج له لئلا نخرج عن غرض الكتاب.
وقوله:
ما لك من شيخك إلا عمله … إلا رسيمه وإلا رمله (1)
(إلا رسيمه) بدل من قوله: (إلا عمله).
لأن رسيمه بعض عمله، فتبدل كإبدال بعض من كل كقولك: نفعك عملك: رسيمك ورملك، وهما ضربان من المشي يعني بهما في الطواف والسعي.
فالرمل في الطواف والرسيم: السعي بين الصفا والمروة.
هذا باب ما يكون مبتدأ بعد (إلا)
وذلك قولك: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه، كأنك قلت: مررت بقوم زيد خير منهم.
إلا أنك أدخلت (إلا) لتجعل (زيدا) خيرا من جميع من مررت به.
ولو قال: مررت بناس زيد خير منهم لجاز أن يكون قد مر بناس آخرين هم خير من زيد.
فإنما قال: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه؛ ليخبر أنه لم يمرر بأحد يفضل زيدا.
ومثل ذلك قول العرب: والله لأفعلن كذا وكذا إلا حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا.
فإن (أفعل كذا وكذا) بمنزلة فعل كذا وكذا وهو مبني على (حل) و (حل) مبتدأ، كأنه قال: ولكن حل ذلك أن أفعل كذا وكذا.
وأما قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل.
فإن (تفعل) في موضع نصب والمعنى:
حتى تفعل، أو كأنه قال: أو تفعل والأول مبتدأ مبنّي عليه.1
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن حروف الاستثناء تدخل بين الاسم وخبره والحال وصاحبه.
ومن الحال المبتدأ وخبره، فإذا قلت: (ما مررت بأحد إلا زيد خير منه) ف (زيد خير منه) مبتدأ وخبر.
ويجوز أن تدخل عليه الواو كما تدخل على المبتدإ الذي في معنى الحال فتقول: ما مررت بأحد إلا وزيد خير منه.
قال الشاعر:
ما أعطياني ولا سألتهما … إلّا وإنّي لحاجزي كرمي (1)
وعلى هذا يجوز أن تقول: (ما كلمت أحدا إلا وزيد حاضر) ولا يجوز حذف الواو من هذا كما جاز حذفها من الأول؛ لأن هذا ليس فيه ذكر يعود إلى الأول، وإنما يربطه به الواو، والأول فيه ذكر يرجع إلى الأول، فأنت مخير في ذكر الواو وتركها.
وأما قولهم: والله لأفعلن كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا وكذا.
(حل) مبتدأ و (أن) خبره و (إلا) في معنى (لكن).
وإنما دخلت (إلا) بمعنى (لكن) لأن ما بعدها مخالف لما قبلها.
وذلك أن قوله:
والله لأفعلن كذا وكذا عقد يمين عقده على نفسه، و (حله) إبطاله ونقضه كأنه قال: علي فعل كذا معقود.
ولكن بطلان العقد كذا.
وهذا مذهب (لكن) ومعناه فقد ذكرنا نحوه.
وأما قوله: (والله لا أفعل إلا أن تفعل) فتقديره: لا أفعل إلا بعد فعلك أو إلا مع فعلك.
ف (أن) وما بعدها منصوب على الظرف، وتقديرها تقدير مصدر وضع موضع ظرف زمان كقولك: والله لا أفعل كذا وكذا إلا مقدم الحاج وإلا خفوق النجم.
وما أشبه ذلك، على معنى: إلا وقت مقدم الحاج ووقت خفوق النجم.
هذا باب (غير)
اعلم أن (غيرا) أبدا سوى المضاف إليه.
ولكنه يكون فيه معنى (إلا) فيجري مجرى الاسم الذي بعد (إلا) وهو الاسم الذي يكون داخلا فيما يخرج منه غيره.
وخارجا مما يدخل فيه غيره.
فأما خروجه مما يدخل فيه غيره: فأتاني القوم غير زيد ف (زيد) غير الذين جاءوا.
ولكن فيه معنى (إلا) فصار بمنزلة الاسم الذي بعد (إلا).
وأما دخوله فيما يخرج منه غيره: فما أتاني غير زيد، وقد يكون بمنزلة (مثل)1
ليس فيه معنى (إلا) وكل موضع جاز فيه الاستثناء (بإلا) جاز (بغير) وجرى مجرى الاسم الذي بعد (إلا) لأنه اسم بمنزلته وفيه معنى (إلا) ولو جاز أن تقول: (أتاني القوم زيدا) تريد الاستثناء ولا تذكر (إلا) لما كان نصبا.
ولا يجوز أن يكون (غير) بمنزلة الاسم الذي يبتدأ بعد (إلا) وذلك لأنهم لم يجعلوا فيه معنى (إلا) وإنما أدخلوا فيه معنى الاستثناء في كل موضع يكون فيه بمنزلة (مثل) ويجزئ من الاستثناء.
ألا ترى أنه لو قال: أتاني غير عمرو.
كان قد أخبر بأنه لم يأته عمرو.
وإن كان قد يستقيم أن يكون قد أتاه فقد يستغنى به في مواضع من الاستثناء.
ولو قال: ما أتاني غير زيد يريد بها منزلة (مثل) لكان مجزيا من الاستثناء، كأنه قال: ما أتاني الذي هو غير زيد فهذا يجزئ من قوله: ما أتاني إلا زيد.
قال أبو سعيد: الأصل في الاستثناء (إلا) وهو الحرف الموضوع له وحملت (غير) عليه لمخالفتها لما أضيفت إليه.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بغير زيد (فالذي وقع به المرور غير زيد) وزيد لم يقع به مرور.
ولو قلت: ما مررت بغير زيد.
لكان الذي نفى عنه المرور ليس بزيد.
وهو (غير) ولم ينف المرور عن زيد.
فلما كان في (غير) من مخالفتها للاسم الذي بعدها مثل مخالفة ما قبل (إلا) لما بعدها.
جعلت هي وما أضيفت إليه بمنزلة (إلّا) وما بعدها.
ومن أجل أن (إلا) حرف لا يعمل شيئا ولا يقع عليه عامل وكان ما قبلها مقتضيا لما بعدها تخطى عمل ما قبلها إلى الاسم الذي بعدها، فعمل فيه كقولك: ما قام إلا زيدا.
وما مررت إلا بزيد.
و (غير) اسم تعمل فيه العوامل وما بعدها لا يعمل فيه شيء سواها؛ لأن إضافتها إليه لازمة، فيصير الإعراب الذي يحصل في الاسم بعد (إلا) يحصل في نفس (غير).
وإنما تكون (غير) بمنزلة (إلا) في الاستثناء فقط، ولا يكون بمنزلة (إلا) في الابتداء.
حتى يكون الاسم الذي بعد (إلا) تصح إضافة (غير) إليه؛ لأن (غيرا) إنما تخالف الاسم الذي أضيفت إليه دون غيره.
فإذا كان ما بعد (إلا) مبتدأ وخبرا لم تقع (غير) موقعه؛ كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد خير منه.
ولا يجوز: (ما أتاني أحد غير زيد خير منه) في موضع (إلا) وذلك لوجهين:
أحدهما: أن (غيرا) إنما تكون بمنزلة (إلا) إذا كان بعد (إلا) اسم يصح إضافة (غير) إليه.
لأن (غيرا) ليست تخالف سوى الاسم الذي أضيفت إليه.
والوجه الثاني: أن (إلا) يقع بعدها فعل وفاعل، ولا تقع (غير) موقعها.
كقولك:
(ما أتاني أحد إلا يضحك) ولا يجوز (غير يضحك).
ولا تصح إضافة (غير) إلى المبتدإ والخبر كما لا تصح إضافته إلى الفعل.
ووجه آخر: سوى الوجهين الأولين: وهو أنّا لو جعلنا (غيرا) مبتدأ لباينت (إلا) في المعنى؛ لأنك إذا قلت: ما أتاني أحد غير زيد خير منه.
فإنما زعمت أن كل من أتاك غير زيد ليس بخير منه ولم تفضل زيدا عليه.
وإنما نفيت أن يكون غير زيد خيرا منه.
ويبين سيبويه أن (غيرا) تجزئ من الاستثناء وإن لم تكن لاستثناء ليقوى الاستثناء بها في الموضع الذي جعلت فيه بمنزلة (إلّا) وذلك قولك: أتاني غير عمرو و (غير) فاعل (أتاني) ولا يكون بمعنى (إلا).
لأنك لا تقول: أتاني إلا عمرو.
وقد أغني عن الاستثناء؛ لأن الذي يفهم به: أن عمر ما أتاك فخرج (عمرو) عن الإتيان كخروجه بالاستثناء إذا قلت: أتاني كل آت إلا عمرا.
وقد يستقيم في حقيقة اللفظ أن يكون عمرو أتاه.
وذلك أن قوله: أتاني غير عمرو.
ظاهر اللفظ أن غير (عمرو) أتاه.
وليس في إتيان غير عمرو نفي لإتيان عمرو كما لو قال: أتاني عدو زيد.
لم يكن فيه دلالة على أن (زيدا) لم يأته.
ولو قال قائل: (ما أتاني غير زيد) ولم يرد به الاستثناء كان حقيقة الكلام أن غير زيد ما أتاه.
وزيد مسكوت عنه يجوز أن يكون قد أتى ويجوز أن يكون لم يأت، غير أنّ العادة جرت بأن يراد بمثل هذا الكلام: أن زيدا داخل في الفعل الذي خرج عنه غيره.
وخارج عن الفعل الذي دخل فيه غيره.
ولو قال قائل: (ما أتاني غير زيد) ولا يريد إثبات الإتيان لزيد.
لم يكن كاذبا.
ولكنه ملغز ملبس.
وقال أبو سعيد: يعمل ما قبل (إلا) فيما بعدها ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وتقول: (ما يأكل زيد إلا طعامك.
وما زيد آكل إلا طعامك).
ولا تقول: ما زيد طعامك إلا آكل.
وما زيد طعامك إلّا يأكل.
ومنزلة (إلّا) في هذا كمنزلة واو العطف يعمل ما قبلها فيما بعدها ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
تقول: ضربت زيدا وعمرا.
واختصم زيد وعمرو.
فقد عمل ما قبل
الواو من الفعل فيما بعده.
ولو قلت: ضربت زيدا وأكرمت عمرا لم يجز أن تقول: عمرا وأكرمت.
وأنت تريد: وأكرمت عمرا.
وإنما عمل ما قبلها فيما بعدها؛ لأن حرف الاستثناء والعطف لا يبتدآن.
وإنما يؤتى بهما ليعلق ما بعدها بمعنى ما قبلها فلا بد من تأثير ما قبلهما فيهما.
وأما اختلاف النسخ: فالذي يقول: فأما خروجه مما دخل فيه غيره فأتاني القوم غير زيد يريد: خروج زيد مما دخل فيه القوم.
والذي يقول: فأما دخوله فيما خرج منه غيره يريد: دخول (غير) لأن (غير) دخل في الإتيان الذي خرج منه زيد.
هذا باب ما أجري على موضع غير، لا على ما بعد غير
زعم الخليل ويونس جميعا أنه يجوز: ما أتاني غير زيد وعمرو.
والوجه الجرّ.
وذلك أنّ غير زيد في موضع إلا زيد وفي معناه، فحملوه على الموضع كما قالوا:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (1)
فلما كان في موضع إلا زيد وكان معناه كمعناه حملوه على الموضع.
والدليل على ذلك أنك إذا قلت: غير زيد فكأنك قد قلت: إلا زيد ألا ترى أنك تقول: ما أتاني غير زيد وإلا عمرو فلا يقبح الكلام، كأنك قلت: ما أتاني إلا زيد وإلا عمرو.
قال أبو سعيد: رد الاعتبار إلى (إلا) لأنها أصل الاستثناء، وأدخلها إلّا على الاسمين حتى أرى صحة معنى الاستثناء فيهما، والباب مفهوم مستغن عن الشرح.
هذا باب يحذف المستثنى منه استخفافا
وذلك قولك: (ليس غير)، و (ليس إلّا) كأنه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنهم حذفوا ذاك تخفيفا.
ومثل ذلك أيضا: ما منهم إلا قد قال ذاك، إنما يريد: ما منهم أحد إلا قد قال ذاك، ولكنه حذفه تخفيفا، واكتفاء بعلم المخاطب ما يعني.
وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا1
وكذا، وإنما يريد ما منهما واحد مات ومثل ذلك: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء: 159]. ومثل ذلك من الشعر قول النابغة الذبياني:
كأنك من جمال بني أقيش … يقعقع خلف رجليه بشنّ 1
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش.
ومثل ذلك أيضا قوله:
لو قلت ما في قومها لم تيثم … يفضلها في حسب وميسم 2
يريد: ما في قومها أحد، فحذفوا، كما قالوا: لو أنّ زيدا هاهنا، وإنما يريدون:
لكان، كذا وكذا.
وقولهم: ليس أحد أي ليس: هاهنا أحد فكلّ ذا حذف تخفيفا، واستغناء بعلم المخاطب بما يعني.
ومثل البيتين الأولين قول الشاعر، وهو ابن مقبل:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما … أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح 3
وإنما يريد: فمنهما تارة أموت وأخرى...
ومثل ذلك قولهم: ليس غير، هذا الذي أمس، يريد: الذي فعل أمس.
وقوله، وهو العجاج:
بعد اللّتيا واللّتيا والتي 4
فليس حذف المضاف إليه في كلامهم بأشدّ من حذف تمام الاسم.
قال أبو سعيد: الحذف الذي استعملوه بعد إلا وغير إنما يستعمل إذا كانت إلا وغير بعد ليس، ولو كان مكان ليس غيرها من ألفاظ الجحد لم يجز الحذف.
لا تقول بدل ليس إلا: لم يكن إلا: لم يكن غير.
قال أبو الحسن الأخفش: إذا أضفت غير فقلت: غيره، أو غير ذلك أو نحوه، جاز
فيه الرفع والنصب.
فأمّا من نصب فقال: جاءني زيد ليس غيره فإنه يضمر الاسم، فكأنه قال: ليس الجائي غيره، أو ليس الآمر غيره أو نحو ذلك.
وأمّا من رفع فإنه يضمر الخبر المنصوب، ويقول: جاءني زيد ليس غيره أي ليس غير هذا صحيحا، أو نحو هذا مما يكون خبرا له، ويجوز عنده إذا أضاف غيرا أن يأتي بها بعد لم يكن، فتقول: جاءني زيد لم يكن غيره، وغيره: بالرفع والنصب على التفسيرين اللذين فسرنا، وزعم أنّ الضمير في كان كثير، نحو قولك: إن خيرا فخير وإن خير فخير على إن كان، وقال: تقول: جئتني ليس غيرك، وليس غيرك، ولم يكن غيرك، وغيرك.
فإذا ذكر غير ولم يضفها فإن الأخفش أجاز فتحها وضمها على نية الإضافة، وشبّهها ب:
يا تيم تيم عديّ.. 1 …...
وزعم أن تيم الأول قد حذف منه المضاف إليه وبقي على لفظ ما هو مضاف غير منون.
وذكر الأخفش أنّ بعضهم ينوّن غيرا؛ لأنه في اللفظ غير مضاف، وينبغي أن يكون تنوينه على وجهي الرفع والنصب جميعا.
وقال المجرمي: أخذت عشرة ليس إلا، وليس غير، يضمّون، وأجوده.
ليس غيرها، وليس إلا إياها.
قال أبو سعيد: يقيسه على قولهم: أتاني القوم ليس زيدا، وباقي ما ذكره في الباب من الحذف مفهوم.
قال أبو سعيد: أكثر ما يأتي الحذف مع من؛ لأنّ من تدل على التبعيض، وأقلّ أجزاء العدد واحد، وقد جاء في القرآن وإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به وجاء الحذف مع في، وليس مثل من في الكثرة.
وقوله: فمنهما أموت، أي: فمنهما تارة أموت فيها أو أموتها، وأخرى أبتغي فيها العيش أو أبتغيها.
وقوله: بعد اللّتيّا واللّتيّا والتي حذف صلة هذه الموصولات، وذلك في شدّة الأمر وعظمه.
فكأنه قال: بعد الحال التي تناهت شدتها، أو عظمت بليّتها، أو نحو ذلك من تعظيم أحوال الشّدة، وهذا كلّه احتجاج في حذف الاسم بعد إلا.
قال أبو سعيد:
بعد اللّتيا واللّتيا والتي … إذا علتها أنفس تردّت (1)
وهي لا محالة صلة لما قبلها، وإنما يعني: بعد مراكب من الهول والشّدة إذا ركبتها أنفس تردّت، أي هلكت.
ويجوز أن يكون صلة لأخراها، وصلة الأوليين محذوفة، ويجوز أن يكون جعلها كلّها كشيء واحد؛ لأنها في مذهب واحد، وجعل الصلة لها كلّها كأنها موصول واحد، ومثله مما احتجّ به حذف أحد من قوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا... (2) وحذف المضاف إليه من غير وهو أسهل من حذف الصلة بعد الموصول؛ لأنّ المضاف قد يستغني عن المضاف إليه، ولا يستغني الموصول عن الصلة؛ ألا ترى أنا لو حذفنا زيد من غلام زيد لجاز أن تقول: مررت بغلام، ولو حذف صلة من من قولك:
مررت بمن في الدار لم يجز أن تقول: مررت بمن؛ فاعرف ذلك إن شاء الله.
ويجوز أن يكون تصغير اللّتيا لمّا كان دلالة على الشّدّة والجهد عرف معناه فأغني عن الصلة؛ لأنّ الصلة توضح ما لا يعرف، ودخلت التي في معنى اللّتيا بالعطف.
هذا باب لا يكون وليس وما أشبههما
فإذا جاءتا وفيهما معنى الاستثناء فإنّ فيهما إضمارا، على هذا وقع فيهما معنى الاستثناء، كما أنه لا يقع معنى النهي في حسبك إلّا أن يكون مبتدأ.
وذلك قولك: أتاني القوم ليس زيدا، وأتوني لا يكون زيدا، وما أتاني أحد لا يكون زيدا، كأنه حين قال: أتوني، صار المخاطب عنده قد وقع في خلده أنّ بعض الآتين زيد، حتى كأنه قال: بعضهم زيد، فكأنه قال: ليس بعضهم زيدا.
وترك إظهار بعض استغناء، كما ترك الإظهار في لات حين ذاك.
فهذه حالهما في حال الاستثناء، وعلى هذا وقع فيهما الاستثناء؛ فأجرهما كما أجروهما.
وقد يكون صفة، وهو قول الخليل.
وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدا، وما أتاني رجل لا يكون زيدا إذا جعلت ليس، ولا يكون، بمنزلة قولك: ما أتاني أحد لا يقول ذاك، إذا كان لا يقول ذاك في موضع قائل ذلك.
ويدلك على أنه صفة أنّ بعضهم يقول: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة، وما أتتني12