شرح كتاب سيبويهصفحات 3-43

شرح كتاب سيبويه

تأليف أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة 368 هـ

تحقيق أحمد حسن مهدلي علي سيد علي

[المجلد الأول]

دار الكتب العلمية

المقدمة لقد مدح أبو عثمان الجاحظ أنواع العلوم، ومنها علم النحو، حيث سئل عنه، فقال: " يبسط من العي اللسان، ويجزي من حصر البيان، وبه يسلم من هجنة اللحن وتخريف القول، وهو آلة لصواب المنطق، وتسديد لكلام العرب (1). ومن هنا كانت المكانة الرفيعة التي حظي بها كتاب سيبويه، أو (أبو النحو العربي) كما يطلقون عليه، الذي يعتبر تصنيفه (الكتاب) أشهر كتاب في النحو، فكان جديرا بالتربع- دون منازع- على قمة علم النحو، إذ أن مكانة سيبويه وأهميته ترجع إلى أنه أول من سجل قواعد النحو العربي، وأرسى أسس معالمه واتجاهاته.
وقد اقتضت الأمانة العلمية أن نذكر فضل المستشرق الفرنسي (هرتويج دبرنبورج) على كتاب سيبويه، حيث نشره في العام 1881، أي قبل أن تظهر طبعة بولاق بمصر بعشرين عاما، وذلك في ألف صفحة مع مقدمة وحواش في مجلدين، مع ترجمته إلى الفرنسية (2). ومن هذه المكانة الرفيعة التي اعتلاها (الكتاب) استمد (شرح أبي سعيد

السيرافي

) شهرته وتفرده بالصيت دون سائر الشروح التي تعرضت للكتاب؛ لأنه أقدم شرح وصل إلى أيدينا، فكان محور اهتمام الباحثين والدارسين في الشرق والغرب على السواء.
ولعل المستشرق الألماني (يان) من أسبق الذين نشروا مقتطفات من (شرح السيرافي)، عند ما نقل كتاب سيبويه إلى اللغة الألمانية.. وهي ذات المقتطفات التي استعانت بها مطبعة بولاق بمصر عند ما نشرت كتاب12

سيبويه، فكانت- بحق- إشراقة فجر التعريف ب ﴿السيرافي﴾ في البيئة العربية اللغوية، حيث اطلع القراء على بعض من شروحه للكتاب عند ما تداولته الأيدي من مطبعة بولاق.
ومع هذه المبادرة المبكرة التي كنا نأمل أن تكون فاتحة للمزيد، إلا أن (شرح السيرافي) لم يحظ بوضوح النهار الذي بدأ فجره الألماني (يان) فاستمرت النسخ المخطوطة لشرح السيرافي حبيسة الأسر والظلمات عشرات السنين، إلى أن تنبهت إليه الأوساط البحثية في الثلث الأخير من القرن العشرين.!! إلى أن شاءت المقادير أن نتعرض- مرة أخرى- بعد هذه الصحوة المتأخرة، لنعيد قراءة (شرح السيرافي) ندلو بدلونا في هذا المضمار مسترشدين بمحاولات من سبقونا، آملين أن نضيف بعضا مما نراه يسهم في اقتراب النص إلى الكمال، ولله الكمال وحده، وهي غاية البحث والتحقيق أن يصلا بالنص إلى الصورة التامة التي قصدها المؤلف.
السيرافي: ترجمت له كتب التراجم والطبقات، ولكن أقدم هذه التراجم، ما ورد في كتاب (الفهرست) لابن النديم الذي ألفه عام 377 هـ، حيث يقول: " قال الشيخ أبو أحمد، أمده الله: أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان، وأصله من فارس، مولده ب (سيراف)، وفيها ابتدأ بطلب العلم، وخرج عنها قبل العشرين من عمره، ومضى إلى عمان وتفقه بها، ثم عاد إلى سيراف، ومضى إلى العسكر فأقام بها مدة ولقي محمد بن عمر الصيمري المتكلم، وكان يقدّمه ويفضله على جميع أصحابه، وكان فقيها على مذاهب العلماء العراقيين، وخلف القاضي أبا محمد بن معروف على قضاء الجانب الشرقي، وكان أستاذه في النحو، ثم الجانبين، وكان الكرخي الفقيه يقدمه ويفضله، وعقد له حلقة يفتي فيها، ومولده قبل التسعين، وتوفي في رجب لليلتين خلتا من سنة ثمان وستين وثلاث مائة " 1. وكتب التراجم والطبقات- على رحابتها- التي ذكرت السيرافي قد تراوحت بين أمرين من حياة الرجل:

فمنها ما اهتم بذكر المصنفات والمؤلفات، كما هو مستفاد من كتاب (ابن النديم) الفهرست، ومنها ما اهتم بذكر حياته الإنسانية والعلمية، كما أخبرنا (البغدادي) المتوفى (464 هـ) في كتابه: تاريخ بغداد.
ثم أن ما تلا هذين المصنفين من كتب التراجم والطبقات، قد اقتفى آثارهما واعتمد عليهما في ثبت المعلومات، عن حياة السيرافي وتاريخه العلمي.
نذكر منها:

  • كتاب الأنساب للسمعاني (ت 562 هـ).
  • نزهة الألباء، لابن الأنباري (ت 577 هـ).
  • إرشاد الأريب، لياقوت الحموي (ت 620 هـ). ويعتبر إرشاد الأريب من أهم المصادر المتأخرة التي اعتنت بحياة السيرافي.
    ثم توالت المؤلفات والمصادر التي تعني بتراجم الأعلام، وهي على تواترها- أي المؤلفات والمصادر- لا ترقى إلى مرتبة كتابي: الفهرست، لابن النديم، وتاريخ بغداد، للبغدادي.

السيرافي العالم

: السيرافي، نسبة إلى مكان ميلاده (سيراف) وهي مدينة من مدن بلاد فارس حيث تربطها علاقات تجارية مع بلاد الهند بحكم موقعها الجغرافي، الواقع جنوبا من بلاد فارس.
وقد أتاحت له نشأته أن يتقن الفارسية، لغة قومه وعشيرته، واللغة العربية، التي كانت- إذا صح التعبير- لغة المراسم والدواوين، فضلا عن كونها لسان التخاطب بين سائر الناس من سكان البلاد.
وكان السيرافي قد أتمّ بعضا من معارفه وعلومه اليسيرة في مدينته (سيراف) حيث إنها لم تكن بيئة علمية، وإنما كانت- كما ذكرنا- مركزا للتجارة والمال.
ثم انصرف عن (سيراف) مسقط رأسه قبيل بلوغه عامه العشرين من عمره قاصدا بلاد (عمان) لدراسة علوم الفقه، ثم ارتحل إلى (عسكر مكرم) حيث انتظم في حلقات الصّيمري المعتزلي، المتوفى سنة 315 هـ، فكان السيرافي نابغة الحلقة وفارسها الذي يشار إليه بالبنان.
ونظرا لأن بغداد- حاضرة حواضر الدنيا- كانت ذاخرة بالمعارف والعلوم

والعلماء، فأحبّ أبو سعيد أن يسبح في موجات معارفها وعلومها، إذ كانت بغداد مطمح العلماء ومقصد المتعلمين وقبلتهم.
فوصل السيرافي إلى بغداد لينهل من روافدها، التي صنعت منه- فيما بعد- لغويّا عالما بأسرار العربية، فذاع صيته حتى أفاء الله عليه بوضع شرحه المستفيض لكتاب الكتب (الكتاب) لإمام النحويين سيبويه، الذي كان محور الدراسات اللغوية وعمدتها في بغداد، ثم طارت شهرة السيرافي وملأت الفضاء على رحابته، فعرف كمدرس وقاض.
ولكنهما- كمهنة- لم يكفياه مؤنة العيش، فقد كان زاهدا لا يعتاش إلا من كدّ يده، فكان يعتمد على مهنة النسخ حيث ينسخ في اليوم بعض وريقات تكفيه دراهمها المعدودات متطلبات الحياة فحسب، فقد كان يرى- وهو الزاهد- ضرورة التدريس بدون مقابل، كما كان يرفض أجره عن عمله كقاض؛ لأن نشر العدالة، ورد المظالم، وإعادة الحقوق يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، هكذا كانت حياته وفلسفته ورسالته، ولعلها كانت سمة من سمات السلف؛ لأن التاريخ العربي الإسلامي حافل بالأعلام الذين لم يتقاضوا أجرا مقابل التدريس والقضاء... !

شيوخه

:

  • أبو بكر محمد بن السري، المعروف ب (ابن السرّاج).
  • أبو بكر محمد بن علي، المعروف ب (مبرمان).
  • أبو بكر بن دريد.
  • أبو بكر بن مجاهد (عالم القراءات).
  • الصيمري المعتزلي.

تلاميذه

:

  • إبراهيم بن علي إسحاق الفارسي.
  • أحمد بن بكر العبدي.
  • إسماعيل بن حماد الجوهري.
    (ت 313 هـ). صاحب معجم الصحاح.
  • أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيدي الأندلسي.
  • أبو حيان التوحيدي.
    (ت 414 هـ).
  • الحسين بن محمد بن جعفر.
    (ت 388 هـ).
  • ابن خالويه، اللغوي.
    (ت 370 هـ).
  • عبد الله بن الرقاق.
    (ت 387 هـ).
  • عبد الواحد بن رزمه.
  • عبيد الله بن أحمد العراري.
    (ت 382 هـ).
  • علي عبد الله السمعي.
    (ت 415 هـ).
  • علي بن عبيد بن الرقاق.
    (ت 345 هـ).
  • علي بن عيسى الربعي، النحوي.
    (ت 420 هـ).
  • علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار.
    (ت 323 هـ).
  • محمد بن أحمد بن عمر الحلال.
  • محمد بن محمد بن عباد.
    (ت 334 هـ).
  • معز الدولة ابن بويه.

مؤلفاته

: 1 - شرح شواهد سيبويه.
2 - كتاب ألفات الوصل والقطع.
3 - كتاب أخبار النحويين البصريين.
4 - كتاب الوقف والابتداء.
5 - كتاب صنعة الشعر والبلاغة.
6 - الإقناع في النحو.
7 - شرح مقصورة ابن دريد.
8 - المدخل إلى سيبويه.

بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو سعيد: قال سيبويه:

هذا باب «علم ما الكلم من العربية»

هذا موضوع كتابه الذي نقله عنه أصحابه، ويسأل في ذلك عن أشياء: فأولها: أن يقال: إلام أشار سيبويه بقوله: " هذا ". والإشارة بها تقع إلى حاضر؟ فالجواب عن ذلك أنه يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون أشار إلى ما في نفسه من العلم، وذلك حاضر، كما يقول القائل: " قد نفعنا علمك هذا الذي تبثه، وكلامك هذا الذي تتكلم به ". والثاني: أن يكون أشار إلى متوقّع قد عرف وانتظر وقوعه في أقرب الأوقات إليه.
فجعله كالكائن الحاضر تقريبا لأمره، كقوله: " هذا الشتاء مقبل ". و " هذا الخليفة قادم "، ومثله قول الله عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ 1. والثالث: أن يكون وضع كلمة الإشارة غير مشير بها؛ ليشير بها عند الحاجة.
والفراغ من المشار إليه.
كقولك: " هذا ما شهد عليه الشهود المسمّون في هذا الكتاب " وإنما وضع ليشهدوا وما شهدوا بعد.
وأما " علم " فمصدر، إما أن يكون مصدر أن تعلم أو أن يعلم، لأن المصادر العاملة عمل الأفعال تقدر بأن الخفيفة والفعل بعدها.
فإذا قدّر " علم " بأن تعلم، كان الكلام على " ما " من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون استفهاما، فإذا كانت كذلك كان لفظها رفعا، لو تبين الإعراب فيه، ويكون ارتفاعه بالابتداء، ويكون " الكلم " خبره، أو يكون " الكلم " الابتداء، و " ما " خبر مقدمة، ويكون موضع الجملة التي هي ابتداء وخبر نصبا، ويكشف هذا المعنى لك أنك لو جعلت مكانها " أيّا " لقلت " هذا باب علم أي شيء الكلم من العربية، فترفع " أيّ " ويكون موضعها مع الكلم نصبا، لأنك أردت: هذا باب أن تعلم.
فإذا لم تكن استفهاما قلت: هذا باب علم مسألتك، وتبين الإعراب فيه؛ لأنه ليس باستفهام يمتنع عمل ما قبله فيه، وإنما لم يعلم ما قبل " أيّ " و " ما " والأسماء التي يستفهم بها فيها، من قبل أن هذه الأسماء المستفهم بها نائبة عن ألف الاستفهام، متضمنة لمعناها،

وليس بجائز أن يعمل ما قبل ألف الاستفهام فيما بعده؛ لأن حرف الاستفهام يقع صدر الكلام، كما تقع " ما " النافية، و " إنّ " المؤكدة، والحروف الداخلة على الجمل لها صدور الكلام.
والوجه الثاني من وجوه " ما " أن تكون بمعنى " الذي " ويكون صلتها هو " الكلم " و " هو " محذوفة، وحذفها جائز، كأنك قلت: هذا باب علم الذي هو الكلم " من العربية "، والدليل على جواز حذفها قول الله تعالى في قراءة بعضهم ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ 1 يريد الذي هو أحسن.
وكما قرأ بعضهم: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها 2 أراد ما هو بعوضة وكما قرأ بعضهم: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا 3 أراد أيهم هو.
بمعنى: الذي هو.
وحكى " الخليل " 4: " ما أنا بالذي قائل لك شيئا " أراد: بالذي هو قائل لك شيئا.
والوجه الثالث: أن تكون " ما " صلة، ويكون دخولها كخروجها في تغيير إعراب غيرها، إلا أنها تؤكد المعنى الذي تدخل فيه، فيكون اللفظ: هذا باب علم، ما الكلم من العربية.
وإذا كان " علم " مصدر " أن يعلم " كان الكلام فيه كالكلام في " أن تعلم " إلا في موضعين: أحدهما: موضع " ما " إذا جعلناه منصوبا هناك جعلناه مرفوعا هاهنا.
والوجه الثاني: إذا جعلنا " ما " صلة هناك، فنصبنا الكلم رفعناه هاهنا.
ويجوز إضافة " علم " وترك التنوين منها، و " ما " محتملة لوجوهها الثلاثة، فإذا كانت استفهاما، كان لفظها رفعا على ما قلنا آنفا وموضعها بما بعدها خفضا، وإذا كانت بمعنى " الذي " كانت مخفوضة بالإضافة، وصلتها على ما وصفنا، وإذا كانت صلة كان " الكلم " خفضا، ولفظه: هذا باب علم ما الكلم من العربية.

وفي صحة إضافة " علم " إلى " ما " - وهي استفهام- نظر؛ لأنه يجوز أن يفرق بين وقوع الخافض على الاستفهام، وبين وقوع الناصب، وذلك أن الناصب قد يعلّق ويبطل عمله؛ ألا ترى أنّا نقول: قد علمت " أزيد في الدار أم عمرو " و " علمت أيهم في الدار "، " وأتيت أيهم في الدار "، ولا نقول: " أنبئت بأيّهم في الدار، وأنبئت أيهم في الدار ". ويجوز تنوين " الباب "؛ فإذا نوّن جاز في " العلم " الرفع والنصب، فإذا نصبت فعلى التمييز، كأنك لما قلت: " هذا باب " احتمل أن يكون بابا من العلم وغيره، كما أنك إذا قلت: " أخذت عشرين " احتمل أن يكون من الدراهم وغيرها، فإذا ذكرت نوعا مما تحتمله نصبته، كذلك إذا ذكرت نوعا مما يحتمل " الباب " نصبته.
وإذا رفعته ففيه ثلاثة أوجه مرضيّة: أحدها: أن يكون " هذا " مبتدأ، و " باب " خبره، و " علم " خبر مبتدأ محذوف، كأنك قلت: هذا باب، هذا علم، أو قلت: هذا باب هو علم ما الكلم.
والثاني: أن يكون " باب " خبر " هذا "، ويكون " علم " بدلا منه واقعا موقعه، كأنك قلت: هذا " علم " ما الكلم.
والثالث: أن يكون " باب " و " علم " جميعا خبرين ل " هذا " كما تقول: " هذا حلو حامض " تريد: قد جمع الطعمين، ومثله قول الشاعر: من يك ذا بت فهذا بتي … مصيّف مقيّظ مشتى تخذته من نعجات ست … سود جعاد من نعاج الدست 1 ويجوز هذا بابا علم ما الكلم، فيكون " هذا " مبتدأ، وبابا منصوبا على الحال، والخبر علم، و " بابا " في معنى مبوّبا، والعامل في نصبه ما في هذا من التنبيه والإشارة، كقول الشاعر: أترضى بأنا لم تجف دماؤنا … وهذا عروسا باليمامة خالد 2 وأما " الكلم " فقد يسأل السائل فيقول: لم لم يقل: الكلام، أو الكلمات؟ لجواب أن الكلام يقع على القليل والكثير، والواحد والاثنين والجمع، والكلم: جماعة كلمة، كما

تقول: خلفة وخلف وخربة وخرب، وإنما أراد سيبويه أن يبين الاسم والفعل والحرف، وهي جمع، فأراد أن يعبر عنها بأشكل الألفاظ بها وأشبهها بحقيقتها، ولم يقل " الكلمات "؛ لأنها جمع مثل الكلم.
والكلم أخف منها في اللفظ، فاكتفى بالأخف عن الأثقل، إذ لم يكن في أحدهما مزية على الآخر.
ووجه ثان: أن الكلم اسم ذات الشيء، والكلام اسم الفعل المصرّف من الكلم، كما أن النعل الملبوسة اسم ذات الملبوس، والانتعال والتنعيل والإنعال، وما أشبهه اسم الفعل المصرّف منها، والفعل قبل ما صرّف منها، فكذلك الكلم قبلما يصرّف منها، وأقدمها في الرتبة اسم الذات، فذكره دون اسم الحدث، والمصدر الذي هو فرع، ولو ذكر الكلام، ما كان معيبا، ولكنه اختار الأفصح الأجود لمعناه الذي أراده.
وفي ذكرنا هذا ونحوه، والبحث عنه، مما يدرّب به المتعلم، وينشرح به صدر العالم.
وللسائل أن يسأل فيقول: لم قال: " الكلم من العربية "، والكلم أعمّ من العربية، لأنها تشملها والعجمية، وبعض الشيء أقل من جمعه، والذي يتصل بمن هو المبعّض لا البعض، وهو الكثير الذي يذكر منه القليل؟ قيل له: في ذلك جوابان: أحدهما: أنه ذكر " الكلم " التي هي شاملة على جميع موضع الكلام، وأراد بعضها، لأنه رائز سائغ ذكر اللفظ العام وإرادة البعض، ثم بيّن البعض المراد، خشية اللبس، فكأنه لما قال: " ما الكلم " وهو مريد لبعضها خشي ألا يفهم المعنى الذي هو مراده، فقال: " من العربية "، تبيينا لما أراد، وتلخيصا لما قص!، لئلا يبقى للسائل مسألة ولا للطاعن متعلّقا، ومثله قوله عز وجل: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ 1 لما كان الرجس يقع على الأوثان وغيرها بين الذي أراد بالنهي من ضروب الرجس.
والوجه الثاني: أن يكون أراد بالكلم الاسم والفعل والحرف الذي جاء لمعنى، وهو ما ضمنه هذا الباب الذي ترجمه به، وهذه الجملة هي اسم وفعل وحرف، هن بعض العربية؛ لأن العربية جملة وتفصيل، وليست هذه الجملة كل العربية، والدليل على ذلك أنه ليس من أحاط علما بحقيقة الاسم والفعل والحرف أحاط علما بالعربية كلها، والدليل

على هذا التأويل الثاني من قول سيبويه قوله: " هذا باب علم ما الكلم من العربية " ولم يقل: هذا كتاب علم، فقد أنبأك هذا عن صحة ما بينا، فجملة اللفظ في ترجمة هذا الباب: هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا باب علم ما الكلم من العربية.
هذا بابا علم ما الكلم من العربية هذا بابا علم ما الكلم من العربية هذا بابا علم ما الكلم من العربية هذا بابا علم ما الكلم من العربية هذا بابا علم ما الكلم من العربية فذلك خمسة عشر لفظا.
وأما إدخال الفاء في " الكلم " فلوجهين: أحدهما أن يكون جوابا للتنبيه الذي في قوله: " هذا " لأن التنبيه في معنى انظر وتنبه، فكأنه قال: انظر، فالكلم: اسم وفعل وحرف.
والوجه الثاني: أن كل جملة فهي مفيدة معنى ما، وعلى ذلك موضوعها، وقوله: " هذا باب علم ما الكلم " إلى آخر السطر، جملة مفيدة معنى، والجمل كلها يجوز أن تكون أجوبتها بالفاء كقولك: " زيد أبوك فقم إليه " فكأن الفاء في قوله: " فالكلم " جواب الفائدة التي في الترجمة، ودخول الفاء هاهنا كدخولها في الجواب من المجازاة وغيرها.
وإن سأل سائل فقال: لم قال: وحرف جاء لمعنى، وقد علمنا أن الأسماء والأفعال جئن لمعان؟

قيل له: إنما أراد: وحرف جاء لمعنى، في الاسم والفعل، وذلك أن الحروف إنما تجيء للتأكيد، كقولك: " إن زيدا أخوك "، وللنفي كقولك: " ما زيد أخاك " و " لم يقم أبوك "، وللعطف كقولنا: " قام زيد وعمرو " ولغير ذلك من المعاني التي تحدث في الأسماء والأفعال، وإنما تجيء الحروف مؤثرة في غيرها بالنفي والإثبات، والجمع والتفريق، وغير ذلك من المعاني.
والأسماء والأفعال معانيها في أنفسها، قائمة صحيحة، والدليل على ذلك أنه إذا قيل: ما الإنسان؟ كان الجواب عن ذلك أن يقال: الذي يكون حيّا ناطقا كاتبا، وإذا قيل ما الفرس؟ قال: الذي يكون حيّا له أربع قوائم وصهيل، وغير ذلك من الأوصاف، التي تخص المسمى.
وإذا قيل: ما معنى " قام "؟ قيل: وقوع قيام في زمان ماض فعقل معناه في نفسه قبل أن يتجاوز به إلى غيره، وليس كذلك الحروف؛ لأنه إذا قيل ما معنى " من "؟ كان الجواب: أنه يبعّض بها الجزء من الكل، الجزء غير " من " وكذلك الكل، ولم يعقل معنى تحتها غير الجزء والكل، فعلمنا أنها تؤثر في المعاني، ولا يعقل معناها إلا بغيرها.
ووجه آخر، وهو أن قوله: وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل.
أي جاء لمعنى ذلك المعنى ليس باسم، أي: ليس بدال عليه الاسم، " ولا فعل " أي: بدال عليه الفعل.
وفيه جواب آخر، وهو أن حروف المعاني، لما كانت تدخل لتغيير معنى ما تدخل عليه، أو إحداث معنى لم يكن فيه، فإذا انفردت لم تدل على ذلك، صارت بمنزلة الياء والتاء والنون والهمزة، اللاتي يدللن على الاستقبال، والألف التي تدخل في " ضارب " زائدة على حروف " ضرب " وتدل على اسم الفاعل، وحروف المضارعة، وألف ضارب وما يجري مجراه- كبعض حروف ما دخلن عليه، لتغييرها معنى إلى معنى كتغيير حروف المضارعة، وألف " ضارب ". وأما " الاسم " فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره، وينماز من الفعل والحرف، وذكر منه مثالا اكتفى به عن غيره، فقال: " الاسم رجل وفرس ". وإنما اختار هذا؛ لأنه أخف الأسماء الثلاثية، وأخفها ما كان نكرة للجنس، وهذا نحو " رجل وفرس ".

إن سأل سائل عن حد الاسم، فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شيء دل لفظه على معنى غير مقترن بزمان محصّل، من مضىّ أو غيره فهو اسم.
فهذا الحد الذي لا يخرج منه اسم البتة، ولا يدخل فيه غير اسم.
وتوهم بعض الناس أن " مضرب الشّول "، وما جرى مجراه، قد دل على الضّراب، وعلى الزمان الذي يقع فيه، وأراد بذلك إفساد ما ذكرناه من حد الفعل بدلالته على الحدث والزمان، وقد وهم فيما توهم؛ لأن الذي أردناه من الدلالة على الزمان، هو ما يدل عليه الفعل بلفظه من زمان ماض أو غير ماض، كقولك: " قام، ويقوم " و " مضرب " اسم للزمان الذي يقع فيه الضّراب دون الضرّاب، كقولنا: مشتى ومصيف، وقولك: " أتى مضرب الشول "، و " انقضى مضرب الشول ". كما يقال: جاء وقته، وذهب وقته.
ولو كانت الأسماء المشتقة توجب ألا ينفرد المشتق له بالاسم إلا أن ينضم إليه المعنى الذي اشتق منه اللفظ، لكان الزاني يقتضي الرجل والزنى جميعا، وكنا إذا قلنا لعن الله الزاني فقد أدخلنا الزنى معه في اللعن، وهذا بيّن الفساد.
وأما الفعل فللسائل أن يسأل فيقول: لم لقّب هذا بالفعل وقد علمنا أن الأشياء كلها أفعال لله تعالى ولخلقه: فالجواب في ذلك أن الفعل في حقيقته ما فعله فاعله فأحدثه، وإنما لقّب النحويون أشياء من ألفاظهم ليرتاض بها المتعلمون ويتناولوها من قرب، وجعلوا لكل شيء مما خالف معناه معنى غيره من الألفاظ التي يحتاجون إلى استعمالها كثيرا لقبا يرجع إليه: لئلا تتسع عليهم الألفاظ، فيدخل الشيء في غير بابه احتياطا، فلقبوا بالفعل كل ما دل لفظه على حدث مقترن بزمان، ماض، أو مستقبل، أو مبهم في الاستقبال والحال، لينماز مما لقبوه بالاسم والحرف.
فقال سيبويه: " وأما الفعل فأمثلة ": وقصد إلى هذا الجنس الذي ذكرناه، وقوله: " أمثلة " أراد به: أبنية؛ لأن أبنية الأفعال مختلفة، فمنها على " فعل " نحو " ضرب " ومنها على " فعل " نحو " علم " و " فعل " نحو " ظرف " وغير ذلك من الأبنية، وهي تسعة عشر بناء لما سمّي فاعله، ولا يعد فيها ما يلحق من الثلاثي بالرباعي كبيطر وحوقل وسلقى ونحو ذلك، وإنما بعد الثلاثة غير الملحقة، والرباعية يدخل فيها ما ألحق بها.

وقال: " أخذت من لفظ أحداث الأسماء ". يعني أن هذه الأبنية المختلفة أخذت من المصادر التي تحدثها الأسماء وإنما أراد بالأسماء أصحاب الأسماء وهم الفاعلون.
فإن سأل سائل، فقال ما الدليل على أن الأفعال مأخوذة من المصادر؟ قيل له في ذلك ثلاثة أوجه: أولها: أن الفعل دال على مصدر وزمان والمصدر يدل على نفسه فقط، وقد علمنا أن المصدر أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل وقد صح في الترتيب أن الواحد قبل الاثنين، فقد صح أن المصدر قبل الفعل؛ لأنه أحد الشيئين اللذين دل عليهما الفعل.
والوجه الثاني: أن الفعل يصاغ بأمثلة مختلفة، نحو " ضرب ويضرب واضرب " والمصدر في جميع ذلك واحد فصار المصدر هو الذي يصاغ منه أمثلة الفعل المختلفة؛ لأنه واحد يوجد فيها كلّها، ويبين ذلك أن الفضة والذهب وغيرهما، مما يصاغ منه الصور الكثيرة المختلفة أصل للصور لوجوده في كل واحد منها، وكذلك المصدر أصل الأفعال؛ لوجوده في كل واحد من أمثلتها المختلفة.
والوجه الثالث: أن الفعل أثقل من الاسم، وهو فرع عليه، من قبل أنه لا يقوم بنفسه، والفرع لا بد له من أصل يؤخذ منه، يكون حكم ذلك الأصل أن يكون قائما بنفسه، غير محتاج إلى سواه، فعلمنا بذلك أن الفعل فرع، ولا أصل له غير المصدر.
فإن قال قائل: إذا كان المصدر قد يعتل باعتلال الفعل ويصح بصحته، فهلا دلكم ذلك على أن المصدر فرع على الفعل الذي يعتل باعتلاله ويصح بصحته قيل له في ذلك جوابان: أحدهما: أن الأصل قد يعتل باعتلال الفرع إذا كان كل واحد منهما يؤول إلى الآخر، وينبئ كل واحد منهما على صاحبه؛ ليتسق ولا يختلف؛ من ذلك أنا قد بنينا الفعل المضارع في فعل المؤنث نحو " يضربن " وأشباه ذلك على " ضربن "، وهو فرع؛ لأن المستقبل قبل الماضي.
ومنه ما زعم " الفراء "، الذي ينازعنا أصحابه- في هذا الأصل- أن فعل الواحد الماضي فتح لانفتاح فعل الاثنين، والواحد أصل الاثنين، فحمل الأصل على الفرع.
والوجه الثاني، أن أصل المصادر التي لا علة فيها ولا زيادة لا يجيء إلا صحيحا، وهو " فعل " نحو " ضربته ضربا " و " وعدته وعدا ". وإنما يجيء معتلا ما لحقته الزيادة، وإنما الكلام في أصول المصادر، لا في فروعها، فتبين ذلك.

فإن قال قائل: إذا كان الفعل يعمل في المصادر، وحكم العامل أن يكون قبل المعمول فيه، فهلا دلّكم ذلك على أن الفعل قبل المصدر؟ قيل له هذا ساقط من وجهين: أحدهما: أنه لا فعل إلا وهو عامل في اسم، ومع هذا فالأسماء قبل الأفعال في الرتبة، لقيامها بأنفسها، واستغنائها عن الأفعال، ولا يعمل اسم في فعل، فلو كان جنس عمل العامل في المعمول فيه في غير ترتيب عمله، يوجب أن يكون العامل قبل المعمول فيه، لوجب أن تكون الأفعال قبل الأسماء، ووجب من ذلك ما هو أقبح من ذلك، وهو أن تكون الحروف قبل الأسماء والأفعال؛ لأنها تكون عاملة في الأسماء والأفعال، ولا يعملان فيها، وهذا محال فاسد؛ لأن الحروف جاءت لمعان في الأسماء والأفعال، ولا يقمن بأنفسهن.
والوجه الثاني: أن قولنا: " ضربت ضربا " معناه أوقعت ضربا، وفعلت ضربا كقولك: " قتلت زيدا " أعني من جهة أنهما مفعولان.
وإن كان " زيد " موجودا قبل قتلك إياه، والضرب معدوما، قبل إيقاعك إياه: إلا أنك تعرفه وتقصد إليه وتأمر به، فلما كان معناها أوقعت ضربا وقد كان الضرب معقولا مقصودا إليه مذكورا، يصح الأمر به- صح أنه- قبل إيقاعك معلوم، فإذا صح ذلك فهو الفعل.
فإن قال قائل: إذا قلنا: " ضربت زيدا ضربا " فالمصدر تأكيد للفعل، وإذا كان تأكيدا له فهو بعده، وما كان بعد الشيء فالأول أصل له، إذ كان الثاني متعلقا به.
قيل له: قد قلنا إن معنى ضربت ضربا أوقعت ضربا.
وليس في ذلك دليل على أن الفعل قبل الاسم، كما لم يكن في قولك " ضربت زيدا " ما يدل على أن زيدا بعد " ضربت " وكذلك الأسماء كلها.
ومما يدل على صحة قولنا في المصدر، اجتماع النحويين على تلقيبه مصدرا، والمصدر المفهوم في اللغة هو الموضع الذي يصدر عنه كقولهم: " مصدر الإبل وموردها " وللموضع الذي تصدر عنه وترده، فعقلنا بذلك أن الفعل قد صدر عن المصدر، حين استوجب بذلك، أن يسمى مصدرا، كما وصفنا في المصدر وبالله التوفيق.
وأما قوله: " وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع ". اعلم أن " سيبويه " ومن نحا نحوه يقسم الفعل على ثلاثة أزمنة: ماض ومستقبل

وكائن في وقت النطق وهو الزمان الذي يقال عليه الآن الفاصل بين ما مضى ويمضي.
وأما الماضي فإنه يختص مثالا واحدا والحال والمستقبل الذي ليس بأمر يختصان بناء واحدا، إلا أن يدخل عليه حرف يخلص له الاستقبال وهو سوف والسين وأن الخفيفة.
إن طعن طاعن في هذا فقال: أخبرونا عن الحال الكائن، أوقع وكان، فيكون موجودا في حيز ما يقال عليه: كان، أم لم يوجد بعد فيكون في حيز ما يقال عليه: " لم يكن "؟ فإن قلتم: هو في حيز ما يقال عليه: لم يكن، فهو مستقبل، وإن كان قد وقع ووجد فهو في حيز الماضي، ولا سبيل إلى ثالث، فدلوا على صحة هذا.
فالجواب في ذلك- وبالله التوفيق- أن الماضي هو الذي أتى عليه زمانان: أحدهما: الزمان الذي قد وجد فيه، وزمان ثان يخبر أنه قد وجد وحدث وكان، ونحو ذلك، فالزمان الذي يقال: وجد الفعل فيه وحدث غير زمان وجوده، فكل فعل صح الإخبار عن حدوثه في زمان بعد زمان حدوثه فهو فعل ماض، والفعل المستقبل هو الذي يحدّث عن وجوده، في زمان لم يكن فيه ولا قبله.
فقد تحصل لنا الماضي والمستقبل، وبقى قسم ثالث، وهو الفعل الذي يكون زمان الإخبار عن وجوده هو زمان وجوده، وهو الذي قال سيبويه: " وما هو كائن لم ينقطع ". فإن سأل سائل فقال: أي الأفعال أقدم في الرتبة؟ فإن لأصحابه في ذلك قولين، أحدهما: إن المستقبل أول الأفعال، ثم الحال، ثم الماضي، وهذا شيء كان يذهب إليه الزجاج 1 وغيره، والحجة فيه أن الأفعال المستقبلة تقع بها العدات، ثم توجد بعد تقدم الميعاد وانتظار الموعود، فيكون حالا، ثم يأتي عليه غير زمان وجوده، فيكون ماضيا.
والقول الثاني: إن الحال هو أول الأفعال، ويكون الأقرب إليه في الترتيب المستقبل، وتاليه الماضي.
والحجة في ذلك أن الميعاد بما يستقبل لا يصح إلا بما عرف وشوهد، حتى يتصوره الموعود، ويكون على ثقة مما وعد، وإلا فليس وراء العدة معنى يرغب فيه ولا يرهب منه؛ لأن القلب لا يتعلق منه برغبة ولا رهبة، ويكون المستقبل أقرب إلى الحال، من قبل أن المستقبل يجوز مصيره إلى الحال الذي هو أول، والماضي قد بعد، حتى

لا يجوز مساواته الحال في شيء من الأزمنة.
فإن قال قائل: فلم يخصّ الماضي ببناء واحد، لا يشركه فيه غيره، وشورك بين الحال والمستقبل فجعل اللفظ الواحد لفعلين في زمانين؟ فإن الجواب في ذلك: أن الأفعال التي في أوائلها الزوائد الأربع، لما شابهت الأسماء وضارعتها في أشياء، شبّهن من بعد بالأسماء وصرفت تصريف الاسم، فجعل اللفظ الواحد لأكثر من معنى، كما أن اللفظ الواحد في الاسم لأكثر من معنى، فمن ذلك أن " العين " عين الإنسان، وعين الركبة، وعين القبلة، وعين الميزان، وعين من عيون الماء وغير ذلك، " والرّجل " رجل الإنسان والرّجل القطعة من الجراد، وأشياء غير ذلك كثيرة من هذا النحو، فجعل ما ضارع من الأفعال الأسماء مضارعة تامة في اللفظ لزمانين.
فإن قال قائل: فهلا كان أحد الزمانين الماضي؟ فالجواب في ذلك: أن أول الأفعال يكون إما أن يكون المستقبل وإما أن يكون الحال، على القولين اللذين ذكرنا، فلا بد أن يكون أحد هذين اللفظين اللفظ الذي في أوله الزوائد الأربع، ويكون الآخر أقرب الباقين منه، وكل واحد من المستقبل والحال أقرب إلى صاحبه من الماضي إليه فاعرفه إن شاء الله.
وأما قول سيبويه: " وأما ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ". فإن جملة الحروف تجيء لمعان أنا أذكرها.
فأولها: للإشراك بين اسمين أو فعلين، وذلك حروف العطف التي تدخل الثاني في إعراب لفظ الأول ومعناه، وهي الواو، والفاء، وثم، وغيرها، كقولك: " قام زيد وعمرو " و " انطلق بكر فخالد "، و " لقيت أخاك ثم أباك ". والثاني: أن تكون لتعيين اسم أو فعل، فأما تعيين الاسم فبالألف واللام، كقولك: الرجل والغلام، وأما تعيين الفعل، فبالسين وسوف، وتكون لنفي الاسم والفعل هو: " ما، ولا، ولن، ولم، وما أجري مجراهن، تقول: ما زيد أخاك، ولا يقوم عبد الله، ولم يقم عمرو، ولن يذهب أخوك.
وتجيء لتأكيد الاسم والفعل، فأما تأكيد الاسم، فنحو " إن زيدا أخوك ". وأما تأكيد الفعل فلتقومنّ، ولأنطلقن وتدخل لربط الاسم بالفعل، وإيصال الفعل إلى الاسم، كقولك: " مررت بزيد " وقمت إلى أخيك.

وتدخل لإخراج الكلام عن الواجب إلى غيره، مثل حروف الاستفهام كقولك: هل زيد قائم؟ وتدخل أيضا لعقد الجملة بالجملة كقولك: " إن يقم أقم " فإن " يقم " جملة، " وأقم " جملة، وانعقدت إحداهما بالأخرى بدخول حرف الشرط.
وما لم نذكره فهو يجري مجراه.

هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية

أما قوله: " مجاري " فإنما أراد به الحركات، حركات أواخر الكلم، والدليل على ذلك قوله: " وهي تجري على ثمانية مجار على النصب والرفع ". فأبدل " النصب والرفع " وما بعدهما من " ثمانية "، والبدل هو المبدل منه في هذا الموضع، وأبدل بإعادة العامل، كما قال الله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ 1 فأبدل من " الذين " وأعاد اللام.
وقوله: " وهي " كناية عن أواخر الكلم، كأنه قال: باب حركات أواخر الكلم، وأواخر الكلم تجري على ثماني حركات.
فإن قال قائل: فلم سمى الحركات " مجاري "، وهنّ يجرين، والمجاري يجرى فيهن؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما: أن الحركات- لما كانت أواخر الكلم قد تنتقل من بعضها إلى بعض، كما تنتقل الحركة من حرف إلى حرف- جاز أن يسمّي الحركات مجاري، من حيث تنتقل فيهن أواخر الكلم، وجعل كل واحدة منهن " مجرى "، ثم جمعها على " مجار ". والوجه الثاني: أن يكون " مجرى " في معنى جرى، وهو مصدر، والمصادر قد يلحق أوائلها الميم، كما يقول: " مضرب " في معنى الضرب و " مفر " في معنى الفرار، فكأن واحد المجاري في هذا الوجه " مجرى " في معنى " جري ". فإن قال قائل: فلم جمع، والمصادر لا تجمع؟ قيل له: قد تجمع المصادر إذا كانت مختلفة أو ذهب بها مذهب الخلاف، وقال الله عز وجل: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 2 أراد:

ظنونا مختلفة، ويقال: العلوم والأفهام، في أشباه لذلك كثيرة، فجعل جري كل واحدة من الحركات خلاف جري صواحبها؛ لأن جريها ليس شيئا أكثر منها، وهي مختلفات في ذواتها، فكأنه قال: هذا باب جري أواخر الكلم وهي تعني أواخر الكلم تجري على ثمانية أنحاء من الجري، ثم بين ذلك بما بعده.
فإن قال قائل: فقد يروى عن المازني 1 أنه غلّط سيبويه في قوله: " على ثمانية مجار "، وزعم أن المبنيات حركات أواخرها كحركات أوائلها؛ وإنما الجري لما يكون مرة في شيء يزول عنه، والمبني لا يزول عن بنائه، وكان ينبغي أن يقول: على أربعة مجار على الرفع والنصب والجر والجزم، ويدع ما سواهن.
فالجواب في ذلك- وبالله التوفيق- أن أواخر الكلم لا يوقف على حركاتهن، وإنما تلزمهن الحركات في الدّرج، وليس كذا صدور الكلام وأوساطها فجاز أن تصنف حركات أواخر الكلم من الجري بما لا تصنف به أوائلها وأوساطها؛ لأن حركات الأوائل والأوساط لوازم في الأحوال كلها.
ووجه ثان: أن أواخر الكلم هن مواضع التغير، فيجوز إطلاق لفظ المجاري عليهن، وإن كان بعض حركاتهن لازما في حال، ومثل ذلك تسمية " سيبويه " لأواخر الكلم عامة " حروف الإعراب ". وقد علمت أن المبنيات لا يعربن، وإنما سماهن حروف الإعراب لأن الإعراب يكون فيهن إذا أجريت الكلمة.
وقوله: " وإنما ذكرت لك ثمانية مجار، لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة، لما يحدث فيه العامل، وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما بني عليه الحرف بناء لا يزول " إلى آخر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه لقّب الحركات والسكون هذه الألقاب الثمانية- وإن كانت في الصورة أربعا- ليفرق بين المبني الذي لا يزول، وبين المعرب الذي يزول- وإنما أراد بالمخالفة بين تلقيب ما يزول وما لا يزول إبانة الفرق بينهما؛ لأن في ذلك فائدة جسيمة تقريبا وإيجازا، لأنه متى قال: هذا الاسم مرفوع، أو منصوب، أو

مخفوض، علم بهذا اللفظ أن عاملا عمل فيه يجوز زواله، ودخول عامل آخر يحدث خلاف عمله، فيكتفي " بمرفوع " عن أن تقول هذه ضمة تزول، أو تقول: عمل فيه عامل فرفعه، ففي هذا حكمة وإيجاز فاعرفه؛ فإن كثيرا من النحويين الكوفيين يخالفونه، ويسمون الضمة اللازمة رفعا، وقد عرفتك وجه الحكمة في تسمية هذا رفعا.
وقال جماعة من النحويين: غلط سيبويه في قوله " وإنما ذكرت لك ثمانية مجار؛ لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة "، قالوا: من قبل أن ما يدخله ضرب من هذه الأربعة هو حرف، لأن هذه الأربعة أراد بها الحركات والسكون، وما يدخله ضرب منها حرف، لأن الحركات لا تدخل إلا على الحروف، ثم قال: " وبين ما بني عليه الحرف بناء لا يزول ". والذي بني عليه الحرف هو الحركة، فكأنه في التمثيل قال: لا فرق بين الحرف والحركة، وهذا بعيد جدّا؛ لأن الفرق واقع بين الحروف والحركات بلا لبس ولا شبهة، ولا يشك في الفرق بينهن أحد، ولا يلتبس عليه، إنما الوجه أن يفرق بين الحركة والحركة، ألا ترى أن قائلا لو قال، لا فرق بين جسم زيد وحركة عمرو، لكان واضعا للفرق في غير موضع الحاجة إليه، وإنما يفرق بين زيد وعمرو أو بين حركة زيد وحركة عمرو.
فالجواب في ذلك: أن " سيبويه " إنما أراد: لأفرق بين إعراب ما يدخله ضرب هذه الأربعة وبين الحركة التي يبنى عليها الحرف بناء لا يزول، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 1. وتصحيح اللفظ فإنما ذكرت لك ثمانية مجار، يعني: النصب والجر والرفع والجزم والفتح والضم والكسر والوقف، لأفرق بين حركات ما يدخله ضرب من هذه الضروب الأربعة: يعني بين حركة ما يدخله رفع أو نصب أو جرّ أو جزم، فكأنه قال: لأفرق بين المرفوع والمنصوب والمخفوض والمجزوم، وهو ما يتغير من الكلم بالعوامل التي تثبت مرة وتزول مرة أخرى، وبين ما بني عليه الحرف بناء لا يزول، يعني صيغت عليه الكلمة صياغة لا يزيلها شيء من العوامل المختلفة، نحو: فتحة " أين "، وضمة " حيث "، وكسرة " هؤلاء " ووقف " من " فاعرف ذلك، إن شاء الله.

قال سيبويه " فالنصب والرفع والجزم والجر لحروف الإعراب " إن سأل سائل فقال: ما حروف الإعراب؟ فإن مذهب سيبويه يحتمل وجهين: أحدهما: أن حروف الإعراب ما كان الإعراب فيه ظاهرا أو مقدرا، فالظاهر كقولك: الرجل، والفرس، والغلام، والمقدر نحو قولنا: هذه الرحى والعصا، ورأيت الرحى والعصا.
والوجه الآخر: أن حروف الإعراب هي أواخر الكلم، معربة كانت أم غير معربة، وإنما سميت حروف الإعراب لأن الإعراب متى كان لم يوجد إلا فيها، ومثال هذا قولنا: الحروف الزوائد عشرة يجمعها (اليوم تنساه)، والزوائد ما زيد على أصل الكلمة في موضعها مثل قولنا: " كوثر " للرجل الكثير العطية، الواو زائدة لأنه من الكثرة، وليس في الكثرة واو بعد الكاف، و " ضارب " الألف زائدة لأنه مشتق من الضرب، وقد تكون هذه الحروف أصولا غير زائدة، وإنما يراد أن الزوائد منها تكون دون غيرها، فسميت الحروف الزوائد وإن لم تكن زوائد على كل حال، وكذلك سميت أواخر الكلم حروف الإعراب وإن لم تكن معربة على كل حال، لأن الإعراب يكون فيها دون غيرها، ومثل ذلك حروف المد واللين، وهي الواو والياء والألف، وقد يكون بعض هذه الحروف في مواضع لغير المد واللين.
وإنما سميت حروف المد واللين؛ لأن المد فيها دون غيرها، وإنما المد لازم في الألف منها وشرط المد في الواو والياء اللتين للمد أن يكونا ساكنين، وقبل الواو ضمة وقبل الياء كسرة، مثل " كافور " و " قنديل ". والواو والباء إذا حركتا فليستا للمد، كقولك غزو وظبي ووحوحته 1 ويهيّرى 2. وكذلك الكلام في حروف البدل وما جانس ذلك.
فإن قال قائل: فإذا كانت حروف الإعراب هي ما ذكرتم، فلم قال سيبويه: فالرفع والنصب والجر والجزم لحروف الإعراب، وحروف الإعراب للأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة، كيف خص ذلك من جملة الكلم، وقد زعمتم أن حروف الإعراب للكلم كلها معربها ومبنيها؟ قيل: قد يحتمل ذلك الوجهين اللذين ذكرناهما، فإن حمل الكلام على

الوجه الأول- وهو أقواهما- كان ذلك على أن حروف الإعراب ما كان فيه إعراب لفظا أو مقدرا، والمقدر ما كان مستحقا للإعراب ومنه من اللفظ به استثقال اللفظ به، أو تعذره، فالاستثقال نحو: القاضي، ومررت بالقاضي، والتعذر نحو: العصا، والرحى، لأنه يستثقل الضم والكسر في القاضي وتتعذر الحركة في ألف عصا ورحى.
وإن حمل كلامه على الوجه الثاني، احتمل ذلك معنيين: أحدهما: أن يكون سيبويه أراد بقوله: " لحروف الإعراب ": لإعراب حروف الإعراب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقوله: وحروف الإعراب للأسماء المتمكنة أراد: وإعراب حروف الإعراب للأسماء المتمكنة.
والوجه الثاني: أن يكون أراد بقوله: فالرفع والنصب والجر والجزم لحروف الإعراب أي لحروف الإعراب التي فيها الإعراب، ويكون اللفظ عاما والمراد به البعض، كما تقول الناس بنو تميم وأنت تريد بعضهم مجازا واتساعا.
وقوله: " وحروف الإعراب للأسماء المتمكنة ". إن سأل سائل فقال: ما الأسماء المتمكنة؟ قيل له: كل اسم مستحق للإعراب فهو متمكن، ثم ينقسم قسمين: قسم مستوف للتمكن كله، وهو ما تعتقب عليه الحركات الثلاث: الضم، والفتح، والكسر، ويدخله التنوين، وقسم ناقص عن هذا وهو ما منع التنوين والخفض فلم يعتقب عليه إلا الرفع والنصب.
وكان بعض أصحابنا يسمي الاسم المستوفي للحركات الثلاث، الاسم الأمكن، فيخصه بذلك، ويجعل كل ما استحق الإعراب متمكنا.
وقوله: " والأفعال المضارعة لأسماء الفاعلين التي في أوائلها الزوائد الأربع: الهمزة والتاء والنون والياء: مثل أفعل، وتفعل، ونفعل، ويفعل ". والألف التي في " أفعل " هي في الحقيقة همزة؛ لأن الألف لا تكون متحركة في حال، وإنما سمى النحويين الهمزة ألفا لأنها تصور صورة الألف في الخط إذا كانت أوله، والهمزة لا صورة لها، وإنما تصور بصورة غيرها.
فإن سأل سائل فقال: كيف صارت هذه الحروف أولى بالأفعال المضارعة من غيرها؟ قيل له: أولى الحروف بالزيادة في أوائل هذه الأفعال حروف المد واللين، وهي

الحروف المأخوذة منها الحركات: الواو، والياء والألف، فأما الألف فلا سبيل إلى جعلها أولا، من قبل أنها لا تكون إلا ساكنة، والأول لا يكون ساكنا؛ فجعل مكانها أقرب الحروف منها، وهي الهمزة، فاجتمع فيها- أعني الهمزة- قربها من الألف، وكثرة وقوعها زائدة أولا، فكانت أولى الحروف بالوضع مكان الألف.
وأما الواو فإنها لا تقع زائدة أولا في حكم التصريف، فأبدل منها حرف يبدل من الواو كثيرا، وهو التاء، ومواضع بدلها من الواو كثير، منها قولهم: " تخمة " وهي من الوخامة وتهمة، وتقي، وتراث، واتعد، إذا أردت " افتعل " من الوعد، وقولهم: " تالله " مكان " والله ". واحتاجوا بعد هذه الحروف إلى حرف رابع، فكان أقرب الحروف من حروف المد واللين " النون "؛ وذلك أنها غنة في الخيشوم تجري فيه كما تجري حروف المد واللين في مواضعها، وتكون إعرابا في قولك: تفعلان، ويفعلون، وتفعلين، تكون لضمير جماعة المؤنث في قولك: " قعدن " في مكان " قعدوا "، و " قمن " في مكان " قاموا "، وتبدل منها الألف في الوقف، في قولك: " رأيت زيدا " فجعلوا النون هو الحرف الرابع والله أعلم.
قال: " وليس في الأسماء جزم؛ لتمكنها، وإلحاق التنوين بها فإذا ذهب التنوين لم يجمعوا عليه ذهابه، وذهاب الحركة ". إن سأل سائل فقال: لم دخل التنوين الاسم؟ قيل له من قبل أن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أن تكون على خفتها غير داخل عليها ما ينقلها إلى شبه الفعل، ومنها ما يشبه الأفعال، ومنها ما يشبه الحروف، فوجب أن ترتب على هذه المراتب الثلاث، فنون أخفها ليكون حذف التنوين علامة لما يشبه الفعل عندهم، وحذف الحركة والتنوين، ولزوم طريقة واحدة علامة لما يشبه الحرف.
وسنبين كل ما يشبه الحرف في موضعه إن شاء الله.
فإن قال قائل: فهلا اقتصروا على الإعراب في الاسم الأخف وسكنوا ما يشبه الفعل؟ قيل له: لو فعلوا ذلك لم يكن فرق بين ما يشبه الفعل أو بين ما يشبه الحرف.
فإن قال قائل: فكيف صارت النون أولى بذلك من سائر الحروف؟ قيل له: لأن النون غنه في الخيشوم، وهي أقرب الحروف وأشبهها بحروف المد واللين.
فإن قال: فلم لم يدخل الجزم الاسم؟ فإن الذي قال " سيبويه " في ذلك: أنه لو دخل

الجزم الاسم لأبطل الحركة، وإذا أبطل الحركة زال بدخوله التنوين الذي هو لاحق بالاسم.
فإن قال: فهلا حذفوا بدخول الجزم التنوين دون الحركة، لأنه أول ما يصادف فحذف، إن صادف حركة حذفها، وإن صادف حرفا ساكنا حذفه؟ قيل له: يمنع من هذا شيئان: أحدهما: أن التنوين لو حذفه الجزم لالتبس ما ينصرف بما لا ينصرف.
والوجه الثاني: أن التنوين شيء يصحب الحركات كلها، والعوامل إنما تغير الحركات التي يختلف بها الكلم، والدليل على ذلك أنك تقول: " رأيت زيدا " و " مررت بزيد " " وهذا زيد "، فالتنوين موجود في الأحوال كلها.
واختلفت الحركات باختلاف العوامل، فلو جاز دخول الجزم على الاسم لكان لا بد من تأثير في الاسم بإزالة الحركة التي تختلف باختلاف العوامل، ولا يؤثر فيما لا يختلف باختلاف العوامل، وهو التنوين.
فإن قال قائل في العلة الأولى: فهلا أذهب الجزم التنوين في المنصرف وحذف الحركة مما لا ينصرف؟ قيل له: لأنه لو فعل ذلك لكان الاسم الذي لا ينصرف في حال دخول الجزم عليه مشبها للمبنى.
فإن قال قائل: فقد رأينا الفعل المجزوم يشبه في الصورة الفعل المبني على السكون وهو فعل الأمر- فإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يدخل الجزم في الأسماء المعربة، فيستوي لفظها ولفظ الأسماء المبنية، كما استوى لفظ الأفعال المجزومة، والمبنية على السكون؟ قيل له: بينهما فرق ظاهر واضح، وذلك أن الموضع الذي ينجزم فيه الفعل لا يقع فيه الفعل المبني، والفعل المبني لا يقع في الموضع الذي ينجزم فيه الفعل فإذا كان كل واحد منهما لا يقع في موضع صاحبه لم يضر تشابه لفظيهما، والأسماء المبنية تقع مواقع الأسماء المعربة، فمتى تشابه لفظاهما اختلطا والتبسا.
فإن قال قائل: فهلا حذفتم الحركة وحدها، بدخول الجزم، وبقيتم التنوين، ثم حركتم الحرف المجزوم، لالتقاء الساكنين؟ قيل له: هذا يفسد من وجهين: أحدهما: أن التنوين فرع، وإنما أتى به لقوة المتحرك ومزيته على غيره، فإذا دخل

ما يحذف الحركة ويزيلها، كان أولى بحذف التنوين.
والوجه الثاني: أنا لو حذفنا الحركة ثم حركنا، لالتقاء الساكنين لعاد لفظه إلى لفظ غير المجزوم فلم يصح الجزم فيه؛ لأنه لا يسلم سكونه، لما يوجبه التنوين من الحركة إذا سكنا، ولم نكن لندخل عاملا على اسم فيحدث فيه ما لا يسلم له أبدا.
فإن قال قائل: أليس المجزوم قد يتحرك لالتقاء الساكنين إذا قلت: " لم يقم الرجل "؟ قيل له: بلى، وليست هذه الحركة بموجودة في كل حال، وإنما هي عارضة توجد فيه إذا وليه ما فيه الألف واللام، أو ساكن غير ذلك، ولو فصلت بينهما سلم الجزم، ولم يضطر إلى تحريكه.
والتنوين لازم للاسم في أوليته، فلو دخل الجازم وحذف الحركة لم يسلم السكون؛ لما يوجبه التنوين من الحركة فلم يصح دخوله؛ لأنه لا يصح تأثيره في أولية الأسماء.
واحتج بعض أصحابنا، وحكى عن " المازني " أنه قال: لم يدخل الأسماء الجزم؛ لأنه لا يكون إلا بعوامل، يمتنع دخولها على الأسماء من جهة المعنى، نحو: " لم " و " لما " و " إن " للمجاز وما جرى مجراهن فاعرف ذلك إن شاء الله.
قال سيبويه: " والنصب في المضارع من الأفعال " لن يفعل "، والرفع " سيفعل "، والجزم " لم يفعل " وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم لأن المجرور داخل في المضاف إليه معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال ". قال أبو سعيد: قد اشتمل هذا الفصل على أشياء محتاجة إلى تفسير وتعليل، فنبدأ منها بشرح إعراب الأفعال المضارعة، وبالله التوفيق.
اعلم أن الأفعال كلها حكمها التسكين ووقف الأواخر، من قبل أن العلة التي من أجلها وجب إعراب الأسماء غير موجودة فيها؛ لأن العلة في إعراب الأسماء هي الفصل بين فاعليها ومفعوليها الذين يجوز أن يكونوا فاعلين ولغير ذلك من الفصول لا توجد في الأفعال إلا أن الأفعال، تنقسم ثلاثة أقسام: منها: الفعل المضارع الذي قصدنا إلى إبانة علة إعرابه وقد شابه الأسماء من جهات: منها أنك إذ قلت: " زيد يقوم " فهذا يصلح لأحد زمانين مبهما فيهما، كما أنك إذا قلت: " رأيت رجلا " فهو لواحد من هذا الجنس مبهما فيهم غير متحصل على معين، ثم

يدخل على الفعل المضارع المبهم في الزمانين ما يقصره على أحدهما ويخلصه له كقولك: " زيد سيقوم " و " سوف يقوم " كما أنك إذا أدخلت على الواحد المبهم في جنسه من الأسماء الألف واللام قصراه على واحد بعينه واشتبها بوقوعهما أولا مبهمين وتعينهما بحروف تبينهما.
ووجه ثان من المضارعة: وهو أن الفعل المضارع إذا وقع خبرا صلح دخول اللام عليه كقولك " إن زيدا ليذهب " كما صلح دخول اللام على الاسم إذا قلت: " إن زيدا لذاهب ". فإذا كان الخبر فعلا ماضيا امتنع ذلك فيه، لا تقول " إن زيدا لذهب " فلما اشترك الاسم والفعل المضارع في دخول اللام في هذا الموضع وامتنع دخولها على غيره من الأفعال، علمنا أن بين الفعل المضارع والاسم ملابسة غير موجودة لسائر الأفعال.
ووجه ثالث: وهو أن الفعل توصف به النكرات كقولك: " مررت برجل يقوم " ويكون خبرا كقولك: " إن زيدا يقوم " و " كان زيد ينطلق " كما يكون ذلك في الاسم إذا قلت: " مررت برجل قائم " " كان زيد منطلقا " فلما وقع موقعه صار مثله في هذا الوجه.
فاجتمع للفعل المضارع مشابهة الاسم من هذه الوجوه التي ذكرناها دون غيره من الأفعال ففضل على سائر الأفعال، بأن أعرب، لما بان به من هذه المشاركة للاسم واختص به دون نظائره.
هذه ثلاثة أوجه من المضارعة، وبقى وجهان: المساواة في العدة والرتبة، وأن ألف الوصل لا تدخل على المضارع كما دخلت على الماضي والأمر.
فإن قال قائل: كيف صار الفعل أولى بالإعراب لمشاركة الأسماء المعربة دون أن تبنى الأسماء التي حقها أن تعرب لمشاركة الأفعال المبنية؟ فإن الجواب في ذلك: أن الأفعال إنما شاركت الأسماء في معان هي للأسماء دونها؛ لأن الأصل في الصفات والأخبار إذا قلت: " مررت برجل يقوم " و " إن زيدا لا يقوم "، هو الاسم، والأفعال داخلة عليه، فلما شابهت الأفعال الأسماء فيما للأسماء دونها، أعطيت ما للأسماء ولم تعط الأسماء ما للأفعال.
ووجه آخر: وهو أنا لو بنينا الأسماء على السكون، لمضارعة الأفعال بطل الإعراب الذي يضطرنا إليه الفصل بين المعاني في الأسماء.
فإن قال قائل: فإذا أعطيتم الأفعال الإعراب لمضارعتها الأسماء، فلم أعربتموها في المواضع التي لا تقع الأسماء فيها، إذا قلتم: " لن يقوم " " ولم يذهب "، وغير ذلك من

المواضع التي لا يحسن وقوع الأسماء فيها؟ فإن الجواب في ذلك: أن عوامل الأفعال في كل موضع مخالفة لعوامل الأسماء في المواضع كلها، فإذا وجب إعراب الأفعال، فليس يجوز أن تعربها بما أعربنا به الاسم، وإذا كان ذلك كذلك، فلا بد من عوامل لها، لا تقع الأسماء بعدها.
ووجه ثان: أن الفعل المضارع قد شابه الاسم بالزوائد التي في أوله، فاستحق بذلك أن يكون معربا، وأين وجد على هذه الصورة وبهذه الصيغة استحق الإعراب، للزوائد في أوله، وليس الزائد هو الذي أعربه، ولكن هو الذي سوغ أن يدخل عليه العوامل فتعربه، ونظير هذا أنا نقول: إن ما لا ينصرف إذا دخل عليه الألف واللام، أو أضيف، حرك بالحركات الثلاث، فليس الألف واللام والإضافة هن اللاتي حركنه، ولكنهن سوغن دخول الحركات الثلاث عليه، وهيأنه لذلك.
فإن قيل: فهلا أعطيتم الفعل جميع ما للاسم، من الرفع والنصب والجر، والتنوين، لمضارعته الاسم، كما أعطيتم الأسماء المبنية، لمضارعة الحروف- السكون الذي للحرف- نحو " من " و " كم " وأشباه ذلك؟ فإن الجواب في ذلك: أن الحروف هي ساكنة فقط، والسكون هو وجه واحد، فإذا ضارعها اسم، أعطى بحق المضارعة شيئا هو في الحروف، وليس فيه إلا السكون، فسكن فقط، والأسماء فيها ثلاث حركات وتنوين، فإذا ضارعها الفعل أعطى بحق المضارعة بعض ما في الاسم، ولم يبلغ من قوته، وهو فرع على الاسم، ومشبه به أن يكون مثله في جميع أحواله، وقد أمكن أن يعطي بعض ما فيه، ليدل على موضع المشابهة.
فإن قال قائل: فبماذا ترفع الأفعال المضارعة؟ قيل له: لوقوعها في موقع الأسماء، سواء كانت الأسماء التي وقعت موقعها، مرفوعة، أو منصوبة، أو مخفوضة، وذلك قولك: " جاءني رجل يضحك " و " رأيت رجلا يضحك "، و " مررت برجل يضحك ". فإن قال قائل: فلم كانت الأفعال مرفوعة بوقوعها موقع أشياء مختلفة الإعراب، من مرفوع، ومنصوب، ومخفوض؟ قيل له: من قبل أن العوامل التي للأسماء، لا تعمل في الأفعال، ولا تسلط عليها، فلم يعتبر اختلاف إعراب الأسماء في إعراب الأفعال، إذ كان لا تأثير لذلك في الأفعال، ورفع الفعل، لوقوعه موقع الاسم.
فإن قال قائل: فلم صار الرفع أولى به؛ بوقوعه موقع الاسم؟

قيل له: من قبل أن وقوعه موقع الاسم، ليس بعامل لفظي، فأشبه الابتداء الذي ليس بعامل لفظي.
فإن قال قائل: فإذا زعمتم أن الأفعال ترتفع بوقوعها مواقع الأسماء، فلم قلتم: " كاد زيد يقوم "، و " جعل زيد يقول "، و " أخذ زيد يقول كذا وكذا "، وهذه مواضع لا تقع الأسماء موقعها، لا تقول: " كاد زيد قائما " ولا " جعل زيد قائلا "، ولا " أخذ زيد ذاهبا "؟ قيل له في ذلك وجوه: منها أن " كاد زيد يقوم " في موضع " كاد زيد قائما "، وإن كان لا يستعمل الاسم بعده، كما أن قولك: " عسى زيد أن يقوم " في تقدير " عسى زيد القيام "؛ لأن أن الخفيفة والفعل، بمنزلة المصدر، وفي تقديره وإن كان المصدر غير مستعمل في " عسى "، وكما أن قولك: " لا تأتني فأشتمك " ينتصب على تقدير: فأن أشتمك ولا يجوز إظهاره والتكلم به، وإن كان الفعل معربا على تقديره، كذلك الفعل في " كاد " مرفوع على تقدير وقوعه موقع الاسم، وإن كان الاسم لا يجوز استعماله وإظهاره فيه.
ومنها أن ارتفاع الفعل- في هذه المواضع التي ذكرناها- غير ناقض لما أصّلناه؛ وذلك أنا إذا قلنا: إن الفعل يرتفع، بوقوعه موقع الاسم فلا يلزمنا بهذا ألا يرتفع إلا بوقوعه موقع الاسم، كما أن نقول: إن الفعل ينجزم بلم، وينتصب بلن، ولا يلزمنا ألا ينجزم إلا بلم ولا ينتصب إلا بلن، وذلك إنا إذا ذكرنا أحد العوامل في رفع، أو نصب، أو جزم، لم يلزم ألا يكون في الكلام عامل غيره لذلك الشيء، ولكن يجب متى جعلنا عاملا لشيء من الإعراب في حال، أن نجعله عاملا أين وجد على تلك الشريطة، وبذلك الوصف.
فإن قال قائل: فهبكم غير ناقضين لما أصلتم، ولا تاركين لما قلتم، فلم رفعتم الفعل بعد " كاد " وأخواته اللاتي ذكرناها؟ قيل له في ذلك- غير ما تقدم- وجهان آخران: أحدهما: أن " كاد " لما لم يكن عاملا في الفعل تعرّى الفعل من العوامل اللفظية، فناسب الأفعال التي تقع مواقع الأسماء، في تعرّيها من ذلك، فرفع بهذه المناسبة.
والوجه الثاني: أن " كاد " لا تستغنى باسمها- إذا أردت هذا المعنى- ولا أخواتها، فأشبه " كان " وأخواتها، و " إن " وأخواتها، وكل ما يحتاج إلى خبر، فرفع الفعل الذي لا يستغني اسم " كاد " عنه، كما رفع في " كان " وأخواتها، وسائر ما ذكرنا.

ووجه ثالث أيضا: وهو أن " كاد زيد يفعل " إنما أصله: " يفعل زيد "، ودخلت كاد تقريبا لهذا بعينه، ومشارفة له، ولم يكن مما يجوز أن يعمل فيه فبقي على أصله.
فإن قال قائل: فلم رفعتم الفعل بعد السين وسوف ولا يقع الاسم بعدها؟ قيل له: السين وسوف إذا دخلا على الفعل صارا من صيغة الفعل بمنزلة الألف واللام إذا دخلا على الاسم، وذلك أنهما إذا دخلا على الفعل خلصاه للمستقبل بعينه كتخليص الألف واللام الاسم لواحد بعينه، ولم يدخلا لتغيير معنى فيما دخلا عليه، وإنما دخلا لتحصيل المعنى لنا، وتعريفه إيانا، ولم يتغير المعنى في نفسه، وإنما العوامل هي الأشياء التي تدخل على الألفاظ بعد حصول معانيها، فتقرها على ما كان يعرفه المخاطب من معانيها، فاعرف ذلك إن شاء الله.
فإن قال قائل: بماذا تنصبون الأفعال المضارعة؟ قيل له: جملة ما ينصب به الأفعال المضارعة أربعة أحرف، وهي: أن الخفيفة، ولن، وكي، وإذن، أما أن الخفيفة فهي أم الحروف في هذا الباب، والغالبة عليه، والقوية فيه، وهي إذا وقعت على الأفعال المضارعة خلصتها للاستقبال ونصبتها، فأما علة نصبها، فمن قيل أن " أن " وما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر كما أن " إنّ " المشددة وما بعدها من الاسم والخبر، بمنزلة اسم واحد، فلما كانت المشددة ناصبة للاسم جعلت هذه ناصبة الفعل.
فإن قال قائل: فلم لا تنصبون بما، إذا جعلتموها والفعل كالمصدر في قولك: " يعجبني ما تصنع "؟ فإن الجواب في ذلك: أن أصحابنا قد اختلفوا في " ما " إذا كان الفعل بعدها، فكان الأخفش 1 لا يجيز أن تكون " ما " إلا اسما، إذا كانت كذلك، فإن كانت معرفة فهي بمنزلة " الذي " عنده والفعل في صلتها، كما يكون في صلة " التي " فترفع كما يرفع الفعل إذا وقع صلة للذي، أو تكون نكرة في تقدير شيء، فيكون الفعل صفة لها فيرتفع كما يرتفع الفعل إذا كان صفة لشيء لا يجعلها حرفا، مثل " أن " فلا يلزمه هذا السؤال.
وأما سيبويه فقد أجاز أن تكون " ما " بمنزلة " أن " ويكون الفعل الذي بعدها صلة

لها، والجواب على مذهبه في الفصل بينهما، أنّ " أن " المخففة، شبهت في الفعل بالمشددة في الاسم لفظا ومعنى، وإن كان لفظها ناقصا مخففا، والدليل على ذلك أنهم يستقبحون " أنّ أن تقوم خير لك " كما يستقبحون: " إنّ أنّ زيدا قائم يعجبني " في معنى: إن قيام زيد يعجبني، فلما كان المعنى الذي نصبنا به ما بعد " أن " الخفيفة من التشبيه مفقودا في " ما " لم ينتصب بها.
ومما يفرق بين " ما " و " أن " أنّ " أن " لا يليها إلا الفعل و " ما " يليها الاسم والفعل في معناها مصدرا، فالفعل قولك: " يعجبني ما تصنع " أي: يعجبني صنيعك، والاسم " يعجبني ما أنت صانع " أي: صنيعك، وكل حرف يليه الاسم مرة والفعل مرة، لم يعمل في واحد منهما.
وأيضا فإنا إذا جعلنا " ما " حرفا، وجعلنا الفعل بعدها صلة لها أدت عن معناها، إذا جعلناها اسما، وجعلنا ما بعدها صفة لها أو صلة، إذا قلت: " يعجبني ما صنعت " فلما كانت مؤدية حرفا، معناها اسما، لم تخالف بينهما وليس لأن إلا حالة واحدة.
وبعض العرب ربما رفعوا ما بعد (أن) تشبيها " بما " وقد روي عن " ابن مجاهد " 1 أنه قرأ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ 2. قال الشاعر: يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما … وحيثما كنتما لاقيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خف محملها … وتصنعا نعمة عندي بها ويدا أن تقرآن علي أسماء ويحكمها … مني السّلام وألّا تشعرا أحدا 3 والمعنى فيه: أسألكما أن تحملا.
وأما " لن " فزعم سيبويه أنه حرف ناصب، بمنزلة أن وهو نقيض " سوف " وذلك أنك إذا قلت " سوف أقوم " فضد هذا أن يقول القائل: " لن تقوم " وإنما نصبت تشبها ب " أن "... وشبهها " بأن " أنهما يقعان للمستقبل في الأفعال المضارعة، التي في أوائلها الزوائد الأربع.

وروي عن " الخليل " روايتان في " لن "، إحداهما مثل القول الذي ذكرناه، والثانية أنها كانت " لا أن " فحذف وخفف لكثرته، كما قالوا: " أيش " و " يلمّه " والأصل " أي شيء " و " ويل أمه ". واحتج سيبويه مبطلا لهذا القول فقال: لو كان معنى " لن " لا أن، لما جاز أن نقول: " زيدا لن أضرب "، كما لا يجوز " زيدا لا أن أضرب "؛ لأن ما في صلة أن لا يعمل فيما قبله.
وللمحتج عن " الخليل " أن يقول: إن الحرفين إذا ركّبا قد يتغير معناهما منفردين، من ذلك أنك تقول: " لو جئتني لأكرمتك " فإنما امتنعت من إكرامه؛ لامتناع مجيئه، و " لو " يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، فإذا أدخلت على " لو " " ما "، أو " لا "، استحال معناها الأول، وصارت بما بعدها للتحضيض، نحو قول الله عزّ وجل: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ 1 وقوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ 2 والمعنى: هلا، و " لولا " قد يكون لها معنى آخر، وهو أن يمتنع الشيء بها لوقوع غيره، كقولك: " لولا عبد الله أتيتك " فإنما امتنع الإتيان من أجل المحذوف بعد عبد الله، والمعنى لولا عبد الله قائم، أو عندك، أو نحو ذلك، فبذلك المعنى المضمر، ومن أجله امتنع إتيانه، فقد رأينا حروفا يتغير معناها، بتركيب غيرها معها.
فيقول المحتج للخليل: إن معنى " لن " لا أن، إلا أنا إذا ركبنا أن مع " لا " لم يكن الفعل صلة لها، كما يكون صلة لأن، وصارت بمنزلة " لم " في أن الفعل الذي بعدها ليس بصلة لها.
فإن قال قائل: فإذا كان أصلها: " لا أن "، فهل جاز استعمالها على أصلها، كما جاز أن يقال: " أي شيء "، و " ويل أمه "، فيستعملا على أصولهما؟ قيل له المخفف والمحذوف على ضربين: أحدهما: يجوز استعماله على أصله، والآخر متروك استعماله، غير جائز إجراؤه على أصله، لترك العرب لذلك، ولغيره من العلل التي لا يتسع الموضع لها، فمن المحذوف الذي يجوز رد ما حذف منه ما ذكرناه وهو " أي شيء " و " ويل أمه " وما لا أحصيه كثرة.

وما لا يجوز استعماله على أصله قولنا: " كينونة " و " قيدودة " 1 و " ميلولة " وما كان من المصادر نحو ذلك، والأصل فيه عندنا " فيعلولة " " كيّنونة " و " ميّلولة " و " قيّدودة " وخفف كما يخفف في " سيد " فيقال: " سيد "، وفي " لين " فيقال: " لين "، إلا أنه لا يجوز في " كينونة " وبابها إلا التخفيف، وترك الإجراء على الأصل، ومن ذلك ما ينصب بإضمار " أن " مع الفاء والواو في قولنا: " لا تأتنا فنهينك "، و " لا تقرب الأسد فيأكلك "، و " لا تنه عن شيء وتأتي مثله " 2 هذا كله بإضمار " أن " ولا يحسن إظهارها.
فقد وضح بما قلنا أن المحذوفات تنقسم قسمين: أحدهما جائز ردّ ما حذف منه، والآخر قبيح، وكذلك " لن " على ما ذكرنا من حجة هذا المحتج مخففة من " لا أن " وقبيح استعمال " لا أن " والقول هو الأول لأن " لن " إذا أفردت لها حكم غير متعلق بحكم " أن " كحرف واحد موضوع لمعناه.
وزعم الفراء أن " لن " و " لم " و " لا " أصلها واحد، وأن الميم والنون مبدلتان من الألف في " لا " وهذا ادعاء شيء لا نعلم فيه دليلا، فيقال للمحتج عنه، ما الدليل على ما قلت؟ فلا يجد سبيلا إلى ذلك.
فأما " كي " فإن الذي ينتصب بعدها من الفعل المضارع على وجهين: أحدهما: أن تكون هي الناصبة، وهي حرف، وإنما نصبت من قبل أن الذي يقع بعدها مستقبل، فشابهت " أن " في وقوع " ما " بعدها مستقبلا، وفي جعل " كي " حرفا بمنزلة " أن " ونصب بها نفسها، أدخل عليها اللام، كما يدخلها على " أن " فيقول " أتيتك كي تكرمني " و " أتيتك لكي تكرمني "، كما تقول: " أتيتك لأن تكرمني "، فدخول اللام عليها دلالة على أنها بمنزلة " أن ". ومن العرب من يقول " كيم " فيدخل على " كي " " ما " في الاستفهام، ويحذف الألف من " ما " كما يدخل حروف الجر على " ما " في الاستفهام، ويحذف ألفها نحو: لم وبم وعم ومم وفيم، فلذلك قال: " كيم " جعل " كي " بمنزلة اللام، وفي، وعن، وسائر حروف الجر، ونصب الفعل بعدها بإضمار " أن " كما ينصب بعد اللام بإضمار " أن " إذا

قال " أتيتك لتكرمني " وإنما المعنى " أتيتك لأن تكرمني "، كذلك " كي " في هذا القول إذا قلت: " أتيتك كي تكرمني " والمعنى: كي أن تكرمني والدليل على ذلك قول " جميل " في إحدى الروايتين: فقالت أكلّ الناس أصبحت مانحا … لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا 1 ويروى: " لسانك هذا كي تغر وتخدعا ". و" ما " زائدة في إنشاد من أنشده " كيما أن ". وروى " أبو عبيدة " عن " الخليل " أنه قال: لا ينتصب شيء من الأفعال المضارعة، إلا بأن مضمرة أو مظهرة، في: كي، وإذن، ولن، وغير ذلك، فاعرفه إن شاء الله.
وأما " إذن " فإنها إذا وقعت أولا نصبت، وإنما ينصب بها لأنها تكون جوابا، وما بعدها مستقبل لا غير، وذلك إذا قال لك إنسان: أنا أودّك.
قلت: " إذن أكرمك " وإنما أردت إكراما توقعه في المستقبل، فصارت بمنزلة " أن " في وقوعها للمستقبل من الأفعال، إلا أنّ " إذن " لها ثلاثة أحوال: حال تعمل (فيه) لا غير، وحال يجوز إعمالها وإلغاؤها، وحال يقبح إعمالها.
فأما الحال التي تعمل (فيه) لا غير، فأن تقع مبتدأة، ليس قبلها ما يعتمد عليه ما بعدها، مثل قولك: إذن أكرمك، إذن أسرّك قال الشاعر: أردد حمارك لا تنزع سويته … إذن يردّ وقيد العير مكروب 2 وأما الحال التي يجوز إعمالها وإلغاؤه فأن يكون قبلها واو أو فاء، وذلك قولك: " أنا أخوك فإذن أذبّ عنك، وأذبّ عنك ". وكذلك قال الله عز وجل: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا 3، وفي قراءة ابن مسعود: " لا يلبثوا " فشبّه أصحابنا " إذن " في الحروف الناصبة ب " ظننت " وأخواتها في الأفعال العاملة، وذلك أن " ظننت " متى قدمت على مفعوليها عملت لا غير، كقولك: " ظننت زيدا قائما " وإذا قدم عليها المفعولان أو أحدهما فيها جاز الإعمال والإلغاء جميعا، وكذلك (إذن) إذا قدمت عملت لا غير، وإذا تقدمتها الواو والفاء جاز فيها

الإعمال والإلغاء.
فإن قال قائل ما العلة التي من أجلها جاز الإلغاء في " ظننت " و " إذن " إذا كان على الحد الذي وصفته؟ فالجواب في ذلك: أنك إذا قلت: " ظننت زيدا منطلقا " فقد بدأت بفعل لا بد من إعماله؛ لأنه واقع على ما بعده، وذلك قولك: " ظننت زيدا منطلقا " فإذا قدمت زيدا فقد بدأت به على لفظ اليقين والإخبار، فجاز على أن يجري على سنن ابتدائك، ويلغى الفعل المتأخر إذا كان مما يلغى؛ لأن الأول قد تعلق لمعنى يوجب رفعه، وذلك قولك: " زيد ظننت منطلق "، و " زيد منطلق ظننت "، كأنك قلت: زيد منطلق في ظني، كما تقول: زيد منطلق عندي، وأنت تريد في رأيي واعتقادي.
وهذا كلام مستعمل، أعني إذا قلت: زيد منطلق عندي وأنت تريد: في ظني واعتقادي، فإذا نصبت مع التقدم فقلت: " زيدا ظننت منطلقا، وزيدا منطلقا ظننت "، فكأنك قدمت اللفظ مريدا لتأخيره معتمدا على الظن الذي أخرته.
وكذلك " إذن " بعد الواو والفاء تجري هذا المجرى، وذلك لأن الواو والفاء لا تكونان إلا متعلقتين بما قبلهما و " إذن " إذا كان قبلها محتاجا إلى ما بعدها لم تعمل، وذلك قولك: " زيد إذن يقوم "، و " إنّ زيدا إذن ينطلق "، " والله إذن لا يقوم " ألغيت " إذن " لحاجة ما قبلها إلى ما بعدها، فإذا كان قبلها واو أو فاء، وجعلت الكلام الذي بعدها في تقدير الحاجة إلى ما قبلها ألغيت " إذن "؛ لأن الواو للعطف، فكأن ما بعد " إذن " من تمام ما قبلها وإذا جعلت الواو مستأنفة جعلت لها حكم نفسها وصارت كجملة معطوفة على جملة.
ونبيّن هذا المعنى بمسألة تقول: " زيد يقوم وإذن يكرمك ". إذا عطفت " وإذن يكرمك " على " يقوم " الذي هو الخبر ألغيت إذن من العمل، وصار بمنزلة قولك: " زيد إذن يكرمك "، لأن المعطوف على الشيء يقع موقعه، ويصير خبرا لزيد، بمنزلة " يقوم "، فكأنك قلت: " زيد يقوم ويكرمك "، في تقدير اللفظ.
وإذا لم تعطف " وإذن يكرمك " على الخبر، وجعلته عطفا على الجملة المتقدمة نصبت ما بعدها وصار لها حكمها إذا ابتدأت ولم يتقدمها كلام، وكان بمحل قولك: " زيد قائم وعمرو منطلق " " زيد منطلق وأبوه يكرمك " جعلت الثانية جملة قائمة بنفسها، غير معطوفة على خبر الأول، ولكنها معطوفة على جملة الكلام، وأما الحال التي تلغى فيها إذن فأن يتقدم اسم

يحتاج إلى خبر كقولك: " إن زيدا إذن يقوم "، أو شرط يحتاج إلى جواب كقولك: " إن تأتني إذن أكرمك "، أو قسم يحتاج إلى مقسم عليه، كقولك: " والله إذن لأضربك "، وأما " والله إذن لأقومن إليك " فإنما ألغيت في هذه الوجوه؛ لأن ما بعد " إذن " معتمد على ما قبلها وما قبلها محتاج إلى ما بعدها، وهي قد تلغى في حال، فوجب إلغاؤها هاهنا.
فإن قال قائل: فما معنى قول الشاعر: لا تتركني فيهم شطيرا … إني إذن أهلك أو أطيرا 1 فالجواب أن هذا شاذ، ومتى صح فإنه على أحد وجهين: إما أن يكون جعل " إذن أهلك أو أطيرا " جملة في موضع خبر إن، كقولك: " إني لن أقوم " فشبه إذن بلن، وإن كانت " لن " لا تلغي لها حال، و " إذن " تلغي.
والوجه الثاني: أن يكون حذف خبر " إني "، وابتدأ " إذن " بعد تمام الأول بخبره، وجاز حذف خبر الأول؛ إذن كان في الثاني عليه دليل، كأنه قال: " لا تتركني فيهم غريبا بعيدا إني أذل، إذن أهلك أو أطيرا " فكان في الثاني دلالة على الأول المحذوف، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
فإن سأل سائل فقال: إذا حملتم هذه الحروف على " أن " فنصبتم بها، لمشاركتهن " أن " في وقوع ما بعدهن مستقبلا، فينبغي على قياس هذا القول واطراده أن تنصبوا بما بعد " لا " في النهي، وما بعد " لام " فعل الأمر وما بعد حروف الجزاء؟ قيل له: قد كان ذلك قياسا لازما، وقولا مطردا، لولا علل دخلن عليه، فوجب من أجلها الجزم والسكون.
أما لام الأمر فإن ما بعدها ضارع فعل الأمر المبني الموقوف، ووقع في موقعه، فلما كان في معناه، وواقعا موقعه له ثقل ذلك، ونقص عن منزلة نظائره من الأفعال المستقبلة، وأعطى أضعف الإعراب، وهو الجزم، وحمل المجزوم على فعل الأمر، كما حمل فعل الأمر في المعتل الناقص عليه، نحو: اغز، وارم، واخش، وإنما حذف أواخر هذه الحروف؛ بعلامة الجزم وحمل الأمر عليه، وإن كان مبنيّا.
وأما النهي فإنه نقيض الأمر، فلما كان الأمر على الحد الذي وصفناه بالعامل الذي

ذكرناه كان النهي مثله.
وأما حروف المجازاة والشرط فإنما جزمت ما بعدها؛ لأنها محتاجة إلى أجوبة من أفعال وجمل، فاستطالوا الكلام فأعطوه الجزم تخفيفا له؛ من أجل طوله، وذلك أنك إذا قلت: " إن تكرمني " لم يكن كلاما تاما، حتى تجيء له بجواب فتقول: " أكرمك "، أو فأنا مكرم لك أو نحو ذلك من الأجوبة، فلذلك آثروا الجزم، والله أعلم.
فإن قال قائل: إذا قلتم: " إن تكرمني أكرمك " بماذا جزمتم الأول والثاني؟ قيل له.
أما الأول فلا اختلاف بين أصحابنا- أعلمه- في أنه مجزوم " بأن " واختلفوا في الجواب على ثلاثة أنحاء: فكان أبو العباس محمد بن يزيد 1 يقول: إنه جزم بإن والفعل الذي بعدها جميعا، وإنهما عاملان فيه، وكان يقول: هو بمنزلة الخبر والابتداء، والعامل والمبتدأ الرافع له الابتداء، والابتداء والمبتدأ عاملان في الخبر، وكذلك " إن " هي العاملة فيما بعدها، وهي وما بعدها عاملان في الجواب، وحجته في ذلك أن الثاني الذي هو الجواب- لا يصح أن يتقدم الأولين، فلا جائز لأحد أن يجعل العامل أحد الأولين إلا جاز لآخر أن يضادّه في دعواه، وليس أحدهما أولى من صاحبه بالعمل في الجواب فجعلنا العامل اجتماعهما جميعا؛ من حيث لا يصح الثاني الذي هو الجواب إلا بتقدم الأولين واجتماعهما.
والقول الثاني: أنّ " إن " هي العاملة في الشرط والجواب جميعا، كما يعمل الفعل في الفاعل والمفعول به جميعا، إلا أن العوامل تختلف إعمالها ومعمولاتها، فمنها ما يعمل فيه بأن يكون إلى جنبه وملاصقا له.
ومنها ما يعمل فيه بواسطة بينهما.
وقد كان بعض أصحابنا يشبه هذا بالنار التي تعمل فيما في القدر يتوسط القدر بينهما، وتؤثر فيه تأثيرا ما، وتؤثر في القدر الإحماء والتسخين، فقد أثرت في القدر بلا واسطة، وأثرت فيما فيها بواسطة، وهي القدر، وهذا تقريب، وجملة الاعتلال لهذا القول، أنا رأينا الأول ينجزم بالحرف فقط، بلا اختلاف وكذلك الجواب ينجزم بمثل ما انجزم به الشرط، إلا أن الحرف الذي يعمل فيهما، يقبل في كل شيء، منهما في موضعه الذي رتب فيه لمعناه.

والعمل لا يختلف.
والقول الثالث: وهو شيء يحكى عن أبي عثمان المازني أنه قال: الشرط والجواب غير مجزوم وإنما هو مسكّن على حكم الأفعال في أصلها من التسكين، وحكي عنه أنه اعتل أن الفعل إذا وقع في موقع لا يقع فيه الاسم، ردّ إلى حكمه الأصلي، وهذا قول فاسد، وما أظن أن " أبا عثمان " في علمه وثقوب معرفته، وجلالة محله، كان يذهب عليه هذا المعنى الواضح، ويختار هذا القول الفاسد البين الفساد، وذلك أنه لو ردت الأفعال إلى أصلها يحلو لها في غير محل الأسماء، لم يجز أن ينصب بلن وأن وسائر نواصب الأفعال؛ لأنهن صيغ، لا تقع بعدهن الأسماء، ولكان يلزم أيضا أن يكون إعراب الأفعال وجها واحدا إذا حلت محل الأسماء، فكان ينتج من هذا ألا تكون الأفعال معربة؛ لأن الإعراب هو اعتقاب الحركات أو: حركات وسكون على أواخر الكلام، وما لزم طريقة واحدة فليس بمعرب.
فإن سأل سائل فقال: ما قولكم في فعل الأمر، أمعرب هو أم غير معرب؟ قيل له هو عندنا مبني على السكون على أصل ما يستحقه.
فإن قال: وما الذي أبطل أن يكون مجزوما؟ قيل له: امتنع أن يكون مجزوما من قبل إن الصورة الموضوعة للأمر من الفعل إذا لم يكن في أولها الزوائد الأربع لا تكون إلا على طريقة واحدة وشريطة المعرب أن يعتقب على آخره أكثر من حركة، والمبني لا يتغير عما يصاغ عليه من حركة أو سكون، فقضينا بذلك أن فعل الأمر الذي ليس في أوله الزوائد الأربع مبني على السكون، ونكشف هذا بمثال فنقول: إذا قلت: " زيد يذهب أو أنا أذهب " أو " أنت تذهب " أو " نحن نذهب " فالباء من يذهب تكون مرة مضمومة، ومرة مفتوحة، ومرة موقوفة، ما صحب " يذهب " أحد هذه الحروف الزوائد تقول: " أنا أذهب، ولن أذهب، " ولم أذهب " فإذا أمرت منه قلت: " اذهب "، فغيرت الصورة، ونزعت حرف المضارعة، ولزم السكون، فلما لزم السكون عند ما بني هذه البنية، علمنا أن هذه البنية هي التي أوجبت أن تكون مبنية على حال واحدة.
فإن قال قائل: فهلا جعلتموه مجزوما بلام محذوفة هي لام الأمر كأنكم قلتم " لتذهب " فحذفتم اللام؟ قيل له: هذا لا يجوز؛ من قبل أنا رأينا عوامل الأفعال ضعيفة، لا يجوز حذفها نحو: لن، لم، وأشباه ذلك، فلم يجز أن نضمر اللام ونعملها؛ لضعف ذلك،

وأيضا فإنا رأينا الأسماء المعربة هي أقوى من الأفعال وأشد تمكنا، وقد رأينا العوامل فيها تنقسم قسمين.
أحدهما يجوز حذفه، والآخر لا يجوز.
فالذى يجوز حذفه ما عمل فيه الفعل، كقولك: " هلا زيدا "، تريد " هلا ضربت زيدا "، ونحو ذلك على ما جرى عليه الكلام كقولك: " أزيدا ضربته " تريد أضربت زيدا ضربت وكنحو المبتدأ المحذوف المبقي خبره، كقولك: " الهلال والله " تريد هذا الهلال.
وإنما يرتفع خبر المبتدأ بما تقدم على نحو ما ذكرناه من الاختلاف فيه، فهذا القسم من الأسماء يجوز حذف عامله، وكذلك ما جرى مجراه.
والذي لا يجوز حذف عامله، ما كان العامل فيه حرفا، نحو قولك: " إن زيدا قائم " و " لعل بكرا منطلق "، و " أخذته من زيد "، " ومررت بعمرو " وأشباه ذلك، وهذا القسم الذي لا يجوز حذف عامله هو أقوى وأمكن من الأفعال، وعوامله أمكن من عوامل الأفعال، ومع ذلك لا يجوز حذفها، فإذا لم يجز حذفها، لم يجز حذف ما هو أضعف منها عملا.
فإن قال قائل: فأنتم تنصبون الأفعال بإضمار " أن " مع " الواو "، و " الفاء " و " أو " وتضمرون " أن "؟ قيل له: إنما جاز ذلك عندنا؛ لأنه قد بقي من الحروف ما يكون بيانا عما ألقي ومثاله في الأسماء قولهم: ومهمه بآلة مؤزّر وقولهم: بل بلد ذي صعد وأضباب 1 ونحو ذلك في معنى " ربّ " جعلوا " الواو " و " بل " و " الفاء " بدلا من المحذوف وهو " ربّ " وكذلك الفاء والواو و " أو " عوض من المحذوف.
ولما يحذف ويعوض منه باب نتقصّاه إن شاء الله.
وإنما ذكرنا منه نبذا غير متقصين؛ لأن القصد في الباب إلى غيره لا إليه.
ووجه ثان مما يبطل أن تكون اللام الجازمة لفعل الأمر محذوفة، كما تحذف أن أنها لو كانت محذوفة، لبقي حرف المضارعة، وكان يقال: تذهب في معنى " لتذهب " كما بقي

حرف المضارعة لما حذفت " أن " مع الفاء والواو، والدليل على ذلك أن الشاعر إذا اضطر إلى حذفها حذفها، وبقي سائر الكلام على حاله، أنشد الأخفش: محمد تفد نفسك كلّ نفس … إذا ما خفت من أمر تبالا 1 أراد لتفد نفسك كل نفس.
وقال آخر: فقلت ادعي وأدع فإن أندى … لصوت أن ينادي داعيان 2 أراد: ولأدع وقد أنكر " أبو العباس محمد بن يزيد " البيت الأول، وقد أنشده كثير من الناس إلا أنا أردنا أن نبين أن حذف العامل لو كان على ما زعموا، لم يوجب تغيير الصورة من المعمول فيه.
فإن قال قائل: " إنما كان الأصل فيه: " لتقم "، و " لتذهب " في فعل الأمر إلا أنه كثير في كلامهم، فحذفوه استخفافا، كما قالوا: " أيش " و " يلّمة "، والأصل " أي شيء "، و " ويل أمّه "، وقالوا: عم صباحا، والأصل: أنعم صباحا من نعم ينعم، ويقال: نعم ينعم، ونعم ينعم " و " عم صباحا " من المكسور العين، وحذفوا النون التي هي فاء الفعل استخفافا، لما كثر في كلامهم التحية بهذا، وغير ذلك من المحذوفات.
قيل هذا قياس مطرح، وتشبيه بين شيئين لا يشتبهان؛ وذلك من قبل أن المحذوف إنما يكون في شيء إذا كثر الكلام (به) والترداد له، ولا يكون في نظائره إذا نقص عن مثل حاله في الكثرة التي جاز معها الحذف، وقد رأينا فعل الأمر فيما كثر استعماله وما قل من الأفعال إذا أمروا به صاغوه هذه الصيغة نحو قولهم: اعرنزم، واحرنجم، ونحو هذا من الأفعال التي هي أقل من ذا أو مثله في القلة، يطرد فيه الحذف، فلو كان ذا على ما زعم الزاعم، لاختص الحذف بالكثير الدائر المستعمل في كلامهم، وما كان يتعدى الحذف إلى ما يقل ويشذ حتى يصير بابا مطردا وقياسا لازما.
ألا ترى أنا لا نقول قياسا على: " لم يك "، في معنى: لم يكن: " لم يص " " ولم يه " في

معنى: لم يصن، ولم يهن؛ لكثرة لم يكن.
ولا نقول قياسا على " لم يبل "، في معنى: يبال: " لم يعط "، " ولم يجز " - في معنى لم يعاط، ولم يجاز، فتبين الفصل فإنه واضح إن شاء الله ". فإن قال قائل: فلم قالوا: " اقض "، فحذفوا الياء كحذفهم إذا قالوا: " لم يقض "، وهذا الحذف يكون للجزم، و " اضربا " كما كقالوا: " لم يضربا "، و " اضربوا " كما قالوا: لم يضربوا "؟ فإن الجواب في ذلك أنه لما استوى المجزوم غير المعتل، وفعل الأمر، غيّر المعتل كقولك: " لم يذهب " و " اذهب يا زيد "، وإن كان أحدهما مجزوما معربا، والآخر مسكنا على أصله، سوىّ بينهما في المعتل وفي التثنية والجمع، وحمل ذلك أجمع على الواحد الصحيح.
وذكر " المازني " لفظا يؤول إلى ما قلنا، فقال: إنما قالوا اقض، وارم؛ لمضارعة الجزم السكون، وهذا هو المعنى الذي أردناه، إلا أنا لخصنا هذا المعنى وبيناه.
فإن قال قائل: لم جعلوا في إعراب الأفعال الجزم دون الأسماء؟ قيل له: قد تقدم قولنا في امتناع دخول الجزم على الأسماء، ونبين الآن: لم ساغ دخوله على الأفعال، فنقول وبالله التوفيق: إن الاسم لما كان هو المستحق للإعراب في أصل الكلام، استحق جميع الحركات؛ لقوته، ولما ستراه في موضعه، إن شاء الله.
وضارع الفعل الاسم فجرى مجراه، واستحال دخول الحركة التي هي الجر عليه؛ لما تبين لك من فساد ذلك في موضعه، فجعل مكان تلك الحركة- التي هي الجر- الجزم؛ ليكون معادلا للاسم في إعرابه؛ لتمام مضارعته له.
قال سيبويه: " وليس في الأفعال المضارعة جرّ، كما أنه ليس في الأسماء جزم ". قال أبو سعيد: إن سأل سائل: فقال لك لم لم يكن في الأفعال المضارعة جر؟ فإن في ذلك أجوبة منها: إن الجر إنما يكون بأدوات يستحيل دخولها على الأفعال، وهي حروف الجر، وبالإضافة المحضة، وليس لدخول ذلك على الأفعال معنى يعقل.
ألا ترى أنك لو قلت: هذا غلام يضرب، أو مررت بيضرب، ونحو ذلك فسد الكلام.
ووجه ثان: إن المضاف إليه يتعرف به المضاف، أو يخرج به من إبهام إلى

تخصيص على مقدار خصوصه في نفسه، كقولك: " هذا غلام زيد " فيتعرف الغلام بزيد وتقول: " هذا غلام رجل صديق لك "، فيخرج الغلام عن حد الإبهام الذي في قولك: " هذا غلام " حتى ينحصر ملكه على صديق له، دون سائر الناس، وصديق له أخص من واحد من الناس مبهم.
ووجه ثالث: إن الفعل لا يكون إلا نكرة، ولا يكون شيء منه أخصّ من شيء، فإذا كانت الإضافة إنما ينبغي لها زيادة معرفة المضاف، ولا سبيل إلى أن يعرف المضاف إليه، حتى يكون مقصورا إليه معروفا، فيتعرف المضاف بذلك، لم يصح.
ووجه رابع: وهو أن الفعل والفاعل جملة، ولا يجوز أن تقول: " هذا غلام زيد يقوم، كذلك لا تقول: " هذا غلام يقوم زيد "؛ لأنه جملة كالابتداء والخبر.
ووجه خامس: إن الفعل إنّما هو اللفظ الدال على حدث في زمان ماض أو غير ماض، فلو أضفنا إلى الفعل كنا قد أضفنا إلى الحدث والزمن، لا إلى أحدهما، ولا يصح الإضافة إلى زمان غير متحصل، وإنما يضاف إلى الزمان الدال على وقت منه بعينه؛ لأن الزمان الماضي يقع على " أمس " وما قبله، من الأزمنة التي لا يحصلها وقتا وقتا، وعلى ما بعده من الأوقات إلى ما يلينا من أقربها، فلا يتبين المضاف إليه من الزمان، ولا يتخلص من غيره.
ويدل على صحة هذا الوجه أن الزمان المستقبل قد يكون ماضيا، وقد كان الماضي مستقبلا، فلا معنى للإضافة إلى زمان لا يختص لنفسه حالا يتبين بها من غيره، والإضافات إنما حكمها والفائدة فيها: إخراج المضاف من حالة مبهمة إلى ما هو أخصّ منها.
وذكر أبو الحسن الأخفش في ذلك علّتين: إحداهما: أنه قال: لو أضفنا إلى الفعل لاحتجنا بعده إلى الفاعل، وقد علمنا أن المضاف إليه يقوم مقام التنوين، ولم يبلغ من قوة التنوين عنده أن يقوم مقامه شيئان.
والعلة الثانية، زعم أن الأفعال أدلّة على غيرها، يعني على الحدث والزمان وعلى فاعليها ومفعوليها.
وزعم أن المضاف إليه مدلول عليه؛ قال: والأفعال أدلة، وليست بمدلول عليها، فلا يضاف إليها؛ لأن الإضافة إلى المدلول عليه لا إلى الدليل.

جارٍ التحميل