شرح كتاب سيبويهصفحات 451-490

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 451-490

على انطلاق زيد، فلم يجز أن تقول: " حسبت زيدا " وتسكت؛ لأن المحسبة لم تقع على زيد فلا يجوز أن تأتي بما لم تقع عليه المحسبة، وتترك ما وقعت عليه المحسبة ولا يجوز أن تقول: حسبت منطلقا وتسكت؛ لأن الانطلاق الواقع عليه المحسبة إذا لم يكن مسندا إلى صاحب فلا فائدة فيه؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد منطلق "، تكون الفائدة للمخاطب في الانطلاق؛ لأن المخاطب قد عرف " زيدا "، ولا يجوز مع هذا أن تفرد أحدهما من دون الآخر، فتقول: " زيد " أو تقول: " منطلق "؛ لأنك إذا قلت: " زيد " فلا فائدة فيه إذ لم تخبر عنه بخبر.
وإذا قلت: " منطلق " فلا فائدة فيه؛ إذا لم تذكر الذي له الانطلاق.
فهذه الأفعال إنما دخلت على مبتدإ وخبر، فلم يجز الاقتصار على أحدهما، كما لم يجز الاقتصار على المبتدإ، ولا على الخبر.
ويجوز ترك المفعولين جميعا والاقتصار على الفاعل كقولك: " ظننت "، و " حسبت "؛ لأنك لم تأت باسم يحتاج إلى خبر، ولا خبر يحتاج إلى صاحب، وإنما جئت بالفعل والفاعل فكان الفعل خبرا عن الفاعل، وتم الكلام.
وفي بعض أمثال العرب: " من يسمع يخل "، فلم يأت " ليخل " بمفعول.
فإن قال قائل: فما الفائدة في قولنا: " ظننت، وخلت "، إذا لم تأت بالمفعولين؟ قيل له: الفائدة فيه: أنه وقع منه ظن، ومخيلة، كما تقول: أكلت، وشربت "، فتكون الفائدة أنه وقع منه أكل، ولا تذكر منه المأكول والمشروب.
وجميع الأفعال التي تجري هذا المجرى أربعة عشر فعلا: منها سبعة أفعال قد سميّ فاعلوها، وسبعة أفعال لم يسمّ فاعلوها.
فأما السبعة الأفعال التي سمي فاعلوها فهي: " ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت من رؤية القلب-، ووجدت- من وجود القلب- وعلمت وزعمت... ". وأما السبعة التي لم يسم فاعلوها فهي: " أعلمت، وأريت، ونبئت، وأنبئت، وخبّرت، وأخبرت، وحدّثت ". فأما ظننت وحسبت وخلت فمعناها واحد، وهو أن تتصور الشيء من غير استثبات ولا دليل عليه، وقد يكون ل " ظننت " فقط، من هذه الثلاثة الأفعال مذهب يتعدى فيه إلى مفعول واحد، وهو أن تقول: " ظننت زيدا "، بمعنى: اتهمت زيدا، ومنه

" رجل ظنين "، أي متهم قال الله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ 1 أي بمتهم.
وقد يكون بمعنى العلم كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ 2 أي: يعلمون.
وإنما يقع الظن بمعنى العلم في كل ما لم تدركه الحواس، وعلم من طريق الاستدلال، فقلت: " ظننت الحائط مبنيا "، وأنت قد شاهدته، لم يجز ذلك.
وأما " رأيت ": فإنه من رؤية العين، يتعدى إلى مفعول واحد كقولك: " رأيت زيدا " أي: أبصرته، وإن قلت: " رأيت زيدا قائما " من رؤية العين فإنما ينصب " قائما " على الحال.
ورؤية القلب لا يجوز فيها الاقتصار على أحد المفعولين ولها مذهبان: مذهب العلم، ومذهب الظن، قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً.
وَنَراهُ قَرِيباً 3، معناه: أنهم يظنونه بعيدا، ونعلمه قريبا.
وأما " وجدت " من وجود القلب، فإنه بمعنى العلم يقال: " وجدت زيدا قائما وجودا " بمعنى: علمته قائما، قال الله تعالى: وَجَدْناهُ صابِراً 4 أي: علمناه صابرا.
وإذا كان " وجدت " في غير معنى العلم، فليس مصدره " وجودا "، ولا يتعدى إلى مفعولين، وذلك قولك: " وجدت الضالة وجدانا "، بمعنى: أصبتها و " وجدت على زيد موجدة "، إذا عتبت عليه، وغير ذلك من وجوهها.
وأما: " علمت ": فإن له مذهبين: إن أردت به معرفة الاسم ولم تكن عارفا به من قبل تعدّى إلى مفعول واحد، وصار بمنزلة " عرفت " فإذا قلت: " علمت زيدا اليوم "، فمعناه: عرفته اليوم، ولم تكن عارفا به من قبل، قال الله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ 5 أي: عرفتموهم، ولم تكونوا عارفين بهم، وكذلك قوله: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ 6. والمذهب الآخر من مذهبيه: أن يكون العلم واقعا بالثاني، كقولك: " علمت زيدا

منطلقا اليوم "، وقد كنت عارفا بزيد من قبل، غير أنك لم تكن عارفا بانطلاقه، فحدث لك العلم اليوم بانطلاقه.
وأما " زعمت " فإنه قول يقترن به اعتقاد ومذهب، وقد يصح ذلك وقد لا يصح.
ولو كان الزعم في معنى القول المحض لحكي ما بعده ولم ينصب، كما يفعل ذلك بعد القول، إذا قلت: " قال زيد عمرو قائم ". وأما السبعة التي لم يسم فاعلوها: فهي متعدية إلى ثلاثة مفعولين، إذا سمّي فاعلوها وأنا أبينها في باب: " ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين ". فإذا تقدمت هذه الأفعال عملت النصب في المفعولين جميعا، ولا يجوز إلغاؤها كقولك: " علمت زيدا منطلقا "، و " علمت أباك ذاهبا " فهي في تقدمها بمنزلة: " ضربت، وأعطيت " في الإعمال.
والمفعول الثاني منها خبر للمفعول الأول، فهو ينقسم أقسام الأخبار، يجوز أن يكون اسما هو الأول كقولك: " حسبت زيدا منطلقا "، ويجوز أن يكون فعلا له ماضيا، ومستقبلا كقولك: " حسبت زيدا قام "، و " حسبت زيدا يقوم "، وظرفا له كقولك: " حسبت زيدا عندك " وجملة فيها ذكر يعود إليه كقولك: " حسبت زيدا أبوه قائم "، و " حسبت زيدا إن تأته يأتك ". وإذا توسطت هذه الأفعال، أو تأخرت جاز إلغاؤها وإعمالها كقولك: " زيد حسبت منطلق "، و " زيدا حسبت منطلقا "، و " زيد منطلق حسبت " و " زيدا منطلقا حسبت ". وإنما جاز إلغاؤها؛ لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها، فإذا تقدمت الجملة، أو تقدم شيء منها حصل لفظ الخبر، ولم يكن في الكلام لفظ شك، فحملت الجملة على منهاجها ولفظها قبل دخول الشك، وصير موضع الشك واليقين في تقدير ظرف له.
فإذا قلت: " زيد منطلق ظننت "، أو " زيد ظننت منطلق "، فكأنك قلت: " زيد منطلق في ظني ". وإذا تقدم الفعل، حصل فعل الشك واليقين قبل ورود الاسم فعمل؛ لأن الاسم ورد وقد تقدم الشك في خبره، فمنعه ذلك التقدم من أن يجري على لفظه الأول قبل دخول الشك واليقين.
قال سيبويه: (فإذا جاءت مستعملة فهي بمنزلة " رأيت " يعني: رؤية العين و " ضربت، وأعطيت " في الإعمال والبناء على الأول في الخبر والاستفهام، وفي كل

شيء).
يعني أنك إذا أعملته، فقد صيرته بمنزلة " رأيت، وضربت، وأعطيت "، فينبغي أن تجرى مجراه في البناء على الأول في الخبر والاستفهام وفي كل شيء.
أما البناء على الأول في الخبر، فقولك: " عبد الله حسبته منطلقا "، كما تقول: " عبد الله أعطيته درهما "، تختار الرفع في هذا كما اخترته في " عبد الله أعطيته درهما " ويجوز النصب فيه، كما جاز في " عبد الله أعطيته درهما ". وأما الاستفهام فقولك: " أعبد الله حسبته منطلقا "، يختار النصب في هذا على تقدير: أتوهمت عبد الله حسبته منطلقا، كما اخترت النصب في " عبد الله أعطيته درهما " على تقدير: أعطيت عبد الله أعطيته درهما، ويجوز الرفع فيهما جميعا بالابتداء.
وقوله: (وفي كل شيء).
يعني: في سائر الأفعال التي تختار فيها النصب بعد الاستفهام، كقولك: " أظنّ عبد الله منطلقا "، و " بكرا أظنه خارجا "، كما تقول: " ضربت زيدا، وعمرا ضربته "، وإن شئت قلت: " وبكر أظنه خارجا "، كما تقول: " ضربت زيدا وعمرا ضربته ". قال: (فإن ألغيت قلت: " عبد الله أظنّ ذاهب "، و " هذا أخال أخوك "، و " فيها أرى أبوك).
يعني: أن " أرى " قد توسط بين الاسم والخبر؛ لأن الاسم المبتدأ هو الأب، و " فيها " خبره، و " أرى " كالفضلة؛ لأنه شيء هجين في نفسه، فأشبه باب القول في الحكاية، وضعف الفعل فيه إذا توسط، أو تأخر.
وإذا تأخر كان الإلغاء فيه أحسن منه إذا توسط؛ لبعد الفعل من الأول.
وكل عربي صحيح جيد.
قال اللعين المنقري: أبالأراجيز يابن اللّؤم توعدني … وفي الأراجيز خلت اللوم والخور 1 " فاللؤم " مرفوع بالابتداء، و " الخور " عطف عليه، " وفي الأراجيز " هو الخبر، و " خلت " ملغي، فهو بمنزلة " فيها أرى أبوك ". قال: (وإنما كان التأخير أقوى؛ لأنه إنما يجيء بالشك بعد ما يمضي كلامه على

اليقين، أو بعد ما يبتدئ، وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك، كما تقول: " عبد الله صاحب ذاك بلغني "، وكما قال: " من يقول ذاك تدري "، فأخر ما لم يعمل في أول كلامه.
وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعد ما مضى كلامه على اليقين).
يعني: " زيد قائم ظننت ". وقوله: (وبعد ما يبتدئ وهو يريد اليقين).
يعني: " زيد ظننت قائم ". وقوله: (ثم يدركه الشك).
يكون هذا على أحد وجهين: إما أن يبتدئ كلامه وليس في قلبه منه مخالجة شك، فإذا مضى كله أو بعضه على لفظ اليقين يعني: " زيد قائم ظننت " لحقه فيه الشك، كما تقول: " عبد الله أمير "، على طريق الإخبار بذلك، و " عبد الله صاحب ذاك "، وأنت لم تشاهده، وإنما خبرت به، فيجب أن تستظهر في خبرك، فتقول: " بلغني " أي: هذا الذي قلته فيما بلغني، لا فيما شاهدته.
ولو قدمت " بلغني " لم يجز أن تقول: " بلغني عبد الله أمير "؛ لأن " بلغني " فعل ولا بد له من فاعل، و " عبد الله أمير " جملة، ولا تكون فاعله، ولكن تقول: " بلغني إمارة عبد الله "، و " بلغني أن عبد الله أمير ". وإذا قلت: " عبد الله صاحب ذاك بلغني "، ففاعل " بلغني " مضمر فيه، كأنك قلت: " بلغني ذاك الأمر، أو ذاك البلاغ "، كما تقول: " من يقول ذاك بلغني "، كما تقول: " من يقول ذاك تدري؟ " مستفهما، فيرتفع بالابتداء، " ويقول " خبره، و " تدري " ملغي، ولو قدمته لعمل " تدري " في " من "، وصارت " من " بمعنى الذي، وخرجت عن الاستفهام.
وقد يقول القائل: " زيد ظننت قائم "، و " زيد قائم ظننت "، وهو في أول كلامه شاك، غير أنه لا يعمل الشك، كما يقول القائل: " زيد أمير "، وهو يضمر " عندي " أو " في ظني "، فإذا جاز هذا، جاز أن يظهر ما أضمر، ويكون الكلام على حاله، كما قال الله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ 1، فقال المسؤول: " لبثت يوما أو بعض يوم " على ما كان عنده الأغلب.
قال: (فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل قدم أو أخّر، كما

قال: " زيدا رأيت، ورأيت زيدا "، وكلما طال الكلام ضعف التأخير إذا أعملت).
يعني: إذا ابتدأ الاسم وفي نيته أن يأتي بفعل الشك، نصب، كما يفعل ذلك في " ضرب " وإذا طال الكلام ضعف التأخير الإعمال، إذا قلت: " زيدا منطلقا اليوم أظن "، كان أضعف من قولك: زيدا أظن منطلقا و " زيدا منطلقا أظن "، أضعف من قولك: " زيدا أظن منطلقا " قال: كما يضعف " زيدا قائما ضربت "؛ لأن الوجه أن تقول: " ضربت زيدا قائما "، و " زيدسا قائما ضربت " أضعف من " زيدا ضربت قائما "، ولا يجوز في " ضربت " إلا النصب.
قال: (ومما جاء في الشعر معملا في زعمت قول أبي ذؤيب: فإن تزعميني كنت أجهل فيكم … فإني شريت الحلم بعدك بالجهل) أعمل الزعم في النون والياء، وهي المفعول الأول، و " كنت أجهل فيكم " جملة في موضع المفعول الثاني: (وقال النابغة الجعدي: عددت قشيرا إذ عددت فلم أسأ … بذاك ولم أزعمك عن ذاك معزلا) فالمفعول الأول: " الكاف " في " أزعمك "، وهو في موضع نصب والثاني: معزلا.
والتقدير: فلم أزعمك معزلا عن ذاك.
قال: (وتقول: " أين ترى عبد الله قائما "، و " هل ترى زيدا ذاهبا "؛ لأن " هل "، و " أين "، كأنك لم تذكرهما، لأن ما بعدهما ابتداء فكأنك قلت: " أترى عبد الله قائما " و " أنظن عمرا منطلقا ").
يعني: أنك إذا جعلت " قائما " هو المفعول الثاني، فقد تقدم الفعل المفعولين جميعا، فوجب النصب فيهما، ويكون " أين " ظرفا ملغي في صلة قائم.
قال: (فإن قلت: " أين "، وأنت تريد أن تجعلها بمنزلة " فيها " إذا استغنى بها الابتداء، قلت: " أين ترى زيدا، وأين ترى زيد ").
يعني: أنك إذا جعلت " أين " خبرا لقولك: " أين زيد "، و " في الدار زيد "، ثم جئت بالظن بعد " أين "، جاز الإعمال والإلغاء، فتصيره بمنزلة قولك: " قائما ظننت زيدا، وقائم ظننت زيد "، ويجوز أن تقول: " أين ترى زيد قائما "، على أنك تجعل " أين " خبر " زيد " وتلغي " ترى "، وتنصب " قائما " على الحال.

قال: (واعلم أنّ " قلت "، إنما وقعت في كلام العرب على أن يحكي بها، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا نحو قولك: " قلت زيد منطلق "، لأنه يحسن أن تقول: " زيد منطلق "، ولا تدخل " قلت "، وما لم يكن هكذا أسقطنا القول عليه).
قال أبو سعيد: اعلم أن " قلت "، و " قال "، و " تقول "، وما تصرف منه أفعال لا بد لها من فاعلين، وهي بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى من وجه، وبمنزلة الفعل الذي يتعدى إلى مفعول من وجه.
فأما شبهها بالفعل الذي لا يتعدى، فلأنها لا مفعول لها تصل إليه تنصبه غير مصدرها والظرف والحال فيها.
لا تقول: " قال زيد عمرا "، كما لا تقول: " قام زيد عمرا "، ولكن تقول: " قال زيد قولا يوم الجمعة منطلقا خلفك "، كما تقول: " قام زيد قيامك خلفك يوم الجمعة ضاحكا ". وأما شبهها بالفعل الذي يتعدى إلى مفعول فهو أن الجمل تقع بعدها على لفظ اللافظ بها، فتكون الجمل التي تقع بعدها بمنزلة المفعول، وذلك قولك: " قال زيد عمرو منطلق "، و " قال زيد قام أخوك، وقال زيد " إن عمرا منطلق (فقوله): " عمرو منطلق "، و " قام أخوك " جملة وقع عليها القول فلم يغيرها، وحكيت بعدها على لفظ اللافظ بها، وصارت في موضع المفعول المنصوب فيما يتعدى من الأفعال إلى مفعول وهو قولك: " ضرب زيد عمرا ". وأما قوله: (وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما).
يعني: ما كان جملة قد عمل بعضها في بعض.
وقوله: (لا قولا).
يعني: لا مصدرا له؛ لأنه يعمل في مصدره، كقولك: " قال زيد قولا حسنا " و " قال كلاما حسنا " لأنه في معنى: " قال قولا جيدا "، وقال خيرا "، " وقال حقا "؛ لأنه يراد: " قال قولا خيرا، وقال قولا حقا ". وقوله: (ولا تدخل " قلت ").
يعني: أن الجمل التي يقع عليها القول يجوز أن تلفظ بها، ولا يدخل القول؛ لأنك إذا قلت: " قال زيد عمرو منطلق " جاز أن تقول: " عمرو منطلق "، من غير أن تقول: " قال زيد ".

وقوله: (وما لم يكن هكذا سقط القول عليه).
يعني: ما لم تكن جملة نحو المصدر والظرف والحال سقط القول عليه وعمل فيه.
قال سيبويه: (وتقول: " قال زيد إن عمرا خير الناس "، وتصديق ذلك قول الله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ 1 ولولا ذلك لقال " أن " (الله)).
يعني: أن " أنّ " إنما تكسر إذا وقعت مبتدأة، ولم يعمل فيها ما قبلها كقولك: " إن زيدا قائم "، فإذا عمل فيها ما قبلها فتحت كقولك: " بلغني أن زيدا قائم "، و " ظننت أن زيدا قائم "، فلما قال تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ... إِنَّ اللَّهَ...، علمنا أن القول لم يعمل فيها، وأن الجملة حكيت على لفظها قبل أن يدخل القول، ولو عمل القول لقال " أنّ " على ما بينا في الظن.
قال: (وكذلك " جميع " ما تصرف من فعله.
إلا " تقول " وحدها في الاستفهام.
شبهوها في الاستفهام ب " تظن "، ولم يجعلوها ك " يظن "، و " أظن " في الاستفهام؛ لأنه لا يكاد يستفهم المخاطب عن ظنّ لغيره، ولا يستفهم (هو) إلا عن ظنه، فإنما جعلت ك " تظن "، كما أن " ما " ك " ليس " في لغة أهل الحجاز ما دامت في معناها.
فإذا تغيرت عن ذلك أو قدم الخبر رجعت إلى القياس، وصارت اللغات فيها كلغة بني تميم).
قال أبو سعيد: أعلم أن القول قد يستعمل في معنى الظن والاعتقاد وذلك أن القول والظن يدخلان على جملة، فتصورها في القلب هو الظن أو العلم، والعبارة عنها باللسان هو القول ومن ذلك قول القائل: " هذا قول فلان "، و " مذهب فلان ". ومن العرب من يعمل القول إعمال الظن على كل حال، فيقول: " قلت زيدا منطلقا "، كما تقول: " علمت زيدا منطلقا "، و " ظننت زيدا منطلقا "، وفيهم من يجعله بمنزلة الظن إذا استفهم المخاطب خاصة، فيقول: " أقلت زيدا منطلقا "، و " أتقول زيدا منطلقا "، على معنى: " أظننت زيدا منطلقا "، و " أتظنّ زيدا منطلقا "، وإنما يفعل ذلك في المخاطب إذا استفهم عن ظنه؛ لأن أكثر ما يقول الإنسان لمخاطبه: " أتقول كذا وكذا في كذا، أو ما تقول في كذا " إنما يريد به ما يعتقد إلى أي شيء يذهب.
ألا ترى أنك لو قلت

لفقيه: " ما تقول في تحريم المسكر؟ " فقال لك: " أنا أذهب إلى تحليل القليل منه " لكان معناه: أنا أعتقد هذا وأذهب إليه، وكثر هذا المعنى فأجروه مجرى الظن.
فإذا قالوا للمخاطب: " أتقول زيد عمرو منطلق " حكوا؛ لأنه لم يكن أن يستفهم المخاطب عن ظن غيره، فجعله سيبويه بمنزلة تشبيه أهل الحجاز " ما " " بليس " إذا لم يقع استثناء ولم يقدم الخبر، فإذا وقع الاستثناء أو قدم الخبر رجع إلى القياس، لأنها لم تقو أن تعمل مع التغيير عمل " ليس " كما لم يقو القول في غير استفهام المخاطب عمل الظن؛ لأنه لم يكثر كثرته فيه فرجع إلى القياس.
قال: (ولم تجعل " قلت " " كظننت ").
يعني: أن " قلت " في غير الاستفهام، لم تجعل كظننت في نصب المفعولين بعدها، لأن الأصل فيها أن يكون ما بعدها محكيا، فلم تحمل على " ظننت " في مواضعها كلها، كما أن " ما " لم تحمل على " ليس " في مواضعها كلها، والأصل فيها أن يكون ما بعدها مبتدأ، كما كان الأصل في " قلت " أن يكون ما بعدها مبتدأ.
قال: (وسأفسر لك- إن شاء الله- ما يكون بمنزلة الحرف في شيء، ثم لا يكون معه على أكثر أحواله، وقد بيّن بعضه فيما مضى).
يعني: أن الأشياء التي قد يشبّه بها الشيء في حال، ويفارقه في أحوال كثيرة منها ما قد مضى في أول الكتاب، نحو تشبيه الفعل بالاسم في حال، وتشبيه " ما " " بليس "، وغير ذلك.
ومنها ما يأتي من بعده، ثم مثل الاستفهام في: تقول.
فقال: (وذلك نحو قولك: " متى تقول زيدا منطلقا "، و " أتقول عمرا ذاهبا "، و " أكلّ يوم تقول عمرا منطلقا "، لا يفصل بها كما لم يفصل بها في: " أكلّ يوم زيدا تضربه ").
يريد: " متى تظن زيدا "، و " ألا تظن عمرا ". وقوله: (ولا يفصل بها).
يعني: أنك إذا قلت: " أكلّ يوم تقول عمرا منطلقا " فالاستفهام قد وقع على " تقول ". فلذلك جعلته في مذهب " تظن "، و " كل يوم " لم يفصل بها بين ألف الاستفهام وبين " تقول "، كما لم يفصل في قولك: " أكلّ يوم زيدا تضربه "، وكأنك قلت: " أزيدا

تضربه كل يوم "، فكذلك ها هنا، كأنك قلت: " أتقول عمرا منطلقا كل يوم ". قال: (وتقول: " أأنت تقول زيد منطلق " رفعت؛ لأنه فصل بينه وبين حرف الاستفهام، كما فصل في قولك: " أأنت زيد مررت به " فصارت بمنزلة أخواتها، وصارت على الأصل).
قال أبو سعيد: يعني: أنّ " أنت "، فصلت بين الاستفهام وبين " تقول "، فخرجت " تقول " عن الاستفهام، فعادت إلى حكمها وحكاية ما بعدها، كما أنك إذا قلت: " أأنت زيد مررت به " فصلت " أنت " بين ألف الاستفهام وبين " زيد "، فرفع " زيد " كحكمه في الابتداء.
قال الكميت شاهدا لجعل " تقول " في مذهب " تظن " في الاستفهام: أجهّالا تقول بني لؤيّ … لعمر أبيك أم متجاهلينا 1 وقال عمر بن أبي ربيعة: أما الرّحيل فدون بعد غد … فمتى تقول الدّار تجمعنا 2 قال: (وإن شئت رفعت بما نصبت فجعلته حكاية).
يعني: إن شئت حكيت بعد القول في الاستفهام، ولم تجعله في مذهب " تظن " فقلت: " أتقول زيد منطلق ". قال أبو عثمان: غلط سيبويه في قوله: وإن شئت رفعت بما نصبت؛ لأن الرفع بالحكاية، والنصب بإعمال الفعل.
يريد أبو عثمان: أنك إذا قلت: " أتقول: زيد منطلق "، " فزيد " مرفوع بالابتداء، وإذا قلت: " أتقول زيدا منطلقا "، فهو منصوب بالفعل.
فقال المجيب عن سيبويه: إن هذا لا يذهب على من هو دون سيبويه ولم يغز سيبويه هذا المغزى، إنما أراد: وإن شئت رفعت في الموضع الذي نصبت، ولم يعرض لذكر العامل كما تقول: " زيد بالبصرة "، وإنما تريد: " في البصرة ". وقد يجوز أن يكون المعنى: وإن شئت رفعت ما نصبت، والباء زائدة كما قال تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ 3 أي: تنبت الدّهن وكما قال الشاعر:

هن الحرائر لا ربّات أحمرة … سود المحاجر لا يقرأن بالسّور 1 يريد: لا يقرأن السور.
(وزعم أبو الخطاب وسألته عنه غير مرة: أن أناسا من العرب يوثق بعربيتهم، وهم بنو سليم يجعلون باب " قلت " أجمع مثل " ظننت ").
وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
قال سيبويه: (واعلم أن المصدر قد يلغى كما يلغى الفعل وذلك قولك: " متى زيد ظنك ذاهب "، و " زيد ظني أخوك "، و " زيد ذاهب " ظني ").
ف " زيد " يرتفع بالابتداء، وخبره " ذاهب "، و " متى " ظرف للذهاب " وظنك " منصوب بفعل مضمر ملغي، كأنك قلت: " متى زيد تظن ظنك ذاهب "، وجاز إلغاؤه؛ لأنه بين الاسم والخبر وليس بمتقدم.
قال: (فإن ابتدأت فقلت: " ظني زيد ذاهب "، كان قبيحا ضعيفا، كما قبح " أظن زيد ذاهب ").
يعني: أن قولك: " ظني زيد ذاهب " - لما قدمت " ظني " - صار بمنزلة قولك: " أظن ظني زيد ذاهب "، وأنت لا تقول: " أظن زيد ذاهب ". قال: (وهو في " أين، ومتى " أحسن إذا قلت: " متى ظنك زيد ذاهب ". و " متى تظن زيد منطلق "؛ لأن قبله كلاما، وإنما يضعف هذا في الابتداء كما ضعف " غير ذي شك زيد ذاهب "، و " حقا عمرو منطلق ").
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قد أجاز في هذا الموضع إلغاء الظن، وقد تقدم الفعل المفعولين، إذا كان قبل الظن شيء متصل بالمفعول الثاني.
وذلك أنه أجاز " متى تظن عمرو منطلق "، وعمر: مبتدأ ومنطلق: خبره، و " متى " ظرف للانطلاق، و " متى ظنك زيد ذاهب "، ف " زيد ": مبتدأ و " ذاهب ": خبره، و " متى ": ظرف للذهاب، وقد رد عليه ذلك أبو العباس وغيره، وقالوا: هذا نقض للباب، وذلك أنه شرط: متى ما تقدم الفعل لم يلغ، وأعمل، فوجب أن يعمل ها هنا.

فقال المحتج عنه: إنما شرط سيبويه أن يتقدم الفعل، وليس قبله شيء في صلة ما بعده.
قال: (إذا تقدم شيء مما بعده، قبل أن يأتي بفعل الشك، فقد مضى ذلك اللفظ على غير الشك والظن جاز فيه الإلغاء، كما جاز في " أين تظن زيدا " إذا تقدم الخبر).
وقوله: (وإنما يضعف هذا في الابتداء كما ضعف: " غير ذي شك زيد ذاهب "، و " حقا زيد منطلق ").
قال أبو سعيد: واعلم أن " حقا، وغير ذي شك "، وما جرى مجراهما يؤكد به الجمل وتحقق، ولا تأتين مبتدأ، إذا أردت ذلك المعنى لأنك إذا قلت: " زيد منطلق حقا " فقد وكدت إخبارك بانطلاقه، كأنك قلت: حق ذلك حقا؛ لأن قولك: " زيد منطلق " ظاهره يدل على أنك تخبر بما تحقه وما هو صحيح عندك، فلا تقدم هذا التأكيد، ويؤتى بالجمل بعده فضعف تقديم الظن كضعف تقديم هذا لأنه نقيضه وذلك أن قولك: " زيد منطلق حقا " في باب التحقيق كقولك: " زيد منطلق ظنا " في باب الظن.
قال: (وإن شئت قلت: " متى ظنّك زيدا أميرا " كقولك: " متى ضربك عمرا ". يعني: أنك تجعل " ظنك ": مبتدأ، و " متى ": خبره، و " زيدا أميرا " مفعولي الظن.
قال: (" وقد " يجوز أن تقول: " عبد الله أظنه منطلق " تجعل هذه الهاء على ذاك، كأنك قلت: " زيد منطلق أظن ذاك ").
قال أبو سعيد: إذا قلت: " عبد الله أظنه منطلق " فهذه الهاء " للظن " لا " لعبد الله "، و " أظنه " ملغي وليس بالقوي في الكلام، وذلك أن هذه الهاء إذا جعلتها للظن الذي هو المصدر، فقد أكدت " أظن " بذكر الظن، وأنت قد ألغيت " أظن " برفعك " عبد الله " و " زيدا "، فالأجود أن هذه الهاء إذا جعلتها للظن الذي هو المصدر أن تقول: " عبد الله أظن منطلق " وإذا قلت: " عبد الله أظنه منطلق " فهو أجود من أن تقول: " عبد الله أظن ظنا منطلق " و " أظن ظني منطلق؛ لأنك إذا قلت: " أظنه "، فليس فيه لفظ الظن، وإنما هو كناية عنه، والظن أبلغ في التأكيد؛ لأنه من لفظ " أظن "، وكأنه أعيد لفظه تاكيدا.
وكذلك إذا قلت: " عبد الله أظنّ ذاك منطلق " وجعلت " ذاك " إشارة إلى المصدر، كان أجود من أن تقول: " عبد الله أظنّ الظن منطلق "؛ لأنه أبعد من لفظ التأكيد، وإن جعلت هذه الهاء لعبد الله لم يجز إلا نصب " منطلقا "؛ لأنه يكون " عبد الله " مبتدأ، والهاء

في " أظنه " المفعول الأول، و " منطلقا " المفعول الثاني.
وقد تقدم الظنّ المفعولين، فلا يجوز الإلغاء، ويجوز أن تقول في الابتداء: " أظنه عبد الله منطلق "، وأظنه عبد الله منطلقا "، على مذهبين مختلفين.
أما إذا قلت: " أظنه عبد الله منطلق "، جعلت الهاء للأمر والشأن وجعلتها للمفعول الأول، وجعلت الجملة التي هي مبتدأ وخبر في موضع المفعول الثاني، كما تقول: " إنه زيد قائم "، و " كان زيد قائم "، وإن نصبتها جعلت " الهاء " ضمير الظن، وصارت تأكيدا للفعل، فكأنك قلت: " أظن ظني عيد الله منطلقا ". قال: (وإنما يضعف هذا إذا ألغيت؛ لأن الظن يلغى في مواضع " أظن "، حتى يكون بدلا من اللفظ به، فكره المصدر هنا، كما قبح أن يظهر ما أنتصب عليه سقيا، وسترى ذلك- إن شاء الله- مبنيا ولفظك بذاك أحسن من لفظك بظني).
يعني: إنما يضعف " عبد الله أظنه منطلق " لأن " أظن " قد ألغى والمصدر تأكيد، فكره أن يؤتى بتأكيد شيء قد ألغى.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول: " عبد الله ظنك منطلق " وتجيء بالمصدر، وقد ألغيت.
قيل: المصدر هاهنا بمنزلة الفعل؛ لأنك لم تأت بالفعل وجعلت المصدر بدلا من اللفظ به، فكأنك لفظت بالفعل بلا مصدر.
وقوله: (كما قبح أن يظهر ما انتصب عليه " سقيا ").
يعني: قبح أن تقول: " عبد الله أظن ظني منطلق "، فتجمع بين الفعل والمصدر، كما قبح أن تقول: " سقاك الله سقيا لك "؛ لأن الكلام " سقاك الله "، أو " سقيا "، ولا يجمع بينهما.
قال: (ولفظك بذاك أحسن من لفظك " بظني ").
وقد مر هذا.
قال: (ألا ترى أنك لو قلت: " زيد ظنّي منطلق " لم يحسن ولم يجز أن تضع ذاك موضع " ظني ").
يريد: أن " ظني " أدل على " أظن " من ذاك.
فلذلك صار " ذاك " أبعد من التأكيد.
ألا ترى أنك تقول: " زيد ظني منطلق " ولا تقول: " زيد ذاك منطلق ". قال: (وترك ذاك في " أظن " إذا كان لغوا أقوى منه إذا وقع على المصدر).

يعني: أن قولنا: " زيد أظن منطلق " أقوى من قولنا: " زيد أظن ذاك منطلق "، لأن " ذاك " إشارة إلى المصدر الذي هو تأكيد.
قال: (وأما " ظننت أنه منطلق " فاستغنى بخبر " أنّ "، تقول: " أظن أنه فاعل كذا وكذا، فتستغنى.
فإنما يقتصر على هذا إذا علم أنه مستغن بخبر " أن ").
قال أبو سعيد: اعلم أن " أنّ " المشددة وما بعدها من الاسم والخبر يكون بمعنى المصدر ويقع في موضع الفاعل، والمفعول، والمجرور: فوقوعها في موضع الفاعل قولك: " بلغني أنك منطلق " أي: " بلغني انطلاقك ". ووقوعها في موضع المفعول قولك: " عرفت أنك منطلق " أي: عرفت انطلاقك.
ووقوعها مجرورة قولك: " أخبرت بأنك منطلق " أي: بانطلاقك.
وإذا وقعت في موضع مفعول فهي تقع موقع المفعول الواحد، وتنوب عنه في الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد كما ذكرنا في: " عرفت أنك منطلق ". وموقع المفعولين في الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين وتنوب عنهما وهو قولك: " ظننت أنك منطلق "، و " حسبت أن بكرا خارج "، فنابت " أن " وما بعدها عن مفعولي المحسبة، كما أنك إذا قلت: " علمت لزيد منطلق " نابت الجملة، وإن كانت هي غير عاملة فيها عن المفعولين.
ولو أظهرت المصدر الذي في معناه " أن "، فقلت: " حسبت انطلاقك " لاحتجت إلى مفعول ثان؛ لأن " أن " قد وجد بعدها اسم وخبر لو حذفتهما واقتصرت عليهما، كانا مفعولي الظن، والمصدر ليس فيه شيء من ذلك.
وكان بعض البصريين يقول: إن المفعول الثاني مضمر فإذا قلنا: " حسبت أن زيدا منطلق " فتقديره: " حسبت أن زيدا منطلق واقعا "، كأنا قلنا: " حسبت انطلاق زيد واقعا ". والقول ما قاله سيبويه؛ لأن هذا المضمر لا يجوز إظهاره ولا مانع له من الإظهار لو كان مضمرا، ولأنا إذا قلنا: " حسبت زيدا منطلقا "، أو " حسبت أن زيدا منطلقا " كان الأمر فيهما واحد من جهة المعنى.
قال: (ويجوز أن تقول: " ظننت (زيدا) " إذا قال: " من تظن؟ " أي من تتهم؟ فتقول: " ظننت زيدا " كأنه قال: " اتهمت زيدا " وعلى هذا قيل: " ظنين " أي متهم).
يعني: أن " ظننت "، يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى " اتهمت " وقد ذكرنا هذا.

قال: (ولم يجعلوها ذلك في: " حسبت، وخلت، وأرى "؛ لأن من كلامهم أن يدخلوا المعنى في الشيء لا يدخل في مثله).
يعني: أنهم لم يقتصروا في " حسبت وأرى وخلت على مفعول واحد كما فعلوا ذلك في الظن، واتسعوا في " ظننت "؛ لأنها أكثر دورا في ألسنتهم وهم لها أكثر استعمالا، وقد ذكرنا ما يكون له حكم في كلام العرب لا يكون لنظائره، وسيأتي من بعد إن شاء الله تعالى.
قال: (وسألته عن أيهم؛ لم لم يقولوا: أيهم مررت به؟ فقال: لأن " أيهم " هو حرف الاستفهام، ولا تدخل عليه الألف، وإنما تركت الألف استغناء فصارت بمنزلة الابتداء، ألا ترى أن حد الكلام أن يؤخر الفعل فتقول: " أيهم رأيت "، كما تفعل ذلك في أما، فهي نفسها بمنزلة الابتداء).
قال أبو سعيد: أمّا قوله: (وسألته).
يعني: الخليل وكذلك كل ما كان مثله في الكتاب إذا لم يتقدم ذكر إنسان.
وأما قوله: (أيهم مررت به).
فالاختيار أن تقول: " أيهم مررت به " و " أيهم ضربته ". فقال قائل: لم لم يجز النصب وهو استفهام، كما اختير في قولك: " أزيدا ضربته "؟ فقال: لأنا إذا قلنا: " أزيدا ضربته "، فحرف الاستفهام منفصل من زيد وهو أولى بالفعل، فأضمرنا بينه وبين " زيد " فعلا ينصبه.
و " أيهم " لم يدخل عليها حرف، وإنما صيغ له لفظه الاستفهام ولم يكن فيه حرف هو أولى (بالفعل) فصار بمنزلة " زيد ضربته " في الاختيار.
ومن قال: " زيدا ضربته " على إضمار " ضربت زيدا ضربته "، قال: " أيهم مررت به " و " أيهم ضربته " على تقدير: " أيهم لاقيت مررت به " و " أيّهم ضربت ضربته " فتضمر بعده فعلا ينصبه؛ لأنه استفهام.
وأما قوله: (وتركت الألف استغناء).
يعني: لم تدخل ألف الاستفهام على " أي " في حال الاستفهام بها ونظيرها " من " و " ما " و " كيف " وسائر الأسماء التي يستفهم بها، وكان حكمها عند سيبويه أن تدخل ألف

الاستفهام عليها؛ لمعنى الاستفهام أي: على " أيّ " في حال الاستفهام بها لأنها أسماء وللأسماء دلالة على معانيها التي وضعت لها، من مكان وزمان وإنسان وحيوان، وحروف الاستفهام تدل على الاستفهام فيها.
غير أنهم طرحوا حرف الاستفهام؛ لأنهم لم يستعملوا هذه الأسماء في جميع المواضع، كما يستعملون سائر الأسماء الصحاح، فاكتفوا بدلالتها على الاسم المستفهم عنه أن يأتوا لها بحرف الاستفهام، وكذلك إذا استعملت هذه الأسماء في المجازاة، اكتفوا بها عن حروف الجزاء.
قال: (فإن قلت: " أيهم زيدا ضرب "، قبح، كما يقبح في " متى " ونحوها، وصار أن يليها الفعل هو الأصل؛ لأنها من حروف الاستفهام ولا يحتاج إلى الألف فصارت ك " أين ").
يعني: أن الاختيار أن تقول: " أيهم ضرب زيدا "، و " متى ضرب زيد عمرا "، وذلك أنك إذا قلت: " أيهم "، فقد جئت باسم الاستفهام، وحصل فالواجب أن تأتي بالفعل بعده، وصار تقدم " أي "، كتقدم الألف في اختيار الفعل بعده.
قال: (وكذلك " من "، و " ما " لأنهما يجريان معها ولا يفارقانها تقول: " من أمة الله ضربها "، و " ما أمة الله أتاها "، نصب في كل ذا لأنه أن يلي هذه الحروف الفعل أولى، كما أنه لو اضطر شاعر في " متى " وأخواتها نصب، فقال: " متى زيدا رأيته ").
قوله: " من " و " ما ". يعني: حكمها كحكم " أي "؛ لأنهما يجريان مع " أي "، ولا يفارقانها في الاستفهام والجزاء، فإذا قلت: " من أمة الله ضربها "، فالاختيار أن تنصب " أمة الله " بإضمار فعل، وكذلك: " ما أمة الله أتاها "، كأنك قلت: " من ضرب أمة الله ضربها "، و " ما أتى أمة الله أتاها "؛ لأن " من " و " ما " لما تقدمتا صارتا بمنزلة ألف الاستفهام وهي بالفعل أولى، وكان الاختيار أن يكون لفظ الفعل متقدما في " من " و " ما " و " متى " و " أي ". وهذه الحروف لا يليها الاسم البتة، فيقال: " من ضرب أمة الله " وألا يقال: " من أمة الله ضربها "؛ لأنها أضعف من ألف الاستفهام وليس لها تصرف ألف الاستفهام، فإذا اضطر

شاعر أو تكلم متكلم على قبح، فقدّم الاسم، وشغل الفعل بضميره، نصب بإضمار فعل كما ذكرنا.
فقال: " متى زيدا رأيته " على تقدير: متى رأيت زيدا رأيته.
وأقبح من هذا أن تقول: " متى زيد رأيته " و " من أمة الله ضربها " كما تقول: " متى زيد منطلق " و " من أمة الله جاريته "، والاختيار ما ذكرناه.

هذا باب من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعا؛ لأنك تبتدئه؛ لتنبه المخاطب ثم تستفهم بعد ذلك

(وذلك قولك: " زيد كم مرة رأيته "، و " عبد الله هل لقيته "، و " عمرو هلا لقيته "، وكذلك سائر حروف الاستفهام، فالعامل فيه الابتداء، كما أنك لو قلت: " أرأيت زيدا هل لقيته " كان " أرأيت " هو العامل، وكذلك إذا قلت: " قد علمت زيدا كم لقيته "، كان " علمت " هو العامل، فكذلك هذا فما بعد المبتدإ من هذا الكلام في موضع خبره).
قال أبو سعيد: أما قوله: " زيد كم مرة رأيته "، فالرفع لا غير في زيد من قبل أنه مبتدأ و " كم مرة رأيته "، في موضع الخبر له، ولا يصلح نصبه بإضمار فعل آخر؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يكون مفسرا لفعل قبله، كما لا يكون عاملا في اسم قبله الاستفهام.
وتفسيره أنك لو نزعت ضمير " زيد " من " رأيته "، لم يجز أن تنصب " زيدا " ب " رأيت " فتقول: " زيدا كم مرة رأيت "؛ لأن الاستفهام هو صدر الكلام فلا يجوز أن يعمل الفعل الذي بعده في اسم قبله؛ لأنه إذا عمل فيه صار الاسم في صلة الفعل، ووجب حينئذ تأخيره عن حرف الاستفهام، فيقال: " كم مرة رأيت زيدا "، و " كم مرة زيدا رأيت " فلما لم يجز " زيدا كم مرة رأيت " لما ذكرنا لم يجز " زيدا كم مرة رأيته "، على تقديره: رأيت زيدكم مرة رأيته؛ لأن الفعل الذي بعد " كم " لا يفسّر ما قبله، كما لا يعمل فيه.
ثم استدل على أن قولك: " زيد كم مرة رأيته "، إنما يعمل فيه الابتداء لا غير، أنك قد تدخل عليه ما يدخل على المبتدأ، ثم تجيء بالاستفهام من بعد فتجعله في موضع

خبره، وذلك قولك: " أرأيت زيدا هل لقيته "، و " قد علمت زيدا كم لقيته "، فلو لم يكن " أرأيت "، و " قد علمت "، كنت تقول: " زيد هل لقيته "، و " زيدكم لقيته " ثم انتصب ب " رأيت " و " قد علمت " كما انتصب المبتدأ، إذا دخل عليه ذلك.
قال: (فإن قلت: " زيد كم مرة رأيت " فهو ضعيف، إلا أن تدخل الهاء، كما ضعف في قوله: " كله لم أصنع ").
يعني: أن " زيدا " مبتدأ، و " كم مرة رأيت " في موضع خبره، ولا بد من ضمير يعود إليه، فإذا حذفت الضمير قبح، فلا بد من تقديره كما أن قوله: (... كله لم أصنع) على تقدير: كله لم أصنعه؛ لأن " كلّ " مبتدأ ولا بد من ضمير يعود إليه.
قال: (ولا يجوز أن تقول: " زيدا هل رأيت "؛ إلا أن تريد معنى الهاء مع ضعفه فترفع لأنك قد فصلت بين المبتدإ، وبين الفعل، فصار الاسم مبتدأ والفعل بعد حرف الاستفهام).
يعني: أن نصب " زيد " لا يجوز بالفعل الذي بعد حرف الاستفهام على وجه من الوجوه، وقد ذكرنا هذا.
وقوله: (إلا أن تريد معنى الهاء فترفع مع ضعفه).
يعني قولك: " زيد كم مرة رأيت " وأنت تريد: " رأيته "، ولم يكن هذا بمنزلة قولك: " زيد رأيته "؛ لأنك لم تأت بعد المبتدأ بشيء يحول بينه وبين الفعل، وهو الاستفهام.
قال: (ولو حسن هذا أو جاز لقلت: " أرأيت زيد كم مرة ضرب "، على الفعل الآخر.
فكما لا تجد بدا من إعمال الفعل الأول فكذلك لا تجد بدا من إعمال الابتداء؛ لأنك إنما تجيء بالاستفهام بعد ما تفرغ من الابتداء).
يريد: أن قولك: " زيد كم رأيته "، لو جاز أن تحمله على الفعل الآخر لاتصال ذلك الفعل بضميره المنصوب، فتنصبه، ولا يرفعه بالابتداء، لجاز أن تقول: " أرأيت زيد كم ضرب " فيحمل " زيد " على ضميره المرفوع في " ضرب " الذي بعد " كم "

ولا تنصبه بأرأيت، فلما لم يجز ذلك وجب نصبه " بأرأيت "، لأن الفعل الذي بعد الاستفهام لا يحمل عليه، وجب رفعه بالابتداء؛ لأن الفعل الذي بعد الاستفهام لا يتسلط عليه.
وقوله: (لأنك إنما تجيء بالاستفهام بعد ما تفرغ من الابتداء).
يعني: أن الاستفهام في موضع خبر الابتداء؛ لأنه جملة قائمة بنفسها جعلت في موضع الخبر.
قال: (ولو أرادوا الإعمال لما ابتدأوا بالاسم؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد هذا أعمرو ضربه أم بشر " ولا تقول: " عمرا أضربت "، فكما لا يجوز هذا لا يجوز ذلك).
يعني: أنهم لو أرادوا إعمال الفعل في الاسم، لما قدموا الاسم على حرف الاستفهام، ولأخّروه، فقالوا: " كم مرة زيدا ضربت "؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد عمرو ضربته أم بشر "، إذا أردت أن تجعل " زيدا " مبتدأ.
وإن أردت أن تعمل فيه الفعل، قلت: " أعمرا ضربت زيدا أم بشر ". وتقول: " أعمرا ضربت "، ولا تقول: " عمرا أضربت "، فكما لا يجوز عمرا أضربت لم تجز المسائل التي ذكرناها أولا، وهي: " أزيدا كم مرة رأيته "، و " أرأيت زيدا كم ضرب ". قال: (فحرف الاستفهام لا يفصل به بين العامل والمعمول فيه، ثم يكون على حاله إذا جاءت الألف أولا، وإنما يدخل على الخبر).
يعني أن ألف الاستفهام إذا كانت أولا نصبت الاسم، فقلت: " أزيدا ضربته "، فإذا قدمت " زيدا " على الألف لم يجز أن تنصب " زيدا "؛ لأن الألف حالت بينه وبين الفعل ولكن ترفعه بالابتداء، وتجعل الألف وما بعدها في موضع الخبر.
قال: (ومما لا يكون إلا رفعا قولك: " أأخواك اللذان رأيت " لأن " رأيت " صلة " اللذين " وبه يتم اسما، فكأنك قلت: " أأخواك صاحبانا ").
يعني: أن " الأخوين "، لا يجوز نصبهما حملا على الفعل الذي بعد " اللذين "؛ لأن

الصلة لا تعمل فيما قبل الموصول ولا تفسره أيضا؛ ألا ترى أنك لا تقول: " زيد أخاه الذي ضربت " على حد قولك: " زيد الذي ضربت أخاه ". قال: (ولو كان شيء من هذا ينصب شيئا في الاستفهام، لقلت في الخبر: " زيدا الذي رأيت "، فتنصب كما تقول: " رأيت زيدا ").
يعني: أن الاستفهام ليس بعامل في شيء فلو جاز أن ينصب شيئا في الاستفهام بعامل ما لنصبناه في غير الاستفهام بذلك العامل.
فلو جاز أن يقال: " أأخويك اللذين رأيت "، و " أزيدا الذي رأيت "، لجاز أن تقول في غير الاستفهام: " أخويك اللذين رأيت "، و " زيدا الذي رأيت ". وهذا محال.
قال: (وإذا كان الفعل في موضع الصفة، فهو كذلك، وذلك قولك: أزيد أنت رجل تضربه).
قال أبو سعيد: اعلم أن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف؛ لأنها من تمام الموصوف كالصلة من الموصول.
وكذلك لا يعمل المضاف إليه فيما قبل المضاف؛ لأنه من تمام المضاف.
وتقول: " هذا رجل ضارب زيدا "، ولا يجوز أن تقول: " هذا زيد رجل ضارب "؛ لأن " زيدا ": منصوب ب " ضارب " و " ضارب ": صفة لرجل، ولكن يجوز أن تقول: " هذا رجل زيدا ضارب "؛ لأنك لم تقدم " زيدا " على الموصوف وتقول: " هذا غلام ضارب زيدا "، فتنصب " زيدا " " بضارب ". ولا يجوز أن تقول: " هذا زيدا غلام ضارب ". وقد أجاز النحويون، أو بعضهم: " هذا زيدا غير ضارب "، فنصبوا " زيدا " " بضارب " وقدموه على المضاف، وهو " غير " وذلك لأن " غير " معناها معنى " لا "، فكأنك قلت: " هذا زيدا لا ضارب "، وهذا جائز جيد.
فإذا قلت: " أزيدا أنت رجل تضربه " " فتضربه " في موضع النعت " لرجل " فلا يجوز أن تنصب " زيدا "، حملا على ضميره في " تضربه " وهو قبل الموصوف.
قال: (وإذا كان وصفا، فأحسنه أن يكون فيه الهاء، لأنه ليس في موضع الإعمال، ولكنه يجوز فيه كما جاز في الوصل؛ لأنه في موضع ما يكون من

الاسم).
قال أبو سعيد: قد كنا ذكرنا أن الهاء التي هي ضمير تحذف في الصفة، والصلة، والخبر.
فالصلة " الذي رأيت " زيد " تريد: " الذي رأيته ". والصفة: " الناس رجلان، رجل أكرمت ورجل أهنت "، تريد: رجل أكرمته، ورجل أهنته.
والخبر: " زيد أكرمت "، أي أكرمته.
وأن حذفها في الصلة، أحسن من حذفها في الصفة، وحذفها في الخبر قبيح جدا.
فقول سيبويه: (فإذا كان وصفا فأحسنه أن تكون فيه الهاء).
يعني: " أزيد أنت رجل تضربه " وما شاكل ذلك أحسن من أن تقول: " أزيد أنت رجل تضرب ". وقوله: (لأنه ليس موضع الإعمال).
يعني: لأنك إذا حذفت الهاء فليس يصل الفعل إلى شيء قبله كما أنك إذا قلت: " زيد ضربته "، ثم حذفت الهاء، قلت: " زيدا ضربت ". فلما لم يكن كذلك لم يحسن حذف الهاء.
وقوله: (ولكنه يجوز كما جاز في الوصل؛ لأنه في موضع ما يكون من الاسم).
يعني: حذف الهاء جائز في الصفة، كما جاز في الوصل، وهو يعني صلة " الذي " وما جرى مجراها.
وقوله: (لأنه في موضع ما يكون من الاسم).
يعني: لأن الوصف من الاسم الموصوف كبعضه؛ لأنهما كشيء واحد يقعان موقع اسم واحد.
قال: (ولم تكن لتقول: " أزيدا أنت رجل تضربه "، وأنت إذا جعلته وصفا للمفعول لم تنصبه؛ لأنه ليس مبنيا على الفعل).
يعني: أنه غير جائز أن تنصب " زيدا " في قولك: " أزيدا أنت رجل تضربه "؛ لوقوع

الضرب على ضميره، وأنت لا تنصب " رجلا " بالفعل إذا جعلته وصفا له، فلما لم يجز أن تنصب الموصوف بالفعل الذي هو وصفه كان ما قبله أبعد من ذلك.
وقوله: (لأنه ليس مبنيا على الفعل).
معناه: ليس الموصوف مبنيا على الفعل الذي هو صفته.
(ولكن الفعل في موضع الوصف، كما كان في موضع الخبر).
يعني: إذا لم تقدر تقدم الفعل، حتى يكون عاملا فيه ويكون الوصف بمنزلة الخبر، ألا ترى أنك إذا قلت: " إن زيدا ضربت "، فأنت لا تجد بدا من أن تجعل " ضربت " في موضع الخبر " لزيد "؛ لأنك قد نصبت " زيدا " ب " إن " ولا يجوز أن تعمل " ضربت " في " زيد "؛ لأنه في موضع خبره، وإن كان حذف الهاء منه قبيحا، ثم أنشد في ذلك وهو وقوع الفعل نعتا قول بعض الرجاز: أكلّ عام نعم تحوونه … يلقحه قوم وتنتجونه 1 فجعل " تحوونه " نعتا للنعم، ولم يجز أن ينصب " النعم " به وقد جعله نعتا له.
ولو نصب على غير هذا الوجه لجاز ألا يجعله نعتا، كأنه يقول: أكلّ عام تحوون نعما ويكون " تحوونه " تفسيرا للفعل المضمر.
(وقال زيد الخيل: أفي كلّ عام مأتم تبعثونه … على محمر ثوّبتموه وما رضا) 2 فإن قال قائل: إذا كان لا يجوز " زيد يوم الجمعة " ولا " زيد في يوم الجمعة "؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أخبارا للجثث، فكيف جاز أكلّ عام نعم تحوونه، و " نعم ": مرفوع بالابتداء، وهو جثة؟ قيل له: التقدير فيه: " أكل عام حدوث نعم " وذلك أنه أراد أن كل عام تحوون نعما، وتأخذونه وكأنه قال: " في كل عام نعم حادث "، فصار كقولك: " الليلة الهلال "

والمعنى: الليلة حدوث الهلال، فناب عن المصدر؛ لعلم المخاطب أنه يراد به حدوثه؛ لأنه مما يتحدد في الأوقات المعلومة.
وقوله: " محمر " يريد: فرسا في أخلاق الحمير.
و" مارضا " يريد: وما رضي، فقلب الياء ألفا، وهو لغة؛ لأن الألف أخف من الياء إلا فيما يلتبس، لا يقولون في " قاضي " " قاضا "، كما قالوا في " صحاري " " صحارا " لأنك إذا قلت: " قاضا " التبس بفاعل من القضاء، وهو قاضي، يقاضي، مقاضاة.
(وقال جرير فيما ليست فيه الهاء: أبحت حمى تهامة بعد نجد … وما شيء حميت بمستباح) 1 فجعل: " حميت " نعتا ل " شيء " و " شيء " اسم " ما "؛ فلذلك أدخل الباء في " مستباح "، ولو نصبت شيئا ب " حميت " لبطل الكلام، ولم يكن ليجوز دخول الباء في " مستباح "؛ لأن الباء إنما تدخل في الأخبار، فإذا نصبت " شيء " صار تقديره: وما حميت شيئا بمستباح.
و " مستباح " نعت " لشيء " فهذا غير جائز كما لا يجوز " ما رأيت رجلا بقائم "، ولو حذفت الباء أيضا مع نصب " شيء " لكان ضعيفا ناقص المعنى، وذلك أنك إذا قلت: " وما حميت شيئا مستباحا "، فقد أوجب أن الذي حماه لم يكن مستباحا إذ حمى ما لم يكن مستباحا فحمايته كلا حماية، لأنه حمى شيئا محميا.
(وقال آخر: فما أدري أغيّرهم تناء … وطول العهد أم مال أصابوا) 2 فجعل: " أصابوا " نعتا للمال، ولم ينصب " المال " به، ولا يجوز ذلك لأنه لو نصب صار التقدير: أم أصابوا مالا.
وأم من حروف العطف، ولا يعطف " أصابوا "، وهو فعل على " تناء " وهو اسم.
قال سيبويه: (ومما لا يكون فيه إلا الرفع قوله: " أعبد الله أنت الضاربه "، لأنك إنما تريد معنى: أنت الذي ضربه، وهذا لا يجري مجرى " يفعل "، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: " ما زيدا أنا الضارب " ولا " زيدا أنت الضارب " وإنما تقول: " الضارب زيدا "

على مثل قولك: " الحسن وجها "، ألا ترى أنك لا تقول: " أنت المائة الواهب " كما تقول: " أنت زيدا ضارب ").
يعني: أن الألف واللام بمعنى الذي فغير جائز أن تعمل " ما " في صلة الألف واللام- فيما قبلهما- كما كان ذلك في " الذي " إذا كانت تجري مجراها.
فإن قال قائل: فقد قال الله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 1، فجعل " فيه " من تمام الزاهدين وهي قبلهم، وتقديره: وكانوا فيه من الذين زهدوا.
قيل له: في ذلك جوابان غير الذي ظننت: أحدهما: أن " يكون " على تقدير: " وكانوا فيه زهادا من الزاهدين " فيكون العامل في " فيه " زهادا، ونابت " من الزاهدين " عنهم ودلت عليهم.
والوجه الثاني: أن يكون " فيه " على التبيين كأنه قال: أعني فيه، فالعامل فيه " أعني "، لا " الزاهدين "، ومثله لبعض العرب: تقول وصكّت وجهها بيمينها … أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس 2 فلم يعمل " المتقاعس " في الباء التي في قوله: " بالرحى "؛ لأن " المتقاعس " في صلة الألف واللام، ولكنه على التبيين، كأنه قال: " أبعلي هذا المتقاعس "، ثم بيّن بأي شيء تقاعس، فقال: أعني بالرحى.
ومن النحويين من يجعل الألف واللام في معنى الطرح، فإذا جعلهما كذلك عمل ما بعدهما فيما قبلهما، ولا يجعلهما في معنى " الذي ". والوجه على ما عرّفتك.
ثم وصل سيبويه بكلامه- ما أراد به الفرق- بين ما فيه الألف واللام وبين ما ليستا فيه فقال: (وتقول: " هذا ضارب "، كما ترى، فيجيء على معنى " هو يضرب "، وهو يعمل في حال حديثك.
وتقول: " هذا ضارب " فيجيء على معنى " هذا سيضرب "، فإذا قلت:

" هذا الضارب "، فإنما تعرفه على معنى الذي ضرب).
يعني أن " ضارب "، إذا كان عاملا فهو في معنى الفعل المحض إما مستقبلا، وإما حالا، وكذلك جاز أن تعمل في الاسم مقدما ومؤخرا وإذا قلت: " الضارب " فهو على معنى: " الذي ضرب "، أو " الذي يضرب "، فلا يعمل فيما قبله.
قال: (فلا يكون إلا رفعا، كما أنك لو قلت: " أزيد أنت ضاربه "، إذا لم ترد ب " ضاربه " الفعل وصار معرفة رفعت، فكذلك: " هذا الذي ضرب "، لا يجيء إلا على هذا المعنى).
يعني: أنك إذا أردت " بضاربه " الفعل الماضي تعرّف بإضافته إلى الهاء وخرج من أن يكون عاملا على حسب ما بيّنا أن الاسم الذي في معنى الفعل الماضي لا يعمل، وإذا لم يعمل كان الاسم الذي قبله مرفوعا في قولك: " أزيد أنت ضاربه "، وأنت تعني به الفعل الماضي، وقد بيّنا هذا فكذلك الذي والألف واللام، لأنها لا تكون إلا معرفة، فكان رفع ما قبلها في قولك: " أزيد أنت الضاربه "، كرفع قولك: " أزيد أنت ضاربه "، إذا أردت الماضي، بل الألف واللام في ذلك أقوى.
قال: (وإنما يكون بمنزلة الفعل نكرة، وأصل وقوع الفعل صفة لنكرة، كما لا يكون الاسم كالفعل إلا نكرة).
يعني: أن الفعل في الأصل نكرة، ومعنى قولنا: " نكرة " أنه ينعت به النكرات، كقولك: " مررت برجل يضرب زيدا "، و " رأيت رجلا يضرب زيدا "، وكذلك سائر الجمل كالابتداء والخبر، والشرط والجزاء، كقولك: " مررت برجل أبوه قائم "، و " مررت برجل إن تأته يكرمك "، وإنما صارت هذه الجمل تقع نكرات، وينعت بها النكرات من قبل أن كل جملة تقع بها فائدة، فوقوع الفائدة بها دليل على أنها لم تكن معلومة من قبل.
فلذلك لم يعمل من أسماء الفاعلين المشتقة من الأفعال إلا ما كان منكورا، وما كان للحال والاستقبال وهو معنى قوله: (كما لا يكون الاسم كالفعل إلا نكرة).
أي: كما لا يعمل الاسم عمل الفعل إلا نكرة.

ثم قال: (ألا ترى أنك لو قلت: " أكل يوم زيدا تضربه "، لم يكن إلا نصبا؛ لأنه ليس بوصف.
فإذا كان وصفا فليس بمبني عليه الأول، كما أنه لا يكون الاسم مبنيا عليه في الخبر، فلا يكون " ضارب "، بمنزلة " يفعل، ويفعل " إلا نكرة).
يعني: أنك إذا قلت: " أكلّ يوم زيدا تضربه "، فلا يصلح أن يكون " تضربه " نعتا " لزيد "؛ لأن " زيدا " معرفة فتنصبه بإضمار فعل هذا تفسيره وكان ذلك الاختيار.
ولو كان مكان " زيد " " رجل " لرفعته، إذا جعلت " تضربه " نعتا له، فقلت: " أكل يوم رجل تضربه "، كما قال: أكلّ عام نعم تحوونه ومعنى قوله: (فإذا كان وصفا، فليس بمبني عليه الأول).
يعني: أنك إذا قلت: " أكلّ يوم رجل تضرب أو تضربه " وجعلت " تضرب " نعتا، لم يصلح أن تنصب " رجلا "، فتبنيه على " الضرب " وقد جعلته في موضع نعته، كما أنك إذا قلت: " زيد ضربت "، فجعلت " ضربت " خبرا، لم تنصب " زيدا " به، ولو نصبته به بطل أن يكون خبرا، وقوله: (ولا يكون ضارب بمنزلة " يفعل ويفعل " إلا نكرة).
يعني: أن اسم الفاعل والمفعول إنما يعمل عمل الفعل إذا كان نكرة.
فالفاعل بمنزلة " يفعل " نحو: " ضارب "، و " قاتل "، تقول: " هذا زيدا ضارب وزيدا قاتل "، واسم المفعول بمنزلة " يفعل "، كقولك: " هذا جبه مكسوّ " و " هذا درهما معطى "، كما تقول: " هذا جبة يكسي "، و " درهما يعطي ". قال: (وتقول: " أذكر أن تلد ناقتك أحب إليك أم أنثى "؟، كأنه قال: " أذكر نتاجها أحب إليك أم أنثى؟ " ف " أن تلد ": اسم، و " تلد " به يتم الاسم، كما يتم " الذي " بالفعل، فلا عمل له (هنا) كما لا يكون لصلة " الذي " عمل).
تقدير هذا الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون " أذكر أن تلده ناقتك (أحب) أم أنثى "، كأنه قال: " أذكر ولادة ناقتك إياه أحب إليك أم أنثى ". ف " ذكر ": ابتداء، و " أن تلد ": ابتداء ثان، و " أحب

إليك ": خبر الابتداء الثاني والجملة في موضع خبر الابتداء الأول، والعائد إلى الابتداء الأول " الهاء " التي قدرناها في " تلده ". وإنما جاز حذفها وحسن؛ لأنها في صلة " أن "، و " أن " وما بعدها من الفعل بمنزلة اسم واحد، فأشبهت " الذي " فحسن حذفها، و " أنثى ": معطوفة على " ذكر " بأم.
والوجه الثاني: أن تجعل " أن تلد ": بدلا من " الذكر "، فكأنك قلت: " أأن تلد ناقتك ذكرا أحب إليك أم أن تلد أنثى؟ " ثم حذفت، وإنما أراد سيبويه أنك لا تنصب " ذكرا " بالفعل الذي بعد " أن "، لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها، فلم يتسلط الفعل على ما قبلها كما لم يتسلط على ما قبل " الذي " إذا كان في صلة " الذي ". قال: (وتقول: " أزيد أن يضربه عمرو أمثل أم بشر " كأنه قال: " أزيد ضرب عمرو إياه أمثل أم بشر "، فالمصدر: مبتدأ، " وأمثل ": مبني عليه، ولم ينزل منزلة " يفعل "، فكأنه قال: " أزيد ضاربه عمرو خير أم بشر ").
وهذا على التقدير الذي قدرناه بدءا أنه يجعل " أن " مبتدأ ثانيا ويجعل الجملة في موضع خبر المبتدأ الأول، ويجعل الاسم الذي بعد " أم " معطوفا على الاسم الأول.
قال: (وذلك لأنك ابتدأته، وبنيت عليه فجعلته اسما، ولم يلتبس " زيد " بالفعل إذ كان " ضارب " اسما كما لم يلتبس به " الضاربه "، حين قلت: " أزيد أنت الضاربه "؛ لأن " الضاربه " في معنى الذي ضربه، والفعل تمام هذه الأسماء).
قوله: (وذلك لأنك ابتدأته وبنيت عليه).
يعني: أنك إذا قلت: " أزيد ضاربه خير أم بشر " جعلت " ضاربه " مبتدأ وبنيت عليه " خير "، فجعلته خبرا، فخرج من أن يكون في معنى الفعل الذي يعمل في زيد، وصار بمنزلة ما فيه الألف واللام إذا قلت: " زيد أنت الضاربه "، وما فيه الألف واللام، فهو بمعنى " الذي " فلا يعمل فيما قبله.
قال: (وتقول: " أأن تلد ناقتك ذكرا أحب إليك أم أنثى "؟، لأنك حملته على الفعل الذي هو صلة " أن " فصار في صلته، وصار كقولك: " الذي رأيت أخاه زيد "، ولا يجوز أن يبتدأ " بالأخ " قبل " الذي " وتعمل فيه " رأيت أخاه زيد " فكذلك لا يجوز

النصب في " قولك: " أذكر أن تلد ناقتك أحبّ إليك أم أنثى ").
يعني: أن " ذكرا " إذا كان بعد " أن " وقع عليه " تلد "، فنصبه كما ينصب الفعل الذي في صلة الذي الاسم الذي بعده كقولك: " الذي رأيت أخاه زيد "، وإن قدمت ذلك الاسم على " الذي "، لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن تقول: " زيد أخاه الذي رأيت "، كما جاز " زيد الذي رأيت أخاه "، فكذلك لا يجوز " أذكرا أن تلد ناقتك " كما جاز " أن تلد ناقتك ذكرا ". قال سيبويه: (ومما لا يكون في الاستفهام إلا رفعا، قولك: " أعبد الله أنت أكرم عليه أم زيد "، و " أعبد الله أنت أصدق له أم بشر "، كأنك قلت: " أعبد الله أنت أخوه أم بشر "؛ لأن " أفعل " ليس بفعل ولا اسم يجري مجرى الفعل، وإنما هو بمنزلة " حسن، وشديد "، ونحو ذلك.
ومثل ذلك: " أعبد الله أنت خير له أم بشر ").
قال أبو سعيد: اعلم أن " أفعل " لا يعمل في شيء من الأسماء إلا في المنكور على جهة التمييز كقولك: " زيد أكثر مالا وأنظف ثوبا "، والمنكور الذي يعمل فيه على جهة التمييز لا يجوز تقديمه، لا يجوز أن تقول: " زيد مالا أكثر منك "، ولا " ثوبا أنظف منك "، فإذا كان كذلك فلا يجوز أن تنصب " عبد الله " في قولك: " أعبد الله أنت أكرم عليه " من وجهين: أحدهما: أن " عبد الله " ليس مما يعمل فيه " أكرم " وبابه بوجه من الوجوه.
والثاني: أنه لو كان منكورا يعمل فيه " أكرم " وبابه بوجه ما جاز تقديمه عليه.
قال: (وتقول: " أزيد أنت له أشد ضربا أم عمرو "، فإنما انتصاب " الضرب " كانتصاب " زيد " في قولك: " ما أحسن زيدا "، وانتصاب " وجه " في قولك: " حسن وجه الأخ "؛ فالمصدر هاهنا كغيره من الأسماء، كقولك: " أزيد أنت له أطلق وجها أم فلان "، وليس له سبيل إلى الإعمال وليس له وجه في ذلك).
يعني: أن " ضربا " انتصب على التمييز بأشد ونصبه ل " ضربا "، لا يوجب له من القوة ما يعمل به فيما قبله، كما أن قولك: " ما أحسن زيدا "، لا يكون فيه أن تقول: " ما زيدا أحسن "، ولا في قولك: " حسن وجه الأخ " أن تقول: " وجه الأخ حسن "؛ لأنها

عوامل تضعف عما قبلها.
قال سيبويه: (ومما لا يكون في الاستفهام إلا رفعا قولك: " عبد الله إن تره تضربه "، وكذلك إن طرحت " الهاء " مع قبحه فقلت: " اعبد الله إن تر تضرب "، فليس للآخر سبيل على الاسم؛ لأنه مجزوم).
يعني: أن ما بعد حرف الشرط لا يجوز أن يعمل فيما قبله؛ لأنك لا تقول: " أزيدا إن تأت يكرمك " على معنى: إن تأت زيدا يكرمك.
ولا يجوز أيضا أن يعمل جواب الشرط إذا كان الجواب مجزوما، لا تقول: " أخاك إن تأتنا نصادق "، على معنى " إن تأتنا نصادق أخاك، فلما لم يجز ذلك لم يجز أن تقول: " أعبد الله إن تره تضربه "، فتنصب " عبد الله " بإضمار فعل يفسره " تره "، أو " تضربه "؛ لأن ما بعد " إن "، وجوابها المجزوم لا يكونان تفسيرا لما قبل " إن "، كما لا يكونان عاملين فيما قبلهما.
وإن طرحت " الهاء " من الشرط والجواب لم يعمل أيضا فيه واحد منهما على ما ذكرنا أنه لا يعمل ما بعد " إن " من الشرط والجواب فيما قبلهما.
قال: (وليس للفعل الأول سبيل؛ لأنه مع " إن "، بمنزلة قولك: " أعبد الله حين يأتي تضرب "، فليس " لعبد الله " في " يأتي " حظ؛ لأنه بمنزلة قولك: " أعبد الله يوم الجمعة أضرب ").
قال أبو سعيد: اعلم أن ما قبل المضاف لا يعمل فيه المضاف إليه إذا قلت: " هذا غلام ضارب زيدا "، لم يجز أن تقدم " زيدا " على المضاف فتقول: " هذا زيدا غلام ضارب "، وكذلك إذا قلت: " حين تأتي زيدا يكرمك "، لم يجز أن تقول: " زيدا حين تأتي يكرمك "؛ لأنك أضفت " حين " إلى " تأتي "، وأسماء الأوقات تكون مضافة إلى الأفعال المضاف إليه وكذلك إذا قلت: " أعبد الله حين تأتي تضرب " تنصب " عبد الله " ب " تضرب " لأن التقدير: أتضرب عبد الله حين يأتي، ولا ترفع " عبد الله " حملا على ضميره المرفوع في " يأتي " فلم يجز أن تعمل " تأتي " فيما قبل الحين ولا يحمل عليه ما قبل الحين كما لا يعمل فيه.
فقال سيبويه: (ما بعد: " إن " الجزاء بمنزلة ما بعد " الحين " في أنه لا يحمل عليه

ما قبله).
وقوله: (لأنه بمنزلة قولك: " أعبد الله يوم الجمعة أضرب ").
نصب " عبد الله " " بأضرب "، وجعل " الجمعة " بمنزلة " حين يأتي " وجعل " يوم " بمنزلة " حين " ليريك أن " يأتي " مضاف إليه " الحين "، وأنه لا تسلط له على ما قبله.
قال سيبويه: (ومثل ذلك: " زيد حين أضرب يأتيني "؛ لأن المعتمد على " زيد " آخر الكلام وهو " يأتيني ").
يعني: أنك لا تنصب " زيدا " ب " أضرب "؛ لأن " حين " مضافة إلى " أضرب "، ولكنك ترفعه بالابتداء، وحملا على " يأتيني ". قال: (وكذلك إذا قلت: " زيدا إذا أتاني أضرب " إنما هي بمنزلة " حين ").
يعني أن " إذا "، من أسماء الأوقات المستقبلة وهي مضافة إلى الفعل الذي بعدها.
فغير جائز أن ترفع " زيدا "، حملا على الفعل الذي أضيفت إليه " إذا " وهو " أتاني "، بل تنصبه " بأضرب "، والتقدير: " أضرب زيدا إذا أتاني ". قال: (وإن لم تجزم الأخير نصبت، وذلك قولك: " أزيدا إن رأيت تضرب "، وأحسنه أن تدخل في " رأيت " " الهاء " لأنه غير مستعمل).
قال أبو سعيد: اعلم أن الفعل الذي هو جواب الشرط إذا رفع فله مذهبان على قول سيبويه: أحدهما: ينوى به التقديم.
والآخر: أن يرفع على إضمار الهاء، وذلك نحو قولك: " إن تأتني أكرمك " فيجوز أن يكون على معنى: " أكرمك إن تأتني "، ويجوز أن يكون على معنى: " إن تأتني فأكرمك "، كما تقول: " إن تأتني فأنا مكرم لك ". وقد كان أبو العباس محمد بن يزيد لا يجيز إلا على إضمار الفاء.
والاحتجاج لهذا القول يأتي من بعد هذا مستقصى إن شاء الله تعالى.
فإذا قدرنا الفاء في هذا الفعل المرفوع لم يجز أن تنصب به ما قبله، ولا يجوز أن تقول: " أزيدا إن تره فتضرب " على معنى: " إن تر زيدا فتضرب زيدا " ولا على معنى: إن

تر فتضرب زيدا، كما لا يجوز أن تقول: " أخاك إن تأتني أكرم " على معنى: " إن تأتني فأكرم أخاك "؛ لأن الفعل الذي بعد الفاء لا ينوى به التقديم على حرف الشرط، وإذا كان النية في الفعل التقديم جاز أن تنصب به الاسم الذي قبل حرف الشرط، وهو الذي قاله سيبويه: (" أزيدا إن رأيت تضرب ") لأن التقدير فيه: أتضرب زيدا إن رأيت وأحسنه أن تقول: " أزيدا إن رأيته تضرب "؛ لأن التقدير فيه: " أتضرب زيدا إن رأيت " فيشتغل الفعل بضمير الأول؛ لأنك لم تعمله في شيء، وهو فعل متعد وقد ذكر مفعوله.
وعلى قياس قول أبي العباس: لا يجوز نصب " زيد " ب " تضرب "؛ لأن النية فيه الفاء، ولا يجوز عمل ما بعدها فيما قبلها.
قال سيبويه: (فصارت حروف الجزاء في هذا بمنزلة قولك: " زيد كم مرة رأيته ").
يعني: أن حروف الجزاء في هذا بمنزلة: " زيد كم مرة رأيته "، يعني: إذا جعلت ما بعدها شرطا وجوابا له رفعت الأسماء التي قبلها ولم يكن لما بعدها سبيل على ما قبلها، كما لم يكن لما بعد حروف الاستفهام سبيل على ما قبله، ولا يكون تفسيرا له.
قال: (فإذا قلت: " إن زيدا تضرب "، فليس إلا هذا).
يعني: ينصب " زيدا " ب " ترى " وصار بمنزلة قولك: " حين ترى زيدا يأتيك ". لأن " زيدا " وقع بعد الفعل فعمل فيه الفعل، ولم يقع قبل " أن " و " حين "، فيمتنع عمل ما بعدهما فيه.
قال: (وصار " زيد " في موضع المضمر حين قلت: " زيد حين تضربه يكون كذا وكذا ").
يعني: أن الهاء في " تضربه "، في موضع نصب، فإذا جعلت " زيدا " مكانها ولم تذكره في أول الكلام نصبته.
قال سيبويه: (ولو جاز أن تحمل " زيدا " مبتدأ على هذا الفعل لقلت: " القتال زيدا حين تأتي "، تريد: القتال حين تأتي زيدا).
يعني: أنه لو جاز أن يبتدأ بلفظ " زيد "، فتحمله على الفعل الذي بعد " أن "، لجاز

أن يبتدأ بلفظه فتحمله على الفعل الذي بعد " حين " فتقول: " القتال زيدا حين تأتي "، أو " زيدا حين تأتي القتال ". تريد: " حين تأتي زيدا القتال " وقد بيّنا فساد هذا، و " إن " و " حين " مشتركان في ألا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما.
قال: (وتقول في الجزاء وغيره: " إن زيدا تره تضرب " تنصب " زيدا "؛ لأن الفعل أن يلي " إن " أولى كما كان ذلك في حروف الاستفهام، وهي أبعد من الرفع؛ لأنه لا يبنى الاسم فيها على مبتدأ).
يعني: أنك إذا قلت: " إن زيدا تره "، نبت " زيدا " بإضمار فعل؛ لأنك شغلت الفعل الذي بعده بضميره فتقدر: إن تر زيدا تره، والاختيار نصبه بإضمار الفعل، كما كان الاختيار في الاستفهام، بل النصب أوجب في " إن " وذلك أن " إن " وحروف الجزاء لا بد فيها من الأفعال؛ لأن الشرط لا يكون إلا فعلا، ولا يصلح أن يليها مبتدأ أو خبر من غير الفعل، فتقول: " إن زيد قائم أقم ". وقد يجوز في الاستفهام أن تقول: " أزيد قائم "؟، فقد علمت أن حرف الجزاء أحق بالفعل، وإضماره فيه ونصب الاسم به أوجب.
قال سيبويه: (وإنما أجازوا تقديم الاسم في " إن "؛ لأنها أم حروف الجزاء ولا تزال عنه، فصار ذلك فيها كما صار في ألف الاستفهام ما لم يجز في الحروف الأخر).
قال أبو سعيد: اعلم أن الحروف التي تشترك في معنى واحد قد يكون بعضها أقوى من بعض في ذلك المعنى، وأكثر تصرفا، وأشد ثباتا.
فمن ذلك ألف الاستفهام يشاركها في الاستفهام " هل "، و " أين "، و " كيف " و " من "، وما أشبه ذلك، غير أن الألف أقواها كلها في باب الاستفهام؛ لأنها تدخل في مواضع الاستفهام (كلها) وغيرها له موضع خاص.
ف " من ": سؤال عمّن يعقل.
و" كيف ": سؤال عن الحال.
و" أين ": سؤال عن المكان.
و" هل ": لا يسأل بها في جميع المواضع.
ألا ترى أنك لو قلت: " أزيد عندك أم عمرو " على معنى: " أيهما عندك "، لم يجز في ذلك المعنى أن تقول: " هل زيد عندك أم عمرو ". وإذا قلت: " رأيت زيدا "، فقال لك قائل مستثبتا: " أزيد منه؟ " و " أزيدا "، على حكاية كلامك، لم يجز مكانها " هل "

فلما كانت الألف هكذا حسن فيها من التقديم والتأخير ما لم يحسن في غيرها، فحسن أن تقول: " أزيدا ضربته "، و" أزيدا ضربت "، ولا يحسن (في متى، وهل) أن تقول: " هل زيدا ضربت " و " متى زيدا ضربت ". وإنما تقول: " هل ضربت زيدا "، و " متى ضربت زيدا ". و" إن " في باب الجزاء بمنزلة الألف في باب الاستفهام، وذلك أنها تدخل في مواضع الجزاء كلها، وسائر حروف الجزاء، نحو: " من "، و " ما "، و " متى " لها مواضع مخصوصة، فلذلك حسن أن يليها الاسم في اللفظ، ويقدر له عامل.
وكذلك إن كان مرفوعا كقولك: " إن زيد أتاني أتيته ". قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 1 على معنى: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك.
لم أنشد (قول النمر بن تولب: لا تجزعي إن منفسا أهلكته … وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي) 2 نصب " منفسا " بعد " إن " على إضمار: أهلكت منفسا أهلكته.
ويجوز: " إن منفس أهلكته " على معنى: إن هلك منفس أهلكته، فلا بد من تقدير فعل كيفما تصرفت به الحال.
قال: (وإن اضطر شاعر فأجرى " إذا " مجرى " إن " فجازى بها فقال: " أزيد إذا تر تضرب "، إن جعل " تضرب " جوابا.
وإن رفع " تضرب " نصبه؛ لأنه لم يجعلها جوابا).
قال أبو سعيد: واعلم أن " إذا " عند سيبويه وأصحابه لا يجازي بها لفظا فتجزم شرطها وجوابها كما يفعل ذلك بحروف الجزاء، كما قال الشاعر: أي لذي الرمة: تصغي إذا شدّها بالرّحل جامحة … حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب فرفع " تثب "، ومع هذا ففيها معنى الجزاء.

فإذا اضطر شاعر جاز أن يجريها مجرى حروف الجزاء كما قال (الشاعر): ترفع لي خندف والله يرفع لي … نارا إذا ما خبت نيرانهم تقد 1 فإذا اضطر شاعر، فقال: " أزيد إذا تر تضرب "، امتنع النصب في " زيد "؛ لأنه لا يجوز أن يقدر " يضرب " قبل " إذا "، وقد جزمناها بالجواب، كما فعلنا ذلك في " إن ". وإن رفعنا " تضرب " ونوينا به التقديم نصبنا " زيدا " وصار تقديره: " أتضرب زيدا إذا تر "، كما فعلنا ذلك في " إن ". وفيه وجه آخر، وهو أن ترفع فتنوي الفاء التي تكون جوابا، فإذا قدّرت ذلك بطل النصب في " زيد "؛ لأنه لا يكون في نية التقديم حينئذ، وقد ذكرنا ذلك في " إن ". قال: (وترفع الجواب حين يذهب الجزم من الأول في اللفظ والاسم مبتدأ هنا إذا جزمت، نحو قولك: " أيهم يأتك تضرب "، إذا جزمت؛ لأنك جئت ب " تضرب " مجزوما، بعد أن عمل الابتداء في " أيهم ولا سبيل له عليه، وكذلك هذا حيث جئت به مجزوما، بعد أن عمل فيه الابتداء، وأما الفعل الأول فصار مع ما قبله بمنزلة " حين " وسائر الظروف).
يعني: أنك إذا قلت: " إذا ترى "، فرفعت فعل الشرط في " إذا " رفعت الجواب؛ لأن " إذا " إنما يشبهها الشاعر " بإن "، فإذا رفع شرطها لم يجز أن يجزم الجواب؛ لأنه قد أخرجها برفع الشرط من شبه " إن "، فوجب أن يرفع الجواب.
وقوله: (الاسم مبتدأ هنا إذا جزمت).
يعني: إذا جزمت جواب إذا كان الاسم الذي قبل " إذا " مرفوعا بالابتداء، كقولهم: " أيهم يأتك تضرب "، لما جزمت " تضرب " بالجواب لم يكن له تسلط على نصب أيهم، ولو لم يكن مجزوما قلت: " أيهم تضرب " كما قلت: " أزيدا إذا تر تضرب ". وقوله: (لأنك جئت ب " تضرب " مجزوما بعد أن عمل الابتداء في " أيهم " ولا سبيل له عليه).
يعني لا سبيل للمجزوم على الاسم الذي قبل " إذا " كما لم يكن للمجزوم الذي في

جواب " أيهم " سبيل عليه.
وقوله: (وأما الفعل الأول فصار مع ما قبله بمنزلة " حين " وسائر الظروف).
يعني: أن فعل الشرط الذي بعد " إذا "، وهو " تر "، رفعته أو جزمته لا يعمل فيما قبل " إذا "؛ لأنه و " إذا " كشيء واحد بمنزلة الحين ولا يصلح تقديمه، فلم يصلح على كل حال أن يعمل فيما قبل " إذا ". قال: (وإن قلت: " زيد إذا يأتيني أضرب "، تريد: معنى الهاء ولا تريد: " زيدا أضرب إذا يأتيني "، ولكنك تضع " أضرب " هنا مثل " أضرب " إذا جزمت، وإن لم يكن مجزوما).
يعني: أنك تجعل " أضرب "، جوابا ل " يأتيني " على أحد الوجهين: إما أن يكون على نية الفاء، وإما أن يكون على طريق جواب " إن " المجزوم وإن لم يكن هذا مجزوما؛ وذلك أنّ وضع الكلام وترتيبه لا يختلف من طريق الشرط والجواب وإنما يختلف في جزم " إن " ما بعدها وامتناع " إذا " من ذلك ووضع الكلام وترتيبه على حال واحدة، ومعنى المجازاة قائم في " إذا " غير أنه يقبح إذا لم يرجع إلى زيد، وهو مبتدأ وخبره ضمير، ولم تنو ب " أضرب " التقديم فتنصب به " زيدا ". قال: (وكذلك " حين "، إذا قلت: " أزيد حين يأتيك تضرب ").
يعني: إذا جعلت " تضرب " جوابا؛ لأن قولك: " حين يأتيك "، فيه معنى المجازاة، وهو بمنزلة " إذا "، وفي " تضرب " الوجهان الأولان، وفيه القبح الذي ذكرناه من جهة حذف العائد إلى " زيد ". قال: (وإنما رفعت الأول في هذا كله حين جعلت " تضرب " و " اضرب " جوابا، فصار كأنه من صلته إذ كان من تمامه).
يعني: صار الجواب في " إذا "، و " حين " كأنهما من صلة " إذا "، و " حين " فلم يعمل فيما قبلهما.
قال: (ولم يرجع إلى الأول.
وإنما تردّه إلى الأول إذا لم يكن جوابا فيمن قال: " إن تأتني آتيك " وهو قبيح، وإنما يجوز في الشعر وإذا قلت: " أزيد إن يأتك تضربه "

فليس تكون الهاء إلا " لزيد "، ويكون الفعل الآخر جوابا للأول، ويدلل على أنها لا تكون إلا " لزيد "، أنك لو قلت: " أزيد إن تأتك أمة الله تضربها " لم يجز، لأنك ابتدأت " زيدا " ولا بد من خبره، ولا يكون ما بعده خبرا له حتى يكون فيه ضميره).
أما قوله: (وإنما ترده إلى الأول فيمن قال: " إن تأتني آتيك ").
على التقدير، كأنه قال: " آتيك إن تأتني ". يعني: إنما تقول: " زيدا إذا يأتيني أضرب " تنصب " زيدا " ب " أضرب "، إذا نويت ب " أضرب " التقديم، كما أن من يقول: " إن تأتني آتيك " على التقديم، كأنه قال: آتيك إن تأتني وهو قبيح في غير " إن "، وإنما يجيء في الشعر.
وقبحه: أن الجواب موقعه بعد الشرط.
فإذا وجد في موضعه لم يحسن أن ينوي به غير موضعه.
وللكلام في هذا موضع آخر.
وأما قوله: " أزيد إن يأتك تضربه "، أن الهاء لا تكون فيه إلا لزيد وقد ردّ ذلك عليه وذلك لأنا نقول: " أزيد إن يأتك تضرب عمرا " فيقع موقع الهاء الأجنبي وإنما أنكر عليه ذلك من أنكر من قبل أن " زيدا " قد عاد إليه الضمير الذي في " يأتك "، فإذا عاد الضمير إليه من الجملة في شيء واحد، صح الكلام ففي ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي قاله سيبويه: " أزيد إن يأتك تضربه "، ولا تكون الهاء في هذا إلا " لزيد "؛ لأنا إن جعلناها لغير " زيد " لم يعد إلى " زيد " شيء من جملة الكلام.
والوجه الثاني: أن سيبويه أراد: أن " زيدا "، إن أخلى ضميره من جملة الكلام، بطل رفعه وعبّر بالهاء عنها وعن الضمير المرفوع الذي في " يأتك " لأنهما شيء واحد.
والوجه الثالث: وهو ما قاله أبو إسحق الزجاج: إن هذا ليس من كلام سيبويه.
قال: (وإذا قلت: " زيدا لم أضرب "، و " زيدا لن أضرب "، لم يكن فيه إلا النصب؛ لأنك لم توقع بعد " لم "، و " لن " شيئا يجوز لك أن تقدمه قبلهما، فيكون على غير حاله بعدهما كما كان ذلك في الجزاء، و " لن أضرب " نفي لقوله: " سأضرب "، كما أن " لا تضرب " نفي لقوله: " أضرب " و " لم أضرب "، نفي لقوله: " ضربت ").
قال أبو سعيد: اعلم أن " لن "، و " لم " يعمل ما بعدهما فيما قبلهما وذلك أن " لن " نقيض " سوف "، و " سوف " يعمل ما بعدها فيما قبلها، كقولك: " زيدا سوف أضرب " لأن

" سوف " والفعل كشيء واحد.
و " لم " مثل " لن "؛ لأنها وما بعدها من الفعل كشيء واحد نقيض الفعل الماضي، والفعل الماضي يجوز أن يتقدم مفعوله ونقيض الشيء يقع موقعه وعلى حسب لفظه.
فإن قال قائل: فلم لا يجوز: " زيدا ما ضربت "، كما جاز: " زيدا لم أضرب "؟ قيل له: ليس طريق " ما " طريق " لم "؛ لأن " لم " تدخل على الأفعال فقط، وهي والفعل بمنزلة شيء واحد، كما كانت " سوف " مع الفعل كشيء واحد.
و" ما " تدخل على الجمل وهي نقيضه " إن "، يقال: " إن زيدا قائم " فتقول: " ما زيد قائم "، ألا ترى أن " ما " تكون جوابا للقسم في النفي، كما تكون " إن " جوابا في الإيجاب، فلما صارت بمنزلة " إن " لم يعمل ما بعدها فيما قبلها.
قال: (وتقول: " كل رجل يأتيك فاضرب " نصب لأن " يأتيك " صفة ها هنا، فكأنك قلت: " كل رجل صالح أضرب ").
نصب " كلا " بالفعل الذي بعد الفاء؛ لأن الفاء في الأمر يعمل ما بعدها فيما قبلها، كقولك: " زيدا فاضرب "، و " بزيد فأمرر ". وله علة نذكرها في موضعها إن شاء الله و " يأتيك " صفة لرجل.
(وإذا قلت: " أيهم جاءك فاضرب "، رفعته: لأنه جعل " جاءك " في موضع الخبر، وذلك لأن قولك: " فاضرب " في موضع الجواب و " أي " من حروف المجازاة، و " كل رجل " ليست من حروف المجازاة).
يعني: أن ما بعد الفاء في قولك: " أيهم جاءك فاضرب "، لا يعمل في " أيهم "؛ لأنه في موضع الجواب، والجواب لا يعمل في الاسم الأول.
والدليل على أنه جواب أنك لا تقول: " أيهم جاءك اضرب " إلا بتقدير الفاء على قبح ولو قلت: " كل رجل جاءك اضرب "، لكان حسنا على تقدير: " اضرب كل رجل جاءك ". ولو جعلت " أي " بمعنى " الذي " جاز أن تنصب، فتقول: " أيهم جاءك فاضرب "، كما تقول: " الرجل الذي جاءك فاضرب ". على ما بيّنا في الأمر إذا قلت: " زيدا فاضرب "، إذ ما بعد الفاء يعمل ما بعدها في الأمر، ومثله: " زيد إن أتاك فاضرب " إن جعلت الفاء جوابا رفعت " زيدا " لا غير، وإن لم تجعله جوابا، فقدرت: " زيدا فاضرب إن أتاك " نصبت.
وكذلك: " أيهم يأتيك تضرب "

إذا كانت بمنزلة " الذي "، كأنك قلت: " تضرب أيّهم يأتيك ". قال: (وتقول: " زيدا إذا أتاك فاضرب ". فإن وضعته في موضع: " زيد إن يأتك تضرب " رفعت، فارفع إذا كانت " تضرب " جوابا ليأتك).
يعني: أنك إذا قدرت الفاء قبل " إذا " نصبت، كأنك قلت: " زيدا فاضرب إذا أتاك "، وإن قدرتها جوابا لم يصلح إلا رفع " زيد "، ولكن ينبغي أن يؤتى بضميره؛ ليعود إليه.
فيقال: " زيد إذا أتاك فاضربه "، ويكون بمنزلة: " زيد إن يأتك تضرب " في أنه لا يكون إلا مرفوعا، وكذلك: " زيد حين يأتيك فاضرب " إذا جعلت " فاضرب " جوابا رفعته، وجعلت فيه الهاء، وترك الهاء قبيح والأحسن النصب على نية التقديم، وإنما كان النصب أحسن لضعف ترك الهاء العائدة إلى الابتداء، كما لا يحسن أن تقول: " زيد ضربت ". ثم قال بعقب هذا الكلام: (والنصب " في زيد " أحسن إذا كانت الهاء يضعف تركها ويقبح، كما أن الفعل يقبح إذا لم تكن معه الهاء، أو غيرها من المضمر المفعول أو المظهر فاعمله في الأول).
يعني: أنك إذا رفعت " زيدا "، ولم يعد إليه من الجملة التي بعده ضمير كان قبيحا، كما أنك إذا رفعت الاسم، ثم جئت بفعل، فلا يحسن أن يتعرى ذلك الفعل من ضميره، أو من ظاهره فضميره " أنت ضربتك "، و " زيد ضربته ". وظاهره: " زيد ضربت زيدا "، كما قال: (لا أرى الموت يسبق الموت شيء) أي يسبقه، وهو قبيح أن تقول: " زيد ضربت " وكذلك يقبح أن تقول: " زيدا إذا أتاك فاضرب ". وفي الكتاب بعد هذا الفصل (وليس هذا بالقياس).
يعني: إذا لم تجزم بها.
لأنها تكون بمنزلة " حين ".

يعني: أن القياس إذا لم تجزم " بإذا " فتجعلها بمنزلة " إن "، فحكم الفعل أن يعمل فيما قبل " إذا "، إذا حسن تقديمه نحو قولك: " زيدا إذا أتاك فاضرب "، و " زيدا إذا يأتيك فأكرم "، و " زيدا إذا يأتيك اضرب "؛ لأنه يحسن أن تقول: " زيدا فاضرب إذا يأتيك "، و " زيدا اضرب إذا يأتيك " ولا شيء يمنع هذا الفعل من التقديم ونصب الاسم به، فالقياس أن ينصب به في الكلام.
قال: (و " إذا "، و " حين " لا تكون واحدة منهما خبرا لزيد، ألا ترى أنك لا تقول: " زيد حين يأتيني "؛ لأن " حين " لا تكون ظرفا " لزيد ").
يعني: أنك إذا قلت: " زيدا حين يأتيني أضرب "، أو " زيدا إذ يأتيني أضرب "، فكأنك قلت: " زيدا أضرب "، فالأجود أن تنصب " زيدا "؛ لأن " حين "، و " إذا " كاللغو، إذا كانا غير خبرين، ولا يستغنى بهما " زيد "، ولو جاز أن يكونا خبرين لحسن الرفع في " زيد "، كقولك: " زيد في الدار اضرب "، فرفع " زيد " في هذا الموضع أحسن؛ لأنه قد تم الكلام بالظرف وهو غير محتاج إلى الفعل، فيكون " أضرب " على كلام آخر، ولم تكن " بزيد " حاجة إليه.
قال: (وتقول: " الحرّ حين تأتيني "، فيكون ظرفا لما كان فيه من معنى الفعل).
ولا تقول: " زيد حين يأتيني " وذلك أن " الحر " مصدر، والمصادر كلها يجوز أن تكون ظروف الزمان أخبارا لها، كقولك: " القتال يوم الجمعة "، و " أكلنا عشيا " و " رحيلنا في غد ". ولا يجوز أن تكون ظروفا للجثث، لا تقول: " زيد يوم الجمعة " و " لا أنت غدا "، والفرق بينهما أن المصادر أشياء حادثة والأزمنة أيضا حوادث لا تبقى فإذا قلنا: " القتال يوم الجمعة " فإنما جعلنا " يوم الجمعة " وقتا لحدوثه، وإذا قلنا: " زيد يوم الجمعة "، فلسنا نعني أنه يحدث في " يوم الجمعة "، ولا أن " يوم الجمعة " وقت له دون سائر الموجودات، كما أن قولك: " زيد خلفك " اختصاص مكان " زيد " دون سائر من ليس خلفك.
قال: (فإن قلت: " زيدا يوم الجمعة أضرب " لم يكن فيه إلا النصب؛ لأنه ليس ها هنا معنى جزاء، ولا يجوز الرفع إلا على قوله: ... كله لم أصنع).

يعني أن " يوم الجمعة " لغو، كأنك قلت: " زيدا أضرب " إلا أن تحذف الهاء على الوجه القبيح الذي ذكرناه في " زيد ضربت " و " كله لم أصنع " قال: ولا يجوز أن يكون " أضرب " جوابا " ليوم الجمعة "؛ إذ ليس فيه معنى جزاء.
والدليل على أنه ليس فيه معنى جزاء (أنك لو قلت: " زيد يوم الجمعة فأنا أضربه "، لم يجز، فهذا يدلك أنه يكون على غير قولك: " زيدا فاضرب حين يأتيك ").
تحصيل هذا الكلام أنك إذا قلت: " زيدا إذا أتاك فأضرب "، كان الاختيار النصب، وجاز فيه الرفع من وجهين: أحدهما: أن تجعل " اضرب " جوابا، فيستحيل النصب في " زيد ". والثاني: ألا تجعله جوابا وتضمر الهاء على قول من قال: " زيد ضربت " وإذا قلت: " زيدا يوم الجمعة أضرب "، فالنصب الوجه، ويجوز الرفع من وجه واحد، وهو على قول من قال: " زيد ضربت " إذا كان لا يجوز فيه الجواب.
وقوله: (فهذا يدلك على أنه يكون على غير قولك: " زيدا فأضرب حين يأتيك ").
يعني: أنه لما جاز أن تقول: " زيد حين يأتيك فأنا أضربه "، و " زيد إذا يأتيك فأنا أضربه " فتجعل الفاء جوابا، ولا يجوز " زيد يوم الجمعة فأنا أضربه " على جعل الفاء جوابا.
فدلك ذلك على أن قولك: " زيد حين يأتيك فاضرب "، قد يكون على غير قولك: " زيدا فأضرب حين يأتيك ". وفي آخر هذا الباب قول لست أدري لمن، وهو: وهذا عندنا غير جائز إلا أن يكون الأول مجزوما في اللفظ.
يعني: أنك لا ترفع " زيدا "، إذا قلت: " زيدا إذا يأتيني أضرب "، إذا كان قولك: " إذا " يأتيني " بمنزلة " يوم الجمعة " حين لم تجزم الفعل، فإذا جزمت الفعل فقلت: " زيد إذا يأتيني أضرب " رفعت " زيدا " إذا أحللت " إذا " محل " إن "، وسيبويه يحلها محل " إن "، وإن كان ما بعدها مرفوعا؛ لأن فيها معنى الجزاء بالدلالة التي ذكرنا.

جارٍ التحميل