شرح كتاب سيبويهصفحات 175-214

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 175-214

القائل: رأيت رجلا أن يقول: من الرجل؟؛ لأنّ النكرة إذا أعيدت عرّفت بالألف واللام التي للعهد، وذكرها قبل أن تعاد هو العهد الذي يكون بين المتكلّم والمخاطب فيها، فلمّا احتاجوا في إتمام الكلام إلى إعادة لفظ المذكور بزيادة الألف واللام وذكر الابتداء والخبر كان أخفّ من ذلك الاقتصار على لفظ من، وتضمين لفظه من علامات دلائل إعراب المسؤول عنه وتثنيته وجمعه وتأنيثه ما يدلّ عليه، وهذه العلامات إنّما تلحقها في الوقف، وليست بإعراب لها؛ لأنها مبنية على السّكون، وإنما هي دلائل على المسؤول عنه، واستوت علامة المرفوع والمنصوب والمجرور في ثباتها في الوقف؛ لأنّها لم تجر مجرى المعرب المنوّن في قولك: ولا يبدلون من التنوين في المرفوع والمجرور إذا وقفوا نحو: جاءني زيد، وهذا فرس، ومررت بزيد؛ لأنّ الواو والياء والألف في منو ومني ومنا ليست واحدة منهنّ بدلا من تنوين؛ إذ لا تنوين في من.
وإنما أدخلوا الضمّة على من، ولم يجز الوقوف على الضمّة إذا وقفوا؛ لأنه لا يوقف على متحرك، ولم يجز أيضا ضمّ النّون إذا وصلوا؛ لأنّ من مبنيّة على السكون، فاحتاجوا إلى وصلها بالواو، ووصل المفتوح والمكسور منها بالألف والياء كوصل حرف الرّويّ إذا كان مضموما بالواو، وإذا كان مفتوحا بالألف، وإذا كان مكسورا بالياء، كقولك في القافية الرجلا والرجلو والرجلى، ولم يفعلوا هذه بأيّ في الوقف، أعني صلتها بالواو والياء والألف؛ لأنه معرب جار مجرى زيد وعمرو وفرس، فيعمل فيه في الوقف ما يعمل بزيد وفرس، وقد ذكرنا الحجة في بناء من وإعراب أيّ في غير هذا الموضع من الشرح بما أغنى عن إعادته.
والذي يقول: منو ومنى ومنا في الواحد والاثنين والجمع يكتفي بما ضمّنه من علامة الإعراب في الدّلالة، وتجري على أصلها أنّها تصلح للاثنين والجماعة والمؤنث بلفظ المذكر الواحد.
وإنما قيل في التثنية للمؤنث منتين بسكون النون فيما ذكره أبو العبّاس المبرّد؛ لأنّ النون كانت في (من) ساكنة، قال: وإنّما حركتها في منه من أجل ما بعدها؛ لأنّ هاء التأنيث لا تقع إلا بعد حرف متحرك، وكذلك في التثنية لأنّ الألف يفتح ما قبلها.
قال أبو العباس: " فأمّا قولك: منو ومنى فإنّما حرّكت معها النون لعلّتين، إحداهما: قولك في النّصب: منا؛ لأنّ الألف لا تقع إلا بعد مفتوح، فلمّا حرّكت في النصب حرّكت في الخفض والرفع ليكون المجرى واحدا، والعلّة الأخرى أنّ الياء والواو خفيّتان فإذا جعلت قبل كلّ واحدة منهما الحركة التي هي منها ظهرتا وتبيّنتا " فأبو العباس جعل حركة النّون تابعة لما بعدها، والذي يوجبه مذهبه أنّهم أدخلوا الواو في منو قبل ضمّة النّون، وأدخلوا

الياء في منى قبل كسرة النون.
قال أبو سعيد: والذي عندي أنّهم أدخلوا الضمة والكسرة والفتحة أولا كما يدخلونها في أيّ وفي المعربات، وتتبعها الحروف لما ذكرته لك من العلّة في ذلك، أمّا منتين فإنّهم أسكنوا النّون لأنّهم بنوها مع التّاء كما قالوا: هنت وبنت وأخت.
وأمّا ما قاسه يونس من إعراب منه في الوصل والنصب والجرّ وإجرائها مجرى أيّة وتثنية من وجمعه في الوصل للبيت الذي أنشده، فإن أبا إسحاق الزجاج قال في البيت: كأنه وقف على منون وسكت عندها ثم ابتدأ، وقد نسبوا هذ الشعر إلى سمير بن الحارث، ومنهم من يرويه: عموا صباحا، ومنهم من يرويه: عموا ظلاما، وأنشد بعده بيتا آخر وهو: فقلت إلى الطّعام فقال منهم … زعيم نحسد الإنس الطّعاما 1 واستبعد سيبويه ما حكاه، وهو لعمري بعيد جدّا؛ لأن قوله: ضرب من منا استفهام عن الضارب وعن المضروب بلفظين من ألفاظ الاستفهام، وقد قدّم الفعل على الاستفهامين جميعا، والاسم المستفهم به يتضمن حرف الاستفهام ولا يكون إلا صدرا، ولو رددناهما إلى ما تضمّناه من حرف الاستفهام لصار تقديره: ضرب أزيد أعمرا، وهذا باطل مضمحلّ.
ومن وأيّ لا تجمعان ولا تثنّيان إلا في الاستفهام على النحو الذي ذكرناه فيهما دون المجازاة ومعنى الذي؛ لأنّ الأصل فيهما الاستفهام، وهما في الاستفهام أكثر منهما في غير الاستفهام؛ ولأنهما في الاستفهام قد يقومان مقام زيد في التّمام والاكتفاء من غير صلة، كقولك: من زيد، وأيّ زيد، كما تقول: أخوك زيد، والذاهب زيد، ولو كانا في غير الاستفهام لاحتجت إلى زيادة على لفظ من وأيّ، إمّا صلة إذا كانتا بمعنى الذي، وإمّا شرط إذا كانتا للمجازاة، والذي يثنّي (أيّ) ويجمعه ويؤنثه في الوقف يثنيه ويجمعه ويؤنثه في الوصل، ولا يفصل بينهما كما فصل بين تثنية من وجمعه وتأنيثه في الوقف والوصل؛ لتمكّن أيّ وإعرابه.
وإنما قال: من ومنا ومنه؛ لأن العلامة إنما تلحق في الذي يقف عليه، والأول لا تلحقه علامة؛ لأنّه وصل بالثاني، وتقدير منا في هذا الباب كتقدير أيّا في الباب المتقدم؛ يجوز أن يكون في موضع مبتدإ، أو خبر مبتدإ، ويجوز أن يكون المنصوب منه بفعل مقدّر بعده كأنه قال: أيّ رجل ضربت؟ ومن ضربت؟

هذا باب ما لا يحسن فيه من كما حسن فيما قبله

قال سيبويه: (وذلك أنه لا يجوز أن يقول الرجل: رأيت عبد الله، فتقول: منا؛ لأنه إذا ذكر عبد الله فإنّما يذكر رجلا تعرفه بعينه، أو رجلا أنت عنده ممّن يعرفه بعينه، وأنت تسأله على أنه ممّن يعرفه بعينه، إلا أنّك لا تدري: الطويل هو أم القصير أم ابن زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أن يجروا هذه مجرى النكرة إذا كانا مفترقين.
وكذلك: رأيته ورأيت الرجل، لا يحسن أن تقول فيهما إلا من هو، ومن الرجل؟ وقد سمعنا من العرب من يقال له: ذهب معهم، فيقول: مع منين؟ وقد رأيته، فيقول: منا، أو رأيت منا.
وذلك أنه سأله على أن الذين ذكر ليسوا عنده ممن يعرفه بعينه، وأنّ الأمر ليس على ما وصفه المحدّث، فهو ينبغي له أن يسأل في هذا الموضع كما سأل حين قال: رأيت رجلا).
قال أبو سعيد: قد تقدم قبل هذا الباب أنّ المسألة عن المعرفة لا تكون باسم واحد، وإنما تكون المسألة عن النكرة باسم واحد، وذكرنا الفصل بين المعرفة والنكرة، وإنما جاز أن يقول: مع منين؟ وهو يستفهم عن الهاء والميم في معهم، وأن يقول: منا؟ وهو يستفهم عن الهاء في رأيته؛ لأن المتكلم بنى أمر المخاطب على أنه عارف بالاسم المكنيّ، ولم يكن عارفا به؛ فأورد مسألته على غير ما ذكره المتكلم.
وكأن السائل سأل على ما كان ينبغي للمتكلم أن يكلّمه به إذا لم يعرف، والذي كان ينبغي للمتكلم أن يقول: ذهب مع رجال، ورأيت رجلا، فلما غلط المتكلم في توهمه على المخاطب أنه يعرفه ردّه المخاطب إلى الحقّ في حال نفسه أنه غير عارف بمن ذكره، وسأل عن ذلك، وجعل المتكلم كأنه قد تكلّم به، وربّما عدل المخاطب عما يوجبه لفظ المتكلم، وذلك قولك: كيف أصبحت؟ فتقول: صالح، ومن ضربت؟ فتقول: زيد، والذي يقتضيه لفظ السؤال صالحا وزيدا.
وقد مضى الكلام في نحو هذا والله أعلم.

هذا باب اختلاف العرب في الاسم المعروف الغالب إذا استفهمت عنه بمن

قال سيبويه: (اعلم أنّ أهل الحجاز يقولون إذا قال الرجل رأيت زيدا: من زيدا؟ وإذا قال مررت بزيد قالوا: من زيد؟ وإذا قال: هذا عبد الله قالوا: من عبد الله؟ وأمّا بنو تميم فيرفعون على كلّ حال، وهو أقيس القولين.
فأمّا أهل الحجاز فإنّهم حملوه على أنّهم حكوا ما تكلّم به المسؤول، كما قال

بعض العرب: دعنا من تمرتان، على الحكاية لقوله: ما عنده تمرتان.
وسمعت عربيا يقول لرجل سأله فقال: أليس قرشيّا؟ فقال: ليس بقرشيا، حكاية لقوله.
فجاز هذا في الاسم الذي يكون غالبا على هذا الوجه، ولا يجوز في غير الاسم الغالب كما جاز فيه، وذلك أنّه الأكثر في كلامهم، وهو العلم الأوّل الذي به يتعارفون.
وإنما يحتاج إلى الصفة إذا خاف الالتباس من الأسماء الغالبة.
وإنّما حكى مبادرة للمسؤول، وتوكيدا عليه أنّه ليس يسأله عن غير هذا الذي تكلّم به.
وإذا قال: رأيت أخا زيد لم يجز: من أخا زيد؟ إلا على قول من قال: دعنا من تمرتان، وليس بقرشيا، والوجه الرفع لأنه ليس باسم غالب.
وقال يونس: إذا قال رجل: رأيت زيدا وعمرا، أو زيدا وأخاه، أو زيدا أخا عمرو، فالرفع يردّه إلى القياس والأصل إذا جاوز الواحد، كما يردّ ما زيد إلا منطلق إلى الأصل.
وأمّا ناس فإنّهم قاسوه فقالوا: تقول: من أخو زيد وعمرو، ومن عمرا وأخا زيد؛ يتبع الكلام بعضه بعضا، وهذا حسن.
فإذا قالوا من عمرا؟ ومن أخو زيد؟؛ رفعوا أخا زيد؛ لأنه قد انقطع الأول من الثاني الذي مع الأخ، فكأنك قلت: من أخو زيد؟ كما أنك تقول: تبّا له، وويلا له، وتبّ له، وويل له.
وسألت يونس عن: رأيت زيد بن عمرو فقال: أقول من زيد بن عمرو؟؛ لأنّ أصل هذا أجري كالواحد، ومن نوّن زيدا جعل (ابن) صفة منفصلة ورفع في قول يونس.
فإذا قال: رأيت زيدا فقلت: أيّ زيد؟ فليس إلا الرفع، تجريه على القياس.
وإنما جازت الحكاية في من لأنّهم ل (من) أكثر استعمالا، وهم يغيّرون الأكثر في كلامهم عن حال نظائره.
وإن أدخلت الواو والفاء في من فقلت: ومن أو فمن، لم يكن فيما بعده إلا الرفع).
قال أبو سعيد: مسائل الباب وتفريعها على قول أهل الحجاز؛ لأنّ بني تميم على منهاج القياس في غير هذا الباب، ولا خلاف بينهم أنّ مستفهما لو ابتدأ الاستفهام على غير كلام سمعه لقال: من زيد؟ ومن مبتدأ وزيد خبره، أو زيد مبتدأ ومن خبره، وإذا قال قائل: رأيت زيدا فقيل له: من زيد؟ فهو كالسؤال له في الابتداء؛ من مبتدأ وزيد خبره، أو زيد مبتدأ ومن خبره، فهذا القياس.
ويدلّ على ذلك أيضا أنّهم لا يختلفون أنّه إذا قال: رأيت زيدا قلت: أيّ زيد؟ فأيّ كمن، وأيّ زيد: مبتدأ وخبر.

وأمّا أهل الحجاز فإنّهم يحكون كلام المتكلّم في الاسم العلم؛ إذا قال قائل: رأيت زيدا، قالو: من زيدا؟ وإذا قالوا: مررت بزيد، قالوا: من زيد؟ وإنما حكوا لفظه لئلا يتوهّم المسؤول أنّه سئل عن غير الذي ذكره من الزّيدين، وحرصوا لحكاية لفظه على التّبيين له أنه مسؤول عن الذي ذكره، وموضع المنصوب والمخفوض في من زيدا، ومن زيد، رفع على خبر من أو الابتداء، كما أنّ قولهم: دعنا من تمرتان، تمرتان في موضع خفض؛ كأنه قال: دعنا من لفظك تمرتان، فناب تمرتان عن ذلك، وكذلك قول من قال: لست بقرشيّا، في موضع خفض بالباء.
وإنما يختار أهل الحجاز الحكاية بالأسماء الأعلام دون غيرها؛ لأن أكثر ما يخبر عن الناس بالأسماء الأعلام في مكاتباتهم ومعاملاتهم، وفيما ينسب إليهم من مناقب أو مثالب، والاسم العلم إذا ذكر فكأنه شامل على تعريف جميع ما فيه من صفاته المعروفة، وإنّما ينعت إذا زاحمه غيره في لفظه بما يبينه عن غيره.
وقد ذكر نحو هذا في ذكر الأسماء الأعلام.
وإذا لم يكن الاسم علما أجري على القياس، ورفع على الابتداء والخبر.
وإذا عطف على الاسم العلم أو نعت بغير اسم أبيه فالرفع على القياس؛ لأن السائل إذا أطال بالعطف أو بالنعت محتذيا على كلام المتكلم، فحكايته لإطالته تغنيه عن حكايته لإعرابه، ويكون أولى؛ لأنّ الإطالة بالعطف والنعت لا تخرج اللفظ عن قياسه كما تخرجه الحكاية، وذلك إذا قال القائل: رأيت زيدا وعمرا، ورأيت زيدا أخا عمرو فالباب أن يقول السائل: من زيد وعمرو؟ ومن زيد أخو عمرو؟ وقد حكى سيبويه في العطف عن غير يونس الحكاية إذا كان الذي يلي (من) الاسم العلم، واستحسنه؛ لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه، فالسؤال وقع بالاسم مفردا، ثم عطف شيء آخر عليه قد وقع به سؤال، وليس كذلك النّعت؛ لأنّ النعت والمنعوت كشيء واحد.
وإذا قال: رأيت زيد بن عمرو جاز أن يقول: من زيد بن عمرو؛ لأنّ زيدا قد بني مع ابن فجعلا كشيء واحد، فصارا كشيء مضاف، فإذا قال: جاءني عبد الله، أو رأيت عبد الله، أو مررت بعبد الله جازت الحكاية في هذه الوجوه، فتقول: من عبد الله، أو مررت بعبد الله؟ ومن عبد الله، وكذلك جاءني زيد بن عمرو، ومررت بزيد بن عمرو، ورأيت زيد بن عمرو.
وردّ إلى القياس ورفع؛ لأنهما لم يجعلا كشيء واحد، وصار بمنزلة قولك: رأيت زيدا أخا عمرو.
وإنما جازت الحكاية بمن ولم تجز بأيّ لعلتين: إحداهما: أنّ السؤال ب (من) عمّا يعقل أكثر من السؤال بأيّ، وتغييرهم لما يكثر

التصرّف فيه- بالوجوه- أكثر من التغيير والتصرّف فيما يقلّ.
والعلة الأخرى: أنّ أيّا معربة، فإذا سألوا بها فلا بدّ من رفعها، فإذا رفعوا أيّا في قولهم: أيّ زيد؟ على ما يوجبه القياس أتبعوه لفظ الاسم العلم على ما يوجبه القياس.
وإذا أدخلوا في أول السّؤال الفاء والواو لم يكن فيما بعده إلا الرفع، وذلك قولك إذا قال القائل: رأيت زيدا، ومن زيد؟ أو فمن زيد؛ لأنّك لمّا أدخلت حرف العطف علم المسؤول أنّك تعطف على كلامه وتنحو نحوه، فاستغنيت عن الحكاية.
وقد أجاز سيبويه الحكاية في غير الأسماء الأعلام على غير وجه الاختيار؛ إذا قال القائل: رأيت أخا زيد، جاز من أخا زيد؟ كما جاز دعنا من تمرتان، وليس بكلام مختار في لغة أهل الحجاز كما يختارون الحكاية في الأعلام، وباقي الباب مفهوم.
وذكر أبو العباس المبرّد في كتابه المعروف بالمقتضب فقال: " كان يونس يجري الحكاية في جميع المعارف، ويرى بابها وباب الأعلام واحدا " والذي حكاه سيبويه عن يونس في الباب إذا قال القائل: رأيت زيد أو عمرا، أو رأيت زيدا وأخاه، أو زيدا أخا عمرو؛ فالرفع يردّه إلى القياس.
وما أدري من أين لأبي العباس هذه الحكاية عن يونس، والله أعلم.

هذا باب من إذا أردت أن يضاف لك من تسأل عنه

قال سيبويه: " وذلك قولك: رأيت زيدا.
فتقول: المني.
فإن قال: رأيت الزيدين قلت: المنيّين.
فإن ذكر ثلاثة قلت: المنيّين، وتحمل الكلام على ما حمل عليه المسؤول كلامه إن كان مجرورا أو منصوبا أو مرفوعا، كأنك قلت: آلقرشي أم الثّقفي؟ فإن قال: القرشي نصب، وإن شاء رفع على هو، كما قال صالح في: كيف كنت "؟ قال أبو سعيد: قد يحتاج الإنسان إلى معرفة نسب من يذكر له إذا عرف ذلك الاسم لجماعة مختلفي الأنساب، فإذا سأل عنه أورد لفظ المسألة مبهما منسوبا، فاحتاج إلى ذكر اللفظ المبهم الذّي يسأل به عن أبي الرّجل الذي تراد معرفة نسبه، واحتاج إلى نسبته وإلى الألف واللام.
فأمّا الألف واللام فلأنه يسأل عن صفة العبارة عنها بالألف واللام، وأمّا الاسم المبهم فهو من؛ لأنّ بها يسأل عن الرجل المنسوب إليه، وأمّا علامة النسبة التي هي الياء فليعلم أنه يسأل عنه منسوبا، ويجري إعراب المنّي على إعراب الاسم الذي ذكره المتكلّم إن قال: جاءني زيد قلت: المني، وإن قال: مررت بزيد قلت:

المنّي؛ لأنه جار على كلام المتكلم، والمنّي مشتمل على كلّ ما ينسب إلى أب، ولا يحتاج في المنّي إلى ألف الاستفهام كما لو يحتج في من إلى ألف الاستفهام، وإذا جعلت مكانها اسما منسوبا مبيّنا أدخلت ألف الاستفهام فقلت: آلقرشي أم الثقفي؟ ونحو ذلك، وإذا أجاب المسؤول جاء بالجواب على لفظ إعراب المنّي، وإن شاء رفع على إضمار هو.
ولو قال: رأيت زيدا فأردت أن تقول: آلبصري أم الكوفي؟ لم يكن فيه لفظ مبهم كالمنّي، ولا يجوز أن تقول المنّي، فيقول في جوابه: المكي أو البصري وما أشبه ذلك من المنسوب إلى أسماء المدن، ولم يأت ذلك إلا في المنّي، لأنّ أكثر الأعراض للعرب في المسألة عن الأنساب، والتناصر والتعادي عليها.
وذكر أبو بكر مبرمان قال: سألت أبا العباس يعني المبرّد: إذا قال لك رجل: رأيت زيدا وأردت أن تسأله عن صفته.
قال أقول: المني، كأني قلت: الظريفي أم العالمي؟ أم الصائغي؟ أم البزّازي؟ فإذا قال: رأيت الجمل، فأردت أن تسأله عن صفته كيف تقول؟ قال: أقول: المائي والماوي ولا يحسن بأي لأنّ أيّا اختصاص وأنت إنما تسأله عن عموم.
قال أبو سعيد: وهذا تفريع من أبي العباس وقياس، وعندي أنّ قائلا لو قال: رأيت الجمل، وكان الجملّ ينسب إلى جماعة مختلفين من الناس مثل التميمي والمهدي والكلبي فأراد السؤال عن هذا النحو قال: المني؛ لأنك إنّما تريد واحدا من الناس الذين ينسب الجمل إليهم، وإن أراد النّسب إلى فحل أو إلى موضع لم يجز المني، وعلى قياس قول أبي العباس يقال: المائي والماوي.

هذا باب إجرائهم صلة من وخبره إذا عنيت اثنين كصلة اللّذين وإذا عنيت جميعا كصلة الذين

قال سيبويه: " فمن ذلك قوله عزّ وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ 1. ومثله فيما حدّثنا يونس قولهم: من كانت أمّك، وأيّهنّ كانت أمّك، ألحق تاء التأنيث لمّا عني المؤنث كما قال: يستمعون حين عني جميعا.
وزعم الخليل أنّ بعضهم قرأ: ومن تقنت منكن لله ورسوله [الأحزاب: 31] بالتاء، فجعلها كصلة التي حين عنيت مؤنثا.
فإذا ألحقت التاء في المؤنث ألحقت الواو والنون في الجميع.

قال الفرزدق: تعال فإن عاهدتني لا تخونني … نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " 1 قال أبو سعيد: ل (من) لفظ ومعنى، فأمّا لفظها فواحد مذكّر، فإذا رددت إليها الضمير العائد من صلتها أو خبرها أو غير ذلك كان واحدا مذكّرا أردت بها واحدا أو اثنين أو جماعة أو مؤنثا، فإن أردت أن يكون العائد إليها على معناها فهو على ما يقصده المتكلّم من المعنى.
فأمّا ما أعيد إليه على معناه في الجمع فقوله عز وجلّ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ 2، وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ 3، وأكثر ما في القرآن من هذا النحو فتوحيد لفظ المذكّر كنحو قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ 4 وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ 5 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ 6 وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ 7 وغير ذلك مما يطول.
وأمّا المثنى فقول الفرزدق: ... من يا ذئب يصطحبان يريد بمن نفسه والذئب، وأمّا المؤنث فقوله: ومن تقنت منكن لله ورسوله [الأحزاب: 31] لأنّ المعنى واحدة من النساء أو أكثر، وربما أتي على اللفظ والمعنى كقوله عز وجل: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً [الأحزاب: 31] يقنت بالياء على اللفظ، وتعمل بالتاء على المعنى، وقوله تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 8 أسلم وجهه على لفظ من ولا خوف عليهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على معنى الجماعة.
وذكر بعض الكوفيين: أنه إذا حمل من على المعنى لم يجز أن يردّ إلى اللفظ، وإذا حمل على اللفظ جاز أن يردّ إلى المعنى، ولا فرق بينهما عندي، والذي يبطل ما قال قوله عز وجل في آخر سورة الطلاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي

مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (1) جمع خالدين على المعنى، ثم قال: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (2) فردّه إلى اللفظ.

هذا باب إجرائهم ذا بمنزلة الّذي وليس يكون كالّذي إلا مع ما ومن في الاستفهام وحده

فيكون ذا بمنزلة الذي، ويكون ما حرف الاستفهام وإجرائهم إيّاه مع ما بمنزلة اسم واحد.
قال سيبويه: " أمّا إجراؤهم ذا بمنزلة الّذي فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فتقول: متاع حسن، قال لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل 3 وأمّا إجراؤهم إيّاه مع ما بمنزلة اسم واحد فهو قولك: ماذا رأيت؟ فتقول: خيرا؛ كأنك قلت: ما رأيت؟ فقال: خيرا.
ومثل ذلك قولهم: ماذا ترى؟ فتقول: خيرا.
وقال تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً 4. فلو كان ذا لغوا لما قالت العرب: عمّا ذا تسأل؟ ولقالوا: عمّ ذا تسأل؟ ولكنّهم جعلوا ما وذا اسما واحدا، كما جعلوا ما وإنّ حرفا واحدا حين قالوا: إنّما، ومثل ذلك كأنّما، وحيثما في الجزاء.
ولو كان ذا بمنزلة الّذي في هذا الموضع البتّة لكان الوجه في: ماذا رأيت إذا أراد الجواب أن يقول: خير.
وقال الشاعر، وسمعنا بعض العرب يقوله: دعي ماذا علمت سأتّقيه … ولكن بالمغيّب نبّئيني 5 ف (الّذي) لا يجوز في هذا الموضع؛ لأنّ ما لا يحسن أن تلغيها.
وقد يجوز أن يقول الرجل: ماذا رأيت؟ فيقول: خير، إذا جعل ما وذا اسما واحدا كأنه قال: ما رأيت؟ فقال: خير، ولم يجبه على: رأيت خيرا.12

ومثل ذلك قولهم في جواب كيف أصبحت؟ صالح، وفي من رأيت: زيد، كأنه قال: أنا صالح، ومن رأيت زيد.
والنصب في هذا الوجه؛ لأنّه الجواب على كلام المخاطب، وهو أقرب أن تأخذ به.
وقال: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: 24].
وقد يجوز أن تقول إذا قلت: من ذا الذي رأيت؟: زيدا؛ لأنّ هاهنا معنى فعل، ويجوز النصب هاهنا كما جاز الرفع في الأول.
قال أبو سعيد: قد اشتمل هذا الباب على الكلام في ماذا، وقد فسّره سيبويه وغيره على الوجهين اللّذين ذكرهما.
فإن قال قائل: هلا جعلتم ذا زائدة وجعلتم ما للاستفهام وبمعنى الذي كما كانت قبل دخول ذا؟ ويكون: «ماذا أنزل ربّكم» بتقدير: ما أنزل ربكم؟ وقوله: دعي ماذا علمت سأتقيه بتقدير: دعي ما علمت، كما يقال دعي الذي علمت، فإنّ سيبويه استدلّ على بطلان هذا بشيئين.
أحدهما: أنّ ذا لو كانت زائدة لوجب أن يقال: عمّ ذا تسأل؟ كما يقال: عمّ تسأل؟ فيسقط ألف ما حين دخل عليه حرف الجرّ.
والوجه الآخر: أنّ ذا إذا كانت زائدة ثم قلنا ماذا تصنع؟ كانت ما في موضع نصب، وتكون حقيقة جوابه منصوبا، فلمّا قال: أنحب فيقضى أم ضلال وباطل وهو بدل من ما، علم أنّ ما في موضع رفع، وإذا كانت في موضع رفع فهي مبتدأة وخبرها ذا، ويحاول صلة ذا، والعائد إليها هاء محذوفة كأنه قال: ماذا يحاوله، فإذا قال قائل: ماذا صنعت؟ أو «ماذا أنزل ربّكم» فهو على الوجهين اللذين ذكرهما؛ إن شئت جعلت ما للاستفهام وهي اسم تامّ مرفوع بالابتداء، وخبره ذا وهي بمعنى الذي، وما بعده صلته، وإن شئت جعلت ما وذا جميعا بمنزلة ما وحدها، ويكونان كحرفين ركّبا لمعنى واحد نحو: كأنما، وحيثما في الجزاء، وما جرى مجراهما من الحروف المركبة، ويكون الجواب بالرفع والنصب على ما تقدّر من جعل ما مبتدأ أو منصوبا بالفعل.
فإن قال قائل: كيف يعلم السامع إذا قيل له: «ماذا أنزل ربّكم» ما قدّره المتكلّم من رفع ما أو نصبه حتى يجعل جوابه خيرا أو خير، فإنّ هذا لا يلزم السائل، ولكنه

يسأله عمّا يحتمله كلامه، وقد يجوز أن يكون حرف الاستفهام في كلام السائل نصبا، وفي كلام المجيب رفعا على الاستئناف والابتداء والخبر كقولك: ما رأيت؟ فيقول: خير، وما في موضع نصب، وكيف أصبحت؟ فيقول: صالح، كأنه قال: أنا صالح، والوجه حمل الجواب على ما يوجبه إعراب السؤال.
ويجوز أيضا أن يكون لفظ الاستفهام في موضع رفع، ويكون الجواب نصبا محمولا على الفعل الذي في الكلام؛ لأنّ المعنى لا يتغيّر؛ كقولك: زيدا إذا قيل لك من الذي رأيت؟ كأنك قلت: رأيت زيدا.
وأمّا قوله عز وجلّ: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: 24] فالذي عند ذوي التحصيل أنّ أساطير الأولين ليس بجواب لأنّ الّذين قالوا: أساطير الأولين لم يكونوا معترفين بأنّ الله أنزل شيئا، وإنّما تقديره: هذا الذي جاء به محمد أساطير الأولين، وكأنّهم عدلوا عمّا سئلوا عنه.
وأمّا قوله: دعي ماذا علمت سأتقيه فالحرفان جميعا بمعنى الذي، وعلمت صلة، والعائد هاء محذوفة من علمته، وسبيل ماذا في كونها بمعنى الذي كسبيل ما وحدها إذا كانت بمعنى الذي.
فإن قال قائل: هلا جعلتم ما زائدة وجعلتم ذا وحدها بمعنى الذي كما قال الله عز وجلّ: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: 17].
تلك: بمعنى التي وبيمينك صلة، وكما قال يزيد بن مفرّغ: عدس ما لعبّاد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق 1 هذا بمعنى الذي وتحملين صلته كأنه قال: والذي تحملين طليق، فالجواب أنّ تلك وهذا وما جرى مجراهما من أسماء الإشارة لا يكنّ عند أصحابنا بمعنى الذي وأخواتها، إلا ذا وحدها إذا كان قبلها ما، فلمّا كانت ذا لا تكون بمنزلة الذي حتى يكون قبلها ما لم يجز أن تكون زائدة كان إخراجها من الكلام يبطل المعنى المقصود بذا.
«وما تلك بيمينك» بيمينك عند أصحابنا في موضع الحال، كما تكون في موضع الصّفة إذا قلت: مررت بعصا بيمينك، كأنه قال: مستقرة بيمينك، وكذلك تحملين في موضع الحال، كأنه قال: وهذا حاملته أنت طليق، وتقديره: حاملة له أنت طليق، وأسهل من هذا في التقدير: وهذا محمولا طليق.
ومما يشبه ما ذكرناه قول أبي ذؤيب: لعمري لأنت البيت أكرم أهله … وأقعد في أفيائه بالأصائل 2

على قول الكوفيين: البيت يوصل كما يوصل الذي، وأكرم أهله صلته، ومذهبهم صلة ما فيه الألف واللام من الأسماء نحو الرجل والغلام كصلة الذي.
قال أصحابنا في بيت أبي ذؤيب قولين: أحدهما: أنه يكون خبرا بعد خبر، البيت مبهما على غير معهود، وأكرم نعتا له كما يقال: إنّي لأمرّ بالرجل غيرك خير منك.

هذا باب ما تلحقه الزّيادة في الاستفهام إذا أنكرت أن تثبت رأيه على ما ذكر أو أنكرت أن يكون رأيه خلاف ما ذكر

قال سيبويه: فالزيادة تتبع الحرف الذي هو قبلها، الذي ليس بينه وبينها شيء.
فإن كان مضموما فهي واو، وإن كان مكسورا فهي ياء، وإن كان مفتوحا فهي ألف، وإن كان ساكنا تحرّك، لئلا يسكن حرفان، فيتحرّك كما يتحرّك في الألف واللام الساكن مكسورا، ثم تكون الزيادة تابعة له.
فمما تحرّك من السّواكن كما وصفت لك وتتبعه الزيادة قول الرجل: ضربت زيدا، فتقول منكرا لقوله: أزيد نيه؟ وصارت هذه الزيادة علما لهذا المعنى، كعلم النّدبة، وتحرّكت النون لأنها كانت ساكنة، ولا يسكن حرفان.
فإن ذكر الاسم مجرورا جررته، أو منصوبا نصبته؛ لأنّك إنّما تسأله عمّا وضع عليه كلامه.
وقد يقول لك الرجل: أتعرف زيدا؟ فتقول: أزيد نيه؟ إمّا منكرا لرأيه أن يكون على ذلك، وإمّا على خلاف المعرفة.
وسمعنا رجلا من أهل البادية قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنيه؟ منكرا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج.
ويقول: قد قدم زيد، فتقول: أزيد نيه؟ غير رادّ عليه متعجبا أو منكرا عليه أن يكون رأيه على غير أن يقدم؛ أو أنكرت أن يكون قدم فقلت: أزيد نيه؟ فإن قلت مجيبا لرجل قال: لقيت زيدا وعمرا قلت: أزيدا وعمر نيه؟ تجعل العلامة في منتهى الكلام.
ألا ترى أنّك تقول إذا قال: ضربت عمرا: أضربت عمرنيه؟ وإن قال: ضربت زيدا الطويل قلت: أزيدا الطويلاه؟ وتجعلها في منتهى الكلام.
وإن قلت: أزيدا يا فتى، تركت العلامة كما تركت علامة التأنيث والجمع

وحروف اللّين في قولك: منا ومني ومنو، حين قلت: يا فتى، وجعلت يا فتى بمنزلة ما هو في مسألتك يمنع هذا كلّه، وهو قولك: من ومنه إذا قال: رأيت رجلا وامرأة.
فمنه قد منعت من من حرف اللين، فكذلك هو هاهنا يمنع كما منع ما كان في كلام المسؤول العلامة في الأوّل، ولا يدخل يا فتى لأنّه ليس من حديث المسؤول، فصار هذا هاهنا بمنزلة الطّويل حين منع العلامة زيدا كما منع من ما ذكرت لك؛ وهو قول العرب.
ومما تتبعه هذه الزيادة من المتحرّكات كما وصفت لك قوله: رأيت عثمان، فتقول: أعثماناه، ومررت بعثمان، فتقول: أعثماناه، ومررت بحذام، فتقول أحذاميه، وهذا عمر فتقول: أعمروه، فصارت تابعة كما كانت الزيادة في وا غلامهوه تابعة.
واعلم أنّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم إن فتقول: أعمرو إنيه، وأزيد إنيه، فكأنهم أرادوا أن يزيدوا العلم بيانا وإيضاحا، كما قالوا: ما إن، فأكّدوا بإن.
وكذا أوضحوا بها هاهنا؛ لأنّ في العلم الهاء، والهاء خفيّة، والياء كذلك، فإذا جاءت الهمزة والنون جاء بعدهما حرفان لو لم يكن بعدهما الهاء وحرف اللين كانوا مستغنين بهما.
وممّا زادوا به الهاء بيانا قولهم: اضربه.
وقالوا في الياء في الوقف: سعدجّ يريدون سعدي.
فإنّما ذكرت لك هذا لتعلم أنهم قد يطلبون إيضاحا بنحو من هذا الذي ذكرت لك.
وإن شئت تركت العلامة في هذا المعنى كما تركت علامة النّدبة.
ويقول الرجل: إنّي قد ذهبت، فتقول: أذهبتوه؟ ويقول: أنا خارج، فتقول: أأنا إنيه، تلحق الزيادة ما لفظ به، وتحكيه مبادرة له، وتبينا أنه ينكر عليه ما تكلّم به، كما فعل ذلك في: من عبد الله؟ وإن شاء لم يتكلّم بما لفظ به، وألحق العلامة ما يصحّح المعنى، كما قال حين قلت: أتخرج إلى البادية: أأنا إنيه.
وإن كنت متبيّنا مسترشدا إذا قال: ضربت زيدا، فإنك لا تلحق الزيادة.
وإذا قال: ضربته فقلت: أقلت ضربته؟ لم تلحق الزيادة أيضا؛ لأنّك إنّما أوقعت حرف الاستفهام على قلت، ولم يكن من كلام المسؤول، وإنّما جاء على الاسترشاد لا على الإنكار، فإن قال: ضربته فقلت: على وجه الإنكار قلت: أضربتهوه، وإن شئت قلت:

أضربتهوه على المعنى، والمعنى الأول أجود أن تحكي لفظ المسؤول.
واعلم أنّ هذه الزيادة لا تلحق بعد شيء من حروف الاستفهام ما خلا الألف وحدها؛ لا تقول: من زيداه، ولا أي زيدوه، ولا شيئا من هذا النحو إذا لم يكن قبل كلامهم ألف الاستفهام.
وتقول في المضاف نحو عبد الله: أعبد اللهيه، وأعبد الله إنيه، وكلّ موضع جاز فيه أحد هذين العلمين فالآخر جائز فيه، وقد يجوز إذا قال الرّجل: ذهبت أن تقول: أذهبتاه؛ تلحق الزيادة الفعل الذي هو له في المعنى لا في الحكاية، ولا يحكي لفظه كما قال حين قال أتخرج إلى البادية: أأنا إنيه؟ وإن شئت حكيت لفظه فقلت: أذهبتوه.
قال أبو سعيد: الباب كلّه في إثبات العلامة للإنكار، وجعل الإنكار على وجهين: أحدهما: أن ينكر كون ما ذكر كونه، ويكذّب به أو يبطله؛ كرجل قال لك: أتاك زيد، وزيد ممتنع إتيانه عندك، فينكره بطلانه عندك، فهذا معنى قوله: أنكرت أن تثبت رأيه على ما ذكره.
والوجه الآخر: أن يقول: أتاك زيد، وزيد من عادته إتيانك، فتنكر أن يكون ذلك إلا كما قال؛ كما يقول القائل فيما يردّ عليه من الكلام إذا لم يشكّ فيه، ومن شكّ في هذا ومن أنكره على وجه التعجب والإنكار لذكر مثله مما لا يشك في كونه، وهذا معنى قوله: أو تنكر أن يكون رأيه على خلاف ما ذكر، فإذا قلت لمن قال لك: أتعرف زيدا؟ أزيدنيه، وقول سيبويه: إمّا منكرا لرأيه أن يكون على ذلك: أي منكرا لرأي الذي قال له: أتعرف زيدا، وأن يعتقد أنّ المسؤول يرتفع عن معرفته، أو لا تبلغ رتبته إلى أن يعرف زيدا.
وقوله: أو على خلاف المعرفة يعني: أو منكرا أن يكون رأيه على أن لا يعرف زيدا؛ لأنّ مثله لا يجهل مثل زيد.
والعلامة التي للإنكار على لفظين: أحدهما: بلحاق حرف آخر اللفظ فيتبع حركته، وإن كان آخر اللفظ ساكنا فيحرّك لاجتماع السّاكنين بحرف ساكن يلقاه، فإنك تحرّكه وتتبعه الحرف الذي منه حركته؛ تقول: أزيدنيه وأزيدنيه وأزيدنيه؛ لأنّ التنوين حرف ساكن يحرّك بالكسر لاجتماع السّاكنين كقولك: جاءني زيد البزّاز، ومررت بزيد البزّاز، ورأيت زيدا البزّاز، فلمّا كسرت النون أتبعته الياء، وإذا كان آخر اللفظ في الكلام الذي ينكر حرفا ساكنا يسقط ولا يحرّك لاجتماع الساكنين فإنك تدخل عليه مثله في التقدير ثم تحذف الأوّل

لاجتماع الساكنين، وذلك قولك إذا قال: رأيت المثنّى: ألمثنّاه، وكذلك إذا قال: مررت بالقاضي تقول: ألقاضيه، وإذا قال زيد يغزو تقول: أزيد يغزوه، وقد عمل في النّدبة نحو هذا في قولهم: وانقطاع ظهرهاه للمؤنث الواحدة، وو انقطاع ظهرهيه؟ للمذكّر، وو انقطاع ظهركموه؛ فألف ظهرهاه للندبة، وقد أسقطت الألف التي كانت في ظهرها، ولا فرق في علامة الإنكار بين الاسم والفعل، ولا بين الاسم والنعت، ولا بين الاسم الظاهر والمكني، وليس ذلك كباب الحكاية في: من زيدا، ومن زيد الطويل؛ لأنّ باب الحكاية إنّما يحكى فيه الاسم العلم عند التباس الأسماء الأعلام، وإذا قرن بما يزيل الالتباس عاد إلى قياسه لزوال اللّبس، وعلامة الإنكار لازمة؛ لأنّ الإنكار ثابت على حاله.
والعلامة الأخرى: أن يترك لفظ المتكلم على حاله ويؤتى بالعلامة منفصلة، وهي أن يؤتى بها بعد حكاية اللفظ الأوّل؛ فيقول: أعمر وإنيه، وأزيد إنيه، وقد ذكر سيبويه علّته.
والحرف المزيد إن تم زيد على إن ما يزاد على التنوين من حرف ساكن في التقدير فيكسر لاجتماع الساكنين، وتلحقه الهاء في الوقف لبيان العلامة، فإذا وصلت الكلام بشيء من كلامك أو كلام المسؤول حذفت العلامة كما فعلت ذلك في: منو ومنا ومني.
فأمّا كلامك فقولك: لمن قال: رأيت زيدا: أزيدا يا فتى؟ ولا يجوز أن تقول: أزيدنيه يا فتى، ولا أزيدا إنيه يا فتى، كما لا يجوز أن تقول: منو يا فتى، فقولك إذا قال: لقيت زيدا وعمرا: أزيدا وعمرنيه تبطل العلامة في زيد لمّا وصلته بعمرو، وهو من كلام المسؤول في ابتداء كلامه، وقد يجوز لحاق العلامة لفظ المسؤول، وقد يجوز أن تلحق لفظا يأتي به السائل في معنى لفظ المسؤول، فأمّا لفظ السّائل فقولك لمن قال: إنّي قد ذهبت: أذهبتوه، وإن حملته على المعنى قلت: أذهبتاه؛ لأنّ التّاء المضمومة للمتكلم هي التّاء المفتوحة إذا صار مكلّما، وكذلك قول العربي: أنا إنيه للذي قال له: أتخرج إلى البادية، جاء به على المعنى؛ لأنّ الضمير المفاعل الذي في أتخرج للمخاطب هو أنا إذا صار المخاطب هو المتكلم.
وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه.

هذا باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء

قال سيبويه: " اعلم أنّ هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال، وهي: أن، وذلك قولك: أريد أن تفعل كذا، وكي، وذلك قولك: أجيئك لكي تفعل، ولن.

فأمّا قول الخليل فزعم أنّها: لا أن ولكنّهم حذفوا لكثرته في كلامهم، كما قالوا: ويلمّه، وكما قالوا: يومئذ، وجعلت بمنزلة حرف واحد، كما جعلوا هلا بمنزلة حرف واحد، وإنّما هي هل ولا.
وأما غيره فزعم أنه ليس في لن زيادة، وليست من كلمتين، ولكنّها بمنزلة شيء على حرفين ليست فيه زيادة، وأنّها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم، في أنه ليس واحد من الحرفين زائدا.
ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت: أمّا زيدا فلن أضرب؛ لأنّ هذا اسم والفعل صلة، فكأنه قال: أمّا زيدا فلا الضّرب له ". قال أبو سعيد: قد تقدّم في أوّل الكتاب ذكر المضارعة التي استحقّ بها الفعل الذي في أوّله الزوائد الأربع الإعراب، وهي المشابهة بين هذا الفعل وبين الاسم، وقد ذكرت هناك بما أغنى عن إعادته هنا.
وذكر أهل الكوفة في استحقاق الفعل الإعراب قولين ضعيفين منتقضين لا نظام لهما.
أحدهما: أنّ الأفعال أعربت لما دخلت عليها المعاني المختلفة، ووقعت على الأوقات الطويلة، وهذا فاسد؛ لأنّ الحروف قد تدخل عليها المعاني المختلفة ولا يوجب ذلك لها إعرابا، كقولنا: ألا فهي تصلح للاستفهام والعرض والتّمني، ولمّا تصلح للزّمان كقولك: لمّا جاء زيد أكرمته، وتكون في نحو معنى لم جازمة، ومن: تصلح للتبعيض، ولابتداء الغاية وغير ذلك مما يطول ذكره.
وأمّا طول الزمان فإنّ الفعل المعرب أقصر زمانا من المبني؛ لأنّ الفعل المعرب ما كان في أوله الزوائد الأربع، وهي تصلح للحال والاستقبال، فأمّا فعل الحال فلا امتداد له؛ لأنه لزمان واحد، والزمان الذي يليه يصيّره ماضيا، والفعل الماضي أطول منه ومن المستقبل؛ لأنّ الفعل الماضي أبدا ماض، ولا يصير مستقبلا، والمستقبل يصير ماضيا، ويبطل عنه الاستقبال، فإذا كان الفعل الأطول زمانا مبنيا كيف يكون طول الزمان سببا لإعرابه؟ والقول الآخر: إنّ الفعل وقع بين الأداة والاسم فأشبه من الأداة أنه لا يلزم المعنى في كلّ الحالات، وأشبه ليت التي تقع للتمني فإذا زال التمني زالت، وكذلك ما يشبه ليت من الأدوات.
قال: وأشبه من الاسم وقوعه على دائم الفعل الذي قدّمنا ذكره، وأعطي بحصّة

شبه الاسم الرفع والنّصب، ومنع الخفض لتقصيره عن كل منازل الأسماء، وخصّ بالجزم، وترك التنوين منه في حال رفعه ونصبه بحصّة الأداة إذ الأداة حقّها الوقف والسّكون، وأن لا تعرب ولا تنون لعدمها تمكّن الأسماء.
قال أبو سعيد: وهذا قول يبطله أدنى التأمّل له، وذاك أنه ذكر ابتداء الكلام الدلالة على وجوب الإعراب للأفعال، ثم ذكر أنّ الفعل بشبه الاسم يعطى الرفع والنصب، وبشبه الأداة يعطى الجزم، وإنّما يذكر اختصاص مواضع الإعراب واختلافه بعد الدلالة على وجوب جملته، وهذا لم يقم دليلا على وجوب الإعراب جملة فيقيم بعده دليلا على مواضعه، وذكر حال الأداة بما يشاركه فيه الاسم؛ لأنه قال: فأشبه ليت التي تقع للتمني، فإذا زال التمني زالت، وهذه صفة الاسم؛ لأنّ الصّبي يسمّى بهذا الاسم لما فيه من الصّبا، والشّابّ لما فيه من الشباب؛ فإذا زال الصّبا والشباب لم تقل صبي ولا شابّ، والخمر تسمّى بهذا الاسم لما فيها من الشّدّة، فإذا حمضت وصارت خلا لم تسمّ خمرا، وليس في التشاغل به والاستقصاء عليه طائل.
ولم أر أصحابنا علّلوا الحروف الناصبة والجازمة للأفعال لم اختصّت الناصبة منها بالنصب والجازمة منها بالجزم؟ وقد ذكرت شيئا من ذلك في أول الكتاب، وأنا أذكره الآن على ما يصحّ قياسه، وأذكر بعض ما ذكر الناس فيه، وما يحضرني من الحجج على ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمّا المرفوع من الأفعال فعلى قول سيبويه وسائر البصريين: يرتفع لوقوعه موقع الاسم لا لمضارعته الاسم، وقد توهّم أبو العباس ثعلب على سيبويه أنه يرفع الفعل لمضارعته الاسم، وتبعه على هذا التوهّم أصحابه، ولم يفهموا مذهب البصريين، والذي يقوله البصريّون: أنّ المضارعة أوجبت للفعل استحقاق الإعراب الذي فيه الرفع والنصب والجزم، ثم كان للرفع شيء يختصّ بإيجابه، وللنصب شيء يختص بإيجابه، والجزم كذلك، وستقف من كلام سيبويه فيما يأتي على هذا إن شاء الله تعالى.
واحتذى الفرّاء قول البصريين في ذلك فغيّر لفظهم، وقال: يرتفع الفعل بسلامته من النواصب والجوازم، وذلك أنّ النواصب والجوازم ألفاظ وحروف، ووقوعه موقع الاسم ليس بلفظ، فجعل خلوّه من الحروف الناصبة والجازمة هو الرافع.
والفرّاء وأصحابه قد عابوا البصريين برفعهم الاسم بالابتداء الذي هو خلوّ الاسم من العوامل اللفظيّة فدخلوا في مثل ما عابوه.
وقول البصريين في رفع الفعل قول صحيح وترتيب غير مدخول؛ لأنّهم بدءوا

بالرفع الذي هو أول الإعراب فجعلوا له سببا لا يتعلق بغيره، ولا يخرج الرفع عن ترتيبه.
وقول الفرّاء في ذلك قول مدخول ولفظه غير صحيح؛ وذلك أنّ الرفع أول أحوال الفعل؛ فإذا رفعناه من قبل وجود المنصوب والمجزوم فلا بدّ من حال مقترنة به توجب له الرفع غير منسوبة إلى شيء لم يكن بعد، وإنما يقال: سلم فلان من كذا إذا كان قد دخل فيه ولابسه.
وقال الكسائيّ وأتباعه من الكوفيين: الفعل المستقبل يرتفع بالزوائد الأربع: الألف والنون والتّاء والياء.
قال أبو سعيد: وهذا قول يفسد من وجهين: أحدهما: أنّ هذه الزوائد موجودة في حال النصب والجزم، والعامل إذا حضر ووقع على المعمول فيه عمل عمله.
والوجه الآخر: أنّ هذه الزوائد من نفس الفعل وتمام معناه، ولا تنفصل منه في لفظ ولا في معنى ينفرد به.
فكيف تعمل فيه ولا تنفرد منه ولا تفارقه؟ وليس بمنزلة أن يذهب؛ لأنّ أن منفصلة اللفظ من يذهب، ويذهب منفرد بنفسه ولفظه.
قال أبو سعيد: وأمّا نصب الفعل فالأصل فيه أن، وذاك أنّ أن الناصبة هي وما بعدها بمعنى المصدر، وأنّ المشدّدة المفتوحة الناصبة هي وما بعدها من الاسم والخبر بمنزلة المصدر، كقولك: أريد أن تخرج، ومعناه: أريد خروجك، وبلغني أنّك تخرج، بمعنى: بلغني خروجك، وبعد فهما يشتركان فيما كان من أفعال الظّنّ والخوف، كقولك: حسبت أنّك لا تقوم، وحسبت أن لا تقوم، ويتعاقبان على الأفعال التي للإيجاب، وغير الإيجاب؛ كان للإيجاب انفرد به المشدّد كقولك: عرفت أنّك تخرج، وما كان لغير الإيجاب انفرد به المخفّف كقولك: اشتهيت أن تخرج، وأردت أن تخرج، فحمل نصب الفعل بأن على نصب الاسم ب " أنّ " لما ذكرناه.
ولن وكي وإذا محمولة على أن في النصب لمشاركتها لها في الاستقبال؛ والدليل على ذلك أنّ إذا قد تدخل على الحال فيبطل النصب بها، وستقف على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر سيبويه عن الخليل: في لن أنّ أصلها لا أن، وحكى الكوفيّون عن الكسائي مثل قول الخليل.
قال أبو سعيد: والمختار قول غير الخليل، والحجّة فيه سوى ما ذكره سيبويه، أنّا إذا قلنا: لن أضرب زيدا، كان كلاما كاملا تاما لا يحتاج إلى إضمار شيء، وإذا قلنا: لا

أن أضرب زيدا، لم يتمّ الكلام؛ لأنّ أن وما بعده من الفعل والمفعول بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد إذا وقع بعد لا احتاج معه إلى خبر، فليس لفظ لن وفقا للفظ لا أن، ولا معناها وفقا لمعناها، فما الذي أوجب أنّها هي؟ وجملة الأمر أنه ليس لنا أن ندّعي في (لن) غير ظاهرها إلا ببرهان، وقد رأينا في الحروف الناصبة كي وإذا وليسا بمأخوذين من لفظ أن.
فإن قال قائل: إذا زعمتم أنّ لن وكي وإذا حملن.
على أن في نصبهنّ؛ لاشتراكهنّ في الاستقبال، فما القول في حروف الجزم؟ فهلا نصبتم فعل الأمر والنّهي والمجازاة وهنّ مستقبلات؟ قيل له: أمّا لام الأمر فإنّ ما بعدها جزم؛ لأنه بمعنى الأمر المبني على السّكون؛ لمضارعته له ودخوله في معناه حمل على إعراب لفظه كلفظ البناء.
وأمّا النهي فإنه جزم؛ لأنه نقيض للأمر، والأمر مبني، كما جزم الفعل بلم؛ لأنّه نقيض الماضي والماضي مبني.
وأمّا المجازاة فجزمت لأنها شرط وجواب فطالت، فاختاروا لها أخفّ الإعراب وهو الجزم لطولها.
وقال الكوفيّون: لام الأمر خصّت بالجزم فرقا بينها وبين لام كي في قولهم: أقصدك لأكرمك، يعني به لكي أكرمك، وكانت لام الأمر أولى بأن تجزم المستقبل لأنّها على المستقبل أغلب، وتمكّنها فيه أوضح من تمكّن لام كي؛ من أجل أنّ لام الأمر تبتدأ مع المستقبل وتنفرد به حين قال: ليفعل وليصنع، ولام كي لا تنفرد حتى يتقدّمها ما يحدثها، وتجري مجرى الصلة له نحو: أزورك كي أكرمك.
قال أبو سعيد: وهذا تطويل لا يحتاج إليه؛ لأنه يحتاج أولا إلى إقامة الحجّة بأنّ الاستقبال موجب للنصب، ولا سبيل له إلى ذلك، وإنما هي دعوى لا حجة عليها.
وأمّا قوله: ويلمّه، ويومئذ فقد ذكرا في مواضعهما بما أغنى عن ذكره، والله أعلم.

هذا باب الحروف التي تضمر فيها أن

قال سيبويه: " وذلك اللام، في قولك: جئتك لتفعل.
وحتى، وذلك قولك: تكلّم حتى أجيبك، فإنّما انتصب هذا بأن، وأن هاهنا مضمرة؛ ولو لم تضمرها لكان الكلام محالا؛ لأنّ اللام وحتى إنّما يعملان في الأسماء فيجرّان، وليسا من الحروف التي تضاف إلى الأفعال، فإذا أضمرت أن حسن الكلام؛ لأنّ أن وتفعل بمنزلة اسم

واحد، كما أنّ الذي وصلته بمنزلة اسم واحد؛ فإذا قلت: هو الذي فعل، فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل، فكأنك قلت: أخشى فعلك.
أفلا ترى أنّ أن تفعل بمنزلة الفعل، فلمّا أضمرت أن كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما؛ لأنهما لا يعملان إلا في الأسماء ولا يضافان إلا إليها، وأن تفعل بمنزلة الفعل.
وبعض العرب يجعل كي بمنزلة حتّى، وذلك أنهم يقولون: كيمه؟ في الاستفهام، فيعملونها في الأسماء كما قالوا: حتّامه؟ وحتّى متي؟ ولمه؟ فمن قال: كيمه فإنّه يضمر أن بعدها، وأمّا من أدخل عليها اللام ولم يكن من كلامه كيمه فلأنّها عنده بمنزلة أن، ويدخل عليها اللام كما يدخل على أن.
ومن قال: كيمه جعلها بمنزلة اللام.
واعلم أنّ أن لا تظهر بعد حتى وكي، كما لا يظهر الفعل بعد أمّا في قولك: أمّا أنت منطلقا، وقد ذكر حالها فيما مضى.
واكتفوا عن إظهار أن بعدهما بعلم المخاطب أنّ هذين الحرفين لا يضافان إلى فعل، وأنّهما ليسا ممّا يعمل في الفعل، وأن الفعل لا يحسن بعدهما إلا أن يحمل على (أن)، ف (أن) هاهنا بمنزلة الفعل في أمّا، وما كان بمنزلة أمّا ممّا لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلا من اللفظ ب (أن).
وأمّا اللام في قولك: جئتك لتفعل فبمنزلة إن في قولك: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ؛ وإن شئت أظهرت الفعل هنا، وإن شئت خزلته وأضمرته، وكذلك أن بعد اللام إن شئت أظهرته وإن شئت أضمرته.
واعلم أنّ اللام قد تجيء في موضع لا يجوز فيها الإظهار، وذلك: ما كان ليفعل، فصارت أن هاهنا بمنزلة الفعل في قولك: إيّاك وزيدا، وكأنك إذا مثّلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل، أي ما كان زيد لهذا الفعل.
فهذا بمنزلته، ودخل فيه معنى نفي كان سيفعل، فإذا قال هذا قلت: ما كان ليفعل، كما كان لن يفعل نفيا لسيفعل، وصارت بدلا من اللفظ بأن كما كانت ألف الاستفهام بدلا من واو القسم في قولك: الله لتفعلنّ، فلم يذكروا إلا أحد الحرفين إذ كان نفيا لما معه حرف لم يعمل فيه شيئا فكأنه قد ذكر أن.
كما أنه إذا قال: سقيا له، فكأنه قال: سقاه الله ". قال أبو سعيد: قال الكوفيّون في جئت لأكرمك: اللام هي الناصبة لأكرمك، وهي بمنزلة أن، وليست هي لام الخفض التي تعمل في الأسماء، ولكنّها لام تفيد الشّرط

وتشتمل على معنى كي، فإذا أتت كي مع اللام فالنصب للام، وكي مؤكّدة لها، وإذا انفردت كي فالعمل لها، وإن جاءت أن مظهرة بعد كي فهو جائز عند الكوفيين، وصحيح عندهم أن يقال: جئت لكي أن أكرمك، ولا موضع ل " أن " لأنّها تؤكد اللام كما أكّدتها كي، واحتجّوا بقول الشاعر: أردت لكي ما أن تطير بقربتي … فتتركها شنّا ببيداء بلقع 1 وأجازوا ظهورها بعد حتى كظهورها بعد كي، والنصب عندهم ب (حتى) كالنصب بأن وكي ولا ضمير بعدها.
وقالوا: إن قيل لأسيرنّ حتى أن أصبح بالقادسيّة؛ فهو جائز، والنصب ب (حتّى)، وأن توكيد ل " حتى " كما كانت توكيدا لكي.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب قولا خالف فيه أصحابه ولم يوافق البصريين، قال: في جئت لأكرمك، وسرت حتى أصبح بالقادسية، وقصدتك كي أكرمك.
إنّ المستقبل منصوب بكي ولام كي وحتّى لقيامهنّ مقام أن.
ومما احتجّ به الكوفيون أنّهم قالوا: لو كانت اللام الداخلة على الفعل هي اللام الخافضة لجاز أن تقول: أمرت بتكرم، على معنى أمرت بأن تكرم؛ فالجواب عن هذا أنّ حروف الجرّ لا تتساوى في ذلك، واللام تدخل على المصادر التي هي أعراض الفاعلين في أفعالهم، وهي شاملة يحسن أن تسأل عن كل فعل، فيقال: لم فعلت؛ لأن لكلّ فاعل غرضا في فعله، وباللام يخبر عنه ويسأل عنه، وحتّى وكي في ذلك المعنى.
ألا ترى أنك تقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني، وحتى يعطيني، ومعناها كلّها واحد، وقد يخفّف ما يكثر في كلامهم ويحذف منه أكثر الخبر، وممّا يحذف ما لم يكثر، وهم يحتجّون في الحذف والتّخفيف بالكثرة، كحذف لام الأمر وتاء المخاطب في أمر المواجه عندهم نحو: قم واذهب، والأصل لتقم ولتذهب، وأيش عندك، والأصل أي شيء عندك، ولم يكثر غير اللام في ذلك فيخفّف، وعلى أنّ هشام بن معاوية حكى عن الكسائي عن العرب: لا بدّ من يتبعها، بمعنى لا بدّ من أن يتبعها.
وأما ما ذكره الشاعر من ظهور أن بعد كي فضرورة يجوز أن يكون الشاعر ذهب بها مذهب بدل أن من كيما؛ لأنّهما بمعنى واحد، كما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه، وعلى أنّ البيت غير معروف ولا معروف قائله.

وزعم الكوفيون أنّ (مه) في (كيمه) و (حتّامه) ليست مخفوضة ولكنها منصوبة على مذهب المصدر، كقول القائل: أقوم كي تقوم، سمعه المخاطب ولم يفهم يقوم فقال: كيمه، يريد كي ماذا، والتقدير: كي يفعل ماذا، فموضع مه نصب على جهة المصدر والتشبيه به، وليس لكي في مه عمل جرّ.
قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه؛ لأنّ سقوط الألف من ما في الاستفهام إنما يكون إذا كانت ما في موضع خفض واتصل بها الخافض، وإذا كانت ما استفهاما وقعت صدر الكلام ولم تسقط منها الألف كقولك: وما تصنع، ولا يجوز وم تصنع؟ ولو كان على ما قاله الكوفيون لجاز أن تقول أن مه، ولن مه، وإذن مه، إذا لم يفهم المستفهم ما بعد هذه الحروف من الفعل؛ لأنه إنما يسأله عن مصدر، والمصدر في الأفعال بعد أن وإذن ولن، وبعد كي وحتّى واحد، ولام الجحد عند سيبويه بمنزلة لام كي في إضمار أن بعدها، وبينهما فصل في إظهار أن بعدهما، فاستحسن ظهورها بعد لام كي ولم يجز ظهورها بعد لام الجحد؛ وإنما قبح ظهورها بعد لام الحجد لأنها نقيض فعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ اسم، وهو السين وسوف، فإذا قلنا: ما كان زيد ليخرج فهو قبل الحجد: كان زيد سوف يخرج، أو سيخرج، فإذا قلنا ما كان زيد لأن يخرج بإظهار أن فكأنّا جعلنا مقابل سوف يخرج وسيخرج اسما، فكرهوا إظهار أن لذلك.
ووجه آخر: وهو أنّ تقديره عندهم: ما كان زيد مقدّرا الآن يخرج، أو مستعدّا، أو هامّا، أو عازما، أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب المستقبل من الفعل، وأن توجب الاستقبال، فاستغني بما تضمّن الكلام من تقدير الاستقبال من ذكر أن، وأمثّل هذا بما يكشفه؛ يقول القائل: عبد الله عمّي، فيقال له: ما كان عبد الله عمّك، ويقول القائل: عبد الله يصوم ويصلّي، فيقال: ما كان عبد الله يصوم ويصلّي، بغير لام، ويقول القائل: عبد الله يهمّ أن يقوم، ويريد أن يقوم، فيقال له: ما كان عبد الله ليقوم، ومنه قوله عز وجل: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33].
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [التوبة: 115]. كأنّ قائلا قال: هل الله يريد أن يعذّبهم؟ وهل الله يريد أن يضلّ قوما بعد إذ هداهم؟ فجعلت اللام علما لهذا المعنى.
وقد فرّع أصحابنا على هذا مسائل؛ يقال: لم تركت زيدا وكان سيعطيك، ولو لم تلزمه كان أن يسعفك، ونحوه: كان عبد الله على أن يأتيك، وكان يقدّر أن يكرمك مكان لن يكرمك، كلّ هذا جيد بالغ مقيس، وبنيت هذه المسائل على تقدير ما كان

يقال لزيد ويخبر به عنه في تلك الحال.
وقال الكوفيون: لام الجحد هي العاملة بنفسها، وأجازوا تقديم المفعول كقولك: ما كنت زيدا لأضرب، وأنشدوا: لقد عذلتني أمّ ولم أكن … مقالتها ما كنت حيّا لأسمعا (1) وهذا يحمل على إضمار فعل كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، وبيّن ما أضمر بقوله لأسمعا، كما قال: وإنّى امرؤ من عصبة خندفيّة … أبت للأعادي أن تديخ رقابها (2) فاللام في الأعادي لا تكون في صلة تديخ، فيقدّر فعل قبله تقديره: أبت أن تديخ رقابها للأعادي.
وباقي الباب مفهوم، أو ممّا ذكر تفسيره في غير هذا الباب.

هذا باب ما يعمل في الأفعال فيجزمها

قال سيبويه: " وذلك لم، ولمّا، واللام التي في الأمر، وذلك قولك: ليفعل، ولا التي للنّهي، وذلك قولك: لا تفعل؛ وإنما هو بمنزلة لم.
واعلم أنّ اللام ولا في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي، وذلك قولك: لا يقطع الله يمينك، وليجزك الله خيرا.
واعلم أنّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة، كأنهم شبّهوها بأن إذا عملت مضمرة.
قال الشاعر: محمد تفد نفسك كلّ نفس … إذا ما خفت من أمر تبالا وإنما يريد: لتفد نفسك، وقال متمّم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى … لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى 3 أراد: ليبك.
واعلم أنّ حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، كما أنّ الجرّ لا يكون إلا في الأسماء.
فالجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فليس للأسماء في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجرّ نصيب، فمن ثمّ لم يضمروا الجازم.
وقد أضمره الشاعر، شبّهه12

بإضمارهم ربّ وواو القسم في كلام بعضهم.
وفي نسخة أبي بكر مبرمان وأبي محمد بن درستويه: (وأمّا يرحمك الله فإنّه رفع وإن كان دعاء، كما قالوا: غفر الله لك فجاءوا به على لفظ الخبر، وإنّما يريدون به الدعاء ". قال أبو سعيد: أمّا حذف اللام من لتفد نفسك فإنّ أبا العباس المبرّد ينكر البيت ويزعم أنه باطل، وأجاز البيت الثاني، وعطف (أو يبك من بكى) على معنى فاخمشي، وقدّره مجزوما باللام، فكأنّه قال: فلتخمشي أو يبك من بكى، ومثله قول الآخر، الحطيئة: فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى … لصوت أن ينادي داعيان 1 كأنه قال: فقلت لتدعي وأدع، وقد روي: وأدعو إنّ أندى على الجواب بالواو، وليس فيه شاهد.
وقد ذكر أبو بكر مبرمان عن أبي علي عسل بن ذكوان عن أبي عثمان المازني أنّ الشاعر يجوز أن يكون أراد تفدي نفسك على الخبر، ولكنّه حذف الياء كما حذفوا من: دوامي الأيد، يريدون الأيدي.
قال أبو سعيد: وأجود من هذا الاستشهاد خطّ المصحف، وقراءة من قرأ: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا [الكهف: 64].
ولمّا معناها معنى لم، وجزمها كجزمها، وهي تزيد على لم بتطويل زمان، كما يقول القائل: ندم زيد ولم تنفعه الندامة، أي: وما نفعته الندامة عقيب ندمه وإذا قال: ولمّا تنفهه النّدامة، أي إلى وقته، وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 214] دلّت لمّا على طول وقت الإتيان، ومنه قول الشاعر: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل … وإلا فأدركني ولمّا أمزّق 2 وما بين لم ولمّا كما بين فعل وقد فعل؛ فلم نفي فعل كقولك: جاء زيد، فيقول الرّادّ: لم يجيء زيد، ويقول القائل: جاء زيد وقد اغتمّ، فيقول: جاء زيد ولمّا يغتمّ، وهما في

موضع الحال من زيد، ولو قال: جاء زيد ولم يغتمّ لم يحسن كحسن ولمّا يغتمّ.
ومن أجل طول زمان قد ولمّا جاز حذف الفعل منهما كقولك: ندم فلان وقد نفعته الندامة، وندم غيره ولمّا تنفعه النّدامة، وتقول في قد: أزف الشّخوص وكأن قد، قال النابغة: أزف الترحّل غير أنّ ركابنا … لمّا تزل برحالها وكأن قد (1) أي: كأن قد زالت.
وقوله: يرحمك الله وغفر الله لك، على لفظ الخبر ومعنى الدعاء؛ كما أنّ قولنا: أكرم بزيد على لفظ الأمر ومعنى الخبر.
وإنما جاز لفظ الخبر في الدعاء؛ لأنه يعلم أنّ القائل لهذا لا يعلم ما فعله الله بمن يدعو له من الرحمة وغيرها فيخبر به، فيعلم أنّ لفظ الإخبار منه على معنى الدعاء، ولا يجوز: قام زيد في معنى: ليقم زيد؛ لأنّ القائل لهذا يجوز أن يعلمه فيخبر به.

هذا باب وجه دخول الرّفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء

قال سيبويه: " اعلم أنّها إذا كانت في موضع اسم مبتدإ أو اسم مبني على مبتدإ أو في موضع اسم مرفوع غير مبتدإ ولا مبني على مبتدإ، أو في موضع اسم مجرور أو منصوب، فإنّها مرتفعة، وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرّفع فيها وعلّته.
فما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء، كما أنّ ما يعمل في الأفعال فيجزمها أو ينصبها لا يعمل في الأسماء.
وكينونتها في مواضع الأسماء ترفعها كما ترفع الاسم كينونته مبتدإ.
فأمّا ما كان في موضع المبتدإ، فقولك: يقول زيد ذاك، وأمّا ما كان في موضع المبني على المبتدإ، فقولك: زيد يقول ذاك.
وأمّا ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبني عليه فقولك: مررت برجل يقول ذاك، وهذا يوم آتيك، وهذا زيد يقول ذاك، وهذا رجل يقول ذاك، وحسبته ينطلق.
وهكذا هذا وما أشبهه.
ومن ذلك أيضا: هلا يقول زيد ذاك، فيقول في موضع ابتداء، وهلا لا تعمل في1

اسم ولا فعل، فكأنّك قلت: يقول زيد ذاك، إلا أنّ من الحروف ما لا يدخل إلا على الأفعال التي في مواضع الأسماء المبتدأة، ويكون الحرف أولا قبل الأفعال، وسنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى وقد بيّن فيما مضى.
ومن ذلك أيضا قولهم: ائتني بعد ما يفرغ زيد، وما ويفرغ بمنزلة الفراغ، ويفرغ صلة وهي مبتدإة، وهي بمنزلتها في الذي إذا قلت بعد الذي يفرغ، فيفرغ في موضع مبتدإ؛ لأنّ الذي لا يعمل في شيء، والأسماء بعده مبتدأة.
ومن زعم أنّ الأفعال ترتفع بالابتداء فإنه ينبغي له أن ينصبها إذا كانت في موضع ينتصب فيه الاسم، ويجرّها إذا كانت في موضع ينجرّ الاسم فيه، ولكنّها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم.
ومن ذلك أيضا قولك: كدت أفعل ذاك، وكدت تفرغ، وكدت: فعلت، وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها، وأفعل هاهنا بمنزلتها في كنت، إلا أنّ الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها.
ومثل ذلك: عيسى يفعل ذلك، فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم، كأنّك قلت: كدت فاعلا، ثم وضعت أفعل في موضع فاعل.
ونظير هذا في العربية كثير، وسترى ذلك.
إن شاء الله.
ألا ترى أنك تقول: بلغني أنّ زيدا جاء، ف (أنّ) زيدا جاء كلّه اسم.
ويقولون: لو أنّ زيدا جاء لكان كذا، فمعناه: لو مجيء زيد، ولا يقال: لو مجيء زيد.
وتقول في التعجّب: ما أحسن زيدا، ولا يكون الاسم في موضع ذا، فتقول: ما محسن زيدا، ومنه: قد جعل يقول ذاك، كأنك قلت: صار يقول ذاك، فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء.
وكأنّهم إنّما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء أنّ معناها ومعنى نحوها تدخله أن، نحو قولهم: خليق أن يقول، وقارب أن يفعل.
ويضطرّ الشاعر فيقول: كدت أن أفعل، فلمّا كان المعني فيهنّ ذلك تركوا الأسماء؛ لئلا يكون ما هذا معناه كغيره، وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت؛ لأنه فعل مثله.
وكدت أن أفعل لا يجوز إلا في شعر؛ لأنه مثل كان في قولك: كان فاعلا ويكون فاعلا.
وكأن معنى جعل يقول، وأخذ يقول، قد آثر أن يقول ونحوه، فمن ثمّ منع

الأسماء؛ لأنّ معناها معنى ما لا يستعمل بأن، فتركوا الفعل حين خزلوا أن، ولم يستعملوا الاسم لئلا ينقضوا هذا المعنى ". قال أبو سعيد: يعني لئلا ينقضوا مقاربة الحال، ومعنى تركوا الفعل أي بقّوه ولم يحذفوه.
قال أبو سعيد: قد ذكرت من مذهب سيبويه أنّ رفع الفعل بوقوعه موقع الاسم، وهذا سبب رفعه.
ووقوعه موقع الاسم عامل غير لفظي، ومنزلته منزلة الابتداء في أنه عامل غير لفظي لا في أنّه يرتفع بالابتداء، والفعل مرفوع سواء كان الاسم الذي وقع الفعل موقعه مرفوعا أو منصوبا أو مخفوضا؛ لأن وقوعه هذا الموقع هو الرافع له.
ولو كان إعراب الفعل يتبع إعراب الاسم الذي وقع موقعه صار عامل الاسم عامله، وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل، وعامل الفعل لا يعمل في الاسم.
ورأي سيبويه أفعالا ترتفع في مواضع لا يقع فيها الاسم فبيّن أنّ تلك المواضع في الأصل تقع فيها الأسماء، وأنه عرض فيها معان اختاروا من أجلها لزوم الفعل وترك الأصل، فمن تلك المواضع: هلا يقول زيد ذاك، والأصل زيد يقول ذاك، ثم قال قائل: لا يقول زيد ذاك، فينفي يقول، فيحضّض السامع على القول، فيجعل مكان لا هلا، ولمّا كانت هلا وأخواتها للتحضيض ومعناهنّ معنى الأمر ذكر الفعل لئلا يزول معنى التحضيض والأمر، والموضع موضع ابتداء.
ومثل ذلك: ما أحسن زيدا، ما مبتدأة، وأحسن فعل ماض في موضع خبر المبتدإ، وخبر المبتدإ في تقدير اسم؛ لأنه شيء هو المبتدأ، ونحن لا نقول: ما محسن زيدا؛ لأنّ أحسن فعل ماض يدلّ لفظه على استقرار الحسن فيه الذي باستقراره فيه يستحقّ التعجّب، ومحسن لا يدلّ على ذلك، وكذلك لو أن زيدا جاء لكان كذا، معناه: لو مجيء زيد، ولا يستعمل مجيء؛ لأنّ لو تجري مجري إن في الشرط والجواب، فاحتيج في شرطه إلى ذكر فعل يلزمه الشرط كلزومه في إن.
وقوله: ائتني بعد ما يفرغ، ما موصولة ب (يفرغ) ويجوز وصلها بالابتداء والخبر كقولك: ائتني بعد ما زيد أمير، وتكون ما وما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، ك (أن) وما بعدها؛ غير أنّ أن تختصّ بالفعل فلذلك نصبته، وما يليها الاسم المبتدأ والخبر، ويليها الفعل، فلذلك لم تنصب الفعل.
وإنما مثّلها سيبويه بالذي في أنّها لا تعمل شيئا كما لا تعمل الذي، وأمّا كدت أفعل ونحو ذلك مما يلزم فيه الفعل فالأصل

فيه الاسم، وإنّما ألزموا فيه الفعل لأنّه أريد به الدلالة بصيغة الفعل على زمانه أو مداناته وقرب الالتباس به ومواقعته، فإذا قلت: كدت أفعل كذا، فلست بمخبر أنّك فعلته ولا أنّك عريت منه عري من لم يرمه، ولكنّك رمته وتعاطيت أسبابه حتى لم يبق بينك وبينه شيء إلا مواقعته، فإذا قلت: كدت أفعله فكأنّ أفعله حدّ انتهيت إليه ولن تدخل فيه، فكأنك قلت: كنت مقاربا لفعله وعلى حدّ فعله، ولفظ كدت أفعل أدلّ على حقيقة المعنى وأحضر في اللفظ، ومثله: عسي زيد أن يقوم، ومعناه: عسي زيد القيام؛ لأنّ القيام لا يدلّ على زمان محصّل، فلزموا الفعل الذي يدلّ على الزمان بعينه، وإذا قلت: عسي زيد يقوم- بإسقاط أن- جاز، ويقوم في موضع قائم، ولذلك قيل: (عسي الغوير أبؤسا)، وعسي زيد يفعل، إنّما تريد عسي زيد يفعل فيما يستقبل، وكاد زيد يفعل إنّما يقال لمن هو على حدّ الفعل وليس فيه مهلة، فلمّا كانت كذلك صارت للحال، وكاد وعسي وجعل ونحو ذلك سيعود عليك ذكره في موضعه من أبواب أن أبسط من هذا وأكثر شرحا إن شاء الله.

هذا باب إذن

قال سيبويه: اعلم أنّ إذن إذا كانت جوابا وكانت مبتدأة عملت في الفعل عمل أرى في الاسم إذا كانت مبتدأة.
وذلك قولك: إذن أجيئك، وإذن آتيك.
ومن ذلك أيضا قولك: إذن والله أجيئك.
والقسم هاهنا بمنزلته في أرى إذا قلت: أري والله زيدا فاعلا.
ولا تفصل بين شيء ممّا ينصب الفعل وبين الفعل سوى (إذن)؛ لأنّ إذن أشبهت أري، وهي في الأفعال بمنزلتها في الاسم، وهي تلغي وتقدّم وتؤخّر، فلمّا تصرّفت هذا التّصرف اجترءوا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين.
ولم يفصلوا بين أن وأخواتها وبين الفعل كراهة أن يشبّهوها بما يعمل في الأسماء، نحو: ضربت وقتلت؛ لأنّها لا تصرّف تصرّف الأفعال، ولا تكون إلا في أوّل الكلام لازمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك؛ لأنّه حرف جامد.
واعلم أن إذن إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل فإنك فيها بالخيار: إن شئت أعملتها كإعمال أري وحسبت إذا كانت واحدة منهما بين اسمين؛ وذلك قولك زيدا حسبت أخاك.
وإن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت: زيد حسبت أخوك.

فأمّا الاستعمال فقولك: فإذن آتيك، وإذن أكرمك.
وبلغنا أنّ هذا الحرف في بعض المصاحف وإذن لا يلبثوا خلفك إلا قليلا وسمعنا بعض العرب قرأها فقال: وإذن لا يلبثوا.
وأمّا الإلغاء فقولك: فإذن لا أجيئك.
وقال تعالى: فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً [النساء: 53].
واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفعل وبين شيء الفعل معتمد عليه فإنّها ملغاة لا تنصب البتّة، كما لا تنصب أري إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: كان أري زيد ذاهبا، وكما لا تعمل في قولك: إنّي أري ذاهب.
فإذن لا تصل في هذا الموضع إلى أن تنصب، فهذا تفسير الخليل.
وذلك قولك: أنا إذن آتيك، هي هاهنا بمنزلة أري حيث لا تكون إلا ملغاة.
ومن ذلك أيضا: إن تأتني إذن آتك؛ لأن الفعل هاهنا معتمد على ما قبل إذن.
وليس هذا كقول ابن عنمة الضبي: اردد حمارك لا تنزع سويّته … إذن يرد وقيد العير مكروب 1 من قبل أنّ هذا منقطع من الكلام الأوّل وليس معتمدا على ما قبله؛ لأنّ ما قبله مستغن.
ومن ذلك أيضا: والله إذن لا أفعل، من قبل أنّ أفعل معتمد على اليمين، وإذن لغو.
وليس الكلام هنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوّله؛ لأنّ اليمين هاهنا الغالبة.
ألا تري أنك تقول إذا كانت مبتدأة: إذن والله لا أفعل؛ لأنّ الكلام على إذن وو الله لا يعمل شيئا.
ولو قلت: والله إذن أفعل، تريد أن تخبر أنّك فاعل، لم يجز، كما لا يجوز: والله أذهب، إذا أخبرت أنّك فاعل.
فقبح هذا يدلّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين، وقال كثير عزّة:

لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها … وأمكنني منها إذن لا أقيلها 1 وتقول: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، إذا جعلت الكلام على أوله، ولم تقطعه، وعطفته على الأول.
وإن جعلته مستقبلا نصبت، وإن شئت رفعته على قول من ألغي.
وهذا قول يونس، وهو حسن؛ لأنّك إذا قطعته من الأول فهو بمنزلة قولك: فإذن أفعل، إذا كنت مجيبا رجلا.
وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، لا يكون إلا هذا؛ من قبل أنّ إذن الآن بمنزلة إنّما وهل.
كأنّك قلت: إنّما عبد الله يقول ذاك.
ولو جعلت إذن هاهنا بمنزلة كي وأن لم يحسن؛ من قبل أنه لا يجوز لك أن تقول: كي زيد يقول ذاك، ولا أن زيد يقول ذاك.
فلمّا قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنّما وأشبههما.
وزعم عيسى بن عمر أنّ ناسا من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك، في الجواب.
فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدنّ ذا ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل.
وتقول إذا حدّثت بالحديث: إذن أظنّه فاعلا، وإذن إخالك؛ وذلك لأنك تخبر أنّك تلك السّاعة في حال ظنّ وخيلة، فخرجت من باب أن وكي؛ لأنّ الفعل بعدهما غير واقع، وليس في حال حديثك فعل ثابت.
ولمّا لم يجز ذا في أخواتها التي تشبّه بها جعلت بمنزلة إنّما.
ولو قلت: إذن أظنّك، تريد أن تخبره أنّ ظنّك سيقع لنصبت، وكذلك إذا يضربك، إذا أخبرت أنّه في حال ضرب لم ينقطع.
وقد ذكر لي بعضهم أنّ الخليل قال: أن مضمرة بعد إذن.
ولو كانت مما يضمر بعده أن لكانت بمنزلة اللام وحتّى، ولأضمرتها إذا قلت: عبد الله إذن يأتيك، فكان ينبغي أن تنصب إذن يأتيك؛ لأن المعنى واحد، ولم يغيرّ فيه المعنى الذي كان في قوله: إذن يأتيك عبد الله، كما يتغيّر المعنى في حتى في الرفع والنصب فهذا ما رووا، وأمّا ما سمعت منه فالأوّل.
قال أبو سعيد: إذن إذا وقف عليها فعامّة النّحويّين المتقدمين يرون الوقف عليها بالألف، وليست باسم منصوب منوّن، ولا بفعل لحقته النون الخفيفة وقبلها فتحة، وإنّما

فعلوا ذلك؛ لأنّها قد تصرّفت فأعملت وألغيت، ووقعت لما لم يأت، ولما هو في الحال، وتقدمت وتوسّطت وتأخّرت، فلما كثر تصرّفها وانفتح ما قبل نونها ضارعوا بها التنوين والنون الخفيفة في الفعل إذا انفتح ما قبلها.
وذكر أبو بكر مبرمان عن عسل بن ذكوان قال: الناس إذا وقفوا على إذن وقفوا بألف، والمازني لا يري ذا، ويقول: هي حرف بمنزلة أن ولن، تقف عليها كما تقف عليهما، ويقول هي بالأدوات أشبه منها بالأسماء لأنها تعمل عمل الأدوات.
وأبو العباس المبرّد يحكي الوقف عليها بالألف، ويرى أن لو وقفوا عليها بالنون كان جيدا على الأصل في مثلها من الحروف.
وقد اختلف القول في نصب إذن، فقال سيبويه: هي الناصبة العاملة، وذكر أنّ ذلك الذي سمعه هو من الخليل، وذكر عن غيره عن الخليل أنّ أن بعدها مضمرة، واحتجّ عليه بما ذكره في آخر الباب.
وكان أبو إسحاق الزّجّاج يذهب إلى أنّ أن بعد إذن مضمرة، ويستدلّ على ذلك أنّ إذن لا تعمل شيئا أنها متى كانت للحال لم تعمل.
قال أبو سعيد: وهذا لا يبطل عملها لأنّا قد رأينا ما يعمل في حال ويبطل عمله في أخرى، كقولنا: ما زيد قائما، في لغة أهل الحجاز، فإذا تقدم الخبر أو دخل حرف الاستثناء بطل عملها، وقد دخل في إذن أشدّ من ذلك؛ لأنّها إذا وقعت على الحال فليس ذلك في شيء من نواصب الفعل، وهي في نفسها قد تلغى، وكان ذلك من أقوي أسباب الإلغاء، وتقديم خبر ما ودخول الاستثناء ليس مما يعدم في ليس، وقد أبطل عمل ما المشبّهة بليس.
قال أبو سعيد: وإنّما جاز إلغاء إذن لأنّها جواب يكفي من بعض كلام المتكلم، كما يكفي لا ونعم من كلامه، يقول القائل: إن تزرني أزرك، فيجاب: إذن أزورك، والمعنى: إن تزرني أزرك، فنابت إذن عن الشّرط، وكفت من ذكره، كما يقول: أزيد في الدار؟ فيقال له: نعم أولا، وتكفي نعم من قوله: زيد في الدار، ولا من قوله: ما زيد في الدار، فلمّا كانت إذن جوابا قويت في الابتداء؛ لأن الجواب لا يتقدّمه كلام، ولمّا وسّطت وأخرّت زايلها مذهب الجواب فبطل عملها، وإنّما جاز في الفاء والواو الإعمال والإلغاء لأنّهما للعطف، وقد يجوز عطف جملة على جملة ليس بينهما علقة كقولك: قام زيد ببغداد، وخرج عمرو من البصرة إلى الصّين، وليس بين الجملتين تعلّق، ويجوز أن يكون عطف شيء ليس بجملة على ما قبله، فإذا أعملت إذن وقبلها واو أو فاء فهما لعطف

جملة على جملة، أوّل الجملة الثانية إذن، فوجب أن تكون عاملة لأنّها ابتداء، كقولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، استأنفت إذن أكرمك فجعلته أول الجملة الثانية، وإذا جعلت أكرمك معطوفة على آتك صارت من الجملة الأولى؛ لأنّها داخلة في جواب إن تأتني بالعطف على آتك فجزمته؛ لأنّ إذن صارت غير مبتدأة فلم تعمل.
ويجوز رفعه بإلغاء إذن على أنه داخل في الجملة الأولى في التقدير، كأنّه قال: إن تأتي آتك فقال: وأكرمك إذن، وتكون أكرمك في جملة الجواب الأول، كأنه قال: إن تأتني آتك فقال له: وأكرمك إذن، وتقدّم إذن على هذه النية، وسنرى رفع الفعل المرفوع بعد المجزوم في جواب الشّرط.
وأمّا الرفع في قول كثير: (إذن لا أقيلها)؛ فلأنّ الكلام مبني على يمين، وهو جواب لئن، وتقديره: والله لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها لا أقيلها، وعبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك، وقد تقدّم قبل هذا بيت فيه ذكر ما يعود هذا الضّمير إليه، وللنحويين فيه كلام وهو: وإنّ ابن ليلى فاه لي بمقالة … ولو سرت فيها كنت ممّن ينيلها (1) الضّمير في قوله: عاد لي بمثلها، أراد: بمثل المقالة المذكورة في هذا البيت، والمعنى: ممن ينيلهوها، والعائد إلى من هو ضمير المذكّر المنصوب المحذوف، وضمير المؤنث للمقالة، وفي ينيلها ضمير فاعل لابن ليلى، والمعنى: ينيله ابن ليلى إياها، ومعنى لو سرت فيها: لو سرت في طلبها، وما قدّر في ينيلهوها على مذهب سيبويه في اتصال ضمير الغائب بضمير غائب مثله على نحو قول الشاعر: قد جعلت نفسي تطيب لضغمة … لضغمهما ها يقرع العظم نابها (2) فإن قيل: كيف ينيله المقالة؟ فإن المعنى: ينيله المقولة، هي فيه كقولنا: الخلق في معنى المخلوق، وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه، وممّا مرّ من شرحنا.

هذا باب حتّى

قال سيبويه: " اعلم أنّ حتى تنصب على وجهين: فأحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها،12

كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل هاهنا هو الجارّ في الاسم إذا كان غاية.
فالفعل إذا كان غاية منصوب، والاسم إذا كان غاية جرّ؛ وهذا قول الخليل.
وأمّا الوجه الآخر: فأن يكون السّير قد كان والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلّمته حتى يأمر لي بشيء.
واعلم أنّ حتى يرفع الفعل بعدها على وجهين: تقول: سرت حتى أدخلها، تعني أنه كان دخول متصل بالسّير كاتّصاله بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها، وأدخلها هاهنا على قولك: هو يدخل، وهو يضرب، إذا كنت تخبر أنه في عمله، وأنّ عمله لم ينقطع.
فإذا قال: حتى أدخلها فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول؛ فالدخول متّصل بالسير كاتّصاله بالفاء.
فحتّى صارت هاهنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الابتداء؛ لأنها لم تجيء على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النصب كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنّك.
وأمّا الوجه الآخر: فإنّه يكون السّير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع، أي حتى أنّي الآن أدخلها كيفما شئت.
ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عاما أوّل شيئا حتى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه، والرفع هاهنا في الوجهين جميعا كالرفع في الاسم.
قال الفرزدق: فيا عجبا حتّى كليت تسبّني … كأنّ أباها نهشل أو مجاشع 1 فحتّى هاهنا بمنزلة إذا، وإنما هي هاهنا كحرف من حروف الابتداء.
ومثل ذلك: شربت حتى يجيء البعير يجرّ بطنه، أي: حتى أنّ البعير ليجيء يجرّ بطنه.
ويدلّك على حتى أنّها حرف من حروف الابتداء أنّك تقول: حتى إنّه يفعل ذاك، كما تقول: فإذا إنّه يفعل ذاك.
ومثل ذلك قول حسّان بن ثابت الأنصاري:

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السّواد المقبل 1 ومثل ذلك: مرض حتى يمرّ به الطائر فيرحمه، وسرت حتى يعلم الله أننّي كالّ.
فالفعل هاهنا منقطع من الأوّل، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه متّصل كاتصاله بالفاء، كأنه قال: كان سير فدخول، كما قال علقمة بن عبدة: ترادى على دمن الحياض فإن تعف … فإنّ المندّى رحلة فركوب 2 لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضي، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضي، ولكنّ الآخر متصل بالأوّل، ولم يقع واحد دون الآخر.
وإذا قلت: لقد ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم، فليس كقولك: سرت فأدخلها، إذا لم ترد أن تجعل الدخول السّاعة؛ لأنّ السير والدخول جميعا وقعا فيما مضى.
وكذلك مرض حتى لا يرجونه، أي حتى إنّه الآن لا يرجونه؛ فهذا ليس متّصلا بالأول واقعا معه فيما مضى.
وليس قولنا كاتصال الفاء يعني أنّ معناه معنى الفاء، ولكنّك أردت أن تخبر أنّه متّصل بالأول، وأنّهما وقعا فيما مضى.
وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرق في أنّه بمنزلة حرف الابتداء، وأنّ المعنى واحد إلا أنّ أحد الموضعين الدخول فيه بالسّير متصل، وقد مضى السير والدخول، وإنما اتصاله في أنّه كان فيما مضى، وإلا فإنّه ليس يفارق موضعه الآخر في شيء إذا رفعت ". قال أبو سعيد: من مذهب سيبويه: أنّ حتى من الحروف الخافضة للأسماء كاللام الخافضة للأسماء، وأنّها إذا نصبت الفعل فإنما تنصبه بإضمار أن كاللام، وقال الكسائي: حتى لا تخفض، إنّما تخفض بعدها إلى مضمرة ومظهرة، فيقال: أكلت السمكة حتى إلى رأسها؛ فقد حصل بهذا أنّ حتى لا تعمل في الأسماء شيئا إذ كان الخفض بعدها بغيرها.
وقال الفرّاء وأصحابه: حتى من عوامل الأفعال مجراها مجري كي وأن، وليس عملها لازما في الأفعال إذ كان يبطل في: سرت حتى صبّحت القادسيّة، ودفعت حتى وصلت إلى الأمير، ثم لمّا صحبت إلى خفضت الأسماء لنيابتها عن إلى، وأنّها إذا عملت في

الاسم لم يكن لها معناها حين تعمل في الفعل.
وقال الكسائي في: حتى مطلع تخفضه إلى المضمرة وليس لحتّى فيه عمل.
وقال الفرّاء: حتى هي الخافضة للمطلع لمّا قام مقام إلي.
قال أبو سعيد: اعلم أنّ الحرف الواحد الذي أصل معناه واحد قد يستعمل في مواضع مختلفة، فيغلب عليه اختلاف مواضعه، فيصيّره كالحروف المختلفة حتى يعمل أعمالا مختلفة، وذلك نحو لا أصلها النفي للشيء وإبطاله، ثم استعمل في مواضع مختلفة من نهي يقابل به الأمر، ومن نفي يقابل به حروف الاستفهام، ومن دخول على مبتدإ وخبر وغير ذلك من مواضعه، فعملت أعمالا مختلفة من جزم ونصب ورفع، وأبطل عملها في بعض مواضعها؛ لأنّ تفرّقها في هذه المواضع المختلفة كتفرّق الحروف المختلفة اللّفظ والمعنى.
ومن ذلك اللام المكسورة؛ لفظها واحد ومواضعها مختلفة، فجزمت الفعل وخفضت الاسم، ولا خلاف بين النّحويين فيما ذكرناه، وإنما يختلفون بعد ذلك في حروف تظهر لها أعمال، فلا يحقّقون تلك الأعمال لها، ويطلبون حروفا أخر يدّعون إضمارها لتلك الأعمال، وإبطال عمل هذا الظاهر عنها، وربّما جعلوا بعضها بدلا من شيء آخر، فمن ذلك ما يمكن تصحيحه ويقرب مأخذه، ومنه ما يبعد، وأنا أذكر منه ما أحوجنا إليه هذا الباب واللفظ الذي شرعنا فيه منه، وأذكر نحوه الذي يقتضيه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فممّا يقرب تصحيحه قول سيبويه في حتى: إذا نصبت الفعل أنّها تنصبه بإضمار أن، وذلك أنّ حتى على مذهبه من حروف الجر؛ لأنّ ما بعدها في الاسم مخفوض إذا كانت غاية، وذلك قولك: خرج القوم حتى زيد.
فإن قال قائل من أصحاب الكسائي: هلا أضمرتم بعد حتى إلى، وخفضتم زيدا به، كما حكينا عن الكسائي.
قيل: لا يجوز ذلك لبعده في التقدير، وإبطال معنى حتى، وذلك أنّ موضوع حتى في الأسماء أن يكون الاسم الذي بعدها من جملة ما قبلها، وأنّ حتى اختصّت به من بين الجملة؛ لأنه يستبعد فيه الفعل أكثر من استبعاده في سائر الجملة، كقولنا: قاتل زيد السباع حتى الأسد؛ لأن قتاله للأسد أبعد من قتاله لغيره، وكذلك تقول: استجرأ على الأمير جنده حتى الضعيف الذي لا سلاح له؛ لأنّ استجراء الضعيف الذي لا سلاح له أبعد في النفوس من استجراء غيره من الجند؛ فلو جعلنا مكان حتى إلى فقلنا: استجرأ على الأمير

جنده إلى الضعيف، ما جاز ولا أدّى عن معنى حتى، فإن قدّرناه بقولنا: استجرأ على الأمير جنده حتى انتهى استجراؤهم إلى الضعيف الذي لا سلاح له كان ذلك بزيادة كثيرة، وكانت إلى في صلة انتهى لا في صلة حتى، والذي ذكره الكسائي من إضمار ذكر إلى بعد حتى شيء منكر لا يعرف، وإذا جعلنا الخفض بنفس حتى على مذهب سيبويه فلا يخرج ذلك عن قياس النحو، وعن المتناولات العربية، وذلك أنّ حتى قد يليها المخفوض في حال، ويكون ما بعدها غير مخفوض في حال، ولها نظائر مما تخفض في حال ويبطل خفضها في حال نحو: منذ، ومذ، وخلا، وحاشى في الاستثناء، فظهور الخفض بعدها إذا لم يقم برهان على إضمار حرف خافض يوجب أنّها هي الخافضة، كما أنّ هذه الحروف هي الخافضة، ويدلّ على أنّها هي الخافضة قولهم: حتّام وحتّامه، وإلام وإلامه، وأصلها: حتى ما، وما للاستفهام ولا تسقط عنها الألف إلا أن يدخل عليها خافض، فعلم بذلك أنّ حتى خافضة.
فلمّا كانت خافضة في الاسم إذا كانت غاية، ثم رأيناها تدخل على الفعل في معنى الغاية، جعلنا السّبيل فيهما واحدا، وبقّيناها على خفضها، وأحوجنا ما وجب لها من عمل الخفض أن نجعل ما عملت فيه اسما، ولا يكون الفعل اسما إلا بأن يقرب به أن؛ لأنّها والفعل بمنزلة المصدر، وإذا قدرناه لم يبعد تقديره؛ لأنّا لو قلنا لرجل: أقم حتى يقدم زيد، وقف حتى تطلع الشمس، فحتى هي للغاية، وإذا جئنا ب (إلى) التي هي للغاية كحتى وإن كانت تخالفها في معنى آخر قلنا: أقم إلى أن يقدم زيد، وقف إلى أن تطلع الشّمس؛ فموقع إلى موقع حتّى، ولا يجتمعان؛ لأن إحداهما تغني عن الأخرى.
ويدلّك على أنّ حتى في موضع إلى في هذا الموضع أنّك تقول: أقم إلى قدوم زيد، وأقم حتى قدوم زيد، كما قال عز وجل: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وهذا أحد وجهي نصب الفعل بحتّي وهو الغاية، ولم يذكروا بعد حتى أن كما ذكروها بعد إلى؛ لأنّ إلى لا تدخل إلا على الأسماء ولا يبطل الخفض بها ولا يقدّر إلغاؤه فيها.
وحتى يبطل عملها في أحوال؛ فتدخل على الأسماء بمعنى حروف العطف في قولك: رأيت القوم حتى زيدا، وجاءني القوم حتى زيد، وتدخل على الأفعال فتنصبها على غير وجه الغاية، وتدخل عليها العوامل ولا تعمل شيئا، وتكون كحروف الابتداء نحو: الواو والفاء، فلمّا كانت كذلك ألزموا إلى أن؛ لتظهر اسمية ما دخلت عليه، وقوّة لزومها الخفض، ومن أجل ذلك أيضا حسن ظهور أن بعد اللام المكسورة، ولا يحسن ظهورها بعد حتّى، وقد ذكرنا حسن سقوط أن بعد اللام والفرق بينها وبين غيرها من

حروف الجرّ.
والوجه الثاني من وجهي النصب بحتى تكون فيه أيضا حرف خفض؛ لأنّه يحسن فيه أن تقول: حتّامه، وقد مضي الكلام في نحوه.
وأما وجها رفع الفعل بعد حتى فأصلهما وجه واحد في المعنى، وذلك أن يكون ما قبلها موجبا لما بعدها، ولكن ما يوجبه ما قبلها فقد يجوز أن يكون عقيبا له ومتّصلا به، وقد يجوز أن لا يكون متصلا به ولكن يكون موطّأ مسهّلا بالفعل الأول، متى اختاره صاحبه أوقعه، وقد وطيء له ومكّن منه.
ومن هذا قوله: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع؛ لأن السّير مكّن له أن يدخلها كيف شاء في المستقبل، وكذلك: رأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء؛ لأن الذي رأى منه العام الأول هو الذي أصاره في عامه إلى الضّعف عن كلامه، وسائره محمول على مثل ما ذكرناه، وحتى في رفع الفعل بمنزلة الواو، والفاء، وإذا، وإنما، وسائر حروف الابتداء التي يرتفع الفعل بعدها، وسبيلها في بطلان عملها عن الفعل كسبيلها في بطلان عملها عن الاسم إذا قيل: رأيت القوم حتى زيدا، وجاءني القوم حتى زيد، ومعناها في الفعل في وجهي النصب الغاية ومعنى كي، وفي وجهي الرفع أن يكون الفعل الذي قبلها يوجب الفعل الذي بعدها ويوطئه.
وأمّا قول سيبويه في الفعل المرفوع فيما مضي إذا قلت: سرت حتى أدخلها، كأنه قال: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء، فإنّما أراد أن يشبّه كون الفعل فيما مضى مع حتى بكونها مع الفاء فيما مضى، ولم يرد أن يوجب أنّ عمل حتى ومعناها كعمل الفاء ومعناها؛ لأنّ الفاء لا يوجب أنّ ما بعدها أوجبه ما قبلها؛ لو قال: خرجت فإذا زيد قائم لم يكن قيام زيد من أجل خروجك.
وحتى هذه التي يرتفع الفعل بعدها يجوز أن يقع بعدها مبتدأ وخبر، وتقع إنّ بعدها مكسورة كقولك: مرض حتى إنّه الآن لا يرجونه، وأنس زيد بالأمير حتى هو يدخل عليه بغير إذن، ووادّ زيد أخاك حتى أهلهما يتوادّون.

هذا باب الرفع فيما اتصل بالأول كاتصاله بالفاء وما انتصب لأنه غاية

قال سيبويه: تقول: سرت حتى أدخلها، وقد سرت حتى أدخلها سواء، وكذلك: إني سرت حتى أدخلها، فيما زعم الخليل.

فإن جعلت الدخول في كل ذي غاية نصبت.
وتقول: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى زيدا سار حتى يدخلها؛ ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن المتكلم ليس بمتيقن، فإنه يدخل عليه: سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري، ويدخل عليه: عبد الله سار حتى يدخلها أرى.
فإن قال: لأني لم أعمل (أرى)، فهو يزعم أنه ينصب الفعل ب (أرى) وإن جعلت الدخول غاية، نصبت في ذا كله.
وتقول: كنت سرت حتى أدخلها، إذا لم تجعل الدخول غاية.
وليس بين (كنت وسرت) وبين (سرت مرة في الزمان الأول) حتى أدخلها شيء؛ وإنما ذا قول كان النحويون يقولونه ويأخذونه بوجه ضعيف، يقولون: إذا لم يجز القلب فيه، فيدخل عليهم (قد سرت حتى أدخلها) أن ينصبوا، وليس في الدنيا عربي يرفع (سرت حتى أدخلها) إلا وهو يرفع إذا قال: قد سرت.
وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى أدخلها، إن جعلت الدخول غاية؛ وكذلك ما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، لأن معنى هذا معنى سرت قليلا حتى أدخلها، فإن جعلت الدخول غاية نصبت.
ومما يكون فيه الرفع شيء ينصبه بعض الناس لقبح القلب، وذلك: ربما سرت حتى أدخلها، ونحو هذا؛ فإن احتجوا بأنه غير سير واحد فكيف يقولون إذا قلت: سرت غير مرة حتى أدخلها.
وسألنا من يرفع في قوله: سرت حتى أدخلها، فرفع في (ربما)، ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في (قد).
ويقولون: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها، وقلما سرت حتى أدخلها، إذا أردت أن تخبر أنك سرت قليلا وعنيت سيرا واحدا، وإن شئت نصبت على الغاية.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت سيرا واحدا، أو عنيت غير سير، لأنك قد تنفي الكثير من السير الواحد، كما تنفيه من غير سير.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، وكذلك أقلّ ما سرت حتى أدخلها، من قبل أنّ (أقل ما) نفي لقوله (كثر ما) كما أن (ما سرت) نفي لقوله (سرت)؛ إلا أنه قبيح أن تقول: قلّ ما سرت فأدخلها، كما يقبح في (ما سرت) إذا أردت معنى: فإذا أنا أدخل.

وتقول: قل ما سرت فأدخلها، فتنصب بالفاء هاهنا كما تنصب في (ما) و (لا يكون) كثر ما سرت فأدخلها، لأنه واجب؛ ويحسن أن تقول: كثر ما سرت فإذا أنا أدخل.
وتقول: إنما سرت حتى أدخلها إذا كنت محتقرا لسيرك الذي أدى إلى الدخول، ويقبح: إنما سرت حتى أدخلها، لأنه ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير كما يكون في النصب، يعني إذا احتقر السير؛ لأنك لا تجعله سيرا يؤدي إلى الدخول وأنت تستصغره، وهذا قول الخليل؛ وإن لم تجعله غاية، ولم تحتقر، رفعت.
وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، ليس إلا النصب، وذلك أن (حتى أدخلها) خبر لكان، لأن (أمس) بمنزلة (اليوم) إذا قلت: جاء في اليوم عبد الله، فاليوم صلة لهذا، وكذلك (أمس) صلة للسير؛ واعتمد في الخبر على (حتى أدخلها)، فكأنه قال: كان سيري حتى أدخلها، فحتى أدخلها غاية، أو محمول على (كي)، كأنك قلت: كي أدخلها؛ ولا يجوز أن تقول: كان سيري فأدخلها إلا وأنت تريد أن تجيء ب (كان) التي تقع بلا خبر، كقولك: قد كان الأمر، أي: قد وقع الأمر؛ فإن أردت (كان) هذه، جاز أن تقول: كان سيري أمس حتى أدخلها.
وتقول: كان سيري أمس سيرا متعبا حتى أدخلها، لأنك تقول هاهنا: فأدخلها، وفإذا أنا أدخلها، لأنك جئت لكان بخبر، وذلك قولك: سيرا متعبا.
واعلم أن ما بعد (حتى) لا يشرك الفعل الذي قبل (حتى) في موضعه كشركة الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم آتك فأقل، ولو كان ذلك لاستحال الكلام في قولك: كان سيري أمس شديدا حتى أدخل، ولكنها تجيء كما تجيء (ما) بعد إذا، وبعد حروف الابتداء.
وكذلك هي أيضا بعد (الفاء) إذا قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها، ولأنها منفصلة؛ فإنما عنينا بقولنا (الآخر متصل بالأول) أنهما وقعا فيما مضى، كما أنه إذا قال: ... … فإنّ المندّى رحلة فركوب 1 يعني أنهما وقعا في الماضي من الأزمنة، وأن الآخر كان مع فراغه من الأول.
فإن قلت: كان سيري أمس حتى أدخلها، يجعل أمس مستقرا، جاز الرفع لأنه

استغنى، فصار كسرت، لو قلت: فأدخلها حسن، ولا يحسن: كان سيري فأدخل، إلا أن تجيء خبرا لكان.
واعلم أن (أسير) بمعنى (سرت) إذا أردت بأسير معنى سرت.
واعلم أن الفعل إذا كان غير واجب، لم يكن إلا النصب، من قبل أنه إذا لم يكن واجبا، رجعت (حتى) إلى أن وكي، ولم تصر من حروف الابتداء، كما قلت: إذن أظنك، والظن غير واقع في حال حديثك.
وتقول: أيهم سار حتى يدخلها، لأنك قد زعمت أنه قد كان سير ودخول، وإنما سألت عن الفاعل.
ألا ترى أنك لو قلت: أين الذي سار حتى يدخلها وقد دخلها لكان حسنا، ولجاز هو الذي يكون لما قد وقع، لأن الفعل ثم واقع، وليس بمنزلة (قلما سرت) إذا كان نافيا لكثر ما سرت؛ ألا ترى أنه لو قال: قلما سرت فأدخلها أو حتى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبة خارجة من معنى (قلما)، لم يستقم إلا أن تقول: قلما سرت فدخلت، وحتى دخلت، كما تقول: ما سرت حتى دخلت.
فإنما ترفع بحتى في الواجب، ويكون ما بعدها مبتدأ منفصلا من الأول، كان مع الأول فيما مضى أو الآن.
وتقول: أسرت حتى تدخلها، نصبت، لأنك لم تثبت سيرا تزعم أنه قد كان معه دخول.
قال أبو سعيد: هذا الباب معتمده ذكر ما كان بعد (حتى) متصلا بما قبله، وذلك من المرفوع ما كان متصلا بما قبله، وقد أوجبه ما قبله؛ ومن المنصوب ما كان غاية، وهما يتقاربان في اشتراكهما في اتصال ما قبلهما بما بعدهما؛ فاتصال المرفوع بما قبله كاتصال ما بعد (الفاء) بما قبلها، ولذلك يمثله بالفاء لإيصال ووقوع الثاني عقيب الأول.
ووجه رفعه هو ما ذكرته لك.
وليست (حتى) المنصوب ما بعدها من الفعل هي المرفوع ما بعدها، لأن المرفوع ما بعدها ليست بعاملة، والمنصوب ما بعدها حرف خفض؛ وكل فعل كان مبناه على الإيجاب فهو مما لم يرتفع فيه الفعل بعد (حتى)، فإن اتصل به تشكك كقولك: سار عبد الله حتى يدخلها، أو سار حتى يدخلها أرى، وكذلك: سار عبد الله حتى يدخلها.
ويجوز أن يكون ما قبل (حتى) المرفوع ما بعدها من الفعل من باب أرى وأفعال الظن والمحسبة لأن القلوب تنعقد على ذلك- وإن كان فيه بعض عوارض الشك- كانعقادها على العلم واليقين، ويكون اللفظ عليه كما يكون ذلك في الخبر اليقين، وذلك قولك: أرى عبد الله سار حتى يدخلها، وكذلك: أظن عبد الله سار حتى يدخلها.

جارٍ التحميل