شرح كتاب سيبويهصفحات 440-479

باب الحروف التي لا تقدّم فيها الأسماء (على) الفعل

صفحات 440-479

قال أبو سعيد: اعلم أن " الواو " و " أم " و " الواو " و " بل " أصول وضعن مختلفة ثم يقع فيهن من المجاز والاتساع ما يتداخلن فيه.
فيستعمل الحرفين منهن في معنى واحد.
فمن ذلك: اجتماع " الواو " و " أو " في قوله: " خذه بما عز أو هان " و " خذ بما عز وهان " ولا فرق بينهما في المعنى.
وكل واحدة منهما تجزئ عن أختها فيما يراد ويقصد.
فأما من قال " بأو " فمعناه: خذه بأحد هذين أما العزيز وأما الهين، ولا يفوتنك بحال.
وأما من قال: " بما عز وهان " بالواو فمعناه: بالعزيز والهين.
وليس قصده وغرضه أن نأخذ بهما في حال ولا حالين.
وإنما معناه: خذه بما بذله لك من العزيز والهين كما تقول: خذه بالشدة والرخاء واستصلحه بالرفق والعنف والتوسعة والضيق.
ومعناه: خذه بما صلح به من هذين الشيئين.
ومثله: " كل حق له سميناه له أو لم نسمه ". و " كل حق له علمناه أو جهلناه ". على معنى: وكل حق له بإحدى هاتين الصفتين أما مسمى وأما غير مسمى.
وتكون على وجهين:

على أنه صفة للحق وعلى أنه حال.

فأما الصفة فتقديره: " كل حق له مذكور وغير مذكور " وأما الحال فعلى معنى: " وكل حق له إن كان مسمى وإن كان غير مسمى ". كأنه قال: كل حق له كائنا ما كان.
كما تقول: لأضربنه ذهب أو مكث.
كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا.
ولأضربنه إن ذهب أو مكث.
فأما من قال " بالواو " فمعناه: كل حق له من المسمى وغير المسمى.
ومما يقع فيه " الواو " و " أو " بمعنى واحد: ما كان من التخيير بمعنى الإباحة كرجل أنكر على ولده مجالسة ذوي الزيغ والريب وأراد أن يعدل به إلى مجالسة غيرهم فقال له: " دع مجالسة أهل الريب وجالس الفقهاء والقراء وأصحاب الحديث ". أو قال له: " جالس الفقهاء والقراء أو أصحاب الحديث " فذلك كله بمعنى واحد.
لأن مفهوم الكلام أنه لا يمكنه مجالسة جميع من ذكره.
وإن كانت " بالواو " فأن المراد: أن

لا تجالس أهل الريب والقصد: جالس من شئت من الفقهاء والقراء وأصحاب الحديث.
و" أو " تؤدي هذا المعنى لأنها في التخيير كأنه قال: جالس إن شئت هؤلاء، وإن شئت فأكثر منهم وإن شئت فأجمع بينهم.
ومما تكون فيه " أم " و " أو " بمعنى واحد وإن كان أصلهما مختلفا قولهم: " اضرب زيد أولا ". و " أضربت زيدا أم لا " وذلك أنك لو اقتصرت على: " أضربت زيدا؟ " لاقتضى السؤال " نعم " أو " لا ". فإن زاد فيه " أو " أو زاد فيه " أم " لم يتغير معناه.
وقد ذكرت قبل هذا من اختلاف " بل " و " أم " في أصلهما واتفاقهما فيما يراد من المعنى في: " أم يقولون افتراه... ؟ " قول الشاعر: "... … أم كلّ إليّ حبيب؟ " فيما فيه مقنع، وكذلك اجتماع " بل " و " أو " في قوله: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى … وصورتها أم أنت في العين أملح في معنى: " بل ". وقول سيبويه وجمع البصريين أن نفي المباح " بأو " يستوعب جميع ما وقعت عليه ولا يخالف معناه معنى " الواو " كقولك: " لا تأكل خبزا أو لحما أو تمرا ". إذا أردت نفي أحد هذه الأشياء كأنك قلت: لا تأكل شيئا من هذه الأشياء.
ونظيره: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 1 أي لا تطع أحدا من هذين.
لأن كل واحد منهما كان في الأمر مباحا.
فإذا دخل النهي الذي هو ضد الأمر صار كل واحد منهما محظورا.
وإذا كان التخيير على وجه الإباحة فدخل النهي.
فإن أبا الحسن بن كيسان: يجوز أن يكون النهي عن واحد.
وجوز أن يكون عن جميع المذكور كقولك: لا تأخذ دينارا أو ثوبا.
يجوز أن يكون نهاه عن أخذ أحدهما.
ويجوز أن يكون النهي عن أحدهما على مقابلة الأمر لأن الأمر كأن يأخذ أحدهما والنهي نقيضه وضده فيكون نهيا عن أخذ أحدهما.
وجاز أن يكون يعني مجيئهما.

قال أبو سعيد: والذي عندي أنه إذا دخل نهي أو نفي على ما فيه " أو " فإن النهي والنفي عن الجميع فيما كان مباحا أو تخييرا.
وذلك أنك إذا أمرت وأنت تخيره فقلت: خذ دينارا أو ثوبا.
فأنت تأمره بأخذ أحدهما والآخر محظور.
فإذا نهيته فقد حظرت عليه الذي كنت تأمره بأخذه.
فصار الجميع محظورا من حيث كان تقدير الآخر: خذ أحدهما.
يصير تقدير النهي: " لا تأخذ أحدهما ". فأيهما أخذ فقد عصى لأنه قد أخذ أحدهما وليس يكون هذا على ما قال أبو الحسن بن كيسان إلا على وجه اللغز.
كأنه يقصد بأحدهما في اللفظ واحدا بعينه ويبهمه على السامع كقول القائل " جاءني زيد أو عمرو " وهو يعرف الذي جاء بعينه ولم يعرض للآخر بشئ.
واعلم أن " أو " تدخل بين فعلين بعد استغناء الفعل قبلها ويكون الفعلان بمعنى الحال وفيها معنى المجازاة ولا يكفي الكلام بأحد الفعلين ولا يكون إلا فعلا ماضيا.
وذلك قولك: لأضربنه ذهب أو مكث ومعناه: لأضربنه إن ذهب وإن مكث.
وموضعه من الإعراب نصب.
كأنه قال: لأضربنه ذاهبا أو ماكثا.
ولا يجوز: " لأضربنه ذهب " على معنى: لأضربنه ذاهبا.
لأن " ذهب " فعل ماض ولا يكون حالا لمستقبل.
وإنما جاز: " لأضربنه ذهب أو مكث ". لأنه بالتكرير صار فيه معنى: إن ذهب وإن مكث كأنه قال: لأضربنه كائنا ما كان.
و " لأضربنه على كل حال ". ولا يجوز الفعل المستقبل في هذا.
لأن الفعل المستقبل يقع موقع الحال ولا يحتاج إلى تكرير، ولا يدل على أنك تريد به المجازاة.
ألا ترى أنك تقول: لأضربن زيدا يضحك.
بمعنى: ضاحكا.
ولو قلت: لأضربنه يذهب أو يمكث لم يكن فيه دلالة على المجازاة كما دل الماضي بلفظ المضي الذي يقتضيه على المجازاة.
ولو جعلت في أول الفعل ألف الاستفهام جعلت مكان " أو " و " أم "، ولم يخرج عن معنى المجازاة ولزوم الفعل الماضي كقولك: لأضربنه أذهب أم مكث؟ واستدل الخليل على جواز ذلك بقولهم: " لأضربنه أي ذلك كان ".

وهي بدخول ألف الاستفهام في أولها بمنزلة " أو " في المعنى.
لأن الكلام في " أو " يقدر كائنا ما كان.
وفي " أم " يقدر: أي ذلك كان.
ومعناهما واحد.
واحتاجوا في " أم " إلى ألف الاستفهام للتعديل والتسوية.
وقوله: " لأضربنه كائنا ما كان " " كائنا ": نصب على الحال من الهاء في لأضربنه.
وما كان: في موضع رفع " بكائن " وهو فاعله.
و " ما " بمعنى: الذي و " كان " صلتها وفيها معنى المجازاة ولذلك كان ماضيا.
وضمير الفاعل في " كان " يعود إلى " ما " وبعد " كان " هاء محذوفة تعود إلى الهاء في: لأضربنه وقول الشاعر: أطال فأملي أو تناهى فأقصرا 1 إذا كان " بأو " فهو من: أطال يطيل بغير استفهام كقولك: لأضربنه قام أو قعد.
ويجوز: أطال فأملى أم تناهى... ؟ ويكون ألف أطال استفهاما دخل على طال يطول والأجود " أو " بغير استفهام.
وهو الكثير في الكلام.
ولذلك قال سيبويه: " لأضربنه ذهب أو مكث أي لأضربنه كائنا ما كان.
فبعدت " أم " هاهنا حيث كان خبرا يقع موقع ما انتصب حالا أو في موقع الصفة.
قال: وأنما فارق هذا سواء و " ما أبالي " لأنك إذا قلت: سواء على أذهبت أم مكثت فهذا الكلام في موضع سواء على هذين.
وإذا قلت: ما أبالي أذهبت أم مكثت فهو في موضع ما أبالي واحدا من هذين.
وأنت لا تريد أن تقول في الأول: لأضربن هذين ولا تريد أن تقول: تناهيت هذين.
ولكنك أنما تريد أن تقول: إن الأمر يقع على إحدى الحالين.
قال أبو سعيد: يريد أن الذي بعد " سواء " بمنزلة خبر المبتدأ.
والذي بعد " وما أبالي " في موضع المفعول لأبالي.
والذي بعد " لأضربنه... " إنما أتى بعد تمام الكلام على وجه الشرط للكلام

فاختير فيه وكذلك قد: تم ب " تناهيت عنده " وجاء: أطال فأملي، وليس ما بعد " لأضربنه " و " تناهيت عنده " في موضع المفعول كما كان ذلك في: " ما أبالي هذا... " وهو على وجه الاختيار.
ولا يجوز أن تقول: لأضربنه أذهب أو مكث.
لأنك إذا استفهمت في أوله.
احتجت إلى المعادلة والمعادلة " بأم ". وإذا لم تدخل ألف الاستفهام في أوله فهي في موضع الحال وتحتاج إلى " أو " وقد ذكرنا أنه لا بد من ذكر الفعلين مع " أو " و " أم " في قولنا: لأضربنه ذهب أو مكث و " ذهب أو مكث " ولا يجوز: لأضربنه أذهب أو مكث؟ لأنك أبطلت المعادلة بإدخال " أو " وإذا لم تكن معادلة لم تحتج إلى الألف.
وليس هذا بمنزلة قولك: ما أدري أقام زيد أو قعد لأنه يجوز أن تقول: ما أدري أقام زيد؟ ويجوز: اعلم أقام زيد " ويكتفي بفعل واحد ولا يحتاج إلى معادلة.
قال أبو ذؤيب: عصاني إليها القلب إني لأمره … سميع فما أدري أرشد طلابها (1) وأدري من أخوات " اعلم " وقد يجوز أن تقول: قد علمت أزيد في الدار وقد أتى هذا التفسير على جميع الباب

بحمد منّه هذا باب «الواو» التي تدخل عليها ألف الاستفهام

وذلك قولك: هل وجدت فلانا عند فلان؟ فتقول: أو هو ممن يكون عنده ثم؟ أدخلت ألف الاستفهام، وهذه " الواو " لا تدخل على ألف الاستفهام وتدخل عليها الألف.
وإنما هذا الاستفهام مستقبل بالألف ولا تدخل الواو على الألف.
كما أن " هل " لا تدخل على " الواو ". فإنما أراد ألا يجروا الألف مجرى " هل " إذ لم تكن مثلها.
والواو تدخل على " هل ".1

وتقول: ألست صاحبنا؟ أو لست أخانا؟ ومثل ذلك: أما أنت أخانا؟ أو ما أنت صاحبنا؟ وقوله: أو لا تأتينا؟ أو لا تحدثنا؟ إذا أردت التقرير أو غيره ثم أعدت حرفا من هذه الحروف لم يحسن الكلام إلا أن تستقبل الاستفهام.
وإذا قلت: ألست أخانا؟ أو صاحبنا؟ أو جليسنا؟ فإنما تريد أن تقول: ألست في بعض هذه الأحوال؟ وأنما أردت في الأول أن تقول: ألست في هذه الأحوال كلها؟ ولا يجوز أن تريد معنى: ألست صاحبنا؟ أو جليسنا؟ أو أخانا؟ وتكون: لست مع " أو " إذا أردت أن تجعله في هذه الأحوال كلها.
ألا ترى أنك إذا أخبرت فقلت: ألست بشرا.
أو ألست عمرا أو ما أنت ببشر ما أنت بعمر لم يجئ إلا على معنى: بل ما أنت بعمرو.
و: لا بل لست ببشر.
وإذا أرادوا معنى: أنك لست واحدا منهما.
قالوا: لست عمرا ولا بشرا أو قالوا: أو بشرا.
كما قال عز وجل:- وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 1، ولو قلت: " أو لا تطع كفورا " انقلب المعنى.
فينبغي لهذا أن يجئ بألف الاستفهام منقطعا من الأول.
لأن " أو " هذه نظيرتها في الاستفهام " أم ". وذلك قولك: أما أنت بعمرو أم ما أنت ببشر؟ كأنه قال: لا بل ما أنت ببشر.
وذلك أنه أدركه الظن في أنه بشر بعد ما مضى كلامه الأول فاستفهم عنه.
وهذه " الواو " التي دخلت عليها ألف الاستفهام كثيرة في القرآن.
كما قال عز وجل: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ 2 فهذه الواو بمنزلة الفاء في قوله: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ 3؟ وقال عز وجل: أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ 4. وقال عز وجل:

أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 1. قال أبو سعيد: ألف الاستفهام تقع من حروف العطف على " الواو " و " الفاء " و " ثم " وتتقدمهن.
فالفاء قول الله عز وجل: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ 2. والواو: قوله عز وجل: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ 3. و" ثم " قوله عز وجل: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ 4. ولا يتقدم شيء من حروف الاستفهام وأسمائه سوى " الألف " على حرف العطف.
بل حروف العطف تدخل عليهن وتتقدمهن كقولك: " وهل زيد في الدار؟ فهل زيد في الدار؟ فهل أنتم منتهون " 5؟ وقال الشاعر: ليت شعري هل ثم هل أتينهم … أو يحولن دون ذاك حمامي 6 وأما " أم " وهي من حروف الاستفهام فأنها لا تدخل على حروف العطف ولا تدخل عليها حروف العطف.
لأنها وإن كانت للاستفهام فهي للعطف.
ولا تكون مبتدأة كما لا تكون حروف العطف مبتدأة ومن ذلك تدخل " أم " على " هل " وعلى الأسماء التي يستفهم بها كما تدخل حروف العطف عليها كقوله: أم هل كبير بكى لم تقض عبرته 7 وقوله: أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به 8

وقد قال الله عز وجل: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ 1. فإذا دخلت " أم " على الاستفهام فإنما تدخل من حيث كانت عطفا ويصير بمنزلة: " وهل كبير بكى... " وكيف ينفع ما تعطي العلوق به ". ومن يجيب المضطر إذا دعاه.
وإنما صارت الألف تدخل على هذه الحروف التي ذكرنا " الفاء " و " الواو " و " ثم " ولم تدخل " هل " عليهن.
لأن ألف الاستفهام قد تدخل على بعض الكلام ولا يكون ما بعدها كلاما تاما.
كقولك لمن قال لك: ضربت زيدا.
أزيدنيه؟ ولمن قال: مررت بزيد.
أزيدنيه؟ ويقول الرجل: كم غلمانك.
أثلاثة أم أربعة؟ فتجعله بدلا من " كم " وحدها وهي بعض الجملة.
ويقول الرجل: مررت بزيد.
فيقال: أبزيد؟ وهو بعض الجملة.
وتقول للرجل: أقائما والناس قعود؟ وأمقيما وقد رحل القوم؟ ولا يجوز شيء من ذلك في " هل " ولا يكون " هل " إلا لاستقبال الاستفهام ولا يقتطع بها بعض الكلام.
فلما كان ما في أوله " الواو " و " الفاء " و " ثم " من جملة عطف عليها " بالواو " و " الفاء " و " ثم " صار ما فيه شيء من هذه الحروف بعض الجملة، فاقتطعت بالألف من الجملة ولم يجز اقتطاعها " بهل " لما ذكرناه.
وقد احتج سيبويه في أول أبواب " أو " للفرق بين " هل " و " الألف " فقال: " وذلك أن هل ليست بمنزلة ألف الاستفهام لأنك إذا قلت: هل تضرب زيدا؟ فلا يكون أن يدعى أن الضرب واقع.... … رئمان أنف إذا ما ضن باللبن انظر الخصائص: 2/ 184، الهمع: 2/ 133، ابن يعيش: 4/ 18، الأشباه والنظائر للسيوطي: 1/ 329.

قال أبو سعيد: وقد يجوز أن يعارض بقول الله عز وجل: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ 1 أي: لذي عقل- على وجه التنبيه أن في ذلك قسما لذي حجر.
ويعارض بقوله عز وجل: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً 2. لأنه أتى عليه حين من الدهر قبل أن ينفخ فيه الروح ولم يكن مذكورا إلى أن نوه الله عز وجل به فصار مذكورا.
وأكثر القول أن الإنسان: آدم.
ولم يكم آدم مذكورا وذكر بعض العلماء أن الإنسان يجوز أن يكون: " الناس كلهم ". وكل إنسان يأتي عليه من حال تكونه في الرحم إلى أن يولد حين لا يكون فيه مذكورا.
وقال الفراء: " هل ": يكون جحدا ويكون خبرا.
فقوله: عز وجل: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " ومثله: فهل " وعظتك "، فهل أعطيتك، مقررة بأنك أعطيته ووعظته.
والجحد أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا؟ قال أبو سعيد: وللمحتج عن سيبويه أن الذي ذكر سيبويه جوازه في الألف ممتنع في " هل " لأن الذي يقول: أتضرب زيدا؟ لمن قد ضربه يوبخه ويتهدده.
ولم يأت مثل ذلك في " هل " وكان الفراء يذهب إلى أن حروف النسق كان ينبغي أن تكون قبل الألف كما كانت قبل " هل " وسائر الحروف.
ولما كانت " الألف " تضارع " الألف " التي تدخل على الفعل الماضي كقولك: ذهب وأذهبه فلان فلو قلت: وأقدم زيد؟ وأنت تريد ألف الاستفهام.
لأشبه قولك: " أقام زيد بمكان كذا وكذا.
فلما خشوا هذا جعلوا هذه الحروف بين الألف وبين ما بعدها.
وكان يقول: " أنما خصوا الألف " بذلك لأنها لا تقوم بنفسها فأشبهت ما يتصل بالشيء وهو منه وضارعت " هل " " من " و " ما " فدخلت حروف النسق عليها.
قال أبو سعيد: إذا قال القائل: هل وجدت فلانا عند فلان؟ فقال المجيب: أو هو

ممكن يكون عنده؟ فكلام المخاطب عطف على كلام المتكلم.
وجاز أن يقول: " وعمرو " أو " فعمرو " أو " ثم عمرو " وإذا عطف واستفهم كان حروف العطف بعد حرف الاستفهام إذا كان الاستفهام بألف.
وإن كان بغير " ألف " فحرف العطف قبله فالألف قولك أو هو ممن يزورك؟ وأفهو لك صديق؟ و " أثم أقام عندك " أو " فما فعل عندك؟ " أو ثم ما فعل عندك؟ أو يقول: إذا جاءني زيد.
فلك أن تقول: أو من... ؟ أو " فمن... ؟ أو " ثم من... ؟ ونحو ذلك.
وإذا قال: ألست صاحبنا؟ أو: ألست أخانا؟ فقد صار الأول تقريرا بدخول ألف الاستفهام وعطفت الثاني عليه.
عطفت جملة على جملة وأدخلت فيه ألف الاستفهام فصارت الجملة الثانية كالجملة الأولى.
ورد العامل فيه يصيره في معنى " بل " كأنك قررته على الجملة الثانية.
وتركت التقرير الأول.
كما تعمل " بل " في ترك الأول وتثبيت الثاني.
ومثل ذلك: أما أنت صاحبنا؟ أو ما أنت أخانا؟ أدخل حرف الاستفهام على: " ما " الجحد.
وحكمها حكم " ليس ". ومثل ذلك قوله: أو لا تأتينا أو لا تحدثنا؟ إذا أردت التقرير أو غيره.
" ألا تأتينا " يكون تقريرا، ويكون استدعاء وعرضا.
كقولك: ألا ماء أشربه؟ وهو في نحو معنى " هلا ". وهذا معنى قول سيبويه: " إذا أردت التقرير أو غيره ". إعادة العامل توجب استئناف الاستفهام واستقباله.
فإن أردت أن يكون الكلام جملة واحدة جئت بحرف العطف ولم تعد العامل فقلت: ألست أخانا أو صاحبنا أو جليسنا؟ فعطفت " أو " اسما على اسم.
ولم تعد حرف الاستفهام ولا العامل فصار كقولك: ألست أحد هؤلاء النفر؟ وهو كلام واحد.
وجعل " أخانا " و " صاحبنا " و " جليسنا " أحوالا.
وجعل كونه أحدها.
لا كونا في بعض الصفات التي لهم.
وإذا قال: ألست أخانا؟ أو لست جليسنا؟ أو لست صاحبنا؟ فكل واحدة من هذه الثلاثة مثبتة مفردة له على حياله وجعله في هذه الأحوال كلها يعني: " أخاهم وصاحبهم وجليسهم " ولا يجوز أن تقول: ألست صاحبنا؟ أو لست جليسنا؟ أو لست أخانا؟ وأنت تريد بتكرير: " لست " ما تريد إذا لم تكرر " لست ".

لأنك إذا كررتها فقد جعلت الكلام الثاني منقطعا من الأول.
وصارت " أو " بمنزلة " أم " وصار المتكلم إذا قال: ألست صاحبنا؟ أو لست جليسنا؟ معرضا عن الأول معتمدا على الثاني وكذلك لو لم يكن استفهام فأخبرت فقلت:- لست بشرا أو لست عمرا.
وكذلك: ما أنت ببشر وما أنت بعمرو.
ولم يجئ إلا على معنى: لا بل ما أنت بعمرو ولو أراد أن يقول: ما أنت لست بواحد منهما لقال: لست عمرا ولا بشرا.
أو قال: لست بشرا أو عمرا.
كما قال الله عز وجل: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً بمعنى ولا كفورا.
قال: ولو قال: " أو لا يطع كفورا " انقلب المعنى يعني: أنه إذا أعاد " أو لا تطع " يصير إضرابا كأنه ترك النهي عن اتباع الإثم وأضرب عنه ونهى عن طاعة الكفور فقط.
وقوله: " فينبغي لهذا أن يجئ في الاستفهام منقطعا " يعني: أن " أم " لا تقع في النهي.
لأنها استفهام.
ولكنها تدخل فيما كان خبرا فيكون استفهاما.
ويكون دخول " أم " فيه كدخول " أو " في النهي إذا قلت: أو لا كفورا.
وذلك قولك: أما أنت بعمرو؟ أم أنت ببشر؟ تكون " أم " في هذا نظيره " أو " في: " أو لا يطع ". لأنهما يكونان للإضراب عن الأول.
فيصير كأنه قال: " بل لا تطع كفورا " بل ما أنت ببشر.
وقد مضى الكلام في " أم " المنقطعة وشرحها ووجوهها قبل.

هذا باب لبيان «أم»

لم دخلت على حروف الاستفهام ولم تدخل على الألف؟ تقول: أم من يقول؟ أم هل تقول ولا تقول: أم أتقول؟ وذلك لأن " أم " بمنزلة الألف وليست أي ومن (ما) و " متى " بمنزلة الألف أنما هي أسماء بمنزلة: هذا وذاك.
إلا أنهم تركوا الألف التي للاستفهام هنا إذ كان هذا النحو من الكلام لا يقع إلا في المسألة.
فلما علموا أنه لا يكون إلا كذلك استغنوا عن الألف وكذلك " هل " أنما هي بمنزلة " قد " إلا أنهم تركوا " الألف " إذا كانت " هل " لا تقع إلا في الاستفهام.

قلت: فما بال " أم " تدخل عليهن وهي بمنزلة الألف؟ فقال: " أم " إنما هي تجيء بمنزلة " لا بل " للتحول من شيء إلى شيء والألف لا تجيء إلا مستقبلة فهم قد استغنوا في الاستقبال عنها.
واحتاجوا إلى " أم " إذا كانت لترك شئ إلى شئ لأنهم لو تركوها (فلم يذكروها) لم يتبين المعنى.
قال أبو سعيد: في نسخة أبي بكر مبرمان متصل بهذا الباب قال ابن أحمر: ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث … إلى ذاكم قد غيبتني غيابيا 1 يريد: البثا شهرين ونصف ثالث: وقال الله عز وجل: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 2. قال أبو العباس: ليس هذا البيت في كتاب سيبويه وأهل الشعر يجعلونه بمنزلة " الواو " وكذلك في قول الله عز وجل: " وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ". قال: وليس القول عندي هكذا.
وذلك أنه يصير: البثا شهرين ونصف شهر على " أو ". و" أو " بمعنى " واو " العطف أيضا غير موجود.
والقول عند أبي العباس: " البثا شهرين أو البثا شهرين نصف ثالث ". وكذلك: " مائة ألف أو مائة ألف ويزيدون ". وقال: ولا أخرجها عن معناها، ولكن أتركها على معناها وأقدر أن الذي بعدها مثل الذي قبلها، واحذفه اختصارا.
لأن الذي قبله دل عليه هذا قول أبي العباس فافهمه فإنه حسن.
قال أبو سعيد: وهذا المتصل بالباب مع كلام أبي العباس نقلته من نسخة أبي بكر مبرمان.
وقال أبو سعيد: وقد تكلمت على البيت و " أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " فيما تقدم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقد ذكرت أن " أم " دخلت على حروف الاستفهام لأنها أسماء.
و " أم " حرف عطف

فدخلت عليها كما تدخل حروف العطف عليها في قولك: ومن؟ وكيف؟ ومتى؟ وغيرهن من الأسماء التي يستفهم بها.
ولم تدخل " أم " على الألف لأن " أم " نظيرة الألف في التعديل والتسوية وأنهما حرفان ليس باسمين.
والألف هي الأصل في حروف الاستفهام وهذه الأسماء التي تستفهم بها هي أسماء كان حقها أن تدخل عليها ألف الاستفهام.
لأنها للدلالة على ما تحتها من المسميات ولكنها لما خصت في استعمالها في الاستفهام أو في الجزاء استغنى عن ذكر حرف الجزاء وحرف الاستفهام معها لدلالتها عليها.
و" أم " هي للاستفهام لمعادلتها الألف.
وللاستفهام بها إذا كانت منقطعة وهي للعطف أيضا.
لا يبتدأ بها.
وهي جارية مجرى " أو " وقد ذكرنا العطف بها.
فإذا أدخلنا " أم " على أسماء الاستفهام فهي على وجهين: أما أن يخلصها: للعطف وتبقى بضمير الاستفهام في أسماء الاستفهام فتصير بمنزلة " الواو " و " الفاء " و " ثم " التي تدخل على هذه الأسماء.
كقولنا: " ومن.. ؟ ومتى؟ وكيف؟ و " فمن؟ متى؟... ؟ و" ثم من؟... وما أشبهه.
وأما أن تبقي الاستفهام في " أم " وتخلص أسماء غير متضمنة للاستفهام فيكون الاستفهام تاما.
ويكون دخولها عليه كدخولها على سائر الأسماء وكدخول ألف الاستفهام على الأسماء.
وأما " هل " فإنها حرف دخلت لاستقبال الاستفهام ومنع بعض ما يجوز في الألف من اقتطاعها بعض الجملة.
ومن جواب التعديل والمساواة.
فكأنها دخلت مانعة لشيء من الاستفهام ومجيزة لشئ منه.
فصارت داخلة لغير الاستفهام المطلق الذي أصل حروفه الألف.
ولذلك قال سيبويه: " هل " إنما هي بمنزلة " قد ". إلا أنهم تركوا الألف كما كان حق الأسماء التي يستفهم بها أن تدخل عليها ألف الاستفهام فيقال: أهل قام زيد؟ وأمن قام؟ ودخلت " أم " على " هل " لأنها حرف عطف " كالواو " و " أو " في قولك: " وهل "؟ ومعنى قول سيبويه للفصل بين " أم " وبين الألف في دخول " أم " على " هل " وامتناع الألف من دخولها على " هل ". أن " أم " إنما تجيء هاهنا بمنزلة: " لا بل للتحويل من شئ إلى شيء.
والألف لا

تجئ إلا مستقلة.
فهم قد استغنوا في الاستقبال عنها.
واحتاجوا إلى " أم " إذ كانت لترك شيء لأنهم لو تركوها لم يتبين المعنى.
ومعنى قوله: أن " أم " تجئ بمنزلة: " لا بل للتحويل من شيء إلى شيء.
يعني أنها إذا كانت منقطعة دلت على مثل ما دلت عليه " بل " في ترك شئ إلى شيء.
ولو جئنا بالألف في موضع " أم " لكنا قد استأنفنا الاستفهام ولم يكن فيه ترك شيء إلى شيء.
ألا ترى أن رجلا لو أبصر شخصا من بعيد فقال: هو زيد.
ثم شك فيه أو عن له رأى في خلاف ما قال.
فقال: أم أنا لا أبصر؟ علم أنه ترك قوله الأول.
أو شك فيه.
وسبيل " أم " لما كانت للعطف أن تصير بين ما قبلها وما بعدها ملابسة " ما " كسائر حروف العطف فلذلك احتاجوا إلى " أم " واستغنوا عن الألف ولو لم يذكروا " أم " لم يتبين المعنى.
وكان أبو العباس المبرد يجيز دخول ألف الاستفهام على " هل " وعلى سائر أسماء الاستفهام كدخول " أم ". وأنشد: سائل فوارس يربوع بشدتنا … أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم ودخول الألف عليها غير معروف.
وغيره يرويه بأم: أم هل.
والقول ما ذكرناه عن سيبويه

هذا باب ما ينصرف وما لا ينصرف هذا باب «أفعل»

قال سيبويه: اعلم أن أفعل إذا كان صفة لم ينصرف، نكرة ولا معرفة وذلك لأنها أشبهت الأفعال، نحو: اذهب واعلم.
قلت: فما باله لا ينصرف، إذا كان صفة؟ فقال- يعني الخليل- لأن الصفة أقرب إلى الأفعال، فاستثقلوا التنوين فيه كما استثقلوا في الأفعال، فأرادوا أن يكون في الاستثقال كالفعل، إذ كان مثله في البناء، والزيادة، وضارعه، وذلك نحو أحمر، وأسود، وأخضر.

وإذا حقرته قلت: أحيمر وأخيضر، فهو على حاله قبل أن تحقره، من قبل أن الزيادة التي بها أشبه الفعل مع البناء ثابتة، وأشبه هذا من الأفعال ما أميلح زيدا، كما أشبه أحمر أذهب.
قال أبو سعيد: نحتاج أن نقدم مقدمات، توطئ معرفة ما ينصرف وما لا ينصرف، وشيئا من علل ذلك، وذكر الأسباب المانعة من الصرف فأقول: إن الأسماء تنقسم قسمين، أحدهما: متمكن، والآخر غير متمكن، فالمتمكن: المعرب وغير المتمكن المبني.
والمتمكن على ضربين أحدهما: مستوف للتمكن، ويسمى الأمكن فأما الأمكن المستوفي للتمكين، فهو ما يدخله الرفع والنصب، والجر.
والناقص التمكن هو ما يعرب بالرفع، والنصب، فقط، ولا يدخله تنوين والمجرور منه محمول على لفظ المنصوب.
ونقصان التمكن في الاسم أن يدخل عليه ما يثقله مما هو فرع فيه غير أصل، وذلك عشرة أشياء: وزن الفعل، وشبهه، والصفة، والتأنيث، والتعريف، والجمع والعدل، والعجمة، وزيادة الألف وحدها، والألف والنون في آخر الاسم، وجعل الاسمين اسما واحدا.
أما وزن الفعل المانع من الصرف من الزوائد الأربعة، التي تكون في أول الأفعال المضارعة ويكون بها الاسم على وزن " فعل " من الأفعال المضارعة، أو فعل الأمر، وإن شاركه في ذلك البناء الاسم.
أو يكون لفظه لفظا لا يقع في شيء من الأسماء.
فأما ما كان في أوله زيادة الفعل المضارع فنحو أحمر، وأخضر، وأسود وأفكل، وأزمل، وأيدع، وأربع وأكلب ويرمع وثغلب ويزيد، ويشكر، وترتب، وتنضب، ونرجس.
فهذه الأسماء منها ما لا يستعمل فعلا نحو: أفكل، وأيدع، وأحمر، وأخضر.
وجميع هذه الأبنية تقع في الأسماء غير الأعلام.
وأما ما يكون لفظه غير موجود في الأسماء إلا أن يسمى به فيكون علما فهو مثل: فعّل، وفعّل وما أشبه ذلك، وذلك قولك ضرّب وكسّر وضرّب وكسّر.
فإن سميت باسم على وزن فعل، يشاركه الاسم في ذلك الوزن لم تعتد بوزن الفعل فيه، وذلك قولك: جعفر، وسلهب وجعل، وكثف، وعجز.

فجعفر، وسلهب، وإن كان وزنهما كدجرج وسرهف فذلك لا يثقلهما.
لأن هذا الوزن ليس الفعل أولى به من الاسم، وكذلك جمل، وكثف، وعجز وزنها كوزن فشل، وعلم، وظرف وذلك لا يثقله؛ لأن الفعل غير مختص بذلك، وكذلك لو لحقت بالفعل علة تصيره إلى لفظ الاسم لزالت العلة والثقل وذلك نحو: (فيل)، (بيع) و (رد) لأنه قد صار على وزن (ديك) و (رد) على وزن كرّ.
وإنما صار الاسم الذي في أوله إحدى الزوائد ثقيلا، وإن اشترك في ذلك البناء الاسم والفعل، كاشتراك أذهب، وأمنع وهما فعلان لأحمق، وأسود، وأفكل، وأيدع، وهي أسماء؛ لأن هذه الهمزة يجوز دخولها على الأفعال لمعنى، وهي أن يكون الفعل للمتكلم كقوله: أنا أذهب، وأصنع، وتدخل أيضا لنقل الفعل كقولك أعلم زيد عمرا خبرا وأخرج زيد عمرا، وتدخل الياء والتاء والنون في قولك أنت تذهب وهو يذهب ونحن نذهب.
فلما صار لهذه الحروف معان في الأفعال تدخل تارة أصلا في الأفعال، والأسماء داخلة عليها.
وإنما صار ما ذكرنا من وزن الفعل ثقلا؛ لأن الاسم أصل، والفعل فرع، والاسم أخف من الفعل، فإذا دخل على الاسم ما هو للفعل ثقله، وكذلك الصفة أثقل من الموصوف؛ لأن الصفة تحتاج إلى الموصوف، والموصوف قبلها كقولك: مررت برجل أحمر، وثوب أخضر، والتأنيث أثقل من التذكير؛ لأن التذكير أول، والتأنيث داخل عليه؛ لأن أصل الأسماء أن يقال لكل واحد منها شيء، والشيء مذكر، وأيضا فالتأنيث يحتاج إلى علامة والتذكير لا علامة له؛ لأنه على الأصل، والتعريف أثقل من التنكير؛ لأن أصل الأسماء أن تكون منكورة، كل واحد منها شائع في نوعه، كرجل، وفرس، وإنما يتعرف بدخول الألف واللام، أو الإضافة، والذي يصير الاسم علما بالاختصاص له.
والجمع أثقل من الواحد؛ لأن الواحد هو الأصل ثم يجمع، والعدل أثقل من الاسم الذي عدّل عنه؛ لأن ذلك الاسم هو الأصل، والعجمة أثقل من العربة؛ لأنها ترد بعد كلام العرب بعد التكلم بالعربة، وزيادة الألف وحدها، وزيادة الألف والنون أثقل؛ لأن الاسم أولا بغير زيادة، وجعل الاسمين اسما واحدا أثقل؛ لأن الأصل اسم واحد ثم ضم إليه الآخر.
وجعلت هذه الزيادات في الأواخر ثقلا؛ لأنها في لحاقها آخر الاسم تجري مجرى

التأنيث وسنبين ذلك كله في موضعه بأكثر من هذا إن شاء الله تعالى.
فإذا اجتمع في الاسم من هذه العلل العشر الفرعية ثنتان فصاعدا أو واحدة تقوم مقام ثنتين منع الاسم من الصرف، فلم يدخله تنوين ولا جر.
وإذا دخلت واحدة لم تمنع الصرف.
وإنما لم يمنع بدخول واحدة؛ لأن في الاسم خفة بالاسمية، فإذا دخل ثقل واحد قاومته الخفة فلم يغلبها فإذا دخل ثقلان غلباها.
وإنما منع ما لا ينصرف التنوين والجر؛ لأن التنوين هو علامة الأمكن وحذفه علامة المثقل من الأسماء، ولم يدخله الجر؛ لأن الاسم الذي ثقل بما دخل عليه أنزل منزلة الفعل، وليس في الفعل جر.
فإن قال قائل: فهلا أسكن الاسم في حال الجر إذا دخل عليه ما يمنع الصرف؟ قيل له حكم الاسم المستحق للإعراب أن لا يمنع الإعراب في شيء من أحواله فاحتيج إلى إعرابه، فحمل على النصب كما حمل النصب عليه في التثنية والجمع السالم.
وقال الزجاج: ما لا ينصرف في حال الجر مبني؛ لأن الجر لا يدخله كما لا يدخل الفعل، إذا كان ما لا ينصرف مشبها بالفعل، فلما لم يدخله الجر أبدل من الكسرة بناء الفتح، كما أن الأفعال حين ضارعت الأسماء أعطيت الإعراب كذلك إذا ضارع الاسم الفعل منع ما لا يدخل الفعل، فكرهوا إذا لم يخففوا الاسم، وهو في موضع يجب له فيه حركة الإعراب أن يسكنوه فلا يكن بين الأسماء المتمكنة إذا لم تنصرف وبين الأسماء التي هي غير متمكنة وهي مبنية على الوقف فرق.
وجميع ما لا ينصرف مشبه بالفعل، وتشبيهه بالفعل من وجهين: أحدهما بالوزن كأحمر، ويزيد، ويشكر، وتغلب، وضرب، وكسّر، والآخر بالثقل الذي يدخله، وذلك الثقل فرع، والفعل فرع، فهما مجتمعان في الفرعية.
وحقيقة منع الصرف إذهاب التنوين، دون منع الجر والدليل على ذلك أن المرفوع والمنصوب مما لا مدخل في الجر فيه، إنما يذهب منه التنوين فقط، وإذا دخل على ما لا ينصرف الألف واللام أو أضيف انصرف، كقولك: مررت بالأحمر، والأسود، والمساجد، والحمراء والصفراء وبعمركم وإبراهيمكم وما أشبه ذلك؛ وإنما انصرف لأن الألف واللام والإضافة أخرجتاه من شبه الفعل، إذ كان الفعل لا يكون فيه ذلك، فانصرف لخروجه من

شبه الفعل.
فإن قال قائل: فحروف الجر، وسائر عوامل الأسماء قد يدخلن على ما لا ينصرف، فلا يصرفنه كقولك مررت بأحمر وجاءني إبراهيم ودخلت مساجد، فإن في ذلك أجوبة تفصل بين دخول الألف واللام والإضافة وبين دخول العوامل، منها: أن الألف واللام والإضافة إذا دخلت على الاسم الذي لا ينصرف أخرجته عن شبه الفعل، ثم تدخل عليه بعد ذلك العوامل فيصادف العامل شيئا غير مشبه للفعل فيعمل فيه عمله، وإذا دخل العامل قبل دخول الألف واللام والإضافة صادف ثقيلا، فلم يعمل فيه إلا عمله الذي ذكرناه.
وجواب ثان، وهو أن الألف واللام، والإضافة قد قامت مقام التنوين، فكأن الاسم منون، والتنوين هو الصرف، وعلامة الأمكن وليس العامل كذلك.
وجواب ثالث: وهو أن الاسم بدخول الألف واللام والإضافة تتغير ذاته وينتقل من مبهم إلى معين والعامل لا يغيره عن حاله الأولى.
جواب رابع: وهو أن الفعل قد يضاف إليه كما يضاف إلى الاسم ما ينجر به فلم تخرجه حروف الجر من شبه الفعل.
وجواب خامس: أنا لو اعتبرنا العوامل لبطل أصل ما لا ينصرف؛ لأن العوامل الداخلة على الاسم غير داخلة على الفعل، فلو كان يثقل بدخول العوامل لكان كل عامل يدخل عليه يوجب صرفه، وبطل الفرق بين ما ينصرف وبين ما لا ينصرف.
قال أبو سعيد: ابتدأ سيبويه بذكر ما يجتمع فيه علتان من العلل المانعة من الصرف، وساق الأبواب على ذلك، وبدأ بأفعل الذي هو وصف، وقد اجتمعت علتان وزن الفعل والصفة، وإن صغرته لم يخرجه التصغير إلى الصرف؛ لأن الفعل قد صغر في بعض المواضع وهو التعجب، فقالوا ما أميلح زيدا، قال الشاعر: يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا … من هؤليّائكنّ الضّال والسّمر 1 فلذلك لم (يبتعد) بالتصغير من شبه الفعل.
على أن الأسماء في التصغير على ثلاثة أوجه في حكم الصرف، فمنها اسم لا ينصرف في التصغير والتكبير، نحو هذا الباب وغيره، واسم لا ينصرف، فإذا صغر

انصرف، كالأسماء المعدولة، نحو عمر، وزفر، فإذا قيل: عمير، وزفير، انصرف.
واسم ينصرف، فإذا صغر لا ينصرف، وذلك كرجل يسمى ضارب، أو ما كان من بنائه فإذا صغر صار ضيرب فلم ينصرف، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

هذا باب أفعل إذا كان اسما وما أشبه الأفعال من الأسماء التي في أوائلها الزوائد

فما كان من الأسماء أفعل فنحو " أفكل " و " أزمل " و " أيدع " وأربع لا ينصرف في المعرفة؛ لأن المعارف أثقل وينصرف في النكرة؛ لأنه يجتمع فيها في المعرفة وزن الفعل والتعريف، فإذا نكر ففيه وزن الفعل فقط.
وقولنا: " المعرفة " في هذا الموضع وما يأتي في غيره أن يسمى به شيء بعينه من رجل، أو امرأة، أو بلد أو موضع، أو غير ذلك من الحيوان، كما يسمى الواحد بذلك لتعريف شخصه.
فأما ما أشبه الأفعال سوى أفعل فمثل " اليرمع " و " اليعمل " وهو جماع اليعملة واليعملة الناقة السريعة، ويقال لها أيضا: " اليعملات " وليس بصفة حقيقية ومثل " أكلب ". وذلك أن " اليرمع " مثل " يذهب " و " أكلب " مثل " أدخل " ألا ترى أن العرب لا تصرف " أعصر "، ولغة بعض العرب يعصر لا يصرفونه أيضا، وتصرف ذلك في النكرة؛ لأنه ليس بصفة.
وإنما انصرف في النكرة؛ لأن الذي يبقى فيه علة واحدة وهي وزن الفعل، فإن قال قائل فأكلب جمع فلم لا يكون علة ثانية؟ قيل له: إذا سمينا بأكلب وبغيره من الجمع شيئا فقد زال الجمع وصار اسما لذلك الشيء، على أن ألفاظ الجمع لا يعتد بالجمع فيها إذا كان يمكن أن تكسر كقولنا: أنعام، وأناعيم، وأرهط، وأراهيط، وسنقف على ذلك.
قال: " واعلم أن هذه الياء والألف لا تقع واحدة منهما في أول الحرف رابعة إلا وهي زائدة، ألا ترى أنه ليس من اسم مثل " أفكل " يصرف، وإن لم يكن له فعل ينصرف، ومما يدلك على أنها زائدة كثرة دخولها في بنات الثلاثة، وكذلك الياء أيضا،

وإن لم تقل هذا دخل عليك أن تصرف أفكل، وأن تجعل الشيء إذا جاء بمنزلة الرجازة والربابة، وليس له فعل، بمنزلة القمطرة، والهدملة ". قال أبو سعيد: اعلم أن ما لا ينصرف يحتاج معه إلى معرفة التصريف؛ لأنه قد يرد في أول الحرف الذي جاء زائدا منع الصرف وإن كان أصليّا لم يمنع، ولذلك ذكر " أفكل " وهو الرعدة وجعل الهمزة فيه زائدة، فصار على أفعل، فكأن قائلا قال: ولم لا تكون الهمزة أصلية فيصير على " فعلل " مثل درهم فينصرف في المعرفة، وإذا كان أفعل لم ينصرف.
فقال سيبويه: الدليل على أن الهمزة زائدة أنه ليس من اسم مثل " أفكل " يصرف.
يعني اسما في أوله همزة وبعدها ثلاثة أحرف أصلية لم يوجد ذلك في كلام العرب.
ثم قال: ويدلك على أنها زائدة كثرة دخولها في بنات الثلاثة.
يعني أن الهمزة يكثر دخولها في بنات الثلاثة، فما عرف اشتقاقه وعلم أنها فيه زائدة كقولنا: " أحمر " وأشهب، وأصفر، وأقهب وما لا يحصى كثرة، وأصله من صفرة، وحمرة، وشهبة، وقهبة فتحمل ما لا يعرف اشتقاقه على ما عرف اشتقاقه، لاتفاقهما في الهمزة أولا.
ثم قال: وإن لم تقل هذا- يعني إن لم تقل في أفكل إن الهمزة زائدة وفرقت بينه وبين أحمر بأن أحمر وقد عرف اشتقاقه وأفكل لا يعرف له اشتقاق تسقط فيه الهمزة دخل عليه حرفا زائدا كالألف في الرّجازة وهي شيء يعدل به البعير، والرّبابة التي تجمع فيها القداح وأن تجعلها بمنزلة القمطرة والهدملة وهذا فاسد.
وإذا جاء على " فعلل " وكانت اللامان من جنس واحد لم يدغم أحدهما في الآخر كقولنا: قردد، ومهدد، وجلبب، وما أشبه ذلك فلذلك حمل " أكلل " وأيقق " على فعلل.
ولو جاء وسمي به رجل صرف وحمل على فعلل.
وأما (أول) فهو أفعل يدلك على ذلك هو أول منك ومررت بأول منك، والأولى.
قال أبو سعيد: استدل على أن أول أفعل بما لا يكون إلا في أفعل وذلك منك.

تقول: هو أفضل منك، وأنبل منك، وأقل منك، وأقدم منك، فأول منك بمنزلة أقدم منك، والأولى، والأول بمنزلة الفضلى والأفضل والأجل، والجلى.
وأما خير منك وشر منك فإنما كثرا، والأصل فيهما أخير منك وأشر منك، وإنما حذفت الهمزة منهما لكثرتهما في الكلام.
وإذا سميت رجلا " بألبب " فهو غير مصروف والمعنى عليه، لأنه من اللّب وهو أفعل ولو لم يكن المعنى على هذا لكان " فعلل "، والعرب تقول " قد علمت ذاك بناقة ألببه ". يعنون لبّه " يعني أن الاشتقاق قد بين أن الهمزة زائدة وترك الإدغام شاذ.
ومن الناس من يقول: ألبه يجعله جمع لب، كذا حكاه الفراء وأصحابنا حكوا بنات ألببه بمعنى أعقله.
قال: " ومما يترك صرفه؛ لأنه يشبه الفعل ولا يجعل الحرف الأول منه زائدا إلا بثبت نحو تنضب، وإنما جعلت التاء زائدة؛ لأنه ليس في الكلام شيء على أربعة أحرف، ليس أوله زائدة، يكون على هذا المثال لأنه ليس في الكلام فعلل ". قال أبو سعيد: مما يعرف به الزائد الخروج عن الأمثلة المعروفة التي ليس فيها زائد، وليس في الكلام فعلل (مثل جعفر) وكذلك التاء في ترتب وترتب، وكذلك التّدرأ والتّدرأ بالفتح والضم، والتّنفّل كل ذلك إذا سميت به رجلا أو غيره، وصار معرفة، لم ينصرف لاجتماع وزن الفعل، والتعريف.
وقد عرف بعض ذلك بالاشتقاق، يقال: هذا أمر ترتب وترتب وهو الرتب، ويقال فلان ذو تدرأ أي ذو دفع لخصمه أو قرنه وهو مأخوذ من درأته أي دفعته.
قال: " وكذلك رجل يسمّى تألب لأنه تفعل ويدلك على ذلك أنه يقال للحمار ألب يألب وهو طرده طريدته وهو نفعل وإنما قيل دألب من ذلك ". قال أبو سعيد: النّألب المعروف هو شجر تتخذ منه القسي، الواحدة نألبة، فيجوز أن تكون مشتقة من " ألب "؛ لأن القوس تطرد السهام، وتسوقها إلى المرمى، قال الشاعر: ألم تعلمي أنّ الأحاديث في غد … وبعد غد يألبن ألب الطّرائد 1 ورأيت فيما علّقه أبو بكر مبرمان، مفسر كتاب سيبويه أن التألب: الشجر، وولد

الحمار، مثل التولب، فأما التولب فمعروف وأما التألب فغير معروف في ولد الحمار.
قال: (وأما مما جاء نحو " تولب " " ونهشل " فهو عندنا من نفس الحرف (مصروف) حتى يجيء أمر يبينه، وكذلك فعلت به العرب؛ لأن حال التاء والنون في الزيادة ليست كحال الألف والياء؛ لأنها لم تكثرا في الكلام زائدتين،- يعني التاء والنون- ككثرتهما يعني الياء والألف، فيحكم على كل تاء ونون في أول الكلمة أنها أصلية، حتى يقوم الدليل على زيادتها كما قام على زيادة التاء في " تنضرب " وغيره.
وإن لم تفعل هذا لم تصرف نهشلا، والعرب تصرفه، وهذا قول العرب والخليل ويونس.
وإذا سميت رجلا ب (إثمد) لم تصرفه، وكذلك (إصبع) وأبلم لأن (إثمد) شبيه (اضرب)، و (إصبع) شبيه (اعلم) و (أبلم) شبيه (اقتل)، وقد قدّمنا أن الهمزة محكوم عليها بالزيادة على ما ذكرت ثم قال: وإنما صارت هذه الأسماء بهذه المنزلة، يعني غير مصروفة؛ لأن الأصل فيما كان في أوله هذه الزوائد الفعل، فإذا صارت في الاسم ثقل، فإذا عرّف ازداد ثقلا.
ألا ترى أن أكثر ما لا ينصرف في المعرفة قد ينصرف في النكرة؟ وإنما صار " أفعل " في الصفات أكثر لمضارعة الصفة الفعل وقد ذكر ذلك في الكتاب.
قال: " وإذا سميت رجلا بفعل في أوله الزيادة لم تصرفه، نحو: يزيد ويشكر، وتغلب، ويعمر، وهذا النحو أحرى أن لا تصرفه، وإنما أقصى أمره أن يكون كتنضب، ويرمع، وجميع ما ذكرنا في هذا الباب ينصرف في النكرة، فإن قلت ما بالك تصرف يزيد في النكرة، وإنما منعك من صرف أحمر في النكرة وهو اسم أنه ضارع الفعل؟ فأحمر، إذا كان صفة بمنزلة الفعل قبل أن يكون اسما فإذا صار اسما ثم جعلته نكرة فإنما صيرته إلى حاله إذ كان صفة.
قال أبو سعيد: هذه المسألة وما جرى مجراها يختلف فيها النحويون، وقال سيبويه والخليل ومن وافقهما، منهم أبو عثمان المازني: إن (أفعل) إذا كان صفة، ثم سمينا به رجلا أو غيره ثم نكرناه، لم ينصرف.

وقال الأخفش وأبو العباس المبرد إذا سمينا به، ثم نكرناه انصرف.
وحقيقة ذلك أن ذلك وما جرى مجراه من قبل أن يسمى به غير مصروف لاجتماع علتين، وهما وزن الفعل، والصفة، فإذا سمينا به رجلا فقد زالت الصفة، وصار علما لذلك الرجل سواء أكان أبيض، أو أسود، وعلى أي لون كان.
فلا تصرفه، لاجتماع علتين: وزن الفعل، والتعريف.
فإذا نكرناه وهو اسم زال عنه التعريف، وقد كان زالت عنه الصفة بالتسمية، ففيه علة واحدة وهي وزن الفعل، فلذلك قال الأخفش: إنه ينصرف وذلك قولك مررت بأحمر وأحمر آخر.
وأما سيبويه فإنه عنده وإن سمي به في حكم الصفة.
واحتج في ذلك بأنا إذا نكرناه فإنما يرجع إلى تنكير كان له وهو صفة، فكأنه يرجع إلى الحال الأولى التي كان لا ينصرف فيها.
وذكر أن المازني سأل الأخفش فقال له: لم صرفته؟ قال: لأنه صار اسما وزالت عنه الصفة فبقي فيه وزن الفعل فقط.
فقال له المازني: ألست تقول: نسوة أربع فتخفض الأربع وتنونه وهو صفة على وزن الفعل؟ فقال: بلى.
قال: فلم صرفته، وقد اجتمعت فيه علتان: وزن الفعل والصفة؟ قال: لأن أربعا اسم في الأصل ولا أحكم له حكم الصفة، وإن وصفت به.
فقال له المازني: فاحكم للأحمر بحكم الصفة وإن سميت به لأن الأصل فيه صفة فلم يأت الأخفش بمقنع.
وأما " يزيد "، و " تغلب " و " يشكر " و " يعمر "، فإذا نكر انصرف لأنه في حال التنكير، فيه وزن الفعل فقط، ولم يكن له قبل التسمية حال لا ينصرف فيها، فيرد إليها.
وإنما كان فعلا فسمي به، فصار اسما معرفة والاسمية والتعريف وفعاله، فمنع الصرف لأجلهما فلما زال أحدهما انصرف.
قال: " وإذا سميت رجلا بإضرب، أو أقتل، أو إذهب لم تصرفه وقطعت ألف الوصل ". وكذلك كل فعل فيه ألف وصل، فإذا سميت به قطعت الألف، فقلت مررت " بإضرب "، وقام " إضرب "، ورأيت " إضرب ". وإنما منع الصرف لوزن الفعل، والتعريف، وقطع الألف؛ لأن موضع الأسماء والألقاب على لفظ لا تتغير حروفه، فإذا جعلنا ألفه وصلا فهي تسقط إذا كان قبلها

كلام، وتثبت إذا كانت مبتدأة فتخرج بذلك عن موضع الأسماء.
فإن قال قائل: فأنتم إذا سميتم بما فيه ألف وصل من الأسماء لم تغيروها عن الوصل؟ قيل له: ما كان فيه ألف وصل في الأسماء فهو قليل في الأسماء، كاسم، وابن، وغير ذلك مما يقصر عدده عن عشرة أسماء وذلك لخفتها، فخرجت عن منهاج الأسماء.
وكذلك مصادر الأفعال التي في أوائل ماضيها ألف وصل كقولنا: انطلاق، واستخراج، واحميرار، وهو مصدر انطلق واستخرج واحمار.
فهذه الأسماء التي فيها ألفات الوصل ليس الأصل فيها ذلك، وإذا سمينا بها لم تقطع ألفاتها؛ لأنها لم تزل عن الاسمية فكأنها مبقاة على حالها.
قال: " وليس لك أن تغير البناء في ضرب، وضورب " وإن لم يكن في الأسماء مثلها، فإنك لا تغير البناء؛ لأنك إن غيرت البناء بطل التعريف به، وتغير اللفظ.
ونحن قد نسمي بالحروف، وبالأسماء العجمية، وما ليس له في كلام العرب نظير، وليس كذلك " اضرب " وسائر ما فيه ألف الوصل من الأفعال إذا سميت به؛ لأن قطعنا الألف لا يغير اللفظ تغييرا يخرجه عن مفهوم التسمية، لأنا قد نثبت الألف في الابتداء، غير أن " ضرب " و " ضورب " إذا سمي بهما لا ينصرفان.
وإن سمي بامرئ لم يغير عن حاله في ألف وصل.
والعرب تقول: مررت بامرئ، وهذا امرؤ، ورأيت امرأ.
وأما ألف الوصل فلأنه اسم سمي به، فلم ينقل عن الاسمية.
وأما الصرف فلأنه وإن كان على مثال " اضرب " فإن ما قبل آخره يتغير بتغيير آخره، وذلك ليس بموجود في الأفعال فأخرجه ذلك عن شبه الفعل ومنعه أن يكون اسما لا ينصرف ويقطع ألفه على العلة التي ذكرتها لك.
وقد تقدم القول أن " تتفل " غير منصرف إذا سمي به وكذلك تتفل؛ لأنهما من أوزان الفعل جميعا، وقد يقال " تتفل " بضم التاء والفاء، فمن قال ذلك لزمه إذا سمي به أن يصرف، لأنّ " نفعل " لا نظير له في الأفعال.
ومثل ذلك " نرجس " إذا سمي به لم ينصرف؛ لأنه على وزن " نفعل ". وفي الناس من يقول: نرجس بكسر النون والجيم، فمن قال ذلك صرفه إذا سمي به.
قال: " واعلم أن كل اسم أوله زيادة، ولم يكن على بناء الفعل فإنه مصروف

وذلك نحو إصليت وأسلوب وينبوت.
وكذلك هذا المثال إذا اشتققته من الفعل وذلك نحو يضروب وإضريب وتضريب؛ لأنه ليس بفعل ولا اسم على مثال الفعل وليس بمنزلة عمر ". ألا ترى أنك تصرف يربوعا، فلو كان يضروب بمنزلة يضرب أو تضرب، أو نضرب لم تصرف يربوعا؛ لأنه كان يصير بمنزلة ما ليس فيه واو كيربع، أو تربع.
قال: " ولو سميت رجلا (هراق) لم تصرف؛ لأن هذه الهاء بمنزلة الألف زائدة ". يريد أن " هراق " بمنزلة أراق والهاء بدل من الألف وأراق بمنزلة أقام.
" وكذلك " هرق " بمنزلة أقم ". والهاء بدل من الألف كما قالوا: إياك وهيّاك.
لأنك لو سميت " بهرق " أو " أقم " لقلت: هذا هريق قد جاء وأقيم قد جاء، فترد البناء، وسنقف على شرح ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
" فإذا سميت رجلا " بتفاعل " نحو تضارب، ثم حقرته قلت " تضيرب " ولم تصرفه؛ لأنه يصير بمنزلة " تغلب " و " يخرج " إلى ما لا ينصرف في جميع اللغات ". وكذلك " أجادل " اسم رجل إنما هو أجيدل في التحقير.
قال أبو سعيد: قد كنت ذكرت أن فيما ينصرف ما إذا حقرته لم ينصرف، وهذا من ذلك؛ لأن " تضارب " تفاعل، وهو ينصرف إذا كان اسم رجل؛ لأنه لا نظير له في الفعل فإذا حقرته حذفت الألف، وأدخلت ياء التصغير فيصير " تضيرب "، فهو بمنزلة " تضرب " إذا حقرته.
وقد ذكر أن الفعل الذي في أوله الزوائد فالتحقير لا يغير الصرف فيه.
وأما أجادل اسم رجل فإنه لا ينصرف؛ لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، وستقف على ذلك إن شاء الله.
فإذا حذفت الألف فصار " أجيدل " كالفعل المحقر فلم ينصرف أيضا.

هذا باب ما كان من «أفعل» صفة في بعض اللغات واسما في أكثر الكلام

وذلك أجدل، وأخيل، وأفعى، وأجود ذلك أن يكون هذا النحو اسما وقد جعله بعضهم صفة، وذلك أن الجدل: شدة الخلق فصار أجدل عندهم بمنزلة شديد.

وأما " أخيل " فجعلوه " أفعل " من الخيلان للونه، وهو طائر أخضر على جناحيه لمعة مخالفة للونه، وعلى هذا المثال جاء " أفعى " كأنه صار صفة وإن لم يكن له فعل ولا مصدر ". قال أبو سعيد: يريد أنه جعل بمنزلة خبيث، أو ضار، أو ما أشبه ذلك مما يليق أن يكون صفة له.
قال: " وأما " أدهم " إذا عنيت القيد، و " الأرقم " إذا عنيت الحية لم تصرفه في معرفة، ولا نكرة.
لم تختلف في ذلك العرب.
فإن قال قائل: أصرفه؛ لأني أقول: أراقم وأداهم فإنك تقول أباطح، وأجارع، وأبارق.
فإنما الأبرق صفة وهو لون فيه حمرة، وبياض وسواد، يقال: تيس أبرق حيث كان فيه سواد، وبياض ". قال أبو سعيد: اعلم أن أفعل قد يكون اسما، وقد يكون صفة، وقد تكون الصفة جارية مجرى الاسم، فإذا كان اسما فهو منصرف في النكرة، غير منصرف في المعرفة، وذلك مثل " أفكل " و " أيدع " وأما " أجدل "، و " أخيل "، و " أفعى " فالأجود عند سيبويه أن يكون بمنزلة " أفكل " و " أيدع "، لبعده من الصفة؛ لأن " أجدل " اسم الصقر، وإن كان مأخوذا من الجدل، ولا يقال لشيء غيره " أجدل " ولا يقال: مررت بصقر أجدل، و " أخيل "، و " أفعى " اسمان لنوعين من الطير، والحيات، لا يقال ذلك لغيرهما.
وقد حكي سيبويه عن بعضهم أنه جعله نعتا للعلة التي ذكرها وفيها بعد.
وأما الصفة " فأصفر "، و " أحمر "، وما جرى مجراهما.
وقد أجرت العرب " أدهم " إذا أردت القيد و " الأسود " إذا عنيت الحية " والأرقم " إذا عنيت الحية أيضا صفات، وإن كانت أسماء لأشياء بأعيانها، وذلك لأننا قد عرفنا معنى الأدهم في غير القيد وهو الأسود من الخيل.
وإنما قيل للقيد أدهم لسواده فقد عرف معنى اللون في الأدهم وشاركه فيه غيره، والقصد فيهما ذوا اللون، كذلك الأسود من الحيات لسواده ولا يكون إلا أسود وقد شاركه في المعنى ما هو متصف بهذا اللفظ من غير الحيات، وكذلك الأرقم إنما هو اسم لضرب من الحيات فيه نقط بمنزلة " الرّقم "، ويقال لما كان فيه مثل ذلك اللون أرقم، إلا أنه غلبت هذه الصفات على هذه الأشياء فصارت كالأسماء لها.

وقولهم " أراقم "، و " أداهم " لا يوجب الاسمية " لأرقم "، وأدهم لأن العرب قد قالت: أباطح وأجارع وأبارق، وقد أحاط العلم بأن هذه صفات لأنهم يقولون: أبطح للمكان المنبطح من الوادي، وبطحاء، ويقولون: أبرق للمكان الذي فيه لونان، وأجرع للمكان المستوي من الرمل المتمكن فمجيء المذكر على " أفعل " والمؤنث على " فعلاء "، قد بين أنه صفة وربما كثرت الصفة في كلامهم، واستعملت فأوقعت موقع الأسماء، فكأنهم إذا قالوا: هذا أدهم، فإنما يقولون: هذا قيد أدهم، أو شيء أدهم، كما أنك إذا قلت: هذا أبطح، وأجرع، فكأنك قلت: مكان أبطح، ومكان أجرع ومثل ذلك قولهم: الأبغث للطير الذي في لونه كدرة يقيمون الصفة مقام الاسم، وهو اسم لضرب من الطير.

هذا باب أفعل منك

اعلم أنك إنما تركت صرف أفعل منك؛ لأنه صفة، فإن سميت رجلا بأفعل هذا بغير منك صرفته في النكرة.
قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أنه لا ينصرف قبل التسمية لاجتماع علتين، وزن الفعل والصفة، وذلك قولك مررت برجل أفضل منك، وأكرم منك، وهذا أفضل منك، وأكرم منك وإن حذفت منك لم ينصرف أيضا، ويجوز حذفها تخفيفا في الخبر كقولنا: زيد أفضل وأكرم، و " الله أكبر " وأعظم والمعنى زيد أفضل منك والله أعظم من كل شيء.
فإن سميت به رجلا، وكان معه منك ظاهرا لم ينصرف في المعرفة، والنكرة، كقولك: مررت بأفضل منك وأفضل منك آخر، وإن سميته بغير (منك) لم ينصرف في المعرفة، وانصرف في النكرة، كرجل سميته " أفضل " و " أكرم " تقول مررت بأفضل وأفضل آخر كما تقول مررت بأحمر، وأحمر آخر.
وإنما خالف باب أحمر؛ لأن " أفضل " لا يكون نعتا إلا بمنك، فإذا حذفت " منك " في التسمية اجتمع في المعرفة وزن الفعل، والتعريف، وفي النكرة ليس فيه إلا وزن الفعل، وليس له حال ترده إليها.
كما رددنا أحمر إلى حاله التي لم يكن ينصرف فيها، إذ كان أفضل لا يكون نعتا إلا بمنك فإذا حذف من باب أفعل منك الألف انصرف وقد حذف في حرفين وهما قولك: خير منك، ومررت بخير منك وشر منك لأنه قد زال عنه وزن الفعل.
ولو سميت رجلا ب " أجمع " و " أكتع " لم تصرفه في المعرفة وصرفته في النكرة؛ لأنه

لا يبقى فيه إلا وزن الفعل، وليست بصفة للمنكور في الأصل، كما كان أحمر صفة للنكرة.

هذا باب ما ينصرف من الأمثلة وما لا ينصرف

تقول: كل " أفعل " يكون وصفا، لا تصرفه، في معرفة ولا نكرة، وكل أفعل يكون اسما، تصرفه، في النكرة، قلت: فكيف تصرفه وقد قلت: لا تصرفه؟ قال: من قبل أن هذه أمثال يمثل بها، فزعمت أن هذا المثال ما كان عليه من الوصف لم يجر وإن كان اسما جرى وليس بوصف.
قال أبو سعيد: اعلم أن المثال الذي يمثل به الاسم، أو الفعل، أو الصفة منزلته اسم ليس بصفة، فإن كان موضعه يوجب له التنكير، كان اسما منكورا.
وإن كان في موضع يوجب له التعريف، كان اسما معروفا ثم ينظر، فإن كان مثله في حال التنكير، أو التعريف ممنوع الصرف، منع، وإن كان غير ممنوع لم يمنعه.
مثال هذا أنا نقول: كل " أفعل " صفة لا ينصرف، فتصرف " أفعلا " هذا، لأن " كل " توجب له التنكير كقولنا: كل رجل فهو اسم فليس فيه إلا علة واحدة وهي وزن الفعل فينصرف، وإن كان الذي يمثله به لا ينصرف؛ لأن الذي مثلناه به باب " أحمر " وفيه علتان: وزن الفعل، والصفة.
وغير مستنكر أن ينصرف المثال ولا ينصرف المثل؛ لأن كل واحد منهما له حكم نفسه في الصرف، ألا ترى أنك تقول كل " إبراهيم " معرفة لا ينصرف فتصرف إبراهيم هذا، وإن جعلته مثالا لما لا ينصرف؛ لأنه نكرة في التمثيل، وتقول: " أفعل " إذا كان اسما نكرة ينصرف، فلا تصرف أفعل هذا المثال، وإن كان المثل مصروفا؛ لأن أفعل هاهنا معرفة، ومعناه هذا البناء لا ينصرف كما تقول إبراهيم إذا كان نكرة انصرف فلا تصرف إبراهيم المذكور؛ لأنك وضعته موضع المعرفة وهو عجمي، واجتمع فيه علتان.
ويجري مجرى هذا: كل " أفعل " إذا أردت به الفعل الماضي مفتوح الآخر أبدا، لأن " أفعل " اسم وإن جعلته مثالا للفعل فتنونه بحق الاسمية وإن كان مثالا للفعل.
وإذا كان المثال مقترنا بشيء يوجب له حكما، أو كان عاملا في شيء جري مجرى ما قد مثل به، وذلك أن يكون نعتا لمنعوت قبله أو فعلا لفاعل بعده.
قال سيبويه: " فإذا قلت: هذا رجل " أفعل " لم تصرفه على حال، وذلك لأنك

مثلت به الوصف خاصة، فصار كقولك: كل أفعل زيد نصب أبدا، لأنك مثلت به الفعل خاصة ". وقد زعم المازني أنه أخطأ في قوله: رجل أفعل ترك صرف " أفعل ". وقال أبو العباس: لم يصنع المازني شيئا والقول عندي إنه ينصرف؛ لأنّا رأيناهم حيث وصفوا بأفعل الذي هو اسم في الأصل صرفوا، وذلك قولهم هؤلاء نسوة أربع، ومررت بنسوة أربع.
وأما قوله: كل أفعل زيد فلا خلاف فيه، يكون " أفعل " على لفظ الفعل الماضي وقد ارتفع به زيد، ولا يجوز أن يرتفع به إلا وهو فعل، ثم يدخل " كل " على لفظ الجملة ولا يتغير، كما قال: ... … بني شاب قرناها وهذا برق نحره، وسترى ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
قلت: ولم لا يجوز أن تقول: كل " أفعل " في الكلام لا أصرفه، إذا أردت الذي مثلت به الوصف، كما تقول: كل آدم في الكلام لا أصرفه؟ قال: هذا لا يجوز؛ لأنه لم يستقر أفعل في الكلام صفة، بمنزلة آدم، فإنما هو مثال: ألا ترى أنك تقول: لو سميت رجلا " أفعل " صرفته في النكرة لأن " أفعل " لا يوصف به شيء وقد مضى الكلام في نحو هذا.
و " آدم " في نفسه صفة مأخوذة من الأدمة، ويقال رجل آدم، فيبين فيه ممن ليس بآدم، ولا يقال رجل أفعل في شيء من المعاني، وإنما هو من تمثيلات النحويين وحكم اللفظ فيه على ما ذكرته لك، وليس لشيء ثابت في الكلام على طريق المثال، ولكنه يصلح على موضوع النحويين أن يكون مثالا للاسم، والصفة، والفعل، وهو في نفسه اسم؛ لأنهم في المثال يضعونه مواضع الأسماء حين قالوا: " كل أفعل "، وأضافوا إليه " كل " أو قالوا: " أفعل ينصرف " فخبروا عنه.
ومما يجري مجرى هذا كلّ فعلان له فعلى لا ينصرف، وتقول: فعلان إذا كان له فعلى لا ينصرف، فتصرف " كلّ فعلان " لأنه نكرة وهو اسم، كما تقول سعدان للنبت " وحومان " لما صلب من الأرض وهو في قولك " فعلان " إذا كان له فعلى معرفة على ما تقدم، وتقول على هذا كلّ فعلان إذا لم يكن له فعلى مصروف في النكرة غير مصروف في المعرفة.
قال: " تقول كل فعلى له فعلى كانت ألفها لغير التأنيث ينصرف، وإن كانت

الألف للتأنيث لم ينصرف ". قال أبو سعيد: الألف في فعلى، وفعلى يجوز أن تجعلها لغير التأنيث، فتكون للإلحاق كقولهم: أرطى، وعلقى منونين ملحقين بجعفر، وسلهب.
وفعلى تكون الألف فيها للإلحاق فيصير ملحقا بهجرع ودرهم كما قالوا: معزى وذفرى، وقد يجوز أن تكون الألف للتأنيث فيكون فعلى ككسرى ودعوى وفعلى كذكرى ودفلى، والألف في الملحق منها والمؤنث زائدة، والمثال على لفظ واحد، فيجوز أن يجعل الملحق مثالا للمؤنث والمؤنث مثالا للملحق فجاز من أجل ذلك أن تقول كلّ فعلى بالتنوين وكل فعلى بغير التنوين على ما تنويه في الألف من الإلحاق والتأنيث.
وتقول: كل فعلى في الكلام لا ينصرف، وكل فعلاء في الكلام لا ينصرف؛ لأن هذين المثالين لا يكون الألف فيهما إلا للتأنيث فلذلك لم ينونا.
وتقول: كل فعنلى في الكلام منصرف في النكرة، وهذا رجل فعنلى تصرفه، لا غير؛ لأنه ليس في الكلام فعنلى إلا وألفه لغير التأنيث.
ومما لم يذكره سيبويه تقول فعلى، وفعلى مصروفان في الإلحاق نكرتين، فلا تصرف المثالين؛ لأنهما صارا معرفتين، والألف فيهما زائدة فلا ينصرف لاجتماع علتين.
وتقول: كل فعلّلى لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، فتنونه؛ لأن هذا المثال لم توجد فيه الألف للتأنيث، إنما هي للإلحاق في نحو فبعثرى وضبغطرى.
وتقول: كل " فاعلاء " و " فعولاء " و " فعالاء " لا ينصرف؛ لأن هذه الألف لا تجيء إلا للتأنيث نحو " بروكاء "، و " براكاء " و " قاصعاء "، و " راهطاء ". وكذلك تقول: كل فعلى لا ينصرف؛ لأن هذه للتأنيث وتقول على قياس ذلك: كل فعلة، أو فعلة لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة.
وتقول: " فعلة " ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة، ولا تصرف فعلة؛ لأنها معرفة، وفيها هاء التأنيث كما قلنا في أفعل وفعلان، وكذلك القول في كل ما كانت فيه هاء التأنيث على أي وزن كان مثاله، تصرفه في النكرة، ولا تصرفه في المعرفة فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما ينصرف من الأفعال إذا سميت به رجلا

قال أبو سعيد: هذا الباب يذكر فيه من سمي بفعل لا ضمير فيه ولا زيادة في أوله،

وله نظير من الأسماء، فأبو عمرو ويونس والخليل يرون صرف ذلك وعيسى بن عمر لا يرى صرف ذلك في المعرفة.
وذلك كرجل سميته بضرب، أو ضارب أو ضارب يا زيد، وأنت تأمر، ولم تجعل فيه ضميرا، وكذلك لو سميته بدحرج، وهذا قول سيبويه، واحتج له بأنهم سمعوا العرب يصرفون الرجل يسمى بكعسب وهو " فعل " من الكعسبة وهو العدو الشديد.
وكان عيسى بن عمر لا يصرف ذلك ويحتج بإنشاد العرب بيت سحيم: أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا … متى ألق العمامة تعرفوني 1 فلم يصرفوا " جلا " وقد سمي به أباه؛ لأنه فعل ماضي.
وتأويل سيبويه أن في " جلا " ضميرا من أجله لم يصرفه، والفعل إذا كان فيه ضمير أو كان معه فاعل ظاهر ثم سمي به حكى ولم يغير كما قال: بني شاب قرناها تصرّ وتحلب ولهذا موضع يشرح فيه إن شاء الله تعالى.
فإن سميت رجلا بفعل لا نظير له من الأسماء كقولك ضرّب وضرّب مشددا وضرب لم تصرفه؛ لأنه لا يشبه الأسماء، وقد جاء في الأسماء المعارف أسماء على " فعّل " كلها غير مصروف، فمن ذلك خضّم وهو اسم العنبر بن عمرو بن تميم.
وشلم وهو اسم بيت المقدس وعثّر وبذّر موضعان، قال الشاعر وهو زهير: ليت بعثّر يصطاد الرّجال إذا … ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا 2 وقال كثير: سقى الله أمواها عرفت مكانها … جرابا وملكوما وبذّر والغمرا 3 فإن قال قائل: لم منعتم صرف ذلك وقد رأينا في الأسماء بقّم 4 وهو اسم جنس؟ قيل له " بقّم " ليس باسم عربي وإنما تكلمت به العجم، ووافى من كلامها ما كان

من الفعل لا نظير له في الأسماء، فأجري حكمه على حكم الفعل الذي لا نظير له فينصرف في النكرة.
وذكر الأخفش أنه جاء مثل " ضرب " أسماء معرفة، والمعارف غير معول عليها في الأبنية؛ لأنه يجوز أن يسمى الرجل بالفعل وبالحرف وبما لا نظير له في كلام العرب.
وذكر الأخفش أن دئل اسم دابة تشبه ابن عرس وأنشد فيه: جاؤوا بجيش لو قيس معرسه … ما كان إلا كمعرس الدّئل 1 وقال بعض أصحابنا يجوز أن يكون هذا الراوي لم يضبط وأن المحفوظ دؤل بالفتح.
قال أبو سعيد: وقلت أنا يجوز أن يكون دئل سمي بالفعل، وقد رأينا في أسماء الأجناس ما سمي بالفعل كطائر يقال له تبشّر وآخر يقال له: تنوّط، وهذان بناءان للفعل كأنهما سميا بفعل يفعلانه وهو التنويط يقال ناط ينوط ونوّط ينوّط وذلك أنه يعلق عشه ضربا من التعليق المحكم الذي يتعجب منه.
ودئل لم يسم فاعله من دأل يدأل وهو مشي فيه بشيء من نشاط، فيجوز أن تكون هذه الدابة لها مثل هذا المشي.
قال: وإن سميت رجلا بضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيث.
قلت: ضربون، تلحق النون كما تلحقها في " أولى " إذا سميت بها رجلا.
قال أبو سعيد: الواو تدخل في أواخر الأفعال ضميرا، وعلامة للجمع في أواخرها.
فإن دخلت ضميرا، ثم سمي بالفعل الذي هي فيه رجل لم يتغير لأنه فعل، وفاعل، تقول في رجل سميته ب (ضربوا) والواو ضمير: هذا ضربوا، ورأيت ضربوا، ومررت بضربوا، وإن كانت الواو علامة للجمع فسميت به رجلا أدخلت مع الواو نونا فقلت: هذا ضربون، ورأيت ضربين، ومررت بضربين.
هذا هو الوجه المختار، وهو أن تجريه مجرى مسلمين في الرفع بالواو، وفي النصب، والجر بالياء وتفتح النون على كل حال، وتحذفها إذا أضفت كقولك هذا ضربو بلدك ورأيت ضربي بلدك ومررت بضربي بلدك.
وفيه وجه آخر، وهو أن تجعل الإعراب في النون وتجعل ما قبل ياء على كل حال

فتقول: هذا ضربين ورأيت ضربينا ومررت بضربين، وإنما دخلت النون على ضربوا فيمن قال أكلوني البراغيث؛ لأن الواو في أكلوني علامة للجمع، وليست بضمير فاحتجت إلى أن تأتي بالنون معها، وذلك أنا لو سمينا رجلا بضرب، لقلنا: هذا ضرب، ورأيت ضربا، ومررت بضرب، فتجري عليه من الحركات والتنوين ما تجريه على الاسم الذي أصله اسم، فإذا كان في الاسم علامة الجمع التي هي الواو وجب أن تكون معها النون؛ لأن النون عوض من الحركة والتنوين وقد وجبت الحركة والتنوين بالتسمية في الواحد وهذا من أجود علة فيه.
وعلة أخرى: أن هذه الواو كانت في الأصل معها نون، وإنما سقطت النون في الماضي؛ لأنه مبني على الفتح، والنون في مثل هذا الفعل إنما تدخل علامة للرفع، فإذا كان الفعل منصوبا أو مجزوما أو مبنيا سقطت النون، فإذا سمينا به رجعت النون، ولا تسقط من الاسم إلا بأن يضاف فيقال: هذا ضربو بلدك ورأيت ضربي بلدك، فالإضافة في الاسم كالنصب، والجزم، والبناء في الفعل وذلك كله يسقط النون.
وإن سميته بضربا في قول من قال: فأما أخواك، رددت النون، وكان الاختيار أن يحكى لفظ التثنية، فتقول: هذا ضربان ورأيت ضربين، ومررت بضربين.
ويجوز أن يجعل الإعراب في النون، فيكون ما قبلها ألفا على كل حال وتجري مجرى عثمان، فتقول: هذا ضربان، ورأيت ضربان ومررت بضربان.
والكلام في نونه كالكلام في لحاق النون في ضربوا، وقد تكلم الزجاج وغيره، فيما يلحقه الواو، والنون، على غير وجه الجمع، وهو أن تسمي الرجل باسم تزاد فيه الواو، والنون، مختلفا لتسمية المسمى بما لم تتكلم به العرب، كقولهم: حمدون، وعيدون، ونمرون وزيدون.
فإذا جعل ذلك اسما مع الواو والنون، كان فيه وجهان أحدهما أن تجعل الإعراب في النون، وتلزمه الواو على كل حال فيقال: هذا حمدون، وعبدون، ورأيت حمدونا وعبدونا، ومررت بحمدون وعبدون، فيصير بمنزلة زينون وعرجون.
ويلزم الإعراب النون والواو لازمة قبل النون.
ويجوز أن يجعل بمنزلة الجمع فيقال: هذا عبدون، وحمدون ورأيت عبدين، وحمدين في هذا الوجه.

فإن سماه بعبدين، وحمدين بالياء كان فيه وجهان: أحدهما أن تعرب النون وقبلها ياء لازمة فتقول: هذا حمدين ومررت بحمدين، ورأيت حمدينا.
ويجوز أن تجعله كالجمع السالم بالواو مرة ومرة بالياء.
ولا يجوز أن تجعله كزيتون وعرجون؛ لأنه لا يجوز أن تكون معرفة على وجهين مختلفين كما لا يجوز أن يقال في زيتون زيتين.
وإذا كانت الواو في الأصل للجمع، كان فيه حكاية الجمع، فيكون مرة بالواو، ومرة بالياء، ويجوز أن يكون الإعراب في النون ويكون ما قبلها ياء على كل حال كقولك هذه سنين وهذا مسلمين ولا يجوز مسلمون ولا سنون.
فإن سميت رجلا يضربن، ويضربن لم تصرف؛ لأنه ليس له نظير في الأسماء، فامتنع هذا من حيث امتنع " ضرب " تقول: جاءني ضربن، ويضربن، ومررت بضربن ويضربن.
فإذا سميت بضربت قلت: هذه ضربه، إذا وقفت عليه تقف بالهاء، ولا تصرفه إذا وصلت تقول: هذا ضربة فاعلم، ورأيت ضربة، ومررت بضربة.
قال أبو سعيد: واعلم أن الفعل إذا اعتل اعتلالا لازما، يخرجه إلى مثال الاسم، وإن كان ما اعتل منه ليس على مثاله، فإنه ينصرف كقولنا " قيل "، " وردّ "، والأصل فيه قول وردد.
فقيل، وردّ منصرفان في التسمية.
وقول وردد لا ينصرفان، ولو سميت رجلا بضرب فإنه لا ينصرف، فإن خففناه فقلنا (ضرب) كما قيل في (عصر) " عصر " فإنه لا ينصرف أيضا؛ لأن هذا التخفيف ليس بلازم، ولو كان أصل التسمية وقع بالتخفيف صرفته، ولم يجز أن تقول فيه (ضرب) البتة.
ونظير هذا أن " جيأل " اسم الضبع لا ينصرف إذا سمينا بها رجلا.
فإن خففنا الهمزة، فقلنا: (جيل) لم ينصرف أيضا، وذلك أن جيأل على أربعة أحرف مؤنث، فإذا خففنا الهمزة فصار على ثلاثة أحرف فالنية نية الهمزة؛ لأن سقوطها ليس بلازم فكأنها أربعة وما كان سقوطها لازما لم يجر هذا المجرى.
قالوا في تصغير " سماء " " سمية " والهاء تلحق ذوات الثلاثة " وسماء " على أربعة أحرف، فكان حقها أن تلحق الهاء، كما لا تلحق في تصغير " عقرب " " وعناق إذا قلت: " عقيرب " و " عنيق " ولكنه يعرض في التصغير ثلاث ياءات، فيلزم سقوط واحدة منها فتصير كتصغير

الثلاثي من المؤنث، فتلحقها هاء التأنيث.
وكان الأصل في تصغير سماء أن تقول: سميّي بثلاث ياءات، كما تقول: عنييق، ثم تسقط واحدة منها، فتصير سميّ كتصغير الثلاثي من المؤنث، فتلحقها الهاء، كما تقول في رجل: رجيلة وفي يد: يدية، فاعرف في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال سيبويه: وقد ذكر التسمية (يضرب): فإنما كففت في الفعل يعني النون، لأنك حين ثنيت، وكانت الفتحة لازمة للواحد حذفت أيضا في الاثنين النون، ووافق الفتح في ذاك النصب في اللفظ.
يعني أن سقوط النون مما كان مبنيا على الفتح كسقوطها في المنصوب من الفعل، وقد ذكرنا نحو ذلك.
ثم قال: " وكان حذف النون نظير الفتحة كما كانت الكسرة في هيهات نظير الفتحة في هيهات ". قال أبو سعيد: يريد أن الفتح الذي أوجبه البناء في الفعل الماضي كالفتح الذي يوجبه الإعراب في المستقبل، يشتركان جميعا في إسقاط نون الجمع في فعلوا، ولن يفعلوا، فإذا سمي بهما عادت النون، وذلك مثل الفتحة في هيهات، والكسرة في هيهات، وهما مبنيات أحدهما جمع وهو هيهات، والآخر واحد وهو هيهات، وجعلوا التاء في هيهات مكسورة وإن كانت مبنية؛ لأنه جمع والتي في " هيهات " مفتوحة لأنها واحدة.
وكان حق الجمع أيضا أن تكون تاؤه مفتوحة؛ لأن الذي أوجب بناءهما معنى واحد، وهو الإشارة، والإشارة توجب بناء المشار إليه كقولنا: هذا وهؤلاء.
وتقول في المكان: ثمّ، ولما بعد كثيرا: هيهات، فكأنه قال: ذاك بعد، ولكن لما جعل جمعا بالألف والتاء كان ما يجب فيه من الفتح يجعل كسرا، كما أن الفتح الذي يجب بالنصب فيما كان جمعه بالألف والتاء يجعل كسرا، كقولك: رأيت مسلمات، وصالحات، وتقول في الواحد: رأيت مسلمة وصالحة، فجعل الجمع وإن كان مبنيا مكسور التاء إذ كان جمعا في موضع يوجب البناء فيه الفتح كما كان ذلك في المعرب.
وإنما وجب الفتح في " هيهات " وجميع ما في آخرها هاء التأنيث إذا بني نحو ذيت، وثمّت، وربّت؛ لأن هاء التأنيث بمنزلة شيء ضم إلى شيء، فبنيا على الفتح نحو خمسة عشر وما أشبه ذلك.

وفي فتح " هيهات " وجه آخر، وهو أن يكون اتبع فتحة الألف والفتحة التي قبلها كما قال سيبويه في ترخيم أسحار أسحار، ويحمل على هذا فتح نون أيهان في معنى أيهات.
" وهيهات " إذا جعلناه جمعا فهو عندي على أحد وجهين: أحدهما أن يكون جمع " هيها " والعرب تقول: " هيها " في معنى " هيهات ". وتسقط الألف في " هيها "، لاجتماع الساكنين: ألف " هيها " والألف التي مع التاء، كما تقول هذان ورأيت هذين، فتسقط الألف التي في ذا لاجتماع الساكنين.
والوجه الآخر أن يكون جمعا لهيهات المفتوحة فتحذف هاء التأنيث كما تحذفها في مسلمة إذا قلت مسلمات ثم تحذف الألف التي قبلها لالتقاء الساكنين.
وفي هيهات لغات، وقد جمعها أبو الحسن اللحياني في كتاب نوادره، أخبرنا بذلك أبو محمد عبد الله بن الفضل الوراق، قال أخبرني أبو عمرو أحمد بن علي بن عبد الله الطوسي، قال: أخبرني أبي، قال: قرأت على أبي الحسن اللحياني يقال: " هيهات " " هيهات " بالنصب والكسر وأيهات أيهات وأيهات أيهات.
قال الكسائي من نصبها وقف عليهما بالهاء، وإن ضمها بالتاء، ومن خفض وقف بالتاء.
ويقال أيهات أيها.. فتلقى التاء.
قال الشاعر: ومن دوني الإبعاد والقفر كلّه … وكتمان أيها ما أشدّ وأبعدا 1 ويقال أيضا: أيهات أيهان يجعل مكان التاء نون.
قال الشاعر: أيهات منك الحياة أيهانا 2 وحكي هيهات منك الشام أي بعيد منك الشام

قال الشاعر: هيهات هيهات العقيق ومن به … وهيهات خلّ بالعقيق نواصله (1) وأنشد أبو زياد: إحدى بني عائذ الله استمرّ بها … صرف من الدّهر حتّى ينفخ الصّور هيهات مسكنها من حيث مسكننا … إذا تضمّتها دعمان فالدّور (2) وقال: هيهات من عبلة ما هيهاتا … هيهات إلا ظعنا قد فاتا (3) وقال في الخفض: هيهات من مصبحها هيهات … هيهات حجر من صنيعات (4) انتهى إلى هذا الموضع كلام اللحياني.
قال المفسر: وأما إنشاده: هيهات من عبلة ما هيهاتا فلا يكون ذلك من لغة من يقف على " هيهاة " بالهاء، ولا على لغة من يجمع؛ لأن الذي يقف بالهاء، لا يلحقه ألفا، عوضا من التنوين، في حال النصب، ولا يجعله في قافية تائية منصوبة، ولا يقول رأيت ثمرتا إذا وقف، ولا (يجعله) أيضا في قافية.
والذي يجمعه يلزمه أنه يكسر التاء.
وهذا عندي شاذ يحمل على لغة من يقف على التاء في المؤنث فيقول هذه ثمرت وحجفت.

هذا باب ما لحقته الألف في آخره فمنعه ذلك من الانصراف

قال أبو سعيد: هذا الباب مشتمل على الألف المقصورة الزائدة فما كان من ذلك1234

للتأنيث فهذا لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وما كان لغير التأنيث، فهو ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة، فأما التأنيث فنحو حبلى، وحبارى 1، وجمزى 2، ودفلى 3، وغنبى وشروى 4 لا ينون شيء من ذلك بحال في معرفة ولا نكرة.
وذلك، أن الألف فيه للتأنيث والألف تزيد على هاء التأنيث قوة؛ لأنها تبنى مع الاسم، وتصير كبعض حروفه وتتغير لها بنيته ويكسر الاسم معها فيعود الألف في الجميع والهاء تزاد على المذكر ولا يتغير لفظه.
تقول: حبلى، وسكرى: ولا يقال حبل، ولا سكر، ويجمع حبالى، وسكارى فيختلط الألف بحروف ما كسّر، وتقول في الهاء: قائم، وقائمة وثمر وثمرة، فلما كانت الألف مختلطة بالاسم الاختلاط الذي ذكرناه كانت لها مزية على الهاء فصارت بمشاركتها للهاء علة تقوم مقام علتين.
وأما الألف الزائدة، كألف أرطى 5، وحبنطى 6، وقبعثرى 7، وما جرى مجراه من الأسماء المذكرة، التي في أواخرها الألف زائدة، فإنها.. تنصرف في النكرة ولا تنصرف إذا سمي بها في المعرفة؛ لأنها أشبهت بالزيادة ألف التأنيث وانضم إليها التعريف، فمنعا الصرف.
وقد جاءت الأسماء في أواخرها ألف حملها بعض العرب على أنها ألف التأنيث، فلم ينونها بحال، وحملها بعضهم على أنها ألف زائدة للإلحاق، لا للتأنيث، فنونها في النكرة.
فمن ذلك " ذفرى " بعضهم يقول: هذه ذفرى أسيلة، وبعضهم يقول: هذه ذفرى أسيلة، وهي أقلهما.
وكذلك " تترى " بعضهم يجعل الألف للتأنيث وبعضهم يجعلها زائدة للإلحاق

بجعفر، ونحوه.
وفيه قول ثالث، وهو أن تكون الألف عوضا من التنوين، والقياس لا يأباه وخط المصحف يدل على أحد القولين، إما التأنيث، وإما زيادة الألف للإلحاق؛ لأنها مكتوبة بالياء في المصحف " تترى " وأصل " تترى " " وترى " التاء الأولى بدل من الواو؛ لأنها من المواترة.
وألف " معزى " منونة في التنكير بمنزلة " أرطى " وحبنطى " وعلقى.
ومنهم من لا ينون، ويجعلها للتأنيث كما قال العجّاج: يستنّ في علقى وفي مكور 1 وما كان على فعلى نحو " جمزى " و " بشكى " 2 فلا تكون ألفه إلا للتأنيث؛ لأنه ليس في الرباعي شيء يلحق به على وزن فعلل.
قال: وأما موسى، وعيسى، فإنهما أعجميان لا ينصرفان في المعرفة وينصرفان في النكرة.
تقول: مررت بموسى، وموسى آخر، وبعيسى وعيسى آخر.
وموسى الحديد عربية منصرفة في النكرة، وزنها " مفعل "، وهي من أحد شيئين: إما من أوسيت الشعر إذا حلقته، أو من أسوت 3 الجرح، وألزمت التخفيف.
وأما عيسى إذا جعل عربيّا فوزنه فعلى، وأصله من أحد ثلاثة أشياء إما من العيس، وهو ماء الفحل، أو من العيس وهو بياض الإبل، وإما من قولهم: عاس ماله يعوسه إذا قام به، وأحسن سياسته.
وإن سميت بموسى الحديد لم ينصرف في المعرفة، وانصرف في النكرة.
وإنما لم ينصرف في المعرفة؛ لأنها مؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف وهي معرفة، وستقف على ذلك بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما لحقته ألف التأنيث بعد الألف فمنعه ذلك من الانصراف في المعرفة والنكرة

وذلك نحو حمراء، وصفراء، وخضراء، وصحراء، وطرفاء، ونفساء وعشراء، وفقهاء، وسابياء، وحادياء، وكبرياء.
ومثله: أيضا عاشوراء وأصفياء، وأصدقاء، وزمكّاء، ويروكاء وبراكاء ودبوقاء، وخنفساء، وعنكباء، وعقرباء.
قال أبو سعيد: جملة ذلك أن ألف التأنيث يمنع من الصرف في المعرفة والنكرة كما ذكرناه من العلة مقصورة كانت أو ممدودة، وهي في الأصل ألف واحدة، فأما المقصورة منها فأن لا يكون قبلها ألف نحو حبلى، وسكرى.
والممدودة: أن يكون قبلها ألف زيدت للمد، وخص بها ضرب من التأنيث لمّا زيد قبلها، فاجتمعت في آخره ألفان، وهما ساكنتان لا يمكن تحريك واحدة منهما، ولا إسقاط إحداهما؛ لأن الألف لا يمكن تحريكها؛ ولأنها لو سقطت لالتبس الممدود بالمقصور فقطعت ألف التأنيث، وهي الأخيرة منهما همزة؛ لأنها من مخرجها حتى يمكن تحريكها.
قال سيبويه: واعلم أن الألفين لا تزادان إلا للتأنيث، ولا تزادان أبدا، لتلحقا بنات الثلاثة " بسرداح " 1 ونحوها.
ألا ترى إنك لم تر " فعلاء " قط مصروفة، ولم تر شيئا من بنات الثلاثة فيه ألفان زائدتان مصروفا.
قال أبو سعيد: هذا الذي ذكره سيبويه صحيح، وقد رأينا ما فيه ألف زائدة، وبعدها همزة منقلبة، للقائل أن يقول: إنهما ألفان زائدتان كما قال سيبويه في حمراء وبابها: " وإن آخرها ألفين زائدتين، وذلك نحو قولهم: علياء، وحرباء، وزيزاء، وحزباء، وجلذاء، وهي كلها مصروفات.
وقد ذكر سيبويه في هذا الباب، أن الهمزة منقلبة من ياء، وأن الهمزة في باب حمراء منقلبة من ألف، واستدل على ذلك بأنهم يقولون: درحاية، وأن الأصل في علياء، وحرباء،

جارٍ التحميل