شرح كتاب سيبويهصفحات 124-163

قيل له: من قبل أن ما أضيف إليه ليس باسم في لفظه، وإنما هو اسم في معناه، والإضافة الصحيحة ما كانت اللام مقدرة فيه، أو من، فهذه الأشياء التي أضيفت إلى غير متمكن لا يصح تقدير اللام في لفظ ما أضيفت إليه ولا تقدير " من " ألا ترى أنك إذا قلت: " هذا يوم يقوم زيد " كان معناه: هذا يوم قيام زيد.
ويصلح هذا يوم لقيام زيد.
وإذا قلت: " هذا يوم يقوم زيد " لم يجز أن تدخل اللام فتقول: يوم ليقوم زيد.
وإذا قلت: " هذا يوم قيام زيد " جاز أن تدخل اللام، فعلمنا أن الإضافة إلى ما لا يتمكن ضعيفة فلذلك أجازوا البناء في المضاف إليه.
والوجه الثاني: في قوله: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 1 أن (مثل) منصوب على الحال، كأنه قال: إنه لحق مشبها لذلك.
وقوله: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ 2 على قراءة من نصب على وجهين: أحدهما: ما ذكرناه من الإضافة إلى غير متمكن.
والثاني: على الظرف، أي: هذا في ذلك اليوم، ويكون المشار إليه غير اليوم في هذا الوجه.
وفي الوجه الأول المشار إليه هو اليوم.
وقوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ 3 على قراءة من قرأ بالنصب، لا يجوز إلا أن يكون بناء حين أضيف إلى غير متمكن.
رأيت بعض أصحابنا يقول في قول النابغة.
على حين عاتب المشيب على الصبا …... لو قال: على حين أعاتب، ما كان يجوز أن يفتح (حين)، لأن أعاتب- زعم- معرب، وليس هذا بقول مرضى لقوله تعالى؛ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ إنما يبنى هذا وما شاكله؛ لأنه أضيف على ما ليس باسم في لفظه.
ومن ذلك قولك؛ " ما نفعني غير قيام زيد " رفع غير عند أصحابنا البصريين.
فإذا قلت: " ما نفعني غير أن قام زيد "، فلك أن ترفعه على ما يستحقه من الإعراب، ولك أن

تبنيه وتفتحه؛ لأنك أضفته إلى (أن) وهي حرف.
قال الشاعر: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت … حمامة في غضون ذات أو قال وزعم أهل الكوفة أنه يجوز نصبها في كل موضع تحسن فيه (إلا) سواء كان مضافا إلى اسم متمكن أو غير متمكن، فأجازوا: " ما جاءني غير زيد " و " ما غمني غير أن قمت "، ولم يفصلوا بينهما، ولم يجيزوا: " جاءني غير زيد " لأنه لا يقع موقعها (إلا).
قال أبو سعيد؛ واستشهدوا في جواز النصب في الاستثناء بالبيت الذي أنشدناه، فقال البصريون؛ لو قلنا: " ما قام غير زيد " كان قد بقي " قام " بغير فاعل، ولا يجوز خلو الفعل من فاعل.
وإذا قلت: " ما غمني غير أن قمت " فهذا مبني موضعه رفع.
فإن قال قائل: فاجعلوا (غير) إذا كان مضافا إلى اسم في الاستثناء مبنيا وموضعه رفع.
قيل له: لا يجوز ذلك من قبل أن الإضافة إلى الاسم المحض لا توجب بناء الاسم المضاف.
ولو أوجبت ذلك لفتحت (غير) في الاستثناء وغيره للإضافة التي فيها، وليس الاستثناء موجبا للبناء فتبينه بسبب الاستثناء.
وقد رأينا لما ذكرنا من بناء المضاف إلى غير متمكن نظائر، وهي ما ذكرناه فحملناه عليه.
فإن قال قائل: اجعلوا (غير) في الاستثناء مبنيا، لأنه وقع موقع (إلا) و (إلا) حرف، والأسماء إذا وقعت موقع الحروف بنيت.
قيل له: لو جاز ذلك لجاز أن تقول: " زيد مثل عمرو " لأنا نقول: " زيد كعمرو " فتبنى " مثل " لوقوعه موقع الكاف، فلما بطل هذا بطل ما ادعاه هذا المدعي.
فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك ما ذكره بعض النحويين: " ما لقيته يوم يوم " وهذا نادر شاذ، وتفسيره أنه يجعل (يوم) الأول بمعنى: منذ، و (اليوم) الثاني معلوما قد حذف منه ما أضيف إليه، كأنه قال: " ما رأيته منذ يوم تعلم " وتبنيه كما بني: قبل وبعد، حين حذف ما أضيف إليه.
فإن قال قائل: فلم بني يوم الأول؟ قيل له: من قبل أنه حين جعلته بمعنى: مذ، ومذ إذا كان ما بعدها مرفوعا، كانت

فيهما على أحد تقديرين، هي فيهما جميعا في تقدير إضافة إلى شيء، وذلك أنك إذا قلت: " لم أره مذ يومان " أو " مذ شهران " أو نحو ذلك مما يكون جوابا لكم، فتقديره: " لم أره وقتا ما "، ثم فسرت ذلك فقلت؛ أمد ذلك شهران، أو: مدة ذلك شهران، فقولك: " مذ شهران " جملة ثانية، هي تفسير للوقت المبهم في الجملة الأولى، فهذا أحد تقديري: " مذ " إذا رفعت ما بعدها.
والتقدير الآخر أن تقول: " ما رأيته مذ يوم الجمعة " فيكون تقديره: فقدت رؤيته وقتا أوله يوم الجمعة فمذ في هذين الوجهين بمنزلة اسم مضاف، إما على تقدير؛ أمد ذلك، أو: أول ذلك.
فإذا حذفت المضاف إليه من (يوم) الذي هو في معناه في قولك: " ما رأيته يوم يوم " بنيته على الضم كما فعلت بقبل، وبعد، وحين حذفت المضاف إليه ولا يجوز أن تقول: " ما رأيته شهر شهر " ولا: " دهر دهر " من قبل أن (يوم) اسم يستعمل للأوقات كلها ليلها ونهارها، والشهر اسم مؤقت لشيء من الزمان والدهر لما كثر منه، وإن لم يكن مؤقتا.
والدليل على أن اليوم اسم يقع لكل جزء من الزمان ليل أو نهار قول الله جل ذكره: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ 1 فهذا زجر عن الفرار في كل وقت من آناء الليل والنهار.
ومن أبين ما يدل على هذا قول الشاعر: يا حبذا العرصات يو … ما في ليال مقمرات أراد وقتا؛ فلما كان (يوم) يقع على كل شيء من الزمان كما يقع (مذ)، أقاموه مقامه، فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك: لدن.
وفيه ثماني لغات، وهي: لدن، ولدن، ولدن، ولدن، ولدا، ولد، ولد، ولد.
ومعناها: عند، وهي مبنية مع دخول حرف الجر عليها.
فإن قال قائل: فهلا أعربت كما أعربت " عند "؟ فالجواب في ذلك: أن " عند " توسعوا فيها، وأوقعوها على ما بحضرتك، وما يبعد.
وإن كان أصلها للحاضر، فقالوا: " عندي مال " وإن كان بخراسان، وأنت بمدينة السّلام.

و " فلان عنده علم " وإن لم يعنوا به الحضرة.
وقد كان حكم " عند " في البناء حكم " لدن " لولا ما لحقها من التصريف الذي ذكرناه، و " لدن " لا يتجاوز بها حضرة الشيء؛ فلذلك بني.
فأما من قال: لدن ولدن ولدا، فإنه يبنى آخره على السكون من جهة البناء.
وأما من قال: لد، فهو محذوف النون من: لدن.
فإن قال قائل: ولم زعمتم ذلك؟ وهلا كانت حرفا على حياله؟ فالجواب في ذلك أنها لو كانت حرفا على حياله، ولم تكن مخففة من " لدن " لكانت مبنية على السكون لا غير، لحكم البناء الذي ذكرناه.
ومثل ذلك قولهم: رب، وربّ، مخففة ومشددة.
ولو كانت المخففة كلمة على حيالها لكانت ساكنة لا غير؛ إذ كانت حرفا جاء لمعنى.
ومثل ذلك: " منذ " و " مذ "، والأصل: منذ، و " مذ " مخففة منها.
وعليها دليلان.
أحدهما: أن من العرب من يقول: " مذ ". والثاني: أنّا نضم الذال لالتقاء الساكنين بالحركة التي كانت فيها مع النون في قولك: منذ.
وأما من قال: لدن، ولدن، فكسر النون لالتقاء الساكنين.
وأما من سكن الدال، فإنه بنى باقي الكلمة بعد الحذف والتخفيف.
واعلم أن حكم " لدن " أن تخفض بها على الإضافة؛ لأن النون من أصل الكلمة بمنزلة الدال من " عند " كما قال الله عز وجل: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ 1 غير أن من العرب من ينصب بها " غدوة " فيقول: " من لدن غدوة ". قال الشاعر: لدن غدوة حتى ألاذ بخفّها … بقية منقوص من الظلّ قالص 2 وإنما يفعل ذلك، لأنه ينزع النون عنها، فيقول: " لد " ويدخلها فيقول: " لدن "، فشبهت بنون " عشرين " حين قالوا: " عشر وزيد " و " عشرون درهما "، إلا أن نون " عشرين "

زائدة، ونون " لدن " أصلية، فشبهت الأصلية بالزائدة حين ثبتت في حال وسقطت في حال، كما ثبتت الزائدة في حال وسقطت في حال.
وأما قول الشاعر: من لد شولا فإلى إتلائها فهذا فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الشول مصدر: شالت بذنبها شولا.
والناقة تشول بذنبها إذا لقحت.
والإتلاء: أن تلد فيتلوها ولدها، ومعناه يتبعها.
وقد أتلت فهي متلية، إذا تلاها ولدها؛ فيقول: مذ كانت في وقت شول ذنبها إلى وقت إتلائها، وحذف الوقت وجعل الشول ظرفا، كما تقول: " أتاني مقدم الحاج " و " خفوق النجم " وإنما تعني: في وقت مقدم الحاج، ووقت خفوق النجم.
وصحة التقدير من طريق العربية: مذ لد وقت أن شالت شولا إلى وقت إتلائها؛ لأنه لا يصح أن تقول: مذ لد أن كانت الناقة في وقت شولها إلى وقت إتلائها؛ لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث.
والقول الثاني: أن يكون الشول جمع شائل، وهي التي قل لبنها وليس من رفع الذنب.
تقول: ناقة شائلة، ونوق شول، إذا قلت ألبانها.
كما تقول: امرأة زائرة ونسوة زور.
وناقة شائل إذا رفعت ذنبها ونوق شول.
قال أبو النجم: كأن في أذنا بهن الشّول … من عبس الصيف قرون الأيل فيكون تقدير هذا: مذ لد وقت أن كانت النوق شولا إلى وقت إتلائها، أي إلى وقت أن ولدت وكثرت ألبانها.
والاختيار عند أصحابنا للأول، فاعرفه إن شاء الله.
قال سيبويه: " اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان، الأولى منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون، يكون في الرفع ألفا، ولم يكن واوا ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في الجرياء مفتوحا ما قبلها، ولم يكسر ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في النصب كذلك، ولم يجعلوا النصب ألفا ليكون مثله في الجمع، وكان مع ذا أن يكون

تابعا لما الجر منه أولى؛ لأن الجر للاسم لا يجاوزه، والرفع قد ينتقل إلى الفعل، فكان هذا أغلب وأقوى ". قال أبو سعيد: اعلم أن العرب إذا ثنت اسما باسم زادوا على أحد الاسمين زيادة تدل على التثنية.
وكان ذلك أخصر وأوجز من أن يذكروا الاسمين.
فيعطفوا أحدهما على الآخر، كقولك: " زيد وزيد " و " رجل ورجل "، وجعلوا العلامة الدالة على ذلك حروفا؛ إذ كانت الحركات قد استوعبها الواحد، وجعلوا تلك الحروف هي الحروف المأخوذة منها الحركات؛ لأن حكم العلامات أن تكون بالحركات؛ إذ كانت أقل وأخف.
فإذا كانت الحركات ممتنعة لما ذكرناه، فأولى العلامات الحروف التي تشبه الحركات، فإذا كانت والواو والألف، فكان حكم الواو أن تكون في تثنية المرفوع، وحكم الياء أن تكون في تثنية المجرور، وحكم الألف أن تكون في تثنية المنصوب.
وكذلك الجمع الذي على حد التثنية، لما لم يمكن إبانته إلا بالحروف على حسب ما ذكرنا في التثنية، غير أنه لا بد من فصل بين التثنية والجمع، فلم يمكن الفصل بينهما بنفس الحروف؛ لأنها سواكن، فجعل الفصل بين التثنية والجمع بالحركات التي قبل الحروف.
فكان ينبغي على الترتيب الذي رتبنا أن تكون تثنية المرفوع بواو مفتوح ما قبلها؛ كقولك: " مسلمون "، وتثنية المجرور: " مسلمين " وتثنية المنصوب " مسلمين ". وجمع المرفوع بواو مضموم ما قبلها كقولك: " مسلمون " وجمع المجرور بياء مكسور ما قبلها، كقولك: " مسلمين " وجمع المنصوب بالألف، والألف لا يمكن أن يكون ما قبلها إلا مفتوحا كقولك: " مسلمان ". وإنما وجب أن يكون ما قبل هذه الحروف في التثنية مفتوحا، وفي الجمع على غير ذلك، من قبل أن حرف التثنية لما أضيف إلى الواحد- لعلامة التثنية- أشبه الهاء التي تضاف إلى الواحد لعلامة التأنيث، وهي تفتح ما قبلها، ففتح ما قبل حرف التثنية لهذه المشابهة.
ووجه آخر، وهو: أن بعض علامات التثنية ألف لازمة لها مستعملة فيها، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، ففتحوا ما قبل غيرها من الحروف، لئلا يختلف؛ إذ ليس علة تضطر إلى المخالفة.
ووجه ثالث، وهو: أن التثنية أكثر في الكلام من الجمع السالم؛ لأنها على منهاج

واحد، والجمع يقع فيه مكسر وسالم، والمكسر لا علامة فيه من هذه العلامات، نحو: " ثياب " و " مساجد " و " أفلس " و " أكلب "، فلما كانت التثنية أكثر اختاروا لها حركة خفيفة.
ووجه رابع، وهو: أنهم لما احتاجوا إلى تحريك ما قبل حرف التثنية لسكونه حركوه بأخف الحركات إذ كان ذلك يوصلهم إلى ذلك ولم يتكلفوا أثقل منها لاستغنائهم عنه، ثم غيروا في الجمع الحركات التي قبل هذه الحروف، لئلا يقع لبس، غير أنهم لما فعلوا ذلك وقع الفرق بين التثنية والجمع في المرفوع والمجرور؛ لأن ما قبل الياء والواو في التثنية مفتوح، وفي الجمع على غير ذلك، وما قبل الألف في التثنية والجمع مفتوح فالتبس تثنية المنصوب بجمعه، فأسقطوا علامة النصب لما ذكرنا من اللبس، فبقي النصب بلا علامة، فلم يكن بد من إلحاقه بأحدهما، إما بالرفع وإما بالجر.
وكان إلحاقه بالجر أولى من أربعة أوجه: أولها: أن الجر يختص به الاسم، ولا يكون إلا فيه والرفع يكون فيه وفي الفعل، وما لزم شيئا واحدا واختص به فهو أقوى فيه، فلما قوي الجر في الاسم للزومه له، كان إلحاق النصب به أولى في المعنى الذي لا يكون إلا في الاسم وهو التثنية.
والوجه الثاني: أن المنصوب والمجرور يستويان في الكتابة، ويخالفهما المرفوع، وذلك قولك: " هذا غلامك " و " ضربتك "، فالكاف في: " غلامك " موضعها جر، وفي: " ضربتك " موضعها نصب، وصيغتهما واحدة.
والوجه الثالث: أن المنصوب والمخفوض جميعا مشتركان في وصول الفعل إليهما ووقوعه عليهما، غير أن وقوعه على المنصوب بلا واسطة، وعلى المجرور بواسطة، وذلك قولك: " تعلقتك " و " تعلقت بك " و " نصحتك " و " نصحت لك " و " جئتك " و " جئت إليك "، فالفعل يكون مرة واصلا بحرف ومرة بغير حرف، والمعنى واحد، فلما اشتركا في معنى الكلام دون المرفوع، اشتركا في اللفظ دونه.
والوجه الرابع: وهو أنا لما احتجنا إلى إلحاق المنصوب بالمرفوع أو المجرور لزوال حروفه على ما تقدم من بيان ذلك، وكانت الياء التي هي علامة المجرور أخف من الواو التي هي علامة المرفوع، كان إلحاقه بالأخف أولى إذ لا علة تضطر إلى الإلحاق بالأثقل، فتبقى علامة التثنية " مسلمون " للمرفوع بفتحة الميم، و " مسلمون " في الجمع المرفوع بضمة الميم، و " مسلمين " و " مسلمين " المجرور والمنصوب.
فأزالوا الواو من التثنية، وجعلوا

مكانها ألفا، فصارت تثنية المرفوع بالألف.
وإنما فعلوا ذلك لعلل منها: أنهم كرهوا أن يستعملوا حرفين من حروف المد واللين، ويطرحوا الثالث، وقد كانت الحركات المأخوذات منهن مستعملات في الواحد، واستعملوا الألف في التثنية دون الجمع، لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح مشاكل للألف واستعملوه في المرفوع دون المجرور لثلاث علل.
إحداها: أن المجرور قد الحقوا به المنصوب فلو استعملوها فيه للحق به المنصوب وكان يعود المنصوب بالألف وقد أزيلت علامته بالألف لما وصفنا.
والعلة الثانية: أن المجرور ألزم في الاسم من المرفوع وأخص به وكان تغيير ما ليس بلازم أولى من تغيير اللازم.
والعلة الثالثة: وهي أنهم لما احتاجوا إلى إبدال الياء: أو إبدال الواو وبالألف وإزالة إحداهما كانت إزالة الواو وإبدالها أولى لأنها أثقل.
ومما أوجب أن تستعمل الألف أن تثنية المرفوع إذا استعملت بالواو فقيل: مسلمون يشبه ما جمع من المقصور جمع السلامة نحو مصطفون ومعلون، وأشباه ذلك.
فإن قيل فأنتم إذا قلتم مسلمين، فهو يشبه معلين ومصطفين.
قيل له إذا وقع الفرق في وجه من التثنية، كان الفرق الواقع فيها دلالة على ما لم يفترق في اللفظ وما قل في اللبس كان أولى مما كثر واتسع، فإذا أبدلنا الألف من الواو في التثنية لئلا يشبه مصطفون وتركنا الياء في التثنية، وإن أشبهت في اللفظ " مصطفين " فقد فرقنا في المرفوع بين التثنية والجمع الذي على حدها وإن لم يفعل ذلك وقع اللبس بين المرفوع والمجرور جميعا.
فإن قال قائل: فهلا استعملوا النصب بالألف في التثنية أو الجمع، وأسقطوه في الآخر لأن اللبس إنما يقع باستعماله فيهما.
قيل له: لما كان جمع السلامة كالتثنية في تسليم لفظ الواحد وزيادة ما يدل على التثنية والجمع وقد وجب ما ذكرناه من إسقاط النصب من أحدهما، كرهوا استعماله في الآخر، لئلا يختلف طريقهما، وهذا مثله كثير في العربية، منها أنهم قالوا: " يعد ويزن " والأصل يوعد ويوزن لأن فاء الفعل واو فحذفوها لوقوعها بين ياء وكسرة في يوعد ويوزن ثم اتبعوا الحذف بسائر الأفعال المضارعة فقالوا تزن وتعد وإن لم تقع الواو بين ياء وكسرة حتى لا تختلف الأفعال المضارعة إذا كانت طريقتها واحدة.

فإن قال قائل: فهلا جعلوا الألف للنصب في التثنية والواو له في الجمع وأسقطوا الرفع وألحقوه بالجر؟ قيل له: إن الرفع له المرتبة الأولى فلا بد له من علامة تسبق إليه على النحو الذي تكون فيه حركته وتلك العلامة الواو، وقد أمكن فيها الفصل على ما وصفنا فلم تكن بنا حاجة إلى إسقاطه وإلحاقه بغيره.
واعلم أن الألف والياء في التثنية والواو والياء في الجمع عند جمهور مفسري كتاب سيبويه هن حروف الإعراب بمنزلة الدال من زيد والراء من جعفر والألف من قفا وعصا.
واحتجوا في ذلك بحجج، منها: أنهم قالوا: حكم الإعراب أن يدخل الكلمة بعد دلالتها على معناها؛ لاختلاف أحوالها في فعلها، ووقوع الفعل بها، وغير ذلك من المعاني ومعنى ذاتها واحد، ألا ترى أنك تقول: " مررت بالرجل " و " رأيت الرجل "، و " هذا الرجل "، فمعنى " الرجل " واحد في هذه الأحوال، واختلف إعرابه لاختلاف ما يقع منه وبه، فلما كان الواحد دالا على مفرد وبزيادة حرف التثنية دل على اثنين، كان حرف التثنية من تمام صيغة الكلمة للمعنى الذي وضعت له فصارت الألف بمنزلة الهاء في " قائمة "، والألف في " حبلى "، لأن الهاء والألف زيدتا لمعنى التأنيث، كما زيد حرف التثنية لمعنى التثنية: قالوا: فإن قال قائل: إذا كانت هذه الحروف هي حروف الإعراب، كالألف في " حبلى " والنصب والهاء في " قائمة " وغير ذلك من الحروف التي هي أواخر الكلمة، فينبغي أن لا يتغيرن في حال الرفع والجر، لأن حروف الإعراب لا تتغير ذواتها في هذه الأحوال.
فالجواب في ذلك أن التثنية والجمع خاصة ينفردان بها، فاستحقا من أجلها التغيير وهي أن كل اسم معتل لا تدخله الحركات فله نظير من الصحيح تدخله الحركات نحو قفا وعصا وحبلى وسكرى، نظير قفا وعصا جبل وجمل، ونظير ألف التأنيث في حبلى وسكرى حمراء وفقهاء.
لأن هذه الهمزة في حمراء وفقهاء هي ألف التأنيث، والتثنية وجمع السلامة لا نظير لواحد منهما إلا تثنية أو جمع فامتنع التثنية والجمع من نظير يدل إعرابه على مثل إعرابهما، كدلالة جمل وجبل وحمراء وفقهاء، على إعراب أمثالهن من المعتل فعوض التثنية والجمع من فقد النظير الدال على مثل إعرابهما تغيير الحروف فيهما.

ومما يدل على أن تغيير الحروف لا يدل على إعراب، أنا قد رأينا أسماء مبنية وقد تتغير صورها في حال النصب والجر والرفع، وهي الكنايات المنفصلة والمتصلة؛ تقول في المنفصلة أنا وأنت في حال الرفع وإياك وإياي في حال النصب، وتقول في المتصلة " هذا غلامك " فتكون الكاف في موضع الخفض، وهي اسم المخاطب، و " رأيتك " فتكون في موضع نصب وتقول " قمت " وذهبت فتكون التاء في موضع الرفع وقد تغيرت صورة هذه الحروف في حال الرفع والنصب والجر، وهي مبنية مع ذلك فغير مستنكر أن تتغير حروف التثنية والجمع، وإن لم يكن تغيرها إعرابا.
فإن قال قائل: أخبرونا عن هذه الحروف هل فيهن حركة في النية وإن لم ينطق بها، استثقالا كما تكون في قفا وعصا حركة منوية فإن في هذا جوابين؛ أحدهما: أن فيه حركة مقدرة وإن لم ينطق بها استثقالا، كما تكون في قفا وعصا حركة منوية من قبل أن هذه الحروف لما دلت على تمام معنى الكلمة في ذاتها، وأشبههن ألف حبلى وقفا وعصا جرين مجراهن في نية الحركة فيهن إذ لا موجب للبناء.
والجواب الآخر أن لا حركة منوية فيه من قبل أن الحركات وضعن في أصولهن لدلالة على اختلاف أحوال ما دخلن عليه، ولا سبيل إلى إدخالهن في المثنى والمجموع، ولا في نظير لهما يبين اختلافهما في النظير لهما عن اختلافهما ويدل عليه كما أنبأت الحركة في حبل وجمل عن حركة قفا وعصا.
ومما احتج به الذاهبون إلى هذا الذين يقولون: إن الألف والياء في التثنية ليستا بإعراب من قول سيبويه أن قالوا: رأينا الإعراب المجمع عليه يجوز سقوطه من الشيء المعرب حتى لا يكون فيه، نحو الحركات في " زيد " والرجل وما أشبه ذلك، إذا وقفت عليه وكنحو النون في تثنية الفعل وجمعه وتأنيثه كقولك: " تفعلان " و " تفعلون " إعراب وهي علامة الرفع ثم تسقط في النصب والجزم فتقول " لم يفعلا " " ولن يفعلا ". واحتجوا أيضا فقالوا: ليس يخلو القول في هذه الحروف من أن تكون بمنزلة الدال من زيد، والألف من عصا، كما قلنا، أو تكون بمنزلة الضمة في الدال من زيد، والفتحة والكسرة، كما قال قطرب ومن تابعه أو تكون دليلا على الضمة والكسرة والفتحة كما قال الأخفش ومن تابعه قالوا: ففاسد أن تكون هذه الحروف بمنزلة الحركات من قبل أن ارتفاع الحركات من الاسم حتى يبقى متعريا منها غير مخل بمعناه

وارتفاع الحروف من التثنية والجمع مبطل لمعناهما وفاسد أن تكون هذه الحروف دليل الإعراب من وجهين أحدهما أن الدليل إنما يدل على معنى في شيء، فإذا قلنا: الزيدان أو الرجلان أو رجلان فليس تخلو هذه الألف أن تكون دالة على حركة فيها أو حركة في غيرها فغير جائز أن تكون دالة على حركة في غيرها، لأنه لا شيء في الكلمة سواها يمكن تقدير الإعراب فيه.
وإن كانت تدل على حركة فيها فهي الضمة، فينبغي أن يكون التغيير إذا وقع دل على حركة أخرى في الألف ولا تتغير الألف لأن الألف الدالة إنما دلت على حركة فيها كما تكون ألف عصا في حال واحدة في حال الرفع والنصب والجر وتقدير الإعراب مختلف فيها، فيكون الدليل دالا على اختلاف الحركات في موضع واحد.
فإن عارض معارض في هذه الوجه فقال: الألف تدل على إعراب فيها والياء تدل على إعراب أيضا فيها سوى الإعراب الأول.
قيل له: فإذا كانت صورتا الألف والياء قد اختلفا وليس في غيرهما شيئان يدلان على اختلافهما باختلاف صورتيهما فلم لا يكونان إعرابين في أنفسهما وما الحاجة الداعية إلى أن تجعلهما دليلين على شيء في أنفسهما وهما قد أغنيا عنه بصوريهما.
والوجه الثاني: أن الإعراب دال على المعنى فإذا جعلنا هذه الحروف دليلة على الإعراب، والإعراب دال على المعنى، فهذه الحروف غير دالة على معنى الكلمة، وإنما الدال على معناها ما ليس في الكلام، وبعيد أن يجعل معنى الكلمة معلوما من غير لفظ الكلمة مع إمكان الاستدلال بلفظها على معناها.
قالوا: فإن قال قائل فإذا زعمتم أن هذه الحروف بمنزلة الدال في زيد والألف في عصا، وأنه لا إعراب فيها فلم سماها سيبويه حروف الإعراب؟ فالجواب في ذلك أن حروف الإعراب هي أواخر الكلم دخلها الإعراب أو لم يدخلها؛ لأنها في الموضع الذي يحل فيه الإعراب إذا وجد، ونظير هذا قول النحويين: الحروف الزوائد عشرة ويجمعها: " اليوم تنساه "، وهذه الحروف قد تكون زائدة وأصلية؛ ألا ترى أن الألف في " أكل " أصلية، واللام في " لمح " كذلك، وسائر هذه الحروف العشرة تكون أصولا ثم سموها زوائد إذ كانت الحروف الزوائد لا تخرج عنها، فاعرفه إن شاء الله.
وذكر قوم مذهب سيبويه أن الألف والياء في التثنية، والواو والياء في الجمع، هن

إعراب بمنزلة الضمة والكسرة والفتحة في دال " زيد ". فاحتج عليهم الآخرون فقالوا هذه الحروف إذا حذفت بطل معنى التثنية، والإعراب إنما يدخل الكلمة بعد تمام معناها.
فقال لهم أهل هذه المقالة: قد يجوز أن يكون الحرف من الكلمة نفسها ويكون أيضا إعرابا، وذلك أنا لا نختلف أن الأفعال التي في أواخرها الياء والواو والألف جزمها بسقوط هذه الحروف منها، كقولك: " لم يقض " و " لم يغز " و" لم يخش "، فإذا جاز أن يكون الإعراب بحذف شيء من الكلمة نفسها جاز أن يكون بإثباته.
وقال أهل المقالة الثانية: ويدل على صحة ما قلت قول سيبويه: اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان الأولى منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون يكون في الرفع ألفا، والرفع لا يكون إلا إعرابا، وقد جعله سيبويه رفعا فصح أنه إعراب.
فإن قال قائل: فإن سيبويه قد سمى الضمة رفعا في نداء المفرد كقولك: " يا زيد " وليست بإعراب.
فإن الجواب في ذلك: أنه إنما سماها رفعا من حيث كانت ضمة لتشابه الصورتين ضمة الرفع وضمة البناء، والألف لا تكون علامة للرفع فيسمى ألف الاثنين رفعا لمشابهتهما، فصح أن نفس الألف هي الرفع.
قالوا: وقول سيبويه: " وهو حرف الإعراب " هو أيضا دليل على ما قلنا؛ لأن معناه الحرف الذي به أعرب الاسم، كما تقول: " الرجل " فضمة الإعراب التي على اللام دون الضمة الأخرى، وهي الإعراب، كذلك حرف الإعراب هو الحرف الذي أعرب به الاسم.
ثم نعود إلى تفسير الفصل من كلام سيبويه حرفا حرفا، وإن كنا قد أتينا على تفسير قوله " أعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان " يعني لحقته ألف ونون أو ياء ونون؛ وإنما أنث " زائدتان "، لأن حروف المعجم تؤنث وتذكر، والتأنيث أغلب فيها.
وقوله: " الأولى منهما حرف المد واللين وهو حرف الإعراب " يعني الأولى ألف أو ياء فأيهما كان فهو حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب، يعني حرف المد واللين الذي ذكر هو حرف الإعراب.
وقد ذكرنا فيه قولين أحدهما أنه بمنزلة الدال من زيد

والآخر أنه بمنزلة حركة الدال.
وقوله: " غير متحرك ولا منون " يعني أن حرف الإعراب الذي ذكره غير متحرك، لأنه ألف والألف لا تكون متحركة.
أو ياء سبيلها سبيل الألف في علامة التثنية.
ومعنى: " ولا منون " يعني أن حرف الإعراب لا يدخل عليه التنوين كما يدخل على ألف قفا وعصا من قبل أن النون قد جعلت بمنزلة التنوين.
وقوله: " يكون في الرفع ألفا " يعني حرف الإعراب الذي ذكره وقد وصفنا أن منهم من يقول إنها هي الإعراب، ومنهم من يقول إنها بمنزلة الدال فيتأول قول سيبويه: " يكون في الرفع ألفا " أي في الموقع الذي يقع فيه المرفوع وإن لم يكن هو مرفوعا، كما يقول ضمير المنصوب المنفصل إياك وإياه، وضمير المرفوع هو وهي، وفي التثنية هما، وفي الجمع هم وهن، وليس شيء من هذا بمرفوع ولا منصوب ولكن ما يقع موقعه من الأسماء المعربة يكون مرفوعا ومنصوبا.
وقوله: " ولم يكن واوا ليفصل بين الاثنين والجمع الذي على حد التثنية " يعني ولم يكن حرف الإعراب في تثنية المرفوع واوا، وحكمه أن يكون واوا، لأن الضمة مأخوذة من الواو ليفصل بين التثنية إذا ثنيت مسلما على مسلمون بفتح ما قبل الواو وبين الجموع المعتل في حال الرفع، تقول مصطفون جمع مصطفى، وقد مر هذا.
وقوله: " ويكون في الجر ياء مفتوحا ما قبلها " يعني حرف الإعراب.
وقوله: " ولم يكسر ليفصل بين التثنية والجمع " لأنك لو كسرت فقلت في التثنية " مسلمين " بكسر ما قبل الياء وفي الجمع " مسلمين " لالتبس التثنية بالجمع.
وقوله: " الذي على حد التثنية " يعني الجمع السالم لأن الجمع على ضربين سالم ومكسر؛ فالسالم ما سلم فيه لفظ واحده وزيد عليه واو ونون أو ياء ونون كقولك: " مسلم ومسلمون ومسلمين " والمكسر ما تغير فيه لفظ واحده كقولك " غلام وغلمان " و " درهم ودراهم " والتثنية لا تكون إلا على وجه واحد، وهو أن يسلم لفظ واحدها وتزاد عليه علامة التثنية فإنما قال: " الجمع الذي على حد التثنية " أي الذي يسلم لفظ واحده " ويكون في النصب كذلك " يعني ويكون حرف الإعراب في النصب كالجر الذي تقدم ذكره.
وقوله: " ولم يجعلوا النصب ألفا ليكون مثله في الجمع " يعني لو جعلوا النصب

بالألف في التثنية؛ لأن الألف مأخوذ منها الفتحة، للزمهم أن يجعلوا النصب بالألف في الجمع فكانت تلتبس التثنية بالجمع، وقد مر نحو هذا.
فإن سأل سائل فقال: ما معنى دخول اللام في: " ليكون " وأي لام هي؟ وما تقدير الكلمة؟ فإن الجواب في ذلك أن معناه تركوا جعل النصب بالألف لئلا يكون مثله في الجمع، كأن تركهم جعل النصب بالألف في التثنية أن تلزمهم جعله بالألف في الجمع كقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا 1 ومعناه كراهة أن تضلوا وبعضهم يقول: لئلا تضلوا وكذلك لم يجعلوا النصب ألفا لكراهة أن يكون مثله في الجمع، وإن شئت: لئلا يكون مثله في الجمع.
وظاهر أن تركهم الألف في تثنية المنصوب علة أن يكون مثله في الجمع، وليس كذلك؛ لأنهم ما تركوه في التثنية ليثبتوه في الجمع كما أن الله تعالى ما بين لهم ليضلوا.
وهذه اللام هي لام المفعول له، وتكون داخلة على علة وقوع الفعل والسبب الفعل فكان هذا أغلب وأقوى " يعني إتباع النصب بالجر أولى؛ لأن الجر لا يكون إلا في الاسم والرفع قد يكون في الاسم والفعل وقد أحكمنا هذا فيما مضى.
قال أبو الحسن الأخفش بعد الفصل الذي أمللناه من كلام سيبويه ولم يتبع الجر الرفع.
لأنه أول ما يدخل الاسم، فقد ثبت الرفع قبل الجر وقد مر تفسير هذا.
وقال سيبويه: " وتكون الزائدة الثانية نونا كأنها عوض لما منع من الحركة والتنوين وهي النون وحركتها الكسر، وذلك قولك الرجلان ورأيت الرجلين ومررت بالرجلين ". قال أبو سعيد: إن سأل سائل فقال ما الدليل على أن النون عوض من الحركة والتنوين؟ قيل له: الدليل على ذلك أنا رأينا الاسم المنفرد فيه حركة، وتنوين بحق التمكن والاسمية، فلما ضم إليه غيره وثني معه، زيد عليه حرف لمعنى التثنية، فامتنع ما قبل حرف التثنية من الإعراب والتنوين وألزم حركة واحدة، ولم تزل التثنية عنه ما كان له من الاسمية والتمكن، فعوض النون من الحركة والتنوين؛ لأن المعنى الذي أوجبها لم تزله التثنية.

فإن قال قائل: فلم يجعل النون عوضا؟ قيل له: قد كان ينبغي في القياس أن يكون ذلك العوض أحد حروف المد واللين والألف أو الياء أو الواو، غير أنهم لو جعلوا ذلك ألفا أو ياء أو واوا للزمهم قلبها أو تغيير ما قبلها أو حذفه، لأن علامة التثنية في الرفع ألف فلو وقعت الألف بعدها أو الياء أو الواو، انقلبت همزة وكذا حكمه في التصريف ألا تراهم قالوا: " أحمر وحمراء " الهمزة في " حمراء " منقلبة من ألف التأنيث وقالوا " سقاء " و " عطاء " والأصل " سقاي " و " عطاي ". وفي حال النصب والجر لو جعل العوض ألفا تحركت الياء التي هي علامة التثنية وانفتحت؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
ولو جعلت واوا أو ياء في حال النصب والجر، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء الأولى فتنكبوا هذه الحروف لهذا التغيير الذي ذكرنا.
فلم يكن بعد هذه الحروف حروف أشبه بها ولا أقرب منها من النون، لأنها قد تكون إعرابا في الرفع إذا قلت: " يضربان " وتزاد مع الإعراب علامة للتمكن في قولك: " زيد " و " فرس " وغير ذلك من مواضعها.
وكسروا هذه النون لالتقاء الساكنين.
فإن قال قائل فإذا زعمتم أن النون عوض من الحركة والتنوين فلم تثبت مع الألف واللام ولا تنوين معهما؟ فإذا جاز أن يوجد في موضع ليس فيه تنوين فكيف صار عوضا من التنوين ولا تنوين؟ فإن في ذلك جوابين كلاهما مقنع، أحدهما: أن النون دخلت قبل دخول الألف واللام عوضا من الحركة والتنوين ثم دخلت الألف واللام للتعريف والدليل على ذلك أن ما فيه الألف واللام لا تجوز تثنيته لأنه معرفة بالألف واللام معين مقصود إليه، فإذا ثنيناه زال التعين وصار من أمة كل واحد منهم له مثل اسمه، ألا ترى أنه لو قيل: ثن زيدا وبقي فيه التعريف لقلت الزيدان، وذلك أنك قصدت إلى " زيد " الذي هو معرفة بالتسمية، فلما ثنيته قلت: " زيدان " فزالت التسمية والتلقيب الذي كان من أجله معرفة؛ لأنهما لم يسميا معرفة في موضع تلقيبهما وتسميتهما بالزيدين مثنى، ثم أدخلت الألف واللام عليهما فتعرفا بها لا بالتسمية والتلقيب؛ فصح بما ذكرنا أن النون حين أدخلوها دخلت عوضا من الحركة والتنوين، ثم لم تزلها الألف واللام، كما أزالت التنوين؛ لأن التنوين ساكن ساقط في

الوقف والنون متحركة ثابتة في الوقف وسلم قولنا من المناقضة والدخل؛ لأنا نقول إن النون تدخل عوضا من الحركة والتنوين فلم تدخل إلا كذلك.
والوجه الثاني من الوجهين أن النون لما دخلت عوضا من الحركة والتنوين، ثم رأيناها تسقط في المضاف مع ثبوت أحد بدليها وهي الحركة إذا قلت: " هذان غلاما زيد " فكان المضاف في سقوط النون عنه بمنزلة ما ليس فيه حركة؛ إذ قد سقطت عنه النون التي هي عوض من الحركة والتنوين، فجعلوا الحركة التي في المضاف ولم يعوض منها شيء مع الحركة التي في الألف واللام بمنزلة حركتين فعوضوا منها النون، وجعلوا سقوط النون في المضاف مع ثبوت أحد بدليها، كثبوت النون في الألف واللام مع سقوط أحد بدليها للاعتدال.
فإن قال قائل: فهلا أثبتوها مع المضاف وأسقطوها مع الألف واللام؟ فإن في ذلك ثلاثة أجوبة أحدها: أن المضاف إليه محله محل التنوين وجعلت الألف واللام في أول الكلام فكان حذف النون وإحلال المضاف إليه محلها أحسن وأجود.
والوجه الثاني أن المضاف إليه مع المضاف كالشيء الواحد، والنون والتنوين يفصلان الكلمة عما بعدها، والألف واللام تفصل الكلمة أيضا عما بعدها كفصل النون والتنوين، فكان زيادة النون مع الألف واللام تأكيدا لمعناها، ومع الإضافة نقصا لفحواها.
والوجه الثالث أن الألف التي هي مثل علامة التثنية قد تلحق الواحد مع الألف واللام في القوافي، وفي أواخر الآي كقول الله تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا 1 وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 2 قال الشاعر: أقلّى اللوم عاذل والعتابا … وقولي إن أصبت لقد أصابا 3 فلو أسقط النون مع الألف واللام لجاز أن يظن في حال أنه واحد.
فإن قال قائل: فلم تدخل النون ما لا ينصرف إذا ثنيته كقولك: " أحمر وأحمران " ولا تنوين في الواحد؟ فإن الجواب في ذلك أن ما لا ينصرف من الأسماء أصله الصرف وإنما دخلته علة

أشبه بها الفعل، والتثنية تزيل عنه تلك العلة، فيعود إلى مثل حكم سائر الأسماء.
فإن قال: فلم دخل المبهمات النون إذا ثنيت، كقولك: " هذا " و " هذان " و " الذي " و " اللذان " ولا حركة ولا تنوين في شيء من ذلك.
فإن الجواب في ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن هذه الأسماء المبهمة متى ثنيت فدخل عليها حرف التثنية سقط بدخوله آخر حرف فيها لالتقاء الساكنين كقولك في ثنية " ذا ": " ذان " و " ذين " في حال النصب والجر، و " اللذين " و " اللذان " في ثنية " الذي " فلما سقط في التثنية ما ذكرنا جعلوا النون عوضا من الساقط، ومن العرب من يشدد النون المدخلة على المبهمات فيجعل تشديدها فرقا بين النون الداخلة عوضا من الحركة والتنوين، وبين النون الداخلة عوضا من حرف ساقط وبذلك قرأ ابن كثير إِنْ هذانِ لَساحِرانِ 1 وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ 2 إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى 3. وقال بعض النحويين إن تشديد النون في هذا فرق بين ما يضاف من المثنى فتسقط النون للإضافة كقولك: " غلاما زيد " وبين ما لا يضاف كنحو ما ذكرنا من المبهمات.
والوجه الثاني من الجوابين الأولين أن هذه المبهمات، كما جعلت في تغيير حرف التثنية منها كالأسماء الصحيحة المعربة، جعلت في إلحاق النون بمنزلتها، ولأن البناء إنما يلحق الواحد والجمع، ومنها جمع التثنية غير مختلف، فزال بالتثنية الفرق الذي كان يوجب البناء في الواحد؛ لاشتراك الجمع في علامة التثنية.
وكسرت نون الاثنين لعلتين إحداهما التقاء الساكنين وهما الألف أو الياء في قولك " مسلمان ومسلمين " والنون.
وحكم التقاء الساكنين أن يحذف الأول منهما إن كان حرفا من حروف المد واللين كقولك: " هذان غلاما القاسم " و " هؤلاء بنو القاسم " و " مررت بقاضي البلد "، أو بكسر الأول إن لم يكن حرفا من حروف المد واللين كقولك قامت المرأة و " مررت بعبدي الله " غير أنهم في التثنية لم يحذفوا الأول وهو حرف من حروف اللين وكسروا الثاني.
فأما ترك حذفهم الأول؛ فلأنه علامة التثنية والنون لازمة لها أو ما يقوم مقامها من

الإضافة، فلو حذفوه بطل علامة التثنية، فلم يتبين المثنى من غيره.
فإن قال قائل: فأنتم إذا قلتم " غلاما القاسم " فقد سقط علامة التثنية في اللفظ، وإن كانت تراد؛ فإن الفصل بينهما واضح بين وذلك أن " غلاما القاسم " غير واجب إضافته إلى ما فيه الألف واللام دون غيره؛ لأنك تقول: " غلاما زيد " كما تقول: " غلاما القاسم " والذي يسقط الألف فيما يثني عارض غير لازم، فهي وإن سقطت في قولك: " غلاما القاسم " فهي ثابتة في قولك: " غلاما زيد وعمرو "، وما لا يحصى من الأسماء كثرة، فلم نحفل بسقوطها لالتقاء الساكنين إذا كان الساكن الثاني من كلمة أخرى، كما لم نحفل بتحريك اللام في قولك " لم يقل القاسم " في رد الواو التي كانت سقطت لالتقاء الساكنين، وليس نون الاثنين كذلك؛ لأنها من نفس الحرف والفصل بين ما كان من الحرف نفسه، وبين ما عرض له من غيره بين واضح في أشياء كثيرة من العربية، سنقف عليها في مواضعها إن شاء الله ولم يكسروا الأول لالتقاء الساكنين على ما ينبغي كسره؛ لأن الألف لا سبيل إلى تحريكها وحكم الياء حكم الألف.
فإن قال قائل: ولم وجب الكسر لالتقاء الساكنين دون غيره من الحركات؟ فإن في ذلك جوابين، أحدهما: أن الضم والفتح قد يكونان إعرابا ولا تنوين معهما، وذلك قولك فيما لا ينصرف: " جاءني عمر " و " رأيت عمر " ولا يكون الكسر إعرابا إلا والتنوين مقترن به، أو ما يقوم مقامه من الألف واللام والإضافة، كقولك: مررت برجل وغلام وبالرجل والغلام وبرجلكم وغلامكم، فلما اضطروا إلى التحريك لالتقاء الساكنين، أتوا بحركة لا يتوهم أنها حركة إعراب إذ لا تنوين معها وهي الكسرة.
والجواب الثاني: أن الكسر يشاكل الجزم لأن الكسر لفظه لفظ الجر، وتشاكلهما أن الجر يختص بالأسماء ولا يتعداها إلى غيرها، والجزم يختص بالأفعال ولا يتعداها على غيرها فلما اضطررنا إلى تحريك الساكن الذي هو في لفظ الجزم، حركناه بحركة نظيره الذي هو الجر، وكذلك نفعل في القوافي إذا كانت مجرورة ووقع في آخرها حرف مجزوم أو ساكن غير مجزوم.
فأما المجزوم فمثل قول زهير: أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم … بحومانة الدّراج فالمتثلم 1

وأما كسر الحرف الساكن، فقول النابغة: أزف التّرحّل غير أن ركابنا … لم تزل برحالها وكأن قد 1 والآخر من وجهي كسر النون، هو الفصل بين حركة النون الداخلة على المثنى وحركة النون الداخلة على الجمع؛ وذلك أنهم لما فصلوا بين الحروف الداخلة على التثنية والجمع باختلاف حركات ما قبلها واختلافها في أنفسها؛ كقولك في التثنية مسلمين وفي الجمع مسلمين فصلوا بين النونين أيضا، فكسروا نون الاثنين، وفتحوا نون الجمع.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما وصفت، فلم وجب أن يكون الكسر لنون الاثنين والفتح لنون الجمع دون أن يكون الأمر على الضد من هذا؟ قيل له: لما كانت حركة النون فتحة أو كسرة، وكانت الكسرة أثقل من الفتحة والجمع أثقل من التثنية، جعلوا الأثقل للأخف، والأخف للأثقل؛ حتى يعتدلا، ولا يجتمع عليهم في شيء واحد أثقال مترادفة.
ووجه ثان: وهو أن الجمع يقع فيه واو مضموم ما قبلها وياء مكسور ما قبلها علامة له، فلو كسرت النون فيه لخرجوا في حال الرفع من واو مضموم ما قبلها إلى كسرة، وليس في كلامهم الخروج من ضمة إلى كسرة إلا فيما لم يسم فاعله من الأفعال، كقولك: " ضرب وشتم " وهذا مستثقل قليل منفرد به هذا البناء، ولخرجوا في حال النصب والجر من ياء مكسور ما قبلها إلى كسرة، فكان يتوالى عليهم ما يستثقلون، فكانت الفتحة أخف عليهم في البناء الأثقل لما وصفنا، ولم يضموا النون لأن الضمة أثقل الحركات، وقد استغنوا عنها بالحركتين الأخريين.
فإن قال قائل: قد ذكرت أن حروف التثنية لا تدخلها الحركة وأنت تقول: " رأيت عبدي الله " و " مررت بعبدي الله " وتقول في الجمع أيضا: " هؤلاء مصطفو " القوم " وبعضهم يقول " مصطفو القوم " ومررت " بمصطفي القوم " فحركت هذه الحروف بالضم والكسرة مع القول الذي قدمته.
فإن الجواب في ذلك أن هذه الحركات هي عارضة، وقد قلنا إن ما أوجبه من التحريك ساكن من كلمة أخرى غير معتد به في حكم تغير الحرف، كقولك: " لم يقل القاسم " والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما خف ضمهما وكسرها فلذلك

جاز الضم والكسر فيما ذكرنا وأيضا فلو حذفت هذه الحروف لالتقاء الساكنين لزالت علامة التثنية في وجوه إضافتها إلى ما فيه الألف واللام أو ألف وصل.
فإن قال قائل: فأنت تقول: " هذان غلاما القاسم " و " هؤلاء بنو القاسم " " ومررت ببني القاسم " فتحذف هذه الحروف وتزول علامة التثنية والجمع.
قيل إن سقوط هذه الحروف في هذه المواضع قد يدل عليها ما يثبت في مثلها إذا كان ما قبلها مفتوحا، كما ذكرنا، فيكون الثابت منها دليلا على الساقط، فلو سقط الجميع ما كان على شيء منها دليل، فأسقطوا ما استثقلوا فيه الضم والكسر، وهو الياء المكسور ما قبلها والواو المضموم ما قبلها وأثبتوا الباقي.
وزعم الفراء أن النون إنما كسرت لأن الألف في نية الحركة في التثنية، وفتحت في الجميع؛ لأن الياء والواو ليستا في نية الحركة.
وزعم أن ما كان في نية الحركة أو متحركا، فإن الساكن الذي بعده إذا حرّك كسر في نحو هذا؛ كقولك: " دمنة لم تكلم " هذا متحرك قد كسر الساكن بعده، والألف في نية الحركة، وقد حرك الساكن بعدها وما لم يكن في نية الحركة فإن الساكن يفتح بعدها كقولك أين وكيف وأشباه ذلك.
وهذه دعاوى يحتاج عليها إلى براهين، على أنها قد صح فسادها، فمن ذلك أنّا نقول: " أمس " والميم ليست في نية حركة و " جير " وليست الياء في نية الحركة وتقول: " حيث " وليست الياء في نية الحركة وليت شعري ما الذي فصل بين التثنية والجمع حتى صار آخر أحدهما في نية حركة وآخر الآخر في نية سكون، ولا يعلم الغيب إلا الله على أن من العرب من يفتح نون الاثنين، قال الشاعر: إنّ لسلمى عندنا ديوانا … أخزى فلانا وابنه فلانا كانت عجوزا عمّرت زمانا … وهي ترى سيّئها إحسانا أعرف منها الأنف والعينانا … ومنخرين أشبها ظبيانا 1 أراد العينين فجعل مكان الياء ألفا، وفتح النون وأراد: منخري ظبيين، فجعل المضاف إليه مكان المضاف، ومن روى أشبها ظبيانا فقد صحف، ومن قال " ظبيان " اسم إنسان فقد أخطأ؛ لأن المنخرين لا يشبهان الإنسان إنما أراد المبالغة في قبحه فشبهه

بمنخري الظبي، كما قال الآخر: وقد علمت ياقفي التتفله … ومرسن العجل وساق الحجله أراد بمرسن العجل الأنف منه، وعلى هذا كلام العرب ومذاهبها فاعرفه إن شاء الله.
وعلى أنه يلزم الفراء بفتح نون الاثنين في النصب والجر؛ لأن الذي قبلها ياء ساكنة نحو رجلين وفرسين وهو في اللفظ كأين وكيف.
قال سيبويه: " وإذا جمعت على حد التثنية لحقتها زائدتان: الأولى منهما حرف المد واللين والثانية نون، وحال الأولى في السكون وترك التنوين وأنها حرف الإعراب حال الأولى في التثنية، إلا أنها واو مضموم ما قبلها في الرفع، وفي النصب والجر ياء مكسور ما قبلها، ونونها مفتوح، فرقوا بينهما وبين نون الاثنين، كما أن حرف اللين الذي هو حرف الإعراب مختلف فيهما ". قال أبو سعيد هذا فصل قد أتينا على تفسيره في الفصل الذي قبله، واحتججنا لمعانيه ما أغنى عن إعادته، غير أنا نذكر مطابقة كلامه في هذا الفصل لما قدمناه من تفسيره مرتبا إن شاء الله.
قوله: " وإذا جمعت على حد التثنية " يعني جمعت الاسم جمع السلامة، فبقي لفظ واحدها، إنما قال: على حد التثنية، لأن التثنية لا تكون إلا مسلمة، يبقى لفظ واحدها ثم تلحق علامة التثنية، السلامة لا يكون في كل مجموع ألا ترى أنك لا تقول: " مسجد ومسجدون " ولا " مسجدات " ولا تقول مررت برجل أحمر ورجال أحمرين.
وإنما يجمع بإلحاق الزيادتين ضروب من الجمع سنبينها إذا انتهينا إلى مواضعها إن شاء الله.
وقوله: " لحقتها زائدتان " يعني الواو والنون أو الياء والنون، الأولى منهما حرف المد واللين وهي الواو والياء.
وقوله: " وحال الأولى في السكون وترك التنوين وأنهما حرف الإعراب حال الأولى في التثنية " يعني حال الياء والواو في الجمع في أنها ساكنة، وأنها لا يلحقها تنوين كما تلحق ياء قاض ورام، وفي أنها حرف الإعراب.
وقد بينا المعنى في حرف الإعراب، واختلاف التفسير فيه كاختلاف الألف والياء في التثنية.
وقوله: " إلا أنها واو مضموم ما قبلها في الرفع، وفي النصب وفي الجر ياء مكسور ما قبلها " يعني أن الزيادة الأولى في الجمع، وإن كان مثل الزيادة الأولى في التثنية فيما ذكر من

سكونها وترك التنوين فيها، وأنها حرف الإعراب، فهي مخالفة لها لأن في الجمع واوا مضموما ما قبلها وياءا مكسورا ما قبلها.
وقوله: " ونونها مفتوحة فرّقوا بينها وبين نون الاثنين، كما أن حرف اللين الذي هو حرف الإعراب مختلف فيهما ". يعني أنهم فرقوا بين النونين بالفتح، والكسر كما فرقوا بين حرف اللين فيهما جميعا، في أن جعلوا ما قبل حرف اللين من المثنى مفتوحا، وجعلوا فيه ألفا، وجعلوا ما قبل حرف اللين في الجمع مضموما أو مكسورا.
فإن قال قائل: وما في تفريقهم بين حرفي اللين منهما مما يوجب التفريق بين النونين؟ فإن الجواب في ذلك أن سيبويه لم يجعل أحدهما حجة للآخر وإنما عرفنا ما تكلمت به العرب من التفريق بين النونين، والتفريق بين حرفي اللين، وإذا كان أحدهما غير موجب للآخر، كما يقول القائل للمسؤول: " أعطني كما أعطى زيد عمرا " و " كن لي مكرما كما أن زيدا مكرم لعمرو " وإن كان إكرام زيد لعمرو غير موجب إكرام المسؤول للسائل، ولكنه يسأله أن يشبه زيدا في إكرامه.
وقد بينا الاحتجاج له فيما سلف.
قال سيبويه: " ومن ثم جعلوا تاء الجمع في النصب والجر مكسورة، لأنهم جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب، كالواو والياء والتنوين، بمنزلة النون، لأنها في التأنيث نظير الواو والياء في التذكير ". قال أبو سعيد اعلم أن جمع المؤنث على ضربين: سالم ومكسر كما كان جمع المذكر، وكذلك ما ألحق بالمؤنث مما لا يعقل كقولك " جبل راس " و " جبال راسيات " و " جمل قائم " و " جمال قائمات " والمكسر من جمع المؤنث كقولك " امرأة مرضع " و " نساء مراضيع " و " امرأة قاعد " و " نساء قواعد ". والجمع السالم للمؤنث وما جرى مجراه بزيادة ألف وتاء فيه بعد سلامة لفظ الواحد؛ كقولك: " مسلمة ومسلمات " و " اصطبل واصطبلات " وقصدنا في هذا الموضع إلى إبانة الإعراب فيه دون تقصي جميعه، فإذا زيدت فيه الألف والتاء، صار بزيادة الألف والتاء بمنزلة جمع المذكر السالم.
وخالفت الألف والتاء في جمع المؤنث السالم الواو والنون، والياء والنون في جمع المذكر السالم في أشياء، ووافقتها في أشياء، فأما ما خالفتها فيه فإن التاء في جمع المؤنث يجري عليها حركات الإعراب؛ كقولك: " هؤلاء مسلمات " و " رأيت مسلمات " " ومررت بمسلمات "، ولا تتغير الزيادة الأولى من جمع المؤنث التي هي الألف وتثبت التاء

في الإضافة؛ كقولك: " هؤلاء مسلماتك " و " مررت بمسلماتك ". فهذه وجوه يختلفان فيها ويستويان في سلامة لفظ الواحد وزيادة الزائدين لعلامة الجمع؛ فبالمعنى الذي استويا فيه حمل أحدهما على الآخر، وكذلك طريقة القياس؛ لأن الشيء يقاس على الشيء، إذا كانا مشتبهين في معنى ما، وإن كانا مختلفين في أشياء أخر، فحمل جمع المؤنث على جمع المذكر، في أن جعل للرفع علامة يفرد بها وللنصب والجر علامة واحدة اشتركا فيها كقولك: " جاءني مسلمات " و " رأيت مسلمات " و " مررت بمسلمات " وصارت التاء في مسلمات هي آخر ما صيغت عليه الكلمة لمعنى الجميع؛ لأن بزوالها يتغير المعنى كما صارت الواو والياء آخر ما صيغ عليه الجمع لمعناه، وبزوالهما يزول معنى الجمع، والتاء حرف إعراب كما أن الواو والياء حرفا إعراب وليست النون في جميع المذكر بمنزلة التاء في جميع المؤنث؛ لأن زوال النون في جميع المذكر إذا أضفت فقلت: " مسلموك " لا يزيل معنى الجمع كما يزيله زوال التاء، ودخل الإعراب والتنوين على التاء فلم يحتج إلى عوض من التنوين والحركة كما احتجنا إلى تعويضهما النون في جمع المذكر فصارا التنوين فيه يعاقب الإضافة، كما عاقبت النون الإضافة، فالتنوين في هذا الجمع بمنزلة النون.
فإن قال قائل: فما معنى قول سيبويه: " ومن ثم جعلوا تاء الجميع في النصب والجر مكسورة " قيل له: معناه في ذلك أنهم جعلوا تاء الجميع في النصب والجر مكسورة؛ لأنهم قد جعلوا هذه التاء والحرف الذي قبلها، علامة لهذا الجمع كما جعلوا الواو والياء علامة لجمع المذكر، ولاجتماعهما في هذا المعنى أشركوا بين النصب والجر في هذا الجمع، كما أشركوا بينهما في ذلك الجمع.
فإن قال قائل: لما جعل التنوين بمنزلة النون والتنوين في هذا الجمع لا يثبت مع الألف كما يثبت النون في ذاك الجمع.
فالجواب في ذلك أنه جعل التنوين بمنزلة النون لأن التنوين زيد على هذا الجمع بعد التاء، التي هي حرف الإعراب فيه، كما زيدت النون على الواو والياء، التي هي حرف الإعراب في ذلك الجمع، ولم يعرض لما يلحق التنوين والنون من أحكام ثبوتهما وسقوطهما.

وقال الأخفش: ليس فيها في موضع النصب إعراب ولا حذف إعراب يعني ليس في التاء إذا قلت: " رأيت مسلمات " إعراب، وهذه الكسرة عنده كسرة بناء.
قال أبو سعيد: والذي عندي من الاحتجاج له، أن هذه الكسرة اتبعت كسرة الخفض وكسرة الخفض إعراب وكسرة النصب بناء، وصارت متبعة لتلك، كما قالوا " يا زيد بن عبد الله " فيمن فتح الدال من زيد، واتبعوا حركة الدال إعراب الابن وإن كانت إحدى الحركتين إعرابا والأخرى بناء.
ومثل هذا قولهم " امرؤ " و " ابنم " و " رأيت امرأ وابنما " و " مررت بامرئ وابنم " فتكون حركة ما قبل الهمزة والميم تابعة لإعرابهما وليست بإعراب.
واحتج عليه أبو عثمان المازني فقال: لو كانت الكسرة في " رأيت مسلمات " بناء، لكانت الإضافة تبطلها وترد الكلمة إلى أصلها في التمكن، ونحن نقول في الإضافة: " رأيت مسلماتك " بالكسر كما تقول في غير الإضافة، ثم رجع أبو عثمان على نفسه بإبطال هذا الاحتجاج، وأنه غير لازم بأن قال: إذا بنى الشيء في حال تنكير لم ترده الإضافة إلى الإعراب كما لم يوجب له التنكير الإعراب نحو قولك في خمسة عشر إذا أضفتها قلت: " هذه خمسة عشرك " ومررت " بخمسة عشرك " " وهذه الخمسة عشر " إذا أدخلت عليها الألف واللام.
ويلزم أبا الحسن الأخفش أن يجعل فتحة ما لا ينصرف في حال الجر بناء كقولك " مررت بعمر " و " ذهبت إلى مساجد " وأشباه ذلك لأن هذه الفتحة للنصب، والجر داخل عليه فيها كما كانت الكسرة في التاء للجر ودخل النصب عليها.
قال أبو سعيد: والذي فيه عندي أن الكسرة في التاء في النصب والفتحة فيما لا ينصرف في الجر هما إعرابان؛ وذلك أن الإعراب هو تعاقب الحركات على أواخر الكلم لاختلاف العوامل، وهذه الكسرة والفتحة تدخلان معاقبتين للضمة، لعوامل توجب ذلك لهما، وقد وجد فيهما شرط الإعراب.
قال أبو الحسن: التاء المكسورة والمضمومة ليست بمنزلة الياء والواو وإنما الضمة نظيرة الواو، والكسرة نظيرة الياء، ألا ترى أنك لو سمعت " مسلمات " لم تدلك التاء على رفع ولا جر، كما تدلك الواو والياء ولو سمعت الحركة تدلك على الرفع والجر كما تدلك الواو والياء.
وإنما قال أبو الحسن هذا لأن سيبويه قال في الفصل الذي تقدم " لأنهم جعلوا التاء

التي هي حرف الإعراب كالواو والياء " وكأنه خطأ سيبويه فيما قال، ولم يذهب سيبويه حيث قدر أبو الحسن والله أعلم: لأن سيبويه إنما أراد أنهم زادوا للجمع في المؤنث ألفا وتاء، كما زادوا في المذكر واوا وقد أحكمنا هذا فيما ذكرنا قبل، ويحتمل أيضا أن يكون أراد سيبويه بقوله: " جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب " حركة التاء وحذفها كما قال الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (1).

الأفعال الخمسة

قال سيبويه: " اعلم أن التثنية إذا لحقت الأفعال المضارعة، علامة للفاعلين، لحقتها ألف ونون، ولم تكن الألف حرف الإعراب؛ لأنك لم ترد أن تثنّى " يفعل " هذا البناء، فتضمّ إليه " يفعل " آخر، ولكنه إنّما ألحقته هذا علامة للفاعلين، ولم تكن منوّنة ولا تلزمها الحركة؛ لأنه يدركها الجزم والسكون، فتكون الأولى حرف الإعراب، والثانية كالتنوين، فلمّا كانت حالها في الواحد، غير حال الاسم وفي التثنية لم تكن بمنزلة، فجعلوا إعرابه في الرفع ثبات النون؛ ليكون له في التثنية علامة للرفع، كما كان في الواحد؛ إذ منع حرف الإعراب، وجعلوا النون مكسورة حالها في الاسم، ولم يجعلوها حرف إعراب؛ إذ كانت متحركة لا تثبت في الجزم.
قال أبو سعيد: اعلم أن الفعل لا يثنّى ولا يجمع؛ لأن المثنى والمجموع هو الذي يدخل في نوع يشاركه فيه غيره، فيشتمل النوع على آحاد منكورين، فتضمّ بالتثنية واحدا من النوع إلى آخر منه، وتضم بالجمع واحدا من النوع إلى أكثر منه، كقولك: رجل ورجلان ورجال، وفرس وفرسان وأفراس، وليس الفعل كذلك، لأن اللفظ الواحد من الفعل يعبّر به عما قلّ منه وكثر، وما كان لواحد ولجماعة، كقولك: " أكل زيد " و " ضرب زيد عمرا "، فيجوز أن يكون أكل لقمة ويجوز أن يكون أكل مرارا ويجوز أن يكون ضربه مرة ويجوز أن يكون ضربه مرارا؛ وكذلك تقول: " قام زيد "، و " قام الزّيدان " و " قام الزّيدون ". ولو كان الفعل مثنّى في قولك: " الزّيدان قاما " ومجموعا في قولك: " الزّيدون قاموا "؛ لأنّ فعل كلّ واحد منهما غير فعل الآخر، لجاز أن يقال: " زيد قاما " و " زيد قاموا " إذا كان قد قام مرّتين أو مرارا.
فإذا صح أن الفعل لا يثنّى صح أن الألف1

التي تلحقه في التثنية، والواو التي تلحقه في الجمع لغير تثنية الفعل وجمعه.
وزعم سيبويه أن الألف والواو قد يكونان مرّة اسم المضمرين والمضمرين، وقد يكونان مرّة حرفين دالّين على التثنية والجمع، فإذا قلت: " الزّيدان قاما " فهذه الألف اسم، وهي عنده ضمير الزّيدين المذكورين فإذا قلت: " الزّيدون قاموا "، فهذه الواو هي اسم وهي ضمير الزيدين، وإذا قلت: " قاما أخواك " فهذه الألف هي حرف وليست باسم، دخلت علامة مؤذنة بأن الفعل لفاعلين، وكذلك إذا قلت: " قاموا إخوتك "؛ فإن الواو حرف، دخلت مؤذنة بأنّ الفعل لجماعة، ومثل الألف والواو في التثنية والجمع: النون لجماعة المؤنّث والياء للمؤنث المخاطبة، تقول: " الهندات قمن " فتكون النون ضميرا الجماعة وهي اسم؛ " وقمن الهندات " فتكون حرف علامة، والياء في المخاطبة للمؤنث لا تكون إلا ضميرا، كقولك: " قومي " للمرأة، و " انطلقي " و " هل تذهبين ". وهذه الياء كثير من النحويين يذهبون إلى أنها علامة بمنزلة التاء في قولك: " قامت ". وسيبويه يذهب إلى أنها ضمير في آخر الكتاب، في: " باب الأبنية وغيرها ". والذي يدل على ما ذكرنا من حكم هذه الحروف في كلام العرب وأشعارها، قولهم " أكلوني البراغيث " وقول الشاعر: يلومنني في اشتراء النّخي … ل أهلي فكلهم يعذل وأهل الذي باع يلحونه … كما لحي البائع الأوّل 1 وقال آخر: ألفيتا عيناك عند القفا … أولى فأولى لك ذا واقية 2 وقال الفرزدق: ولكن ديافيّ أبوه وأمه … بحوران يعصرن السّليط أقاربه 3 فهذه الحروف عند سيبويه في وقوعها أسماء مرة وحروفا مرة بمنزلة التاء في قولك: " قلت " و " قالت "، فالتاء في " قلت " اسم المتكلم، والتاء في " قالت " علامة تؤذن بأن

الفعل للمؤنث.
وقد قال أبو عثمان وغيره من النحويين: إن الألف في " قاما "، والواو في " قاموا " حرفان لا يدلان على الفاعلين والفاعلين المضمرين، وأن الفاعل في النّية، كما أنك إذا قلت: " زيد قام " ففي " قام " ضمير في النّية، وليست له علامة ظاهرة، فإذا ثنى وجمع فالضمير أيضا في النّية، غير أنّ له علامة.
قال أبو سعيد: القول فيه عندي ما قاله سيبويه؛ وذلك أنه لا خلاف بينهم أن التاء في " قمت " هي اسم المتكلم وضميره، وقد يكون للمتكلم فعل لا علامة للضمير فيه، كقولك: " أنا أقوم "، و " أذهب "، فإذا جاز أن يكون له فعلان، أحدهما يكون ضميره في النّية، وهو: " أقوم "، و " أذهب "، والآخر يتّصل به ضمير المتكلم، وهو: " قمت "، و " ذهبت "، جاز أن يكون ذلك في الغائب، وأيضا فإنك إذا قلت: " زيد قام، والزّيدان قاما " فقد حلّت هذه الألف والضمير الذي في " قام " محل " أبوه " إذا قلت: " زيد قام أبوه "، فلما حلّ محلّ ما لا يكون إلا اسما وجب أن يكون اسما.
فإن قال قائل: لم كان الواحد المضمر المرفوع بلا علامة لضميره، كقولك " زيد قام " والاثنان والجماعة بعلامة، كقولك: " الزّيدان قاما " و " الزّيدون قاموا " و " الهندات قمن "؟ فإن الجواب في بذلك أنّ الفعل معلوم في العقول أنه لا بدّ له من فاعل، كالكتابة التي لا بدّ لها من كاتب، وكالبناء الذي لا بد له من بان، وما أشبه ذلك، ولا يحدث شيء منه من تلقاء نفسه، فقد علم فاعل لا محالة، ولا يخلو منه الفعل، وقد يخلو من الاثنين والجماعة، فلما لم يخل بالفعل من واحد، لم يحتج إلى علامة له، ولما جاز أن يخلو من الاثنين والجماعة احتاج إلى علامة.
فإن قال قائل: إذا جعلت الألف والواو والنون في: " قاما أخواك " و " قاموا إخوتك " و " قمن الهندات " علامة تؤذن بعدد الفاعلين، كما جعلت التاء في: " قامت هند " مؤذنة بالتأنيث، فلم لا يكون الاختيار " قاما أخواك "، كما كان الاختيار " قامت هند " ولا يحسن " قام هند "؟ فالجواب في ذلك أنهما يفترقان؛ لعل منها: أن التأنيث لازم للاسم، موجود فيه، وليست التثنية كذلك؛ لأنها قد تفارق الاسم فيصير إلى الواحد فللزوم التأنيث لزمت علامته؛ ولزوال التثنية لم تلزم علامتها.

وعلة أخرى: أن علامة التأنيث لا تمنع ضمير الاثنين.
كقولك: " الهندان قامتا "، وعلامة الاثنين تمنع ضمير الاثنين وتشبهه، فكان ما لا يمنع شيئا من تصاريف الكلام أولى باللزوم مما يمنع.
وعلة أخرى: وهو أنك إذا قلت: " قاما أخواك " جاز فيه أن تكون الألف علامة، وجاز أن تكون خبرا مقدما، وأن يرتفع " أخواك " بالابتداء، فيكون التقدير " أخواك قاما "، فلمّا كان في تقديم علامة الاثنين والجماعة ما ذكرناه من اللبس، لم يلزمه تقديمه؛ لأنه لا يعلم أنه علامة فقط، والتاء علم التأنيث، تقدمت أو تأخرت.
وعلة أخرى: وهو أنه قد تشترك الرجال والنساء في أسماء كثيرة، نحو " هند وأسماء وجعفر ". قال الشاعر: تجاوزت هندا رغبة عن قتاله … إلى مالك أعشو إلى ذكر مالك 1 وهند هاهنا رجل.
وقال آخر: يا جعفر يا جعفر يا جعفر … إن أك دحداحا فأنت أقصر 2 فجعفر هاهنا امرأة.
فلما اشترك الرجال والنساء في أسماء لزم علامة التأنيث؛ لئلا يظن أن الفاعل مذكر، ولحقت النون علامة للرفع؛ لأن ضمير الفاعلين، وهو الألف، منع الإعراب الذي كان يكون في آخر الفعل، وانفتح للألف ما قبلها، والمضارعة الموجبة للإعراب قائمة في هذا الفعل، فوجب إعرابه لها، ولم يكن سبيل إلى إعراب ما قبل الألف، فجعل الإعراب بعدها، وجعلت النون هي الإعراب؛ لما ذكرنا من مشاكلتها حروف المدّ، وكسرت لالتقاء الساكنين، وجعل سقوطها علامة للنصب والجزم، والأصل في سقوطها للجزم.
والنصب محمول عليه، كما حمل النصب على الجرّ في الأسماء؛ لأنّ الجرّ والجزم نظيران.
وجعلت النون علامة للرفع في خمسة أفعال، وهي: تفعلان، ويفعلان، وتفعلون، ويفعلون، وتفعلين، للمؤنث، والعلّة في ذلك كلّه واحدة؛ لأن الواو في الجمع والياء في المؤنث قد منعتا الإعراب الذي كان في الفعل توجبه المضارعة، والمضارعة الموجبة

للإعراب موجودة، وفتحت النون في الجمع والمؤنث استثقالا لكسرها مع الواو والياء.
وقد مر نحو هذا مستقصى وجعلوا سقوط النون في هذه الأفعال كلّها علامة للجزم والنصب، والنصب محمول على الجزم.
ولم تكن هذه النون في هذه الأفعال بمحلها في تثنية الأسماء وجمعها؛ لأنها في الأسماء بدل من الحركة والتنوين وهي في الفعل علامة للرفع؛ ولم تكن بدلا؛ لأنه لا تنوين في الأفعال ولا حركة لازمة؛ لأنها تسكن في الجزم.
فإن قال قائل؛ إذا قلت إن الألف في تثنية الفعل والواو في جمعه، إنما هو ضمير الاثنين والجماعة الفاعلين، فلم وقعت النون علامة لرفع الفعل، وقد فصلت بينها وبين الفعل بالفاعلين؟ وهل في الكلام إعراب شيء ليس فيه؟ فإن الجواب في ذلك أن الإعراب إنما يكون في المعرب إذا كان حركة؛ لأن الحركة إنما تكون في المتحرّك وتوجد فيه لا غير، فإذا كان حرفا فهو قائم بنفسه متصل بما أعرب به، وقد صارت الألف التي هي ضمير الاثنين والواو التي هي ضمير الجماعة، بمنزلة حرف من حروف الفعل؛ لأنه لا يقوم بنفسه، فلما كان كذلك لحق الإعراب بعدهما، وقد يفعل العرب نظير هذا في الأسماء الظاهرة، من ذلك قولهم: " هذا حبّ رمّاني "، فإنما يريد المتكلم إضافة الحبّ إلى نفسه لا الرمّان؛ لأنه لا يملكه ولكنه أضاف الرمان لما كان الحب مضافا إليه، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، وإذا كان هذا من كلامهم كان ما ذكرناه أولى.
قال أبو سعيد: ثم نرجع إلى كلام سيبويه في الفصل الذي قدمناه.
قوله: " واعلم أن التثنية إذا لحقت الأفعال المضارعة علامة للفاعلين "، يعني تثنية الفاعلين المضمرين المتصلين بالفعل، وليس يعني تثنية الفعل.
وقوله: " لحقتها ألف ونون " يعني لحقت الأفعال المضارعة ألف ونون.
وقوله: " ولم تكن الألف حرف الإعراب "، يعني لم تكن الألف حرف الإعراب في الفعل؛ لأن آخر الفعل قبل الألف، وحرف الإعراب هو الحرف الأخير من الكلمة الذي بتمامه يتم معنى الكلمة، والألف هاهنا هي ضمير الفاعلين.
وقوله: " لأنك لم ترد أن تثني (يفعل) هذا البناء، فتضم إليه (يفعل) آخر "، يعني لأنك لم ترد تثنية الفعل فتضم فعلا إلى فعل، كما تضم الاسم إلى الاسم، فتزيد ألفا لعلامة

التثنية، وتكون الألف فيه حرف الإعراب، فليست تثنية الفعل كذلك.
وقوله: " ولكنك إنما ألحقته هذه للفاعلين "، يعني ولكنك إنما ألحقت الفعل هذا الحرف، وهو الألف ضميرا للفاعلين لا للتثنية.
وقوله: " ولم تكن منونة ولا تلزمها الحركة "، يعني ولم تكن الأفعال قبل هذه التثنية منونة كالاسم، ولا لها حركة لازمة كالاسم؛ لأنه يدركها الجزم والسكون، إذا قلت: " لم يذهب " و " لم يقم ". وقوله: " فتكون الأولى حرف الإعراب، والثانية كالتنوين "، يعني: أن الأفعال لو كانت منونة لا تفارقها الحركة قبل التثنية، ثم ثنّيت كانت الألف فيها حرف والإعراب والنون فيها كالتنوين، مثل الاسم.
وقوله: " فتكون " جواب لقوله: " لم تكن منونة ". وقوله: " فلما كانت حالها في الواحد غير حال الاسم، وفي التثنية، لم تكن بمنزلته "، يعني: كما خالف الفعل الاسم في الواحد؛ لأن الاسم منوّن لازم الحركة، وليس الفعل كذلك، وخالف أيضا في التثنية؛ لأن الاسم إذا ثني ضم إلى مثله، وليس الفعل كذلك، فلما خالفه في الواحد، وفي التثنية أيضا خالفه، لم يكن بمنزلته.
وقوله: " لم يكن بمنزلته " جواب لاختلافهما في حال التوحيد والتثنية.
وقوله: " فجعلوا إعرابه في الرفع ثبات النون؛ ليكون له في التثنية علامة الرفع كما كان في الواحد "، وقد مر الاحتجاج لهذا ولفظه فيه بيّن.
وقوله: " إذ منع حرف الإعراب " يعني: إذ منع الفعل حرف الإعراب، وإنما منع؛ لأن الألف التي هي علامة التثنية فتحت آخر الفعل؛ لأنها يفتح ما قبلها، وحرف الإعراب آخر الفعل.
وقوله: " جعلوا النون مكسورة كحالها في الاسم "، يعني: جعلوها مكسورة لالتقاء الساكنين كما فعلوا ذلك في الاسم.
وقوله: " ولم يجعلوها حرف الإعراب "، يعني: النون.
وقوله: " إذ كانت متحركة لا تثبت في الجزم "، يعني: إذا كانت متحركة لا تثبت في الجزم، وذلك أن حرف الإعراب لا يسقط إذا كان متحركا في الفعل بدخول الجزم عليه، كقولك: " يذهب "، ثم تقول: " لم يذهب "، وإذا كان حرف الإعراب ساكنا في الفعل أزاله الجزم، كقولك: " لم يقض " و " لم يغز " و " لم يخش ". وهذه النون متحركة تذهب في

الجزم، إذا قلت: " لم يذهبا " فعلمنا أن النون ليست بحرف إعراب.
قال سيبويه: " ولم يكونوا ليحذفوا الألف: لأنها علامة الإضمار والتثنية، فيمن قال: " أكلوني البراغيث "، وبمنزلة التاء في: " قلت " و " قالت ". يعني أن الألف التي تلحق الفعل في التثنية، إمّا أن تكون علامة للإضمار، كقولك: " الزّيدان لم يذهبا " أو علامة التثنية، كقولك: " لم يذهبا الرّجلان "، ولا تحذفها في الجزم، فيبطل الضمير أو العلامة.
ولم يرد بقوله: " علامة الإضمار والتثنية " في حال واحدة، إنما أراد: لأنها علامة الإضمار، إذا تقدم المضمرون، أو التثنية، في لغة من قال: " أكلوني البراغيث "؛ لأن هؤلاء عند سيبويه جعلوا الواو في: " أكلوني " علامة تؤذن بالجماعة، وليست ضميرا.
وفي: " أكلوني البراغيث " ثلاثة أوجه؛ أحدهما: ما قال.
والثاني: أن تكون " البراغيث " مبتدأ، و " أكلوني " خبرا مقدّما، تقديره " البراغيث أكلوني ". والوجه الثالث: أن تكون الواو في " أكلوني " ضميرا على شرط التفسير، " والبراغيث " بدل منه، كقولك: " ضربوني وضربت قومك "، فتضمر قبل الذكر على شرط التفسير.
وقد كان الوجه في: " أكلوني البراغيث " على تقديم علامة الجماعة، أن يقال: " أكلتني البراغيث "؛ لأن " البراغيث " مما لا يعقل وما لا يعقل جمعه وضمير جمعه كالمؤنث، وإن كان مذكرا؛ تقول: " ثيابك مزّقن " و " جمالك يمشين ". قال الشاعر: فإن تكن الأيّام فرّقن بيننا … فقد بان محمودا أخي يوم ودّعا 1 ولا يحسن أن يقول: فإن تكن الأيام فرّقوا بيننا؛ لأن الجمع بالواو لما يعقل، وهم الثّقلان والملائكة، وربما ذكر لما لا يعقل فعل يكون الأغلب فيه أن يكون لما يعقل، فيجعل لفظه كلفظ ما يعقل تشبيها، فمن ذلك قوله عز وجل: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ 2، فجمع الشمس والقمر والكواكب

بالياء والنون؛ وذلك لأنه وصفها بالسجود، الذي يكون مما يعقل، ولو أجراها على معناها وحقها من اللفظ لقال: " ساجدات " وقال تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ 1 ولم يقل: " ادخلن مساكنكن "؛ لأنه أخبر عنهنّ بالخطاب الذي يكون لما يعقل.
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن وغيره.
قال الشاعر: شربت بها والدّيك يدعو صباحه … إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا 2 ويروى: " شربت بهم ". وقال: " دنوا فتصوّبوا "، وكان حقّه أن يقول: " دنونن فتصوّبن "؛ لأنها مما لا يعقل، إلا أنه أجراها مجرى ما يعقل، إذ كان دورها على تقدير لا يختلف، كقصد العاقل الشيء الذي يعمله، فجعلوا " البراغيث " مشبّهة بما يعقل، حين وصفت بالأكل، وصارت الألف إذا كانت إضمارا، بمنزلة التاء في: " قلت "، وإذا كانت علامة بمنزلة التاء في: " قالت "؛ لأن التاء في: " قلت " ضمير المتكلم، وفي: " قالت " علامة للتأنيث.
قال سيبويه: " فأثبتوها في الرفع وحذفوها في الجزم ". يعني النون، " كما حذفوا الحركة في الواحد ". وقال: " ووافق النصب الجزم في الحذف ". يعني: في حذف النون في الاثنين.
وقد ذكرنا في كم شيء يوافقه، وأنبأنا عن العلة في ذلك.
وقال: " كما وافق النصب الجرّ في الأسماء؛ لأن الجزم نظير الجرّ في الأسماء، وليس لها في الجزم نصيب، كما ليس للفعل في الجرّ نصيب؛ وذلك قولك: " هما يفعلان " و " لم يفعلا " و " لن يفعلا " و " لن تفعلا ". وقد مر تفسير هذا كله، وبيان علته.
قال: وكذلك إذا ألحقت الأفعال علامة للجمع لحقتها زائدتان، إلا أن الأولى واو مضموم ما قبلها، لئلا يكون الجمع كالتثنية ونونهها مفتوحة بمنزلتها في الأسماء كما فعلت في ذلك في التثنية؛ لأنهما وقعتا في التثنية والجمع هاهنا، كما أنهما في الأسماء كذلك،

وهو قولك: " كم يفعلوا " و " لن يفعلوا ". وكذلك إذا ألحقت التأنيث في المخاطبة، إلا أن الأولى ياء مكسور ما قبلها وتفتح النون؛ لأن الزيادة التي قبلها بمنزلة الزيادة التي في جمع الأسماء في الجرّ والنصب، وذلك قولك: " أنت تفعلين " و " لن تفعلي " و " لم تفعلي ". وقد مر تفسير ذلك كله.
وقال سيبويه: فإن أردت جمع المؤنث في الفعل المضارع، ألحقته للعلامة نونا، وكانت علامة الإضمار والجمع، فيمن قال: " أكلوني البراغيث ". قال أبو سعيد: يعني أن جمع المؤنث بالنون، كما أن جمع المذكر بالواو، وتكون النون لضمير جماعة المؤنث في حال، وفي حال تكون علامة الجمع فيمن يقدم العلامة، وهم الذين يقولون: " أكلوني البراغيث ". قال: وأسكنت ما كان في الواحد حرف الإعراب، كما فعلت ذلك في " فعل " حين قلت: " فعلت " و " فعلن ". قال أبو سعيد: اعلم أن ضمير المتكلم والمخاطب وجماعة النساء، إذا اتصل بالفعل الماضي، سكن آخر الفعل؛ كقولك: " جلست " و " جلسن "، وإنما سكن آخر الفعل من قبل أن هذا الضمير متحرك؛ لأنه نائب عن معرب وهو اسم، فإذا انضم إلى الفعل، والفعل لا بدّ له منه، ولا يصّح معناه إلا به، ولا يجوز انفراده عنه إذا كان متصلا- صار الفعل والضمير كالشيء الواحد، واجتمع أربع متحركات، وذلك غير موجود في شيء من كلامهم وأشعارهم، إلا بحذف، فلم يكن سبيل إلى تسكين الحرف الأول؛ لأنه لا يبدأ بساكن، ولا إلى تسكين الحرف الثاني؛ لأنه بحركاته توجد الأبنية المختلفة؛ كقولك: فعل وفعل وفعل فلزم الحرف الثالث التسكين.
وكان أولى به لعلتين، إحداهما: أن الحرف الثالث قد يوقف عليه بالسكون.
والعلة الأخرى: أنا لو لم نسكن الحرف الثالث، وجب تسكين الرابع، والرابع نائب معرب يستحق الحركة من أجل ذلك، فكان تسكينه أولى، ومع ذلك كان يلتبس المتكلم بالمؤنث الغائبة، إذا قلت: " جلست " قال: " وأسكن هذا هاهنا، وبني على هذه العلامة، كما أسكن " فعل "؛ لأنه فعل كما أنه فعل، وهو متحرك كما أنه متحرك ". قال أبو سعيد: قوله: " فأسكن هذا "، يعني: أسكن لام الفعل من " يفعلن ". وهو الذي قال في أول هذه الفصل: " فإذا أردت جمع المؤنث في الفعل المضارع ألحقته

للعلامة نونا ". وقوله: " وبني على هذه العلامة "، يعني: بني اللام في " يفعلن " على السكون.
وقوله: " كما أسكن فعل " يعني: كما تسكن اللام من " فعل " في الماضي، إذا قلت: " فعلن ". وقوله: " لأنه فعل كما أنه فعل، وهو متحرك كما أنه متحرك ". قال أبو سعيد: يعني أن الفعل المضارع قد شارك الماضي في الفعلية، وشاركه في أن آخر كل واحد منهما متحرك، فلما لزم سكون اللام في " فعلن " الماضي، وجب سكون اللام في المستقبل؛ للشركة التي بينهما من الفعلية والحركة.
فإن قال قائل: فإن العلة التي من أجلها وجب تسكين الماضي، هو ما ذكرت من اجتماع أربع متحركات، وليس ذلك في المستقبل؛ لأن الفاء من " يفعلن " ساكنة.
فالجواب في ذلك أن العلة إذا لحقت شيئا من الأفعال لمعنى، فإنه قد يحمل عليه سائر الأفعال التي ليس فيها ذلك المعنى؛ لئلا يختلف منها وجه.
وقد مر هذا في مثل قولنا: " وعد يعد "، تسقط الواو؛ لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم تقول: " نعد " و " أعد " و " تعد "، فتتبع الياء سائر حروف المضارعة، وتسقط الواو فيها، وإن لم تقع بين ياء وكسرة؛ لينتظم منهاج الأفعال.
قال سيبويه: " فليس هذا بأبعد فيه- إذا كانت هي و " فعل " شيئا واحدا- من يفعل؛ إذا جاز فيها الإعراب حين ضارعت الأسماء، وليست بأسماء ". يعني: ليس هذا التسكين في الفعل المضارع، وهذا الحمل على الماضي، بأبعد فيها، وهما مشتركان في الفعلية، من حمل الأفعال المضارعة على الأسماء في الإعراب؛ لأن الأفعال المضارعة إنما أعربت، ولم تكن مستحقة للإعراب، لما فيها من مشاكلة الأسماء المستحقة للإعراب، فإذا جاز لهم حمل الأفعال المضارعة على الأسماء في الإعراب، كان حملها على الأفعال الماضية في تسكين أواخرها، عند لحاق النون بها، أولى وأوجب؛ لأن مشاكلة الفعل المضارع الماضي أكثر من مشاكلة الاسم.
ثم قال: " وذلك قولك: هن يفعلن، ولن يفعلن ". قال أبو سعيد: أراد بهذا التمثيل ما قدمته في أول الفصل، كأنه قال: فإذا أردت جمع المؤنث في الفعل المضارع، ألحقته للعلامة نونا، وذلك قولك: " هن يفعلن " و " لم

يفعلن " و " لن يفعلن ". واعترض بالاعتلال بين الجملة الممثلة وبين التمثيل.
ثم قال: " تفتحها؛ لأنها نون جمع ". يعني تفتح هذه النون، التي هي لجماعة المؤنث لأنها نون جمع.
وقد تقدم الكلام في نون الجمع أنها مفتوحة، فحملت هذه عليها؛ لاشتراكهما في الجمع، لا لاشتراكهما في العلة الموجبة في الأصل لفتح تلك النون؛ لأن العلة التي فتحت تلك من أجلها استثقال الكسرة والضمة عليهن في " مسلمين " و " مسلمون "، ولكنه شاركها في الجمع.
وعلة أخرى توجب فتحها، وهي أنها ضمير، وأثقل الأسماء الضمائر، وإذا احتجنا إلى تحريكها حركناها بأخف الحركات.
ثم قال: " ولا تحذف لأنها علامة إضمار وجمع، فيمن قال: أكلوني البراغيث ". يعني: لا تحذف هذه النون؛ لأنها تذكر لأحد معنيين؛ إما أن تكون ضمير الفاعلات، فلا سبيل إلى حذف الفاعل، وإما أن تكون علامة تؤذن بجماعة تأتي من بعد، فلا سبيل إلى حذفها أيضا؛ لأن الذي يقدمها للعلامة، غرضه وقصده، تبين ما بعدها بها، فإذا حذفها، فقد أبطل ما قصد له.
وقد تقدم الكلام في استقصاء هذا بما يغني عن إعادته.
ثم قال: " فالنون هاهنا في يفعلن بمنزلتها في فعلن ". يعني النون في " فعلن " و " يفعلن " بمنزلة واحدة في تسكين ما قبلها.
ثم قال: " وفعل بلام يفعل من التسكين ما فعل بلام فعل، لما ذكرت لك ". يعني فعل بها من التسكين، لاتصال النون بها، ما فعل بلام فعل من التسكين للعلة التي ذكرها.
ثم قال: " ولأنها قد تبنى مع ذلك على الفتحة في قولك: هل تفعلن ". قوله: " ولأنها " علة أخرى لسكون اللام في " يفعلن "، وذلك أن نون التأكيد المشددة أو المخففة، إذا دخلت على الفعل المضارع، سكن لها لام الفعل، ثم تفتح اللام لالتقاء الساكنين، ويبطل الإعراب الذي كان فيه بدخول هذه النون، فإذا كانت نون التوكيد التي يستغنى عنها تؤثر في الفعل هذا التأثير، كانت النون التي لا يستغنى عنها وهي ضمير جماعة المؤنث أولى بهذا التأثير.
ثم قال: " وألزموا لام فعل السكون، وبنوها على هذه العلامة وحذفوا الحركة،

لما زادوا عليها؛ لأنها ليس في الواحد آخرها حرف الإعراب، لما ذكرت لك ". يعنيي: ألزموا لام " فعل " السكون، وبنوها على العلامة التي هي السكون، وحذفوا الحركة التي كانت فيه للنون التي زادوها؛ لأن اللام قبل اتصال هذه النون بها في قولك: " فعل " لم تكن حركتها حركة إعراب، وإذا كانت الحركة بناء، فهي إلى السكون أقرب، فإنما أراد أن يسهل الأمر في تسكين هذه اللام، إذ كانت الحركة المتروكة فيها حركة بناء، لا حركة إعراب، والسكون الذي صيرت إليه هو أيضا سكون بناء، فالأمر بينهما قريب، وقد أحكمنا علة ذلك فيما مضي من غير هذا الوجه.
وقوله: " لأنها ليس في الواحد آخرها حرف إعراب ". يؤيد قول من يقول إن آخر حرف في التثنية في تقدير حركة هي إعراب، وأن التثنية والجمع معربان؛ لأن سيبويه قد جعل آخر حرف فيهما- أعني التثنية والجمع- حرف إعراب.
وقد ذكر هاهنا أن اللام في (فعل) ليس بحرف إعراب إذ لا إعراب فيه ولا يستحقه فعلم أنه لم يسم آخر حرف في التثنية والجمع حرف إعراب إلا والإعراب مقدر فيه.
قال سيبويه: " اعلم أن بعض الكلام أثقل من بعض، فالأفعال أثقل من الأسماء؛ لأن الأسماء هي الأولى وهي أشد تمكنا، فمن ثم لم يلحقها تنوين ولحقها الجزم والسكون، وهي من الأسماء، ألا ترى أن الفعل لا بد له من الاسم وإلا لم يكن كلام، والاسم قد يستغنى عن الفعل؛ تقول: " الله إلهنا "، " وعبد الله أخوك ". قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه قدم هذه المقدمة ليرى خفة الأسماء المنصرفة، وأن الصرف فيها هو الأول، وأن الذي منع الصرف علل من بعد ذلك دخلت عليه حادثة فرعية فبدأ فدل على أن الفعل أثقل من الاسم في الأصل؛ لأن الاسم يستغنى به عن الفعل، كقولك: " الله ربنا "، ولا يجوز أن يقول قائل: " قام " أو غيره من الأفعال من غير أن يأتي بالفاعل، واستدل أيضا على ذلك بأن الفعل مأخوذ من المصدر والمصدر اسم، فالاسم إذا أصل للفعل، فلما دل على أن الاسم أخف والفعل أثقل، ذكر أن نقصان تمكن الفعل عن الاسم لثقل الفعل وخفة الاسم؛ لأن الاسم لخفته تدخله الحركات الثلاث والتنوين بعد ذلك، والفعل لا يدخله إلا حركتان ولا يدخله تنوين، والعلة الفاصلة بينهما

الخفة والثقل، فجعل هذه العلة علة في كل ما ثقل من الأسماء، بدخول العلل المثقلة لها عليها، في منع التنوين وتمام الحركات التي تكون في الأسماء الخفيفة، تشبيها لما ثقل من الاسم بالفعل، وأشرك بينما لاشتراكهما في الثقل ونقصانهما عن تمكن الاسم الأخف.
فهذه جملة مقدمة لهذا المعنى، وستقف على شرحها من كلامه في هذا الباب، وعلى تفصيل مسائلها وتعرفها في باب ما ينصرف وما لا ينصرف، إن شاء الله.
قال أبو سعيد: أما قوله: " اعلم أن بعض الكلام أثقل من بعض " فقد فهم هذا فيما تقدم.
وقوله: " والأفعال أثقل من الأسماء؛ لأن الأسماء هي الأولى " وقد مر الدليل على أن الأفعال أثقل من الأسماء، ومعنى قوله أن الأسماء هي الأولى، أنها مقدمة في الرتبة على الأفعال؛ لأنها أصل الأفعال.
وقوله: " وهي أشد تمكنا " يعني الأسماء أشد تمكنا من الأفعال لخفتها وما خف كان أشد احتمالا لزوائد.
قال أبو سعيد: قوله: " فمن ثم لم يلحقها تنوين ولحقها الجزم والسكون " يعني فمن ثم لم يلحق الأفعال.
فقوله: " هي من الأسماء " يعني الأفعال من الأسماء، فقولك: " قتل " مشتق من " القتل ". وقوله: " ألا ترى أن الفعل لا بد له من الاسم وإلا لم يكن كلاما " يعني أنك متى ذكرت فعل ولم تذكر فاعله لم يكن كلاما.
وقوله: " والاسم قد يستغني عن الفعل، تقول: الله إلهنا " و " عبد الله أخونا " وهذا بين.
قال سيبويه: " واعلم أن ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام، ووافقه في البناء، أجري لفظه مجرى ما يستثقلون، ومنعوه ما يكون لما يستخفون، وذلك نحو " أبيض " و " أسود " و " أحمر " فهذا بناء " أذهب " و " أعلم " فيكون في موضع الجر مفتوحا، استثقلوه حيث قارب الفعل في الكلام، ووافقه في البناء ". قال أبو سعيد: " ينبغي أن نقدم العلل المانعة للصرف المحلة الأسماء محل الأفعال ليكون توطئة للجملة التي ذكرها سيبويه في هذا الباب، ونفسرها تفسيرا شافيا كاشفا لما استبهم منه، ولا توفيق إلا بالله.

اعلم أن الاسم لمعنى الاسمية فيه يستحق الحركات الثلاث، ويستحق التنوين أيضا، وقد تقدم في أول تفسير علة ذلك، ثم يعتور الأسماء بعد ذلك معان مختلفة، يحدث ذلك فيها نقصانا عن تمكنها، وتلك المعاني على ثلاثة أقسام؛ فقسم منها ينزلها منزلة الحروف فتوجب لها البناء نحو قولك: " يا حكم " و " من قبل " و " من بعد " و " من " و " كم "، وقد استقصينا ذلك في أول التفسير.
والقسم الثاني: أن يدخل عليه ما لا يغيره عن تمكنه، كقولك: " زيد قائم " و " مررت برجل قائم " و " هذه امرأة "، ف " زيد " لم يثقل لفظه بما دخل عليه من التعريف فقط، وبقي على تمكنه، و " قائم " لم يثقل بأن كان نعتا فقط، والنعت فرع، و " المرأة " لم تثقل بأن كانت مؤنثة فقط.
والقسم الثالث: وهو الذي قصدنا له، دخلت عليه من حوادث الأشياء ما أحله محمل الفعل المضارع في منع الجر والتنوين، ولم يمنعه الإعراب البتة، كما كان في القسم الأول.
وجملة ما يمنع الصرف، وينزل الاسم منزلة الفعل المضارع، هي تسع علل: التأنيث، والصفة، والجمع، ووزن الفعل، والعدل، والعجمة، وأن يجعل الاسمان اسما واحدا، والتعريف، وشبه التأنيث باللفظ والزيادة، فهذه التسع العلل متى اجتمع منها ثنتان فصاعدا، أو واحدة في معنى ثنتين، امتنع الاسم من الصرف، ولم يلحقه جر ولا تنوين، وإنما كانت هذه عللا حادثة من قبل أن الواحد قبل الجمع من غير وجه؛ من ذلك أن الجمع مركب من الواحد، فالواحد أصل له، ومنها أن الواحد يدل على العدد والجنس، كقولك " رجل " وكذلك الاثنان كقولك: " رجلان "، وإذا جمعت فقلت: " رجال " دل على الجنس، ولم يدل على العدد، فالواحد أخف من الجمع؛ لأن الجمع يحتاج إلى معنى ثان يكشف عدده، والصفة أثقل من الاسم الذي ليس بصفة؛ لأن الصفة لا تكون صفة حتى يكون فيها معنى الفعل، والفعل فرع على الاسم والاسم قبله، وذلك قولك: " مررت برجل قائم " و " رأيت رجلا منطلقا " وهو في معنى " يقوم " و " ينطلق "، ويدل أيضا على ذلك أن الصفة لا تحسن إلا أن يتقدمها الاسم، ألا ترى أنك إذا قلت: " جاءني طويل "، لم يكن في حسن " جاءني رجل طويل "، فاحتياج الصفة إلى تقدم الاسم حتى يحسن، كاحتياج الفعل إلى الاسم حتى يجوز.

ووزن الفعل معنى حادث؛ لأن الفعل حادث فوزنه لا محالة حادث.
والتعريف حادث؛ لأن الاسم نكرة في أول أمره، مبهم في جنسه، ثم يدخل عليه ما يفرده بالتعريف، حتى يكون اللفظ له دون سائر جنسيه، كقولك: " رجل "، فيكون هذا اللفظ لكل واحد من الجنس، ثم يحدث عهد المخاطب لواحد من الجنس بعينه، فتقول: " الرجل ". فيكون مقصورا على واحد بعينه، وتقول: " زيد " ومعناه الزيادة، وهي نكرة من قولك: " زاد يزيد زيدا ": كقول الشاعر: وأنتم معشر زيد على مائة … فأجمعوا أمركم طرا فكيدوني 1 ثم سمي به رجل، فتعرف حيث جعل لشخص بعينه فكان التعريف حادثا والعدل فرع؛ لأن العدل إنما هو إحداث شيء في الاسم يغيره عن اللفظ الأول، فيصير معدولا.
والعجمة فرع؛ لأنها دخيلة في كلام العرب؛ لأن أول ما يعتادون التكلم به كلامهم العربي، ثم الكلام العجمي بعد ذلك.
وجعل الاسمين اسما واحدا هو فرع؛ لأنه تركيب الاسم الواحد، فهو بعد الاسم المفرد.
وشبه التأنيث باللفظ والزيادة من أبين الأشياء أنه فرع؛ لأن المشبه به فرع؛ والتأنيث بعد التذكير، من قبل أن كل معلوم يصح الإخبار عنه؛ لأنه يصلح أن يعبر عنه بشيء والشيء مذكر، وفي الأشياء ما لا تصلح العبارة عنه بلفظ مؤنث، ألا ترى أنك تقول: " الله كريم " و " الله يغفر لمن يشاء " و " هو أعز الأشياء " و " هو شيء لا كالأشياء " كما قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ 2 وكما قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ 3، أراد كل شيء هالك إلا الله، ولا يقع عليه عز وجل لفظ كلفظ المؤنث.
ويدل على ذلك أيضا أن التأنيث قد يكون بعلامات حادثة في الاسم؛ كقولك: " قائم " و " قائمة " فولولا أن التأنيث معنى حادث في الاسم، لم يحتج له إلى لفظ زائد

يدل عليه.
فهذه الأشياء المانعة للصرف مشبهة بثقل الأفعال، والأسماء الممنوعة الصرف مشبهة بالأفعال؛ لاشتراكهما في النقل، وليست الواحدة من هذه العلل تبلغ الاسم إذا دخلته مبلغ الفعل في الثقل، فلا تؤثر تأثيرا إذا انفردت في الاسم؛ لأن للاسم خفة قوية بالاسمية، فلا يزيلها إلا علتان فصاعدا.
فإن قال قائل: إذا قلتم إن الأسماء التي لا تنصرف مشبهة بالأفعال، فلذلك أزلتم عنها الجر والتنوين، فهلا أسكنتموها لمشابهة الفعل؛ لأن الفعل لا يدخله الجر والتنوين، ويدخله السكون!؟ ففي ذلك جوابان: أحدهما أن ما شبه بالشيء لا يجب أن يساوى به في جميع أحواله المشبهة، فلما أشبهت هذه الأسماء الأفعال بما شملها من الثقل، سوى بينهما في اللفظ الذي لا يكون إجحافا بالاسم، فمنع التنوين والجر فقط، وجعل مكان الجر الفتح، فحصل الحذف على شيء واحد، وهو التنوين؛ لأن الجر قد جعل مكانه الفتح ولو سكنا الاسم لأجحفنا بحذف التنوين والحركة منه، وتسكين الفعل في حال الجزم لا يكون إجحافا به، وذلك أنه غير منون في الأصل، فلم يذهب منه إلا شيء واحد.
والجواب الثاني: أن الاسم كان محركا بحركات ثلاث يتبع كل واحدة منهن تنوين، فلو سكنا الاسم الذي لا ينصرف في حال، وحركناه في حال، كان التسكين لا يخلو أن يكون في حال رفع أو جر أو نصب، وتكون الحركة في غيرها، ولو فعلنا هذا لكنا قد خالفنا بين أشياء كانت منتظمة على حال واحدة؛ لأن هذه الحركات الثلاث قد كانت مقترنة بالتنوين، فإذا دخلت عليها علة فغير جائز أن تزيل التنوين عن بعضها فقد، وتزيل الحركة والتنوين عن البعض الآخر.
قال أبو سعيد: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون الذي أزاله ثقل الاسم الذي لا ينصرف هو التنوين فقط، وفتح الاسم في حال الجر؛ لئلا يشبه المضاف إلى المتكلم؟ فإن الجواب في ذلك أن يقال: الذي أزال التنوين هو الثقل الذي دخل عليه حتى أحله محل ما ليس فيه تنوين، فإذا أزلنا عنه التنوين لحلوله محل ما ليس فيه تنوين أزلنا عنه الكسر، لحلوله محل ما ليس فيه كسر؛ لأن طريقهما واحد، وليس لمدع أن يدعي خلاف ما ظهر إلا ببرهان، وقد ظهر الثقل وظهر التغيير؛ فقلنا: التغيير الظاهر للثقل الظاهر.

جارٍ التحميل