شرح كتاب سيبويهباب تغيير الإعراب عن وجهه

باب تغيير الإعراب عن وجهه

قال أبو سعيد: فمن ذلك قول الشاعر: سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا 4 والوجه في هذا الرفع، وذلك أن قوله: " سأترك " هو مرفوع موجب، وما بعده معطوف عليه داخل في معناه، فحكمه أن يكون جاريا على لفظه، وإنما ينصب ما كان جوابا لشيء مخالف لمعناه كقولك: " ما تجلس عندنا فنحدّثك "، وما أشبه ذلك مما يحكم في موضعه، ولا يقال في الكلام: " أنا أجلس عندكم فأحدّثكم " إنما هو " فأحدّثكم ". وإذا اضطر الشاعر فنصب فيما ذكرنا أن الوجه فيه الرفع يؤوّل تأويلا يوجب123

النصب، كالتأويل الذي يتأوّل فيما يخالف آخره أوّله؛ وذلك أنك إذا قالت: " ما تجلس عندنا فنحدّثك " فتأول: ما يكون منك جلوس فحديث منا، غير أن المصدر قد يجوز أن يقع موقعه " أن " الخفيفة وفعل ذلك المصدر، ألا ترى أنك تقول: " يعجبني قيامك "، و " يعجبني أن تقوم " في معناه.
وإذ قد وضح هذا فأنت إذا قلت: " ما تجلس عندنا فنحدّثّك " إنما تنفى جلوسه، ولست بناف للحديث على كل حال، كما نفيت الجلوس، وإنما نقدر في ذلك أحد تقديرين، إما أن يكون على معنى قولك: " ما تجلس عندنا فكيف نحدّثك " فتكون نافيا للجلوس ومخبرا أن الحديث يتعذر وقوعه مع عدم الجلوس، أو يكون على تقدير: ما تجلس عندنا محدثين لك، وقد تجلس عندنا على غير حديث بيننا فتكون نافيا للجلوس الذي يقرن به الحديث، ولم تعمد لنفي الحديث، فلمّا خالف الأول الثاني هذه المخالفة، كرهوا أن يعطفوا الثاني على الأول في لفظه، فيكون داخلا في معناه؛ لأنك إذا قلت: " ما تجلس عندنا فتحدّثنا " فأنت ناف لكل واحد من الجلوس والحديث من غير تعلق أحدهما بالآخر، كما أنك إذا قلت: " ضربت زيدا وعمرا " كنت ضاربا لكل واحد منهما، من غير تعلق أحدهما بالآخر، فلما كان الفعل الثاني في " ما " جوابا تضمن معنى يخالف الأول، وإن كان معطوفا عليه في المعنى، فقدّر الأول تقدير المصدر، كأنه قال: ما يكون منك جلوس، وقدر في الثاني " أن " فنصب بها الفعل، ثم كره أن يكون الأول في لفظ الفعل، والثاني يقترن به ما يصيره اسما وهو " أن "، فحذفت " أن " ليشاكل الأول الثاني في الفعلية، ولم يبطل النصب الذي أثّرته " أن "؛ لئلا يدخل الثاني فيما دخل فيه الأوّل، فإذا اضطر الشاعر في المتّفقين، ردّه إلى التقدير الذي يوجب النصب هنا.
ومثل هذا قول طرفة: لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها … ويأوي إليها المستجير فيعصما 1 والوجه فيعصم.
وقال الآخر: هنالك لا تجزونني عند ذاكم … ولكن سيجزيني الإله فيعقبا 2

والوجه: الرفع.
ومن ذلك قوله: قد سالم الحّيات منه القدما … الأفعوان والشّجاع الشّجعما 1 وكان الوجه أن يقول: الأفعوان الشجاع الشجعم، غير أنّ قوله: " قد سالم الحيّات منه القدما " يوجب أن القدم أيضا قد سالمت الحيات؛ لأن باب المفاعلة يكون من اثنين كل واحد منهما يفعل بصاحبه مثل ما يفعل به صاحبه.
فلما ذكر مسالمة الحيات للقدم دلّ أن القدم أيضا قد سالمت فكأنه قال: وسالمت القدم الشّجاع الشجعما، فحذف لما ذكرنا.
وكان بعض النحويين يروي هذا البيت بنصب " الحيات " منه ويجعل " القدما " في معنى القدمان، ويحذف النون، كما قال تأبط شرّا: هما خطّتا إمّا إسار ومنّه … وإما دم والقتل بالحرّ أجدر 2 أراد: خطتان، فحذف، وحمل حذف النون على قوله: ... إنّ عمّيّ اللّذا … قتلا الملوك وفكّكا الأغلال 3 أراد: اللذان؛ لأنّ اللّذان يحتاج إلى صلة، وهي والصّلة كالشيء الواحد فاستطال فحذف.
ومن ذلك: فكرّت تبتغيه فصادفته … على دمه ومصرعه السّباعا 4 على تقدير: صادفت السّباع على مصرعه، وكان الوجه أن يقول: على دمه ومصرعه السّباع؛ لأنه لم يعطف السباع على الهاء التي في " صادفته "، ولو فعل هذا لكان النصب جيّدا، وكان يقول: صادفته السباع على دمه ومصرعه، ثم يؤخّر.
فلما لم يعطف كان الوجه أن يجعل الجملة الثانية في موضع الحال، فوجب أن يرفع السّباع لذلك، فإذا نصبه فهو على مثل الأول الذي جرى ذكره، وكان أبو العباس المبرد يروي هذا البيت: فكرّت عند فيقتها فألفت … على دمه ومصرعه السّباعا

ومن ذلك قوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط مما تطيح الطوائح فبدأ بفعل لم يسمّ فاعله، ثم أتى بالفعل أن بنى الفعل بناء ما لم يسمّ فاعله، وكان الوجه أن يقول: ليبك يزيد ضارع لخصومة.
وتقدير الرفع في الثاني وهو " ضارع ": ليبكه ضارع لخصومة، وذلك أنه لما قال: ليبك يزيد دلّ هذا الفعل على أنه أمر قوما يبكونه، فقال: ضارع لخصومة، يعني من أمره بالبكاء، فأضمر: " لبكه ". ومثل ذلك قراءة بعضهم: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ 1 على تقدير: زيّنه شركاؤهم؛ لأنه قد دلّ " زيّن " على قوم قد زيّنوا، فرفعهم على ذلك الفعل، وهم الشركاء، وليس هذا بالمختار في كتاب الله تعالى؛ لأنه لا يجري مجرى ضرورة الشاعر.
ومن ذلك قوله: وجدنا الصّالحين لهم جزاء … وجنّات وعينا سلسبيلا 2 فنصب جنّات وما بعدها، وكان الوجه الرفع عطفا على قوله: " جزاء "، وإنما فعل هذا واستجازه؛ لأنه حين قال " وجدنا الصّالحين لهم جزاء "، دلت على أنه قد وجد الجزاء لهم، فأضمر وجدنا ونصب " جنات " وما بعدها.
ومن ذلك بيت أنشده سيبويه على وجه الضرورة ويجعله غيره على غير ضرورة، وهو قول الشماخ: أمن دمنتين عرّج الرّكب فيهما … بحقل الرّخامي قد عفا طللاهما أقامت على ربعيهما جارتا صفا … كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما 3 قال سيبويه: هذا هو مثل " هند حسنة وجهها " وهذا قبيح، ولا يجوز في الكلام، وإنما الوجه أن تقول: " هند حسنة الوجه " أو " حسنة الوجه " وما أشبه ذلك، إذا لم ترفع

" الوجه " لم تجعل فيه ضميرا من الأول، وإن رفعته جعلت فيه ضميرا من الأوّل فقلت: " حسن وجهها " فإذا اضطر الشاعر فلم يرفع وجعل فيه ضميرا، فقد وضع الإعراب في غير موضعه، واحتمل له ذلك للضرورة، والبيت تقديره على هذا: جونتا مصطلاهما، بمنزلة: حسنتا أوجههما، فجونتا بمنزلة حسنتا، ومصطلاهما بمنزلة: أوجههما.
وكان الوجه أن يقول: جونتا المصطلى أو المصطلين، ولا يجعل فيه ضميرا، وسنذكر أحكام هذا إن شاء الله تعالى.

جارٍ التحميل