أحدهما: مجرور، وهو الكاف، ومعناه معنى المفعول، والآخر: مرفوع في النية فاعل، ويجوز أن تؤكدهما أو ما شئت منهما تقول: عليك نفسك زيدا، ويجوز أن تقول:
عليك نفسك أنت نفسك، على أن تجعل المجرور تأكيدا للكاف، والمرفوع تأكيدا لضمير الفاعل، ولا يجوز أن
تقول: عليك وأخيك فتعطف أخيك على الكاف؛ لأن المجرور الظاهر لا يعطف على المجرور المضمر، والاحتجاج لهذا في غير هذا الموضع.
قال: (ومن جعل رويدك مصدرا قال: رويدك نفسك).
يعني من قال: رويدا يا زيد كما تقول: ضربا يا زيد جاز أن تضيفه إلى الكاف كما قال عزّ وجلّ: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ 1. فأضاف ضرب الرقاب، وكذلك أضاف رويد إلى الكاف وجاز أن يؤكد الكاف لمجرور ويصير للمخاطب ضميران.
أحدهما: مجرور وهو الكاف.
والآخر: ضمير الفاعل في النية.
(وأما قول العرب: رويدك نفسك، فإنهم يجعلون النفس بمنزلة عبد الله، ويجعلون الكاف للخطاب لا موضع لها، وكأنهم قالوا: رويد نفسك على ما فسّرنا في رويد زيدا).
قال: (وأما حيّهلك، وهاءك وأخواتها فليس فيها إلا ما ذكرنا لأنّهنّ لم يجعلن مصادر).
يعني أن الكاف في هذه الأشياء لا موضع لها وإنما هي للخطاب.
أراد الفرق بين رويدك وبين حيّهلك؛ لأن رويدك قد تكون الكاف فيه مرّة للخطاب ومرّة في موضع جرّ، فإذا كان للخطاب فهو بمنزلة حيّهلك، وإذا كان في موضع جرّ فهو بمنزلة عليك وحذرك.
(واعلم أنك لا تقول: دوني، كما قلت: عليّ لأنه ليس كل فعل بمنزلة أولني قد تعدى إلى مفعولين، فإنما عليّ بمنزلة أولني ودونك بمنزلة خذ لا تقول: آخذني درهما ولا خذني درهما).
يعني أنك تقول: عليك زيدا فيكون بمنزلة خذ زيدا ثم تقول: عليّ زيدا فيكون بمنزلة: أولني زيدا كما تقول: أعطني زيدا ودونك زيدا ولا تقول: دوني زيدا، كما لا تقول: خذني زيدا، فإنما ننتهي في ذلك حيث انتهت العرب.
قال: (واعلم أنه يقبح أن تقول: زيدا عليك، وزيدا حذرك، وإنّما قبح لأن هذه الحروف ليست بأفعال وإنما وضعت موضع الأفعال ولا تصرّف لها؛ فلم تعمل عمل الفعل في جميع الأحوال، ولم تقو قوّته).
فإذا رأيت في شعر " زيدا عليك " فإنما تنصب " زيدا " بفعل وتكون " عليك " مفسّرة له كما قال:
يا أيّها المائح دلوي دونكا … إنّي رأيت الناس يحمدونكا (1)
فدلوي في موضع نصب بإضمار فعل؛ كأنه قال: خذ دلوي دونك، وكذلك قوله عز وجل: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (2).
ينتصب كتاب بما قبله لا بعليكم؛ كأنه لما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (3).
فقد دلّ أنّه كتب التحريم عليكم كتابا فنصب الكتاب بالمصدر، لا بعليكم، وكان الكسائي ينصب كتاب الله بعليكم، ويحتج بالبيتين اللذين أنشدنا، والفراء يخالفه ويقول نحو ما ذكرناه في البيتين.
هذا باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره إذا علمت أن الرجل مستغن عن لفظك بالفعل
(وذلك قولك: زيدا وعمرا ورأسه، وذاك أنّك رأيت رجلا يضرب أن يشتم أو123
يقتل فاكتفيت بما هو فيه من عمله).
اعلم أنّ الإضمار على ثلاثة أوجه:
- وجه يجب فيه الإضمار ولا يحسن فيه الإظهار.
- ووجه لا يجوز أن تضمر العامل فيه.
- ووجه أنت مخيّر بين إضماره وإظهاره.
فأما ما لا يجوز فيه الإضمار لعامل فأن تقول مبتدئا: زيدا، من غير سبب نحويّ ولا حال حاضرة دالة على معنى، وأنت تريد: اضرب زيدا، وغيره من الأفعال لأنك إذا أضمرته لم يعلم أنّه " أكرم زيدا " أو اشتم زيدا أو غير ذلك.
وأما ما يجوز إظهاره وإضماره فأن ترى رجلا يضرب أو يشتم فتقول: زيدا، تريد اضرب زيدا، ويجوز إظهاره فتقول: اضرب زيدا، ومثل ذلك أيضا في الخبر أن تلقى رجلا قادما من سفر فتقول: خير مقدم أي: قدمت خير مقدم، ولو أظهرته لم يكن بأس، وكذلك إذا قلت لرجل في طريق: الطريق يا هذا، معناه: خلّ الطريق وعن الطريق، ويجوز إظهاره، قال جرير: خلّ الطريق لمن يبني المنار به … وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر 1 ولا يجوز أن تضمر في شيء من هذا الباب الجارّ؛ فإذا قلت: الطريق لم يجز أن يكون الضمير تنحّ عن الطريق؛ لأن الجارّ لا يضمر، وذلك أن المجرور داخل في الجار غير منفصل.
والوجه الثالث: قوله: إياك وأن تقرب الأسد، معناه: إيّاك اتق، وإياك احذر، ولا يحسن إظهار ما نصب إياك، ثم استشهد سيبويه على جواز الحذف الذي عقد به الباب: (تقول العرب في مثل من أمثالهم: " اللهمّ ضبعا وذئبا " إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل، فإذا سألهم ما يعنون قالوا: اللهم اجمع فيها ضبعا وذئبا، كلّهم يفسر ما ينوي).
قال أبو العباس: سمعت أن هذا دعاء له لا دعاء عليه؛ لأن الضبع والذئب إذا اجتمعا تقاتلا فأفلتت الغنم.
وقال: أمّا ما وضعه عليه سيبويه فإنه يريد ذئبا من ههنا وضبعا من ههنا.
قال: (وحدثنا من يوثق به أن بعض العرب قيل له: أما بمكان كذا وكذا وجد وهو موضع يمسك الماء) نحو النقرة في الصخرة، (فقال: بلى وجادا، ومنه قول الشاعر:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له … كماش إلى الهيجا بغير سلاح (1)
كأنه يريد: الزم أخاك).
غير أنّ هذا مما لا يحسن فيه إظهار الفعل إذا كررت، ويحسن إذا لم تكرّر، إذا قلت: أخاك، حسن أن تقول: الزم أخاك، وإذا قلت: أخاك أخاك، لم يحسن أن تقول:
الزم أخاك أخاك لأنهم إذا كرروا جعلوا أحد الاسمين كالفعل، والاسم الآخر كالمفعول.
وكأنهم جعلوا أخاك الأول بمنزلة " الزم "، فلم يحسن أن تدخل " الزم " على ما قد جعل بمنزلة " الزم ".
ومنه قول العرب:
" أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك "
فمعناه: عليك بأمر مبكياتك، واتّبع أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.
فمعناه: اتبع أمر من ينصح لك فيرشدك وإن كان مرّا عليك صعب الاستعمال، ولا تتبع أمر من يشير عليك بهواك؛ لأن ذلك ربما أدى إلى العطب.
ومنه: " الظّباء على البقر ". والمعنى في المثل:
أنك تنهاه عن الدخول بين قوم يتشابهون ويتكافؤون في سوء أو غيره، وتقديره:
خلّ الظباء على البقر.
هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره في غير الأمر والنهي
(وذلك إذا رأيت رجلا متوجّها وجه الحاجّ، قاصدا في هيئة الحاجّ قلت: مكّة1
وربّ الكعبة، حيث زكنت أنه يريد مكة، كأنك قلت: تريد مكة والله).
فهذا من الباب الذي يجوز إظهار الفعل فيه وإضماره لحال حاضرة ودلالة بينة، فهذا وغيره في ذلك سواء.
وهذا الباب يشتمل على هذا النحو ولا يجوز أن تقول: زيد، وأنت تريد: ليضرب زيد، وليضرب زيد عمرا إذا كان فاعلا، ولا يجوز أن تجعل الفعل المضمر لغائب في الأمر لأنك إذا فعلت ذلك فلا بد من أن تقدّر للمخاطب فعلا يبلّغ به الغائب، فكأنك قلت: قل له: ليضرب زيدا، أو قل له ليضرب زيد عمرا، فضعف هذا عندهم لإضمار فعلين لشيئين مع ما يدخل فيه من اللّبس، واللّبس الذي يدخل فيه أنه ليس للمخاطب فعل ظاهر ولا مضمر عليه دلالة فلا يعلم أنك أردت: قل: ليضرب زيدا، أو أردت: لا تقل له ليضرب زيدا، ونحو ذلك من الأفعال المتضادّة.
هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف
(وذلك قولك: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، والمرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجر، وإن سيفا فسيف).
قال أبو سعيد:
اعلم أن هذا الباب تجوز فيه أربعة أوجه:
- الرفع في الشرط والجواب، كقولك: إن خير فخير.
- والنصب فيهما، كقولك: إن خيرا فخيرا.
- والنصب في الأول والرفع في الثاني، كقولك: إن خيرا فخير.
- والرفع في الأول والنصب في الثاني، كقولك: إن خير فخيرا.
أما الأول فالعامل فيه " كان " رفعت أو نصبت، فإذا قلت: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا، تقديره: إن كان عملهم خيرا، وإذا قلت: إن خير، تقديره: إن كان في عملهم خير.
وأما الجواب فإنه إن كان نصبا، فإضمار كان، وإن كان رفعا، جاز أن يكون بإضمار مبتدإ.
وجاز أن يكون بإضمار فعل.
وأجود هذه الوجوه، نصب الأول ورفع الثاني، وإنما صار كذلك من قبل أنّ " إن "
تقتضي الفعل فلا بدّ من إضمار " كان " أو نحوها، فإذا أضمرنا كان ونصبنا، فقد جعلنا اسم كان مع " كان " مضمرا محذوفا، والفعل متى أضمر أضمر معه الفاعل، لأن الفعل والفاعل كشيء واحد، وإذا أضمرنا كان وجعلنا الاسم الذي بعد " إن " مرفوعا فالذي أضمر مع " كان " الخبر الذي هو بمنزلة المفعول، فكأنك أضمرت الفعل مع المفعول، ولا يدل على المفعول كدلالته على الفاعل لأنه لا يستغني عن الفاعل.
وأما رفع الجواب بعد الفاء فإنما صار الاختيار الرفع؛ لأن الفاء جواب الشرط، وإنما أتي بها ليكون ما بعدها مبتدأ وخبرا، وذلك أنّ جواب الشرط إذا كان فعلا لم تحتج إلى فاء، كقولك: إن أكرمني زيد أكرمته، وإن يكرمني أكرمه، ولا يجوز أن تقول: إن تأتني زيد مقيم عندي، حتى تقول: إن تأتني فزيد مقيم عندي، فقد تبين لك أن الفاء إنما أتي بها للاسم، فالاختيار أن يكون المضمر بعدها مبتدأ، فإذا قلت: إن خير فخير، فتقديره: إن كان في عمله خير فالذي يجزى به خير.
وإن قلت: إن خيرا فخيرا، فتقديره: إن كان عمله خيرا فيكون الذي يجزى به خيرا، وإن قلت: إن خيرا فخير فتقديره: إن كان عمله خيرا فالذي يجزى به خير، وإن قلت: إن خير فخيرا، فتقديره: إن كان في عمله خير فيكون الذي يجزى به خيرا.
وقد فسر سيبويه قوله: إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا قال: كأنه قال: إن كان خيرا جزي خيرا، فجاء بفعل ماض ليس فيه فاء على تقدير المعنى لا على تقدير اللفظ، وذلك أنه لا يجوز أن يكون الفعل الماضي في جواب الشرط تدخل عليه الفاء، لا تقول إن تأتني فأكرمتك، إنما تقول كما قال الله عز وجل: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ 1 إلّا أن
يكون دعاء كقولك: إن يأتني زيد فأحسن الله جزاءه، فلما كانت الفاء إنما تدخل على المستقبل وجب أن تقدّر ما بعد الفاء مستقبلا، فقدّره سيبويه على ما يجوز في المعنى لا على حقيقة اللفظ.
وقال: (فإذا أضمرت فأن تضمر الناصب أحسن؛ لأنّك إذا أضمرت الرافع أضمرت أيضا خبرا أو شيئا يكون في موضع خبر، فكلما كثر الإضمار كان أضعف، فإن أضمرت الرافع كما أضمرت الناصب فهو عربي حسن).
وقد بيّنا اختيار إضمار الناصب في الشرط.
وقوله فكلما كثر الإضمار كان أضعف يريد أنك إذا أضمرت الرافع أضمرت خبرا وهو منفصل من الرافع كأنك قلت: إن كان في عمله خير، وإن كان معه خنجر، وإن أضمرت الناصب جعلت اسم كان مستكنّا في كان وهو ضمير متصل.
ألا ترى أنك تقول: من كذب كان شرا له، فتجعل في كان ضمير الكذب مستكنّا غير منفصل منه، فلذلك صار الضمير المرفوع أكثر، وكان أضعف من المنصوب، وهو مع ضعفه جائز قال هدبة بن خشرم:
فإن تك في أموالنا لا نضق بها … ذرعا وإن صبر فنصبر للصّبر 1
أي وإن وقع فينا صبر، أي وإن وقع صبر، والصبر في هذا الموضع: الأمر الذي يجب الصبر عليه، ويكون كرما وهو فعله، قال وأمّا قوله:
قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا … فما اعتذارك من شيء إذا قيلا 2
فالنصب على التفسير الأول، ويجوز إن حقّ وإن كذب على معنى: إن وقع حق وإن وقع كذب، أو على: إن كان فيه حقّ وإن كان فيه كذب.
(ومثل ذلك قول العرب في مثل من أمثالها:
" إن لا حظيّة فلا أليّة " أي إن لا تكن لك في الناس حظيّة فإنّي غير أليّة، كأنها قالت في المعنى: إن كنت ممّن لا يحظى عنده فإنّي غير أليّة، ولو عنت بالحظّية نفسها لم يكن إلّا نصبا إذا جعلت الحظية على التفسير الأول).
أصل هذا أنّ رجلا تزوج امرأة فلم تحظ عنده، ولم تكن بالمقصّرة في الأشياء التي تحظي النّساء عند أزواجهن فقالت: " إن لا حظية فلا ألية " أي: إن لم تكن حظية النساء لأن طبعك لا يلائم طباعهن فإنّي غير مقصّرة فيما يلزمني للزوج.
يقال من ذلك: ما
ألوت في كذا أي: قصرت، وما ألو جهدا: أي ما أقصّر، وهو آل وأليّ أي: مقصّر، ولألوت موضع آخر، يقال: ألوت الشيء إذا استطعته، وهي لغة هذيل، قال:
جهراء لا تألو إذا هي أظهرت … بصرا ولا من عيلة تغنيني 1
وقوله: لو عنت بالحظية نفسها لم يكن إلا نصبا.
يعني: إن كان التقدير في قوله " إن لا حظيّة " إن لا أكن حظية فالنصب لا غير.
قال: (ومثل ذلك قد مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا).
لا يكون في هذا إلا النصب، لأنه لا يجوز أن يحمل الطويل والقصير على غير الأول.
يعني أنك تقدّر إن كان طويلا، وتجعل في كان ضمير الرجل وهو اسم كان فلا بد من أن ينتصب الطويل على الخبر، لا يمكن فيه غير ذلك كما أمكن في: إن حقّ وإن كذب أن تقدّر: إن كان فيه حقّ وإن وقع فيه حقّ، ولا يكون فيه ضمير الأوّل، ولا يحسن في: إن طويل وإن قصير، إن كان فيه طويل أو كان فيه قصير، لأنك لا تقول إن كان في زيد طويل؛ لأن زيدا هو الطويل وإنما تقول: إن كان زيد طويلا.
وقال:
(لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف … إن ظالما أبدا وإن مظلوما) 2
فهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك إنما تريد إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما.
قال:
(فأحضرت عذري عليه الشّهو … د إن عاذرا لي وإن تاركا) 3
هذا رجل يخاطب أميرا في شيء قذف به عنده وعذره حجّته، وأراد: إن كنت عاذرا لي أيها الأمير وإن كنت تاركا؛ فنصبه لأنه عنى الأمير المخاطب، ولو قال: إن
عاذر لي وإن تارك، على معنى: إن كان لي في الناس عاذر أو تارك، ومعنى تارك: غير عاذر جاز.
(قال النابغة:
حدبت عليّ بطون ضنّة كلّها … إن ظالما فيهم وإن مظلوما) 1
فلا يكون هذا إلّا نصبا، لأنه أراد إن كنت فيهم ظالما وإن كنت مظلوما.
قال سيبويه: (ومن ذلك مررت برجل صالح وإن لا صالحا فطالح).
فهذا يشبه إن خيرا فخير على الوجه المختار.
ومن العرب من يقول: إن لا صالحا فطالحا بإضمار فعلين على من قال: إن خيرا فخيرا، كأنه يقول: إن لا يكن صالحا فقد لقيته طالحا.
وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: إن لا صالح فطالح، كأنه قال: إن لا أكن مررت بصالح فبطالح.
قال سيبويه: (وهذا ضعيف قبيح لأنك تضمر بعد " إن لا " فعلا آخر غير الذي يضمر بعد " إن لا " في قولك إن لا يكن صالحا فطالح ولا يجوز أن يضمر الجارّ).
فقبّح سيبويه قول يونس من جهتين:
إحداهما: أنك تحتاج إلى إضمار أشياء، وحكم الإضمار أن يكون شيئا واحدا وذلك أنك إذا قلت: مررت برجل إن لا صالح فطالح تقديره: إن لا أكن مررت بصالح، فتضمر " أكن " ومررت والباء، ولا يشبه هذا إن لا صالحا لأنك إذا قلت إن لا صالحا تقديره: إن لا يكن صالحا فتضمر شيئا واحدا.
والجهة الأخرى: أنّ حرف الجر يقبح إضماره إلّا في مواضع قد جعل منه عوض كقولهم:
وبلد عامية أعماؤه … كأنّ لون أرضه سماؤه 2
في معنى ورب بلد.
ثم قال سيبويه محتجّا لإجازة ما أجازه يونس على قبحه: (ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبّهوه بغيره من الفعل وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر رب ونحوها في قوله:
وبلدة ليس بها أنيس)
يعني أنّ الباء الجارّة لمّا ذكروها في أول كلامهم حين قال القائل: " مررت برجل " كان إضمارها بعد ذكرها أقوى من إضمار ربّ ولم يجز لها ذكر.
قال: (ومن ثمّ قال يونس: " امرر على أيّهم أفضل إن زيد وإن عمرو ").
يعني إن مررت على زيد أو على عمرو على الوجه الأوّل الذي احتجّ له سيبويه بما ذكرنا.
قوله على أيّهم أفضل تقديره على الذي هو أفضل.
قال سيبويه: (وأعلم أنه لا ينتصب شيء بعد " إن " ولا يرتفع إلّا بفعل لأنّ " إن " من الحروف التي يبنى عليها الفعل).
يعني أنّ " إن " التي للمجازاة إنما تدخل على الأفعال؛ لأن الأفعال التي بعدها هي شروط والشروط لا تكون بالأسماء، وذلك أنها بحدوثها توجب المعاني التي ضمّنها الشرط كقولك: " إن تأتني أكرمك " فالإكرام معنى قد ضمّنه الشارط بحدوث الإتيان، فإذا رأيت الاسم بعد " إن " مرفوعا أو منصوبا قضيت على إضمار فعل رافع أو ناصب كما ذكرناه في قوله: " إن خيرا فخير " على تقدير إن يكن فعله خيرا أو إن يكن في فعله خير، وكذلك قال البصريون في قوله عز وجل: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 1. تقديره: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فأحد مرفوع باستجارك المضمر، والثاني تفسير له.
وزعم الفرّاء أنّ " أحد " مرفوع بالعائد الذي عاد إليه وهو ضمير الفاعل الذي في استجارك، وهذا لا يصحّ؛ لأنّا إذا رفعناه بما ذكر فقد جعلنا استجارك خبرا لأحد وصار الكلام كالمبتدأ والخبر، ولا يجوز أن يكون بعد " إن " مبتدأ وخبر.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: " إن زيد قائم أكرمك "، ولا " إن زيد عندك آتك ".
فإن قال قائل: فقد رأيناكم تزعمون أنّ " لو " التي لها جواب لا يليها إلا الفعل لأن فيها معنى الشرط، ثم يقولون " لو أن زيدا أتاني لأكرمته " ولا يقولون " أنّ زيدا قائم لأكرمته " ففصلهم بين الخبر إذا كان اسما، وإذا كان فعلا فجعلهم الخبر إذا كان فعلا بمنزلة فعل الشرط فكذلك تقول: إن زيد قام أكرمناه " ويكون زيد مبتدأ وقام خبره، وناب قام عن فعل الشرط فكأنا قلنا " إن قام زيد أكرمناه " في المعنى.
قيل له إنما جاز " لو أنّ زيدا قام " لأنّ " أنّ " قد وقع عليها فعل مضمر بعد " لو " على الأصل الذي قدّمناه والفعل الذي هو خبر " أنّ " تفسير له، كأنا قلنا لو صح أنّ زيدا قام أو لو عرف.
فإن قال قائل: فكيف يكون قام دلالة على صحّ وعرف وليس هو منه.
قيل له: لا فرق بين قام زيد، وبين صحّ قيام زيد، ووقع قيام زيد، فغير مستنكر أن يدل قام على صحّ لأنّ الصحة للقيام، وقد يجوز أيضا أن يكون دلالة عليه من حيث كانا فعلين ماضيين أحدهما ملابس للآخر؛ وأنّ وما اتصل بها بمنزلة المصدر.
فإن قال قائل: فقد رأينا الجواب بالمبتدإ والخبر، فكيف لا يكون الشرط كذلك والجواب مضمون وقوعه لوقوع الشرط؟
قيل له وقوع المبتدإ والخبر في الجواب من أدلّ الأشياء على ما قلنا، وذلك أنك ترى الجواب إذا كان بالفعل مجزوما لم تدخل عليه الفاء كقولك: " إن تأتني أكرمك " فإذا أدخلت الفاء قلت: إن تأتني فأنت مكرم محبوب؛ فصار الموضع الذي ينجزم فيه الفعل لا يقع فيه الاسم، فلمّا كانت " إن " جازمة بطل أن يقع بعدها الاسم البتّة.
ووجه آخر: لو كان الاسم يقع بعد " إن " بلا ضمير فعل لكان متى وقع هذا الموقع يكون مرفوعا، لأن الفعل يرتفع بحلوله محل الاسم، كقولك: " كان زيد يقوم "، و " مررت برجل يقوم ".
وأمّا قوله: فإن تأتني فأنت مكرم محبّ فهو محمول على المعنى كأنه قال تصادف كرامة وحبّا، ومثله قوله عزّ وجلّ: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 1.
وليس ذلك معنى يحدث عند عزمهم الطلاق؛ لأن الله تبارك وتعالى لم يزل سميعا
عليما وإنما معناه تجدوا الله سميعا عليما، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً 1.
وإن كان غفورا رحيما قبل استغفار هذا المستغفر له.
قال سيبويه: (ولو قلت: عندنا أيّهم أفضل، أو عندنا رجل، ثم قلت: إن زيدا وإن عمرا، كان نصبه على كان، وإن رفعته كان رفعه على كان، ولا يكون رفعه على عندنا).
يعني أنك إذا قلت: إن زيد وإن عمرو فتقديره: إن كان عندنا زيد؛ فيرتفع زيد بكان المضمرة، ولا يجوز أن يكون تقديره: إن عندنا زيد، لأنك إذا قلت: عندنا زيد أو في الدار زيد فإنما يرتفع زيد عند سيبويه بالابتداء، وعندنا خبر مقدّم، و " إن " لا بدّ لها من فعل يليها على ما بيّناه فأضمرت " كان " لذلك.
قال: (فلا يجوز بعد " إن " أن تبنى عندنا على الأسماء ولا الأسماء تبنى على عند كما لم يجز أن تبنى بعد " إن " الأسماء على الأسماء).
يعني لا تجعل عندنا خبرا للاسم إذا جئت " بإن " لأنّ " إن " لا يليها إلّا الفعل، ولا يجعل الاسم مرفوعا بعند لأنه ليس بفعل.
قال: (ولا يجوز أن تقول " عبد الله المقتول " وأنت تريد كن عبد الله المقتول).
لأنه ليس قبله، ولا في الحال دلالة عليه إذ كان يجوز أن يكون على معنى: " تولّ عبد الله المقتول وأجبه " وما أشبه ذلك وإنما يضمرون ما عليه الدلالة من الكلام أو شاهد من الحال.
قال: (ومن ذلك قوله:
من لد شولا فإلى إتلائها 2
نصب لأنّه أراد زمانا، والشول لا يكون زمانا ولا مكانا).
والمعنى: أنّ لد إنما يضاف إلى ما بعده من زمان تتصل به أو مكان إذا اقترنت بها إلى؛ كقولك: جلست من لد صلاة العصر إلى وقت المغرب، وزرعت من لد الحائط إلى
الأسطوانة، فلمّا كان الشول جمعا للناقة الشائل لم تصلح أن تكون زمانا ولا مكانا.
والإتلاء: أن تلد فيتبعها ولدها ويتلوها، ولم يجز أن تقول من لد زيد إلى دخول الدار لأنه ليس بزمان ولا مكان؛
فأضمر ما يصلح أن يقدّر زمانا، فكأنه من لد أن كانت شولا ومن لد كونها شولا إلى إتلائها، وإن كانت بمعنى كونها وهو مصدر والمصادر تستعمل في معنى الأزمنة، كقولك: جئتك مقدم الحاجّ، وخلافة المقتدر، وصلاة العصر، على معنى أوقات هذه الأشياء.
قال: (وقد جرّه قوم على سعة الكلام، وجعلوه بمنزلة المصدر).
يعني من لد شول إلى إتلائها.
قال أبو سعيد: والجر يحتمل وجهين:
أحدهما: أن تجعل شولا مصدرا صحيحا، كقولك: شالت الناقة شولا إذا ارتفع لبنها، فإذا جعلته مصدرا صحيحا جاز أن يجعل وقتا، ويجوز أن يكون قد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فيكون التقدير: من لد كون شول، ثمّ يحذف كون، كما قال عز وجل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 1، أراد أهل القرية.
قال: (واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف منه الفعل، ولكنك تضمر فيما أضمروا وتظهر فيما أظهروا، كما تحذف ما حذفوا وتبقي ما أبقوا، نحو:
لم يكن ويك، ولم أتل وأتال).
ولا يجوز أن تقول: لم أصن في معنى: لم أصن، وقالوا: خذ وكل فاستعملوا بالحذف، ولا يجوز في الكلام أوكل وأوخذ، وإن كانا هما الأصل، ولا يقولون: جد ومر، وقالوا في الأمر: أومر ومر، فاستعملوا فيه الوجهين جميعا، وليس ذلك في غيره، وقد بيّنا ما يقتضيه هذا الفصل من الشرح التامّ فيما مضى.
قال: (وأما قول الشاعر:
لقد كذبتك نفسك فاكذبنها … فإن جزعا وإن إجمال صبر 2
فهذا على معنى " إمّا " ولا يكون على إن الجزاء) كما مرّ في الباب.
قال أبو سعيد: وذلك من قبل أنّا لو جعلنا " إن " ههنا للجزاء لاحتجنا إلى جواب، وذلك أنّ جواب " إن " في ما بعدها، وقد يكون ما قبلها مغنيا عن الجواب إذا لم يدخل عليها شيء من حروف العطف، كقولك: " أكرمك إن جئتني " فإن
أدخلت عليها فاء أو ثمّ بطل أن يكون ما قبلها مغنيا عن الجواب، لا يجوز أن تقول: " أكرمك فإن جئتني " ولا " أكرمك ثم إن جئتني " حتى تأتي بالجواب فتقول: " أكرمك فإن جئتني زدت في الإكرام " فلذلك بطل أن يكون " فإن جزعا " على معنى المجازاة وصارت بمعنى " ألّا " لأنّها تحسن في هذا الموضع، وحذف " ما " للضرورة قال الله عزّ وجلّ: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 1. فلم يأت بجواب بعد " إما ".
(ولو قال: " فإن جزع وإن إجمال صبر " كان جائزا كأنك قلت: أمري جزع وإما إجمال صبر ولا يجوز طرح " ما " من " إمّا " إلّا في الشعر قال النمر بن تولب: 2
سقته الرّواعد من صيّف … وإن من خريف فلن يعدما 3
فإنما يريد: وإمّا من خريف).
وقد أنكر الأصمعيّ 4 هذا، وزعم أنّ " إن " في بيت النمر بن تولب هي للجزاء، وإنما أراد وإن سقته من خريف فلن يعدم الرّيّ، ولم يحتج إلى ذكر سقته لذكره في أول البيت وإنّما يصف وعلا، وابتداؤه:
فلو كان من حتفه ناجيا … لكان هو الصدع الأعصما 5
يصف أنه وإن كان في الجبل لا يعدم معاشا به.
والوجه قول سيبويه في بيت النمر، وذلك أنه لا ذكر للرّيّ، وإنما المعنى: سقته
الرواعد في الصيف وأمّا في الخريف فلن يعدم السّقي- أيضا- أي: هو يسقى من الصيف ومن الخريف، والبيت الأول قد دلّ دلالة واضحة على أن معنى " إن " معنى " أمّا " وأنه لا يجوز أن تكون معنى التي للجزاء، ومع ذلك فلا تحذف " ما " من إمّا إلّا في الشعر.
قال سيبويه: (ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره قولك: هلّا خيرا من ذلك، وإلّا خيرا من ذلك، أو
غير ذلك، كأنك قلت: " ألّا تفعل خيرا من ذلك "، أو " ألّا تفعل غير ذلك " و " هلّا تأتي خيرا من ذلك ").
قال: (وربما عرضت هذا على نفسك وكنت فيه كالمخاطب).
قال أبو سعيد اعلم أنّ هلّا، وألّا، ولولا، ولو ما، يجرين مجرى واحدا، ويقعن على الفعل الماضي والمستقبل، فإذا وقعن للماضي فهو لتنديم المخاطب على ما فاته، أو لومه على ما فرّط فيه.
وإن كان للمستقبل فهو للحضّ على إتيانه.
وأهل البصرة يسمونها حروف التحضيض، ومن الناس من يقول إنها استفهام فإذا قلت هلّا فعلت كذا وكذا فكأنك قلت: لم لم تفعل؟ وإذا قلت: هلّا تفعل كذا فمعناه:
لم لا تفعل كذا، وهذا الذي ذكروا غير خارج عمّا ذكرنا، لأنّا متى جعلنا هذه الحروف استفهاما على ما ذكره هذا القائل فإن جعلناها بمعنى لم فهي خارجة عن معنى الاستفهام، وذلك أنّ " لم " وقعت هنا لمّا كان معناها الاستفهام على الحقيقة؛ ولأن القائل لم يرد أن يستفهم، إنما استبطأ المخاطب الفاعل على فعل فرّط فيه فحثه عليه في المستقبل، أو فعل كان ينبغي أن يفعله فقصر فيه حتى فاته.
فإن قال قائل: قد نرى " هل " دخلت على " لا " وهي من حروف الاستفهام فصار قولك هلّا بمنزلة قولك لم لا.
قيل له: هذا الذي ذكرته لا يدلّ على ما أردته؛ وذلك أن الحروف قد تركّب فيزول معناها الأول، نحو قولنا: لو جئتني أكرمتك، ومعناه: أنّ الإكرام لم يقع لعدم المجيء، فإذا قلت: لولا عبد الله لأكرمتك لزال ذلك المعنى بضمّ " لا " إلى " لو "، وكذلك يزول معنى هل لضمّ لا إليها.
ومن الدليل على ما قلناه أن " لوما " و " لولا " و " إلّا " ليست من حروف الاستفهام،
وقد جعلن في معنى " هلّا " فصحّ ما ذكرناه من موضوع هذه الحروف.
فإن قال قائل: هذه حروف وضعن للأفعال لما فيها من معنى التحضيض فكيف حسن أن تخزل أفعالها ويليها الاسم، ولا يجوز ذلك في قد وسوف وسائر الحروف الموضوعة للفعل، لأنك لا تقول قد زيدا، ولا سوف زيدا بمعنى: قد ضربت زيدا وسوف أضرب زيدا.
قيل له: هذه الحروف الأربعة لما كانت في معنى التحضيض نابت عمّا بعدها من الفعل واستغني عنه، وأمّا قد وسوف فإنهما يغيّر ان معنى الفعل المطلق ويقصرانه على معنى بعينه، لأنّ سوف تقصر الفعل على المستقبل وتخرجه عن الحال، و " قد " لما يتوقع من الفعل فصار بمنزلة الألف واللام للتعريف، فكما أنّ الألف واللام لا يفارقان ما دخلتا عليه ولا يحذف ما بعدهما، كذلك قد وسوف وسائر الحروف الداخلة على الفعل من عوامله فهي
تضعف عن حذف ما بعدها، لأن الحذف دلالة على قوة العامل، وقد مضى نحوه.
قال سيبويه: (وإن شئت رفعت فقد سمعنا رفع بعضه).
يعني أنه " يجوز هلّا خير من ذلك " على إضمار شيء يرفع، كأنك قلت: " هلا كان منك خير من ذلك " أو " هلّا فعل خير من ذلك ".
قال: ومن ذلك قولك: (" أو فرقا خيرا من حبّ " وإنما حمله على الفعل لأنه سئل عن فعله فأجابه على الفعل الذي هو عليه، ولو رفع جاز كأنه قال: أو أمري فرق خير من حب، وإنما انتصب نحو هذا على أنه يكون الرجل في فعل فيريد أن ينقله أو ينتقل إلى فعل آخر، فمن ثمّ نصب " أو فرقا " لأنه أجاب على أفرق وترك الحبّ).
وإنما هذا كلام تكلم به رجل عند الحجّاج، وذلك أنه كان قد فعل له فعلا فاستجاده فقال الحجاج: " أكلّ هذا حبا " أي فعلت كلّ هذا حبّا لي؟ فقال الرجل مجيبا له: " أو فرقا خيرا من حبّ " أي: أو فعلت هذا فرقا؛ فهو أنبل لك وأجلّ.
ثم ذكر أشياء منصوبة بأفعال مضمرة، وقد يجوز رفعها بإضمار ما يرفع، وبعضه مجرور بإضمار ما يجرّ على ما تقدّم تفسيره من هذا الباب، فمن ذلك: أن يقدم رجل من سفر فتقول: خير مقدم؛ على معنى: قدمت خير مقدم، ويجوز أن تقول: خير مقدم؛ على معنى: قدومك خير مقدم.
وإذا خرج قلت: مصاحب معان، ومثله: مبرور مأجور، فإذا رفعت هذه الأشياء فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبتها فالذي في نفسك غير ما أظهرت.
يعني: أنك إذا رفعت فالذي أضمرت مبتدأ، والذي ظهر هو خبره، والمبتدأ هو الخبر.
وإذا نصبت فالذي أضمرت فعلا، والفعل غير الاسم؛ لأنك إذا قلت: مصاحبا معانا فتقديره: اذهب مصاحبا معانا.
قال: (ومن ذلك أن ترى رجلا قد أوقع أمرا أو تعرّض له فتقول: " متعرضا لعنن لم يعنه ") كأنه قال: فعل هذا متعرضا، والعنن: ما عنّ لك، أي عرض لك، أي دخل في شيء لا يعنيه ولا ينبغي له التشاغل به.
(ومثله: " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " 1 كأنه قال وعدتني مواعيد عرقوب) وهو رجل وعد وعدا فأخلف وله قصة طويلة.
وقال أبو عبيدة: 2 " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " لأنّ عرقوبا رجل من العماليق، وكانوا بالبعد من يثرب، ويثرب بالثاء وفتح الراء: موضع عندهم.
قال: (ومن العرب من يقول: " متعرّض " على معنى: هو متعرض، ومثله " غضب الخيل على اللّجم "، وذلك إذا رأيت رجلا غضب غضبا لا يضير، أي غضبت كغضب الخيل على اللّجم).
قال: (ومن العرب من يرفع فيقول غضب الخيل على اللّجم كما رفع بعضهم " الظباء على البقر ") إذا قال غضب الخيل على اللّجم.
فإذا قال الظباء على البقر فتقديره: الظباء متروكة على البقر، وإذا نصب فقال:
" الظباء على البقر " فكأنّه قال: اترك الظباء على البقر، وإنما يعني بقر الوحش لأنها ترعى مع الظباء في موضع، وبعضها أولى ببعض قال:
ولقد ذعرت بنات عم … م المرشقات لها بصابص (1) أراد البقر وجعلها بنات عمّ الظباء وهي المرشقات، وإنما يقول القائل هذا إذا نهى صاحبه عن الدخول بين أقوام بعضهم أولى ببعض.
هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره استغناء عنه
(سأمثله لك مظهرا لتعلم ما أرادوا إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد رحمه الله: قد تقدم من كلام سيبويه أن ما ينتصب بالفعل على ثلاثة أضرب:
ضرب منها: لا يجوز إضمار الفعل الناصب له.
وضرب منها: يجوز إضماره ويحسن إظهاره.
وضرب: يضمر ويترك إظهاره.
وهذا الباب ترجمته لأبواب تأتي بعده مفصلة إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما جرى على الأمر والتحذير
(وذلك قولك: إذا كنت تحذّر: إيّاك، كأنك قلت: إياك نحّ وإياك باعد، ومثله أن تقول: نفسك يا فلان، أي اتق
نفسك).
هذا الذي ذكره سيبويه من إضمار الفعل صحيح، وبعض النحويين يأباه، ويزعم أنه لا مضمر ينصبه، وكذلك يزعم في قولنا: خلفك زيد، أنّ خلفك ينتصب لا بإضمار فعل ولكن بمخالفته ما بعده.
وهذا كلام فاسد، لأنّ المنصوب لا بد له من ناصب مضمرا كان أو مظهرا، وليست مخالفة أحدهما للآخر بموجبة نصبا من قبل أن كلّ واحد منهما قد خالف صاحبه؛ فلو كانت المخالفة توجب النصب انتصبا جميعا؛ لأن كلّ واحد منهما قد خالف الآخر، ففي كل واحد منهما مخالفة توجب له النصب، فعلم أن المخالفة لا تنصب.
وهذا الفعل الناصب لإيّاك لا يحسن إظهاره، وذلك أن العرب اكتفت بإياك وكان موضعها غير مشكل.1
قال: (ومن ذلك قولك: إيّاك والأسد، وإياك والشرّ).
وأما قوله: إيّاك والأسد فإنه يضمر فعلا ينصب به إياك، كما قدّمنا، ويعطف الأسد على إياك كأنه قال: زيدا فاضرب وعمرا.
فإن قال قائل: إذا جعلت الأسد عطفا على إياك بالواو فقد شاركه في معناه.
لأن المعطوف بالواو يشارك المعطوف عليه.
ألا ترى أنّك تقول: ضربت زيدا وعمرا؛ فالضرب واقع عليهما جميعا، فينبغي أن يكون الأسد مشاركا لإياك؛ فيكون الأسد مشاركا مخوفا كما كان المخاطب، أو يكون المخاطب محذورا مخوفا كما أن الأسد محذور مخوف.
قيل له: لا يستنكر أن يكون التخويف واقعا بهما وإن كان طريق التخويف مختلفا؛ ألا ترى أنك تقول: خوّفت زيدا الأسد؛ فزيد مخوّف والأسد مخوّف وليس معناهما واحدا إلّا أن الأسد مخوّف منه وزيد مخوّف، على معنى أنه يجب أن يحذر منه، ولفظ خوّفت قد تناولهما جميعا، وكذلك إياك والأسد المعنى الناصب لهما معنى واحد وإن كان طريق التخويف مختلفا فيهما.
وأمّا إياك والشر فليس يخاطب نفسه ولا يأمرها، وإنما يخاطب رجلا يقول له:
إيّاك باعد عن الشرّ فينتصب إيّاك بباعد وما أشبهه، وتحذف حرف الجر من الشرّ وتوقع الفعل المقدّر عليه فيعطفه على الأوّل لأنّ الفعل قد وقع على الأول.
ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، يعني: يرميه بسيف أو ما أشبهه، وأن في موضع نصب كأنّه قال: إيّاي وحذف أحدكم.
وزعم الزجّاج 1 أنّ معناه: " إيّاي وإيّاكم وأن يحذف أحدكم الأرنب " والذي قاله لا يحتاج إليه؛ لأن قوله وأن يحذف أحدكم قد دلّ على أنهم حذّروا من فعلهم أن يأتوه إلى المتكلم.
(وزعم أن بعضهم يقال له: إياك، فيقول: إيّاي) كأنّه أعاد لفظ المتكلم لما قيل له منه واستجاب له، كأنّه قال: إياي احذر احفظ، وحذفهم الفعل الناصب لإيّاك لما كثر
استعمالهم له وصيروا لفظه نائبا عن المضمر كحذفهم " حينئذ الآن ".
قولهم: حينئذ الآن كلام جرى للعرب محذوفا من حينئذ ومن الآن، ومعنى ذلك:
أن ذاكرا ذكر شيئا فيما مضى يستدعي مثله في الحال فقال له المخاطب: حينئذ الآن معناه: كان هذا الذي ذكرت حينئذ في الوقت الذي ذكرت واسمع الآن غير ذلك أو نحوه من التقدير، ولا يستعملون الفعل الذي حذف، وكذلك لا يستعملون الفعل الناصب لإيّاك.
قال: وإذا قلت: إياك والأسد فلا بدّ من الواو لأنه اسم مضموم إلى آخر.
يعني معطوف عليه.
فإن قال قائل: فقد تقول: إياك من الأسد وإيّاك من الشرّ فلم لا يجوز حذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى الأسد وإلى الشرّ؟ فيقال: إيّاك الأسد وإياك الشرّ.
قيل له: لأن حروف الجر لا تحذف إلّا في المواضع التي حذفتها العرب فيها، ألا ترى أنك تقول: أخذت من زيد درهما، ولا يجوز أخذت زيدا درهما، وتقول: اخترت من الرجال زيدا وتحذف " من " فتقول اخترت الرجال زيدا، لأن العرب قد استعملت ذلك، قال الله عز وجلّ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا 1.
وكان ابن أبي إسحاق يجيز حذف من فيقول: إياك الشرّ في الشعر وأنشد:
فإيّاك إياك المراء فإنّه … إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب 2
قال سيبويه: (المراء منصوب بفعل غير الفعل الذي نصب إياك، كأنه لما قال:
إياك اكتفى ثم أضمر فعلا آخر نصب به المراء كأنه قال: اتق المراء، وإذا قال: إياك وأن تكلم زيدا جاز أن تقول: إياك أن تكلم زيدا بغير واو ولا حرف جر، وإنّما جاز هذا في " أنّ " لأنّ " أن " الخفيفة والمشددة إذا اتصلت بهما
حروف الجر جاز حذفها كقولك: أنا راغب في أن ألقاك وحريص على أن أحسن إليك، ولو قلت: أنا راغب أن ألقاك وحريص أن أحسن إليك جاز، ولو جعلت مكان أن المصدر فقلت أنا راغب في لقائك حريص على الإحسان إليك لم يجز حذف حرف الجر، لا يجوز: أنا راغب
لقاءك وحريص الإحسان إليك، وإنما لم يجز في المصدر المحض ما جاز في " أن " لأن " أن "؛ وما بعدها من الفعل وما يتعلق بالفعل من فاعل أو مفعول بمعنى المصدر وطال فجوزوا حذف حرف الجر منها لطول الكلام.
ومن ذلك قولهم: رأسه والحائط، كأنه قال: خلّ رأسه مع الحائط، وقولهم:
شأنك والحجّ، كأنه قال: شأنك مع الحج، ومن ذلك امرأ ونفسه، كأنك قلت: دع امرءا مع نفسه، فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع: في قوله ما صنعت وأخاك).
لأنه إذا حذف " مع " وهي منصوبة قام ما بعد الواو مقامها في النصب.
وقد ذكرنا نحو هذا في غير هذا الموضع.
قال سيبويه: (وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى وهو عربيّ جيد).
يريد إن شئت لا تقدر " مع " وجعلت كل واحد منهما منصوبا بالفعل، وعطفت أحدهما على الآخر أدّى معنى " مع " وإن لم يكن مقدرا بلفظه، كأنه قال: عليك رأسك وعليك الحائط، وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه، وليس ينقض هذا ما أردت في معنى " مع " من الحديث، ومثل ذلك " أهلك والليل " كأنه قال بادر أهلك قبل الليل ". وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة: مسابقتك الشيء إلى الشيء كقولك: بادرت زيدا المنزل، كأني سابقته إليه، فكأن الليل والرجل المخاطب يتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم ليكون عندهم قبل الليل.
وقال: (قال بعض العرب: " ماز رأسك والسيف " كما تقول: رأسك والحائط وهو يحذّره كأنه قال: اتق رأسك والحائط).
وقولهم: " ماز رأسك والسيف " كثير من النحويين يقولون: إنه أراد ترخيم مازن فلم يكن اسم الرجل الذي خوطب بهذا مازنا، ولكنه كان من بني مازن بن العنبر بن عمرو بن تميم وكان اسمه كدلما أسر بجيرا القشيريّ، فجاءه
قعنب اليربوعيّ ليقتله، فمنع المازني منه، فقال للمازنيّ: ماز رأسك والسيف، وترخيمه على أحد وجهين: إمّا أن يكون سمّاه بمازن؛ إذ كان من مازن، وقد تفعل العرب مثل هذا في بعض المواضع، كقولهم: " الأشعرون " يريدون الأشعريون، جعلوا كل واحد منهما مسمّى بالأشعر الذي هو اسم جد، ثم ترخّمه على ذلك.
وإمّا أن يكون ترخيما بعد ترخيم؛ كأنه رخم مازنيا فصار مازنا، ثم رخّم مازنا فصار ماز، ونحوه مذكور في الترخيم.
وتقديرهم: اتق رأسك والحائط على تقديرين في الانتصاب، ومعناه: اتق رأسك أن يدقه الحائط أو يكسره أو نحو ذلك، واتق الحائط أن يصيب رأسك بسوء، وإذا ثنّيت هذه الأشياء لم تذكر الفعل معها، ولو قلت: الليل الليل لم يحسن أن تقول بادر الليل الليل، وإذا قلت الليل منفردا حسن أن تقول: بادر الليل، وكذلك لو قال قائل: الله الله في أمري لم يحسن أن تقول: اتق الله الله في أمري.
وإذا قال: الطريق الطريق، لم يحسن أن تقول: خلّ الطريق الطريق، وإذا قال:
الطريق حسن أن تقول: خلّ الطريق؛ كما قال جرير:
خلّ الطريق لمن يبني المنار به … وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر 1
والاسمان المعطوف أحدهما على الآخر لا يذكر الفعل فيهما- أيضا- كقولك:
رأسك والحائط و " امرأ ونفسه " ولو أفردت أحدهما حسن لو قلت: اتق رأسك، أو احفظ نفسك، واتق الجدار، كان جائزا حسنا وقبح في التكرير؛ لأنك لما كررت شبّه الأول من اللفظين بالفعل فأغنى عنه وصار بمنزلة " إياك " النائب عن الفعل، كما كانت المصادر كذلك، كقولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربا ضربا، كأنهم جعلوا الأول بمنزلة الزم وعليك ونحوه من تقدير الفعل، ودخول فعل على فعل محال.
قال سيبويه: (ومن ثم قال عمرو بن معدي كرب:
أريد حباءه ويريد قتلي … عذيرك من خليلك من مراد 2
وقال الكميت:
نعاء جذاما غير موت ولا قتل … ولكن فراقا للدّعائم والأصل 3
وكقول ذي الإصبع:
عذير الحيّ من عدوا … ن كانوا حيّة الأرض 1
ولا يظهر الفعل الذي نصب عذير، ولا الفعل الواقع على نعاء، لأن ذلك أقيم مقام الفعل، ودخول فعل على فعل محال).
قال أبو سعيد: أنا أذكر أصل عذيرك وما يراد به لينكشف معناه والفعل الناصب له:
تقول العرب: من يعذرني من فلان، ويفسّر على وجهين:
أحدهما: من يعذرني في احتمالي إياه.
والآخر: من يذكر لي عذرا فيما يأتيه وقوله: عذيرك من خليلك يخرّج على وجهين:
أحدهما: من يعذرني في احتمالي إياه وإن لم يذكر لي عذره فيما يأتيه.
والآخر: من يذكر عذره فيما أتاه أو نحوه من الألفاظ، واختلفوا في عذير؛ فقال بعضهم: هو بمنزلة عاذر يقال: عاذر وعذير كشاهد وشهيد، وقادر وقدير، وعالم وعليم.
وضعّف المفضّل بن سلمة اللغوي 2 هذا أن يكون بمعنى العذر مصدرا قال:
" لأن المصادر على فعيل لا تأتي إلّا في الأصوات، نحو: الصرير والصهيل والصليل والزئير، وأجاز أن يكون مصدرا بمعنى العذر غير أنه اختار الأول، وسيبويه يقدر عذير تقدير عاذر، وقد أفصح به في غير هذا الموضع ".
فإذا قال: عذيرك على معنى عاذرك كأنه قال: هات عاذرك أو أحضر عاذرك، الإنصاف 2: 539؛ سيبويه 1: 139؛ شرح المفصل 4: 51؛ تاج العروس (جذم)؛ اللسان (نعا).
وكذلك أحضر عاذر الحيّ من عدوان، ونعاء في معنى أنع من النعي وهو اسم واقع موقع فعل مثل نزال وحذار، ولا يحسن ذكر الفعل معه.
هذا باب ما يكون معطوفا في هذا الباب على الفاعل المضمر في النية
(ويكون معطوفا على المفعول وما يكون صفة المرفوع المضمر في النية ويكون معطوفا على المفعول.
وذلك قولك:
إياك أنت نفسك أن تفعل، وإياك نفسك أن تفعل، فإن عنيت الفاعل المضمر في النية قلت: إياك أنت نفسك، كأنك قلت: إياك نحّ أنت نفسك، وحملته على الاسم المضمر في نحّ، فإن قلت: إياك نفسك تريد الاسم المضمر الفاعل فهو قبيح، وهو على قبحه رفع، ويدلك على قبحه أنك لو قلت: اذهب نفسك كان قبيحا حتى تقول أنت نفسك فمن ثمّ كان نصبا لأنك إذا وصفت بنفسك المضمر المنصوب بغير أنت كان حسنا تقول: رأيتك نفسك ولا تقول: انطلقت نفسك).
قال أبو سعيد: قد تقدم في الباب الذي قبله أن قولنا: إياك وما جرى مجراه منصوب بفعل مضمر، وذلك الفعل فعل المخاطب، وله فيه ضمير مرفوع وهو فاعل ذلك الفعل وإياك ضميره- أيضا- وهو منصوب فصار بمنزلة قولك للمخاطب: إياك ضربت، وإياك نفعت، فما صلح أن يكون توكيدا للتاء الفاعلة صلح أن يكون توكيدا للضمير في الفعل المحذوف، وما صلح أن يكون عطفا على التاء صلح أن يكون عطفا على ذلك الضمير المقدر، وكذلك التوكيد المنصوب، فلما لم يحسن أن تقول: قمت نفسك، حتى تقول: قمت أنت نفسك، لم يصلح أن تقول: إياك نفسك فتجعل نفسك توكيدا حتى تقدم قبله أنت.
ولو قلت: رأيتك نفسك، لحسن من غير توكيد، وكذلك لو قلت: إياك نفسك لحسن.
وإنما لم يحسن في المرفوع ألا يتقدمه توكيد قبل النفس؛ لأن المرفوع يكون في النية بغير علامة، والمنصوب لا يكون إلا بعلامة، وقد يقع في المرفوع اللبس في بعض
الأحوال، وذلك أنك لو قلت: هند خرجت نفسها، فجعلت في خرجت ضميرها، ثم جعلت النفس توكيدا لضميرها في خرجت لجاز أن يتوهّم أن الفعل للنفس فيصير كقولك: هند خرجت جاريتها، فإذا قلت: خرجت هي نفسها، علم أنها توكيد، والعطف بهذه بمنزلة إذا قلت: إياك وزيدا والأسد، فهو مستحسن لأنك عطفت زيدا على المنصوب وهو: إياك ولو قلت: إياك وزيد لم يحسن حتى تقول: أنت وزيد، كما لم يحسن: اذهب وزيد، حتى تقول: اذهب أنت وزيد، وإن قلت: رأيتك، قلت: ذاك وزيدا بالنصب أحسن في زيد لأنك تعطفه على الكاف في: رأيتك، ولو رفعته لكنت عاطفا على تاء قلت، وهو ضمير مرفوع فلا يحسن، وأنشد سيبويه لجرير: وإيّاك أنت وعبد المسي … ح أن تقربا قبلة المسجد 1 فنصب عبد المسيح بالعطف على إياك، وأنشده يونس منصوبا، ولو رفع كان حسنا أيضا؛ لأن أنت تجعل توكيدا للضمير المرفوع المقدر، فيحسن حينئذ العطف عليه، ولا يجوز أن تقول: إياك زيدا، لأن زيدا لا يخلو من أن تجعله عطفا على إياك، فلا يجوز حذف حرف العطف منه، كما لا يجوز أن تقول: رأيت زيدا عمرا، على معنى رأيت زيدا وعمرا، أو على معنى إياك من زيد، أي اتق نفسك من زيد، واحذر نفسك من زيد، فلا يجوز حذف حرف الجر في هذا الموضع، وكذلك لا تقول: رأسك الجدار، حتى تقول: من الجدار ولو جئت بأن، فقلت: إياك من أن تكلم زيدا، لجاز أن تقول: إياك أن تكلم زيدا، وذلك أن " أن " الخفيفة والمشددة يجوز طرح حروف الجر منها إذا كانت في صلة فعل؛ لأنها وما بعدها بمنزلة المصدر فطالت فحسن حذف حروف الجر لطولها تخفيفا، كما حسن في الذي حذف العائد مع الفعل، ولو جئت بالمصدر لم يحسن حذف حرف الجر، لا تقول: إياك ضرب زيد كما تقول: إياك أن تضرب زيدا، لأنه لم يطل كطول " أن " وأما قوله: إيّاك إيّاك المراء فإنّه … إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب 2 فإن سيبويه ذهب إلى أن المراء منصوب بفعل غير الفعل المقدر لإياك، كأنه أضمر
بعد إياك: اتق المراء، وقد يجوز أن يكون حمل المراء على أنه تمادى في إسقاط حروف الجر.
وقال الخليل 1 رحمه الله: لو أن رجلا قال: إياك نفسك لم أعنّفه لأن هذه الكاف مجرورة.
قال سيبويه: (وحدّثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيّا الشوابّ ").
قال أبو سعيد: اختلف الناس في إياك وإياه وإياي وتثنية ذلك وجمعه في تأنيثه وتذكيره، فقال الخليل رحمه الله: ولم يذكر سيبويه خلافا له أن إيا: اسم مضاف إلى ما بعده، وأن ما بعده في موضع خفض.
وجماعة من النحويين يخالفون هذا، وقالوا: لا يجوز أن يكون إيا مضافا لأنه ضمير، والضمير لا يضاف، وما حكاه الخليل شاذ لا يعمل عليه ولا يعرف، وجعلوا الكاف في إياك وسائر ما يقع بعدها من الضمائر لا موضع لها مثل الكاف في ذاك وذاكما، والصحيح عندي ما قاله الخليل رحمه الله، وذلك إني رأيت ما يقع بعد أي من الضمير هو الضمير الذي كان يقع للمنصوب لو كان متصلا بالفعل؛ لأنك تقول:
ضربتك، ثم تقول: إياك ضربت، وضربتكما، وإياكما ضربت وضربتكم، وإياكم ضربت، وضربتكن وإياكن ضربت، وضربته وإياه ضربت، وضربتهما وإياهما ضربت، وكان حق هذا الضمير أن يكون متصلا بفعل، فلما قدموه لما يستحقه المفعول به من التقديم والتأخير، أتوا ب " إيا " فتوصلوا بها إلى الضمير المتصل، وإيا: هو اسم ظاهر واتصال الأسماء بالأسماء يوجب للثاني منهما الخفض، وجعلوا إيا هو الذي يقع عليه الفعل، وقد رأيناهم فعلوا شبيها بهذا حيث قالوا: يا أيها الرجل، لأنهم أرادوا نداء الرجل، فلم يمكن نداؤه من أجل الألف واللام، فأتوا بأي فجعلوه وصلة إلى الألف واللام، وأوقفوا حرف النداء عليه وأعطوه حقه من لفظ المنادى، وجعلوا المقصود بالنداء نعتا له، كما قالوا: يا زيد العاقل، ولا أبعد أن يكون لفظ " إيا " هو فعلى من أي، وأخذ أحدهما من الآخر
لاشتراكهما في الوصلة.
وما حكاه الخليل شاذ في الظاهر، لأن الظاهر في التقديم والتأخير على حال واحدة.
فإن قال قائل فأنت تقول: إياي ضربت، ولا يجوز أن تقول: ضربتني، والفعل لا يقع على المتكلم من نفسه، ولو وقع عليه لكان: بنون وياء كقولك: ظننتني فلم يغير حكمه في إيا، وأنت تزعم أنها وصلة إلى اللفظ كما كان يتصل بالفعل.
قيل له: لما توصلوا بإيا وصار في حكم الظاهر المضاف، وجعلوا ما بعد " إيا " في موضع خفض بطلت النون التي قبل الياء كما بطلت من عصاي وهداي، وصار تعدي الفعل إليه من نفسه كتعديه إلى النفس في قولك: نفس ضربت، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر سيبويه أشياء من كلام العرب وأشعارها حذفوا فيها الفعل، فمن ذلك قول:
العرب: " هذا ولا زعماتك " معناه: أن المخاطب كان يزعم زعمات، فلما ظهر خلاف قوله، قال: هذا الحق ولا زعماتك، ولا أتوهم ما زعمته، ومنه قول ذي الرمة:
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا … ولا يرى مثلها عجم ولا عرب 1
كأنه قال: اذكر ديار مية، ولكنه لا يذكر " اذكر " لكثرته في كلامهم، ولم يذكر: ولا أتوهم زعماتك لكثرة استعمالهم إياه، ولاستدلاله بما ينبئ من حاله ومن أنه ينهاه عن زعمه، وقد يدخل هذا المثل في أن يقال للإنسان إذا زعم شيئا في رأي يراه ومشورة يشير بها أن يقول هذا لرأي آخر أصح من ذاك " هذا ولا زعماتك "، أي: هذا حق صحيح دون ما زعمته.
(ومن ذلك قول العرب: " كليهما وتمرا " 2 وكثر هذا في كلامهم).
وجرى مثلا، والتقدير: اعطني " كليهما وتمرا، كأن إنسانا خيّر آخر بين شيئين فطلبهما جميعا المخيّر وزيادة عليهما، فقال: أعطنيهما وتمرا، ومنهم من يرفع كليهما وينصب التمر فيقول: كلاهما وتمرا، كأنه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمرا.
ويقول بعضهم: " كل شيء ولا هذا، وكل شيء ولا شتيمة حر " أي: ائت كل
هذا، ومنهم من يقول: كل شيء ولا شتيمة حر؛ فيرفع الأول وينصب الثاني، كأنه قال:
كل شيء أمم ولا تشتمنّ حرّا، أي: كل شيء قصد يحتمل: ولا تشتمنّ حرّا.
وقد ذكر في هذا الباب أشياء فيها حذف لأنها أمثال، واعتمد على أنّ ترك الفعل فيها لأنها أمثال.
فإن قال قائل: ما السبب الذي سوغ الحذف في الأمثال؟
قيل له: أصل الأمثال أن يتكلم الإنسان بحضرة قوم، وفي كلامه من الألفاظ ما يستطرفه بعضهم من الألفاظ فيعيد اللفظ المستطرف، فربما أعاد جملة الكلام، وربما كان على سبب لا يعيده ولا يذكره ولا يتم إلا بذلك السبب، ويقع فيه ضمير ليس في الكلام ما يعود إليه، لأنه المتمثّل استطرفه وتمثّله فلا حاجة به إلى ذكر ما حذف من الكلام لأن المتبقي هو المثل، فمن ذلك قول العرب: " كلاهما وتمرا "، أو " كليهما وتمرا "، وذلك في كلامهم أكثر من أن يحصى، ومما لم يذكره قولهم: " أسعد أم سعيد " 1، وهو مبتدأ لم يذكر خبره، والمتمثل يذكره في غير سعد
وسعيد في الشيء الذي يبدو ولا يدرى ما هو، فيقال: أسعد أم سعيد معناه: أخير أم شر، وكذلك قولهم: " لكن الأثلاث لحم لا يظلّل " 2، وقد علمنا أن لكن لا يبتدأ به ولكن ابتدأه قائل هذا على كلام يجري فترك ذكر الكلام، وكذلك " ثكل أرأمها ولدا " في المثل ضمير ليس فيه ما يعود إليه، ومن العرب من يقول: ديار مية وسائر ما يجيء من ذكر الديار في هذا الموضع، كأنه يقول:
تلك ديار مية، وقال الشاعر:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده … وهاج أهواءك المكنونة الطّلل
ربع قواء أذاع المعصرات به … وكلّ حيران سار ماؤه خضل 3
كأنه أراد: ذاك ربع.
قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون جعل " ربع قواء " بدلا من الطلل، كأنه قال: أهواك ربع قواء، قال ومثله:
هل تعرف اليوم رسم الدار والطّللا … كما عرفت بجفن الصّيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم … بالكانسيّة نرعى اللهو والغزلا 1
ويروى بالكامسية، كأنه قال: " تلك دار لمروة " وهو يقوّي التفسير في " ربع قواء " لأنه يحتمل البدل.
(قال: فإذا رفعت فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبت فالذي في نفسك غير ما أظهرت، يعني: أنك إذا رفعت فالذي حذفت هو الذي ظهر، لأن المحذوف مبتدأ وهذا خبره، والمبتدأ هو الخبر، وإذا نصبت فالذي أضمرت هو الفعل، وهو غير الاسم الظاهر).
قال: (ومما ينتصب في هذا الباب على إضمار الفعل المتروك إظهاره: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 2 و " وراءك أوسع لك "، و " حسبك خيرا لك "، إذا كنت تأمره).
قال أبو سعيد " انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 3. وما جرى مجراه فيه ثلاثة أقاويل للنحويين، ونظيره في القرآن: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ 4.
قال سيبويه: (إنما نصبت خيرا وأوسع لك، لأنك إذا قلت: انته، فأنت تريد أن تخرجه من أمر وتدخله في آخر).
وقال الخليل: كأنك تحمله على ذلك المعنى، كأنك حين قلت: انته وادخل فيما هو خير لك فنصبته لأنك قد عرفت أنك إذا قلت: " انته " أنك تحمله على أمر آخر، فلذلك انتصب، وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا.
ويقوي قوله الخليل وسيبويه أنك إذا أمرته بالانتهاء، فإنما تأمره بترك شيء، وتارك الشيء آت ضده، فكأنه أمره أن يكفّ عن الشر والباطل ويأتي الخير.
وقال الكسائي: معناه انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم، فأنكره الفراء وقال قولا قريبا فيه وفي أمثاله، فقال في قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ.
أنّ خيرا متصلا بالأمر، واستدل على ذلك أنّا نقول: اتق الله هو خير لك، تريد: الاتقاء خير لك، فإذا حذفنا " هو " الذي يرتفع به خير وصل الفعل إليه فنصبه.
ويكشف قول الفراء أنا نقدر " خير " تقدير مصدر فعل الأمر الذي هو في الكلام، كأنه قال: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وآمنوا إيمانا خيرا لكم، واتق الله اتقاء خيرا لك.
قال: ولا يجوز أن تقول: " اتق الله محسنا " ونحن نريد أن: " اتق الله تكن محسنا "، ولا تقول: " انصرنا أخانا "، ونحن نريد: تكن أخانا، وهذا رد صحيح، وذكر أن هذا الحرف لم يأت إلا فيما كان على باب أفعل، نحو: خير لك.
وأفعل وما أشبهه، وقول الخليل أقوى لأنه قد جاء هذا فيما ليس بمصدر، وهو قولهم:
وراءك أوسع لك، وأوسع مكان.
وأنشد سيبويه في نحو ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فواعديه سرحتي مالك … أو الرّبا بينهما أسهلا 1
قدّر أنه: أراد: ائت أسهل، لأنه لما قال: واعديه، دلّ على أنها تقول: ائت مكان كذا وكذا.
وأسهل على وجهين:
أحدهما: مكانا سهلا ليس فيه رمل ليس بخشن، ونحو ذلك.
والآخر: أن يكون أسهل مكانا يعنيه بين سرحتي مالك والربا.
قال سيبويه: (فإنما ذكرت لك ذلك لأمثّل الأول به، لأنه قد كثر في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل، فحذف كحذفهم: " ما رأيت كاليوم رجلا ").
قال أبو سعيد: يريد: أي ذكرت هذا المحذوف منه الفعل المذكور خيرا وهو من قولك:
" هذا ولا زعماتك "، إلى الموضع الذي انتهينا إليه ليمثل باب إياك وما اتصل به، وقولهم: ما رأيت كاليوم رجلا، تقديره: ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلا.
قال: ومثل ذلك قول القطامي:
فكرّت تبتغيه فصادفته … على دمه ومصرعه السّباعا 1
ومثله أيضا:
لن تراها ولو تأمّلت إلّا … ولها في مفارق الرّأس طيبا 2
وإنما نصب هذا لأنه حين قال:
فصادفته، وقال: لن تراها فقد علم أنّ السباع والطّيب قد دخلا في الرؤية والمصادفة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى، ومثل ذلك قول عمرو بن قميئة:
تذكّرت أرضا بها أهلها … أخوالها فيها وأعمامها
لمّا رأت ساتيدما استعبرت … لله درّ- اليوم- من لامها 3
وقال: إن الأخوال والأعمام قد دخلوا في التذكر، قال: ومثل ذلك فيما زعم الخليل:
إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني … ولو تغرّبت عنها أمّ عمّار 4
قال الخليل: لما قال: هيجني، عرف أنه قد كان تذكر لتذكره الحمام وتهيجه إياه،
فألقى ذلك الذي عرف منه على أم عمار، كأنه قال: هيجني فذكرني أم عمار).
قال أبو سعيد رحمه الله:
وقد ردّ بعض هذه الأبيات أبو العباس المبرد، وذكر في قوله: في مفارق الرأس طيبا، وإضمار رأيت إنما هو محمول على تراها.
قال: فلما لم يتم الكلام لم يحمل على معناه، وكذلك قوله:
فكرّت تبتغيه فصادفته
لم يتم ما قصده لأنه أراد: فصادفته على حال ما.
فتمام الكلام المقصود ذكر الحال، فلم يجز أن يحمل النصب على إضمار معنى اللفظ الأول.
وقد ردّ هذا الزجاج وذكر أن القصد في قوله: فصادفته، إنما هو إلى الولد؛ لأن الوحشية طلبت ولدها، فصادفته وصادفت على دمه السباع، فلما كان المعنى يدل على هذا واحتاج الشاعر إلى إيقاع المصادفة على الولد المطلوب، أضمر للسباع الفعل الذي دل عليه أول الكلام، كأنه قال: فصادفته، صادفت السّباع على دمه ومصرعه، وقوله:
" لن تراها ولو تأملت "، إنما يصفها بأن الطيب لا يفارقها، وقد علم ذلك من مقصده فجاز استغناؤه باللفظ الأول عن إعادة الفعل، فأضمر: إلا رأيت لها، وأنشد البيت الأول على ما يقع فيه خلاف، وهو:
فكرّت تبتغيه فوافقته … على دمه ومصرعه السّباعا
وأما ما ذكره أبو العباس من عطف الشيء على المعنى بعد تمام الأول، فله مواضع تختلف.
ألا ترى أن قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ 1.
جمع على معنى (من)، ولم يتم الكلام، وكذلك: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً 2.
أتت على المعنى، وللكلام في هذا مواضع أخر.
(ومن الباب قول الخليل، وهو قول أبي عمرو 3:
ألا رجل إمّا زيدا وإمّا عمرا.
لأنه حين قال: ألا رجل فهو متمن شيئا ليسأله ويريده، فكأنه قال:
اللهم اجعله زيدا أو عمرا، وإن شاء أظهره فيه، ومثله:
قد سالم الحيات منه القدما … الأفعوان والشّجاع الشّجعما
وذات قرنين ضموزا ضرزما) 1
قال أبو سعيد: ضموز: ساكنة، الضّرزم: المسنّة، وذلك أخبث الحيات، والأفعوان وما بعده حيات.
والحيات الأولى مرفوعة، وإنما حمل الأفعوان على المعنى، وذلك أنه يصف رجلا بخشونة قدميه وصلابتهما، وأن الحيات لا يعملن فيهما وأنها قد سالمتها، وإذا سالمت الحيات القدم، فالقدم- أيضا- قد سالمت الحيات، فكأنه قال: سالمت القدم الأفعوان.
وحكي عن الفراء أنه قال: القدما: بمعنى القدمان، وهي رفع وروى: " قد سالم الحيات- بكسر التاء- منه القدما ".
(وحذف النون من القدمان، كما قال:
هما خطتا إما إسار ومنّة)
قال المفسر: ويروى:
هما خطتا إما إسار ومنة
وإذا روى كذلك فليس للفراء فيه حجة، لأنه قد أضاف خطتا إلى إسار ومنة، كأنه قال:
هما خطّتا إسار ومنّة … وإما دم والقتل بالحرّ أجدر 2
وأنشد سيبويه لأوس:
تواهق رجلاها يداها ورأسه … لها قتب خلف الحقيبة رادف 1
وكان وجه الكلام: تواهق رجلاها يديها.
فحمله على المعنى لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين، فقد واهقت اليدان الرجلين على مثل ما مر البيت الأول، وأنشد:
ليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط ممّا تطيح الطوائح 2
رفع يزيد بما لم يسمّ فاعله، ثم جاء بالفاعل وهو ضارع، فرفعه؛ لأن الفعل الذي لم يسم فاعله يدل على أنّ له فاعلا، قال: ليبكه ضارع.
ومن الناس من يروي: ليبك يزيد ضارع، فيجعل يزيد منصوبا، وضارع فاعل يبك على ما سمي فاعله، وذكر بعض أصحابنا أن الرواية هي الأولى وأن هذا تغيير النحويين.
وقال: ومثل ليبك يزيد قراءة بعضهم وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ 3.
قال سيبويه: (رفع شركاؤهم على ما رفع عليه ضارع، كأنه قال: زينه شركاؤهم، وهي الشياطين الدعاة لهم إلى ذلك، وأنشد:
وجدنا الصّالحين لهم جزاء … وجنّات وعينا سلسبيلا 4
لأن الوجدان مشتمل في المعنى على الجزاء.
فحمل الآخر على المعنى، ولو نصب الجزاء كما نصب السباع لجاز).
وإذا رفع الجزاء فهو مرفوع بالابتداء، ولهم: خبره، والجملة في موضع الحال من وجدنا.
ويحتمل أن يكون في موضع المفعول الثاني، ولكن كلام سيبويه وقوله: (ولأن الوجدان...) دليل على أن وجدنا بمعنى أصبنا، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، وقد دخل الجزاء وإن كان مبتدأ في معنى الوجدان، فأضمر وجدنا بعد ذلك، ونصب جنات لأنه في المعنى عطف على جزاء، كأنه قال: وجدنا لهم جنات، وإن نصبت جزاء فتقديره: وجدنا لهم جزاء وجنات، وقال الشاعر:
أسقى الإله عدوات الوادي … وجوفه كلّ ملث غادي
كلّ أجشّ حالك السّواد (1)
رفع كلّ الأخير، ونصب الذي قبله لأنه حمله على سقاها كل أجش، لأن في قوله:
أسقى الإله كل ملث غاد دليلا على سقاها كل أجش، لأنه إذا أسقاها الله السحاب، سقاها السحاب، وكل أجش من صفة السحاب، وهو شبيه ب " ليبك يزيد ضارع ".
قال: (ولا يجوز أن تقول: ينتهي خيرا له، ولا انتهى خيرا له).
وإنما يجوز هذا في الأمر، لأن الآمر إنما يسوق المأمور إلى أمر يحدثه، فله قوة في الإضمار وحكم ليس لغيره (وقد يجوز أن تقول: ألا رجل إما زيد وإما عمرو، كأنه قيل له: من هذا المتمنّى؟ فقال: زيد أو عمرو).
هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي
(وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعدا، وأخذته بدرهم فزائدا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إيّاه، ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء لو قلت: أخذته بصاعد، كان قبيحا، لأنه صفة ولا يكون في موضع اسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدا، ولا يجوز أن تقول: وصاعد لأنّك لا تريد أن تخبّر أنّ الدرهم مع صاعد ثمن لشيء كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنّك أخبرت بأدنى الثمن فجعلته أولا ثم قروت شيئا بعد شيء لأثمان شتّى، فالواو لم ترد فيها هذا المعنى، ولم1
تلزم الواو الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر.
ألا ترى أنّك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنّك مررت بعمرو بعد زيد.
وصاعد بدل من زاد ويزيد.
وثم بمنزلة الفاء، تقول: ثم صاعدا إلّا أنّ الفاء أكثر في كلامهم).
قال أبو سعيد- رحمه الله-: أمّا قوله: أخذته بدرهم فصاعدا، كأنه متاع قد اشتري بأثمان مختلفة أدناها: درهم.
فإذا قال: أخذت كلّ ثوب منها بدرهم فصاعدا، كان أدنى الثمن درهما، ثم يزيد عليه، فالتقدير: أخذت كلّ ثوب منها بدرهم، فزاد الثمن صاعدا، فصار بعضها بدرهم وقيراط، وبعضها بدرهم ودانق، وهذا معنى قوله: ثم قروت شيئا بعد شيء لأنه مأخوذ من: قروت الأرض، إذا أنبتّ قطعة منها بعد قطعة على جهة التتبّع لشيء فيها، ومنه قولهم: الاستقراء للكتب وللمعاني، واستقرأت الكتب والمعاني على جهة التتبع لها، والفكر فيها، ولا يحسن أن تقول:
أخذته بدرهم فصاعد، من جهتين:
إحداهما: أنّ صاعدا نعت، ولا يحسن أن تعطف على الدرهم إلّا المنعوت.
والجهة الأخرى: أنّ الثمن لا يعطف بعضه على بعض بالفاء، لا تقول: أخذت الثوب بدرهم فدانق، ولا اشتريت الدار بمائة درهم فخمسة دراهم، لأن الثمن تقع جملته عوضا عن المبيع، فليس يتقدم بعضه على بعض، وإنما يعطف بالواو لأنها للجمع، تقول:
اشتريته بمائة وخمسة، ونحو ذلك، وإنما هو على ما فسّرته لك، أنّك أخذت بعضه، ثم زاد الثمن في بعض، وتقديره: فزاد الثمن صاعدا، ينتصب على الحال، وبدرهم فزائدا، على تقدير: فصعد الثمن زائدا.
وفرّع أصحابنا على هذا فقالوا: يجوز أن تقول: مررت بزيد وخالد، وبزيد وخالدا، عطفا على موضع الباء، فإن قلت: مررت بزيد وخالدا، وأنت تريد: وأكرمت خالدا، لم يجز لأنّ إخراجه عن الباء، ومعناها لا يجوز إلّا بدليل عليه أو ضرورة تقود إليه، ولا يحسن الواو في هذا لأنّ الأثمان المذكورة إنّما يتلو بعضها بعضا، والواو لا تدل على ترتيب الفعل، فلم تجز فيه إلّا الفاء وثمّ، وهما الدليلان على الترتيب، والفاء أكثر في كلام العرب لاتصالها بما قبلها، وثمّ فيها مهلة.
قال سيبويه: (ومما ينتصب في غير الأمر والنهي على الفعل المتروك إظهاره، قولك: يا عبد الله، والنداء كله.
فأمّا: يا زيد، فله علّة ستراها في باب النداء إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد رحمه الله: المنصوب من المنادى، يقدّر نصبه بفعل ينوب عنه حرف النداء، وهو: يا، كأنه قال: أدعو عبد الله، وأنادي عبد الله، وأريد عبد الله، والمفرد هو المضموم مبني لعلة قد ذكرت، تعاد في باب النداء إن شاء الله تعالى.
واستدلّ سيبويه على أنّ النداء على الفعل قولهم: يا إيّاك، إنما قلت: يا إياك، أعني.
وهذا الذي ذكره سيبويه يقوّي ما ذكرناه؛ أنّ " إياك " مضاف لأنّا رأينا العرب إذا كنّوا عن المنادي قالوا:
يا أنت، ويا إياك، فأنت: مفرد لم ينصب كما لم ينصب: يا زيد، وإيّاك: مضاف نصب كما نصب: يا عبد الله، أنشد أبو زيد:
يا مرّ يا ابن واقع يا أنتا … أنت الذي طلّقت عام جعتا
حتّى إذا اصطبحت واغتبقتا … أقبلت معتادا لما تركتا
قد أحسن الله وقد أسأتا 1
قال سيبويه: (ومن ذلك قول العرب: من أنت زيدا، وزعم يونس أنه على قوله:
من أنت تذكر زيدا، ولكنّه كثر في كلامهم واستغنوا عن إظهاره بأنه قد علم أنّ زيدا ليس خبرا ولا مبنيا على مبتدإ، ولا بدّ من أن يكون على الفعل كأنه قال: من أنت معرّفا ذا الاسم، ولم يحمل زيدا على من ولا أنت، ولا يكون من أنت زيدا إلّا جوابا، كأنه قال: أنا زيد، قال: فمن أنت ذاكرا زيدا، وبعضهم يرفع، وذلك قليل، كأنه قال:
من أنت كلامك أو ذكرك زيد.
وإنّما قلّ لأنّ إعمالهم الفعل أحسن من أن يكون خبرا لمصدر ليس به، ولكنّه يجوز على سعة الكلام وصار كالمثل الجاري حتى إنهم يسألون الرجل عن غيره فيقول القائل منهم: من أنت زيدا، كأنه يكلم الذي يقول: أنا زيد،
أي: أنت عندي بمنزلة زيد الذي قال: أنا زيد، فقيل له: من أنت زيدا كما تقول للرجل: " أطرّي فإنك ناعلة " و " أحمقي " أي أنت عندي بمنزلة التي يقال لها ذلك.
سمعنا رجلا منهم يذكر رجلا فقال لرجل ساكت لم يذكر ذلك الرجل من أنت فلانا).
قال أبو سعيد رحمه الله: أصل هذا أنّ رجلا غير معروف بفضل كأنه يسمّى بزيد، وكان زيد مشهورا بشجاعة وضرب من ضروب الفضل التي يذكر بها الرجل، فلما تسمّى الرجل المجهول بزيد الذي هو معروف بالفضل دفع عن ذلك وأنكر عليه، فقيل له: من أنت زيدا على جهة الإنكار، أي من أنت ذاكرا زيدا ومعرّفا هذا الاسم.
وقد يجوز الرفع، والنصب أقوى، لأنك إذا رفعته تقديره: كلامك زيد، وذكرك زيد، على معنى: كلامك ذكر زيد، وكلامك اسم زيد؛ فيكون على سعة الكلام كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 1.
فكان النصب أحسن من أن تجعله خبرا لمصدر.
وقد يجوز لمن ليس اسمه بزيد " من أنت زيدا " على المثل الجاري كما قالوا: " أطرّي فإنك ناعلة "، و " الصيف ضيّعت اللبن " 2، و " أحمقي " فتخاطب الرجل بهذا وإن كان اللفظ للمؤنث؛ لأن أصل ما جرى به المثل التأنيث، وإنما يقال للذكر ذلك على معنى: أنت عندي بمنزلة التي يقال لها.
أما وقد ذكرنا تفسير هذه الأمثال في موضع آخر، وقد يجوز أن تذكر غير زيد باسمه، كأنّ رجلا ذكر عمرا وذكر ملابسة بينه وبينه، أو سؤالا عنه، وكأنّ منزلة عمرو ترتفع عند بكر أن يسأل عنه مثل هذا الرجل السائل فقال له: من أنت عمرا، كأنّ في سؤاله عن عمرو ما يتشرّف به أو يكسب به حالا فيها فخر.
يقال: من أنت سائلا عن ذلك أو مفتخرا به.
وأمّا ما حكاه من قول القائل لرجل سأله لم يذكر ذلك الرجل: من أنت فلانا، فيجوز أن يكون على معنى التعريض بالرجل الذي ذكره أنه ليس بموضع أن يذكره.
(ومن ذلك قول العرب: إمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وإمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، قال الشاعر:
أبا خراشة إمّا أنت ذا نفر … فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع 1
فإنما هي (أن) ضمّت إليها (ما) للتوكيد، ولزمت كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضا من ذهاب الفعل كما كانت الهاء والألف في: الزنادقة واليماني، ومثل: إن في لزوم ما قولهم: إمّا لا، فألزموها ما عوضا.
وهذا أحرى أن يلزموا فيه إذ كانوا يقولون: آثرا ما، فيلزمون " ما " شبّهوها بما يلزم من النونات في: لأفعلنّ، واللام في: إن كان ليفعل.
فإن كان ليس مثل وإنما هو شاذّ كنحو ما شبّه بما ليس مثله، فلما كان قبيحا عندهم أن يذكروا الاسم بعد أن، ويبتدئونه بعدها، كقبح: " كي عبد الله يقول ذلك " حملوه على الفعل حتى صار كأنّهم قالوا: " إذ صرت منطلقا فأنا أنطلق معك "، لأنها في معنى: إذ، وإذ في معناها- أيضا- في هذا الموضع، إلا أنّ إذ لا يحذف معها الفعل، وإمّا لا يذكر بعدها الفعل لأنه من المضمر المتروك إظهاره حتى صار ساقطا بمنزلة تركهم ذلك في النداء، وفي " من أنت زيدا "، فإن أظهرت الفعل قلت: " إمّا كنت منطلقا انطلقت "، إنما تريد إن كنت منطلقا انطلقت.
فحذف الفعل لا يجوز ههنا، كما لم يجز إظهاره؛ لأنّ " أمّا " كثرت في كلامهم واستعملت حتى صار كالمثل المستعمل، وليس كلّ حرف هكذا).
قال أبو سعيد رحمه الله: أمّا أنت منطلقا، اختلف فيه الكوفيون والبصريون مع إجماعهم على حذف الفعل.
فقال الكوفيون: هو بمعنى إن، وعندهم أنّ " أن " المفتوحة فيها معنى " إن " التي للمجازاة، وعلى ذلك يحملون: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 2.
ويحتجون بأنها تقرأ: " إن تضلّ ". بكسر " إن " والمعنى عندهم سواء.
وأما البصريّون: فالتقدير عندهم: " لأن كنت أنت منطلقا أنطلق معك "، أي: لهذا المعنى الذي كان منك في الماضي: أنطلق معك، ولذلك شبهها سيبويه ب " بإذ " وجعلهما
كشيء واحد لاشتراكهما في المضيّ، وإذا ولى " أن " الفعل الماضي فهو ماض لا غير، كما إذا وليها المستقبل، فهو
للاستقبال لا غير، لأجل أنّ الثاني استحقّ بالأول جاز دخول الفاء في الجواب في قوله:
فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع
وجعلوا لزوم " ما " عوضا من حذف الفعل، فلا يحسن ذكر الفعل بعدها لحصول الغرض.
وكان المبرّد يجيز ذكر الفعل بعدها ويجعلها زائدة كزيادتها في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ 1.
وليس على ما قال دليل لأنّها زائدة في هذا الموضع، ثم لزمت عوضا ولم تستعمل إلا على ذلك، وحسن حذف الفعل لإحاطة العلم بأنّ " أن " هذه الخفيفة لا يقع بعدها الاسم مبتدأ، فكان ذلك بمنزلة فعل محذوف لحضور الدلالة عليه.
وأمّا قوله كالعوض في: الزنادقة واليماني.
فأصل الزنادقة: الزناديق، واليماني: يمنيّ، والألف في الزنادقة عوض من الياء، والألف في اليماني عوض من إحدى (ياءي) النسب، ونستقصي ذلك في غير هذا الموضع.
ومثل " أن " في لزوم " ما " قولهم: " إمّا لي ".
والأصل فيه: أن الرجل قد يمتنع من أشياء يلزمه أن يفعلها ويسومه إياها سائم فيمتنع منها، فيقنع منه بالبعض فيقال: " إمّا لي فافعل هذا " على معنى إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا، ثم زيدت " ما " كما تزاد في حروف الجر، ثم حذف الفعل لكثرة هذا في كلامهم، وصار " إمّا " مع " لا " كالشيء الواحد عندهم، فأجازوا فيها الإمالة، ولو انفردت " لا " لم تجز فيها الإمالة.
وقولهم: " أثرا ما "، يلزمونه " ما " فلا يكادون يحذفونها منه، ومعناها في قولك: آثرا أن تفعل كذا في معنى: أثر، وهو يريد: أفعل هذا أول شيء، ويقولون: آثر ذي أثير، ومنه قوله: