شرح كتاب سيبويهصفحات 60-99

باب ذكرك الاسم الذي تبين به العدة كم هي مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ

صفحات 60-99

فيشبّهها بالراء لأنها أختها وهي قد تذهب مع التنوين.
قال الشاعر حيث اضطرّ وهو لبيد: وقبيل من لكيز شاهد … رهط مرجوم ورهط أين المعل يريد المعلّى ". قال أبو سعيد: أما قوله: " الألقاب التي تذهب في الوصل لا تحذف في الوقف ". يريد الألف في قولنا هذه عصا يا فتى، ورحّى يا فتى، ومولّى وما أشبه ذلك إذا وصلتها ذهبت في اللفظ لاجتماع الساكنين: التنوين والألف.
فإذا وقفت فذهب التنوين عادت الألف فقلت هذه عصا ورحى ومولى، ولم يكن كذلك هذا قاض لخفة الألف.
وهذا الموضوع يدل على أن مذهب سيبويه أن الألف التي تثبت في الوقف هي الألف التي كانت في الحرف لقوله؛ وأما الألفات التي تذهب في الوصل فإنها لا تحذف في الوقف، ويقوّي ذلك أيضا أنك تقول هذا فتى فتميل.
وقد قال بعض النحويين: أن هذه الألف منقلبة من التنوين، ولو كانت كذلك ما أميلت، ثم دل على خفة الألف بأنهم قلبوا الياء إليها في قولهم: قد رضا ونها، وأصله رضي ونهي، ففروا إليها لخفتها، وأنهم لا يخففون المفتوح كما خففوا المضموم والمكسور في قولهم فخذ وعضد، ولم يقولوا في جمل جمل.
والبيت الذي أنشده سيبويه في حذف الألف من المعلى مثله في ضرورة الشاعر: حذف الفتحة من الياء في موضع النصب.
قال الشاعر: فكسوت عار لحمه فتركته … جذلان جاد قميصه ورداؤه (1) يريد عاريا، فسكّن الياء ثم حذفها لاجتماع الساكنين.
ومثله في تسكين المنصوب قوله: كأن أيديهنّ بالقاع القرق … أيدي جوار يتعاطين الورق (2)

هذا باب ثبات الياء والواو في الهاء التي هي علامة الإضمار وحذفهما

فأمّا الثبات فقولك: ضربهو زيدّ، وعليهي مال، ولديهو رجل، جاءت الهاء مع ما بعدها ها هنا في المذكر كما جاءت وبعدها الألف في المؤنث، وذلك قولك: ضربها زيد12

وعليها مال.
قال أبو سعيد: اختلف أصحابنا في الياء والواو المتصلتين بضربهو وعليهي، فبعض جعله من نفس الاسم وبعضهم جعله زائدا ولا خلاف بينهم أن الألف في قولهم عليها وضربها هما جميعا الاسم، وقد اختلفوا في مذهب سيبويه في الواو والياء في ضربهو وعليهي، فقال أبو إسحاق الزجاج: أن مذهب سيبويه أن الواو والياء بمنزلة الألف وإنهما من الاسم كالألف، وذكر أن مذهبه أنهما ليسا من نفس الاسم.
قال: والدليل على ذلك أن الواو والياء لا يوقف عليهما إذا قلت: ضربته ومررت به، ويوقف على الألف إذا قلت: ضربتها.
وللقائل أن يقول: قد يجوز أن يحذف في الوقف ما هو من نفس الاسم في قولنا: هذا قاض، فلا يكون لأبي إسحاق في ذلك حجة.
وبعض أصحابنا يذهب إلى أن مذهب سيبويه أن الواو والياء ليستا من الاسم، وستقف على ذلك إذا انتهينا من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قال: فإذا كان قبل الهاء حرف لين فإن حذف الياء والواو في الوصل أحسن، لأن الهاء من مخرج الألف، والألف تشبه الياء، والواو تشبههما في المدّ وهي أختهما، فلما اجتمعت حروف متشابهة حذفوا، وذلك قولك: عليه مال ورأيت أباه قبل وهذا أبوه كما ترى، وأحسن القراءتين: (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) 1 و (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) 2، (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) 3 و (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ) 4، والإتمام عربي، ولا تحذف الألف في مؤنث فيلتبس المؤنث بالمذكر ". يعني أنك لو حذفت الألف لوجب أن تسكن الهاء في الوقف فيقع لبس بين المذكر والمؤنث في الوقف، فيصير ضربته للمؤنث والمذكر.
قال: " فإن لم يكن قبل هاء التوكيد حرف لين أثبتوا الواو والياء في الوصل وقد يحذف بعض العرب الحرف الذي بعد الهاء إذا كان ما قبل الهاء ساكنا "، لأنهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفي نحو الألف فكما كرهوا التقاء الساكنين في أين ونوها، كرهوا ألا يكون بينهما حرف قوي، وذلك قول بعضهم منه يا فتى، وأصابته جائحة، والإتمام أجود لأن هذا الساكن ليس بحرف لين، والهاء حرف متحرك ". قال أبو سعيد: فصل سيبويه بين الهاء التي قبلها ياء ساكنة أو واو ساكنة أو ألف،

فجعل الاختيار فيها أن تحرك ولا توصل بحرف، وجعل الهاء التي قبلها ساكن غير الياء والواو، والألف الاختيار فيها أن توصل بالواو، واختار أن يقال عليه وألقى عصاه وخدوه بغير حرف، واختار منهو آيات، وأصابتهو جائحة، واختار أبو العباس حذف الصلة في منه وأصابته، ولم يفرق بين حرف اللين وغيره، وهذا هو الصحيح، لأن أكثر القراء والجمهور على: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) 1، والعلة في هذا كالعلة في حروف اللين، وذلك أن الهاء حرف خفي، فلو وصلت بحرف ساكن وهي لخفائها كأنها ساكن فيصير كأنه ثلاثة سواكن.
قال سيبويه: " فإن كان الحرف الذي قبل الهاء متحركا فالإثبات ليس إلّا كما تثبت الألف في التأنيث، لأنه لم تأت علة مما ذكرنا فجرى على الأصل إلّا أن يضطرب شاعر فيحذف كما يحذف ألف معلّى، وكما حذف فقال: وطرت بمنصلي في بعملات … دوامي الأيد يخبطن السّريحا 2 وهذا أجدر أن يحذف في الشعر، لأنه قد يحذف في مواضع من الكلام وهي المواضع التي ذكرت لك في حروف اللين نحو عليه، والساكن، ولو أثبتوا كان أصلا وكلاما حسنا من كلامهم، فإذا حذفوها على هذه الحال كانت في الشعر في تلك المواضع أجدر أن تحذف إذ حذفت مما لا يحذف منه في الكلام على الحال، ولم يفعلوا هذا بذه هي ومن هي ونحوهما، وفرق بينهما لأن هاء الإضمار أكثر استعمالا " في الكلام والهاء التي هي هاء الإضمار الياء التي بعدها أيضا مع هذا أضعف لأنها ليست بحرف من نفس الكلمة ولا بمنزلته وليست الياء في هي وحدها باسم كياء غلامي ". قال أبو سعيد: يريد أن الهاء التي قبلها حركة لا بد من أن توصل، وحذف الوصل منها إنما يجوز في الشعر كما جاز حذف ألف معلّى حين قيل في الشعر معلّ، وحذف الياء من الأيد، وحذّف صلة الهاء أجدر لأنها قد تحذف في الكلام من: عليه ومنه، ولا تحذف من: هي وهو لأن الياء والواو مع الهاء التي قبلهما هما الاسم، ولأن الواو والياء في هو وهي يوقف عليهما وليس ذلك في ضربته ولا مررت به وكذلك ضعّف الوصل فقال: الهاء هي هاء الإضمار، الياء التي بعدها مع هذا أضعف لأنها ليست بحرف من نفس

الكلمة، وهذا مما يدل على أن الهاء وحدها عند سيبويه الاسم، وقوله: " وليست الياء في هي وحدها باسم "، ويدل أيضا أن الياء مع الهاء اسم، وقد استدلّ بعض أصحابنا أيضا " على أن الهاء وحدها الاسم.
يقول سيبويه: " هذا الإضمار واعلم أنك لا تستبين الواو التي بعد الهاء ولا الياء في الوقف ولكنهما محذوفتان لأنهم لمّا كان من كلامهم أن يحذفوا في الوقف ما لا يذهب في الوصل على حال نحو يا غلامي وضربني إلا أن يحذف هي، ليس من أصل كلامهم كالتقاء الساكنين ألزموا الحذف هذا الحرف الذي قد يحذف في الوصل، ولو ترك كان حسنا وكان على أصل كلامهم، فلم يكن فيه في الوقف إلا الحذف حيث كان في الوصل أضعف ". قال أبو سعيد: يريد أن الوقف على الهاء غير موصولة بحرف، لأنهم قد يحذفون في الوقف ما يثبتونه في الوصل، والصلة في الهاء ضعيفة لأنها ليست من الكلمة ولأنها يختار حذفها في الوصل إذا كان قبلها ساكن، فاختير حذفها في الوقف.
ومعنى قول سيبويه: " ولو ترك كان حسنا " وكان على أصل كلامهم معناه عندي لو ترك وصل الهاء في الوقف والوصل كان حسنا إذ لم تكن الواو من نفس الكلمة.
وبعض أصحابنا ذهب إلى أنه لو لم تحذف في الوقف الياء والواو من الهاء لجاز لبيان الهاء، لأنهم يلحقون للبيان ولكنهم لزموا الحذف، خاصة في الوقف ليدلّوا على أنهما ليسا من نفس الحروف، والذي قلته أولا هي الوجه، لأن سيبويه إنما ذكر ما يقوي حذفه في الوقف ويحسنه فإنما يحتاج إلى تقوية الإثبات.
قال سيبويه: " وإذا كانت الواو والياء بعد الميم التي هي علامة الإضمار كنت بالخيار إن شئت حذفت وإن شئت أثبت، فإن حذفت أسكنت الميم، والإثبات " عليكمو مال " و " أنتمو ذاهبون " و " لديهمي مال " قال: " فأثبتوا كما تثبت الألف في التثنية إذا قلت عليكما وأنتما ولديهما، وأما الحذف والإسكان، فقولهم: عليكم مال وأنتم ذاهبون ولديهم مال، لما كثر استعمالهم هذا في الكلام واجتمعت الضمتان مع الواو والكسرتان مع الياء والكسرات مع الياء نحو بهمي داء، والواو مع الضمتين والواو نحو أبوهمو ذاهب، والضمات مع الواو نحو رسلهمو بالبيّنات، حذفوا من الهاء في الباب الأول حيث اجتمع فيه ما ذكرت إذ

صارت الهاء بين حرفي لين وفيها مع أنها بين حرفّي لين أنها خفيّة بين ساكنين، ففيها أيضا مثل ما في أصابته، وأسكنوا الميم لأنهم لمّا حذفوا الياء والواو كرهوا أن يدعوا بعد الميم شيئا منهما إذ كانتا تحذفان استثقالا فصارت الضمة بعدها نحو الواو.
قال أبو سعيد: يريد أنه إذا جمع الهاء زيد عليها ميم وواو إذا كانت الهاء مضمومة، كقولك: همو، وكذلك لو جمع ما فيه الكاف والتاء كقولك: عليكمو أنتمو وان كانت الهاء مكسورة ففي الميم قولان منهم من يكسر ويصلها بياء فيقول: عليهمي، ومنهم من يكسر الهاء ويضم الميم ويصلها بواو فيقول: عليهمو، فوصل الميم هو الأصل كما يصلونها بالألف في التثنية عليهما وعليكما وقد يجوز أن تحذف الوصل وتسكّن الميم فأمّا حذفها فعلى ما ذكره، واحتج به، وتسكن الميم عنده لئلا يبقوا لما حذفوه من الياء والواو أثرا، واحتج غيره بأنه حذف الواو كراهة للواو في آخر الكلمة وحذفوا الضمة من الميم لأنه لا يقع فيه ليس بعد استثقالهم لها، وذلك أن الواحد لا ميم فيه والاثنين فيهما ميم موصولة بألف لا تسقط، فإذا وجدت الميم في الجمع ولم تتصل بألف علم أنه جمع، وأغنت الميم عن الضمة والواو.
قال سيبويه: " ولو فعلوا ذلك لاجتمعت في كلامهم أربع متحركات ليس معهن ساكن نحو رسلكمو وهم يكرهون هذا، ألا ترى أنه ليس في كلامهم اسم على أربعة أحرف متحرك كله، وسترى بيان ذلك في غير هذا الموضع إن شاء الله ". قال أبو سعيد: يريد أن قولهم رسلكمو يثقل فاختير لأجل ذلك تسكين الميم وحذف الواو بعدها، وقد أنكر من كلام سيبويه " لاجتمعت في كلامهم أربع متحركات "، لأنا وإن أسكنا الميم في رسلكم ففيه أربع متحركات متوالية وإذا حركنا الميم ففيه خمس متحركات وهي رسلكمو، وهذا على أحد وجهين: إما أن يكون سها في عده الحروف وأما أن يكون على ما قال بعض أصحابنا لاجتمعت أربع متحركات من قبل تحريك الميم، فإذا حركناها زاد على أربع متحركات، فيكون زائدا على نهاية الثقل المستعمل في الشعر الموجود في كلمة واحدة، كقولنا: علبط وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: " فأما الهاء فحركت في الباب لأنه لا يلتقي ساكنان، وإذا وقفت لم يكن إلا الحذف ولزومه إذ كنت تحذف في الوصل كما فعلت في الأول ". قال أبو سعيد: يعني أن الهاء تسكن كما سكنت الميم في، أبوهم ورسلهم وما أشبه ذلك، لأن الميم لا يكون ما قبلها إلا مضموما، فإذا سكناه لم يلتق ساكنان، والهاء قد

يكون ما قبلها ساكنا، كقولنا: ألقى عصاه وعليه وما أشبه ذلك، فلو سكناها اجتمع ساكنان.
قال: " فإذا قلت أريد أن أعطيه حقه فنصبت الياء فليس إلا البيان والإثبات، لأنها لما تحركت خرجت من أن تكون حرف لين ". قال أبو سعيد: يعني أن الياء إذا تحركت وانفتحت واتصل بها هاء الضمير وصلت بالواو ولم يكن سبيلها كسبيل الهاء الساكنة، وكذلك الواو إذا انفتحت.
كقولك: أريد أن أغزوهو يافتى لأنها لما تحركت صارت كسائر الحروف المتحركة: وإنما كنا نحذف وصل الهاء لأجل الساكن الذي قبلها على ما تقدم من ذكر ذلك، وفرّق بين الهاء والميم لأن الميم لا تكون أبدا إلا وقبلها حرف مضموم، كقولك: ضربهم ورأيتهم أو مكسور كقولك: مررت بهم، والهاء قد يسكن ما قبلها ويتحرك كقولك: اضربه وعليه وما أشبه ذلك.
قال: " فالهاء تصرف والميم يلزمها أبدا ما يستثقلون فلذلك جاز إسكانها للبدل الذي يلزمها ألا تراهم قالوا في كبد كبد، وفي عضد عضد، ولا يقولون ذلك في جمل، ولا يحذفون الساكن في سفرجل، لأنه ليس فيه شيء من هذا ". قال أبو سعيد: يريد أن المستقبل قد يجوز أن يخفف، وكان تسكينهم الميم لضمّتها ولزوم الضمة قبلها كتسكين كبد وعضد، وليس في جمل ما يستثقلون، لأن الميم مفتوحة.
وقوله: " ولا يحذفون الساكن في سفرجل لأنه ليس فيه شيء من هذا ". قال أبو سعيد: يريد أن الحذف إنما يقع استثقالا أو لداع يدعو إليه، وليس كل ما أراد مريد حذفه كان له ذلك، فلا يجوز له حذف شيء من سفرجل، لأنه لا شيء فيه من نظائر ما يحذف.
قال: " واعلم أن من أسكن هذا الميمات في الوصل لا يكسرها إذا كانت بعدها ألف وصل، ولكن يضمها لأنها في الأصل متحركة بعدها واو، كما أنها في الاثنين متحركة بعدها ألف ". وإنما أسكنت الميم تخفيفا فإذا اضطر إلى التحريك حركها بما كان لها في الأصل كقولك: كنتم اليوم وفعلتم الخير.
ألا ترى أن شاعرا لو اضطر إلى تحريك الدال الأولى من: رادّ لقال رادد لأنه الأصل، ولو اضطر إلى تحريك " رادّ يرادّ " لقال " رادد " فيرده إلى

أصل حركته، وفي عليهم إذا سكنت الميم وجهان: إن شئت ضممت الهاء فقلت عليهم، وان شئت كسرت فقلت عليهم.
فأمّا من ضم الهاء فهو يضم الميم إذا لقيها ساكن فيقول: عليهم المال، وأما من كسر فهم على مذهبين: إذا لقيها ساكن منهم من يكسر الميم، فيقول: عليهم المال والذي يقول هذا الأصل عنده عليهمي فيردّ الميم إلى كسرتها في الأصل، ومنهم من يضمّ الميم مع كسرة الهاء فيقول عليهم المال، وهذا الأصل عنده عليهمو، ثم تسكن الميم لّما ذكرنا من علة إسكانها ثم يحركها في الأصل إذا لقيها الساكن.
قال سيبويه: " لو كان أصل الميم السكون لم يقل ما لا يحصى من العرب كنتمو فاعلين " فاحتج لضم الميم إذا لقيها ساكن بشيئين أحدهما أنه يضمها بالضمة التي كانت فيها، فيردها إلى أصلها، كما قالوا: مذ اليوم فضممت الذال، لأن الأصل منذ، ثم تخفف فتسكن الذال فيقال مذ، فإذا لقيها ساكن قلت: مذ اليوم فحركتها بالحركة التي كانت لها، والوجه الثاني أنه لما كانت هذه الميم بعدها واو في التقدير ثم اضطر إلى تحريكها، " جعلوا حركتها من الواو التي بعدها في الأصل كما قلت اخشوا القوم حيث كانت علامة إضمار ". قال: " والتفسير الأول أجود، ألا ترى أنه لا يقول كنتم اليوم من يقول اخشوا الرجل ". قال أبو سعيد: يريد أنّا لو كنا نضم الميم من أجل الواو بعدها في التقدير لكان يلزمنا إذا كسرنا الواو في اخشوا الرجل أن نكسر الميم لأنهما قد حذف مهما، ويجوز أن يفرق بينهما لأن الميم قد حذف الواو بعدها والواو في اخشوا لم يحذف بعدها واو، وإنما حذف قبلها ضمة وألف، لأنه كان الأصل اخشوا فحذفت الضمة وقلبت الياء ألفا " وحذفت الألف لاجتماع الساكنين: واو الجمع والألف التي قبلها وكان الأصل اخشا وبعد قلب الألف، فلما حذفت صار اخشوا.

هذا باب ما تكسر فيه الهاء التي هي علامة الإضمار

" اعلم أن أصلها الضم وبعدها الواو، لأنها في الكلام كله هكذا إلّا أن تدركها هذه العلة التي أذكرها لك وليس بمنهم ما أذكره لك أيضا من أن يخرجوها على الأصل، كما أن الياء خفيّة، فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة لأنها خفية وهي من حروف الزيادة وهي من موضع الألف، وهي أشبه الحروف بالياء، فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافا، كذلك كسروا هذه الهاء وقلبوا الواو ياء، لأنها لا تثبت

واوا ساكنة وقبلها كسرة، فالكسرة ها هنا كالإمالة في الألف لكسرة ما قبلها وما بعدها ". قال أبو سعيد: اعلم أن هاء الضمير أصلها الضم، ولا يجوز كسرها إلا أن يكون قبلها أو ياء ساكنة فإنه يجوز في هذه الحال كسرها للياء والكسرة ويجوز ضمها على الأصل وكان ابن شهاب الزهري يضمها في جميع القرآن وهو مدني حجازي ولذلك قال سيبويه: " وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل ولديهو مال ويقرؤون (فخسفنا بهو وبدارهو الأرض) ". ولعل سيبويه أراده بهذه القراءة، وإنما جاز كسرها لكسر ما قبلها أو للياء لأنها أشبه الحروف بالألف، فكما أمالوا الألف ونحوا بها الكسرة للكسرة بعدها أو قبلها أو للياء على ما شرحناه كسروا الهاء أيضا من أجل ذلك.
والذي يقول عليهمو أتبع الهاء كسرة الهاء، لأن الهاء كالألف وترك الميم على ضمتها لأنها لا تشبه الياء ولا الألف.
" كما أنك تقول في الإدغام مصدر فتقرّ بها من أشبه الحروف من موضعها بالدال وهي الزاي، ولا يفعل ذلك بالصاد مع الراء والقاف ونحوهما، لأن موضعهما " يعني موضع الراء والقاف " لم يقرب من الصاد كقرب الدال، وزعم هارون أنها قراءة الأعرج وهي قراءة أهل مكة اليوم حتى يصدر الرّعاء بين الزاي والصاد ". قال أبو سعيد: أراد سيبويه أن الحروف قد تقرب إلى ما يجاورها كتقريب الصاد إلى الدال بأن جعلت كالزاي، لأن الزاي تشبه الدال بالجهر والصاد قريبة من الدال في المخرج والزاي من مخرج الصاد، فقّربت منها بأن جعلت بين الصاد والزاي لمناسبة الدال للزاي، وكذلك كسر الهاء لما ذكرناه.
قال: " واعلم أن قوما من ربيعة يقولون منهم، أتبعوها الكسرة ولم يكن المسكن حاجزا حصينا عندهم، وهذه لغة رديئة إذا فصلت بالنون بين الهاء وبين الكسرة فالزم الأصل؛ لأنك قد تجرى على الأصل ولا حاجز بينهما، فإذا تراخت وكان بينهما حاجز لم تلتق المتشابهة، ألا ترى أنك إذا حرّكت الصاد فقلت صدق كان من يحقق الصاد أكثر لأن بينهما حركة.
فإذا قال مصادر فجعل بينهما حرفا ازداد التحقيق كثرة، فكذلك هذا ". قال أبو سعيد: الذي يقول منهم لا يحفل بالنون فيكسر الهاء لكسرة الميم، والنون

خفية، وقد رأيناهم في حروف غير هذه عاملوا ما قبل النون الساكنة معاملة ما بعدها، كقولهم: هو ابن عمّى دنيا والأصل دنوا لأنه من الدنو.
وقالوا: منتن فكسروا الميم لكسرة التاء وأتبعوها إياها وكأنه ليس بينهما نون.
قال: " وقال ناس من بكر بن وائل: من أحلامكم شبهها بالهاء لأنها علم إضمار قد وقعت بعد الكسرة فأتبعوا الكسرة حيث كانت حرف إضمار وكان أخفّ عليهم من أن يضمّ بعد أن يكسر، هذه لغة رديئة جدّا وسمعنا أهل هذه اللغة يقولون للحطيئة: وإن قال مولاهم على جلّ حادث … من الدّهر ردّوا فضل أحلامك ردّوا 1 قال: " وإذا حركت فقلت رأيت قاضية قبل لم تكسر، لأنها إذا تحركت لم تكن حرف لين فبعد شبهها من الألف، لأن الألف لا تحرك أبدا " وليست كالهاء لأن الهاء من مخرج الألف فهي وان تحركت في الخفاء نحوّ من الألف والياء الساكنين ألا تراها جعلت في القوافي متحركة بمنزلة الياء والواو ساكنتين فصارت كالألف، وذلك قولك: خليلها، فاللام حرف الروي وهي بمنزلة خليلو، وإنما ذكرت هذا لئلا تقول قد تحركت الهاء فلم جعلتها بمنزلة الألف فهي متحركة كالألف ". قال أبو سعيد: " أراد سيبويه أن الياء إذا تحركت بطل الكسر في الهاء ووصلت الهاء بواو لأنها لما تحركت بطل الكسر في الهاء بعد شبهها من الألف لأن الألف لا تكون إلا ساكنة، وإنما تشبه الواو والياء والألف إذا كانت ساكنة والهاء خفية تشبه الألف وإن كانت متحركة لأنها من مخرج الألف فهي تشبهها وإن كانت متحركة، ويقوي ذلك أن الحروف التي تكون وصلا لحرف الروي في القافية أربعة الألف والواو والياء والهاء، والألف الواو والياء إذا كنّ وصلا لم يجز أن يتحركن، وأما الهاء فإنها قد تكون وصلا وتتحرك، فيكون بعدها الألف والواو والياء، وقد تكون الهاء وصلا " وهي ساكنة.
فأما هاء الوصل الساكنة فقوله: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله … وعرّي أفراس الصّبا ورواحله 2 فاللام حرف الروي والهاء وصل وهي ساكنة، وأما إذا كانت متحرك وبعدها ألف

فقوله: عفت الديار محلّها فمقامها … بمنّى تأبّد قولها فرجامها 1 فالميم حرف الروي والهاء وصل وبعدها ألف وهي تسمى بعد الهاء الخروج، وما بعد الهاء ياء قوله: إذا علا علياء من عليائهي … شقّ بها ما صحّ من سقائهي الهمزة حرف الروي والهاء وصل وبعدها ياء هي خروج والواو قوله: وبلد عامية أعماؤه … كأنّ لون أرضه سماؤه الهمزة حرف الروي والهاء وصل وبعدها واو هي خروج، ولذلك قال سيبويه: " خليلها "، كقولك: خليلو، لأن الواو في خليلو وصل، والهاء في خليلها وصل، فالهاء بتحركه كالواو ساكنة.
قال: " وأما هاء هذه فإنهم أجروها مجرى الهاء التي هي علامة الإضمار، إضمار المذكر لأنها علامة للتأنيث كما أن هذه علامة للمذكر فهي مثلها في أنها علامة وأنها ليست من الكلمة التي قبلها، وذلك قولك: هذ هي سبيلي، فإذا وقفت لم يكن إلّا الحذف كما تفعل ذلك في به وعليه، إلّا أن من العرب من يسكّن هذه الهاء في الوصل، يشبهّها بميم عليهم وعليكم لأن هذه الهاء لا تحول عن هذه الكسرة إلى فتح ولا تصرّف كما تصرف الهاء، فلما ألزمت الكسرة قبلها حيث أبدلت من الياء وشبهوها بالميم التي تلزم الكسرة والضمة وكثر هذا الحرف في الكلام كما كثرت الميم في الإضمار.
سمعت من يوثق بعربيته من العرب يقول: هذه أمة الله فيسكّن ". قال أبو سعيد: أصل هذه هذي، وإنما أبدلت الهاء من الياء، وكثير من العرب لا يبدلون ويقولون هذي، فمن أبدل فإنه يجري هذه الهاء مجرى هاء الضمير التي قبلها كسرة فيكسرها، ولا أعلم أحدا يضمها لأنهم شبهوها بهاء الضمير وليست للضمير فحملوها على أكثر الكلام، وأكثر الكلام كسر الهاء إذا كان قبلها كسرة، ووصلها بالياء كما وصلوا بهي وغلامهي يا فتى، فإذا وقفوا سكّنوا كما يسكّنون به وبغلامه إذا وقفوا، والذين أسكنوا الهاء في هذه إذا وصلوا لا يسكنونها في قولك بغلامهي وبدارهي وفي سائر أحوال هاء الضمير لأن هاء الضمير أشد تصرفا لأنها قد يكون ما قبلها ساكنا ومفتوحا

ومضموما، ولا يلزمها الكسر كما يلزم الذال في هذه قبل الهاء، فلقلة تصرفها جاز لهم إسكانها، لأنها مبنية وبدل من شيء لو كان حرفا صحيحا للزمه البناء على السكون، وذلك أنها بدل من ياء في حرف إشارة مبنية على السكون فجاز فيها السكون لذلك.

هذا باب الكاف التي هي علامة المضمر

" اعلم أنها في التأنيث مكسورة وفي التذكير مفتوحة، وذلك قولك: رأيتك للمرأة، ورأيتك للرجل، والتاء التي هي علامة الإضمار، كذلك تقول: ذهبت للمؤنث وذهبت للمذكر فأما ناس كثير من تميم وناس من أسد فإنهم يجعلون مكان الكاف للمؤنث الشين وذلك أنهم أرادوا البيان في الوقف لأنها ساكنة في الوقف، فأرادوا أن يفصلوا بين المذكر والمؤنث وأرادوا التحقيق والتوكيد في الفصل لأنهم إذا فصلوا بين المذكر والمؤنث بحرف كان أقوى من أن يفصلوا بحركة، فأرادوا أن يفصلوا بين المذكر والمؤنث بهذا الحرف كما فصلوا بين المذكر والمؤنث بالنون حين قالوا ذهبوا وذهبن وأنتم وأنتن وجعلوا مكانها مهموسا من الحلق لأنها ليست من حروف الحلق، وذلك قولك: إنّش ذاهبة وما لش ذاهبة يريد إنك ومالك ". وقد أنشدنا أبو بكر بن دريد: تضحك منّي أن رأتني أحترش … ولو حرشت لكشفت عن حرش 1 وأنشد ثعلب: عليّ فيما أبتغي أبغيش … بيضاء ترضيني ولا ترضيش وتطلبي ودّ بني أبيش … إذا دنوت جعلت تنّبتيش وان نأيت جعلت تدنيش … حتى تنقيّ كنقيق الدّيش 2 وإنما أبدلوا من الكاف شينا لتقاربهما في المخرج واجتماعهما في الهمس.
قال: " واعلم أن ناسا من العرب يلحقون الكاف السين لّيبينوا كسرة التأنيث، وإنما ألحقوا السين لأنها قد تكون من حروف الزيادة في استفعل، وذلك قولهم:

أعطيتكس وأكرمتكس، فإذا وصلوا لم يجيئوا بها لأن الكسرة تبين، وقوم يلحقون الشين ليبينوا بها الكسرة في الوقف كما أبدلوا مكانها لبيّنوا، وذلك قولهم: أعطيتكش وأكرمتكش ". وهذه اللغة تسمى الكشكشة ويقال إنها في قوم من بكر بن وائل.
وفي بعض الأخبار قال معاوية يوما لمن حضره من أفصح الناس، فقال رجل منهم: قوم ارتفعوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كشكشة بكر ليس فيهم غمغمة قضامة ولا طمطمانية حمير.
والذين ألحقوا الكاف السين والشين إنما يلحقونها في الوقف، لأنهم إذا وقفوا عليها سكنت الكاف فلم يكن فصل بين المؤنث والمذكر، فأرادوا بيان المؤنث في الوقف وجعلوا تركها أعني السين والشين علامة المذكر.
قال: " اعلم أن ناسا من العرب يلحقون الكاف التي هي علامة الإضمار إذا وقعت بعدها هاء الإضمار ألفا في التذكير وياء في التأنيث لأنه أشدّ توكيدا في الفصل بين المذكر والمؤنث كما فعلوا ذلك حيث أبدلوا مكانها الشين في التأنيث وأرادوا في الوقف بيان الهاء إذا أضمرت المذكر لأن الهاء خفية، وإذا ألحق الألف بين أن الهاء قد لحقت وإنما فعلوا هذا بها مع الهاء لأنها مهموسة كما أن الهاء مهموسة وهي علامة الإضمار كما أن الهاء علامة إضمار، فلما كانت الهاء يلحقها حرف مد ألحقوا الكاف معها حرفّ مدّ وجعلوهما إذا التقيا سواء، وذلك قولك: أعطيكيها وأعطيكيه للمؤنث، وتقول في التذكير: أعطيتكاه وأعطيكاها ". قال أبو سعيد: قوله " لأنه أشد توكيدا في الفصل " يريد أن زيادة الألف والياء على الكاف أشد توكيدا في الفصل بين المؤنث والمذكر، لأنك تقول فيمن لا يريد التوكيد أعطيتكه للمذكر وأعطيتكه للمؤنث، فيكون الفصل بينهما الفتحة والكسرة.
وإذا قلت للمذكر أعطيتكاه وللمؤنث أعطيتكيه فإن الفصل بينهما بالحركة والحرف كما كان ذلك بالشين، وشبهوا إلحاق الألف والياء بالكاف على حركة الكاف كما يلحقون الواو والياء والألف بالهاء، كقولك: غلامها، وهذا غلامهو، ومررت بغلامهي، لأن الكاف والهاء يشتركان في أنهما للضمير ويشتركان في أنهما مهموسان فلا ينكر حمل أحدهما على الآخر للشركة مع ما تقدم من التعليل.
قال: " وحدثني الخليل أن ناسا يقولون: ضربتيه، فيلحقون الياء، وهذه قليلة، فأجود اللغتين وأحسنهما ألا تلحق حرف المد في الكاف، وإنما لزم ذلك في الهاء في

التذكير كما لحقت الألف في التأنيث، والكاف والتاء لم يفعل بهما ذلك، وإنما فعلوا ذلك بالهاء لخفائها وخفّتها لأنها نحو الألف ". قال أبو سعيد: يريد أن الأجود أن لا تزاد على الكاف ألف ولا ياء وإنما تزاد على الهاء لأنها خفيّة خفيفة لشبهها بالألف فاحتملت الزيادة لذلك.
وقد تقدم ما يغني عن شرحه إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما يلحق التاء والكاف اللتين للإضمار إذا جاوزت الواحد

" فإذا عنيت مذكرين أو مؤنثين ألحقت ميما تزيد حرفا كما زدت في العدد وتلحق الميم في التثنية الألف، وفي جماعة المذكرين الواو، ولم يفرقوا بالحركة وبالغوا في هذا ولم يزيدوا لما جاوزوا اثنين شيئا، لأن الاثنين جمع كما أن ما جاوزهما جمع، ألا ترى أنك تقول ذهبنا فيستوي الاثنان والثلاثة، وتقول نحن فيها، وتقول: قطعت رؤوسهما، وذلك قولك: ذهبتما وذهبتمو أجمعون، وأعطيتكما وأعطيتكمو خيرا وتلزم التاء والكاف الضمة وتدع الحركتين اللتين كانتا للتذكير والتأنيث في الواحدة لأن العلامة فيما بعدها والفرق فألزموها حركة لا تزال، وكرهوا أن يحركوا واحدة منهما بشيء كان علامة للواحد حيث انتقلوا عنها وصارت العلامة فيما بعدها ولم يسكنوا التاء لأن ما قبلها ساكن ولا الكاف لأنها تقع بعد الساكن كثيرا، ولأن الحركة لها لازمة مفردة فجعلوها كأختها التاء ". قال أبو سعيد: ذكر سيبويه لحاق الميم في تثنية التاء والكاف وجمعها، وضمّ ما قبل الميم ولزوم ضمّ ما قبل الميم، فأما الميم فذكر أنها لحقت التثنية والجمع لأنهم بالغوا فجعلوا الفرق بين الواحد والجمع بحرف سوى الحرف الذي كان يلحق في الاسم الظاهر كقولنا: زيدان وزيدون، وأن هذه الميم لحقت في التثنية لأن التثنية جمع كما تلحق في الجمع وتختلف العلامة اللاحقة بعد الميم فيهما فتكون للتثنية بالألف كقولك: ذهبتما وفي الجمع بالواو كقولك: ذهبتمو.
وأما لزوم الضم لما قبل الميم، فلأن هذه الميم لحقت التاء وكانت حركة التاء قبل لحاق الميم تختلف للفرق بين المذكر والمؤنث، كقولك: ذهبت يا رجل وذهبت يا امرأة، فلما ثنوا وجمعوا صارت العلامة علامة الجمع فيما بعد الميم كقولك: قمتوا يا رجال وقمتنّ يا نسوة وضربتكمو وضربتكنّ فأغنى عن تغيير التاء والكاف للفرق فألزموها حركة ما كانت تدخل على أحدهما وهي ضمة التاء والكاف في المتكلم، فإن قال قائل: كيف كانت التاء مضمومة في المتكلم؟ قيل له: المتكلم لا تلحقه

الميم وإنما تلحق المخاطب وتاء المخاطب، وكافة لا تكون إلا مكسورة أو مفتوحة ولم يسكنوا التاء، لأن ما قبلها ساكن أبدا فيجوز الجمع بين ساكنين، وحملوا الكاف على التاء لأن الكاف قد يكون ما قبلها ساكنا ومتحركا، والمتحرك قولك: ضربكما، والساكن: أعطاكما.
وذكر الزجاج أن الأصل لحاق الميم لتاء المخاطب كقولك: قمتما وقمتم وأنتما وأنتم، وذلك أن أنا لا يثنّى في التّحصيل، لأنه لم يقع على أنا، وإنما يقع على أنا وهو، فإذا ضمّ أحدهما إلى الآخر أتى بلفظ غير الواحد، فقيل: نحن، كما يقال للسواد والبياض إذا اجتمعا: بلقّ، وهو لفظ غيرهما، وكذلك التاء في قمتم، تقول قمنا لأنه لا يمكن فيه التثنية لاختلاف الاثنين، المضموم أحدهما إلى الآخر، والمخاطب يمكن أن يضم إليه يقال له أنت، فيمكن تثنيته على اللفظ، فإذا قلنا أنتما فله شبه من المتكلم وشبه من المثنى، فأما شبهه من المثنى فيوجب أن تزاد فيه الألف بحق التثنية، والواو بحق الجمع كما يقال: زيد وزيدان وزيدون.
وأما شبهه من المتكلم فلأن أنا الذي للمتكلم هو أنا الذي للمخاطب وإنما تزاد فيه التاء علامة للخطاب، فاحتاجوا من أجل شبه المخاطب إلى ألف للتثنية وواو للجمع، ومن أجل المتكلم إلى حرف لا يكون في الواحد كقولهم: نحن، فزادوا الميم من أجل المتكلم، والألف والواو من أجل المخاطب، ثم حملوا الكاف على ذلك وألزموا التاء الضم وذلك أن تاء المتكلم مضمومة والمتكلم هو الأصل، وتاء المخاطب تفتح وتكسر للفرق بين المؤنث والمذكر، فلما لحقت الميم واستغني بما بعده عن الفرق بحركة التاء رجعت التاء إلى الأصل وهو الضم.
وقال الزجاج: لمّا ثنوا هو فزادوا الميم أسقطوا الواو اكتفاء بالميم لأن الميم من مخرج الواو، فاستغّنوا بها عن الواو، وإنما اختاروا الميم، لأنها تلحق الأواخر زائدة كقولنا فسحم وزرقم ولأنها شبيهة بالنون، والنون قد تدخل للإعراب ولغيره من العلامات.
قال سيبويه: " قلت: ما بالك تقول ذهبن وأذهبن فلا تضاعف النون، فإذا قلت: أنتنّ وضربكنّ ضاعفت؟ قال: أراهم ضاعفوا النون ها هنا، كما ألحقوا الألف والواو مع الميم، وقالوا: ذهبّن؛ لأنك لو ذكرت لم تزد إلّا حرفا واحدا على فعل، فلذلك لم تضاعف ومع هذا أيضا أنهم كرهوا أن يتوالي في كلامهم في كلمة واحدة أربع متحركات أو خمس ليس فيهن ساكن نحو ضربكنّ ويدكنّ وهي في غير هذا ما قبلها ساكن كالتاء فعلى هذا جرت هذه الأشياء في كلامهم ". قال أبو سعيد: احتج الخليل لما سأله سيبويه بشيئين: أحدهما أن يكون حمل

المؤنث على المذكر فلما كان للمذكر بحرف واحد جعل للمؤنث بنون واحدة، كقولك: قالوا وذهبوا، فالواو علامة جمع المذكر وهي حرف واحد للمؤنث: قلن وذهبن بنون واحدة، فلما قلت للمذكر قلتمو وذهبتمو أو ضربتكمو قلت للمؤنث: ذهبتنّ وضربتكنّ.
فجعلت النون المشددة مكان الميم والواو، والثاني أنه لو لم تشدّد النون لاجتمع أربع متحركات أو خمس على ما ذكر، ثم قوّى أنه يحتاج إلى نون أخرى ساكنة كما أن النون المنفردة ما قبلها ساكن كقولك: ذهبن وانطلقن، كما تقول: ذهبت وانطلقت فيسكن ما قبل التاء.

هذا باب الإشباع في الجر والرفع وغير الإشباع والحركة كما هي

" فأما الذين يشبعون فيمطّطون وعلامتها واو وياء، وهذا تحكمه لك المشافهة، وذلك قولك: يضربها ومن مأمنك.
وأما الذين لا يشبعون فيختلسون اختلاسا، وذلك يضربها ومن مأمنك.
ومن ثم قرأ أبو عمرو (إلى بارئكم)، وبذلك على أنها متحركة قولهم: من مأمنك فيبيّنون النون، ولو كانت ساكنة لم تحقق النون ولا يكون هذا في النصب، لأن الفتح أخف عليهم كما لم يحذفوا الألف حيث حذفوا الياءات وزنة الحركة ثابتة كما تثبت في الهمزة حيث صارت بين بين ". قال أبو سعيد: يريد أن ما كان مضموما أو مكسورا يجوز اختلاس الضمة والكسرة، واختلاسها إضعاف الصوت بها في سرعة، وعلى ذلك يحمل أصحابنا قراءة أبي عمرو (إلى بارئكم) أنها مختلسة وليست بساكنة وكذلك ما يروى عنه في قوله تعالى و (بارئكم) و (ينصركم) و (وما يشعركم) وما أشبه ذلك يحمل ذلك كله على الاختلاس، وبعض أصحابه يحكي عنه أنه يسكنها.
والذي عنه سيبويه أنها مختلسة وأنها بزنتها متحركة، كما أن الهمزة المجعولة بين هي بزنتها محقّقة.
قال: " وقد يجوز أن يسكّنوا الحرف المرفوع والمجرور في الشعر شبهوا ذلك بكسرة فخذ حين حذفوا فقالوا: فخذ وبضمة عضد حين حذفوا فقالوا: عضد لأن الرفعة ضمة والجرة كسرة، وقال الشاعر " الفرزدق: رحت وفي رجليك ما فيهما وقد … بدا هنك من المئزر 1

يريد: هنك، وأظن في شعره حرّك.
قال: " ومما أسكنوا في الشعر وهو بمنزلة الجّرة إلا أن من قال فخذ لم يسكّن ذلك، قال الراجز: إذا اعوججن قلت صاحب قوّم … بالدّوّ أمثال السّفين العوّم (1) فسألنا من ينشد هذا البيت من العرب فزعم أنه يريد صاحبي، قد يسكّن بعضهم في الشعر ويشمّ، وذلك قول الشاعر: فاليوم أشرب غير مستحقب … إثما من الله ولا واغل (2) وجعلت النقطة علامة الإشمام، ولم يجئ هذا في النصب، لأن الذين يقولون: كبد وفخذ، " في كبد وفخذ، " لا يقولون في جمل جمل ". قال أبو سعيد: اعلم أن الذي ذكر سيبويه من تسكين ما أجاز تسكينه في الشعر وقد أنكره المبرد وغيره ورووا: وقد بدا ذاك من المئزر، ورووا في مكان صاحب قوّم: صاح قوّم.
ومكان فاليوم أشرب غير مستحقب: فاليوم أسقى، ومنهم من يروي: فاليوم فاشرب.
والذي قاله سيبويه عندي صحيح وذلك أن الذين أنكروا هذا إنما أنكروه من أجل ذهاب الإعراب ولا خلاف بينهم أن الإعراب قد يزول بالإدغام، والقراء على إدغام النون في قوله عز وجل: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا (3) والأصل لا تأمننّا، فذهبت الضمة التي هي علامة الرفع، وقوّي قوله مع القياس الذي ذكرت لك الرواية.

هذا باب وجوه القوافي في الإنشاد

قال أبو سعيد: اعلم أني لو اقتصرت على تفسير ألفاظ سيبويه فيما ذكره من القوافي لسقط الكثير مما يحتاج إليه فيها، لأنه لم يستوعب ذكرها ولا قصد إلى استيفاء معرفتها وما يتعلق بها، فعملت على أن أتقصى ذكرها وما يتعلق بها مع شرح كلامه، وأفرد من ذلك ما يحتمل الإفراد وبالله أستعين على جميع الأمور.
قال سيبويه: " أما إذا ترنّموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواو وما ينوّن وما لا ينون لأنهم أرادوا مدّ الصوت وذلك قولهم:123

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي 1 وقال في النصب ابن الطثريّة 2: فبتنا تحيد الوحش عنّا كأننا … قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا 3 وقال في الرفع الأعشى: هريرة ودّعها وإن لام لاثمو 4 فهذا ما ينّون فيه وما لا ينون فيه قولهم وهو لجرير: أقلّي اللوم عاذل والعتابا وقال في الرفع جرير: متى كان الخيام بذي طلوح … سقت الغيت أيتها الخيامو وقال في الجر: أيهات منزلنا بنعف سويقة … كانت مباركة من الأيامي وإنما ألحقوا هذه المدة في حروف الروي، لأن الشعر وضع للغناء والترنم، فألحقوا كل حرف الذي حركته منه، فإذا أنشدوا ولم يترنموا فعلى ثلاثة أوجه، أما أهل الحجاز فيدعون هذه القوافي ما نوّن منها ومما لم ينّون على حالها في الترنم ليفرقوا بينها وبين الكلام الذي لم يوضع للغناء.
وأما ناس كثير من بني تميم فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينوّن وما لا ينوّن لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونا ولفظوا بتمام البناء وما هو منه كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد.
سمعناهم يقولون: يا أبتا علّك أو عساكن 5 وللعجاج: يا صاح ما هاج الدّموع الذرفن

وقال: من طلل كالأتحميّ أنهجن وكذلك الجر والنصب والرفع والمكسور والمفتوح والمضموم في جميع هذا كله كالمجرور والمنصوب.
وأما الثالث فأن يجروا القوافي مجراها لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا، وتركوا المدة لعلمهم أنها في أصل البناء.
سمعناهم يقولون: أقلّى الّلوم عاذل والعتاب وللأخطل: واسأل بمصقلة البكري ما فعل وكان هذا أخف عليهم ويقولون: قد رابني حفص فحرك حفصا تثبت الألف لأنها كذلك في الكلام ". قال الأخفش: وبعضهم يقف على المنصوب منونا كان أو غير منون بالألف فيقول: أقلى اللوم عاذل والعتابا وإذا وقف في الجر والرفع أسكن فقال: أيتها الخيام أفاطم مهلا بعد هذا التدلّل 1 وسمعت من العرب من يقف على الروي المنصوب إذا كان من الفعل أو من شيء لا يدخله التنوين في وجه من الوجوه بالإسكان.
يقول: ولا تبقي خمور الأندرين 2 وينشدون: أهدموا بيتك لا أبا لك … وحسبوا أنك لا أخا لك 3

وأنا أمشى الدّ ألي حوالك ولا يلحقون الألف، وهذا لا يكون إلّا مطلقا إلّا أنهم يريدون الوقف.
وقال هؤلاء بشبّان يرون القتل مجدا … وشيب في الحروب مجّربين 1 فسكن بعد الياء، لأن هذا لا يدخله تنوين في وجه من الوجوه.
وأما: تسف الجلّة الخور الدّرينا فالدرين اسم فيقفون عليه بالألف لأنه لو لم تكن هذه الألف واللام كان منونا، وكل ما كان كذلك ألحقوا الألف في وقفه فيقول هؤلاء: أقلّي اللوم عاذل والعتابا لأنه إذا لم يكن بالألف واللام كان منونا، فلذلك ألحقوا الألف في السّكت.
قال أبو سعيد: وأما قوله: لأن الشعر وضع للغناء والترنم، " فهو من أصح الكلام وذلك أن الغناء يحتاج إلى ألحان موزونة ونغم منظومة تكرر على مقادير من الحروف وبسبب لا يختلف فلا يجوز أن يحمل ذلك إلّا كلام موزون يكون قدر بعضه إلى بعض معروفا، ولولا ذلك ما احتيج إلى المنظوم، وهذا في جميع الألسنة ما أرادوا الترنم به والغناء من الكلام كان موزونا، ومنهم من يلزم حرفا بعينه مع الوزن، ومنهم من يعتمد على اتفاق الوزن ومقدار الحروف وإن لم يقف على حرف معلوم ولولا أن الكتاب لا يحتمل لأطلته أكثر من هذا، فلما كان موضوع الشعر للغناء والترنم احتاجوا إذا ترنموا إلى الحروف التي يمد فيها الصوت وهي الألف والواو والياء، وهذه الحروف مأخوذة من الحركات، فجعلوا ما كان مفتوحا من الحروف فتتبع فتحته الألف، وما كان مضمونا تتبع ضمته الواو، وما كان مكسورا تتبع كسرته الياء لامتداد الصوت في هذه الحروف، فإن قال قائل: كان موضوع الشعر للغناء والترنم فلم جاز أن يكون في الشعر مقيد؟ قيل له: يجوز أن يكون الترنم به قبل حرف رويّه، لأنه ليس جميع حروف البيت يقع عليه المدّ والنغمة، وإنما تقع النغمة والتمديد ببعضه على حسب الطريق الذي يسلكونه فيه، وعلى أنه قد روي عن العرب إطلاق الموقوف وإلحاق الوصل به، وكذلك تحريك الهاء

الساكنة إذا كانت وصلا، وذلك عندي على طريق الشعر، كما روي قوله: لمّا رأيت الدهر جمّا خبلهو … أخطل والدهر كثير خطلهو 1 ومثله قول أبي النجم: تنفش منه الخيل ما لا تغزلهو وإنما الوزن: جمّا خبله، و: تنفش منه الخيل ما لا تغز له.
وسأذكر هذا في موضعه مستقصى إن شاء الله تعالى.
فإذا أنشدوا على غير وجه الترنم فأهل الحجاز أجروا آخره مجرى الترنم على كل حال، ولزموا الأصل الذي يوجبه الشعر من التغني به وفرقوا بينه وبين الكلام الذي لم يوضع للغناء.
وأما من أبدل مكان المدة النون من بني تميم فإنهم أرادوا إتمام الوزن فجعلوا مكان حرف المد نونا، لأن أكثر الأواخر في الكلام منوّن، فلزموا التنوين في ذلك كله، فحرسوا ولم ينقصوا منه شيئا وفصلوا بين ما يترنم به وما لا يترنم به.
وأما الذين أجروه مجرى الكلام فذهبوا إلى أنه لما ترك الترنم به زال عنه المقصد الذي يقصد بالشعر الموزون فأجروه مجرى سائر الكلام واحتمل النقصان الوزن في اللفظ لزوال الترنم والغناء الذي يحتاج معه إلى التمام واستيفاء النغمة.
قال: " واعلم أن الياءات والواوات اللوائي هن لامات إذا كان ما قبلها حرف الروي فعل بها ما فعل بالياء والواو اللتين ألّحقتا للمدّ في القوافي لأنها تكون في المد بمنزلة الملحقة ويكون ما قبلها رويا كما كان ما قبل تلك رويّا، فلما ساوتها في هذه المنزلة ألحقت بها في المنزلة الأخرى وذلك قولهم: وبعض القوم يخلق ثم لا يفر وكذلك يغزو إذا كانت في قافية كنت حاذفها إن شئت، وهذه اللامات لا تحذف في الكلام، وما حذف منهن في الكلام فهو ها هنا أجدر أن يحذف إذ كنت تحذف ما لا يحذف في الكلام ". قال أبو سعيد: يريد أن الياء الأصلية يجوز أن تقع وصلا في القافية المجرورة فتجري مجرى الياء الزائدة التي تتبع الكسرة، فإذا جرت مجراها جاز أن تسقط في الوقف كما تسقط الزائدة، لأن القافية واحدة، وذلك قوله: لعب الرياح بها وغيّرها … بعدي سوافي المور والقطري

والياء في القطري صلة وهي زائدة، لأن الأصل القطر، ويجوز أن تقول سوافي المور والقطر بتسكين الراء، وفي هذه القصيدة: ولأنت أشجع حين تتجه ال … أبطال من ليت أبي أجري ولأنت تفري ما خلقت وبعض … القوم يخلق ثمّ لا يفري والياء في يفري أصلية وهي لام الفعل، لأنك تقول: فرى يفري، فلما اجتمع الأصلي والزائد في قصيدة واحدة أجريا في الحذف مجرى واحدا، وكذلك الواو وهو نحو قول زهير.
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو … وأقفر من سلمى التعانيق فالثقلو فالواو في الثقل زائدة وقد يجوز أن يوقف على اللام فيقال فالثّقل وتحذف الواو، ثم قال: وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا … على صير لأمر ما يمرّ وما يحلو فالواو في يحلو أصلية وهي لام الفعل، لأنها من حلا يحلو وهي وصل جرت مجرى الواو في الثقلو، فلما جاز حذف الواو في الثقلو جاز حذف الواو في يحلو، لأنها من قصيدة واحدة فيقال: ما يمرّ وما يحل.
قال: " وأما يخشى ويرضى ونحوهما فإنه لا يحذف منهنّ الألف لأن هذه الألف لما كانت تثبت في الكلام جعلت بمنزلة ألف النصب التي تكون في الألف بدلا من التنوين، فكما تثبت تلك الألف في القوافي فلا تحذف كذلك لا تحذف هذه الألف، فلو كانت تحذف في الكلام ولا تمدّ إلّا في القوافي لحذفت ألف يخّش كما حذفت ياء يقضي حيث شبّهتها بالياء التي في الأيامي، وإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي التي هي لام أسوأ حالا منها، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: لم يعلم لنا الناس مصرع فتحذف الألف لأن هذا لا يكون في الكلام فهو في القوافي أيضا لا يكون فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو لأن بناءهما لا يخرج نظيرهما، إلّا في القوافي وإن شئت حذفته، وإنما ألحقتا بما لا يخرج في الكلام وألحقت تلك بما يثبت على كل حال، ألا ترى أنك تقول:

داينت أروى والديون تقضى … فمطلت بعضا وأدّت بعضا 1 وكما لا تحذف ألف بعضا لا تحذف ألف تقضى ". قال أبو سعيد: بنى سيبويه ما يحذف من الألفات والياءات والواوات الأصليات في القوافي على ما يحذف منهن في الكلام إذا لم يكن أصليا، فمن ذلك أن الألف التي هي يدل من التنوين إذا وقف عليها لا تحذف، تقول رأيت زيدا ورأيت فرسا لا يحسن حذفه، فإذا كان في قافية لم يحسن أيضا حذفه، فإذا كان معه ألف أصلية جرت مجراها في أن لا يحسن حذفه مثل الألف في يقضي لا تحذف كما لا تحذف الألف في بعضا، وأما المضموم والمكسور المنونان إذا وقفت عليهما لم تبدل منهما ياء ولا واوا، كقولك: جاءني زيد ومررت بزيد فشبه الياء في يفري والواو في يحلو في حذفهما بحذف الواو والياء في الإبدال من التنوين في قولك: جاءني زيد ومررت بزيدي فيمن يجريه مجرى الألف، وهي لغة رديئة.
ولو كنا نحذف الألف في رأيت زيد إذا وقفت عليه لجاز حذف ألف يخشى، وينبغي على قياس من يقول: رأيت زيدا إذا وقف عليه أن يجيز حذف الألف في يخشي وذلك معنى قول سيبويه: " لو كانت تحذف في الكلام ولا تمد إلّا في القوافي لحذفت ألف يخشى ". وقد ذكر سيبويه أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن يحذف الألف وأنشد: وقبيل من لكيز شاهد … رهط مرجوم ورهط ابن المعل أراد المعلى.
ومعنى قوله: " فإنما فعلوا ذلك بيقضي ويغزو، لأن بناءهما لا يخرج عن نظيره إلا في القوافي "، لأنه ليس في الكلام ما يبدل من تنوينه ياء ولا واو، إنما يكون في القوافي كقولك: من حبيب ومنزلي، وقولك: طحابك قلب في الحسان طروبو 2 قال: " وزعم الخليل أن ياء يقضي واو يغزو إذا كانت واحدة منهما حرف الروي لم تحذف، لأنها ليست بوصل حينئذ وهي حرف روي كما أن القاف في قوله.
وقاتم الأعماق خاوي المخترق 3 حرف الواو، فكما لا تحذف هذه القاف لا تحذف واحدة منهما ".

وذلك نحو قوله: ألم تكن أقسمت بالله العليّ … أنّ مطاياك لمن خير المطيّ 1 فالياء حرف الروي ولا يجوز حذفها.
قال: وقد دعاهم حذف ياء يقض إلى أن حذف ناس كثير من قيس وأسد الواو والياء اللتين هما علامة المضمر، ولم تكثر واحدة منهما في الحذف ككثرة ياء يقضي، لأنهما تجيئان لمعنى الأسماء وليستا حرفين بنيا على ما قبلها، فهما بمنزلة الهاء في: يا عجبا للدهر شتّى طرائقه 2 وسمعت من يروي هذا الشعر من العرب ينشده: لا يبعد الله أصحابا تركتهم … لم أدر بعد غداة البين ما صنع 3 يريد: صنعوا.
وقال: لو ساوفتنا بسوف من تحيّتها … سوف العيوف لراح الرّكب قد قنع يريد: قنعوا.
وقال: طافت بأعلاقه خود يمانية … تدعو العرانين من بكر وما جمع يريد: جمعوا.
وقال: جزيت ابن أوفى بالمدينة قرضه … وقلت لشفّاع المدينة أوجف 4 يريد: أوجفوا.
فحذف الواو وهي ضمير الفاعلين في هذه الأبيات لأنه شبّهها بواو يغزو، وحرف الروي العين، وحذفها دون حذف واو يغزو في الحسن، لأن الواو ها هنا اسم وواو يغزو حرف.
وقال عنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلم

يريد: تكلّمي.
وقال الخزز بن لوذان: كذب العتيق وماء شنّ بارّد … إن كنت سائلتي غبوقا فاذهب يريد: فاذهبي ". وحذف الياء في يفري أحسن من حذف الياء من تكلّمي واذهبي، لأن الياء في تكلمي واذهبي ضمير المؤنث، وهي اسم، والياء في يفري حرف.
قال: " وأما الهاء فلا تحذف من قولك: شتّى طرائقه، لأن الهاء ليست من حروف المدّ واللين ". وإنما جاز حذف الياء التي هي الضمير لأنها قد شبّهت بمثلها في اللفظ من حروف المد واللين كقوله: " الحمد لله الوهوب المجزلي " ويجوز المجزل، وإذا كانت الألف ضميرا لم تحذف كقوله: " خليلّي طيرا بالتفّرق أوقعا " " فلم يحذف الألف كما لم يحذفها من تقضى ". قال: " واعلم أن الساكن والمجزوم يقعان في القوافي "، يريد القوافي المتحركة المطلقة.
قال: " لأنهم لو لم يفعلوا ذلك لضاق عليهم، ولكنهم، توسعوا بذلك، فإذا وقع واحد منهما في القافية حرك ". يريد بالساكن هو المبنى على السكون والمجزوم الفعل المستقبل.
" وليس تحريكهم إياه بأشذّ من إلحاق حرف المدّ ما ليس هو فيه ولا يلزمه في الكلام ". يريد أن الشعر قد أحوجهم أن يلحقوا الواو والياء والألف فيما لا يدخله ذلك في الكلام، كقوله: وأقفر من سلمى التعانيق فالثقلو وقوله: سواقي الموز والقطري.
فإدخالهم هذا المدّ كتحريكهم الساكن لكي يسمعوا، وجعلوا حركة ذلك كسرا " كما أنهم إذا اضطروا إلى تحريك الساكن في التقاء الساكنين كسروا، فكذلك جعلوها في

القوافي المجرورة حين احتاجوا إليها، كما أن أصلها في التقاء الساكنين الكسر، وقال: أغرك منّي أن حبك قاتلي … وأنك مهما تأمري القلب يفعلي 1 ويفعل مجزوم لأنه جواب مهما.
" وقال طرفة: متى تأتني أصبحك كأسا رؤيّة وإن … كنت عنها غانيا فاغن وازددي " وأصل ازدد السكون.
ولو جاء هذا الساكن في قافية مرفوعة أو منصوبة كان إقواء، وقال أبو النجم: إذا استحثّوها بحوب أوحلي وحل في الكلام مسكّنة " قال: " ويقول الرجل إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه: قالا، فيمد قال، ويقولوا فيمدّ يقول، ومن العامي فيمدّ العام وسمعناهم يتكلمون به في الكلام ويجعلونه علامة يتذكر به ولم يقطع كلامه، فإذا اضطروا إلى مثل هذا في الساكن كسروا، سمعناهم يقولون: إنه قدي في قد، ويقولون: ألي في الألف واللام يتذكر الحارث ونحوه.
وسمعنا من يوثق به في ذلك.
يقول: هذا سيفني يريد: سيف، ولكنه يتذكر بعد كلاما ولم يرد أن يقطع اللفظ لأن التنوين حرف ساكن فيكسر كما يكسر دال قد ". " قال المفسر: احتج سيبويه في هذا الفصل لتحريك الساكن في القوافي بالكسر، فقال المتذكر في كلام العرب إذا وقف على شيء متحرك وهو يتذكر ما بعده أتبعه حرفا من جنس الحركة، فيقول في قال: قالا، وفي يقول: يقولوا، وفي العام: العامي، فإذا كان ساكنا كسره واتبعه الياء، كقوله: قدي في قد، وألي إذا أردت أن تقول: الحارث أو القاسم أو الفرس، فقال: ألونسى ما بعده فوقف متذكرا لما يصل به كلامه كسر الساكن وألحقه الياء، وكذلك قال: سيفني، لأن التنوين نون ساكنة، وأراد أن يصله بكلام بعده فنسيه فوقف متذكرا له فكسر النون الساكنة التي هي التنوين وألحقها ياء "، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه إنما ذكر وجوه القوافي في الإنشاد ليعلمك حكم اللفظ بأواخر الشعر في الوقف والوصل كما أعلمك في الأبواب التي قبلها في غير الشعر، وذكر فصل ما بين الكلام والشعر في ذلك، فكان ما ذكره منه على ما يوجبه النحو من

حكم اللفظ بآخر الكلمة الموقوفة والموصولة لا على ما ينحوه أهل العروض والقوافي، غير أن كلامه اشتمل على أسماء يختص بها علم القوافي دعاني إلى تفسيرها ذكره لها في جملة كلامه.
فمن ذلك القوافي، وقد اختلف الناس في القافية على الحقيقة ما هي، فقال الخليل فيما ذكره الأخفش وغيره: إن القافية آخر ساكن في البيت إلى أول ساكن يلقاه مع المتحرك قبل الساكن.
وقال الأخفش: القافية آخر كلمة في البيت، وقال غيرهما: القافية جميع ما يلزم الشاعر إعادته من حرف وحركة وأقل ذلك عنده حرف وحركة.
وقال آخرون: القافية آخر حرف في البيت سواء كان زائدا أو أصليا أو حرف روي وصل أو خروج.
وقال آخرون: آخر حرف أصلي في البيت.
وقال آخرون: القافية هي حرف الرويّ وهو المختار عندي.
والظاهر من كلام سيبويه أنه مذهبه، وذلك أنه قال: " ولو لم يقفوا إلّا بكل حرف فيه حرف مدّ لصاق عليهم "، يريد لو لم يقفوا إلا بكل متحرك يعني حرف الروي فإذا كان التقفية بحرف الروي فهو قافية ويدل على أن حرف الرويّ هو القافية أنه يلزم آخر كل فن من الشعر كما أن القافية يلزم آخر كل فنّ منه، وقد يخلو آخر الشعر مما سوى حرف الروي من التأسيس والردف والوصل والخروج، ويدل أيضا على ذلك أنه لا تدافع بين أهل الصناعة أن يقول القائل: ما قافية هذه القصيدة فيقال له الياء أو الدال أو غير ذلك، يريدون به حرف الروي، وليس أحد منهم يقول الدال وشيء آخر.
ويقولون إذا نسبوا القصائد إلى قوافيها هي قصيدة دالية.
ولامية أو ما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: لو كان حرف الرويّ هو القافية لجاز أن يأتي المردف أو المؤسس مع ما ليس بمردف ولا مؤسس، إذا كان حرف الروي فيهما واحدا، فالجواب في ذلك أن يقال: أن الشاعر قد يلزمه حراسة أشياء إذا ابتدأ شعره عليها ويحتاج إلى لزومها إذا كرّر، وليست تلك الأشياء كلها بقافية كالوزن الذي يلزمه أن يأتي به وليس بقافية، فكذلك الرّدف والتأسيس وما جرى مجراهما، غير أن الذي يلزم الشعر عامّا الوزن والقافية التي هي حرف الروي.
وأما قول الخليل على ما حكى عنه فلا دليل عليه ولا رأيت أحدا ينصره ويذهب إليه، وبعض الناس غلط الحاكي عنه، وذكر أنه توهّم على الخليل غير الذي أراده.
وأما قول الأخفش إنه آخر كلمة في البيت فإنه احتجّ لذلك بأن شاعرا لو قال لك اجمع لي قوافي لجمعت له كلمات نحو سلام وغلام، وكذلك لو قال شعرا إلّا الأخيرة لقيل قد بقيت القافية، واحتجّ أيضا بأن القافية لو كانت هي الحرف

يعني حرّف الروي لكان يجوز أن يأتي المردف وغيره والمؤسس في قصيدة واحدة، ولكان قول العجاج: وخندف هامة هذا العالم غير معيب في القصيدة التي أولها: يا دار سلمى يا اسلمي ثم أسلمي … بسمسم أو عن يمين سمسم لأن القافيتين متفقتان إذا كانتا ميمين.
واحتج أيضا بأن حرف الروي لو كان هو القافية لكان لا يؤنث، لأن الحرف مذكر والقافية مؤنثة.
قال أبو سعيد: كأن عنده أن القافية هي الكلمة للقافية لما قبلها، تقفوه تتبعه.
وقال: أما قول الأخفش: لجمعت له كلمات فليس ذلك من أجل.
إن الكلمة هي القافية، ولكن حرف الروي لا يقوم بنفسه، وإنما يكون في كلمة فتجمع الكلمات من أجل ذلك، وكذلك إذا بقيت كلمة فإنما يقال بقيت القافية، لأن حرف الروي في الكلمة، وأما قوله لو كانت القافية الحرف لجاز أن يكون في القصيدة مردف وغير مردف، ومؤسّس وغير مؤسّس فقد تقدم ما يكون جوابا لهذا.
وأما قوله: إن الحرف مذكر والقافية مؤنث، فكل حرف من حروف المعجم الأغلب عليه التأنيث كقولنا: ياء حسنه وكاف مكتوبة وما أشبه ذلك، كما قال الشاعر: كما بيّت كاف تلوح وميمها ومما يدل على ما ذكرناه أن ما يلزم إعادته يحتاج أن يكون معلوما أو كالوزن المعلوم عدّة حروفه وترتيب حركاته وسكونه وما يجوز فيه من الزحاف، وكحروف الروي المعلومة وكاللواحق المعلومة من التأسيس والردف والوصل والخروج.
وإذا كانت القافية كلمة فهي غير معلومة لتباين ما بين طولها وقصرها، ويدخل عليه أيضا أن يقال: إذا كانت القافية هي الكلمة الأخيرة، فقول زهير: من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا … ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى بدا لي أني لست مدرك ما مضى … ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا فالكلمة الأخيرة في البيت الأول ليا وليس فيها تأسيس، والكلمة الأخيرة في البيت الثاني جائيا وهي مؤسسة.
وأما الذي قال أن القافية هي ما يلزم الشاعر إعادته من حرف أو حركة أو أكثر من ذلك، فقد تقدم فيما ذكرناه من الاحتجاج مما يدل على بطلان قوله، ومن مذهب هذا القائل أن أقلّ ما يلزم الشاعر حرف وحركة، وذلك أنه يقول: إذا

كان ما قبل حرف الروي متحركا لزم الشاعر الحركة التي قبله، إن كانت فتحة لم يجز أن يأتي بغيرها، وتسمى هذه الحركة التوجيه وإن كانت ضمة أو كسرة جاز له أن يأتي بالضم والكسر جميعا في قصيدة واحدة يتناوبان فيهما، ولا يجوز معهما الفتح بمنزلة الواو والياء في الردف، ولا يجوز معهما الألف.
وزعم أنه من جمع بين الفتح والكسر، أو الفتح والضم فقد أخطأ، وأن رؤبة قد أخطأ في قوله: ألّف شتّى ليس بالراعي الحمق وقوله: مضبورة قرواء هرجاب فتق.
في قصيدته التي أولها: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وأن بيت امرئ القيس: إذا ركبوا الخيل واستلأموا … تحرّقت الأرض واليوم قرّ في قصيدته التي أولها: لا وأبيك ابنة العامري … لا يدّعي القوم أني أفرّ أخطأ، وذكر أنه يروى: واليوم قرّ واليوم صرّ، وأن ذلك أولى بأن ينسب إلى امرئ القيس، ورأيت هذا القائل يعتقد أن ذلك نادر لا يوجد مثله ولم يوجد غير الذي ذكره، وهذا يدل على قلة تفتيش لأشعار العرب المتقدمين، وقد ذكرت لثلاثة من الشعراء ليسوا كلهم مكثرين ما استطلت أن أذكر أكثر منه مما جمعوا فيه بين المفتوح والمكسور والمضموم، على أني لا أنكر أن لزوم الفتح إذا ابتدئ به أحسن، ولزوم الضم والكسر للمبتدئ به أحسن، كما يكون في اللفظ وجهان يختار أحدهما على الآخر، ولا يكون الآخر خطأ ساقطا.
قال عدي بن زيد العبادي: طال ذا الليل علينا واعتكر … وكأنّي ناذر الصبح سمر من نجي الّهم عندي ثاويا … بين ما أعلن منه وأسر وقال في أخرى: قد حان أن تصحو أو تقصر … وقد أتى لما عهدت عصر ثم قال: قد فاض فيه كالعهون من ال … أرواح لما أن علاه الزّهر

أهبطته بالعتد الأجرد … فيه سهمة وضمر فهو مثل السيد يفزعه النقر والصفر إذا يصفر.
وقال المرقش الأكبر: هل تعرف الدار عفا رسمها … إلّا الأثافّي ومبنى الخيم ثم قال: أمست خلاء بعد سكانها … مقفرة ما إن بها من أرم وقال أيضا: أتتني لسان بني عامر … فجلّت أحاديثها عن بصر بأن بني الوخم ساروا معا … بجيش كضوء نجوم السّحر ثم قال: وكأنّ بجمران من مزعف … ومن رجل وجهه قد عفر ويروى: منعفر، وقال الأعشى: وبها خشيم إنه يوم ذكر … وزاحم الأعداء بالثبّت الغدر في قصيدة أولها: كونوا كسمّ ناقع فيه الصّبر … وارجها إذا ما ضيّع القوم الّدبر وقال أيضا الأعشى في قصيدة لامية أولها: أقصر فكلّ طالب سيمل … إذ لم يكن عن الحبيب عول علقتها بالشيطين فقد … شقّ علينا حبّها وشغل ثم قال: تجري السّواك بالبنان على … ألمي كأطراف السيال رتل ترقى إليه من جهينة مجتاب … المسوك وفي الهضاب وقل وفيها: متى القتود والفتيان بأل … واح شداد تحتهن عجل آنس طملا من حدبلة مش … غوفا بنوه بالسما رغيل

وقال: لعمرك ما طول هذا الزّمن … على المرء إلّا عناء معن وفيها: وبيداء قفر كبرد السّدير … مناهلها داثرات أجن فهذه الأبيات قد اجتمع وفيها المفتوح مع المكسور والمضموم على ما ذكرنا من جواز ذلك وكثرته وإنّ كان لزوم الفتح فيه أجود.
وقال المجبر السلولي في قصيدة طويلة نحو مائة وعشرين بيتا موقوفة حركة ما قبل حرف الروي منها كأنها نصفان: نصف فتح ونصف ضم وكسرة وأولها: يا أخويّ من معد عرّجا … فحيّيا الرّبع كأعشار الخلق ثم سلاة لي سؤالا نافعا … إن بين القوم الجواب أو نطق وما سؤال الرّبع قد غيّره … تتابع الأضياف والهوج الخرق طاوي المراض بحتري بالضّحى … أقب مجلود رفليّ يلق بذله الربع وقد تغّنى به … أوانس مثل الغمامات البسق يرتاده كل رفل هيكل … كأنه محجاب دياج لهق وأما الذي يقول أن القافية آخر حرف في البيت إذا لم يكن بعده شيء، رويا كان أو وصلا أو خروجا فقد ذكره الأخفش أن تسمية الوصل والخروج قافية على المجاز، لأنه آخر الحروف وهو يقفو جميع ما قبله، أي يتبعه، وإنما سميت القافية من البيت لاتباعها ما قبلها من أوله.
وذكر الأخفش أنه رأى العرب إلى ذلك يذهبون؛ هذا- كما ذكر الأخفش- مجاز، كما استجازوا تسمية غير ذلك بالقافية مما يوزن بلام الفعل، فإن ذلك بين الفساد، لأنا نرى القصيدة حرف الروي في بعض أبياتها لام الفعل، وفي بعضها غيره، ومن ذلك قول الأعشى: لعمرك ما طول هذا الزّمن … على المرء إلّا عناء معنّ فالنون في معن حرف الروي وهي عين الفعل، وأصلة معنى مفعل، والياء من معنى لام الفعل، وقد أجمعوا أن الياء المحذوفة التي هي لام الفعل غير داخلة في الروي ولا في القافية.
ثم قال:

يظّل رجيما لريب المنون … وللسقم في أهله والحزن فالنون لام الفعل في هذا البيت، فقد صار حرف الروي في أحد البيتين عين الفعل، وفي الآخر لامه، وفي القصيدة نون زائدة لا هي عين الفعل ولا لامه، وذلك قوله: فهل يمنعني ارتيادي البّلاد … من حذر الموت أن يأتين والنون زائدة لأن معناه يأتيني، والياء للمتكلم.
وقال رؤبة: يا أيّها الكاسر عين الأغضن … والقائل الأقوال ما لم يرني وفيها: من كلّ رعشاء وناج رعشن فالقصيدة نونية، والنون في الأغضن لام الفعل، وفي يرني ليست من الكلمة في شيء، لأن النون زائدة والياء ضمير المتكلم متصل ببرني وهو فعل مجزوم ورعشن فعلن، لأنه من الارتعاش والنون زائدة والشين التي هي لام الفعل لا حكم لها في القافية ولا يلزم إعادتها، والشواهد في إبطال هذا كثيرة وقد ذكر الأخفش عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن النصف الأخير بأسره هو القافية، فهؤلاء قسموا البيت نصفين فجعلوا النصف الثاني قافية لأنه يتبع الأول، وقد انطوى كلامنا على تحقيق القافية بما أغنى عن إعادتنا الكلام في هذا، وقد اتسعت العرب في تسمية القافية، فمنهم من سمى القصيدة قافية، ومنهم من سمى البيت قافية، ويمكن أن يكون ذلك لأن في كل بيت قافية، فسمى باسم ما لا يفارقه، وهذا كثير في كلام العرب، فأما تسمية القصيدة قافية فقد حكى الأخفش أنه سمع عربيا يقول عنده قواف كثيرة، فقلت: وما القوافي؟ قال: هي القصائد.
قال: وسمعت آخر فصيحا يقول: القافية القصيدة، وأنشد: وقافية مثل حد السّنان تبقى … ويهلك من قالها 1 وقال حسان: فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدّماء يريد نحكي بالقصائد، وقال جرير يهجو البعيث: لقد سرى لحب القوافي بأنفه … وعلب جلد الحاجبين وشومها

وقال آخر: نبئت قافية قيلت تناشدها … قوم سأترك في أعراضهم ندبا وأما تسمية البيت قافية فقد قيل أن بيت عبد بني الحسحاس: أشارت بمدراها وقالت لتربها … أعبد بنى الحسحاس يزجى القوافيا يريد يعمل قصيدة يزجى أبياتها، أي ينظمها ويسوقها.
وفي قول الفرزدق: إذا ما قلت قافية شرودا … تنحلها ابن حمراء العجان قال أبو عبيد: إن البعيث وهو ابن حمراء العجان لما قال جرير: أترجو كليب أن يجيء حديثها … بخير وقد أعيا كليبا قديمها سرقه الفرزدق، وقد كان الفرزدق قال قبل ذلك: أترجو ربيع أن يجئ صغارها … بخير وقد أعيا ربيعا كبارها وأما حرف الروي فحرف مجمع عليه وتختلف عبارات الناس عنه وتحديدهم له وأصح ذلك أن يقال هو الحرف الذي لا يخلو منه جميع فنون الشعر، وقد يخلو من الإطلاق وقد يخلو من التقييد والردف والتأسيس وغير ذلك مما هو سوى حرف الروي، وهو القاف في: وقاتم الأعماق خاوي المخترق واللام في: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله … وعزى أفراس الصّبا ورواحله ورأيت الأخفش لا يفرق بين الروي وبين حرف الروي بل الأغلب في عبارته الروي، وترجم في كتاب القوافي في هذا باب ما يكون رويا من الياء والواو والألف، ويقويه قول النابغة: بحسبك أن تهاض بمحكمات … يمر بها الرّوي على لساني فسر الرواة أن الروي هو القافية، ورأيت بعض المحدثين يذكر أن الرويّ غير حرف الروي، يقول: أن الروي هو جملة ما به قوام الشعر من الوزن والقافية فيقال قصيدة كذا على روي قصيدة كذا إذا اتفقنا في الوزن والقافية، فإن اتفقنا في أحدهما دون الآخر لم يقل إنهما على روي واحد، وقد ذكر أن الروي ما يحمل أشعار العرب من الوزن والقافية، وأنه سمي رويا لحمله الشعر، وحمله له أنه لا يتم إلا به، قال: وإن قيل لحامل

الأشعار راوية للشعر وكحامل لغة العرب راوية لغة لحملهما ما حملا من ذلك، وليس الأمر عندي كما قال بل اشتقاق ذلك عندي من شد الحبل على الشيء وضبطه به، ويقال للحبل الرواء، وجمعه أروية، ويقال روي فوقه وروي عليه إذا شد فوقه الحبل، قال الطرماح: مزايد خرقاء اليدين مسيفة … يخب بها مستخلف غير آين روى فوقها راو عنيف وأقصيت … إلى الحنو من ظهر القعود المداجن يريد أنه شد الحبل فوقه، وإنما قيل راوية للشعر واللغة وغير ذلك، لأنه قد ضبط ما يرويه وشده، وكذلك الروي هو الذي ينعقد به الشعر.
وروى أهل اللغة هذا الشعر على قرء وقرئ واحد، أي على روي واحد، والقرء ضم الشيء كأنه هو الذي ضم الشعر، وهو نحو معنى الروي.

هذا باب عدة ما يكون عليه الكلم

" فأقل ما تكون عليه الكلمة حرف واحد، وسأكتب لك ما جاء على حرف بمعناه إن شاء الله تعالى ". قال أبو سعيد: هذا الباب لا يحتاج إلى كبير تفسير، لأنه يجري مجرى اللغة، وأنا أسوق كلامه، وأذكر بعض ما لم يذكره، وإن كان فيه شيء يحتاج إلى إيضاح أوضحته في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد اشتمل هذا الباب على حروف وأسماء وليس في الكلام فعل على حرف.
قال: " أما ما يكون قبل الحرف الذي يجاء به له فالواو التي في قولك: مررت بعمرو وزيد إنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجمعهما، وليس فيه دليل على أن أحدهما قبل الآخر، والفاء وهي تضم الشيء إلى الشيء كما فعلت الواو، غير أنها تجعل ذلك متسقا بعضه في إثر بعض، وذلك قولك: مررت بزيد فعمرو فخالد، وسقط المطر مكان كذا فمكان كذا، وإنما يقرو أحدهما بعد الآخر ". يريد إنما يقرو المطر أحدهما بعد الآخر، ومعنى يقرو يتبع.
" وكاف الجر التي تجيء للتشبيه، وذلك قولك: أنت كزيد، ولام الإضافة ومعناها الملك واستحقاق الشيء، ألا ترى أنك تقول: الغلام لك والعبد لك، فيكون في معنى هو عبدك وهو أخ لك، فيصير نحو: هو أخوك، فيكون مستحقا لهذا كما يكون مستحقا لما يملك ".

وإنما ذكر سيبويه الملك والاستحقاق، لأن بعض ما تدخل عليه اللام لا يحسن أن يقال إنه يملك ما أضيف إليه، وبعضه يحسن.
فأما الذي يحسن فقولك: " دار زيد " المعنى " ملك الدار لزيد "، والذي لا يحسن أن تقول زيد صاحب الدار، والله رب الخلق ورب للخلق، فالخلق يستحقون أن يكون الله ربهم، ولا يقال إنهم يملكون، ولا يقال أن الدار مالكة لصاحبها، وهذه اللام تسمى لام الإضافة.
قال: " وياء الجر إنما هي للإلزاق والاختلاط، وذلك قولك: " به داء " ودخلت به وضربته بالسوط، ألزقت ضربك إياه بالسوط، فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله ". قال أبو سعيد: وإنما قال هذا لأنه قد يستعمل بالباء ما لا يكون إلزاقا كقولك: مررت بزيد ولم يلتزق المرور به، وإنما تريد أن المرور قد التزق بالموضع الذي يقرب منه ويقع فيه مشاهدته والإحساس به.
قال سيبويه: " والواو التي تكون للقسم بمنزلة الباء، وذلك قولك: والله لا أفعل، والتاء التي في القسم بمنزتها وهي تالله لأفعلن، والسين التي في قولك: سيفعل، وزعم الخليل أنها جواب قوله لن يفعل، وألف الاستفهام ولام اليمين التي في لأفعلن ". وهذه الحروف كلها حروف غير أسماء، وكاف التشبيه هي حرف في الأصل وإن كانت استعملت اسما بمعنى مثل في بعض المواضع.
وذكر بعض الناس وزيادة على ما ذكره منها الميم في م الله والتنوين والنون الخفيفة، وهذه حروف مفردة، وهذا الذي ذكره الذاكر ليس فيه استدراك، لأن سيبويه إنما يدخل التنوين والنون في أوائل الكلم عليها، ولا يدخل في ذلك التنوين وإنما يدخل التنوين والنون الخفيفة والتاء التي للتأنيث فيما يلحق آخر الكلمة.
وأمام الله فبعض يقول إنما من حذفت منها النون، وبعض يقول إنها الميم من يمين، وبعض يقول إنها الميم من أيم الله وتضم فيقال م الله.
ثم ذكر ما كان على حرف مما هو اسم وغير اسم يلحق آخر الكلمة، فمن ذلك الكاف في رأيتك وغلامك والتاء التي في فعلت وذهبت والهاء التي في عليه ونحوها وذلك كله أسماء.
قال: " وقد تكون الكاف غير اسم ولكنها تجيء للمخاطبة، وذلك نحو كاف ذاك، فالكاف هاهنا بمنزلة التاء في فعلت فلانه ونحو ذلك.
والتاء تكون بمنزلتها وهي التاء في أنت ". فهذه حروف، أعني الكاف في " ذاك "، والتاء في " فعلت " وفي " أنت " قال: " واعلم

أن ما جاء من الكلام على حرف واحد قليل، ولم يشذ عنا منه شيء، وذلك لأنه عندهم إجحاف أن يذهب من أقل الكلام عدد حروف وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى ". قال أبو سعيد: معنى هذا أن أصل الكلام الأسماء الظاهرة التي تقع تحتها الأشياء ووضع كل واحدة منها على شيء كالميم له، وأقل الأسماء حروفا ما كان على ثلاثة أحرف، فكرهوا أن يختل الاسم بذهاب حرفين وبقاء واحد.
قال: " اعلم أنه لا يكون اسم مظهر على حرف أبدا، لأن المظهر يسكت عليه وليس قبله شيء ولا يلحق به شيء ولا يوصل إلى ذلك بحرف، ولم يكونوا ليجحفوا بالاسم فيجعلوه بمنزلة ما ليس باسم ولا فعل، وإنما يجيء لمعنى ". يريد أن الاسم الظاهر يجوز أن ينفرد اللفظ به، وأقل ما ينفرد به حرفان لأنه لابد من أن يبتدئ بمتحرك ويوقف على ساكن، وإنما وجب أن ينفرد اللفظ بالاسم الظاهر أن سائلا لو سألك عن الاسم المسمى باسم فقال: ما اسم هذا لأوردت اسمه، فإن كان على حرف لم يستقم لما عرفتك من الاحتياج إلى متحرك في الابتداء وساكن في الانتهاء.
قال: " فالاسم أبدا له من القوه ما ليس لغيره، ألا ترى أنك لو جعلت في ولو ونحوهما اسما ثقلت ". يعني وجب أن ثقلهما فتقول: في ولو، كما قال: إن لوا ذاك أعيانا 1 وإنما صارت علامة الإضمار حرفا في بعض المواضع لأنها ليست بأول، وليست بالاسم الموضوع للمسمى تمييزا لنوع من نوع أو لشخص من شخص، فأشبه الضمير الحرف الذي ليس باسم ولا فعل.
قال: " ولم يكونوا ليخلوا بالأول وهو المظهر إذ كان ذلك قليلا في سوى الاسم المظهر ". يريد أن ما كان سوى الاسم المظهر من الحروف والأسماء المكنية على حرف واحد قليل جدا يعد ويحصى بأهون التكلف، فلم يستقم أن يكون المظهر على حرف، وإنما كان الاسم الأول لأنه لا يستغنى عنه في شيء من الكلام، وقد يستغنى عن الفعل

والحرف، تقول: الله ربنا ومحمد صلّى الله عليه نبينا، وليس فيه فعل ولا حرف، ويتلو الاسم الفعل لأن الكلام ينعقد بالاسم والفعل ولا ينعقد بالاسم والحرف، كقولك: يقوم زيد ويذهب عمرو، ولا يستغنى الحرف عنهما ولا يستغنى به الاسم كاستغنائه بالفعل، ولا تقول إن زيدا، ولا زيد فإن قال قائل: فأنت تقول زيد في الدار، والغلام لك، فإن هذا الكلام قد اجتمع فيه اسمان، ومع ذلك فإن الحرف يقدر له فعل كأنه قال: زيد استقر في الدار، والغلام استقر لك.
وأما قولهم: يا زيد فإنما يقدر فيه أدعو زيدا، ونابت يا عن أدعو، وهذا مستقصى في النداء ". قال: " ولا يكون شيء من الفعل على حرف واحد لأن منه ما يضارع الاسم وهو يتصرف ويبنى أبنيه وهو الذي يلي الاسم، فلما قرب هذا القرب لم يجحف به إلا أن تدرك الفعل علة مطردة في كلامهم في موضع واحد وتصيره على حرف واحد، فإذا جاوزت ذلك الموضع رددت ما حذفت، ولم يلزمها أن تكون على حرف واحد إلا في ذلك الموضع، وذلك قولك: ع كلاما ". وإنما صار الفعل هكذا لأنه كالاسم الظاهر، لأن أحدهما مشتق من الآخر وله مصدر وفاعل ومفعول وكل ذلك أسماء وهي تتصرف بالأبنية، والأبنية مختلفة، فعل وفعل وفعل وما أشبه ذلك مما يحتاج إلى حروف يتبين فيها اختلاف الأبنية، وفيها الذي في أوله الزوائد الأربع وهو أكثر من حرف، وإنما يجيء في بعض المواضع على حرف واحد ما فاؤه ولامه معتلّان، كقولنا: ع كلاما، وف لزيد، وق أخاك، وما أشبه ذلك، وقد تقدم القول فيه.
قال سيبويه: " ثم الذي يلي ما يكون على حرف ما يكون على حرفين، وقد يكون عليهما الأسماء المظهرة المتمكنة والأفعال المتصرفة وذلك قليل لأنه إخلال عندهم بهن لأنه حذف من أقل الحروف عددا، فمن الأسماء التي وصفت لك يد ودم وفم وحر وسه وست وهي الاست، ودد وهو اللهو ". قال أبو سعيد: وفيه ثلاث لغات: دد مثل يد، وددا مثل عصا، وددن مثل شجن.
قال الشاعر: أيّها القلب تعلل بددن … إنّ همي في سماع وأذن 1

" فإذا ألحقتها الهاء كثرت لأنها تقوى وتصير عدتها ثلاثة أحرف.
فأما الأفعال التي على حرفين فنحو خذ وكل ومر، وبعض العرب يقول أو كل فيتم ". ولا أعلم أحدا حكاه غير سيبويه في هذا الموضع، وقد كنت ذكرت في أول الكتاب بيتا فيه أوخذ.
وأما أومر فمستعمل كثير، ومنه قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ 1، ومن قال في خذ وكل أوخذ وأوكل كمن قال في غد غدو على الأصل، وهذا الذي ذكره على حرفين في الأسماء والأفعال هو جميع ما جاء في كلامهم محذوفا من هذا الضرب.
" فإن كان شذ شيء فقليل، إلا أن تلحق الفعل علة مطردة في كلامهم، فتصيره على حرفين في موضع واحد، ثم إذا جاوزت ذلك الموضع رددت إليه ما حذف منه، وذلك قولك: قل وإن تق أقه ". وللمعارض أن يقول: لم قلت أن خذ وكل ومر إنما لحقه الحذف في الأمر وإن كان الفعل ماضيا أو مستقبلا فلا غير الأمر لم يلحقه حذف؛ لأنك تقول أمر يأمر وأكل يأكل، والفصل بينهما ما ذكره سيبويه أن هذه الأفعال لا يحذف من مثلها ما حذف منها، ولا يطرد في غيرها الحذف، لا تقول في أجر يأجر وأمل يأمل: جر ومل، كما تقول في كل ما كان على مثل قال يقول ما قلت في قل، تقول: قم وجز ورم في رام يروم، وكذلك أخوات أن تق أقه.
قال: " وما كان فيه الهاء من الأسماء على حرفين أكثر مما لم تكن فيه الهاء، لأنه قد قوي بالهاء نحو: قلة وثبة ولثة وشية وشفه وزنة وعدة وأشباه ذلك ". وما كان فيه الهاء من الثلاثة أكثر مما حذف منه حرف، لأن التمام هو الأصل.
قال: " ولا يكون شيء على حرفين صفة حيث قل في الاسم وهو الأول الأمكن ". يعني أن الاسم قبل الصفة وهو أمكن منه، فلما قل فيه ما هو على حرفين فجاء منه أحرف " معدود " لم يقع شيء منه في الصفة.
قال: " وقد جاء على حرفين ما ليس باسم ولا فعل كالفاء والواو، وهو على حرفين أكثر لأنه أقوى، وهو في هذا أجدر أن يكون، إذ كان يكون على حرف، وسنكتب ذلك بمعناه إن شاء الله ".

يريد أنه جاء من الحروف على حرفين وهو أكثر مما جاء على حرف واحتمل مجيئه على حرفين لأنه قد جاء منه على حرف ولا تصرف له فيحتاج إلى تكثير الحروف.
فمن ذلك أم وأو وقد بين معناهما في بابهما وهل وهي للاستفهام، ولم وهي نفي لقوله فعل ولن وهي لقوله سيفعل، وإن وهي للجزاء فتكون لغوا في قولك: ما أن يفعل.
وما أن طببنا جبن 1 قال أبو سعيد: قوله " وتكون أن لغوا في قوله ما أن يفعل " فإن الفراء يقول إنهما جميعا للنفي، وزاد على ذلك بأنه يقال: إن ما، فتكون الثلاثة للجحد، وأنشد: إلا أواري لا إن ما أبينها والذي قاله عندي فاسد، لأن الجحد إذا دخل على جحد صار إيجابا، فإذا قلنا: ما أن قام زيد، وجعلناهما جميعا للجحد صار الكلام إيجابا، والذي قاله أصحابنا هو صحيح، لأنهم جعلوا أحدهما لغوا واعتمدوا بالجحد على الآخر.
وأما البيت الذي أنشده فرواية الناس " لأيا ما أبينها ". " وأما إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما في قولك: إنما الثقيلة تجعلها من حروف الابتداء ". يعني أن ما إن زيد قائم في لغة بني تميم تكون إن فيها لغوا وتأكيدا على ما ذكرناه، لأنهم لا يعملون ما، وأما في لغة أهل الحجاز فإن تكون كافة لما من العمل حتى يكون ما بعدها مبتدأ وخبرا، كما تدخل " ما " على " إن " فيليها الابتداء، كقولك: إنما زيد قائم.
قال: " وأما ما فهي نفي لقوله هو يفعل إذا كان في حال الفعل، وتكون بمنزلة ليس في المعنى، تقول عبد الله منطلق، فتقول: ما عبد الله منطلق أو منطلقا، فتنفي بهذا اللفظ كما تقول: ليس عبد الله منطلقا، وتكون توكيدا لغوا، وذلك قولك: متى ما تأتني آتك، وتقول: غضبت من غير ما جرم، وقال الله تعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) 2، فهي لغو في أنها لم تحدث إذا جاءت شيئا لم تكن قبل أن تجيء من العمل، وهي توكيد للكلام ".

قال المفسر: قد بيّن سيبويه عن معنى اللغو في الحرف الذي يسمونه لغوا وميز أنه للتوكيد لئلا يظن إنسان أنه دخل الحرف لغير معنى البتة، لأن التوكيد معنى صحيح.
قال: " وقد تغير الحرف " يعني " ما " حتى يصير يعمل بمجيئها غير عمله الذي كان قبل أن تجيء، وذلك قولك إنما وكأنما ولعلما جعلتهن بمنزلة حروف الابتداء ". يعني جعلت ما إن وكأن ولعل بدخولها عليهن يليهن الابتداء والخبر.
" ومن ذلك حيثما صارت بمجيئها بمنزلة أين.
قال أبو سعيد: يعني صارت حيث بمجيء ما مما يجازي به فتقول: حيثما تكن أكن، كما تقول: أين تكن أكن، ولا يجوز أن تقول حيث تكن أكن بغير ما.
قال: " وتكون إن كما في معنى ليس " كقوله تعالى: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ 1. قال: " وأما لا فتكون كما في التوكيد واللغو، قال الله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ 2، وتكون نفيا لقوله يفعل، ولم تقع للفعل، فتقول لا يفعل ". يريد أن لا يفعل وهو نفي فعل مستقبل، والتي تنفي فعل الحال هو ما إذا قلت ما تفعل.
قال: " وقد تغير الشيء عن الحال ". يعني كما تفعل ما، وذلك: لولا صارت لو في معنى آخر، كما صارت حين قلت: لو ما تغيرت كما تغيرت حيث بما وإن بما.
قال أبو سعيد: يريد أنك تقول: لو جئتني لأكرمتك، ويكون معناها أن الكرامة انتفت لانتفاء المجيء، فإذا زدت عليها لتغيّر معنى هذا إلى شيئين: أحدهما أن ينتفي الشيء بحضور غيره، كقولك: عبد الله لأكريتك والآخر أن يكون خصيصا كقولك: لولا زيدا تضرب، ولو ما زيدا تضرب، وهلا زيدا تضرب، وإلا زيدا تضرب، ومعناها كلها واحد، وإنما كان الأصل لو وهل، وإن دخلت عليها هذه الحروف فغيرت معناها.
قال: " وقد تكون لا ضدا لنعم وبلى، وقد بيّن أحوالها في باب النفي.
قال: " وأما أن فتكون بمنزلة لام القسم في قوله: أما والله أن لو فعلت لفعلت، وقد بينا ذلك في موضعه.

قال أبو سعيد: يعني أنّ تكون جوابا للقسم إذا أقسم على شيء في أوله لو، ولا تكون جوابا له في غير ذلك.
" وتكون توكيدا في قولك: لما أن فعل ". يقال: لما جاء زيد أكرمته، ولما أن جاء زيد، وكما قال جل وعز: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً 1، وقد تدخل أن المكسورة على ما إذا استعملت اسما في معنى الحين، وذلك أنك تقول: انتظرني إلى ما جلس القاضي، تريد زمان جلوسه كأنه قال: انتظرني جلوس القاضي أي حين جلوسه، ويجوز أن تدخل على هذا أن فتقول: انتظرني ما إن جلس القاضي.
قال الشاعر المعلوط بن بدل القريعي: ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته … عن السّن خيرا لا يزال يزيد يريد على السن والكبر، كما تقول فلان يزداد خيرا على السن والكبر، يقول: استعمل عن في معنى على.
قال سيبويه: " أما كي فجواب لقوله كيمه، كما يقول لمه فتقول ليفعل كذا وكذا، وقد بين أمرها في بابها.
وأما بل فلترك شيء من الكلام وأخذ في غيره.
قال الشاعر أبو ذؤيب حيث ترك أول الحديث: بل هل أريك حمول الحي غادية … كالنّخل زينّها ينع وإفضاح 2 وقال لبيد: بل من يرى البرق بتّ أرقبه … يزجي حبيا إذا خبا ثقبا 3 قال أبو سعيد: وليست بترك الأول على جهة الإبطال له في كل حال، ولكنها تكون للإبطال تارة وللإيذان تارة، قصة الأول قد تمت وأخذ في غيرها، وقد يقع في كلام الله تعالى بل بعد شيء من كلامه كقوله عز وجل: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها 4، والشاعر إذا قال بل لم يرد أن ما تكلم قبل باطل، وإنما يريد أنه قد تم وأخذ في غيره، كما يقول الشاعر: دع ذا واترك ذا وما أشبه ذلك عنده تمام ما تكلم به والانتقال إلى غيره.

جارٍ التحميل