شرح كتاب سيبويهصفحات 290-329

باب ذكرك الاسم الذي تبين به العدة كم هي مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ

صفحات 290-329

(فبناء الاثنين وما بعده إلى العشرة " فاعل " وهو مضاف إلى الاسم الذي يبين به العدد).
ذكر سيبويه في هذا الباب من كتابه ثاني اثنين وثالث ثلاثة إلى عاشر عشرة.
فإذا قلت: هذا ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة أو رابع أربعة فمعناه أحد ثلاثة أو بعض ثلاثة أو تمام

ثلاثة، وقوله في ترجمة الباب: الاسم الذي تبين به العدة كم هي يعني (ثلاثة).
وقوله: مع تمامها الذي هو من ذلك اللفظ يعني (ثالثا) لأنه تمام ثلاثة وهذا التمام يبنى على " فاعل " كما قلنا فيقال: ثاني اثنين وثالث ثلاثة، وتجري الأول منها بوجوه الإعراب إلى عاشر عشرة.
قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ 1. وقال تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ 2 وقد كنت ذكرت في المبنيّات من أحد عشر إلى تسعة عشر ما فيه كفاية، ولكني أذكرها هنا منه جملة، فيها ما لم أذكره هناك إذ كان هذا بابه إن شاء الله تعالى.
قال أبو سعيد: هذا الباب يشتمل على شيئين أحدهما وهو الأكثر في كلام العرب على ما قاله سيبويه: أن يكون الأول من لفظ الثاني على معنى أنه تمامه وبعضه وهو قولك هذا ثاني اثنين وثالث ثلاثة وعاشر عشرة ولا ينون هذا فينصب ما بعده فيقال: ثالث ثلاثة؛ لأن ثالثا في هذا ليس يجري مجرى الفعل فيصير بمنزلة (ضارب زيدا) وإنما هو بعض ثلاثة وأنت لا تقول بعض ثلاثة وقد أجمع النحويون على ذلك إلا ما ذكره أبو الحسن بن كيسان عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه أجاز ذلك، قال أبو الحسن قلت له، إذا أجزت ذلك فقد أجريته مجرى الفعل، فهل يجوز أن تقول (تثلّث ثلاثة) فقال: (نعم) على معنى " أتممت ثلاثة " والمعروف قول الجمهور فإذا زدت على العشرة فالذي ذكر سيبويه بناء الأول والثاني وذلك (حادي عشر) و (ثاني عشر) و (ثالث عشر) ففتح الأول والثاني وجعهلما اسما واحدا وفتحهما كفتح ثلاثة عشر وذكر أن الأصل أن يقال (حادي عشر) " أحد عشر " و (ثالث عشر) " ثلاثة عشر " فيكون (حادي عشر) بمنزلة (ثالث) ويكون (أحد عشر) بمنزلة (ثالث).
لأن " ثالثا " قد استغرق حروف ثلاثة وبنى معها فكذلك ينبغي أن تستغرق (حادي عشر) حروف " أحد عشر " وقد حكاه أيضا فقال: وبعضهم يقول (ثالث عشر) ثلاثة عشر وهذا القياس.
وقد أنكر ثعلب هذا.
وذكر أنه غير محتاج إلى أن يقول (ثالث عشر) " ثلاثة عشر " وأن الذي قال سيبويه خلاف مذهب الكوفيين.

وكأن حجة الكوفيين فيما يتوجه فيه أن (ثلاثة عشر) لا يمكن أن يبنى من لفظها " فاعل " وإنما يبنى من لفظ أحدهما وهو الثلاثة.
فذكر العشر مع ثالث لا وجه له.
قال أبو سعيد: وقد قدمت احتجاج سيبويه لذلك مع حكايته (إياه) عن بعضهم ويجوز أن يقال: إنه لما لم يمكن (أن) يبنى منهما فاعل وبني من أحدهما احتيج إلى ذكر الآخر لينفصل ما هو أحد ثلاثة مما هو أحد ثلاثة عشر فأتى باللفظ كله.
قال أبو سعيد: والضرب الثاني من الضربين أن يكون التمام يجري مجرى اسم الفاعل الذي يعمل فيما بعده ويكون لفظ التمام من عدد هو أكثر من المتمم بواحد كقولك: (ثالث اثنين ") و (رابع ثلاثة) و (عاشر تسعة) ويجوز أن ينون الأول فيقال (رابع ثلاثة) و (عاشر تسعة) لأنه مأخوذ من الفعل تقول: (كانوا ثلاثة) فربعتهم وتسعة فعشرتهم فأنا عاشرهم كقولك: (ضربت زيدا) فأنا (ضارب زيدا) و (ضارب زيد).
قال الله عز وجل: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ 1 وقال سيبويه: فيما زاد على العشر في هذا الباب " هذا رابع ثلاثة عشر " كما قلت (خامس أربعة).
ولم يحكه عن العرب والقياس عند النحويين أنه لا يجوز ذلك وقد ذكره أبو العباس محمد بن يزيد عن نفسه وعن الأخفش والمازني أنهم لم يجيزوه؛ لأن هذا الباب يجري مجرى الفاعل المأخوذ من الفعل.
ونحن لا نقول ربعت ثلاثة عشر ولا أعلم أحدا حكاه.
وإن صح أن العرب قالته فقياسه ما قاله سيبويه.
وأما قولهم (حادي عشر) وليس (حادي) من لفظ واحد والباب أن يكون اسم الفاعل الذي هو تمام من لفظ ما هو تمامه ففيه قولان؛ أحدهما: أن (حادي) مقلوب من (واحد) استثقالا للواو في أول اللفظ فلما قلب صار (حادو) فوقعت الواو طرفا وقبلها كسرة فقلبوها ياء كما قالوا (غازي) وهو من (غزوت).
وأصله " غازو "، وذكر الكسائي أنه سمع من الأسد أو بعض عبد القيس (واحد عشر يا هذا).
وقال بعض النحويين وهو الفراء: (حادى عشر) من قولك: (يحدو) أي يسوق

كأن الواحد الزائد يسوق العشرة وهو معها وأنشد 1: ... أنعت عشرا والظليم حادي …... كأنّهنّ بأعالي الوادي ... يرفلن في ملاحف جيادي وفي ثالث عشر وبابها ثلاثة أوجه، فإن جئت بها على التمام على ما ذكر سيبويه فقلت: (ثالث عشر) ثلاثة عشر فتحت الأولين والآخرين لا يجوز غير ذلك.
وإن حذفت فقلت: (ثالث ثلاثة عشر) أعربت ثالثا بوجوه الإعراب وفتحت الآخرين فقلت: هذا ثالث ثلاثة عشر، ورأيت (ثالث ثلاثة عشر) ومررت بثالث ثلاثة عشر لا يجوز غير ذلك عند النحويين كلهم.
وإن حذفت ما بين (ثالث وعشر الأخير) فالذي ذكره سيبويه فتحهما جميعا.
وذكر الكوفيون أنه يجوز أن يجرى ثالث بوجوه الإعراب ويجوز أن يفتح فمن أجرى بوجوب الإعراب أراد هذا ثالث ثلاثة عشر ومررت بثالث ثلاثة عشر ثم حذف ثلاثة تخفيفا وبقّى ثالثا على حكمه.
ومن بني ثالثا مع عشر أقامه مقام ثلاثة حين حذفها، وهذا قول قريب، ولم ينكره أصحابنا.
وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: هذا ثالث عشر وثالث عشر فرفعوا ونصبوا.
قال سيبويه: " وتقول: هذا حادي أحد عشر إذا كّن عشر نسوة معهن رجل، لأن المذكر يغلب المؤنث، ومثل ذلك قولك: خامس خمسة إذا كن أربع نسوة فيهن رجل كأنك قلت هو تمام خمسة " ونقول: هو خامس أربع إذا أردت أنه صيّر أربع نسوة خمسا ". قال سيبويه: (وأما بضعة عشر فبمنزلة تسعة عشر في كل شيء، وبضع عشرة كتسع عشرة في كل شيء).
قال أبو سعيد: (بضعة) بالهاء عدد مبهم من ثلاثة إلى تسعة من المذكر، وبضع بغير الهاء عدد مبهم من ثلاث إلى تسع من المؤنث وهي تجرى مفردة ومع العشرة مجرى

الثلاثة إلى التسعة في الإعراب والبناء تقول: هؤلاء بضعة رجال، وبضع نسوة.
قال الله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ 1. وفيما زاد على العشرة هؤلاء بضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة.
وهي مشتقة- والله اعلم- من (بضعت الشيء) إذا قطعته كأنه قطعة من العدد وقد كان حقه أن يذكر في الباب الأول، لأن هذا الباب إنما ذكر فيه العدد المتمم نحو (ثالث ثلاثة) و (رابع أربعة) ولكنه ذكرها هنا لترى أنه ليس بمنزلة (ثالث عشر) أو (ثالثة عشرة) فاعلمه.
ومن قول الكسائي: " هذا الجزء العاشر عشرين ومن قول سيبويه والفراء: (هذا الجزء العشرون) و " هذه الورقة العشرون " على معنى تمام العشرين فنحذف التمام ونقيم العشرين مقامه، وكذلك نقول: " هذا الجزء الواحد والعشرون " و " الأحد والعشرون " و (هذه الورقة الإحدى والعشرون) و " الواحدة والعشرون ". وكذلك " الثاني والعشرون " و " الثانية والعشرون " وما بعده إلى قولك: " التاسع والتسعون ". ونقول: هو الأول والثاني والثالث والرابع والخامس وقد قالوا: " الخامي ". قال أبو سعيد: وهو من شواذ المحوّل كقولهم: (أمليت) في أملك ولا (أملاه) يريدون (لا أملّه).
إلا أن هذا حوّل للتضعيف " وخامس " ليس فيه تضعيف فإذا هو من باب حسيت " و " أخسيت " في " حسست " و " أحسست ". وقالوا: (سادس وساد) على حد (خام).
وأنشد ابن السكيت: إذا ما عدا أربعة فسال … فزوجك خامس وحموك سادي 2 وفي هذا ثلاث لغات، جاء (سادسا) و (ساديا) و (ساتّا)، فمن قال: (سادسا) أخرجه على الأصل ومن قال (ساتا) فعلى اللفظ ومن قال (ساديا) فعلى الإبدال والتحويل الذي قدمنا.
وأنشد ابن السكيت:

يوجزل أعوام أذاعت بخسة … وتجعلني إن لم يق الله ساديا (1) وأنشد أيضا: مضى ثلاث سنين منذ حل بها … وعام حلّت وهذا التابع الخامي يريد الخامس.
قال أبو سعيد في العقود كلها: هو الموفّى كذا وهي الموفّية كذا كقولك: (الموفّى عشرين) والموفّية عشرين.

هذا باب المؤنث الذي يقع على المؤنث والمذكر وأصله التأنيث

اعلم أن المذكر قد يعبر عنه باللفظ المؤنث فيجري حكم اللفظ على التأنيث وإن كان المعبر عنه مذكرا في الحقيقة ويكون ذلك بعلامة التأنيث، وبغير علامة.
فأما ما كان بعلامة التأنيث فقولك: (هذه شاة) وإن أردت تيسا، و (هذه بقرة) وإن أردت ثورا، و (هذه حمامة) و (هذه بطة) وإن أردت الذكر وأما ما كان بغير علامة فقولك: (عندي ثلاث من الغنم)، و (ثلاث من الإبل) وقد جعلت العرب (الإبل) أو (الغنم) مؤنثين وجعلت الواحد منها مؤنث اللفظ كأن فيه هاء، وإن كان مذكرا في المعنى، كما جعلت العين والأذن والرجل مؤنثات بغير علامة.
فإن قال قائل: فلم لا يقال (هذه طلحة) لرجل يسمى طلحة لتأنيث اللفظ كما قالوا: (هذه بقرة) للثور؟ فالجواب أن (طلحة) لقب وليس باسم موضوع له في الأصل وأسماء الأجناس موضوعة لها لازمة ومن ثم فرقت العرب بينهما.
وقد ذكر سيبويه في الباب أشياء محمولة على الأصل الذي ذكرته وأشياء قريبة منها.
وأنا أسوق ذلك وأفسر ما أحتاج منه إلى تفسيره.
قال سيبويه: " فإذا جئت بالأسماء التي تبين بها العدة أجريت الباب على التأنيث في التثليث إلى تسع عشرة وذلك قولك: (له ثلاث شياه ذكور)، و (له ثلاث من1

الشاء) فأجريت ذلك على الأصل؛ لأن الشاء أصلها التأنيث، وإن وقعت على المذكر كما أنك تقول: (هذه غنم ذكور) فالغنم مؤنثة وقد تقع على المذكر " قال أبو سعيد: يعني أنها تقع على ما فيها من المذكر من التيوس والكباش، ويقال: (هذه غنم) وأن كانت كلها كباشا أو تيوسا.
وكذلك: (عندي ثلاث من الغنم) وإن كانت كباشا أو تيوسا، لأنه جعل الواحد منها كأن فيه علامة التأنيث كما جعلت العين والرجل كأن فيهما علامة التأنيث.
وقال الخليل: قولك: (هذا شاة) بمنزلة قوله تعالى: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي 1. قال أبو سعيد: يريد أن تذكير هذا مع تأنيث شاة كتذكير هذا مع تأنيث رحمة والتأويل في ذلك كأنك قلت: (هذا الشيء شاة) و (هذا الشيء رحمة من ربي).
قال سيبويه: " وتقول له خمس من الإبل ذكور وخمس من الغنم ذكور من قبل أن (الإبل) و (الغنم) اسمان مؤنثان، كما أن ما فيه الهاء مؤنث الأصل وإن وقع على المذكر " فلما كان (الإبل) و (الغنم) لذلك جاء تثليثها على التأنيث، لأنك إنما أردت التثليث من اسم مؤنث بمنزلة (قدم) ولم يكسر عليه مذكر للجمع فالتثليث منه كتثليث ما فيه الهاء كأنك قلت: (هذه ثلاث غنم) بهذا يوضح وإن كان لا يتكلم به كما تقول: (ثلاثمائه) فتدع الهاء؛ لأن المائة أنثى.
قال أبو سعيد: قول سيبويه (الغنم) و (الإبل) و (الشاء) مؤنثات يريد كل واحد منها إذا قرن بمنزلة مؤنث فيه علامة التأنيث أو مؤنث لا علامة فيه كقولك: (هذه ثلاث من الغنم) ولم تقل: (ثلاثة) وإن أردت بها كباشا أو تيوسا، وكذلك (ثلاث من الإبل) وإن أردت بها مذكرا أو مؤنثا.
وقوله: بمنزلة (قدم)، لأن (القدم) أنثى بغير علامة وكذلك (الثلاث) فقولك: (ثلاث من الإبل والغنم) لا يفرد لها واحد فيه علامة التأنيث.
وقوله: لم يكسر عليه مذكر للجمع يعني لم يقل ثلاثة ذكور فيكون ذكور جمعا مكسرا لذكر فتذكر ثلاثة من أجل ذلك.
وقوله: كأنك قلت: (هذه ثلاث غنم) يريد كأن (غنما) تكسير للواحد المؤنث

كما تقول: (ثلاثمائة) فتترك الهاء من (ثلاث)؛ لأن المائة مؤنثة ومائة واحد في معنى جمع المؤنث قال سيبويه: وتقول: (له) ثلاث من البط؛ لأنك تصيره إلى بطة.
قال أبو سعيد: يريد كأنك قلت له: (ثلاث بطات) من البط قال سيبويه: " وتقول له ثلاثة ذكور من الإبل لأنك لم تجئ بشيء من التأنيث، وإنما ثلثت الذكر ثم جئت بالتفسير من الإبل لا تذهب الهاء.
كما أن قولك: (ذكور) بعد قولك (من الإبل) لا تثبت الهاء "... قال أبو سعيد: يريد أن الحكم في اللفظ للسابق من لفظ المؤنث أو المذكر، فإذا قلت: ثلاث من الإبل أو الغنم (ذكور) نزعت الهاء، لأن قولك من الإبل أو من الغنم يوجب التأنيث.
وإنما قلت: (ذكور) بعد ما يوجب تأنيث اللفظ فلم تغير.
وكذلك إذا قلت: (ثلاثة ذكور من الإبل) فقد لزم حكم التذكير بقولك: (ثلاثة ذكور) فإذا قلت بعد ذلك من الإبل لم يتغير اللفظ الأول.
قال سيبويه: وتقول: ثلاثة أشخص، وإن عنيت نساء لأن الشخص اسم مذكر.
قال أبو سعيد: هذا ضد الأول، لأن الأول تؤنثه للفظ وهو مذكر في المعنى، وهذا تذكره للفظ وهو مؤنث في المعنى.
قال سيبويه: " ومثله قولهم: ثلاث أعين وإن كانوا رجالا لأن العين مؤنثة.
قال أبو سعيد: وهذا يشبه الأول، وإنما أنثوا لأنهم جعلوا الرجال كأنهم أعين من ينظرون لهم.
قال سيبويه: " وقالوا ثلاثة أنفس، لأن النفس عندهم إنسان ألا ترى أنهم يقولون نفس واحد ولا يدخلون الهاء ". قال أبو سعيد: النفس مؤنث وقد حمل على المعنى في قولهم ثلاثة أنفس إذا أريد به الرجال.
قال الشاعر وهو الحطيئة: ثلاثة أنفس وثلاث ذود … لقد جار الزمان على عيالي 1

يريد ثلاثة أناسيّ.
قال: وتقول: ثلاث نسابات " وهو قبيح وذلك أن النسابة صفة فكأنه لفظ بمذكره ثم وصفه ولم يجعل الصفة تقوى قوة الاسم فإنا يجيء كأنك لفظت بالمذكر ثم وصفته كأنك قلت ثلاثة رجال نسابات.
وتقول: (ثلاث دواب) إذا أردت المذكر، لان أصل (الدّابّة) عندهم صفة، وإنما هي من (دببت) فأجروها على الأصل، وإن كان لا يتكلم بها إلا كما يتكلم بالأسماء كما أن (أبطح) صفة واستعمل استعمال الأسماء.
قال أبو سعيد: الأصل أن أسماء العدد تفسر بالأنواع فيقال: " ثلاثة رجال " و (أربعة أثواب) فلذلك لم يعمل على تأنيث ما أضيف إليه، إذ كان صفة وقدر قبله الموصوف وجعل حكم تذكير العدد على ذلك الموصوف فيكون التقدير ثلاثة رجال نسابات وثلاثة ذكور دواب وإن كانوا قد حذفوا الموصوف في دابة لكثرته في كلامهم كما أن أبطح صفة في الأصل لأنهم يقولون: (أبطح وبطحاء) كما يقال: (أحمر وحمراء) وهم يقولون: (كنا في الأبطح ونزلنا في البطحاء) فلا يذكرون الموصوف كأنهما اسمان.
قال سيبويه: " وتقول ثلاثة أفراس إذا أردت المذكر؛ لأن الفرس قد ألزموه التأنيث وصار في كلامهم للمؤنث أكثر منه للمذكر حتى صار بمنزلة القدم كما أن النفس في المذكر أكثر.
قال أبو سعيد: أتت ثلاث أفراس في هذا الموضع؛ لأن لفظ الفرس مؤنث وإن وقع على مذكر.
وقد ذكره في الباب الأول حيث قال (خمسة أفراس).
إذا كان الواحد مذكرا وهذا (في) المعنى.
قال سيبويه: وتقول (سار خمس عشرة) من بين يوم وليلة، لأنك ألقيت الاسم على الليالي ثم بيّنت فقلت: (من بين يوم وليلة) ألا ترى أنك تقول: (لخمس بقين أو خلون) ويعلم المخاطب أن الأيام قد دخلت في الليالي، فإذا ألقى الاسم على الليالي اكتفى بذلك عن ذكر الأيام كما أنه يقول: (أتيته ضحوة وبكرة) فيعلم المخاطب أنها ضحوة يومه وبكرة يومه وأشباه هذا في الكلام فإنما قوله: (من بين يوم وليلة) توكيد بعد ما وقع على الليالي لأنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي.
وقال الشاعر وهو الجعدي:

فطافت ثلاثا بين يوم وليلة … وكان النكير أن تضيف وتجأرا 1 قال أبو سعيد: اعلم أن الأيام والليالي إذا اجتمعت غلب التأنيث على التذكير وهو على خلاف المعروف من غلبة التذكير على التأنيث في عامة الأشياء.
والسبب في ذلك أن ابتداء الأيام الليالي؛ لأن دخول الشهر الجديد من شهور العرب برؤية الهلال والهلال يرى في أول الليل فتصير الليلة مع اليوم الذي بعدها يوما في حساب أيام الشهر والليلة هي السابقة فجرى الحكم لها في اللفظ.
فإذا أبهمت ولم تذكر الأيام ولا الليالي جرى اللفظ على التأنيث فقلت: (أقام زيد عندنا ثلاثا).
تريد ثلاثة أيام وثلاث ليال، قال الله عز وجل: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً 2 يريد عشرة أيام مع الليالي فأجرى اللفظ على الليالي وأنث، ولذلك جرت العادة في التواريخ بالليالي، فيقال: (لخمس خلون) و (لخمس بقين) يريد لخمس ليال، وكذلك: " لاثنتي عشرة ليلة " خلت فلذلك قال: (سار خمس عشرة)، فجاء بها على تأنيث الليالي.
ثم وكد بقوله: (من بين يوم وليلة) ومثله قول النابغة: فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ومعنى البيت أنه يصف بقرة وحشية فقدت ولدها فطافت ثلاث ليال وأيامها، تطلبه، ولم تقدر إن تنكر من الحال التي دفعت إليها أكثر من أن " تضيف " ومعناه تشفق، وتحذر، وتجأر... معناه تصيح في طلبها له.
قال سيبويه: " وتقول: أعطاه خمسة عشر بين عبد وجارية " لا يكون في هذا إلا هذا " لأن المتكلم لا يجوز أن يقول له خمسة عشر عبدا فيعلم أن ثمّ من الجواري بعدتهم، ولا خمس عشرة جارية، فيعلم إن ثم من العبيد بعدتهن فلا يكون هذا إلا مختلطا يقع عليهم الاسم الذي بيّن به العدد " قال أبو سعيد: بيّن الفرق بين هذا، وبين خمس عشرة ليلة، لأن خمس عشرة ليلة يعلم أن معها أياما بعدتها.

إذا فإذا قلت خمس عشرة بين يوم وليلة فالمراد خمس عشرة ليلة وخمسة عشر يوما وإذا قلت خمسة عشر من بين عبد وجارية فبعض الخمسة عشر عبيد وبعضها جوار فأختلط المذكر والمؤنث وليس ذلك في الأيام فوجب التذكير.
قال سيبويه: " وقد يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة وليس بحر كلام العرب " قال أبو سعيد: إنما جاز ذلك؛ لأنا قد نقول: ثلاثة أيام ونحن نريدها مع لياليها كما نقول: ثلاث ليال ونحن نريدها مع أيامها، قال الله تعالى لزكريا عليه السّلام: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً 1 آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا 2 وهي قصة واحدة.
قال سيبويه: (وتقول: ثلاث ذود، لأن الذود أنثى وليس باسم كسر عليه مذكر).
قال أبو سعيد: ثلاث ذود يجوز أن تريد بهن ذكورا وتؤنث اللفظ كقولك: ثلاث من الإبل فالزود بمنزلة الإبل والغنم.
قال سيبويه: (وأما ثلاثة أشياء فقالوها، لأنهم جعلوا أشياء بمنزلة أفعال، لو كسروا عليها " فعلا " وصار بدلا من أفعال.
قال أبو سعيد: يريد أن (أشياء) وإن كان مؤنثا لا يشبه (الزود) وكان حق هذا على موضوع سيبويه الظاهر أن يقال: (ثلاث أشياء)، لأن (أشياء) مؤنث واحد موضوع للجمع على قوله وقول الخليل لأن وزنه عنده (فعلاء) وليس بمكسر كما أن غنما وإبلا وذودا أسماء مؤنثة وليست بجموع مكسورة.
فجعل واحد كل اسم من هذه الأسماء كأنه مؤنث فقال: جعلوا (أشياء) وهي التي لا تنصرف ووزنها (فعلاء) نائبة عن جمع شيء لو كسر على القياس، وشيء إذا كسر على القياس فحقه أن يقال (أشياء) كما يقال: (بيت وأبيات) و (شيخ وأشياخ) فقالوا: (ثلاثة أشياء) كما يقال (ثلاثة أشياء) لو كسروا شيئا على القياس.
قال سيبويه: " ومثل ذلك ثلاثة (رجلة) في جمع رجل، لأن رجلة صار بدلا من أرجال ". قال أبو سعيد: أراد إنهم قالوا: ثلاثة رجلة ورجلة مؤنث وليس بجمع مكسر لأن

(فعلة) ليس في المجموع المكسرة لأنهم جعلوا (رجلة) نائبا عن (أرجال) ومكتفي بها من (أرجال) وكان القياس أن يقال: (ثلاثة أرجال) لأن (رجلا) وزنه وزن (عجز) و (عضد) ويجمع على (أعجاز) و (أعضاد) وليست الإبل والغنم والذود من ذلك، لأنه لا واحد لها من لفظها قال سيبويه: وزعم يونس عن رؤبة أنه قال: (ثلاث أنفس على تأنيث النفس) كما يقال (ثلاث أعين للعين من الناس) وكما يقال (ثلاثة أشخص) في النساء.
قال الشاعر: وإنّ كلابا هذه عشر أبطن … وأنت بريء من قبائلها العشر 1 يريد عشر قبائل لأنه يقال للقبيلة بطن من بطون العرب.
وقال الكلابيّ: قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة … وللسّبع خير من ثلاث وأكثر 2 فقال: (وأنتم ثلاثة) فذكّر على تأويل (ثلاثة أبطن) أو (ثلاثة أحياء) ثم ردها إلى معنى القبائل فقال: و (للسبع خير من ثلاث) على معنى (ثلاث قبائل).
وقال عمر بن أبي ربيعة: فكان نصيري دون من كنت أتقى … ثلاث شخوص كاعيان ومعصر 3 فأنث الشخوص، لأن المعنى ثلاث نسوة.
ومما يقوى الحمل على المعنى وإن لم يكن من العدد ما حكاه أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع من الأعراب من يقول إذا قيل: (أين فلانة؟) وهي قريبة: (ها هوذه) قال: فأنكرت ذلك عليه فقال: (قد سمعته من أكثر من مائة من الأعراب).
وقال: " قد سمعت من يفتح الذال فيقول: ها هوذا، فهذا يكون محمولا مرة على الشخص ومرة على المرأة، وإنما المعروف (ها هي ذه) والمذكر " ها هوذا ". وزعم أبو حاتم أن أهل مكة يقولون: (هوذا) وأهل مكة أفصح من أهل العراق، وأهل المدينة أفصح من أهل مكة، فهذه شيء عرض.
ثم نعود إلى باب العدد، وكان الفراء لا يجيز أن ينسق على المؤنث بالمذكر ولا على

المذكر بالمؤنث وذلك انك إذا قلت: (عندي ستة رجال ونساء) فقد عقدت (أن عندك ستة رجال فليس لك أن تجعل) بعضهم مذكرا وبعضهم مؤنثا وقد عقدت إنهم مذكرون.
وإذا قلت: (عندي ثلاث بنات عرس وأربع بنات آوى) كان الاختيار أن تدخل الهاء في العدد فتقول: (عندي ثلاثة بنات عرس) و (أربعة بنات آوى).
(وإنما كان) الاختيار أن تدخل الهاء في العدد، لان الواحد (ابن عرس) و (ابن آوى).
وقال الفراء: " كان بعض من مضى من أهل النحو يقول: " ثلاث بنات عرس "، و " ثلاث بنات آوى " وما أشبه ذلك مما يجمع بالتاء من الذكران ويقولون: لا يجتمع (مع التاء) (ثلاثة)، ولكنا نقول: (ثلاث بنات عرس ذكور)، و (ثلاث بنات آوى) وما أشبه ذلك.
" ولم يصنعوا شيئا، لأن العرب تقول: (لي حمامات ثلاثة) و (الطلحات الثلاثة عندنا)، يريدون رجالا أسماؤهم الطلحات.

هذا باب ما لا يحسن أن تضيف إليه الأسماء التي تبين بها العدد إذا جاوزت الاثنين إلى العشرة

وذلك الوصف تقول: (هؤلاء ثلاثة قرشيون) و (ثلاثة مسلمون)، و (ثلاثة صالحون) فهذا وجه الكلام كراهية أن تجعل الصفة كالاسم إلا أن يضطر شاعر، وهذا يدلك على أن " النسابات " إذا قلت: " ثلاثة نسابات " إنما يجئ كأنه وصف لمذكر، لأنه ليس موضعا يحسن فيه الصفة، كما يحسن الاسم، فلما لم يقع إلا وصفا صار المتكلم كأنه قد لفظ بمذكرين ثم وصفهم بها.
قال الله عز وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (1). قال أبو سعيد: قد تقدم من الكلام أن العدد حقه أن يبين بالأنواع لا بالصفات، فلذلك لم يحسن أن تقول (ثلاثة قرشيين)؛ لأنهم ليسوا بنوع وإنما ينبغي أن تقول: (ثلاثة رجال قرشيين) وليس إقامة الصفة مقام الموصوف بالمستحسنة في كل موضع، وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الموصوف فيستغنى بها لكثرتها عن الموصوف كقولك: (مررت بمثلك)، ولذلك قال عز وجل: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) أي عشر حسنات أمثالها.

هذا باب تكسير الواحد للجمع

أما ما كان من الأسماء على ثلاثة أحرف.
وكان (فعلا) فإنك إذا ثلثته إلى أن تعشره1

فإن تكسيره (أفعل).
وذلك قولك (كلب) و (أكلب)، و (كعب) و (أكعب)، و " (فزع) و (أفزع) و (نسر) و (أنسر) ". فإذا جاوز العدد هذا فإن البناء قد يجئ على (فعال) وعلى (فعول) وذلك قولك: (كلاب) و " (كباش) " و (بغال ").
وأما الفعول ف (نسور)، و (بطون) وربما كانت فيه اللغتان فقالوا: (فعول) و (فعال ") وذلك قولهم: (فروخ)، و (فراخ)، و (كعوب) و (كعاب) و (فحول) و (فحال).
ومما جاء (فعيلا) وهو قليل نحو: (الكليب) و (" العبيد) والمضاعف يجري هذا المجرى، وذلك قولك: (ضبّ) و (أضبّ) و (ضباب)، كما قلت: (كلب) و (أكلب) و (كلاب)، و (صكّ) و (أصكّ) و (صكاك) و (صكوك) كما قالوا: (فرخ) و (أفرخ) و (فراخ) و (فروخ)، و (بت) و (أبتّ) و (بتوت) و (بتات).
كما قالوا: (كلب) و (كلبان) و (أكلب) و (كلاب) و (دلو) و (دلوان) و (أدل) و (دلاء) و (ثدي) و (ثديان) و (أثد) و (ثديّ).
كما قالوا: (أصقر) و (صقور).
ونظير (فراخ) و (فروخ) قولهم: (الدلاء) و (الدّلىّ).
واعلم أنه قد يجيء في فعل (أفعال) مكان أفعل.
قال الشاعر، الأعشى: وجدت إذا اصطلحوا خيرهم … وزندك أثقب أزنادها 1 وليس ذلك بالباب في كلام العرب.
ومن ذلك قولهم: (أفراخ) و (أجداد) و (أفراد) و (أحدّ عربية) وهي الأصل.
و (رأد) و (أرآد) و (الرأد) أصل الّلجييين.
وربما كثر الفعل على (فعلة) كما كسر على (فعال) و (فعول)، وليس ذلك بالأصل.
وذلك قولهم: (جب) وهو الكمأة الحمراء، و (جبأة) و (فقع) وفقعة، وقعب وقعبة.
وقد يكسر على (فعولة وفعالة)، فيلحقون هاء التأنيث البناء وهو القياس أن يكسر عليه وزعم الخليل أنهم إنما أرادوا أن يحققوا التأنيث.
وذلك نحو (الفحالة) و (البعولة)

و (العمومة).
والقياس في (فعل) ما ذكرنا.
وأما ما سوى ذلك فلا يعلم إلا بالسمع ثم نطلب النظائر، كما أنك تطلب نظائر الأفعال هاهنا، فتجعل نظير (الأزناد) قول الشاعر وهو الأعشى: إذا روّح الرّاعي الّلقاح معزّيا … وأمست على آنافها عبراتها 1 وقد يجيء " خمسة كلاب " يراد به خمسة من الكلاب كما تقول: (هذا صوت كلاب) أي هذا من هذا الجنس.
وكما تقول: (هذا حبّ رمّان).
وقال الراجز: كأنّ خصيّيه من التّدلدل … ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل 2 وقال الآخر: قد جعلت ميّ على الظّرار … خمس بنان قانئ الأظفار 3 وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإنك إذا كسّرته لأدنى العدد بنيته على (أفعال).
وذلك قولك: (جمل) و (أجمال)، و (جبل) و (أجبال)، و (أسد) و (آساد)، فإذا جاوزوا به أدنى العدد فإنه يجيء على (فعال وفعول).
فأما الفعال فنحو (جمال وجبال)، وأما الفعول فنحو (أسود) و (ذكور)... والفعال في هذا أكثر.
وقد يجيء إذا جاوزوا به أدنى العدد على (فعلان وفعلان).
فأما (فعلان) فنحو (خربان) وبرقان وورلان.
وأما (فعلان) فنحو:

(حملان) و (سلعان) فإذا لم تجاوز أدنى العدد قلت: (أبراق) و (أحمال) و (أوراك) و (أحزان) و (سلق) وأسلاق).
وربما جاء (الأفعال) يستغنى به أن يأسر الاسم على البناء الذي هو لأكثر العدد، فيعني به ما عني بذلك البناء من العدد، وذلك نحو: (قتيب وأقتاب) و (رسن) و (أرسان) ونظير ذلك من باب الفعل (الأكفّ والأرآد).
وقد يجيء الفعل (فعلانا)، وذلك قولك: (ثغب وثغبان).
و (الثّغب: الغدير) و (بطن) و (بطنان)، و (ظهر) و (ظهران).
وقد يجيء على (فعلان) وهو أقلهما نحو: (حجل وحجلان)، ورأل ورئلان، وجحش و (جحشان) و (عبد) و (عبدان).
وقد يلحقون (الفعال) الهاء، كما ألحقوا (الفعال) التي في (الفعل).
وذلك قولهم في (جمل): (جمالة)، و (حجر): (حجارة)، و (ذكر): (ذكارة) وذلك قليل.
والقيان على ما ذكرنا.
وقد كسّر على (فعل) وذلك قليل، كما أن (فعلة) في باب (فعل) قليل، وذلك نحو: (أسّد) و (أسد) بلغنا أنها قراءة.
وبلغني أن بعض العرب يقول: (نصف) و (نصف).
وربما كسروا فعلا على ((أفعل)) كما كسّروا فعلا على (أفعال) وذلك قولك: (زمن) و (أزمن).
وبلغنا أن بعضهم يقول: (جبل) و (أجبل).
وقال الشاعر وهو ذو الرمة: أمنزلأيّ منّ سلام عليكما … هل الأزمن اللّائي مضين رواجع 1 وبنات الياء والواو تجري هذا المجرى، قالوا: (قفا وأقفاء)، و (قفيّ) و (عصى)، و (عصيّ) و (صفا) و (أصفاء) و (صفيّ)، كما قالوا: (آساد) و (أسود)، و (أشعار) و (شعور).
وقالوا: (رحى) و (أرحاء) فلم يكسّروها على غير لك، كما لم يكسّروا الأرسان والأقدام على غير ذلك ولو فعلوا كان قياسا ولكني لم أسمعه.
وقالوا: (عصى) و (أعصى)، كما قالوا: (أزمن)، وقالوا: (عصيّ) كما قالوا: (أسود) ولا نعلمهم قالوا: (أعصاء)، جعلوا (أعصى) بدلا من (أعصاء) جعلوا هذا بدلا منها.
وتقول في المضاعف: (لبّب) و (ألبّاب)، و (مدد) و (أمداد)، و (فنن) و (أفنان)، ولم يجاوزا الأفعال كما لم يجاوزوا الأقدام والأرسان والأغلاق.

والثبات في باب فعل على الأفعال أكثر من الثبات في باب فعل على الأفعال.
فإن بنى المضاعف على فعال أو فعول أو فعلان أو فعلان فهو القياس على ما ذكرنا، كما جاء المضاعف في باب فعل على قياس غير المضاعف فكل شيء دخل المضاعف مما دخل الأول فهو له نظير.
وقالوا: الحجار فجاءوا به على الأكثر والأقيس، وهو في الكلام قليل.
قال الشاعر: كأنها من حجار الفيل ألبسها … مضارب الماء لون الطّحلّب اللّزب 1 وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإنما تكسّره من أبنية أدنى العدد على (أفعال) وذلك نحو: (كتف) و (أكتاف) و (كبد) و (أكباد)، و (فخذ) و (أفخاذ) و (نمر) و (أنمار) وقلما يجاوزون به؛ لأن هذا البناء نحو (كتف) أقل من (فعل) بكثير، كما أن (فعلا) أقل من (فعل).
ألا ترى أن ما لزم منه بناء الأقل أكثر، فلم يفعل به ما فعل بفعل إذ لم يكن كثيرا مثله كما لم يجئ في مضاعف فكل ما جاء في مضاعف فقل لقلته.
ولم يجئ في بنات الياء والواو من فعل ((جميع ما جاء في بنات الياء والواو من فعل)) لقلتها وهي على ذلك أكثر من المضاعف.
وذلك أن (فعلا) أكثر من (فعل).
وقد قالوا: النّمور والوعول شبهوها بالأسود وهذا النحو قليل، فلما جاز لهم أن يثبتوا في الأكثر على أفعال كانوا له في الأقل ألزم.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فهو بمنزلة (الفعل) وهو أقل، وذلك قولك: (قمع) و (أقماع)، و (معّى) و (أمعاء)، و (عنب) و (أعناب)، و (ضلع) و (أضلاع) و (إرم) و (آرام)، وقد قالوا: (الضّلوع) و (الأروم) كما قالوا (النمور)، وقد قال بعضهم: (الأضلع)، شبها ب (الأزمن).
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعل) فهو ك (فعل) و (فعل)، وهو أقل في الكلام منهما وذلك قولك: (عجز) و (أعجاز)، و (عضد) و (أعضاد).
وقد بني على (فعال) قالوا: (أرجل) و (رجال)، و (سبع) و (سباع)، جاءوا به على (فعال) كما جاءوا ب (الضّلع) على (فعول).
و (فعال) و (فعول) أختان وجعلوا أمثلته على بناء لم يكسّر عليه واحده، وذلك قولهم: (ثلاثة رجلة)، واستغنوا بها عن (أرجال).

وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فهو بمنزلة الفعل، لأنه (قليل) مثله، وهو قولك: (عنق وأعناق)، و (طنب) و (أطناب)، و (أذن) و (آذان) وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإن العرب تكسّره على (فعلان) وإن أرادوا أدنى العدد لم يجاوزوه، واستغنوا به كما استغنوا ب (أفعل) و (أفعال) فيما ذكر ذلك، فلم يجاوزوه في القليل والكثير وذلك قولك: (صرد) وصردان، و (نغر) و (نغران) و (جعل) و (جعلان) و (خزز) وخزّان.
وقد أجرت العرب شيئا منه مجرى فعل وهو قولهم (ربع) و (أرباع)، و (رطب) و (أرطاب)، كقولك: (جمل) و (أجمال).
وقد جاء من الأسماء (اسم) واحد على (فعل) لم نجد مثله، وهو (إبل) وقالوا: آبال، كما قالوا: (أكتاف) فهذه حال ما كان على ثلاثة أحرف وتحركت حروفه جمع، وقال الراجز: فيها عبايبل أسود ونمر ففعل به ما فعل بالأسد حين قال: أسد.
وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فإنه إذا كسّر على ما يكون لأدنى العدد كسّر على (أفعال)، ويجاوزون به بناء أدنى العدد فيكسّر على (فعول وفعال) والفعول فيه أكثر فمن ذلك قولهم (حمل) و (أحمال) و (حمول) و (عدل) و (أعدال) و (عدول) و (جذع) و (أجذاع) و (جذوع) و (عرق) و (أعراق) و (عروق) و (عذق) و (أعذاق) و (عذوق).
وأما الفعال فنحو: (بئر) و (أبار) و (بئار)، و (ذئب) و (ذئاب)، وربما لم يجاوزوا أفعالا في هذا البناء كما لم يجاوزوا الأفعل والأفعال فيما ذكرنا، وذلك نحو (خمس) و (أخماس)، و (ستر) و (أستار)، و (شبر) و (أشبار) و (طمر) و (أطمار) وقد يكسّر على (فعلة) نحو: (قرد) و (قردة) و (حسل) و (حسلة) و (أحسال) إذا أردت بناء أدنى العدد.
فأما (القردّة) فاستغنى بها عن (أقراد) كما قالوا: (ثلاثة شموع) فاستغنوا بها عن (أشماع).
وقالوا: (ثلاثة قروء) فاستغنوا بها عن (ثلاثة أقروء).
وربما بنى (فعل) على (أفعل) من أبنية أدنى العدد، وذلك قولهم: (ذئب) و (أذؤب)، و (قطع) و (أقطع) و (جرو) و (أجر)، وقالوا: (جراء) كما قالوا: (ذئاب)، و (رجل) و (أرجل) إلا أنهم لا يجاوزون الأفعّل كما أنهم لم يجاوزوا (الأكفّ).
وبقية المضاعف هاهنا وبنات الياء والواو كقصتها في باب فعل، وقالوا: (نحى) و (أنحاء) و (نحاء) كما قالوا: (أبار) و (بئار) وقالوا في جمع (نحى): (نحىّ) كما قالوا: (لص) و (لصوص)، وقالوا في الذئب: (ذؤبان)

جعلوه ك (ثغب) و (ثغبان).
وقالوا: (اللّصوص) في (اللص).
كما قالوا: (القدور) في (القدر) و (أقدر) حين أرادوا بناء الأقل.
وكما قالوا: (فرخ) و (أفراخ) و (فراخ) قالوا: (قدح) و (أقداح) و (قداح) جعلوها كفعل.
وقالوا: (رئد) و (رئدان) كما قالوا: (صنو) و (صنوان) و (قنو) و (قنوان)، وقال بعضهم: (صنوان) و (قنوان) كقوله: (ذؤبان) والرئد: فرخ الشجرة.
وقالوا: (شقذ) و (شقذان).
و (الشّقذ): ولد الحرباء.
وقالوا: (صرم) و (صرمان)، كما قالوا: (ذئب) و (ذؤبان).
وقالوا: (ضرس) و (ضريس) كما قالوا: (كليب) و (عبيد).
وقالوا: (زقّ) و (زقاق) و (أزقاق)، كما قالوا: (بئر) و (بئار) و (أبار) وقال: (زقّان) كما قالوا: (ذؤبان).
وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا)، فإنه يكسر من أبنية أدنى العدد على (أفعال).
وقد يجاوزون به بناء أدنى العدد فيكسرونه على (فعول وفعال)، و (فعول) أكثر، وذلك قولهم: (جند وأجناد وجنود) و (برد وأبراد وبرود) و (برج وأبراج وبروج)، وقالوا: (جرح) و (جروح) ولم يقولوا: (أجراح)، كما لم يقولوا: (أفراد).
وأما الفعال فقولهم: (جمد وأجماد وجماد)، و (قرط وأقراط وقراط).
والفعال في المضاعف منه كثير، وذلك قولهم: (أخصاص) و (خصاص)، و (أعشاش) و (عشاش)، و (أقفاف) و (قفاف)، و (أخفاف) و (خفاف) تجريه مجرى: (أجماد)، و (جماد) وقد يجيء إذا جاوز بناء أدنى العدد على (فعلة) نحو: (جحر وأجحار وجحرة).
قال الشاعر: كرام حين تنكفث الأفاعي … إلى أجحارهنّ من الصّقيع 1 ونظيره من المضاعف (حبّ وأحباب وحبيه) نحو: (قلب وأقلاب وقلبة)، و (خرج) و (خرجه)، ولم يقولوا: أخراج كما لم يقولوا (أجراح)، و (صلب وأصلاب وصلبة) و (كرز وأكراز وكرزة) وهو كثير.
وربما استغنى بأفعال في هذا الباب فلم يجاوز، كما كان ذلك في (فعل) و (فعل)، وذلك نحو: (ركن) و (أركان)، و (جزء) و (أجزاء)، و (شفر) و (أشفار).
وأما بنات الياء والواو منه فقليل، قالوا: (مدى) و (أمداء)، لا يجاوزون به ذلك لقلته في هذا الباب وبنات الياء والواو أقل منها، في جميع ما ذكرنا.

وقد كسّر حرف منه على (فعل) كما كسّر عليه (فعل) وذلك قولك للواحد: (هو الفلك) فتذكر، وللجميع: (هي الفلك)، وقال الله عز وجل: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ 1 فلما جمع قال: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ 2 كقولك: (أسد) و (أسد) وهذا قول الخليل ومثله: (رهن) و (رهن) وقالوا: (ركن، وأركن).
وقال الراجز وهو رؤبة: وزحم ركنيك شداد الأركن 3 كما قالوا: (أقداح) في (القدح)، وقالوا: (حشّن وحشّان وحشّان) كقولهم: (رئد) و (رئدان).
وأما ما كان على (فعلة) فإنك إذا أردت أدنى العدد جمعتها بالتاء وفتحت العين وذلك قولك (قصعة) و (قصعات)، و (صحفة) و (صحفات) و (جفنة) و (جفنات) و (شفرة) و (شفرات) و (جمرة) و (جمرات).
فإذا جاوزت أدنى العدد كسّرت على (فعال)، وذلك: (قصعة) و (قصاع)، و (جفنة) و (جفان)، و (شفرة) و (شفار) و (جمرة) و (جمار).
وقد جاء على (فعول) وهو قليل وذلك قولك: (بدرة) و (بدور) و (مأنه) و (مؤون)، فأدخلوا فعولا في هذا الباب لأن فعالا وفعولا أختان، فأدخلوها هاهنا كما دخلت في باب فعل مع فعال.
غير أنه في هذا الباب قليل وقد يجمعون بالتاء وهم يريدون الكثير.
وقال الشاعر، وهو حسان بن ثابت: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما 4 فلم يرد أدنى العدد.
وبنات الياء والواو بتلك المنزلة، تقول: (ركوة) و (ركاء) و (ركوات)، و (قشوة) و (قشاء) و (قشوات)، و (غلوة) و (غلاء) و (غلوات)، و (ظبية) و (ظباء) واظبيات، وقالوا: (جديات الرّحل) ولم يكسروا الجدية على (بناء) الأكثر استغناء بهذا، إذ جاز أن يعنوا به الكثير.

والمضاعف من هذا البناء بتلك المنزلة، تقول: (سلّة وسلال وسلات)، و (دبة ودباب ودبّات).
وأما ما كان (فعلة) فهو في أدنى العدد وبناء الأكثر بمنزلة ((فعلة)) وذلك قولك: (رحبة ورحبات ورحاب)، و (رقبة ورقبات ورقاب) وإن جاء شيء من بنات الياء والواو والمضاعف أجرى هذا المجرى إذ كان مثل ما ذكرنا ولكنه عزيز.
وأما ما كان (فعله) فإنك إذا كسرته على بناء أدنى العدد ألحقت التاء وحركت العين بضمه، وذلك قولك: (كمه) قالوا (سرّة وسرّات وسرر) و (جدّة وجدّات وجدد) وهي الخط يكون في الشيء من غير لونه ولا يحركون العين، لأنها كانت مدغمة، ولا يقولون في (جدة جددات) ولا في (سرّة سررات) لأنهم يطلبون الإدغام فيما كان فيه حرفان من جنس واحد فلا يبطلونه في الجمع.
ولهم عنه مندوحة إلى جمع آخر.
قال: و (الفعال) كثير في المضاعف نحو (جلة وجلال) و (قبّة وقباب) و (جبّة وجباب).
قال: وما كان على (فعلة) فإنك إذا كسّرته على بناء أدنى العدد أدخلت التاء وحركت العين بكسرة وذلك قولك: (قربات) و (سدرات) و (كسرات).
ومن العرب من يفتح العين كما فتحت عين (فعلة) وذلك قولك: (قربات) و (سدرات) فإذا أردت بناء الأكثر قلت: (سدر) و (قرب) و (كسر)، ومن قال: (غرفات) قال (كسرات) (وقد) يريدون الأقل فيقولون: (كسر) و (فقر).
وذلك أن (غرفات) أكثر في كلامهم من (كسرات وفقرات) لأن التقاء الكسرتين في كلمة أقل من التقاء ضمتين، ألا ترى أنه ليس في الكلام فعل إلا (إبل)، وقال بعضهم: (إطل) و (بلز) وفعل كثير في الكلام كقولك (جنب) و (عنق) و (عطل) وأشباه لذلك كثير.
قال سيبويه: وذلك لقلة استعمالهم التاء في هذا الباب لكراهية الكسرتين، والتاء في الفعلة أكثر لأن ما يلتقي في أوله كسرتان قليل.
قال: وبنات الياء والواو بهذه المنزلة تقول: (لحية) و (لحى)، و (فرية وفرى) و (رشوة) و (رشا) ولا يجمعون بالتاء كراهية أن تجيء الواو بعد كسرة فاستثقلوا الياء هنا بعد كسرة فتركوا هذه استثقالا واجتزؤوا ببناء الأكثر.
يعني أنهم لا يكادون يجمعون (فرية)، و (لحية) و (رشوة) بالألف والتاء، لئلا يلزمهم

كسر الثاني وقد عرفتك أن التقاء الكسرتين في الصحيح قليل فكيف في المعتل، ولو فعلوا ذلك في (رشوة) لزمهم (رشيات)، وقلب الواو ياء فلم يجز ذلك في (رشوة) كما لم يجز في (مدية) (فعلات).
وأما (لحية) و (فرية) فيجوز فيهما لأنه لا ينقلب فيهما حرف إلى حرف.
وقال غير سيبويه قد جاء في فعلة من هذا الباب (ما) على فعل قال: (وهما لحية) و (لحى) و (حلية) و (حلى) والكسرة فيها أجود.
قال: والمضاعف منه كالمضاعف من (فعلة) وذلك قولهم (قدّة) و (قدّات) و (قدد) و (ربّة) و (ربّات) و (ربب)، و (عدّة المرأة) و (عدّات) و (عدد).
و (القدة) القطعة من الناس وغيرهم، و (الرّبة) نبت.
قال: وقد كسّرت (فعلة) على (أفعل) وذلك قليل عزيز ليس بالأصل قالوا: (نعمة) و (أنعم) و (شدّة) و (أشدّ).
قال أبو سعيد: وهذا بعينه قول الفراء.
وقال أبو عبيدة: معمر بن المثنى: أشدّ جمع لا واحد له.
وقال غير أبي عبيدة: (أشد) جمع (شدّ) كما قالوا: (قدّ)، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: أنعم عندنا (جمع) المصدر وهو (نعم) على القياس وكذا قال في (أشدّ) جمع (شدّ).
قال سيبويه: فأما (الفعلة) فإذا كسّرت على بناء الجمع، ولم تجمع بالتاء كسّرت على (فعل) وذلك قوله: (نقمة) و (نقم) و (معدة) و (معّد).
قال أبو سعيد: ومثل هذا قليل، ولا يستمر قياسه، لا يقال في (خلفة) (خلف) ولا في (كلمة) (كلم)، ولا في (خربة) (خرب) وإنما جمع (نقمة) و (معدة) على (نقم) و (معد) لأنهم يقولون فيهما: (نقمة) و (معدة) ك (فريّة) و (كرّة) فجمع على ذلك.
قال: وأما (الفعلة) فتكسّر على فعل إن لمن تجمع بالتاء وذلك (تخمة) و (تخم) و (تهمة) و (تهم) وليس كل (رطبة) و (رطب)، ألا ترى أن (الرّطب) مذكر ك (البر) و (التمر) وهذا مؤنث ك (الظلم) و (الغرف).
قال أبو سعيد: أما (تخمّة) و (تخم)، فأنهم أجروا (فعلة) مجرى (فعلة) كما أجروا (فعلة) مجرى (فعلة)، ألا ترأهم قالوا: (رقبة) و (رقاب) كما قالوا (جفنة) و (جفان)، وكذلك (تخمة) كأنهم قالوا: (تخمة) مثل (ظلمة) و (غرفة)، و (تخم) و (تهم) مثل

(غرف) و (ظلم).
وأما (الرطب) و (المصع) و (الرقع) مما قد ذكرناه في الأجناس فهو بمنزلة (تمر) و (تمرة) وهو اسم يقع للجنس مذكرا يجري مجرى الواحد ثم يفصل منه الواحد بزيادة الهاء.
ولو صغرت (رطبا) لقلت: (رطيبا)، ولو صغرت (تخما) لقلت: (تخيمات) لأنه جمع مكسر.
وإنما تجيء أسماء الأجناس فيما يخلق الله جمعه جملة.
وقد تقدم ذلك بما أغنى عن إعادته.
فاعرفه إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما يكون واحدا يقع للجمع ويكون واحدة على بنائه من لفظه إلا أنه مؤنث تلحقه هاء التأنيث ليتبين الواحد من الجميع

فأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فهو نحو (طلح) والواحدة (طلحة) و (تمر) والواحدة (تمرة) و (نخل) والواحدة (نخلة).
قال أبو سعيد: قد كنا ذكرنا أن هذا الجمع يقع الاسم لنوعه كما يقع للواحد، لأنه نوع يخلقه الله جملة ثم تلحق الواحد منه علامة التأنيث بما أغنى عن استقصائه في هذا الموضع.
قال سيبويه: فإذا أردت أدنى العدد جمعت الواحد بالتاء وإذا أردت الكثير صرت إلى الاسم الذي يقع على الجمع ولم يكسر الواحد على بناء آخر، وربما جاءت " الفعلة " من هذا الباب " فعال "، وذلك قولك (سخلة) و (سخال) و (سخل) و (بهمة) و (بهام) و (بهم) و (طلحة) و (طلاح) و (طلح) شبهوها بالقصاع وقد قال بعضهم (صخرة) و (صخور) فجعلت بمنزلة (بدرة) و (بدور)، و (مأنة) و (مؤون) والمأنة تحت الكركرة.
1 قال أبو سعيد: الباب في هذا النحو أن يكون الجمع الكثير منه غير مكسر، وإنما يكون اسم النوع الموضوع (للقليل والكثير والباب) أن يكون القليل منه بالألف والتاء كقولك: (نملة) للواحدة والكثير (نمل) والقليل (نملات)، و (برّة) للواحدة و (برّ) للكثير، و (برّات) للقليل، و (نبقة) للواحدة و (نبق) للكثير و (نبقات) للقليل.
وما جاء منه مكسرا فهو مشبه بما كان من غير هذا الباب مما يصنعه الآدميون ولم

يقع الخلق على جملته، ويكثر ذلك فيما كثر استعمالهم له، وما لم يكثر فلا يكاد يجيء فيه ذلك، قالوا (نملة) و (نمل)، و (تينة) و (تين)، و (موزة) و (موز) و (سروة) و (سّرو) و (مروة) و (مرو)، ولم يجئ في شيء من ذلك جمع مكسر وقالوا (تمرة) و (تمر) و (تمور)، وقالوا: (عنبة) و (عنب) و (أعناب)؛ لأنهم للتمر والعنب أكثر استعمالا.
قال سيبويه: وقالوا: (صعوة) و (صعو) و (صعاء) كما قالوا: (طلاح) ومثل ما ذكرنا (شريّة) و (شرى) و (هدية) و (هدى) (الشّوية): الحنظلة ومن المضاعف مثل (حبة) و (حبّ) و (قتّة) و (قتّ).
قال: وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان " فعلا " فإن قصته كقصة (فعل)، وذلك قولك (بقرة) و (بقرات) و (بقر)، و (شجرة) و (شجرات) و (شجر)، و (خرزة) و (خرزات) و (خرز)، وقد كسّروا الواحد منه على (فعال) كما فعلوا ذلك في (فعل) قالوا: (أكمة) و (إكام)، و " أكم " و (جذبة) و (جذاب) و (جذب)، و (أجمة) و (إجام) و (أجم)، و (ثمرة) و (ثمار) و (ثمر) ونظير هذا من بنات الياء والواو قالوا (حصاة) و (حصى) و (حصيات)، و (قطاة وقطى وقطوات) وقالوا: (أضاء وأضا وإضاء).
كما قالوا: (إكام) و (أكم) سمعنا ذلك من العرب.
والذين قالوا: (أكام) و (أكم) ونحوها شبهوها ب (الرحاب) ونحوها كما شبهوا الطّلاح وطلحة ب (جفنة) و (جفان).
قال أبو سعيد: الذي ذكره سيبويه في جمع (أكمة) في هذا الموضع " أكم " على أنه جنس و (إكام) على أنه جمع مكسر، وليس ذلك ببابه، لأنه ليس من مصنوعات الآدميين ثم قال: شبهوها ب (الرحاب) و (الرّحاب) جمع (رحبة) وهي من مصنوعات الآدميين، كما شبهوا (الطّلاح) جمع (طلحة) وليست من المصنوعة ب (جفنه) و (جفان) وهي من المصنوعات ويقال (أكمة) و (أكم) و (إكام) و (أكام) و (آكم) وكأن الذي قال: " آكام " جمع " أكّما " جمع التكسير كما يقال (جبل) و (أجبال).
والذي قال: (آاكم) جمع أكّما)) على " آاكم " كما قالوا: " زمن وأزمن " وقد قالوا: في (شجر أشجار) وفي " أجم آاجام " وقولهم: (أضاة) وهو الغدير و (إضاء) بمنزلة (إكام في أكمة) و (الجذبة): " الجمّارة ". قال: وقد قالوا: " حلق " و " فلك " ثم قالوا: (حلقة) و (فلكة) فخففوا في الواحد حيث ألحقوه الزيادة وغيّر المعنى كما فعلوا ذلك في الإضافة وهو قليل وزعم يونس عن أبي

عمرو أنهم يقولون حلقة ". وكان في حاشية كتاب أبي بكر بن السراج وفي نسخة أخرى: " ومن العرب من يقول: (حلقة) و (حلق) وقد حكى أبو زيد (حلقة) و (حلق).
قال أبو سعيد: قولهم (حلق) و (فلك) في الجمع وفي الواحد (حلقة) و (فلكة) من الشاذ.
وشبه سيبويه شذوذه بما يغير في الإضافة وهي النسب.
ومما يخفف قولهم: " ربيعة " وفي النسب: " ربعىّ " و " نمر " وفي النسب " نمرىّ " وياء النسب تشبه في بعض المواضع هاء التأنيث لأنهم قالوا (زنجىّ) للواحد، و (رومي) للواحد.
وللجمع: (زنج)، و (روم)، فياء النسب علامة الواحد كما كان الهاء علامة الواحد في (تمرة) و (طلحة).
وأما حلقة على ما حكى عن أبي عمرو " حلقة وحلق " فليس بشاذ؛ لأنه بمنزلة (شجرة) و (شجر).
والذي قال (حلقة) و (حلق) فليس ذلك أيضا بشاذ كشذوذ (حلقة) و (حلق) لأنهم قد قالوا (ضيعة) و (ضيع) و (بدرة) و (بدر).
قال: وأما ما كان " فعلا " فقصته كقصة (فعل) إلا أنا لم نسمعهم كسّروا الواحد على بناء سوى الواحد الذي يقع على الجميع، وذلك أنه أقل في الكلام من " فعل " وذلك قولك (نبق) و (نبقة) و (نبقات)، و (خربة) و (خربات) و (خرب)، و (لبنة) و (لبن) و (لبنات) و (كلمة) و (كلمات) و (كلم).
قال أبو سعيد: لا يكاد يجيء في هذا مكسر كما جاء في فعل كقولنا: صخر وصخور وفي (فعل) كقولنا (ثمر) و (ثمار) لكثرة (فعل) و (فعل) في الأبنية وقلة (فعل).
قال المازني: يقال: (نبقة) و (نبقة) و (نبقة) و (نبقة) أربع لغات.
قال سيبويه: " وأما ما كان " فعلا " فهو بمنزلته يعنى بمنزلة " فعل " وهو أقل منه يعني من (فعل) أراد أنه لا يكاد يكسر (فعلة) وهو أقل منه في الكلام.
وذلك نحو (عنبة) و (عنب) و (حداة) و (حدأ) و (حدآت) و (إبرة) و (إبر) و (إبرات) وهو فسيل المقل ". قال: وأما ما كان " فعلة " فهو بهذه المنزلة وهو أقل من الفعل، وهو (سمرة) و (سمر)، و (ثمرة)، و (ثمر) و (ثمرات) و (سمرات)، و (فقرة) و (فقر) و (فقرات).
والفقرة

نبت ولا أعلم أحدا جاء بثمرة إلا سيبويه.
قال: وما كان " فعلا " فنحو: (بسر) و (بسرة) و (بسرات)، و (هدب)، و (هدّبة) وهدبات، وما كان " فعلا " فهو كذلك وهو قولك (عشر) و (عشرة)، و (عشرات) و (رطب) و (رطبة) و (رطبات)، ويقول ناس للرّطب (أرطاب) كما قالوا: (عنب) و (أعناب) ونظيرها (ربع) و (أرباع)، و (نغرة) و (نغر) و (نغرات) والنّغر داء يأخذ الإبل في رؤوسها، وقد تقدم في قولنا على ما ذكر.
قال: ونظيرها من الياء قول العرب (مهاة) و (مهى) وهو ماء الفحل في رحم الناقة.
وزعم أبو الخطاب أن واحد (الطّلى) (طلاة) وإن أردت أدنى العدد جمعت بالتاء.
قال أبو سعيد: سبيله إذا جمع بالتاء أن يقال (مهيات) و (طليات).
قال: وقالوا: (الحكا) والواحدة حكاة- وهي العظيم من العظاء- والمرع والواحدة (مرعة) وهي طائر.
قال أبو سعيد: في (الطّلاة) لغتان: (طلاوة) و (طلية) والجمع فيهما جميعا " الطّلى " وهي صفحة العنق.
قال ذو الرمة: أضلّة راعيا كلبيّة صدرا … عن مطلب وطلى الأعناق تضطرب 1 وقال الأعشى في الطّلاة: متى تسق من أنيابها بعد هجعة … من اللّيل شربا حين مالت طلاتها 2 أي حين نامت.
قال: وأما ما كان على ثلاثة أحرف وكان " فعلا " فإن قصته كقصة ما ذكرناه وذلك (سدر) و (سدرة) و (سدرات)، و (سلق) و (سلقة) و (سلقات)، و (تبن) و (تبنة) و (تبنات)، و (عرب) و (عربة) و (عربات)، والعربة: البهمى وهو يبيس البهمى.
قال: وقالوا (سدرة) و (سدر) جعلوها ك (كسر) كما جعلوا (الطلحة)، حين

قالوا: (الطّلاح) ك (القصاع) فشبهوا هذه ب (لقحة) و " لقح " كما شبهوا (طلحة) ب (صفحة) و (صحاف) وقالوا (لقحة) و (لقاح) كما قالوا في باب " فعلة " (فعال) نحو (جفرة) و (جفار) ومثل ذلك (حقّة) و (حقاق).
قال أبو سعيد: وإنما كسّروا (لقحة) و (لقاح) و (حقّة) و (حقاق)، لأن أشخاص البهائم تتغير وكل شخص منها بضرب من الملابسة، له خاصة وليس يقع الخلق عليها جملة فتجري مجرى (تمرة) و (تمر)، بل يعرض فيه أن يفرق بين المذكر والمؤنث بالهاء لا بين الجمع والواحد كقولهم (ثنيّة) و (ثنى) و (جذعة) و (جذع) و (حقّة) للمؤنث و (حقّ) للمذكر، كما قال الشاعر: إذا سهيل مغرب الشّمس طلع … فابن اللّبون الحقّ والحقّ جذع 1 قال: وقد قالوا: (حقّة وحقق) - كذا في كتاب ابن السراج " حقق " بالضم والصواب " حقق ". وأنشد قول المسيب: قد نالني منهم على عدم … مثل الفسيل صغارها الحقق 2 والصحيح أن يكون صغارها الحقق.
قال: وما كان على ثلاثة أحرف وكان (فعلا) فقصته كقصة (فعل)، وذلك قولك: (دخن) و (دخنة) و (دخنات)، و (نقد) و (نقدة) و (نقدات) وهو شجر، و (حرف) و (حرفة) و (حرفات) ومثل ذلك من المضاعف (درّ) و (درّة) و (درّات) و (برّ) و (برّة) و (برّات)، وقد قالوا: (درر) وكسروا الاسم على فعل كما كسّروا (سدرة) على (سدر) ومثله (التّوم) تقول (تومة) و (تومات) و (توم).
يعني مثله في التكسير ويجوز (تومة) و (توم) كما تقول: (درة) و (درر)، والتومة شبيهة بالدرة من فضة فاعلم ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا باب نظير ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياءات والواوات فيهن عينات

أما ما كان (فعلا) من بنات (الياء) والواو فإنك إذا كسرته على بناء أدنى العدد كسرته على " أفعال "، وذلك قولك: (سوط) و (أسواط) و (ثوب) و (أثواب) و (قوس) و (أقواس)، وإنما منعهم " من " أن يبنوه على (أفعل) كراهية الضمة في الواو فلما ثقل (ذلك) بنوه على أفعال وله في ذلك أيضا نظائر من غير المعتل نحو (أفراخ) و (أفراد) و (رفغ) و (أرفاغ) فلما كان غير المعتل يبني على هذا البناء كان هذا عندهم أولى.
قال أبو سعيد: يعني لو بنوه على " أفعل " كقولهم (كلب) و (أكلب) لقالوا (سوط) و (أسوط) فاستثقلت الضمة على الواو فعدلوا إلى (أفعال)، وقد عدلوا إليها فيما لا يثقل كقولهم أفراد وأفراخ فكيف (فيما) يثقل.
قال: وإذا أرادوا بناء الكثير بنوه على (فعال) وذلك قولهم: (سياط) و (نيات) و (قياس) تركوا (فعولا) كراهية الضمة في الواو والضمة التي قبل الواو فجعلوها على (فعال) إذا كانت متمكنة في غير المعتل.
يعني أنهم جعلوا الباب في الجمع إذا كان كثيرا (فعالا) وعدلوا عن (فعول)، لأنهم لو قالوا " فعول " كان (سووط) و (قووس) و (ثووب) فتجتمع في ذلك واو مضمومة وقبلها ضمة وبعدها واو ساكنة.
وفي الصحيح " فعال " في هذا الجمع كثير نحو (كلاب) و (كعاب) و (فراخ)، فعدلوا إليه إذ كان أخف من (فعول)، ومعنى قوله: إذ كانت متمكنة في غير المعتل.
أي: إذ كانت " فعال " في جمع (فعل) كثيرة في غير المعتل.
قال: وقد يبني على (فعلان) لأكثر العدد وذلك نحو (ثور) و (ثيران) و (قوز) و (قيزان).
ونظيره من غير هذا الباب (وجذ) و (وجذان) فلما بنى عليه ما لم يعتل فروا إليه كما لزموا غير المعتل.
يعني " فعل " و " أفعال " هو القياس في الصحيح كقولنا (جذع) و (أجذاع) و (عرق) و (أعراق) فهو في المعتل أولى أن يقال فيه (فيل) و (أفيال)، لأنا إن عدلنا من " أفعال " إلى " أفعل " فقلنا (فيل) و (أفيل) لثقل وقد يقتصرون في هذا الباب على (أفعال) كما اقتصروا على ذلك في باب (فعل) و (فعل) من المعتل نحو قولهم: (نير) و (أنيار)،

و (كير) و (أكيار).
قال: وقد يجوز أن يكون ما ذكرنا " فعلا ". قال أبو سعيد: عند الخليل وسيبويه إذا كان " فعلا " ثانيه ياء وجب كسر الفاء.
فيصير على لفظ (فعل) سواء كان جمعا أو واحدا.
و (لو) بنينا (فعلا) من الكيل لوجب أن نقول على قولهما (كيل) ومن البيع (بيع).
وكان الأخفش يقول ذلك في الجمع، وإذا كان في الواحد قلب الفاء واوا تقول في الجمع (أبيض) و (بيض) و (أعيس) و (عيس) وكان الأصل (بيض) و (عيس) بضم الأول فكسر لتسلم الياء.
وإذا بنى " فعلا " من الكيل والبيع اسما واحدا قال: (كول) و (بوع) ومن أجل ذلك قال سيبويه: " قيل وميل وصيد وديك وكيس " وما أشبه ذلك يجوز أن يكون (فعلا) ويجوز أن يكون (فعلا).
وكان الأخفش يقول: لا يكون إلا فعلا وهذا مستقصى في التصريف وستراه إن شاء الله.
قال: وقالوا في (فعل) من بنات الواو: (ريح) و (أرواح) و (رياح) ونظيره (بئر) و (آبار) و (بئار) قالوا فيه: (فعال) كما قالوه في (فعل) حين قلت (حوض) و (أحواض) و (حياض).
قال: وأما ما كان (فعلا) من بنات الواو فأنك تكسره على " أفعال " إذا أردت بناء أدنى العدد وهو القياس والأصل.
ألا تراه في غير المعتل كذلك، وذلك قولك (عود) و (أعواد) و (غول) و (أغوال) و (حوت) و (أحوات) و (كوز) و (أكواز)، فإذا أردت بناء أكثر العدد لم تكسره على (فعول) ولا (فعال) ولا (فعلة) وأجرة مجرى (فعل) وانفرد به " فعلان " كما أنه غلب على " فعل " من الواو " الفعال " فكذلك هذا فرقوا بينه وبين " فعل " من (بنات) الياء كما فرقوا بين " فعل " من الياء و (فعل) من الواو ووافق " فعلا " في الأكثر كموافقته إياه في الأقل.
وذلك قولك عيدان و " غيلان " و " كيزان " و (حيتان) و (نينان) جماعة النون وهو الحوت.
يريد أنهم فرّقوا بين " فعل " من الياء وهو الذي ذكر أنه يمكن أن يكون " فعلا " ولا يقطع عليه، وذلك الفيل، والجيد.
قالوا في قليله (أفيال) و (أجياد) وفي كثيره " فعول " وهو (فيول) و (جيود).
وبين فعل من الواو.

وقالوا في " كوز " (أكواز)، وفي كثيره " كيزان " وعود و (أعواد) و (عيدان) ففرقوا بين الكثير من الياء والكثير من الواو وإن استويا في القليل كما فرقوا بين كثير من " فعل " من الواو و " فعل " من الياء فقالوا في الواو: (فعال) كقولهم: (حياض) و (سياط) وفي الياء (شيوخ) و (بيوت) وإن استويا في القليل حين قالوا (أحواض) و (أبيات)، وحملوه على (فعل) فقالوا: (عيدان) و (كيزان) كما قالوا (تاج) و (تيجان) و (جار) و (جيران).
قال: وقد جاء مثل ذلك في غير المعتل قالوا (حشّ) و (حشّان) كما قالوا في " فعل " من بنات الواو (ثور) و (ثيران) و (قوز) و (قيزان)، كما جاء في الصحيح (عبد) و (عبدان)، و (رأل) و (رئلان).
(والحش: البستان).
قال: وإذا كسرت " فعلة " من بناء الياء والواو على بناء أدنى العدد كسرتها على البناء الذي كسرت عليه غير المعتل وذلك قولك (عيبة) و (عياب) و (ضيعة) و (ضياع) كما تقول (جفنة) و (جفان) و (صحفة) و (صحاف) وإذا أردت القليل من ذلك ألحقت التاء ولم تحرك العين.
يعني تقول فيه (عيبات) و (جوزات) و (روضات) و (بيضات).
وهذا مذهب أكثر العرب.
كرهوا أن يحركوا فيقولوا " جوزات ". و " بيضات " كما قالوا " تمرات "، و " زفرات "، لأن الواو والياء، إذا تحركتا وانفتح ما قبلها قلبتا ألفين.
ومن العرب من يفتح فيقول (جوزات) و (بيضات) ولا يقلب؛ لأن الفتحة عارضة وهي لغة لهذيل وقد أنشد الفراء فيه: أبر بيضات رائح متاوّت … رفيق بمسح المنكبين سبوح 1 قال: وقد قالوا: " فعلة " في بنات الواو وكسّروها على " فعل " كما كسّروا " فعلا " على بناء غيره وذلك قولهم (ثوبة) و (ثوب)، و (جوبة) و (جوب) و (رولة) و (رول) ومثلها (قرية) و (قرى) و (نزوة) و (نزى).
يريد أن (ثوبة) و (ثوب)، في جمع (ثوبة) محمول على جمع " فعل " كقولهم " سوقة " و " سوق " و " دولة " و " دول " كما كان " فعلان " في (فعل) محمولا على غيره كأنهم حملوه على جمع (فعال) أو (فعل) أو (فعلة).
و (فعل) ليس بقياس يطرد، ولم يذكر (نزوة)

و (نزى) إلا سيبويه والجرمي.
ولم أر أحدا من الكوفيين ذكر ذلك.
ومثله من بنات الياء (فعلة) و (فعل): قالوا: (ضيعة) و (ضيع) و (خيبة) و (خيب) ونظيرها من غير المعتل (هضبة) و (هضب)، و (حلقّة) و (حلق)، وليس هذا بالقياس.
قال: " وأما ما كان (فعلة) فهو بمنزلة غير المعتل وتجمعه بالتاء إذا أردت أدنى العدد وذلك قولك " دولة " و " دولات " لا تحرك الواو فإنها ثانية.
" يعني لا تقول: (دولات) كما تقول (ظلمة) (ظلمات) فتحركها من أجل أنها ثانية كما حركت الثاني من (ظلمات) فإذا لم ترد الجمع بالتاء قلت (دول) و (سوقة) و (سوق) و (سورة) و (سور).
قال: " وأما ما كان (فعلة) فهو بمنزلة غير المعتل وذلك قولك " قيمة " و " قيمات " و (ريبة) و (ريبات) و (ديمة) و (ديمات) ولا تكسّر الثاني كما كسّرت في (كسرات) و (قربات) استثقالا ولأن التسكين أيضا في الصحيح جيد مستحسن.
قال: وأما ما كان على (فعلة) فإنه يكسر على (فعال)، قالوا (ناقة) و (نياق).
كما قالوا: (رقبة) و (رقاب) وقد كسروه على (فعل) قالوا: (ناقة) و (نوق) و (قارة) و (قور) و (لابة) و (لوب).
وأدنى العدد (لابات) و (قارات) و (ساحة) و (سوح) ونظيرهن من غير المعتل (بدنة) و (بدن)، و (خشبة) و (خشب)، و (أكمة) و (أكم) وليس بالأصل في فعلة.
يعني ليس بالمطرد الكثير (فعل) في جمع (فعلة).
قال: " وقالوا (أينق) ونظيرها (أكمة) و (آكم) " في جمع " أكمة "، وكان الأصل في (أنيق) (أنوق) فاستثقلوا الضمة على الواو فقدموا عين الفعل إلى موضع الفاء من الفعل فأبدلوا من الواو ياء، لأنها أخف من الواو فاختاروا الأخف لكثرة (أينق) في كلامهم.
قال: وقد كسّرت على (فعل) كما كسّرت ضيعة، قالوا: (قامة) و (قيم)، و (تارة) و (تير).
قال الراجز:

يقوم تارات ويمشي تيرا (1) وإنما اعتلت عين الفعل في بنات الواو لأن القالب الذي هو حد الكلام في (فعلة) في غير المعتل (فعال).
قال أبو سعيد: (الفعال) أولى بالإعلال من (فعلة)، ألا تراهم قالوا (حوض) و (حياض) و (سوط) و (سياط) و (ثوب) و (ثياب) فقلبوا الواو ياء ولا يجيء في مثل ذلك واو وتعتل فتقلبها ياء وقالوا " عود " و " عودة " و (زوج) و (زوجة) فجاءوا بالواو فعلم أن الإعلال في (فعال) أقوى.
قال سيبويه: إنما قالوا: (قامة) و (قيم) وأصلها من الواو لأنه محمول على فعال الذي حقه أن يعل و (فعال) هو الحد في جمع (فعلة) في غير المعتل كقولهم في (رقبة) و (رقاب) و (رحبة) و (رحاب).

هذا باب ما يكون واحدا يقع على الجمع من بنات الياء والواو ويكون واحده على بنائه ومن لفظه

إلا أنه تلحقه هاء التأنيث ليتبين الواحد من الجميع أما ما كان (فعلا) فقصته قصة غير المعتل وذلك قولك (جوز) و (جوزة) و (جوزات)، و (لوز) و (لوزة) و (لوزات)، و (بيض) و (بيضة) و (بيضات)، و (خيم) و (خيمة) و (خيمات)، وقد قالوا (خيام) و (روضة) و (روضات) و (رياض) و (روض) كما قالوا (طلاح) و (سخال).
وأما ما كان (فعلا) فهو بمنزلة " الفعل " من غير المعتل وذلك قولك (سوس) و (سوسة) و (سوسات)، و (صوف)، و (صوفة) و (صوفات) وقالوا: (ثومة) و (ثومات) و (ثوم) كما قالوا: (درر).
وأما ما كان (فعلا) فقصته قصة غير المعتل وذلك قولك (تين) و (تينة) و (تينات) و (ليف) و (ليفة) و (ليفات)، و (طين) و (طينة) و (طينات).
وقد يجوز أن يكون هذا (فعلا) كما يجوز أن يكون الفيل (فعلا) وسنرى بيان1

ذلك في بابه إن شاء الله تعالى.
وأما ما كان (فعلا) فهو بمنزلة (الفعل) في غير المعتل إلا أنك إذا جمعت بالتاء لم تغير الاسم عن حاله وذلك قولك: (هام) و (هامة)، و (هامات) و (راح) و (راحة) و (راحات) - تريد راحة الكف- و (شامة) و (شامات) قال الشاعر وهو القطامّي: وكنا كالحريق أصاب غابا … فيخبو ساعة ويهبّ ساعا (1) فقال: ساعة و " ساع " كقولهم: هامة و " هام " ومثله (آية) و (آي) ومثله قول العجاج: وخطرت أيدي الكماة وخطر … راي إذا أورده الطّعن صدر (2) قال أبو سعيد: راي جمع راية وهو مرفوع بقوله و " خطر " كأنه قال: خطرت أيدي الكماة وخطرت الرايات في هذه الحرص.
وقوله: " ألا ترى أنك إذا جمعت بالتاء لم تغير الاسم عن حاله فقلت (هامات) " يريد أنك لا تحرك الألف فتردها إلى الواو فتقول (هومات) أو (هومات)، لأنها في (هامة) " فعلة " وانقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولا يزيدها الجمع بالتاء إلا توكيدا للحركة التي من أجلها وجب انقلابها ألفا ووزنها في الجمع بالتاء (فعلات)، كما أن وزنها في الواحد (فعلة) واللفظ واحد.
وهذا الباب قد أتى عليه شرحنا في تفسير ما كان من الأجناس التي بينها وبين واحدها الهاء وإنما أفرد سيبويه هذا الباب ليذكر في الأجناس ما ثانيه واو أو ياء أو ألف كما أفرد ما ثانيه هذه الحروف في باب مفرد فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما هو اسم واحد يقع على جميع وفيه علامة التأنيث وواحده على بنائه ولفظه وفيه علامة التأنيث التي فيه

وذلك قولك " حلفاء " للجميع و (حلفاء) واحدة و (طرفاء) للجميع و (طرفاء) واحدة و " بهمي " واحدة " وبهمي " للجميع لما كانت تقع للجميع ولم تكن أسماء كسر12

عليها الواحد.
أرادوا أن يكون الواحد من بناء فيه علامة التأنيث، كما كان ذلك في الأكثر الذي ليس فيه علامة التأنيث ويقع مذكرا، نحو (التمر) و (البر) و (الشعير) بأشباه ذلك ولم يجاوزوا البناء الذي يقع للجميع حيث أرادوا واحدا فيه علامة تأنيث؛ لأنه فيه علامة التأنيث فاكتفوا بذلك وبينوا الواحدة بأن وصفوها واحدة، ولم يجيئوا بعلامة سوى العلامة التي في الجميع لتفرق بين هذا وبين الاسم الذي يقع على الجميع وليس فيه علامة التأنيث نحو (التمر) و (البر).
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان من الأجناس فيه ألف التّأنيث مقصورة أو ممدودة فالباب في واحدة أن يكون على لفظ الجميع نحو قولك (طرفاء) و (حلفاء) و (بهمي) و (شكاعي) و (شقّاري) و (لصيقي) وهذه كلها أسماء نبات موضوعة للجنس كما وضع النخل والشجر والتّين والعنب للجنس فإذا أردنا الواحد من هذا الجنس قلنا: (طرفاء) واحدة، وعندي (حلفاء) واحدة، و (بهمي) واحدة، ولم يجز إدخال الهاء عليها فيقال: (حلفاءة) و (بهماة) و (طرفاءة) كما قيل في واحد النخل (نخلة) وفي واحد العنب (عنبة)؛ لأن كون ألف التأنيث في هذه الأسماء يمنع من دخول هاء التأنيث، لئلا يجتمع تأنيثان فاكتفوا بما فيه من التأنيث وبينوا الواحد بالوصف فقالوا: (طرفاء) واحدة.
وكنت قرأت " كتاب الشجر والكلأ " لأبي زيد على أبي بكر بن دريد رحمه الله.
فقرأت عليه (شقّارى) للجميع و (شقارى) واحدة و (لصيقي) للجميع و (لصيقي) واحدة فذكر ابن دريد أن الواحد " شقّاراة " و " لصيقاة " وهذا لا تعمل عليه لأن كثيرا من أهل اللغة لا يضبطون النحو في مثل هذا ويغلطون فيه، وإنما يقوم بهذا مثل سيبويه وأبي زيد وهؤلاء الأعلام.
وقد ذكر أهل اللغة للطرفاء والحلفاء واحدة على هذا اللفظ قالوا: (طرفاء)، و (طرفة) و (قصباء) و (قصبة)، واختلفوا في الحلفاء فقال الأصمعي (حلفاء) و (حلفة) بكسر اللام.
وقال أبو زيد والفراء وغيرهما (حلفة) على قياس (طرفة) و (قصبة).
وقد كسر (حلفاء) فقيل (حلافي) و (حلافي) ذكر ذلك أبو عمر الجرمي.
قال: وتقول (أرطي) و (أرطاة) و (علقي) و (علقاة) لأن الألفات لم تلحق التأنيث.
يعني أن ألف (أرطي) التي بعد الطاء وألف (علقي) لغير التأنيث لأنك تقول: هذا (أرطي) و (علقي) فتنون، وألف التأنيث لا تنون، فلما كانت لغير التأنيث جاز أن تدخل عليها الهاء للواحدة.

ومن العرب من لا ينون (علقّي) ويجعل الألف للتأنيث فيقول: هذه (علقي) كثيرة وهذه (علقي) واحدة يا فتى وأنشدوا بيت العجاج: يستنّ في علقي وفي مكور (1) غير منون.

هذا باب ما كان على حرفين وليست فيه علامة التأنيث

أما ما كان أصله " فعلا " فإنه إذا كسّر على بناء أدنى العدد كسّر على أفعل (وذلك) نحو (يد) و (أيد) وإن كسّر على بناء (أكثر) العدد كسّر على " فعال " و " فعول " وذلك قولهم: (دماء) و (دميّ) لمّا ردوا ما ذهب من الحروف كسّروه على تكسيرهم إياه لو كان غير منتقص عن الأصل نحو (ظبي) و (دلو).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ هذا المؤنث الذي ليس في آخره هاء يجمع على تقدير التمام.
فما أوجبه بناؤه على التمام من الجمع عمل عليه، فمن ذلك (يد) و (دم) هما عند سيبويه " فعل ". كان أصله " يدي و " دمي " بتسكين الحرف الثاني وهذا البناء جمعه القليل يجيء على " أفعل " وكثيره على (فعال) و (فعول) فجمع (يد) على الجمع القليل فقيل " أيد " وهو (أفعل) كما قيل (ثدي) و " أثد " و " ظبي " و " أظب " و (جدى) و " أجد " وجمع " دم " على الجمع الكثير فقيل " دماء " كما قيل (ظباء) و " دميّ " كما قيل " ثديّ "، فكان بمنزلة ما جاء جمعه الكثير على فعال وفعول كقولنا (كعاب) و (كعوب) و (فراخ) و (فروخ).
وقد كان أبو العباس محمد بن يزيد يذهب إلى أن " دما " (فعل) ويستدل على ذلك بأشياء منها أن الشاعر حين اضطر إلى ردّ الذاهب بناه على " فعل " فقال: ولو أنّا على جحّر ذبحنا … جرى الدّميان بالخبر اليقين 2 ومنها أنك تقول " دميت " ومصدر فعلت يجيء على فعل كقولنا (فرقت فرقا) وفيما قرأناه على أبي بكر بن دريد رحمه الله:1

غفلت ثمّ أتت ترمقه … فإذا هي بعظام ودما 1 فبناه على مثل (رحى) وخبرنا أن قولنا: فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أعقابنا يقطر الدّما 2 أنه في موضع رفع وأنه على بناء رجى.
أما ما احتج به لأبي العباس فلا حجة له فيه؛ لأن الشاعر إذا اضطر إلى رد الذاهب ترك ما كان متحركا على حركته، ولم يبنه بناء الأصل وقد قال الشاعر: يديان بالمعروف عند محرق … قد تمنعانك أن تضام وتضهدا 3 فحرك الدال وهي ساكنة في الأصل.
وقال آخر: هما نفثا في فيّ من فمويهما 4 فحرك وأصله (فعل).
وأما ما أنشدته عن أبي بكر ابن دريد فضرورات يطول شرحها وإنما جعله سيبويه " فعلا " لأن الأصل السكون وليس لنا أن نزيد حركة إلا بثبت.
ولو قال قائل: إن (يدا) " فعل " وإن " أيدي " (أفعل) كما قالوا (زمن) و (أزمن) لم يكن ذلك بالبعيد عندي إذا صح ما روي مما أنشده بعض أهل اللغة.
يا رب سار سار ما توسدا … إلا ذراع العيس أو كف اليدا 5 وقد بناه على فعل، وقد يجوز أن يجمع (أيد) فنقول (أيادي).
وروى عن أبي

عمرو بن العلاء أنه قال " الأيدي " جمع " اليد " التي هي العضو، و " الأيادي " الصنائع والنعم والمعروف.
وقد كان أبو الخطاب الأخفش ذكر أن أبا عمرو نسي- وكان علم ذلك عنده- ويذهب أن (الأيادي) تقال في الأعضاء و (يد)، و (أيد) و (أياد) في المعروف فأما في الأعضاء فقال عدى بن زيد: ساءها ما تأمّلت في أيادي … نا وإشناقها إلى الأعناق 1 وقال آخر: كأنهما بالصحصحان الأنجل … قطن سخام بأيادي غزّل 2 وأما في النعم فقول الله عز وجل: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ 3. المعنى أولى النعم في الدين والبصائر فيه ولم يمدحهم بأن لهم " أيديا " و " أبصارا " من الجوارح.
وقال أبو دهبل: 4 فكيف أنساك لا أيديك واحدة … عندي ولا بالذي أسديت من قدم 5 وقال النابغة: إنّي أتمم أيساري وأمنحهم … مثنى الأيادي، وأكسو الجفنة الأدما 6 أراد بالأيادي: النعم، والمعروف.

قال: وإن كان أصله " فعلا " كسّر من أدنى العدد على (أفعال) كما فعل ذلك بما لم يحذف منه شيء وذلك قولك: (أبّ) و (آباء).
وزعم يونس أنهم يقولون: (أخّ) و (آخاء).
وقالوا: (أخوان) كما قالوا (خرب) و (خربان) قال ابن أخي المهلب: وجدتم بنيكم دوننا إن نسيتم … فبأيّ بني الآخاء تنأى مناسبه؟ 1 قال: وأما ما كان من بنات الحرفين وفيه الهاء للتأنيث فإنك إذا أردت الجمع لم تكسرّه على بناء يرد ما ذهب (منه) وذلك لأنها فعل بها ما لم يفعل بما فيه الهاء.
مما لم يحذف منه شيء، وذلك أنهم يجمعونها بالتاء، والواو والنون كما يجمعون المذكر نحو " مسلمون " فكأنه عوض فإذا جمعت بالتاء لم يغيروا البناء وذلك قولك: (هنة) و (هنان) و (فئة) و (فئات) و (شية) و (شيات) و (ثبة) و (ثبات) و (قلة وقلات).
وربما ردوها إلى الأصل إذا جمعوها بالتاء وذلك قولهم: (سنوات) و (عضوات) وإذا جمعوا بالواو والنون كسروا الحرف الأول وغيروا الاسم وذلك قولهم (سنون) و (قلون) و (ثبون) و (مئون)، وإنما غيروا أول هذه لأنهم ألحقوا آخره شيئا ليس هو في الأصل للمؤنث ولا يلحق شيئا فيه الهاء ليس على حرفين، فلما كان كذلك غيروا أول الحرف كراهية أن يكون بمنزلة ما الواو والنون له في الأصل نحو قولهم: (هنون)، و (منون) و (بنون) وبعضهم يقول (قلون) فلا يغير.
قال أبو سعيد: اعلم أن ما كان على حرفين وفيه هاء التأنيث فله باب ينفرد به ولا يشاركه فيه غيره إلا ما شذ مما يشبه به، وباب ذلك أنه يجمع بالألف والتاء فلا يغير لفظه كقولهم (قلة) و (قلات) و (كرة) و (كرات) و (ثبة) و (ثبات).
ويجوز جمع ذلك بالواو والنون وليس الباب في شيء آخره هاء التأنيث أن يجمع بالواو والنون، لأن هذا الجمع إنما هو للمذكر مما يعقل وإنما جمعوا هذا المنقوص بالواو والنون، لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما منعه من جمع التكسير لأن جمع التكسير لا يكاد يجيء في ذلك وغيروا مع الواو والنون والياء والنون أوله فكسروه فيما كان مضموما كقولهم: (قلون) و (ثبون) وواحدها (قلة) و (ثبة)، وفيما كان مفتوحا كقولهم: (سنون)

وواحدها (سنة).
وذلك توكيد للتغيير فيه وأن هذا الجمع خارج عن قياس نظائره.
وأما قولهم: (مائة) و (مئون) فقال بعض النحويين إن هذه الكسرة غير الكسرة التي في (مائة) كما أن الألف التي في " تهام " ليست الألف في " تهامة ". وذكر أبو عمر الجرمي أن الجمع بالألف والتاء في هذا للقليل وبالواو والنون للكثير تقول: (هذه ثبات) قليلة و (ثبون كثيرة) والدليل عندي على صحة ما قلت إنهم إذا صغروا لم يكن بغير الألف والتاء يقولون: (سنيّات) و (شبيهات) و (ثبيات) ويجوز أن يكون إنما صار التصغير بالألف والتاء لأنا نرد بالتصغير الحرف الذاهب فيصير بمنزلة التام وليس الباب في التام مما فيه هاء التأنيث أن يجمع بالواو والنون.
وبعض العرب لا يغير الأول فيقولون: (قلون) و (ثبون)، ولا نعلم أحدا قال في (سنين) بغير الكسر.
قال: وأما (هنة) و (منة) فلا يجمعان إلا بالتاء لأنهما قد ذكرتا.
يريد أنه لا يجوز في (هنة) ما جاز في (سنة) من الجمع بالواو والنون؛ لأنّا نقول: (هنون) فيكون هذا الجمع للمذكر ولا نقول في (سنة) " سن ". قال سيبويه: وقد يجمعون الشيء بالتاء والألف لا يجاوزون به ذلك استغناء وذلك: (ظبة وظبات)، و (شية وشيات)، والتاء تدخل على ما دخلت فيه الواو والنون، لأنهما الأصل).
يعني أن الألف والتاء هي الأصل، فلذلك استعملت في (ظبات) و (شيات) ولم يستعمل غيرهما.
قال: وقد يكسّرون هذا النحو على بناء يرد ما ذهب من الحرف، وذلك قولهم: (شفة) و (شفاه) و (شاة وشياه)، تركوا الواو والنون حيث ردوا ما حذف منه واستغنوا عن التاء حيث عفوا به أدنى العدد، وإن كانت من أبنية أكثر العدد كما استغنوا بثلاثة جروح عن أجراح وتركوا الواو والنون كما تركوا التاء حيث كسّروه على شيء يرد ما حذف منه واستغني به.
قال أبو سعيد: اعلم أن أصل (شفة) (شفهة) وأصل (شاة) " شوهة " فجمعوها على فعال كما قالوا في " رقبة " (رقاب)، واستغنوا بذلك عن الجمع بالواو والنون، لأنهم قد أتموا، وعن الجمع بالتاء، لأن الجمع بالتاء للقليل وهم قد يستغنون بالكثير عن القليل كقولهم: (جروح) في جمع (جرح)، ولم يقولوا: (أجراح) فكذلك قالوا: (شفاه) ولم

يقولوا (أشفاه) وقد تقدم نحو ذلك فيما مضى قال سيبويه: " وقالوا: (أمة) و (آم) و (إماء)، فهي بمنزلة (أكمة) و (آكم) (وأكام)، وإنما جعلناها على فعلة لأنا قد رأيناهم كسروا فعلة على أفعل مما لم يحذف منه شيء ". قال أبو سعيد: يريد جعلنا أمة فعلة حيث جمع على (آم)، و (آم) " أفعل " وكان الأصل فيه " آموا " فعمل بها ما عمل ب " أدلو " جمع " دلو " حيث قالوا " أدل " والذي هو على " فعلة " من الصحيح وجمع على (أفعل) قولهم: (أكمة) و (آكم).
ولم يقولوا: (إمون) كما قالوا في سنة: (سنون)، لأنهم قد كسروا (أمة)، فردوا الذاهب بالتكسير حيث قالوا (إماء): و (إموان) وهما جمعان للكثير، ولم يقولوا: (أمات)، لأنهم استغنوا ب " آم " عنها، لأن " الأمات " للتقليل، و (آم أفعل) للتقليل فاستغنى بأحدهما عن الآخر.
قال: وقالوا (برّة) و (برات) و (برون) و (لغة) و (لغى) فكسروها على الأصل كما كسّروا نظائرها التي لم يحذف منها شيء نحو (كلية) و (كلى).
قال: وسألت الخليل عن قول العرب (أرض) و (أرضات) فقال: لما كانت مؤنثة وجمعت بالتاء ثقّلت كما ثقلت (طلحات) و (صفحات)، قلت: فلم جمعت بالواو والنون؟ قال: شبهت بالسنين ونحوها من بنات الحرفين لأنها مؤنثة، ولأن الجمع بالتاء أقل والجمع بالواو والنون أعم، ولم يقولوا: (آراض) ولا (أرض) فيجمعونه كما جمعوا " فعل ". قلت: فهلّا قالوا: (أرضون) كما قالوا: (أهلون)؟ قال: إنها لما كانت تدخلها التاء أرادوا أن يجمعوها بالواو والنون كما جمعوها بالتاء و (أهل) مذكر لا تدخله التاء ولا تغيره الواو والنون كما لا تغير غيره من المذكر نحو (صعب) و (فسل).
قال أبو سعيد: اعلم أن " فعلا " إذا كان مؤنثا وجمع بالألف والتاء حرك أوسطه وإن لم يكن فيه هاء التأنيث كما يحرك أوسط ما فيه هاء التأنيث، وذلك في امرأة اسمها (دعد): (دعدات) وإن كانت اسمها (سعدا) و (جبرا): (سعدات) و (جبرات) كما تقول في (ثمرة) و (جفنة) (ثمرات) و (جفنات) وكذلك (أرض) لما جمعت بالألف والتاء حرك أوسطها وقد جمعوها بالواو والنون فقالوا: (أرضون) شبهوها من أجل التأنيث بالمؤنث

جارٍ التحميل