شرح كتاب سيبويهصفحات 491-31

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 491-31

هذا باب الأمر والنهي

" الأمر والنهي يختار فيهما النصب، في الاسم الذي يبنى عليه الفعل، ويبنى على الفعل ". قال أبو سعيد: اعلم أن الأمر والنهي هما بالفعل فقط؛ لأنك إنما تأمر بإيقاع فعل، وتنهى عن إيقاع فعل، وربما أمرت باسم هو في المعنى واقع موقع الفعل كقولك: " عندك زيدا " و " دونك زيدا " في معنى: خذ زيدا، وكقولك: " حذار زيدا " في معنى: احذر زيدا.
فإذا كان الأمر على هذا، ثم أتيت باسم، قد بني الفعل بعده على ضميره نصبته، لإضمار فعل، على نحو ما ذكرنا في الاستفهام، فقلت: " زيدا اضربه "، على تقدير: اضرب زيدا اضربه، و " زيدا لا تشتمه " على تقدير: لا تشتم زيدا لا تشتمه.
وكان النصب في الأمر والنهي أولى وأقوى من الاستفهام؛ من قبل أن الأمر والنهي لا يكون إلا بفعل على ما ذكرنا، وقد يكون الاستفهام بغير فعل، كقولك: " أزيد أخوك "، و " أعبد الله عندك ". ومن ذلك أيضا: " أمّا زيدا فاقتله " و " أمّا عمرا فاشتر له ثوبا "، و " أمّا خالدا فلا تشتم أباه "، و " أمّا بكرا فلا تمرر به "، وذلك أن ما بعد " أمّا " كالكلام المستأنف، فنصبته على ما ذكرنا من النصب في الأمر، ولم تقدّر الفعل بعد " أمّا "؛ لأنها لا يليها الفعل، ولكن تقدّر الفعل بعد الاسم بلا ضمير، وتعدّيه إلى الاسم وتحذفه، ثم تأتي بالفعل الواقع على الضمير، فتفسر به الفعل المحذوف، فيكون تقديره: " أمّا زيدا فاقتل قاتله " وأمّا بكرا فلا تلق فلا تمرر به، وأما خالدا فلا تهن فلا تشتم أباه، ولا بد من الفاء بعد " أمّا ". ومنه: " زيدا ليضربه عمرو "، و " بشرا ليقتل أباه خالد "؛ لأنه أمر للغائب فهو كالمخاطب في باب الأمر، وقد يجوز فيه الرفع، وذلك قولك: " عبد الله اضربه " و " أمّا زيد فاقتله "، وذلك أن الأمر فعل ومعه فاعله، فهو جملة، فجئت بالاسم مبتدأ، وجعلت الجملة في موضع خبره، وأدخلت الفاء بعد " أمّا "، ولم تدخلها إذا بدأت بالاسم؛ لأنك جعلت الأمر في موضع الخبر، فإذا قلت: " زيدا اضربه " كان كقولك: " زيد منطلق " ولو قلت:

" زيد فاضربه " صار بمنزلة قولك: " زيد فمنطلق "، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز " فمنطلق " ويجوز " أمّا زيد فاضربه " كما يجوز " أمّا زيد فمنطلق ". وإذا لم تجعل في الفعل ضميرا من الاسم، وقدمت الاسم وأخّرت الفعل، كنت في إدخال الفاء بالخيار، إن شئت أدخلتها وهي بمنزلتها في جواب " أمّا "، وإن شئت أخرجتها وذلك قولك " زيدا اضرب "، و " زيدا فاضرب "، فإذا قلت: " زيدا اضرب " فتقديره: اضرب زيدا، وإذا أدخلت الفاء؛ فلأن حكم الأمر أن يكون الفعل فيه مقدّما، فلما قدمت الاسم أضمرت فعلا، وجعلت الفاء جوابا له، وأعملت ما بعد الفاء في الاسم؛ لأنك قدمت الاسم عوضا من الفعل المحذوف، الذي ينبغي أن يكون مصدّرا به في الأمر.
وتقدير الكلام: تأهب فاضرب زيدا، أو تعمد فاضرب زيدا، وما أشبه ذلك، فلما حذفت " تأهب " قدمت " زيدا " ليكون عوضا من المحذوف، وأعملت فيه ما بعد الفاء، كما أعملت ما بعد الفاء في جواب " أمّا " فيما قبلها، وقدمت الاسم على الفاء في جواب " أمّا " عوضا من الفعل المحذوف الذي قامت أمّا مقامه، وهو قولك: " مهما يكن من شيء فقد ضربت زيدا " فإذا نقلته إلى " أمّا " قلت: " أما زيدا فقد ضربت ". والدليل على ما ذكرنا من عمل ما بعد الفاء فيما قبلها في الأمر، قولك: " بزيد فامرر "، فلولا أنّ ما بعد الفاء عمل فيما قبلها، ما دخلت الباء على زيد؛ لأن الباء في صلة المرور، ولا يصلح أن تضمر مرورا آخر؛ لأن ما كان من الفعل متعديا بحرف جر لا يضمر، ولا تشبه الفاء في هذا الفاء في قولك: " عبد الله فاضرب "؛ لأن قولك: " عبد الله " مبتدأ، ولا يصلح أن تكون الفاء في خبره.
فإذا قلت: " زيدا فاضربه " فهو على تقديرين: أحدهما اضرب زيدا فاضربه، وعليك زيدا فاضربه؛ لأنك قد تقول: " زيدا "، في معنى: عليك زيدا، أو تعمد زيدا.
قال: (وقد يحسن ويستقيم أن تقول: " عبد الله فاضربه " إذا كان مبنيا على مبتدأ مظهر أو مضمر، فأما في المظهر فقولك: " هذا زيد فاضربه "، وإن شئت لم تظهر هذا، وعمل كعمله إذا أظهرته كقولك: " الهلال والله فانظر إليه " تريد هذا الهلال والله).
يعني أنك إذا جئت بمبتدأ وخبر، جاز إدخال الفاء بعدهما؛ لأن المبتدأ والخبر جملة.

والفاء تدخل لجواب الجملة؛ لأنها قد أفادت معنى، كقولك: " زيد قائم فقم إليه "، وإن شئت أدخلت الفاء؛ لعطف جملة على جملة، وقال الشاعر: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم … وأكرومة الحيين خلو كما هيا 1 أراد هذه خولان؛ فلذلك أدخل الفاء، ومعنى قوله: " وأكرومة الحيين خلو كما هيا " من قول القائلة، أرادت أن هذه الفتاة التي أشارت عليه بتزويجها، هي خلو كما كانت لم تتزوج، وإنما قال: حيين؛ لأن " خولان " قد اشتملت على حيين، وعلى أحياء، ويجوز نصب " خولان " كما في أول الباب.
قال: (وتقول " هذا الرجل فاضربه "، إذا جعلته وصفا).
يعني إذا جعلت " الرجل " وصفا لهذا، وكذلك " هذا زيدا فاضربه " إذا جعلت " زيدا " بدلا من " هذا " أو عطف بيان، وهو كالنعت، وإنما نصبته لأن الوصف والموصوف، والبدل والمبدل منه، كاسم واحد، ولو جعلته خبرا لقلت: " هذا زيد فاضربه " فجعلت الفاء جوابا للجملة، أو عطف جملة على جملة كما ذكرنا.
قال: (وتقول: " اللذين يأتيانك فاضربهما " تنصبه كما تنصب زيدا، وإن شئت رفعته على أن يكون مبنيا على مظهر أو مضمر، وإن شئت كان مبتدأ؛ لأنه يستقيم أن تجعل خبره من غير الأفعال بالفاء، ألا ترى أنك لو قلت: " الذي يأتيني فله درهم "، " والذي يأتيني فمكرم محمول " كان حسنا، ولو قلت: " زيد فله درهم " لم يجز).
قال أبو سعيد: قد تقدم من قول سيبويه أنه لا يجوز أن تقول: " زيد فاضربه "، كما لا يجوز أن تقول: " زيد فمنطلق " " وزيد فله درهم " والذي أبطل هذا أنّ دخول الفاء لا معنى له هاهنا، فإذا كان اسم موصول لفعل ما، ولم يقصد به إلى شخص بعينه، كان الفعل مستقبلا أو في معنى الاستقبال، وإن كان لفظه ماضيا جاز أن تدخل الفاء في خبره، وتذهب بالاسم الأول مع صلته مذهب المجازاة، وذلك قولك: " الذي يأتيني فله درهم " إذا لم يكن قاصدا إلى واحد بعينه، وكان استحقاقه للدرهم بسبب إتيانه،

فيصير هذا بمنزلة قولك: " من يأتيني فله درهم "؛ لأن الدرهم يستحق بالإتيان، فإن قصدت " بالذي " وصلته إلى اسم بعينه، لم يجز دخول الفاء في خبره، وجرى مجرى " زيد "، فقلت: " الذي يأتيني له درهم "، كأنك أردت: زيد الذي يأتيني له درهم، إذا قدرت أنه يأتيك، أو وعدك بذلك ولا يستحق الدرهم من أجل إتيانه فيجري مجرى " زيد " إذا قلت: " زيد له درهم ". ومما يجري مجرى الذي " كل رجل يأتيني فله درهم "؛ لأنك إنما توجب الدرهم بسبب إتيانه، فتضمر معنى المجازاة، فدخلت الفاء من أجلها.
فنقول الآن: إن قوله: " اللذين يأتيانك فاضربهما " يجوز فيه الرفع والنصب، فإن جعلت " اللذين " بمنزلة " زيد "، ولم تضمر مبتدأ ولا خبرا، كان الاختيار النصب، ولم تكن الفاء داخلة لجواب المجازاة، ولكنها دخلت كما دخلت في الأمر حين قلنا: " زيدا فاضرب " فيكون التقدير: اضرب اللذين يأتيانك فاضربهما، كما تقول: " زيدا فاضربه ". ويجوز الرفع من وجهين: أحدهما: أن تضمر مبتدأ وخبرا، وتجعل الفاء جوابا للجملة، كأنك قدرت: هذان اللذان يأتيانك، واللذان يأتيانك صاحباك فاضربهما.
والوجه الثاني: ألا تقصد إلى اثنين بأعيانهما، وتجعل الضرب مستحقّا بالإتيان، فكل اثنين أتياه وجب ضربهما.
كما قال تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما 1 فوجب الأذى على كل اثنين يأتيان الفاحشة، وعنى بالاثنين الذكر والأنثى، ولم يكن الحكم جاريا على اثنين بأعيانهما دون غيرهما، ويكون قوله " فاضربهما " خبرا، ودخلت الفاء للجواب لا للأمر.
ولا يجوز سقوطها على هذا الوجه، ويجوز سقوطها في النصب؛ لأنك لم ترد هذا المعنى، وإن قصدت " باللذين " إلى اثنين بأعيانهما، لم يجز أن ترفع، وتدخل الفاء فتقول: " اللذان يأتيانك فاضربهما " وأنت تعني زيدا وعمرا، كما لم يجز أن تقول: " زيد فاضربه "

إلا بإضمار مبتدأ وخبر على ما بيّنّا.
قال وأما قول عدي بن زيد: أروّاح مودّع أم بكور … أنت فانظر لأيّ ذاك تصير 1 ويروى: " لك " فانظر لأيّ حال تصير " ولا شاهد فيه، وإنما جاء سيبويه بهذا البيت لقوله: " أنت فانظر "، وهو يشبه: " زيد فاضربه "، وقد قال: " زيد فاضربه " لا يجوز إلا على إضمار؛ بسبب دخول الفاء، وقد دخلت الفاء في قوله: " فانظر " فتأول ذلك على وجوه أراد بها تصحيح دخول الفاء، وأنها علي غير الوجه الذي أفسد دخولها فيه، وجملة تأوله ثلاثة أوجه، وعندي وجه رابع قريب التأويل.
فأما الوجوه التي ذكرها سيبويه، فأن ترفع " أنت " بفعل مضمر يفسره الفعل المظهر الذي فيه ضميره، كأنك قلت: انظر أنت فانظر، كما تقول: " أزيد ضرب عمرا " و " أزيد ضرب غلامه عمرو "، فرفعت بفعل مضمر؛ إذ كان الظاهر فيه ضمير مرفوع.
والوجه الثاني: أن تجعل " أنت " مبتدأ، وتضمر له خبرا، وتجعل الفاء جوابا للجملة كأنه قال: أنت الراحل، كما تقول: أنت الهالك، ثم تحذف فتقول: " أنت "؛ لدلالة الحال عليه، كما قال: " إذا ذكر إنسان لشيء قال الناس: أنت، وقد قال الناس زيد " وهذا في كلام الناس مشهور كثير، وهو كقولك لمن تخاطب إذا وصفته بالشجاعة: إذا ذكر الناس والشجاعة قال الناس: أنت، وإذا ذكر النحو قال الناس: الخليل، أي أنت شجاع، والخليل نحويّ.
والوجه الثالث: أن تجعل " أنت " خبرا، كأنك قلت: نويت الراحل أنت، وجعلت في نيّتك المبتدأ، وقال سيبويه في هذا الوجه الثالث: " وهذا على قولك: شاهداك، أي ما يثبت لك شاهداك ". ومعنى هذا أن يتقدم رجلان إلى حاكم أو غيره فيدعي أحدهما على الآخر شيئا فينكره، فيقول الحاكم: " شاهديك " وإن شاء قال: " شاهداك " فإن قال شاهديك فمعناه أحضر شاهديك، أو هات شاهديك، وإن قال: " شاهداك " فمعناه الشيء الذي يثبت

ويصح شاهداك؛ لأن الدعوى لا تثبت مجرّدة، وحقيقة هذا الكلام ما يثبت شاهده شاهديك، لأن معنى قولك: يثبت شاهداك أي تثبت شهادة شاهديك، ومنه قول الناس: " أثبت فلان في الديوان "، أي أثبت اسمه.. قال: (ولا يجوز أن تضمر هذا؛ لأن المتكلم لا يشير إلى نفسه، ولا يشار للمخاطب إلى نفسه).
لا تقول: " وهذا أنت "، ولا " هذا أنا "، فلذلك لم تضمر هذا أنت فانظر " وقد قال سيبويه في غير هذا الموضع: (ها أنا ذا وها أنت ذا في معنى هذا أنا، وهذا أنت "، فهو يخالف الذي ذكره هاهنا في الظاهر وإذا صرنا إليه فسّرناه هناك إن شاء الله تعالى.
وذكر قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ 1 فخرجه على الوجهين: إضمار المبتدأ، وإضمار الخبر، فإضمار الابتداء كأنه قال: أمري طاعة، وإضمار الخبر قوله: " طاعة وقول معروف أمري ").
والوجه الرابع الذي عندي: أن ترفع " أنت " بيكون؛ لأن المصادر تعمل عمل الأفعال، فكأنك قلت: أن تروح أنت أم تبكر أنت، كما قال تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
يَتِيماً 2 على تقدير أو أن يطعم يتيما، فكذلك هذا " أم أن تبكر أنت ". وفيه وجه خامس: وهو أن تجعل البكور في معنى باكر، كما تقول: " زيد إقبال وإدبار " أي مقبل ومدبر.
ويجوز فيه وجه سادس: وهو أن تحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه، كأنك قلت: أم صاحب بكور، حذفت الصاحب كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 3. وفي البيت: " أرواح مودّع "، والرواح لا يودّع، قال الأصمعي: يودّع فيه، كما قال

تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً 1 أي يبصر فيه، وتحقيقه من جهة النحو: أرواح ذو توديع، فبني له من المصدر الذي يقع فيه اسم فاعل، وإن لم يكن جاريا على الفعل، كما قالوا: " رجل رامح وناشب " على معنى ذو رمح ونشّاب.
قال أبو الحسن: تقول: " زيدا فاضرب " وبعده كلام قد أتينا عليه.
قال سيبويه: (واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي، وإنما قيل دعاء؛ لأنه استعظم أن يقال أمر ونهي، وذلك قولك: اللهم زيدا فاغفر ذنبه، وزيدا فأصلح شأنه، وعمرا ليجزه الله خيرا.
قال أبو الأسود الدؤلي: أميران كانا آخياني كلاهما … فلا جزاه الله عنّ بما فعل) 2 اعلم أن جمهور النحويين لا يسمون مسألة من هو فوقك أمرا وإنما يسمونها مسألة أو دعاء، وينكرون تسمية ذلك أمرا، وللأخفش بعينه احتجاج طويل، ورأيت بعض أهل النظر يسميه أمرا، ويزعم أن ذلك جائز في الكلام والشعر وأنشدنا فيه بيتا يروى لعمرو بن العاص، يخاطب فيه معاوية: أمرتك أمرا جازما فعصيتني … وكان من التوفيق فقدان هاشم 3 فزعم عمرو أنه أمر " معاوية "، ومعاوية فوقه، قيل له: يجوز أن يكون عمرو رأى نفسه من طريق المشورة، وحاجة معاوية إليه في رأيه أنه فوقه في هذا الباب، واحتج أيضا بقول الله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ 4 وزعم أن الطاعة إنما تكون للآمر، وليس أحد في القيامة يسأل غير الله تعالى، وليس لهم في هذا حجة؛ لأن نفي الطاعة لا يدل على أن ثمّ آمرا لم يطع، وإنما المعنى أنهم لا يؤمرون، وأنه لا أمر فيطاع، كما قال: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ 5، وليس ثمّ شفاعة لهم، وإنما المعنى لا شفاعة لهم فتنفع، مثله قول أبي ذؤيب:

متفلّق أنساؤها عن قاني … كالقرط صاو غبره لا يرضع 1 والغبر: بقيّة اللّبن، أي ليس بها لبن فترضع.
والدعاء وإن كان لا يسمى أمرا على ما ذكرنا فسبيله سبيل الأمر في الإعراب من كل وجه، وهو أيضا في المعنى مثل الأمر، وذلك أن الداعي ملتمس من المدعو إيقاع ما يدعوه به، كما أن الآمر مريد من المأمور إيقاع ما يأمره به.
ويدخل في الأمر: " أما زيدا فجدعا له "؛ لأنك تريد فجدعه الله، وإذا كان الدعاء بغير فعل لم ينصب الاسم الأول، وذلك قولك: " أما زيد فسلام عليه "، و " أما الكافر فلعنة الله عليه "؛ لأنه لم يظهر فعل فتجعله تفسيرا لما ينصب.
قال: وأما قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 2 الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما 3. فهذا عند سيبويه مبني على ما قبله، كأنه قال: ومما نقص عليكم السارق والسارقة، والزانية والزاني، فقد تم الكلام، ثم قال: فاجلدوا، فجعل الفاء جوابا للجملة.
قال: ومثله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ 4. فمثل الجنة اسم مرفوع، وتمامه محذوف، كأنه قال: ومما نقصّ عليك مثل الجنة، فقد تم الكلام بهذا.
ثم قال من بعد: فِيها أَنْهارٌ، بعد تمام الجملة الأولى كما قال تعالى: فَاجْلِدُوا بعد الجملة الأولى.
قال: " وإنما وضع المثل للحديث الذي بعده ". يعني أنه لما قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ- وقد قلنا: إن التقدير فيه ومما نقصّ عليكم مثل

الجنة- توقع السامع الذي وعد بقصصه عليه فقال: فِيها أَنْهارٌ وتوقع أيضا حكم الزاني والزانية الذي وعد بقصصه وذكره، فقال: فَاجْلِدُوا.
وقال الفراء وأبو العباس المبرد: إن الفاء دخلت للجزاء، وإنها خبر، والزانية ترتفع على الابتداء في قول أبي العباس، و " فاجلدوا " خبره، وعند الفراء الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يرتفعان بما عاد من ذكرهما، ودخلت الفاء؛ لأن الزانية والزاني، في معنى التي تزني والذي يزني، وقد ذكرت هذا في قوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما 1. قال سيبويه مستشهدا على ما قال: لمّا قال الله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها 2 قال في الفرائض: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي 3 ثم جاء " فاجلدوا " فجاء بالفعل بعد أن مضى فيهما الرفع كما قال: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم وقد مضى الكلام في هذا.
قال: (وقد يجري هذا في زيد وعمرو على هذا الحد إذا كنت تخبر بأشياء أو توصي).
يعني أنك تقول: " زيد فأحسن إليه " إذا أردت: زيد فيمن أوصى به فأحسن إليه، فيكون بمنزلة الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا وتكون الفاء جوابا للجملة.
قال: (وقد قرأ أناس " والسارق والسارقة " و " الزانية والزاني " وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة) وهذه القراءة تروى عن عيسى بن عمر، وهو على: اجلدوا الزانية والزاني، كما ذكرنا في قولنا " زيدا فاضربه " وهو قوي في العربية ولكن القراءة سنّة منقولة.
قال: (وإنما كان الوجه في الأمر والنهي النصب؛ لأن حد الكلام تقديم الفعل، وهو فيه أوجب؛ إذا كان ذلك يكون في ألف الاستفهام).

يعني لما كان الاختيار في ألف الاستفهام نصب الاسم على ما شرطنا كان نصبه أولى في الأمر والنهي؛ لأنهما لا يكونان إلا بفعل، وقد ذكرنا هذا.
قال: " وقبح تقديم الاسم في سائر الحروف؛ لأنها حروف تحدث قبل الفعل، ويصير معنى حديثهن إلى الجزاء، والجزاء لا يكون إلا خبرا، وقد يكون فيهن الجزاء في الخبر، وهي غير واجبة كحروف الجزاء فأجريت مجراها، فالأمر ليس يحدث له حرف سوى الفعل، فيضارع حروف الجزاء، فيقبح حذف الفعل منه، كما يقبح حذف الفعل بعد حروف الجزاء ". قال: " وإنما قبح حذف الفعل وإضماره بعد حروف الاستفهام لمضارعتها حروف الجزاء، وإنما قلت: " زيدا اضربه " مشغولة بالهاء والمأمور لا بد له من أمر؛ لأن الأمر والنهي لا يكونان إلا بالفعل فلا يستغنى عن الإضمار إذا لم يظهر ". وأما قوله: " وقبح تقديم الاسم في سائر الحروف ". يعني سائر حروف الاستفهام سوى الألف، كقولك: " أين زيدا ضربته " و " أين زيدا ضربت "؛ لأن الوجه تقديم الفعل حتى يكون هو الذي يليها، كقولها: " أين ضربت زيدا " وقد ذكرنا هذا فاحتج بأن قال: " إنها حروف تحدث قبل الفعل ". يعني حروف الاستفهام " ويصير معنى حديثهن إلى الجزاء ". يعني أن حروف الاستفهام في المعنى إلى حروف الجزاء، ومصيرها إلى الجزاء أنها غير واجبة، كما أن حروف الجزاء غير واجبة وأراد بالجزاء هاهنا حروف شرط الجزاء؛ لأن قولك: " أين تقوم " غير واجب، و " هل زيد قائم " ليس بواجب كما أنك تقول: " أين يقوم زيد فأكرمه " فقيام زيد ليس بواجب.
وقوله: " والجزاء لا يكون إلا خبرا ". يعني جواب الشرط إذا قلت: " إن تأتني أكرمك "؛ لأنه يصح أن يقال: صدق أو كذب.
وقوله: " وقد يكون فيهن الجزاء في الخبر ". يعني يكون في حروف الاستفهام مثل جواب الشرط كقولك: أين زيد أكرمه؟

فقد يصح له في هذا أيضا صدق أو كذب، وإنما أراد سيبويه التسوية بين حروف الجزاء وحروف الاستفهام، وأرى أنها حروف بالفعل أولى، وأن وليّ الأسماء إياها قبيح، إلا في الألف وأن يفرق بينهما وبين الأمر، وذلك أن الأمر لا يقبح تقديم الاسم فيه إذا قلت: " زيدا اضربه "؛ لأنه ليس قبله حرف هو بالفعل أولى، فيحتاج إلى إيلائه الاسم فاعرفه إن شاء الله تعالى.

شرح كتاب سيبويه

تأليف أبي سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة 368 هـ

تحقيق أحمد حسن مهدلي علي سيد علي

[المجلد الثاني]

دار الكتب العلمية

بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذا باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام وحروف الأمر والنهي

وهى حروف النفي شبهوها بألف الاستفهام، حيث قدم الاسم قبل الفعل؛ لأنهن غير واجبات، كما أن الألف وحروف الجزاء غير واجبة وكما أن الأمر والنهي غير واجبين، وسهل تقديم الاسم فيها لأنها نفي واجب، وليست كحروف الاستفهام والجزاء.
قال أبو سعيد وقد قدمنا أن قولك: " زيد ضربته " أجود من " زيدا ضربته " وقولك: " أزيدا ضربته " في الاستفهام أجود من قولك: " أزيد ضربته "، وقد توسطت هذين البابين حروف يتقارب النصب فيها والرفع، وهي " ما " و " لا "، تقول: " ما زيدا ضربته " و " ما زيد ضربته " و " لا زيدا كلمته ولا عمرا أكرمته، وإن شئت قلت: " لا زيد كلمته " " ولا عمرو أكرمته ". وإنما تقارب النصب فيها والرفع، لأنها تشبه حروف الاستفهام من جهة، وتشبه المبتدأ من جهة.
فأما شبهها بحروف الاستفهام؛ فلأنها حروف دخلت على المبتدأ فأخرجته من حد الإيجاب إلى حد النفي، كما أن حروف الاستفهام أخرجت ما دخلت عليه من الإيجاب إلى الاستفهام.
وأما شبهها بالمبتدأ فلأنها نقيضة المبتدأ، ونفي له، والنفي يجري مجرى الإيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: " قام زيد "، فنفي هذا أن تقول: " ما قام زيد "، تردّ الكلام على لفظه وتدخل حرف النفي.
وأنشد أبياتا بالنصب منها قول جرير:

ولا حسبا فخرت به لتيم … ولا جدا إذا ازدحم الجدود 1 أراد فلا ذكرت حسبا فخرت به، وقد يجوز أن تكون " لا " للنفي ونوّن الحسب اضطرارا، وقد كان يونس يذهب إليه.
قال: " وإن شئت رفعت، والرفع فيه أقوى؛ إذ كان في ألف الاستفهام؛ لأنهن نفي واجب ". يعني لما جاز أن يكون الرفع في الاستفهام، وإن كان الاختيار النصب كان الرفع في حروف النفي أقوى؛ لأنها لم تبلغ أن تكون في القوة مثل حروف الاستفهام والجزاء؛ لشبه المبتدأ الذي ذكرناه.
قال: (فإن جعلت " ما " بمنزلة " ليس " في لغة أهل الحجاز لم يكن إلا الرفع؛ لأنك تجيء بالفعل بعد ما عمل فيه ما هو بمنزلة فعل يرفع، كأنك قلت: ليس زيد ضربته).
يعني أن أهل الحجاز يرفعون الاسم ب " ما "، ويجعلونها بمنزلة " ليس " فإذا قلت: " ما زيد ضربته "، فالرفع لا غير في " زيد " على قولهم؛ لأنهم جعلوها عاملة في " زيد " فغير جائز أن تضمر فعلا آخر ينصب زيدا، وقد رفعته ب " ما " وذكرت " ضربته " بعد ما عملت " ما " في " زيد "، فكأنك قلت: " كان زيد ضربته " و " ليس زيد ضربته ". قال: (وقد أنشد بعضهم هذا البيت رفعا: وقالوا تعرّفها المنازل من منى وما كلّ من وافى منى أنا عارف) 2 كأنما قال: اطلبها في المنازل.
قال: (فإن شئت حملته على " ليس ").
يعني إن شئت جعلت " كلّ " مرفوعا بما، وجعلت " أنا عارف " في موضع الخبر، وأضمرت في عارف " ها " تعود إلى " كلّ " كأنك قلت: أنا عارفه، وهذا على لغة أهل الحجاز.
قال: (وإن شئت حملته على " كلّه لم أصنع " وهذا أبعد الوجهين).

يعني: وإن شئت رفعت كلا بالابتداء، وجعلت الجملة في موضع الخبر، وأضمرت الهاء في " عارف " على لغة بني تميم كما قلت: " كلّه لم أصنع " فرفعت " كلّ " بالابتداء، وأضمرت في " أصنع " هاء تعود إلى " كلّ "، ومعنى قوله: " وهذا أبعد الوجهين ". يعنى: رفع كل بالابتداء أبعد الوجهين؛ وذلك لأن من يرفعه بالابتداء لا يعمل " ما "؛ فإذا لم يعملها أمكنه أن يعمل " عارف " في " كل "، فإذا لم يعمل فقد قبح؛ إذ قد وجد السبيل إلى الكلام المختار، ولا ضرورة تدعو إلى غيره، ومن رفع " كلّ " " بما " فهو لا يجد السبيل إلى إعمال " عارف " في " كل " إلا بحذف " ما "، وحذفها يغير المعنى.
قال: (وقد زعم بعضهم أنّ " ليس " تجعل ك " ما " وذلك قليل لا يكاد يعرف، فهذا يجوز أن يكون منه: " ليس خلق الله مثله " و " ليس قالها زيد ").
يعني أن بعضهم يجعل " ليس " محمولة على " ما " فيلغي عملها، ولا يجوز أن يكون الذي يفعل هذا من العرب، إلا من كانت من لغته في " ما " إلغاؤها، فتحمل " ليس " على " ما "، وتجعلها حرفا لا تعمل في اللفظ شيئا، كما لم تعمل " ما "، وليس على هذه اللغة دليل قاطع، ولا حجّة تقطع العذر؛ لأن كل ما يستشهد به يحتمل التأويل؛ لأنه إذا احتجّ محتج بقولهم: " ليس خلق الله مثله " فقال: " خلق " فعل، ولو كانت " ليس " فعلا لما وليها الفعل، فللقائل أن يقول في: " ليس " ضمير الأمر والشأن و " خلق " وما بعده جملة في موضع الخبر؛ فلذلك قال سيبويه: " فهذا يجوز أن يكون منه " لهذا المعنى الذي ذكرناه.
وقد احتجوا بشيء آخر- وهو أقوى من الأول- وهو قول بعض العرب: " ليس الطيب إلا المسك " فقالوا: هذا بمنزلة: ما الطيب إلا المسك، قالوا: ولو كان في " ليس " ضمير الأمر والشأن، لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمة بنفسها، وفي موضع خبرها، ونحن لا نقول: " الطيب إلا المسك " بغير تقديم حرف النفي، وليس الأمر على ما ظنوا؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها في المعنى، ألا ترى أنك إذا قلت: " ما زيد أبوه قائم " فقد نفيت قيام أبيه كما لو قلت: " ما أبو زيد قائم " وعلى هذا يجوز أن تقول: " ما زيد أبوه إلا قائم "، كأنك قلت: " ما أبو زيد إلا قائم ".

وأنشد لحميد الأرقط، على لغة من يجعل " ليس " بمعنى " ما ": فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم … وليس كلّ النوى يلقي المساكين 1 فنصب " كلّ " بيلقي، وجعل " ليس " بمعنى " ما "، كأنه قال: ما يلقي، وبقول هشام أخي ذي الرمة: هي الشفاء لدائي إن ظفرت بها … وليس منها شفاء الداء مبذول 2 على قولك: ما منها شفاء الداء مبذول.
قال: (هذا كله سمع من العرب، والوجه والحد فيه أن تحمله على أن في " ليس " إضمارا، وهذا مبتدأ كقوله: " " إنه أمة الله ذاهبة ").
يعني ضمير الأمر.
قال: (إلا أن بعضهم قال " ليس الطيب إلا المسك " و " ما كان الطيب إلا المسك ").
وكان هذا عنده أقوى من الحجة الأولى؛ وذلك أن الذين رفعوا المسك في " ليس " هم الذين نصبوه في " كان " فأشبه أن يكون لفرق بين ليس وكان، والوجه هو الذي ذكرناه، ولو جعل في " كان " ضمير الأمر والشأن لرفع المسك أيضا.
قال: (فإن قلت: " ما أنا زيد لقيته " رفعت إلا في قول من نصب " زيدا لقيته "؛ لأنك شغلت الفعل بضميره).
يعني أنك إذا قلت: " ما أنا زيد لقيته " فالذي ولى حرف النفي غير زيد، ففصل بين " زيد " وبين حرف النفي، فصار " زيد " بمحله في الابتداء، وكان الاختيار فيه الرفع، وهذا يشبه قولك: " أنت زيد ضربته " لما فصلت بين ألف الاستفهام وبين " زيد " وقد مضى الكلام في هذا.
قال: (وهو فيه أقوى لأنه عامل في الاسم).
يعني الرفع في: " ما أنا زيد ضربته " أقوى منه في: " أنت زيد ضربته " لأن " ما " عاملة

في الاسم الذي بعدها، يعني في لغة أهل الحجاز فلما كانت عاملة في الاسم الذي بعدها، وألف الاستفهام غير عاملة كان الرفع أقوى في " ما ". قال: (وأما ألف الاستفهام وما في لغة بني تميم يفصلن ولا يعملن، فإذا اجتمع أنك تفصل وتعمل الحرف فهو أقوى).
يعني أن " ما " وألف الاستفهام في لغة بني تميم يفصلن عن الاسم الذي وقع الفعل على ضميره باسم آخر، كقولك: " أأنت زيد ضربته " و " ما أنا زيد لقيته "، فصلت الألف و " ما " عن زيد بدخول " أنا " و " أنت " بينهما، وهما لا يعملان في الاسم الذي يليها فمجراهما واحد.
فإذا جئت إلى لغة أهل الحجاز في " ما " فصلت بينها وبين الاسم الذي وقع الفعل على ضميره وأعملتها في الاسم الذي يليها، فبعد النصب عن الاسم الذي وقع الفعل على ضميره؛ لبعدها منه لمّا اجتمع الفصل بينها وبينه، وعملها فيما وليها، ويجوز " ما أنا زيدا لقيته " على قول من قال في الابتداء: " زيدا لقيته "، والاختيار الرفع.
واعلم أن الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم متقدم، أو في محل بعينه كان سبيلها كسبيلها إذا وقعت مبتدأة، ويختار فيها ما يختار في الابتداء.
وكونها خبرا في أربعة أشياء.
وهي: خبر المبتدأ، وخبر كان وأخواتها، وخبر إن وأخواتها، والمفعول الثاني في " ظننت " وأخواتها، تقول: " زيد أبوه ضربته " و " كنت زيد ضربته " و " إني عمرو كلمته " و " حسبتني أخوك رأيته "، وإنما صار الاختيار الرفع في هذه الأشياء؛ لأنك جئت بهذه الجمل، وهي كلام قائم بنفسه، فوضعته في موضع خبره، فينبغي أن تعطي الكلام حقه وإعرابه، ثم توقعه في هذا الموقع، ويجوز نصبه بما جاز في الابتداء.
وأما قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ 1 فإنه على قول من يقول: " زيدا ضربته ". فإن قال قائل: فأنتم تزعمون أن قول القائل: " إني زيد كلمته " الاختيار فيه الرفع؛

لأنه جملة في موضع الخبر، فلم اختير النصب في: " إنا كلّ شيء خلقناه " وكلام الله تعالى أولى بالاختيار؟ فالجواب أن في النصب هاهنا دلالة على معنى لا يوجد ذلك المعنى في حالة الرفع؛ وذلك أنك إذا قلت: " إنا كلّ شيء خلقناه بقدر "، فتقديره: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فهو يوجب العموم؛ لأنه إذا قال: إنا خلقنا كلّ شيء فقد عمّ، وإذا رفع فقال: كلّ شيء خلقناه بقدر، فليس فيه عموم؛ لأنه يجوز أن نجعل " خلقناه " نعتا لشيء، ويكون " بقدر " خبرا لكل، ولا تكون فيه دلالة لفظه على خلق الأشياء كلها، بل تكون فيه دلالة على أن ما خلق منها خلقه بقدر، ومثل هذا في الكلام " كلّ نحوي أكرمته في الدار " فقد أوجبت أنه ما بقي أحد من النحويين إلا وقد أكرمته؛ لأن تقديره: أكرمت كلّ نحوي أكرمته في الدار، وإذا قلت: " كلّ نحوي أكرمته في الدار "، وجعلت " أكرمته " نعتا لنحوي، فمعناه كل من أكرمته من النحويين فهو حاصل في الدار، ويجوز أن يكون في النحويين من لم تكرمه في الدار.
قال: وقد قرأ بعضهم: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ 1. والاختيار الرفع وهو الأكثر في القراءة، ونصبه على إضمار فعل، كأنه قال: وأما ثمود فهدينا فهديناهم يعني قراءة من قرأ: إنا كلّ شيء خلقناه، وإن كان الاختيار الرفع لقراءة من قرأ " وأما ثمود فهديناهم " والاختيار الرفع لأن " أمّا " من حروف الابتداء، وقد بينا ما في ذلك.
قال: (وتقول: " كنت عبد لله لقيته " لأنه ليس من الحروف التي ينصب ما بعدها كحروف الاستفهام وحروف الجزاء وما شبه بها).
يعني " كنت " ليس مثل هذه الحروف التي يختار النصب فيما بعدها كحروف الاستفهام، وحروف الجزاء، وما شبه بها من الأمر، وحروف النفي، وليس بفعل ذكرته ليعمل في شيء فينصبه أو يرفعه، ثم تضم إلى الكلام الأول الاسم، يعني أن " كنت " ليست بجملة مبنية على فعل عطفت عليها جملة أخرى كقولك: " ضربت زيدا وعمرا كلمته "، فوجب أن يكون الاختيار الرفع فيما كان في موضع الخبر على ما وصفنا.
وتكلم بكلام طويل لم يخرج عن الجملة التي عندنا، فأرى أن الجملة التي تقع في

موضع الخبر لا تشبه الجملة المعطوفة، وكان فيما ذكر أن الجملة التي تقع في موضع الخبر قد حالت بين الأول وبين مفعوله أن تنصبه، فكيف يختار فيه النصب وقد حال بينه وبين مفعوله.
يعني أنك إذا قلت: " كنت زيد ضربته " فقد وقع " زيد ضربته " في موضع مفعول " كنت " كأنك قلت: " كنت قائما "، فإذا كانت الجملة قد منعت كنت المنصوب وحلت في محله، لم تشبه الجملة المعطوفة وهي " ضربت زيدا وعمرا كلمته "؛ لأن الأول قد نصب مفعوله، وعطف الثاني عليه، فأجري مجراه في تسلطه على مفعوله.
قال: (ومثله " قد علمت لعبد الله تضربه "، فدخول اللام يدلّك على أنه إنما أراد به ما أراد إذا لم يكن قبله شيء).
يعني أن اللام منعت من أن يكون " عبد الله " مفعولا لعلمت فارتفع كما يرتفع في الابتداء، وكذلك وقوع هذه الجملة في موضع خبر كان قد منع كان من التسلط عليها، ونصبها لها كما تنصب خبرها فصارت كالمبتدأ، وليس ذلك بمنزلة حروف العطف.
قال: (وترك الواو في الأول هو كدخول اللام هنا).
يعني ترك الواو في " كنت زيد ضربته " حين جعلته خبرا، ولم تجعله عطفا كدخول اللام في: " قد علمت لعبد الله تضربه ". قال: (فإن شاء نصب كما قال الشاعر، وهو المرّار الأسديّ: فلو أنها إياك عضّتك مثلها … جررت على ما شئت نحرا وكلكلا) وهذا البيت على قول من قال: " إني زيدا ضربته "، وأنت إذا قلت: " إني زيدا ضربته " ثم خاطبت زيدا لقلت: " إني إياك ضربتك " فيكون " إياك " بمنزلة " زيد "، والكاف بمنزلة الهاء، والتقدير: لو أنها إياك عضت مثلها عضتك مثلها، وإذا قلت: " إني زيد ضربته " ثم خاطبت زيدا قلت: " إني أنا ضربتك ".

هذا باب من الفعل يستعمل في الاسم

ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر فيعمل فيه كما عمل في الأول.
وذلك قولك: " رأيت قومك أكثرهم " و " رأيت قومك ثلثيهم " و " رأيت بني عمك ناسا منهم "، و " رأيت عبد الله شخصه " و " صرفت وجوهها أولها ". قال أبو سعيد اعلم أن البدل إنما يجيء في الكلام على أن يكون مكان المبدل منه

كأنه لم يذكر، والنحويون يقولون: إن التقدير فيه تنحية الأول- وهو المبدل منه- ووضع البدل مكانه وليس تقديرهم تنحية الأول على معنى الإلغاء له، وإزالة الفائدة به ولكن على أن البدل قائم بنفسه، غير مبين للمبدل منه تبيين النعت للمنعوت الذي هو تمام للمنعوت، والدليل على أن المبدل منه لا يلغي أنك تقول: " زيد رأيت أباه عمرا " وتجعل " عمرا " بدلا من " أباه "، فلو كان في تقدير اللغو لكان الكلام زيد رأيت عمرا، وهذا فاسد محال؛ فقد صح أن البدل غير منحّ للأول حتى يكون بمعنى الملغى.
فإن قال قائل: فلأي شيء دخل؟ قيل له: قد يكون للشيء الواحد أسماء من معان يشتق له منها تلك الأسماء فيجوز أن يشتهر ببعض الأسماء عند قوم، وببعض أسمائه عند آخرين، فإذا جمع الاسمين جميعا على طريق بدل أحدهما من الآخر، فقد بينه بغاية البيان، وذلك أنه إذا قال: " زيد رأيت أباه عمرا " فقد يجوز أن يكون المخاطب يعرف أبا زيد ولا يعلم أنه عمرو، وقد يجوز أن يكون عارفا بعمرو، ولا يعرف أبا زيد من هو، فإذا أتى بالأمر جميعا عرفه من وجه آخر.
وإذا قال: " رأيت زيدا رجلا صالحا " يجوز أن يكون غرضه أن يبين للناس مروره برجل صالح، ويبين أيضا أنه زيد، وليس كل من عرف أنه زيد عرف أنه رجل صالح، فأتى بالعلم الذي يعرف به، وبالمذهب الذي هو عليه؛ ليجتمع له بذلك غرضه، فهذا هو القصد في البدل.
وهو يشتمل على أربعة أوجه: فالوجه الأول: بدل الشيء من الشيء، وهو هو، كقولك: " مررت بزيد رجل صالح "، و " مررت برجل صالح زيد ". والوجه الثاني: بدل الشيء من الشيء وهو بعضه، كقولك " رأيت زيدا وجهه " و " أتاني بنو تميم أكثرهم ". وبدل الشيء من الشيء وهو مشتمل عليه، كقولك: " سلب زيد ثوبه "، و " أعجبني زيد حسنه "، والمشتمل على الشيء هو الذي تصح العبارة عنه بلفظه عن ذلك الشيء، وذلك أنك إذا قلت: " سلب زيد " فقد يجوز أن يكون ذلك وأنت تعني الثوب، وإذا قلت: " أعجبني زيد " فإنما تعني كلامه أو حسنه، أو ما أشبه ذلك من أفعاله وهيئاته، أو ما يتعلق به؛ ولا يجوز أن تقول: " ضربت زيدا عبده "؛ وذلك أنك لا تقول: " ضربت زيدا "

وأنت تريد عبده؛ لأنه لا يعبر بزيد عن عبده، فلفظ " زيد " ليس يشتمل على العبد.
وبدل المعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة، والمضمر من المظهر، والمظهر من المضمر، في هذه الأبواب سواء، وليست كالنعت؛ لأن النعت تمام المنعوت، وتجلية له، والبدل منقطع من المبدل منه على ما ذكرنا، فلم تكن حال توجب استواءهما في التعريف والتنكير.
والوجه الرابع: بدل الغلط، ولا يجوز أن يقع في شعر ولا قرآن ولا كلام معمول محكّك وإنما يجيء في الكلام الذي يبتدؤه الإنسان على جهة سبق اللسان إلى الشيء الذي لا يريده، فيلغيه، حتى كأنه لم يذكره بلفظ مما يريده، كقولك: " رأيت زيدا " وأنت تريد عمرا فتلغي زيدا، وتذكر عمرا فتقول: رأيت زيدا عمرا، وتكون مريدا لزيد، فيبدو لك، إما لأنك تبينت أن الفعل لم يقع بعد بزيد، وأنه كان واقعا بعمرو، وإما لأنك أردت الإضراب عن نسبة ذلك الفعل إلى زيد، وإنما يقع في بديه الكلام.
والعامل في البدل في ذلك كله هو العامل في المبدل منه؛ لتعلقهما به من طريق واحد.
قال سيبويه على إثر ما ذكره من البدل: (فهذا يجيء على وجهين: على أنه أراد رأيت أكثر قومك ورأيت ثلثي قومك، وصرفت وجوه أولها، ولكنه ثنّى الاسم توكيدا كما قال الله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) 1. فهذا أحد الوجهين، والمعنى في ذلك أنه حين قال: " رأيت قومك " كان غرضه رأيت ثلثي قومك؛ لأنه قد يجوز أن تعبّر باللفظ العام وأنت تريد البعض، كما قد يقول القائل: " شغب الجند " وإنما تريد بعضهم، و " ضج أهل بغداد "، وعسى ألا يكون ضج منهم إلا نفر، فإذا أراد باللفظ الأول العام البعض ثم أتى بذلك البعض فكرره بلفظ آخر فقد أكّد، كما أكّد في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، وكما قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ 2، ف " قتال فيه " بدل وهو تأكيد على هذا الوجه الذي ذكرناه، لأنه أراد بقوله: " الشهر الحرام " القتال، ثم أعاد القتال توكيدا قال

الشاعر: وذكرت تقتد برد مائها … وعتك البول على أنسائها 1 فأبدل " برد مائها " من " تقتد "، و " تقتد " موضع، و " برد مائها " بدل الاشتمال، وأنشده سيبويه للتأكيد الذي ذكره في البدل و " وعتك البول " يعني قدمه وصفرته، يقال: قوس عاتكة إذا اصفرت من القدم، والمعنى أن هذه الناقة ذكرت برد ماء هذا الموضع، وهذه حالها لطول السفر، ويروى " وعبك البول على أذنابها "، وهو تركده وتراكبه عليه، ويجوز " عتك البول " على معنى وقد عتك البول.
قال: (وقد يكون هذا البيت على الوجه الآخر الذي أذكره لك).
يعني من الوجهين اللذين ذكرنا أحدهما أنه على سبيل التأكيد.
قال: (وهو أن يتكلم فيقول رأيت قومك، ثم يبدو له أن يبين ما الذي رأى منهم، فيقول: " ثلثيهم " أو " ناسا منهم ").
وهذا هو الوجه الثاني من الوجهين، وهو أن يقول: " رأيت قومك "، وقصده إلى جميعهم، ثم بدا له في ذلك، وامتنع أن يخبر عن جميعهم، فعدل إلى الإخبار عن البعض، فهذا لم يكن في أول كلامه قاصدا إلى ذكر البدل، وإنما بدا له ذلك بعد ما مضى صدر كلامه على الوجه الذي لفظ، والذي قبل هذا لم يبد له شيء لم يرد أن يتكلم به من بعد.
قال: (ولا يجوز أن تقول: " رأيت زيدا أباه "، والأب غير زيد؛ لأنك لا تبيّنه بغيره، ولا بشيء ليس منه).
وقد بينا ذلك.
قال: (وإنما يجوز " رأيت زيدا أباه " و " رأيت زيدا عمرا " أن يكون أراد أن يقول: رأيت عمرا ورأيت أبا زيد، فغلظ أو نسي، ثم استدرك كلامه).
قال: (ومن هذا الباب " بعت متاعك أسفله قبل أعلاه " واشتريت متاعك أسفله أسرع من اشترائي أعلاه، واشتريت متاعك بعضه أعجل من بعض، وسقيت إبلك صغارها أحسن من سقي كبارها، وضربت الناس بعضهم قائما وبعضهم قاعدا).
قال أبو سعيد فهذا كله على البدل، والمنصوب الثالث على الحال.

قال سيبويه: (فهذا لا يكون فيه إلا النصب، لأن ما ذكرت بعده ليس مبنيّا على الاسم فيكون الاسم مبتدأ وإنما هو من نعت الفعل، زعمت أن بيعك أسفله كان قبل بيعك أعلاه، وأن الشراء كان في بعض أعجل من بعض، وسقيه الصغار كان أحسن من سقيه الكبار ولم تجعله خبرا لما قبله).
يعني أنك لا تقول: " اشتريت متاعك بعضه أعجل من بعض "، فتجعله ابتداء وخبرا في موضع الحال من " متاعك "؛ لأنك لم ترد اشتريت متاعك وبعضه أعجل من بعض؛ لأنه لا فائدة فيه، ولم ترد سقيت إبلك وصغارها أحسن من كبارها، كما تقول " ضربت زيدا أبوه قائم " على معنى ضربت زيدا وأبوه قائم، وإنما المعنى اشتريت بعض متاعك أعجل من بعض، فلما قدمت المتاع جعلت البعض بدلا منه، وأدخلته في عمل الفعل، وذلك معنى قوله: " وإنما هو من نعت الفعل ". قال: (ومن ذلك " مررت بمتاعك " بعضه مرفوعا وبعضه مطروحا، فهذا لا يكون مرفوعا؛ لأنك جعلت النعت على المرور فجعلته حالا للمرور ولم تجعله مبنيّا على مبتدأ، ولم يجز ابتداء بعضه، ولا تسند إليه شيئا).
يعني أنك لا تقول: " مررت بمتاعك بعضه مرفوعا " فترفع البعض، وتنصب مرفوعا؛ لأنك إذا رفعته فقد جعلته مبتدأ ولا خبر له، ففسد لذلك، ولو قلت: " بعضه مرفوع وبعضه مطروح " جاز، وتكون الجملة في موضع الحال، كما تقول: " مررت بقومك بعضهم قائم وبعضهم قاعد "، أي هذه حالهم.
ومعنى قوله: " لأنك جعلت النعت على المرور فجعلته حالا ". يعني أنك جعلت " مرفوعا " و " مطروحا " حالا محمولا على المرور؛ إذ كان العامل فيه، وسمّي مرفوعا ومطروحا نعتا وليس بجار على منعوت؛ لأنه سمي النعت كل ما كان فيه تمييز شيء من شيء، لو لم يكن ذلك النعت لجاز وقوعه عليه وعلى غيره، فمن ذلك " مررت برجل ظريف " و " ظريف " نعت لرجل، وقد كان " رجل " قبل ورود " ظريف " يصلح أن يكون لظريف وغيره.
وإذا قلت: " مررت بمتاعك " صلح أن يكون مرفوعا، وصلح ألا يكون مرفوعا، فصار " مرفوع " نعتا له من طريق التمييز بين أحواله التي تتوهم، وعلى ذلك سمي قائما وقاعدا في قولك: " ضربت الناس بعضهم قائما وبعضهم قاعدا " من نعت الفعل لأنك إذا

قلت: " ضربت الناس " جاز أن يكون مستوعبا لكلهم، وجاز أن يكون لبعضهم، فصار ذكر البعض كالتحلية للضرب والتمييز بين أحواله.
قال: (ومن هذا الباب " ألزمت الناس بعضهم بعضا " و " خوّفت الناس ضعيفهم وقويّهم ").
فالوجه في ذا نصب الثاني على البدل!!؛ وذلك أنّ " ألزمت " و " خوفت " فعلان منقولان من لزم وخاف، وكان الأصل لزم الناس بعضهم بعضا، وخاف الناس ضعيفهم قويّهم على البدل، فلما أدخلت الألف في " لزم " وشدّدت عين الفعل من " خاف " جئت بفاعل آخر، فصيرت الفاعل الأول مفعولا، وأبدلت منه في حال النصب ما أبدلت منه في حال الرفع.
قال: (وعلى ذلك " دفعت الناس بعضهم ببعض " على قولك: دفع الناس بعضهم بعضا، ودخول الباء هاهنا بمنزلة قولك " ألزمت " كأنك قلت في التمثيل " أدفعت " كما أنك تقول: " ذهبت به من عندنا، وأذهبته من عندنا " وأخرجته معك وخرجت به معك).
قال أبو سعيد: اعلم أن الباء قد تقوم في نقل الفعل مقام الألف، وتشديد عين الفعل، تقول: " قام زيد " فإذا نقلته قلت: " أقمت زيدا " فنقلته بالألف وتقول: " قمت بزيد " على معنى أقمت زيدا، فقامت الباء مقام الألف، وتقول: " عرف زيد عمرا " فإذا نقلت قلت: " عرّفت زيدا عمرا " فالنقل بهذه الثلاثة الأشياء.
وربما استعمل في شيء بعضها دون بعض، فمن ذلك " دنا زيد " ثم تقول: أدنيت زيدا، ولا يقال: دنّيته، وتقول: " عرّفت زيدا عمرا " ولا تقول: أعرفت، وتقول: دفع زيد عمرا فإذا نقلته أدخلت الباء فقلت: " دفّعت زيدا بعمرو " ولا تقول: " دفعّت زيدا عمرا " فهذا كله على نحو ما استعملته العرب في النقل، والأكثر في كلامهم النقل بالهمزة، وإنما ينقل من الأفعال ما كان ثلاثيّا، وليس كل فعل ثلاثي ينقل؛ لأنك إذا قلت: " ظننت زيدا منطلقا، فأكثر البصريين لا يجيزون من طريق القياس " أظننت زيدا بكرا منطلقا "، وكان الأخفش يجيزه.
ومعنى قولنا: " نقل الفعل على الجملة " هو أن تجعل الفاعل مفعولا، وكان أبو العباس يفرق بين " ذهبت به " " وأذهبته " فيقول: " ذهبت به " إذا ذهب وأنت معه،

" وأذهبته " إذا نحيته وأزلته، ويجوز أن تكون معه، ويجوز ألا تكون معه، وقد ردّ عليه ذلك بقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ 1 على معنى أزاله لا غيره؛ لأن الله لا يجوز عليه التغير، وقال امرؤ القيس: كما زلّت الصفواء بالمتنزل 2 على معنى أزلّته ولم تزلّ الصفواء.
قال ومن ذلك أيضا البدل مما هو منقول: (ميّزت متاعك بعضه من بعض وأوصلت القوم بعضهم إلى بعض).
لأنك تقول: وصل القوم بعضهم إلى بعض فأما " ميزت " فالأصل الذي وقع منه النقل ماز متاعك بعضه من بعض، غير أنه لا يستعمل " ماز " الذي نقل عنه " ميّزت "، وإنما يستعمل " ماز " الذي في معنى " ميّزت " متعديا، كما قال الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 3 في معنى ليميّز.
قال: (ومثل ذلك " صككت الحجرين أحدهما بالآخر " على أنه منقول من اصطك الحجران أحدهما بالآخر).
يعني إذا قلت: اصطك الحجران أحدهما بالآخر، " فأحدهما " بدل من " الحجران ". قال أبو سعيد: اعلم أن من الأفعال فعل المطاوعة، وهو ضد النقل، وذلك أن النقل يصير الفاعل فيه مفعولا ويؤتى بفاعل آخر على ما وصفنا، وفعل المطاوعة يحذف منه الفاعل، ويصير المفعول فاعلا، فهما في الطرفين، تقول: " كسرت القلم " و " انكسر القلم " و " شققت الثوب " و " انشق الثوب " فحذفت الفاعل وجعلت المفعول فاعلا.
وعلى هذا تقول: " صككت الحجرين أحدهما بالآخر "، وفعل المطاوعة من ذلك: اصطك الحجران أحدهما بالآخر؛ لأنك جعلت المفعول فاعلا فمنزلة فعل المطاوعة من الفعل الأصلي كمنزلة الفعل الأصلي من فعل النقل؛ لأنك إذا رددت فعل المطاوعة إلى الأصل صيرت الفاعل مفعولا، وجئت بفاعل آخر، فجعل سيبويه " صككت الحجرين

أحدهما بالآخر " مفعولا من " اصطك الحجران " كما جعل " ألزمت الناس بعضهم بعضا " مفعولا من " لزم " وهذا على العكس؛ لأن " ألزمت " هو فرع على " لزم "، وصككت هو أصل لاصطك، ولكنهما قد اشتركا بجعل الفاعل في " لزم " وفي " اصطك " مفعولا في " ألزمت " و " صككت ". قال سيبويه: (وهذا ما يجري فيه مجرورا كما يجري منصوبا، وذلك قولك: عجبت من دفع الناس بعضهم ببعض).
قال أبو سعيد: يعني أن المصادر تجري في هذا الباب مجرى أفعالها كما جرت في غير هذا الباب، أضيفت أو لم تضف؛ فإذا أضيفت انجرّ ما بعدها بالإضافة، وإذا لم تضف جرى ما بعدها على الفعل كما بينا فيما قبل، فقولك: " عجبت من دفع الناس بعضهم ببعض " تقديره إذا ردّ إلى الفعل: عجبت من أن دفعت الناس بعضهم ببعض.
وهذا معنى قوله: " إذا جعلت الناس مفعولين، والفاعل في النية وكذلك " عجبت من إذهاب الناس بعضهم بعضا ". وتقديره: من أن أذهب الناس بعضهم بعضا، فالمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، وقد أضيف في المسألة الأولى إلى المفعول، وفي الثانية إلى الفاعل، وجرّا جميعا، ويجري هذا المجرور على مجراه، إذا نوّن المصدر، أو ردّ إلى الفعل في تعدّيه بحرف وبغير حرف.
قال سيبويه: (وتقول: سمعت وقع أنيابه بعضها فوق بعض جرى على قولك: وقعت أنيابه بعضها فوق بعض).
فالمصدر مضاف إلى الفاعل.
قال: (وتقول: عجبت من إيقاع أنيابه بعضها فوق بعض).
فيكون المصدر مضافا إلى ما أقيم مقام الفاعل، وفيه عندي وجه آخر وهو أن تقدر مقام " الأنياب " تقدير مفعول، فيكون: عجبت من أن أوقعت أنيابه بعضها فوق بعض، فإذا رددته إلى المصدر، أضفت " إيقاع " إلى " الأنياب "، وهي في موضع نصب، فيكون التقدير: من إيقاع أنت أنيابه بعضها فوق بعض، والفاعل منوي، والبعض في هذه المسائل كلها بدل ما قبله.
ثم قال: (هذا وجه اتفاق الرفع والنصب في هذا الباب، واختيار النصب،

واختيار الرفع).
يريد أن المنصوب بالفعل، والمرفوع به يتفقان في الجر إذا أضفت المصدر إليهما، وبيّن بتقديره ما الاختيار فيه النصب وما الاختيار فيه الرفع.
فالذي الاختيار فيه النصب قولك: " عجبت من دفع الناس بعضهم ببعض ". على تقدير: أن دفعت الناس بعضهم ببعض، والذي الاختيار فيه الرفع " سمعت وقع أنيابه بعضها فوق بعض "، على معنى: أن وقعت أنيابه بعضها فوق بعض.
ويجوز أن يكون قوله: " هذا وجه اتفاق الرفع والنصب في هذا الباب، واختيار النصب واختيار الرفع ". للكلام الذي يأتي من بعد، لا ما تقدم.
قال: (وتقول: رأيت متاعك بعضه فوق بعض، إذا جعلت " فوق " في موضع الاسم المبني على المبتدأ، وجعلت الأول مبتدأ، كأنك قلت: رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض).
فالرؤية هاهنا تكون من رؤية القلب، ورؤية العين، فإذا كانت من رؤية القلب، فالجملة في موضع المفعول الثاني، وإذا كانت من رؤية العين فالجملة في موضع الحال.
(فإن جعلته حالا بمنزلة قولك: مررت بمتاعك بعضه مطروحا، وبعضه مرفوعا، نصبته لأنك لم تبن عليه شيئا فتبتدئه).
يعني: إذا جعلت " فوق بعض " في موضع الحال، ولم تجعله خبرا فلا بد من أن يتبع البعض ما قبله، فتنصبه على البدل.
قال: (وإن شئت قلت: رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض، فيكون بمنزلة قولك: رأيت بعض متاعك الجيّد، فتوصل إلى مفعولين).
يعني: تجعل " رأيت " من رؤية القلب.
قال: (والرفع في هذا أعرف؛ لأنهم شبهوه بقولك: " رأيت زيدا أبوه أفضل منه "؛ لأنه اسم هو الأول ومن سببه، كما أن هذا له ومن سببه والآخر هو المبتدأ الأول، كما أن الآخر هو المبتدأ الأول).
يعني: أن قولك: " رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض " أجود من قولك: رأيت متاعك بعضه أحسن من بعض، وإنما صار الاختيار الرفع؛ لأنك إذا رفعت فلست تنوي اطّراح المتاع، وإبدال غيره منه، ولا ينوى في شيء من الكلام إذا كان مرفوعا تغيير في

ترتيبه ووضعه، وإذا كان منصوبا فقد أبدل الثاني من الأول، واعتمد بالحديث على الثاني.
قال سيبويه: (فمما جاء في الرفع قوله عز وجل: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) 1 ولو قال " وجوههم مسودة " لجاز على البدل، والرفع أجود.
قال: (ومما جاء في النصب قول العرب: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها).
ولو قال: " يداها أطول من رجليها " جاز.
قال: (وحدثنا يونس أن العرب تنشد هذا البيت وهو لعبدة بن الطبيب: فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدّما) 2 فهذا على قوله: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها، جعل " هلك " الأول بدلا من " قيس "، والثاني خبرا لكان، وعلى الوجه الآخر- وهو الاختيار- هلكه هلك واحد، والهلك الأول ابتداء والثاني خبره، والجملة في موضع خبر " قيس ". و (قال رجل من خثعم أو بجيلة: ذرينى إن أمرك لن يطاعا … وما ألفيتني حلمي مضاعا) 3 فالحلم بدل من النون والياء.
(وقال الآخر في البدل: إنّ عليّ الله أن تبايعا … تؤخذ كرها أو تجيء طائعا) 4 فأبدل " تؤخذ " من " تبايع "، و " تجيء " عطف على " تؤخذ "، وينبغي أن تعلم أنه ليس في بدل الفعل من الفعل إلا وجه واحد، من أقسام البدل التي ذكرناها في الأسماء، من بدل البعض، وبدل الاشتمال، وبدل الشيء من الشيء وهو هو، لا يبدل الفعل إلا من شيء هو هو في معناه؛ لأنه لا يتبعض، ولا يكون فيه الاشتمال الذي ذكرناه، وصار " تؤخذ كرها أو تجيء طائعا " هو معنى المبايعة؛ لأنها تقع على أحد هذين الوجهين.

قال: (فهذا عربي حسن والأول أكثر وأعرب).
يعني الإنشاد في هذه الأبيات على البدل، ولو رفع على الابتداء لكان أكثر وأعرب فتقول: هلكه هلك واحد، و " ما ألفيتني حلمي مضاع "، يكون " حلمي مضاع " في موضع الحال، و " تؤخذ كرها أو تجيء طائعا "، على معنى أنت تؤخذ كرها، فتكون " أنت تؤخذ كرها " في موضع الحال من المبايعة.
قال: (وتقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض، فله ثلاثة أوجه في النصب: إن شئت جعلت " فوق " في موضع الحال، كأنه قال: عملت متاعك وهو بعضه على بعض، أي في هذه الحال، كما فعلت ذلك في رأيت، وإن شئت نصبت كما نصبت عليه " رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان ". وإن شئت نصبته على أنك إذا قلت: جعلت متاعك يدخله معنى " ألقيت "، فيصير كأنك قلت: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض، لأن " ألقيت " كقولك: أسقطت متاعك بعضه على بعض، وهو مفعول من قولك: سقط متاعك بعضه على بعض).
قال أبو سعيد: اعلم أن " جعلت " تكون بمعنيين، بمعنى صنعت وعملت، ومعنى صيّرت، فإذا كانت بمعنى صنعت فهي تتعدى إلى مفعول واحد، قال الله عز وجل: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ 1 بمعنى صنع وخلق، وقال: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها 2. وإذا كانت بمعنى " صيرت " تعدت إلى مفعولين، لا يجوز الاقتصار على أحدهما وهي في هذا الوجه تنقسم على ثلاثة أقسام، كما تنقسم " صيرت ". أحدها بمعنى " سمّيت " كقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً 3 أي صيروهم إناثا بالقول والتسمية، كما تقول: " جعل زيد عمرا فاسقا " أي صيره بالقول كذلك.
والوجه الثاني: أن تكون على معنى الظن والتخيل كقولك: " اجعل الأمير عاميا وكلمه " أي صيّره في نفسك كذلك.

والوجه الثالث: أن يكون في معنى النقل، فتقول: جعلت الطين خزفا أي صيرته خزفا، ونقلته عن حال إلى حال وقال الله عز وجل: اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً 1 أي صيّره آمنا وانقله عن هذه الحال.
فأما الثلاثة الأوجه التي ذكرها سيبويه فوجهان فيها يرجعان إلى الوجه الأول مما ذكرناه، وهو أن تجعل " جعلت " متعدّيا إلى واحد، غير أن معنى الوجهين اللذين ذكرهما سيبويه مختلف، وإن كانا يجتمعان في التعدي إلى واحد، فأحد الوجهين هو الأول الذي قال فيه: " إن شئت جعلت فوق في موضع الحال " فيكون معناه عملت متاعك عاليا، كأنك أصلحت بعضه وهو عال، فيكون فوق في موضع الحال كما تقول: عملت الباب مرتفعا أي أصلحته، وهو في هذه الحال.
والوجه الثاني من هذين الوجهين هو الثالث مما ذكره سيبويه في قوله: " وإن شئت نصبته، على أنك إذا قلت: " جعلت متاعك " يدخله معنى: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض، لأن " ألقيت " كقولك: أسقطت متاعك بعضه فوق بعض ". فيكون هذا متعديا إلى مفعول.
وهو منقول من سقط متاعك بعضه فوق بعض.
فهو يوافق الوجه الأول في التّعدي إلى مفعول واحد، ويخالف في غير ذلك، لأنك لم تعمل المتاع هاهنا؛ لإصلاح شيء منه وتأثير فيه، كما تعمل الباب بنجره ونحته وقطعه، و " فوق " في هذا كالمفعول، لا في موضع الحال؛ لأنه في جملة الفعل الذي هو " ألقيت "؛ لأنه منقول من " سقط متاعك بعضه فوق بعض "، والسقوط وقع على فوق، وعمل فيه على طريق الظرف، وفي المسألة الأولى لم يعمل فيه " جعلت "، إنما عمل فيه الاستقرار وصار في موضع الحال، فهذان الوجهان كوجه واحد.
وقوله: " وإن شئت نصبت على ما نصبت عليه " رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان ". فتعديه إلى مفعولين من جهة النقل والعمل، كما تقول: " صيّرت الطين خزفا "، وإنما حملنا هذا الوجه على هذا؛ لأنه في ذكر " جعلت " الذي في معنى " عملت وأثّرت ". قال: والوجه الثالث أن تجعله مثل: " ظننت متاعك بعضه أحسن من بعض ".

فهذا أحد وجوه جعلت التي ذكرناها، وهو الذي في معنى التخيل، والذي هو من طريق التسمية يشبه هذا الوجه، إلا أنه لم يذكره اكتفاء بهذا.
قال: " والرفع فيه أيضا عربي كثير ". يعني رفع " البعض "، فتجعل ما بعده خبرا، وتجعل الجملة في موضع المفعول الثاني، إن كان يتعدى إلى مفعولين، وفي موضع الحال إن كان يتعدى إلى مفعول واحد.
قال: (وتقول: " أبكيت قومك بعضهم على بعض " و " حزّنت قومك بعضهم على بعض "، فأجريت هذا على حد الفاعل، إذا قلت: بكى قومك بعضهم على بعض، وحزن قومك بعضهم على بعض، فالوجه هاهنا النصب، لأنك إذا قلت: أحزنت قومك بعضهم على بعض، وأبكيت قومك بعضهم على بعض، لم ترد أبكيت قومك، وبعضهم على بعض في عون).
أعني أمارة وولاية، ولا أبكيتهم وبعض أجسادهم على بعض فإنما هو منقول من " بكى قومك بعضهم على بعض "، وبعضهم بعضا وحرف الجر في موضع اسم منصوب مفعول، فإن قلت: " حزّنت قومك بعضهم أفضل من بعض "، فالوجه الرفع، ويجوز فيه النصب، وإنما حسن الرفع هاهنا واختير؛ لأنه ليس بمنقول؛ لأن فضل بعضهم على بعض بمعنى لم يصر فيهم بتحزينك إياهم، ولا هو متعلق بالتحزين، " وأبكيت قومك بعضهم على بعض "، أنت فاعل بهم الإبكاء ومصيرهم إلى أن بكى بعضهم على بعض، فإنما أردت حزّنت قومك وبعضهم أفضل من بعض.
ولو نصبت " بعضهم " وجعلت " أفضل " حالا جاز، والرفع أجود على مضى من تجويد الرفع على النصب إذا استوى معناهما.
قال: " وإن كان مما يتعدى إلى مفعولين أنفذته إليه، لأنه كأنه لم تذكر قبله شيئا ". يعني أنك إذا جعلت مكان " حزّنت قومك بعضهم " أفضل من بعض فعلا يتعدى إلى مفعولين عديته إليه كقولك: حسبت قومك بعضهم قائما وبعضهم قاعدا ". وإن كان مما يتعدى إلى مفعول واحد، نحو حزّنت، ورأيت من رؤية العين، فإن شئت قلت: " حزنت قومك " وسكتّ، وإن شئت قلت: " حزنت قومك منطلقين " فجئت بالحال، وإن شئت قلت: " حزنت قومك بعضهم أفضل من بعض " فجئت بجملة في

موضع الحال، وإذا كان الفعل يتعدى إلى مفعولين، فلا يجوز حذف المفعول الثاني، ولا حذف الجملة التي في موضع المفعول الثاني، إذا قلت: " حسبت قومك بعضهم أفضل من بعض ". ومعنى قوله: " كأنه لم تذكر قبله شيئا ". يعني أن المفعولين لا بد منهما في الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين، كما لا يستغنى عنهما لو لم يكن فعل؛ لأن أحدهما خبر عن الآخر.
وقوله: " كأنه قال: رأيت قومك وحزّنت قومك ". يعني أن سقوط الحال في " حزنت قومك، ورأيت قومك " من رؤية العين لا يخل بالكلام، ولا يفسده.
واعلم أن ما كان في هذا الباب من المصادر المضافة يجوز فيه بدل الاسم الثاني من لفظ الاسم الأول، ومن معناه، فإذا قلت: " عجبت من دفع الناس بعضهم ببعض " فقد أبدلت " بعضهم " من لفظ " الناس ". ويجوز أن تقول: " بعضهم " فتنصب على المعنى، كأنك قلت: عجبت من دفعك الناس بعضهم لأن الناس فيه مفعولون، وإذا قلت: عجبت من دفع الناس بعضهم بعضا، فبعضهم بدل على اللفظ، ويجوز " بعضهم بعضا "، فتحمله على موضع " الناس "؛ لأنهم في المعنى فاعلون، فالبدل على لفظ الأول معناه.

هذا باب من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول ويجري على الاسم

كما يجري أجمعون على الاسم، وينصب أيضا بالفعل لأنه مفعول، فالبدل أن تقول: " ضرب عبد الله ظهره وبطنه "، و " ضرب زيد الظهر والبطن ". يعني أنك تبدل " ظهره وبطنه " من " عبد الله " و " زيد " ويجري عليه في إعرابه؛ لأن الظهر والبطن بعض عبد الله وزيد.
قال: " ومطرنا سهلنا وجبلنا "، و " مطرنا السهل والجبل " وإن شئت كان على الاسم بمنزلة أجمعين ". يريد تبدل السهل والجبل من النون والألف بدل الاشتمال، وإن شئت جعلته تأكيدا لا بدلا، فيكون قولك: " ضرب عبد الله ظهره وبطنه " كقولك: ضرب أعضاؤه كلّها، ويصير الظهر والبطن توكيدا لعبد الله، كما يصير " أجمعون " توكيدا للقوم إذا قلت: " رأيت

القوم أجمعين " كأنه قال: " ضرب زيد " كلّه "، وقولك: " مطرنا سهلنا وجبلنا " كقولك: " مطرت بقاعنا كلّها ". قال: " وإن شئت نصبت فقلت: ضرب زيد ظهره وبطنه، ومطرنا السهل والجبل ". قال أبو سعيد: فتنصب هذا على أن تجعله مفعولا ثانيا، وإن كان الضرب في الأصل يتعدى إلى مفعول واحد، فتقدر حرف الجر في الأصل، ثم تحذفه، فيصل الفعل، كما قال عز وجل: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا 1 أي من قومه، فكأنك قلت: ضرب زيد على ظهره وبطنه، فحذفت " على ". ولا يطرد هذا في الأشياء كلها، لا تقول: " ضرب زيد يده ورجله " على ذلك التقدير كما لا يجوز " مررت زيدا " قياسا على قول الشاعر: " أمرتك الخير ". وكما لا يجوز " أخذت زيدا ثوبا " على معنى: من زيد ثوبا، قياسا على قوله: " واختار موسى قومه ". وقد يجوز أن تنصب البطن والظهر على الظرف، وحذف حرف الجر منه، كأنك قلت: ضرب في ظهره وبطنه، ولا يقال ضرب زيد يده ورجله " على الظرف، وإنما خالف الظهر والبطن اليد والرجل؛ لأن الظهر والبطن عامّان في الأشياء، ألا ترى أن لكل شيء بطنا وظهرا، أو لأكثر الأشياء فيما جرت به العادة في كلام الناس، فأشبه الظهر والبطن المبهمات من الظروف لعمومها، وليس اليد والرجل، والسهل والجبل بمنزلة الظهر والبطن؛ لأن المواضع إما أن تكون سهلا أو تكون جبلا، فجعلت ظروفا لهذا الإبهام، ومع هذا التشبيه الذي ذكرنا، فالقياس فيه ألا يكون ظرفا، ألا ترى أنّك لو قلت: " هذا الشّعر ظهر زيد أو بطن زيد " لم يجز كما تقول: " هذا خلف زيد وأمام زيد "، وصار في الشذوذ بمنزلة " دخلت البيت " و " ذهبت الشّام ". قال: " ولم يجيزوه في غير السهل والجبل، والظهر والبطن، كما لم يجز دخلت عبد الله، فجاز هذا في ذا وحده، كما لم يجز حذف حرف الجر إلا في الأماكن ". يعني لم يقولوا: " ضرب زيد اليد والرجل " على الشذوذ كما لم يقولوا دخلت هذا

الأمر، من حيث قالوا: " دخلت البيت ". فتركوا القياس في الظهر والبطن، والسهل والجبل خاصة، حين حذفوا حرف الجر، كما تركوا القياس في " دخلت " حين حذفوا " في " من الأماكن، فإذا استعملوا " دخلت " في غير الأماكن عادوا إلى القياس، فقالوا: " دخلت في هذه القصة "، و " دخل زيد في مذهب سوء "، وكذلك إذا استعملوه في غير البطن والظهر فقالوا: " ضرب زيد على اليد والرجل " عادوا إلى القياس ثم ذكر أشياء من الشذوذ، وترك القياس، قد تقدم ذكرنا لها.
قال: " وزعم الخليل أنهم يقولون: مطرنا الزرع والضرع وإن شئت رفعت على وجهين: على البدل وعلى أن تتبعه الاسم ". قال أبو سعيد: " الزرع والضرع " شبيه بالسهل والجبل؛ لأن أكثر ما يراد به المطر الزرع والمواشي، فجاز النصب على الوجهين اللذين ذكرنا، والرفع أيضا على الوجهين، وكل ذلك مسموع من العرب.
قال: فإن قلت: " ضرب زيد اليد والرجل " فيجوز على بدل البعض من الكل، ولا يجوز فيه النصب على ما ذكرنا».
قال: «وقد سمعناهم يقولون: مطرتهم- يعني السماء- ظهرا وبطنا».
فنصبه على الظرف والمفعول الثاني، وعلى البدل أيضا.
قال: " وتقول: مطر قومك الليل والنهار " فيجوز نصب الليل والنهار على الظرف، وعلى أنه مفعول على سعة الكلام، ويجوز رفعه على البدل، كأنك قلت: مطر الليل والنهار، كما تقول: صيد عليه الليل والنهار، فيكون على وجهين: أحدهما: مطر أصحاب الليل وأصحاب النهار، فتحذف المضاف، وتقيم المضاف إليه مقامه.
والآخر: أن تجعل الليل والنهار ممطورين على المجاز، وقد مضى نحو هذا، وقال الشاعر في البدل: وكأنه لهق السّراة كأنه … ما حاجبيه معيّن بسواد 1 والشاهد فيه: بدل (الحاجبين) من الهاء التي في " كأنه " و " ما " زائدة، والبيت الذي يتلوه:

ملك الخورنق والسدير ودانه … ما بين حمير أهلها وأوال 1 فأبدل " أهلها " من " حمير " وجعل " حمير " مكانا، و " حمير " في الأصل للقبيلة، ولكنهم لما سكنوا اليمن جعل " حمير " عبارة عن بلادها، كأنه قال: ما بين أهل اليمن وأوال، و " ودانه " في معنى أطاعه.
قال: (فأما قوله: مشق الهواجر لحمهن مع السّرى … حتى ذهبن كلاكلا وصدورا) 2 نصب " كلاكل " و " صدور " عند سيبويه على الحال، وجعل كلاكلا وصدورا في معنى ناحلات، كما قال ذو الرمة: فلم تبلغ ديار الحي حتى … طرحن سخالهن وإضن آلا 3 فجعل " الآل " بمعنى الناحلات، وكان المبرد يقول: نصبها على التمييز، لأن الكلاكل والصدور أسماء ليس فيها معنى الفعل.
قال: ومثل ذلك " ذهب زيد قدما "، و " ذهب أخرا " فجعل " قدما " في معنى متقدما، و " أخرا " في معنى متأخرا، والقدم والأخر اسمان، ألا ترى قول الشاعر: وعين لها حدرة بدرة … شقّت مآقيهما من أخر 4 وقال الشاعر: طويل متلّ العنق أشرف كاهلا … أشقّ رحيب الجوف معتدل الجرم 5 فجعل كاهلا حالا في معنى عاليا، والكاهل اسم أصل العنق ولكنه من أعاليه، فجعله نائبا عن قولك عاليا وصاعدا قال: وكأنه قال " ذهب صعدا " في معنى صاعدا، ومثله قوله ويقال: إنه للعمانّي الراجز: إذا أكلت سمكا وفرضا … ذهبت طولا وذهبت عرضا

فجعل طولا وعرضا في معنى ذاهبا في الطول وذاهبا في العرض، وأبو العباس يجعل ذلك كلّه على التمييز.
وقوله: " ذهبت طولا وذهبت عرضا " خلاف الأبيات التي تقدمت؛ لأن الطول والعرض مصدران، والمصادر تستعمل أحوالا، والأبيات التي تقدمت فيها أسماء جعلت أحوالا.
قال: " فإنما شبهه بهذا الضرب من المصادر " يعني شبه الاسم الذي جعله حالا بالمصدر.
وليس هو كقول الشاعر، وهو عامر بن الطفيل: فلأبغينكم قنا وعوارضا … ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد لأن " قنا وعوارضا " مكانان، وإنما يريد بقنا وعوارض قال أبو سعيد: حذف حرف الجر، وشبهه بدخلت البيت، والمعنى فلأطلبنكم بهذين المكانين، وإنما ذكر هذه الأبيات التي جعل فيها الأسماء أحوالا، ليريك أنها مخالفة لمطرنا السهل والجبل، وأنها على معنى الحال.

هذا باب من اسم الفاعل

جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى فإذا أردت فيه من المعنى مثلما أردت في " يفعل " كان منونا نكرة، وذلك قولك: هذا ضارب زيدا غدا.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا في باب من الاستفهام تعدي اسم الفاعل إلى المفعول، وجريه على فعله، وأحكمنا ذلك بما أغنى عن إعادته، وذكرنا أيضا جواز حذف التنوين منه، وإضافته تخفيفا، وقد أنشد سيبويه أبياتا في التنوين والإعمال، وفي حذف التنوين والجر، وزعم أن المضاف لا يتعرف في هذا الباب بما يضاف إليه؛ لأن التنوين هو الأصل، وهو مقدر في المضاف.
قال سيبويه: (والأصل التنوين، لأن هذا الموضع لا يقع فيه معرفة).
يعني أن أسماء الفاعلين المضافة إلى المعارف تقع في الموضع الذي لا يقع فيه معرفة نحو قوله:

سلّ الهموم بكلّ معطي رأسه 1 ومررت برجل ضارب زيد، فعلم أن الأصل التنوين.
قال: " ولو كان الأصل هاهنا ترك التنوين لما دخله التنوين ". يعني أن الأصل في اسم الفاعل التنوين، والإضافة دخلت تخفيفا، ولو كان الأصل الإضافة لما نوّنوا؛ لأنهم لا يزيدون على التخفيف فيثقلونه، ويخففون الثقيل، ولو كان الأصل ترك التنوين والإضافة، لما كان أيضا نكرة؛ لأنه مضاف إلى معرفة.
قال: وزعم عيسى أن بعض العرب ينشد: فألفيته غير مستعتب … ولا ذاكر الله إلا قليلا 2 فحذف التنوين لاجتماع الساكنين، ولم يحذفه للإضافة، ولو حذفه للإضافة لقال: " ولا ذاكر الله إلا قليلا " وهو أجود؛ لأن تحريك التنوين لالتقاء الساكنين أجود من حذفه؛ إذ كان حرفا يحتمل التحريك، والذي يحذفه يشبهه بحروف المد واللين.
قال: وتقول في هذا الباب: " هذا ضارب زيد وعمرو " على العطف والإشراك، ويجوز " ضارب زيد وعمرا " على معنى ويضرب عمرا؛ لأن ضاربا قد دل على يضرب، فحمله على المعنى، ثم احتج للحمل على المعنى بقول الشاعر: جئني بمثل بني بدر لقومهم … أو مثل أسرة منظور بن سيّار 3 يريد أو هات مثل أسرة؛ لأن جئني قد دل عليه.
وقال: أعنّي بخوّار العنان تخاله … إذا راح يردي بالمدجّج أحردا وأبيض مصقول السّطام مهنّدا … وذا حبك من نسج داود مسردا فحمل نصب ما في البيت الثاني على المعنى كأنه قال: " أعطني أبيض مصقول السطام ".

وأراد بقوله: " تخاله أحردا " يعني تخال هذا الفرس أحردا من نشاطه ومرحه وخيلائه، والأحرد الذي في يديه استرخاء.
قال: " والنصب في الأول أقوى ". يعني النصب في " هذا ضارب زيد وعمرا " أحسن وأقوى من النصب في قوله: " جئني بمثل بني بدر " أو " مثل أسرة " و " أعنّي بخوار العنان " و " أبيض مصقولا "، وذلك أن " ضارب زيد " أصله " ضارب زيدا "، و " جئني بمثل بني بدر " أصله الجر بسبب الباء، فكان النصب فيما أصله النصب أقوى من النصب فيما أصله الجر، وهو " جئني بمثل بني بدر " وهذا هو معنى قوله: " ولم يدخل الجر على ناصب ولا رافع ". يعني حرف الجر لم يكن ناصبا ولا رافعا كما كان اسم الفاعل قبل أن يضاف قال: " وهو على ذلك عربي جيد ". وأنشد فيه أبياتا ثم بين أن اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي لا ينّون وينصب ما بعده به، وقد بينا ذلك، وأجاز في الفعل الماضي: (هذا ضارب عبد الله وزيدا على معنى وضرب زيدا ثم أنشد بيتا في الحمل على المعنى وهو: يهدي الخميس نجادا في مطالعها … إمّا المصاع وإمّا ضربة رغب 1 فحمل " ضربة رغب " على المعنى، وذلك أن معنى قوله: إما المصاع، أي: إما يماصع مصاعا، أي يضارب ويقاتل.
ولو جعل مكان ذلك إما أمره مصاع لكان مستقيما، نائبا عن ذلك المعنى، فحمل " وإما ضربة رغب " على ذلك المعنى، كأنه قال: وإما أمره ضربة رغب، وهي الواسعة.
وقال: فلم يجدا إلا مناخ مطية … جافى بها زور نبيل وكلكل 2 ومفحصها عنها الحصي بجرانها … ومثنى نواج لم يخنهنّ مفصل وسمر ظماء وا ترتهنّ بعد ما … مضت هجعة من آخر الليل ذبّل الشاهد في الأبيات: رفع " وسمر ظماء "، وما قبلها منصوب بقوله: " فلم يجدا " كأنه

قال: فلم يجدا في هذا المكان إلا مناخ مطية وإلا مفحص هذه المطية الحصي عنها بجرانها، وكان ينبغي أن يقول: وإلا سمرا ظماء ذبلا، وإنما يعني بالسمر الظماء الذبل بعر هذه المطية، كأنه قال: وبها سمر " ظماء ". وقال آخر: بادت وغيّر آيهنّ مع البلى … إلا رواكد جمرهن هباء 1 ومشجّج أمّا سواء قذال … فبدا وغيّر ساره المعزاء والشاهد في رفع " مشجّج " كالبيت الأول، والمشجج الوتد يدقه في الأرض، وقد بدا وسط رأسه وظهر، " وغيّر ساره " يعني باقيه، لمعزاء وهي الأرض ذات الحصى وقيل " سار " في معنى سائر، كما يقال " هار " في معنى هائر: و " رواكد " يريد بها الأثافي، واستثناها من آي الدار، لأنها لم تبل ولم تغيّر فيما قد تغيّر.
قال: (والنصب في الفصل أقوى إذا قلت: " هذا ضارب زيد فيها وعمرا "، وكلما طال الكلام كان أقوى).
يعني أن قولك: " هذا ضارب زيد فيها وعمرا " أجود من قولك: " هذا ضارب زيد وعمرا فيها "، وإن كان الجر فيهما أجود من النصب، وذلك أنك إذا قلت: " هذا ضارب زيد وعمرو " فالعامل في " عمرو " الجر هو العامل في " زيد "، والجار والمجرور كشيء واحد، فحكمه أن يكون إلى جنبه ويتصل به، فلما فصلت بينهما بغيرهما بعد من الجار، فقوي النصب فيه بعض القوة.
وإذا قلت: " هذا ضارب زيد فيها وعمرو "، فهو أحسن وأجود من قولك " هذا ضارب فيها زيد "؛ لأن الأول في المسألة الأولى قد حصل فيه المجرور الذي صار معاقبا للتنوين قبل أن يأتي الفصل بينهما بفيها، ولم يحصل في المسألة الثانية، ولا تجوز المسألة الثانية إلّا في الشعر كقوله: كما خطّ الكتاب بكفّ يوما … يهوديّ يقارب أو يزيل 2

قال: ومن ذلك قوله تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً 1. يعني أنه فصل بين الليل وبين الشمس بسكنا فقوي النصب، وإن كان " جاعل الليل والشمس والقمر " لكان الجر أقوى، ويجوز أن يكون " جاعل " في معنى فعل ماض، ويجوز أن يكون في معنى فعل مستقبل.
فإذا جعلته في معنى الفعل الماضي فتقديره " جعل " الليل، ومعناه قدر الليل لهذا، ونظيره: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ 2 وهو أظهر الوجهين، وتنصب الشمس والقمر بإضمار فعل.
ومن جعله بمنزلة المستقبل فهو على تقدير " يجعل "، وذلك لأنه فعل لم ينقطع؛ لأن الليالي متصلة، منها ما قد كان، ومنها ما يكون، فهو بمنزلة قولك " زيد يأكل " إذا كان في حال أكل قد تقضّى بعضه وبقي بعضه، وكذلك " زيد يصلّي " إذا كان في صلاة تقضّى بعضها وبقي بعضها.
قال: وكذلك إن جئت باسم الفاعل الذي تعداه فعله إلى مفعولين، وذلك قولك: " هذا معطي زيد درهما وعمرو " إذا لم تجره على الدرهم، والنصب على ما نصب عليه ما قبله.
يعني أنك تجر " عمرا " إذا أجريته على زيد، ولم تجره على الدرهم، بأن تنصبه على إضمار فعل، وذلك أن قولنا " هذا معطي زيد درهما " تنصب الدرهم فيه على إضمار فعل؛ لأن " معطي " في معنى الفعل الماضي، فكأنك قلت: أعطاه درهما، فإذا نصبت عمرا فقد أجريته على الدرهم في إضمار فعل ينصب، وقد ذكرنا أنه يجوز أن يكون اسم الفاعل الذي في معنى الفعل الماضي ينصب المفعول الثاني إذا أضيف إلى الاسم الذي يليه؛ بالشبه الذي بين الفعل الماضي وبين الاسم الذي أوجب له البناء على الفتح، وقولك: " هذا معطي زيد درهما وعمرا " أقوى في النصب من قولك: " هذا معطي زيد وعمرا "؛ لفصل الدرهم بينهما.

قال: " فإذا لم ترد بالاسم الذي تعدى فعله إلى مفعولين أن يكون الفعل قد وقع، أجريته مجرى الفاعل الذي تعدى فعله إلى مفعول في التنوين ". يعني أنك إذا قلت: " هذا معطي زيد درهما " وأردت الحال أو الاستقبال، لم تلزم الإضافة، وجاز التنوين والإضافة كما جاز في قولك: " هذا ضارب زيد " و " ضارب زيدا " إذا أردت الاستقبال أو الحال، ولا تبالي أيّهما قدمت كما لم تبال أيهما قدمت في الفعل، فقلت: " هذا معط زيدا درهما " و " معط درهما زيدا، " كما تقول: " يعطي درهما زيدا "، فإن لم تنون وأضفته إلى أحدهما، لم يجز أن تفصل بينه وبين ما أضفته إليه، ولا يجوز " هذا معطي درهما زيد، ولا " هذا معطي زيدا درهم "، لأنك لا تفصل بين الجار والمجرور؛ لأن المجرور داخل في الاسم فإذا نوّنت انفصل كانفصاله في الفعل.
ولا يجوز أيضا هذا في الشعر عند سيبويه إلا في الظروف وإنما خصّ الظروف؛ لأنه قد يفصل بها بين شيئين لا يجوز الفصل بينهما بغيرها، كإنّ واسمها.
وقد أجازه قوم في الشعر، وأنشدوا: وزججتها بمزجّة … زجّ القلوص أبي مزاده (1) أراد زجّ أبي مزادة القلوص، وهذا غير معروف ولا مشهور، وهذا بيت يروى لبعض المدنيين المولدين، ولا يعرف مثله من حيث يصح.

هذا باب ما جرى مجرى الفعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين في اللفظ لا في المعنى

وذلك قولك: يا سارق الليلة أهل الدار.
قال أبو سعيد: أما قوله: هذا باب ما جرى مجرى الفعل الذي يتعدى فعله، وليس للفعل فعل، وإنما أراد مجرى الفعل الذي يتعدى في تصاريفه، يعني في ماضيه واستقباله واسم الفاعل منه.
وقوله: " في اللفظ لا في المعنى " يعني أنك إذا قلت: يا سارق الليلة أهل الدار، فهو بمنزلة قولك: " يا معطي زيد الدرهم " أضفته إلى أحد المفعولين ونصبت الآخر؛ فلذلك1

جارٍ التحميل