شرح كتاب سيبويهصفحات 312-351

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 312-351

وبعض القوم أي شيء منهم، ويكون تماما لهم ومكملا، فأما قوله: (وأما الباء وما أشبهها فليست بظروف).
وذكر الفصل.
فإنه سيبويه بيّن معاني حروف الجر، فقال: (إن الباء ونحوها ليست ظروفا ولا أسماء ولكنها يضاف بها إلى الاسم ما قبله أو بعده، فإذا قلت: يا بكر فإنما أردت أن تجعل ما يعمل في المنادى إلى بكر باللام).
ومعنى هذا: أن حروف الجر تصرف الفعل التي هي صلته إلى الاسم المجرور بها.
ومعنى إضافتها إلى الفعل: ضمها إياه واتصاله إلى الاسم كقولك: رغبت في زيد، وقمت إلى عمرو.
ففي أوصلت إلى زيد الرغبة، وإلى أوصلت القيام إلى عمرو، وما كان بتأويل الفعل فهو بمنزلة قولك: يا لبكر، بمنزلة أدعو أو أريد، ولهذا نصبت المنادى، فاللام أوصلت هذا المعنى إلى بكر وأضافته إليه، وهكذا: مررت بزيد، الباء أوصلت المرور إلى زيد، وكذلك: أنت كعبد الله، أضفت الشبه بالكاف إلى عبد الله، وكذلك: أخذت من عبد الله، أضفت الأخذ بمن إلى عبد الله، وإذا قلت: منذ زمان، أضفت الأمد إلى وقت من الزمان.
وأنت في الدار، أضفت كينونته في الدار إلى الدار ب (في)، وتقديره: الاستقرار الذي يقدر، وما جرى مجراه وبمنزلته وإذا قلت: فيك خصلة جميلة، أضفت إليه الجمال ب (في)، وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، أضفت القول إلى الرجل ب (رب)، وإذا قلت: بالله وتالله وو الله، أضفت الحلف إلى الله تعالى بهذه الحروف، كما أضفت النداء بالله لأن التقدير: أحلف بالله، والواو والتاء بدلان، وهكذا رويته عن فلان، أضفت إليه الرواية بعن.

هذا باب يجري النعت على المنعوت

(والشريك على الشريك والبدل على المبدل منه، وما أشبه ذلك: فأما النعت الذي جرى على المنعوت فقولك: مررت برجل ظريف، فقد صار النعت مجرورا مثل المنعوت).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: معنى النعت: أنه اختصاص نفس المنعوت وإخراج له من إبهام، وعموم إلى ما هو أخص منه، فالنكرات المنعوتة يخرجها النعت من نوع إلى نوع أخص

منه، وأما المعارف فيخرجها النعت من شخص مشترك الاسم عند وقوع اللبس فيه إلى أن يزول اللبس عنه، أما النكرة فقولك: مررت برجل ظريف، لو اقتصرت على رجل وحده لكان الرجل وحده من جملة الرجال كلهم، ونوعه الذي هو منهم الرجال على العموم، فلما نعته بظريف صار من جملة الرجال الظراف، وهو أقل من الرجال بإطلاق، وكلما زدت في النعت كان النوع أخص لو قلت: مررت برجل ظريف صيرفيّ، صار من جملة الرجال الظراف الصيارفة، وهم أقل من الرجال الظراف فقط، ولم يطلب في غير الصيارفة.
وهكذا لو قلت: مررت برجل ظريف صيرفي أعور، كان أخص مما قبله، ولم تطلب في غير العور من الصيارفة، وعلى هذا الوجه يكون خروجه من الأعم إلى الأخص.
فأما المعرفة فقد أفرده سيبويه بباب.
وأنا أذكر هناك وهذا الباب مفرد بنعت النكرات، وإنما صار النعت تابعا للمنعوت في إعرابه لأنهما كشيء واحد، فصار ما يلحق الاسم يلحق بنعته، وإنما صارا كشيء واحد من قبل أنك إذا قلت: مررت برجل ظريف فهو من الرجال الظرفاء الذين كل واحد منهم ظريف، فالرجال الظرفاء جملة لرجل ظريف، كما أن الرجال جملة لرجل وصار رجل ظريف جزءا للرجال الظرفاء، كما أن رجلا جزء للرجال، ولما كان النعت اختصاصا للمنعوت وجب أن يكون ذلك الاختصاص، بأن يجعل له حالا يعري منها بعض ما يشاركه في الاسم ويكون ذلك على وجوه منها: أن ينعت بخلقة لا تكون لبعض من يشاركه، كالطويل والقصير، وحسن وقبيح، وأسود وأبيض.
ومنها أن ينعته بما يشهر به من فعل لازم حسن أو قبيح، كعاقل وظريف، وشريف وعالم وفقيه.
وربما كان حرفة مكسبا كبزّاز، وعطار، وتمّار، وكاتب.
وربما كان نسبا إلى أب أو حي أو بلد، أو غيره نحو: قرشي، وعربي، وعجمي، وكوفي، وبصري.
وما يخصّ به لا يوجد في بعض ما يشاركه.
وقد ينعت الاسم النكرة بمصادر وضعت موضع أسماء الفاعلين، وبأسماء مضافة لا

اشتقاق لها، يراد بها المبالغة.
فأما الاسم المضاف: فقولك: مررت برجل أيّما رجل، وبرجلين أيّما رجلين، وبرجال أيّما رجال، ورأيت رجلا أيّما رجل، وجاءني رجل أيّما رجل.
فأيّ: غير مشتق من معنى، وإنما يضاف إلى الاسم الأول المبالغة في مدحه بما يوجبه ذلك الاسم.
وأما المصادر التي ينعت بها، فقولك: مررت برجل حسبك من رجل، وبرجل هدّك من رجل، وبرجل ما شئت من رجل، وبرجل شرعك من رجل، وبامرأة هدك من امرأة.
وهذا كله بمعنى واحد.
أما حسبك فهو مصدر في موضع يحسب.
تقول: أحسبني الشيء، أي كفاني.
وهمك وشرعك وهدّك، في معنى: هذا، وإن لم يستعمل منه فعل، وهي في معنى أسماء الفاعلين مضافة للحال لا للماضي، فلذلك نعتّ بها النكرة فصار قولك: مررت برجل هدّك وشرعك، بمنزلة: ضاربك.
ومثل ذلك: مررت برجل كفئك من رجل.
فهذا وما ذكرناه قبل مصادر نعت بها، ولذلك لم تثن ولم تجمع، كما تقول: مررت برجل عدل، وبرجلين عدل، وبرجال عدل، وامرأة عدل.
وقد يستعمل بعض هذا على لفظ الفعل، فيقال: مررت برجل هدك، وبرجلين هداك، وبرجال هدوك، وبامرأة هدتك، وبامرأتين هدتاك، وبنسوة هددنك، وكذلك: مررت برجل كفاك من رجل، ورجلين كفياك من رجلين، وبرجال كفوك، وبامرأة كفتك، وبامرأتين كفتاك، وبنسوة كفينك.
فأما قول سيبويه: (وما كان منه يجري فيه الإعراب فصار نعتا لأوله جرى على أوله بأمر).
يعني: أن ما كان مصدرا يلحقه الإعراب إلا الأسماء مع المنعوت في إعرابه، وما

كان فعلا ماضيا، فهو على لفظ الفعل الماضي، وأما قوله: (مررت برجل غيرك) فغيرك نعت يفصل بين من نعتّه بغير، وبين من أضفته إليه حتى لا يكون مثله أو لا يكون مر باثنين)، وذكر الفصل.
فإنه يعني: أن القائل إذا قال: مررت برجل، جاز أن يكون المخاطب ذلك الرجل، فإذا قال غيرك، صار غيره فغيره: نعت لمن مررت، وهو مضاف إلى الكاف، فقد فصلت بين الممرور به وبين المخاطب، ومعنى قوله: (أو يكون مرّ باثنين)، لأنه لو قال: مررت بغيرك، جاز أن يكون مرّ باثنين، فقال: برجل غيرك لئلا يتوهم بإسقاط المنعوت، أنه مرّ باثنين أو جماعة، ثم ذكر سيبويه: (مررت حسن الوجه)، وقد مرّ ذلك في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل.
قال: (ومما يكون نعتا للنكرة وهو مضاف إلى معرفة قول امرئ القيس: بمنجرد قيد الأوابد لاحه … طراد الهوادي كلّ شأو مغرّب) 1 ومنه أيضا: (مررت على ناقة عبر الهواجر) قال أبو سعيد: معنى قيد الأوابد، أي: مقيد الوحش.
والأوابد: الوحش الذي يصاد، وهذا الوحش إذا صادها لم تنج منه، فكأنه قيدها، ومعنى عبر الهواجر، أي: عابرة للهواجر يعبّرها السير إلى حيث يكون قصدها حينا.
والهواجر: جمع الهاجرة، وهي نصف النهار، والسير يصعب فيها، وأراد بذلك قوتها على السير في هذا الوقت، ثم قال سيبويه: (ومما يكون مضافا إلى معرفة، ويكون نعتا للنكرة: الأسماء التي أخذت من الفعل وأريد بها معنى التنوين).
فإنه يريد به: أن الأسماء المأخوذة من الفعل وإن أضيفت بمعنى: سيفعل أو يفعل، فإضافتها تخفيف، وهي بمعناها نكرة غير مضافة، والنكرات ينعت بها نحو: مررت برجل ضاربه رجل.
فهو بمعنى: يضربه في الحال، ويعني: سيضرب، وقوله: (ومثله: هذا عارض

ممطرنا، فالرفع هاهنا كالجر، وكل مضاف إلى نكرة إذا كان واصفا لنكرة، فهو إن كان وصفا أو موصوفا أو خبرا أو مبتدأ، فهو بمنزلة النكرة المفردة، وأما بيت جرير: ... كأنها … لدى فرس مستقبل الريح صائم 1. كأنه قال: لذي فرس مستقبل صائم، فإنه جعل صائما نعتا لمستقبل الريح.
قال أبو سعيد: يجوز أن يكون صائم نعت للفرس، كأنه قال: فرس صائم مستقبل الريح، وأنشد بيت المرّار: (سلّ الهموم لكلّ معطي رأسه … ناج مخالط صهبة متعيّس مغتال أحبله مبين عنقه … في منكب زين المطيّ عرندس 2 فالشاهد: أنه نعت معطي رأسه بما تنعت به النكرة المفردة.
فأما قول ذي الرّمة: (سرت تخبط الظلماء من جانبي قسا … وحب بها من خابط الليل زائر) 3 فالشاهد: أنه نعت خابط الليل بزائر.
وأما قول جرير: (يا ربّ غابطنا) 4 وقول أبي محجن: (يا ربّ مثلك في النساء) 5 والشاهد: أن مثلك في البيتين يكونان نكرتين لدخول رب عليهما، ورب لا تدخل إلا على نكرة.
وقوله: (ومن ذلك قول العرب: لي عشرون مثلك، ومائة مثله، فأجروه مجرى

عشرون درهما، ومائة درهم)، وذكر الفصل.
فإن سيبويه قد أجاز في: عشرون مثله، وهو لا يجيز عشرون أيّما رجل، والفراء لا يجيز عشرون أيّما رجل، ولا عشرون مثله، ولا عشرون غيرك.
والصحيح قول سيبويه.
وفي جواز عشرون مثله وجهان: أحدهما: أن يكون مثل بمعنى: مماثل، ومعناه: معقول، فإذا كان كذلك لم تعرفه الإضافة لما تقدر فيه من معنى التنوين، ولهذا قال سيبويه: (كأنه حذف منه التنوين في قولك: مثل زيد، أو قيد الأوابد)، وجائز أن يكون التنوين في قولك: مثل زيد، وقيد الأوابد، وجائز أن يكون التنكير من أجل أن إضافته لم تحضره لكثرة وجوه المماثلة، كما أن غيرك لم تحضره الإضافة لأن من لم يكن هو إياك، فهو غيرك، فيكون منكورا.
هذا وإن لم تقدر فيه التنوين، فيصير بمنزلة: ضارب رجل، وقد دخل عليه رب، وهي لا تعمل إلا في نكرة، كما لا تعمل عشرون إلا في نكرة، فنصبه على التمييز.
والوجه الثاني: أن سيبويه حكى أن من (قول العرب: لي عشرون مثلك)، فقوله دليل على بطلان قياس ما خالفه.
فأما: أيّما رجل، وأيّ رجل، فليس لفظه بمأخوذ من معنى معقول، وإنما يصح إلى شيء يصح معناه به، كما يضاف ذو إلى شيء يصح معناه به، تقول: مررت برجل أي رجل، وبرجل أيّما رجل.
كما تقول: مررت برجل ذي مال، ويتأوّل ذو بمعنى صاحب، وصاحب: معنى معقول مأخوذ من فعل ثم يتمكن، صاحب مال بإضافته إلى كناية المال، ولا يتمكن ذو.
تقول: المال زيد صاحبه، ولا تقول: المال زيد ذوه.
وكذلك تقول: مررت برجل أي رجل، كما تقول: مررت برجل كامل، ولا تقول: مررت بأي رجل، ولا عندي عشرون أي رجل، وأنت تقول: مررت بكامل من

الرجال، وعندي عشرون كاملا من الرجال.
وقاس (يونس): عشرون غيره على عشرون مثله، والمسموع هو: عشرون مثله، ولم يخالف أحد من البصريين في ذلك يونس، واستدل يونس والخليل على تنكر مائة درهم بقوله: مائة ألف درهم، وفصل بين صفتيها بقوله: نظرت إلى مائة درهم، وإلى مائة الدرهم الرديئة.
وقوله: (وزعم يونس والخليل أن الصفات المضافات إلى المعرفة التي صارت للنكرة يجوز فيهن كلهن أن يكنّ معرفة)، وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن المعرفة تشارك النكرة في موضعين، يصير لفظ المعرفة كلفظ النكرة في موضعين وأصلهما التعريف، وإنما دخلهما التنكير على تأويل أذكره.
وإنما يكون التنكير والتعريف فيهما على قصد المتكلم، وذلك في الأسماء الأعلام التي لا ألف ولا لاما فيها، وفي الأسماء المضافة التي يمكن فيها التنوين أو تقديره، تقول في الأعلام: جاءني زيد، وزيد آخر، ومررت بعثمان وعثمان آخر، وما كل إبراهيم أبا إسحاق.
وإنما صار الاسم العلم أصله التعريف لأنه الاسم الذي يقصد به المسمى شخصا لتبينه بذلك الاسم من سائر الشخوص، كالرجل سمى ابنه: زيدا أو غيره لتعرف باسمه من غيره، وهذا أصله.
ثم سمى غيره بمثل اسمه فترادف ذلك الاسم على شخوص كثيرة، وكل شخص منها سمي به لاختصاصه، ثم صار بالمشاركة عاما، فأشبه أسماء الأنواع: كرجل وفرس ونحوه مما هو لجماعة كل واحد منهم له ذلك الاسم، فإن أورده المتكلم قاصدا إلى واحد بعينه عنده أن المخاطب يعرفه، فهو معرفة.
وإن أفرده على أنه واحد من جماعة لا يعرفه المخاطب، فهو نكرة، ولذلك جاز دخول الألف واللام عليه في الشعر تشبيها بالرجل والفرس.
قال أبو النجم: باعد أم العمر من أسيرها … حرّاس أبواب على قصورها 1

وقال آخر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … سديدا بأحناء الخلافة كاهله 1 كأنه نكّر (يزيد) ثم أدخل عليه الألف واللام كإدخالها على الفرس والرجل.
وزعم الفراء وغيره من الكوفيين: أن دخول الألف واللام على اليزيد ونحوه للمدح والتعظيم، وليس في أصل العربية دخول الألف واللام للمدح والتعظيم، وإن كان يراد بذلك المدح والتعظيم فلا بد من تنكير الاسم في تقدير اللفظ ليكون دخولهما للتعريف.
فأما ما أضيف إلى معرفة، فإنه إن كانت النية فيه التنوين وأضيف طلبا للتخفيف، فهو على تنكيره وإن كانت النية غير التنوين وإضافة تحضره، فهو معرفة والأصل في إضافة الاسم إلى معرفة أن يتعرف لأن اللفظ يوجب له ذلك باختصاصه إلى ما أضيف إليه، فمن ذلك ما ذكره سيبويه من قوله: (مررت برجل حسبك به من رجل) إلى آخر الفصل الذي نحن فيه في تفسيره، وهو صفات من مضافات إلى معارف وهن نكرات قد بيّن أمرها، وقد حكى عن يونس والخليل أن تلك الصفات المضافة يكون فيهن كلهن التعريف، وطريق تعريفهن أن لا تكون النية فيهن التنوين، ومثّل ذلك بقوله: (مررت بعبد الله ضاربك).
يجعل ضاربك بمنزلة: صاحبك، لأن صاحبك كغلامك لا يذهب به مذهب الفعل وإن كان مأخوذا من: صحب يصحب، لأنه قد صير بمنزلة المعروف بصحبتك.
وكذلك القول في: مثلك المعروف يشبهك، ولذا قالوا: مررت بعبد الله شبهك، وكان الفرق بينهما أن القائل إذا قال: مررت برجل مثلك أو شبهك، فمعناه: رجل شابهك وماثلك في ضرب من ضروب المشابهة، وهي كثيرة غير محصورة، ولذا ذهب بها مذهب التنوين كأنه قال: مررت برجل مماثل لك، وإذا قال: شبهك أو قدم في مثلك المعروف بشبهك، فكأنه قال: الغالب عليه شبهك حتى لا يعرف به ولا يذهب به مذهب الفعل، كما لم

يذهب بصاحب مذهب الفعل، واستثني من جملة ذلك باب: حسن الوجه لأنه لا يتعرف كتعريف مثلك أو شبهك وضاربك، وذلك أن الوجه هو ما على الحسن، وقد نقل الفعل عنه إلى الأول، وهذا المعنى لا يزول عنه، فتقدير التنوين فيه قائم حتى حقّق الفعل للوجه تحقيق فعل الوجه لا يزول، والتقدير: مررت برجل حسن وجهه وذكر أبو العباس: أن غير وإن أضيف إلى معرفة لا يتعرف، لأنك إذا قلت: مررت بغيرك وكل ما ليس بالمخاطب فهو غيره، فإضافته إلى المعرفة لم توجب تغيير شيء بعينه.
قال أبو سعيد: وأقول أنا: إن ل " غير " وجها يتعرف فيه، وذلك أنها قد تستعمل في معنى المخالف كقولهم: الطالح غير الصالح، والجواد غير البخيل.
أي: المخالف له، وقد يحصر أشياء متشابهة، وأشياء أخر مخالفة لها، فيقال للمشابهة: إنها واحدة، ويقال للمخالفة لها: إنها غيرها.
وقد يتكلم المتكلم بشيء ثم يعيد مثله، فيقال: هذا هو الأول، وإن أعاد ما يخالفه.
قال: هذا غير الأول، وقد يجوز عندي غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ 1 معرفة، يذهب مذهب المخالف الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ 2 لأنهم المؤمنون، والمغضوب عليهم: الكافرون.
والفريقان مختلفان في الدين والصفة ومنه قول أبي طالب: يا رب إمّا تخرجن طالبي … في مقنب من تلكم المقانب فليكن المغلوب غير الغالب … فليكن المسلوب غير السالب 3 ثم قال سيبويه: (ومن النعت: مررت برجل إمّا قائم، وإمّا قاعد).
قال أبو سعيد: إمّا معناها: معنى الشك وتخالف أو لأن أو حرف عطف، وإمّا ليست بحرف عطف، وإنما تقدم لتؤذن بالشك والتخيير، وما جرى مجراهما، ثم يعطف عليها بالواو وبمثلها، فيقال: إمّا زيد وإمّا عمرو.

قال سيبويه: (ومن النعت: مررت برجل لا قائم ولا قاعد).
قال أبو سعيد: أصل هذا: مررت برجل قائم أو قاعد، فإذا أردت نفي الصفة، قلت: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، فلم تخل بين الصفة والموصوف، ووقع الجحة بها، وعطفت الثانية على الأول بالواو، وكان الأصل: مررت برجل غير قائم، وغير قاعد.
وأعربت غير إعراب رجل لأنها نعت، وغير اسم معرب، وجعل مكانها لا، وهي حرف لا يعرب، فجعل إعراب غير فيما بعد لا.
قال سيبويه: (ومنه مررت برجل راكع لا ساجد، لإخراج الشك، أو أراد أن يؤكد العلم فيهما).
قال أبو سعيد: لا ها هنا للعطف، كقولك: قام زيد لا عمرو، وهو لإخراج الثاني مما دخل الأول فيه، ومعنى قوله: (لإخراج الشك)، يعني: الشك في أنه ساجد أو تأكيد العلم بركوعه وعدم سجوده، ثم قال سيبويه: (ومنه: مررت برجل رجل صدق).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: أمّا قوله: (وكذلك السوء ليس بمعنى سؤته).
فأراد أن يعلمك أنه ليس بفعل فعله الرجل، فيكون نعتا له، والسوء هاهنا بمعنى الفساد والرداءة، وليس من ساءني يسؤني، والصدق بمعنى الجودة والصلاح، فإذا قال: مررت بحمار سوء، فقد قال: بحمار ذي رداءة، وإذا قال: بحمار صدق، فقد قال: بحمار ذي جودة، ثم قال سيبويه: (ومنه مررت برجلين مسلم وكافر).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أنك إذا ذكرت اسمين مثنيين، أو أسماء مجموعة منصوبة أو مخفوضة، ثم جئت بعدها بنعتها معرفا، فإنه على وجهين، أحدهما: أن يكون عدة النعت المفرق، كعدة المنعوت.
والضرب الآخر: أن تكون عدة النعت المفرق أقل من عدة المنعوت، فإذا كانت العدة في المنعوت والنعت المفرق واحدة، وهو ما ذكره سيبويه في هذا الموضع فإن لك أن تجري النعت على لفظ المنعوت من وجهين، ولك أن ترفع النعت، وذكر في رفعه وجها، وذلك قولهم: مررت برجلين مسلم وكافر، بخفض مسلم وكافر من وجهين، أحدهما:

أن يجعل النعت وتعريفه كجمعه، فيصير مسلم وكافر كقولك: مسلمين أو كافرين، ومن حيث جاز أن يفرق الاسم.
ويجمع النعت في قولك: مررت برجل وامرأة وحمار قيام، جاز أن تجمع الاسم، ويفرق نعته، فتقول: مررت برجل قائم وقاعد ونائم.
والوجه الثاني: أن يجريه على الأول مبدلا منه، كأنه قال: مررت بمسلم وكافر ولم تذكر رجلين.
وفسّر سيبويه خفضه على البدل بقوله: (كأنه أجاب من قال: بأي ضرب مررت)، وإنما قدّر هذا، لأن البدل في التقدير كأنه هو الملفوظ المتصل بالفعل، وقد رفع مسلم وكافر على جواب من قال: ما هما؟ فكان التقدير: هما مسلم وكافر، فيكون مسلم وكافر خبرهما، وقد قدّر سيبويه في غير هذا الموضع الرفع على التبعيض، ومعناه: أحدهما مسلم والآخر كافر، وهذا الوجه من الرفع هو الذي يستعمله النحويون في ألفاظهم كثيرا.
وأمّا إذا كان النعت المفرق أقل في اللفظ من المنعوت، فالرفع لا غير، وذلك قولك: بثلاثة نفر مسلم وكافر.
وإنما وجب الرفع في هذا لأنه لما نقص وجب تقدير التبعيض ضرورة، كأنه قال: مررت بثلاثة نفر بعضهم مسلم، وبعضهم كافر، لأن بعض الثلاثة جائز أن يكون اثنين، ولا يجوز في هذا الوجه الذي قدره سيبويه غير الرفع، لأن ذاك مبتدأ وخبر يؤتى به على تمام العدة، وقد يعيدون الاسم توكيدا، ويقولون: مررت برجلين رجل مسلم ورجل كافر.
وتقدير الإعراب فيه واحد، وإعادة الاسم فيه توكيد.
قال سيبويه: (ومما جاء في الشعر قد جمع فيه الاسم وفرق النعت، وصار مجرورا.
قول الباهلي: بكيت وما بكا رجل كبير … على ربعين مسلوب وبال 1 كذا سمعنا العرب تنشده، والقوافي مجرورة).
قال أبو سعيد: قد اعترض في قوله: والقوافي مجرورة فقيل: بال مرفوع مجرور بلفظ

واحد لأنه كقاض ورام في بنات الياء، فكيف احتج بخفض القوافي؟ وهذا لا يلزمه، وإنما اعتمد على ما سمعه من العرب في خفض مسلوب.
وقوى ذلك أن مبنى القافية على الجر، والشاعر المقتدر يبني القافية على موجب الإعراب رفعا أو نصبا أو جرا، ثم يجري باقي القصيدة على تقدير ذلك الإعراب، وإن لم يظهر ذلك الإعراب ولم يلفظ به حتى لو أطلقت كانت بحسب موجب الإعراب كما قال الحطيئة: شاقتك أظعان للبلى يوم ناظرة بواكر … في الآل ترفعها الحدأة فكأنها سحق مواقر 1 جمع موقرة وهي الحاملة.
وهذه القصيدة موقوفة، ولو أطلقت أبياتها لكانت مرفوعة كلها.
وقال الكميت: قف بالديار وقوف زائر … تأنىّ إنك غير صاغر ماذا عليك من الوقوف … بهامد الطللين داثر 2 وهذه القصيدة موقوفة، ولو أطلقت أبياتها كلها كانت مخفوضة.
وللكميت قصيدة أخرى أولها: يا دار هل بحولك أهل ممن يرج إليه سائل … يا دار كنت محلة فيك التآلف والتواصل 3 وهذه القصيدة موقوفة، ولو أطلقت كانت الأبيات كلها مرفوعة.
قال: (ومنه أيضا: مررت بثلاثة نفر: رجلين مسلمين، ورجل كافر، جمعت الاسم وفصلت العدة، ثم نعتّه وفسّرته، وإن شئت أجريته مجرى الأول في البدل والابتداء، قال العجاج: خوّى على مستويات خمس … كركرة وثفنات ملس 4

فهذا يكون على وجهين: على البدل وعلى الصفة).
ومثل ما يجيء في هذا الباب على الابتداء وعلى الصفة، قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ 1. ومن الناس من يجر، والجر على وجهين: الصفة والبدل، ومثله قول كثير عزة: وكنت كذي رجلين رجل صحيحة … ورجل رمى فيها الزمان فشلّت 2 قال سيبويه: (فأما مررت برجل صالح فليس فيه إلا الصفة).
قال أبو سعيد: إنما قال: (ليس فيه إلا الصفة) لأن الرفع والصفة الجائزان في قولك: مررت برجل راكع وساجد على الصفة، ومسلم وكافر على خبر مبتدإ، لا يكون مثله في قولك: مررت برجل راكع وساجد، كأنه أجاب من قال: ما هو؟ وقد ذكر سيبويه قبل هذا.
قال سيبويه: (وإذا جئت بالنعت بلفظ واحد فإن الرفع الذي يوجبه النعت يبطل، ويجري النعت على الاسم، تقول: مررت بثلاثة رجال مسلمين، لا يحسن فيه إلا الجر، لأنك جعلت الكلام اسما واحدا حتى صار كأنك قلت: مررت بقائم، ومررت برجال مسلمين، وهذا قول يونس).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: فإنه يريد أن الاسم الواحد وإن كان له خبر معطوف عليه خبره، فإنه لا يجوز فيه التبعيض، كما أن صفات الواحد لا يجوز فيها التبعيض، وإنما يجوز التبعيض في الخبر إذا كان الاسم مثنى أو مجموعا كقولك: كان أخواك راكع وساجد، على معنى أحدهما راكع، والآخر ساجد، وكان أخوتك راكع وساجد على معنى بعضهم راكع، وبعضهم ساجد، وكذلك إن فرقت الأسماء وجمعت النعت لم يكن فيه تبعيض، تقول:

مررت برجل وامرأة وحمار قيام، وكذلك لو كانت الأسماء معرفة، وجاء حال منهم مجموع بلفظ واحد، لم يكن فيه تبعيض وكان نصبا كقولك: مررت بأخيك، وعبد الله، وزيد قياما، ولا تقل: قيام، ولو قلت: مررت بأخويك قائما وقاعدا، جاز فيه النصب والرفع على التبعيض.
قال سيبويه: (وتقول: مررت برجل أسد شدة وجرأة).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: قولهم: مررت برجل أسد ضعيف لأن أسد اسم نوع، ولا يوصف بالأنواع ولا بالجواهر، وإنما الوصف بالتحلية فاحتجن لذلك إلى تقدير مثل في الوصف، فقدرت مثل الأسد، لأن مثل بمعنى مماثل وهو مأخوذ من فعل.
والأسماء الجارية على الفعل هي للصفات في الأصل، فإذا قلت: مررت بزيد أسد شدة لم يقبح.
قال سيبويه محتجا لهذا: (وقد يكون خبرا ما لا يكون صفة)، وقد ذكرنا من قول سيبويه: (هذا مالك درهما، وهذا خاتمك حديدا) على الحال، ولا يحسن: مررت بحديد خاتم وفضة درهم على الصفة.
قال أبو سعيد: والذي عندي: أن جواز أسد في الصفة والحال واحد، وذلك أنك لست تريد في الحال إذا قلت: مررت بزيد أسدا شخص الأسد الذي هو السبع، وإنما تريد شديدا.
وإذا كان أسد في الحال بمعنى شديد، كان في الصفة مثله لأن مرجعه إلى معنى شديد، وشديد صفة، فإذا قلت: هذا خاتمك حديدا وهذا مالك درهما، فإنما تريد نفس الحديد والدرهم.
قال سيبويه: (ومنه أيضا: ما مررت برجل صالح بل طالح، أبدلت الصفة الأخيرة من الصفة الأولى).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: قد استعمله سيبويه في هذا الموضع وقبله بأسطر، لفظ البدل على غير ما اعتاده النحويون، لأن البدل في كلامهم هو: أن يقدر سقوط ما قبله، ويقام الثاني مقامه، ولو قدرنا هذا في هذا الموضع لما صح الكلام، لأنه قال في الأول: ما مررت برجل كريم بل لئيم، ولو أطرحنا كريما، وجعلنا مكانه لئيم، صار تقديره: ما مررت برجل لئيم، وليس هذا بمراد، فيكون معنى الكلام أنك أبدلت الإيجاب من النفي على ما

يصح من اللفظ والمعنى، فيصير التقدير: ما مررت برجل كريم بل مررت برجل لئيم، وكذلك: ما مررت برجل صالح ولكن مررت برجل صالح، فالأول من الكلامين غير معمول به، والثاني هو المعتمد عليه.
فأبدل كلاما معتمدا عليه من كلام مطرح، وهو معنى البدل.
وقال سيبويه: (إن بل، ولا، ولكن تشرك بين النعتين فيجريان على المنعوت كما أشركت بينهما الواو والفاء وثم وأو، وما أشبه ذلك).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن بل، ولا، ولكن حروف العطف تشرك بين الأول والثاني في الإعراب على اختلاف معانيهما، وأما (بل) فإنها إذا أتت بعد كلام موجب فالأغلب عليها تحقيق الثاني، والإضراب عن الأول، ويكون الكلام غلطا من المتكلم به سبق إليه لسانه، أو رأى ذكره، ثم رأى ذكر غيره كما يذكر الذاكر الشيء على غير وجه الإبطال له، ولكن يرى أنه مضى وتقضّى وقته والحاجة إلى ذكره، وأن ما بعده أولى بالتذكر فيقول: كان كذا وكذا بل كذا، تقول: كان كذا ثم تقول: دع ذا أو خذ ذا الشيء الآخر.
قال زهير: دع وعد القول في هرم … خير الكهول وسيد الحضر 1 ولم يرد زهير إبطال ما قبله من الكلام، وقال العجاج بعد أشياء ذكرها لم يرد إبطالها: دع ذا وبهج حسبا مبهجا … فخما وسير مطلقا مروجا 2 فأما (لا بل) فإن (لا) تأتي لتوكيد إبطال ما قبلها، وفصل سيبويه بين (بل) و (لكن) فقال في (بل): (مررت برجل صالح بل طالح)، على أنه نسى أو غلط فتدارك كلامه، ولم يجز: مررت برجل صالح ولكن طالح، على تدارك النسيان، إنما جئت بها بعد النفي، كقولك: ما مررت برجل صالح لكن طالح، وأمّا لكن فإنها إذا أتت بعد منفى جاز أن يكون ما بعدها عطفا كقولك: ما زرت زيدا ولكن عمرا، وما مررت بزيد لكن

عمرو، وما خرج زيد لكن عمرو.
وليس يكون بها عطف إلا على هذا فوجب لما بعدها ما نفي عما قبلها، كما أن لا تنفى عما بعدها ما وجب لما قبلها، فهي نقيضها.
قال أبو العباس: الفرق بين (لكن) و (بل) أن (بل) لا يتكلم بها إلا غالط إذا قلت: رأيت زيدا بل عمرا، كأنك قلت: ما رأيت زيدا بل ما رأيت عمرا، أضربت عن الأول واعتمدت في الجحد على الثاني.
قال أبو العباس: وقد تكون بمعنى لكن في قولك: ما رأيت زيدا بل عمرا، أي: بل رأيت عمرا، فمعناه: لكن عمرا.
ويجوز أن تعني: بل ما رأيت عمرا إذا أردت إبطال الأول.
والجيد أن تحمله على: رأيت، لأنها أقرب إليه فيكون المعنى: بل رأيت عمرا.
ويجوز الرفع بعد هذه الحروف.
وتكون عاطفة جملة على جملة، ويكون الرفع على إضمار (مبتدأ) يكون الذي ظهر خبره.
ثم قال سيبويه: (تقول: ما مررت برجل مسلم، فكيف رجل راغب في الصدق بمنزلة: فأين راغب؟ وزعم يونس أن الجر خطأ، لأن (أين) ونحوها يبتدأ بهن، ولا يضمر بعدهن شيء).
قال أبو سعيد: يريد: أنهن لا يجرين مجرى حروف العطف التي يعمل فيما بعدهن عامل الاسم الذي قبلهن، وهذا لا يجوز في حروف الاستفهام لأنهن لا يعمل ما قبلهن فيما بعدهن.
لا تقول: رأيت زيدا فأين عمر أو فهل بشرا.
فإذا قلت: كيف رجل راغب في الصدقة؟ فرجل: مبتدأ، وراغب: نعته، وكيف: خبره.
وأين راغب في الصدقة؟ فراغب: مبتدأ، وأين: خبره.
و (لكن) و (بل) لا يكونان مبتدأين فيشبّهن بحروف العطف إذ كنّ لا يبتدأ بهن.

وذكر أبو بكر مبرمان غير ذكر قوله: ولا يضمر بعدهن شيء، أن التي يضمر بعدهما ما كان فيه معنى التخصيص، كقولك: جئتك بدرهم، فتقول: هلّا دينارا.
قال سيبويه: (ومما جرى نعتا على غير وجه الكلام: هذا جحر ضبّ خرب).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: كلام سيبويه في هذا الفصل بيّن، واحتجاجه فيه قوي، وخلافه للخليل فيه مفهوم أيضا وأصل (لكن) العطف لأنها تدخل لإيجاب نفي عما قبلها لما بعدها لتصير حال ما بعدها مخالفة لما قبلها.
وقد استعملت للعطف في الحال التي ذكرنا.
وتدخل الواو عليها في تلك الحال، فيصير العطف للواو، ويكون دخول (لكن) بمعنى: التدارك للمعنى، كقولهم: ما رأيت زيدا ولكن عمرا، وما مررت بزيد ولكن عمرو.
ورأيت بعض النحويين من البصريين قال في: هذا جحر ضب خرب، قولا شرحته وقويته بما يحتمله.
زعم هذا النحوي: أن المعنى هذا جحر ضب خرب: الجحر، والذي يقوي هذا أنّا إذا قلنا: خرب الجحر، صار من باب: حسن الوجه.
وفي خرب ضمير الجحر مرفوع لأن التقدير: كان خرب جحره، ومثله ما قاله النحويون: مررت برجل حسن الأبوين لا قبيحين، والتقدير: لا قبيح الأبوين، وأصله: لا قبيح أبواه، ثم جعل في: قبيح ضميرا لأبوين، فثني لذلك وأجري على الأول فخفض واكتفي بضمير الأبوين، ولم يعد ظاهرهما لما تقدم لهما من الذكر ولا يشبهه عندي قوله: ... وجيد بطن واد … هموز الناب... 1 على هذه العلة لأنّا إذا خفضنا (هموز) فهو محمول على (بطن واد)، وليس هموز

بمضاف إلى شيء يصححه إضافته في التقدير، فما كان تقديره إضافة (خرب الجحر) يوجب تصحيح الخفض.
ومثله: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، فعطف قاعدين على قائم، لأن معناه: قائم أبواه لا قاعدا أبواه، ثم أضمر الأبوين فثنّي الضمير.

هذا باب ما أشرك بين الاسمين فجريا عليه كما أشرك بينهما في النعت فجريا على المنعوت

(وذلك قولك: مررت برجل وحمار قبل.
قالوا وأشركت بينهما في الباء، فجريا عليهما، ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه يكون أولى بها من الحمار.
كأنك قلت: مررت بهما).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: هذا باب ساق سيبويه فيه حروف العطف، فبدأ بالواو لأنها أقوى حروف العطف، لأنها تعطف بها في الإيجاب والجحد، وفي كل ضرب من الفعل، تقول في الجحد: ما قام زيد وعمرو.
وفي الإيجاب: قام زيد وعمرو.
وتقول فيما تنفرد به الواو من ضروب الفعل، وهو ما كان يقتضي من الفعل اثنين فصاعدا، تقول: اختصم زيد وعمرو، تشاتم بكر وخالد.
ولو قلت: اختصم زيد وعمرو، أو ثم عمرو.
واختصم زيد أو عمرو، أو اختصم زيد لا عمرو، ولم يجز هذا كله، لأن هذه الحروف إنما تعطف بها على فاعل واحد في الفعل الذي يكتفي بفاعل واحد، كقولك: قام زيد، فإذا كان الفعل لا يكتفي، لم يكن بد من واو وذلك في: اختصم وبابه لأنك لا تقول: اختصم زيد، إذا كان الاختصام لا يكون من واحد.
ولو قلت: اختصم الزيدان أو العمران، جاز لأنك قد جئت للفعل بما اكتفى به، ثم عطفت بالفاء وغيرها على ما هو مكتف، ولو قلت: اختصم الزيدان فعمرو، لم يجز حتى تضم إلى عمرو اسما آخر بالواو، فتقول: اختصم الزيدان فعمرو وخالد، لأن الفاء ليس لها الجمع، إنما لها التوالي، وهي

بمنزلة عامل آخر.
فإذا كان الفعل المعطوف عليه يقتضي فاعلين مثل: اختصم ونحوه، لم يجز أن يعطف عليه بالفاء اسما مفردا، لأنه لا يكون من واحد، ويجوز بالواو لأنها تشرك الواحد مع من تقدمه.
واعلم أن حروف العطف عملها الاشتراك بين الثاني والأول في الإعراب.
وتختلف معانيها، فأمّا الواو: فإنها مع إشراكها بينهما في الإعراب تشرك بينهما في المعنى حتى يكون الثاني داخلا فيما دخل الأول فيه من المعنى المذكور للأول في الجمع والتفريق.
فالجمع: مررت بزيد وعمرو، وقد مررت بأحدهما في وقت، وانقطع مرورك ثم مررت بالآخر بعد حين.
وهذا الذي يسميه سيبويه: (مرورين).
وأجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين أن الواو لا توجب تقدم، وما تقدم لفظه.
قال الله تعالى في قصة واحدة في البقرة: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ 1. وقال في الأعراف: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً 2 فأما الفاء فإنها وضعت للاتصال، ودخول الثاني فيما دخل فيه الأول متصلة به، كقولك: ضربت زيدا فبكى، وأعطيته فاستغنى وضربت زيدا فعمرا، ودخلت الكوفة فالبصرة.
فالثاني بعد الأول وهو متصل به، وداخل في معناه، فزيد داخل في الضرب، والبصرة داخلة في الدخول مثل الكوفة، ومعنى ذلك: أنه لم يقطع سيره الذي دخل به الكوفة حتى وصله بالسير الذي دخل به البصرة، لم تحدث بينهما مهلة ولا فتور.
وأمّا (ثم) فسبيلها سبيل الفاء في أن الثاني داخل في معنى الأول، وأنه بعده إلا أن

بين الثاني والأول مهلة.
ولذلك قال سيبويه: (مررت برجل أو امرأة أشركت بينهما أو في الإعراب، وأثبت المرور لأحدهما دون الآخر).
وأما (لا) فهي تنفي عن الثاني ما وجب للأول، كقولك: مررت برجل لا امرأة أوجبت المرور للأول، ونفيته عن الثاني، وفصلت بينهما عند من التبسا عليه، فلم يدر بأيهما مررت.
وهذه الحروف لازمة للعطف، وقد استعمل غيرها في العطف مما ليس بلازم كلزومها، وقد ذكر في موضعه.
وقد جاء بعض هذه الحروف على غير الوضع الذي ذكرناه في الظاهر وفيه تأويل يرده إلى أصله، وخلاف بين الناس.
قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا 1، فقال قائل: كيف يحيى الناس بعد الهلاك على موضع الفاء من اتصال الثاني بالأول ومجيئه بعده؟ فالجواب: أن دخول الفاء في هذا الموضع ونحوه، يجري مجرى الفاء في جواب الشرط، وجواب الشرط قد يكون متأخرا في الكلام ومتقدما في العامل، كقول القائل: من يظهر منه الفعل المحكم فهو عالم به، ومن يقتصد في نفقته فهو عاقل.
ومعلوم أن العلم بالفعل المحكم قبل ظهوره، وعقل المقتصد قبل الاقتصاد، وإنما تقدير ذلك من يظهر منه الفعل المحكم فيحكم له أنه عالم به.
وكذلك لو جعلناه خبرا فقلنا: زيد فقد ظهر منه الفعل المحكم، فهو عالم به أو فهو محكوم له بالعلم بعد ظهور ذلك، فكذلك قوله تعالى: فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً 2، أي لما أهلكها الله تعالى، حكم بأن البأس جاءها بياتا أو بالنهار ونحو هذا في القرآن والكلام.
قال الله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ 3 والخطاب لليهود بعد قتل أسلافهم

للأنبياء على معنى: لم ترضون بذلك وقد قال تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها 1 إلى قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ 2 الآية؟ ومعلوم أنه لا يشترط في الآخرة شروط الثواب والعقاب.
وعن هذا جوابان: أحدهما: أن معنى: فمن يعمل، أي: من يظهر ذلك اليوم في صحيفته خير أو شر ير مكافأته.
والآخر: أن معنى فمن يعمل في الدنيا ويكون كون الفاء بعد ذكر ما ذكره في الآخرة على معنى أن ما يكونه الله تعالى في الآخرة من الشدائد التي ذكرها توجب أنه من عمل في الدنيا خيرا أو شرا يراه كما يقول القائل: الآخرة دار المجازاة، فمن يعمل خيرا يره، ولم يرد خيرا مستأنفا دون ما عمله العاملون، قال الشاعر في نحو ما ذكرنا: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن … عارا عليك وبعض قتل عار 3 وقال آخر: إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم … بعتيبة بن الحارث بن شهاب 4 والخطاب لمقتولين بعد قتلهما على معنى: أن يفجروا بقتلك، وقد يكون ذلك- أيضا- على مذهب الإرادة، فيكون التقدير: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كما قال تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ 5 والقيام بعد غسل الوجه، والمعنى: إذا أردتم القيام للصلاة.
وقال الفراء: وربما أتى في الكلام سابقا إذا كان في الكلام دليل السبق، فإذا عدم الدليل لم يجز، وذكر قول الله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا 6، فذكر

عن قرية جاءها البأس قبل الهلاك، كما قالوا في قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها 1، ثم خلقكم منها.
وقد قيل: خلقكم من نفس وحدها، ثم جعل الزوج منها بعد التوحيد، فأفادت (واحدة) هذا المعنى.
قال: والأجود في قوله: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ 2 أن يريد أصلكم الذي هو آدم.
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا 3 معناه: خلق أصلكم الذي هو آدم من طين.
وقال الفراء في قوله تعالى: فَجاءَها بَأْسُنا 4: إذا كان الشيئان يقعان في حال واحدة، نسقت بأيهما شئت على الآخر بالفاء، كقولك: أعطيتني فأحسنت، وأحسنت فأعطيتني لا فرق بين الكلامين، لأن الإحسان والإعطاء فيهما واحد.
قال أبو سعيد: وهذا شبه الذي بدأت به في تفسير الآية، لأنا متى جعلنا أحدهما شرطا، جاز أن يجعل الآخر جوابا، فدخل الفاء من حيث جاز أن يكون جوابا، كقولك: إن أعطيت أحسنت، وإن أحسنت أعطيت، وإن تعط فأنت محسن، وإن تحسن فأنت معط.
وقال غير الفراء في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ 5: معناه: ثم كان قد استوى على العرش قبل أن يخلق السموات والأرض، وهذا يشبه الجواب الذي حكاه الفراء في قوله تعالى: فَجاءَها بَأْسُنا 6 وقالوا فيها جواب آخر على جعل (ثم) للتقديم، تقديره: هو الذي استوى على العرش ثم خلق السموات والأرض، كما قال تعالى: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ 7 ومن هذا- أيضا- ما ادعاه

ناس يزعمون أن الله تعالى خلق السموات قبل الأرض، وأن قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ 1 لم يجب ب (ثم) تأخير خلق السماء منه ومنهم مقاتل بن سليمان، ومنه دعوى من يدعي أن (ثم) لا توجب تأخير ما بعدها من قوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى 2 وقد علم أن الاهتداء يتأخر عن التوبة والإيمان والعمل الصالح، وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ 3 وليست التوبة متأخرة عن الاستغفار.
قال أبو سعيد: هذا كله يخرج على الموضع الصحيح في (ثم) من تأخيرها ما بعدها عما قبلها بتأويل يشهد به كلام العرب، أما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ 4، فإن الاستواء بمعنى الاستيلاء كان، أو بمعنى غيره لا يصح إلا على الموجودات بعد خلقه إياها، والعرش داخل في خلق السموات والأرض، ثم صرفها ودبرها كيف شاء قاهرا لها.
وقال الفراء: (ثم) تدل على تأخير الخبر في كلام المخبر على أنه متأخر في أصل البنية فتقديره في التلخيص: هو الذي خلق السموات والأرض، ثم اسمعوا إذا الخبر الأخير الذي ذكر لكم بعد الخبر الأول، وهو أنه استوى على العرش، ف (ثم) أوجبت تأخير كلام بعد كلام، وإفادة بعد إفادة.
ومثله من كلام العرب أن الإنسان يعدّد إحسانه فيقول: فعلت بك اليوم وأعطيتك، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر، وأما قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ 5 فليس التولي: الانصراف عنهم، وإنما معناه: تنحّ عنهم بعد إلقاء الكتاب إليه، بحيث يكون عنك بمرأى ومسمع، فانظر ماذا يرجعون من جواب الكتاب.
وأما خلق الله الأرض قبل السماء على ظاهر قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ 6، فهو الصحيح الذي أقول به، وهو المأثور عن ابن عباس، ومجاهد،

وغيرهما من أئمة التفسير.
فأما قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها 1 ففيه قولان: أحدهما، أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوّة، ثم دحيت بعد ما ذكره الله تعالى من أمر السماء.
والقول الآخر، أن تكون (بعد) بمعنى (مع)، ومع تكون بمعنى بعد، فأما (بعد) بمعنى (مع) فقوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ 2 أي: مع ذلك.
وقال الشاعر: فقلت لها فيئي إليك فإنني … حرام وإني بعد ذاك لبيب 3 فمعنى بعد ذاك، أي: مع ذاك، واللبيب هاهنا: الملبي، والتلبية مع الإحرام فأما (مع) بمعنى (بعد) فقوله تعالى: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً 4، معناه: أن بعد العسر يسرا، وقوله تعالى: وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى 5 فمعنى ذلك: ثم داموا على التوبة، ومعنى ثم اهتدى: ثم دام وثبت على ذلك.
وقد ظهر من كلام سيبويه العامل في الاسم الأول والثاني واحد، وهو الجار الذي جر الأول بقوله: (في كل واحد من الواو، والفاء، وثم، وأو، فلا أشركت بين الاسم الأول والثاني في الباء، والباء عاملة في الاسمين)، والدليل على ذلك أن الاسمين إذا أمكن تثنيتهما، والأسماء إذا أمكن جمعها لم يحتج إلى الواو، وفي قولك: مررت برجلين، ومررت برجال، وقام الزيدان والزيدون، وإنما يحتاج إلى حرف العطف لمعارض يحوج إلى تفريق الاسمين أو الأسماء لاختلافهما أو لاختلاف أحوالهما، وذكر سيبويه في هذا الباب كيف نفي الموجب، ومما ذكر أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو وجاز أن يكون مرور واحد وقع عليهما في حال واحدة، ويجوز أن يكون مرّ بهما مرورين في حالين.
وإذا كان المرور بهما واحدا، فنفيه أن يقول: ما مررت بهما، وإذا كان في مرورين قلت: ما مررت بزيد، وما مررت بعمرو.

قال المازني ردا على سيبويه: (نفي هذا وإن أراد مرورين ما مررت بزيد وعمرو).
قال: والذي قال سيبويه خطأ، قال: ولو قال مررت بزيد ومررت بعمرو كان نفيه: ما مررت بزيد، وما مررت بعمرو.
قال أبو سعيد: وما قال سيبويه أصح وأجود، وذلك أن الثاني مكذّب للمثبت فيما ثبّته وخبّر به.
فإذا كان الذي خبّر به مرورين كل واحد منهما وقع بأحد الرجلين، وقال: ما مررت بهما.
احتمل أن تريد: وما مررت بهما بمرور واحد، فلا يكون مكذّبا، وإذا قال: ما مررت بزيد، وما مررت بعمرو، فقد كشف التكذيب له وأبطل التأويل.
قال سيبويه: (وجواب " أو " أن نفيت الاسمين).
يعني: إذا قلت: مررت بزيد أو عمرو، وما مررت بواحد منهما.
(وإن أثبت أحدهما، فقلت: ما مررت بفلان).
وقال المازني: إذا قلت: ما مررت بواحد منهما، فهو جواب " أو " في المعنى، وجوابها في اللفظ: ما مررت بزيد أو عمرو والحدّ ما قاله سيبويه لأن النافي إذا قال: ما مررت بزيد أو عمرو، فالظاهر أنه نفى مروره بأحدهما، والمثبت إنما أثبت مروره بأحدهما فلم يثبت مروره بالآخر.
فيجوز أن يكون الذي نفاه النافي هو الذي لم يثبته المثبت فلا يكون تكذيبا.

هذا باب البدل والمبدل منه

(والبدل يشرك المبدل منه في الجر وذلك قولك: مررت برجل حمار، فهو على وجه محال، وعلى وجه حسن).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: قد مضى هذا الضرب من البدل مشروحا في باب البدل، وقد ذكر أشياء فيها حروف العطف فسماها بدلا، وتلك الحروف: بل، ولا بل، ولكن، وأو.
ولو قال عقيب الأول، ومثل ذلك قولك: لا بل حمار، تريد: مررت برجل لا بل حمار.
قال: (ومن ذلك: مررت برجل بل حمار وهو على تفسير: مررت برجل حمار.

ومن ذلك: ما مررت برجل، ولكن حمار، وأبدلت الآخر من الأول وجعلته مكانه).
وقال في الباب: (ومن المبدل- أيضا- قولك: قد مررت برجل أو امرأة، إنما ابتدأ بيقين، ثم جعل مكانه شكا أبدله منه، فصار الادعاء فيهما سواء)، واعتمد على أن ابتداء الكلام إذا كان يوجب أمرا ثم جاء بما يبطله، ويوجب الثاني نحو: بل، ولا بل، فهو بدل شبيه بدل الغلط الذي بدأ به، وهو في معناه، وجعل لكن كذلك لأنه أوجب وحقق إبطال الأول.
و (بل) و (لكن) إذا كان قبلهما جحد فهما في المعنى سواء كقولك: ما مررت برجل بل عمرو، وما مررت بزيد لكن عمرو، وجعل أو من الباب، لأنك بدأت بالأول على لفظ اليقين ثم شككت فيه، والتشكيك فيه كالإبطال له، ولهذا شبه (أو) ب (لكن) حين قال في (أو) (ابتداء بيقين ثم جعل مكانه شكا)، فهو شبيه بقوله: ما مررت بزيد ولكن عمرو، ابتدأ بنفي ثم جعل مكانه يقينا.
فإن قال قائل: فهلا جعل قولك: مررت بزيد لا عمرو من هذا؛ لأنه نفي بعد الإيجاب بمنزلة التوكيد للإيجاب المتقدم، كما أن قولك: هذا زيد لا شك فيه، كقولك: هذا زيد حقا، فقولك: مررت بزيد لا عمرو، كقولك: مررت بزيد حقا.
فأما قول سيبويه: (وقد يكون فيه الرفع على أن يذكر الرجل)، وذكر الفصل.
قال المفسر: وجعل سيبويه رفعه بإضمار اسم مكنيّ يكون الظاهر خبره، ويكون ذلك المكني على ضربين: أحدهما: أن يكون قد جرى ذكره فيضمر الاسم الذي ذكره.
والآخر: أن تعرف المعنى فيضمر ذلك المعنى وإن لم يجر ذكره.
فأما ما جرى ذكره فأضمر: فهو الكلام المعروف وهو تمثيله برجل يذكر فيقول: أنت قد مررت به، وقد مررت برجل بل هو حمار، ويكون هو الرجل المذكور.
وأما الذي أضمر ولم يذكر، فقولك: ما مررت ببغل ولكن حمار، تريد: ولكن هو حمار، معناه: لكن الذي مررت به حمار لأن قولك: ما مررت ببغل قد دلّ عليه فكني لدلالة الكلام عليه، وجعل الأقوى في الكناية ما جرى ذكره لقرب المكني بالذكر وإضمار الذي لم يجز ذكره عربي جلي.
لأن معناه ما مررت بشيء هو بغل فجاز هذا، وإن لم يجز ذكره كما جاز في المنعوت الذي جرى ذكره نحو: ما مررت برجل صالح بل طالح،

أي: بل هو طالح، والضمير لرجل، وقوله تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (1) رفع عباد على الوجهين المتقدمين، أحدهما: أنهم كانوا ذكروا الملائكة، واتخاذ الله- تعالى- إياهم أولادا، فنزه نفسه عن ذلك فقال تعالى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (2)، أي: بل هم عباد، و (هم) إضمار شيء جرى ذكره في كلام القوم فلذلك أضمر.
الوجه الآخر: بتقدير: بل الذين قالوا اتخذهم الله ولدا عباد مكرمون من غير ذكر جرى لهم.
قال سيبويه: (وأما قولهم: أمررت برجل أم امرأة؟ إذا أردت معنى أيهما مررت به، فإن (أم) تشرك بينهما كما أشركت (أو)).
فإنه يعني أن (أم) للعطف وللإشراك بين الأول والثاني في الإعراب، وليست من حروف البدل التي تقدم ذكرها.
ثم قال سيبويه: (وأما مررت برجل فكيف امرأة، فزعم يونس أن الجر خطأ، وقال: هو بمنزلة أين).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: مذهب البصريين أن العطف لا يجوز بشيء من حروف الاستفهام، فأمّا الكوفيون فقد أجازوا النسق وهو العطف ب (أين وكيف وألا وهلّا).
وألزم سيبويه من أجاز النسق بأين وكيف بلم وبكم، فقال: (ينبغي أن يجيز ما مررت بعبد الله فلم أخيه؟ وما لقيت زيدا فلم أبا عمرو، تريد: مررت بأخيه، وبكم لقيت أبا عمرو).
وهم لا يلتزمون ذلك.
والمنصوب والمرفوع في البدل والشركة كالمجرور.

هذا باب مجرى نعت النكرة عليها

(والمعرفة خمسة أشياء).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: اعلم أن التعريف معلق بمعرفة المخاطب دون المتكلم.
وقد يذكر المتكلم ما يعرفه هو ولا يعرفه هو، فيكون منكورا، كقول الرجل لمخاطبه: في دار الرجل بستان، وعندي صديق لي، وهو لا يعرف الرجل بعينه والبستان، ويجوز أن يكون12

المتكلم أيضا لا يعرف، كقول الرجل لمخاطبه: أنا في طلب غلام أشتريه، ومنزل أكتريه، ولا يكون قصده شيئا بعينه، فإذا نادى المتكلم شيئا تعرّف بقصده إياه ووقع اليد عليه بعينه، كقولك: يا رجل، ويا غلام وسنقف على ذلك في باب البدل إن شاء الله، وهذه المعارف كلها قد توصف كلها إلّا الإضمار وحده، ولا يوصف إلّا بمعارف، كما أن النكرات لا توصف إلّا بالنكرات، وقد جرت مجرى النعت على المنعوت في بابه إلا نعت المبهم، فإن نعته يخالف نعت غيره، وذلك أنه ينعت بأسماء الأجناس، كقولك: مررت بهذا الرجل، ودخلت هذا البستان، وجاءني ذلك الرجل، وأولئك القوم، ونحو ذلك، وإنما نعت المبهم بأسماء الأجناس لأن طريق نعته على غير طريق نعت غيره، وذلك أن غير المبهم يحتاج إلى النعت إذا شاركه غيره في لفظه فبان من غيره بذكر شيء يكون فيه تحلّى به دون غيره مما يحلى به، والمبهم إنما دخل وصلة لخروج ما فيه الألف واللام عن العهد إلى الحضور، وذلك أن الألف واللام يدخلان للعهد، كرجل وغلام عهده أو لابساه في بعض الأمر، فقال أحدهما: ما فعل الرجل أو الثوب أو الفرس.
وقد يكون الشيء بحضرة اثنين لم يكن بينهما فيه عهد، فيريد أحدهما الإخبار عنه معرفا له، فلا يمكنه الإخبار عنه لعدم العهد بينه وبين مخاطبه فيه، فيأتي بأسماء الإشارة فيتوصل بها وينتقل من تعريف العهد إلى تعريف الإشارة مثال هذا، فإن قيل له: أما تقول ابتداء من غير تقدم: البس هذا الثوب، واشتر هذا الغلام، فلا يحتاج المخاطب إلى عهد يعرف به الرجل كاحتياجه إليه في قوله: ما فعل الرجل؟ واشتر الغلام والبس الثوب وقد تكون الإشارة غير متوصل بها إلى ما فيه الألف واللام، كقولك: جاءني هذا، ورأيت هذا، ونظير ذلك قولهم: يا أيها الرجل.
جعلوا (أيها) وصلة إلى نداء الرجل لأنه لو لم يتوصل بها لم يكن نداء ما فيه الألف واللام، ويجوز أن ينادي هذا كما ينادى (زيد)، فإذا جعلته وصلة لما فيه الألف واللام قلت: يا هذا الرجل، وإن لم يجعل وصلة قلت: يا هذا كما تقول: يا زيد، وكما تستغني به إذا قلت: مررت بهذا، والأصل في نعت هذا أن ينعت بالأسماء لما ذكرناه أنه وصلة إلى ذكر الاسم الذي فيه الألف واللام.
وقد يجوز أن ينعت بالصفة التي فيها الألف واللام من حيث جاز أن تنقل الصفة التي فيها الألف واللام من تعريف العهد إلى تعريف الحضرة والإشارة، وذلك أنك تقول:

مررت بالظريف، فتكون الألف واللام في الظريف للعهد.
تقول: مررت بهذا الظريف، فيصير للإشارة، ولولا ما ذكرنا من التوصل بهذا إلى ما فيه الألف واللام لما احتاجت إلى صفة لأنها ليست باسم ثابت لما وقع عليه ثم شركه غيره، فيحتاج إلى فصل بينهما بالنعت، ولما كان طريق نعت هذا والأصل فيه ما ذكرنا، خالف حكمه حكم نعت غير المبهم في أن المبهم لا يوصف بالمضاف ولا يفصل بينه وبين نعته، تقول في غير المبهم: مررت بزيد غلام عمرو وبزيد ذي المال، وتقول: مررت بزيد اليوم الظريف، ولا تقول: مررت بهذا اليوم الرجل.
فأمّا منع النعت المبهم بالمضاف، فلأن المبهم دخل لينقل ما فيه الألف واللام من تعريف العهد إلى تعريف الإشارة والمضاف تعريفه بالمضاف إليه ولا يتغير.
وأمّا منع الفصل بينه وبين النعت، فلأن المبهم لما أحدث تعريفا لنعته صار كجزء في التعريف للألف واللام، ولا يفصل بين الألف واللام وبين ما اتصلا به وأشبه- أيضا- ب (أيها الرجل)، فلا يفصل بينهما وقد قال سيبويه: (أنت لا تقول: مررت بهذين الطويل والقصير، نعتا لهذين)، وهو معنى قوله: تجعله من الاسم الأول، وإنما لم يجز ذلك لما ذكرنا من فساد الفصل بين المبهم ونعته، لأن القصير لم يل الإشارة لفصل الطويل بينه وبين الإشارة.
وحكى أبو بكر مبرمان عن بعض أهل النظر، قال: إنما لم أقل: مررت بهذين: الطويل والقصير، لأن الإشارة تذهب، وذلك أنك إذا قلت: بهذين الطويلين، فالإشارة واحدة، وإذا عطفت فالمعطوف يذهب بالإشارة، وهذا تعرفه بالقلب إذا قدرت.
قال سيبويه: (اعلم أن العلم الخاص من الأسماء يوصف بثلاثة أشياء).
وذكر الفصل.
قال الشيخ رحمه الله: قوله: (يوصف بالمضاف إلى مثله) يريد إلى مثله في أنه معرفة، لا في أنه علم، لأن العلم يوصف بالمضاف إلى الضمير وإلى سائر المعارف، كقولك: مررت بزيد غلامك، وغلام عمرو، وغلام الرجل، وغلام هذا، ونحو ذلك.
ثم قال سيبويه: (والمضاف إلى المعرفة يوصف بثلاثة أشياء).
وذكره.
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن نعت المعرفة إذا كان أخص من المنعوت لم يجز،

وإن حق الكلام أن يجعل الأخص هو الذي يبدأ به، فإن اكتفى به المخاطب لم يحتج إلى أن يأتي بنعت وإلّا زدت من المعرفة ما يزداد به المخاطب معرفة، ومن مذهبه: أنهما إذا كانا مستويين في الاختصاص وطريق التعريف، جاز أن يكون أحدهما نعتا للآخر كنعت ما فيه الألف واللام، مثله ما فيه الألف واللام ولم يجز سيبويه نعته بما فيه الألف واللام، لأنه يراه أخص منه، فيرى أن أخاك أخص من الرجل، ومن الطويل والنبيل ونحوه، والحجة له أن ما فيه الألف واللام أبهم المعارف وأقربها من النكرات، لأن منها ما ينعت بالنكرات كقولك: إني لأمر بالرجل عندك فيكرمني، ويقوم لي.
وإني لأمر بالرجل مثلك فيعينني، إذا لم تقصد قصد الرجل بعينه، وعلى هذا حمل قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ 1 جعل (غير) نعت الذين، وهي في مذهب الألف واللام الذي لم يقصد به قصد شيء بعينه، ويدل على ذلك أن من المعرفة بالألف واللام ما يستوي في معناه الألف واللام وتركها، وذلك نحو قولك: شربت ماء، وشربت الماء، وأكلت خبزا وأكلت الخبز، وامتنع أن ينعت ما فيه الألف واللام بالمبهم من أجل أن المبهم لما جعل وصلة مقدمة إلى ذكر ما فيه الألف واللام علم أنه لو كان يقع بعد الألف واللام ما يريدونه من البيان ما احتاجوا إلى التوصل إلى الألف واللام بهما، وقد بيّن سيبويه بأن المبهم أخص بمعرفة العين، يعني: المشاهدة ومعرفة القلب له، وما اجتمع له.
هذان أخص والأخص لا يكون نعتا للأعم، فإن قال قائل: فقد جعل سيبويه المبهم نعتا للعلم وللمضاف، كقولك: مررت بزيد هذا، وبعمرو ذاك، ومررت بصاحبك هذا، وقد اجتمع فيه معرفة العين ومعرفة القلب، ولم تجتمع هاتان المعرفتان في: زيد وصاحبك.
فالجواب إن ذكر هذا وذلك بعد زيد وبعد صاحبك، يذهب به مذهب الحاضر أو المشاهد أو القريب، وبذاك مذهب البعيد أو المنتحي، ولهذا قال سيبويه: (وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف، لأنك تقرب به شيئا أو تباعده وتشير إليه).

فإذا قيل: مررت بزيد هذا، وبصاحبك هذا.
فكأنه قال: مررت بزيد الحاضر، ولم يغير هذا تعريف زيد ولا تعريف صاحبك باقترانه معهما.
لأنه لا يتغير زيد عن تعريف العلم، ولا صاحبك عن تعريف الإضافة باقترانهما بهذا.
ووجه آخر في نعت زيد والاسم العلم بهذا على ترتيب سيبويه، أنّا نقول: إن وضع الاسم العلم في أحواله لشيء بيّن به من سائر الأشخاص كوضع هذا في الإشارة لشيء بعينه، فاجتمعا في معنى ما وصفنا والمعرفة في أول أحوالهما، وصار كالمشار إليه في وضع الاسم عليه وحده كوضع الإشارة على المشار إليه، وفصله العلم مكان الاسم له بذكر حال ورودك الاسم على المشار إليه في الغيبة.
وذكر المبرد فيما رد على سيبويه أن ما ذكره سيبويه في الصفات: أن الأخص يوصف بالأعم، وما كان معرفة بالألف واللام، فهو أخص مما أضيف إليه الألف واللام، فلا ينبغي على هذا القياس: رأيت غلام الرجل الظريف، ذلك على البدل.
وما ذكره المبرد لا يلزم، لأن سيبويه يقول: إن غلام الرجل أعمّ من الرجل، بل عنده أنّ المضاف إلى ما فيه الألف واللام مثل ما فيه الألف واللام، ولما نعتت العرب بذلك وكثر في كلامهم، علمنا أنه لا فرق بينهما عنده.
قال سيبويه: (وتقول: مررت بأخويك مسلما وكافرا، هذا على من جر وجعلهما صفة).
قال أبو سعيد: في هذه المسألة ثلاثة أوجه: أحدهما: مررت بأخويك مسلما وكافرا.
والثاني: مررت بأخويك مسلم وكافر.
والثالث: مررت بأخويك مسلم وكافر.
أما من نصب فهو الذي كان يقول: مررت برجلين مسلم وكافر، على الصفة.
فصارت الصفة حالا لتعريف الموصفين، وأمّا من جر فهو الذي كان يقول: مررت برجلين مسلم وكافر على البدل.
فلما عرف الأول لم يتغير البدل لأن النكرة تبدل من

المعرفة، كما قال تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ 1 وكما قال الشاعر: فإلى ابن أمّ أناس أرحل ناقتي … عمرو فتبلغ حاجتي أو تزحف ملك إذا نزل الوفود ببابه … عرفوا موارد مزبد لا تنزف 2 أبدل ملكا وهو نكرة من عمرو وهو معرفة.
وأمّا الذي يرفع فهو الذي يقول: مررت برجلين مسلم وكافر، على ما فسرنا قبل.
وكما قال الفرزدق: فأصبح في حيث التقينا شريدهم … طليق ومكتوف اليدين ومزعف 3 فشريدهم جماعة منهزمون وطليق، وما بعده على الابتداء المعنى منهم طليق، وما بعده على الابتداء، وبمعنى منهم طليق، ومنهم مكتوف اليدين، ومنهم مزعف بكسر العين على ما رواه حملة الكتاب.
وغيرهم يقول: مزعف بفتح العين، يقال: أزعفه الموت، إذا قاربه، وهو مأخوذ من قولهم: موت زعاف وذعاف، أي: معجل، وكما قال الآخر: فلا تجعلي ضيفيّ ضيف مقرّب … وآخر معزول عن البيت جانب 4 على تقدير: منهما ضيف مقرب، ومنهما آخر معدول، ولو لم يرد ذلك لنصب فقال: ضيفا مقربا، كما قال: وكانت قشير شامتا بصديقها … وآخر مزريا عليه وزاريا 5 وكما قال: ترى خلقها نصف قناة قويمة … ونصف نقا يرتج أو يتمرمر 6 وبعضهم ينصبه على البدل، وإن شئت كان بمنزلة: رأيته قائما، كأنه صار خبرا،

يعني حالا على حد من جعله صفة للنكرة.
ورد أبو العباس نصب نصفا على الحال فقال: هو خطأ، وذلك أن نصفا ينبغي أن يكون معرفة.
والعلة التي ادعى بها التعريف في بعض، وكلّ من الإضافة وهي في (نصف) لأن معنى قوله في نصف نصفه كما أنه إذا قال: مررت ببعض قائما أو بكل جالسا قائما، فإنما يريد: بعضهم وكلهم.
والذي قاله خطأ.
والقول ما قال سيبويه لأن النصف بمنزلة الثلث وسائر الأجزاء إلى العشرة، ويثنى ويجمع كما يفعل بالثلث وما بعده، تقول: المال نصفان، وهذه القوارير إلى أنصافها، وليس هذا في كل ولا في بعض.
ومن أوضح ما يبطل قوله، قوله تعالى: فَلَهَا النِّصْفُ 1 ثم قال سيبويه: (واعلم أن المضمر لا يكون موصوفا).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: إنما لم يوصف المضمر لأنك إنما تضمر ما ترى أن المخاطب يعرفه، وإنما الصفة تحلية يفرق بها بين أسماء لوازم مشتركة اللفظ.
وقوله: (ولكن لها أسماء تعطف عليها تعمّ وتؤكّد) فإن معنى قوله: تعطف عليها، أي: يبين بها عمومها وتؤكد، وليس بعطف النسق الذي هو بحروف العطف، ولكن هو على مذهب عطف البيان جاريا مجرى النعت لما قبله، لأن النعت تبيين كما أن العموم تبيين، ولأجل هذا سمى النحويون العموم والتوكيد صفة للمضمر.
وقوله: (وذلك مررت بهم كلهم، أي: لم أدع منهم أحدا، ويجيء توكيدا كقولك: لم يبق منهم مخبّر، وقد بقي منهم).
فإنه يريد أنك إذا قلت: مررت بهم كلهم وأردت: لم أدع منهم أحدا فهو عموم وإن كان قد بقي منهم من لم تمر به ويكون قوله: (كلهم على جهة التنكير لما مرّ به)، فهو توكيد جعل من مرّ به منهم كأنهم الجماعة، (ومنه- أيضا- مررت بهم أجمعين أكتعين، ومررت بهنّ جمع كتع، ومررت به أجمع أكتع، ومررت بهم جميعهم، فهكذا هذا وما أشبهه، ومنه: مررت به نفسه، ومعناه: مررت به بعينه)، فهذه أشياء ذكرها

سيبويه مما تجرى على المضمر من العموم والتوكيد.
وقد ذكر.
قال سيبويه: (واعلم أن العلم الخاص من الأسماء لا يكون صفة لأنه ليس بتحلية ولكنه يكون معطوفا على الاسم كعطف أجمعين، وهذا قول الخليل، وزعم أنه لذلك، قال: يا أيها الرجل زيد أقبل، قال: لو لم يكن على الرجل كان غير منون، فإنه يعني: أن الاسم العلم لم يسم بمعنى في المسمى استحق له أن يسمى بذلك الاسم دون غيره، كزيد وعمرو ونحوه لأن زيدا لم يسم به لمعنى فيه مخالف به من سمي ب (عمرو)، وللمبهم مفارق للعلم لأن في المبهم لفظا يوجب التقريب كهذا وهذه وهذان وهاتان، ولفظا يوجب التبعيد كذلك وتلك وأولئك ونحوه).
قال سيبويه: (ومن الصفة أنت الرجل كالرجل).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: يريد أن الصفة قد تأتي على غير وجه البيان لما قبلها، ولكن على المدح وتعريف المخاطب من أمر الموصوف ما لم يعرفه، ويأتي ذلك في صفة الله تعالى على وجه التقرب إليه والثناء عليه، وذكر صفاته كقول القائل: قد أحسن الله الكريم الرحيم المنعم إليّ، ويأتي في صلاة الآدميين على المدح لهم لمن لعله لا يعرفه بذلك، ولمن يعرفهم به على وجه الإخبار عن نفسه بمعرفة ذلك والتقرب إلى الممدوح كما يقول القائل لأهل بلد: قد رأيت قاضيكم الفقيه المنصف العفيف، وكنت عند أميركم الشجاع الذاب عن الحريم.
وقد يستعمل في صفات المدح والذم ألفاظ يراد بها المبالغة فيما تضمنه لفظ الموصوف كقولك: أنت الرجل كل الرجل، ومررت بالعالم حق العالم، وبالشجاع جدّ الشجاع، يراد به المبالغة في معنى المنعوت، فإذا قال: يا رجل كل الرجل، فمعناه: الكامل في الرجال، فإذا قال: حق العالم، فمعناه: الكامل في العلم، فكذلك جد الشجاع، وهكذا لو قال: يا للئيم كل اللئيم، أو حق اللئيم، كان مبالغة في صفة اللؤم، قال الشاعر: هو الفتى كلّ الفتى فاعلموا … لا يفسد اللحم لديه الصلول 1 فأمّا إن قلت: هذا عبد الله كل الرجل، فإنه لا يحسن كحسن ما فيه الألف واللام،

إذ ليس في لفظ عبد الله معنى يكون الرجل مبالغا فيه، وكما هو جائز مع هذا لأنه لو قال: هذا كل الرجل، لجاز ودل على معنى المبالغة والكمال، والنكرة في المدح كالمعرفة يدل على ذلك أنك تقول: مررت برجل كل رجل، وجدّ رجل، وهذا عالم حق عالم، فلما فرق بينهما في المدح واللفظ الذي يوجب المدح، كما لا فرق بين قولك: مررت بالعالم الكامل في علمه، وبين قولك: مررت برجل كامل في علمه.
قال سيبويه: (ومن الصفة قولك: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك).
وذكر الفصل.
قال أبو سعيد: يعني أن الرجل معرفة، ومثلك وخير منك نكرة، وقد وصف بهما المعرفة لتقارب معناهما، وذلك أن الرجل في قولك: ما يحسن بالرجل مثلك، وبالرجل خير منك، غير مقصود به إلى رجل بعينه، وإن كان لفظه لفظ المعرفة لأنه أريد به الجنس، ومثلك وخير منك نكرتان غير مقصود بهما إلى شيئين بأعيانهما فاجتمعا في أنهما غير مقصود إليهما بأعيانهما، فحسن نعت أحدهما بالآخر، وكان من حق اللفظ والمساواة أن يكون لفظ النعت معرفة كلفظ المنعوت فامتنع دخول الألف واللام في التعيين، فاحتمل ذلك للضرورة، ولو قال: إني لأمرّ بالرجل نائم فأنبهه، وبالرجل صادق فأسمع منه، على النعت لم يجز لأنه يمكن أن يقول: بالرجل النائم، وبالرجل الصادق.
وما ذكر سيبويه عن الخليل أنه جر على نية الألف واللام في: مثلك وخير منك، إن كان يوجب التعريف لهما ويصير حكمهما حكم ما فيه الألف واللام، فينبغي أن تصف بهما الأسماء الأعلام كما تصف الأعلام بما فيه الألف واللام.
وقد منع سيبويه من هذا وقال: (لا يحسن بعبد الله مثلك، على هذا الحد)، وإن كان نية الألف واللام لا توجب التعريف فلا فائدة في ذكره.
والذي عندي في معنى قول الخليل من نية الألف واللام، أن هذين الاسمين في موضع ما فيه الألف واللام، كأنّا قلنا في موضع مثلك: المماثل لك، وفي موضع خير منك: الفاضل لك، والراجح عليك، ولم يجز أن يوصف العلم بمثلك وخير منك

لاختلاف الأول والثاني، لأن الأول مقصود إليه، والثاني غير مقصود إليه.
قال: (وزعم الخليل أنه إنما جر على نية الألف واللام)، يعني: مثلك، وخير منك، (ولكنه موضع لا تدخله الألف واللام، كما أن (الجماء الغفير) منصوب على نية إلغاء الألف واللام نحو طرا وقاطبة).
فإن نية إلغاء الألف واللام في (الجماء الغفير) أنها في موضع الحال والاسم الذي هي في موضعه لا ألف ولا لام فيه كنحو: طرا وقاطبة.
ومن النحويين من قال: إن الألف واللام فيها وفي (الأوبر) في قول الشاعر: ... … ولقد نهيتك عن بنات الأوبر 1 زائدة، وهذا غلط لأنهما لو كانتا لا تأثير لدخولهما وكانتا في نية الطرح لكان الاسم الذي يدخلان عليه باقيا على لفظه من التنوين ومع الصرف.
فيقال: القوم فيهما الجماء الغفير، كما تنون لو لم يكن فيه ألف ولام، ولجاز أن تقول: ولقد نهيتك عن بنات الأوبر، لأن (أوبر) بغير ألف ولام لا ينصرف، وإنما دخول الألف واللام على أوبر وسائر المعارف التي ليس فيها ألف ولام عند الضرورة، لأنها تنكّر ثم تعرّف بالألف واللام، وقد مضى الكلام في مثل هذا، وقد تقدم شرح ما بقي من الباب وفيه قوله: (ولم يرد في قوله: ما يحسن بالرجل خير منك أن يثبت له شيئا بعينه ثم يعرفه به إذا خاف التباسا).
وقوله: يثبت له يعني المخاطب.
وقوله: تعرّفه الهاء للشيء.
وقوله: به الهاء لخير منك.

هذا باب بدل المعرفة من النكرة والمعرفة من المعرفة (وقطع المعرفة مبتدأة)

وذكر الفصل إلى قول الفرزدق: ... …... كومها وشبوبها 1 قال أبو سعيد: هذا البيت لم يذكر قائله في كتاب سيبويه وفي أكثر النسخ شنونها بنونين وشين، وفي كتاب مبرمان وشيويها بيائين وشين وتحته السيوف السراع منها.
والذي رأيته في شعره في قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك أولها: رأيت بني مروان يرفع ملكهم … ملوك شباب كالأسود وشيبها 2 وفيها يخاطب هشاما بعد ما ذكّره بآبائه: ورثت أبي أخلاقه عاجل القرى … وضرب عراقيب المباني شبوبها 3 والشبوب: السيف، يشب فيها ضوءه إذا التهب.
وما ذكره سيبويه في أول هذا الباب مفهوم المعنى، يشتمل عليه شرح ما مضى.
قال سيبويه: (وتقول: مررت برجل الأسد شدة)، فالأسد على ما يوجبه كلامه في معنى: وليس في تقدير مثل الأسد ولو كان مثل الأسد كان نكرة، وكان نعتا وقد تقول: زيد رجل من الرجال، تريد نفاذة ومضاء في الأمور ولا تقدر مثل رجل لأنه في خلقته رجل وشدة ينتصب على المصدر أو على الحال، كأنه قال: الشديد شدة، والماضي أسدا، وقوله: (ولا يجوز أيضا أن يكون نعتا) لأنه ليس باسم جار على الفعل والأقوى في مثل هذا الرفع، إمّا على التبعيض فيما أمكن التبعيض فيه وما لا تبعيض له فالابتداء، وجميعا فالرفع فيه على الابتداء، ولكن عبّر عما لا تبعيض فيه بالابتداء كقوله: ولقد خبطن بيوت يشكر خبطة … أخوالنا وهم بنو الأعمام 4

فأخوالنا لا تبعيض فيه، وقد رفعه، وكذلك لو قال: مررت برجل الأسد شدة، أو بأسد شدة، وذلك كله على إضمار هو من غير تبعيض، ولو قال: مررت برجلين أسد وحمار، كان تبعيضا، وقوله: (وهذا عربيّ جيد).
إشارة إلى الابتداء الذي لا تبعيض فيه، وقوله: (وقد جاء في النكرة في صفتها)، يعني: وقد جاء الابتداء.
وقوله: (فهو) يعني الابتداء في المعرفة أقوى، ومعنى سقبان: طويلان، ممشوقان: ملتفان (1).

هذا باب ما يجري عليه وصفة ما كان من سببه

(وصفة ما التبس به أو بشيء من سببه كمجرى صفته التي خلصت له).
قال أبو سعيد: (صفة ما كان من سببه)، يعني: ما كان الفعل من فاعله اسما مضافا إلى ضميره أو يكون ضميره متصلا بجملة الكلام، وهو هاهنا اسم الفاعل، فإذا كان منها من فعل الموصوف به فقد جرى على من هو له كقوله: (مررت برجل ضارب زيدا، وملازم عمرا).
فضارب وملازم صفة لرجل وفعل له، فهي صفة قد خلصت له لأنه موصوف بها، وهي مشتقة من فعل له، وأمّا صفة ما كان من سببه فقولك: مررت برجل ضارب أبوه رجلا، وملازم أبوه رجلا، فضارب صفة، وهي اسم فاعل، وفعله الضرب، وفاعله أبوه، وهو سبب الأول، وهكذا قولك: مررت برجل ملازم أبوه رجلا.
وأما صفة ما التبس به فقولك: مررت برجل مخالطه داء.
فالصفة مخالطه، وهو فعل لداء، وقد وقع بضمير الرجل، فقد التبس به، وأمّا الذي التبس بشيء من سببه، فقولك: مررت برجل ملازم أباه رجل، ومررت برجل مخالط1

أباه داء.
فالصفة ملازم ومخالط، وفاعله رجل وداء قد التبس بالأب ووقع على ضميره، فهذا ما التبس بشيء من سببه.
قال أبو سعيد: في هذا الباب أشياء أجمع النحويون عليها واختلفوا في غيرها فجعل سيبويه ما أجمعوا عليه أصلا قدره ورد إليه ما اختلف فيه بشبه صحيح لا يقع على من تأمله لبس.
والذي أجمعوا عليه أن الصفة إذا كانت فعلا للأول أو لسببه أو لها التباس به وكانت منونة، فإنها تجري على الأول وتنجر بجره، ويوصف الأول بها كقولك: مررت بزيد ضارب زيد، وضارب أبوه زيدا، وملازم أباه زيد.
ثم اختلفوا إذا كانت الصفة مضافة.
فأمّا سيبويه فأجرى جميعها على الأول ك (هي) لو كانت منونة، وأجرى غيره بعضها على الأول ومنع إجراء بعض فألزمه سيبويه إجراء الجميع على الأول أو المناقضة، فقال: وإن زعم زاعم أنه يقول: مررت برجل مخالط بدنه داء ففرق بينه وبين المنون، قيل له: أليس قد علمت أن الصفة إذا كانت للأول فالتنوين وغير التنوين سواء متى أردت بترك التنوين؟ ومعنى التنوين نحو: مررت برجل ملازم أبيك، وملازمك، فإنه لا يجد بدّا من أن يقول: نعم، وإلا خالف جميع العرب، فإذا قال: نعم، قيل له: أفلست تجعل هذا العمل إذا كان منونا، وكان لشيء من سبب الأول أو التبس به، بمنزلة إذا كان للأول؟ كأنك قلت: مررت برجل ملازم، فإنه قائل: نعم، فيقال له: فما بال التنوين وغيره استويا حيث كان للأول.
وهذا من أثبت الحجاج لأنه قدر الخصم بأن غير المنون حكمه كحكم المنون فيما كان فعلا للأول، وقدره بأن فعل الأول، وفعل سببه، وما التبس به إذا كان منونا يجري مجرى واحدا وألزمه بعد ذلك أن غير المنون من فعل الأول وفعل سببه، وفعل ما التبس به يجري مجرى واحدا، ثم لزمه أن ينصب المعرفة المضافة فيقول: مررت بعبد الله الملازمه أبوه، لأنه حين قال:

مررت برجل مخالط بدنه إذا لم يكن سبب نصبه وترك إجرائه على الأول إلا الإضافة.
وفي بعض نسخ كتاب سيبويه: وذلك أن قوما ينصبون كل ما كان من ذا مضافا على كل حال، فإن كان هذا من كلام سيبويه فهو أقوى في إلزامهم من القياس بكلام العرب ثم احتج لما ذهب إليه بعد تقويته بالقياس الذي ذكرناه بكلام العرب، فقال: (ولو أن هذا القياس لم تكن العرب الموثوق بعربيتها، تقوله لم يلتفت إليه ولكنّا سمعناها تنشد هذا البيت جرا: وارتشن حين أردن أن يرميننا … نبلا مقذذة بغير قداح ونظرن من خلل الستور بأعين … مرضى مخالطها السقام صحاح 1 وأنشد غير من العرب بيتا فأجروه هذا المجرى: حمين العراقيب العصا وتركنه … به نفس عال مخالطه بهر) 2 فالشاهد من البيت الأول: خفض مخالطها، ومن الثاني: رفع مخالطه أجروه على نفس عال، وهذا من حجة من ينصب إذا كان مضافا.
ولمن خالف سيبويه في الصفة المضافة التي ليست للأول، ولما التبس به في هذا الباب مذهبان: أحدهما: مذهب عيسى بن عمر، وهو أنه جعل ما في هذا الباب عملين.
أحدهما- عمل ثابت ليس فيه علاج يرونه نحو الآخذ واللازم والمخالط وما أشبهه.
والآخر- عمل فيه علاج نحو الضارب والكاسر، وفتح اللفظ به فيه على ثلاثة أقسام، فجعل ما كان من باب الصفات من باب الضارب والكاسر إذا لم يكن الاسم الأول الموصوف رفعا على كل حال، كقولك: مررت برجل ضاربه عمرو، ورأيت رجلا ضارب أبيه عمرو.

جارٍ التحميل