شرح كتاب سيبويهصفحات 232-271

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 232-271

أفي السّلم أعيارا جفاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النّساء العوارك) 1 هجاهم بما شاهدهم عليه من التنقّل والتلون بكونهم في حال السّلم مثل الحمير من جفوتهم وغلظتهم على الأهل، وفي الحرب مثل النساء الحيّض من اللّين والانقباض توبيخا لهم، لأنهم في الحالين على طريق الذم.
(وقال آخر: أفي الولائم أولادا لواحدة … وفي العيادة أولادا لعلّات) 2 وهذا أيضا ذمّ لهم مشبّه بالأول، لأنه وصفهم بالنّهم والتواصل من أجل الطعام، فإذا كانوا في الولائم كانوا متآلفين كأنهم إخوة بنو أمّ واحدة، وفي قضاء حقوق بعضهم لبعض متقاطعين متهاجرين، كأنهم أولاد علات.
(وأمّا قول جرير: أعبدا حلّ في شعبي غريبا … ألؤما لا أبا لك واغترابا 3 فيكون نصب عبدا على وجهين: على النداء، وعلى أنّه في حال افتخار واجتراء قد شاهده عليه، فقال: أعبدا، أي: اتفتخر عبدا، كما قال: أتميميا.
فإن أخبرت في هذا الباب على هذا الحد نصبت أيضا كما نصبت في حال الخبر في الاسم الذي أخذ من الفعل، وذلك قولك: أتميميّا قد علم الله مرّة وقيسيّا أخرى؛ فلم يرد أن يخبر القوم بأمر قد جهلوه؛ ولكنه أراد أن يشتمه بذلك، وصار بدلا من اللفظ بقولهم: اتتتمّم مرّة وتتقيّس أخرى!.
وأتمضون وقد استقبلكم هذا، أتنقلون وتلوّنون، فصار هذا هكذا؛ كما كان تربا وجندلا بدلا من الفعل، وقد مثّل هذا الفعل الذي جعل هذا بدلا منه).
وكان في نسخة أبي بكر محمّد بن عليّ مبرمان 4 بدلا من تربت وجندلت وفي

غيرها: تربت وجندلت على ما لم يسمّ فاعله.
قال سيبويه: " (ولو مثّلت ما نصبت عليه الأعيار).
يعني في البيت الذي مضى: أفي السّلم أعيارا، وأعور في قوله يعني: أعور وذا ناب لتدلّ على النصب في البدل (لقلت: أتعيّرون وأتعوّرون إذا أوضحت معناها لأنك إنما تجريه مجرى ماله فعل من لفظه، وقد يجرى مجرى الفعل ويعمل عمله).
قال أبو سعيد: يعني أنّهم لمّا جعلوا في السّلم أعيارا، وأعور وذا ناب مجرى قولهم: أقائما وقد قعد النّاس، والأعيار والأعور ليس بمأخوذ من فعل يجري عليه، وقائما مأخوذ من فعل، وقد أضمر ناصبه على لفظ الفعل الذي أخذ منه، كان الأحسن في الأعيار والأعور أن يقدر فعل من لفظه، وإن كان لا يستعمل؛ إذ قد يجري مثله في الكلام على طريق التشبيه.
ألا ترى أنّا نقول: قد ترجّلت المرأة، إذا تشبّهت بالرجال؛ فهذا التقدير أحسن في مثل هذا.
قال: (وأما قوله عز وجل بَلى قادِرِينَ 1. كأنه قال: بلى نجمعها قادرين).
وإنّما قدّرها سيبويه بنجمعها لقوله تعالى قبله أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ 2. وتسوية بنانه أن يضمّ بعضها إلى بعض ولا تكون متفرقة، والبنان: الأصابع.
وذكر الفرّاء هذا المعنى، وقدّم قبله معنى آخر فيه وفي نظائره، وهو أن ينصبه بإضمار الفعل المذكور قبله وهو يحسب؛ كأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى فليحسبنا قادرين.
ومثله من الكلام: أتحسب أن لن أزورك، بلى سريعا إن شاء الله، كأنّه قال: بلى فاحسبني زائرك، وقال قوم من النحويين: إنّ " قادرين " ينتصب لوقوعه موقع نقدر لأنّ معناه بلى نقدر على أن نسوي بنانه، وهذا باطل، لأنّه ليس من نواصب الاسم وقوعه مواقع الفعل.
ألا ترى أنّك تقول: أتقوم يا زيد، فإذا رددته إلى الاسم قلت: أقائم أنت يا زيد.

قال: (وأما قوله، وهو الفرزدق: ألم ترني عاهدت ربّي وأنّني … لبين رتاج قائما ومقام على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما … ولا خارجا من فيّ زور كلام) 1 قال سيبويه: (أراد ولا تخرج فيّ ما استقبل كأنّه قال: ولا تخرج خروجا.
ألا تراه ذكر عاهدت في البيت الذي قبله).
قال: (ولو حملته على أنّه نفى شيئا هو فيه ولم يرد أن يحمل على عاهدت لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى بن عمر فيما نرى؛ لأنه لم يكن يحمله على عاهدت).
قال أبو سعيد: فسّر أبو العباس وأبو إسحاق الزجاج في هذين البيتين قول سيبويه وقول عيسى بن عمر: فإما قول سيبويه فإنه جعل لا أشتم جواب يمين إمّا أن يكون جواب حلفة كأنه قال: عاهدت ربي على أن أقسمت، وعلى أن حلفت لا أشتم الدّهر مسلما، أو يكون عاهدت بمعنى: أقسمت، كأنّه قال: ألم ترني أقسمت.
ويكون خارجا في معنى ويكون التقدير: ولا يخرج خروجا عطفا على أشتم، وجعل خارجا في معنى خروجا.
قال أبو العبّاس: ومثله: قم قائما، أي: قم قياما، ومثله من المصادر: العاقبة والعافية، فهو على لفظ فاعل.
وفسّرا قول عيسى إنّ خارجا حال، وإذا كان حالا فهو عطف على ما قبله، وإذا كان كذلك وجب أن يجعل الفعل في موضع الحال؛ فكأنه قال: لا شاتما مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام، والفعل المستقبل يكون في موضع الحال كقولك: جاءني زيد يضحك، أي: ضاحكا.
وجعلا العامل في الحال على مذهب عيسى بن عمر عاهدت؛ كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتما الدهر مسلما، فالمعنى: موجبا على نفسي ذلك ومقدّرا ألا أفعله، فهذا معنى

تفسير أبي العباس وأبي إسحاق الزجاج.
وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه لأنّه قال- يعني عيسى بن عمر-: لم يكن يحمله على عاهدت.
ومعنى قول سيبويه لو حملته على أنّه نفى شيئا هو فيه، أي: نفي الحال وهو قوله: لا أشتم، ولا خارجا، فإذا لم يكن العامل في الحال " عاهدت " على ما حكاه سيبويه عن عيسى كان نصبه على أحد وجهين: إما أن يكون المفعول الثاني من ترني كأنه قال: ألم ترني لا شاتما مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام، فهذا وجه ذكره أبو بكر مبرمان.
قال أبو سعيد: ما يعجبني هذا؛ لأنّ " عاهدت " في موضع المفعول الثاني فقد تمّ المفعولان بعاهدت.
وأجود منه أن يكون على حلفة؛ كأنّه قال: على أن حلفت لا شاتما ولا خارجا، والمصدر وهو " حلفة " يعمل عمل الفعل.
وكان الفرّاء يذهب مذهب عيسى بن عمر وينصب خارجا على الحال، ويجعل لا أشتم في موضع نصب؛ كأنه قال: لا شاتما مسلما و " لا خارجا " عطف عليه.
وبعض النحويين ينصب خارجا لوقوعه موقع يخرج على ما تقدّم، وقد ذكرنا الحجّة.
وإذا قلت ما أنت قائم ولا قاعد، وأنت تميميّ مرة وقيسيّ أخرى، وإني عائذ بالله ارتفع.
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه- ولا أعلم له مخالفا- أنك إذا قلت: ما زيد إلا سائر أو قائم أو قاعد لم يجز فيه غير الرّفع، ولو كان بدل سائر وقائم مصدر لجاز النصب، كقولك: ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا قياما؛ لأنّ السير والقيام يدلان على يسير ويقوم.
ولقد تأوّل بعض المتقدمين في النحو على مذهب الكوفيين ممن أدركته رواية رويت عن عليّ بن أبي طالب- عليه السّلام- فيما رواه هو في قوله تعالى وَنَحْنُ عُصْبَةٌ 1.

بنصب عصبة، وزعم أنّ عصبة تنتصب كما تقول العرب: إنّما العامريّ عمته؛ فجعل عصبة بمنزلة المصدر.
ورددت أنا ذلك فقلت: إنما يجوز هذا في المصادر دون الأسماء لأنك تقول: أنت سيرا، ولا تقول: أنت سائرا، ولا خلاف في ذلك، وعصبة هي اسم لا مصدر، والتأوّل على الرواية غير صحيح؛ لأنّ الذي في أصل النسخة، ونحن عصبة، ولم يقل نصب أيش، وقد تكلمت على هذا في غير هذا الموضع.
قال سيبويه: " (ولو قال: هو أعور وذو ناب لرفع...). وكذلك إذا قلت: أنت تميميّ مرّة وقيسيّ أخرى، وإني عائذ بالله، ليس في ذلك غير الرّفع؛ لأنه قدّم الاسم، وجاء بعده بخبر هو هو، فلم يجز غير الابتداء والخبر، وإنما يجوز النصب إذا قال: أتميميّا بغير أنت، وقال عائذا بغير إني، أو قال: أعور وذا ناب بغير هو فتفهّم ذلك إن شاء الله، وكذلك لو أضمرت أنت والاسم الذي يكون المذكور هو هو لرفع وكان بمنزلة المظهر.

هذا باب ما يجري من المصادر مثّنى منتصبا على إضمار الفعل المتروك إظهاره

(وذلك قولك: حنانيك؛ كأنه قال: تحنّنا بعد تحنّن، ولكنّهم حذفوا الفعل؛ لأنه صار بدلا منه.
ولا يكون هذا مثنّى إلا في حال إضافة، كما لم يكن سبحان الله، ومعاذ الله إلا مضافا؛ فحنانيك لا يتصرّف كما لم يتصرف سبحان وما أشبهه، قال الشاعر، وهو طرفة: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا … حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض 1 وزعم الخليل أنّ معنى التثنية أنّه أراد تحنّنا بعد تحنّن؛ كأنّه قال: كلما كنت في رحمة وخير منك فلا ينقطعنّ ذلك وليكن موصولا بآخر من رحمتك.
ومثل ذلك: قولك: لبيك وسعديك، وسمعنا من العرب من يقول: سبحان الله وحنانيه، كأنّه قال: سبحان الله واسترحاما كما قال: سبحان الله

وريحانه، يريد: واسترزاقه.
وأمّا لبيك وسعديك فانتصب كانتصاب سبحان الله، وهو أيضا بمنزلة قولك: أمرت سمعا وطاعة، إلا أنّ لبيّك لا يتصرّف كما أنّ سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله لا يتصرف).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ التثنية في هذا الباب الغرض فيها التكثير، وأنّه شيء يعود مرة بعد أخرى ولا يراد بها اثنان فقط من المعنى الذي يذكر.
فالدليل على التكثير بلفظ التثنية أنك تقول: ادخلوا الأوّل فالأول؛ فإنما غرضك أن يدخل كلّ وجئت بالأوّل فالأوّل حتّى تعلم أنه شيء بعد شيء.
وتقول: جاءني رجلا رجلا على هذا المعنى ولا تحتاج إلى تكريره أكثر من مرّة واحدة فتعلم به أنه شيء لا يقتصر به على الأول، وأنّ ذلك المعنى يعود بعد الأوّل ويكثر فتكتفي بذلك اللّفظ، وهذا المثنى كله غير متصرّف، ومعنى قولنا غير متصرّف أن لا يكون إلا مصدرا منصوبا أو اسما في موضع الحال كما يكون المصدر في موضع الحال، وإنّما لم يتمكّن إذا ثنّيت لأنه دخله بالتثنية لفظا معنى التكثير لا معنى التثنية، ودخل هذا اللفظ لهذا المعنى في موضع المصدر فقط، قال: فلم يتصرّفوا فيه، وبعضه يوحّد فيتصرّف كما قال الله تعالى في توحيده وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا 1 وقال الشاعر: فقالت حنان ما أتى بك ههنا … أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف 2 فرفع لمّا أفرد لأنّه لم يدخله معنى غير الذي يوجبه اللّفظ وهو أصل الاسم الموضوع.
ولبيك وسعديك تثنية ولا يفرد واحد منهما لما ذكرته لك من معنى التكثير، ولبيك مأخوذ من قولنا ألبّ بالمكان إذا أقام به، وألبّ على كذا وكذا إذا أقام عليه ولم يفارقه.
قال سيبويه: (حدّثنا أبو الخطّاب أنّه يقال للرجل المداوم على الشيء لا يقلع عنه ولا يفارقه قد ألبّ على كذا وكذا).

وسعديك مأخوذ من المساعدة والمتابعة، فإذا قال الإنسان لبّيك وسعديك فكأنه قال: دواما على طاعتك وإقامة عليها مرّة بعد مرة وكذلك سعديك، أي: مساعدة لك بعد مساعدة، ومتابعة بعد متابعة، وإنما يعبّر عن هذه الأشياء باللفظ الذي يقرب معناه منه فيمثّل به ويطلب له الاشتقاق وما يقدّر فيه من الفعل لو أتى به آت لم يحسن ولم يك واقعا ذلك الموقع كما وقع سقيا مكان سقاك الله، ورعيا مكان رعاك الله؛ فهذا الذي أحوج سيبويه وغيره إلى تطلّب التّقديرات المقرّبة للمعنى وليوقف على وجه النصب؛ فقال سيبويه مرّة: (كأنه إذا قال الرجل للرّجل: يا فلان، فقال: لبيك وسعديك، فقد قال: قربا منك ومتابعة لك، فهذا تمثيل، وإن كان لا يستعمل في الكلام كما كان براءة الله تمثيل سبحان الله وإن لم يستعمل ذلك استعمال سبحان الله).
وقال مرّة: (وكذلك إذا قال: لبّيك وسعديك يعني بذلك الله تعالى، فكأنه قال: لا أنأى عنك يا ربّ في شيء تأمرني به، فإذا فعل ذلك فقد تقرّب إلى الله عزّ وجلّ بهواه).
يعني بإرادته وقصده.
(وأما قوله وسعديك فكأنّه يقول: أنا متابع أمرك وأولياءك غير مخالف، فإذا فعل ذلك فقد تابع وطاوع، وإنّما حملنا على تفسير معنى لبيك وسعديك لنوضح به وجه نصبهما لأنّهما ليسا بمنزلة سقيا وحمدا وما أشبه ذلك.
ألا ترى أنّك تقول للسائل في تفسير سقيا وحمدا إنما هو سقاك الله سقيا وأحمد الله حمدا، فحمدا بدل من أحمد، وسقيا بدل من سقاه الله، ولا تستطيع أن تقول: ألبّك لبّا، ولا أسعدك سعدا.
ولا تقول: سعد بدل من أسعد، ولا لبّ من ألبّ، فلمّا لم يكن ذلك التمييز له شيء من غير لفظه معناه كبراءة حين ذكرتها لتبيّن معنى سبحان الله، والتمست للبّيك وسعديك غير اللّفظ الذي اشتقّا منه إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحمد والسقي في فعليهما، ولا يتصرفان تصرّفهما، ومعناهما: القرب والمتابعة فمثّلت بهما النصب في سعديك ولبيك كما مثّلت النصب في سبحان الله ببراءة الله).
وممّا يقوّي إفراد حنان أنّ الفعل في حنان قد يستعمل فيقال: تحنّن أي: ارحم، قال الشاعر:

تحنّن عليّ هداك المليك … فإنّ لكلّ مقام مقالا 1 فهذا مما تلحقه بباب (الحمد لله) وجواز التّصرّف فيه والرفع.
ومما يجري مصدرا مثنّى: حذاريك كأنه قال: حذرا بعد حذر ولا يستعمل حذرا مفردا، ولا يرفع حذاريك؛ لأنّه صيغت هذه البنية لتوضع غير متمكّنة كحنانيك ولبيك وسعديك فلم تستعمل إلا مصدرا منصوبا، ومن ذلك دواليك، وقال عبد بني الحسحاس: إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله … دواليك حتّى ليس للبرد لابس 2 وهذا من فعل العرب في الجاهلية إذا أراد رجل أن يعقد مودّة مع امرأة شق كلّ واحد منهما ثوب الآخر ليؤكد المودّة.
ودواليك: مأخوذ من المداولة من شقّ كلّ واحد منهما ثوب الآخر وهو في موضع الحال، كأنّه قال متداولين متعاقبين للفعل الذي فعلاه.
ومن التثنية: هذاذيك، مأخوذ من هذّه يهذّه هذّا، ومعناه: السّرعة في القراءة، وفي الضرب، قال الراجز: ضربا هذاذيك وطعنا وخضا 3 كأنه يقول: هذّا عد هذّ من كلّ وجه، ومثل ذلك قولهم: حواليك بمعنى: حولك، يقال: حولك وحوالك، وقد يقال: حواليك وحوليك إنما يريدون الإحاطة من كل وجه.
ويقسّمون الجهات التي تحيط به إلى جهتين كما يقال: أحاطوا به من جانبيه، ولا يراد أنّ جانبا من جوانبه قد خلا، وأنشد سيبويه قول الراجز: أهدموا بيتك لا أبا لكا … وزعموا أنّك لا أخا لكا وأنا أمشي الدّألى حوالكا 4 فوحّد حوالك:

وزعم الجرميّ 1 عن أبي عبيدة أنّ هذا قول العرب، يعني هذه الأبيات تحكيها العرب عن الضّبّ أنه قال للحسل وهو ولده حيث كانت الأشياء تتكلم، وهذا من قول الحشو منهم أو على وجه التمثيل أو ضرب المثل، كما يحكى عن الفرس وغيرهم أشياء عن ألسنة الطير والسباع والوحش، وقد أحاط علم الحاكي أن ذلك على وجه الأمثال والتحرّز من مثل ذلك المعنى على نحو ما أراده المتمثّل.
وأنشد غير سيبويه في تثنية حوال قول كعب بن زهير: يسعى الوشاة حواليها وقولهم … إنّك يا ابن أبي سلمى لمقتول 2 وفي تثنية حول قول آخر: يا إبلي ما ذامه فتأبيه … ماء رواء ونصيّ حوليه 3 وقال امرؤ القيس في جمع حول: فقالت سباك الله إنّك فاضحي … ألست ترى السّمّار والناس أحوالي 4 وزعم يونس أنّ لبيك اسم واحد غير مثنى، وأنّ الياء التي فيه كالياء التي في عليك ولديك، وكان الخليل وسيبويه يخالفانه.
وأنشد سيبويه: دعوت لما نابني مسورا … فلبّى فلبّى يدي مسور 5 فجعل لبّى يدي بالياء في لبّى كالياء في يدي مسور وهى تثنية يد والياء في قولك رأيت ثوبي زيد وهذا روايته، وإنشاده عن العرب بهذا اللفظ فلو كان بمنزلة قولك: عليك ولديك ثم أضيف إلى ظاهر لكان بالألف.
ألا ترى أنّك تقول: على زيد مال، ولدى زيد خير، فلا يكون إلا بالألف في اللفظ.

وكأن يونس قدّر أنه لو أضيف إلى اسم ظاهر لكان يقال: لبّى زيد كما تقول لدى زيد، وما حكاه سيبويه عن العرب أولى.
قال: وبعض العرب يقول: لبّ لبّ، وفي نسخة أبي بكر مبرمان تقول: لبّ مرّة واحدة فيجره يعني فيكسره، يجريه مجرى أمس وغاق يعني أنّه تثنية، ويجعله صوتا معرفة مثل غاق وما أشبه ذلك؛ كأنّه يحكي أصوات الملبّين.
وقد ذكرت أنّ سيبويه فصل بين الناصب لهذه الأشياء التي ذكرها مما لا يتمكّن ولا يستعمل فيها الفعل وليست بمصادر معروفة وبين سقيا ورعيا وما جرى مجراه ومثلت ذلك.
ومما يجري مجراه قوله: أفّة وتفّة، إذا سئلت عنهما مثّلتهما بقولك أنتنا لقرب معناها منه وليس من (أفّة وتفّة) فعل، وإنما تردّه إلى انتنا لأنه مصدر معروف.
وكذلك تمثيلك بهرا بنتنا، ودفرا بنتنا، لأنّه لا يستعمل من " دفرا " فعل، فجئت بمصدر فعل مستعمل وهو قولك: نتن نتنا، هذا قول سيبويه في بهرا ولم يزد على أن مثّله ب " نتنا ". ويقال في الكلام: بهرني الشيء إذا غلبني، كما تقول: بهر القمر الكواكب أي: غطّاها وأذهب ضوءها، وأنشدوا: حتّى بهرت فما تخفى على أحد … إلا على أحد لا يعرف القمر 1 يقال: بهرا في معنى عجبا، وفسّر بيت عمر بن أبي ربيعة على ذلك، وهو: ثم قالوا تحبّها قلت بهرا … عدد القطر والحصى والتّراب 2 ويقال: بهر فلان فلانا إذا دعا عليه بسوء، ولم أر أحدا فسّر ذلك المدعوّ به إلا سيبويه في قوله: نتنا، وقال ابن ميّادة: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي … بجارية بهرا لها بعدها بهرا 3 فإن قال قائل: ذكرتم أنّ: سبحان، وأفّة، وتفّة، ولبّيك، ليس لها أفعال مستعملة

تنصبها، والعرب تقول: سبّح، ولبّى، وأفّف.
قيل له: أمّا قولهم: سبّح، ولبّى، وأفّف، معناه: قال: سبحان الله، ولبّيك، وأفّة فبنيت هذه الأفعال من هذه الألفاظ بعد استعمالها، كما يقال: دعدع الرجل بغنمه إذا قال لها: داع داع، وهو تصويت بها كما قال: فانعق ودعدعا بالبهائم (1) كقوله: بأبأ الرجل بفلان، إذا قال له: بأبي أنت، قال الراجز: وأن تبأبآن وأن تفدّين (2) وقولهم: هلّل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: بسم الله، وقد علمنا أنّ لا إله إلا الله ليس بفعل ولا بمصدر لفعل، وإن كنا نأخذ منه فعلا، وكذلك سائر ما ذكرناه فاعرفه إن شاء الله.

هذا باب ما ينتصب فيه المصدر المشبّه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره

(وذلك قولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى، قال النابغة الذبيانّي: مقذوفة بدخيس النّحض بازلها … له صريف صريف القعو بالمسد 3 وقال آخر: لها بعد إسناد الكليم وهدئه … ورنّة من يبكي إذا كان باكيا هدير هدير الثور ينفض رأسه … يذبّ بروقيه الكلاب الضّواريا) 4 يصف طعنة لها خرير مما يجري من دمها؛ فقال: لها بعد إسناد الكليم، وهدئه هدو فيه أو هو المطعون، وإسناده أن يسند، وهدؤه وهديه: هدوءه وبكاء من يبكي عليه هدير12

مثل هدير الثور وهو خواره إذا قاتل الكلاب، وانتصاب هذا على ما أذكره، ثم أسوق كلام سيبويه.
قال أبو سعيد: يجوز أن يكون انتصابه بفعل يدلّ عليه له صوت؛ لأن له صوت يدلّ على أنّه يصوّت وينوب عنه؛ فكأنه قال: مررت برجل فإذا هو يصوت صوت حمار، ويكون " صوت حمار " على هذا التقدير منصوبا بالمصدر إن شئت، وإن شئت على أنه حال، وفي كلا الأمرين في صوت حمار معنى التشبيه، فإن كان على المصدر فتقديره: مررت به فإذا هو يصوّت تصويتا مثل صوت الحمار، ويحذف كما قد ذكر حذف ذلك في غير موضع.
وإن كان حالا فتقديره: فإذا هو يصوّت مشبها صوت حمار ومخرجا مثل صوت حمار، أو ممثّلا صوت حمار.
ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل، ويكون ذلك الفعل على وجهين: يجوز أن يكون من لفظ الصّوت.
ويجوز أن يكون من غير لفظه.
فإن كان من لفظه فتقديره: فإذا له صوت يصوّت صوت حمار، فيكون نصب " صوت حمار " على هذا التقدير بالمصدر إن شئت، وإن شئت بالحال جميعا.
وإن كان الفعل الذي تقدّره من غير لفظه نصبت صوت حمار على الحال لا على المصدر، فيكون تقديره: مررت به فإذا له صوت يخرجه مشبها صوت حمار ويمثّله مشبّها صوت حمار أو ما جرى هذا المجرى.
قال سيبويه: (وإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه).
يعني أنك لم ترد أن تجعله نعتا ولا بدلا منه فترفع، وستقف عليه وعلى رفعه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال: (ولكنك لما قلت: له صوت علم أنّه قد كان ثمّ عمل فصار قولك: له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوّت؛ فحملت الثاني على المعنى، وهذا يشبّه في

النّصب لا في المعنى، يقول الله عز وجلّ: جاعل اللّيل 1 سكنا والشّمس والقمر حسبانا) 2 يعني أن جاعل اللّيل سكنا في معنى: جعل الليل سكنا، فعطف الشمس والقمر على معنى جعل.
قال: (وإذا أردت الحال فكأنّه توهّم بعد قوله: له صوت يصوّته صوت حمار، أو يبديه أو يخرجه صوت حمار، ولكنّه حذف هذا لأنّه صار له صوت بدلا منه، فإذا قال: مررت به فإذا هو يصوّت صوت حمار فعلى الفعل غير الحال وعلى الحال، وقد مضى ذكر الوجهين، وإذا قال: يصوّت صوت حمار فعلى إضمارك فعلا بعد الفعل المظهر).
وقد كشفت هذا وبيّنته.
قال: (ومثل هذا: مررت به فإذا له... دقّ " دقّك بالمنحاز حبّ الفلفل ") والمنحاز: الهاون، يريد أنّك كما قلت: له صوت صوت حمار انتصب على أنّه مثال أو حال يخرج عليه الفعل، وأنّك إذا أظهرت الفعل الذي لا يكون المصدر بدلا منه احتجت إلى فعل آخر فتضمره؛ فمن ذلك قول الشاعر: إذا رأتني سقطت أبصارها … دأب بكار شايحت بكارها 3 قال أبو سعيد: اعلم أن مذهب سيبويه أنه إذا جاء بالمصدر بفعل ليس من حروفه كان بإضمار فعل من لفظ ذلك المصدر، فمن أجل هذا استدلّ على إضمار فعل بعد قوله: له صوت بهذا الشعر لأن قوله: دأب بكار منصوب وليس قبله فعل من لفظه فأضمر دأبت دأب بكار، وتدأب دأب بكار، والذي قبله: سقطت أبصارها، كأنّه قال: أداموا النظر إليّ، والدأب: الدوام، فكان في " سقطت أبصارها " بالنظر إليه ما دلّ على أنّها دأبت فأدامت ويكون " دأب بكار " على الحال وعلى المصدر.

وكان أبو العباس يردّ هذا من قول سيبويه ويقول: إنّه يجوز أن يجيء المصدر من فعل ليس من حروفه إذا كان في معناه.
وقد ذكر المازني في قولهم: تبسّمت وميض البرق " قولين للنحويين في نصب وميض البرق: أحدهما: مثل قول سيبويه؛ أنهم يضمرون فعلا، كأنهم قالوا: أومضت " وميض البرق ". والثاني: أنّ " تبسّمت " قد ناب عن أو مضت وميض البرق؛ فكأنه قال: تبسمت تبسّما مثل وميض البرق.
قال أبو سعيد: والذي عندي أنّه يجوز أن ينتصب المصدر بالفعل الذي هو من غير لفظه كقولنا: قعد زيد جلوسا حسنا، وقعد زيد جلوس عمرو، تريد قعودا مثل جلوس عمرو، وفى ذلك دليلان: أحدهما: ما لا يختلف فيه أهل اللغة أنه قد يجيء المصدر من لفظ الفعل المتروك وليس بمبنيّ من بنية الفعل، فلا يكون بينه وبين الذي هو من بنيته فرق كقول الله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا 1 ومصدر تبتّل من بنية بتل، إنما تبتيل مصدر تبتّل تبتيلا، ومثل هذا في الكلام: تحاور القوم احتوارا، واحتوروا تحاورا، ولا فرق بينهما، ويقال: افتقر فقرا، ولا يستعمل من فقر فعل غير افتقر وإن كان ينبغي أن يكون فقر مصدر فقر فاستغني عنه بافتقر، وقال الشاعر: وقد تطوّيت انطواء الحضب 2 يريد: تطوّي الحضب لأنّ المعنى في تطوّى وانطوى واحد؛ فأغنى بنية مصدر أحدهما عن الآخر إذ لا فرق بين المصدرين، كما لا فرق بين الفعلين.
والدليل الآخر: أنا إذا قلنا قعد زيد جلوس عمرو، فالتقدير: قعد زيد جلوسا مثل جلوس عمرو ثم حذف المنعوت والمضاف.
وقولنا: مثل جلوس عمرو معنى صحيح معقول صحّته فإذا حذف مثل وصل الفعل

إلى المصدر الذي هو الجلوس فصار منصوبا بقعد وعلى هذا قوله: سقطت أبصارها دأب بكار، أي: سقطت سقوطا مثل دأب بكار، قولهم: تبسّمت وميض البرق تبسّما مثل وميض البرق، ثم وقع الحذف الذي أدّى إلى انتصاب وميض.
قال سيبويه: (فمما لا يكون حالا ويكون على الفعل المضمر قول رؤبة: لوّحها من بعد بدن وسنق … تضميرك السّابق يطوى للسّبق 1 أراد أنّك نصبت تضميرك بإضمار ضمّرها تضميرك السّابق، وقد دلّ على ذلك لوّحها، لأنّ معنى لوّحها: غيّرها، وضمرها في معناه، ونصبه على أنّه مصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا عنده على الحال؛ لأنّه مضاف إلى الكاف متعرّف به، ولا تكون الحال معرفة، وكذا الباب في كل مصدر مضاف إلى معرفة ألا يكون حالا، فلو كان مكانه تضمير فرس سابق أو تضمير رجل فرسا سابقا جاز أن يكون حالا، وأنشد سيبويه في نحو هذا المعنى قول العجّاج: ناج طواه الأين ممّا وجفا … طيّ الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا 2 فسماوة عند سيبويه مصدر ولا فعل من لفظه فصار بمنزلة لوّحها تضميرك، وسقطت دأب بكار.
وكان المازني يردّ هذا ويقول: إن طيّ الليالي منصوب بطواه، كأنّه قال: طواه طيا مثل طيّ الليالي، ويجعل سماوة الهلال مفعول طيّ، كأنّه قال: كما طوى الليالي سماوة الهلال، وسماوة الشيء: شخصه، والليالي تطوي القمر وتضمّره حتّى يصير هلالا ويصير بمنزلة قول جرير: وطوى القياد مع الطّراد بطونها … طيّ التّجار بحضر موت برودا 3 فجعل " سماوة " مثل: " برودا "، واحقوقف على هذا التفسير للهلال، ومعناه:

تقوّس.
وأما ما يوجبه كلام سيبويه فتكون سماوة منصوبة بإضمار فعل؛ كأنه قال: سما سماوة الهلال إذا أضمر من لفظه، وإن أضمر من غير لفظه، فكأنه قال: صيّره سماوة الهلال.
وكان أبو إسحاق الزجّاج يردّ على المازنيّ ما ذكرنا من قوله إنه لو كان سماوة يعمل فيه طيّ الليالي لكان حقّ الكلام أن يقول: سماوة القمر، لأنّ الليالي تنقص القمر حتى يصير هلالا، ولا يقال: إنّ الليالي تنقص الهلال.
وللمحتجّ عن أبي عثمان أن يقول: قد ينسب الفعل إلى الاسم في منتهاه وإن كان الفعل قد وقع قبل ذلك.
من ذلك قول القائل: نسجت الثوب، والثوب لا ينسج إنّما ينسج الغزل فإذا انتهى صار ثوبا، وعلى ذلك يتأوّل قول العجاج: والشوق شاج للعيون الجذّل 1 وإنما جذلت العيون واسترخت أجفانها من البكاء الذي أوجبه الشوق، ومثله لرؤبة: والسبّ تخريق الأديم الألحن 2 وإنما صار أديما ألحن بالنسب فسماه بما يوجبه الفعل بعد تقضّيه، ومثله قول جرير في تأويل بعضهم: لما أتى خبر الزبير تواضعت … سور المدينة والجبال الخشّع 3 وكان حقه أن يقول: والجبال الشواهق، لأن الجبال الخشّع التي قد تضاءلت وتطأطأت فسمّاها بالاسم الذي توجبه المصيبة.
واحقوقف يجوز أن يكون للجمل الناجي الذي طواه الأين، ويجوز أن يكون

للهلال.
قال سيبويه: (وقد يجوز أن تضمر فعلا آخر كما أضمرت بعد " له صوت " يدلّك على ذلك أنّك إذا أظهرت فعلا لا يجوز أن يكون المصدر مفعولا عليه صار بمنزلة له صوت، وذلك قوله وهو لأبي كبير: ما إن يمسّ الأرض إلا منكب … منه وحرف الساق طيّ المحمل) 1 يريد أنّ طيّ المحمل قد نصب وليس قبله فعل من لفظه ولا معناه، لأنّ ما إن يمسّ الأرض إذا ركّبت " ما " مع " إن يمسّ " لم يكن فعلا ولكن معناه معنى طوي فقادت الضرورة إلى أن يضمر فعل ليس من اللفظ.
وجعل سيبويه هذا دليلا على ما ذكره من إضمار فعل غير المذكور، وقد يدخل في: (صوت حمار)، ": إنّما أنت شرب الإبل "، و " إنما أنت سيرا سيرا "؛ لأنّه لا بدّ له من إضمار فعل فيكون المصدر محمولا على ذلك.
قال أبو سعيد: ذكر سيبويه لمثل هذا تقوية لإضمار فعل فيما خالف مصدره لفظ الفعل المذكور، وإن قدّرنا المصدر منصوبا على أنّه مصدر فكأنه جواب لمن قال: أيّ فعل فعل إذا كان على الحال فكأنه جواب لمن قال على أيّ حال وقع، وإذا كان معرفة لم يكن حالا، وقد تقدم الكلام في هذا، وقد يجوز الرفع في ذلك بقوله: له صوت صوت حمار، وله خوار خوار ثور، إذا جعلته صفة للأوّل ولم ترد فعلا ولا إضماره.
وإن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة للنكرة كما لم يكن حالا، لا تقول: له صوت صوت الحمار، وخوار خوار الثور إذا أردت الصفة، وإنما يجوز ذلك في البدل.
قال سيبويه: (وزعم الخليل أنّه يجوز أن تقول: له صوت صوت الحمار على الصفة؛ لأنّه تشبيه فمن ثم جاز وحسن أن تصف به النكرة).
وتفسير مذهب الخليل أنّ معناه: له صوت مثل صوت الحمار، ومثل وإن كان مضافا إلى معرفة فهو نكرة فلذلك جاز عنده الصفة.
(وزعم الخليل أنّه يجوز أن يقول الرجل: هذا رجل أخو زيد على الصفة إذا

أردت مثل أخي زيد).
واستضعفه سيبويه فقال: (ولو جاز هذا لقلت: هذا قصير الطويل تريد مثل الطويل).
ولجاز أن تقول: جاءني زيد أخاك، تريد مثل أخيك، ومثل البزاز، وهذا يقبح جدّا، كما قبح أن يكون حالا إلا في شعر أو ضرورة.
قال: (وهو في الصفة أقبح لأنّك تنقض ما تكلّمت به).
يريد أنّ الصفة والموصوف كشيء واحد، فلا يجوز أن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة، والحال مع الذي منه الحال ليسا كشيء واحد فصار في الصفة أقبح.

هذا باب ما يختار فيه الرفع

(وذلك قولك: له علم علم الفقهاء، وله رأي رأي الأصلاء.
وإنّما كان الرفع في هذا الوجه لأن هذه خصال يذكرها في الرجل كالحلم والعقل والفضل، ولم ترد أنك مررت برجل في حال تعلّم ولا تفهّم، ولكنك أردت أن تذكر الرجل بفضل فيه، وأن تجعل ذلك خصلة قد استكملها، كقولك: له حسب حسب الصالحين).
قال أبو سعيد: إنّما يرفع الثاني على أحد وجهين: إما أن يكون بدلا من الأول؛ كأنه قال: له علم الفقهاء، وله حسب الصالحين، أو على إضمار هو وما أشبهه، كأنه قال: علم هو علم الفقهاء، وكان الاختيار فيه للرّفع؛ لأنه شيء قد ثبت فيه فصار بمنزلة اليد والرّجل.
ألا ترى أنّك لو قلت: له رأس رأس البقر، وله رجل رجل الفيل ويد يد الحمار وما أشبهه لم يكن فيه إلا الرّفع.
وإنما فرّق بين هذا الباب والباب الأول لأن الباب الأول شيء لم يثبت وإنما يعالج عمله لأنه إذا قال: له صوت صوت حمار؛ فهو شيء يعالجه في الوقت.
وإذا قلت: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، فتصويته إنما كان في وقت مرورك به؛ فوجب من أجل ذلك إضمار فعل ينصب.
(ويدلّك على ذلك ويكشفه قولهم: له شرف وله دين وله فهم).
ولا يراد بذلك أنه يتشرّف ويتديّن ويتفهّم من غير أن يكون استقرت هذه الأشياء.
(ولو أرادوا أن يخبروا أنه يدخل نفسه في الدين ولم يستكمل أن يقال له: ديّن

لقالوا: يتديّن وليس له دين، وكذلك يتشرّف وليس له شرف، ويتفهّم وليس له فهم، قال: فلما كان هذا اللفظ الذي استكمل ما كان غير علاج بعد النصب).
قال أبو سعيد: يعني أن قولهم: له علم علم الفقهاء، وحسب حسب الصالحين، وفهم فهم الأدباء، يقال ذلك لمن فيه فهم مستقر فبعد النصب فيه في قولنا: أمرّ به فإذا له صوت صوت حمار؛ إنما هو معالجة للصوت وإخراجه.
ولو أراد بقوله علم تعلّم وتفهّم وتعاط له لجاز النصب، وصار بمنزلة له صوت صوت حمار، إلا أن المفهوم من كلام الناس وما جرت به عادتهم أنّ ذلك مدح للمذكور، حصل له بما استقرّ فيه من العلم والفهم وغير ذلك.

هذا باب ما يختار فيه الرفع إذا ذكرت المصدر الذي يكون علاجا وذلك إذا كان الآخر هو الأول

وذلك نحو قولك: (له صوت صوت حسن؛ لأنك إنما أردت الوصف، فكأنك قلت: له صوت حسن، وإنما كرّرت الصوت توكيدا، ولم ترد أن تحمله على الفعل) ومثل هذا: مررت برجل رجل صالح، وعنده ثوب ثوب حسن، فيعيدون الاسم فينعتونه بالنّعت الذي يكون للأول.
(ومثل ذلك: له صوت أيّما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، لأن أيّ والمثل صفة أبدا، فإذا قلت: أيّما صوت، فكأنك قلت: له صوت حسن جدّا، وهذا صوت شبيه بذلك، فأيّ ومثل فيهما الأول، الرفع فيهما أحسن؛ لأنّك ذكرت اسما يحسن أن يكون هذا الكلام منه؛ فلمّا كان منه حمل عليه، كقولك: هذا رجل مثلك، وهذا رجل حسن، وهذا رجل أيّما رجل).
قال أبو سعيد: معنى قول سيبويه: يعني هو هو، وهو يستعمله في بعض كلامه، يريد أن قولك: له صوت إنّما هو الأوّل، وصوت مثل صوت الحمار، مثل: هو الأوّل.
وأراد أن يفرّق بين هذا وبين قوله: له صوت صوت حمار؛ لأنّ صوت حمار ليس بالصوت الأوّل، ولم يظهر لفظ مثل فيختار فيه الرفع.
وإذا قلت: له صوت صوت حمار فيقول سيبويه: (إنّما جاز رفعه على سعة الكلام

كما جاز لك أن تقول: ما أنت إلا سير).
قال أبو سعيد: يريد أن جوازه على إضمار " مثل " كإضمارك في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 1 على معنى أهل القرية، وكإضمارك وما أنت إلا سير، أي إلا صاحب سير.
فمن اختار: ما أنت إلا سيرا، اختار له صوت صوت حمار، ومن اختار الرفع في ذلك اختار الرفع في هذا.
(ولو قلت: له صوت أيّما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، أو له صوت صوتا حسنا جاز، وإنما جاز هذا على الحال، أو على المصدر بإضمار فعل؛ لأنّ في قوله: له صوت دلالة على التصويت، فأجاز الخليل النصب لهذا المعنى، ويقوّي ذلك أنّ يونس وعيسى جميعا زعما أن رؤبة بن العجاج كان ينشد هذا البيت: فيها ازدهاف أيّما ازدهاف وفي كتاب أبي بكر مبرمان مفسّر في الحاشية؛ الازدهاف: العجلة، وليس كذلك، قال رؤبة يخاطب أباه ويعاتبه في قصيدة فيها: أقحمتني في النفنف النّفناف … في هول مهوى هوّة الرصّاف 2 قولك أقوالا مع التّحلاف … فيها ازدهاف أيّما ازدهاف وفسّر الازدهاف: الشّدّة والأذى، وحقيقته: استطارة القلب أو العقل من شدة الجزع أو الحزن.
قال الشاعر: ترتاع من نفرتي حتّى تخيّلها … جون السّراة تولّى وهو مزدهف 3 وقالت امرأة من العرب: بل من أحسّ بنيّ اللذين هما … قلبي وعقلي فعقلي اليوم مزدهف 4

ونصب أيّما على تقدير تزدهف أيّما ازدهاف، لأنّ له ازدهاف قد دلّ على ذلك وصار بدلا من اللفظ بالفعل.

هذا باب ما الرفع فيه الوجه

(وذلك قولك: هذا صوت صوت حمار لأنك لم تذكر فاعلا لأنّ الآخر هو الأول حيث قلت: " هذا "، فالصوت هو " هذا " ثم قلت: صوت حمار؛ لأنك لم تشبّه وجعلته هو صوت الحمار لمّا سمعت نهاقا، فلا شك في رفعه وإن شبّهت أيضا فهو رفع؛ لأنك لم تذكر فاعلا يفعله وإنما ذكرت ابتداءه كما تبتدئ الأسماء فقلت " هذا " ثمّ بنيت عليه شيئا هو هو فصار كقولك هذا رجل رجل حرب).
وليس هذا كقولك: له صوت؛ لأنّ اللام دخلت على فاعل الصوت، كأنك قلت: لزيد صوت، ودل ذلك على أنه يصوّت أو قد صوّت، وقولك: هذا صوت صوت حمار، كقولك: هذا رأس رأس حمار، وهذا رجل أخو حرب إذا أردت الشبه؛ لأنه قام مقام مثل وهو مرفوع.
(ومن ذلك: عليه نوح نوح الحمام والاختيار فيه الرفع؛ لأنك لم تذكر الفاعل للنوع فتدل بذكره على الفعل فتنصب).
قال أبو سعيد: الفرق بين " هذا " وبين " له صوت " أن الذي له الصوت فاعل الصوت، والذي عليه النّوح ليس بفاعل للنّوح.
وقولك: نوح الحمام ليس بصفة لنوح، لأنه معرفة ونوح نكرة، وإنما هو بدل، أو على إضمار هو، وقد مضى نحو هذا.
وإذا قلت لهنّ نوح نوح الحمام وأنت تعني النوائح كان الوجه النصب؛ لأنّهنّ الفاعلات، كما كان في قولك له صوت صوت الحمار، وإنما قولك عليه نوح أنه موضع للنّوح الذي ناحه غيره.
قال سيبويه: (ولو نصبت لكان وجها؛ لأنّه إذا قال: هذا صوت وهذا نوح فقد أحاط العلم أن مع الصوت والنّوح فاعلين فتجعله على المعنى) كما قال: = الأغاني 16: 271؛ تاج العروس (زهف).

قد سالم الحيات منه القدما … الأفعوان والشّجاع الشّجعما 1 قال أبو سعيد: الشاهد: أنّه رفع الحيّات بسالم، ونصب القدم لأنّه مفعول سالم، والأفعوان وما بعده هنّ الحيات فنصبها وحقّها الرفع بالبدل من الحيات فحمل نصبهنّ على المعنى، وذلك أن سالم وباب فاعل حقّه أن يكون من اثنين كلّ واحد منهما يفعل بصاحبه مثل الذي يفعله صاحبه به، فلما قال: سالم الحيات القدم دلّ على أن القدم مسالمتها فأضمر مسالمة القدم للأفعوان؛ فكأنه قال: سالمت القدم الأفعوان.
وكان الفرّاء ينشد " الحيّات " منصوبا بكسر التاء ويجعل القدم تثنية، أراد: القدمان وحذف النون للضرورة كما قال: أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذا … قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا 2 وقال تأبّط شرّا: هما خطّتا إمّا إسار ومنّة … وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر 3 أراد " خطّتان "، ورأيت من روى: " هما خطتا إما إسار ومنّة " بخفض إسار ويجعل خطتا مضافا إلى إسار.
ومما حمل على المعنى قوله: ليبك يزيد ضارع لخصومة … ومختبط مما تطيح الطوائح 4 رفع يزيد بما لم يسمّ فاعله، ثم رفع ضارعا على المعنى؛ لأنه لما قال: ليبك علم أنّ باكيا يبكيه فأضمر ليبكه ضارع، ومثله في بعض القراءات: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ 5 كأنه قال: زيّنه

شركاؤهم، وبعض يروي ليبك يزيد ضارع، فينصب " يزيد " ولا شاهد في هذا.

هذا باب ما لا يكون فيه الرفع

(وذلك قولك: له يد يد الثور، وله رأس رأس الحمار؛ لأنّ هذا الاسم فلا يتوهّم أن الرجل يصنع يدا أو رجلا وليس بفعل وقد مضى هذا في خلال ما أمليناه).

هذا باب آخر لا يكون فيه إلّا الرفع

(وذلك قولك: صوته صوت حمار، وتلويحه تضميرك السابق، ووجدي به وجد ثكلى).
وإنما وجب الرفع لأن قولك صوته مبتدأ لا بدّ له من خبر، وصوت حمار خبره على معنى: مثل صوت حمار فوجب رفعه، قال الشاعر: وجدي بها وجد المضلّ بعيره … بنخلة لم تعطف عليه العواطف (1) وكذلك لو قلت: مررت به فصوته صوت حمار.
قال سيبويه: (فإن قال: فإذا صوته يريد الوجه الذي يسكت عليه دخله النصب، لأنه يضمر بعده ما يستغنى به).
قال أبو سعيد: يريد أنّ " إذا " هذه وهي التي تكون للمفاجأة إذا كان بعدها مبتدأ جاز أن يسكت عليها ولا يؤتى لها بخبر كقولك: خرجت فإذا زيد، ويجوز أن يؤتى بخبرها فيقال: خرجت فإذا زيد قائم.
فإذا قال: صوته صوت حمار وهو يريد الوجه الذي تأتي فيه بالخبر فقد وجب رفع الثاني كما يرفع في قولك: صوته صوت حمار.
وإن قدّر الاستغناء عنه كان منصوبا على الحال أو بإضمار فعل على نحو ما مضى.

هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه عذر لوقوع الأمر

(فانتصب لأنه موقوع له، ولأنه تفسير لما قبله؛ وليس بصفة لما قبله ولا منه فانتصب كما انتصب " الدّرهم " في قولك: عشرون درهما.
وذلك قولك: فعلت ذلك حذار الشرّ، وفعلت ذاك مخافة فلان، وادخار فلان،1

قال الشاعر وهو حاتم: وأغفر عوراء الكريم ادّخاره … وأعرض عن شتم اللئيم تكرّما 1 وقال النابغة: وحلّت بيوتي في يفاع ممنّع … يخال به راعي الحمولة طائرا حذارا على أن لا تصاب مقادتي … ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا 2 وقال الحارث بن هشام: فصفحت عنهم والأحبة فيهم … طمعا لهم بعقاب يوم مفسد 3 وقال العجّاج: يركب كلّ عاقر جمهور … مخافة وزعل المحبور والهول من تهوّل الهبور 4 وفعلت ذاك أجل كذا وكذا، فهذا كله ينتصب؛ لأنه مفعول له كأنه قيل له: لم فعلت كذا وكذا فقال: لكذا وكذا لمّا طرح اللام عمل فيه كما عمل في " دأب بكار " ما قبله حين طرحت مثل وكان حالا تعني دأب بكار).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ المصدر المفعول له إنّما هو السبب الذي له يقع ما قبله وهو جواب لقائل قال له: لم فعلت كذا؟ فيقول: لكذا وكذا، كرجل قال لرجل: لم خرجت من منزلك؟ فقال: لابتغاء رزق الله، أو قال له: لم تركت السوق؟ فقال للخوف من زيد ولحذار الشرّ.

وبعض النحويين يقدّره ب " لولا " ومعناه: لولا حذار الشرّ ما تركت السوق، ولولا ابتغاء رزق الله ما خرجت من البيت، وذلك على ضربين: أحدهما: أن تفعل الفعل تجذب به فعلا آخر، كقولك: احتملتك لاجتذاب مودّتك، ولاستدامة مسالمتك، فهو معنى تجذبه باحتماله.
والوجه الآخر: أن تدفع بالفعل الأول معنى حاصلا، وتجذب به معنى آخر كقولك: فعلت ذاك حذار شرّ زيد؛ كأنّ الحذار معنى حاصل تزيله بفعل ذلك الشيء، وتجذب ضده من الأمر.
ويجوز أن يكون هذا المصدر معرفة ونكرة؛ لأنه ليس بحال فيحتاج فيه إلى لزوم النكرة.
فأما المعرفة: فقولك ذلك لابتغاء الخير وللخوف من زيد.
وأمّا النكرة: فقولك لابتغاء الخير، ولخوف من زيد، ويجوز حذف اللام ونصب الذي بعدها كقولك: قلته ابتغاء الخير، وحذارا من شرّ، والناصب للمصدر الفعل المذكور لا غير، والدليل على ذلك: أن قائلا لو قال: فعلت هذا الفعل لزيد لكانت اللام في صلة الفعل المذكور لا غير، ولم تكن بنا حاجة إلى طلب فعل آخر، فإذا ألقيت اللام وهي في موضع نصب بالفعل وصل الفعل إليه فنصبه، وتدخل " من " في معنى اللام لأنه يجوز أن تقول: خرجت من أجل ابتغاء الخير، واحتملت من أجل خوف الشّر، ومعناهما واحد، وعلى ذلك قوله عز وجل: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ 1 أي لحذر الموت، أو من أجل حذر الموت.
ولو قال قائل: فعلت هذا لزيد، أو من أجل زيد لم يجز حذف اللام، ونصب زيد؛ لأنه يقع في ذلك لبس، وإنما جاز في المصادر لزوال اللبس، ولأنه جواب لم، ولا يحسن أن تقول: لم خرجت؟ فيقول: لزيد؛ لأن موضعه على شيء يطلب حدوثه وليس زيد من ذلك.
وقد أنكر النحويون أن يقام " حذار الشرّ " و " ابتغاء الخير " مقام الفاعل فلم يجيزوا أن يقال: سير بزيد حذار الشّرّ، ولا سير به ابتغاء الرّزق.

وقد أجازوا: سير بزيد يوم الجمعة، وسير به فرسخان، والفصل بينهما أن الظروف قد توسعت فيها العرب، فأقاموها مقام الفاعلين والمفعولين فقالوا: ليلك نائم ونهارك بطّال، قال الله عز وجل: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (1) فلمّا كان ذلك في الظروف أقاموها مقام الفاعل على السعة ولم يتّسع في المفعول له هذا الاتساع فيخرج عن بابه بإقامته مقام الفاعل.
قال سيبويه: (وحسن في هذا الألف واللام؛ يعني المفعول له؛ لأنه ليس بحال فيكون في موضع فاعل، ولا يشبّه بما مضى من المصادر في الأمر والنهي وغيرهما؛ لأنه ليس موضع ابتداء ولا موضعا يبنى على مبتدإ، فمن ثمّ خالف باب " رحمة الله عليه ").
يعني خالف باب " رحمة الله عليه " وسائر المصادر التي يجوز فيها الرفع والنصب مما تقدّم ذكره فلم يجز في المفعول له غير النصب.
يعني أن المصادر التي تنصب في أوّل الكلام قد ترفع- أيضا- بالابتداء وبخبر الابتداء، نحو: صبر جميل، وطاعة، وقول معروف.

هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال وقع فيه الأمر فانتصب لأنّه موقع فيه الأمر

(وذلك قولك: قتلته صبرا، ولقيته كفاحا، ولقيته فجاءة، ومفاجأة ولقيته عيانا، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضا وعدوا ومشيا، وأخذت ذلك عنه سماعا وسمعا، وليس كلّ مصدر- وإن كان في القياس مثل ما مضى من هذا الباب- يوضع هذا الموضع؛ لأن المصدر هنا في موضع فاعل إذا كان حالا.
ألا ترى أنه لا يحسن أتانا سرعة، ولا أتانا رجلة، كما أنه ليس كلّ مصدر يستعمل في باب سقيا وحمدا).
قال أبو سعيد- رحمه الله-: اعلم أنّ مذهب سيبويه في: أتيت زيدا مشيا وركضا وعدوا، وما ذكره معه أن المصدر في موضع الحال كأنّه قال: أتيته ماشيا وراكضا وعاديا، وكذلك: قتلته صبرا أي: قتلته مصبورا، ولقيته مفاجئا ومكافحا ومعاتبا، وكلمته مشافها، وأخذت ذلك عنه سماعا إذا كان الحال من الفاء، وإن كان من الهاء فصابرا، وليس ذلك بقياس مطّرد وإنما يستعمل فيما استعملته العرب، لأنه شيء وضع في موضع غيره كما أن1

باب سقيا لا يطّرد فيه القياس، فيقال طعاما وشرابا، وقد ذكر هذا فيما تقدم.
وكان أبو العباس يجيز هذا في كلّ شيء دلّ عليه الفعل فأجاز أن تقول: أتانا سرعة، وأتانا رجلة، ولا تقول: أتانا ضربا ولا أتانا ضحكا، لأن الضرب والضحك ليس من ضروب الإتيان والسرعة، والرّجلة من ضروب الإتيان، لأنّ الآتي ينقسم إتيانه إلى سرعة أو إبطاء أو توسّط، وتنقسم إلى رجلة وركوب، ولا ينقسم إلى الضرب والضحك.
وكان يقول: إنّ نصبك مشيا إنما هو بالفعل المقدّر كأنه قال: أتانا يمشي مشيا، وكان يدّعي أنّ هذا القياس قول النحويين.
وكان الزجاج يذهب إلى تصحيح مذهب سيبويه وهو الصواب؛ لأن قول القائل: أتانا زيد مشيا يصح أن يكون جوابا لقائل قال: كيف أتاكم زيد؟ وكذلك: كيف لقيت زيدا؟ فتقول: فجاءة، إنما تقع للحال؛ فكأنه قال مفاجئا، ولو كان على ما قال المبرّد: إنّ الناصب للمصدر الفعل المضمر وأن ذلك الفعل المضمر في موضع الحال لجاز أن تقول: أتانا زيد المشي، وهو لا يجيز هذا، وعلى قياسه يلزمه ذلك؛ لأنه يكون تقديره: أتانا زيد يمشي المشي، والفعل يتعدّى إلى المصدر المحض الذي ليس فيه معنى الحال معرّفا ومنكّرا.
قال أبو سعيد- رحمه الله-: والذي عندي أنه يجوز أن تنصب مشيا وفجاءة على المصدر من غير الوجه الذي ذكره أبو العباس، وهو أن تجعل " أتى " في معنى: مضى إليّ، ويكون " مشيا " مصدرا له، وكذلك لقيته فجاءة، كأنه قال فاجأته مفاجأة على نحو ما تقدّم من المصدر الذي من غير لفظ الفعل المذكور، كقولهم: تبسّمت وميض البرق، وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: فهل تجيز أن تقول جاءني زيد المشي، ولقيته الفجاءة إذا كان المصدر لا يمنع عمل الفعل فيه، وإن كان معرفة؟ قيل له: لا يجوز هذا لأنّ هذا المصدر لا يجوز استعماله في كل مكان على ما حكاه سيبويه من أنّه لا يقال: أتانا سرعة، وإنما هو شيء استعمل في غير موضعه فلم يتجاوز فيه ما استعملوه، ومثل ذلك قول الشاعر، وهو زهير:

فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا … على ظهر محبوك ظماء مفاصله (1) فالتقدير فيه: فلأيا بلأى حملنا، وما زائدة، ولأيا: بطاء وجهدا، فكأنه قال: مجهودين حملنا وليدنا، ومبطئين حملنا وليدنا، ويقال: التأت عليه الحاجة إذا أبطأت، قال الراجز: ومنهل وردته التقاطا (2) أي: فجاءة، وهو من الأول.

وهذا باب ما جاء منه في الألف واللام

(وذلك قولك: أرسلها العراك، وقال لبيد: فأرسلها العراك ولم يذدها … ولم يشفق على نغص الدّخال) 3 ويروى: نغص الدّخال، فنصب العراك وهو مصدر عارك يعارك معاركة وعراكا إذا زاحم، وجعل العراك في موضع الحال وهو معرفة، وذلك شاذّ، وإنما يجوز مثل هذا لأنه مصدر ولو كان اسم فاعل ما جاز، لم تقل العرب أرسلها المعارك، ولا مثل جاء زيد القائم، وإنما وضعوا بعض المصادر للمعارف في موضع الحال فمنها مصادر بالألف واللام، ومنها مصادر مضافة إلى معارف.
فأما ما كان بالألف واللام فالعراك، ومثله قول أوس بن حجر: فأوردها التقريب والشدّ منهلا … قطاه معيد كرّة الورد عاطف 4 أراد: فأوردها تقريبا وشدّا في معنى مقرّبا وشادّا، ومثله:12

مدّت عليه الملك أطنابها … كأس رنوناة وطرف طمر (1) ومعنى البيت: أنه وصف ملكا دائم الشرب فقال: مدّت عليه، يعني: على الملك كأس، رنوناة أطنابها في معنى: الملك مملّكا الملك؛ فجعل الملك في معنى الحال، وتقديره: مملّكا.
وأما ما جاء منه مضافا معرفة فقولك: طلبته جهدك وطاقتك، وفعلته جهدي وطاقتي، وهو في موضع الحال؛ لأن معناه: مجتهدا، ولا يستعمل هذا إلا مضافا، لا تقول، فعلته طاقة ولا جهدا وقد مضى من المصادر أن منها ما لا يستعمل إلا مضافا، نحو: معاذ الله، وعمرك الله.
قال: (ومثله: فعله رأي عيني وسمع أذني، قال ذاك وإن قلت: سمعا جاز) لأنّه قد استعمل مضافا وغير مضاف.

هذا باب ما جعل من الأسماء مصدرا كالمضاف في الباب الذي يليه

(وذلك قولك: مررت به وحده، ومررت بهم وحدهم، ومررت برجل وحده ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز: مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم، وكذلك إلى العشرة.
وزعم الخليل أنهّ إذا نصب ثلاثتهم فكأنّه يقول: مررت بهؤلاء فقط لم أجاوزهم.
كما أنه إذا قال: وحده فإنما يريد: مررت به فقط لم أجاوزه.
وأمّا بنو تميم فيجرونه على الاسم الأول إن كان جرّا فجرّ، وإن كان نصبا فنصب وإن كان رفعا فرفع.
وزعم الخليل أن الذين يجرّونه كأنّهم يريدون أن يعمّوا كقولك: مررت بهم كلّهم أي لم أدع منهم أحدا.
وزعم الخليل حين مثّل نصب وحدهم وخمستهم أنه كقولك: مررت بهم أفرادهم، أي إفرادا لهم، فهذا تمثيل وإن لم يستعمل في الكلام) قال أبو سعيد- رحمه الله-: ليونس قول في " وحده " يأتي في الباب الثالث من هذا1

الباب، وأنا أفسر جملة هذا الباب مع ذكر قول يونس.
قال سيبويه: (ومثل " خمستهم " في الكلام قول الشاعر، وهو الشّمّاخ: أتتني سليم قضّها بقضيضها … تمسّح حولي بالبقيع سبالها) (1) قال أبو سعيد: هذا البيت في النّسخ منسوب إلى الشماخ، وهو لأخيه مزرّد والنحويّون يروونه في الاستشهاد منصوب اللام من سبالها، وهي مرفوعة أولها في شعره: أتتني خفاف قضّها بقضيضها … تمسّح حولي بالبقيع سبالها يقولون لي احلف قلت لست بحالف … أخادعهم عنها لعلّي أنالها ففرّجت غمّ الموت عني بحلفة … كظهر الجواد يردّ عنها جلالها (2) وقد استعمل " قضّها بقضيضها " على وجهين: منهم من ينصبه على كلّ حال؛ فيكون بمنزلة المصدر المضاف المجعول في موضع الحال كقولك: مررت به وحده وفعلته جهدك وطاقتك.
ومنهم من يجعله تابعا لما قبله في الإعراب فيجريه مجرى كلّهم، فيقول: أتتني سليم قضّها بقضيضها، ورأيت سليما قضّها بقضيضها، ومعناها: أجمعين، أو كلهم، وهو مأخوذ من القضّ وهو الكسر، وقد يستعمل الكسر في معنى الوقوع على الشيء بسرعة، كما يقال: عقاب كاسر، وكأن معنى قضّهم: انقضّ بعضهم على بعض وتجمعوا.

هذا باب ما يجعل من الأسماء مصدرا كالمصدر الذي فيه الألف واللام نحو: العراك

(وهو قولك: مررت بهم الجمّاء الغفير، والناس فيها الجمّاء الغفير، فهذا ينتصب كانتصاب العراك.12

وزعم الخليل أنهم أدخلوا الألف واللام في هذا الحرف وتكلموا به على نيّة ما يدخله الألف واللام، وهذا يجعل مثل قولهم: مررت بهم قاطبة، ومررت بهم طرّا، أي جميعا، إلا أنّ هذا نكرة لا تدخله الألف واللام كما أنه ليس كل مصدر بمنزلة العراك، كأنه قال: مررت بهم جمعا لهم، فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به، فصار طرّا وقاطبة بمنزلة سبحان في بابه لا يتصرّف كما كان طرّا وقاطبة لا يتصرفان، ولا يكونان معرفة، وهما في موضع المصدر، ولو كانا في موضع الصفة لجريا على الاسم ولبنيا على الابتداء ولم يوجد هذا في الصفة، وقد رأينا المصادر قد صنع بها هذا).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ الجمّاء: هو اسم، والغفير: نعت لها، وهو بمنزلة قولك- في المعنى-: الجمّ الكثير، لأنّه يراد به: الكثرة، والغفير يراد به: أنّهم قد غطّوا الأرض من كثرتهم، من قولنا: غفرت الشيء، أي: غطيته، ومنه: المغفر؛ الذي يوضع على الرأس لأنه يغطيه، ونصبه في قولك: مررت بهم الجمّاء الغفير على الحال، وقد تقدّم القول أن الحال إذا كانت اسما غير مصدر لم يكن بالألف واللام، فأحوج ذلك سيبويه والخليل أن جعلا " الجمّاء الغفير " في موضع المصدر كالعراك، كأنّك قلت: مررت بهم الجموم الغفر، على معنى: مررت بهم جامين غافرين للأرض، ولم يذكر أصحابنا أنهما يستعملان في غير الحال، وذكر غيرهم شعرا فيه الجمّاء الغفير مرفوع، وهو قول الأعشى: صغيرهم وشيخهم سواء … هم الجمّاء في اللّؤم الغفير 1 وأما قولهم: مررت بهم قاطبة، ومررت بهم طرّا؛ فعلى مذهب الخليل وسيبويه جميعا هما في موضع مصدرين، وإن كانا اسمين، وذلك أن قاطبة وإن كان لفظها لفظ الصفات كقولنا: ذاهبة، وقائمة، وطرّا وإن كان لفظها لفظ صغرا وشهيا وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز حملها إلا على المصدر، وذلك أنّا رأينا المصادر قد يخرجن عن التمكن؛ فلذلك حمل سيبويه " قاطبة " و " طرّا " على المصدر، وصار بمنزلة مصدر استعمل في

موضع الحال، ولم يتجاوز ذلك الموضع، كما لم يتجاوز ما ذكرناه من المصادر في موضعه، وفيما ذكرنا خلاف من يونس يذكره سيبويه في الباب الذي يليه ونشرحه إن شاء الله.

هذا باب ما ينتصب لأنه حال وقع فيه الأمر وهو اسم

(وذلك قولك: مررت بهم جميعا وعامّة وجماعة، كأنك قلت مررت بهم قياما).
قال سيبويه: (وإنما فرقنا بين هذا الباب والباب الأول لأنّ الجميع والعامة اسمان متصرفان، تقول: كيف عامتكم؟، وهؤلاء قوم جميع، فإذا كان الاسم حالا يكون فيه الأمر لم تدخله الألف واللام ولم يضف).
قال أبو سعيد:- رحمه الله- اعلم أنك إذا قلت: مررت بهم جميعا فله وجهان: أحدهما: أن تريد مررت بهم وهم مجتمعون؛ كما قال الله عزّ وجل: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ 1. والآخر أن تريد مررت بهم فجمعتهم بمروري، وإن كانوا متفرقين في مواضع، فإن أردت الوجه الأول فهو حال لا وجه له غيره.
وإن أردت الوجه الثاني جاز أن يكون في موضع مصدر بإضمار فعل آخر كأنه قال: جمعتهم جمعا في مروري.
وإن صيرناه حالا فعلى نحو قوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 2 وقولهم: قم قائما، وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
وعامة وجماعة بمنزلة جميع، ولا يجوز أن تقول: مررت بهم الجميع والعامة والجماعة، ولا مررت بهم جميعهم وجماعتهم، كما لا يجوز ضربته القائم تريد قائما، ولا ضربتهم قائمهم تريد قائمين، وإنما جاز مررت بهم خمستهم؛ لأنه على مذهب الخليل وسيبويه يجعل خمستهم بمنزلة المصدر كقولهم طاقته وجهده، والجمّاء الغفير بمنزلة العراك وطرّا وقاطبة حين لم يكونا موصوفين بمنزلة الجمع؛ لأنّ القطب في الأصل هو: ضمّ الشيء، تقول: قطبت الشيء أي: ضممته وجمعته، والطّرّ: مأخوذ من أطرار الطريق

وهي: جوانبه، وصار طرّا وقاطبة في معنى جمعا، وصار نصبها كنصب مررت بهم جمعا، ورأيته مكافحة وفجاءة.
قال سيبويه: (فجعلت هذه يعني الجمّاء الغفير بمنزلة المصادر المعروفة البيّنة، يعني: العراك وما جرى مجراه، كما جعلوا عليك ورويدك كالفعل المستعمل، وكما جعلوا لبّيك، وسبحان بمنزلة سقيا وحمدا، وهذا تفسير الخليل.
ومعنى قولهم: جعلهم عليك، ورويدك كالفعل المستعمل فإنّ عليك زيدا بمنزلة خذ زيدا، ورويدك كقولك: أمهل زيدا، وكجعلهم لبيك وسبحان وإن كانا غير متصرفين بمنزلة حمدا وسقيا في النصب، وتقدير ناصب ينصبها).
وقد حكي عن المازنيّ أنه قال: يقال طررت القوم إذا مررت بهم جميعا، وإذا صح هذا لم يوجب تمكّن " طرّا " لا يكون مأخوذا من لفظ " طرّ " كما أخذ " سبّح " من لفظ " سبحان "، وهلل من قولك: لا إله إلا الله.
قال: (وزعم يونس أنّ " وحده " بمنزلة عنده وأن " خمستهم " و " الجمّاء الغفير " و " قضّهم " بمنزلة قولك: جميعا وعامّة، وكذلك طرّا وقاطبة عنده بمنزلة وحده، وجعل المضافة منه بمنزلة " كلّمته فاه إلى فيّ "، وليس مثله لأن الآخر هو الأول عند يونس، وفاه إلى فيّ ههنا غير الأول، وأما طرّا وقاطبة فأشبه ذلك لأنّه جيّد أن يكون حالا غير أن المصدر نكرة، والذي نأخذ به الأول).
قال أبو سعيد: مذهب يونس أن الجمّاء الغفير اسم؛ لأنّه موضع المصدر وأن الألف واللام في نية الطرح، وقد ردّ هذا سيبويه بأنّ " فاه إلى في " غير الأول، و " وحده " عند يونس هو الأوّل، ومعنى ذلك أن يونس يجعل " وحده " إذا قلت: " مررت به وحده " بمنزلة متوحّدا ومنفردا، ويجعل المرور به، وكذلك إذا قلت: لقيته وحده جعلت " وحده " بمعنى منفردا وجعلته الملقيّ، وتقول: " كلّمته فاه إلى فيّ " معناه معنى المشافهة، وذلك وجه آخر.
قال يونس: " مررت به وحده "، معناه على حياله في موضع الظّرف، وإذا كان الظرف صفة أو حالا قدّر فيه مستقرّ ناصب للظرف، ومستقر هو الأول.
وأما مذهب سيبويه في " وحده " فالذي قال المبرّد: إنه يحتمل أن يكون الفاعل والمفعول به، أما كونه للمفعول به فهو أن تقول: مررت به وحده أي: منفردا في مكانه

لم يكن معه غيره.
والآخر: أن تجعل قصدك إليه دون غيره؛ فتقول: مررت به وحده أي: لم أعتمد غيره في مروري.
وكان الزجّاج يذهب إلى أنّ وحده مصدر هو للفاعل دون المفعول فإذا قلت: مررت به وحده، كأنك قلت: أفردته إفرادا، ثم إنّ سيبويه جعل يونس في جعله طرّا وقاطبة اسمين لا مصدرين أعذر منه في الجمّاء الغفير لأنّهما نكرات وهما اسمان، غير أنه لا يقول بقوله من أجل أنه لو كانا اسمين لجاز أن يستعملا متمكنين؛ لأن هذا مثل التي تستعمل أحوالا.
(وأما كلّهم وجميعهم وأجمعون وعامّتهم وأنفسهم فلا تكون أبدا إلا صفة).
قال أبو سعيد: يعني توكيدا لما قبله وجاريا عليه.
وتقول: " هو نسيج وحده " فهو مدح، وأصله أنّ الثوب إذا كان مرتفعا لا ينسج على منواله معه غيره، فكأنه قال نسيج إفراده، ويقال: هذا للرجل إذا أفرد بالفضل.
وأما " عيير وحده " و " جحيش وحده " فهو تصغير عير وهو: الحمار وجحش وهو: ولد الحمار، ويذمّ بهذا الرّجل، وهو الذي ينفرد فيما يخصّه بفعله ولا يخالط أحدا في رأي ولا معونة ولا يدخل في معونة أحد، ومعناه: أنه ينفرد بخدمة نفسه، وقد يقال: جحيش نفسه وعيير نفسه على ذلك المعنى.

هذا باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله

(وذلك قولك: هذا عبد الله حقّا، وهذا عبد الله الحقّ لا الباطل، وهذا زيد غير ما تقول.
وزعم الخليل أنّ قوله: " هذا القول لا قولك "، إنّما نصبه كنصب " غير ما تقول "؛ لأنّ " لا قولك " في ذلك المعنّى.
ألا ترى أنّك تقول: هذا القول لا ما تقول، فهذا في موضع نصب، فإذا قلت لا قولك فهو في موضع لا ما تقول).
قال أبو سعيد: حقّا وما بعده مصادر، والناصب لها فعل قبلها يؤكد الجملة، وذلك الفعل أحقّ أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت هذا عبد الله جاز أن يكون كلامك قد جرى على يقين منك وتحقيق، وجاز أن يكون على شكّ، ويجوز أن يكون حقّا معرفة ونكرة لأنه ليس بحال، وإذا قلت: الحقّ لا الباطل؛ فالباطل عطف على الحق بلا كما

تقول: رأيت زيدا لا عمرا، وإذا قلت: هذا زيد حقّا لا باطلا، وإن شئت: هذا زيد أقول غير ما تقول، إذ قد عرف أن قول المخاطب باطل فكأنه قال: أقول الحقّ، وإذا قال: هذا القول لا قولك فكأنه قال: هذا القول لا أقول قولك إذ كان باطلا.
(ومثله في الاستفهام: أجدّك لا تفعل كذا وكذا؟ وأصله من الجدّ، كأنه قال: أجدّا، غير أنه لا يستعمل إلا مضافا).
حتى يعلم من صاحب الجد، ولا يجوز أن تترك الإضافة في قولك: هذا القول لا قولك، أو غير قولك لم يكن ما نفيته بلفظ على البطلان، ولو نعتّه بشيء يدلّ على أنه باطل لجاز لو قلت: هذا القول غير قولك باطلا، أو قيل: كذب ضعيف أو نحو ذلك ممّا يدلّ على قوّة ضده وصحته لجاز وكان فيه توكيد، والمبتغى من ذلك أن تحصل الفائدة للتوكيد.
(ومن ذلك أيضا: قولك: قد قعد البتّة، ولا يستعمل إلا معرفة بالألف واللام، كما أن جهدك وأجدّك لا يستعملان إلا معرفة بالإضافة) كما لزم بعض ما مضى من المصادر التعريف، كقولك: سبحان الله، ولبيك وسعديك، وعمرك الله وقعدك.
(وأمّا الحقّ والباطل فيكونان معرفة بالألف واللام ونكرة؛ لأنهما لم ينزلا منزلة ما لم يتمكّن من المصادر).
وفي نسخة الزجّاج: منزلة ما لم يتمكن من المضاف كسبحان وسعديك.
فقال الزجاج: إذا قلت: " هذا زيد حقّا "، " وهذا زيد غير " قيل: باطل، لم يجز تقديم حقّا، لا تقول حقّا هذا زيد؛ فإن ذكرت بعض هذا الكلام فوسّطته وقلت: زيد حقّا أخوك، وزيد قائما أخوك، وطولت بالفرق بين " زيد حقا أخوك وزيد قائما أخوك " على الحال، فقيل له أنت لا تجيز: زيد قائما أخوك إذا أردت به الصّداقة لا غير؛ لأنه غير متمكّن فلم أجزت: زيد حقا أخوك؟ فقال: إنما امتنعت تقديم الحال لأنّ العامل فيه أخوك وليس بعامل قويّ، فإذا قلت: " حقّا " فالعامل فيه أحقّ وهو فعل مضمر، فإذا ذكرت بعض الكلام فعلم أنّي فيه: إما متيقّن وإما شاك جاز أن أضمر اللّفظ الذي يدلّ على أحد المتوهمين منّي.
قال أبو سعيد: لم يذكر سيبويه بطلان تقديم حقّا، بل قد قال في الاستفهام: أجدّك لا تفعل كذا وكذا؟ كأنه قال: أحقّا لا تفعل كذا، فقد تقدّم " أحقّا " و " أجدّك " على الجملة

التي بعدها، ولم يورد الزجّاج هذا على نفسه، ولعل المجيب عنه يقول: إن ألف الاستفهام لمّا كانت طالبة للفعل وفي الجملة تقدير فعل قدّم، وفي ذلك نظر والله الموفق.

هذا باب ما يكون المصدر فيه توكيدا لنفسه نصبا

(وذلك قولك: له عليّ ألف درهم عرفا، ومثل ذلك قول الشاعر وهو الأحوص: أصبحت أمنحك الصدود وإنّني … قسما إليك مع الصدود لأميل 1 وإنما صار توكيدا لنفسه؛ لأنه حين قال: له عليّ فقد أقرّ واعترف، وحين قال: لأميل، علم أنه قد حلف ولكنّه قال عرفا وقسما توكيدا، كما أنه إذا قال: سير عليه؛ فقد علم أنه كان " سير: ثم قال: سيرا توكيدا).
قال أبو سعيد: الفرق بين هذا الباب والباب الذي قبله في جعله الباب الأول توكيدا لما قبله، وجعله هذا الباب توكيدا لنفسه أن الباب الأول إذا قال: هذا عبد الله حقّا، أنّ قوله: هذا عبد الله من قبل أن تذكر حقّا يجوز أن يظنّ أن ما قاله حقّ وأن يظن أن ما قاله باطل فتأتي ب (حقّا) لتجعل الجملة مقصورة على أحد الوجهين المحتملين عند السامعين، وقوله: له عليّ ألف درهم اعتراف حقا كان أو باطلا فصار هذا تأكيدا لنفسه، لأنه توكيد اعترف الذي هو معنى الكلام الظاهر هو لفظ اختصاص جعل الآخر عامّا، وإنما قال قسما؛ لأن التقدير: وإنني إليك مع الصدود لأميل، ظاهر هذا قسم كما أن ظاهر " له عليّ ألف درهم " اعتراف، فتدخل الألف واللام في هذا التوكيد كدخولهما في هذه المصادر المتمكنة التي تكون بدلا من اللفظ بالفعل كدخولهما في الأمر نحو: الضّرب زيدا، والنهي نحو " الحذر " كقولك: إنما أنت السير السير، والاستفهام كقولك: القيام وقد قعد الناس؟ (وتجوز إضافة المصدر المؤكد فى هذا الباب، والإضافة فيه بمنزلة الألف واللام؛ كقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ) 2 الشاهد فيه: صنع الله، لأن ما قبله صنع لله في الحقيقة، وكذلك قوله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ

وَعْدَهُ 1؛ لأن ما قبله وعد من الله.
(وقال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ 2، لأن أحسن كلّ شيء في معنى: خلقه حسنا، فأكّد بخلقه، وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ 3 وقوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ بمنزلة فرض الله عليكم، وتحريم الله عليكم؛ لأن الابتداء تحريم المذكورات من النساء في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ 4 إلى قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ بينها وبين زوجها، فهذه شريعة شرعها الله تعالى لهم، وكتاب كتبه عليهم، على معنى: فرض ألزمهم إيّاه.
وقال الكسائي: " كتاب الله " منصوب بعليكم، كأنه قال: " عليكم كتاب الله، وأكثر النحويين يدفعون هذا، لأن الإغراء بهذه الحروف ليس لها قوّة الفعل، ولا يحسن أن تقول: زيدا دونك، وزيدا عليك، كما تقول: زيدا خذ، وإنما تعلّق في جواز هذا بقول الشاعر: يا أيّها المائح دلوي دونكا … إنّي رأيت النّاس يحمدونكا 5 وليس في هذا حجّة، لأنه يجوز أن يكون دلوي في موضع رفع كأنه قال: دلوي عندك، كما تقول: دلو زيد بقربك استدعاء لملئها، وإن لم يكن ذلك في لفظ الفعل، وهو حمله على أنه في موضع نصب، وأن العامل فيها دونكا، وقد يجوز عند بعض النحويين أن يكون العامل فيها مضمرا كأنه قال: املأ دلوي، والدليل على أن هذا يجوز أنه لو قال: يا أيها المائح دلوي، ولم يزد على ذلك لجاز؛ لأنّ الحال التي هم فيها تدل عليه.
ومن ذلك قولهم: الله أكبر دعوة الحقّ؛ لأن قولك: الله أكبر، إنما هو دعاء إلى الحقّ وإلى أن يكون السامع ينثني إلى جملة القائلين بالتوحيد، وإلى القوم الذين شعارهم " الله أكبر " فيكون هذا دعوة الحقّ يتداعون بها، كأنه قال: دعوا دعاء الحق، وادعوا دعاء الحقّ، وقال رؤبة:

إنّ نزارا أصبحت نزارا … دعوة أبرار دعوا أبرارا 1 ومعناه: أنّ نزارا وهو أبو ربيعة ومضر لمّا وقع بين ربيعة ومضر تباين وحرب بالبصرة، وعادت ربيعة صالحت مضر كأنّ نزارا تفرّقت ثم اجتمعت فقال: أصبحت نزارا، أي: مجتمعة الأولاد إذا دعا بعضهم بعضا إلى النّصرة قال: يال نزار، وفي حال التباين والعداوة والحرب، كان المضريّ يقول منهم: يال مضر، ويقول الربعيّ: يال ربيعة؛ لأن أحد الفريقين ما كان ينصر الآخر، فصار قوله: " أصبحت نزارا " بمنزلة قوله: دعا بعضهم بعضا بهذا اللفظ، ثم جاء بالمصدر وهو " دعوة أبرار " على ذلك، وإنّما أضاف المصدر لأن إضافته تبين الفاعل من المفعول به، فلو قال: وهي تمرّ مرّ السّحاب صنعا، أو أحسن كلّ شيء خلقا، أو وعدا، وكتابا، لم يكن فيه البيان التامّ.
وقال بعضهم: صِبْغَةَ اللَّهِ 2 منصوبة على الأمر، وقال بعضهم: بل توكيد والصبغة: الدين، والذي يقول توكيد حمله على ما يوجبه هذا الباب؛ لأنّ قبله أشياء من أمر الدين وشريعة الإسلام.
(وقد يجوز الرفع في ذلك كلّه على أن تضمر شيئا هو المظهر، كأنه قال: ذاك وعد الله، وصبغة الله، وهو دعوة الحقّ على هذا ونحوه رفعه).
ومن ذلك: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ 3 أي ذلك بلاغ.
قال سيبويه: (ومثل ذلك قول الراعي: دابت إلى أن ينبت الظلّ بعد ما … تقاصر حتى كاد في الآل يمصح وجيف المطايا ثم قلت لصحبتي … ولم ينزلوا أبردتم فتروّحوا) 4 فنصب وجيف المطايا نحو ما مضى في الباب؛ لأن دأبت قد دلّ على أنّه معنى

سرت، وأكثر ما يستعمل ذلك في السير الشديد الدائم فصار بمنزلة قوله أو جفت، وجعل قوله: وجيف المطايا توكيدا لأوجفت الذي هو في ضميره.
قال: (واعلم أنّ نصب هذا الباب المؤكّد به العامّ منه، يعني هذا زيد حقّا، وما أكّد به نفسه يعني: له علي ألف درهم عرفا ينتصب على إضمار فعل غير كلامك الأول؛ لأنّه ليس في معنى كيف ولا لم).
يعني ليس بحال ولا " لم " يعني ليس بمفعول له؛ لأن الحال جواب كيف، والمفعول له جواب لم كأنه قال: أحقّ حقّا وأتجدّ جدّك، ولا أقول قولك، وكتب الله كتابا، ولا يظهر الفعل كما لم يظهر في باب سقيا لك وحمدا.

هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور

(وذلك قولك: أمّا سمنا فسمين، وأمّا علما فعالم، وأمّا نبلا فنبيل.
وزعم الخليل أنه بمنزلة قولك: أنت الرجل علما ودينا، وأنت الرجل فقها وأدبا، أي: أنت الرجل الكامل في هذه الحال، وعمل فيه ما قبله وما بعده، ولم يحسن في هذا الوجه الألف واللام، كما لم يحسن فيما كان حالا، وكان في موضع فاعل حالا).
قال أبو سعيد: يعني المصدر، وكذلك هذا، فانتصب المصدر؛ لأنه حال مصير فيها.
(ومن ذلك قولك: أمّا علما فلا علم عنده، وأما علما فلا علم، وتضمر له لأنك إنما تعني رجلا.
وقد يرفع هذا في لغة بني تميم، والنصب في لغتها أحسن، فإذا دخلت الألف واللام رفعت؛ لأنه يمتنع من أن يكون حالا).
قال أبو سعيد: هذا الباب فيه صعوبة، ونقل كلام النحويين من البصريين والكوفيين؛ ولذلك قال الزجّاج: هذا الباب لم يفهمه أحد إلا الخليل وسيبويه، ومعناه: أن رجلا يدّعي أو يدّعى له أشياء فيعترف له ببعضها فيدخل " أمّا " على ذلك، كأنّ قائلا قال: أنا عالم، وأنا ديّن، وأنا شريف، فأنكر السامع بعض ما قال، وعرف بعضا فقال:

مهما تذكر فأنت الرجل لعلم، وحذف ونصب، وكذا إذا قال: هذا الفرس سمين جواد، قيل له مهما تذكر فهو سمين من أجل سمن أو لسمن فيه.
ورأيت ثعلبا ذكر هذا الباب من كلام سيبويه، فساق كلامه ثم اعترض بسؤالات من غير إنكار فقال: من أين قال ما قاله؟ ولم يرد عليّ ذا شيئا يحصّل، وحكى الفراء أشياء لم ينصرها.
وأنا أسوق ما قاله، وما قاله الكسائي والأحمر وذلك شيء يسير نزر، ثم اختار أبو العباس ثعلب بعد ذلك نحو مذهب البصريين الذي يرتّبونه ويتكلّمون عليه فقال: القياس وكلام العرب أن تكون أمّا جزاء حذفت الأفعال معها وبقيت الأسماء فعرّبت بما يكون بعد الفاء؛ لأن العرب تكتفي بما ظهر ممّا ترك فإذا جاءوا بما يدلّ على أنه جزاء أعملوا الأوائل بحقّ الجزاء فقالوا: أما العقل فعاقل؛ كقولك: إن ذكرت العقل فهو عاقل، فجاز حذف ما بعد فاء الخبر ونصبت الأوّل بتعليقه بلفظ الجرّ الأول، فإذا ظهر له ما يعمل فيه اكتفوا باللفظ الظاهر من هذا المعنى، وإدخالهم اليمين وإنّ وأخواتها دليل على استئناف الفاء بالجزاء، فإذا كان الجزاءان قد تباينا في الإعراب علمت أن الأوّل قد أعمل وأن الثاني قد أهمل وجاء الجزاء على بابه، فهذا القياس في ذلك، هذا كلام ثعلب.
قال أبو سعيد: وأنا أسوق من ذلك ما ينساق عليه كلام سيبويه وأذكر ما فيه خلاف بين النحويين البصريين منه ومذهب الكوفيين.
وأمّا الأصل الذي يسوق عليه سيبويه كلامه في ذلك: أنّ " أمّا " في الأصل قد نابت عن شرط الجزاء والفاء وما بعدها جواب، والشّرط الذي نابت عنه " أمّا " يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تحذف جميعه وتقدّم اسم ما بعد الفاء من اسم أو ظرف أو شرط فيكون تقديم ذلك على الفاء، والمراد أن يكون بعدها عوض من المحذوف، وأما الاسم فقولك: أمّا زيد فضربت، وأما زيدا فلا تضرب، وأما زيد فخارج، والتقدير: مهما يكن من شيء فزيد خارج، فلمّا حذفت الشرط وما يتصل به قدّمت اسما من الجواب فكان عوضا منه، ولو كان بعد الفاء اسمان لم يجز إلا تقديم واحد منهما كقولك: أمّا زيد طعامه فلا تأكل، لا يجوز تقديم الطعام مع تقديم زيد، لأنّ الأصل أن لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، وإنّما يقدّم اسم واحد ليكون عوضا مما حذف، وإذا استغنت " أمّا " بذلك الاسم

جارٍ التحميل