فقالت ما تشاء، فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذي أثير 1
أي أوّل ما يؤثر ويقدّم في الفعل.
وقد ذكرنا لزوم النون في لأفعلنّ، واللام في إن كان ليفعل في موضعه، وسائر ما ذكر من المحذوفات.
قال: وإن جئت بالفعل كسرت " إن " لأنك تريد إن كنت منطلقا انطلقت، ولا يمتنع عند المبرد وغيره إذا حذفت (ما) وأتيت بالفعل أن تفتح وتكسر فتقول:
إن كنت منطلقا وأن كنت منطلقا انطلقت، وقال:
إمّا أقمت وإمّا كنت مرتحلا … فالله يكلأ ما تأتي وما تذر 2
كسرت هذا لحضور الفعل، وهو الأجود، ولا يمتنع عند أبي العباس وغيره إذا حذفت " ما " وأتيت بالفعل أن تفتح وتكسر، فتقول:
إن كنت منطلقا، وأن كنت منطلقا، فإن كسرت فهو المعنى الظاهر في الشرط، وإن فتحت فالمعنى:
لأن كنت منطلقا، أي: لانطلاقك، وقد ذكرنا " أن " و " إن " في موضعهما.
قال: ومن ذلك قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، وإن تأتني فأهل الليل وأهل النهار.
وتقدير الناصب فيه: أتيت مرحبا وأهلا، وإن تأتني فتأتي أهل الليل وأهل النهار على معنى:
أنّك تأتي من يكون لك كالأهل بالليل والنهار، وقد قدره سيبويه، كأنه صار بدلا من قولك: رحبت بلادك، وأهلت.
وهذا التقدير إنما قدّر بالفعل لأن الدعاء إنما يكون بفعل، فردّه إلى فعل من لفظ الشيء المدعوّ به، كما يقدّرون: تربا وجندلا بتربت وجندلت.
وإنما الناصب له:
أصبت تربا وجندلا، وألزمت تربا وجندلا على معنى ما تحسن به العبارة عن
المعنى المقصود، وهذا إنما يستعمل فيما لا يستعمل الفعل فيه، ولا يحسن إلا في موضع الدعاء به.
ألا ترى أن الإنسان الزائر إذا قال له المزور: مرحبا وأهلا، فليس يريد رحبت بلادك وأهلت.
إنما يريد: أصبت رحبا وسعة وأنسا.
لأنّ الإنسان إنما يأنس بأهله، ومن يألفه.
(وقد مثله الخليل أنه بمنزلة رجل رأيته قد سدّد سهما فقلت القرطاس، أي:
أصاب القرطاس، أي: أنت عندي ممّن سيصيبه، وإن أثبت سهمه قلت: القرطاس أي:
قد استحق وقوعه بالقرطاس.
قال:
وإذا رأيت رجلا قاصدا إلى مكان أو طالبا أمرا فقلت: مرحبا وأهلا وسهلا، أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا
الفعل لكثرة استعمالهم إياه).
قال: ويقول الرّادّ: وبك أهلا وسهلا، وبك وأهلا، فإذا قال: وبك وأهلا فكأنه قد لفظ بمرحبا بك وأهلا وسهلا.
(وإذا قال: وبك أهلا فهو يقول: لك الأهل، أي: عندك الرّحب والسّعة، فإذا رددت فإنّما تقول: أنت عندي بمنزلة من يقال له: هذا لو جئتني وإنما جئت ب " بك " لتبيّن من تعني بعد ما قلت: مرحبا كما قلت: لك بعد سقيا).
قال أبو سعيد: هذا الكلام تقديره أن يقوله الرجل الذي يدخل إذا قال له المدخول عليه: مرحبا وأهلا، فيردّ فيقول: وبك وأهلا كأنه قال: وبك مرحبا وأهلا، وإنما هذه تحية المزور ومن يدخل عليه، يحيي بها الزائر المزور على معنى أنك أصبت عندي سعة وأنسا.
وإذا قال الزائر: وبك أهلا، والحال لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك فيحمل على معنى: أنك لو جئتني لكنت بهذه المنزلة، وإذا قال: وبك أهلا، فإنما اقتصر في الدعاء له على معنى الأهل فقط من غير أن يعطفه على شيء قبله، كأنّ الرّحب والسّعة قد استقرا استقرارا يغنيه عن الدّعاء، وأمّا مجيئه ب " بك "، فللبيان أنه المعنيّ به لا لأنّه المتصل بالفعل المقدّر كما كان قولك: " سقيا لك "، تقديره: سقاك الله سقيا ولك، كأنّه قال: هذا الدعاء لك على تقدير آخر غير تقدير سقاك الله.
قال: (ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمر هو ما يظهر).
يعني منهم من يقول: مرحب وأهل، أي: هذا مرحب أو لك مرحب وأهل، قال الشاعر:
وبالسّهب ميمون النقيبة قوله … لملتمس المعروف أهل ومرحب (1)
أي: هذا أهل ومرحب، وقال آخر:
إذا جئت بوّابا له قال مرحبا … ألا مرحب واديك غير مضيّق (2)
ثم ذكر الإضمار والإظهار على ثلاثة مجار منها:
فعل مظهر لا يحسن إضماره، وهو أن تقول: اضرب زيدا أو أكرم زيدا، لا يحسن إضمار هذا الفعل إذ لم تجد ما يدلّ عليه، لأنك إذا قلت: زيدا ولم تقدّم قبله فعلا لم تدر أيريد أكرم زيدا أم أهن زيدا أم غير ذلك.
وفعل يجوز إضماره وإظهاره كقولك: زيدا لرجل كان في ذكر ضرب، تريد:
اضرب زيدا، يجوز أن تحذف اضرب اكتفاء بما جرى من ذكر الضرب، ويجوز أن تذكره.
ومنها فعل يضمر وقد ترك إظهاره وهو من الباب الذي ذكر فيه إياك إلى الباب الذي آخره ذكر مرحبا، وهو الباب الذي نحن فيه، وقد تقدم الكلام على ذلك.
هذا باب ما يظهر فيه الفعل وينتصب فيه الاسم لأنه مفعول معه ومفعول به كما انتصب نفسه في قولك: " امرأ ونفسه "
(وذلك قولك: ما صنعت وأباك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، إنما أردت ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، فالفصيل مفعول معه، والأب كذلك، والواو لم تغيّر معنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها، ومثل ذلك:
ما زلت وزيدا، أي: ما زلت بزيد حتى فعل، فهو مفعول به.
وما زلت أسير والنيل، أي: مع النيل.12
واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، أي: مع الطيالسة، قال الشاعر:
كونوا أنتم وبني أبيكم … مكان الكليتين من الطّحال 1
وقال آخر:
وكان وإيّاها كحرّان لم يفق … عن الماء إذا لاقاه حتّى تقدّدا 2
ويدلك على أن الاسم ليس على الفعل في صنعت أنك لو قلت: اقعد وأخوك.
كان قبيحا حتى تقول: اقعد أنت وأخوك؛ لأنه قبيح أن تعطف على المرفوع المضمر، فإذا قلت: ما صنعت أنت، ولو تركت هي فأنت بالخيار، إن شئت حملت الآخر على ما حملت عليه الأول، وإن شئت حملته على المعنى الأول).
قال أبو سعيد- رحمه الله-: هذا آخر الباب وهو كلام سيبويه- رحمه الله-، ومذهبه أنك إذا قلت: ما صنعت وأباك، أن الأب منصوب بصنعت، وكذلك فصيلها منصوب بتركت، وكان الأصل فيها ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، ومعنى مع الواو يتقاربان لأنّ معنى " مع ": الاجتماع والانضمام، والواو تجمع ما قبلها مع ما بعدها وتضمه إليه، فأقاموا الواو مقام " مع " لأنها أخفّ في اللفظ، والواو حرف لا يقع عليه الفعل ولا يعمل في موضعه، فجعلوا الإعراب الذي كان في " مع " من النصب في الاسم الذي بعد الواو لمّا لم تكن الواو معربة ولا في
موضع معرب، كما قالوا: ما قام أحد إلّا زيد، وقام القوم إلّا زيدا، فإذا جئت ب " غير " أعربتها بإعراب الاسم الذي يقع بعد " إلّا "، فقلت:
ما قام أحد غير زيد، وجاءني القوم غير زيد، فإذا جعلوا " إلّا " مكان " غير " تجاوز الإعراب الذي كان في " غير " إلى ما بعد " إلّا "، لأنّها حرف غير عامل، وكذلك الكلام في ما زلت وزيدا إذا كان الحرف الذي يتصل بالفعل عاملا في الاسم الذي بعده منع من تجاوز الفعل إلى غيره كقولك:
ما زلت بزيد، فتعمل الباء في زيد، والباء في موضع نصب، فإذا قلت: ما زلت
وزيدا، تجاوز النصب الذي كان يقدّر في الباء إلى ما بعد الواو.
وكان الزجّاج يقول:
إنّا إذا قلنا: ما صنعت وأباك؛
أنّا ننصب بإضمار، كأنه قال: ما صنعت ولا بست أباك.
وزعم أنّ ذلك من أجل أنه لا يعمل الفعل في المفعول وبينهما الواو.
وهذا قول فاسد، لأنّ الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتصل به المفعول، فإن كان لا يحتاج في عمله فيه إلى وسيط فلا معنى لدخول حرف بينهما، وإن كان يحتاج إلى وسيط في عمله فيه، عمل مع توسّط الوسيط ووجوده، ألا ترى أنّا نقول:
ضربت زيدا وعمرا، فتنصب عمرا بضربت، كما تنصب زيدا بضربت، لأن المعنى الذي يوجب الشركة بين عمرو وزيد في ضربت، هو: الواو فجئت بها ولم تمنع من وقوع ضربت على ما بعدها.
ومنه أيضا: أنك تقول: ما ضربت إلّا زيدا، فتنصب زيدا بضربت، وإن كان بينهما " إلّا " للمعنى الذي يوجب ذلك في اتصال هذا المفعول به، وإنما يذهب بالواو إلى معنى " مع " إذا كان فيه معنى غير العطف المحض، والعطف المحض أن يوجب لكل واحد من الاسمين الفعل الذي ذكر له من غير أن يتعلق فعل أحدهما بالآخر، كقولك: قام زيد وعمرو إذا أردت أن كل واحد منهما قام قياما لا يتعلق بالآخر.
وكذلك: ما صنع زيد وعمرو إذا أردت هذا المعنى؛ كان صنع كلّ واحد لا يتعلق بالآخر، وما صنع زيد وعمرو إذا أردت هذا المعنى، فإن أردت ما صنع زيد مع عمرو على معنى: إلى أي شيء انتهيا فيما بينهما من خصومة أو مواصلة أو غير ذلك، جاز أن تنصب، وقد اجتمع في قولك: " ما صنعت وأباك " قبح الرفع في الأب لأنك تعطفه على التاء من غير توكيد، وحمل ما بعد الواو على معنى " مع " لما يقتضيه المعنى إذا أكدت التاء كنت مخيرا في رفع الأب وفي نصبه، فقلت: ما صنعت أنت وأبوك، وإن شئت " وأباك ".
فمن رفع فلزوال قبح اللفظ لأن كلّ واحد منهما صانع بالآخر شيئا وملابس له على ضرب من الملابسة، وإن نصبت فعلى إبانة معنى " مع " وأنّ صنيع الأول ملتبس بالآخر.
هذا باب معنى الواو فيه كمعناها في الباب الأول
إلّا أنها تعطف الاسم ههنا على ما لا يكون ما بعده إلا رفعا على كلّ حال.
(وذلك قولك: أنت وشأنك، وكلّ رجل وضيعته، وما أنت وعبد الله، وكيف أنت وقصعة من ثريد، وما شأنك وشأن زيد، وقال الشاعر:
يا زبرقان أخا بني خلف … ما أنت ويل أبيك والفخر 1
وقال الآخر:
وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا … تهام وما النجديّ والمتغوّر 2
وقال آخر:
وكنت هناك أنت كريم قيس … فما القيسيّ بعدك والفخار) 3
قال أبو سعيد: هذا الباب معنى الواو فيه كمعناها في الباب الأول؛ لأنهما بمعنى " مع " إلّا أنّ الباب الأول في أوله فعل يعمل فيما بعد الواو على الترتيب الذي ذكرته، وهذا الباب فيه اسم معطوف على اسم بالواو التي معناها: " مع "، فيعطف ما بعد الواو على ما قبلها لفظا، والمعنى فيه الملابسة.
فإن قال قائل: نحن متى عطفنا شيئا على شيء بالواو، ودخل الثاني فيما دخل فيه الأول اشتركا في المعنى، وكانت الواو بمعنى مع لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه كقولنا:
قام زيد وعمرو، فكيف اختصصتم هذا الباب وما قبله بمعنى " مع "؟
قيل له: نحن متى عطفنا شيئا على شيء بالواو دخل في معناه، ولم يكن بين المعطوف والمعطوف عليه فرق في
وقوع ذلك المعنى لكل واحد منهما، وليس أحدهما ملابسا للآخر، وإذا قلنا: ما صنعت؟ أو قلنا في الباب الثاني: ما أنت والفخر؟!
فإنما يراد: ما صنعت مع أبيك، وأين بلغت فيما فعلته به، أو فعله بك.
وما أنت مع الفخر في افتخارك وتحقّقك به؛ فالمعنيان مختلفان غير أن اللفظ في قولك: ما أنت والفخر، كقولك: أنت وزيد قائمان، أو أنت وزيد في الدار، والمعنى ما ذكرت لك.
وبهذا فرّق سيبويه بين هذا الباب والذي قبله، ويدلك على صحة المعنى الذي ذكرته أن قائلا لو قال:
زيد وعمرو وهو يريد: زيد وعمرو قائمان أو خارجان أو ما أشبهه، لم يجز حذف الخبر لأنه بمنزلة قولك: زيد معرّى من الخير، ويجوز أن تقول:
أنت وشأنك، وكلّ رجل وضيعته، وكل امرئ وصنعته.
فيكتفون بذلك، لأن معنى الواو معنى " مع "، كأنهم قالوا:
كل رجل مع ضيعته، وأنت مع شأنك، وهذا كلام مكتف.
فإذا قالوا:
أنت وشأنك، اكتفوا بهذا اللفظ وأضمروا الخبر، وتقديره:
أنت وشأنك مقرونان، لأن معنى " الواو " إذا ذهب بها مذهب " مع " قد دلّت على مقرونين، ومما يذهب به مذهب الملابسة:
أنت أعلم وعبد الله، وأنت أعلم ومالك، معناه:
أنت أعلم مع مالك فيما تدبره به، وأنت أعلم " مع " عبد الله فيما تعامله به، وإن شئت أن لا تذهب به هذا المذهب فيما يصح منه العلم جاز أن تقول:
أنت وعبد الله أعلم، أي: أنتما أعلم من غيركما، كما تقول: أنت وعبد الله أفضل، وأحدهما غير ملابس للآخر، ولا يجوز أن تقول: كلّ امرئ وضيعته، ولا أنت وشأنك، فتنصب الثاني كما كنت تنصب " مع " لو حضرت " مع "، لأنّ " مع " إذا حضرت فمذهبها مذهب الظرف، تقول:
زيد مع عمرو، كما تقول: زيد خلف عمرو، والناصب استقر وإضماره جائز مع الظروف، فإذا جعلت الواو مكان " مع " والذي بعدها اسم، لم يتخطّ الاستقرار إليه ولا يعمل فيه كما عمل الفعل فيه في قولك: ما صنعت وزيدا.
وقد حكى سيبويه النصب في حرفين، قالوا: ما أنت وعبد الله، وما أنت وعبد الله، وكيف أنت وعبد الله وعبد الله.
فإذا رفع فبالعطف على أنت، وإذا نصب بإضمار كنت أو تكون، فيكون تقديره:
كيف كنت أنت وعبد الله، وكيف تكون أنت وعبد الله، وما كنت أنت وعبد الله وما تكون أنت وعبد الله، على ما ذكر في جواز النصب في الباب قبله.
وقد ردّ عليه المبرد لفظه في تقدير الناصب في كيف، وما، وذلك أن سيبويه قدر فقال: كيف تكون أنت وقصعة من ثريد، وما كنت أنت وزيدا.
فقال المبرد: ولم جعل " كيف " مختصة بتكون و " ما " مختصة بكنت؟
قال أبو سعيد رحمه الله: لم يذهب سيبويه إلى اختصاص " كيف " بالمستقبل، و " ما " بالماضي وإنما أراد التمثيل على الوجه الذي يمكن أن يمثّل به، وبيّن هذا بقوله:
كأنه قال: والتمثيل ليس بحدّ لا يتجاوز، وإنما جاز عنده في " كيف " و " ما " في لغة من حكى عنه ذلك، وهم ناس من العرب، لأنّ كنت وتكون يقعان ههنا كثيرا، وما كثر في الكلام حذف تخفيفا، كأنه قد نطق به.
واستدلّ سيبويه في أنّ قولهم: ما أنت والفخر ونحوه، بمنزلة العطف الصحيح فيما يعطف أحد الاسمين فيه على الآخر، بأنّ العرب قد تقول:
ما أنت، وما زيد، وهم يريدون معنى: " مع "، قال:
تكلّفني سويق الكرم جرم … وما جرم وما ذاك السّويق 1
يهجو جرما بذلك ويستكثر لها شرب الخمر.
يقول بعد هذا البيت:
وما عرفته جرم وهو حلّ … وما غالى بها إذ قام سوق
فلمّا أنزل التّحريم فيها … إذا الجرميّ منها ما يفيق 2
يريد: أنه لم يكن محل جرم أن تعرف الخمر في الجاهلية ولا تشربها، وإنما ذكر عرفته لأنه رده إلى لفظ السّويق في " سويق الكرم " هو: الخمر.
سماها: سويق الكرم لانسياقها في الحلق، وكذا أصل السّويق سمّي سويقا لذلك، لأنه يشرب ولا يؤكل، ومثله في
إعادة " ما " في الثاني: قول علقمة بن عبدة:
وما القلب أم ما ذكره ربعيّة … يخطّ لها من ثرمداء قليب 1
إلا أنّ العطف في هذا البيت ب " أم "، وأدغمت ميم " أم " في " ما "، وأنشد قول شدّاد أبي عنترة العبسي:
فمن يك سائلا عنّي فإنّي … وجروة لا ترود ولا تعار 2
أراد " مع " جروة، وإنما هذا كقولك:
كلّ رجل وضيعته، إذا أدخلت عليه " إنّ " نصبتهما جميعا، وكان الثاني لتضمنه معنى مع يغني عن ذكر الخبر.
كقول العرب:
" إنك ما وخيرا ".
تريد: إنك " مع " خير، و " ما ": زائدة، والخبر: محذوف.
وقد مرّ هذا فيما تقدم وأنشد سيبويه لبعض الهذليين عن إنشاد بعض العرب في إضماره الفعل بعد " ما ":
فما أنا والسّير في متلف … يبرّح بالذكر الضّابط 3
كأنه قال: ما كنت.
ومثله في إضمار الفعل قول الراعي:
أزمان قومي والجماعة كالذي … لزم الرحالة أن تميل مميلا 4
أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة، وحذف: كان، لأنهم يستعملونها كثيرا في مثل هذا الموضع ولا لبس فيه، ولا يغير معنى.
وإذا قلت: أنت وشأنك، فلا يجوز في الثاني غير الرفع؛ لأن العرب لا تضمر في مثل هذا، ولا يجوز الإضمار فيه.
وقوله: أنت وشأنك.
إنما يريد به الحال، فإن حملته على فعل فإنما تحمله على شيء ماض أو مستقبل لم يدلّ عليه دليل.
ومما أنشده عن أبي الخطاب عن بعض العرب من النصب في " ما ":
أتوعدني بقومك يا بن حجل … أشابات يخالون العبادا
بما جمّعت من حضن وعمرو … وما حضن وعمرو والجيادا 1
على معنى: وما كان حضن.
وأنشد سيبويه ما قوّى به ما ذكره من أنّه يعطف على شيء يقدر وإن لم يلفظ به، وشيء يعطف على ما كان يجوز استعماله في موضع المعطوف عليه، قول صرمة الأنصاري:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى … ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 2
وقال الأخوص اليربوعيّ:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة … ولا ناعب إلّا ببين غرابها 3
وإنما خفض سابق وناعب وليس قبلهما مخفوض، لأنه يجوز أن تقول:
لست بمدرك ما مضى، وليسوا بمصلحين، فتقع الباء فيهما ويكثر في موضعهما من خبر ليس الباء، فحملها في الخفض على ما كان يستعمل، ومثل ذلك قول عامر الطائيّ:
فلم أر مثلها خباسة واحد … ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله 4
أراد: كدت أن أفعله، فحذف أن ضرورة، وغير سيبويه يقول:
إنهم أرادوا بعد ما كدت أفعلها، والعرب قد تحذف في الوقف الألف التي بعد الهاء في المؤنث وتلقي فتحة الهاء على ما قبلها.
ويروى في مثل هذا: أن بعض العرب قتل رجلا يقال له: مرقمة، وقد سامه وآخر، أن يبتلعا جردان الحمار في خبر طويل، فامتنعا فقتل مرقمة، فقال الآخر: " طاح مرقمة ":
فقال القائل: وأنت إن لم تلقمه، يريد تلقمها، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الميم، وهذا يخرّج في مذهب البصريين على طرح النون الخفيفة، كأنه قال:
تلقمنه، فحذف النون وبقيت الميم مفتوحة كما قال:
اضرب عنك الهموم طارقها … ضربك بالسّوط قونس الفرس (1)
أراد: اضربن عنك الهموم، وحذف النون.
هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله
(وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا).
وإنّما نصبوا عمرا لأن عمرا هو شريك الكاف في المعنى ولم يصح العطف عليه، لأن الكاف ضمير مخفوض، ولا يجوز عطف الظّاهر المخفوض على المكنيّ، ولم يصلح أيضا رفعه؛ لأنك لو رفعته كنت عاطفا له على الشأن، وليس عمرو بشريك للشأن ولا أردت أن تجمع بينهما فحمل الكلام على المعنى، فجعل ما شأنك ومالك بمنزلة ما تصنع فصار كأنك قلت ما صنعت وزيدا، (قال الشاعر:
فما لك والتلدّد حول نجد … وقد غصّت تهامة بالرّجال 2
وقال الآخر:
فما لكم والفرط لا تقربونه … وقد خلته أدنى مردّ لعاقل) 31
واستدل سيبويه (على أنه لا يحسن عطف عمرو على الشأن بأنك لو قلت: ما شأنك وما عبد الله، لم يكن كحسن " ما جرم وما ذاك السويق " لأنّك توهم أنّ الشأن هو الذي يلتبس بزيد، ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم).
وإذا أضفت الشأن إلى ظاهر حسن الكلام كقولك ما شأن عبد الله وأخيه، وما شأن زيد وأمة الله يشتمها، ويكون يشتمها في موضع نصب على الحال، فإن شئت جعلته حالا من الأوّل وإن شئت جعلته حالا من الثاني.
وقد سمع من العرب: " ما شأن قيس والبرّ تسرقه " أراد بقيس القبيلة.
وقد مثّل سيبويه ما شأنك وملابسة زيدا وملابستك زيدا، ولا يخرج ذلك عن معنى ما صنعت وزيدا، وما تصنع وزيدا؛ لأنّ ذلك ملابسة، وكيف ما عبّر عنه إذا أدّى المعنى جاز، ولو نصب مع الظاهر جاز، فقال: ما شأن عبد الله وزيدا، لأنّ الملابسة مع الظاهر كالملابسة مع المكنيّ في المعنى، ومن نصب قال: ما لزيد وأخاه، كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه، ومن ثمّ قالوا: حسبك وزيدا، لأنّ معناه: كفاك، كأنّه قال: كفاك وزيدا وكأنّه قال: حسبك وبحسب زيدا درهم، وكذلك: كفيك وقطك في معنى حسبك، تقول: قطك وزيدا درهم، وكفيك وزيدا درهم، قال الشّاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا … فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد «»
كأنه قال: يكفيك ويكفي الضّحّاك.
قال: وأما ويلا له وزيدا، وويله وأباه فالنّصب على معنى الفعل الذي نصبه، وعنده أنّ الفعل الذي نصبه كأنّه قال: ألزمه الله ويلا، فعطف زيدا والأب على ذلك المعنى، كأنه قال: وألزم زيدا وألزم أباه، وكذلك لو رفع ويلا فقال: ويل له وأباه، لأنّ معناه وإن كان رفعا معنى الفعل، كما أن حسبك وزيدا معناه معنى يكفيك، ومعنى ويل له
كمعنى ويله إذا نصبت فتقديره الزم موجود.
البيت في ذيل الأمالي: لجرير 140، وليس في ديوانه.
خزانة الأدب 7: 581 (بلا نسبة)؛ شرح شواهد الإيضاح 374؛ شرح شواهد المغني 2:
900.
قال: ولا يجوز أن تقول: هذا لك وأباك، لأنه لم يتقدم استفهام ولا فعل ولا حرف فيه معنى فعل، وإنّما يجرّ هذا في ضرورة الشّعر، لأن الذي يقول: مررت بك وزيدا لا يقول: هذا لك وزيدا؛ لأن الفعل عامل قويّ ظهر وموضع حرف الجرّ نصب فيحمل الثّاني في النّصب على معنى الفعل كأنّه قال: لقيتك وأباك، ولا يقال: هذا لك وأباك، لأنّه لا فعل ههنا.
هذا باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره
(وذلك قولك: سقيا لك، ورعيا وخيبة لك، ودفرا، وجدعا، وعقرا، وبؤسا، وأفّة، وتفّة، وبعدا، وسحقا، ومن ذلك أيضا قولك: تعسا، وتبّا، وجوعا، ونوعا)، وذكر سيبويه جودا وجوسا في معنى: جوعا ومعنى نوعا: عطشا، وفي الناس من يقول: هو إتباع، قال الشاعر: " والأسل النّياعا "، 1 أي: العطاشا، ونحو قول ابن ميادة: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي … بجارية بهرا لهم بعدها بهرا 2 ومعنى بهرا: قهرا، أي: قهروا قهرا، وغلبوا غلبا، كقولك: بهرني الشيء، ومنه القمر الباهر إذا تم ضوءه وغلب، كأنك قلت: سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، وخيبك الله خيبة، فهذا وما أشبهه ينتصب على الفعل المضمر، وجعلوا المصدر بدلا من اللفظ بذلك الفعل، ومعنى قولنا: بدل من ذلك الفعل أنهم استغنوا بذكره عن إظهاره كما قالوا: الحذر الحذر أي: احذر الحذر، ولم يذكروا احذر، وبعض هذه المصادر لا يستعمل الفعل المأخوذ منه، وبعض يستعمل، فمما لم يستعمل قولهم: بهرا كأنك قلت: بهرك الله إذا دعا عليه، وهذا
تمثيل ولا يتكلم به، وكذلك لا يتكلم بالفعل من جوسا وجودا في معنى: جوعا.
قال سيبويه: (ومما يدلّك أيضا أنه على الفعل نصب أنك لم تذكر شيئا من هذه المصادر لتبني عليه كلامك، كما تبني على عبد الله إذا ابتدأته، وأنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر في نيتك، ولكنه في دعائك له أو عليه).
يعني: أن هذه المصادر لم يذكرها الذاكر ليخبر عنها بشيء كما يخبر عن زيد إذا قال: زيد قائم، أو عبد الله قائم، وهذا معنى قوله: لتبني عليه كلامك كما تبني على عبد الله، يعني: تبني عليه خبرا، ولم تجعل هذه المصادر أيضا خبرا لابتداء محذوف فترفعها، وهذا معنى قوله: إنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر يعني: خبرا لاسم مضمر وإنما هو دعاء منك لإنسان كقولك: سقيا ورعيا، أو دعاء عليه كقولك: تعسا وتبّا وجدعا، وتركوا الفعل استغناء بعلم المخاطب، وربما جاءوا به توكيدا فقالوا: سقاك الله سقيا كما أكدوا قولك: مرحبا بقولهم: بك، ولو قالوا: مرحبا لكان المعنى مفهوما، وربما رفعوا ذلك والمعنى واحد، كما يقول: سلام عليكم وإنما تريد معنى سلّم الله عليك، ولكنه يخرجه فخرج ما قد ثبت.
(وقال أبو زبيد يصف أسدا:
أقام وأقوى ذات يوم وخيبة … لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر) 1
أراد: أقام الأسد وأقوى: لم يأكل شيئا، الإقواء: فناء الزاد وعدم الأكل، وخيبة لأول من يلقاه الأسد الذي قد أقوى وجاع، وهذا ليس بدعاء، ولكن أجراه سيبويه مجرى الدعاء عليه؛ لأنه لم يكن بعد وإنما يتوقع، كما أنّ المدعوّ به لم يوجد في حال الدعاء.
(ومثله في الرفع بيت سمعناه ممن يوثق بعربيته يرويه لقومه:
عذيرك من مولى إذا نمت لم ينم … يقول الخنا أو تعتريك زنابره 2
فرفع عذيرك والأكثر نصبه وقد ذكرناه، والذي يرفعه يجعله مبتدأ ويضمر خبرا، كأنه قال: إنما عذرك إياي من مولى هذا أمره).
وزنابره يعني: ذكره إياه بالسوء وغيبته.
قال: (ومثله قول الشاعر، وهو حسان: أهاجيتم حسّان عند ذكائه … فغيّ لأولاد الحماس طويل) (1) فهذا دعاء من حسان لأنه هجا رهط النجاشي، ورفع كما يرفع- رحمة الله عليه- وفيه معنى الدعاء.
هذا باب ما أجري من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها
(وذلك قولك: تربا، وجندلا، وما أشبه هذا.
فإن أدخلت " لك " فقلت: تربا لك، فإن تفسيرها هاهنا كتفسيرها في الباب الأول).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يدعى فيه بجواهر لا أفعال منها نحو التراب والترب والجندل، وهو: الصخر، وقوله فاها لفيك، وفاها إنما هو اسم للفم وليس لشيء من ذلك فعل يصير مصدرا له، ولكنهم أجروه في الدعاء مجرى المصادر التي قبل هذا الباب وقدّروا الفعل الناصب لها ما قاله سيبويه.
قال: (كأنهم قالوا: ألزمك الله، وأطعمك الله تربا وجندلا، وما أشبه هذا من الفعل، واختزل الفعل هاهنا، يعني: حذف، لأنهم جعلوه بدلا من قولهم تربت يداك).
فعبّر عنه سيبويه بفعل قد صرف من التراب، وقد رفعه بعض العرب، والرفع فيه أقوى من الرفع في المصادر في الباب الذي قبله، قال الشاعر:
فترب لأفواه الوشاة وجندل 2
فترب مبتدأ والخبر لأفواه الوشاة، وفيه معنى المنصوب في الدعاء كما كان في قولك " سلام عليكم " معنى الدعاء.
قال: (فمثله قول العرب " فاها لفيك ". وإنما يريد " فا " الداهية، فجعل " فاها " منصوبا بمنزلة تربا لفيك، وإنما يخصّون في مثل هذا الفم لأن أكثر المتآلف فيما يأكله1
الإنسان أو يشربه من السم وغيره.
قال: وصار " فاها " بدلا من اللفظ بقولك: دهاك الله وإنما جعله بدلا من هذا تقريبا؛ لأنه فم الداهية في التقدير، فذكر الفعل المتصرف من الداهية والفعل المقدر في هذا ونحوه ليس بشيء معين لا يتجاوز، قال أبو سدرة الأسدي:
تحسّب هوّاس وأيقن أنني … بها مفتد من واحد لا أغامره
فقلت لها فاها لفيك فإنّها … قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره 1
يصف الأسد، والهوّاس من أسماء الأسد، وتحسّب: تحسّس، يقال: فلان يتحسّب الأخبار، أي: يتحسّس، ويجوز أن يكون تحسّب في معنى: حسبته فتحسّب، مثل: كفيته فاكتفى).
قال أبو سعيد: والذي أحفظ في هذا " وأيقن أنني " معناه: أنه عرض لناقة له فحكى عن الأسد أنه توهم أنني أدع الناقة وأفتدي بها من لقاء الأسد، وواجه هو الأسد و " لا أغامره ": ولا أقاتله، لا أرد معه غمرات الحرب، وتكون تحسّب من المحسبة، وأنني:
مفعول المحسبة، وتكون الرواية: " وأقبل معطوفا على تحسّب " يكون التقدير: تحسب هوّاس أنني مفتد بها من واحد لا أغامره وأقبل، كما تقول: حسب زيد أنني قائم وأقبل، ولو قلت: حسب زيد وأقبل بأنني قائم لجاز، كما تقول: ضربت وضربني زيدا على معنى: ضربت زيدا وضربني، " فقلت له ": يعني الأسد " فاها لفيك: دعاء عليه بإصابة الداهية له وهو على وجه التهدد، " فإنها قلوص امرئ " يعني الناقة التي أراد أخذها الأسد، قال: والدليل على أنه يريد بها الداهية ما أنشده سيبويه:
وداهية من دواهي المنو … ن تحسّبها الناس لا فا لها 2
" لا فا لها " في موضع خبر المحسبة، كما تقول: حسبت زيدا لا غلام له، وإنما ذكر هذا تعظيما لأمرها، أي: لا يدري الناس كيف يأتونها ويتوصلون إلى دفعها.
هذا باب ما أجري مجرى المصادر المدعوّ بها من الصفات
(وذلك قولك: هنيئا مريئا، وليس في الباب غير هذين الحرفين صفة دعائها، وذلك أنّ هنيئا مريئا صفتان، لأنك تقول: هذا شيء هنيء مريء كما تقول: هذا جميل صحيح، وما أشبه ذلك من الصفات على فعيل فدعي بهما للإنسان وليستا بمصدرين، ولا هما من أسماء الجواهر كالتراب والجندل).
فأفرد لهما بابا آخر، ويكون التقدير في نصبهما كأنه قال: ثبت لك ذلك هنيئا مريئا، وذلك لشيء تراه عنده مما يأكله وممّا يستمتع به أو يناله من الخير، فاختزل الفعل وجعل بدلا من اللفظ بقولهم هنأك، ويدل على ذلك أنّه قد يظهر " هنأك " في الدّعاء.
قال الأخطل:
إلى إمام تغادينا فواضله … أظفره الله فليهنئ له الظّفر (1)
فدعا له بيهنئ، والظفر فاعله، وصار " يهنئ له الظفر " كقوله: هنيئا له الظّفر، وصار اختزال الفعل وحذفه في هنيئا كحذفه في قولهم: الحذر، والتقدير: احذر الحذر، فإذا قلت: هنيئا له الظّفر، فالتقدير: ثبت هنيئا له الظفر، فيكون الظفر مرفوعا بالفعل المقدّر، ومثله:
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم … وللعزب المسكين ما يتلمّس (2)
كأنّه قال: ثبت هنيئا، إذا ظهر الفعل ارتفع به الاسم، كقولك هنأه الظّفر وليهنئ له الظّفر وما أشبه ذلك.
هذا باب ما أجري من المصادر المضافة مجرى المصادر المفردة المدعوّ بها
(وإنّما أضيف ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللام إذا قلت: سقيا لك؛ لتبيّن من تعني، وذلك قولك: ويحك، وويلك، وويسك، وويبك، ولا يجوز سقيك).
ذكر سيبويه هذه الأشياء على نحو استعمال العرب لها، ولم يجز سقيك لأنّ العرب لم تدع به، وإنّما وجب لزوم استعمال العرب إيّاها لأنّها أشياء قد حذف منها12
الفعل وجعلت بدلا من اللفظ بالفعل على مذهب أرادوه من الدّعاء، فلا يجوز تجاوزه؛ لأنّ الإضمار والحذف اللازم وإقامة المصادر مقام الأفعال حتّى لا تظهر الأفعال معها ليس بقياس مستمرّ فيتجاوز فيه الموضع الّذي لزموه.
قال: (ومثله عددتك، وكلتك، ووزنتك، ولا تقول: وهبتك، لأنّهم لم يعدّوه، ولكن وهبت لك).
وكان المبرد يقول: إنّما قالوا: عددتك، ووزنتك، وكلتك في معنى: عددت لك، وكلت لك، ووزنت لك، لأنّه لا يشكل، ولم يقولوا: وهبتك في معنى: وهبت لك، لأنّه يجوز أن يهبه، فإذا زال الإشكال زال، وهو أن يقول: وهبتك الغلام، أي: وهبت لك، وإنّما ذكر سيبويه كلام العرب أنّهم يحذفون حرف الخفض في عددتك ووزنتك وكلتك وإن لم يذكر المعدود والمكيل والموزون، كما قال عزّ وجلّ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 1.
ولا يجوز مثل ذلك في وهبتك، لأنّ ما كان أصله متعدّيا بحرف لم يجز حذفه، وإن لم يكن ليس إلا فيما حذفته العرب، ألا ترى أنه لا يجوز مررتك ولا رغبتك على معنى: رغبت فيك، وحكى أبو عمرو الشّيباني 2 عن بعض العرب: انطلق معي أهبك نبلا، يريد أهب لك نبلا وهذا يؤيد قول أبي العبّاس.
قال سيبويه: (وهذا حرف لا يتكلّم به مفردا إلا أن يكون معطوفا على ويلك، وهو قولك: ويلك وعولك).
وهذا كالإتباع الذي لا يؤتى به إلا بعد شيء يتقدمه، نحو: أجمعين وأكتعين، فإن قال قائل: عولك لا يجري مجرى الإتباع لأمرين:
أحدهما: أن فيه الواو، والإتباع المعروف لا يكون بعد واو.
والآخر: أن عولك معنى معروف، لأنّه من عال يعول، كما تقول جاز يجوز، والعول هو: البكاء، والحزن معروف.
قيل له: إنّما أراد سيبويه أنّه لا يستعمل في الدّعاء وإن كان معقول المعنى إلا عطفا ولم يرد باب الإتباع الّذي هو بمنزلة أجمعين وأكتعين.
قال أبو سعيد: وقد اعترض في مواضع من كلام سيبويه في هذا الباب منها: أنّه قال: وإنّما أضيفت يعني أضيفت ويلك، وويسك، وويبك، ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللّام إذا قلت: سقيا لك ومن قوله إنّ لك منصوبة بأعني، وإنّما جاز بعد سقيا لتبين الدّعاء لمن هو، وإذا أضاف كان من كلام واحد.
وقد يردّ عليه فيقال: اللام بمعنى أعني وليست الإضافة كذلك فلم جعله بمنزلته؟
فيقال: ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللام ولم يرد سيبويه أنه مثله في العامل وإنما أراد أنه مثله في بيان من عني به.
وقد ردّ على سيبويه بعض الكوفيين فرقه بين الإضافة واللام.
وزعم الكوفي أن الإضافة واللام جميعا من كلام واحد كقولك: غلام زيد، وغلام لزيد.
والوجه ما قاله سيبويه، لأنا إذا رددناه إلى الذي هو " سقاك الله سقيا " لم يقل فيه لك، ومذهب البصريين وسيبويه أنّ ويلك وويسك اتّصل بهن كلّهنّ كاف المخاطب، وأصل الكلمات ويح وويل وويس.
وقال الفرّاء: أصلها كلها وي، فأما ويلك فهي: وي زيدت عليها لام الجرّ، فإذا كان بعدها مكنيّ كانت اللام مفتوحة، كقولك: ويلك، وويله، وإن كان بعدها ظاهر جاز فتح اللام وكسرها، وذكر أنّه ينشد:
يا زبرقان أخا بني خلف … ما أنت ويل أبيك والفخر 1
بكسر اللّام وفتحها، فالّذين كسروا اللّام تركوها على أصلها، والّذين فتحوا اللّام جعلوها مخلوطة بوي كما قالت العرب: يا آل تيم ثمّ أفردت هذه اللّام فخلطت بيا كأنّها منها، قال الفرّاء: أنشدت:
فخير نحن عند النّاس منهم … إذا الدّاعي المثوّب قال يالا 2
ثم كثر الكلام فأدخلوا لها لاما أخرى، يعني ويل لك، وويح لك، وذكر أن ويسا، وويحا هما كنايتان عن الويل والويح، لأنّ الويل كلمة شتم معروفة مصرّحة، وقد استعملتها العرب حتّى صارت تعجّبا، يقولها أحدهم لمن يحبّ ولمن يبغض، وكنّوا بالويس عنها، ولذلك قال بعض العلماء: الويس: رحمة، كما كنّوا عن غيرها فقالوا: قاتله الله، ثم استعظموا ذلك فقالوا: قاتعه الله، وكاتعه الله، كما قالوا: جوعا ثم كنوا عنها فقالوا: جوسا له، وجودا وترابا له ومعناه: الجوع.
قال أبو سعيد: لو كان القول على ما قال الفرّاء لما قيل: ويل لزيد فتضمّ اللام وتنوّن وتدخل لاما أخرى.
فإن قال قائل: لمّا كثر الكلام توهّموا أنّها من الأصل.
قيل له: قد أقررت أنّ الذي أدخل اللّام الثانية أدخلها على أنّ اللام من الأصل توهّما وغلطا، وبعيد أن نتوهّم كلّ هذا
الغلط ونستعمله، وإنّما الغلط يجوز على بعض ويجيء شاذا.
وأيضا لو كان الأمر على إدخال لام أخرى لكان ينبغي أن تترك هذه على كسرتها أو فتحتها فيقال: ويللزيد أو يللزيد وويللك وهذا بيّن واضح.
هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدّعاء
(من ذلك قولك حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا، وأفعل ذاك وكرامة ومسرّة ونعمة عين، وحبّا ونعام عين، ونعمى عين، ولا أفعل ذاك ولا كيدا ولا همّا، ولأفعلنّ ذاك رغما وهوانا).
وهذا الباب الفعل المضمر فيه العامل في هذه المصادر إخبار يخبر المتكلم فيه عن نفسه وليس بدعاء على أحد، ولكنّه قد ضارع الدعاء؛ لأن المضمر فعل مستقبل فأشبه الدّعاء لاستقباله، كأنّه قال: أحمد الله حمدا، وأشكر الله شكرا، وأعجب عجبا، وأكرمك كرامة، وأسرّك مسرّة، وإذا قال: ولا كيدا ولا هما، فمعناه: ولا أكاد كيدا، ولا أهمّ هما به تبعيدا لما نفى أن يفعل.
وقوله: لأفعلنّ ذلك رغما وهوانا أي: أرغمك بفعله رغما، وأهينك هوانا به، والرّغم: لصوق الأنف بالتّراب، وإنما يراد به الذّلّ، وحذف الفعل المقدّر في هذا كحذفه
في الدّعاء.
قال: (وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ ثمّ يبنى عليه.
وزعم يونس أنّ رؤبة بن العجّاج كان ينشد هذا البيت رفعا، وهو لبعض مذحج:
عجب لتلك قضيّة وإقامتي … فيكم على تلك القضيّة أعجب) 1
إذا رفع عجب كأنّه قال: أمري عجب، وإنما هذا البيت يتلو قضيّة غير مرضيّة يتعجّب فيها، والذي قبله:
أمن السّوية أن إذا أخصبتم … وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون شديدة أدعى لها … وإذا يحاس الحيس أدعى جندب
هذا لعمركم الصغار بعينه … لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب 2
ثم قال: " عجبا لتلك قضيّة "... البيت.
قال: (وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمدا لله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني، ولو نصب فقال: حمدا لله وثناء عليه كان على الفعل، ومن المرفوع قوله:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا … أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف) 3
كأنها قالت: أمرنا حنان ولم ترد تحنن، ولو أرادته لقالت: حنانا كما قال الشاعر:
تحنّن عليّ هداك المليك … فإنّ لكلّ مقام مقالا 4
(ومثل الرفع قول الله عزّ وجلّ: قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ 5.
لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم
تعظون؟
فقالوا: معذرتنا إياهم معذرة إلى ربّكم.
ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليكم من كذا وكذا، يريد اعتذارا، لنصب ومثله قول الشّاعر:
يشكو إليّ جملي طول السّرى … صبر جميل فكلانا مبتلى (1)
والنصب أجود وأكثر لأنه يأمره بالصّبر.
ومثل الرّفع قول الله عزّ وجلّ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (2).
فنصب صبر في البيت أجود؛ لأن الجمل كان شاكيا لطول السّرى فأمره صاحبه بالصّبر، والذي في الآية إخبار يعقوب عليه السّلام بصبر حاصل فيه، أو تخبرنا بأنه سيكون فيه عند فقدان يوسف عليه السّلام لأنه قال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (3). أي فأمري صبر جميل، والمضمر الذي يكون بعده مرفوع كالمضمر الذي بعده منصوب في ترك إظهاره لأنّ المعنيين متقاربان.
هذا باب- أيضا- من المصادر ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره
(ولكنها مصادر وضعت موضعا واحدا لا يتصرف في كلام تصرّف ما ذكرنا من المصادر، وتصرّفها أنها تقع
في موضع الجر والرفع وتدخلها الألف واللام.
وذلك قولك: سبحان الله، ومعاذ الله وريحانه، وعمرك الله إلّا فعلت، وقعدك الله إلّا فعلت، كأنّه حيث قال: سبحان الله قال تسبيحا، وحيث قال: وريحانه قال واسترزاقا، لأنّ معنى الرّيحان: الرزق، فنصب هذا على معنى أسّبح الله تسبيحا، وأسترزق الله استرزاقا، فهذا بمنزلة سبحان الله وريحانه.
وخزل الفعل هنا لأنّه بدل من اللّفظ بقوله أسبّحك وأسترزقك، وكأنه حيث123
قال معاذ الله قال عياذا بالله فانتصب على أعوذ بالله عياذا، ولكنّهم لم يظهروا الفعل ههنا كما لم يظهروا في الذي قبله.
وكأنه حين قال: عمرك الله وقعدك الله قال: عمّرتك الله، بمنزلة نشدتك الله، فصار عمرك منصوبة بعمّرتك كأنك قلت: عمّرتك عمرا ونشدتك نشدا، ولكنهم خزلوا الفعل لأنهم جعلوه بدلا من اللّفظ به، قال الشاعر:
عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا … هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 1
وقعدك يجري هذا المجرى وإن لم يكن له فعل، كأن قولك عمرك الله، وقعدك الله بمنزلة نشدك الله ولكن زعم الخليل أن هذا تمثيل يمثّل به، قال الشاعر:
عمّرتك الله الجليل فإنّني … ألوي عليك لو أنّ لبّك يهتدي 2
والمصدر النّشدان والنّشدة).
قال أبو سعيد: أمّا سبحان فهو مصدر فعل لا يستعمل كأنه قال: سبّح سبحانا، كما تقول: كفر كفرانا، وشكر شكرانا، ومعناه معنى التبرئة والبراءة، ولم يتمكن في مواضع المصادر؛ لأنه لا يأتي إلا مصدرا منصوبا مضافا وغير مضاف، وإذا لم يضف ترك صرفه، فقيل: سبحان من زيد، أي: براءة من زيد، كما قال:
أقول لمّا جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر 3
وإنّما منع الصّرف لأنه معرفة وفي آخره ألف ونون زائدتان مثل: عثمان ونحوه.
فأما قولهم: سبّح يسبّح فهو فعل ورد على سبحان بعد أن ذكر وعرف، ومعنى سبّح زيد، أي: قال: سبحان الله، كما
تقول: بسمل إذا قال: بسم الله، وقد يجيء في الشعر سبحان منونا كقول أمية:
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به … وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد 4
وفيه وجهان: يجوز أن يكون نكرة فيصرفه، ويجوز أن يكون صرفه للضرورة.
وروى الرّياشيّ: " ثم سبحانا يعود له " بالدال غير معجمة، أي: يعاود مرّة بعد مرّة.
وأمّا معاذ الله فإنه يستعمل منصوبا كما ذكر سيبويه مضافا، والعياذ الذي هو في معناه يستعمل منصوبا ومرفوعا ومجرورا بالألف واللام، فيقال: العياذ بالله وألجأ إلى العياذ بالله.
وأما ريحانه: ففيه معنى الاسترزاق، فإذا دعوت به كان مضافا، وقد أدخله سيبويه في جملة ما لا يتمكن من المصادر، ولا ينصرف، ولا يدخله الرّفع والجر والألف واللام، وقد ذكر في معنى قوله تعالى: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ 1، أنه الرزق وهو مخفوض بالألف واللام، قال النّمر بن تولب:
سلام الإله وريحانه … ورحمته وسماء درر 2
فرفع، ولعل سيبويه أراد إذا ذكر ريحانه مع سبحانه كان غير متمكّن كسبحان.
وأما عمرك الله فهو مصدر ونصبه على تقدير فعل، وقد يقدر ذلك الفعل على غير وجه.
منهم من يقدر أسألك بعمرك الله وبتعميرك الله، أي: وصفك الله بالبقاء، وهو مأخوذ من العمر، والعمر في معنى البقاء، العرب تقول: لعمرك الله فيحلف ببقاء الله، وقال:
إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها 3
ومنهم من يقدر أنشدك بعمر الله فيجعل المضمر أنشدك، وهم يستعملون أنشدك في هذا المعنى، فيقولون: أنشدك بالله، وإذا حذف الباء وصل الفعل، ويصرفون منه الفعل فيقولون عمّرتك الله على معنى ذكّرتك الله وسألتك به، قال الشاعر:
عمّرتك الله إلا ما ذكرت لنا … هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 1
وقال آخر:
عمّرتك الله الجليل فإنّني … ألوي عليك لو أنّ لبّك يهتدي 2
وأمّا نصب اسم الله تعالى فلأنه منصوب مفعول المصدر.
فكأنّه قال: أسألك بتذكيرك الله أو بوصفك الله تعالى بالبقاء.
وأجاز الأخفش 3 رفعه على أن الفاعل للتذكير هو الله تعالى، كأنه قال: أسألك بما ذكّرك الله تعالى به، وقعدك بمعنى: عمرك، وفيه لغتان:
قعدك الله، وقعيدك الله، قال الشاعر:
فقعدك ألّا تسمعيني ملامة … ولا تنكئي قرح الفؤاد فتيجعا 4
وتقديره: أسألك بقعدك وبقعيدك الله، ومعناه بوصف الله تعالى بالثبات والدوام، مأخوذ من القواعد التي هي الأصول لما يثبت ويبقى، ولم يتصرف منه فعل فيقال:
قعّدتك الله كما قيل: عمّرتك الله، لأن العمر معروف في كلام العرب، وهي كثيرة الاستعمال له في اليمين، فلذلك تصرّف وكثرت مواضعه.
وأما جواب عمرك الله، وقعدك الله، ونشدتك الله؛ فإنها تكون بخمسة أشياء:
بالاستفهام، والأمر، والنهي، وأن، وإلّا، ولمّا.
والأصل في ذلك: نشدتك الله ومعناه: سألتك به، وطلبت منك به؛ لأنه يقال:
نشد الرجل الضالة إذا طلبها، كما قال:
" أنشد والباغي يحبّ الوجدان "
أي: أطلب الضّالة والطّالب يحبّ الإصابة، وجعل عمرك الله وقعدك الله في معنى الطلب والسؤال كنشدتك الله، فكان جوابها كلّها ما ذكرت لك، لأن الأمر والنهي
والاستفهام كلّها بمعنى السؤال والاستدعاء، وكذلك " أن " لأنه في صلة الطلب بقولك:
نشدتك الله أن تقوم، وكذلك نشدتك الله لا تقم، قال الشاعر في الأمر:
عمرك الله ساعة حدّثينا … ودعينا من ذكر ما يؤذينا 1
وقال الآخر في الاستفهام:
عمرك الله أما تعرفني … أنا حرّاث المنايا في الفزع 2
لأنّه في معنى الطلب والمسألة، وعمّرتك الله إلّا فعلت كذا وكذا، كما تقول: بالله إلّا فعلت كذا وكذا.
ومثل ما ينصب ذلك قولك للرجل: سلاما أي: سلاما منك.
وعلى هذا قوله عزّ وجلّ: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً 3. معناه:
براءة منكم، لأنّ هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكية، والسّلام في سورة النّساء وهي مدنيّة ولم يؤمر المسلمون بمكّة أن يسلموا على المشركين، وإنما هذا على معنى: براءة منكم وتسلّما، لا خير بيننا وبينكم ولا شرّ، ومنه قول أمّية:
سلامك ربّنا في كلّ فجر … بريئا ما تغنّثك الذّموم 4
أي: تنزيها من السّوء، ومعنى ما تغنّثك أي: تلزّق بك صفة الذم.
وكان أبو ربيعة يقول: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، ومعناه: براءة منك.
قال: (فكل هذا ينتصب انتصاب حمدا وشكرا، إلا أن هذا يتصرّف وذاك لا يتصرّف).
قال: (ونظير سبحان الله من المصادر في البناء والمجرى لا في المعنى " غفران " لأن بعض العرب يقول: غفرانك لا كفرانك، يريد: استغفارا لا كفرا).
وجعل فيما لا يتمكن لأنه لا يستعمل على هذا إلّا منصوبا مضافا، وكذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً 5.
أي: حرما محرّما، ومعناه: وتقول الملائكة:
حجرا محجورا، أي: حراما عليهم الغفران والجنّة ونحوه من التقدير على معنى:
حرّم الله ذلك تحريما، أو جعل الله ذلك محرّما عليهم.
(ويقول الرجل للرّجل: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حجرا وبراءة).
وكل ذلك يؤول إلى معنى المنع؛ لأن الحجر مأخوذ من البناء الذي يحجّر به ليمنع من وصول ما يصل إلى ما وراءه.
(ومن العرب من يرفع " سلام " إذا أراد معنى المبارأة كما رفعوا " حنان "، سمعنا بعض العرب يقول لرجل: لا تكونن منّي في شيء إلا سلام بسلام، أي: أمري وأمرك المبارأة المتاركة، وتركوا لفظ ما يرفع كما تركوا فيه لفظ ما ينصب).
وقد مضى نحوه.
قال: (وأما سبّوحا قدّوسا ربّ الملائكة والرّوح فعلى شيء يخطر على باله أو يذكره ذاكر فقال: سبّوحا أي ذكرت سبّوحا، كما تقول: أهل ذلك، إذا سمعت رجلا يذكر رجلا بثناء أو ذمّ كأنك قلت: ذكرت أهل ذاك، واذكر أهل ذاك ونحوه مما يليق به، وخذلوا الفعل النّاصب لسبحان لأن المصدر صار بدلا منه).
(ومن العرب من يرفع فيقول: سبّوح قدّوس على إضمار " هو " سبوح) ونحوه مما مضى.
قال: (وممّا ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره ولكنه في معنى التعجّب قولك: كرما، وصلفا، كأنه يقول: أكرمك الله كرما، وأدام الله لك كرما، وألزمك صلفا، وفيه معنى التعجّب فيصير بدلا من قولك: أكرم به وأصلف، وقال أبو مرهب: " كرما وطول أنف " أي أكرم بك وأطول بأنفك).
لأنّه أراد به التعجّب، وأضمرت الفعل النّاصب كما انتصب مرحبا بما ذكر قبل.
هذا باب يختار فيه أن تكون المصادر مبتدآت مبنيّا عليها ما بعدها وما أشبه المصادر من الأسماء والصفات
(وذلك قولك: الحمد لله والعجب لك، والويل لك، والتّراب لك، والخيبة له، وإنّما استحبّوا الرّفع فيه لأنّه صار معرفة فقوي في الابتداء بمنزلة عبد الله والرجل
والذي تعلم، لأنّ الابتداء إنّما هو خبر).
قال أبو سعيد: يعني هذه المصادر التي ذكرها اختارت العرب فيها الرّفع؛ لأنّهم جعلوها كالشيء اللّازم الواجب فأخبروا عنها، وجعلوها مبتدأة وجعلوا ما بعدها خبرها وصار بمنزلة قولك: الغلام لزيد، ثم وصل ذلك من جهة الابتداء فقال: وإذا اجتمع معرفة ونكرة فأحسنه أن يبتدأ بالأعرف وهو وجه الكلام، ومعنى يبتدأ بالأعرف أن تجعله هو المبتدأ المخبر عنه وإن أخّر في اللفظ، وكذلك لو وقع بعد كان وإنّ فالوجه: أن تجعل الأعرف هو الاسم كقولك: كان زيد منطلقا، وكان منطلقا زيد، ولم يحسن أن تقول: كان منطلق زيدا؛ لأنّك إنما تخبر عمّن يعرفه المخاطب بما لا يعرفه من شأنه حتّى يعرفه فيساويك فيه وفي خبره.
وفائدة الإفادة من المتكلم للمخاطب في الخبر، ولو جعل الاسم نكرة والخبر معرفة والاسم لا يستفيده المخاطب لم يصر المخاطب بمنزلة المتكلم في معرفة ما أفاده إياه.
قال: (ولو قلت: رجل ذاهب، لم يحسن، لأنه لا فائدة فيه، فإن قرنته بشيء يقرّبه من المعرفة وتقع به فائدة جاز؛ فتقول: راكب من بني فلان سائر، وتبيع الدّار فتقول: حدّ منها كذا وحدّ منها كذا، فأصل الابتداء للمعرفة فإذا أدخل فيه الألف واللام حسن الابتداء).
يعني أنّ الذي حسّن الابتداء في: " الحمد لله، والعجب والويل لزيد " دخول الألف واللام فيه، وإذا نكّر ضعف الابتداء بالنكرة إلا أن يكون في المنكور المبتدأ به معنى المنصوب كنحو ما ذكرنا، وقولهم: سلام عليكم، وويل لزيد، وخيبة لزيد؛ لأن هذه أشياء يدعى بها ويجوز فيها النّصب، فإذا رفع وذهب به مذهب الدعاء جرى مجرى المنصوب في حسنه وإن كان الابتداء بنكرة، وقد مضى نحو هذا.
قال سيبويه: (وليس كلّ حرف يصنع به كذلك، كما أنه ليس كلّ حرف تدخل فيه الألف واللّام من هذا الباب، لو قلت: السقي لك والرعي لك لم يجز).
قال أبو سعيد: اعتماد سيبويه في هذا ونحوه على استعمال العرب فيما استعملته على وجه لم يجاوزه ولم يجز
غيره قياسا، وما استعملته على وجهين أو أكثر جاز من ذلك ما استعملوه، ولم تستعمل العرب السقي لك، والرعي لك، فلم يجزه، وأجازه الجرميّ والمبرّد، وقد ذكرنا الاحتجاج لذلك فيما مضي.
(والحمد وإن ابتدأته فمعناه معنى المنصوب).
وهو إخبار فإذا نصب فمعناه أحمد الله حمدا يخبر عن نفسه بما يفعله من ذلك، وإذا رفع فكأنه قال: أمري وشأني ومقصودي فيما أفعله الحمد لله.
ثم ذكر سيبويه أشياء قد ابتدأت العرب بالنكرة فيها وجّه لها وجها، وذلك قولك:
شيء ما جاء بك، " وشرّ أهرّ ذا ناب "، فذكر أنه حسن ذلك لأن معناه: ما جاء بك إلّا شيء، وما أهرّ ذا ناب إلّا شرّ، فالابتداء في هذا محمول على معنى الفاعل وجرى مثلا فاحتمل.
ومعنى شرّ أهرّ ذا ناب معناه: كأنهم سمعوا هرير كلب في وقت لا يهرّ في مثله إلا بسوء، ولم يكن غرضهم الإخبار عن شرّ، وإنما يريدون أن الكلب أهره شرّ، وكذلك قولهم: شيء ما جاء بك، يقوله الرجل لرجل جاءه ومجيئه غير معهود في ذلك الوقت، ما جاء بك إلا شيء حادث لا يعهد مثله.
ومما يجري مجرى هذا ولم يذكره سيبويه: " شرّ ما جاءك إلى مخة عرقوب "، وشرّ ما أشاءك إلى مخة عرقوب، أي: ألجأك إلى أكل مخة عرقوب، وهو لا خير فيه، شرّ يعني:
جوعا وضرورة شديدة.
ثم قال: (وقد ابتدئ المنكور في الكلام على غير الوجه الذي ذكروا على غير ما فيه معنى المنصوب وهو قولهم: " أمت في حجر لا فيك ").
ومعناه: اعوجاج في حجر لا فيك فحمله سيبويه على أنّه إخبار محض وأن ذلك جاز لأنه مثله.
وقال المبّرد: أرادوا به معنى الدعاء فهو في مذهب المنصوب كأنهم قالوا: جعل الله في حجر أمتا لا فيك.
ومما جاء من نحو هذا ولم يذكره سيبويه قول العرب: " عبد صريخه أمة "، و " ذليل عاذ بقرملة "، ويقال هذا إذا استعان الرجل بضعيف لا نصرة له، ومعنى: صريخه: مغيثه، والقرملة: شجرة على ساق لا تكنّ ولا تظلّ، ولو تأوّل متأوّل هذا أن ذلك إنما جاز لأن في تعجّبا، وقد يجوز أن يقال: عجب لذلك، وقد مضى ذكر جوازه، وعبد صريخه أمة وذليل استعان بقرملة من العجب يحسن ذلك حملا على العجب.
وقد رأيت بعض النحويين يذكر أنّ كلّ نكرة مبتدإ بها من هذا النحو، ففيه معنى
عجب أو دعاء.
قال سيبويه: (ومن العرب من ينصب بالألف واللّام، ومن ذلك: الحمد لله، ينصبها عامّة من بني تميم وكثير من العرب، وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون:
التّراب لك؛ فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة، كأنك قلت: حمدا وعجبا ثم جئت ب " لك " لتبين من تعني ولم تجعله مبنيا عليه فتبتدئه).
وقد مضى تفسير هذا.
هذا باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء
وما في هذا الباب من كلام سيبويه قد مضى شرحه في تضاعيف الأبواب المتقدّمة له، وأنا أسوق كلام سيبويه إلى آخر الباب إلّا الشيء اليسير الذي يحتاج إلى تفسير.
قال: (وذلك قولك: سلام عليك، ولبّيك وخير بين يديك، والمراد في قوله:
خير بين يديك، وويل لك، وويح لك، وويس له، وويلة لك، وعولة وخير لك، وشرّ لك، وفَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ 1؛ فهذه الحروف كلّها مبتدأة مبنيّ عليها ما بعدها، والمعنى فيهنّ: ابتدأت شيئا قد ثبت عندك ولست تعمل في حال حديثك في إثباتها وتزجيتها وفيها ذلك المعنى، كما أن " حسبك " فيه معنى النهي، وكما أن قولك:
" رحمة الله عليه " في معنى: رحمه الله، فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذ ذكرتها كنت في حال ذكرك إياها تعمل في إثباتها وتزجيتها، كما أنهم لم يجعلوا " سقيا ورعيا " بمنزلة هذه الحروف؛ فإنما نجريها كما أجرتها العرب ونضعها في المواضع التي وضعن فيها، ولا تدخلنّ ما لم يدخلوا من الحروف.
ألا ترى أنك لو قلت: طعاما لك أو شرابا لك أو مالا لك تريد معنى سقيا لك أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز، لأنه لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل ما قبله، فهذا يدلّك ويبصّرك أنّه ينبغي لك أن تجرى هذه الحروف كما أجرتها العرب، وأن تعني ما عنوا بها؛ فكما لم يجز أن يكون كلّ حرف بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك
إيّاه تعمل في إثباته، ولا بمنزلة المرفوع المبتدإ الذي فيه معنى الفعل، كذلك لم يجز أن تجعل المرفوع الذي فيه معنى الفعل بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك إياه تعمل في إثباته وتزجيته، ولم يجز لك أن تجعل
المنصوب بمنزلة المرفوع لأن العرب إنما أجرت الحروف على وجهين.
ومثل المرفوع: طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ 1. يعني أنّ طوبي وإن لم يتبين فيها الإعراب فهي في موضع رفع؛ لأن المعطوف عليها وهو حسن مآب رفع، وأما قوله عزّ وجل: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 2. ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ 3. فإنّه لا ينبغي أن تقول إنه دعاء عليهم؛ لأن الكلام واللفظ بذلك قبيح، ولكن العرب إنما كلّموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وما يعنون؛ فكأنه- والله أعلم- قيل لهم ويل للمطففين، وويل يومئذ للمكذبين، أي: هؤلاء ممن وجب لهم هذا القول، لأنّ هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشّرّ والهلكة، فقيل: هؤلاء ممن دخل في الهلكة ووجب لهم هذا.
ومثل ذلك: قوله عزّ وجل: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 4.
فالعلم قد أتى من وراء ما يكون ولكن اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلماه.
ومثله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ 5. وإنما أجري هذا على كلام العرب وبه نزل القرآن).
قال أبو سعيد: قد يعبّر عن بعض أفعال الله عزّ وجلّ ممّا جاء في القرآن وغيره بما لو حمل على حقيقة اللغة لم يجز أن يوصف بذلك، من ذلك قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى 6. وقوله جلّ وعزّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ
مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ 1. والامتحان والبلوى فيما يتعارفه النّاس إنما هو في معنى: التجربة، وهو من الله عزّ وجلّ على وجه الأمر لهم أو إيراد بعض أفعاله عليهم مما يظهر للناس ثبات المفعول به والصبر على طاعة الله تعالى أو خلاف ذلك.
وكذلك ما جاء في القرآن من " لعلّ " قد جعل بمعنى " كي "، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 2.
ونظائر ذلك مما أتى فيه لعلّ بعد أمر أمر به إنما هو على معنى " كي يكون ذلك "؛ أي:
أمرناكم بهذا الأمر ليكون ذلك؛ فالشيء الذي جعل الأمر سببا له يجوز ألّا يكون، ولا يخرج الأمر أن يكون وقع مقصودا به لذلك المعنى؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني ولعله يعطيني، وإن لم يعطه فالقصد لم يتغيّر أن يكون واقعا لذلك المعنى.
وكذلك ما في القرآن مما يتعارفه الناس في كلامهم دعاء إذا وقع من الله عزّ وجلّ فهو من طريق اللفظ على ما قد تعارفه الناس، وهو من الله عزّ وجلّ واجب، لأن القائل إذا قال: قاتلك الله، ولعنك الله، فإنما يريد أن يوقع الله ذلك بالذي دعا عليه، فإذا قاله الله عزّ وجل فهو على طريق أنه يوقعه، وكذلك القول في قوله عزّ وجلّ: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 3. ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ 4. لأن القائل من الناس يذكره على جهة الدعاء عليهم، والله عز وجل يذكره على طريق وجوب ذلك لهم، لأنه هو المدعوّ المستدعى منه ذلك.
قال: (وتقول: ويل لك ويل طويل، وإن شئت جعلته بدلا من المبتدإ الأوّل، وإن شئت جعلته صفة له، وإن شئت قلت: ويل لك ويلا طويلا تجعل الأخير غير مبدل ولا موصوف به ولكن تجعله دائما).
يعني: تجعل ويلا طويلا في معنى الحال؛ كأنّه قال: ويل لك دائما.
قال: (ومن هذا الباب: فداء لك أبي وأمي، وحمي لك أبي، ووقاء لك أميّ، ولا
يقال: عولة لك، إلّا أن يكون قبلها ويلة لك، ولا تقول: عول لك حتى تقول: عول، لأنّ ذا يتبع ذا، كما أنّ ينوءك يتبع يسوءك ولا يكون ينوءك مبتدأ.
واعلم أنّ بعض العرب تقول: ويلا لك، وويلة لك، وعولة تجريه مجرى خيبة، من ذلك قول جرير:
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها … فويلا لتيم من سرابيلها الخضر (1)
ويقول الرجل: يا ويلاه؛ فيقول الآخر: نعم ويلا كيلا، كأنه يقول: لك الذي دعوت به ويلا كيلا، وهذا شبيه بقولهم:
ويل له ويلا كيلا، وربّما قالوا: ويل كيل).
يعني أن الذي قال: نعم ويلا كيلا يضمر مبتدأ وخبرا، ويجعل ويلا كيلا في موضع الحال؛ لأنه لو أظهر وقال: لك الويل ويلا كيلا كان " الويل " مبتدأ و " لك " خبر، وويلا كيلا في معنى كثيرا، ثم جعل نعم دليلا على الإضمار، لأن نعم تحقيق لكلام يتكلم به، وذلك الكلام الذي تحقيقه نعم هو قولهم: لك الويل وما أشبهه.
وقوله: (وإن شاء جعله على قوله: جدعا وعقرا).
أي: إن شاء نصب ويلا كيلا بإضمار فعل فجعله كأنه مصدر له، لأن " جدعا وعقرا " على معنى: جدعك الله جدعا، وعقرك عقرا، فهو بإضمار فعل، وتجعل ويلا كذلك بإضمار فعل.
هذا باب منه استكرهه النحويون، وهو قبيح فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعته العرب
(وذلك قولك: ويح لك وتبّ، وتبّا وويحا).
أما قوله: استكرهه النحويون يعني أنهم جمعوا في الدّعاء بين شيئين لا تجمع العرب بينهما، وقاسوا كلام العرب، والشيئان:
أحدهما: ويل وويح لك وما جرى مجراه مما ترفعه العرب في الأكثر من كلامهم.
والآخر: تبّا لك وويل، إذا أفردوه رفعوه وأتوا له بخبر وهو اللام، فإذا جمعوا بينهما فقدّموا الذي يستحقّ الرفع وثنّوا بالذي يستحقّ النّصب حملا على المرفوع فيقولون: ويل لك وتبّ.1
وسيبويه يختار أن يقول: " ويل لك وتبّا " وكذلك " ويل لك وتبّا لك " لأن تبّا إن أفردته عن ذلك أو ذكرت بعده لك فإنه ينتصب مصدرا لفعل مضمر، ولك تبيين، كما يقول لك بعد سقيا لك، فهي مستغنية عن لك فتجريه على ما أجرته عليه العرب.
وإذا قدمت المنصوب ثم جئت بما يرفعونه فقلت تبّا له وويحا، فإنهم ينصبونه على الفعل حملا على تبّا.
وسيبويه لا يخالفهم في ذلك إلا أنه استقبحه؛ لأنه مستقبح استكراه النحويين لذلك، غير أنه رأى متى ما قرن بينهما أن ينصب ويحا فقال: ولا بد ل " ويح " مع قبحها من أن تحمل على " تبّ " لأنها إن ابتدئت لم تحسن حتّى يبنى عليها الكلام، يعني:
حتى يؤتى له بالخبر؛ لأنّ العرب لا تقول: " ويح " ولا " ويل " إلا مع خبرهما وإن نصبت فقد بنيتها على شيء ينصبها مع قبحها كما جاء " تبّا " وما أشبه ذلك، فإذا قلت: " تبّا " له، و " ويح " له؛ فجئت ل " ويح " بخبر وهو اللام حسن الرّفع في " ويح "، وإن نصبت تبّا وليس بينهما خلاف، ولا يختلف النحويون في نصب " التبّ " إذا كان معه " له ".
وقد قدمت المرفوع إذا قلت ويح ويح له وتبّا له.
قال سيبويه: (فهذا يدلّك على النصب في " تبّا ").
يعني إذا لما تكن معه " له " أحسن، لأن " له " لا تعمل في " التبّ " ما عملت في " ويح " لأنه خبر ل " ويح " وليس بخبر في " تبّ " وإنما هو تبيين.
هذا باب ما ينتصب فيه المصدر كان فيه الألف واللام أو لم يكن فيه على إضمار الفعل المتروك إظهاره؛ لأنه يصير في الإخبار والاستفهام بدلا من اللفظ بالفعل، كما كان " الحذر " بدلا من احذر في الأمر
(وذلك قولك ما أنت إلا سيرا، وإنّما أنت سيرا سيرا، وما أنت إلا الضّرب الضّرب، وما أنت إلا قتلا قتلا، فكأنه قال في هذا كلّه ما أنت إلا تفعل فعلا).
قال أبو سعيد: إنما يقال هذا ونحوه لمن يكثر منه ذلك الفعل ويواصله، واستغنى عن إظهار الفعل بدلالة المصدر عليه، وكذلك في الإخبار عن الغائب إذا قلت: زيد سيرا سيرا، وليتك سيرا سيرا، إذا أخبرت عنه بمثل ذلك المعنى، وكذلك إذا قلت: أنت الدهر
سيرا، وكان عبد الله الدّهر سيرا سيرا، وأنت مذ اليوم سيرا سيرا، وذلك كله إذا أخبرت بشيء متّصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان، وإن رفعت قلت: إنّما أنت سير، على معنى: إنما أنت صاحب سير؛ وحذفت الصّاحب وأقمت السّير مقامه.
فإن قلت: ما أنت إلا شرب الإبل، وما أنت إلا ضرب النّاس، جاز في ضرب الناس التنوين؛ فتقول: ما أنت إلا ضربا الناس، ولا تقول: ما أنت إلا شربا الإبل، لأن شرب الإبل ليس من فعلك، ولم ترد: ما أنت إلا شرب الإبل وإنما هو تشبيه، والفعل الذي يشبّه به محذوف، تقديره: ما أنت إلا تشرب شربا مثل شرب الإبل، والمثل في موضوع النعت لشربا فحذفت الشرب وأقمت المثل مقامه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 1. وهذا الحذف وإن كثر فهو مطرد في القياس في كلام
العرب مفهوم.
وإذا قلت: ما أنت إلا ضربا النّاس فنوّنته؛ فالمعنى: ما أنت إلا تضرب الناس؛ لأنّ فعلك واقع بهم، ونظير ذلك من المصادر المنصوبة: قوله عزّ وجل فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 2. على معنى: إما تمنّون منّا وإما تفادون فداء.
وقال جرير:
ألم تعلم مسرّحي القوافي … فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا 3
تقديره: فلا أعيى بهن عيّا ولا أجتلبهنّ، أي: لا أسرق من غيري، كأنّ قائلا قال:
هو عيّا بهن، واجتلابا لهن على معنى: يعيى بهن عيا، ويجتلبهنّ اجتلابا، فنفى على ذلك التقدير بإدخال لا.
(ومثله قولك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعابا وطردا).
والمسرّح بمنزلة مشترى، والفاء في قوله، فإتعابا وطردا بمنزلة الفاء في قوله:
" فلا عيّا بهن ولا اجتلابا ".
وإنما أراد أني إذا سرحت القوافي اتّصل بتسريحي لها إلا عيّا ولا أجتلب؛ فلذلك أدخل الفاء.
وكذلك يتّصل الإتعاب بالمسير، فلذلك أدخل الفاء.
قال سيبويه: (وإن شئت رفعت هذا كلّه فجعلت الآخر هو الأوّل، فجاز على سعة الكلام.
كقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت … فإنّما هي إقبال وإدبار 1
على معنى: فإنما هي صاحب إقبال وإدبار؛ فجعل إقبال وإدبار في موضع مقبلة ومدبرة على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم).
قال أبو سعيد: فجعل النّهار صائما، والنحويّون يقدّرون مثل هذا على تقديرين:
أحدهما: أن يقدّروا مضافا إلى المصدر وهو الاسم الأوّل، ويحذفون كما يحذفون في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 2. كأنه قال: صاحب إقبال وصاحب إدبار، وصاحب نهارك صائم، وصاحب ليلك قائم فيحذفون المضاف.
والوجه الثاني: أن يكون المصدر في موضع اسم الفاعل من غير إضافة فيكون إقبال في موضع مقبلة، والنهار
صائم مجازا كما قال عزّ وجلّ وَالنَّهارَ مُبْصِراً 3.
وكما قال:
" أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة " 4
وكما قال تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 5.
ومثله قولهم: رجل عدل، وماء غور، ودرهم ضرب، على معنى: رجل عادل، ودرهم مضروب، وماء غائر.
وكان الزجّاج يأبى إلا الوجه الأول.
ومما يقوّي الوجه الثاني أن نقول: رجل ضخم وعبل، وليسا بمصدرين لضخم وعبل، وقد جعلا في موضع اسم الفاعل، ومصدرهما: عبل عبالة، وضخم ضخما.
ومما يشبه هذا قول متمّم:
لعمري وما دهري بتأبين هالك … ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا 1
أي: فدهر تأبين هالك، وجعل الدّهر هو التأبين مجازا.
(ومما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب قولهم: أقياما يا فلان والناس قعود، وأجلوسا والناس يعدون فلا يريد أن يخبر أنّه يجلس ولا أنّه قد جلس، وانقضى جلوسه، ولكنّه يخبر أنّه في تلك الحال في حال جلوس).
وهذا الكلام يقوله الإنسان عند فعل يشاهده ممّا ينكر عليه من أجل شيء آخر، كأنّه إذا قال: أقياما والناس قعود فقد أنكر عليه القيام من أجل قعود النّاس، وأنكر الجلوس من أجل فرارهم توبيخا له على ذلك.
ومثله: أصبى وأنت شيخ، ومثله: "... أطربا وأنت قنّسريّ... ".
وهو: المسنّ في هذا الموضع، إنكارا للطرب مع هذه الحال، (ومثله: قول بعض العرب وهو يعزى إلى عامر بن
الطفيل:
" أغدّة كغدّة البعير … وموتا في بيت سلولية " 2
واجتماعهما يزيد في المكروه فهو يجري مجرى التوبيخ، وإن لم يكن توبيخا وإنما قاله عامر، لمّا أصابته الغدّة، وهي داء إذا أصاب البعير لم يلبّثه حتّى يموت، وكان قد أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم هو وأربد بن ربيعة العامريّ أخو لبيد ليغتالاه، فأطلعه الله عزّ وجلّ عليهما؛ فقال: " اللهمّ أكفني عامرا وأربد " فأصابت أربد صاعقة، وأصابت عامرا الغدّة، ومثله:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا … ألؤما لا أبا لك واغترابا 3
الشاهد في قوله: ألؤما لا أبا لك، وبّخه على ما يأتيه من اللؤم مع غربته على نحو ما تقدّم، كأنّه قال: أتلؤم لؤما وتغرب اغترابا (إن لم تستفهم وأخبرت جاز كقولك:
سيرا سيرا، عنيت نفسك أو غيرك؛ كأنك رأيت رجلا في حال سير أو كنت في حال سير، أو ذكر رجل بسير أو ذكرت أنت بسير، وجرى كلام يحسن بناء هذا عليه كما
حسن في الاستفهام.
لأنّك إنما تقول: أطربا وأسيرا، إذا رأيت ذلك من الحال أو ظننته في، وعلى هذا يجري هذا الباب إذا كان خبرا أو استفهاما، وإذا رأيت رجلا في حال سير أو ظننته فيه فأثبتّ ذلك له.
وكذلك أنت في الاستفهام إذا قلت: أأنت سيرا.
ومعنى هذا الباب أنّه فعل متّصل في حال ذكرك إيّاه استفهمت أو أخبرت، وأنّك في حال ذكرك شيئا من هذا الباب تعمل وفي تثبيته لك أو لغيرك.
ومثل ما تنصبه في هذا الباب وأنت تعني نفسك قول الشّاعر:
سماع الله والعلماء أنّي … أعوذ بحقو خالك يا ابن عمرو) (1)
كأنه قال: أسمع الله هذا، كما تقول: أشهد الله بهذا على نفسي، وسماع الله بمنزلة إسماع الله كأنه قال: أسمع الله إسماعا، كما تقول: ما أنت إلا ضربا النّاس إذا نوّنت، وإن لم تنوّن قلت: إلا ضرب الناس، ولو نوّن في سماع الله لقال: سماعا الله والعلماء، بمعنى: إسماعا الله، كما تقول أعطيته عطاء على معنى: أعطيته إعطاء.
هذا باب ما ينتصب من الأسماء الّتي أخذت من الأفعال انتصاب الفعل، استفهم أو لم يستفهم
(وذلك قولك: أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدا وقد سار الركب، وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تستفهم تقول: قاعدا قد علم الله وقد سار الركب، وقائما قد علم الله وقد قعد الناس).
قال أبو سعيد: هذا الباب مثل ما مضى في الباب الذي قبله من قولك: أقياما والناس قعود، وأطربا وأنت قنّسريّ، غير أنّ الباب الأوّل بمصدر وهذا باسم الفاعل، وقدّره سيبويه أن العامل فيه مثل الفعل الذي يعمل في المصدر، فقال: وكأنّه يقوله أتقوم قائما، وأتقعد قاعدا، ولكنّه حذفه استغناء، وهذا ينكره بعض الناس لأنّ لفظ الفعل لا يكاد يعمل في اسم الفاعل الذي من لفظه، وإذا جاء ذلك صرف إلى أنّه مصدر لاسم الفاعل كقولهم: قائما تريد قياما، هكذا قال أبو العبّاس المبرّد، ويلزمه على قوله إذا كان1
العامل في قائما أيقوم، وفي قاعدا أيقعد أن يكون قائما في معنى قياما، وقاعدا في معنى قعودا.
والقول عندي ما قاله سيبويه؛ لأنّه قد تكون الحال توكيدا كما يكون المصدر توكيدا، وإن كان الفعل قد دلّ عليه قول الله عزّ وجلّ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 1.
ولا يجوز إضمار الفعل الدالّ على الحال إلّا أن تكون الحال المشاهدة تدل عليه، ولا يجوز أن يقول إنسان- مبتدئا من غير حال تدل-: " قائما يا زيد " كما تقول: يجوز " قياما يا زيد " لأنّ المصدر مأخوذ من لفظ الفعل فهو دال على فعل معيّن دون غيره.
وإذا قال قائما يا زيد، لم يدلّ على فعل محصور لأنّه يجوز أن يقول: اثبت قائما، وتكلم قائما، واضحك قائما، وما أشبه ذلك مما لا يحصر، وإنّما جاز أن يقول: أقائما وقد قعد النّاس، لما شوهد منه من القيام والتعمّل له.
قال سيبويه: " (ومثل ذلك قوله: عائذا بالله من شرّها؛ كأنه رأى شيئا يتّقى فصار عند نفسه في حال استعاذة حتّى صار بمنزلة الذي رآه في حال قيام وقعود....
فقال: عائذا بالله؛ كأنه قال: أعوذ بالله عائذا).
وإذا ذكرت شيئا من هذا الباب فالفعل متّصل في حال ذكرك إيّاه وأنت تعمل في تثبيته كما كان ذلك في الباب الذي قبله.
(وقال الشاعر، وهو عبد الله بن الحارث السهمي، من الصحابة:
ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا … وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني 2
كما قال في المصدر عياذا بك، ومثله:
أراك جمعت مسألة وحرصا … وعند الحقّ زحّارا أنانا) 3
قال أبو سعيد: زحّارا فعّال من زحر يزحر زحرا، وأنان في معنى: أنين، كما يقال:
نهيق ونهاق في باب الأصوات، لأن الزحير صوت.
قال سيبويه: (كأنه قال: زحيرا، وأنينا، والأولى عندي أن نجعل أنانا مصدرا للفعل الذي يعمل في زحّار، أو لزحّار نفسه فيكون التقدير: تزحر أنينا، لأنّ يزحر ويئنّ يتقاربان؛ فهو مثل قولك: تبسّمت وميض البرق، وإنما اخترت هذا لأنّه لا واو في قولك زحّارا أنانا).
هذا باب ما أجرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل
(وذلك قولك: أتميميّا مرّة وقيسيّا أخرى، وإنّما هذا أنّك رأيت رجلا في حال تلوّن وتنقّل، فقلت: أتميميّا مرّة وقيسيا أخرى؛ كأنك تقول: أتتحوّل تميميّا مرّة وقيسيّا أخرى.
فأنت في هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له، وهو عندك في تلك الحال في تلوّن وتنقّل، وليس تسأله مسترشدا عن أمر هو جاهل به لتفهّمه إيّاه وتخبره عنه ولكنّك وبخته بذلك).
قال أبو سعيد: وهذا الباب مثل الذي قبله إلّا أنّ الاسم الذي نصبه ليس بمأخوذ من فعل فأحوج إلى تقدير فعل ليس من لفظه مما شاهده من حاله.
قال سيبويه: (وحدّثنا بعض العرب: أنّ رجلا من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطيّر- فقال: يا بني أسد، أعور وذا ناب!
فلم يرد أن يسترشدهم ليخبروه عن عوره وصحّته، ولكنّه نبّههم كأنّه قال:
أتستقبلون أعور وذا ناب!
فالاستقبال في حال تنبيهه إيّاهم كان واقعا، كما كان التلوّن والتنقّل عندك ثابتين في الحال الأولى، وأراد أن يثّبّت لهم الأعور ليحذروه).
قال أبو سعيد: يوم جبلة: يوم لبني عامر على بني أسد وذبيان، وتطيّر هذا الأسديّ على قومه من استقبالهم هذا البعير الأعور فحقّق محذوره وهزموا وقتل منهم.
والفعل الناصب الأعور وذا ناب أتستقبلون، وكأنّ ذلك في الحال المشاهدة.
قال سيبويه: (ومثل ذلك: قول الشاعر: