شرح كتاب سيبويهصفحات 15-54

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 15-54

أو ما من رجل في الدار.
ونصبوا بحرف النفي الذي هو جواب؛ إذ في حروف الجحد ما يعمل في الأسماء الرفع والنصب وهو (ما) في لغة أهل الحجاز على أن (لا) تعمل الرفع والنصب بمعنى (ليس) وسنقف على ذلك إن شاء الله.
ولما نصبوا بها (وكان الناصب بها لا يعمل) لم تعمل إلا في نكرة على سبيل حرف الخفض الذي في المسألة، والخافض والمخفوض بمنزلة شيء واحد؛ لأن مجرى حرف الخفض وما خفضه كمجرى المضاف والمضاف إليه.
جعل (لا) وما نصبته بمنزلة شيء واحد.
ودلوا على جعلهما كشيء واحد بحذف التنوين مما بعدها ولم يقولوا في الجواب: لا من رجل؛ لأن التعبير الذي يكون " بمن " يحصل " بلا " فاكتفوا بتأثير " لا " في الاسم الذي بعدها عن إدخال (من).
واختلف أصحابنا في فتحة الاسم المبني مع (لا).
فقال أبو العباس محمد بن يزيد إنها بناء.
وقال أبو إسحاق الزجاج إنها إعراب.
وقد سقت كلامهما على ما حكى أبو بكر مبرمان عنهما: قال أبو العباس: " الذي أوجب ل (لا) أن تعمل: إنها وليت الأسماء فلم تفارقها وكل شيء ولي شيئا فلم يفارقه وجب أن يعمل فيه.
والذي أوجب لها النصب: أنها داخلة على مبتدإ وخبر، وكل داخل على مبتدإ وخبر يجب أن يعمل النصب إذا ولي الأسماء دون الأفعال نحو: ليت وإنّ وكأن " ومضارعتها " " أن " إنها لا تلي الأفعال.
والذي أوجب البناء أنها خالفت العوامل؛ لأن العوامل تتصرف، وتصرفها أنها تلي المعارف والنكرات، كقولك: " إنّ زيدا " و " إنّ رجلا " و " لا " هذه لا تفارق النكرات، فلما لزمت النكرة هذا اللزوم وخالفت نظائرها من الحروف العوامل في الأسماء فعل بها ذلك.
وقال أبو إسحاق الزجاج " ليست مبنية وإنما شبهها بخمسة عشر- يعني سيبويه- لأنها لا تفارق ما تعمل فيه كما أن خمسة لا تفارق عشر " واحتج أبو إسحاق بقولك: لا رجل وغلاما عندك، ولا رجل ظريفا عندك.
واستدل بعطف المعطوف عليه أنه معرب.
قال أبو بكر: " فقلت له: فأنت تقول: لا رجل ظريف عندك، فنبني " رجل " مع " ظريف "... قال: " هذا قول بعضهم ويحتاج أن ننظر فيه ". وقال- أيضا- أبو إسحاق: " إنما حذفت التنوين للفرق بين معنيين " أي: لتفرق بين الذي هو جواب " هل من رجل "؟ وبين الذي هو جواب " هل رجل "؟

قال أبو سعيد: " قد سقت كلام هذين.
والذي عندي: أن الفتحة في الاسم بعد (لا) إعراب وهو مذهب سيبويه لأنه قال " فتنصبه بغير تنوين، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) لما بعدها.
وترك التنوين لما تعمل فيه لازم.
قال أبو سعيد: قد يعمل العامل في الشيء ويمنع التصرف الذي لنظائره ولا يكون ذلك مبطلا لعمله كقولك: حبذا زيد.
" حب " فعل ماضي و " ذا " فاعله وجعلا جميعا كشيء واحد، ولا يغيّر في التثنية والجمع والتأنيث، ولا يمنع ذلك من أن يكون " حب " قد عمل في " ذا " ومنع التنوين لما ذكرته لك من الدلالة على جعلهما كشيء واحد على مذهب (لا) المقابلة حرف الجر وما بعده في قولك هل من رجل في الدار "؟ وقد أجمعوا على أن ما بعد (لا) إذا كان مضافا أو كان تمامه بشيء يتصل به أنه منصوب معرب، وأن ما لم يكن من ذلك مضافا فالتنوين يدخله، وذلك قولك: لا غلام رجل في الدار ولا خيرا من زيد عندنا، وله باب يأتي فيما بعد.
وقوله: و (لا) وما عملت فيه في موضع ابتداء.
إن قال قائل: أنتم تزعمون أنّ " ليت " و " لعل " و " كأن " إذا دخلن على المبتدإ وخبره غيرن معنى الابتداء حتى لا يعطف على موضع الابتداء كما يعطف في (إن) و (لا) حرف جحد دخل على الابتداء فهلا غيّر موضع الابتداء؟ والجواب: أن هذه الحروف لها معان لا تصح في الأسماء إذا كانت مبتدأة وقد يصح الابتداء فيها مع الجحد كقولك: لا زيد في الدار ولا عمرو.
ويقال: أقل رجل يقول ذلك.
وأقل مبتدإ وفيه معنى الجحد؛ لأن معناه: ما يقول ذاك أحد " ولا " أيضا جواب حرف دخل على مبتدإ وخبر لأن قولك: هل من رجل في الدار؟ " من رجل " في موضع مبتدإ و " في الدار " خبره و " لا " عملت في " رجل " وفيها جحد فقابلت (لا) (هل) في الجواب وقابلت (من) في العمل فصار " لا رجل " بمنزلة " هل من رجل؟ " في عملهما فيما بعدهما.
وأما استدلال سيبويه على أن " لا رجل " في موضع اسم مبتدإ في لغة بني تميم بقول العرب من أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك فكان بنو تميم يقولون: لا رجل ويسكتون عن إظهار الخبر، واحتج بلغة أهل الحجاز لأنهم يظهرون الخبر.
وذكر أبو بكر مبرمان عن أبي العباس محمد بن يزيد: أنه زعم أن " لا " تعمل رفعا

ونصبا كما تعمل " إن " وقد يجوز " أفضل منك " أن يكون رفعا " بلا " ويجوز أن يكون رفع بخبر الابتداء لأن " لا " وما بعدها في موضع مبتدإ.

هذا باب المنفي المضاف ب (لام) الإضافة

اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم وذلك إذا قلت: لا مثل زيد.
والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك ولا غلامي لك.
وزعم الخليل أن التنوين إنما ذهب للإضافة؛ ولذلك لحقت الألف الأب التي لا تكون إلا في الإضافة.
وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك في معنى لا أبا لك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام لكان التنوين ساقطا كسقوطه في " لا مثل زيد " فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام إذ كان المعنى واحدا وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثنى به في النداء.
ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن يجيئوا به وذلك قولهم: يا تيم تيم عديّ... 1 وبمنزلة الهاء إذا لحقت " طلحة " في النداء لم يغيروا آخر " طلحة " عما كان عليه قبل أن تلحق وذلك قولهم (في بيت النابغة): كيلني لهم يا أميمة ناصب …... 2 ومثل هذا: " اللام " قول الشاعر إذ اضطر: ... … يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام 3 حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت يا بؤس الجهل.

وإنما فعل هذا بالمنفي تخفيفا كأنهم لم يذكروا اللام كما أنهم إذا قالوا: يا طلحة أقبل.
فكأنهم لم يذكروا الهاء وصارت اللام من الاسم بمنزلة الهاء من طلحة.
لا تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فالنفي في موضع تخفيف كما أن النداء في موضع تخفيف، فمن ثمّ جاء فيه مثل ما جاء في النداء.
وإنما ذهبت النون في " لا مسلمي لك " على هذا المثال جعلوه بمنزلة ما لو حذفت بعده اللام، وذلك قولك: لا أباك، فكأنهم لو لم يجيئوا باللام قالوا: لا مسلميك.
فعلى هذا الوجه حذفوا النون في: لا مسلمي لك، وذا تمثيل وإن لم يتكلم " بلا مسلميك " ليعلم أن النون إنما ذهبت حيث صارت اللام هاهنا بمنزلتها بعد الأب إذا قلت لا أبا لك.
قال مسكين الدارمي 1: وقد مات شمّاخ ومات مزرد … وأيّ كريم لا أبا لك يمنّع 2 ويروى " يخلّد ". وتقول: لا يدين بها لك ولا يدين اليوم لك إثبات النون أحسن.
وهو الوجه، وذلك أنك إذا قلت: لا يدي لك ولا أبا لك فالاسم بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه شيء نحو: لا مثل زيد، فكما قبح أن تقول: لا مثل بها زيد فتفصل قبح أن تقول: " لا يدي بها لك " ولكن تقول: لا يدين بها لك ولا أب يوم الجمعة لك.
كأنك قلت لا يدين بها ولا أب يوم الجمعة ثم جعلت " لك " خبرا فرارا من القبح.
وكذلك إن لم تجعل (لك) خبرا ولم تفصل بينهما وجئت ب " لك " بعد أن تضمر مكانا أو زمانا كإضمارك إذا قلت: لا رجل ولا بأس.
وإن أظهرت فحسن ثم تقول (لك) لتبين المنفي عنه.
وربما تركتها استغناء بعلم المخاطب وقد تذكرها توكيدا وإن علم من تعني.

فكما قبح أن تفصل بين المضاف والاسم المضاف إليه قبح أن تفصل يبن (لك) وبين المنفي الذي قبله.
لأن المنفي الذي قبله إذا جعلته كأنه اسم لم يفصل بينه وبين المضاف إليه، قبح فيه ما قبح في الاسم المضاف إلى اسم لم تجعل بينه وبينه شيئا؛ لأن اللام كأنها هاهنا لم تذكر.
ولو قلت هذا لقلت: لا أخا هذين اليومين لك، وهذا يجوز في الشعر؛ لأن الشاعر إذا اضطر فصل بين المضاف والمضاف إليه.
قال ذو الرمة 1: كأنّ أصوات من إيغالهن بنا … أواخر الميس أصوات الفراريج 2 وإنما اختير الذي تثبت فيه النون في هذا الباب كما اختير في " كم " إذا قلت: " كم بها رجلا مصابا " وأنت تخبر لغة من ينصب بها لئلا يفصل بين الجار والمجرور.
ومن قال: " كم بها رجل مصاب " فلم يبال القبح قال: لا يدي بها لك، ولا أخا يوم الجمعة لك ولا أخا- فاعلم- لك.
والجر في: كم بها رجل مصاب وترك النون في: لا يدي بها لك قول يونس.
واحتجّ بأن الكلام لا يستغنى إذا قلت: كم بها رجل، والذي يستغنى به الكلام وما لا يستغنى به قبحهما واحد إذا فصلت بكل واحد منهما بين الجار والمجرور.
ألا ترى أن قبح: " كم بها رجل مصاب " كقبح " كم فيها رجل " ولو حسن بالذي لا يستغنى به الكلام لحسن بالذي يستغنى به، كما أن كل كلام حسن لك أن تفصل فيه بين العامل والمعمول فيه بما يحسن عليه السكوت حسن لك أن تفصل فيه بينهما بما يقبح عليه السكوت.
وذلك قولك: " إنّ بها زيدا مصاب وإنّ فيها زيدا قائم " وكان بها زيد مصابا وكان فيها زيد مصابا.

وإنما يفرق بين الذي يحسن عليه السكوت والذي لا يحسن في موضع غير هذا.
وإثبات النون قول الخليل رحمه الله.
وتقول: لا غلامين ولا جاريتي لك.
إذا جعلت الآخر مضافا ولم تجعله خبرا له وصار الأول مضمرا له خبر، كأنك قلت: لا غلامين في ملكك ولا جاريتي لك.
كأنك قلت: " ولا جاريتيك " في التمثيل.
ولكنهم لا يتكلمون به.
فإنما اختصت " لا " في " الأب " بهذا كما اختصت " لدن " مع " غدوة " بما ذكرت لك.
ومن كلامهم أن يجري الشيء على ما لا يستعملونه في كلامهم نحو قولهم: ملامح ومذاكير.
لا يستعملون لا ملمحة ولا مذكارا، وكما جاء " عذيرك " على مثال ما يكون نكرة ومعرفة نحو: ضربا وضربك، ولا يتكلم به إلا معرفة مضافة وسترى نحو هذا إن شاء الله ومنه ما قد مضى.
وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك إذا جعلت " لك " خبرا لهما، وهو قول أبي عمرو، وكذلك إذا قلت: لا غلامين لك.
وجعلت لك خبرا لأنه لا يكون إضافة وهو خبر؛ لأن المضاف يحتاج إلى الخبر مضمرا أو مظهرا.
ألا ترى أنه لو جاز: تيم تيم عدي في غير النداء لم يستقم لك إلا أن تقول ذاهبون.
فإذا قلت: لا أبا لك فهاهنا إضمار مكان ولكنه ترك استخفافا واستغناء.
قال نهار بن توسعة اليشكري فيما جعله خبرا: أبي الإسلام لا أب لي سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم 1 وإذا ترك النون فليس الاسم مع " لا " بمنزلة: خمسة عشر؛ لأنه لو أراد ذلك لجعل " لك " خبرا وأظهر النون أو أضمر خبرا ثم جاء بعدها ب (لك) توكيدا، ولكنه أجراه مجرى ما ذكرت لك في النداء؛ لأنه موضع حذف وتخفيف كما أن النداء كذلك.
وتقول أيضا- إن شئت- لا غلامين ولا جاريتين لك، ولا غلامين وجاريتين

لك.
كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا لك، فجاء ب " لك " بعد ما بني على الكلام الأول في مكان كذا وكذا، كما قال: لا يدين بها لك، حين صيره كأنه جاء ب " لك " فيه بعد ما قال: " لا يدين بها في الدنيا ". واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل " لك " فإنما يذهب منه التنوين كما أذهب من آخر " خمسة عشر " لا كما أذهب من المضاف.
والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك ولا غلامين فيها.
ولا أب فيها، وأثبتوا النون فيها؛ لأن النون لا تحذف من الاسم الذي يجعل وما قبله أو وما بعد بمنزلة اسم في واحد.
ألا تراهم قالوا: الذين في الدار.
فجعلوا " الذين " وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا، ولم يحذفوا النون؛ لأنها لا تجيء على حد التنوين.
ألا تراها تدخل في الألف واللام وفيما لا ينصرف، وإنما صارت الأسماء حين وليت " لك " بمنزلة مضاف لأنهم كأنّهم ألحقوا اللام بعد اسم كان مضافا، كما أنك إذا قلت: يا تيم تيم عدي فإنما ألحقت الاسم اسما كان مضافا، ولم يغير الثاني المعنى، كما أن اللام لا تغير معنى: لا أباك.
وإذا قلت: " لا أب فيها " فليست (في) من الحروف التي إذا لحقت بعد مضاف لم تغير المعنى الذي كان قبل أن تلحق.
ألا ترى أن " اللام " لا تغير معنى المضاف إلى الاسم إذا صارت بينهما، كما أن الاسم الذي يثنى به لا يغير المعنى إذا صار بين الأول والمضاف إليه، فمن ثم صارت اللام بمنزلة الاسم الذي يتثنى به.
وتقول: لا غلام وجارية فيها؛ لأن " لا " إنما تجعل وما تعمل فيه اسما واحدا، إذا كانت إلى جنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل خمسة من عشرة كذلك لم يستقم هذا لأنه أي (لا) مشبه به، فإذا فارقه جرى على الأصل، قال الشاعر: لا أب وابنا مثل مروان وابنه … إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا 1 وتقول: " لا رجل ولا امرأة يا فتى " إذا كانت " لا " بمنزلتها في " ليس " حين تقول: ليس لك رجل ولا امرأة فيها.
قال رجل من بني سليم وهو أنس بن العباس:

لا نسب اليوم ولا خلة … اتسع الخرق على الراقع 1 ويروى: " اتسع الفتق على الراتق " كما وتقول: " لا رجل ولا امرأة فيها " فتعيد " لا " الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها.
وتكون حال الآخرة في تثنيتها كحال الأولى.
فإن قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا كانت الثانية هي الأولى أثبت النون؛ لأن " لك " خبرا عنهما والنون لا تذهب إذا جعلتهما كاسم واحد؛ لأن النون أقوى من التنوين، فلم يجروا عليها ما أجروا على التنوين في هذا الباب.
لأنه مفارق للنون ولأنها ثبت فيما لا يثبت فيه.
واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه " رب " حسن لك أن تعمل فيه " لا ". وسألت الخليل عن قول العرب " ولا سيما زيد " فزعم أنه مثل قولك " ولا مثل زيد " و " ما " لغو وقال: ولا سيما وزيد.
كقولهم: دع ما زيد، وكقوله: مَثَلًا ما بَعُوضَةً 2 ف " سي " في هذا الموضع بمنزلة " مثل " فمن ثم عملت فيه " لا " كما تعمل " رب " في " مثل " وذلك قولك: " رب مثل زيد ". قال أبو محجن الثقفي: يا رب مثلك في النساء غريرة … بيضاء قد متعتها بطلاق 3 قال أبو سعيد: إذا كان بعد الاسم المنفي لام إضافة ففي الاسم الأول وجهان: أحدهما: أن يبنى الاسم الأول مع " لا " وتكون اللام في موضع النعت للاسم أو في موضع الخبر، وهذا هو الأصل والقياس، وتكون منزلة " اللام " كمنزلة سائر حروف الجر وذلك قولك " لا غلام لك ". كما تقول: لا رجل في الدار ولا غلامين لك، كما تقول لا رجلين في الدار ولا أب لزيد.
كما تقول: " لا أب كزيد " والاسم الأول مبني مع " لا " وحرف الجر بعده في موضع النعت له أو الخبر.

والوجه الآخر: أن يكون الاسم الذي بعد " لا " مضافا إلى الاسم الذي بعد " اللام " وتكون اللام زائدة مؤكدة للإضافة، ويكون لفظ الاسم الأول كلفظ الاسم المضاف و " لا " عاملة فيه غير مبنية معه وذلك قولك " لا أبا لزيد ولا أخا لك ولا مسلمي لك ". وعلم بثبات الألف في " أبا " وأخا " أنهما مضافان إذ كانت هذه الألف وأختاها الواو والباء إنما يدخلن على (أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو) وإذا كانت مضافة فتكون الواو علامة الرفع والياء علامة الجر والألف علامة النصب.
وعلم بسقوط النون من: لا غلامي لزيد، ولا جاريتي لأخيك، ولا مسلمي لك أنه مضاف وزيادة اللام شاذة، ولا تزاد إلا في " لا " وفي النداء كقوله: ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام 1 وأخرجه عن القياس سيبويه وطول الكلام عليه والاحتجاج له وذكر الأشياء الشاذة ليؤنس بشذوذه.
وأصل هذا عنده: إن الإضافة وقعت قبل اللام، وهي في نية التنوين المانع من الإضافة، كما لا تعرف إضافة " مثل " إلى " زيد " في قولك: لا مثل زيد.
والأصل عنده في: لا أبا لك.
ولا مسلمي لك.
لا أباك ولا مسلميك.
قال الشاعر: وقد مات شماخ ومات مزرد … وأي كريم لا أباك يخلّد 2 وقال آخر 3: أبا لموت الذي لا بدّ أني … ملاق لا أباك تخوّفيني 4 وأدخلوا " اللام " بين المضاف والمضاف إليه توكيدا؛ لأن الإضافة بمعنى " اللام " كما أدخلوا " تيم " الثاني بين " تيم " الأول وبين " عدي " في: يا تيم تيم عدي ". وكما زادوا " الهاء " في طلحة بعد أن رخموه.

وزادوا " اللام " في: يا بؤس للحرب... 1 وشبه باب النفي بباب النداء لما يقع فيهما من التغيير وحذف التنوين.
وما كان من ذلك في تقدير الإضافة إلى ما بعد اللام، ولا يحسن أن تفصل بينه وبين اللام.
فإذا فصلت بطلت الإضافة، تقول: لا يدين به لك، ولا يدين اليوم لك إثبات النّون أحسن؛ والوجه لأنك إذا حذفت النون فإنما تحذفها للإضافة إلى ما بعد اللام، وقد فصلت بينهما بقولك " بها " و " اليوم " فلم يحسن، فعدلت إلى الوجه الذي لا إضافة فيه فقلت: لا يدين بها لك ولا أب يوم الجمعة لك، وجعلت " لك " خبرا أو نعتا أو بيانا بعد أن تضمر خبرا هو: مكان أو زمان ". والبيان " بلك " أن تقدر " أعني " كما تقدر ذلك في: سقيا لك، وإذا أردت هذا المعنى فليس " لك " بنعت ولا خبر.
وإن تركت " لك " استغناء يعلم المخاطب بها كقولهم: " لا رجل " " ولا بأس " فهو جائز وإن ذكرته توكيدا وأنت تعلم أنّ المخاطب يعلمه جاز.
وإن أضفت مع الفصل ففيه قبح، وهو مع قبحه جائز في الشعر وشاهده: كأن أصوات من إيغالهن بنا … أواخر الميس أصوات الفراريج 2 أضاف " أصوات " إلى " أواخر الميس " وفصل بما بينهما من الكلام.
ولا يقع الفصل بين المضاف والمضاف إليه إلا بالظرف وحروف الجر، وقد استقبح سيبويه الفصل بين الجار والمجرور بما يتم به الكلام وبما لا يتم.
وأجاز يونس الفصل بما لا يتم الكلام به كقوله: لا يدي بها لك.
ومعناه: لا طاقة بها لك.
" وبها " في هذا الموضع لا يكون خبرا ولا يتم.
وقد احتج سيبويه بما ذكره.
ومعنى قول سيبويه " وقد يفرق بين الذي يحسن عليه السكوت والذي لا يحسن في موضع غير هذا " يعني نحو قوله: في الدار زيد قائم وقائما؛ لأن الكلام يتم بقوله: في الدار، ولا تقول: بعمرو زيد

كفيلا " لأنك لا تقول: بعمر وزيد وتسكت.
وشبه سيبويه أيضا اختصاص " لا " بزيادة اللام بعدها بشذوذ تنوين " غدوة " مع " لدن ". وبقولهم: " ملامح ومذاكير " في جمع " لمح وذكر " و " عذيرك " في لزوم الإضافة والتعريف والخروج عن منهاج نظائره وقد ذكر شذوذ هذه الأشياء في مواضعها.
وقد ذكرنا في أول شرح الباب: لا أب لزيد وقول الشاعر: " لا أب لي سواه... " من ذلك.
فإن قال قائل: ذكرتم أن قول القائل: لا أخا لك.. تقديره " لا أخاك.
واللام زائدة، فإذا قال: لا أخالي.
وجعلت اللام زائدة بقى: " لا أخاي " وليس في الكلام رأيت أخاي.. ؟ فالجواب: أن الأصل أن يقال: رأيت أخيّ وحملت أبيّ كما تقول: ألقمت فيّ.
واستثقلوا تشديد الياء فحذفوا لام الفعل وشبهوها بما حذف لامه نحو: يدي ودمي، فإذا فصلوا بينهما باللام رجع الحرف إلى أصله ونطق به على قياسه في: " لا أخا لك " وغيره.
وإذا عطف على اسم " لا " المبني معها فليس في المعطوف غير التنوين لبطلان بنائه مع شيء يسقط التنوين منه كقولك: لا رجل وامرأة ولا أب وابنا.
وإن أعدت " لا " فأنت بالخيار: إن شئت جعلتها عاملة مثل الأولى فتبني معها الاسم كقولك: لا رجل ولا امرأة في الدار.
وإن شئت جعلتها مؤكدة للجحد- دخولها كخروجها- ونونت الاسم الثاني بالعطف على الأول، وذلك قولك: لا رجل ولا امرأة ولا نسب اليوم ولا خلة.
والعطف بالواو وحدها و " لا " لتوكيد الجحد.
وهذا معنى قول سيبويه " إذا كانت بمنزلتها في " ليس " لأنك إذا قلت: ليس لك رجل ولا امرأة " فلا " الثانية غير عاملة.
إنما هي مؤكدة للجحد الذي ب " ليس ". وباقي الباب مفهوم.

هذا باب ما يثبت فيه التنوين من الأسماء المنفية

" وذلك من قبل أن التنوين لم يصر منتهي الاسم فصار كأنه حرف قبل آخر الاسم، وإنما يحذف في النفي والنداء منتهى الاسم، وذلك قولك: لا خيرا من زيد

لك ولا حسنا وجهه لك، ولا ضاربا زيدا لك؛ لأن ما بعد: " حسن " و " ضارب " و " خبر " من تمام الأسماء فقبح أن يحذفوا قبل أن ينتهوا إلى منتهى الاسم؛ لأن الحذف في النفي أواخر الأسماء.
ومثل ذلك قولهم: لا عشرين درهما لك.
وقال الخليل- رحمه الله- كذلك " لا آمرا بالمعروف لك " إذا جعلت " بالمعروف " من تمام الاسم وجعلته متصلا به، كأنك قلت: لا آمرا معروفا لك.
وإن قلت: " لا آمرا بمعروف " فكأنك جئت بمعروف بعد ما بنيت على الأول كلاما، كقولك: لا آمر في الدار يوم الجمعة.
وإن شئت جعلته كأنك قلت: لا آمر يوم الجمعة فيها.
فيصير المبني على الأول مؤخرا ويكون الملغي مقدما.
وكذلك " لا داعيا إلى الله لك " و " لا مغيرا على الأعداء لك " إذا كان الآخر متصلا بالأول كاتصال منك " بأفعل ". وإن جعلته منفصلا من الأول كانفصال " لك " من " سقيا لك " لم تنون لأنه يصير حينئذ بمنزلة يوم الجمعة.
وإن شئت قلت " لا آمرا يوم الجمعة " إذا نفيت الآمرين يوم الجمعة لا من سواهم من الآمرين.
فإذا قلت: " لا آمر يوم الجمعة " فأنت تنفي الآمرين كلهم ثم أعملت " في " أي حين.
وإذا قلت: " لا ضاربا يوم الجمعة " فإنما تنفي ضاربي يوم الجمعة في يومه أو في يوم غيره وتجعل " يوم الجمعة " منتهى الاسم.
وإنما نونت لأنه صار منتهى الاسم " اليوم " كما صار ما ذكرت منتهى الاسم، وصار التنوين كأنه زيادة في الاسم قبل آخره؛ نحو " واو " مضروب و " ألف " مضارب، ونونت كما نونت في النداء كل شيء صار منتهى الاسم فيه ما بعده وليس منه، فنوّن في هذا ما نونته في النداء كما ذكرت لك إلا النكرة، فإن النكرة في هذا الباب بمنزلة المعرفة في النداء، ولا تعمل " لا " إلا في النكرة تجعل معها بمنزلة خمسة عشر.
فالنكرة هاهنا كالمعرفة هناك ". قال أبو سعيد: قد ذكرت أن الاسم الذي بني مع " لا " هو اسم مفرد منكور، والاسم

المبني في النداء هو اسم مفرد معروف، وإن الإضافة تبطل هذا البناء.
أما في النداء فقد ذكرنا حجته.
وأما في " لا " فإنها لو بنيت مع المضاف والمضاف إليه صار بمنزلة ثلاثة أشياء جعلت شيئا واحدا وليس هذا في الكلام.
ويجري مجرى المضاف الموصول بشيء هو من تمامه؛ لأن الاسم مع تمامه بمنزلة المضاف والمضاف إليه.
وكذلك حكم المنادى المضاف والموصول أنهما لا يبنيان، وذلك قولك: " لا خيرا من زيد " و " لا ضاربا زيدا " و " لا حسنا وجهه لك " لأن " من زيد " من تمام.. خبر " وزيدا " مفعول " ضارب " ووجهه " فاعل " حسن.
وعلى هذا قال الخليل: " لا آمرا بالمعروف لك؛ لأن الباء من " بمعروف " منصوب بآمر، كقولك: أمرت بالمعروف فأنا آمر بالمعروف، و " الباء " في اسم الفاعل مثلها في الفعل، وكذلك لو حذفت الباء فجعلت " المعروف " مفعول آمر " قلت ": " لا آمرا معروفا ". فإن قلت: " لا آمر بمعروف " فإن الباء ليست في صلة " آمر " كأنك قلت: " لا آمر " وسكتّ وأضمرت خبره ثم جئت بالباء للتبيين، كأنك قلت: أعني بمعروف كما تقول: " سقيا " ثم تجيء ب " لك " على أعني.
وكذلك: لا داعيا إلى الله لك.
و " لا مغيرا على الأعداء لك ". وقولك: " لا آمر في الدار يوم الجمعة " لا يعمل فيها " آمر " إنما هي خبر أو نعت: والعامل فيها " استقر " ويوم الجمعة ظرف للاستقرار الذي ناب عنه " في الدار " ويجوز تقديمه عليه " لا آمر يوم الجمعة فيها ". فإن قلت: " لا آمرا يوم الجمعة " فيوم الجمعة منصوب " بآمر " كأنك قلت: لا رجل يأمر يوم الجمعة.
فنفيت من يقع أمره في يوم الجمعة دون من سواهم.
وإن قلت: " لا آمر يوم الجمعة " فقد نفيت الآمرين كلهم؛ لأنك لم تعلق الأمر بيوم الجمعة فصار كأنك قلت: " لا آمر " كما تقول: " لا رجل " وتضمر الخبر وتجعل " يوم الجمعة " ظرفا لذلك الخبر، كأنك قلت: " لا آمر لنا يوم الجمعة " أي نملكه يوم الجمعة، وفيما ذكرناه دلالة على غيره.

هذا باب وصف المنفي

" اعلم أنك إذا وصفت المنفي فإن شئت نونت صفة المنفي- وهو أكثر في الكلام- وإن شئت لم تنون وذلك قولك: " لا غلام ظريفا لك " و " لا غلام ظريف لك " فأما الذين نونوا فإنهم جعلوا الاسم و " لا " بمنزلة اسم واحد.
وجعلوا صفة المنصوب في هذا الموضع بمنزلته في غير المنفي.
وأما الذين قالوا: " لا غلام ظريف لك " فإنهم جعلوا الموصوف والوصف بمنزلة اسم واحد.
فإذا قلت: لا غلام ظريفا عاقلا لك " فأنت في الوصف الأول بالخيار، ولا يكون الثاني إلا منونا من قبل أنه لا تكون ثلاثة أشياء منفصلة بمنزلة اسم واحد.
ومثل ذلك: " لا غلام فيها ظريفا " إذا جعلت " فيها " صفة أو غير صفة.
فإن كررت الاسم فصار وصفا فأنت فيه بالخيار إن شئت نونت وإن شئت لم تنون... وذلك قولك: " لا ماء ماء باردا " ولا ماء ماء باردا ". ولا يكون " باردا " إلا منونا لأنه وصف ثان.
وتركوا التنوين في الثاني لأنهم جعلوه كالوصف الأول، كما قالوا: " مررت بدار آجر " و " بباب ساج " فوصفوا " بآجر " و " ساج و " آجر " و " ساج " اسمان كما أن " ماء " الثاني اسم، وقد وصفوا به حيث قالوا: لا ماء ماء باردا.
قال أبو سعيد: الذي يفسر من هذا الباب أن الاسم والصفة لم بنيا و " لا " قد دخلت عليهما، وهي تبنى مع ما بعدها فتصير ثلاثة أشياء كشيء واحد؟ فالجواب: أنهما بنيا لأن الموضع الذي وقعا فيه موضع تغيير وبناء يبنى مع غيره، فإذا كان قد بني فيه الاسم مع حرف فبناء اسم مع اسم أولى؛ لأن ذلك أكثر في الكلام كخمسة عشر " وأخواتها ". و " جاري بيت بيت " وغير ذلك.
فإذا أدخلنا " لا " على الاسم والصفة وقد بني أحدهما مع الآخر كانت هي غير مبنية معهما، بل تكون عاملة في موضعهما، كما تكون عاملة في موضع خمسة عشر " إذا دخلت عليها.
وكما تكون عاملة غير مبنية في " لا خيرا من زيد " و " لا حسنا وجهه ".

هذا باب لا يكون الوصف فيه إلا منونا

" وذلك قولك: " لا رجل اليوم ظريفا ولا رجل فيها عاقلا " إذا جعلت " فيها " خبرا أو لغوا و " لا رجل فيك راغبا " من قبل إنه لا يجوز لك أن تجعل الاسم والصفة بمنزلة اسم واحد.
وقد فصلت بينهما، كما أنه لا يجوز لك أن تفصل بين عشر

وخمسة في خمسة عشر ". ومما لا يكون الوصف فيه إلا منونا قوله: " لا ماء سماء باردا " و " لا مثله عاقلا " من قبل أن المضاف لا يجعل مع غيره بمنزلة: " خمسة عشر " وإنما يذهب التنوين منه كما يذهب منه في غير هذا الموضع، فمن ثم صار وصفه بمنزلته في غير هذا الموضع.
ألا ترى أن هذا لو لم يكن مضافا لم يكن إلا منونا.
كما يكون في غير باب النفي، وذلك قولك: " لا ضاربا زيدا لك " ولا حسنا وجه الأخ فيها ". فإذا كففت التنوين وأضفت كان بمنزلته في غير هذا الباب، كما كان ذلك غير مضاف، فلما صار التنوين إنما يكف للإضافة جرى على الأصل.
فإذا قلت: " لا ماء ولا لبن " ثم وصفت اللبن فأنت بالخيار في التنوين وتركه.
فإن جعلت الصفة للماء لم يكن الوصف إلا منونا؛ لأنه لا يفصل بين الشيئين اللذين يجعلان بمنزلة اسم واحد مضمرا أو مظهرا؛ لأنهما قد صارا اسما واحدا ويحتاجان إلى الخبر مضمرا أو مظهرا.
ألا ترى أنه لو جاز: تيم تيم عدي لم يستقم لك إلا أن تقول: ذاهبون.
فإذا قلت: " لا أبا لك " فهاهنا إضمار مكان ". قال أبو سعيد: في كلام سيبويه في هذا الباب مع ما تقدم من الشروح ما يغني عن تفسيره.

هذا باب لا تسقط فيه النون وإن وليت «لك»

" وذلك قولك: لا غلامين ظريفين لك، ولا مسلمين صالحين لك، من قبل أن " الظريفين " و " الصالحين " نعت للمنفي، ومن اسمه وليس واحد من الاسمين ولي (لا) ثم وليته " لك " ولكنه وصف وموصوف.
فليس للموصوف سبيل إلى الإضافة فلم يجز ذلك للوصف لأنه ليس بالمنفي.
وإنما هو صفة، وإنما جاز التخفيف في النفي، فلم يجز ذلك إلا في المنفي، كما أنه يجوز في المنادى أشياء لا تجوز في وصفه من الحذف والاستخفاف، وقد بين ذلك ". قال أبو سعيد: الذي منع من إسقاط النون وبعدها " لك " أن النون إنما تسقط من المبني الذي يلي " لا " على نية الإضافة إلى ما بعد " اللام ". فإذا ما قلنا: لا غلامين ظريفين لك فبين (غلامين) وبين (لك) (ظريفين) وهما صفة

لغلامين فمنعا أن تضاف " غلامين " إلى الكاف في (لك) لفصل " ظريفين " بينهما.
وإنما يجوز في الضرورة إذا اضطر الشاعر إلى الفصل بين الجار والمجرور بالظرف وحروف الجر.
وقوله " إنما جاز التخفيف في النفي " يعني حذف النون والتنوين للإضافة إلى ما بعد " اللام " من الاسم الذي يلي حرف النفي.
" ولم يجز ذلك إلا في المنفي " يعني: لم يجز حذف النون والتنوين إلا في الاسم المنفي دون صفته.

هذا باب ما جرى على موضع المنفي لا على الحرف الذي عمل في المنفي

" فمن ذلك قول ذي الرمة: بها العين والآرام لا عدّ عندها … ولا كرع إلا المغارات والوبل 1 وقول رجل من مذحج: هذا لعمركم الصغار بعينه … لا أم لي إن كان ذاك ولا أب 2 فزعم الخليل: أن هذا يجري على الموضع لا على الحرف الذي عمل في الاسم كما أن الشاعر (عقيبة الأسدي) 3 حين قال: فلسنا بالجبال ولا الحديدا 4 أجراه على الموضع.
ومثل ذلك أيضا قول العرب: لا مال له قليل ولا كثير، رفعوه على الموضع.
ومثل ذلك أيضا قول العرب: لا مثله أحد ولا كزيد أحد.
وإن شئت حملت الكلام على " لا " فنصبت.
وتقول: " لا مثله رجل " إذا حملته على الموضع كما قال بعض العرب " لا حول

ولا قوة إلا بالله " وإن شئت حملته على " لا " فنونته ونصبته، وإن شئت قلت: " لا مثله رجلا " على قوله " لي مثله غلاما " وقال ذو الرمة: هي الدّار إذ ميّ لأهلك جيرة … ليالي لا أمثالهنّ لياليا 1 وقال الخليل- رحمه الله-: يدلك على أن " رجل " في موضع اسم مبتدأ مرفوع قولك: لا رجل أفضل منك، كأنك قلت: زيد أفضل منك، ومثل ذلك: يحسبك قول السوء، كأنك قلت: حسبك قول السوء.
وقال الخليل رحمه الله: " كأنك قلت: رجل أفضل منك " حين مثّله.
وأما قول جرير: لا كالعشية زائرا ومزورا 2 فلا يكون إلا نصبا من قبل أن العشية ليست بالزائر وإنما أراد: لا أرى كالعشية زائرا، كما تقول ما رأيت كاليوم رجلا.
ف " كاليوم " كقولك: في اليوم؛ لأن الكاف ليست باسم.
وفيه معنى التعجب كما قال: " تالله رجلا.
وسبحان الله رجلا " إنما أراد: تالله ما رأيت رجلا.
ولكنه يترك إظهار الفعل استغناء؛ لأن المخاطب يعلم أن هذا الموضع إنما يضمر فيه هذا الفعل لكثرة استعمالهم إياه.
وتقول: لا كالعشية عشية ولا كزيد رجل؛ لأن الآخر هو الأول ولأن " زيدا " رجل.
فصار " لا كزيد " كأنك قلت: " لا أحد كزيد " ثم قلت: " رجل " كما تقول: لا مال له قليل ولا كثير على الموضع.
قال امرؤ القيس: ويلمنها في هواء الجوّ طالبة … ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب 3 كأنه قال: ولا شيء له كهذا الذي.
ورفع على ما ذكرت لك.
فإن شئت نصبت على نصبه:

فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا 1 كأنه قال: لا أحد كزيد " رجلا " وحمل " الرجل " على " زيد " كما حمل " المرفد " على " ذلك ". وإن شئت نصبته على ما نصبت عليه " لا مال له قليلا ولا كثيرا ". ونظير: " لا كزيد " في حذفهم الاسم قولهم: " لا عليك " وإنما يريدون " لا بأس عليك " " ولا شيء عليك " ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه.
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن " لا " وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد مرفوع بالابتداء والحجة فيه.
ومن الحجة فيه أيضا ما لا يقصر عما ذكرناه بل يزيد عليه: أن " لا " وإن نصبت بها وبنيت المنصوب معها، فإنا إذا فصلنا بينها وبين اسمها لظرف أو حرف جر بطل عملها وارتفع اسمها بالابتداء مع صحة الجحد بها.
وبقاء معنى المنصوب كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ 2. فلما كان ارتفاع الاسم بعد " لا " بالابتداء لا يغير معنى المنصوب فيها صارت بمنزلة " إن " التي ابتداء الاسم في موضعها لا يغير معناه منصوبا بل هو في " لا " أقوى؛ لأنه يجوز أن يظهر الاسم بعدها مبتدأ.
فمن ذلك جاز- في نعت ما يعد " لا " وفي بيانه مما يجري مجرى النعت.
وفي العطف عليه وفي الخبر عنه- الرفع حملا على موضع " لا " مع الاسم والنصب على الاسم الذي بعد " لا ". ومن أجل ذلك شبهه بقولهم: ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا 3 أجراه على موضع الباء؛ لأنه في موضع خبر " ليس " ولو أجراه على ما بعد الباء لقال: ولا الحديد.
وأما النعت فقوله العرب: لا مال له قليل ولا كثير.. على الموضع ولا مال له قليلا ولا كثيرا.. على ما بعد " لا ".

وأما ما جرى مجرى النعت فقوله " لا مثله أحد " ولا مثله رجل " ولا كزيد أحد " فبين " مثله " " بأحد " " وبرجل " وجرى مجرى النعت كما ذكرناه في عطف البيان، والكاف بمنزلة " مثل " ويجوز فيه النصب على ما ذكرنا.
وأما العطف فقول بعض العرب: " لا حول ولا قوة إلا بالله " ويجوز " ولا قوة إلا بالله " على ما تقدم.
وأما الخبر: لا رجل أفضل منك، كأنك قلت: زيد أفضل منك ولا يجوز فيه النصب إذا كان خبرا.
وإن جعلت " أفضل منك " نعتا جاز فيه النصب أيضا على ما ذكرنا وشبهه بقولك: بحسبك قول السوء، أن مجرور الباء في موضع رفع بالابتداء وقول السوء خبره، كأنه قال: " حسبك قول السوء ". وأما: " لا كالعشية زائرا ومزورا ".. فقد أحاط العلم أن الزائر والمزور لا يراد بهما العشية فاضطر المعنى إلى فعل يضمر فيه ما يظهر في مثل معناه وهو: لا أرى زائرا ومزورا كزائر العشية ومزورها، كما قالوا: ما رأيت كاليوم رجلا والمعنى: ما رأيت رجلا كرجل رأيته أو أراه، وإنما يقال ذلك عند التعجب.
ولو قال " لا كالعشية عشية " جاز في " عشية " الرفع والنصب كما تقول: لا مثل العشية عشية وعشية على موضع " لا " وعلى ما بعد " لا ". وأجاز النصب أيضا من وجه آخر وهو التمييز الذي مر ذكره في قوله: ... فهل في معدّ فوق ذلك مرفدا كأنه قال: فهل في عدد أكثر من ذلك مرفدا، وقد ذكرناه فيما تقدم كأنه قال: لا أحد كزيد رجلا، وقد ذكرنا هذا ونحوه فيما فسرناه في: لي مثله رجلا.
وقوله بعد بيت امرئ القيس " كأنه قال ولا شيء له كهذا " فرفع على ما ذكرت لك.
يعني: رفع على موضع " لا " وما عملت فيه.

هذا باب ما لا تغير فيه «لا» الأسماء عن حالها التي كانت عليها قبل أن تدخل «لا»

ولا يجوز ذلك إلا أن تعيد " لا " الثانية من قبل أنه جواب لقوله: أغلام عندك أم جارية؟ إذا ادعيت أن أحدهما عنده فلا يحسن إلا أن تعيد " لا " كما أنه لا يحسن إذا أردت المعنى الذي تكون فيه " أم " إلا أن تذكرها مع اسم بعدها.

فإذا قال: " لا غلام " فإنما هو جواب لقوله: هل من غلام؟ وعملت " لا " فيما بعدها.
وإن كانت في موضع ابتداء كما عملت " من " في " الغلام " وإن كانت في موضع ابتداء فما لم يتغير عن حاله قبل أن تدخل " لا " قول الله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 1 وقال الراعي: وما صدمتك حتى قلت معلنة … لا ناقة لي في هذا ولا جمل 2 وقد جعلت- وليس ذلك بالأكثر- بمنزلة " ليس ". وإن جعلتها بمنزلة " ليس " كانت حالها كحال " لا " في أنها في موضع ابتداء وأنها لا تعمل في معرفة.
فمن ذلك قول سعد بن مالك: من صدّ عن نيرانها … فأنا ابن قيس لا براح 3 واعلم أن المعارف لا تجري مجرى النكرة في هذا الباب لأن " لا " لا تعمل في معرفة أبدا.
فأما قول الشاعر: لا هيثم الليلة للمطي 4 فإنه جعله نكرة كأنه قال: لا هيثم من الهيثميين.
ومثل ذلك: لا بصرة لكم.
وقال ابن الزبير الأسدي: أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن ولا أمية بالبلاد 5 قلت: فكيف يكون هذا وإنما أراد عليّا عليه السّلام؟ فقال لأنه لا يجوز لك أن تعمل " لا " إلا في نكرة.

فإذا جعلت " أبا حسن " نكرة حسن لك أن تعمل " لا " وعلم المخاطب أنه دخل في هؤلاء المنكورين " على ". فإن قلت: إنه لم يرد أن ينفي كل من اسمه علي فإنما أراد أن ينفي منكورين كلهم في صفة علي كأنه قال: " لا أمثال " علي " لهذه القضية ". ودل هذا الكلام على أنه ليس لها " علي " وأنه قد غيب عنها وإن جعلته نكرة ورفعته كما رفعت " لا براح " فجائز.
ومثله قول الشاعر: " مزاحم العقيلي.
فرطن فلا رد لما بت فانقضى … ولكن بغوض أن يقال عديم 1 وقد يجوز في الشعر رفع المعرفة ولا تثني " لا ". قال الشاعر: بكت جزعا واسترجعت ثم آذنت … ركائبها إن لا إلينا رجوعها 2 واعلم أنك إذا فصلت بين " لا " وبين الاسم بحشو لم يحسن إلا أن تعيد " لا " الثانية لأنه جعل جواب أذا عندك أم ذا؟ ولم تجعل " لا " في هذا الموضع بمنزلة " ليس " وذلك لأنهم جعلوها إذا رفعت مثلها إذا نصبت لا تفصل لأنها ليست بفعل.
فمما فصل بينه وبين " لا " بحشو قوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ 3 ولا يجوز: " لا فيها أحد " إلا ضعيفا ولا يحسن لا فيك خير.
وإن تكلمت به فلا يكون إلا رفعا لأن " لا " لا تعمل إذا فصل بينها وبين الاسم لا رافعة ولا ناصبة لما ذكرت لك.
وتقول: لا أحد أفضل منك إذا جعلته خبرا وكذلك: لا أحد خير منك قال الشاعر:

وردّ جازرهم حرفا مصرمة … ولا كريم من الولدان مصبوح 1 لما صار خبرا جرى على الموضع لأنه ليس بوصف ولا محمول على " لا " فجرى مجرى لا أحد فيها إلا زيد.
وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك في قول من جعلها " كليس " ويجريها مجراها ناصبة في الموضع وفيما يجوز أن يحمل عليها.
ولم تجهل " لا " التي " كليس " مع ما بعدها كاسم واحد لئلا يكون الرافع كالناصب وليس أيضا كل شيء يخالف بلفظه يجري مجري ما كان في معناه ". قال أبو سعيد: اعلم أن " لا " إذا عملت كانت على وجهين: أحدهما: أن تنصب ما بعدها وتبني معه إذا كان مفردا كنحو ما تقدم من قولنا لا رجل في الدار وإن كررتها وأردت إعمالها على هذا الوجه جاز وقلت: لا رجل ولا امرأة، ويكون جواب قوله: هل من رجل أو من امرأة؟ والوجه الثاني: أن ترفع ما بعدها من النكرات وتنصب أخبارها ولا تعمل إلا في نكرة ولا تفصل بينها وبين ما عملت فيه كقولنا: لا رجل أفضل منك وتكون محمولة على " ليس " في رفع الاسم ونصب الخبر وليس هذا بالكثير فيها، والكثير فيها أن تنصب، فلما جوز فيها رفع اسمها ونصب خبرها لم تخرج عن حكمها في أقوى حاليها وهو نصب الاسم ورفع الخبر، فلم يفصل بينها وبين ما عملت فيه ولم تعمل إلا في نكرة.
وعلى مذهب " ليس " حمل سيبويه: فأنا ابن قيس لا براح 2 وحذف الخبر كما يحذفه وهي ناصبة.
و (ما) في عملها إذا شبهت بليس أقوى من (لا) لأن " ما " إنما تدخل على مبتدإ وخبر وجعلت مثل " إن " في جواب اليمين.
" إن " للإيجاب.
" ما " للجحد فتدخل على جميع ما تدخل عليه " إن " وليست " لا " كذلك.
وأصلها أن تكون ناصبة عاطفة.
والرافعة منها محمولة على الناصبة فأجريت مجراها.
وتدخل " لا " على المعارف والنكرات مكررة على أنها جواب كلام قد عمل بعضه في بعض من المبتدإ والخبر ويكرر فأعيد الجواب على التكرير الذي في السؤال وذلك

قولك: لا غلام عندي ولا جارية " ولا زيد في الدار ولا عمرو ". وهو جواب: أغلام عندك أم جارية؟ وأزيد في الدار أم عمرو؟ وهذا سؤال من قد علم أن أحدهما عنده أو أحدهما في الدار ولا يعرفه بعينه فسأل ليعرف بعينه، وإن كان المسؤول يعرف ما سأل عنه قال: زيد.
إن كان زيد أو عمرو إن كان عمرو، وإن لم يكن في الدار واحد منهما قال: لا زيد ولا عمرو.
وإن لم يكن عنده غلام ولا جارية قال: " لا غلام عندي ولا جارية ". ولا يحسن أن تقول: لا زيد عندي.. من غير تكرير " لا " وذلك أن قولك: لا زيد عندي إنما هو جواب من قال: أزيد عندك؟ فكان حق الجواب أن يقول المجيب: نعم إن كان عنده.
أو " لا " إن لم يكن عنده.
ولا يزيد شيئا على " لا " كما لا يزيد شيئا على نعم.
وإن كرر فهو جواب كلام لا يجوز في جوابه " لا " ولا " نعم " لأنه جواب قولك: أغلام عندك أم جارية؟ وهو سؤال موضوع على أن السائل قد علم أن أحدهما عنده وإنما سأل تعيينه، فإن كان الأمر كما اعتقد السائل في السؤال فالجواب أن يقال: غلام أو جارية، وإن يكن كما اعتقده السائل ولم يكن عنده واحد منهما قال: لا غلام عندي ولا جارية.
فلذلك خالف التكرير الإفراد.
وقد أجاز الإفراد في الشعر وأنشد فيه: أن لا إلينا رجوعها 1 لأن المعنى الموجب منه لا يحتاج إلى تكرير لو قال: أنه إلينا رجوعها.
لكان كلاما حسنا، فدخلت " لا " وعملت الجحد ولم تغير لفظ الموجب.
وستقف من ذلك بعد هذا الباب على ما يحسن فيه الرفع ولا تحتاج " لا " إلى إعادة.
وأما قوله: " لا هيثم للمطي " و " قضية ولا أبا حسن لها " و " لا أمية بالبلاد " فالمعنى الذي يذكر مثل هذا الكلام عند حضوره وكونه هو الذي سوغ فيه التنكير؛ وذلك لأن الكلام إنما يقال لإنسان كان يقوم بأمر من الأمور وله فيه كفاية وغناء فحضر ذلك الأمر ولم يوجد ذلك الإنسان، ولا من يقوم به مثل قيامه.
ولو وجد من يقوم مقامه لم نطلب.
فصار التقدير " لا مثل هيثم " ولا مثل أبي حسن " ولا مثل " أمية " ودخلت هذه الأسماء في

المعنى.
وأريدوا به كما يقول القائل لمن يخاطبه: " مثلك لا يتكلم بهذا " " ومثلك لا يفعل القبيح ". وإنما تريد: أنت وأمثالك لا تفعلون مثل ذلك.
وإذا فصلت بين " لا " وما عملت فيه النصب أو الرفع مما ذكرنا بطل عملها ورفعت ما بعدها بالابتداء.
واحتجت إلى التكرير كقوله عز وجل: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (1). وقد يجوز في التكرير أن يكون الأول منهما منصوبا مبنيّا مع " لا " والأخير مرفوعا كقولنا " لا رجل ولا غلام " ولا جارية في الدار ولا زيد ". وقد قرأ يعقوب الحضرمي.. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 112] (هم) مرفوع محمول على موضع لا خوف.
وقد بيّن هذا في الباب الذي يتلو هذا الباب.
وأما قوله: فرطن ولا رد لما بت فانقضى فإنه يروى على ثلاثة أوجه: " ولكن بغوض " على تكثير الفعل مثل: ضروب وشروب.
وبغيض وهو اسم للذات كقولك: رجل بغيض " وليس بتكثير الفعل.
ويروى: ولكن تعوض، أن يقال عديم من العوض.

هذا باب لا تجوز فيه المعرفة إلا أن تحمل على الموضع

لإنه لا يجوز ل (لا) أن تعمل في معرفة كما لا يجوز ذلك ل (رب)، فمن ذلك قولك: لا غلام لك ولا العباس.
فإن قلت: أحمله على " لا " فإنه ينبغي لك أن تقول: رب رجل لك والعباس، وكذلك: لا غلام لك وأخوه.
فأما من قال: كل شاة وسخلتها بدرهم، فينبغي له أن يقول: لا رجل لك وأخاه " لأنه كان قال: " لا رجل لك وأخا له ". قال أبو سعيد: ما في هذا الباب بيّن مفهوم.1

هذا باب ما إذا لحقته «لا» لم تغيره عن حاله التي كان عليها قبل أن تلحق

وذلك لأنها لحقت ما عمل فيه غيرها كما أنها إذا لحقت الأفعال التي هي بدل منها لم تغيرها عن حالها التي كانت عليها قبل أن تلحق.
ولا يلزمك في هذا الباب تثنية " لا " كما لا تثنى " لا " في الأفعال التي هي بدل منها وذلك قولك: لا مرحبا ولا أهلا ولا كرامة ولا مسرة ولا شللا ولا سقيا ولا رعيا ولا هنيئا ولا مريئا.
صارت " لا " مع هذه الأسماء بمنزلة اسم منصوب ليس معه " لا " لأنها أجريت مجراها قبل أن تلحق " لا " ومثل ذلك " لا سلام عليك " ولم تغير الكلام عما كان عليه قبل أن تلحق " لا ". وقال جرير: ونبئت جوابا وسكنا يسبني … وعمرو بن عفرة لا سلام على عمرو 1 ولم تلزمك في ذا " تثنية " لا " كما لم يلزمك ذلك في الفعل الذي فيه معناه.
وذلك لا سلم الله عليه، فدخلت ذا الباب لتنفي ما كان دعاء، كما دخلت على الفعل الذي هو بدل من لفظه.
ومثل: " لا سلام على عمرو ". " لا بك السوء " لأن معناه: لا ساءك الله.
ومما جرى مجرى الدعاء ما هو يطلق عند الحاجة ببشاشة نحو: كرامة ومسرة ونعمة عين... فدخلت " لا " على هذا كما دخلت على قوله: ولا أكرمك ولا أسرك ولا أنعمك عينا.
ولو قبح دخولها هاهنا لقبح في الاسم كما قبح في لا ضاربا؛ لأنه لا يجوز " لا اضرب " في الأمر.
وقد دخلت " لا " في موضع غير هذا فلم تغيره عن حاله قبل أن تدخله وذلك قولهم: لا سواء.
وإنما دخلت " لا " هاهنا: لأنها عاقبت ما ارتفعت عليه سواء ألا ترى أنك لا تقول: هذان لا سواء، فجاز هذا كما جاز " لا ها الله ذا " حين عاقبت ولم يجز ذكر الواو.
وقالوا: لا نولك أن تفعل؛ لأنهم جعلوه معاقبا لقوله: " لا ينبغي أن تفعل كذا

وكذا، وصار بدلا منه فدخل فيه ما دخل في " ينبغي " كما دخل في " لا سلام " ما دخل في " سلم ". واعلم أن " لا " قد تكون في بعض المواضع بمنزلة اسم واحد هي والمضاف إليه ليس معه شيء.
وذلك نحو قولك: " أخذته بلا ذنب " وأخذته بلا شيء وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد.
والمعنى معنى ذهبت بغير عتاد وأخذته بغير ذنب، إذا لم ترد أن تجعل " غيرا " شيئا أخذه يعتد به عليه، ومثل ذلك قولك للرجل: أجئتنا بغير شيء؟ أي رائقا والرائق: الخالي.
ونقول إذا قللت الشيء أو صغرت أمره: ما كان إلا كلا شيء وإنك ولا شيئا سواء، ومن هذا النحو قول الشاعر وهو أبو الطفيل الغنوي: تركتني حين لا مال أعيش به … وحين جن زمان الناس أو كلبا 1 والرفع عربي على قوله: "... … حين لا مستصرخ " 2 و"... … لا براح " 3 والنصب أجود وأكثر من الرفع لأنك إذا قلت: " لا غلام " فهي أكثر من الرافعة التي هي بمعنى ليس.
قال الشاعر: حنّت قلوصي حين لا حين محنّ 4 وأما قول جرير: ما بال جهلك بعد الحلم والدين … وقد علاك مشيب حين لا حين 5

فإنما هو: " حين حين " و " لا " بمنزلة " ما " إذا ألغيت.
واعلم أنه قبيح أن تقول: " مررت برجل لا فارس " حتى تقول: لا فارس ولا شجاع، ومثل ذلك: هذا زيد لا فارسا، لا يحسن حتى تقول: لا فارسا ولا شجاعا؛ وذلك أنه جواب لمن قال أو لمن يجعله ممن قال: أبرجل شجاع مررت أم بفارس؟ ولقوله: أفارس زيدا أم شجاع؟ وقد يجوز على ضعفه في الشعر، قال رجل من بني سلول: وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا … حياتك لا نفع وموتك فاجع 1 فكذلك هذه الصفات وما جعلته خبرا للأسماء نحو: زيد لا فارس ولا شجاع.
واعلم أن " لا " في الاستفهام تعمل فيما بعدها كما تعمل فيه إذا كانت في الخبر، فمن ذلك قوله وهو حسان بن ثابت الأنصاري.
ألا طعان ولا فرسان عادية … إلا تجشّؤكم عند التنانير 2 وقال: في مثل: " ألا قماص بالعير؟ " ومن قال لا غلام ولا جارية.
قال: ألا غلام؟ وألا جارية؟ واعلم أن " لا " إذا كانت مع ألف الاستفهام ودخل فيها معنى التمني عملت فيما بعدها فنصبته.
ولا يحسن لها أن تعمل في هذا الموضع إلا فيما تعمل فيه في الخبر.
وتسقط النون والتنوين في التمني كما سقطا في الخبر، فمن ذلك: ألا غلام لي؟ وألا ماء باردا؟ ومن قال: لا ماء بارد.
قال: ألا ماء بارد؟ ومن ذلك: ألا أبا لي؟ وألا غلام لي؟ وتقول: ألا غلامين وجاريتين لك كما تقول: لا غلامين وجاريتين لك.
وتقول ألا ماء ولبنا؟ كما قلت: لا غلام وجارية لك تجريها مجرى " لا " ناصبة في جميع ما ذكرت لك.
وسألت الخليل عن قوله: ألا رجلا جزاه الله خيرا … يدلّ على محصّلة تبيت 3

ويروى: محصلة، فزعم أنه ليس على التمني ولكنه بمنزلة قول الرجل: فهلا خيرا من ذلك.
كأنه قال: ألا تروني رجلا جزاه الله خيرا؟ وأما يونس فزعم أنه نوّن مضطرا وزعم أن قوله: لا نسب اليوم ولا خلّة 1 على الاضطرار.
وأما غيره فوجهه على ما ذكرت لك، والذي قال: مذهب، ولا يجوز الرفع في هذا الموضع لأنه ليس بجواب لقوله: أذا عندك أم ذا؟ وليس في ذا الموضع مغني ليس ". وتقول: " ألا ماء وعسلا باردا حلوا " لا يكون في الصفة إلا التنوين؛ لأنك فصلت بين الاسم والصفة حين جعلت البرد للماء والحلاوة للعسل.
ومن قال: " لا غلام أفضل منك " لم يقل في: ألا غلام أفضل منك إلا بالنصب؛ لأنه دخل فيه معنى التمني وصار مستغنيا عن الخبر كاستغناء: اللهم غلاما ومعناه: " اللهم هب لي غلاما ". قال أبو سعيد: ذكر سيبويه في أول هذا الباب أشياء دخلت عليها " لا " ولم تعمل فيها ولم يلزمها التكرير.
واعتمد على أن الأشياء التي دخلت عليها " لا " في هذا الباب مبنية على أفعال مضمرة وقد نصبتها.
وأن الفعل إذا دخلت عليه " لا " لم يلزم تكرير " لا " بها وللسائل أن يسأل عن السبب الذي من أجله لم يلزم التكرير في الفعل كما لزم في الاسم.
قال أبو العباس: " الأفعال وقعت موقع الأسماء النكرات التي تنصبها " لا " وتبنى معها؛ لأن الأفعال في مواضع النكرات، فلذلك لم تحتج إلى تكرير " لا " ولم يجز أن تبني مع " لا " لأنها ليست أسماء.
ولو قدرتها تقدير " لا رجل في الدار ولا غلام " لقلت: لا يقوم زيد ولا يقعد.
وصارت جوابا لقوله: أيقوم زيد أم يقعد؟ " والذي احتج به أبو العباس لا يصح على موضع أصحابنا لأنهم يقولون: عوامل

الأسماء لا تدخل على الأفعال.
والصحيح عندي: أن " لا " الواقعة على الفعل لا يلزمها التكرير؛ لأنها جواب يمين واليمين قد تقع على فعل واحد مجحود، فلا يجب فيها تكرير " لا " ويمينك واقعة على شيء واحد.
ووجه آخر أيضا: وهو أن لا أفعل.. نقيض: " لأفعلن " كقولك: والله لأضربن زيدا نقيضه: لا أضرب زيدا.
فمن حيث لم يجب ضم فعل آخر إلى: لأضربن، لم يجب ضم فعل آخر إلى: لا أضرب.
وأيضا فإن الفعل قد ينفى " بلم " و " لن " ولا يلزمهما تكرير قولك: لم يقم زيد ولن يخرج أخوك ولا يلزمها تكرير و " لا " مثلهما في أنها تنفي الفعل وإن كانت تختص بجواب التمني.
فما كان من ذلك منصوبا فعلى إضمار فعل قد وقع عليه فنصبه، وما كان منه على جهة الخبر فدخول " لا " فيه كدخولها في اليمين كقولك ولا كرامة ولا مسرة، كأنه قال: لا أكرمك كرامة ولا أسرك مسرة.
وما كان منه دعاء فهو نقيض فعل الدعاء الذي يحتاج إلى تكرير، كقولك " لا شللا ولا سقيا ولا رعيا ". لأن " لا " دخلت على: شللا وسقيا ورعيا الذي هو دعاء.
وما كان من ذلك مرفوعا وفيه معنى الدعاء فهو بهذه المنزلة؛ لأن أصله الفعل ولا يلزمك فيه تثنية " لا " ولا تكريرها كقوله: " لا سلام على عمرو " لأن معناه: لا سلم الله على عمرو ولا بك السوء، وسلام مبتدأ وعلى خبره وجاز الابتداء بنكرة؛ لأن معناه معنى فعل يدعى به.
وقوله: " لا بك السوء " " السوء " مبتدأ و " بك " خبره وأصله " بك السوء " ودخلت عليه " لا " لقلب معناه في الدعاء.
وقيل فيه وجه آخر: وهو أن يكون " بك " في صلة خبر محذوف، كأنه قال بك السوء واقع، وإنما جاء: سلام عليكم ورَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ 1 وما جرى مجراه على لفظ الخبر كما جاء: غفر الله لك ولعن الله فلانا بلفظ الخبر ومعناه معنى الدعاء.

وقوله: ولو قبح دخولها هاهنا لقبح في الاسم؛ يعني لو قبح دخول " لا " في قولك: لا أكرمك ولا أسرك لقبح في قولك: ولا كرامة ولا مسرة؛ لأن هذا الاسم يعمل فيه الفعل كما قبح: لا ضربا.
إذا أردت: لا اضرب يعني: دخول " لا " على فعل الأمر لا يجوز؛ لأن صيغة الأمر تجري مجرى الإيجاب.
وصيغة النهي تجري مجرى الجحد.
ألا ترى أنا لو أدخلنا لام الأمر لم يجز أن تدخل معها " لا " التي للنهي ولا " لا " التي للجحد في الخبر.
لا تقول: لا ليقم زيد؛ لأنك تصير آمرا ناهيا بحرف النفي، ودخول حرف الأمر كما لا تكون جاحدا الشيء معترفا به، و " لا " التي للخبر لا يصلح دخولها على الأمر فتكون آمرا مخبرا وهذا لا يجوز.
وإنما تدخل " لا " التي في الخبر على فعل هو خبر؛ لأن الجحد والإيجاب هما خبران كقولك: أكرمك ولا أكرمك وأسرك ولا أسرك.
وقولهم: لا سواء إنما يتكلم به المتكلم عند ادعاء مدع لاثنين جرى ذكرهما أن أحدهما مثل الآخر؛ أي هما سواء فيقول المنكر لمن قال: لا سواء أي هما لا سواء.
أو هذان لا سواء، فهذان مبتدأ " وسواء " خبره، ودخلت " لا " لمعنى الجحد واستجازوا حذف المبتدإ لأنهم جعلوا " لا " كافية من المبتدإ لكثرة الكلام عند رد بعضهم على بعض ادعاء التساوي في الشيئين.
وشبهه بجعل " ها " عوضا عن واو القسم في: (لا ها الله ذا) وعوض " ها " من الواو أوكد؛ لأن المبتدأ المحذوف يجوز أن يؤتى به فيقال: هذان لا سواء، ولا يجوز أن يؤتى بالواو مع " ها " لأنهم قد غيروا لفظ الكلام في الأصل وترتيبه؛ لأن أصله لا والله هذا ما أقسم به، ثم قدموا " ها " وفصلوا بين حرفي التنبيه والإشارة: " ها " و " ذا " ولو لم تدخل " لا " لم تقل: سواء وأنت تعني: هما سواء.
وقولهم: لا نولك أن تفعل كذا هذا هو من التناول للشيء، وهم يريدون به الاختيار، فإذا قالوا: قولك أن تفعل كذا وكذا فمعناه: ينبغي لك أن تفعل كذا، والاختيار لك أن تفعل.
" ولا نولك أن تفعل " معناه: لا ينبغي لك أن تفعل، وقد يوقع " قولك " على جميع فعله.
ألا ترى أن الأخذ قد يستعمل في جميع الأفعال حتى يقال: فلان لا يأخذ ولا يترك إلا بأمر فلان.
ويستعمل في موضع ضد الترك ولهذا صار: نولك بمعنى فعلك؛ لأن التناول بمعنى

الأخذ.
وقولك " أخذته بلا ذنب " وغضبت من لا شيء " لا " بمعنى " غير " واستعملت في معنى " غير " لما بينهما من الاشتراك في الجحد؛ لأن " غيرا " مسلوب عنها ما أضيفت إليه.
فإذا قلت: مررت بغير صالح، فغير هو الذي مررت به و " صالح " لم تمرر به وقد سلب من (غير) الصلاح الذي هو لما أضيف إليها.
فإذا قلت: أخذته بلا ذنب وغضبت من لا شيء فمعناه: أخذته بغير ذنب وغضبت من غير شيء " فغير " مخفوض بحرف الخفض الذي دخل.
فإذا جعلت مكان " غير " " لا " ف " لا " حرف لا يقع عليه حرف الخفض، فوقع حرف الخفض على ما بعد " لا ". وعلى هذا: " ما كان إلا كلا شيء " أي: إلا كغير شيء وحين غير مال.
ومعنى قوله: أخذته بغير ذنب: لا يراد به: أخذته بشيء هو غير ذنب، وكذلك جئت بغير شيء لا يراد به: جئت بشيء هو غير شيء.
وإنما يراد به: جئت خاليا من شيء معك.
وهذا معنى قوله: رائقا لأن الرائق: الخالي واشتقاقه من راق الشراب أي صفا، كأنه جاء ولم يعبق به شيء سوى نفسه.
وقوله: " حين لا حين محن " " حين " منصوب " بلا " كقوله: لا مثل زيد ولا غلام رجل، وخبره محذوف وهي جملة.
وحين الأولى مضاف إليها كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل وتقديره: لا حين محن لنا و " لنا " هو الخبر.
وأما: " حين لا حين " فحين الأولى مضاف إلى الثاني و " لا " فيها فصلت بين الخافض والمخفوض كفصلها في: " جئت بلا شيء " و " غضبت من لا شيء " كأنه قال: حين لا حين فيه لهو ولعب.
أو نحو ذلك من الإضمار، وهو قبل دخول " لا " تقديره: حين حين فيه لهو ولعب.
وقوله: حياتك لا نفع، فهو عند سيبويه ضعيف؛ لأنه لم يكرر على ما تقدم من حكم تكريرها وتثنيتها.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: لا أرى بأسا أن تقول: لا رجل في الدار، وتجعله جواب قوله: هل رجل في الدار، وجائز أن يكون لرجل واحد وجائز أن يكون في موضع جميع كما كان في " هل " كذلك.
ألا ترى أن قوله: لا رجل في الدار لا يكون إلا في موضع جميع؛ لأنه جواب: هل من رجل في الدار؟ وقوله:

حياتك لا نفع.. من ذلك على غير ضرورة.
وأما البيت المنسوب إلى حسان بن ثابت في الكتاب الذي أوله: ألا طعان ولا فرسان عادية 1 فذكر الجرمي أن البيت لعصام الزماني.
وقال أبو سعيد: في قولهم " ألا قماص بالعير " يضرب مثلا للرجل العيي الذي لا حراك به.
وإذا دخلت الألف قبل " لا " فلها مذهبان: أحدهما: أن تكون استفهاما أو عرضا.
والآخر: أن تكون تمنيا.
فإذا كان استفهاما كان لفظ ما بعد " إلا " وما يكون عطفا عليه أو صفة له أو خبرا له على ما كان عليه من قبل دخولها من الرفع والنصب والإضافة إلى اللام في التثنية وفي " لا أبا لك " ونحوه.
وإن كان تمنيا فعلى مذهب سيبويه لا يجوز فيه الرفع على الصفة ولا على العطف للذي يقول: لا غلام أفضل منك؛ لأنه يدخله معنى التمني ويصير مستغنيا كما استغنى اللهم غلاما، ومعناه معنى المفعول.
وعلى قول المازني أن الحروف الداخلة على " لا " لا تغير حكم اللفظ فيما بعد " لا " ولها خبر مظهر أو مضمر كما كان لفظها قبل دخول الألف والجملة يراد بها التمني كما يراد بالاستفهام التقرير.
ألا ترى أنك تدخل في الاستفهام الذي يراد به التقرير الباء الزائدة التي لا تزاد إلا في الجحد، ألا تسمع إلى قوله تعالى: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى 2. فأدخل الباء وإنما دخلت الباء أولا على خبر ليس قبل دخول ألف الاستفهام على ما يجوز في الجحد من دخول الباء الزائدة، فدخلت ألف الاستفهام وأريد بالكلام كله التقرير.
وأما ما يلي " لا " فلا خلاف بينهم أن اللفظ على ما كان عليه قبل " لا " من النصب

وبناء الاسم مع " لا ". وقوله: ألا ماء وعسلا باردا حلوا فتقديره: ألا ماء باردا وعسلا حلوا.
ولم يجز بناء " ماء " مع باردا لفصل " عسل " بينهما، فوجب التنوين في " باردا " من أجل ذلك.

هذا باب الاستثناء

" فحرف الاستثناء " إلا " وما جاء من الأسماء فيه معنى " إلا " وما جاء من الأفعال فيه معنى " إلا " فلا يكون " وليس " وما عدا " وخلا " وما فيه ذلك من المعنى من حروف الإضافة وليس باسم " فحاشا " " وخلا " في بعض اللغات.
وسأبين لك أحوال هذه الحروف إن شاء الله الأول فالأول ". قال أبو سعيد: هذه الحروف متصلة في الأبواب التي تأتي.
وأنا أفسّر كل واحد منها في موضعه إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما يكون استثناء " بإلا "

اعلم أن " إلا " يكون الاسم بعدها على وجهين:- فأحد الوجهين: ألا تغير الاسم عن الحال التي كان عليها قبل أن تلحق وكذلك " إلا " ولكنها تجيء لمعنى.
كما تجيء " لا " لمعنى.
والوجه الآخر: أن يكون فيه الاسم بعدها خارجا مما دخل فيه ما قبله عاملا فيه ما قبله من الكلام.
كما تعمل " عشرون " فيما بعدها إذا قلت: " عشرون درهما ". فأما الوجه الذي يكون فيه الاسم بمنزلته قبل أن تلحق " إلا " فهو أن تدخل الاسم في شيء تنفي عنه ما سواه.
وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد.
وما لقيت إلا زيدا.
وما مررت إلا بزيد.
تجري الاسم مجراه إذا قلت ما أتاني زيد.
وما لقيت زيدا.
وما مررت بزيد.
ولكنك أدخلت " إلا لتوجب الأفعال لهذه الأسماء ولتنفى ما سواها.
فصارت هذه الأسماء مستثناة.
فليس في هذه الأسماء في هذا الموضع وجه سوى أن تكون على حالها قبل أن تلحق " إلا ". لأنها بعد " إلا " محمولة على ما يجر ويرفع وينصب كما كانت محمولة عليه قبل أن تلحق " إلا " ولم تشغل عنها قبل أن تلحق " إلا " الفعل بغيرها ". قال أبو سعيد: " إلا " أم حروف الاستثناء.
والاستثناء: هو إخراج الشيء مما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما.
أو إدخال فيما خرج عنه هو وغيره بلفظ شامل لهما.
وقسم سيبويه الاسم الذي بعد " إلا " على وجهين:

أحدهما: أن لا يتغيّر عما كان عليه قبل دخولها.
والآخر: يتغير عما كان عليه قبل دخولها.
وأفرد هذا الباب بالاسم الذي تدخل عليه " إلا " فلا تغيره عما كان عليه.
وذلك كل ما كان فيه ما قبل " إلا " محتاجا إلى ما بعده.
وذلك قولك: ما أتاني إلا زيد.
وما لقيت إلا زيدا، وما مررت إلا بزيد، ثم جعل أبوابا يختلف فيها حكم الأسماء بعدها.
وستقف على واحد واحد منها إن شاء الله.
قال أبو سعيد: وقد سمي هذا الباب استثناء ولم يذكر المستثنى منه.
ولقائل أن يقول كيف جاز أن يستثني الشيء من لا شيء؟ فيقال له: هذا.
وإن حذف واعتمد لفظ ما قبل حرف الاستثناء على الاسم الذي بعده في العمل فلا يخرجه ذلك من معنى الاستثناء.
كما أن الفعل إذا حذف فاعله وبني للمفعول فرفع به وقيل: ضرب زيد.
وقتل عمرو.
لم يخرجه ذلك من أن يكن مفعولا.
لأنه قد أحاط العلم أن فعلا وقع به من فاعل ثم حذف الفاعل واحتيج إلى بناء الفعل للمفعول فرفع به... وكذلك لما حضر حرف الاستثناء الذي يدل على ما بعده يثبت له ما ينفى عن كل ما سواه لأنه لما قيل: " ما قام إلا زيد ". فعلم أن القيام أثبت لزيد وحده ونفي عن غيره، وكان ذكر ما نفي عنه القيام وتركه في المعنى سواء.
بقي تصحيح اللفظ عند حذفه: وتصحيح اللفظ: ألا يعرى الفعل من فاعل.
وليس في الكلام فاعل سوى ما بعد " إلا " فجعل فاعله.
فإن قال قائل: إذا كان الغرض إثبات الفعل لما بعد " إلا " فكأنه يكفي من ذلك أن يؤتى بفعل وفاعل فيقال: قام زيد وذهب عمرو ولا يؤتى بحرف الاستثناء؟ قيل له: في ذكر الاستثناء فائدتان: أحدهما: إثبات الفعل لما بعد " إلا ". والأخرى: نفيه عمن سواه.
لأن قولك: قام زيد " وذهب عمرو " ليس فيه دلالة على أن " غير " زيد " لم يقم وغير عمرو لم يذهب.
والله أعلم.

هذا باب ما يكون المستثنى فيه بدلا مما نفي عنه ما أدخل فيه

" وذلك قولك: ما أتاني أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا عمرو، وما رأيت أحدا إلا عمرا.
جعلت المستثنى بدلا من الأول فكأنك قلت: ما مررت إلا بزيد.
وما

لقيت إلا زيدا، كما أنك إذا قلت: مررت برجل زيد.
فكأنك قلت: مررت بزيد.
فهذا وجه الكلام.
أن تجعل المستثنى بدلا من الذي قبله؛ لأنك تدخله فيما أخرجت منه الأول، ومن ذلك قولك: " ما أتاني القوم إلا عمرو " وما فيها القوم إلا زيد.
وليس فيها القوم إلا أخوك.
وما مررت بالقوم إلا أخيك، فالقوم هاهنا بمنزلة أحد.
ومن قال: ما أتاني القوم إلا أباك.
لأنه بمنزلة قوله أتاني القوم إلا أباك.
فإنه ينبغي له أن يقول: " ما فعلوه إلا قليلا منهم " وحدثني يونس: أن أبا عمرو كان يقول: الوجه: ما أتاني القوم إلا عبد الله.
ولو كان هذا بمنزلة " أتاني القوم " لما جاز أن تقول ما أتاني أحد، كما أنه لا يجوز أن تقول أتاني أحد، ولكن المستثنى في ذا الموضع مبدل من الاسم الأول، ولو كان من قبل الجماعة لما قلت: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ 1 ولكان ينبغي له أن يقول: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد؛ لأنه ذكر واحدا.
ومن ذلك أيضا: " ما منهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد " وما منهم خير إلا زيد، إذا كان زيد هو الخبر.
وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
هذا هو وجه الكلام.
وإن حملته على الإضمار الذي في الفعل فقلت: " ما رأيت أحدا يقول ذلك إلا زيد " فعربي.
قال عدي بن زيد: في ليلة لا نرى بها أحدا … يحكي علينا إلا كواكبها 2 وكذلك: " ما أظن أحدا يقول ذلك إلا زيدا.
وإن رفعت فجائز حسن.
وكذا: ما علمت أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن شئت رفعت.
وإنما اختير النصب هاهنا لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، وأن لا يكون بدلا إلا من منفي، والمبدل منه منصوب منفي ومضمره مرفوع.
فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا منه؛ لأنه هو المنفي وهذا وصف أو خبر.

وقد تكلموا بالآخر؛ لأن معناه النفي، إذا كان وصفا لمنفي، كما قالوا قد عرفت زيدا أبو من هو؟ لما ذكرت لك؛ لأن معناه معنى المستفهم عنه.
وقد يجوز ما أظن أحدا فيها إلا زيدا.
ولا أحد منهم اتخذت عنده يدا إلا زيد على قوله: " إلا كواكبها ". وتقول: ما ضربت أحدا يقول ذاك إلا زيد، لا يكون في ذا إلا النصب؛ وذلك لأنك أردت في هذا الموضع أن تخبر بموقوع فعلك.
ولم ترد أن تخبر أنه ليس يقول ذاك إلا زيد.
ولكنك أخبرت أنك ضربت ممن يقول ذاك زيدا.
والمعنى في الأول: أنك أردت أنه ليس يقول ذاك إلا زيدا، ولكنك قلت: رأيت أو ظننت أو نحوهما لتجعل ذاك فيما رأيت وفيما ظننت.
ولو جعلت رأيت رؤية العين كان بمنزلة ضربت.
قال الخليل: ألا ترى أنك تقول: " ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما أظنه يقوله إلا عمرو " فهذا يدلك على أنك إنما انتحيت على القوم ولم ترد أن تجعل عبد الله موضع فعل كضربت وقتلت، ولكنه فعل بمنزلة " ليس " يجيء لمعنى، وإنما يدل على ما في علمك.
وتقول: " أقل رجل يقول ذاك إلا زيد " لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد.
وتقول: " قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد " فليس زيد بدلا من الرجل في أقل... ولكن قلّ رجل في موضع " أقل رجل " ومعناه كمعناه.
وأقل رجل: مبتدأ مبني عليه.
والمستثنى بدل منه.
لأنك تدخله في شيء يخرج منه من سواه.
وكذلك: أقل من يقول ذلك وقلّ من يقول ذلك، إذا جعلت " من " بمنزلة رجل.
حدثنا بذلك يونس عن العرب أنهم يجعلونه نكرة كما قال: ربما تكره النفوس من الأم … ر له فرجة كحلّ العقال 1 ويروى: تجزع النفوس فجعل " ما " نكرة ". قال أبو سعيد: الذي جعله سيبويه بدلا في أول هذا الكتاب من قوله: ما أتاني أحد إلا زيد.
وما مررت بأحد إلا عمرو، جعله الكسائي والفراء عطفا.

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: فكيف يكون بدلا والأول منفي وما بعد " إلا " موجب؟ فالجواب عما قاله أحمد بن يحيى: أنه بدل منه في عمل العامل فيه وذاك أنا إذا قلنا: ما أتاني أحد.
فالرافع " لأحد " هو " أتاني " أيضا فكل واحد من " أحد " و " زيد " يرتفع ب " أتاني " إذا فرد به.
فإذا ذكرناهما جميعا فلا بد من أن يكون الأول منهما يرتفع بالفعل؛ لأنه يتصل به.
ويكون الثاني تابعا له.
كما يتبعه إذا قلنا: جاءني أخوك زيد.
لا يقال: زيد فاعل؛ لأن أخوك باتصاله بالفعل صار فاعلا، وزيد بدل منه، وأما اختلافهما في النفي والإيجاب فلا يخرجهما عن البدل؛ لأن مذهب البدل في ذلك أن تقدر الأول في تقدير ما لم يذكر.
والثاني في موضعه الذي رتب فيه.
فإن كان الفعل الذي ارتفع به الأول إذا لم يذكر الأول عمل في الثاني في موضعه الذي رتب فيه علمنا متى ذكر أن الثاني بدل منه؛ لأن الفاعل لا يكون أكثر من واحد.
وقد يقع في العطف والصفة ما يكون الأول موجبا والثاني منفيّا.
فأما العطف: فجاءني زيد لا عمرو.
ومررت بزيد لا عمرو، فالأول موجب والثاني منفيّا، واختلفا في النفي والإيجاب لدخول " لا " بينهما وأحدهما معطوف على الآخر.
وتقول في الصفة: " مررت برجل لا كريم ولا لبيب " " فكريم " خفض لأنه صفة لرجل وأحدهما موجب والآخر منفي، وقد يجوز النصب فيما يختار فيه البدل.
كقولك: ما أتاني أحد إلا زيدا: وما مررت بأحد إلا زيدا ". وإنما اختير البدل؛ لأن البدل والاستثناء في المعنى واحد.
وفي البدل فضل موافقة ما قبل " إلا " لما بعدها في اللفظ، ويقويه أيضا: إجماع القراء والمصاحف على: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ 1 إلا أهل الشام ومصحفهم.
فإنهم قرأوا: " إلا قليلا منهم " وكذلك هو في مصحفهم وقرأ القراء وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ 2. وحكى سيبويه عمن لم يسمعه من النحويين: أن المنفي إذا جاز في لفظه الإيجاب لم يجز فيه البدل، ولم يكن غير النصب كقولك: ما أتاني القوم إلا أباك؛ لأنه بمنزلة: " أتاني القوم لا أباك ".

والقول الذي ذهب إليه سيبويه هو الصحيح وشاهده القرآن والقياس.
فأما القرآن فقوله عز وجل: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: 66] فرفع.
وفعلوه يقع في الإيجاب، وأما القياس: فإنه قد أحاط العلم أنا إذا قلنا: " ما أتاني أحد " فقد دخل فيه القوم وغيرهم.
فإنما ذكرنا في بعض ما اشتمل عليه أحد مما يستثنى بعضه.
وقد احتج عليهم سيبويه ببعض ما ذكرناه.
وبأن قال: كان ينبغي لمن قال ذلك أن يقول: " ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد ". والصواب: نصب زيد.
" ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا ". لأنك لما قلت: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك، صار الكلام موجبا لما استثني من المنفي.
وكأنه قال: كلهم قالوا ذاك.
فاستثنى " زيدا " من شيء موجب في الحكم فنصب.
وإنما ذكر هذا لأنه ألزم القائل بما ذكر من جواز " ما أتاني أحد إلا زيد " ومنع: " ما أتاني القوم إلا زيدا " بأن قال: إن كان وجوب النصب لأن الذي قبل " إلا " جمع فقد قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ [النور: 6] فرفع بعد الجمع.
وإن كان جواز الرفع والبدل لأن الذي قبل " إلا " واحد فينبغي أن يجيزوا الرفع في قولهم: ما أتاني أحد إلا قال ذاك إلا زيد " والواجب فيه النصب.
وإنما ألجأهم سيبويه إلى أن يقولوا: إن الذي يوجب البدل أن يكون ما قبل " إلا " منفيّا فقط، جمعا كان أو واحدا.
وذكر سيبويه في النفي ما يكون له اسم ظاهر واسم مكني متعلقان بعاملين مختلفين.
فيجوز البدل من أي الاسمين شئت، ولم يجز في بعضه البدل إلا من أحد الاسمين دون الآخر.
فأما الذي يجوز فيه البدل من أي الاسمين شئت فهو الذي كل واحد من عاملي الاسمين مجحود في المعنى.
وأما الذي لا يكون البدل إلا من أحد الاسمين فهو الذي عامل أحد الاسمين مجحود وعامل الآخر غير مجحود، فتبدل من الاسم الذي عامله مجحود دون الآخر.
فمما يبدل من الاسمين فيه قوله: ما منهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد " ويجوز خفض " زيد " فرفعه على أن تبدل من " أحد " وخفضه على أن تبدله من الهاء في عنده؛ لأن المعنى: ما اتخذت عند أحد يدا إلا زيد.
وكذلك: كل مبتدإ دخل عليه حرف الجحد ثم وقع على ضميره شيء من خبره كان لك أن تبدل منه أو من ضميره كقولك: " ما أحد منهم ضربته إلا زيد وإلا زيدا " وما

أحد منهم مررت به إلا زيد وإلا زيدا " لأن المرور في المعنى مجحود ومعناه: ما مررت بأحد منهم إلا زيد ". وتقول: " ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا " على البدل من " أحد " وهو أجود.
ويجوز الرفع على البدل من الضمير الذي في " يقول ". و" رأيت " بمعنى: علمت.
وإنما دخل على مبتدإ وخبر وما كان من أفعال الظن والعلم الذي يقع على مفعولين، فالمعتمد بالنفي والإثبات هو المفعول الثاني.
فصار كأنه قال ما يقول ذاك أحد فيما رأيت إلا زيد " وأحد " بمنزلة الضمير الذي في " يقول " حين قلت " ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيد " وقوله: في ليلة لا نرى بها أحدا … يحكي علينا إلا كواكبها 1 الشاهد فيه: أنه أبدل " كواكبها " من الضمير في " يحكي " لأن أحدا كأنه مبتدأ وإن وقعت عليه الرؤية وهي رؤية القلب، وكأنه قال: لا يحكي علينا أحد إلا كواكبها.
وقد عرفتك أن ما وقع على ضمير الاسم المبتدإ المجحود وخبره.
بمنزلة المجحود.
وما وقع على المبتدإ والخبر من أفعال الظن والعلم لا يخرجه عن ذلك الحكم.
والاختيار أن يكون البدل من الاسم الأول الذي وقع عليه حرف النفي؛ لأن البدل منه محمول على اللفظ.
والآخر محمول على المعنى.
والحمل على اللفظ هو الظاهر من الكلام.
ومن ذلك: ما أظن أحدا فيها إلا زيدا، هو الأجود؛ لأنه بدل من اللفظ.
ويجوز: إلا زيد بالرفع بدل من الضمير في " فيها "؛ لأن معناه: استقر ". وفي " استقر " ضمير فاعل.
والبدل منه هو المقصود بالنفي.
وهو ضمير " أحد " الذي وقع عليه الظن.
وأحد في معنى مبتدإ؛ لأن الظن قد يلغى.
ومما قوى سيبويه به البدل من الاسمين في أفعال الظن والعلم في النفي أنك تقول ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما أظنه يقوله إلا عمرو.
وذلك أن الهاء ضمير الأمر والشأن.
ورأيت بمعنى علمت، والاعتماد على ما بعد رأيته وأظنه فكأنه قال: ما يقول ذاك زيد.
فهذا يدل على جواز البدل من الضمير الذي في " يقول " من قوله: " ما ظننت أحدا يقول ذاك إلا زيد ". وأما ما لا يبدل إلا من اسم واحد وقع عليه لفظ النفي فقولك: ما ضربت أحدا

يقول ذاك إلا زيدا، لا يكون فيه إلا النصب؛ لأن الضرب هو المنفي في المعنى والقول ليس بمنفي... ألا ترى أنك تقول: " ما أوذي أحدا يوحد الله تعالى " وقد علم أنه لم يقصد إلى نفي من يوحد الله.
وإنما نفي أداة لهم، فلم يجز البدل إلا من " أحد " لأنه هو الذي وقع به الفعل المنفي وهو الأذى.
وقوله: " أقل رجل يقول ذاك إلا زيد " لا يصح البدل من لفظه؛ لأنا إن أبدلنا " زيدا " من " أقل رجل " لطرحناه في التقدير فبقي: " يقول ذاك إلا زيد " وهذا لا يصح ولكنا نرده إلى معناه ونفصّله بما يصح معه البدل.
" وأقل " ينصرف على معنيين.
أحدهما: النفي العام.
والآخر: ضد الكثرة.
فإذا أريد النفي العام جعل تقديره: ما رجل يقول ذاك إلا زيد.
كما تقول: " ما أحد يقول ذاك غلا زيد ". وإن أريد به ضد الكثرة فتقديره: " ما يقول ذاك كثير إلا زيد " ومعناهما يؤول إلى شيء واحد؛ لأنه إذا أبدل زيدا في الاستثناء فقد أبطل الذي قبله، فكأنه يقول: " ما يقول ذاك إلا زيد، ألا ترى أنه إذا قال: " ما أتاني القوم إلا زيد " فكأنه قال: ما أتاني أحد منهم إلا زيد.
وقوله وكذلك " أقل من " " وقلّ من " إذا جعلت من نكرة بمنزلة " رجل " فإن " من " إذا كانت بمنزلة " رجل " لزمته الصفة، فإذا قلت: أقل من يقول ذاك، صار يقول ذاك " صفة لمن " ويبقى " أقل " بلا خبر.
وإذا قلت: أقل رجل يقول ذاك " فرجل " غير محتاج إلى صفة.
" ويقول ذاك " خبر " أقل ". و " زيد " بدل من " أقل " كما ذكرنا.
وأقل من يقول ذاك، لم يتم به الكلام، وتمامه في قولك: " إلا زيد " فيصير بمنزلة " ما أخوك إلا زيد ". وأما " قول من يقول ذاك " فهذا كلام تام؛ لأنه فعل وفاعل.
فإن قال قائل: لم أبدلت العرب من المنفي ولم تبدل من الموجب فيقال: أتاني القوم إلا زيد؟ قيل له: لأن المنفي يصح حذف الاسم المبدل منه قبل " إلا " ولا يصح ذلك في الموجب.
لا يقال: أتاني إلا زيد.
وإنما جاز: ما أتاني إلا زيد.. ولم يجز " أتاني إلا زيد " لأن النفي الذي قبل إلا قد وقع على ما لا يجوز إثباته من الأشياء المتضادة.
ولا يجوز إثبات ما يتضاد.

جارٍ التحميل