شرح كتاب سيبويهصفحات 135-174

باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

صفحات 135-174

والياء، وبعض قد جاء بالياء وحدها على ما بيّن سيبويه من ذلك وشرحه.
وقد ذكر الكوفيّون في فعل التعجب إسقاط النون: ما أقربي منك، وما أحسني، وما أجملي، وهم يعنون: ما أحسنني، وأجملني.
وما ذكر البصريّون من هذا شيئا، ولست أدري أعن العرب حكوا هذا؟ أم قايسوه على مذهبهم في: ما أفعل زيدا؛ لأنه اسم عندهم في الأصل.
وقد احتج سيبويه لقطني، ولدني، وعنّي، ومنّي، أنهم لم يحركوا الطاء والنونات كراهية أن تشبه الأسماء نحو: يد، وهن، وقد بيّنا أنّ الاسم الذي آخره متحرك بإعراب أو بناء أنه إذا اتصل به ياء المتكلم كسر آخره، ويد، وهن من الأسماء المعربة المتحركة الأواخر.
وهن عبارة عن كل اسم منكور، كما أن قولنا: فلان عبارة عن كل اسم علم ممّا يعقل.
وكلام سيبويه في باقي الباب مفهوم.

هذا باب ما يكون مضمرا فيه الاسم متحولا عن حاله إذا أظهر بعده الاسم

قال سيبويه: " وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمر فيه الاسم جرّ، وإن أظهر رفع.
ولو جاء الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت، كما قال تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: 31]؛ ولكنهم جعلوه مضمرا مجرورا.
والدليل على ذلك أنّ الياء والكاف لا يكونان علامة مضمر مرفوع.
قال يزيد بن الحكم بن أبي العاص: وكم موطن لولاي طحت كما هوى … بأجرامه من قلّة النّيق منهوي 1 وهذا قول الخليل ويونس.
وأما قولهم: عساك فالكاف منصوبة.
قال الراجز، وهو رؤبة: يا أبتا علّك أو عساكا 2 والدليل على أنها منصوبة أنك إذا عنيت نفسك كانت علامتك ني.
قال عمران بن حطّان:

ولي نفس أقول لها إذا ما … تنازعني لعلّى أو عساني 1 فلو كانت الكاف مجرورة لقال: عساي، ولكنهم جعلوها بمنزلة لعل في هذا الموضع.
فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحال، كما كانت للدن حال مع غدوة ليست مع غيرها، وكما أنّ لات إذا لم تعملها في الأحيان لم تعملها فيما سواها، فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها فليس لها عمل.
ولا يستقيم أن تقول: وافق الرفع الجرّ في لولاي، كما وافقه النصب إذا قلت: معك، وضربك؛ لأنك إذا أضفته إلى نفسك فالجرّ مفارق للنصب في غير هذه الأسماء.
تقول: معي، وضربني، ولا تقول: وافق الرفع النصب في: عساني كما وافق النصب الجرّ في ضربك، معك؛ لأنهما إذا أضفت إلى نفسك اختلفا.
وزعم ناس أنّ موضع الياء في لولاي وفي عساني في موضع رفع؛ جعلوا لولاي موافقة للجرّ، وني موافقة للنصب، كما اتّفق النصب والجرّ في الهاء والكاف.
وهذا وجه رديء لما ذكرت لك؛ ولأنك لا ينبغي أن تكسر الباب وهو مطّرد، وأنت نجد له نظائر.
وقد يوجّه الشيء على الشيء البعيد إذا لم يوجد غيره.
وربما وقع ذلك في كلامهم، وقد بيّن بعض ذلك، وستراه فيما يستقبل إن شاء الله تعالى ". قال أبو سعيد: قد تقدّم فيما سلف من الكتاب أنّ الاسم الظاهر بعد لولا مرفوع بالابتداء على مذهب سيبويه وغيره من البصريين؛ فينبغي إذا كنّي عنه أن يكون مضمرا منفصلا، فيقال فيه: لولا أنت، ولولا أنتما، ولولا أنتم، ولولا أنا، ولولا نحن، ولولا هو، ولولا هما، ولولا هم، ولولا هن، ونحو ذلك؛ لأن سبيل المضمر سبيل الظاهر في موضعه من الإعراب، وهذا هو الشائع الكثير في كلام العرب.
قال الله عز وجل: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: 31]، وقال عامر بن سيّار بن الأكوع وهو يحدو برسول الله: لا همّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدّقنا ولا صلّينا فألقين سكينة علينا … وثبّت الأقدام إن لاقينا 2 وقال الكسائي: يرتفع الاسم بعد لولا بشيء مضمر معناه: لو لم يكن، وفرّع على

هذا النحو.
حتى قال: لولا رأسك مدهونا لغسلته.
والقياس والاختيار إذا أضمرته عندهم أن تقول: لولا أنا، ولولا نحن، ولولا أنت؛ لأنه لم يظهر فعل متصل به كناية المرفوع.
ثمّ أجمع النحويون المتقدمون من البصريين والكوفيين على الرواية عن العرب: لولاك، ولولاي.
فأما سيبويه: فأنشد بيت يزيد بن الحكم الثقفي الذي ذكرناه، واستشهد به أيضا الكسائي، وذكر معه بيتين آخرين من القصيدة وهما: فليت كفافا كان خيرك كلّه … وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي تكاشرنى كرها كأنّك ناصح … وعينك تبدي أنّ قلبك لي دوى 1 واستشهد الفراء أيضا بهذا البيت وبيت آخر: أتطمع فينا من أراق دماءنا … ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن 2 وأنشد فيه أيضا: ... … لولاك هذا العام لم أحجج 3 وكان أبو العباس المبرّد ينكر لولاي ولولاك، ويزعم أنّه خطأ لم يأت عن ثقة، وأنّ الذي استغوا هم بيت الثقفي، وأنّ قصيدته فيها خطأ كثير.
قال أبو سعيد: وما كان لأبي العباس أن يسقط الاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدته النحويون وغيرهم، واستشهدوا بهذا البيت وغيره من القصيدة، ولا أن ينكر ما أجمع الجماعة على روايته عن العرب.
ثم اختلف النحويون بعد في موضع الياء والكاف من: لولاي ولولاك، بعد إجماعهم على روايته.
فقال سيبويه: موضعه جر، وحكاه عن الخليل ويونس.
وقال الأخفش، وهو قول الفرّاء أيضا: الكاف والياء في لولاك ولولاي في موضع رفع.
واستدل سيبويه على قوله أن الياء والكاف لا يكونان علامة مضمر مرفوع، وأن

لولا في عملها الخفض في المكني وإن كانت لا تعمل في الظاهر الخفض بمنزلة عمل عسى في المكني النصب، وإن كانت لا تعمل في الظاهر إلا الرفع؛ فعملها النصب في المكني قوله: ... علّك أو عساكا الكاف في عساك مثلها في علّك، وأنت لا تقول في المظهر: عسى زيدا كما تقول: لعل زيدا، واستدل على أن الكاف في عساك في موضع نصب بقول عمران: ... لعلّى أو عساني ولا تدخل النون والياء بعد الألف إلا على منصوب، وقول سيبويه: فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحال يعني: لولاك وعساك لهما اختصاص؛ فالضمير يخالف الظاهر.
وقوله: كما أنّ لدن حالا مع غدوة ليست مع غيرها، وكما أن لات إذا لم تعملها في الأحيان لم تعملها فيما سواها؛ فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها فليس لها عمل.
يعني أن هذين الحرفين: لولاك وعساك، في اختصاصهما مع المضمر بهذين الضّربين من تقدير الخفض والنصب دون المظهر، بمنزلة لدن في حالها مع غدوة وعملها فيها النصب دون أن تعمل النصب مع غيره غدوة، وبمنزلة عمل لات في الأحيان النصب والرفع دون أن تعمل ذلك في غير الأحيان.
وردّ سيبويه على من زعم أنّ موضع الياء والكاف في لولاي ولولاك رفع، وأنّ الرفع وافق الجر في لولاي كما وافقه النصب إذا قلت: معك، وضربك؛ لأنك إذا أضفت إلى نفسك فالجرّ مفارق للنصب في غير هذه الأسماء.
تقول: معي، وضربني.
أراد سيبويه بهذا الاحتجاج أنه لو كان الرفع محمولا على الجر في لولاك لفصل بين اللّفظين في المتكلم فقيل: لولاني، كما فعل في النصب حين وافقه الجرّ في معك، وضربك، ثم خالفه في معي، وضربني.
وأما الحجة في جعل الياء والكاف في لولاي، لولاك في موضع رفع؛ فلأن الظاهر الذي وقعت الياء والواو موقعه رفع.
واحتج الأخفش في ذلك بأنّ علامة الجرّ دخلت على الرفع في لولاي، كما دخلت علامة الرفع على الجر في قولهم: ما أنا كأنت؛ فأنت من علامات المرفوع، وهو هاهنا في موضع مجرور، وكذلك الياء والكاف من علامات المجرور، وهما في لولاي، ولولاك من علامات المرفوع.
وأما الفرّاء فإنه احتج في ذلك بأنّا لم نجد حرفا ظاهرا خفض، فلو كانت لولا مما

يخفض لأوشك أن ترى ذلك في الشعر؛ لأنّ الشعر الذي يأتي بالمستجاز.
قال: وإنما دعاهم إلى أن يقولوا: لولاك في موضع الرفع؛ لأنهم يجدون المكني يستوي لفظه في الخفض والنصب فيقال: ضربتك، ومررت بك، ويجدونه يستوي أيضا في الرفع والخفض والنصب، فيقال: ضربنا، ومرّ بنا، فيكون النصب والخفض بنون، ثم يقال: قمنا، وفعلنا، فيكون الرفع بالنون.
فلما كان ذلك استجازوا أن تكون الكاف في موضع (أنت) رفعا، وكان إعراب المكني بالدّلالات لا بالحركات.
فإن قال قائل: حروف الخفض هي صلات للأفعال، فإذا جعلتم لولا خافضة للياء والكاف ففي صلة أي شيء تجعلونها؟ قيل له: قد تكون حروف الجر في موضع مبتدإ، ولا تكون في صلة شيء كقولك: بحسبك زيد، ومعناه: حسبك زيد، وقولك: هل من أحد عندك؟ وإنما هو: هل أحد عندك؛ فموضعها رفع بالابتداء، وإن كانت قد عملت الجرّ.
وكذلك لولا إذا عملت الجرّ صارت بمنزلة الباء في: بحسبك، ومن في: هل من أحد، وتكون لولاك ولولاي بأسرها بمنزلة بحسبك، ومن أحد.
ونظير هذا ما روي من خفض (لعل) لما بعدها؛ فإذا خفضت ما بعدها كانت هي وما بعدها بمنزلة اسم مبتدأ وما بعدها خبر، وفيما قرأنا على أبي بكر بن دريد، أو أنشدناه: وداع دعايا من يجيب إلى النّدى … فلم يستجبه عند ذاك مجيب فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة … لعل أبي المغوار منك قريب 1 وأما عساك، وعساني ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: قول سيبويه وهو أنّ عسى حرف بمنزلة لعلّ ينصب ما بعدها الاسم، والخبر مرفوع في التقدير وإن كان محذوفا.
كما أنّ علّك في قولك: علّك أو عساك خبره محذوف مرفوع، والكاف اسمها، وهي منصوبة.
واستدلّ على نصب الكاف في عساك بقول عمران: عساني، والنون والياء فيما آخره ألف لا تكون إلا للنّصب.
والقول الثاني: قول الأخفش أنّ الكاف والنّون والياء في موضع رفع، وحجّته: أنّ لفظ النّصب استعير للرفع في هذا الموضع كما استعير له لفظ الجرّ في: لولاي، ولولاك.
والقول الثالث: قول أبي العبّاس المبرّد: أنّ الكاف والنّون والياء في عساك، وعساني

في موضع نصب ب (عسى) وأنّ اسمها مضمر فيها مرفوع، وجعله كقولهم: (عسى الغوير أبؤسا).
وحكي عنه أيضا أنه قدّم فيها الخبر لأنها فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب، كما قالوا: ليس إلا، وليس فعل صحيح لا يدخله الاختلاف بوجه من الوجوه، وباقي الباب مفهوم.

هذا باب ما يحسن أن يشرك المظهر المضمر فيما عمل فيه، وما يقبح أن يشرك المضمر فيما عمل فيه

قال سيبويه: " أمّا ما يحسن أن يشركه المظهر فهو المضمر المنصوب، وذلك: رأيتك وزيدا، وإنّك وزيدا منطلقان.
وأما ما يبح أن يشاركه المظهر فهو المضمر المرفوع، وذلك: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله.
وزعم الخليل أن هذا إنما قبح من قبل أنّ هذا الإضمار يبنى عليه الفعل، فاستقبحوا أن يشرك المظهر مضمرا يغيّر الفعل فيه عن حاله إذ بعد شبهه منه.
وإنما حسنت شركته المنصوب لأنه لا يغيّر فيه الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يضمر، فأشبه المظهر وكان منفصلا عندهم بمنزلة المظهر، إذ كان الفعل لا يتغّير عن حاله قبل أن يضمر فيه.
وأما فعلت فإنهم قد غيّروه عن حاله في الإظهار؛ أسكنت فيه اللام، فكرهوا أن يشرك المظهر مضمرا يبنى له الفعل على غير بنائه في الإظهار حتى صار كأنه شيء في كلمة لا يفارقها كألف أعطيت.
فإن نعتّه حسن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: ذهبت أنت وزيد، وقال تعالى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا 1، اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 2. وذلك أنك لمّا وصفته قوي الكلام حيث طوّله وأكّده، كما تقول: قد علمت أن لا تقول ذاك، فإن أخرجت (لا) قبح الرفع.
ف (أنت) تقوّي، وتصير عوضا من السّكون والتغيير

وترك العلامة في ضرب.
وقال الله تعالى: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا 1؛ حسن لمكان لا، وقد يجوز في الشعر؛ قال أبو الحسن: سمعته من يونس لابن أبي ربيعة: قلت إذ اقبلت وزهر تهادى … كنعاج الملا تعسّفن رملا 2 واعلم أنه قبيح أن تصف المضمر في الفعل بنفسك وما أشبهه، وذلك أنه قبيح أن تقول: فعلت نفسك، إلا أن تقول: فعلت أنت نفسك.
فإن قلت: فعلتم أجمعون حسن؛ لأنّ هذا يعمّ به، وإذا قلت: نفسك فإنما تؤكّد الفاعل، ولمّا كانت نفسك يتكلم بها مبتدأة وتحمل على ما يجرّ وينصب ويرفع شبّهوها بما يشرك المضمر، وذلك قولك: نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي، ونحو ذلكن وأمّا أجمعون فلا تكون إلا صفة، وكلّهم قد تكون بمنزلة أجمعين؛ لأنّ معناه معنى أجمعين فهي تجرى مجراها.
وأمّا علامة الإضمار التي تكون منفصلة من الفعل ولا تغيّر ما عمل فيها عن حاله إذا أظهر فيه الاسم فإنه يشركه المظهر لأنّه لا يشبه المظهر، وذلك قولك: أنت وعبد الله ذاهبان، والكريم أنت وعبد الله.
واعلم أنه قبيح أن تقول: ذهبت وعبد الله، أو ذهبت وأنّا؛ لأنّ أنا بمنزلة المظهر.
ألا ترى أن المظهر لا يشركه إلا أن يجئ في شعر، قال الشّاعر (وهو الراعي): فلمّا لحقنا والجياد عشيّة … دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر 3 ومما يبح أن يشركه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو؛ فكرهوا أن يشرك المظهر مضمرا داخلا فيما قبله؛ لأنّ هذه العلامة الداخلة فيما قبلها جمعت أنها لا يتكلّم بها إلا معتمدة على ما قبلها في اللفظ، وأنها بدل من اللفظ بالتنوين، فصارت عندهم بمنزلة التنوين، فلما ضعف عندهم كرهوا أن يتبعوها الاسم، ولم يجز أن يتبعوها إيّاه وإن وصفوا؛ لا يحسن أن تقول: مررت بك أنت وزيد، كما جاز فيما أضمرت في الفعل؛ لأنّ ذاك وإن كان قد

أنزل منزلة آخر الفعل فليس من الفعل ولا من تمامه، وهما حرفان يستغنى كلّ واحد منهما بصاحبه كالمبتدإ والمبنيّ عليه، وهذا يكون من تمام الاسم، وهو بدل من الزيادة التي في الاسم، وحال الاسم إذا أضيفت إليه مثل حاله مفردا، لا يستغنى به، ولكنهم يقولون: مررت بكم أجمعين؛ لأنّ أجمعين لا تكون إلا وصفا، ومررت بهم كلّهم؛ لأنّ أحد وجهيها مثل أجمعين.
وتقول أيضا: مررت بك نفسك؛ لمّا أجزت فيها ما يجوز في فعلتم مما يكون معطوفا على الأسماء احتملت هذا؛ إذ كانت لا تغيّر علامة الإضمار هاهنا ما عمل فيها، فضارعت هاهنا ما ينتصب، فجاز هذا فيها، وأمّا في الإشراك فلا يجوز؛ لأنه لا يحسن في فعلت وفعلتم إلا ب (أنت وأنتم)، وهذا قول الخليل.
وجاز: قمت أنت وزيد، ولم يجز: مررت بك أنت وزيد؛ لأنّ الفعل يستغنى بالفاعل، والمضاف لا يستغنى بالمضاف إليه؛ لأنه بمنزلة التنوين، وقد يجوز في الشعر.
قال الشاعر: آبك أيّه بي أو مصدّر … من حمر الجلّة جأب حشور 1 هذان البيتان من الرّجز لم يقرأهما أبو عثمان ولا غيره من أصحابنا، وهما في الكتاب.
وقال الآخر: فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيّام من عجب " 2 قال أبو سعيد: أما شركة الظاهر للمضمر المنصوب، وهي عطف الظاهر المنصوب على المضمر المنصوب فهي جائزة مستحسنة ليس بين النحويين في ذلك خلاف، أكّد المضمر أو لم يؤكد، وليس فها علّة تمنع ذلك.
وأمّا عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع المتّصل بالفعل فيستقبح عند البصريين؛ إلا أن يؤكّد المضمر، أو يدخل بين المضمر وبين المعطوف عليه كلام يكون عوضا من التوكيد.
فالمستقبح منه نحو قولك: قمت وزيد، وأفعل وعبد الله، وإن الزيدين قاما وأخوك.
وإنما قبح ذلك لأنّ ضمير الفاعل قد يكون في الفعل بغير علامة كقولك:

قم، واذهب؛ فيه ضمير المخاطب ولا علامة له في اللفظ، وفيه ماله علامة تغير بنية الفعل بتسكين آخر الفعل الماضي وذلك: قمت، وقمنا، وقمت، وقمتما، وقمتم، فلما كان بعضه يقدّر في الفعل ويبقى لفظ الفعل مجردا، وبعضه كأنه من حروف الفعل بتسكينه لما كان من الفعل مفتوحا واختلاطه بحروفه صار المعطوف عليه في اللفظ كأنه قد عطف على الفعل وحده، إذ كان الموجود لفظ الفعل مجردا، أو ما يجري ببنيته مع الفعل كالمجرّد، والاسم لا يعطف على الفعل، فقبح لذلك.
وأمّا المستحسن المؤكّد فقولك: قمت أنا وزيد، وخرجنا نحن وأصحابك، واسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 1، وإنّ الزّيدين خرجا هما وأخوك، وإنّ الهندات في الدار هنّ وأخواتك، وهنّ توكيد للضمير الذي لهنّ في الظرف، وتقديره: إنّ الهندات استقررن هنّ وأخواتك في الدار.
وأمّا ما يكون من الكلام بين المعطوف والمعطوف عليه عوضا من التوكيد فنحو قولك: أقمت بالبصرة وزيد، وما خرجت ولا زيد، وفي مواضع من كتاب الله عز وجلّ قد جاء؛ فمنها: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا 2 فعطف آباؤنا على النون والألف في أشركنا، و (لا) الداخلة بينهما عوض من التوكيد.
ومنها: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ 3 فعطف آباؤنا على النون والألف، وترابا عوض من التوكيد، ومنها: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ 4 (من) رفع بالعطف على التاء، وما بين التّاء و (من) عوض من التوكيد، ومنها قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ 5 في رفع رسوله وجهان: أحدهما: أن يكون عطفا على الضّمير الذي في (بريء)، وما بينهما كالتوكيد، وشبّه سيبويه العوض في هذا كالعوض الذي يقع في (أنّ) المشدّدة إذا خفّفت ووليها الفعل كقولك: قد علمت أن لا تقول ذاك، وأصله: قد علمت أنك لا تقول، ولو قلت: علمت أن تقول ذاك، على معنى: أنك تقول: لم يحسن؛ لأنّ (لا) عوض من تخفيف أنّ،

وستقف على شرح هذا في موضعه إذا بلغنا إليه إن شاء الله.
والكوفيّون يجيزون العطف بغير توكيد، والأمر في ترك التوكيد عندهم أسهل منه عند البصريين، وسيبويه يرى ترك التوكيد وما يقوم مقامه قبيحا إلا في الشّعر، والكوفيّون لا يرونه قبيحا.
ومما ينشد في ذلك غير البيتين اللذين ذكرناهما قول جرير: ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه … ما لم يكن وأب له لينالا 1 عطف أب على الضمير في يكن.
وأمّا توكيد الضمير المتّصل المرفوع بالنفس فلا يحسن حتى تقدّم قبل النفس توكيدا؛ لا يحسن: فعلت نفسك حتى تقول: فعلت أنت نفسك.
وإنّما احتاجت إلى تقديم توكيد قبلها لأنها اسم يتصرف، وتقع في جميع مواضع الأسماء، ويؤكّد بها، فيعرض في بعض مواضع توكيد المرفوع لبس إن لم يؤكد، وذلك أن تقول: هند خرجت نفسها، فتكون نفسها فاعلة خرجت، كما تقول: هند خرجت جاريتها، وليس في خرجت ضمير، ويجوز أن تقول: هند خرجت نفسها، على أنّ هندا هي الخارجة، وفي خرجت ضميرها فلا يتبيّن أن معناها: خرجت هند، أو خرجت نفس هند، ومعناهما مختلف في مقاصد الناس، فإذا أكّدوا قبل النفس فقالوا: هند خرجت هي نفسها زال اللّبس؛ فلذلك اختاروا التوكيد.
وقول سيبويه: " ولمّا كانت نفسك يتكلّم بها مبتدأة وتحمل على ما يجرّ وينصب ويرفع، شبّهوها بما يشرك المضمر ". قال أبو سعيد: أراد سيبويه الفصل بين أجمعين وبين نفسك؛ فلأن أجمعين لا يكون إلا توكيدا لم يحتج إلى تقدّم ضمير، ولمّا كانت النفس اسما يتصرف شبّهت بما يعطف من الأسماء على الضمير.
قال أبو سعيد: والذي عندي: شبهوها بما لا يشرك المضمر؛ لأنه إنما يحتجّ لاحتياجهم إلى التوكيد قبل ذكر النفس، فالنفس في ذلك بمنزلة المعطوف على ضمير المرفوع في باب التوكيد.
وأمّا المنصوب والمخفوض فإذا أكّدا بالنفس لم يحتج إلى تقدمة توكيد قبلها وذلك من جهتين:

إحداهما: أنّ اللّبس لا يقع فيهما؛ لأنّ ضمير المنصوب والمخفوض لا يكون إلا بعلامة ملفوظ بها تتبعها النفس، والمرفوع يكون بغير علامة فيقع من جهته اللبس.
والجهة الأخرى: أنّ المنصوب والمجرور لا ضمير لهما منفصل في الأصل، وهما يؤكّدان بضمير المرفوع كقولك: رأيتك أنت ومررت بك أنت، واستعمال ضمير المرفوع في غير موضعه من غير قصد إلى التوكيد به يضعف؛ لأنه إذا قدّم من أجل النفس فليس يراد التوكيد به.
وأمّا (فعلتم أجمعون) فحسن؛ لأنه يعمّ به، وهو موضوع للتوكيد والعموم، ولا يستعمل في مواضع الأسماء، ولا يقع فيه لبس، وقد استعمل (كلّهم) في موضعها لاشتراكهما في العموم، وعلى أن (كلهم) ليس بمتمكن في مواضع الأسماء؛ لأن المستحسن فيه أن يكون مبتدأ أو يعمّ به ما قبله، فمجراه مجرى أجمعين في هذا الوجه.
وأمّا قبح عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور فليس بين النحويين فيه خلاف، وقد احتج له سيبويه بما ذكرناه من كلامه، واحتج أبو عثمان المازني لذلك بأن قال: " لما كان المضمر المجرور لا يعطف على الظاهر إلا بإعادة الخافض كقولك: مررت بزيد وبك، ولا يجوز أن تقول: مررت بزيد وك، كذلك تقول: مررت بك وبزيد، فتحمل كل واحد منهما على صاحبه "، وشايعه أبو العباس المبرد في ذلك، وقد جاء في الشعر عطف الظاهر المجرور على المضمر في أبيات كثيرة منها ما ذكرنا في جملة الباب ومنها قوله (أنشده الفرّاء): تعلّق في مثل السّواري سيوفنا … فما بينها والكعب غوط نفانف 1 أراد: وبين الكعب، فعطف على المكنيّ المخفوض، وأنشد أيضا: أكرّ على الكتيبة لا أبالي … أفيها كان حتفي أم سواها 2 قال أبو سعيد: أمّا هذا البيت الأخير فليس فيه حجة؛ لأن سواها ظرف؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول: أفي اليوم كان حتف زيد أم يوم الجمعة؟ فإن قال قائل: فأنتم تقولون: مررت بك وزيدا، فتنصبون زيدا بالعطف على موضع الباء أو بتأويل: لقيتك وزيدا ولا تكون فيه ضرورة؛ فهلا نصب هؤلاء الشعراء ما خفضوه وخرجوا عن الضرورة؟

فالجواب عن ذلك أن قوله: آبك أيّة بي أو مصدّر كان حق المصّدّر أن يكون منصوبا؛ لأنه بمنزلة: امرر بي وزيدا؛ لأن أيّه فعل معناه صح بي أو زيدا، على معنى: ادعني أو زيدا.
يقال: أيّهت بالإبل: صحت بها، وإنما خفضه ضرورة لخفض القوافي، ومعنى آبك: ويلك، والمصدّر: العظيم، والجأب والحشور: الغليظ.
قال الشاعر في آبك، وأنشده أبو زيد: فآبك هلا والليالي بغرّة … صحوت وفي الأيام عنك غفول (1) وأمّا: فاذهب فما بك والأيام، وما بينها والكعب، فليس قبلهما فعل يحملان عليه وينصبان، فالضرورة حملهما على الخافض.
والتأكيد للمضمر المجرور لا يحسّن عطف الظاهر عليه كما حسّنه في المرفوع؛ لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر منه والمضمر، وإنما استحسن توكيده؛ لأن التوكيد خارج عن الفعل، فيصيّره بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتّصل من الفاعلين، والمجرور لا يكون إلا متصلا بالجارّ، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل، وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه.

هذا باب ما تردّه علامة الإضمار إلى أصله

وهذا الباب في كتاب أبي العباس المبرد قبل الباب الذي ذكرناه قبله.
قال سيبويه: " فمن ذلك قولك: لعبد الله مال، ثم تقول: لك وله مال.
وذلك أن اللام لو فتحوها في الإضافة لالتبست بلام الابتداء إذا قال: إن هذا لفلان، ولهذا أفضل منك، فأرادوا أن يميزوا بينهما، فلما أضمروا لم يخافوا أن تلتبس بها؛ لأنّ هذا الإضمار لا يكون للرفع ويكون للجرّ.
ألا تراهم قالوا: يا لبكر، حين نادوا؛ لأنه قد علم أن تلك اللام لا تدخل هاهنا.
وقد شبهوا به قولهم: أعطيكموه في قول من قال: أعطيكم ذلك فيجزم، ردّوه إلى أصله بالإضمار كما ردوه بالألف واللام حين قالوا: أعطيكم اليوم، فشبّهوا هذا ب " لك وله "، وإن كان ليس مثله؛ لأنّ من كلامهم أن يشبّهوا الشيء بالشيء وإن1

كان ليس مثله.
وقد بيّنّا ذلك فيما مضى، وستراه إن شاء الله فيما بقي.
وزعم يونس أنه يقول: أعطيتكمه، وفي نسخة أبي العباس أعطيكمها كما تقول في المظهر، والأوّل أكثر وأعرف ". قال أبو سعيد: إنما كسروا الاسم مع الظاهر وفتحوها مع المضمر؛ لأنّ حروف الظاهر وصيغتها لا تتغيّر بتغيّر الإعراب، ولا تدل على مواضعه من الرفع والنصب والجرّ، وحروف المضمرات بأنفسها تدلّ على مواضعها من الإعراب؛ فلذلك كسروا اللام مع الظهر؛ لأنهم لو فتحوها لم يعلم أهي لام الإضافة والملك الخافضة، أم لام التوكيد.
وذلك في قولنا: إنّ هذا لزيد، إذا كان المشار إليه هو زيد، وإنّ هذا لزيد، إذا كان المشار إليه ملك زيد؛ فكسروا اللام الخافضة ليزول اللّبس، وأصلها الفتح؛ لأنّ الباب في الحروف المفردة أن تبنى على الفتح، فإذا وصلتها بالمكنيّ عادت إلى أصلها من الفتح، وذلك في قولك: إنّ هذا لك، وإنّ هذا له، وإنّ هؤلاء لنا؛ لأنك تقول في مكنيّ المجرور والمرفوع، فأغني عن كسر اللام، فأجريت على أصلها من الفتح، وقد ذكر هذا في غير هذا الموضع.
وكذلك فتحوا لام المستغاث به حين علم أنه لا يقع في النّداء لام التوكيد، وفي لام الاستغاثة المفتوحة وجه آخر قد ذكرناه في موضعه، وجعل هذا سيبويه مقوّيا لما تردّه علامة الإضمار إلى أصله.
وقالوا: أعطيتكم والأصل: أعطيتكمو؛ لأن الواو بعد الميم في الجمع بمنزلة الألف بعد الميم في التثنية إذا قلت: أعطيتكما، وإنما حذفوا الواو وأسكنوا الميم تخفيفا لأنه لا لبس فيه لأن الواحد لا ميم فيه، والاثنين لا تفارقهما الألف لخفتها، ومما يزيد في ثقل الواو طرفا وقبلها ضمّة أنّ مثل لفظه لا يقع في الأسماء، وإن عرض فيها غيّر إلى الياء كقولهم: أدل وأجر، وأصلهما: أدلو وأجرو.
وإنما ردّه الضمير إلى أصل البنية في أعطيتكموه، وأعطيكموه؛ لأن الضمير لما اتصل بها صارت الواو التي بعد الميم كأنّها في الوسط لا في الطّرف، والحذف من الأطراف أحسن وأكثر وأسهل من حذف غير الأطراف لعلل قد ذكرت في موضعها.
والذي حكاه يونس من قولهم: أعطيتكمه قد بني على الظاهر إذا قلت: أعطيتكم ثوبا، أو على أنه لما كثر استعمالهم أعطيتكم صار كأنه بني على السكون، ثم اتصلت به الكناية كقوله: اضربه، وما أشبهه، وإذا أضفته إلى ما فيه الألف واللام فأكثرهم يردّه إلى الأصل فيضمه، ويقول: أعطيتكم اليوم، فيضمّ الميم؛ لمّا اضطر إلى تحريكها حركها بحركتها في الأصل، ومنهم من يكسر الميم فيقول: أعطيتكم اليوم، فيكسر لالتقاء

الساكنين على اللفظ الذي استعمل فيها، ولم تردّ إلى أصلها.
ومثله: ما رأيته مذ اليوم، ومذ اليوم، على ردّها إلى ضمّة منذ، وكسرها لالتقاء الساكنين، والكسر في أعطيتكم اليوم، كالسّكون في أعطيتكمه.

هذا باب ما لا يجوز فيه الإضمار من حروف الجر

ّ قال سيبويه: (وذلك الكاف التي في: أنت كزيد، وحتى، ومذ.
وذلك أنهم استغنوا بقولهم: مثلي، وشبهي عنه فأسقطوه.
واستغنوا عن الإضمار في حتى في قولهم: دعه حتى يوم كذا وكذا بقولهم: دعه حتى ذاك، وبالإضمار في إلى إذا قالوا: دعه إليه؛ لأنّ المعنى واحد، كما استغنوا ب (مثلي) و (مثله) عن (كي) و (كه).
واستغنوا عن الإضمار في مذ بقولهم: مذ ذاك؛ لأنّ ذاك اسم مبهم، وإنما يذكر حين يظن أنّك قد عرفت ما يعني.
إلا أنّ الشّعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف، فيجرونها على القياس.
قال العجّاج: وأمّ أو عال كها أو أقربا 1 وقال العجاج أيضا: فلا ترى بعلا ولا حلائلا … كه ولا كهنّ إلا حاظلا 2 شبهوه بقولهم: له ولهن.
ولو اضطر شاعر وأضاف إلى نفسه قال: كي، بكسر الكاف، وكي بفتح الكاف خطأ؛ من قبل أنه ليس من حرف يفتح ما قبل ياء الإضافة).
قال أبو سعيد: منع هذه الحروف من الإضافة إلى مكنيّ فيما ذكره سيبويه سماع من العرب؛ لأنه ذكر أنهم استغنوا بقولهم: مثلي، وشبهي، عن إضافة الكاف، واستغنوا بقولهم: حتى ذاك، ومذ ذاك، وإنما يريد أنّ العرب استغنوا بشيء عن شيء، وليس لأحد أن يجيز ما استغنت العرب عن الكلام به ببدل جعلوه مكانه، فيكون خارجا عن كلامها.
وعلّل أبو إسحاق الزّجّاج ذلك فقال: لم يجز الإضمار في حتى لأنه يقع ما بعدها

على ضروب كثيرة، ومذ يقع ما بعدها على غير ضرب ومنذ صارت في الأيام حسب.
قال أبو سعيد: وأنا أقول إنا رأينا أسماء تضاف إلى الظاهر ولا يجوز إضافتها إلى المكني كقولنا: ذو مال، وذو المال ولا يجوز: ذوه.
وتقول: والله، وتالله في القسم ولا يجوز: وه، ولا وك، ولا ته، ولا تك؛ لأنهم استغنوا بإضافة الباء إلى المكنيّ في قولهم: بك لأعبدنّك أن يقولوا: وك، أو تك.
وكان أبو العباس المبرد يجيز إضافة ما منع سيبويه إضافته في هذا الباب ولا يمتنع منها، ويقول: " إذا كان ما بعد حتى رفعا: حتى هو، وإذا كان نصبا: حتى إياه، وإذا كان جرّا: حتاه، وحتاك، وفي مذ إذا كان ما بعدها رفعا: مذ هو، وإذا كان جرّا: مذه ". والصحيح ما قاله سيبويه؛ لموافقته كلام العرب.
وأمّا قول العجّاج: وأمّ أو عال كها أو أقربا 1 فأمّ أو عال: هضبة قد ذكر قبلها مكانا آخر مؤنثا، وشبّه أمّ أو عال بها، فقال: وهو يصف حمارا هرب بأتنه من صائد رماها: أجمعن منه سننا وهربا … نحي الذبابات شمالا كثبا وأمّ أو عال كها أو أقربا … ذات اليمين غير ما أن ينكبا 2 منه: من الصائد، نحي الحمار الذبابات: وهي في موضع صار هو وأتنه منها ناحية، وأمّ أو عال: مثل الذبابات في تصييرها إياها ناحية، وأمّ أو عال: عطف على الذبابات تقديره: تجئ الذبابات شمالا وأم أو عال ذات اليمين كالذبابات أو أقرب منها، كأنه قال: جعل أمّ أو عال كالذباب أو أقرب منها.
وأمّا قوله: ولا ترى بعلا ولا حلائلا كه، ويقف الهاء ساكنة، ولا كهن: كحمار ذكره وأتن، والحاظل: مثل العاظل: وهو المانع من التّزويج، والحمار يمنع حمارا آخر من قرب شيء من أتنه، وقد ذكرنا كسر الكاف إذا أضيف إلى المتكلم لدخول الياء على حرف متحرك.

هذا باب ما يكون فيه أنت وأنا ونحن وهو وهي وأنتم وأنتن وهما وأنتما وصفا

قال سيبويه: (اعلم أنّ هذه الحروف كلها تكون وصفا للمجرور المضمر والمرفوع والمنصوب المضمرين، وذلك قولك: مررت بك أنت، ورأيتني أنا، وانطلقت أنت، وليس وصفا بمنزلة الطويل إذا قلت: مررت بزيد الطويل، ولكنه بمنزلة نفسه إذا قلت: مررت به نفسه، وأتاني هو نفسه، ورأيته نفسه، وإنما تريد إذا قلت: مررت به هو مررت به نفسه، ولست تريد أن تحلّيه بصفة ولا قرابة كأخيك، ولكن النحويين صار هذا عندهم صفة؛ لأنّ حاله كحال الموصوف، كما أنّ حال الطويل وأخيك في الصفة بمنزلة الموصوف.
واعلم أنّ هذه الحروف لا تكون وصفا لمظهر، كراهية أن يصفوا المظهر بالمضمر، كما كرهوا أن يكون أجمعون ونفسه معطوفا على النكرة في قولهم: مررت برجل نفسه، ومررت أجمعين.
فإن أردت أن تجعل مضمرا بدل من مضمر قلت: رأيتك إيّاك، ورأيته إيّاه، فإن أردت أن تبدل من مرفوع قلت: فعلت أنت، وفعل هو، فأنت وهو وأخواتهما نظائر إيّاه في النصب.
واعلم أن هذا المضمر يجوز أن يكون بدلا من المظهر، وليس بمنزلته في أن يكون وصفا له؛ لأنّ الوصف تابع للاسم، وأمّا البدل فمنفرد، كأنك قلت: زيدا رأيت، أو رأيت زيدا، ثم قالوا: إياه رأيت.
وكذلك أنت وأخواتها في الرفع.
واعلم أنه قبيح أن تقول: مررت به وبزيد هما، كما قبح أن تصف المضمر والمظهر بما لا يكون إلا وصفا للمظهر.
ألا ترى أنه قبيح أن تقول: مررت بزيد وبه الظريفين).
قال أبو سعيد: أصل المضمر أن يكون على صيغة واحدة في الرفع والنصب والجر، كما كانت الأسماء الظاهرة على صيغة واحدة، والإعراب في آخرها يبيّن مواقعها، وكما كانت الأسماء المبهمة المبنية على صيغة واحدة والدّلالة على إعرابها أفعالها ومواضعها، نحو: جاءني هذا، ورأيت هذا، ومررت بهذا، ولكنهم فصلوا في المضمر في بعض المواضع بين صيغة المرفوع منها والمنصوب والمخفوض في نحو: ضربت زيدا، وضربك زيد، وضربت زيدا، وضربني زيد، ومرّ بي زيد، فاسم المتكلّم والمخاطب يتغير في الرفع

والنصب والجر، وهذا زيادة بيان قد أحسنوا فيه.
وقد سوّوا المرفوع والمنصوب والمجرور في بعض المواضع، وذلك قولك: قمنا وذهبنا، النون والألف في موضع رفع.
وأكرمنا زيد وأعطانا، النون والألف في موضع نصب.
ونزل علينا زيد، ورغب فينا، النون والألف في موضع جرّ.
وقد كنّا ذكرنا أنّ الضمير المنفصل في الأصل للمرفوع؛ لأنّ أوّل أحواله الابتداء، وعامل المبتدإ ليس بلفظ، فإذا أضمر لم يكن بدّ من أن يكون ضميره منفصلا، والمنصوب والمجرور لا بدّ لهما من لفظ يعمل فيهما، فإذا أضمرا اتّصلا بذلك اللفظ، فصار المرفوع مختصّا بالانفصال، فإذا وصفنا المضمر المنصوب والمجرور- ووصفهما هو تأكيدهما لئلا يذهب الوهم إلى غيرهما، كما يؤكّدان النّفس والعين إذا قلت: رأيته نفسه، ورأيته عينه، ورأيته بعينه، ومررت به نفسه، وعينه؛ فبعينه لتحقيق الفعل للشّيء بعينه دون من يقوم مقامه ومن يشبهه- احتجنا إلى ضمير منفصل، ولا منفصل إلا ضمير المرفوع، فاستعملناه في المنصوب والمجرور والمرفوع، كما اشتركن جميعا في (نا)، وكما ذكرنا من إيجاب القياس اشتراكها كلّاه في لفظ واحد، وليست هذه الصفة كصفة زيد؛ لأن صفة زيد ونحوه تحلية له لتبينه من زيد آخر، وهذا قد عرف بالضّمير، وإنّما يؤكّد لئلا يتوهّم أنّ الفعل الواقع إنما وقع من بعض أسبابه، كما يقول القائل: ضرب الأمير زيدا، والذي تولّى الضّرب غيره، فإذا قلت: ضرب الأمير نفسه زيدا، فقد تولى الضّرب بنفسه، وكذلك: مررت بك، يجوز أن يكون: مررت بمن يخلفه، أو من يشبهه في أمر من الأمور، فإذا قلت: مررت بك أنت، بيّنت أنّه الممرور به، وسمّاه النّحويون: وصفا، وإن خالف وصف زيد؛ لأنه يجري على زيد في تعريفه ورفعه وجرّه وبيان الأول به على الوجه الذي قصد بيانه به.
وقول سيبويه: (واعلم أن هذه الحروف لا تكون وصفا لمظهر كراهية أن يصفوا المظهر بالمضمر) إن اعترض عليه معترض فقال: وما تكره من هذا؟ ومن كلامهم وصف المضمر بالمظهر في قولك: قمتم أجمعون، ومررت بكم كلّكم، ورأيته نفسه، فما بين المظهر والمضمر تباين يوجب أن لا يؤكّد أحدهما بالآخر.
فالجواب عن ذلك أنّ المضمر لا يوصف بما يعرّفه، وإنّما يوصف بما يؤكّد عمومه، أو يؤكّد عينه ونفسه، نحو: مررت بكم كلّكم، ومررت بكم أجمعين، ومررت بك نفسك، والظّاهر يشارك المضمر في التوكيد بالعموم وبالنّفس كقولك: مررت بالقوم أجمعين، ومررت بالقوم كلّهم، ومررت بزيد نفسه، ويختصّ الظاهر بالصفة التي هي تحلية عند التباسه بظاهر آخر مثله نحو: مررت بزيد البزّاز، والطويل وما أشبهه.

وقد جرى التوكيد والاختصاص بالنفس مجرى صفاتى التّحلية في اشتراك الصفة والموصوف في الإعراب والتّعريف، وفي شرط الصفات أن لا تكون الصّفة أعرف من الموصوف، فلما كان المضمر أعرف من الظاهر لم يجعل توكيدا للظّاهر؛ لأن التوكيد كالصّفة.
ومما يمنع من توكيد الظاهر المضمر أنّا لو فعلنا ذلك لم يكن توكيده إلا بالمضمر الغائب، وسقط منه ضمير المتكلّم والمخاطب؛ لأنّا إذا قلنا: لقيت زيدا، أو مررت بزيد، أو جاءني زيد، فأكّدناه، لم يكن في شيء من ذلك إلا أن تقول هو، فيسقط المتكلم والمخاطب، وهما الأكثر والأصل في الضّمير، واستعمال ما يوجب إسقاط أصله وأكثره مطّرح متروك.
وأما البدل فإنه يجوز أن تبدل المضمر من المضمر، والمضمر من المظهر، والظاهر من المضمر.
فأمّا المنصوب فقولك: رأيتك إياك، تجعل إيّاك بدلا من الكاف، كأنك قلت: إيّاك رأيت، ولم تذكر الكاف، وقدّرناه، بتقديم إياك، أو ما رأيت إلا إياك.
وأما المرفوع فإنك تقولك قمت أنت، والمجرور: مررت بك بك، وتعيد حرف الجرّ لأنّ الكاف لا تنفرد، وإن أبدلت مضمرا من ظاهر قلت في المجرور: مررت بزيد به بإعادة حرف الجر.
والفرق بين جواز بدل المكنيّ من المضمر ومن الظّاهر وبطلان التوكيد والصفة بالمكنيّ من الظاهر أنّ الصّفة تطلب المشاكلة بينها وبين الموصوف في التعريف أو التنكير، والبدل ليس يطلب ذلك إذ جاز بدل النكرة من المعرفة، والمعرفة من النّكرة، وقد ذكرت في غير هذا الباب أنّ النكرة لا تؤكّد بما أغنى عن إعادته، وباقي كلامه مفهوم.

هذا باب من البدل أيضا

قال سيبويه: (وذلك قولك: رأيته إيّاه نفسه، وضربته إياه قائما.
وليس هذا بمنزلة قولك: أظنّه هو خيرا منك، من قبل أنّ هذا موضع فصل، والمضمر والمظهر في الفصل سواء.
ألا ترى أنّك تقول: رأيت زيدا هو خيرا منك،

وقال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ 1. وإنما يكون الفصل في الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء.
فأمّا ضربت وقتلت ونحوهما فإن الأسماء بعدها بمنزلة المبنيّ على المبتدإ، وإنّما كان يذكر قائما بعد ما يستغنى الكلام ويكتفي، وينتصب على أنّه حال، فصار هذا كقولك: رأيته إيّاه يوم الجمعة.
وأمّا نفسه حين قلت: رأيته إيّاه نفسه، فوصف بمنزلة هو، وإياه بدل، وإنما ذكرتهما توكيدا، كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 2؛ إلا أنّ إيّاه بدل والنفس وصف، كأنك قلت: رأيت الرجل زيدا نفسه، وزيد بدل ونفسه على الاسم.
وإنّما ذكرت هذا للتمثيل.
وإنما كان الفصل في أظنّ ونحوه لأنّه موضع يلزمه فيه الخبر، وهو ألزم له من التوكيد؛ لأنه لا يجد منه بدا.
وإنما فصل لما لا بدّ له منه، ونفسه يجزئ من إيّا، كما تجزئ منه الصفة؛ لأنّك جئت بها توكيدا وتوضيحا، فصارت كالصّفة.
ويدلّك على بعده أنك لا تقول: إنك أنت إياك خير منه.
فإن قلت: أظنه هو خيرا منه، جاز أن تقول: إياه؛ لأن هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام به، فصار كقولك: ضربته، وكان الخليل يقول: هي عربيّة: إنك أنت إياك خير منه: فإذا قلت: إنك فيها إياك، فهو مثل أظنّه خيرا منه، يجوز أن تقول: إياك.
ونظير إيّا في الرفع: أنت وأخواتها.
واعلم أنها في الفعل أقوى منها في أن تغني إيا في البدل وغيره، ويدلك على أن الفصل كالصفة أنه لا يستقيم أن تقول: أظنّه هو إياه خيرا منك، إذا كان أحدهما لم يكن الآخر، ولا يجوز: أظنّه هو هو أخاك، إذا جعلت إحداهما صفة والأخرى فصلا؛ لأنّ كل واحدة منهما تجزئ من أختها).
قال أبو سعيد: بدأ سيبويه في هذا الباب بالفعل الذي لا يجوز فيه الفصل، ويجوز فيه التّوكيد والبدل، وهو كلّ فعل لم يتعلق باسمين أحدهما هو الآخر، فإذا تعلّق الفعل بمفعول واحد أو تعلّق بمفعولين أحدهما غير الآخر لم يكن فيه فصل.

فالمتعلق بالمفعول الواحد قولك: (من رؤية العين)، وضربته، وأكرمته.
والمتعلق بالمفعولين وأحدهما غير الآخر: أعطيت زيدا درهما، وألبست أخاك ثوبا.
وأما ما يقع الفصل فهو ما كان من الفعل متعلقا باسمين أحدهما هو الآخر، والثاني منهما خبر الاسم الأوّل، ويدخل الفصل بعد الاسم الأول ليؤذن أنّ الاسم قد تمّ وبقي الخبر حسب، وقد ضمّن سيبويه أحكامه ومسائله الباب الذي يلي هذا.
والذي يسمّى فصلا هو ضمير الاسم الأوّل، يفصل به بين الاسم الأول والثاني، ولفظه كلفظ التّوكيد الذي هو ضمير الاسم الأول، غير أنّ التوكيد لا يدخل إلا على مضمر في كلّ فعل، والفصل يدخل بين الظاهرين وبين المضمرين.
وقوله: رأيت زيدا هو خيرا منك، وقول الله عز وجلّ: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ 1 جميعا من رؤية القلب، و (هو) فيهما فصل، وفصل بين دخول إيّاه بين ضربته قائما، وبين دخول (هو) بين رأيت زيدا هو خيرا منك، فجعل الهاء في ضربته بمنزلة خبر المبتدإ في استغناء الكلام واكتفائه به، وجعل قائما حالا بعد أن استغنى الكلام، فلمّا بطل الفصل في ضربته قائما، جعل إياه بدلا من الهاء، فقال: ضربته إيّاه، وهو الذي للتّوكيد، وهو الذي للفصل، جميعه يراد به التوكيد، ولا يجتمعن.
ونفسه أيضا للتوكيد، وفيها معنى التوكيد بالضمير، غير أنه يجوز أن يجمع بين نفسه وبين الضمير لأنّهما مختلفان: أحدهما مضمر، والآخر ظاهر، فيقال رأيته إياه نفسه، فإياه بدل، ونفسه وصف، وذكرهما توكيدا، كما قال عز وجلّ: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 2 ولهذا قدّم توكيد الضّمير قبل النفس في المرفوع.
ومعنى قول سيبويه: (ونفسه تجزئ من (إيّا) كما تجزئ منه الصّفة) يريد أنّا إذا قلنا: رأيتك نفسك، أو رأيته نفسه، أجزأت نفسك عن إيّاك، ويكون معنى: رأيتك نفسك، كمعنى رأيتك إياك، كما أنّ أنت إذا قلت: رأيتك أنت، أجزأت أنت عن أن تقول: رأيتك إيّاك؛ لأنّهما جميعا للتوكيد، غير أن النّفس يجوز أن يؤتى بها مع الضمير الذي للتّوكيد فيكون توكيدان، ولا يجوز أن يؤتى بضميرين متواليين للتّوكيد؛ لا تقول: رأيتك أنت إياك، وقد تقدّم ذكر ذلك.
ومعنى قول سيبويه: (ويدلّك على بعده أنّك لا

تقول: إنّك أنت إياك خير منه) يريد على بعد الجمع بين الصّفة والبدل الذي هو: إيّاك؛ لأنّك لا تقوله في: إنك أنت إياك خير منه.
وقد أجازه الخليل لمّا اختلف اللفظان، أو لمّا اختلف مذهب التوكيد في الصّفة والبدل.
وقوله: (فإن قلت: أظنّه هو خيرا منه، جاز أن تقول إياه؛ لأنّ هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام) فإن أصحابنا قد فسّروا أن مذهب سيبويه: أظنه هو خيرا منه إياه جائز، وأظنّه هو إيّاه خيرا منه لا يجوز، وإنما لم يجوّزوا الضميرين المجتمعين على مذهب سيبويه؛ لأنهما جميعا في موضع واحد، فسبيلهما سبيل اللام وإنّ في التوكيد؛ لا يجتمعان، فإذا فصل بينهم جاز، وإذا قلت: كنت أنت خيرا من زيد، أو ظننت أنا أشدّ من زيد، فإنّ أنت تكون بدلا من التاء، وتكون فصلا، وتكون صفة.
وأيّ شيء عني به أغنى عن الباقي، ولا يجوز اجتماعها جميعا، لا اجتماع اثنين منها.
فإن قلت: كنت أنت خيرا من زيد أنت، فجعلت أنت الأوّل فصلا، وأنت الأخير بدلا فهو عندي جائز، ومحلّه محلّ إياه المتأخّر عن موضع الفصل، واستواء اللّفظين لا يقدح في جوازه، وفيما ذكره أبو بكر مبرمان في تفسيره عن نفسه أو بعض من حمل عنه أنّه لا يجوز نحو ذلك لاتّفاق اللفظين، فالقول الصّحيح ما بدأت به.
وباقي الباب مفهوم.

هذا باب ما يكون فيه هو وأنت وأنا ونحن وأخواتهن فصلا

قال سيبويه: (اعلم أنّهنّ لا يكنّ فصلا إلا في الفعل، ولا يكنّ كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء.
فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، إعلاما بأنه قد فصل الاسم، وأنه فيما ينتظر المحدّث ويتوقّعه منه، مما لا بدّ له من أن يذكره للمحدّث؛ لأنك إذا ابتدأت اسما فإنما تبتدئه لما بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدإ لا بدّ منه، وإلا فسد الكلام ولم يسغ لك، فكأنه ذكر هو ليستدلّ المحدّث أنّ ما بعد الاسم يخرجه مما وجب عليه، وأنّ ما بعد الاسم ليس منه، هذا تفسير الخليل.
وإذا صارت هذه الحروف فصلا وهذا موضع فصلها في كلام العرب، فأجره كما أجروه.
فمن تلك الأفعال: حسبت وخلت وظننت، ورأيت إذا لم ترد به رؤية العين؛ ووجدت إذا لم ترد به وجدان الضالّة، وأرى، وجعلت إذا لم ترد أن تجعلها بمنزلة عملت، ولكن تجعلها بمنزلة صيّرته خيرا منك، وكان وليس وأصبح

وأمسى.
ويدلّك على أن أصبح وأمسى كذلك، أنك تقول: أصبح أباك، وأمسى أخاك، فلو كانتا بمنزلة جاء وركب لقبح أن تقول: أصبح العاقل وأمسى الظريف، كما يقبح ذلك في: جاء وركب ونحوهما.
فإنما يدلّك على أنهما بمنزلة ظننت أنه يذكر بعد الاسم فيهما ما يذكر في الابتداء.
واعلم أن ما كان فصلا لا يغيّر ما بعده عن حاله قبل أن يذكر، وذلك قولك: حسبت زيدا هو خيرا منك، وكان عبد الله هو الظريف، وقال عز وجل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ 1. وقد زعم ناس أن (هو) هاهنا صفة، وليس من عربيّ يجعلها صفة لمظهر.
ولو كان كذلك لجاز: مررت بعبد الله هو نفسه، ف (هو) هاهنا مستكرهة لا يتكلّم بها العرب؛ لأنه ليس من مواضعها عندهم.
ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين؛ فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون، ولا تكون هو ونحن صفة وفيهما اللام.
ومن ذلك قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ 2، كأنه قال: ولا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم.
ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطب بأنّه البخل، لذكره يبخلون.
ومثل ذلك قول العرب: (من كذب كان شرّا له)، لا يقول: كان الكذب شرّا له، استغناء بأنّ المخاطب قد علم أنّه الكذب لقوله: كذب في أوّل حديثه؛ فصارت هو وأخواتها بمنزلة (ما) إذا كانت لغوا، في أنها لا تغيّر ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر.
واعلم أنها تكون في إنّ وأخواتها فصلا وفي الابتداء، ولكنّ ما بعدها مرفوع؛ لأنه مرفوع قبل أن تذكر الفصل.
واعلم أنّ هو لا يحسن أن تكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة، مما طال ولم تدخله الألف واللام، فضارع زيدا وعمرا، نحو: خير منك،

وأفضل منك، وشرّ منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها.
فلو قلت: كان زيد هو منطلقا، كان قبيحا حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك من المعروفة أو ما ضارعها من النكرة ولم تدخله الألف واللام.
وأما قوله: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً [الكهف: 39] فقد تكون أنا فصلا وصفة، وكذلك: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً [المزمل: 20].
وقد جعل ناس كثير من العرب هو وأخواتها في هذا الباب بمنزلة اسم مبتدأ وما بعده مبنيّا عليه، كأنّك قلت: ظننت زيدا أبوه خير منه، فمن ذلك أنه بلغنا أنّ رؤبة كان يقول: أظنّ زيدا هو خير منك، وحدّثنا عيسى أنّ ناسا كثيرا من العرب يقولون: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظّالمون.
وقال قيس بن ذريح: تبكّي على لبنى وأنت تركتها … وكنت عليها بالملا أنت أقدر 1 وكان أبو عمرو يقول: إن كان هذا لهو العاقل.
وأمّا قولهم: (كلّ مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه)، ففيه ثلاثة أوجه: فالرفع وجهان والنصب وجه واحد.
فأحد وجهي الرفع: أن يكون المولود مضمرا في يكون، والأبوان مبتدآن، وما بعدهما مبني عليهما، كأنه قال: حتى يكون المولود أبواه اللذان يهوّدانه.
ومثل ذلك قول رجل من بني عبس: إذا ما المرء كان أبوه عبس … فحسبك ما تريد إلى الكلام 2 والوجه الآخر: أن تعمل يكون في الأبوين، ويكون هما مبتدأ.
والنصب على أن تجعل هما فصلا.
وإذا قلت: كان زيد أنت خير منه، أو كنت يومئذ أنا خير منك، فليس إلا الرفع؛ لأنك إنّما تفصل بالذي تعني به الأول إذا كان ما بعد الفصل هو الأول وكان

خبره، ولا يكون الفصل بما تعني به غير الأول.
ألا ترى أنك لو أخرجت أنت لاستحال الكلام وتغيّر المعنى، ولو أخرجت هو من قولك: كان زيد هو خيرا منك لم يفسد المعنى.
وأما هذا عبد الله هو خير منك، وما شأن عبد الله هو خير منك.
فلا يكون هو وأخواته فصلا فيهما؛ لأن ما بعد الاسم هاهنا ليس بمنزلة ما يبنى على المبتدإ، وإنما ينصب على أنه حال كما انتصب قائم في قولك: انظر إليه قائما.
ألا ترى أنك لا تقول هذا زيد القائم، وما شأنك الظريف.
أفلا ترى أن هذا بمنزلة راكب في قولك: مرّ راكبا.
فليس هذا بالموضع الذي يحسن فيه أن يكون هو وأخواتها فصلا؛ لأن ما بعد الأسماء هنا لا يفسد تركه الكلام، فيكون دليلا على أنه فيما تكلّمه به، وإنما يكون فصلا في هذه الحال ". قال أبو سعيد: أصل دخول الفصل إيذان للمخاطب المحدّث بأنّ الاسم قديم ولم يبق منه نعت ولا بدل ولا شيء من تمامه، وأن الذي بقي من الكلام هو ما يلزم المتكلم أن يأتي به وهو الخير، وهو الذي نحاه سيبويه، ومما زاد فيه بعض أصحابه أنّ الفصل إنّما أتي به ليؤذن أنّ الخبر معرفة أو ما يقوم مقامها، وأجمع من هذين في التعليل أن يقال: أتي بالفصل ليتبيّن أنّ ما بعده ليس بنعت للاسم، فجميع هذا سبب المجيء بالفصل، وأن الذي بعده كان مما يصحّ أن ينعت به الأوّل، وإذا كان الأول معرفة فلا يصحّ أن ينعت إلا بمعرفة، فلزم التعريف فيما بعد الفصل، وأجروا مجرى المعرفة مما بعد الفصل باب أفعل منك كله، وذلك أن أفضل منك وخيرا منك لمّا لم تكن فيه إضافة، ومع عدم الإضافة فيه لا تدخل عليه الألف واللام، أشبه زيدا وعمرا وسائر الأسماء الأعلام التي ليست فيها إضافة، ولا تدخل عليه ألف ولام.
وأهل الكوفة يسمّون الفصل: العماد.
والفصل حكمه أن يفارق حكم ما كان صفة للأول أو بدلا منه، ويفارق أيضا حكم ما كان مبتدأ وخبرا في موضع خبر الأول.
فأمّا مفارقة الصفة: فإنّ الصفة إذا كانت ضميرا لم يجز أن يوصف به غير الضمير؛ تقول: قمت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت، ولا تكون صفة للظّاهر، لا تقول: قام زيد هو، ولا قام الزيدان هما، وليس الفصل كذلك لأنه يدخل بعد الظاهر.
ومفارقة البدل له: إذا أردت البدل قلت ظننتك إيّاك خيرا من زيد، وظننته إيّاه

خيرا منه، وإذا أردت الفصل قلت: ظننتك أنت خيرا من زيد، وظننته هو خيرا منه، ومما يفصل بين الفصل وبين الصّفة والبدل أنّ الفصل تدخل عليه اللام ولا تدخل على الصّفة والبدل، تقول في الفصل: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين، ونصب الظريف والصالحين حكاه سيبويه عن بعض العرب وعن النحويين أجمعين، ولا يجوز أن تقول إن كنّا لنحن الصّالحين في الصفة والبدل؛ لأنّ اللام تفصل بين الصفة والموصوف والبدل والمبدل منه.
وأمّا مفارقته لما كان مبتدأ وخبرا أنّ الفصل لا يغيّر الإعراب عمّا كان قبل دخوله، والمبتدأ يغيره.
تقول إذا أردت الفصل: كان زيد هو خيرا منك، وليس للفصل موضع من الإعراب: رفع ولا نصب ولا جرّ.
ونظيره من الأسماء التي لا موضع لها كاف ذلك وذانك وأولئك ورويدك ونحو ذلك، والذي يجعل موضعه معربا فلا بدّ من أن يكون رفعا أو نصبا بالصّفة لما قبلها أو بالبدل منه، وقد بيّنا فساد ذلك.
وقول سيبويه: " واعلم أنهنّ لا يكنّ فصلا إلا في الفعل " ومن مذهبه أنهنّ يكنّ فصلا في إنّ وفي الابتداء، إنّما ابتدأ بالفعل وخصّه لأنّه لا يتبيّن الفصل إلا فيه، وإنّ والابتداء لا يتبيّن الفصل فيهما في اللفظ؛ لأنّك إذا قلت: زيد هو خير منك، وإنّ زيدا هو خير مّنك؛ فخير منك مرفوع على كل حال إن جعلت هو فصلا أو جعلته مبتدأ.
وإنما يتبيّن في كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، الفصل من الابتداء؛ لأنّ أخبارها منصوبة.
تقول: كان زيد هو أخوك إذا جعلت هو ابتداء وأخوك خبره، والجملة خبر زيد.
وكذلك: ظننت زيدا هو أخوك، وإذا كان فصلا قلت: كان زيد هو أخاك، وظننت زيدا هو أخاك.
وقوله: وإذا صارت هذه الحروف فصلا، يريد أنا وأخواتها نحو: أنا وأنت، وتثنية ذلك وجمعه.
كقولك: ظننتني أنا خيرا منك، وعلمتك أنت خيرا مني، وعلمتكما أنتما خيرا منّا، وما أشبه ذلك.
وقوله: عز وجل: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ 1 يقرأ بالتاء والياء.
فمن قرأ بالتاء فتقديره: ولا تحسبنّ بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله، فحذف البخل، وأقام المضاف إليه مقامه، وهو الذين، كما قال: واسأل القرية ومعناه: أهل القوية.
ومن قرأ بالياء فتقديره: ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من

فضله البخل هو خيرا لهم.
وفي هذه القراءة استشهاد سيبويه، وهي أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أنّ الذي يقرأ بالتّاء يضمر البخل من قبل أن يجرى لفظ يدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر البخل بعد ما ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له، فجعل في كان ضمير الكذب؛ لأن كذب قد دلّ عليه.
وأما قوله عز وجل: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (1) فإنما جاز في أنا الصّفة والفصل؛ لأن النون والياء في ترني ضمير، وقد يوصف الضمير بالضمير ويؤكّد، ولو قلت: إن تر زيدا هو أقلّ منك مالا لم يجز فيه غير الفصل.
وأمّا (كلّ مولود يولد على الفطرة) فإنه يمكن أن يجعل الرّفع من ثلاثة أوجه: الوجهان اللذان ذكرهما سيبويه، والثالث أن تجعل في تكون ضمير الأمر والشأن، فإذا أثنّي على قول من أضمر المولود في يكون: كل مولودين يولدان على الفطرة حتى يكونا أبواهما، وفي الجميع: حتى يكونوا آباؤهم، ويفرد؛ يكون على قول من رفع به أبواه، أو جعل فيه ضمير الأمر والشأن؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وأما قوله: هذا عبد الله هو خير منك، فإن سيبويه وأصحابه لا يجيزون فيه النّصب إذا أدخلت هو؛ لأن نصبه على الحال لتمام الكلام قبله، من أجل أن (هذا) مبتدأ، وعبد الله خبره، و (خيرا منك) حال، كما تقول: هذا زيد قائما، فإذا أدخلت هو جعلت هو مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة في موضع الحال، ولهذا أنكروا قراءة من قرأ: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، ولا يجيزون فيه اسما معرفة لأنه ليس بخبر؛ لا يقولون: هذا زيد الراكب والقائم، والذي يجيزه يجري هذا مجرى كان، وعبد الله مرتفع بهذا، والاعتماد في الإخبار على الاسم المنصوب، والذي يجيزه الكسائي.
والفرّاء لا يجيز النصب، وكذلك أبو العباس ثعلب، وكرهت إطالة الكتاب باحتجاج بعضهم على بعض، وباقي الباب مفهوم.

هذا باب لا تكون فيه هو وأخواتها فصلا ولكن يكنّ بمنزلة اسم مبتدإ

قال سيبويه: " وذلك: ما أظنّ أحدا هو خير منك، وما أجعل أحدا هو أفضل منك؛ لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا لنكرة، وكما أنّ كلّهم1

وأجمعين لا يكرّران على نكرة، فاستثقلوا أن يجعلوها فصلا في النكرة كما جعلوها في المعرفة؛ لأنّها معرفة، فلم تصر فصلا إلا لمعرفة، كما لم تكن وصفا إلا لمعرفة.
وأمّا أهل المدينة فينزلون هو هاهنا منزلتها في المعرفة في كان ونحوه.
فزعم يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا وقال: (احتبى ابن مروان في ذه في اللحن).
وكان الخليل يقول: (والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلا في المعرفة وتصيرهم إيّاها بمنزلة ما إذا كانت لغوا؛ لأن هو بمنزلة أبوه، ولكنّهم جعلوها في ذلك الموضع لغوا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنّما قياسها أن تكون بمنزلة كأنّما وإنّما.
ومما يقوّي ترك ذلك في النكرة أنّه لا يستقيم: رجل خير منك، ولا تقول: أظنّ رجلا خيرا منك، حتى تنفي وتجعله بمنزلة أحد، فلمّا خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، وفي الابتداء، لم يجر في النّفي مجرى المعرفة؛ لأنه قبح في الابتداء وفيما أجري مجراه من الواجب؛ فهذا ممّا يقوّي ترك الفصل.
قال أبو سعيد: لم يجز الفصل إذا كان الاسم قبله نكرة؛ لأنّ الفصل يجري مجرى صفة المضمر، وهو وأخواتها معارف، فلا يجوز أن يكنّ فصلا للنّكرة، كما لا يجوز أن تكون المعارف صفات للنّكرة.
وأمّا ما ذكر من إنزال أهل المدينة هو هاهنا منزلتها في المعرفة في كان ونحوه فإنّ هذا الكلام إذا حمل على ظاهره فهو غلط وسهو؛ لأنّ أهل المدينة لم يحك عنهم إنزال هو في النكرة منزلتها في المعرفة، والذي حكي عنهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، وهؤلاء بناتي جميعا معرفتان، وأطهر لكم منزلته المعرفة في باب الفصل؛ لأنّه من باب: هو خير منك، والّذي أنكر سيبويه أن يجعل: ما أظنّ أحدا هو خيرا منك بمنزلة: ما أظنّ زيدا هو خيرا منك، فليس هذا مما حكي عن أهل المدينة في شيء، وقد شهد بما ذكرته ما ذكره يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا، فدلّ أنّ ذلك في الآية الّتي قرأها من قرأ بنصب (أطهر لكم)، وليس في القرآن شيء الاسم فيه نكرة، وفيه قراءتان مختلفتان مما يشبه الفصل.
والذي يصحّح به كلام سيبويه أن يقال: هذا الباب والباب الذي قبله بمنزلة باب واحد؛ لأنّ الباب الذي قبله باب ما تكون فيه هو وأخواتها فصلا وهذا الباب ما لا يكنّ فيه، وباب واحد يضمّن ما يجوز وما لا يجوز في معنى واحد، وترجمته الباب الثاني كالفصل، وقد يجري في كلام سيبويه أن يترجم بابا يتضمّن أشياء، ثم يعيد ترجمة الباب في بعض تلك الأشياء.

وأمّا قراءة أهل المدينة التي ذكرها فإنما حكي عن محمّد بن مروان- وهو بعض قراء أهل المدينة- أنّه قرأ: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بنصب أطهر لكم، وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنّه قرأ هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بالنصب، وذكر الأصمعي أنه قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء إنّ عيسى بن عمر حدثنا أنّ ابن مروان قرأ (هنّ أطهر) بالنّصب، فقال: (احتبي ابن مروان في لحنه)، وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ (هنّ أطهر لكم) بالنصب، ومعنى قول أبي عمرو: (احتبي في لحنه، كقولك: اشتمل بالخطأ، وتجلّل بالخطأ، وتمكّن في الخطأ، ونحو ذلك، مما يوجب تثبيت الخطأ عليه وإحاطته به.
ومعنى قوله: ولا تقول: أظنّ رجلا خيرا منك حتى تنفي أي حتى تقول: ما أظنّ رجلا خيرا منك، كما تقول: ما أظنّ أحدا خيرا منك؛ لأنه إذا نفيت النكرة صارت بمعنى العموم، وحلّت محلّ أحد، وباقي الباب مفهوم.

هذا باب أي

قال سيبويه: " اعلم أنّ أيّا مضافا وغير مضاف بمنزلة من.
ألا ترى أنّك تقول: أي أفضل، وأي القوم أفضل.
فصار المضاف وغير المضاف يجريان مجرى من، كما أنّ زيدا وزيد مناة يجريان مجرى عمرو، فحال المضاف في الإعراب والحسن والقبح كحال المفرد.
قال الله عزّ وجلّ: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 1؛ فحسن كحسنه مضافا.
وتقول: أيّها تشاء لك؛ فتشاء صلة لأيّها حتى كمل اسما؛ ثم بنيت عليه لك، كأنّك قلت: الّذي تشاء لك، وإن أضمرت الفاء جاز، وجزمت تشأ، ونصبت أيّها، وإن أدخلت الفاء قلت: أيّها تشأ فلك؛ لأنّك إذا جازيت لم يكن الفعل وصلا، ولكن بمنزلته في الاستفهام إذا قلت: أيّها تشاء؟ وكذلك من تجري مجرى أي في الّذي ذكرنا، وتقع موقعه.
وسألت الخليل عن قولهم: اضرب أيّهم أفضل؟ فقال: القياس النّصب، كما تقول: اضرب الذي أفضل؛ لأن أي في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي، كما أنّ من في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي.
وحدّثنا هارون أن ناسا، وهم الكوفيّون، يقرأونها: لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ

أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا 1 وهي لغة جيدة، نصبوها كما جرّوها حين قالوا: امرر على أيّهم أفضل، فأجراها هؤلاء مجرى الذي إذا قلت: اضرب الّذي أفضل؛ لأنّك تنزل أي ومن منزلة الذي في غير الجزاء والاستفهام.
وزعم الخليل أنّ أيّهم إنّما وقع في قولهم: اضرب أيّهم أفضل على أنه حكاية، كأنه قال: اضرب الذي يقال له أيّهم أفضل، وشبّهه بقول الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة بمنزل … فأبيت لا حرج ولا محروم 2 وأما يونس فزعم أنه بمنزلة قولك: أشهد إنّك لعبد الله، واضرب معلّقة.
وأرى قولهم: اضرب أيّهم أفضل، على أنّهم جعلوا هذه الضمّة بمنزلة الفتحة في خمسة عشر، وبمنزلة الفتحة في الآن، ففعلوا ذلك بأيّهم حين جاء مجيئا لم تجيء أخواته عليه، واستعمل استعمالا لم تستعمله أخواته إلا ضعيفا.
وذلك أنه لا يكاد عربي يقول: الذي أفضل فاضرب، واضرب من أفضل، حتى يدخل هو، ولا يقول: هات ما أحسن، حتى يقول: هو أحسن.
فلما كانت أخواته مفارقة له لا تستعمل كما استعمل خالفوا بإعرابها إذا استعملوه على غير ما استعملت عليه أخواته إلا قليلا.
كما أنّ يا ألله لما خالفت سائر ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفه، وكما أنّ ليس لما خالفت ولم تصرّف تصرّف الفعل تركت على هذه الحال.
وجاز إسقاط هو في أيّهم كما كان: لا عليك، تخفيفا، ولم يجز في أخواته إلا قليلا ضعيفا.
وأمّا الذين نصبوا فقاسوه، وقالوا: هو بمنزلة قولنا: اضرب الذي أفضل، إذا آثرنا أن نتكلّم به، وهذا لا يرفعه أحد.
ومن قال: امرر على أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل؛ هما سواء: فإذا جاء أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل؛ هما سواء: فإذا جاء أيّهم مجيئا يحسن على ذلك المجيء أخواته ويكثر، رجع إلى الأصل وإلى القياس، كما ردّوا: ما زيد إلا منطلق إلى الأصل.
وتفسير الخليل ذلك الأول بعيد، إنما يجوز في شعر أو في اضطرار.
ولو أسيغ

هذا في الأسماء لجاز أن تقول: اضرب الفاسق الخبيث، أي: اضرب الذي يقال له هو الفاسق الخبيث.
وأما قول يونس: فلا يشبه أشهد إنّك لمتطلق وسترى ذلك في باب (إنّ وأنّ) إن شاء الله.
ومن قولهما: اضرب أي أفضل.
وأمّا غيرهما فيقول: اضرب أيّا أفضل.
يقيس على الذي وما أشبهه من كلام العرب، ويسلّم ذلك في المضاف إلى قول العرب، يعني: أيّهم، ولو قالت العرب: اضرب أي أفضل لقلته، ولم يكن بدّ من متابعتهم.
ولا ينبغي على أمس أمسك، ولا على أتقول أيقول، ولا سائر أمثلة القول، ولا على الآن آنك.
وأشباه هذا كثيرة.
ولو جعلوا أيّا في الانفراد بمنزلته مضافا لكانوا خلفاء إذ كان بمنزلة الذي معرفة ألا ينوّن، وسترى بيان ذلك فيما لا ينصرف وينصرف إن شاء الله.
وسألته عن أيي وأيّك كان شرّا فأخزاه الله، فقال: هذا كقولك: أخزى الله الكاذب منّي ومنك، إنما يريد: منّا.
وكقولك: هو بيني وبينك، يريد: هو بيننا، فإنّما أراد: أيّنا كان شرّا، إلا أنّهما لم يشتركا في أي، ولكنّهما أخلصاه لكلّ واحد منهما.
وقال العباس بن مرداس: فأيّي ما وأيّك كان شرّا … فقيد إلى المقامة لا يراها 1 وقال خداش بن زهير: ولقد علمت إذا الرّجال تناهزوا … أيّى وأيّكم أعزّ وأمنع) 2 قال أبو سعيد: اعلم أن أيّا لتبعيض ما أضيفت إليه، وهي تأتي للاستفهام والمجازاة، وتكون بمعنى الّذي، فإذا كانت للاستفهام والمجازاة لم تحتج إلى صلة، وإذا كانت بمعنى الّذي احتاجت إلى صلة كصلة الذي وصلة ما ومن إذا كانتا في الخبر، وهي موضوعة على الإضافة؛ لأنّ المراد بها في أحوالها الثلاث بعض ما أضيفت إليه، وقد تفرد ومعناها الإضافة؛ لأنّ قوله: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 3 معناه: أيّ الاسمين دعوت

الله به فلله الأسماء الحسنى، وأيّا أحد الاسمين المذكورين في: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ 1. وأول شيء ردّ على سيبويه من هذا الباب قوله: (وإن أضمرت الفاء جازيت وجزمت " تشأ " ونصبت " أيّها ").
فقال الرادّ: إضمار الفاء إنّما يجوز في الشّعر وقد ذكره سيبويه في كلامه.
قال أبو سعيد: وليس كذلك، إنما أرادا إذا أضمرت في الموضع الذي يجوز إضماره على ما ستقف عليه في باب المجازاة، وكان حكمه أن تنصب أيّها بفعل الشّرط، وتجزم فعل الشّرط.
واعلم أنّ الكوفيّين يجرون أيّهم مجرى ما ومن في الاستفهام والمجازاة والخبر، وإذا أوقعوا عليها الفعل- وهي في معنى الذي- نصبوها، وسواء حذفوا العائد من الصّلة أو لم يحذفوا، ولا فرق عندهم بين قولك: لأضربنّ الذي أفضل، ولأضربنّ أيّهم أفضل، ولا يضمّون أيّهم إلا في موضع رفع، فخرّجوا الآية على ثلاثة أوجه كلّها يوجب رفع " أيّهم " بالابتداء، وأشدّ على الرّحمن خبره.
الوجه الأول منها: أن النزع عمل في " من " وما بعدها واكتفي بها، كما تقول: قد قتلت من كلّ قبيل، وأكلت من كلّ طعام، فيكتفي الفعل بما ذكر معه، ثم تبتدأ " أيّ " فترفع ب " أشدّ "، وهذا جواب الكسائي والفراء.
والوجه الثاني: أن الشّيعة معناها: الأعوان، وتقديرها من كلّ قوم تشايعوا لينظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، فالنظر من دلائل الاستفهام، وهو مقدّر معه، وأنت إذا قلت: لأنظرنّ أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، فالنظر معلّق، وأيّهم مرفوع بالابتداء، والنّظر والمعرفة والعلم ونحوهنّ من أفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهنّ استفهام.
ويقوّى حكاية الكوفيين وذهبهم ما روي عن الجرميّ أنّه قال: خرجت من الخندق- يعني: خندق البصرة- حتى صرت إلى مكة، لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيّهم أفضل، أي كلّهم ينصب، ولم يذكر الكوفيّون لأضربنّ أيّهم أفضل، وقد حكاه البصريون؛ لأن سيبويه قال: (سألت الخليل عن قولهم: اضرب أيّهم أفضل)، إنما يعني سألته عن قول العرب، وقول العرب أيّهم، وقع في قولهم: أيّهم على أنه حكاية عن العرب أيضا، وقوّى ما حكاه سيبويه والخليل عن العرب ما حكاه أبو عمرو الشيباني في حرف العين من " كتاب

الحروف " عن غسّان أحد من يأخذ عنه اللّغة من العرب أنه أنشد: إذا ما أتيت بني مالك … فسلّم على أيّهم أفضل 1 ومذهب الخليل أن (أيّهم) مرفوع بالابتداء، و (أفضل) خبره، ويجعله استفهاما؛ لأنه يحمله على الحكاية بعد قول مقدّر، كما قال عز وجل: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ 2 على معنى: يقولون أخرجوا أنفسكم، ولعل الذي أحوج الخليل إلى تأويل الحكاية أن العرب لمّا تكلّمت: اضرب أيّهم أفضل، وهو شاذّ، والقياس عنده: اضرب أيّهم أفضل بالنصب، كان حمله على الحكاية أقوى عندّه من حمله على البناء الذي اختاره سيبويه، ويقوى مذهب سيبويه في البناء أن نظيري (أيّهم) من وما، وهما مبنيان، وكان حقّ (أيّهم) أن يكون مبنيّا لوقوعه موقع حرف الاستفهام والجزاء وموقع الذي، وكلّ ذلك مبنيّ، فلمّا دخل (أيّهم) نقص في العائد ضعف فردّ إلى أصله، كما أنّ (ما) في لغة أهل الحجاز إذا تقدّم خبرها، أو دخل الاستثناء بين الاسم والخبر، ردّ إلى ما يوجبه القياس فيه من بطلان عملها.
وأمّا يونس فقوله في تعليق (اضرب) ضعيف، وإنما تعلّق أفعال القلوب عن الاستفهام كقولك: انظر أيّهم في الدار، واعرف أزيد في الدار أم عمرو، وتعليقه: أن يبطل عمله عمّا بعده، ولو كان التعليق الذي ذكره يونس في الآية لكان موافقا لقول الكوفيين في الوجوه الثلاثة التي حكيناها عنهم في الآية، ولم يكن بالمنكر.
ومعنى قول سيبويه: (كما أن ليس لمّا خالفت ولم تصرّف تصرّف الفعل تركت على هذه الحال) يريد أنّ أصل ليس: ليس، مثله في: صيد البعير، ويجوز في صيد التخفيف فيقال: صيد، وألزموا ليس التخفيف، ولم يجئ على الأصل مثل صيد؛ لأنه خالف باب الفعل فلم يستعمل منه الماضي ولا الأمر.
وأمّا احتجاج الخليل بالبيت: فأبيت لا حرج ولا محروم فقد ذكرته في غير هذا الموضع وأعيد جملته: قول الخليل على الحكاية، وقول سيبويه: فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا فيه؛ لا حرج: مبتدأ، وخبره: بالمكان الذي أنا فيه، ولو قال: لا حرج ولا محروم بمكاني لكان أخصر، وإنما أراد البيان،

والجملة في موضع خبر الاسم المضمر في أبيت، والعائد إلى الاسم الياء بمكاني، أو أنا إذا قدّر بالمكان الذي أنا فيه، وحذف الخبر بعد حسن كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، والتقدير: لا حول لنا ولا قوة لنا، ونحو ذلك.
وقال الكوفيون عن الفرّاء في البيت شيئا كأنه مأخوذ من قول سيبويه: (مغيّر إلى ما هو دونه في الجودة)، فقال: (لا) بمعنى ليس، ثم خلط الحاكي عنه في تقدير ذلك وأفسد، وذلك أنه أنشد البيت: فأبيت لا زان ولا محروم فقال: رفع زانيا ومحروما لمّا بني (لا) على ليس، وأضمر بعدها لزان أنا، والتقدير: فأبيت لا أنا زان، وهذا تخليط.
والذي حكى هذا أبو بكر بن الأنباري في كتابه المسمى بالواضح، والتّخليط فيه أن (لا) إذا عملت عمل ليس لم تعمل إلا في النّكرات، ولا يكون اسمها ولا خبرها إلا نكرتين، لا يجوز: لا زيد قائما، ولا قائم زيدا، وإنما يقال لا رجل في الدار، ولا خير ولا شر بدائم، ولا خير ولا شرّ دائما، وهذا قليل لا يكاد يأتي إلا نادرا، وتقديره فاسد؛ لأنه إذا قال: ليس زان أنا فهما مرفوعان، وفي ليس ضمير الأمر والشأن، ولا يقع ذلك الضمير في (لا)، وتقديره الآخر: فأبيت لا أنّا زان ولا محروم، خارج عن تأويل ليس؛ لأن أنا مبتدأ وزان خبره.
وأما ما ذكره هارون أنّ ناسا وهم الكوفيون يقرؤونها: (أيّهم) بالنصب فالذي قرأه منهم بالنصب معاذ بن مسلم الهرّاء، هو من رؤسائهم في النحو، وروي أيضا عن هارون القارئ النصب.
وقوله: (ومن قال: امرر على أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل)، كأنه قد سمع على أيّهم أفضل أكثر من بأيّهم، أو المسموع هو على أيّهم، ويكون بأيّهم قياسا عليه؛ لأنه لا فرق بينهما.
وإذا أفردت أيّا في موضع المضاف فمن قول يونس والخليل أنه يرفع كما يرفع المضاف.
فمن قولهما: اضرب أيّ أفضل، وكذلك ينبغي أن يكون على مذهبهما؛ لأنه ليس بمبنيّ عندهما، وإنما هو مرفوع بالابتداء على التقدير الذي ذكرناه عنهما، وسيبويه يردّه إلى الأصل فيقول: (اضرب أيّا أفضل)، ومن حجته أنهم لو بنوه في الإفراد لكان حقّه أن لا ينوّن؛ لأنه معرفة بمعنى الذي؛ لأن المعرب الذي يبنى في حال إذا كان مفردا معرفة لم ينوّن كقولك: يا زيد، ومن قبل ومن بعد، وإذا نكّر ينوّن كقولك: يا رجلا صالحا، ومن قبل ومن بعد، ولو كانت العرب بنته في الإفراد لزمتنا متابعتهم، ولا

يلزم القياس على الشاذّ في كلّ شيء، وقد ذكر سيبويه منه أشياء لا يقاس عليها.
وأما أيّي وأيّك وما جرى مجراه فكلامه فيه واضح، والشواهد فيه كثيرة؛ منهما ما أنشده، ومنها قول عنترة: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن … أيّي وأيّك فارس الأجراف وقال الجميح بن الطّمّاح (جاهلي): وقد علم الأقوام أبي وأيّكم … بني عامر أوفى وفاء وأكرم (1) وقال قرط اليربوعيّ (جاهليّ): أبني سليط لا أبا لأبيكم … أيّي وأيّ بني صبير أكرم (2) وقال آخر: أبني سليط كيف أظلم وسطكم … ولي البراءة والعواقب تعقب هلا تبيّن في القضاء زعمتم … أيّي وأيّ خصوم حقّي أكذب (3) وقال آخر: فأيّي وأيّ ابن الحصين وعثعث … غداة التقينا كان بالحلف أعذرا (4) وقوله: (إلا أنّهما لم يشتركا في أيّ) يعني الاسمين لم يضف إليهما واحدة من لفظتي أيّ، واشتراكهما أن تقول: أيّنا وأيّكما وأيّهما، ولكنهما، يعني الرجلين: المخاطب والمتكلم، أخلصا كلّ واحد من أيّ لكلّ واحد منهما، وما في ذكر هذا كثير طائل، ولكن ذكرناه على ما يقتضيه التفسير.

هذا باب مجرى أيّ مضافا على القياس

قال سيبويه: (وذلك قولك: اضرب أيّهم هو أفضل، واضرب أيّهم كان أفضل، واضرب أيّهم أبوه زيد، جرى هذا على القياس لأنّ (الذي) يحسن هاهنا، فإن قلت: اضرب أيّهم عاقل، رفعت؛ لأن (الذي عاقل) قبيح.
فإن أدخلت (هو) نصبت؛ لأنك لو قلت: هذا الذي هو عاقل، كان حسنا.
وزعم الخليل أنه سمع عربيّا يقول: ما أنا بالذي قائل لك شيئا.
ومن تكلّم بهذا1234

فقياسه: اضرب أيّهم قائل لك شيئا.
قلت: أفيقال: ما أنا بالذي منطلق؟ فقال: إذا طال الكلام فهو قليلا أمثل، كأنّ طوله عوض من ترك هو، وقلّ من يتكلّم بذلك).
قال أبو سعيد: قد ذكرنا من مذهب سيبويه في بناء (أيّهم) إذا كان في معنى (الذي) أنه إذا استعمل فيها حذف العائد الذي لا يحسن في (الذي) بني، وإذا استعمل في صلتها ما يحسن في صلة (الذي) لم يبن، وذكرنا أنّ السّبب في بنائها أن نظيريها وهما: (ما ومن) مبنيّان، فإذا حذف منها العائد فقد دخلها نقص وأزاله عن ترتيبها، فأجري مجرى نظيريها، كما أنّ (ما) إذا قدّم خبرها أو دخلها حرف الاستثناء الناقض لمعنى الجحد بها ردّت إلى قياس نظائرها في الابتداء نحو هل، وألف الاستفهام، وإنما، وأشباه ذلك مما يكون ما بعدها مبتدأ وخبرا.

هذا باب أيّ مضافا إلى ما لا يكمل اسما إلا بصلة

قال سيبويه: (فمن ذلك قولك: أيّ من رأيت أفضل).
قال أبو سعيد: إذا أضيف (أيّ) إلى (من) فلا تكون (من) إلا بمعنى (الذي)، وأيّ على وجوهها الثلاثة، فأيّ مبتدأ وهي مضافة إلى من، ومن بمعنى الذي، ورأيت صلة من، وفي رأيت هاء مقدّرة تعود إلى من، وأفضل خبر أيّ، تقديره: أيّ من رأيته أفضل، ومن في معنى جماعة.
وتقول: أيّ الذين رأيت في الدّار أفضل، تقديره: رأيتهم، والهاء والميم عائد إلى الذين، وفي الدار من صلة رأيت، وهي موضع للرّؤية، وتقديره: أيّ القوم أفضل، وفي الدار لم يغيّر الكلام عن حاله، كما أنّك إذا قلت: أيّ من رأيت قومه أفضل كان بمنزلة أيّ من رأيت أفضل، فالصلة معملة وغير معملة في القوم سواء.
وتقول: أيّ من في الدار رأيت أفضل، صلة (من) قولك: في الدار وحدها، فتمّ المضاف إليه أيّ اسما، ثم ذكرت رأيت بعد تمام المضاف إليه، فكأنك قلت: أيّ القوم رأيت أفضل، ولم تجعل في الدار هنا موضعا للرؤية.
ولو قلت: أيّ من في الدار رأيت زيد لجاز، إذا أردت أن تجعل في الدار موضعا للرؤية، وتقديره: أيّ من رأيته في الدّار زيد، أيّ مبتدأ، وهو مضاف إلى من، ورأيته صلته، والهاء عائدة إليه، وفي الدار ظرف له، وزيد خبره، وتقول في شيء منه آخر: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرمه؛ فأيّ استفهام ولا يصحّ غيره، ومن بمعنى الذي؛ لأنّ أيّا مضاف إليه، والشرط وجوابه في صلة من، فتمّ أيّ اسما بالمضاف إليه وصلته، فكأنك قلت: أيّ

القوم نكرمه، ونكرمه خبر أيّ، ولو حذفت الهاء من نكرمه نصبت أيّا فقلت: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم، كأنك قلت: أيّهم نكرم؟ ولو جعلت أيّا خبرا بمعنى الذي لم يجز حتى تزيد فيه، وذلك أنك تحتاج بعد المضاف إليه إلى صلة، فيصير بعد المضاف إليه وبعد الصلة بمنزلة اسم واحد، فتزيد ما يكون به كلاما، وذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهين، فنكرم صلة لأيّ، فإن شئت أثبتّ الهاء فقلت: نكرمه، وإن شئت نزعتها ولا يتغير لفظ أيّ بنزع الهاء من نكرمه؛ لأن نكرمه في الصلة، وتصب أيّا ب (تهين) فكأنك قلت: زيدا تهين، ولو قلت: تهينه لرفعت (أيّ من)، ولو جعلت أيّ للمجازاة جزمت نكرم، فيصير فعل الشرط، ويحتاج إلى جواب، فتأتي بما يكون جوابا، وذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهن، بنصب أيّا ب (نكرم) لا ب (تهن)، ولو كان نكرمه لرفعت أيّا؛ لأنّ نكرم شرط لأيّ، والشرّط يعمل في الاسم وينصبه، وأمّا تهن فتقديره: تهنه، وإنّما تحذف الهاء لما قد جرى من ذكره.
وتقول: أيّ من يأتينا يريد صلتنا فنحدّثه، فيستحيل في وجه ويجوز في وجه؛ أمّا الوجه الذي يستحيل فيه فهو أن يكون (يريد) في موضع مريد إذا كان حالا وقع فيه الإتيان؛ لأنّه معلّق بيأتينا، كما كان فيها معلّقا برأيت في: أيّ من رأيت في الدار أفضل، وتقديره: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا، ومريدا حال من ضمير الفاعل في يأتينا، وهو ضمير (من) فصار المضاف إليه إلى قولك صلتنا، فكأنّك قلت: أيّهم فنحدّثه فلا يجوز، كما لا يجوز: زيد فنحدّثه، ولو حذفت الفاء جاز فقلت: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا نحدّثه، ونحدّثه خبر (أيّ من).
فأمّا الوجه الذي تجوز فيه المسألة فأن تجعل يريد خبر أيّ، وصلة (من) يأتينا حسب؛ فكأنك قلت: أيّهم يريد صلتنا في معنى: مريد صلتنا فنحدّثه، نصب جواب الاستفهام، وإن شئت رفعته عطفا على يريد.
وتقول أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه تأت يكرمك؛ أيّ للمجازاة، ومن الأولى في موضع خفض بإضافة أيّ إليه، ومعناه معنى الذي، وصلته الشرط، والجواب من قولك: إن يأته إلى يعطه؛ لأنّ من الثانية فاعل يأته، وهو في موضع رفع، ومعناه: الذي، وصلته: إن يأتنا نعطه، فتصير من الثانية مع صلته اسما بمنزلة زيد، فكأنك قلت: أيّ من إن يأته زيد يعطه، ومن بمنزلة الذي وصلته الشرط والجزاء فتصير الأولى وما بعدها من الشرط والجزاء بمنزلة اسم فكأنّك قلت: أيّ القوم تأت، فتنصب أيّا ب (تأت)، ويكرمك الجواب، وأيّ للمجازاة، والناصب لأيّ: تأت.

قال أبو سعيد: ذكرت مسائل سيبويه في الباب بألفاظ فيها بسط وتقريب، وأقمتها مقام الشّرح لها.
قال: (وجميع ما جاز حسن في أيهم هاهنا جاز في: أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه؛ لأنّه بمنزلة: أيهم؟).
قال: (وسألت الخليل عن أيّتهنّ فلانة؛ وأيّهنّ فلانة، فقال: إذا قلت: أيّ فهو بمنزلة (كلّ) لأنّ (كلّ) مذكّر يقع للمؤنّث والمذكّر، وبمنزلة (بعض)، وإذا قلت: أيتهنّ فإنّك أردت أن تؤنّث الاسم، كما أنّ بعض العرب- فيما زعم الخليل- تقول: كلّتهنّ).
قال أبو سعيد: الاسم المذكر الذي يقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد وربّما أدخلوا عليه علامة التأنيث إذا أوقعوه على المؤنث توكيدا لتأنيثها، فمن ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: كلّتهن وأيتهنّ، والباب فيه: كلّهنّ وأيّهنّ.
ومن ذلك قولهم: زيد خير الرجال، وعمرو شرّ الرجال، وهند خير النساء، ودعد شرّ النساء، وربما قالوا خيرة الناس وشرّة الناس، والباب في ذلك التذكير.
قال حسان بن ثابت: لعن الله شرّة الدور كوثى … ورماها بالفقر والإمعار لست أعني كوثى العراق ولكن … شرّة الدور دار عبد الدار (1) وقال منقذ بن الطّمّاح: وأمّهم خيرة النساء على … ما كان منها الدّحاق والإثم (2) ومما يشبه هذا ضمير الأمر والشأن في المذكّر والمؤنث، كقولك: إنّه زيد قائم، وإنّه هند قائمة، وإنّه خرج زيد، وإنّه خرجت هند، ثم يؤنّثون في المؤنث؛ فيقولون: إنها هند قائمة، وإنّها خرجت هند، قال الله عز وجل: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (3)، ولا يقال إنّها زيد قائم، ولا إنّها خرج زيد، على معنى إضمار القصة.

هذا باب أيّ إذا كنت مستفهما عن نكرة

قال سيبويه: (وذلك أنّ رجلا لو قال: رأيت رجلا، قلت: أيّا؟ فإن قال: رأيت123

رجلين قلت: أيّين؟ فإن قال: رأيت رجالا، قلت: أيّين؟ فإن ألحقت يا فتى فهي على حالها قبل أن تلحق يا فتى.
وإذا قلت: رأيت امرأة قلت: أيّة يا فتى؟ فإن قال: رأيت امرأتين قلت: أيّتين يا فتى؟ فإن قال: رأيت نسوة قلت: أيّات يا فتى.
فإن تكلّم بجميع ما ذكرنا مجرورا جررت أيّا، وإن تكلم به مرفوعا رفعت أيّا؛ لأنك إنّما تستفهم على ما وضع المتكلم عليه كلامه.
قلت: فإذا قال: رأيت عبد الله، أو مررت بعبد الله، قال: فإنّ الكلام أن تقول من عبد الله؟ وأيّ عبد الله؟ كما أنّه لا يجوز إذا قال: رأيت عبد الله أن تقول: منا).
قال أبو سعيد: كان الأصل إذا قال القائل: رأيت رجلا أن يقول السائل: أيّ الرجل؛ لأنّ النكرة إذا أعيدت عرّفت بالألف واللام أو أضمرت؛ يقول لك الرجل: سألت رجلا في دارك عن كذا وكذا، فتقول له: فما أجابك الرجل؟ ولا تقول: فما أجابك رجل، فعدل عن هذا تخفيفا إلى أن يؤتى بأيّ مفردا، وأعرب بإعراب الاسم المذكور ليعلم أنّ القصد إليه دون غيره، ولو قيل أيّ الرجل جاز أن يتوهّم المسؤول أنه يسأل عن رجل بينك وبينه عهد سوى ما ذكره في الوقت، وأيّا هذا المنصوب في موضع خبر ابتداء، والابتداء بعده محذوف، أو في موضع ابتداء وخبره بعده محذوف، وتقديره: أيّا ما ذكرت، وأيّا الرجل، ونحو ذلك، ويجيزون الرفع على هذا فيقولون: أيّ في الوقف والوصل.
قال أبو العباس المبرّد: لأنك لو ذكرت الخبر وأظهرته لم تكن أيّ إلا مرفوعة نحو قولك: من ذكرت؟ وأيّ هؤلاء؟ وإنّما نصب أيّا على الحكاية، وإن كان في موضع رفع، كما قيل: من زيدا؟ وإن كان زيدا في موضع رفع، ولو أفردت أيّا للاثنين والجماعة، أو ذكّرته في المؤنث لجاز؛ لو قلت: رأيت امرأة، أو رأيت رجلين، أو رأيت رجالا، أو رأيت امرأتين، أو نسوة، لجاز أن تقول في جميع ذلك: أيّا؛ لأنّ لفظ أيّ يجوز أن يقع على لفظ الاثنين والجماعة على لفظ الواحد، ويقع للمؤنّث على لفظ المذكّر، وإنّما فصلوا بين المعرفة والنكرة في المسألة فاكتفوا في النكرة بذكر اسم واحد، ولم يكتفوا في المعرفة إلا بذكر الاسم والخبر؛ لأنّ المسألة عنهما على وجهين مختلفين، ففرّقوا بينهما لذلك.
فأما المسألة عن النكرة فإنّما هي عن ذاتها لا عن صفتها، فإذا قال القائل: رأيت

رجلا، فقال السائل: أيّا، وجب على المسؤول أن يقول: زيد أو عمرو أو نحوهما؛ لأنه لا يعرف الرجل عينا، فإذا قال: رأيت عبد الله، والقائل لم يورد ذلك إلا معتقدا أنّ المخاطب يعرفه، وقد يجوز أن يكون المخاطب يعرف جماعة بأعيانهم اسم كلّ واحد منهم عبد الله، فيحتاج في كلّ واحد منهم إذا ذكر له إلى تلخيصه بالنّعت، فإذا قال: أيّ عبد الله، فإنّما يسأل عن نعته، فيقول المسؤول: العطّار أو البزاز أو نحو ذلك، كما يبتدئ المتكلّم بمعرفة وبنعته إذا خاف اللّبس، ولا بدّ من ذكر عبد الله؛ لأنّ الجواب نعت ولا بدّ من ذكر المنعوت.

هذا باب " من " إذا كنت مستفهما عن نكرة

قال سيبويه: (اعلم أنّك تثنّي من إذا قلت: رأيت رجلين كما تثنيّ (أيّ)، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: منين، وأتاني رجلان، فتقول: منان، وإذا قال: رأيت رجالا قلت: منين، كما قلت أيّين.
فإن قلت: رأيت امرأة قلت: منه؟ كما قلت: أيّه، فإن قلت: رأيت امرأتين قلت: منتين كما قلت: أيّتين، إلا أنّ النّون مجزومة، فإن قلت: رأيت نساء قلت: منات كما قلت: أيّات، إلا أنّ الواحد يخالف أيّا في موضع الجرّ والرفع، وذلك قولك: أتاني رجل فيقول: منو، وتقول: مررت برجل فيقول مني.
وسنبيّن وجه هذه الواو والياء في غير هذا الموضع إن شاء الله.
فأيّ في الجر والرفع إذا وقفت عليه بمنزلة زيد وعمرو؛ وذلك لأن التنوين لا يلحق (من) في الصّلة، وهو يلحق أيّا، فصار بمنزلة زيد وعمرو، وأمّا (من) فلا ينوّن في الصلة فجاء في الوقف مخالفا.
وزعم الخليل أنّ منه ومنتين، ومنات ومنين كلّ هذا في الصّلة من مسكّن النون، وذلك أنك تقول إذا قال: رأيت نساء أو رجالا أو امرأة أو امرأتين أو رجلا أو رجلين قلت: من يا فتى.
وزعم الخليل أنّ الدليل على ذلك أنك تقول: منو في الوقف، ثم تقول: من يا فتى؟ فيصير بمنزلة قولك: من قال ذاك؟ فتقول: من يا فتى؟ وكذلك إذا قلت: من يا فتى عند قول القائل: رأيت رجالا أو نساء، فكأنّك قلت: من قال ذاك، إذا عنيت جماعة، وإنما فارق باب (من) باب (أيّ) أنّ أيّا في الصلة يثبت فيها التنوين، تقول: أيّ هذا؟ وأيّة هذه؟ وقد زعموا أنّ بعض العرب يقول: أيّون هؤلاء؟ وأيّان هذان؟ وأيّ قد تجمع في

الصّلة وتضاف وتثنّى وتنوّن، ومن لا تثنّى ولا تجمع في الاستفهام على هذا الحدّ كما تثنّى أيّ وتجمع في الاستفهام، وأيّ منوّن على كل حال في الاستفهام وغيره، فهو أقوى.
وحدثنا يونس: أنّ ناسا يقولون: منا ومني ومنو، عنيت واحدا أو اثنين أو جماعة؛ فمن قال هذا قال: أيّا وأيّ وأيّ، عنى واحدا أو اثنين أو جماعة، وإنّما فعلوا ذلك ب (من)؛ لأنّهم يقولون: من قال ذاك؟ فيعنون من شاءوا من العدّة.
وكذلك أيّ؛ قد تقول: أيّ، عنيت واحدا أو اثنين أو جماعة.
وأمّا يونس فإنّه يقيس منه على أيّة فيقول: منة ومنة ومنة، إذا قال: يا فتى.
وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثر ألا يغيّرها في الصلة.
وهذا بعيد؛ فإنّما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرّة في شعر ثمّ لم يسمع بعد، قال: أتوا ناري فقلت منون أنتم … فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما 1 وزعم يونس أنّه سمع عربيا يقول: ضرب من منا.
وهذا بعيد لا تتكلم به العرب، ولا يستعمله منهم ناس كثير، وكان يونس إذا ذكرها يقول: ولا يقبل هذا كلّ أحد، فإنما يجوز منون يا فتى على هذا.
وينبغي لهذا ألا يقول: منو في الوقف، ولكن يجعله كأيّ.
وإذا قال: رأيت امرأة ورجلا، فبدأ في المسألة بالمؤنث، قلت: من ومنا؛ لأنك تقول: من يا فتى في الصّلة في المؤنث، وإن بدأت بالمذكّر قلت: من ومنه.
وإنما جمعت أيّ في الاستفهام لأنه إنما الأصل فيها الاستفهام، وهي فيه أكثر في كلامهم وإنّها تشبه الأسماء التامة التي لا تحتاج إلى صلة في الجزاء والاستفهام.
وقد شبّه (من) به في هذا الموضع لأنه يجري مجراه في هذا الموضع، ولم يفرّقوا في أيّ لما ذكرت لك مما يدخله من التنوين والإضافة؛ نقول: لم يفرّقوا في أيّ إذا عنوا المؤنث والاثنين والجميع في الوقف والوصل كما فرّقوا في من؛ لتمكّن أيّ).
قال أبو سعيد: كان سبيل من في السّؤال سبيل أيّ، وكان حقّ السّائل إذا قال

جارٍ التحميل