قال سيبويه: " وإنما جاء هذا على جواب كم؛ لأنه حمله على عدة الأيام والليالي، فجرى على جواب ما هو للعدد، كأنه قال: سير عليه يومين أو ثلاثة أيام ".
يعني أن الدهر والأبد جرى على جواب " كم "؛ لأنه موضوع على عدة الأيام وترادفها، كما كان سير عليه يومان أو ثلاثة " أيام " على ذلك، ولا يجوز أن يكون السير في أحد اليومين إذا قلت: " سير عليه يومين ".
قال: وأما " متى "، فإنما تريد أن توقت لك بها وقتا، ولا تريد بها عددا فإنما الجواب اليوم أو يوم كذا أو شهر كذا ".
وقد بينا هذا، وذكرنا أن " متى " جعلت للدلالة على وقت بعينه، لينماز من سائر الأوقات قال: (ومما أجري مجرى الدهر والليل والنهار المحرّم وصفر وسائر أسماء الشهور إلى ذي الحجة؛ لأنهم جعلوهن جملة واحدة لعدة الأيام، كأنهم قالوا: سير عليه الثلاثون يوما، ولو قلت: شهر رمضان أو شهر ذي القعدة، لكان بمنزلة يوم الجمعة والليلة والبارحة، ولصار جواب " متى ").
قال أبو سعيد: ظاهر كلام سيبويه الفصل بين أن تقول شهر كذا، وبين ألا تذكر الشهر، فإذا قلت: " سير عليه المحرم " فالسير في كل يوم من أيام المحرم، وإذا قلت: " سير شهر المحرم " أو " شهر ذي القعدة " جاز أن يكون السير في بعضه.
وهذه رواية رواها، كأنهم جعلوا قولهم المحرم نائبا مناب قولهم: الثلاثين يوما، وهم لو قالوا: " سير عليه الثلاثون يوما " لكان السير في كل يوم منهن، وإذا أدخلوا " شهرا " جعلوه اسما للوقت بعينه، فصار بمنزلة يوم الجمعة.
فإن قال قائل: فكيف اختلفا وهما لمعنى واحد؟ قيل له: قد يجوز- وإن كانا لمعنى واحد- أن يكون أحدهما يدل عليه من طريق الكمية، والآخر من طريق التوقيت، ألا ترى أنّا إذا قلنا: " سير عليه يوم الجمعة " يجوز أن يكون السير في بعضه، وإذا قلنا: " سير عليه ساعات يوم الجمعة "، لم يجز أن يكون السير في ساعة منها، وساعات يوم الجمعة في معنى " يوم الجمعة ".
وقال أبو إسحاق الزجاج في قول سيبويه: " ومما أجري مجرى الدهر والليل والنهار المحرم وصفر " قولا يخالف ما ذكرناه، وليس ببعيد، قال: يعني إذا عطفت على المحرم صفرا، فقلت: " سير عليه المحرم وصفر " فلا بد أن يكون السير في كل واحد من
الشهرين، ولو قلت: " سير عليه المحرم " لجاز أن يكون السير في بعضه، قال: والدليل على ذلك قول سيبويه: " لو قلت: سير عليه شهر رمضان أو شهر ذي القعدة، كان بمنزلة يوم الجمعة، فأبو إسحاق عنده أن قولك: المحرم وشهر المحرم بمنزلة واحدة، وأن " سيبويه " لم يفرق بينهما، ولقائل أن يقول: إن سيبويه فرق بينهما؛ لأنه ذكر المحرم وصفر وسائر أسماء الشهور.
ثم قال: كأنهم قالوا: " سير عليه الثلاثون يوما "، فجعل كل شهر من الشهور بمنزلة الثلاثين يوما.
قال سيبويه: " وجميع ما ذكرت لك مما يكون على " متى " يكون مجرى على " كم " ظرفا وغير ظرف ".
يعني أن " يوم الجمعة "، و " شهر رمضان "، وما أشبه ذلك من جوابات " متى " قد يجوز أن يكون جوابا لكم، يعني يجوز أن تقول: كم سير عليه، فيقال: يوم الجمعة، فيكون السير فيه كله، وقوله: " ظرفا وغير ظرف " أي ظرفا ومفعولا، لا جوابا " لمتى ".
قال: " وبعض ما يكون في " كم " لا يكون في " متى " نحو الدهر والليل؛ لأن " كم " هو الأول، فجعل الآخر تبعا له، ولا يكون الدهر والليل والنهار إلا على العدّة جوابا لكم ".
يعني: أن الدهر والليل والنهار، قد يكون جوابا لكم لما فيه من التكثير، ولا يكون جوابا لمتى؛ لأنه لا دلالة فيه على وقت بعينه.
وقوله: " لأن كم الأول ".
يعني لأنه دلالة على المقدار في الزمان وغيره، ويقع تحتها المنكور والمعروف؛ لوقوع التقدير عليهما، فجعل الآخر وهو " متى " تبعا له.
قال: (وقد تقول: سير عليه الليل.
تعني ليل ليلتك، وتجري على الأصل، كما تقول في الدهر: سير عليه الدهر).
يعني أنك إذا قلت: " سير عليه الليل " جاز أن تعني ليلة واحدة، وهي الليلة التي يليها يومك؛ فيجوز فيه الرفع والنصب أيضا، كما جاز فيه حين كان في معنى الدهر، وتقول: " سير عليه الدهر " وأنت تريد بعضه على جهة التكثير، فتجعل ما كثّرت من ذلك بمنزلة الدهر كلّه كما تقول: " أتاني أهل الدنيا " و " عسى ألا يكون أتاك منهم إلا خمسة
فاستكثرتهم ".
قال: (وكذلك شهرا ربيع، حين ثنّيت جاء على العدد عندهم).
يعني لا يجوز أن تقول: " ضرب زيد شهري ربيع " وأنت تعني في أحدهما.
قال: (وتقول: ذهبت الشتاء ويضرب الشتاء.
وسمعنا الفصحاء يقولون: انطلقنا الصيف، على جواب متى).
يعني أن الذهاب والانطلاق، كان في وقت من الشتاء والصيف؛ لأن الشتاء معروف من أوله إلى آخره، وكذلك الصيف، لو أراد أن يكون الفعل في الشتاء كله جاز، قال " ابن الرقاع "، والأعرف أنه لأبي دواد الإيادي:
فقصرن الشتاء بعد عليه … وهو للذود أن يقسّمن جار 1
يصف نوقا قصرت ألبانها على فرس، وذلك الفرس جار للنوق أن يغار عليهن، فيجوز أن يكون الشتاء هاهنا على جواب " كم "، فيكون قصر ألبانهن على الفرس في أيام الشتاء كلّها، ويجوز أن يكون في بعض الأيام على جواب " متى ".
قال: " واعلم أن الظروف من الأماكن كالظروف من الأيام والليالي في الاختصار، وسعة الكلام ".
يعني أن الظروف من المكان قد يجوز أن تقيمها مقام الفاعل، بأن تجعلها مفعولا على سعة الكلام، ويجوز أن تنصبها، ويكون الرفع والنصب فيها في جواب " كم " و " متى "، كما كان ذلك في " الأيام "، فتقول: " سير عليه فرسخان وميلان أو بريدان " في جواب: كم سير عليه؟ وإن شئت قلت: فرسخين وميلين، كما قلت: سير عليه يومان ويومين، في جواب " كم ".
قال: " ونظير " متى " من الأماكن " أين "، فإذا قلت: أين سير عليه؟ قيل: مكان كذا وكذا وخلف دارك ".
يعني أن " أين " يسأل بها عن مكان بعينه محصور، كما تسأل " بمتى " عن زمان بعينه محصور، فإذا قلت: أين سير عليه؟ لم يجز أن تقول: فرسخان، كما لا يجوز أن تقول:
" سير عليه يومان " في جواب: " متى سير عليه " وإنما تقول: " سير عليه يومان وفرسخان " في جواب " كم " في الزمان والمكان.
قال: " وتقول: سير عليه ليل طويل، وسير عليه نهار طويل، وإن لم تذكر الصفة، وأردت هذا المعنى رفعت إلا أن الصفة تبيّن بها معنى الرفع وتوضّحه ".
يعني أنك إذا قلت: " سير عليه ليل طويل " فهو إلى الرفع وإقامته مقام الفاعل أقرب؛ لأنه كلما نعت قرب من الأسماء، وبعد من الظروف، وإذا قلت: " سير عليه ليل " وأنت تريد هذا المعنى رفعت أيضا، إلا أنّ ذكر النعت أجود، لأنه يبيّن بها قربه من الاسم، وإن نصبت جاز أيضا، فقلت: " سير عليه ليلا طويلا "، كما تقول: " سير عليه الدهر ".
قال: (وتقول: " سير عليه يوم " على حد قولك: يومان).
يعني على أن تجعله جوابا لكم؛ لأن اليوم مبهم.
قال: وإن شئت قلت: " سير عليه يوما أتانا فيه فلان ".
فيكون جوابا لمتى؛ لأنه حصر اليوم بإتيان فلان فيه.
قال: (وتقول: سير عليه غدوة وبكرة)، فترفع على مثل ما رفعت ما ذكرنا، والنصب فيه على ذلك يعني أن " غدوة وبكرة " وإن كانا لا ينصرفان، فسبيلهما سبيل ما ينصرف في هذا الباب مما يرفع على أنه مفعول في سعة الكلام؛ وينصب على الظرف كيوم الجمعة وما أشبه ذلك.
والذي منع " غدوة وبكرة " من الصرف، أنه كان الأصل في " غدوة " غداة منكورة، ثم غيروا لفظ النكرة ليجعلوها علما، فصارت غدوة معرفة وفيها هاء التأنيث، فاجتمع فيها التعريف والتأنيث و " بكرة " محمولة على غدوة؛ لأنها على لفظها ومعناها، غير أنها لم تغيّر عن نكرة كانت لها لتعرّف، ومثل ذلك في جواز النصب والرفع " صباح يوم الجمعة " و " عشية يوم الجمعة " و " مساء ليلة الجمعة ".
قال: (وتقول: " سير عليه يومئذ وحينئذ والنصب على ما ذكرنا ")
يعني أن " حينئذ " وإن كان الحين مضافا إلى " إذ " فلا يمتنع من الرفع والنصب كيوم الجمعة، ويجوز أيضا فيه وجه آخر، وهو أن تفتحه فتحة بناء في حال الرفع والجر: كقوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ 1، وذلك أنه مضاف إلى " إذ "، و " إذ " بمنزلة الحروف فبني
لذلك حين خالف منهاج الأسماء.
ومما يجوز فيه الرفع والنصب " نصف النهار " و " سواء النهار " ومعناه نصف النهار؛ لأنك تقول " بعد نصف النهار " و " هو عندك نصف النهار "، ولأنك تقول: هذا سواء النهار، وهذا حجة لتمكنهما، وجواز الرفع فيهما.
و" سراة اليوم " ومعناها أول اليوم و " ضحوة من الضحوات " إذا لم تعن ضحوة يومك، كقولك: " ساعة من الساعات "، وكذلك " عتمة من الليل " إذا أردت عتمة من العتمات.
قال: " وتقول في الأماكن: سير عليه ذات اليمين وذات الشمال، وإن شئت نصبت، وكذلك الرفع في قولك: سير عليه أيمن وأشمل، وكذلك دارك اليمين ودارك الشمال، وقال أبو النجم:
يأتي لها من أيمن وأشمل " 1
فجعل: " أيمنا وأشملا " متمكّنين حين أدخل عليهما حرف الجر ونكرهما، فاستدلّ بالجر على جواز الرفع؛ لأن كلّ ما جاز أن يدخل عليه حرف الجر من الظروف كان متمكنا، وجاز أن يرفع، وقال عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنا أمّ عمرو … وكان الكأس مجراها اليمينا 2
فيجوز أن يكون: " اليمين " ظرفا، ويجوز أن يكون اسما، فإذا جعلت الكأس اسم كان، وجعلت: " مجراها " مبتدأ كان اليمين ظرفا للمجرى، والجملة في موضع خبر الكأس، وإذا جعلت: " مجراها " بدلا من الكأس، جاز أن يكون اسما.
قال: " ومن ذلك شرقيّ الدار وغربيّ الدار ".
ويجوز فيه الرفع والنصب، والعرب تقول: البقول يمينها وشمالها، فيجعلونه ظرفا، ويجوز: " البقول يمينها وشمالها " على ما ذكرناه.
هذا باب ما يكون فيه المصدر حينا لسعة الكلام والاختصار
وذلك قولك: متى " سير عليه " فيقول: " مقدم الحاجّ "، و " خفوق النّجم "، و " خلافة فلان "، و " صلاة العصر " فإنما هو زمن مقدم الحاجّ وحين خفوق النّجم، ولكنه على سعة الكلام والاختصار).
يعني حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك إن قال: " كم سير عليه؟ " جاز أن يكون جوابه: مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان، فيكون المعنى:
سير عليه مدة خلافة فلان.
قال: " وإن رفعته أجمع كان عربيّا كثيرا ".
يعني إن قلت: " سير عليه مقدم الحاجّ " و " خلافة فلان " جاز، وقد بيّنا وجه الرفع والنصب فيه،
قال: (وليس هذا سعة الكلام بأبعد من: " صيد عليه يومان " و " ولد له ستون عاما ").
يعني ليس حذف " زمن " من " مقدم الحاج " و " خفوق النجم " وإقامة المضاف إليه مقامه بأبعد من حذف الأولاد، في قولك: " ولد له ستون عاما ": لأن التقدير فيهما واحد، بل قوله: " ولد له ستون عاما " أبعد؛ وذلك لأن التقدير فيه:
ولد له الأولاد في ستين عاما فحذف منه شيئان " الأولاد " و " في "، إلا أنه قدر بعد حذف " في ": ولد له أولاد ستين عاما، فحذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه.
قال: (وتقول: سير عليه فرسخان يومين، لأنك شغلت الفعل بالفرسخين، فصار كقولك: " سير عليه بعيرك يومين " وإن شئت قلت: سير عليه فرسخين يومان).
يعني أنك تقيم أيّهما شئت مقام الفاعل، وأيّهما أقمته مقام الفاعل فقد جعلته كالمفعول؛ فلذلك شبّهته بقولك: " سير عليه بعيرك يومين "، والذي تنصبه فيهما يجوز أن تنصبه على الظرف، وأنه مفعول على سعة الكلام.
وتقول: (صيد عليه يوم الجمعة غدوة "، فتقيم " غدوة "، مقام الفاعل وتنصب " اليوم " على الظرف، أو مفعول على سعة الكلام).
وإن شئت رفعت: " اليوم "، ونصبت: " غدوة " على مثل ذلك التفسير.
وإن شئت نصبتهما جميعا على الظرف، ألا ترى أنك تقول: " سير عليه في يوم
الجمعة في هذه الساعة "، فتأتي بهما جميعا، وكذلك تحذفها عنهما، فيصيران ظرفين.
وإن شئت رفعتهما جميعا، فتبدل: " غدوة " من يوم الجمعة.
وإن قدمت " غدوة " جازت فيهما هذه الوجوه إلا رفعها، فإنه غير جائز أن تقول:
" سير عليه غدوة يوم الجمعة "؛ لأنه لا يجوز أن تبدل " اليوم " من غدوة؛ لأن الكل لا يبدل من البعض، وإنما يبدل البعض من الكلّ.
قال: وتقول: " إذا كان غد فأتني، وإذا كان يوم الجمعة فالقني ".
فالفعل لغد ويوم الجمعة، و " كان " في معنى وقع وحدث، وكأنه قال: إذا جاء غد فالقني.
قال: " ومن العرب من يقول: إذا كان غدا فالقني، وهم بنو تميم ".
وإنما نصبوا بإضمار فعل كأنهم قالوا: إذا كان ما نحن عليه من السلامة أو من الحال التي هم عليها، والمعنى فيه إذا لم يحدث لك مانع أو حال تعذر في التخلف لحدوثها فالقني، فهذا جائز، والمعنى فيه مفهوم؛ وذلك أن مواعيد الناس إنما تقع على بقاء الأحوال التي هم عليها، ألا ترى أن رجلا لو قال لآخر: إني آتيك في غد مسلّما أو زائرا، ومنزله عنه شاسع، ثم مطروا في غد مطرا عظيما، يشق فيه تجشم الزيارة، كان معذورا في ترك الزيارة، ولم ينسب إلى جملة المتخلفين الكذابين؛ لأن وعده كان معلّقا بسلامة الأحوال، وإن لم يكن ملفوظا به.
قال سيبويه: " وحذفوا كما قالوا: حينئذ الآن "
يريد حذفوا المرفوع ب " كان " في قولهم: " إذا كان غدا فأتني "، والمرفوع به " ما نحن عليه من السلامة " أو غيرها، كما حذفوا " في حينئذ الآن " والذي حذفوه: كان هذا حينئذ وأسمع إليّ الآن، كما قال: " تالله ما رأيت كاليوم رجلا "، أراد: " ما رأيت رجلا كرجل أراه اليوم "، ثم أضاف الرجل المرئيّ في اليوم إلى اليوم، فصار التقدير: " ما رأيت رجلا كرجل اليوم " ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فصار التقدير ما رأيت رجلا كاليوم، ثم أخّره في اللفظ.
ومما حذف قولهم: " لا عليك "، وقد علم المخاطب أنه يعني لا بأس عليك.
قال:
" وتقول: " إذا كان غدا فأتني "، كأنه ذكر أمرا إما خصومة وإما صلحا، فقال: " إذا كان غدا فأتني " فهذا جائز في كل فعل.
يريد أن القائل قد يقول: " فلان يصالح فلانا غدا " أو " يخاصمه غدا، أو يزوره غدا "، أو غير ذلك من الأفعال فيقول: " إذا كان غدا فأتني "، أي إذا كان ما ذكرت في غد فأتني، فهذا على غير الوجه الأول؛ لأن الوجه الأول إنما يقوله القائل من غير أن يجرى ذكر شيء اعتمادا على الحال التي هم فيها، واكتفاء بها، وهذا على إضمار شيء يجري ذكره.
قال: " فإن قلت: إذا كان الليل فأتني " لم يجز ذلك؛ لأن الليل لا يكون ظرفا إلا أن تعني الليل كلّه ". يعني أن الليل اسم لليالي التي تكون أبدا، فلا يجوز أن تعلق الوقت بها؛ لأنها غير متقضية ولا موجودة في وقت واحد، وسبيلها سبيل الدهر، وأنت لا تقول:
" إذا كان الدهر فأتني "
قال: " فإن وجّهته على إضمار شيء قد ذكر على ذلك الحد جاز، وكذلك:
أخوات الليل ".
يعني إن وجّهته على كلام يعلم السامع أنه يريد ليل ليلته جاز، وذلك نحو: أن تكون مع رجل في شيء، فقال: " إذا كان الليل فأتنا "، فعلمت أنت بالحال التي أنتما فيها أنه يعني ليل ليلته التي تجيء، فيجوز فيه النصب والرفع.
قال: (ومما لا يحسن فيه إلا النصب قوله: سير عليه سحر، لا يكون فيه إلا أن يكون ظرفا؛ لأنهم إنما يتكلمون به في الرفع والنصب والجر، بالألف واللام، يقولون:
هذا السحر، وبأعلى السحر، وإنّ السحر خير لك من أول الليل).
قال أبو سعيد: اعلم أن: " سحر " إذا أردت به سحر يومك فإنه معرفة بغير ألف ولام، غير منصرف ولا متصرف، فأما قولنا: غير منصرف، فالذي منعه من الصرف أنه معدول عن الألف واللام، كأن الألف واللام تراد فيه، وغيّر
عن لفظ ما فيه الألف واللام، مع الإرادة، كما عدل " جمع " في قولك: " جاءت النسوة جمع " وهو معرفة، فاجتمع فيه التعريف والعدل، فلم ينصرف.
وأما قولنا: إنه لا يتصرف، فمعناه أنه لا يدخله الرفع والجر، وربما دخله الجر، ولا يكون إلا منصوبا على الظرف، وكذا: كل ظرف غير متصرف، فمعناه أنه لا يدخله الرفع والجر، وربما دخله الجر " بمن " فقط من بين حروف الجر.
والذي منع " سحر " من التصرف أنه عرّف من غير وجه التعريف!!؛ لأن وجوه
التعريف إنما هي بخمسة أشياء: بالإضمار، والإشارة، والعلم، والألف واللام، والإضافة إلى هذه الأربعة، وإنما صار: " سحر " معرفة؛ بوضعك إياه هذا الموضع، كما صار:
" أجمع، وأجمعون، وجمع " بوضعك إياهن هذا الموضع، وهو أنك لا تصف به إلا معرفة.
فإذا صغّرت " سحر " من يومك انصرف فدخله التنوين، " ولا يتصرف " لا يدخله الرفع والجر، أما التنوين فإنما دخل عليه، كما دخل على: " ضحوة " وذلك أنهم لم يضعوا المصغّر مكان ما فيه الألف واللام، فيكون معرفة أو معدولا.
وإنما نكروه كما نكّروا " ضحوة " و " عتمة " و " عشاء "، لأنه فهم به ما يفهم بالمعارف، فلم يتمكّن، وكذلك: كل شيء من أسماء ساعات يومك، نحو: " ضحى، وضحوة، وعشاء، وعشيّا ومساء " إذا أردت ذلك من يومك لم يكن إلا ظروفا، وذلك أنك إذا قلت لرجل " أنا آتيك عشاء " لم يذهب وهمه إلا إلى عشاء يومك وكذلك:
" عتمة "، فلما كان يفهم ما كان يفهم بالمعارف من حصر وقت بعينه لم يتمكن عندهم تمكّنا يتّسع فيه فيجعل اسما غير ظرف، فيرفع ويجر، لا تقول: " آتيك عند ضحى، ولا موعدك مساء " و " لا أتانا عند عشاء " فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال: ومثل ذلك: " سير عليه ذات مرة " نصب لا يجوز إلا هذا، ألا ترى أنك لا تقول: إن " ذات مرة " كان موعدهم، ولا تقول: " إنما لك ذات مرة "، كما تقول: " إنما لك يوم ".
وكذلك: " إنما يسار عليه بعيدات بين "؛ لأنه بمنزلة " ذات مرة ".
ومثله " سير عليه بكرا "، ألا ترى أنه لا يجوز: موعدك بكر، ولا مذ بكر، فالبكر لا يتمكن في يومك، كما لم يتمكن: " ذات مرة " و " بعيدات بين " وكذلك:
" ضحوة في يومك الذي أنت فيه ".
أما: " ذات مرة " و " بعيدات بين " فلا يستعمل عنده إلا ظرفا، والذي منعها من التصرف، ومن كونها غير ظرف أنها قد استعملت في ظروف الزمان، وليست من أسماء الدهر، ولا من أسماء ساعاته، ألا ترى أنك تقول: " ضربتك مرة ومرتين " وأنت تعني:
ضربة وضربتين، فلما استعمل في الدهر ما ليس من أسمائه ضعف ولم يتمكن.
فإن قال قائل: فأنتم تقولون: " سير عليه مقدم الحاجّ "، و " خفوق النّجم "، وما أشبه ذلك، من أسماء المصادر، وليست المصادر من أسماء الزمان.
قيل له: إنما يجوز ذلك في المصادر التي يحسن معها إظهار الأوقات كقولنا: " سير عليه وقت مقدم الحاج "، ولما كانت " المرة " لا يحسن إظهار الوقت معها، فيقال: " سير عليه وقت ذات مرة "، ولا " وقت مرة "، لم تجر مجرى مقدم الحاج.
وأما " بعيدات بين " فهي جمع " بعد " مصغّرا و " بعد " و " قبل " لا يتمكنان، ولا يجوز أن يقال: " سير عليه قبلك " ولا بعدك ولا يرفعان، والذي منعهما من التصرف والرفع أنهما ليستا باسمين لشيء من الأوقات، كالليل والنهار، والساعة، والظهر، والعصر؛ وقد استعملا في الوقت للدّلالة على التقديم والتأخير، وأما " بكر " و " عتمة " و " ضحوة " وما أشبه ذلك، فقد ذكرنا الوجه في خروجها عن التمكن إذا كنّ من يومك، وكذلك قولك:
" سير عليه ذات يوم وذات ليلة "؛ لأن نفس " ذات " ليست من أسماء الزمان فأجري " ذات يوم " و " ذات ليلة " مجرى " ذات مرة ".
قال: (وكذلك سير عليه ليلا ونهارا، إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك، لأنه إنما يجري على قولك: " سير عليه " بصرا وسير عليه ظلاما).
يعني إذا أردت الليل من ليلتك التي تلي يومك، والنهار الذي أنت فيه، فهو يجري مجرى: " ضحوة " و " بكرا " من يومك، وهو غير متمكن؛ لأنه نكرة قد عرف بها ما يعرف بالمعارف فإن قلت: " سير عليه ليل طويل، ونهار طويل، جاز، وتمكن لأنك لم ترد ذلك من يومك، وإن قلت: سير عليه ليل ونهار، على هذا المعنى جاز.
قال: (فهو متمكن في هذا الحال، وغير متمكن على الحد الأول، كما أن السحر بالألف واللام متمكن في المواضع التي ذكرت، وبغير الألف واللام غير متمكّن فيها).
يعني أنك إذا أردت ليل ليلتك، في قولك: " سير عليه ليلا ونهارا، كان غير متمكن، كما أنك إذا قلت: " سحر " بغير ألف ولام، وأردت سحر يومك، فهو غير متمكن، وإذا قلت: " سير عليه ليل طويل "، فهو متمكّن، كما أن السحر
بالألف واللام متمكن.
قال: " وذو صباح بمنزلة " ذات مرة "، تقول: " سير عليه ذا صباح "، أخبرنا بذلك يونس إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم: " ذات مرة " و " ذات ليلة "، وأما الجيّدة العربية فأن تكون بمنزلتها ظرفا، قال رجل من خثعم:
عزمت على إقامة ذو صباح … لشيء ما يسوّد من يسود 1
فهو على هذه اللغة يجوز فيه الرفع.
قال بعض أصحابنا: أحسب أنه قد وقع في كلام سيبويه غلط، وذلك أن في نسخة المبرد قد جاء: في لغة لخثعم " ذات مرة وذات ليلة "، وهذا ينقضه قوله: " وأما الجيدة فأن تكون بمنزلتها "، وأحسب أن يونس حكى: " ذات يوم وذات ليلة "، ويكون قوله: " وأما الجيدة فأن تكون بمنزلتها ".
وقوله: " فهو على هذه اللغة "
يعني من قال: " ذات يوم وذات ليلة " وفي بعض النسخ " مفارقا ذات مرة وذات ليلة " وهذا أيضا خطأ؛ لأنه مثل: " ذات ليلة "، وإنما هو اضطراب وقع عند القارئ، فزاد " مفارقا "، وهو لا شيء، وقال بعض أصحابنا: لا يصح الكلام إلا بقوله: " مفارقا "، وذلك أنه قال: " وذو صباح بمنزلة ذات مرة "، يعني أنهما غير متمكنين، ثم قال: " إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم مفارقا ذات مرة " يعني أنه جاء متمكنا مثل البيت الذي أنشده.
قال: " الجيدة أن تكون بمنزلتها فتكون متمكنة ".
وقوله: " فهو على هذه اللغة يجوز فيها الرفع "
يعني على ما جاء في البيت متمكنا يجوز: " سير عليه ذو صباح " قال أبو سعيد:
هذا الفصل فيه اضطراب، وأنا ألخصه وأبين كلام سيبويه ومذهبه من كلام المفسّرين ومذاهبهم، إن شاء الله تعالى:
اعلم أن " سيبويه " قد سوّى بين: " ذات يوم " و " ذات ليلة " و " ذات مرة " وخبرنا أنه غير متمكن فيما مضى من الباب، وجعل " ذا صباح " بمنزلة " ذلك ".
ثم قال: " إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم " ذات مرة وذات ليلة "، وفي بعض النسخ:
" في لغة لخثعم مفارقا ذات مرة وذات ليلة " فإن كانت الرواية: " مفارقا ذات مرة " فإنه يريد أن " ذا صباح " في لغة خثعم قد جاء مفارقا: " ذات مرة "، وتمكن في لغتهم فجاز فيه الرفع والجر، وأنشد البيت في الجر.
ويكون قوله: " وأما الجيدة العربية فأن تكون بمنزلتها "
يعني أن تكون: " ذو " بمنزلة: " ذات مرة " في ألّا يتمكن.
وإن كانت الرواية بغير: " مفارق "، فإنه يعني في لغة خثعم: " ذات مرة وذات ليلة " متمكنان، وأما الجيدة العربية فأن تكون بمنزلتها التي قد ذكرنا في غير المتمكن.
ثم أنشد بيتا في تمكن: " ذي صباح "؛ لأنه قد علم أن: " ذا صباح وذات مرة وذات ليلة " بمنزلة واحدة، ولا معنى لقول من قال من أصحاب سيبويه: إن ذات يوم وذات ليلة بخلاف ذات مرة، لأن: " ذات " غير متمكنة، وإن كانت مضافة إلى متمكن؛ إذ لم تكن من أسماء الزمان.
قال: " وجميع ما ذكرنا من غير المتمكن إذا ابتدأت اسما، لم يجز أن تبنيه عليه وترفع، إلا أن تجعله ظرفا، وذلك قولك: موعدك سحيرا، وموعدك صباحا "
ولا يجوز أن تقول: " موعدك سحير "، ولا أن تقول: " موعدك ذات مرة "
قال: " ومثل ذلك إنه يسار عليه صباح مساء إنما معناه صباحا ومساء، وليس يريد بقوله: صباحا ومساء، صباحا واحدا، ولا مساء واحدا ولكنه يريد صباح أيامه ومساءها ".
يقال: " سير عليه صباح مساء " و " صباحا ومساء وصباح مساء " ومعناهن واحد، وإنما بنيت؛ لأن فيها معنى الواو، وجعلتهما اسما واحدا؛ لأنهما وقعا لأوقات مجتمعة، كما وقعت: " خمسة عشرة " لعدد مجتمع، فجعلت اسما واحدا، وبنيت؛ لأنها تضمنت معنى الواو.
وأما: " حضر موت " اسم رجل أو اسم موضع، فلا تبنه؛ لأنه ليس فيه معنى الواو، وليس: " سير عليه صباح مساء " مثل: " ضربت غلام زيد " في أن: " سير " لا يكون إلا في الصباح، كما أن الضرب لا يقع إلا في الأول- وهو الغلام- دون الثاني؛ لأنك إذا قلت:
ضربت غلام زيد، أفدت بزيد معنى، وإن لم ترد في قولك: " سير عليه صباح مساء " أن السير وقع فيهما، لم يكن في إتيانك بالمساء فائدة.
قال: " فليس يجوز في هذه الأسماء التي لم تمكن من المصادر، التي وضعت للحين، وغيرها من الأسماء، أن تجرى مجرى يوم الجمعة وخفوق النجم "
إن قال قائل: هل ذكر " سيبويه " مصدرا غير متمكن فيما تقدم من الكلام ففي ذلك جوابان:
أحدهما: ما قاله: " أبو العباس " أنه لم يذكر مصدرا غير متمكن، ولكنه قدم هذا لك ليعلمك أن كل مصدر غير متمكّن لا يتّسع فيه نحو: " سبحان "، لا يجوز أن تقول:
" جئتك زمن سبحانه "، كما تقول: جئتك زمن تسبيحه.
والجواب الثاني: أن يكون عنى صباح مساء؛ لأنه من لفظ المصادر، ألا ترى أنك تقول: " أصبحنا صباحا " كما تقول: تكلّمنا كلاما، فتضع الصباح موضع الإصباح، كما وضعت الكلام موضع التكليم.
فيجوز على هذا أن يكون عنى صباحا.
قال سيبويه: " ومما يختار أن يكون ظرفا، ويقبح أن يكون غير ظرف صفة الأحيان، كقولك: سير عليه طويلا، وسير عليه حديثا، وسير عليه كثيرا، وسير عليه قليلا، وسير عليه قديما ".
يريد أنك إذا جئت بالنعت، ولم تجئ بالمنعوت ضعف، وكان الاختيار ألا يستعمل إلا ظرفا؛ لأنك إذا قلت: " سير عليه طويلا "، والطويل يقع على كل شيء طال، من زمان وغيره، فإذا أردت به الزمان فكأنك استعملت غير لفظ الزمان، فصار بمنزلة قولك:
" ذات مرة " و " بعيدات بين ".
قال: وإنما نصبت صفة الأحيان على الظرف، ولم يجز الرفع؛ لأن الصفة لا تقع مواقع الأسماء، كما أنه لا يكون إلا حالا في قوله: " ألا ماء ولو باردا "؛ لأنه لو قال: " أتاني بارد " لكان قبيحا، ولو قال: آتيك بجيد، لكان قبيحا، حتى تقول: بدرهم جيد، وتقول: أتيتك به جيدا.
يعني لما لم تقو الصفة إلا بتقدّم الموصوف جعلوه حالا في قولك: " ولو باردا " أو " أتيتك به جيدا "، وكذلك الصفة لا تجوز إلا ظرفا، وفي قولك: " سير عليه طويلا "، أو تجري على اسم، فتقول: " سير عليه دهر طويل ".
قال: وقد يحسن أن تقول: " سير عليه قريب " لأنك تقول: أتيته مذ قريب، والنصب عربي جيد.
وإنما جاز: " مني قريب " لأنه قد تمكن حتى صار يعنى به الرجل، فتقول: " زيد مني قريب " فتجعله هو القريب، وتقول: " زيد منّي قريبا "، أي في موضع قريب.
وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الاسم ".
حتى تغني عن الموصوف، كقولهم: " الأبرق والأبطح " وإنما يراد به: المكان
الأبرق، وهو الذي تربته ألوان، و " الأبطح ": وهو المكان السهل.
قال: " وتقول: سير عليه مليّ من النهار ".
ليس " مليّ " بمنزلة " طويل ": لأن الطويل يقع لكل شيء، ومليّ لا يكاد يستعمل إلا في الزمان.
قال: " ومما يبين لك أن الصفة لا يقوى فيها إلا هذا أن سائلا لو سألك: هل سير عليه؟ لقلت: نعم، " سير عليه شديدا " و " سير عليه حسنا " فالنصب في هذا على أنه حال، وهو وجه الكلام؛ لأنه وصف السّير، ولا يكون فيه الرفع، لأنه لا يقع موقع ما كان اسما، ولم يكن ظرفا؛ لأنه ليس بحين يقع فيه الأمر، إلا أن تقول: سير عليه سير حسن، أو: سير عليه سير شديد.
يعني أنك إذا قلت: " سير عليه شديدا "، فالوجه أن تنصب شديدا على الحال.
ولا يحسن أن تقول: " شديد " على معنى شدّ شديد؛ لأنك لم تأت بالموصوف فضعف، و " شديدا وحسنا " حال من السير، وهو مضمر، قد أقيم مقام الفاعل فكأنك قلت: سير عليه السير شديدا.
وقوله: " ليس بحين يقع فيه الأمر "
يعني: " شديدا وحسنا " ليس بمنزلة مليّ وقريب.
قال: فإن قلت: سير عليه طويل من الدهر، وشديد من السير، فأطلت الكلام ووصفته كان أحسن وأقوى، وجاز، ولا يبلغ في الحسن الأسماء، وإنما جاز حين وصف؛ لأنه ضارع الأسماء؛ لأن الموصوفة في الأصل هي الأسماء.
يعني أنك لمّا قلت: " سير عليه طويل من الدّهر "، قرب من قولك: " سير عليه دهر طويل " فجاز فيه الرفع.
هذا باب ما يكون من المصادر مفعولا فيرتفع كما ينتصب إذا شغلت الفعل به وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره
يعني بالمصدر قولك: " سير عليه سير شديد " ترفع السير إذا شغلت الفعل به، وشغلك الفعل به أن تقيمه مقام الفاعل.
" وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره "، وشغلك الفعل بغيره، أن تقيم غيره مقام الفاعل، كقولك: " سيّر زيد تسييرا "، و " ضرب زيد ضربا "، وترتيب الكلام: فيرتفع إذا شغلت الفعل به كما ينتصب.
يعني أنه مصدر مفعول في حال الرفع، كما أنه مفعول في حال النصب.
قال: وإنما يجيء ذلك على أن تبين أيّ فعل فعلت أو تأكيدا.
يعني إنما يجيء المصدر منصوبا أو مرفوعا على أحد وجهين: إمّا لبيان صفة المصدر الذي دل الفعل عليه، وإما
للتأكيد.
فأما الذي لبيان صفة المصدر، فقولك: " ضربت زيدا ضربا شديدا " و " سرت سير الإبل ".
وأما الذي يجيء تأكيدا فقولك: " ضربت زيدا ضربا " و " حرّكته تحريكا " وإنما صار تأكيدا؛ لأنه ليس فيه من الفائدة إلا ما في قولك " ضربت " و " حركت ".
قال: " فمن ذلك قولك على قول السائل: " أيّ سير سير عليه " فتقول: " سير عليه سير شديد " و " ضرب به ضرب ضعيف "، فأجريته مفعولا والفعل له ".
أما قوله: " فمن ذلك "
يعني من المصدر الذي يرتفع " ضرب به ضرب ضعيف ".
وقوله: " فأجريته مفعولا والفعل له "
يعني " ضرب ضعيف " مفعول في الحقيقة.
وقوله: و " الفعل له "
يعني أنه قد صيغ الفعل له، ورفع به، وصيّر حديثا عنه.
قال: (وإن قلت: " ضرب به ضربا ضعيفا "، فقد شغلت الفعل به).
هذا الذي في الكتاب وينبغي أن يكون: " فقد شغلت الفعل بغيره "، كأنك شغلت الفعل بالباء، وجعلت موضعها رفعا.
ويجوز أن يكون اللفظ الواقع على ما يشاكل لفظ الكتاب، أضمر في ضرب الضرب، وشغل الفعل به، فيكون قوله: به الهاء تعود إلى المصدر، والمضمر في: " ضرب " مصدر، فلا يستكره أن يكون إياه عنى.
وقد يجوز أن يقال: شغلت الفعل به، ويكون " به " في موضع الفاعل لشغلت، وهو
وجه لطيف.
قال: " وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تذكر الصفة، تقول: " سير عليه سير " و " ضرب به ضرب " كأنك قلت: " سير عليه ضرب من السير "، أو سير عليه شيء من السير، وكذلك جميع المصادر ترتفع على أفعالها إذا لم يشغل الفعل بغيرها ".
يعني يجوز أن ترفع المصدر وإن لم تصفه، فتقول: " ضرب به ضرب ".
وقوله: " إن أردت هذا المعنى "
يجوز أن يعني إن أردت معنى الصفة، وإن لم يذكرها، ويجوز أن يعني: إن أردت هذا المعنى من إقامته مقام الفاعل، وصياغة الفعل له.
قال: وتقول: " سير عليه أيّما سير سيرا شديدا "، كأنك قلت: سير عليه بعيرك سيرا شديدا، وسير عليه سيرتان أيّما سير ".
يعني أنك إذا ذكرت مصدرين للفعل جاز أن تقيم أحدهما مقام الفاعل، وتنصب الآخر، وإنما يذكر المصدران والأكثر في الفعل، إذا كانت في كل واحد منهما فائدة، لأن قولك: " سير عليه سيرتان أيّما سير "، في " سيرتين " فائدة العدد، وفي: " أيّما سير " فائدة المبالغة، وما يحمد من السير.
ويجوز أن تقول: " سير عليه سيرتان أيّما سير سيرا شديدا " إذا رفعت واحدا ونصبت الثاني.
قال: " وتقول على قول السائل: " كم ضربة ضرب به " وليس في هذا إضمار شيء سوى " كم "، والمفعول: " كم "، فتقول: ضرب به ضربتان ".
تقدير هذا الكلام كم ضربة ضرب بالسوط؟ والهاء كناية عنه، أو عن غيره ممّا يضرب به.
والكلام مجاز لا حقيقة، وذلك أنه جعل: " كم " لمقدار الضرب، وجعل ضميره في " ضرب " مرفوعا بضرب، مقاما مقام الفاعل، فكأنه قال: " أعشرون ضربة ضرب بالسوط؟ " فجعل الضرب مضروبا، والضرب لا يضرب، وإنما يضرب المضروب، كما قال: " نهارك صائم " والنهار لا يصوم.
ولا يجوز البتة: " متى سير به؟ " و " أين جلس به؟ " على أن يكون في: " سير " لم يسمّ فاعله راجع إلى: " متى " و " أين "، وإنما يجوز هذا في: " كم "؛ لأنه يخبر عنه، ويكون في
موضع رفع، ولا يجوز ذلك فيهما، ولم أجد " سيبويه " ذكر هذا، وأشار إليه على المعنى.
ثم قال بعد فصل معناه كمعنى ما ذكرنا من المجاز: وليس ذلك بأبعد من " ولد له ستون عاما ".
وقد فسرنا ذلك.
قال: (وسمعت من أثق به من العرب يقول: " بسط عليه مرتان " يريد: بسط عليه العذاب مرتين).
يحتمل أن تكون: " مرتين " يعني: " وقتين "، ويحتمل أن يعني: " بسطتين " على المصدر.
قال: " وتقول: سير عليه طوران، طور كذا وطور كذا ".
ذكر بعض أصحابنا أن الرفع في هذا أقوى، والنصب يضعف؛ لأنك لما ثنيت فقد قربت من الأسماء وقوي الرفع، والنصب جائز إذا أضمرت ما تقيمه مقام الفاعل، فتقول:
" سير عليه مرّتين وطورين " كأنك قلت: سير عليه السير مرتين، ويجوز أن تقيم حرف الجرّ مقام الفاعل.
قال: (وتقول: ضرب به ضربتين، أي قدر ضربتين من الساعات، كما تقول:
سير عليه ترويحتين، فهذا على الأحيان، ومثل ذلك: انتظر به نحر جزورين).
وقد بينا المصادر التي تجعل ظروفا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فإذا قلنا: " ضرب به ضربتين "، فكأنا قلنا: وقت ضربتين.
قال: (ومما يجيء توكيدا وينصب قوله: سير عليه سيرا، وانطلق به انطلاقا، وضرب به ضربا، فينصب على وجهين، على أنه حال على حد قولك: ذهب به مشيا، وقتل به صبرا).
تريد به الحال، كأنه قال: ذهب به ماشيا، وقتل به مصبورا، وإن وصفت المصدر على هذا الحد كان نصبا كقولك: " ذهب به مشيا عنيفا " كأنه قال: ماشيا معنفا.
والوجه الآخر ما قاله سيبويه:
" وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر ".
فيكون قولك: " سير عليه سيرا " كقولك: " سير عليه مسيرا "، و " ضرب به ضربا "، أي ضرب به مضروبا، وعلى هذا يجوز أن تقول: " قام زيد قائما " على الحال.
وربما استوحش من هذا بعض النحويين البصريين ممن لا يفهم، فيقول: إذا قلنا: " قام زيد قائما "، وأنت تعني في حال قيامه، قيل له: إنما يذكر هذا تأكيدا، وإن كان الأول قد دل عليه، كما يذكر المصدر بعد الفعل تأكيدا، كما تقول: " ضربت زيدا ضربا " وإن كان الأول يدل عليه، وقد قال الله عز وجل: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 1، فقد يجوز أن يكون على الحال، ويجوز أن يكون على المصدر، بمعنى رسالة، وإن الأول قد دل عليه.
وقوله: " ذهب به مشيا " في معنى " ماشيا " على الحال، كما تقول: " جاء زيد عدلا "، أي: " عادلا " فإن وصفت المصدر لم يتغير النصب، وجاز أن يكون على المصدر، وعلى الحال، كقولك: " سير به سيرا عنيفا ".
قال: " وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر " ويكون بدلا من اللفظ بالفعل، تقول: سير عليه سيرا، وضرب به ضربا، كأنك قلت بعد ما قلت: سير عليه يسيرون سيرا، ويضربون ضربا.
ودل المصدر على الفعل لأن المصدر يكون بدلا من اللفظ بالفعل.
وجرى على قوله: " إنما أنت سيرا "، سيرا.
يريد: تسير سيرا.
وعلى قوله: " الحذر الحذر ".
يريد: احذر الحذر.
قال: (وإن قلت على هذا الحد: " سير عليه السير " جاز أن تدخل الألف واللام؛ لأن المصدر لا يمتنع من ذلك وإن وصفت أو أضفت لم يتغير نصبه على المصدر، كقولك: سير عليه سير البريد، ولا يجوز أن تدخل الألف واللام في السير، إذا كان حالا، كما لم يجز أن تقول: ذهب به المشي العنيف).
يعني أن المصدر إذا كان في معنى الحال، فالقياس يمنع من دخول الألف واللام عليه، كما لا تدخل الألف واللام على الحال، لا تقول: " مررت بزيد القائم " على الحال.
ثم أنشد سيبويه:
نظّارة حين تعلو الشمس راكبها … طرحا بعيني لياح فيه تحديد 1
يقال: " لياج " و " لياح "، وهو الثور الوحشي، ويروى: " تجديد " فمن قال: " تحديد " أراد في بصره وناظره.
ومن قال: " تجديد " أراد في لونه، والجدّة: الطريقة في الشيء، تخالف سائر لونه، من قوله وعز وجل: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ 2.
والشاهد في البيت قوله: " طرحا " وهو مصدر فعل لم يذكره، ولكن " نظارة " قد دلت عليه؛ لأنه إذا قال: " نظارة " فقد علم أنها تقلّب طرفها وناظرها في جهات؛ لأن النظر إنما هو تقليب الناظر، فإذا قلّبت الناظر في الجهات فقد طرحته فيها، فكأنه قال:
تطرح نظرها طرحا.
وإنما جعل هذا شاهدا للكلام الذي قبله؛ لأنه ذكر أن قوله: " سير به سيرا " أنه يجوز أن يكون نصب: " سيرا " بإضمار فعل آخر.
قال: " وإن شئت قلت: سير عليه السير ".
فتقيمه مقام الفاعل، وإن قلت: " سير عليه السير الشديد " فالرفع فيه أقوى؛ لأنه من الاسم أقرب؛ بالوصف الذي وصف به.
قال: (وجميع ما يكون بدلا من اللفظ بالفعل لا يكون إلا على فعل قد عمل في الاسم ".
يعني أنك إذا نصبت المصدر بإضمار فعل، فذلك الفعل الذي أضمرته معه فاعله؛ لأن الفعل لا يكون إلا بفاعل، وكذلك إذا قلت: " الحذر الحذر " فإنما تريد: احذر الحذر، فالفعل والفاعل محذوفان.
ومعنى قوله: " وقد عمل في الاسم ":
أي عمل في الفاعل وحذف معه.
قال: " ومما يسبق فيه الرفع من المصادر؛ لأنه يراد به أن يكون في موضع غير المصدر قوله: " قد خيف منه خوف " و " قد قيل في ذلك قول ".
يعني أنه قد يجيء به على لفظ المصدر المفعول والفاعل، وإذا كان كذلك، عاملناه
معاملة المفعول لا المصدر، فقوله: " خيف منه خوف " يراد أمر مخوف، ولم ترد الخوف الذي في القلب.
والمصدر الذي بمعنى الفاعل قوله: " كان منه كون " أي أمر من الأمور، كأنه قال:
كان منه أمر كائن.
قال: وإن جعلته- على ما حملت عليه السير والضرب في التوكيد- حالا، وقع به الفعل، أو بدلا من اللفظ بالفعل، نصبت.
يعني إن جعلت: " خيف منه خوف " هو الخوف الذي في القلب، فسبيله سبيل قولك: " سير به سيرا ".
قال: (فإذا كان المفعل مصدرا جرى مجرى ما ذكرنا من الضرب وذلك قولك:
إن في ألف درهم لمضربا، يعني أن فيها لضربا).
قال أبو سعيد: اعلم أن المصادر هي مفعولة، والميم تدخل؛ لعلامة المفعول.
فإذا كان الفعل ثلاثيّا، فإن الميم تدخل في مصدره، فيكون على " مفعل " كقولك: " ضربته مضربا " و " قتلته مقتلا ". كما تقول: " ضربته ضربا " و " قتلته قتلا "
ويكون على مفعل كقولك: " وعدته موعدا "، و " وقفته موقفا ".
وهو في الفعل الثلاثي دخلته الميم؛ لأنه مفعول، إلا أنه مفعول يخالف لفظ المفعول به؛ لأنك تقول: " قتلته فهو مقتول "، و " ضربته فهو مضروب "، وإذا جاوز الفعل الثلاثة استوى لفظ المفعول والمصدر، فقلت: " أخرجت زيدا
إخراجا " و " مخرجا " والمفعول به مخرج وأنزلته منزلا، والمفعول به منزل، قال الله عز وجل: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً 1 يجوز أن يكون: " إنزالا مباركا ".
فإذا كان الأمر على ما وصفنا جرى المصدر الذي فيه ميم، مجرى ما ليس فيه ميم، فيقال: " سير بزيد مسير شديد "، و " مسيرا شديدا "، وضرب به مضرب شديد، ومضربا شديدا، كما تقول: " سير به سير شديد، وسيرا شديدا "، وقال جرير:
ألم تعلم مسرّحي القوافي … فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا 2
أراد: تسريحي، و " القوافي " في موضع نصب، وأسكنه ضرورة، كما قال:
كأنّ أيديهن بالقاع القرق … أيدي جوار يتعاطين الورق 1
قال: (وكذلك تجري المعصية بمنزلة العصيان والموجدة بمنزلة المصدر لو كان الوجد يتكلم به).
يعني الموجدة في الغضب سبيلها سبيل الوجد، الذي ليس فيه ميم، ولا يتكلم بالوجد في معنى الموجدة، يقال: " وجدت عليه موجدة " إذا غضبت عليه، و " وجدت به وجدا " إذا أحببته، و " وجد وجدا " إذا استغنى، و " وجدت الضالّة وجدانا " إذا أصبتها، و " وجدت زيدا عالما وجدا " إذا علمته.
" فالموجدة " في الغضب تجري مجرى " الوجد " في الحب، تقول: " وجدت عليه موجدة "، ولا يقال: " وجدت عليه وجدا "، كما تقول: " وجدت به وجدا "، ولا يقال:
" وجدت به موجدة "، وقال الشاعر:
تداركن حيا من نمير بن عامر … أسارى تسام الذّل قتلا ومحربا 2
يريد حربا أي سلبا، ويجوز أن يكون حربا في معنى غيظا.
قال: (فإن قلت: ذهب به مذهب، أو سلك به مسلك، رفعت؛ لأن " المفعل " هاهنا ليس بمنزلة الذهاب والسلوك).
يعني أن " المذهب " و " المسلك " تريد به المكان الذي يذهب فيه ويسلك، والأمكنة أقرب إلى الرفع من المصادر؛ لأن الأماكن جثث، وهي شبيهة بالأناسيّ.
قال سيبويه: " وهو بمنزلة قولك: ذهب به السوق "
فقال: إن قال قائل: لم أسقط حرف الجر من السوق، وليس بظرف، وقد زعم سيبويه أن قولهم: " ذهبت الشام " شاذ؛ لأنه يتعدّى إليه بحرف الجر، والشام ليس بظرف؛ لأنه مكان مخصوص.
فالجواب أن هذا: وإن لم يكن ظرفا فإن العرب تتسع فيه؛ لعلم المخاطب فيضمر،
فيكون التقدير: " ذهب به مكان السوق ".، ويحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه.
قال: وكذلك المفعل إذا كان حينا، نحو قولهم: " أتت الناقة على مضربها " أي على زمان ضرابها، وكذلك: " مبعث الجيوش "، تقول: " سير عليه مبعث الجيوش، ومضرب الشّول ".
يريد أنهم قد أجروا ما في أوله الميم في الزمان، كما أجروه في المكان.
فالمكان قولك: ذهب به مذهب، وسلك به مسلك.
والزمان قولهم: أتت الناقة على مضربها، وسير عليه مبعث الجيوش، وأنشد قول حميد بن ثور:
وما هي إلا في إزار وعلقة … مغار ابن همام على حيّ خثعما 1
والشاهد فيه: مغار ابن همام، وزعم " الزجاج " أن " سيبويه " أخطأ في ذكره هذا البيت في هذا الموضع، وذلك أنه قدر " مغارا " زمانا، والزمان لا يتعدى، وإنما " مغار " مصدر، قال: والدليل على ذلك أنه قد عدّاه، فإنما تقديره زمن إغارة ابن همام على حي خثعم، مثل مقدم الحاج، وهكذا قال " أبو العباس ".
وقد غلطا في الرد عليه؛ لأن المصادر التي جعلها " سيبويه " ظروفا إنما هي مضاف إليها الزمان، فتكون هي نائبة عنه، فمغار الذي في البيت وإن كان مصدرا لم يخرج عما قاله " سيبويه ".
وتأويل البيت: أنه وصف امرأة، فذكر أنها في إزار وعلقة، وهي البقيرة، وهي قميص بلا كمين، يريد أنها- في وقت إغارة " ابن همام " - في هذا الزي، فإما أن تكون صغيرة، أو بمعنى آخر، ويقال إن ابن همام كان لا يغير إلا وهو عريان، وهذا الذي ينساق على تأويل الزجاج كأنه شبه عريها بعري ابن همام.
هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره
لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض، فلا يكون إلا مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله؛ لأن ألف الاستفهام تمنعه من ذلك، وهو قولك: " قد علمت أعبد الله ثمّ أم زيد "، و " قد عرفت أبو من زيد "، و " قد عرفت أيّهم أبوك "، و " أما ترى أيّ برق هاهنا "، فهذا في موضع مفعول، كما أنك قلت: عبد الله هل رأيته، فهذا الكلام في موضع المبني على المبتدأ.
قال أبو سعيد قوله: " هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره " يريد الاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وقد بينا هذا في أول الكتاب.
والفعل الذي يتعدى قولك: " قد علمت أزيد عندنا أم عمرو "، و " قد عرفت أبو من زيد "، والفعل الذي لا يتعدى قولك: " قد فكرت أزيد أفضل أم عمرو فإذا قلت: أزيد عندنا أم عمرو، " فزيد " مرفوع بالابتداء و " عندنا " خبره، ودخلت ألف الاستفهام على الجملة، ثم دخل الفعل على ألف الاستفهام، فلم يغيّر شيئا مما بعدها؛ لأن بعدها جملة، وقد حالت هي بين ما بعدها وما قبلها.
فإذا كان الفعل متعديا إلى مفعولين سد الاستفهام وما بعده مسدّ المفعولين، كقولك: " خلت أزيد في الدار أم عمرو "، كما تسد " أنّ " المشددة مسد المفعولين في قولك: " خلت أنّ زيدا قائم ".
وإذا كان الفعل يتعدى إلى مفعول، سد الاستفهام وما بعده مسد ذلك المفعول فقلت: " عرفت أبو من زيد "، كما قلت: " عرفت أن زيدا قائم ".
وإذا كان الفعل لا يتعدى قام الاستفهام وما بعده مقام اسم فيه حرف من حروف الجر، كما أن " أنّ " المشددة إذا وقعت بعد فعل لا يتعدى، كان فيها تقدير حرف الجر، كقولك: " فكرت هل زيد قائم "؛ كما تقول: " فكرت أن زيدا قائم " والتقدير: فكرت في أن زيدا قائم، أي في قيامه.
وبعض أصحاب " سيبويه " يروي: " إلى المفعول ولا غيره " بالجر، وبعضهم يقول:
" ولا غيره " بالرفع.
فمن رواه بالجر عطفه على الفعل، كأنه قال: من الفعل الذي يتعدى ولا من غيره،
وهو الفعل الذي لا يتعدى.
ومن رفعه عطفه على " ما " الثانية، كأنه قال: لا يعمل فيه شيء قبله من الفعل المتعدي إلى مفعول، ولا شيء غير
الفعل المتعدي.
واعلم أن هذه الأفعال التي يقع الاستفهام بعدها إنما هي: " أفعال القلوب " من علم، وظنّ، وفكر، وخاطر، ولا يجوز أن يقع في موقع ذلك فعل مؤثر، لا يجوز: " ضربت أيهم في الدار " ولا " ضربت أزيد في الدار أم عمرو ".
قال أبو عثمان المازني: قولهم: " أما ترى أيّ برق هاهنا " يريد به رؤية العين، ولم يرد به رؤية القلب؛ لأنه إذا كان يقول: " انظر إليه ببصرك "، وجاز هذا في هذا خاصة؛ لأنها محكية، ولا يقاس.
وذلك أن الحروف التي تقع على الاستفهام، إنما تقع عليها الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، ورؤية العين لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد.
والقول الصحيح أنه يريد الرؤية التي في معنى العلم، وإليها يرجع الكلام؛ لأن الإنسان إذا قال لمن يخاطبه: " أما ترى أي شيء في الدنيا؟ " فليس يريد به رؤية العين وإنما يريد به رؤية العلم، وقد يقول القائل: " اذهب فانظر زيد أبو من هو "، وليس يريد اذهب فأبصره بعينك، وإنما يريد اعلم ذاك.
قال: " ومثل ذلك: " ليت شعري أعبد الله ثمّ أم زيد " و " ليت شعري زيد هل رأيته "، فهذا في موضع خبر ليت ".
يعني أن " شعري " اسم ليت، و " هل رأيته " جملة في موضع الخبر، وكذلك " عبد الله هل رأيته "، " عبد الله " مبتدأ، و " هل رأيته " في موضع الخبر.
و" شعري " يريد علمي، يقال: شعر به يشعر شعرة وشعرا ولا يستعمل بعد ليت إلا بطرح الهاء، كما تقول: امرأة عذراء بينة العذرة، ثم تقول: " هو أبو عذرها " بطرح الهاء؛ لأن الأمثال تؤدّى ولا تخالف.
ويجوز أن يكون الاستفهام في موضع مفعول " شعري "، على تقدير حرف الجر، ويكون الخبر محذوفا، كأنك قلت: ليت شعري أزيد ثمّ أم عمرو واقع، تقديره: ليت علمي بهذا واقع.
قال: (فإنما أدخلت هذه الأشياء على قولك: " أزيد ثمّ أم عمرو "، و " أيهم
أبوك "، لما احتجت إليه من المعاني، وسنذكر ذلك في باب التسوية).
يعني دخلت " علمت " على " أزيد ثمّ أم عمرو " لما احتجت إليه من تبيين علمك بذلك، وكذلك " ظننت أزيد في الدار أم عمرو " وأدخلت الظن لتبين أنك لست تقبله علما، وسنذكر معنى التسوية إذا انتهينا إلى بابها إن شاء الله.
قال: " ومن ذلك: " قد علمت لعبد الله خير منك "، فهذه اللام تمنع العمل.
كما تمنع ألف الاستفهام ".
يعني تمنع " علمت " من العمل فيما بعدها، كما منعته ألف الاستفهام؛ لأنهما يقعان صدرا.
قال: " وإنما دخلت " علمت " لتؤكد بها ".
يعني أن الأصل: لعبد الله خير منك، غير أنك لو تكلمت بهذا جاز أن يكون على سبيل التظنّي منك، أو خبّرك به مخبر، فأردت أن تنفي ذلك، ولا تحيل على علم غيرك.
كما أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد ثمّ أم عمرو " وأردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثمّ، والأصل فيه " أزيد ثمّ أم عمرو " على طريق الاستفهام، ثم دخلت " علمت " للتبيين أنه قد استقر في علمك الكائن منهما.
قال سيبويه في عقب هذا: " وإن أردت تسوّي علم المخاطب فيهما كما استوى علمك في المسألة حين قلت: أزيد ثم أم عمرو ".
يعني أنك إذا قلت مستفهما: " أزيد ثمّ أم عمرو " فأنت لا تدري واحدا منهما بعينه، فعلمك بزيد كعلمك بعمرو.
فإذا قلت: قد علمت أزيد ثمّ أم عمرو " فقد دريت واحدا منهما بعينه، ولم تخبر المخاطب به فعلم المخاطب به كعلمه بعمرو، وقد أحللت المخاطب محلّك حين كنت مستفهما.
قال: ولو لم تستفهم ولم تدخل لام الابتداء لأعملت " علمت " كما تعمل:
" عرفت "، وذلك قولك: " قد عرفت زيدا خيرا منك "، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ 1، وكما قال تعالى: لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ
يَعْلَمُهُمْ 1.
قال أبو العباس: ذكر " علمت " التي في معنى عرفت؛ ليتبين لك وجوه: " علمت "
وقال غيره: إنما استشهد بعلمت التي في معنى عرفت؛ لأنه قال قبل هذا.
ولو لم تستفهم ولم تدخل لام الابتداء لأعملت " علمت " كما تعمل " عرفت ".
أراد لو لم تدخلهما لجاز أن تعمل: " علمت " عمل: " عرفت " فتعديه إلى مفعول واحد وأما إذا أدخلتهما، فلا يجوز أن تعديه إلى مفعولين.
ثم استدل على جواز إعمال: " علمت " عمل " عرفت " بما ذكر من الآيات، وهذا قول قريب.
قال أبو سعيد: والأجود عندي أن " سيبويه " إنما استشهد بدخول " علمت " على ما ليس فيه ألف الاستفهام ولا لام الابتداء، وأعمله فيه سواء كان في معنى " عرفت " أو في غير معناها، واتفق له الاستشهاد بهاتين الآيتين، والعلم فيهما على طريق المعرفة، ولو استشهد بغيرهما لجاز، ألا ترى إلى قوله: " قد علمت زيدا خيرا منك "، فعداه إلى
مفعولين، وهذا هو الأشبه..
ويجوز أن يكون " خيرا منك " في موضع الحال، و " علمت " بمعنى " عرفت ".
قال: " وتقول: قد عرفت زيدا أبو من هو ".
" فزيد " منصوب " بعرفت "، و " أبو من هو " ذكر أبو العباس أنه حال، وقد غلط عندي؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع الحال جاز أن تدخل عليها الواو، ألا ترى أنك تقول: " مررت بزيد أبوه قائم " وإن شئت قلت مررت بزيد وأبوه قائم وأنت لا تقول:
" عرفت زيدا وأبو من هو "، كما يجوز أن تقول: " عرفت زيدا وأبوه قائم "، فقد بطل الذي قاله من الحال.
والصواب عندي أن تكون الجملة بدلا من " زيد " وموضعها نصب بوقوع " عرفت " عليه، كأنك قلت: عرفت أبو من هو.
قال: " وتقول: قد علمت عمرا أبوك هو أم أبو عمرو ".
" فعمرا " هو المفعول الأول، وما بعده جملة في موضع المفعول الثاني.
وإن جعلت " علمت " في مذهب " عرفت " فقد مضى الكلام فيه.
وإنما نصبت المفعول الأول؛ لأنك جئت بألف الاستفهام بعد أن وقع الفعل عليه، وعمل فيه.
قال: (ويقوّي النصب قولهم: قد علمته أبو من هو وقد عرفتك أيّ رجل أنت)؛ لأن الهاء في: " علمته " والكاف في " عرفتك " لا يكونان إلا في موضع نصب.
وتقول: " قد دريت عبد الله أبو من هو ".
" فدريت " بمعنى " عرفت " في تعدّيه إلى واحد، وأكثر العرب لا يجعلون: " دريت " متعديا إلى بحرف جر، فيقولون: " ما دريت به "، كما يقال: " ما شعرت به ".
قال: " وإن شئت قلت: " قد علمت زيد أبو من هو "، كما تقول ذلك فيما لا يتعدى إلى مفعول، كقولك: " اذهب فانظر زيد أبو من هو ".
يعني أنه يجوز لك ألّا تعمل: " علمت " في " زيد "، للاستفهام الذي بعده؛ إذ كان هذا الاستفهام يجوز أن يقع على " زيد "، فتقول: " قد علمت أبو من زيد ". فلما جاز أن يتقدم زيدا الاستفهام، ولا يتغير المعنى، صار بمنزلة ما قد وقع
الاستفهام عليه، ومنع من أن يعمل فيه.
ثم شبه: " علمت زيد أبو من هو " بما لا يتعدى من الفعل، لما أبطل عملها، وهو قولك: " انظر زيد أبو من هو " وأنت لا تقول: " نظرت زيدا، إلا في معنى انتظرته.
وكذلك " اسأل: زيد أبو من هو " فالسؤال لم يقع بزيد فينصبه، وإنما المعنى اسأل الناس: زيد أبو من هو.
وحكم " انظر " و " اسأل " أن يتعدى بحرف جر في المعنى المقصود بهذا الكلام، كأنك قلت: انظر في كنية زيد، واسأل عن كنية زيد.
قال: " ومثل ذلك: " ليت شعري زيد أعندك هو أم عند عمرو ".
وفي بعض النسخ: " ليت شعري أزيد عندك "، فشعري منصوب بليت، وهو مصدر شعرت.
وقوله: " زيد عندك هو أم عند عمرو " جملة في موضع خبر: " شعري ".
فإن قال قائل: أين العائد من الخبر على الاسم، وهو جملة في موضع خبر: " شعري " فالجواب أن يقال: إن هذه الجملة محمولة على معناها، لا على لفظها؛ وذلك أن فعل الظّن
والعلم، وغيرهما من أفعال القلب، قد يجوز أن تكون مفعولاتها جملا، فيكون عمل هذه المفعولات في مواضعها، لا في ألفاظها، إذا دخل في الكلام ما يمنع من ذلك كقولك:
" عرفت أزيد في الدار أم عمرو "، فمفعول " عرفت " الاسم الذي وقعت الجملة موقعه، كأنك قلت: " عرفت ذاك " وكذلك: " ليت شعري زيد أعندك هو أم عند عمرو "، كأنه قال: ليت شعري ذاك، وتقديره: ليت الذي أشعر به ذاك.
وفيه وجه آخر وهو أن يكون: " زيد أعندك هو أم عند عمرو " في صلة: " شعري " وقد ناب عن الخبر، كما تقول: " حسبت أن زيدا منطلق " " فأنّ " وما بعدها من الاسم والخبر في تقدير اسم واحد، و " حسبت " تحتاج إلى مفعولين، و " أنّ " وما بعدها من الاسم والخبر، تسدّ مسد المفعولين، وإن كانت في تقدير اسم واحد.
ولا يمتنع دخول: " شعري " على: " زيد " وإن كان حرف الاستفهام بعده؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه، فكأنك قلت: " ليت شعري أزيد عندك أم عند عمرو "، ومثل ذلك:
" إن زيدا فيها وعمرو ". تردّ عمرا على موضع " زيد "؛ لأنه في المعنى مبتدأ.
قال: " ولكنه أكد كما أكد فأظهر زيدا وأضمر ".
يريد أكد بإنّ كما أكد في قوله: " علمت زيد أبو من هو " بإظهار: " زيد " وإضماره، فلم يخرج " زيد " من معنى الاستفهام، كما لم يخرج اسم " إن " من معنى الابتداء.
قال: فإن قلت: " عرفت أبو من زيد " لم يجز إلا الرفع لأن المضاف إلى الاستفهام بمنزلة الاستفهام.
فإن قلت: قد عرفت أبا من زيد مكنيّ ".
انتصب " الأب " بمكني، وزيد مبتدأ، ومكنيّ خبره، وفيه ضمير مرفوع من: " زيد "، يقوم مقام الفاعل و " أبا من " مفعول ما لم يسم فاعله، ألا ترى أنك تقول: " زيد مكنيّ أبا عمرو "، فإذا جعلته استفهاما وجب أن تقدمه فتقول: " أبا من زيد مكنّي " فإذا دخلت عليه: " عرفت " لم يتغير.
ومثله: " أأبا زيد تكنى أم أبا عمرو "، ثم تدخل عليه: " علمت " فلا يتغير، فتقول:
" قد علمت أأبا زيد تكنى أم أبا عمرو " فلا تغيّر المنصوب المستفهم عنه، كما لم تغير المرفوع؛ في قولك: " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو ".
وتقول: " قد عرفت زيدا أبا من هو مكني "، وإن شئت قلت: " قد عرفت زيد "
بالرفع؛ فمن نصبه أوقع " عرفت " على " زيد "؛ لأن الاستفهام لم يقع عليه في اللفظ، وجعل ما بعده جملة في موضع الحال، ومن رفع- وهو أضعف الوجهين- يعمل فيه " عرفت "؛ لأن الاستفهام في المعنى واقع على " زيد ".
قال: " وتقول: قد عرفت زيدا أبو أيهم يكنى به ".
وإنما رفع: " أبو أيهم " لأنه شغل " يكنى " بضميره المتصل بالياء.
قال: ومثله: " الدرهم أعطيت " بنصب الدرهم، فإذا قلت: " الدرهم أعطيته " رفعت.
قال: وتقول: " أرأيتك زيدا أبو من هو " و " أرأيتك عمرا أعندك هو أم عند فلان ".
يعني أنه لا بد بعد قولك: " أرأيتك " من منصوب ثم تأتي بالاستفهام بعد ذلك المنصوب، فإن قال قائل: فهلا أجزتم رفعه؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه كما أجزتم " علمت زيدا أبو من هو "؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه؟ فأجاب سيبويه عن هذا، بأن قال:
إنّ " أرأيتك " لا تشبه " علمت "؛ لأن فيه معنى " أخبرني "، وأخبرني فعل لا يلغى، فلم يلغ " أرأيتك "، غير أنه وإن كان في معنى " أخبرني " فهو فعل يتعدى إلى مفعولين، لا يجوز الاكتفاء بأحدهما، فالمفعول الأول هو " زيد "، والمفعول الثاني: الجملة التي بعده، فقد جمع " أرأيتك " معنى " أخبرني " في ترك الإلغاء، ومعنى الرؤية رؤية القلب في التعدي إلى مفعولين، ثم عقب " سيبويه " بما يسدّ هذا المعنى.
فقال: هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة " أخبرني ".
يعني: دخول معنى: " أخبرني " في: " أرأيتك " لم يمنعه من أن يكون له مفعولان، كما كان له قبل أن يدخل فيه معنى: " أخبرني " ومنعه هذا المعنى من أن يلغى، وقد قيل: أراد فدخول: " أخبرني " في " أرأيت " لم يجعله مقتصرا
به على مفعوله الأول، كما يجوز أن يقتصر على النون والياء في قولك: " أخبرني ".
وقال بعضهم: في النّسخ غلط، وإنما أراد أن يقول: بمنزلة " رأيت " في الاستغناء وذلك.
أنك قد تقول: " علمت أبو من زيد " و " رأيت أبو من زيد " في معنى: " علمت "، فرأيت قد تستغني وتلغى، حتى لا تكون واقعة على مفعول، فإذا قلت: " أرأيت " وجب أن تقع على مفعول، ولم يله حرف الاستفهام.
قال: وتقول: " قد عرفت أيّ يوم الجمعة ".
ويجوز " أيّ يوم الجمعة " فمن نصب جعله ظرفا للجمعة، ولم ينصبه بعرفت، كما تقول: " اليوم الجمعة " و " السبت " مثل الجمعة وإنما جاز النصب في ذلك؛ لأن الجمعة فيها معنى الاجتماع، والأصل في السبت الراحة، وهو فعل واقع في اليوم، ولو قلت: " اليوم الأحد والاثنان " إلى " الخميس " لم يجز إلا بالرفع؛ لأن " اليوم " هو الأحد وليس الأحد بمعنى يقع في اليوم.
وإذا قلت: قد علمت أيّ حين عقبتي (1).
فعقبتي مصدر ومعناها المعاقبة.
يريد.
أي وقت يصيبني حظي من الركوب، وإن رفعت فتقديره: أيّ حين حين عقبتي، و " علمت " لم يعمل فيه رفعا كان أو نصبا، وقول الشاعر:
حتى كأن لم يكن إلا تذكره … والدهر أيّتما حال دهارير (2)
فالدهر مبتدأ، و " دهارير " خبره، وهي: الدواهي، وأيّتما حال ظرف، كأنه قال:
والدهر دهارير في كل حال.
هذا باب من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث
(وموضعها من الكلام الأمر والنهي، ومنها ما يتعدّى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما لا يتعدّى المأمور، ومنها ما يتعدّى المنهيّ إلى منهيّ عنه، ومنها ما لا يتعدى المنهيّ.
أمّا ما تعدّى فقولك: رويد زيدا " فإنما هو اسم قولك أرود زيدا).12
واعلم أن هذا الباب مشتمل على أسماء وضعت موضع فعل الأمر، ولا يجوز أن يذكر الفعل معها وهي مشتقة من لفظه وليست بالمصادر المعروفة للفعل كقولك: " ضربا زيدا " في معنى " اضرب ضربا ". فمن ذلك " رويد زيدا " وهو مبنيّ، وكان الأصل فيه أن يبنى على السكون لأنه واقع موقع الأمر، والأمر مبنيّ على السكون فاجتمع في آخره ساكنان الياء والدال فحرّكت الدال لاجتماع الساكنين، وكان الفتح أولى بها استثقالا للكثرة من أجل الياء التي قبلها كما قالوا: أين وكيف ففتحوا، ورويد تصغير إرواد، وإرواد مصدر أرود، ومعنى أرود: أمهل، وصغّروه تصغير الترخيم لحذف الزوائد وهي الهمزة التي في أولها، والألف التي هي رابعها.
وقال الفرّاء: 1 " إن رويد تصغير رود "، والذي قاله، البصريون أولى لأن أرود يقع موقع " رويد "، و " رود " لا يقع في موقعه فلأن يكون مأخوذا ممّا يقع موقعه ويطابقه في المعنى أولى.
ومنها هلمّ زيدا إنما يريد: هات زيدا والأصل فيه: ها لمّ زيدا ولكنهم جعلوهما كشيء واحد وأسقطوا الألف منها، وجعلوه بمنزلة الأسماء التي سمّى الفعل بها مثل:
" رويد "، و " حذار "، و " دراك " ولم يثن ولم يجمع ولم يؤنث كما لم يثن " رويد " و " دراك "، وهذه لغة أهل الحجاز؟
قال الله عز وجل: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا 2. فوحّدوا، وبنو تميم يثنون ويجمعون ويؤنثون، وقد ذكرنا هذا فيما مضى.
قال: (ومنها قول العرب: " حيّ هل الثريد ").
جعلوا حيّ وهل بمنزلة شيء واحد، وفتحوها وأقاموها مقام اسم الفعل فلم تثن ولم تجمع، وجعلوا " حيّ هل الثريد " بمنزلة ائتوا الثريد؛ وربما اكتفت العرب ب " حيّ " فعدّوه بحرف الجر قالوا: " حيّ على الصلاة " وربما اكتفوا بهل، قال النابغة الجعدي:
ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا 1
قال: (ومنها قوله:
تراكها من إبل تراكها 2
فهذا اسم لقوله اتركها، وكذلك:
مناعها من إبل مناعها 3
وهو اسم لقوله: امنعها.
والواحد والاثنان والجميع والمؤنث في ذلك سواء؛ وكان حكم " تراك " أن يكون ساكنا لوقوعه موقع الأمر فاجتمع في آخره ساكنان فكسر على ما يوجبه اجتماع الساكنين وهذا مطّرد في جميع الأفعال الثلاثية كقولك: " حذار من زيد "، و " نعاء زيدا " بمعنى انع زيدا، وقد استقصيناه فيما مضى؛ فهذا الذي ذكره: هو ما يتعدى المأمور إلى مأمور به والمنهيّ إلى منهيّ عنه.
وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي إلى مأمور به ولا إلى منهي عنه فنحو قولك: مه مه، وصه صه، وإيه وما أشبه ذلك).
فهذه أصوات وضعت مواضع أسماء الفعل ولا تثنى ولا تجمع، فمعنى مه: كفّ، ومعنى صه: اسكت، وإيه: استزادة.
فإن قال قائل: لم فصل سيبويه بين الأمر والنهي في أول هذا الباب وليس في شيء من هذه الأفعال نهيّ بل لا يجوز أن يكون فيها نهي لأنه ليس شيء من هذه المصادر التي هي اسم الفعل يقدر فيها " لا " التي هي للنهي وإنما تقع موقع الأمر المحض، قيل له: إنما سماه نهيا بالمعنى لا بدخول حرف نهي، لأنه إذا قال: اتركها، وامنعها، فالمعتاد في الكلام أن يقال نهى عنها، وإذا قال: صه صه، فأمره بالسكوت والكفّ، فقد نهاه عن الكلام
والإقدام، والأكثر المألوف أنه إذا قال له: اسكت، أنه قد نهاه عن الكلام.
قال سيبويه: (واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر وذلك أنها أسماء وليست
على الأمثلة التي أخذت من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يستقبل وفي يومك ولكن المأمور والمنهيّ مضمران في النّية).
يعني أن هذه الأسماء التي هي أسماء الفعل لا يظهر فيها ضمير الفاعل والواحد والتثنية والجمع.
تقول: " يا عمرو حذار زيدا "، و " يا عمران حذار زيدا "، و " يا عمرون حذار زيدا "، و " يا هندات حذار زيدا ".
وفي حذار ضمير الفاعل يجوز أن يؤكد فنقول: حذار زيدا أنت نفسك، وحذار زيدا أجمعون إذا أمرت جماعة، وإنما تظهر العلامة في الفعل لأنه هو العامل في الأصل، وتتغير أمثلته ويخالطه اسم الفاعل واللفظ حتى يصير معه كشيء واحد نحو قولك:
جلست، وقمت، فالتاء اسم الفاعل، وقد خالط الفعل وظهر فيه، فلو جعلت مكان حذار احذر لثنيت وجمعت فقلت: احذرا واحذروا.
قال: (وإنما كان أصل هذا في الأمر والنهي وكان أولى به لأنهما لا يكونان إلّا بفعل).
يعني أن هذه الأسماء التي ذكرها في هذا الباب لا تقع إلّا في الأمر والنهي، لا يجوز أن يقول: أعجبني مناع زيدا، ولا هذا رويد زيدا، كما تقول أعجبني منعك زيدا، وقد بيّنا لم لا يقع إلّا في الأمر.
قال: (وأجريت مجرى ما فيه الألف واللام لئلا يخالف ما بعدها لفظ ما قبلها بعد الأمر والنهي).
يعني أنها جعلت مفردة غير مضافة كما أن النجاء مفرد غير مضاف، حتى لا ينخفض ما بعدها وينتصب ما بعد الأمر والنهي ولا ينخفض.
قال: (ولم تصرّف تصرّف المصادر لأنها ليست بمصادر).
يعني أنها لا تكون إلا مفردة على لفظ واحد، والمصادر المشتقة من الأفعال قد
تكون مفردة ومضافة ويكون فيها الألف واللام، وقد لا يكون فيها كقولك: ضربا زيدا، والضرب زيدا، وضرب زيد، قال الله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ (1).
هذا باب متصرّف رويد
(تقول: رويد زيدا وإنما تريد أرود زيدا.
قال الهذليّ:
رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم … إلينا ولكن بغضهم متماين) 2
قد ذكرنا نصب رويد لما بعده فأمّا معنى البيت فإنّ عليّا قبيلة، وجدّ: قطع، وهذا مثل، يريد قطع نسبهم إلينا بالعقوق، وبغضهم متماين يعني متكاذب وإنما أراد أنهم أبغضونا على غير ذنب، والمين: الكذب، وكأن بغضهم كذب إذ كان على غير أصل.
ويروى: " ولكن ودّهم متماين " وهو ظاهر المعنى وهمز بعض أهل اللغة متمأين وهو ظاهر المعنى، وهمز بعض أهل اللغة متمأين وزعم أن معناه متقادم.
قال: (وسمعنا من العرب من يقول: " والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر " يريد أرود الشعر كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر).
قال أبو العباس: " هذا رجل مدح رجلا فقال الممدوح للمادح هذا القول؛ أي لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر لا حاجة بك إليه ".
قال أبو سعيد: وقد يقال إن سائلا سأل آخر أن ينشد شعرا وكان إنشاده عليه سهلا فقال: لو أردت الدراهم التي إعطاؤها صعب لأعطيتك فدع الشعر الذي هو سهل تقرّبا إليه في مبادرته إلى قضاء حاجته.
قال: (ويكون رويد أيضا صفة يقولون: ساروا سيرا رويدا، ويقولون أيضا:1
ساروا رويدا فيحذفون السير ويجعلونه حالا وصف به المصدر اجتزاء بما في صدر حديثه من ذكر ساروا عن ذكر السير).
قال أبو سعيد: اعلم أن رويد قد تكون لها حالان سوى حالها التي ذكرنا تكون فيها معربة وهي النعت والحال، ويجوز أن تكون في هاتين الحالتين تصغيرا لإرواد الذي هو المصدر، ويجوز أن تكون تصغير مرود أو مرود بحذف الزوائد على ما ذكرنا من تصغير الترخيم، فإذا جئت بالموصوف فأظهرته كان وصفا كقولك: ضعه وضعا رويدا، وإذا لم تجئ بالموصوف كان الاختيار أن يكون حالا لضعف الصفة من غير أن تقدّم الموصوف، ويجوز أن يكون صفة قامت مقام الموصوف تقول: رويدا، تريد وضعا رويدا.
قال: (واعلم أن رويدا تلحقه الكاف وهي في موضع الفعل كقولك: رويدك زيدا افعل، ورويدكم زيدا، ودخلت
الكاف علامة للمخاطب إذا خفت أن يلتبس من تعني بمن لا تعني وتجد فيها استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني غيره).
ولا موضع للكاف عند سيبويه ومن ذهب مذهبه من نصب ولا رفع ولا جرّ، وهي عندهم بمنزلة الكاف في ذلك وذلكما لا موضع لها من الإعراب.
وبعض النحويين يزعم أن موضعها رفع، وبعضهم يقول: موضعها نصب، فأما الذي يزعم أن موضعها رفع فالحجة عليه أن يقال: إنّا لم نر شيئا يعمل عمل الفعل وليس بفعل يتصل به ضمير الفاعل ظاهرا وإنما يكون الضمير في النية كقولك: حذار زيدا.
ومن الحجة عليه- أيضا- أنا قد نقول: رويد زيدا فنحذف الكاف ونقدّر في رويد ضميرا مرفوعا في النية؛ فلو كانت الكاف هي الفاعلة ما جاز حذفها.
والحجة على من قال: إنها في موضع نصب أن رويد إنما هو اسم أرود، وأرود لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، فكلما كان اسما لأرود لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، ولو كانت الكاف منصوبة كنت قد عديت رويدا إلى مفعولين، ولو جاز هذا لجاز: رويد زيدا عمرا.
ثم استدل على بطلان قول من يقول: إن الكاف اسم لها موضع بما تقدّم، ثم احتجّ
سيبويه على أن الكاف لا موضع لها بقول العرب: هاء وهاءك في معنى: تناول؛ فزاد الكاف على هاء للخطاب، وفيه لغات قد ذكرناها في أول الكتاب.
واحتجّ في ذلك على من انتحل والتزم أن كاف ذلك لها موضع بأن قال: إن كان لها موضع فلا بدّ من أن تكون مجرورة أو منصوبة، فإن كانت منصوبة وجب أن تقول:
ذاك نفسك زيدا إذا أراد تأكيد الكاف، وينبغي له أن يقول: إذا كانت مجرورة ذاك نفسك زيد وهو أن لا يقولهما أحد.
ومما دخل للكاف أيضا التاء في أنت وهي ملازمة، تختلف في المذكر والمؤنث ولا موضع لها، ولو كان لها موضع من رفع أو نصب لوجب أن يؤتى بعامل يعمل ذلك العمل ولا عامل موجود في لفظ ولا تقدير.
ثم احتج سيبويه- أيضا- في ذلك بقولهم: أرأيتك زيدا ما فعل؟ فذكر أن الكاف لا موضع لها وأن التاء علامة المضمر المرفوع المخاطب، ولو لم تلحق الكاف كنت مستغنيا كاستغنائك حين كان المخاطب مقبلا عليك، فهذا الذي ذكر سيبويه صحيح، وسقوط الكاف مع صحة المعنى الذي يكون بوجودها دلالة على أن لا موضع لها، ولو
كانت الكاف في موضع رفع كما قالوا لوجب ألا تسقط لأن ضمير الفاعل لا يسقط من الفعل أبدا.
وزعم الفراء أن العرب تجعل " أرأيتك " على مذهبين مختلفين: فإذا قلت رأيتك منطلقا كما تقول حسبتك ذاهبا فعدّيتك فعل المخاطب إلى نفسه كان موضع التاء رفعا، وموضع الكاف نصبا، وثنيت وجمعت فقلت: رأيتماكما منطلقين، ورأيتموكم منطلقين ورأيتنّكنّ منطلقات لجماعة المؤنث، فإن أدخلت ألف الاستفهام على هذا أقررته على حاله فقلت: أرأيتماكما منطلقين فهذا أحد المذهبين، والمذهب الآخر: أن تقول: أرأيتكم زيدا ما فعل؟ على معنى أخبرنّي عن زيد؟ وإذا ثنى وجمع لحقت التثنية والجمع الكاف وكانت التاء مفردة على كل حال فقلت: أرأيتكما زيدا ما فعل؟ قال الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً 1 فاستدل بتوحيد التاء في هذا على أنه لا
موضع لها وأن الموضع للكاف، وقد بيّنا ما تقدّم من الاحتجاج أن لا موضع للكاف.
ويجوز أن يكون إفرادهم التاء استغناء بتثنية الكاف وجمعها لأنها للخطاب وإن كان لا موضع لها كما أن التاء للخطاب، وإنما استغنوا بتثنية الكاف وجمعها عن تثنية التاء وجمعها للفرق بين أرأيت إذا كان في معنى أخبرني، وبينها إذا أردت به معنى علمت، فاعرفه إن شاء الله.
قال: (ونظير الكاف في رويد في المعنى لا في اللفظ " لك " التي تجيء بعد هلمّ في قوله: هلمّ لك فالكاف ههنا اسم مجرور باللام والمعنى في التوكيد والاختصاص بمنزلة الكاف التي في رويد وما أشبهها كأنه قال: هلمّ ثم قال: إرادتي بهذا لك فهو بمنزلة قولك: سقيا لك).
أما قوله: نظير الكاف في رويدك لك التي تجيء بعد هلمّ فإنما يعني أنك إذا قلت:
رويد فالمعنى تامّ، فإذا زدت الكاف زدتها بعد تمام المعنى لتبيين المخاطب وإن كانت رويد قد أغنتك عن ذلك، كما أنك إذا قلت: هلمّ للمخاطب استغنى الكلام به وتمّ فإذا قلت: هلمّ لك فجئت ب " لك " فإنما تجيء بها بعد استغناء الكلام عنها وتمامه دونها حرصا على تبيين المخاطب، وكذلك إذا قلت: سقيا لك، فسقيا غير محتاج إلى لك لأن معناه: سقاك الله سقيا، ولكنك لما قلت: سقيا جئت ب " لك " تأكيدا وتبيينا كأنك قلت:
دعائي بهذا لك أو إرادتي لك، غير أن الكاف في هلمّ لك، وسقيا لك مجرورة باللام وفي رويدك لا موضع لها من الإعراب، وإنما جمع بينهما سيبويه في التأكيد بهما بعد تمام الكلام دونهما لا في موضع الإعراب، وفي رويد
ضمير فاعل في النيّة يجوز أن يؤكّد وأن يعطف عليه بحسب ما يجوز في ضمير الفاعلين.
تقول: رويدكم أنتم وعبد الله، ورويدكم أجمعون، كما تقول: قم أنت وعبد الله، وقوموا أجمعون، وكذلك إن لم يكن فيه الكاف، فإذا خاطبت الواحد قلت: رويد أنت زيدا، وإذا خاطبت اثنين قلت: رويد كلاكما زيدا، وللجميع: رويد أجمعون.
وأمّا هلمّ لك ففيه ضميران مرفوع ومجرور:
فالمرفوع هو ضمير الفاعل الذي في هلم، والمجرور هو الكاف في لك فيجوز أن تقول: هلم لكم أجمعون وأجمعين، فأجمعون على تأكيد الضمير الذي في هلم، وأجمعين
على تأكيد الكاف والميم في لكم وموضعه جرّ.
(وهذا ضرب من الفعل سمّي الفعل فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث ولكنها بمنزلة الأسماء المفردة التي كانت للفعل نحو: رويد وحيهل ومجراهنّ واحد).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا يخالف ما قبله لأنه قد اشتمل على ظروف وحروف جرّ تجري مجرى الظروف ومصادر مضافات كلّهنّ، والفرق بين هذا الفصل والذي قبله أن هذا مضاف والذي قبله مفرد وينقسم هذا قسمين:
قسم يتعدّى، وقسم لا يتعدّى.
فأما ما يتعدى فقولك: عليك زيدا ودونك زيدا وعندك زيدا تأمره به؛ فأمّا عليك فحرف من حروف الجرّ، وأما دونك وعندك فظرفان، وقد جعلن بمنزلة قولك: خذ زيدا، والكاف منهن في موضع جرّ.
وذكر عن المازنيّ أنه كان الأصل في عليك زيدا أي: خذه من فوقك.
وفي عندك زيدا أي: خذه من عندك.
وفي دونك زيدا أي: خذه من أسفل من موضعك.
وتحصيل هذا خذ من دونك زيدا، وخذ من عندك زيدا، وخذ من عليك زيدا.
كما تقول: خذه من فوقك، كما قال الشاعر:
غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها … تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل 1
ثم حذف حرف الجر وهو " من " فوصل الفعل إلى هذه الأسماء وحذف فعل الأمر وهو: " خذ " اكتفاء واستخفافا.
قال: وما تعدّى المنهيّ إلى منهيّ عنه قولك:
حذرك زيدا وحذارك زيدا فردّ عليه أبو العباس المبرّد هذا اللفظ من وجهين:
أحدهما: أن قولك: حذرك إنّما هو: احذر وقد جعله سيبويه نهيا.
قال أبو العباس: " فإن قال قائل فمعنى احذر: لا تدن منه " قيل: وكذلك عليك معناه: لا يفوتنك، وكلّ أمر أمرت به فأنت ناه عن خلافه، وإذا نهيت عن شيء فقد أمرت بخلافه، فقد يجوز في الأمر أن يقال نهي وفي النهي أن يقال أمر على المعنى، فإذا كان كذلك فلا وجه للتفصيل الذي فصل به سيبويه بين الأمر والنهي.
والوجه الآخر: أنه وضع في هذا الباب ما لم يؤخذ من أمثلة الفعل، وحذرك مأخوذ من الحذر فهو خارج من هذا الباب؛ لأن هذا الباب عليك ودونك.
وليس الأمر على ما ردّه أبو العباس في الوجهين جميعا.
أما الوجه الأول فقد ذكرنا أن ألفاظا من ألفاظ الأمر الأكثر في عادة كلام الجمهور أن يقال: نهى وإن كان بلفظ الأمر كقولك: تجنب فلانا، واحذر فلانا، وابعد عن فلان فإنما يقال: نهاه عنه؛ فجرى سيبويه على اللفظ المعتاد.
وأما الوجه الآخر فإنما غرّ سيبويه في هذا الباب تفصيل المضاف من المفرد الذي قبله لأنه قد ذكر ظروفا وأسماء كلها مضافات، وقد ترجم الباب بقوله: بأسماء مضافة.
(وأما ما لا يتعدّى فقولك: مكانك، وبعدك إذا قلت: تأخّر، وكذلك عندك إذا كنت تحذّره شيئا من بين يديه أو تبصّره شيئا، وإليك إذا أردت تنحّ، ووراءك إذا قلت: افطن لما خلفك).
وقد ذكر سيبويه عندك فيما يتعدى، وقد ذكره فيما لا يتعدى وهذا غير مستنكر وذلك أنه قد يكون فعل واحد متعديا وغير متعدّ؛ كقولك: علقتك وعلقت بك وجئت زيدا وجئت إلى زيد.
قال: (وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع من يقال له: إليك فيقول إليّ كأنه قيل له:
تنحّ فقال: أتنحّى، ولا يقال: دوني ولا عليّ هذا، إنما سمعناه في هذا الحرف وحده وليس لها قوة الفعل فتقاس).
اعلم أن هذه الأسماء والحروف التي تضمّنها هذا الفصل وما قبله من المفرد والمضاف لا يجوز أن تقع إلا في أمر المخاطب هذا حكمه وبابه، وذلك من قبل أنّ أمر المخاطب يقع بالفعل المحض من غير حرف يدخل عليه، وأمر الغائب لا يقع إلا بحرف ألا ترى أنك تقول: قم يا زيد ولا يجوز أن تقول: قم يا عمرو إذا كان غائبا وإنما تقول:
ليقم عمرو، ومع هذا فإنما الأمر إنما يكون بمواجهة المخاطب وتنبيهه وندائه، فقد يوضع كثير من الأصوات في موضع الأمر للإنسان وللبهائم، كقولك للإنسان: مه وصه، وللناقة:
حل، وللجمل: حوت، وللحمار: تشوه.
وهذه الأشياء لا تقع إلّا في أمر فجعلوا- إليك، وعليك، ووراءك، ودونك- بمنزلة هذه الأصوات التي يؤمر بها، فالقياس ألّا يقع هذا في غير الأمر، فإذا قلت: إليك فقال: إليّ فقد جعل إليّ بمعنى أتنحّى وهو خبر ليس بأمر، وهذا شاذّ مخالف لقياس الباب.
فإذا قلت: عليك زيدا ودونك زيدا على معنى خذ زيدا فلا يجوز أن تقول: عليّ زيدا ودوني زيدا على معنى آخذ زيدا؛ لأن ذلك لا يجوز في غير الأمر، وقد يجوز أن تقول: عليّ زيدا على غير هذا المعنى إذا أردت ائتني بزيد فيكون في باب الأمر، ولا يجوز أن تقول: دوني زيدا إذا أردت ائتني بزيد وذلك إذا قلت: عليّ زيدا فقد عدّيته إلى زيد وإليك بحرف الجرّ، وإذا قلت: عليك زيدا فإنما عديته إلى زيد وإلى المخاطب بحرف الجر، فقد توسّعت العرب في هذا الفعل فعدّته مرّة إلى المتكلم بحرف الجرّ ومرّة إلى المخاطب ولم تتوسّع في دونك وعندك لأنهم لم يقولوا: دوني وعندي، ولا يجب أن نقيس ذلك لأنّه قد يجوز أن يكون فعل منه متعدّ ولا يتعدى نظيره.
ألا ترى أنك تقول: علقتك وعلقت بك، ولا يجوز في مررت بك مررتك.
قال: وحدّثني من سمعه أنّ بعضهم قال: عليه رجلا ليسنى، وهذا قليل شبّهوه بالفعل.
يعني أنه قال: عليه فأمر غائبا، وقد روي مثل هذا عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله أنّه قال: " من استطاع منكم الباءة فليتزوّج وإلّا فعليه الصوم، فإنّه له وجاء " 1.
وإنما أمر الغائب، فهذا الحرف على شذوذه، لأنه قد جرى للمأمور ذكر فصار بالذّكر الذي جرى له كالحاضر فأشبه أمره أمر الحاضر، ولو كان المأمور اسما ظاهرا لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن تقول: على زيد عمرا، وإذا قلت عليك زيدا فللمخاطب ضميران: