شرح كتاب سيبويهصفحات 360-399

باب الحروف التي لا تقدّم فيها الأسماء (على) الفعل

صفحات 360-399

قال أبو زبيد الطائي: ألا أبلغ بني عمرو بن كعب … بأنّي في مودتكم نفيس 1 أفي حق مواساتي أخاكم … بمالي ثم يظلمني السريس وتبين أن " أن " في موضع رفع بقوله: أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندل … تهدّدكم إيّاي وسط المجالس 2 فرفع (تهددكم) وهو في موضع " أن " حين قال: أحقا أنّ أخطلكم هجاني 3 وفي رفعه وجهان: أحدهما: وهو الذي أختاره أنه رفع ما قبله من الظرف خبره ومنزلته كمنزلة " خلف زيد " " وفي الدار عمرو " ولو أدخلنا عليه " أن " وأخواتها وقدمنا الظرف وجعلنا " أنّ " مقدرا لنصبنا وذلك قولك: (في أكثر ظني رحيلك) كما تقول (يوم الجمعة أنك راحل) و (يوم الجمعة رحيلك) و " إنّ يوم الجمعة رحيلك " فتبين بنصبه بعد " أن " رفعه قبلها بالابتداء.
وذهب أبو العباس المبرد إلى أن الخليل: رفع " أن " بالظرف في هذا الموضع يعني: " أفي حق أنك ذاهب " وفي أكثر ظني أنك ذاهب.
للضرورة كما يرفع بالظرف المضمر في قولك: " زيد في الدار وعمرو عندك ". قال أبو سعيد: أما رفع المضمر بالظرف فصحيح وأما رفع الظاهر فليس مذهب سيبويه والخليل.
وأظن أن الذي دعا أبا العباس إلى حكاية هذا عن الخليل أنه: لما ذكر: " أفي حق أنك ذاهب ". " وفي أكثر ظني أنك ذاهب " قال عقيبه: وصارت " أن " مبنية عليه كما تبنى الرحيل... وقد استعمل سيبويه لفظ البناء على الشيء الذي ليس بعامل فيما بني عليه كما قال: " أنّ " مبنية على " لولا ". وإنما ذلك على جهة تقدمها وحاجتها إلى ما بعدها.

وأما قول العبدي: فنيّتنا ونيّتهم فريق 1 ولم يثن فلأن " الفريق " قد يستعمل بلفظ واحد في الواحد والاثنين والجمع كما تقول: هذا صديق وهما صديق وهم صديق.
وقال الله عز وجل في مثله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 2 وأما قولهم: (لا محالة أنك ذاهب) (ولا بد أنك ذاهب) فالذي يظهر من كلام سيبويه أن: " أنك " في موضع خفض " بمن " المحذوفة.
وهو على القلب الذي تراه من خفض " أنّ " بعد حذف الخافض منها في الباب الذي ذكر فيه ذلك.
قال أبو العباس: إذا قلت: لا محالة أنك ذاهب " فأنك " في موضع رفع بخبر المبتدأ كما تقول: لا رجل أفضل منك.
وكذلك: لابدّ أنك ذاهب.
فإن قال قائل: " لا " الثانية الناصبة هي جواب هل من؟ فما المسألة التي جوابها لا محالة ولا بد وما معنى ذلك؟ ومن أي شيء أخذ؟ قيل له لا محالة والحيلة فمعناها واحد هل من محالة في كذا؟ وهل من حيلة من كذا؟ ومعناه: هل من محالة من تركه أو من المخلص منه؟ فيقول المجيب: لا محالة منه.
أي في الخلاص منه.
وأما: " بد " فأصلها من مفارقة الشيء ومنه قيل: تبّدد الشيء: تفرق.
وبددته: فرقته.
ومنه قوله: 3 ... … والخيل تعدوا في الصّعيد بداد أي متفرقة وقولهم: رجل أبد.
وامرأة بداء إذا تفرق.
ما بين فخذيه.
كما قال: فبدّت الرّجل فما تضمّها 4

ومنه قولهم: أبددت القوم عطية أي فرقتها بينهم قال أبو ذؤيب: فأبدهن حتوفهنّ فطالع … بدمائه أو ساقط متجعجع 1 فإذا قال: لابد منه.
فكأنه قال: لا مفارقة ولا تباعد منه، وقد فسره أصحابنا بالسعة لأن تفرق ما بين الشيئين سعة ما بينهما، فكأنهم جعلوا أصله السعة وحقيقته عندي ما ذكرته.
قال أبو العباس محمد بن يزيد " بد " موسع فإذا قلت: لابد أنك ذاهب.
غير موسع عليك أنك ذاهب، وحقيقته: غير موسع عليك تركك الذهاب وقولهم: أما حقا أنك ذاهب فيكسر " إن " فهو جيد وكذلك: أما جهد رأيى فأنك ذاهب وكذلك جميع الظروف المتقدمة التي بعدها: " أن " إذا دخلت قبلها " أما " فكسر " إن " حسن وإن لم تكن " أما " فالفتح لا غير.
وإنما كسر مع دخول " أما " لأنها تسوغ تقديم ما بعد الفاء على " الفاء " و " أما " عوضا مما حذف منه.
وجوز فيه تقديم ما لم يكن يجوز تقديمه قبل دخولها وقد ذكرت ذلك مستقصى قبل هذا الموضع.
ومعنى قول سيبويه " أما جهد رأيى فإنك ذاهب) لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول يعني: أنك مضطر قبل دخول " أما " أن تفتح " أن " إذا قلت: جهد رأيى أنك ذاهب.
فتجعل " أن " مبتدأ وما قبله ظرفا.
كقولك (خلفك زيد) لأنك لو لم تفتح وكسرت انقطع الظرف من " أن " وخبرها فلم يتصل.
لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها قبل دخول " أما " وقد ذكرناه فصرت مضطرا إلى فتحها.
فإذا دخلت " أما " جاز فيها الكسر فلم تضطر إلى فتحها وجعلتها مبتدأ.
وقولهم: " أما بعد " فإن الله عز وجل قال في كتابه " فأن بعد " بمنزلة " اليوم " ولا يكون " بعد " ولا " قبل " خبرين إذا لم يكونا مضافين.
هذا كلام سيبويه ومذهبه ولم أر غيره ذكره ولا تكلم عليه إلا أصحابه الذين قد سمنتها بالسويف أمها … فبدت الرجل فما تضمها انظر نوادر أبي زيد: 341.

يتكلمون على تفسير كتابه وإذا كانا مضافين فإنهما يكونان خبرين كقولك: زيد قبلك وعمرو بعدك.
وإذا لم يخبر بهما لنقصانهما عن حالهما مضافين.
وهما في حال الإضافة غير متمكنين فإذا منعتا الأصالة ازدادتا بعدا عن التمكن، فمنعتا بذلك أن يكونا خبرين.
وقد مثل سيبويه: (أما يوم الجمعة فأنك ذاهب) بتمثيل نفسه في اللفظ إذا حمل على ظاهره فقال: لأن فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شيء " فأنك ذاهب " وتقديم " يوم الجمعة " لا يجوز في " مهما " ومعناه: أنه مثّل " أما " " بمهما " ثم قدم في " مهما " ما تقدمه في " أما " من الظرف الذي يصبح له خبر " أن " على وجه يبين المعنى فيه لا على تصحيح اللفظ، وأما لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 1 فإن الخليل وسيبويه ومن تبعهما من البصريين يجعلون " جرم " فعلا ماضيا.
ويجعلون " لا " داخله عليه فمنهم من يجعلها جوابا لما قبلها ومثله: " يقول الرجل كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون.
ويبين عند الخليل: أنه رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع مضرة الكفر وعقوبته عنهم يوم القيامة.
واختلفوا في معنى " جرم " إذا كان فعلا.
قال سيبويه: معناه حق أن لهم النار.
واستدل على ذلك بقول المفسرين معناه " حقا أن لهم النار " ويقول الشاعر: جرمت فزازة بعدها أنّ يغضبوا أي حقهم للغضب.
وتبعه على ذلك من تبعه.
وقال غيره: " جرم " بمعنى " كسب " واستدل على ذلك بقول الله عز وجل: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ 2 يقول عز وجل: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا 3 أي: لا يكسبكم ذلك.
ويقول الشاعر: 4 جريمة ناهض في رأس نيق … ترى لعظام ما جمعت صليبا

جريمة كاسبة يعني عقابا.
وناهض: فرع.
فالعقاب تكسب لفرخها ما يأكله وعلى هذا تأول: جرمت فزارة: أي كسبت فزارة الغضب.
واختلفوا في فاعل " جرم " إذا كان فعلا ماضيا: فقال أبو العباس المبرد: " أنهم " في موضع رفع " بجرم " كقولك: حق كون النار لهم.
ووجت كون النار لهم.
ونحو ذلك.
وقال غيره: " أن لهم النار " في موضع نصب وفي " جرم " ضمير فاعل.
كأن كفرهم كسب كون النار لهم.
وأما الفراء وأصحابه.
فذهبوا إلى أن " جرم " اسم منصوب و " لا " على التبرئة وقال الفراء: " لا جرم أنهم " كلمة كانت في الأصل- والله أعلم، بمنزلة: لابد أنك قائم ولا محالة أنك ذاهب فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة: حقا و " حقا " عندهم بمنزلة قسم.
واستدل على ذلك بما ذكر عن العرب من قولهم.
" لا جرم لآتينك ". " لا جرم لقد أحسنت " قال: كذلك فسرها المفسرون بمعنى: الحق.
قال وأصله جرمت أي كسبت الذنب وجرمته، ورأيت بعض الكوفيين: يجعل " أن " في موضع نصب في لا بد ولا محالة ولا جرم.
وقال بعض الكوفيين: " أجرم " أصله الفعل الماضي فحول عن طريق الفعل ومنع التصرف.
فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر.
وجعل معه " لا " قسما وتركت الميم على فتحها الذي كان لها في الماضى كما نقلوا " حاشى " وهو فعل ماض مستقبله " يحاشى " ودائمه " محاش " ومصدره " محاشاه " من باب الأفعال إلى باب الأدوات لما أزالوه عن التصرف فقالوا: قام القوم حاشى عبد الله.
فخفضوا به ولو كان فعلا ما عمل خفضا.
وابقوا عليه لفظ الفعل الماضي.
وكما نقلوا " ليس " وأصلها الفعل الماضي.
عن أصلها إلى سبيل الأدوات فمنعوها التصرف وخروج المصدر منها وأفردوا آخرها على أمرها الأول قبل النقل.
وحكى الكوفيون في " لا جرم " وجوها من تغيير اللفظ فيها عن العرب.
منها " لا جرم " بضم الجيم و: " لا جر " بإسقاط الميم.
و: " لا ذا جرم " و " لا ذا جر " بغير الميم " ولا إنّ ذا جرم " و: " لا عزّ ذا جرم ". ومعنى اللغات كلها عندهم واحد.
وأنشد الفراء: ... … إنّ كلابا والدي لاذا جرم لأهدرن هدرا صادقا … هدر المعنى الشقاشيق اللهم 1

لم يعرف الفراء النصف الأول من البيت الأول.
وأما " شد ما أنك ذاهب " و " عز ما أنك ذاهب " فقد جعله سيبويه على وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى: حقا أنك ذاهب فيكون " شد ما " في تأويل ظرف.
وأنك ذاهب مبتدأ كما أن " حقا " مبتدأ في تأويل ظرف و " شد " و " عز " فعلان في الأصل دخلت عليهما " ما " فأبطل عملها.
وجعلا في مذهب " حقا ". كما دخلت " ما " على " قل " و " رب " فبطل عملها.
وخرجا عن مذهب الفعل وحرف الجر.
و" شد ما " و " عز ما " وإن جعلا في موضع " حقا " فلا تدخل عليهما " في " كدخولها على " حقا " لأنهما في الأصل فعلان.
كما أن " أن " إذا وقعت بعد " لو " تشبيها " بلولا " لم يجز وقوع الاسم بعدها لوقوعه بعد " لولا ". والوجه الآخر: أن يكون " شد ما " و " عز ما " فعلين ماضيين.
كنعم و " بئس " ووقوع " ما " بعدهما كوقوع " ما " بعد " نعم " و " بئس " كقولك: نعما صنيعك و " بئسما عملك " وتقديره: نعم الصنيع صنيعك و " بئس العمل عملك ". وقوله: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه.
دخلت الفاء على " تجاوز " لأنه دعاء.
وهو بمنزلة دخول القلب في فعل الأمر إذا تقدم المفعول كقولك: زيدا فاضرب.
وإن شئت: زيد اضرب.
فإذا قلت: اضرب زيدا لم تكن " فاء " وكذلك تقول: تجاوز الله عنه.
و " ما " عند سيبويه لغو.
واستدل على أنها لغو بقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 1 لأنها لو لم تعمل لغوا لبنيت مع ما بعدها وفتحت.
ولم يجز إسقاطها وإن كانت لغوا في عملها.
وزيادة فائدة بدخولها: لأنهم أرادوا الفرق بين شبيهين: فإذا ادخلوا ما على حرف التشبيه أرادوا: أن أحد الشيئين وجوده حق كما أن وجود الآخر حق.
وأن الشيئين في أنفسهما.
كقولك " زيد فاسق كما أن عمر صالح " أردت أن هذا موجود وصحيح كما أن هذا موجود صحيح.
وكذلك تقول: البساط تحتنا كما أن السماء فوقنا.
أي: هذا حق كما أن هذا حق.
وكذلك: الظلال فوقنا كما أن السماء فوقنا.
إذا أردت أنهما حقان.
وإن أردت تشبيه أحدهما بالأخر قلت: " الظلال فوقنا كما أن

السماء فوقنا " أي هما متشابهان في كونهما.
ولم يرد أن هذا حق كما أن هذا حق.
وكان أبو العباس المبرد يجيز أن يكون " ما " مع كاف التشبيه لغوا وأن تكون مبنية معها.
وقد ذكرت لك استدلال سيبويه على أنها لغو.
ولم يقم دليل على غيره والفرق في: مثل ما أنك ذاهب " ومثل " أنك ذاهب بدخول " ما " كالفرق في الكاف ومعناهما: أعني: الكاف ومثل، ومذهبهما في دخول " ما " وخروجهما واحد.
وسيبويه يذهب في قول النابغة الجعدي: كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا إلى أن " ما " منه محذوفة وتقديره: كما أنه يؤخذ وخففت " أن " وحذفت " ما ". قال أبو سعيد: هذا سهو من سيبويه صير تشبيه جملة بجملة ودفاعه اسم واحد وليس بجملة وقوله: " كأن يؤخذ المرء " ليس من الأشياء الواضحة الوجود فيشبه به تحقيق وجود شيء آخر.
وإنما يصف النابغة خصومة جرت بين رجل من عشيرته مناظر عنها.
وبين خصوم له من قبائل أخرى يحضره ملك.
وأن ذلك الملك كان ميله على عشيرته.
وأن المناظر عنهم ثبت لهم في المناظرة مع ميل الملك عليه وعلى ذلك قوله:- لدى ملك غضبان أقبل مخفرا … إليهم شديدا قسره متبسلا 1 واخضرهم خصما شديدا ضريره … بني دارم أهل البسول ونهشلا وذو التاج من نسان ينصر جاهدا … ليجعل فيها خدنا هو أسفلا قروما تسامى عند باب دفاعه … كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا يريد: دفاع الباب.
وهو رده وحجبه لمن يريد الدخول.
وطرده وهو مثل القتل في شدته.
لأنه إذلال للمطرود المحجوب.
ومعنى قوله " فما " لا يحذف في الكلام.
يعني: من " كما " إذا أردت الضرب الذي ذكرناه من التشبيه كما لا تحذف من " أن " في " إما " التي بمعنى " أو " وقد ذكرنا حذف " ما " من " إما " في: .. وإنّ من خريف فلن يعدما.. قال أبو عثمان المازني: أنا لا أنشده إلا:

كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا.. لأنها " أن " التي تنصب الأفعال دخلت عليها كاف التشبيه.

هذا باب من أبواب «إنّ»

تقول: قال عمرو: أن زيدا خبر منك وذلك لأنك أردت أن تحكي قوله.
ولا يجوز أن تعمل (قال) في " أن ". كما لا يجوز لك أن تعملها في زيد وأشباهه إذا قلت: قال زيد عمرو خير منك " فإن " لا تعمل فيها قال: كما لا تعمل " قال " فيما تعمل فيه " أن ". لأن " أن " تجعل الكلام شأنا.
وأنت لا تقول: قال الشأن متفاقما كما تقول: زعم الشأن متفاقما.
فهذه الأشياء بعد " قال " حكاية ومثل ذلك: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ 1 وقال أيضا: قال الله: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ 2 وكذلك جميع ما جاء من ذا في القرآن.
وسألت يونس عن قوله: " متى تقول أنه منطلق " فقال: إذا لم ترد الحكاية.
وجعلت تقول مثل " تظن " قلت: متى تقول أنك ذاهب.
كما أنه يجوز لك أن تحكي فتقول: متى تقول زيد منطلق.
وتقول: " قال عمرو أنه منطلق " جعلت " الهاء " عمرا أو غيره فلا تعمل " قال ". كما لا تعمل إذا قلت: قال عمر وهو منطلق.
" فقال " لم تعمل هاهنا شيئا.
وإن كانت الهاء هي القائل.
كما لا تعمل شيئا إذا قلت (قال) وأظهرت " هو " فقال لا تغير الكلام عن حاله قبل أن تكون فيه " قال " فيما ذكرنا.
وكان " عيسى " يقرأ هذا الحرف فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ 3. أراد أن يحكي.
كما قال عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ 4 كأنه قال والله أعلم: قالوا ما نعبدهم.
ومثل ذلك كثير في القرآن.
وتقول: أول ما أقول أني أحمد الله كأنك قلت: أول قولي الحمد لله.
وإن أردت أن تحكي قلت: أول ما أقول أني أحمد الله.

قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن ما بعد: " قال " بمنزلة كلام مبتدأ والاعتمال به حكاية لفظ اللافظ المحكى عنه.
ومعنى قوله: " فأن " لا تعمل فيها " قال " فينقلها من الكسر إلى الفتح كما لا تعمل في المبتدأ أو الخبر الذي تعمل فيه " أن " إذا قلت: " قال زيد عمرو خير الناس ". وقوله: لأن " أن تجعل الكلام شأنا وأنت لا تقول: قال الشأن: يعني أنك إذا قلت: " قال زيد أن عمرا خير الناس " تخرج عن حكاية كلامه.
فصار بمنزلة عرف زيد شأن عمرو وفهمه.
وقد مضى.
وزعم زيد الشأن متفاقما.
وليس ذلك بحكاية أنما هو اعتقاد لأمر وليس بحكاية.
وقد مضى الكلام في نحوه.
وقوله: وتقول: قال عمرو أنه منطلق.
فحق الحكاية أن تقول: قال عمرو أني منطلق وكذلك إذا قلت: قال عمرو هو منطلق فحق الحكاية أن تقول: قال عمرو أنا منطلق لأن هذا لفظه الذي لفظ به.
ولهم قد يغيرون لفظ الغيبة إلى الخطاب ولفظ الخطاب إلى الغيبة؛ لأن ذلك أقرب إلى الأفهام.
ولا يعد ذلك تغييرا.
لأن الذي يقول: أن زيدا منطلق.
ولو واجهة لقال: أنك منطلق ولم يكن ذلك مغيرا للكلام عن منهاجه.
ولو أن زيدا قال: " أن عمرا خير الناس " ثم واجهت أنت عمرا لجاز أن تقول: قال زيد أنك خير الناس يا عمرو.
وإذا قال: (أول ما أقول أني أحمد الله) ما أقول " مبتدأ " وأني أحمد الله (خبر) وتقديره: حمد الله.
وليس بحكاية لفظ وإنما هو معنى ما في نفسه.
واسميته والعبارة عنه: حمد الله.
وهو كقولك: أول أمري حمد الله والثناء عليه.
ولو لم يقل: " أول " لقلت على ذلك.
قولي أني أحمد الله.
وقولي حمد الله وأمري أني أحمد الله.
وأمري حمد الله.
وإذا قال: أول ما أقول: أني أحمد الله.
" فأول ما أقول " مبتدأ " وأني أحمد الله " جعله في موضع الخبر.
ولوضعت في موضع الفعل فقلت أول ما أقول: (أحمد الله) لجاز لأنك إذا كسرت فقد جعلته اللفظ الذي يلفظ به ومعناه.
وقد تقول: " أني أحمد الله " و " أحمد الله " بغير " إني " على طريق الحكاية.

وباقي الباب مفهوم هذا باب من أبواب «إن»

وذلك قولك: قد قاله القوم حتى أن زيدا يقوله " وانطلق القوم حتى أن زيدا

لمنطلق " فحتى هاهنا معلقة.
لا تعمل في " إن " كما لا تعمل إذا قلت: حتى زيد ذاهب فهذا موضع ابتداء و " حتى " بمنزلة " إذا " ولو أردت أن تقول: " حتى أن " في هذا الموضع كنت محيلا.
لأن " أن " وصلتها هاهنا بمنزلة " الانطلاق " ولو قلت: " انطلق القوم حتى الانطلاق " " وحتى الخير " كان محالا.
لأن " أنّ " تصير الكلام خبرا فلما لم يجز ذا حمل على الابتداء.
وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنّه يقول وسمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به: وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا … إذا إنه عبد القفا واللهازم 1 فحال " إذا " هاهنا كحالها إذا قلت: " إذا هو عبد القفا واللهازم " وإنما جاءت " إن " هاهنا لأنك بهذا المعنى أردت كما أردت في " حتى " معنى حتى هو منطلق وإذا قلت: مررت فإذا أنّه عبد.
تريد: مررت به فإذا العبودية واللؤم، كأنك قلت: مررت فإذا أمره العبودية واللؤم ثم وضعت " أن " في هذا الموضع جاز.
وتقول: قد عرفت أمورك حتى أنك أحمق كأنك قلت: عرفت أمورك حتى حمقك ثم وضعت " أن " في هذا الموضع.
هذا قول الخليل وسألته عن قوله: (هذا حق كما أنك هاهنا) هل يجوز على ذا الحد كما أنك هاهنا؟ فقال: لا.
لأن لا يبتدأ بها في كل موضع ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة أنك ذاهب ولا: كيف أنك صانع.
و " كما " بتلك المنزلة.
قال أبو سعيد: قوله: وانطلق القوم حتى أن زيدا لمنطلق معناه.
وانطلق القوم وزيد منطلق.
وهي: " حتى " التي بمعنى: الواو.
وتقع بعدها الجمل.
ولذلك لم يجز أن تقع بعدها.
" أن " مفتوحة.
لأنها وما بعدها بمعنى المصدر.
ولو قلت: انطلق القوم حتى انطلاق زيد لم يجز لأن ما بعد " حتى " إذا جعلت بمعنى الواو أو جعلت غاية من جنس ما قبلها.
ألا ترى أنك لا تقول: جاءني إخوتك حتى الحمار.
وكذلك إذا أردت.
" إذا " التي للمفاجأة.
لأنها يقع بعدها الابتداء والخبر إلا أنه يجوز بعد.
" إذا " الفتح والكسر جميعا.
فالكسر قولك: مررت به فإذا أنه يقول أن زيد خير منك.
وكذلك قوله:

… إذا إنّه عبد القفا واللهازم وكسرها: لأن الابتداء والخبر يقع بعدها.
وفتحها: قولك: خرجت فإذا أنه عبد.
على معنى: فإذا أمر العبودية.
فإن قال قائل: لم جاز في " إذا " الفتح والكسر ولم يجز في " حتى " إلا الفتح؟ قيل له: إنما جاز في " إذا " الوجهان لأن ما بعدها يجوز ألا يكون ما قبلها ولا بعضه.
ويجوز أن يكون مصدرا وغير مصدر كقولك: " خرجت فإذا زيد قائم "، " وخرجت فإذا صباح زيد ". والذي يقول: " خرجت فإذا زيد قائم ". ويقول: خرجت فإذا أن زيدا قائم والذي يقول: (خرجت فإذا صياح زيد) يقول: (خرجت فإذا زيد صائح) وحتى إذا لم تكن غاية لا يكون ما بعدها إلا عطفا على قبلها داخلا في معناه ولفظه.
فإن قال قائل فإذا كسرتم " إن " بعد " إذا " فما موضع " إذا "؟ وما العامل فيها؟ وقد علمتم أنه لا يعمل خبر " إن " فيما قبل " إن "؟ قيل له: " إذا " حرف دخل لمعنى المفاجأة ولا عمل لها وهي في مذهب حروف العطف فمن حيث دخلت " إن " المكسورة بعد حروف العطف جعل دخولها بعد " إذا " ومن أجل ذلك جاز دخول " الفاء " عليها وخروجها منها.
أما دخولها: فلان " الفاء " للعطف وما بعدها معطوف على ما قبلها كعطف جملة على جملة.
" وإذا " للمفاجأة واختصت بالدخول عليها الفاء من بين حروف العطف لأن ترتيب الثاني أن يكون بعد الأول في المعنى.
وأما إسقاط " الفاء " فأن حروف المفاجأة لما وردت بعد الفعل الأول دل على أنه عقيبه.
ونظيره: دخول " الواو " على " لكن " في العطف وسقوطها كقولك: ما جاء في زيد لكن عمرو.
" وما مررت بزيد لكن عمرو " ويجوز: ولكن عمرو.
لأن " لكن " لما دلت على الاستدراك ولم يبتدأ بها أغنت عن حروف العطف.
وأما منعه أن يقال " كما أنك هاهنا " فلأن " أنت " مبتدأ " وهاهنا " خبره وهما جميعا بمنزلة المصدر.
وكما يكون الفعل والفاعل مع " ما " بمنزلة المصدر.
و " ما " في ذلك حرف وليست باسم وهي كان والفعل بعدها.
غير أن " ما " يليها الاسم والخبر والفعل والفاعل " وإن " لا يليها إلا الفعل والفاعل.
وإنما يلي " ما " " إن " إذا كانت بمعنى " الذي " كقوله عز وجل: وَآتَيْناهُ مِنَ

الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ 1 وإذا كانت بمعنى المصدر لم يدخلها " إن " لأن أصلها أن يكون بعدها فعل وفاعل.
والمبتدأ والخبر مجردين من الدواخل عليهما بمنزلة الفعل والفاعل.
فلم يدخلوا " إن " من أجل ذلك.
ومن الدليل على أنه يقع المبتدأ والخبر في الموضع الذي لا يقع فيه " إن " قولهم: " يوم الجمعة أنت ذاهب: وكيف أنت صانع؟ " وإنما جاز " يوم الجمعة أنت ذاهب " لأن الناصب (ليوم) هو " ذاهب " يعمل فيما قبل " أنت " كقولك: يوم الجمعة زيدا ضارب.؟ ولا يجوز زيدا أنك ضارب.
وكذلك: " كيف " في موضع نصب على الحال والعامل فيه: (صانع) فإذا قلت: (أنك صانع بطل) عمل " صانع " فيما قبل " أن ".

وباقي الباب مفهوم

هذا باب آخر من أبواب «إن»

تقول: ما قدم علينا أمير إلا إنّه مكرم لي.
لأنه ليس هاهنا شيء يعمل في " إن " ولا يجوز أن تكون " أنّ "، وإنما تريد أن تقول: ما قدم علينا أمير إلا هو مكرم لي.
فكما لا تعمل في ذا لا تعمل في " أن " شئ ودخول اللام هاهنا يدلك على (ذلك) أنه موضع ابتداء قال الله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ 2 ومثل ذلك قول كثير: ما أعطياني ولا سألتهما … إلا وإنّي لحاجزي كرمي 3 وكذلك لو قال: إلا وأني حاجزي كرمي، وتقول: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق كأنك قلت إلا لأنك فاسق، وأما قوله عز وجل: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ 4 فإنما حمله على " ما منعهم "، وتقول: إذا أردت معنى اليمين: " أعطيته ما إنّ شره خير من جيد ما معك " " وهؤلاء إن أجبتهم لأشجع من شجعانكم " قال الله عز وجل: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ

بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ 1 " فإن " صلة لما كأنك قلت: ما والله أن شره خير من جيد ما معك.
قال أبو سعيد: الحال إذا كانت بمبتدأ وخبر جاز بالواو وبغير الواو كقولك: جاء زيد وهو راكب وجاء زيد هو راكب ويجوز دخول " أن " على المبتدأ والخبر كقولك: جاءني زيد وأنه ليفرق وجاءني زيد وأن أباه ينظر إليه وجاز أيضا إخراج " الواو " من " أن " كقولك: جاءني زيد أن أباه ينظر إليه.
وتقع الحال بعد إلا مما قبلها بجملة وغير جملة.
فأما غير الجملة فقولك: ما جاء في زيد إلا راكبا.
وما قدم علينا عمرو إلا أميرا.
وأما الجملة فقولك: " ما قدم علينا عمرو إلا هو أمير وإن شئت قلت: " إلا وهو أمير ". وإن شئت قلت: إلا أنه أمير وإن شئت قلت: إلا وإنه أمير وإدخال اللام في خبر " إن " وإخراجها سواء.
وقوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ 2. تقديره: وما أرسلنا أحد من المرسلين.
والمعنى: ما أرسلنا المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام.
والبيت الذي أنشده سيبويه.
كان أبو العباس المبرد يرده على سيبويه ويقول: تقدير سيبويه في العربية صحيح ولكنه غلط في معنى الشعر ويرويه: ألا فإني حاجز كرمي " إلا التي للتنبيه في أول الكلام " كأن أبا العباس ذهب إلى أنهما ما أعطياه وأنه ما سألهما ثم ابتدأ يصف نفسه بأنه يحجزه عن سؤالهما كرمه.
ولو كانت إلا مكسورة وما بعدها كأنا قد أعطياه وسألهما في حال.
كما حجزه كرمه.
وهذا لا يجوز عندي: لأن الحاجز من الكرم إنما يحجز عن السؤال وقبول العطية.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن " إلا " أجود لأنها توجب أنهما أعطياه وأنه سألهما وما حجزه كرمه عنده أنه ما عاب أعطاه هما ولا ألح عليهما في مسألته وشعره يدل على ذلك.

قال كثير: دع عنك سلمى إذا فات مطلبهما … واذكر خليليك من بني الحكم (1) ما أعطياني ولا سألتهما … إلا وأني لحاجزي كرمي مبدي الرضا عنهما ومنصرف … عن بعض ما لو سألت: لم ألم لا أنزر المائل الخليل إذا … ما اعتل نزر الظؤون لم ترم إنّي متى لا تكن عطيته … عندي بما قد فعلت احتشم خليلاه من بني الحكم: عبد الملك وعبد العزيز ابنا مروان بن الحكم وكانا يعطيانه ويسألهما مشهور ذلك من فعله وفعلهما فقد تبين في هذه الأفعال ما قلناه.
لأن قوله لا أنزر الخليل: لا ألح عليه في المسألة.
فينفي عن مسألته ما يفتح من الإلحاح.
وقوله: أني متى لا تكون عطيته … عندي بما قد فعلت احتشم أي: ما لم استوجب عطيته يعني: يمدح له أو غير ذلك من وجود الاستجاب.
واحتشم واستحي من العطية.
فقد دل على الإعطاء والسؤال.
ولو كان ما قاله أبو العباس لم يكن عطاؤهما ومسألته لهما واقعا البته.
ولم تكن الصورة على ذلك.
وإنما فتحت " أنّ " في: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق " لأنها " في موضع اسم مخفوض أو منصوب كأنه قال: لفسقك.
وقوله عز وجل: " إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا " في موضع رفع لأنه فاعل " منعهم " كأنه: ما منعهم عن قبول نفقاتهم إلا كفرهم.
وقد مضى من تفسير هذا الباب ما أغني عن إعادته

هذا باب آخر من أبواب «إن»

تقول: أشهد إنك لمنطلق " فأشهد " بمنزلة قوله: والله إنك لذاهب و " إن " غير عاملة فيها " أشهد ". لأن هذه اللام لا تلحق أبدا إلا في الابتداء.
ألا ترى أنك تقول: أشهد لعبد الله خير منك كأنه قال: والله لعبد الله خير منك.
فصارت " إنّ " مبتدأة حين ذكرت " اللام " هاهنا ولم تكن إلا مكسورة كما أن1

" عبد الله " لا يكون هاهنا إلا مبتدأ.
ولو جاز: أشهد أنك لذاهب لقلت أشهد بذلك.
فهذه اللام لا تكون إلا في الابتداء وتكون " أشهد " بمنزلة " الله " ونظير ذلك قول الله عز وجل: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ 1، وقال عز وجل: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 2؛ لأن هذه توكيد.
كأنه قال: يحلف بالله أنه لمن الصادقين.
وقال الخليل: أشهد بأنك لذاهب غير واجب؛ لأن حرف الجر لا يعلق وقال: أقول: (أشهد إنه لذاهب وإنه منطلق " اتبع آخره أوله.
وإذا قلت: أشهد أنه ذاهب وأنه منطلق لم يجز إلا الكسر في الثاني لأن اللام لا تدخل أبدا على (أنّ) و (أن) محمولة على ما قبلها ولا تكون إلا مبتدأة باللام، ومن ذلك أيضا قد علمت أنك لخير منه " فأن " هاهنا مبتدأة.
" وقد علمت " هاهنا بمنزلتها في قولك: " لقد علمت أيّهم أفضل " فعلقه في الموضعين جميعا.
وهذه اللام تصرف " أن " للابتداء كما تصرف " عبد الله " للابتداء.
في قولك: " لعبد الله خير ومنك " ف (عبد الله) هاهنا بمنزلة " أن " في أنه يصرف إلى الابتداء ولو قلت: قد علمت أنه لخير منك.
لقلت: قد علمت لزيدا خيرا منك ورأيت لعبد الله هو الكريم فهذه " اللام " لا تكون مع " إنّ " ولا مع عبد الله.
ألا وهما مبتدآن.
نظير ذلك قول الله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ 3 فهو هاهنا مبتدأ.
ونظير " أن " مكسورة إذا لحقتها اللام قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ 4، وقال عز وجل: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ 5، فإنكم هاهنا بمنزلة " أيّهم " إذا قلت: ينبئهم أيهم أفضل.
وقال الخليل مثله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ 6، " فما "

هاهنا بمنزلة: " أيهم " و " يعلم " معلقة.
قال الشاعر: ألم تر أنّي وابن أسود ليلة … لنسري إلى فارين يعلو سناهما 1 سمعناه ممن ينشده من العرب.
وسألت الخليل عن قوله: أحقا أنه لذاهب فقال: لا يجوز (كما لا يجوز) يوم الجمعة أنه لذاهب.
وزعم يونس والخليل: أنه لا تلحق هذه اللام مع كل فعل.
ألا ترى أنك لا تقول: وعدتك إنك لخارج إنما يجوز هذا في العلم والظن ونحوه.
كما يبتدأ بعدهن " أيهم " فإذا لم تذكر اللام قلت: قد علمت أنه منطلق.
لا تبتدئه وتحمله على الفعل ولم يجئ ما يضطرك إلى الابتداء.
وإنما ابتدأت حين كان غير جائز أن تحمله على الفعل (فإذا حسن أن تحمله على الفعل) لم تتخط الفعل إلى غيره.
نظير ذلك قوله: " إن خيرا فخير وإن شرا فشر " حملته على الفعل حين لم يجز أن تبتدئ بعد " إن " وكما قال: " أما أنت منطلقا انطلقت معك " لما لم يجز أن تبتدئ الكلام بعد " أما ". وهذه كلمة تتكلم بها العرب في حال اليمين.
وليس كل العرب تتكلم بها.
وتقول: " لهنك لرجل صدق " فهي " إنّ " ولكنهم أبدلوا " الهاء " مكان " الألف " كقولهم: هرقت، ولحقت هذه اللام " أن " كما لحقت " ما " حين قلت: " أن زيد لما لينطلقن " فلحقت " أن " اللام في اليمين كما لحقت " ما " واللام الأولى في لهنك " لام اليمين) واللام الثانية لام " أن " وفي " لما لينطلقن " اللام الأولى: " لإن " والثانية " لليمين " والدليل على ذلك: النون التي معها.
وقد يجوز في الشعر: " أشهد أن زيدا ذاهب " لشبهها بقوله: والله أنه ذاهب (لأن) معناه معنى اليمين كما أنه لو قال: " أشهد أنت ذاهب " ولم يذكر اللام لم يكن إلا ابتداء.
وهو قبيح وضعيف: إلا باللام.
ومثل ذلك في الضعف: علمت أن زيدا ذاهب كما أنه ضعيف: قد علمت

عمرو خير منك.
ولكنه على إرادة اللام.
كما قال عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 1، على اليمين.
وكأن في هذا حسنا حين طال الكلام.
وسألته عن " كأن " فزعم أنها " أن " لحقتها الكاف للتشبيه ولكنها صارت مع " أن " بمنزلة كلمة واحدة وهي نحو: كأي رجلا ونحو له كذا درهما.
وأما قول العرب في الجواب " أنه " فهو بمنزلة " أجل " وإذا وصلت قلت: " إنّ يا فتى " وهي التي بمنزلة أجل.
قال الشاعر: بكر العواذل في الصبو … ح يلمننى والومهنه 2 ويقلن شيب قد علا … ك وقد كبرت فقلت إنّه قال أبو سعيد: أصل " أشهد " أن يتعدى بالباء " أن " تقع على مصدر كأنك قلت: أشهد على زيد بالفسق " وأشهد أن لا إله إلا الله.
وأشهد بأن زيدا.
وأشهد بأنه لا إله إلا الله.
فيجوز مع إدخال الباء وطرحها ولا يجوز طرح الباء مع المصدر.
لا تقل: " أشهد على زيد الفسق ". ثم أجروا " أشهد " مجرى " أعلم " لأن الشهادة بالشيء عن علم به تقدم.
غير أنهم لم يتجاوزوا في إقامته مقام " أعلم " وقوعها على " أن " فقال: أشهد أن زيدا منطلق.
كما قالوا: أعلم أن زيدا لمنطلق.
وقد يقال " شهدته " وليس في معنى: حضرته.
وليس في معنى " علمته ". ويقال: علمت زيدا أخاك على أن " أخاك " مفعول ثان ولا يقال على ذلك: شهدت زيدا أخاك.
واعلم أن اللام في قولك: (أشهد أن زيدا لمنطلق) و " أعلم أن زيدا لمنطلق حقا " وموضعها أن يكون قبل " أن " وذلك أن اللام تمنع ما قبلها من العمل فيما بعدها.
فلو كان موضعها بعد " أن " لوجب فتح " أن " ولبطل عمل " أن " فيما بعد " أن " فكأن يلزم من ذلك أن يقال: علمت أن في الدار لزيد ففتح " أن " لوقوع عليه.
ولا مانع من فتحها كما فتح إذا قلت: علمت أن زيدا منطلق.
ويبطل نصب زيد بأن اللام إذا منعت من عمل اللام

فيما بعدها في قولك: علمت لزيد منطلق، فعمل " أن " فيما بعدها منع لأن " أن " أضعف عملا من الفعل.
فوجب أن تكون " اللام " موضعها قبل " أن " لتمنع " أن " من عمل " علمت " فيها.
ونقلها إياها من الكسر إلى الفتح.
كما تمنع من عمل " علمت " في الابتداء والخبر إذا قلت قد علمت لزيد منطلق.
وإذا تأخرت " اللام " وهي في نيته التقديم لم يبطل عمل " أن " فوجب أن يقال: علمت أن زيدا لمنطلق.
وعلمت أن في الدار زيد.
فسبيل إن في كسرها بدخول اللام عليها كسبيل الاسم في رفعه بالابتداء بدخول اللام عليه.
لأن كسر " إن " يوجبه الابتداء بها.
كما أن رفع الاسم يوجبه الابتداء به والذي أصارهما إلى ذلك: اللام، ولا يجوز، أشهد أنك لذاهب، لأن اللام إذا قدرناها قبل " أن " بمنزلة المبتدأ بها في اللفظ و " أن " لا يبتدأ بها.
ومما يبطل ذلك: أن أشهد أصلها أن تتعدى بالتاء فلو جاز أن تقول: أشهد أنك قائم لجاز: أشهد بأنك لقائم فيكون تقديره: أشهد بكذا.
لأن اللام مقدرة قبل " أن " والباء داخله عليها.
و " أن " وما بعدها من المبتدأ والخبر بمنزلة: كذا فكأنه قال: أشهد بكذا وهذا باطل.
لأن الباء لا يبطل عملها الخفي.
واللام تمنع من عمل ما قبلها فيما بعدها.
فتصير الباء عاملة ممنوعة العمل وهذا تناقض.
ولهذا قال الخليل: " أشهد بأنك ذاهب " غير جائز لأن الحروف لا تعلق.
معناه: لا تبطل عملها.
وإذا لم يبطل عملها وقدرناها وكسرنا " أن " فقد أبطلنا عملها.
وهذا غير جائز.
والفرق بين الباء وبين هذه الأفعال التي بطل عملها وتعلق عما بعدها.
أن " الباء " ليس لها حال يبطل عملها.
وهذه الأفعال.
يبطل عملها في: الاستفهام كقولك: علمت زيد في الدار أم عمرو؟ وفي التأخير والتوسط: كقولك: زيد قائم علمت وزيد علمت قائم.
ودخول اللام مثل الاستفهام وفيما ذكر سيبويه من شواهد: لك من القرآن مقنع.
والبيت: ألم تر أنّي وابن أسود ليلة بكسر " أني " من أجل اللام في " لنسرى " ولو لم تكن اللام لقيل: ألم تر أني وابن أسود ترى بفتح: أني.
وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ

شَيْءٍ 1 ما يدعون فيه وجهان: أحدهما: أن تكون استفهاما والعامل فيها " يدعون " كأنه قال: أيهم يدعون؟ وينصب " أيهم " ب " يدعون " ويجوز أن يكون منصوبا ب " يعلم ". ويكون بمعنى " الذي " و " يدعون " صلتها.
كأنه قال: الذين يدعون من دونه من شيء.
ولا يجوز: " أحقا أنه لذاهب " ولا: يوم الجمعة أنه لذاهب.
لأن: " حقا " " ويوم الجمعة " في مذهب الظرف، ولا يجوز نصبها بما بعد " أن " لأنه لا يعمل فيما قبل " أن " وإنما تنصبها كما تنصب: " خلفك زيد ". ولا يجوز: خلفك أن زيدا ذاهب.
وإنما يقال: " خلفك أن زيدا ذاهب " كما يقال: خلفك ذهاب زيد.
فإذا لم يجز: خلفك أن زيدا قائم فقولك: " خلفك أن زيدا لقائم " أبعد في الجواز لمنع اللام اتصال ما قبلها بما بعدها.
ولا يجوز: أحقا أنه لذاهب بفتح " أن " مع اللام لأن اللام ما بعدها جملة مستأنفة.
ولا يجوز: وعدتك أنك لخارج.
لأن مفعولي " وعدت " أحدهما غير الآخر.
ولا تلغى كإلغاء " حسبت " وأخواتها.
لأنك إذا قلت: زيدا حسبت منطلقا.
جاز أن تلغى " حسبت " فتقول: حسبت منطلق.
ولو لم يذكر: " حسبت " لجاز أن تقول: زيد منطلق.
والمفعول الثاني من باب: حسبت وأخواتها خبر عن المفعول الأول يجوز أن تقع في موضعه الأفعال والظروف والجمل.
كقولك: حسبت زيدا أنه قائم وحسبت أبوه لخارج، وحسبت لزيد خير منك، ولا يجوز شيء من هذا في: وعدت.
لأن أصل " وعدت " أن يتعدى لمفعولين أحدهما غير الآخر وليس بخير.
وأصل المفعول الثاني منه أن يكون بالباء استخفافا فتقول: وعدت زيدا دينارا وثوبا.
ووعدته الخروج والمعونة ولا يجوز: وعدته لزيد قائم.
ولا: وعدت أيهم في الدار.
كما جاز في " حسبت " ولا وعدت لزيد قائم " ولا: وعدتك أنك لقائم ". و " لا: وعدتك أنت قائم " كما يجوز: حسبتك لا أبوك قائم وحسبتك أنك قائم وحسبتك أنت قائم.
وإنما يجوز في موضع المفعول الثاني من " وعدت " " أن " المفتوحة بالباء وغيرها كقولك وعدتك أنك تعان ووعدتك أن الغلام لك.
كما قال الله عز وجل: وَإِذْ

يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ 1 فإنها بدل من إحدى الطائفتين.
كأنه قال: وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم وإن أدخلت الباء قلت: وعدتك بأنك تعان وبأن الغلام لك.
وإنما جاز دخول الباء وخروجها كما جاز تعلقت بزيد وتعلقت زيدا.
ومعنى قوله: " قد علمت أنه منطلق " لا تبتدئه وتحمله على الفعل " يريد أنك تحمل أنه منطلق " فتفتحه وتعمل فيه " علمت " ولا تبتدئه فتكسر لأنه ليس في الكلام ما يضطرك إلى ابتدائها وكسرها وهو اللام إذا كانت بعدها.
ونظير ذلك قولهم: " إن خيرا فخير وإن شرا فشر ". نصبت " خيرا " و " شرا " بإضمار فعل تقديره: إن كان خيرا وإن كان شرا.
وإنما اضمرت الفعل وحملته عليه إذ لم يجز أن تبتدئ الكلام بعد " إن " كما ابتدأت في الأول حين قلت لم يجز أن يحمل الكلام على الفعل إذا قلت: علمت إنّ زيدا لقائم " وعلمت لزيد قائم ". وكذلك: علمت أيّهم في الدّار وكذلك حملت ما بعد " أما " على الفعل إذا لم يجز الابتداء بعدها.
لأنها في تأويل " إن كنت منطلقا " وهي المخففة التي الفعل الماضي والمستقبل بعدها معها كالمصدر وقد ذكر " إما " في موضعها.
قال أبو سعيد: في " لهنك " ثلاثة أقوال: أحدها: قول سيبويه: أن أصلها " أن " أبدلوا همزتها هاء كما أبدلوا " الهاء " من هرقت مكان " ألف " أرقت ولحقت اللام التي قبل الهاء لليمين.
كما لحقت " ما " حين قلت: " أن زيدا لمّا لينطلقّن " فلحقت " أن " اللام في اليمين كما لحقت بعد " ما " فاللام الأولى في " لهنك " لام اليمين.
واللام الثانية " لام إن ". وفي: لمّا لينطلقن " اللام " الأولى " لأن " والثانية لليمين.
والدليل على ذلك: النون التي معها.
وذكر سيبويه أن هذه الكلمة يقولها بعض العرب.
وشبه دخول اللام على " أن " لليمين.
وإن كان بعدها " أن " وهي للتوكيد بدخول لام اليمين في آخرها وإن كان قبلها " لمّ " وهي للتوكيد.
وقد يجتمع الحرفان في معنى واحد فيؤكد أحدهما الآخر كقولهم: ما إنّ زيد قائم وهما حرفا جحد.

والثاني: قول الفراء: هذه من كلمتين كانتا يجتمعان كانوا يقولون: والله أنك لعاقل فخلطتا فصار فيهما اللام والهاء من " الله " والنون من " أن " المشددة وحذفوا ألف " أن " كما حذفوا الواو من أول " والله ". وأنشد في " لهنك " قول الشاعر: لهنك من عينيه لوسيمة … على هنوات كاذب من يقولها 1 وقال: لهن خباء لا قعيدة تحته … سوى لمسترخى الحبال خفوق 2 تطيف به شدّ النّهار ظعينة … طويلة أنقاء اليدين سحوق يقول: ليس لي أقل يعينني عليه فليس يكون شده محكما وخفوق: مضطرب.
شد النهار: ارتفاعه والأنقاء جمع نقى وهو كل عظم فيه مخ والنقى أيضا هو " المخ " و " سحوق " طويلة.
الثالث: حكاه المفضل بن سلمة 3 لغير الفراء معناه: أنك لمحبس.
قال: وهذا أسهل في اللفظ وأبعد في المعنى.
والذي قاله الفراء أصح في المعنى لأن قول القائل: (والله أنك لقائم) أصح من: " لله أنك لقائم " واللام في الجواب دليل على القسم وقولهم: تعجب.
والتعجب لا يدخل معه " إنّ " وذلك أن التعجب وضع لما هو قائم ولما قد مضى كقولك: ما أحسن زيدا.
فيما هو قائم وما أجمل ما فعل فيما قد مضى.
قال: وإن للاستقبال لا غير وضعت ثم كثرت حتى صارت للواجب على معنى الواجب.
قال أبو سعيد: هذا حكاية كلام المفضل بن سلمة.

وقوله: " وقد يجوز في الشعر: أشهد أن زيدا ذاهب بقوله: والله أنه ذاهب "؛ لأن معناه معنى اليمين.
قال أبو سعيد: قد يستعمل بمعنى اليمين يقال: أشهد لأخرجن، و " أشهد بالله لأخرجن ". وقد ذكره أهل العراق في كتاب " الأيمان " وقالوا: " إذا قال أشهد وأشهد بالله وأحلف وأحلف بالله أو أقسم وأقسم بالله.
فهو كله سواء في صحة اليمين فإذا أتى بشيء من ذلك فعليه كفارة إذا حنث فيه.
والغالب في الكلام أن " أشهد " يذهب بها مذهب الباء إذا وقعت ولم يكن في خبرها " اللام " كقولهم في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
وإذا ذهبوا بها مذهب اليمين أتوا لها بجواب فإذا كسروا أتوا باللام كقوله عز وجل: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ 1 وأتوا " باللام " في الجواب كقولك: أشهد لأخرجن.
وقد رد أبو العباس المبرد على سيبويه إجازته في الشعر: أشهد إنّ زيدا ذاهب.
فقال: ليس للضرورة في " أن " و " إن " عمل.
لأن وزنهما واحد.
والقافية بهما سواء فهما في الشعر سواء.
قال أبو سعيد: وجه الضرورة أن تريد اليمين.
ولا تجعل في خبرها اللام ولا تتلقاها باللام ولا يفتحها وهو يريد اليمين.
لأن فتحها إنما يكون إذا أراد بها معنى الباء كنحو ما ذكرنا: أشهد أن محمدا رسول الله.
وقد أجاز سيبويه كسر " إنّ " بعد " علمت " من غير لام في قولك: علمت أن زيدا ذاهب.
على: تأويل اللام وحذفها وشبه حذفها بحذف اللام من قوله عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 2، وتقديره: لقد أفلح لأنه جواب وَالشَّمْسِ وَضُحاها 3 واستضعف حذف اللام في: " أن زيدا ذاهب " وليس حذفها بضعيف في قوله: " قد أفلح من زكاها ". لأن ما قبلها من طول الكلام عوض.
وهو

ضعيف في: " إنك " لأنه ليس قبله ما يكون عوضا.
وقد أجازه أبو العباس على كلامين.
كأنه قال: " وقد علمت... " ثم ابتدأ فقال " أن زيدا ذاهب " وهذا ضعيف.

وباقي الكلام مفهوم من لفظ سيبويه هذا باب «أنّ» و «إنّ»

فأن مفتوحة تكون على وجوه: فأحدهما: أن تكون " أن " وما تعمل فيه من الأفعال بمنزلة مصادرها.
والآخر: أن تكون فيه بمنزلة " أي ". ووجه آخر: تكون فيه مخففة من الثقيلة.
ووجه آخر: تكون فيه لغوا نحو قولك: لما أن جاء وأما والله أن لو فعلت.
وأما أن فتكون للمجازاة وتكون " أن " يبتدأ ما بعدها في معنى اليمين وفي اليمين كما قال الله عز وجل: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ 1، ووَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ 2، وحدثني عن رجل من أهل المدينة موثوق به أنه سمع عربيا يتكلم بمثل قولك: " أن زيدا لذاهب " وهي التي في قوله عز وجل: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ 3. وهذه " أن " محذوفة.
وتكون بمنزلة " ما " قال الله عز وجل: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ 4. وتصرف الكلام إلى الابتداء كما صرفتها " ما " إلى الابتداء وذلك قولك: ما أن زيد ذاهب.
قال الشاعر: وما إن طبنا جين ولكن … منايانا ودولة آخرينا 5

قال أبو سعيد: أما " أن " الداخلة على الأفعال فتنصب المستقبل منها وتكون معها بمنزلة المصدر فهي تدخل على الماضي والمستقبل كقولك: " أعجبني أن دخلت الدار ". و " تعجبني أن تزورنا " ولا تقع للحال.
وقد ذكرت في غير موضعها.
وأما " أن " التي بمعنى " أي " فهي نائبة عن القول وتأتي بعد فعل في معنى القول وليس بقول.
كقولك: كتبت إليك أن قم.
تأويله: قلت لك: قم.
ولو قلت لك: أن قم لم يجز.
لأن القول يحكي ما بعده.
ويؤتى بما بعده باللفظ الذي يجوز وقوعه في الابتداء.
وما كان في معنى القول وليس بقول فهو يعمل وما بعده ليس كالكلام المبتدأ وهذا الوجه في " أنّ " لم يعرفه الكوفيون ولم يذكروه.
وعرفه البصريون وذكروه.
وسموه " أن " التي للعبارة وحملوا عليه قوله عز وجل: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا 1، وفي تقديره وجهان: أحدهما: انطلقوا.
فقال بعضهم لبعض " امشوا واصبروا " وذلك أنهم انصرفوا عن مجلس دعاهم فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى التوحيد لله عز وجل وترك الآلهة دونه وصار " انطلق الملأ منهم " لما اضمروا القول بعده بمعنى: فعل يتضمن القول نحو: كتب واشباهه.
والوجه الآخر: أن يكون " انطلقوا " بمعنى " تكلموا " كما يقال: انطلق زيد في الحديث كأن خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق.
ويقال في " امشوا " أي: اكثروا ونموا.
والمشاء: النماء.
وأمشيت الماشية ماشية.
وأهل الكوفة جعلوا " أن " في موضع نصب بإسقاط الخافض وهو " الباء " كأنه قال: وانطلقوا بالمشي وحقيقته: أي قال بعضهم لبعض " أمشوا " وقد ذكر كونها بعض الثقيلة وأحكامها وزيادتها.
وأما " أن " المخففة التي للإيجاب فهي مخففة عن الثقيلة فإن بقيت أعمالهم لم يحتج إلى " اللام " كما لا يحتاج في الثقيلة كقولك: أن زيدا قائم وإن شئت أدخلت اللام فقلت: أن زيدا لقائم ولا تدخل إلا على اسم وخبر.
وإن خففتها ولم تعملها لزمت " اللام " فيما بعدها للدلالة على الفرق بينها وبين " أن " في معنى الجحد ودخلت على الاسم والفعل فالاسم كقولك: أن زيد لذاهب والفعل

أن قام لزيد ومنه قوله عز وجل: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا 1، وقوله عز وجل: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ 2. وأهل الكوفة يذهبن في " أن " إلى أنها بمعنى " ما " وفي اللام إلى أنها بمعنى " ألا " وتأولوا قول الشاعر: شلت يمينك إن قتلت لمسلما … وجهت عليك عقوبة المتعمّد 3 إلى أن معناه: ما قتلت إلا مسلما.
قال أبو سعيد: هذا التقدير وإن كان يصح معناه هذا الموضع فحقيقة الكلام أن اللام دخلت على التوكيد ولزمت للفصل بينها وبين " أن " التي بمعنى " ما " ولا نعلم " اللام " تستعمل بمعنى " إلا " ولو جاز ذلك جاز أن تقول: " جاءني القوم لزيد " بمعنى: إلا زيدا.
مذهب سيبويه أن دخول " أن " بعد " ما " يبطل عمل " ما " في قول أهل الحجاز وبهذا يرد قول أبي العباس المبرد: " أن " وحدها لو دخلت على اسم وخبر لعملت كعمل (ما) نحو أن زيد قائما فلو كانت تعمل وحدها لما أبطلت عمل " ما " بل كانت تؤكد عملها.
وأهل الكوفة يذهبون إلى أن " أن " إذا دخلت على " ما " وهما حرفا جحد ترادفا على الجحد كما يترادف حرفا التوكيد على الشيء كقولهم " أن زيدا لقائم ". وأهل البصرة يجعلون " أن " بعد " ما " زائدة لأنها لو لم تكن زائدة كانت جحد وجحد الجحد إيجاب وليس التوكيد بجحد.
وجعل سيبويه إبطال " أن " لعمل " ما " في قول أهل الحجاز كإبطال " ما " عمل " أن " في قولك: " أنما زيد أخوك " لأن كل واحدة منهما أبطلت عمل ما قبلها وصار ما بعدها مبتدأ وخبرا.

هذا باب من أبواب «أن» التي تكون الفعل بمنزلة المصدر

تقول: أن تأتيني خير لك كأنك قلت: الإتيان خير لك ومثل قوله عز وجل: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 1، يعني: الصوم خير لكم قال عبد الرحمن بن حسان:- أني رأيت المكارم حسبكم … أن تلبسوا حر الثياب وتضيعوا 2 كأنه قال: رأيت حسبكم لبس الثياب.
واعلم أن " اللام " ونحوها من حروف الجر قد تحذف من " أن " كما حذفت من " إن " وجعلوها بمنزلة المصدر حين قلت: " فعلت ذاك حذر الشر " أي: لحذر الشر ويكون مجرورا على التفسير الآخر.
ومثل ذلك قولك: إنما انقطع إليك أن تكرمه أي لإكرامه ومثل ذلك قوله: لا تفعل كذا وكذا أن يصيبك أمر تكرهه كأنه قال: لأن يصيبك أو: من أجل أن يصيبك وقال عز وجل: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما 3، وقال عز وجل: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ 4. كأنه قال: لإن كان ذا مال.
وقال الأعشى: أأن رأت رجلا أعشى أضربه … ريب المنون ودهر مفسد خبل 5 " فأنّ " هاهنا حالها في حذف حرف الجر كحال " أن " وتفسيرها كتفسيرها.
وهي مع صلتها بمنزلة المصدر من ذلك قولك: أئتني بعد أن يقع الأمر.
وأتاني بعد أن وقع الأمر كأنه قال: بعد وقوع الأمر.
ومن ذلك قوله: " أما أن أسير إلى الشام فما أكرهه ". " وأما أن أقيم فلي فيه أجر " كأنه قال: أما السيرورة فما أكرهها.
وأما الإقامة فلي فيها

أجر.
وتقول: لا يلبث أن يأتيك " أي ": لا يلبث عن إتيانك وقال عز وجل فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا 1، (فأن) محمولة على (كان) كأنه قال:- " فما كان جواب قومه إلا قول كذا وكذا... " وإن شئت رفعت الجواب فكانت (أن) منصوبة.
وتقول " ما منعك أن تأتينا ". أراد من إتياننا فهذا على حذف حرف الجر.
وفيه ما يجيء محمولا على ما يرفع وينصب من الأفعال تقول: قد خفت أن يفعل.
وسمعت عربيا يقول: أنعم في أن تشده أي بالغ في أن يكون ذلك هذا المعنى و (أن) محمولة على " أنعم ". وقال عز وجل: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ 2، ثم قال " أن " يكفروا على التفسير كأنه قيل له: ما هو فقال: أن يكفروا.
وتقول أني مما أن أفعل ذاك.
كأنه قال: أني من الأمر أو من الشأن أن أفعل ذاك فوقعت " ما " هذا الموقع كما تقول العرب: " بئسما " يريدون: بئس الشيء.
وتقول: ائتني بعد ما يقول ذاك.
كأنك قلت: (ائتني) بعد قولك ذاك.
القول كما أنك إذا قلت: بعد أن تقول.
فإنما تريد: ذلك.
ولو كانت " بعد " مع " ما " بمنزلة كلمة واحدة لم تقل: من بعد ما يقول ذاك القول.
ولكانت " الدال " على حالة واحدة.
وإن شئت قلت: أني مما أفعل فيكون " ما " مع " من " بمنزلة كلمة واحدة نحو: ربما.
قال أبو حية النميري: وأنّا لمّا نضرب الكبش ضربة … على رأسه تلقى اللّسان من الفم 3 وتقول إذا أضفت إلى " أن " الأسماء: " أنه أهل أن يفعل " وإن شئت قلت أنه أهل أن يفعل، ومخافة أن يفعل: إنه أهل لأن يفعل ومخافة لأن يفعل فهذه الإضافة كإضافتهم بعض الأشياء إلى " أن " قال الشاعر:

تظلّ الشّمس كاسفة عليه … كآبة أنها فقدت عقيلا 1 وتقول: أنت أهل أن تقول.
(أهل) عاملة في " أن " كأنك قلت: أنت مستحق أن تفعل.
وسمعنا فصحاء العرب يقولون: لحق أنه ذاهب فيضيفون.
كأنه قال: ليقين ذاك أمرك.
وليست في كلام كل العرب.
و " أمرك " هو خبر هذا الكلام لأنه إذا أضاف لم يكن كقولك: لحق ذاك من خبر.
وإنما قبحه عندي حذف الخبر.
ألا ترى أنك لو قلت لعبد الله فأضمرت الخبر لم يحسن.
ولا يبعد خبر مثل هذا أن يضمر وتقول: أنه خليق لأن " يفعل " وأنه خليق أن يفعل " على حذف " وتقول: عسيت أن تفعل.
فإن هاهنا بمنزلتها في قولك: قاربت أن تفعل أي قاربت ذاك.
وبمنزلة: دنوت أن تفعل.
وأخلولقت السماء أن تمطر أي: لأن تمطر.
وعسيت بمنزلة أخلولقت السماء ولا يستعملون المصدر هاهنا كما لم يستعملوا الاسم الذي الفعل في موضعه كقولك: " بذي تسلم " لا يقولون عسيت.
ونقول: " عسى أن يفعل ". وعسى أن يفعلا و " عسى أن تفعلوا " " فعسى " محمولة عليها " أن " كما تقول: دنا أن يفعلوا وكما قال: أخلولقت السماء أن تمطر.
وكل هذا تكلم بها عامة العرب وكقوله " عسى " الواحد والجمع والمؤنث تدل على ذلك.
ومن العرب من يقول: " وعسيا " و " عسوا " وعست " وعستا " و " عسين ". فمن قال ذلك كانت " أن " فيهن بمنزلتها في: " عسيت " في أنها منصوبة.
وأعلم أنهم لم يستعملوا " عسى فعلك " " واستغنوا بأن تفعل " عن ذلك.
كما استغنى أكثر العرب (بعسى) عن أن يقولوا: عسيا وعسوا.
وبلو " أنه ذاهب " عن " لو ذهابه ". ومع هذا أنهم لم يستعملوا المصدر في هذا الباب كما لم يستعملوا الاسم الذي في موضعه " يفعل " في عسى.
وكاد.
(يعني أنهم لا يقولون: عسى فاعلا ولا: كاد فاعلا) فترى هذا ومن كلامهم الاستغناء بالشيء عن الشيء.
واعلم من العرب من يقول: " عسى يفعل " لشبهها يكاد يفعل.
" فيفعل " حينئذ في موضع الاسم المنصوب في قولك: " عسى الغوبر أبؤسا فهذا مثل من أمثال العرب أجروا

فيه " عسى " جرى " كان ". قال هدبة: 1 عسى الهمّ الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فر قريب وقال آخر: عسى الله يعني عن تلاد ابن قادر … بمنهمر جون الرباب سكوب 2 وقال:- فأما كيس فنجا ولكن … عسى يغتر بي حمق لئيم 3 وأما " كاد " فلأنهم لا يذكرون الأسماء في موضع هذه الأفعال كما ذكرنا في الأجزاء التي تليها.
ومثله: جعل يقول لا يذكرون الاسم هنا.
ومثله: أخذ يقول... والفعل هنا بمنزلة الفعل في " كاد " إذا قلت: كاد يقول.
وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته وهو ثم خبر كما أنه هنا خبر إلا أنك لا تستعمل الاسم فأخلصوا هذه الحروف للأفعال كما خلصت حروف الاستفهام للأفعال نحو: " هلا " و " إلا " وقد جاء في الشعر: كاد أن يفعل.
شبهوه " بسعى ". قال رؤبة: قد كاد من طول البلى أن يمصحا 4 وقد يجوز في الشعر أيضا: " لعلى أن أفعل " بمنزلة: عسيت أن أفعل.
وتقول يوشك أن تجيء وأن محمولة على يوشك وتقول: توشك أن تجيء.
فإن في موضع نصب كأنك قلت: قاربت أن تفعل.
وقد يجوز (بمنزلة: عسى يجيء قال أمية بن

أبي الصلت: يوشك من فر من منيته … في بعض غراته يواقعها 1 فهذه الحروف التي هي للتقريب شبيهة بعضها ببعض ولها نحو ليس لغيرها من الأفعال.
وسألته عن معنى قوله: " أريد لأن أفعل " فقال: أنما يريد أن يقول: " إرادتي لهذا " كما قال عز وجل: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ 2 إنما هو: أمرت لهذا.
وسألته عن قول الفرزدق: أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا … جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم 3 فقال: " أن " لأنه قبيح أن يفصل بين " أن " والفعل كما قبح أن يفصل بين " كي " والفعل.
فلما قبح ذلك ولم يجز حمل على " أن " لأنه قد تقدم فيها الأسماء قبل الأفعال.
قال أبو سعيد: قوله 4 أني رأيت من المكارم حسبكم … أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا رأيت: من رؤية القلب.
وحسبكم: المفعول الأول، وأن تلبسوا: المفعول الثاني.
وقوله: من المكارم: بمنزلة الظرف لرأيت وليس من المفعولين في شيء.
وهو كذلك: " حسبت في الدار زيدا خارجا ". أي وقعت محسبتي في الدار.
ويجوز أن يكون على التبيين كأنه قال: رأيت حسبكم.
من المكارم ثم قدم: " من المكارم " على معنى: أعني من المكارم.
كما قال عز وجل: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ 5، كأنه قال: أعني من الأوثان لأن الرجس يكون من الأوثان وغيرها وكذلك " حسبكم " يكون من المكارم وغيرها.
وحذف حرف الجر من " أن " مطرد في جميع الكلام لأن " أن " وما بعدها من الفعل

والفاعل بمنزلة المصدر فحذف حرف الجر لطول الاسم.
وحذف اللام مطرد من المفعول له إن كان ب " أن " أو بلفظ المصدر كقولك: فعلت هذا لإكرام " زيد ". وفعلته أن أكرم زيدا ومعناه كله: فعلته من أجل إكرام زيد.
ولإكرام زيد.
وهو المفعول له.
وأما قوله تعالى: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ 1، أن كان ذا مال.
ويقرأ: أنّ كان ذا مال بغير استفهام والمعنى في القراءتين بمعنى اللام تقديره: ألأن كان.
وبغير استفهام: لأن كان.
وفي اللام قولان: أحدهما: ألأن كان ذا مال وبنين تعلمه؟ ويقوى هذا أنها في قراءة: عبد الله: ولا تطع كل حلاف يبين إن كان ذا مال وبنين أي: لا تطعه لأن كان ذا مال وبنين.
والوجه الآخر: ألأن كان ذا مال وبنين.
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ 2، يكون اللام في موضع نصب بإضمار فعل بعده بمعنى: قال أساطير الأولين ومعناه: ألأن كان ذا مال وبنين يقول إذا تتلى عليه آياتنا هي أساطير الأولين.
لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وأما قول الأعشى: أأن رأت رجلا أعشى أضربه … ريب المنون ودهر مفسد خبل 3 فمعناه: ألأن رأت رجلا أعشى أضربه.
وقد حمل بعض أصحابنا اللام على صلة قوله: قالت هريرة لما جئت زائرها … ويلي عليك وويلي منك يا رجل 4 قال أبو سعيد: لا أستحب هذا التفسير لأن: (قالت هريرة...) بعد " أأن " رأت رجلا... " بأبيات كثيرة.
وإن كان يمكن أن تحمل تلك الأبيات على أنها اعتراض في الكلام.

والأجود أن يضمر بعد البيت فعل يدل عليه ما قبله.
والذي قبله:- صدّت هريّرة عنّا ما تكلمنا … جهلا بأيام خليد حبل من تصل 1 والفعل المفسر: أأن رأت رجلا أعشى صدت: وجاز إضماره لتقدم ذكره.
ومثله في الكلام أن يقول الرجل لمن يوبخه:- " سعيت في مكارهي وأذيتني لأن أحسنت إليك "؟ ومعناه مفهوم وإن حذف.
ويقوى هذا أنه يروي: " من أن رأت رجلا ". وأنما احتيج إلى تطلب هذه الوجوه لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وليس يتصل به ما بعده وما تكون " اللام " في صلته.
وقولك: ما منعك أن تأتينا.
وتقديره: من أن إتيانك.
وقد يجوز حذف حرف الجر في " أن " ولا يجوز مع المصدر كقولك: وجلت أن يأتي زيد ورغبت أن أصبحت أخاك.
ووجلت من أن يأتيني زيد ولو جعلته مصدرا لم يجز حذف الجار منه لا تقل: وجلت إتيان زيد.
ولا رغبت صحبة أخيك.
حتى تقول: من إتيان زيد.
وفي صحبة أخيك وأما قوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا 2 ف " أن يكفروا " في موضع رفع ظاهر كلامه.
وموضعه كموضعه في قولك: بئس رجلا زيد.
و" ما " في معنى " شيئا ". واشتروا به " نعت لما " وإلى هذا المعنى ذهب الزجاج في معنى الآية.
3 وقال الفراء: " أن يكفروا " يجوز أن يكون في موضع خفض ورفع.
فأما الخفض: فإن تردها على الهاء في " به " يذهب إلى أن " ما " بمعنى " الذي " وهي موصولة بقوله اشتروا به أنفسهم.
" وأن تكفروا " بدل من الهاء.
فيصير أيضا في صلة " ما " وتسمى " بئسما " في هذا الوجه مكتفية.
لأن تقديرها: بئس الذي اشتروا به أنفسهم.
والكلام تام.
وليس بمنزلة قولك: " بئس الرجل ". لأن الكلام لا يتم حتى تقول بئس الرجل عبد الله.
ويتم بقولك بئس ما صنعت.
وبئس ما اشتريت به نفسك.
ولا يحتاج بعده إلى اسم مرفوع يبين به.
" ما " بعد " بئس " هذا قول الفراء.

ولم يجز الفراء " بئسما صنيعك " و " ساء ما صنيعك " على أن تجعل " ما " بمنزلة " شيئا " أو بمنزلة " الشيء " ويجعل " صنيعك " بمنزلة " زيد " في قولك بئس شيئا زيد وأجازه على تأويل آخر: إذا جعلت ما بعد " بئس " بمنزلة " إذا " بعد (حب) فتقول: " بئس ما صنيعك " كما تقول " حبذا صنيعك " وفصل بين هذا والأول.
لأن بئس الرجل زيد مرفوع عند الفراء بشيء ناب عنه بئس.
أو قام مقامه وأصله: رجل بئس زيد " فرجل " رفع بزيد وزيد " رفع به " ثم حذفوا " رجل " وأظهروا الضمر الذي في " بئس ": فقالوا: بئس الرجل.
فناب " بئس " عن " الرجل " ورفع زيدا.
ورفع " الرجل " كما يرفع الفعل فاعله ف " نعم " رافع عند الفراء للرجل ولزيد جميعا.
وإذا جعلهما وما بعدها بمنزلة " حبذا " فزيد " مرفوع بحبذا " كما هي.
وعلى هذا الوجه جعل الفراء قول الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا 1، و " حبذا " بمنزلة اسم يرافعه " زيد ". وليس (لذا) موضع عنده.
و " ذا " كبعض حروف الكلمة الذي لا موضع له.
وقد أجاز الفراء أن تكون " ما " زائدة في " نعم وبئس " وإذا كانت كذلك صارت " ما " كأنها ليست في الكلام ويكون ما بعدها كما بعد نعم وبئس.
وتقول بئسما رجلا زيد.
وبئسما رجلين الزيدان.
وقال الكسائي: ما بعد " نعم وبئس " بمنزلة اسم تام فإذا كان بعده اسم فهو بمنزلة " زيد " بعد " نعم الرجل ". وإذا كان بعده فعل.
كان فيه إضمار " ما " أخرى وذلك قولك في الاسم: نعم ما صنيعك وبئس ما كلامك: نعم شيئا صنيعك وبئس شيئا صنيعك وبئس شيئا كلامك.
ومثله من كلام العرب: " بئسما تزويج ولا مهر " كأنه قال: بئس الشيء تزويج بغير مهر.
وفي الفعل: بئسما صنعت.
أضمر " ما " أخرى قبل " صنعت " تقديره بئسما ما صنعت كأنك قلت: بئس شيئا شيء صنيعك.
والدليل على ذلك: أن " ما " دخلت عليه " نعم " ولم توصل.
ولم توصف في قوله عز وجل: فَنِعِمَّا هِيَ 2 وقول القائل: غسلته غسلا نعما يعني به: نعم الغسيل.

وإذا قال بئسما صنعت فتقديره: بئسما ما صنعت، بمعنى: بئس الشيء أو بئس شيئا شيء صنعت " فما " الثانية مذكورة قد وصفتها (بصنعت) تريد: صنعته وحذفت الموصوف وأقمت الصفة مقامه كما حذف وقدر في قوله: أمن يهجو رسول الله منكم … وينصره ويمدحه سواء 1 بمعنى: ومن ينصر.
على أن " من " نكرة حذفت وأقيمت صفتها مقامها.
وكان ذلك أسهل من حذف الموصول.
وذكر سيبويه: أنهم سمعوا فصحاء العرب يقولون: لحق أنه ذاهب بإضافة " حق " إلى " أنه... " وإضافتها توجب أنه اسم واحد وهو مبتدأ وخبره محذوف.
ومثله سيبويه: بقوله: ليقين ذاك أمرك.
وذكر الأخفش أنه لم يسمع ذلك من العرب وأن الذي يقبحه حذف الخبر ثم أجازه وقال: لا يبعد خبر مثل هذا أن يضمر.
وإنما مثله سيبويه بيقين ذاك أمرك لأن قولك: زيد منطلق بنا و " يقينا... " فمقارب معناه.
وحق أنه ذاهب في التقدير: حق ذهابه ومعناه: ذهابه حق صحيح.
وحسن حذف خبره لتضمن الأول الاسم والخبر كما حسن حذف خبر حسبت أن زيدا قائم استغنى: " حسبت " عن الخبر يتضمن " أن " الاسم والخبر.
وذلك أن الاعتماد على " أن " وقد تضمنت الاسم والخبر.
ومعنى خليق لأن تفعل.
معناه: متهيئ للفعل بما يظهر من الإمارة الدالة على كون ذلك منه فيما بعدها.
فاحتاجت " أن " للاستقبال وإلى " اللام " لأن معناه: متهيئ لهذا الفعل.
وإذا قلت: أخلولقت السماء لأن تمطر.
لما ظهر فيها من الغيم الندى، الندى الذي يغلب على الظن أن المطر فيه.
وإذا حذفت اللام من " أن " جاز لما ذكرت لك.
ولا يجوز حذفها من المصدر.
وتقول: " هو خليق أن يفعل " على معنى " لأن يفعل " ولا تقول: خليق الفعل بمعنى: للفعل.
وكذلك: أخلولقت السماء أن تمطر ولا يحسن: أخلولقت السماء المطر.
ومثله: دنوت أن تفعل ومعناه: دنوت من أن تفعل فإذا رددته إلى المصدر قلت: دنوت من الفعل ولا نقل: دنوت الفعل.
وحذف

حرف الجر من " أن " لطوله على ما ذكرت لك.
وأما عسى فإنها موضوعة لفعل يتوهم كونه في الاستقبال فاحتاجت لذكر " أن " للدلالة على المستقبل كقولك: عسى زيد أن يفعل وعسى السماء أن تمطر كما تقول: أنه خليق أن يفعل واخلولقت السماء أن تمطر.
ولا يجوز: عسى زيد الفعل.
ولا: عسى زيد للفعل.
كما تقول: زيد خليق للفعل وأخلولقت السماء للمطر.
فإن قيل: فما الفصل بينهما ومذهبهما في الاستقبال واحد؟ والفصل بينهما أن " خليق " وما جرى مجراه من: " فمن " و " حرى " أسماء فاعلين ولها أفعال تتصرف في المضي والاستقبال.
أشبهت باب " مريد " و " محب " و " مشته ". فقيل: خليق للفعل كما قيل: مريد له.
ومحب له.
ومشته له.
وليس كذلك " عسى " لا مستقبل له.
ولا اسم فاعل ولا مصدر.
وأيضا فإن " خليق " وبابه شيء موجود وعلامة قائمة في الشيء كالإرادة والشهورة وليس كذلك " عسى ". واعلم أن " أن " تقع بعد هذه الأشياء على وجهين: أحدهما: أن تكون في موضع رفع فاعله.
الآخر: أن يتقدم فاعل وتأتي " أن " بعده فتكون في تقدير منصوب تقول إذا كانت " أن " هي الفاعلة: " عسى أن تفعل " و " عسى أن تفعلا " و " عسى أن تفعلوا " و " عسى أن تفعل " و " عسى أن يفعلن " ففاعل " عسى ": أن يفعل و " أن يفعلا " وأن يفعلوا وأخلولق أن تفعلي.
وفي هذا الوجه تقول: الزيدان عسى أن يخرجا.
والزيدون عسى أن يخرجوا والهندات عسى أن يخرجن والوجه الثاني أن تقول: عسيت أن أفعل.
وعسينا أن نفعل.
وعسيت أن تفعل وعسيتما أن تفعلا.
وعسيت أن تفعلي.
والزيدان عسيا أن يفعلا.
والزيدون عسوا أن يفعلوا.
والهندات عسين أن يفعلن.
قال أبو العباس: عند ذكر سيبويه في هذا الفصل: عسيا وعسوا هو الجيد واحتج بقوله عز وجل: فَهَلْ عَسَيْتُمْ 1 وذهب عليه قوله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ

خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ 1 ولم يقل: وعسيتم أن تكرهوا.
واعلم أن مذهب سيبويه في " أن " بعد " لو ": أنه مبتدأ.
منزلتها في التقدير كمنزلتها بعد " لولا " إذا قلت: لولا أنه ذاهب وأنه محذوف الخبر وأنه لا يستعمل في موضع " أن " بعد لو المصدر.
كما لا يستعمل بعد " لولا " لأن " لولا " يقع الاسم بعدها.
و" لو " لا يقع بعدها الاسم وإنما يقع بعدها الفعل فشبه بها في " أن " وحدها دون الاسم لأن " أن " مشبه بالفعل وليس لفظها لفظ اسم محض.
وجاز تشبيه " لو " ب " لولا " في ذلك: لأن " لولا " يليها المبتدأ والخبر و " لو " يليها الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والفعل والفاعل يؤول معناها إلى شيء واحد.
وإنما ذكره سيبويه: لأن " أنه ذاهب " بعد " لو " وإن كان تقديرها تقدير المصدر فلا يجوز وضع المصدر موضعه في اللفظ حجة في أنه لا يجوز ذكر المصدر في: " عسى " مكان " أن " وكذلك " كاد زيد يخرج " و " عسى زيد يخرج " معنى الفعل فيها إذا لم تذكر " أن " مع اسم الفاعل ولا يجوز وضع الفاعل موضعه فيقال: " كاد زيد فاعلا ". لأن من كلامهم الاستغناء بالشيء عن الشيء.
من يقول من العرب: " عسى زيد " يجرى " عسى " مجرى " كأن " ويجعل الفعل في موضع خبره كأنه قال: عسى زيد فاعلا.
كما قيل في المثل: " عسى الغوير أبوسأ ". والباب فيها " أن " لما ذكرت لك.
ولا يكاد معرف إسقاط " أن " منها إلا في شعر.
والباب في " كاد " إسقاط " أن " لأنك إذا قلت: كاد يفعل.
فإنما تقوله لمن هو على تحد لفعلك كالداخل فيه.
وسبيل المستقبل أن يكون في كونه مهلة.
وقد يجوز في كاد إدخال " أن " تشبيها بعسى.
ومما يحتج به لحذف " أن " في (عسى) أن عسى للمستقبل وقد يكون بعض المستقبل أقرب إلى الحال من بعض فإذا قال: عسى زيد يقوم.
كأنه من الحال حتى أشبه " عسى " وقد تدخل " أن " على خبر " لعل " إذا كان فعلا.
والباب فيه سقوط " أن " لأنه من باب " أن " و (كان).
وإنما تدخل " لعل عند الشك ويقول: إن زيدا في الدار متيقنا.
يقول إذا كان شاكا.
لعل زيدا في الدار.
وكذلك يقول المتيقن: إن زيدا يأكل.

ويقول الشاك: لعل زيدا يأكل.
وإنما جاز دخول " أن " فيها لأنها شاركت " عسى ". قال الشاعر: لعلّك يوما أن تلم ملمه … عليك من اللائي يدعنك أجدعا 1 وكرب يفعل مثل: " كاد يفعل " ومثله مما يكون للفعل مخلصا من الحروف: " أخذ يفعل " و " جعل يفعل " ذهبوا بهذه الأفعال مذهب اسم الفاعل ولم يذهبوا بها مذهب المصادر لأن قولك أخذ زيد يفعل.
وجعل يفعل هو داخل في الفعل.
فصار بمنزلة " زيد يفعل " إذا كان في حال فعل.
وهذا معناه.
وقوله: أخذ وجعل تحقيقا لدخوله فيه.
ولا يجوز فيها " أن " وكرب لا يمنع معناه من دخول " أن " لأن معناه: قرب أن يفعل.
لأنك تقول قربان وكربان.
إذا قرب من الابتلاء.
ولم أسمع فيه " بأن " وإن كان معناه يحتملها.
ويوشك معناه: " يسرع " وهو ضد " يبطئ " ومعنى " أن " فيها صحيحة؛ لأنه بمنزلة " يقرب " و " يبطئ " بمنزلة " يبعد " والذي يقول: يوشك زيد يخرج.
بمنزلة (زيد يخرج) وقول سيبويه عند ذكره " كرب " وكاد لما ذكرناه في الكراسة التي تليها.
يعني ما ذكره في هذا باب دخول الرفع بعد ابتداء إعراب الأفعال بيسير.
وأما قولهم: أريد لأفعل.
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ 2 ففيها وجهان: أحدهما: وهو الأغلب على تأويل أصحابنا: أن الإرادة وقعت على أمر آخر غير مذكور وأن قوله " لأن أفعل " و " لأن أكون أول المسلمين ". بمنزلة المفعول.
فكأنه قال: أريد لأن تفعل أنت ما تفعله.
وكذلك: أمرت به لأن أكون أول المسلمين.
والوجه الثاني: أن تكون اللام توكيدا.
أدخلت على المفعول.
كما قال الله عز وجل: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ 3 ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ 4 وعَسى أَنْ يَكُونَ

رَدِفَ لَكُمْ 1 والتأويل فيه كله: الذين هم لربهم يرهبون.
والرؤيا تعبرون وردفكم.
وقد حكى الكوفيون لغات ذكروا أنها في معنى واحد وهي: أردت أن أقوم.
وأردت لأن أقوم.
وأردت كي تقوم.
وأردت لكي تقوم.
وأردت لأقوم.
وأردت لكي أن أقوم.
وإذا دخل بعض هذه الحروف على بعض كان الاعتماد عندهم في العمل على الأول منها.
وما بعده توكيد له.
قالوا إذا قلت: جئتك لأكرمك " اللام " هي الناصبة " أكرمك " وإذا دخلت بعد هذه " اللام " كي فالنصب للام و " كي " مؤكدة لها.
وإذا انفردت فالعمل لها.
وكذلك إن جاءت " أن " بعدها فهي مؤكدة لها.
ويجوز أن تأتي بعد " كي " فتكون مؤكدة " لكي " ويجوز أن تأتي بعد اللام " كي أن " فتؤكد بهما.
وقد أنشد: أردت لكيما أن تطير بقريتي … فتتركها شنا ببيداء بلقع 2 وأما قوله: أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا 3 فإن الخليل يختار " إن أذنا قتيبة " بكسر " إن " ولم يخالفه سيبويه.
لأن العرب لم تفصل بين " أن " المفتوحة الناصبة للفعل ولم يأت ذلك في كلام ولا شعر.
فعدل عن المفتوحة إلى المكسورة وقد أتى الفصل في المكسورة.
قال الله عز وجل:- وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 4. وقد رده أبو العباس المبرد.
وتوهم أبو بكر مبرمان أنه إذا كسر " إن " فلا يجوز أن تكون أذناه محزوزتين.
لأن " إن " توجب الاستقبال.
وقد أحاط العلم أن الفرزدق قال هذا الشعر بعد قتل قتيبة وجز أذنيه.
وليس الأمر على ما ظناه.
وذلك أن العرب قد تعادل وتفاضل بين الفعلين الماضيين في الموافقة.
فتستقبل الكلام بهما كقوله عز وجل: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ 5.

قال الشاعر: 1 إن يقتلوك فأن قتلك لم يكن … عارا عليك وبعض قتل عار وقال آخر: 2 إن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم … بعتيبة بن الحارث بن شهاب والمخاطبان مقتولان: والقتل واقع بهما.
وقد كسر " إن " وقد قال الله عز وجل: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ 3 وقد علم أن قتلهم قد مضى قبل هذا الخطاب.
وهذا ونحوه " يقع " على فعل غير هذا الظاهر كأنهم افتخروا بقتله فقال: " إن يفخروا وأبقتلك فأن الأمر كذا وكذا... " وقوله عز وجل: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ.
ووقوفهم على جهة التوبيخ لهم (كما يقول القائل لمن يعنفه بما سلف من فعله فيقول: ويحك لم تكذب؟ لم تبغض نفسك إلى الناس؟ ووبخهم بقتل الأنبياء والفعل لغيرهم لأنهم تولوهم على ذلك ورضوا به فنسب إليهم.
وذهب أبو العباس إلى أن: " إن أذناه " بمعنى المشددة ووجه الكلام في: " تغضب " وترضى " بأن " الخفيفة.
قال الشاعر: 4 أتغضب أن يقال أبوك عف … وترض أن يقال أبوك زان فأشهد أن إلّك من قريش … كإل الرال من ولد الأتان

ومعنى: أتغضب؟ يعني تغضب قيس من قتل قتيبة بن مسلم ولم تغضب لقتل عبد الله بن خازم السلمي وهما جميعا من " قيس " وقاتلاهما من بني تميم.
وإنما يريد الفرزدق بهذا اعلو " بني تميم " على " قيس " والوضع من " قيس " على العجز عن الانتصار وطلب الثأر.

وباقي الباب مفهوم هذا باب ما تكون فيه «أن» بمنزلة «أي»

وذلك قوله تعالى عز وجل: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا 1 زعم الخليل أن " أن " بمنزلة " أي " لأنك إذا قلت: انطلق بنو فلان: أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي ومثل ذلك: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ 2. وهذا تفسير الخليل ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما كتبت إليه أن أفعل.
وأمرته أن قم.
فيكون على وجهين.
على أن تكون (أن) التي تنصب الأفعال.
ووصلتها بحرف الأمر والنهي كما وصلت " الذي " يقول وأشباهها إذا خاطبت.
والدليل على أنها تكون " أن " التي تنصب أنك تدخل الباء فتقول: أوعز إليه بأن أفعل فلو كانت " أي " لم تدخلها الباء.
كما تدخل في الأسماء.
والوجه الآخر: أن تكون بمنزلة " أي " كما كانت بمنزلة أي في الأول.
وأما قوله عز وجل: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 3. " وآخر قولهم أن لا إله إلا الله " فعلى قوله: أنه الحمد لله.
وعلى أنه لا إله إلا الله لا تكون.
(أن) التي تنصب الفعل لأن تلك لا يبتدأ بعدها الأسماء ولا تكون " أي " لأنها إنما تجيء بعد كلام يستغنى.
ولا يكون موضع المبني على المبتدأ ومثل ذلك: وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا 4 كأنه قال: ناديناه أنك قد صدقت الرؤيا يا إبراهيم.

جارٍ التحميل