شرح كتاب سيبويهصفحات 320-359

باب الحروف التي لا تقدّم فيها الأسماء (على) الفعل

صفحات 320-359

فمن تلك الحروف الحروف العوامل في الأفعال الناصبة- ألا ترى أنك لا تقول: جئتك كي زيد يقول ذاك، ولا خفت أن زيد يقول ذاك، فلا يفصل بين الفعل والعامل فيه، كما لا يجوز أن يفصل بين الاسم وبين (إنّ) وأخواتها بفعل، ومما لا يقدم فيه: الأسماء، الفعل، الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك (لم) و (لما) و (لا) التي تجزم الفعل في النهي و (اللام) التي تجزم الفعل في الأمر، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين الأفعال بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجر وبين الأسماء بالأفعال؛ لأن الجزم نظير الجر، ولا يجوز أن تفصل بينهما وبين الفعل بحشو، كما لا يجوز أن يفصل بين الجار والمجرور بحشو إلا في شعر: ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبّه بما يعمل في الأسماء، ألا ترى أنه لا يجوز أن يفصل بين الفعل وما ينصبه بحشو، كراهة أن يشبهوه بما يعمل في الاسم، لأن الاسم ليس كالفعل، وكذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل، ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم، وقلة ما يعمل في الفعل؛ فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ وأقبح منها في نظيرها من الأسماء، وذلك أنك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيد، لم يجز، وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال، وكثرة ما يعمل في الأسماء.
واعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال، وذلك أنهم123

يشبهوها بما يجزم مما ذكرنا، إلا أن حروف الجزاء يدخلها فعل ويفعل، ويكون فيها الاستفهام فترفع فيها الأسماء، وتكون بمنزلة (الذي) فلما كانت تصرف هذا التصرف، وتفارق الجزم ضارعت ما يجر من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو ضارب عبد الله، لأنك إن شئت نونت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضارب، ولذلك لم يكن مثل (لم) أو (لا) في النهي واللام في الأمر لأنهن لا يفارقن الجزم، ويجوز الفرق في الكلام في (إن) إذا لم تجزم في اللفظ نحو قوله: عاود هراة وإن معمودها خربا 1 فإن جزمت ففي الشعر، لأنه يشبّه بلم؛ وإنما جاز في الفصل ولم يشبه (لم) لأن (لم) لا يقع بعدها فعل، وإنما جاز في (إن) لأنها أصل الجزاء ولا تفارقه، فجاز هذا، كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وأما سائر حروف الجزاء، فهذا ضعيف فيه في الكلام لأنها ليست كإن، فلو جاز في إن، وقد جزمت كان أقوى إذ جاز فيها (فعل).
ومما جاء في الشعر مجزوما في غير (إن) قول عدي بن زيد: فمتى واغل ينبهم يحيوّ … هـ وتعطف عليه كأس السّاقي 2 وقال: صعدة نابتة في حائر … أينما الرّيح تميّلها تمل 3 ولو كان (فعل) كان أقوى إذ كان ذلك جائزا في (إن) في الكلام.
واعلم أن قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنما يقع على فعل هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إن زيدا رأيته يكن ذلك، لأنه لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبنى عليها، فإن قلت: إن يأتني زيد يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيدا ضربته، إن تأتني فأنا خير لك حسنا، وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر، كقوله:

الله يشكرها 1 ومثل الأول قول هشام المري: فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن … ومن لا نجره يمس منا مفزّعا 2 قال أبو سعيد: أكثر كلام سيبويه فيه واضح، وقوله: وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال من العوامل، وكثرة ما يعمل في الأسماء منها.
وذلك أن الأسماء تعمل فيها الأفعال والأسماء والحروف، أما الفعل فقولك عمرو ضرب زيدا، ويضرب أخاك أبوك، وأما الأسماء فقولك: هذا ضارب زيدا، ومكرم عمرا، وهذا غلام عمرو، ودار بكر.
وأما الحروف فإن وأخواتها، وحروف الجر كقولك: إن في الدار زيدا، ومررت بعمرو، والأفعال إنما يعمل فيها حروف معلومة قليل عددها، إذا تقدم الاسم المرفوع، وولى الجازم، فأحسن ذلك أن يكون في (إن) من بين حروف الجزاء، لأنها الحرف الأصلي في المجازاة، وقد ذكرت قوتها قبل هذا الموضع، واستشهدت عليه بما يغني عن إعادته في هذا الموضع، ويكون الفعل بعد الاسم ماضيا، وذلك قول الله- عز وجل-: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ 3 وقوله- عز وجل-: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ 4، والذي عند أصحابنا البصريين أن الاسم الذي بعد (إن) يرتفع بإضمار فعل ما ظهر تفسيره كأنه قال: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، والفعل الذي بعد (أحد) تفسير المضمر الفعل، وموضع هذا الفعل جزم، وإن كان ماضيا يقوم في التقدير مقام الفعل الذي هو تفسيره، والدليل على ذلك أن الشاعر لما جعله مستقبلا جزمه، فمن ذلك فمتى واغل ينبهم تقديره فمتى ينبههم واغل ينبههم، وقوله: ... … أينما الرّيح تميّلها... فتقديره: أينما تميلها الرّيح تميلها.

ومن نحن نؤمنه تقديره: نحن نؤمنه، وقد أنشد غير سيبويه فيه وإن أنت تفعل فللفاعلي … ن أنت المجيزين تلك الغمارا (1) ومعناه فإن تفعل أنت تفعل، وأما الفراء وأصحابه فلا يقدرون فعلا قبل الاسم المرفوع، ويجعلون الاسم المرفوع والمنصوب مستحسنا في (أن) خاصة لقوتها لأنها الاسم المرفوع الحرف الأصلي في المجازاة، فالمرفوع ما ذكرناه، والمنصوب قولك، وإن أخاك ضربت ظلمت، وقد اختلف الكسائي والفراء في جواب الجزاء إذا لم يكن بالفاء هل يجوز تقديم الاسم فيه على الفعل فأجمعا أنه لا يجوز ذلك في الاسم المرفوع، واختلفا في المنصوب، وأجازه الكسائي، ولم يجزه الفراء، وذلك قولك: إن عبد الله يقم يقم أبوه لا يجوز عندهما في الجواب أبوه يقم، فإن قلت: إن عبد الله يقم يضرب أخاه- جاز عند الكسائي أخاه يضرب، ولم يجز عند الفراء، واحتج الكسائي بقول الشاعر، وهو طفيل الغنوي: وللخيل أيام فمن يصطبر لها … ويعزف لها أيامها الخير تعقب (2) والقصيدة مخفوضة، والخير عند الكسائي منصوب بتعقب، والفراء يقول: إن الخير منصوب؛ لأنه نعت الأيام كأنه قال: أيامها الصالحة، ولم يأت لتعقب بمفعول، ولو كان تعقب مرفوعا لم يقع خلاف في جواز تقديم المنصوب بالفعل، لأن الفاء تقدر وإذا أتى بالفاء جاز التقديم، كقولك: إن يأتني زيد فأكرم أخاه، ويجوز فأخاه أكرم، ثم تحذف الفاء، كما حذف في قوله الله يشكرها.
وقد أجاز سيبويه تقديم الاسم في الجواب ورفعه بإضمار، كما أجازه في الشرط، وذلك قولك: إن تأتني زيد يقل ذاك، فزيد مرفوع بفعل مضمر قبله مجزوم، وبعده تفسيره، كأنه قال: إن تأتني يقل زيد ذاك يقل، ولا يجوز أن يرتفع زيد بالابتداء، لأنه لو ارتفع بالابتداء لكانت الفاء مقدرة قبله، وإذا قدرت الفاء قبله بطل جزم الفعل الذي بعده لأنك تقول: إن تأتني فزيد يقل ذاك، وإنما يقول فزيد يقول ذاك، وقوله في آخر الباب: ومثل الأول قول هشام المري: يعني بالأول قوله: فمتى واغل.
وأينما الريح، وسائر كلامه قد أتى عليه الشرح في هذا الباب وغيره.

وهذا باب الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل

ولا يغير الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيء منها.
فمن12

تلك الحروف (قد) لا تفصل الفعل بغيره، وهي جواب لقوله: من فعل.
كما كانت فعل جوابا ل (هل فعل؟)، فإذا أخبرت أنه لم يقع، ولما يفعل وقد فعل إنما هما لقوم ينتظرون شيئا، فمن ثم أشبهت (قد) (لمّا) في أنها لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف أيضا سوف يفعل لأنها بمنزلة السين في قولك سيفعل، وإنما تدخل هذه السين على الأفعال، وإنما هي إثبات لقوله: لن يفعل فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف ربما وقلما وأشباهها، وجعلوا رب مع ما بمنزلة كلمة واحدة.
(وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنه لم يكن لهم سبيل إلى رب تقول ولا إلى (قل يقول): فألحقوهما (ما) وأخلصوهما للفعل، ومثل ذلك (هلّا) ولولا و (ألّا) ألزموهن (لا) وجعلوا كل واحدة مع (لا) بمنزلة حرف واحد، فأخلصوهن للفعل، حيث دخل فيهن معنى التخصيص، وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال: صددت فاطولت الصدود وقلّما … وصال على طول الصّدود يدوم 1 واعلم أنه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام.
نحو (هل) و (كيف) و (من) - اسم وفعل كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى؛ لأنها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل، وقد بيّن حالها فيما مضى.
قال أبو سعيد قول سيبويه: لا يفصل بين الفعل وقد بغيره أراد على وجه الاختيار، وموضوع قد لأن منزلة قد في الفعل، كمنزلة الألف واللام من الاسم لأن دخولها على فعل متوقع أو مسؤول عنه، لأنه إذا قال: قد قام زيد، فإنما يقوله لمن توقع قيامه، أو لمن سأل عنه، فقال: هل قام زيد، وإذا قال: قام زيد، فإنما يبتدئ إخبارا بقيامه لمن لم ينتظره، ولم يتوقعه، فأشبهت (قد) العهد في قولك: جاءني الرجل لمن عهده المتكلم أو جرى ذكره عنده قبل ذلك كقولك: ناظرت اليوم رجلا فقال لي الرجل في مناظرته كذا وكذا، ومما يوجب أن لا يفصل بينها وبين الفعل، أنها تفيض (لما)، و (لما) حرف جازم تقول: ركب زيد ولما يتعمم، فيقول الراد عليه: بل ركب زيد وقد تعمم، ومعناه ركب وهذه حاله، إلا أنهم أجازوا الفصل بينها وبين الفعل.

قال سيبويه في أول الكتاب: وأما القبيح المستقيم، فقولك: قد زيدا رأيت، وقد فصلوا بينها وبين الفعل أيضا بالقسم، كقولك: قد لعمري بت ليلى ساهرا، وقد والله أحسنت، وحسن في (قد) الفصل، ولم يحسن الفصل بين الألف واللام، وبين ما دخلتا عليه؛ لأن (قد) تنفرد، ولا يذكر بعدها شيء فقويت بذلك، واحتمل الفصل لقول النابغة: أقد التّرحّل غير أنّ ركابنا … لمّا تزل برحالها وكأن قد 1 وقال: تفريق أفي اليوم تقويض الأحبة أم غد … لما تبن وجها لهم وكأن قد ومنه السين، وسوف من الفعل المستقبل كمنزلة الألف واللام في تلخيص الفعل المستقبل، وقصره عليه كقصر الألف واللام للاسم المذكور على شيء بعينه، ووجه آخر أن السين، وسوف هما إثبات (لن) و (لن) نقيضتهما، ولا يفصل بين (لن) وما تدخل عليه، فكذلك السين، وسوف، وأما (ربما) و (قلما) فإن الأصل فيهما (رب).
وقل: فأما (رب) فهي حرف خفض لا يجوز أن يليها فعل ولا تدخل حروف الخفض على الأفعال، وأما (قل) فهي فعل، ولا يليها فعل، لأن الفعل لا يعمل في الفعل، وإنما حق الأسماء أن تقع بعدها، فإذا أرادوا بعدها أن تقع الأفعال أدخلوا (ما) وجعلوها مع (الذي) قبلها شيئا واحدا بمعنى حرف مهيّأ للفعل بعده، ولا تعمل شيئا، وجعلوا فيه المعنى الذي يريدونه، كما جعلوا (هلا) و (لو ما) و (لولا) وما شابهها ما أرادوها، ويجوز أن يكون أدخلوا (ما) وهي اسم، وأتوا بالفعل بعدها فصار الفعل صلة لها فانتصب و (رب) واقعة على اسم تقديره أنه مخفوض ب (رب)، قل واقعة على اسم تقديره أنه مرفوع ب (قد)، وذلك قولك: ربما يقوم زيد.
وقال الله عز وجل: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 2 ويقول: قلما يقوم زيد، فهذا وجه الكلام فيها، وقد تجعل (ما) زائدة، وبعدها اسم مخفوض ب (رب)، كقولك: ربما رجل خلصته من السبع.
قال الشاعر:

ربما طعنت لضيف مقيل … دون بصري وطعنته بحلها (1) وقد تحمل (ما) في (قلما) على الزيادة، ويرفع الاسم بعدها ب (قل) وعلى ذلك حمل بعض الناس قوله: (وقلما وصال) مبتدأ، وما بعده خبره، والمبتدأ والخبر صلة (ما)، وهي مرفوعة ب (قل).
وذكر سيبويه (هلا) و (لولا) و (ألّا) فعال: ألزموهن (لا) وجعلوا كل واحدة منهن مع (لا) بمنزلة حرف واحد، فأخلصوهن للفعل، حيث دخل فيهن معنى التخصيص، وترك (لولا) وهو مثلهن في المعنى، وقد ألزمت (ما) وهي مثل (لا) في النهي.
وباقي الباب مستغنى عن شرحه.

هذا باب الحروف التي يجوز أن يليها بعدها الأسماء ويجوز أن يليها بعدها الأفعال

وهي (لكن) و (كأنما) و (إذ) لأنها حروف لا تعمل شيئا، فتركت الأسماء بعدها على حالها، كأنه لم يذكر قبلها شيء، فلم يجاوز ذاتها إذ كانت لا تغير ما دخلت عليه، فيجعلوا الاسم أولى بها من الفعل، وسألت الخليل، عن قول العرب: انتظروني كما آتيك، فزعم أن (ما) و (الكاف) جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيّرت الفعل، كما صيّرت للفعل (ربما) والمعنى: لعلي آتيك، فمن ثم لم ينصبوا به الفعل، كما لم ينصبوا ب (ربما).
قال رؤبة: لا تشتم النّاس كما لا تشتم 2 وقال أبو النجم: قلت لشيبان ادن من لقائه … كما تغدّي القوم من شوائه 3 وقال أبو سعيد: يرتفع الفعل بعد (كما) من وجوه منها: أن تجعل الكاف، وهي كاف التشبيه في الأصل مع (ما) كشيء واحد يليها الفعل، ورفع بعدها، كما رفع بعد (ربما) وجعلت بمعنى لعل، والفعل للاستقبال دون الحال، وفيه معنى كي، وإن ارتفع الفعل كقولك للرجل ائتني لعلي أهب لك.
قال الله عز وجل: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ1

تُفْلِحُونَ 1 وإنما صار كذلك لأن لعل فيها طمع، والذي يفعل الفعل ملتمسا لكون الشيء، فإنما يطمع في ذلك الملتمس ويرجوه، والمعاني إذا تقاربت اشتركت كثيرا في الألفاظ، ومنها: أن يكون (ما) (من) (كما) و (ما) بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، كقولك أزورك كما تزورني، وائتني كما آتيك، وكما تدين تدان، وكما يفعلون أفعل، أي أزورك كزيارتك إياي، وائتني كإتياني إياك، فإن قال قائل: إن كان المصدر الذي بعد الكاف من فعل ماض، فينبغي أن تقول أزورك كما زرتني، وإن كان من فعل مستقبل، فكيف يشبهه بما لم يكن قيل له، أما الفعل إذا كان ماضيا، فالوجه فيه أزورك كما زرتني، وائتني كما أتيتك، وإن كان مستقبلا فتقديره أتيني كإتياني إياك إن أتيتني، وكذلك لا تشتم الناس كما لم تشتم في معنى المصدر، وتقديره: اترك شتمهم كتركهم شتمك إن تركت شتمهم، والوجه الثالث: أن يكون (كما) وقتا كقولك: ادخل كما يسلم الإمام أي في ذلك الوقت، وانصرف كما يجلس الوزير، أي في وقت جلوسه والوجه الرابع: فيما ذكر بعض النحويين أن (كما) تقييد للتشبيه حسب، ولا ينضم (ما) إلى الذي عنده، ولا يختلط به، كما يقال: أنا عندك كما أنت عندي، قال الله عز وجل: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ 2 فكما بجملتها مفيدة التشبيه، وعلى هذا يجعل (ربما) بجملتها بمعنى (رب) غير أنها لا تخفض، وحكى الكوفيون النصب ب (ما) بمعنى (كما) وحذف الباء منها، وإن كانوا غير دافعين للدفع بعدها، ولم يحك البصريون ذلك، وقد وافقهم على ذلك أبو العباس المبرد، واستحسن قولي الكوفيين والبصريين، ولم يحتج في ذلك بشيء إلا ببيت احتج به الكوفيون وهو قوله: وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه … كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تصرف 3 قال أبو سعيد هذا البيت وما بعده مما احتج به الكوفيون للنصب ب (ما) فتأول، أو مروي على غير روايتهم مما لا يكون لهم حجة، أما هذا البيت فغيرهم يرويه: ... فاصرفنه … لكي يحسبوا أن الهوى حيث تصرف وقد احتجوا بقول رؤبة:

لا تظلموا الناس كما لا تظلموا والذي رواه سيبويه بالتوحيد: لا تظلم الناس كما لا تظلم وليس في هذه الرواية حجة.
وأنشدوا بيت صخر الغي الهذلي: جاءت كبير كما أحفّرها … والقوم صيد كأنهم رمدوا (1) والبصريون يروونه بالرفع: كما أحفّرها، والفراء اختار الرفع في بيت صخر الغي، وقال: احفرها بالنصب.
فأنشد الآخر: يقلّب عينيه كما لأخافه … تشاوس رويدا أتني من تأمل (2) قالوا اللام في لأخافه توكيد لكما، وهذه لا حجة فيها لأن فيه تكلفا شديدا وحملا على وجه يقبح، والأولى والأظهر يقلب عينيه لكيما يخافه، وأنشدوا قول: عدي بن زيد: اسمع حديثا كما يوما يحدثه … عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا (3) وذكر أن الرواة أجمعوا على رفع يحدثه إلا المفضل، فإنه كان ينصبه، واجتماع النحويين من الكوفيين والبصريين على رفعه حجة على المفضل، لأنه لم يكن في معرفة النحو كالمخالفين له.
وقال هشام بن معاوية: (كما) على معنى (كي) لكنها بمنزلة قولهم افعل كما يفعلون، وأنشد هشام: وما زرتني في اليوم إلا تعلة … كما القابس العجلان ثم يغيب وقال معناه: كما ترون القابس، وأهر وجوه معاني (كما) فيما أنشده سيبويه في آخر الباب- معنى (لعل) كأنه قال:- لا تشتم الناس لعلك لا تشتم، وكذلك: أدن من لقائه، يريد من لقائه لحيدة لعلنا نغذي القوم من شوائه.

هذا باب نفي الفعل

إذا قال: فعل فإن نفيه لم يفعل، وإذا قال: قد فعل فإن نفيه لمّا يفعل، وإذا قال: لقد فعل فإن نفيه ما فعل لأنه كأنه قال: والله لقد فعل، فقال: والله ما فعل.123

وإذا قال: هو يفعل، أي هو في حال فعل، فإن نفيه ما يفعل.
وإذا قال: هو يفعل ولم يكن الفعل واقعا فنفيه والله لا يفعل وإذا قال: ليفعلن فنفيه لا يفعل، كأنه قال: والله ليفعلن فقلت: والله لا يفعل وإذا قال: سوف يفعل، وسيفعل فإن نفيه لن يفعل.
قال أبو سعيد: حق نفي الشيء وإيجابه أن يشتركا في مواقعهما، وأن لا يكون منهما فرق في أحكامهما إلا أن أحدهما إيجاب والآخر نفي، وعلى هذا ساق سيبويه ما ذكره في هذا الباب فجعل (لم يفعل) نفي (فعل) لأن المضيّ يجمعهما في قولك: فعل أمس، ولم يفعل أمس، وأحدهما موجب، والآخر منفي.
وإذا قال: قد فعل فنفيه لما يفعل لأنهما للحال، ولما فيه تطاول تقول: ركب زيد، وقد لبس خفه، وركب زيد ولما يلبس خفه، فالحال قد جمعهما وأحدهما منفي، والآخر موجب.
وإذا قلت: لقد فعل فنفيه ما فعل لأن قوله: لقد فعل جواب قسم، فإذا أبطلته وأقسمت قلت: ما فعل وتقديره: والله لقد فعل، وو الله ما فعل، وإذا قال: هو يفعل أي هو في حال فعل لم يكن نفيه لا يفعل لأن لا يفعل موضوع للمستقبل، فلا يكون نفي المستقبل نفيا للحال ولكن هو جواب هو يفعل للحال ما يفعل.
وإذا كان هو يفعل للمستقبل فجوابه لا يفعل لاشتراكهما في الاستقبال.
وباقي الباب على هذا، وقد تكرر ذكره في مواضع من الكتاب.

هذا باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء

يضاف إليها أسماء الدهر، وذلك قولك: هذا يوم يقوم زيد، وآتيك يوم يقول ذاك.
وقال الله- عز وجل-: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ 1 وهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 2. وجاز هذا في الأزمنة واطرد فيها، كما جاز للفعل أن يكون صفة، وتوسعوا كذلك في الدهر لكثرته في كلامهم.
فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو (ابن) وإنما أصله للفعل وتصريفه.

ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولك: ما رأيته منذ كان عندي ومنذ جاءني، ومنه أيضا ((آية)).
قال الأعشى: بأية تقدمون الخيل شعثا … كأنّ على سنابكها مداما 1 وقال زيد بن عمرو بن الصعق: ألا من مبلغ عنّي تميما … بآية ما تحبّون الطّعاما 2 ف (ما) لغو.
ومما يضاف أيضا إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون.
المعنى لا أفعل بسلامتك، و (ذو) مضافة إلى الفعل كإضافة ما قبله كأنه قال: لا أفعل بذي سلامتك.
ف (ذو) هاهنا الأمر الذي يسلمك، وصاحب سلامتك.
ولا يضاف إلى الفعل غير هذا، كما أن (لدن) لا تنصب إلا في (غدوة).
واطردت الأفعال في (أية) اطراد الأسماء في (أتقول) إذا قلت: أتقول زيدا منطلقا شبّهت ب (تظن).
وسألته عن قوله في الأزمنة: كان ذاك زمن زيد أمير.
فقال: لما كانت في معنى (إذ) أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض، كما يدخلون (إذ) على ما قد عمل بعضه في بعض ولا يغيرونه، فشبهوا هذا بذلك، ولا يجوز (هذا) في الأزمنة حتى تكون بمنزلة (إذ) فإن قلت: يكون هذا يوم زيد أمير كان خطأ.
حدثنا بذلك يونس عن العرب.
لأنك لا تقول: يكون هذا إذا زيد أمير.
قال أبو سعيد: أما إضافة أسماء الدهر إلى الأفعال فلأن الأفعال بمنزلة أسماء الدهر إذ كان في لفظها ما يدل على المضي كقولك: ذهب وانطلق، وأشبه ذلك.
ومن لفظها ما يدل على الاستقبال والحال كقولك: يذهب وينطلق، فانقسم لفظه

إلى ماض وغير ماض، فصار الفعل الماضي بمنزلة (أمس) والحال ك (اليوم) والآن والمستقبل ك (غد) وسهل إضافته إلى الفعل لأنه أبين من إضافته إلى مصدره لأن لفظ الفعل يدل على تحصيل زمانه، ولفظ المصدر لا يدل على ذلك، ثم جعل الزمان الماضي كله ب (إذ) والمستقبل كله ب (إذا)، وألزموا (إذ) الإضافة إلى فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر كقولك في إضافتها إلى الفعل والفاعل: جئتك إذ خرج زيد، وخرجت إذ يلي زيد بغداد؛ وإضافتها إلى المبتدإ والخبر، كقولك: دخلت البصرة إذ عمرو أميرها، وخرجت منها إذ عمرو معزول، وأما (إذا) فألزموها إضافتها إلى الفعل والفاعل دون المبتدإ والخبر لأن فيها معنى المجازاة، ولا تكون المجازاة إلا بالفعل والفاعل فقالوا: آتيك إذا ولى زيد، وأقصدك إذا يخرج زيد، ولا تقول: آتيك إذا زيد أمير، وإنما لم يجز إلا بالفعل لأنك إذا قلت: آتيك إذا ولى زيد، ففيها معنى إن ولى زيد أتيتك ومن أجل ذلك جاز أن يكون اللفظ ماضيا، والمعنى مستقبلا، ثم أتبعوا أسماء الزمان في إضافتها معانيها مما كان منها يراد به المضي أضافوه إلى الفعل والفاعل، والمبتدأ أو الخبر، وما أرادوا به الاستقبال أضافوه إلى الفعل والفاعل.
وأجروها في الإضافة مجرى (إذ) وإذا تقول: كان ذاك زمن زيد أمير، لأن معناها معنى (إذ)، ولو قلت يكون ذاك زمن زيد أمير لم يجز لأن معناها معنى (إذا)، وإنما تقول: يكون ذلك زمن يتآمر زيد.
ومما يتفرع من هذا الباب أنك تقول: آتيك إذا قام زيد، ولا يجوز آتيك يوم قام زيد، وزمن قام أخوك لأن آتيك للمستقبل، وقام للماضي فلا يستقيم اجتماعهما، وإنما جاز آتيك إذا أقام زيد لأن إذا لما تضمنته من معنى المجازاة نقلت المستقبل إلى لفظ الماضي، و (إذا) وإن كان فيها معنى المجازاة فهي اسم، و (إن) حرف.
واستدل الرياشي 1 على ذلك بأنك تقول: القتال إذا جاء زيد، كما تقول: القتال يوم الجمعة، ولا تقول: القتال إن جاء زيد وأما قولهم: ما رأيته منذ كان عندي، ومنذ جاءني، فإن (منذ) يحتمل أن تكون اسما وحرفا، فإن كان اسما فهو كإضافة أسماء الزمان إلى الفعل، (منذ) من أسماء الزمان؛ وإن كان حرفا

فهو حرف جر مختص به الزمان، وعمله فيما بعده كعمل الاسم المضاف فجاز إدخاله على الفعل إذا كان في معناه وعمله كزمان مضاف إلى فعل إذا أذن.
وأما (آية) فمعناها علامة، ومنزلتها منزلة الوقت، لأن أصل الوقت هو فعل وجد فجعل وقتا لفعل آخر في كونه معه، أو كونه قبله أو بعده، فإذا جعلت قيام زيد علامة لفعل يحدث بعده أو لفعل قد حدث قبله، أو فعل يحدث معه فقد صيّرته كالتأريخ لما قبله وبعد ومعه؛ ألا ترى لو أن قائلا قال لآخر: علامة خروجي إذا أذن المؤذن علم المخاطب بوجود الأذان خروجه، كما أنه إذا قال: خروجي يوم الجمعة علم خروجه بوجود يوم الجمعة، والشاهد في قوله: بأية تقدمون الخيل شعثا 1 وأما قوله: ... … بآية ما تحبون... 2

  • فالشاهد فيه إذا جعلت (ما) لغوا.
    وليس بلازم جعلها لغوا لأنه يحتمل أن تجعل (ما) و (تحبون) مصدرا كأنه قال: ... بآية محبتكم الطعام ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: بأية ما قالت غداة لقيتها … بمدفع أكنان أهذا المشهّر 3 وأما قول الشاعر: ما لك عندي غير سهم وحجر … وغير كيداء شديدة الوتر جادت بكفي كان من أرمي البشر 4 فإن ب (كفي) مضاف إلى محذوف تقديره: بكفي رجل، وكان من أرمي البشر، نعته؛ وحذف المنعوت، وأقيم النعت مقامه كقوله: لو قلت ما في قومها لم تيثم

يفضلها في حسب وميسم 1 بمعنى أحد يفضلهما.
وأما قولهم: اذهب بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون، فمعنى هذا الكلام دعاء كأنه قال في المعنى: والله يسلمك، وتقدير سيبويه في هذا ونحوه من المضاف أن الفعل يقام مقام مصدره في الإضافة، كأنه قال: بذي سلامتك، وهو قول أبي العباس محمد بن يزيد، وشرحه في يَوْمَ يَقُومُ 2. وهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 3 وهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ 4 قامت الأفعال مقام مصادرها؛ وكذلك قوله: اذهب بذي تسلم، قام الفعل مقام مصدره، وكذلك في قوله- عز وجل-: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ 5 موضع إيمانكم بالله.
لأنه بيان للتجارة، وبدل منها في التقدير.
وقال: (ذو) لا تقع مفردة أبدا فجازت إضافتها إلى ما لا يضاف إليه غيرها ووقعت على الفعل خاصة، وأخوات (ذو) ينفردن نحو: (أب) و (أخ) و (حم) و (هن) و (فم)، لأن (فوك) إذا أفرد صار (فما).
ووجه آخر في (ذي تسلم) كأنه قال: في زمان ذي تسلم، و (ذي) نعت لزمان.
والنعت هو المنعوت، فأضيف إلى الفعل لأنه في المعنى زمان، كأنه قال: اليوم تسلم.
ووجه آخر أن تكون (ذي) بمعنى (الذي) وخولف بين لفظها في هذا المثال وبين لفظها في سائر المواضع فإن تستعمل في هذا المثال ب (الياء) وفي غيره ب (الواو) في الرفع والنصب والجر، وهذه اللغة كثيرة في طيئ.
قال قيس الطائي: 6

وإن لم تغير بعض ما صنعتم … لأنتحيا للعظم ذو أنا عارقه ف (ذو) هنا في موضع خفض.
وقال بجير بن غنمة: إنّ منّا ذو نلوذ به … إذ توارى الأعزّ بالأكمة (1) وهذا في موضع نصب، وكلاهما بمضي (الذي) ومعناه: اذهب بالزمان الذي تسلم فيه، وقد أتى الشرح على جميع الباب.

هذا باب «أنّ» و «إنّ»

أما " أنّ " فهي اسم وما عملت فيه صلة لها كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة وتكون " أنّ " اسما.
ألا ترى أنك تقول: قد عرفت أنك منطلق " فأنك " في موضع اسم منصوب كأنك قلت قد عرفت ذاك وبلغني أنك منطلق " فأنك " في موضع اسم مرفوع كأنك قلت بلغني ذاك " فأنّ " الأسماء التي تعمل فيها صلة لها.
كما أن الأفعال التي تعمل فيها " أن " صلة لها.
ونظير ذلك في أنه وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد لا في غير ذلك قولك: " رأيت الضّارب أباه زيد " فالمفعول فيه لم يغيره عن اسم واحد بمنزلة الرجل والفتى فهذا في هذا الموضع شبيه بأنّ إذ كانت مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد.
فهذا لتعلم أن الشيء يكون كأنه من الحروف الأولى وقد عمل فيه.
وأما " إنّ " فإنما هي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في " أنّ " كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء.
ولا تكون إنّ إلا مبتدأة وذلك قولك: " إنّ زيدا منطلق " " وإنّك ذاهب ". قال أبو سعيد: " أنّ وما بعدها من اسمها وخبرها منزلتها منزلة اسم واحد في مذهب المصدر كما تكون " أن " المخففة وما بعدها من الفعل الذي ينصبه بمنزلة المصدر.
وتقع المشددة فاعلة ومفعولة ومبتدأة ومخفوضة.
ويعمل فيها جميع العوامل إلا1

أنها لا تقع مبتدأة في اللفظ فأما كونها فاعلة فقولك: بلغني أنك منطلق كأنك قلت: بلغني انطلاقك.
وكونها مفعولة: عرفت أنك خارج معناه: عرفت خروجك وكونها مبتدأة قولك: عندي أن زيدا راحل معناه: عندي رحيله.
كما تقول: عندي غلامه.
وكونها مخفوضة: أيقنت بأنك مقيم أي بإقامتك.
ولو قلت: أنك منطلق عرفت لم يجز وإن كان يجوز أن تقول: انطلاقا عرفت.
لأن " إنّ " وأنّ " من خبر واحد في الأصل فاختاروا لابتداء اللفظ " إنّ " المكسورة وجعلوها بمنزلة الفعل المبتدأ به.
وجعلوا " أنّ " لما تعلق بشيء قبله مما يحتاج إلى تقديمه عليه وتعليق معناه به.
فإن قال قائل: فقد قال الله عز وجل:- وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً 1 و " أن " متعلقة " بتدعوا " تقديره: ولا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله.
وحذف اللام وقدم فصارت " أن " مقدمة في اللفظ والعامل فيها ما بعدها.
فهلا أجزتم: أنّ زيدا منطلق؟ قيل له: في " أن المساجد لله " وجهان: لا يلزم فيهما كليهما ما ألزمت.
أحدهما: أن يقال: " أن المساجد لله " يعمل فيهما ما قبلها وهي على أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ والعامل فيهما " أوحي إلي " 2. والوجه الآخر: " ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " فقبلها " لام " مقدرة.
وأما " أن " المخففة فيبتدأ بها اللفظ كقولك: أن تخرج خير لك، كقوله عز وجل: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 3 وأنما جاز ذلك في المخففة ولم يجز في المشددة كما ذكرنا من وقوع " أن " التي هي في معناها في التوكيد ابتداء.
ومن الدليل على أنهما بمعنى واحد تقول: ظننت أنّ زيدا منطلق.
فإن أدخلت اللام قلت: ظننت إنّ زيدا لمنطلق.
فالمكسورة هي المفتوحة كما أنك إذا قلت: علمت زيدا منطلق: ثم قلت: علمت لزيد منطلق.
فالمبتدأ والخبر هما المفعولان في المعنى.
وهذا معنى قول سيبويه في الباب الذي يلي هذا في حسن تقدم " أن " المخففة " لأنها لا تزول من الأسماء والثقيلة تزول " يعني نستعمل مكانها المكسورة.
ومما يمنع من تقديم " أن " المفتوحة في اللفظ في قولك: " أنك منطلق بلغني " أنها إذا تقدمت ارتفعت بالابتداء وكل مبتدأ ليس قبله شئ يتعلق به يجوز دخول " إنّ " المكسورة

عليه وأن يليها في اللفظ فيلزم في هذا أن يقال: " إنّ أنّ زيدا منطلق بلغني ". وهذا لا يجوز لأنه لا يجوز اجتماعهما في اللفظ.
والمبتدأ الذي قبله ما يتعلق به لا يجوز دخول " إن " المكسورة عليه هو: " لولا " و " لو ما ". تقول: لولا زيد لأكرمتك.
" زيد " مرفوع بالابتداء لما ذكرنا من مذهب البصريين.
ولا تقول: " لولا إنّ زيدا بكسر " إن " وتقول: لولا أن زيدا عندي لأتيتك بفتح أن؛ لأن المبتدأ الذي يؤكد " بإن " هو الذي لا يتعلق بشئ قبله في اللفظ.
وقد يكون قبل " إن " المكسورة كلام لا يغير كسرها؛ لأن تأويلها يرجع إلى أنها مبتدأة في اللفظ.
1 - من ذلك (الذي وأخواتها) إذا وصلت كانت " أن " بعدها مكسورة.
كقولك: " مررت بالذي إنّ غلامه خير منك " وقال الله عز وجل: في (ما) بمعنى " الذي " وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ... 1؛ لأن الذي وأخواتها إنما تدخل على جمل قد وجب لها لفظ ما.
فتدخل على ذلك اللفظ و " الذي " إنما هو اسم من تلك الجملة ويضمر في موضعه من الجملة.
ويقدم " الذي " هو مبتدأ أو غير مبتدأ.
ويؤتى بالجملة على هيئتها كقولك: " إنّ زيدا منطلق إلى عمرو " فتقدم " عمرا " على " أن " وتصفه " بالذي " وتدخل عليه العامل وتضمره في موضعه من الكلام الذي أخذته من جملته وقدمته فتقول: " مررت بعمرو الذي أنّ زيدا منطلق إليه ". 2 - ومن ذلك: أن تدخله على جملة في موضع خبر " أن " أو صفة كقولك: " زيد إنّ أباه خير من أبيك " لأن تقديره: أن أبا زيد خير من أبيك وقدمت " زيدا " مبتدأ وجئت بالجملة بأسرها وعلى لفظها وجعلتها خبرا لزيد.
وأضمرته في موضعه من الجملة من ذلك.
3 - وإذا كانت " إن " بعد القول كقولك: قال عمرو أن زيدا قائم " لأن عمرا لفظ مبتدئا فقال: " إن زيدا قائم " فحكيت لفظه ونسبته إليه.
4 - ومنه: إذا كانت " اللام " في الخبر كقولك: علمت إنّ زيدا لقائم " لأن اللام متصلة بعمل " علمت " فصار كأنه قال: لأن زيدا كما تقول: لزيد منطلق.

لأن اللام تبطل عمل ما قبلها فيما بعدها ولا تعمل هي شيئا.
5 - ومنه القسم: فإنه جملة تؤكد جملة أخرى.
على هيئة لفظها.
ولو قدمت إنّ على القسم فقلت: إنّ زيدا لقائم والله جاز ولم يكن بينهما فرق فبان إنها تدخل على مبتدأ ليس قبله ما يتعلق به من نحو ما ذكرناه وسبيلها كسبيل " كان " الداخل على المبتدأ والخبر ولم يرد إيقاعها مواقع الأسماء.

هذا باب من أبواب «أنّ»

تقول: ظننت أنه منطلق.
" فظننت " عاملة.
كأنك قلت: ظننت ذاك وكذلك: وددت أنه ذاهب.
لأنّ هذا في موضع ذاك.
إذا قلت: وددت ذاك.
وتقول: لولا أنه منطلق لفعلت " فأن " مبنية على " لولا " كما تبنى عليها الأسماء.
وتقول: لو أنه ذاهب لكان خيرا له " فأنّ " مبنية على " لو " كما كانت مبنية على " لولا ". كأنك قلت: " لو ذاك " ثم جعلت " أن " وما بعدها في موضعه.
فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على " لو " غير " أنّ ". كما كان " تسلم " في قولك: بذي تسلم " في موضع " اسم ولكنهم لا يستعملون الاسم لأنهم مما يستغنون عن الشيء بالشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطا.
وقال الله عز وجل قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ 1 وقال: لو بغير الماء حلقى شرق 2 وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنّ الله خلقي فقال: " أن " في موضع كأنك قلت: " مذ ذاك ". وتقول: " أما إنّه ذاهب وأما أنه منطلق " فسألت الخليل عن ذلك

فقال.
إذا قال: " أنه " فأنه يجعله كقولك: حقا أنه منطلق وإذا قال: أما إنّه " فأما " بمنزلة " ألا " كأنه قال: ألا أنه ذاهب.
وتقول: (أما والله أنه ذاهب) كأنك قلت: (علمت والله أنه ذاهب).
و " أما والله أنه ذاهب "، كأنك قلت: إلا أنه ذاهب وتقول قد عرفت أنه ذاهب ثم أنه يعجل لأن الآخر شريك الأول في: " عرفت ". وتقول: قد عرفت أنه منطلق.
ثم أني أخبرك أنه معجل " لأنك ابتدأت إني " ولم تجعل الكلام على: " عرفت ". وتقول: " رأيته شابا وأنه يفخر يومئذ ".. كأنك قلت: رأيته شابا وهذه حاله تقول هذا ابتداء.
ولم تحمل الكلام على الفعل.
قال ساعدة بن جؤبة: 1 رأته على شيب القذال وأنها … تواقع بعلا مرّة وتئيم 2 وزعم أبو الخطاب أنه قد سمع هذا البيت من أهله هكذا.
وسألته عن قوله عز وجل: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ 3 ما مانعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال " وما يشعركم " ثم ابتداء فأوجب فقال: " إنها إذا جاءت لا يؤمنون: ولو قال: وما يشعركم أنها كان عذرا لهم.
وأهل الكوفة يقولون: " أنها " فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا " أي لعلك " فكأنه قال: " لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ". وتقول: أن لك على هذا وأنك لا تؤذي كأنك قلت: وإنّ لك أنك لا تؤذي.
وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على: " إنّ لك " وقد قرئ هذا الحرف على وجهين: قال بعضهم " وإنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى " وقال بعضهم: " وأنك "

واعلم أنه ليس بحسن ل " أنّ " أن تلي " إنّ " ولا " أن " كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداء الخفيفة؛ لأن الخفيفة لا تزول عن الأسماء والثقيلة تزول.
فتبتدأ ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء.
ألا ترى أنك لا تقول: " أنّ أنّك ذاهب " ولا عرفت أن أنك منطلق في الكتاب " وإنما قبح هاهنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول: أنك منطلق بلغني أو عرفت.
لأن الكلام بعد أن مستغن كما أن المبتدأ غير مستغن.
وإنما كرهوا ابتداء أن لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها أن.
ولئلا يشبهوها " بأن " الخفيفة لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله ينصبه والمصادر تعمل فيها " إنّ " و " أنّ ". ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنه ظريف.
كأنه قال: قلت لمه؟ قلت: لأن ذلك كذلك.
أراد بقوله: لم حكاية قوله: لم فعلت؟ ثم قال لأنه ظريف أي لأن ذلك كذلك.
وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني نجد.
إذا ابتدأت.
كما تبتدئ: أي أنا نجد وإن شئت قلت: أني نجد كأنك قلت: أي لأني نجد.
قال أبو سعيد: قوله: " فأن " مبنية على " لولا " يريد أنّها: معقودة بلو لا في المعنى الذي يقتضيه " ولولا " مقدمة عليه وليست بعاملة فيه.
لأن الاسم بعد " لولا " يرتفع بالابتداء لا " بلو لا " ولزومها للاسم الذي بعدها للمعنى الذي وضعت عليه كلزوم العامل للمعمول به فشبهت به ففتحت " أنّ " ولم تكسر.
لأن " إن " المكسورة إنما تدخل على مبتدأ مجرد لم يغيّر معناه بحرف قبله، وقد ذكرنا هذا في الباب الذي قبل هذا الباب، ولم يرد هو أيضا بقوله: " فأن " مبنية على " لو " أنها مبنية عليها بناء معمول على عامله، لأن " لو " لا تعمل شيئا.
وإنما هو: بناء الشيء على ما يحدث فيه معنى ولم يغير لفظه ففتح " أنّ " بعد " لو " كفتحها بعد " لولا ". وذلك أنهما يتقاربان في المعنى واللفظ ويلزمان ما بعدهما للمعنى الذي أحدثاه كلزوم العامل لما بعده وتقاربهما في المعنى " أن " " لولا) يمتنع جوابها لوجود شرطها كقولك: " لولا زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لمكان زيد.
و " لو يمتنع جوابها لامتناع شرطها كقولك: " لو جاءني زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لامتناع مجيء زيد.
والذي يلي " لولا " اسم مبتدأ.
والذي يلي " لو " فعل وكلاهما لا يعمل فيما بعده.
فأما " أنّ " بعد " لولا " فهي واسمها وخبرها بمنزلة اسم مبتدأ خبره محذوف كما يكون الاسم بعد

" لولا زيد لأتيتك " فإذا قال: " لولا أن زيد عندي لأتيتك " فتقديره لولا كون زيد لأتيتك وخبر المبتدأ محذوف.
وأما " أن " بعد " لو " فعلى مذهب أبي العباس المبرد: هي فاعلة في موضع رفع بفعل محذوف.
فإذا قلت: لو أنّ زيدا جاءني لأكرمته فتقديره على مذهبه: لو وقع مجيء زيد.
فجعل " أن " مرفوعا " بوقع ". والذي عندي: أنه لا يحتاج إلى إضمار الفعل ولكن تقع (أن) نائبة عن الفعل بعد " لو " كقولك: " لو أنّ زيدا جاءني لأكرمته " كأنك قلت: " لو جاءني زيد لأكرمته ". وسوغ ذلك أن " لو " غير عاملة وإنما دخولها لمعنى لا يختل يكون " أنّ " بعدها إذ كان الخبر لا يفارقها وهو فعل.
وقد ذكرنا هذا مستقصى في أول الكتاب.
وشبه سيبويه وقوع " أنّ " بعد " لو " وهي في تقدير الاسم ولا يستعملون الاسم بعدها بوقوع " تسلم " بعد " ذي " و " تسلم " في موضع اسم ولا يستعملون الاسم بعد " ذي " في هذا الموضع.
وهذا عنده بمنزلة ما لا يقاس عليه.
وقوله " مذ أنّ الله خلقني " في " أنّ) وجهان: يجوز أن يكون رفعا.
ويجوز أن يكون خفضا.
فإن كانت رفعا فهو خبر مبتدأ.
تقديره: ما رأيته من وقت خلق الله لي.
كما تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة.
وتجعل " مذ " بمنزلة المبتدأ وبتأول: مدة ذلك وقت خلق الله لي.
الذي يقول: " أما إنّه منطلق " و " ألا أنه منطلق " لا يعتد بأما و " ألا " لأنهما، يجعلان استفتاحا.
وتنبيها للمخاطب ليسمع الكلام المقصود.
والذي يقول: " أما أنّه منطلق.
فهو بمنزلة: حقا أنّه منطلق حقا " في مذهب الظرف.
" وأنه منطلق في موضع مبتدأ كأنه قال: في حق انطلاقه كما قال: .. أحقا أنّ أخطلكم هجاني.. 1 والعرب تقول: أفي حق أخذك مالي.
ونحو ذلك وهو مذهب الظروف كما تقول:

أفي يوم الجمعة رحيلك.
وأما قول الله عز وجل: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ 1 ففيه قراءتان: كسر أن وفتحها.
فمن كسرها فقد تم الكلام بقوله: " وما يشعركم ". ثم أخبر الله عز وجل أنهم لا يؤمنون ". ومن فتحها: فقد تم الكلام أيضا عند قوله " وما يشعركم " ثم استأنف الكلام فأبهم أمرهم فلم يخبر عنهم بإيمان ولا غيره فقال: " أنها " على معنى " لعلها " وهذا قول النحويين والخليل والكسائي والفراء وهو مذهب كلام العرب.
حكى الخليل: ائت السوق أنك تشتري.
بمعنى لعلك تشتري.
وحكى الكسائي قال: سمعت رجلا يقول: (ما أدري أنه صاحبها) يريد لعله صاحبها.
ومن العرب من يقول: لو " أن " في معنى " لعل " قال الكسائي: سمعت أبا الهيثم يقول: " فلو أنها نزعت... " يريد فراقا وأنشد الفراء: فقلت امكثي حتى يسار لو أننا … نحج معا قالت أعام وقابله؟ 2 وقد تقول العرب: علك وعنّك ولعنك ولعلهم أبدلوا العين في " عنك " همزة قال الفرزدق: ألستم عائحين بنا لعنّا … نرى العرصات أو أثر الخيام 3 وإنما كرهوا أن يجعلوا " أنها " في صلة: يشعركم؛ لأن ذلك يصير كالعذر لهم والإخبار بأنهم يؤمنون، إذا قلت لإنسان: " ما يدريك أن زيدا ليس حسن " فالأظهر في قصد قائله: أنه يغلب له الإحسان.
فلذلك عدلوا إلى تفسيره " بلعل ". ولا يحسن لأن (أنّ) تلي " إنّ " ولا " إنّ " " أنّ ". لأنهما جميعا للتأكيد يجريان مجرى واحدا فكرهوا الجمع بينهما كما كرهوا الجمع بين اللام وأنّ فإن فصلت بينهما أو عطفت

حسن.
فالفصل قولك: " أن لك أنك تحيى وتكرم " والعطف قولك: " أن كرامتك عندي وأنك تعان " وعلى هذا قرأ من قرأ وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا (طه: 119) ومن كسر استأنف ثم مثل فساد الجمع بين إنّ وأنّ فقال: ألا ترى أنك لا تقول: إن أنك ذاهب في الكتاب ولا: " قد عرفت أن إنك منطلق في الكتاب " معنى هذا: أن قولك في الكتاب " خبر أن " و " أنّ ". و " أنك ذاهب " " اسم إنّ " وأنك منطلق اسم " أن " وفساد الجمع بين إنّ وأنّ وبين " أنّ وأنّ ". ولو فصل بينهما قال: " أن في الكتاب أنك ذاهب " " وقد عرفت أن في الكتاب إنك منطلق ". لجاز وحسن الفصل بينهما.
ومعنى هذا الكلام: إن الكتاب انطوى واشتمل معناه على أنه ذاهب وعلى أنه منطلق كما يقول القائل لصاحبه: في اعتقادي أنك راحل.
وليس يريد حكاية لفظ الكتاب.
وإنما يريد معنى ما في الكتاب.
وقوله: (وكرهوا ابتداء " أن " لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها " إنّ " يعني: لم يجعلوها مثل زيد ونحوه من الأسماء التي تدخل عليها " أن " وتليها.
وقد مضي الكلام فيه.
" ولئلا يشبهوها بأنّ " الخفيفة.
لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله يعني: مصدر الفعل الذي يلي " أن " كقولك: أريد أن تذهب " أي أريد ذهابك ". ومن حيث- جاز أن تدخل على: " تذهب " فتقول: " إنّ أن تذهب خير لك من أنّ تقيم " كما تقول.
أن الذهاب خير لك من الإقامة.
وإذا قال الرجل للرجل: لم فعلت ذاك؟ فقال: لم أنه ظريف.
ففتح أن " لتقدير الكلام " فعلها " وإعادة " لم " لا يعتد بها المسئول كونه أعاد سؤال السائل وحكى لفظه ثم أجاب عنه.
وأنّا قوله: أي أني نجد.. كأن إنسانا تكلم بشيء عرض فيه أنه نجد وشجاع.
كرجل قال: أنا أسير بالليل وحدي في المفاوز فحكى عنه الحاكي هذا فقال قائل: أي أنه نجد.
فجعل " أي " عبارة عن معنى كلامه وأجراه مجرى القول.
" أنا أسير بالليل وحدي في المفاوز " بمنزلة (قال أني نجد).
وإذا قال: أي أني نجد.
كأنه قال: أي لأني نجد.

هذا باب آخر من أبواب «أن»

تقول: ذلك وأن لك عندي ما أحببت.
وقال الله عز وجل: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ

مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ 1 وقال عز وجل: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ 2 وذلك لأنها شركت " ذلك " فيما حمل عليه.
كأنه قال: الأمر ذلك وأن الله.
ولو جاءت مبتدأة لجازت بذلك على ذلك قوله عز وجل: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ 3 (فمن) ليس محمولا على ما حمل عليه (ذلك) فكذلك يجوز أن تكون " أن " منقطعة من ذلك قول الأحوص: 4 عودت قومي إذا ما الضّيف نبهني … عقر العشار على عسري وإيساري 5 إنّي إذا خفيت نار لمرملة … ألفي بأرفع تل رافعا ناري ذاك وإنّي على جاري لذو حدب … أحنو عليه بما يحنى على الجار فهذا لا يكون إلا مستأنفا غير محمول على ما حمل عليه " ذاك " فهذا يقوي ابتداء " إنّ " في الأول.
قال أبو سعيد: " اذاك وأن من الأمر كذا وكذا " إنما يتكلم به المتكلم بقصة، ثم يؤكدها ليعطف عليها قصة أخرى زيادة على القصة الأولى في معنى ما قصدت به كقولك للرجل: " أنا أكرم من قصدني من أمثالك وأن لك عندي ما أحببت " تقديره (والأمر ذلك) وهو تقدير لما ذكره أولا وعطف " أن لك عندي ما أحببت " على " ذلك " لأن " ذلك " مصدر هو خبر الابتداء وهو كأنه قال: فالأمر كما ذكرته أولا والأمر أيضا أن لك عندي

ما أحببت.
وقوله: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (1) كأنه قال: العون لكم من الله لأشياء ذكرها من تأييده ونصره وعونه.
وكقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً (2) فهذه أشياء قد أعان الله بها المؤمنين ويعينهم أيضا بتوهين الكافرين وذكر هذا تقوية من الله ومعونة لهم.
وقوله: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (3) ذكر الله عز وجل شدة قدمها لهم في الدنيا وذلك قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (4) فذوقوه عاجلا في الدنيا والأمر أيضا: أن للكافرين عذاب النار بعد ذلك.
وإن استأنفت فكسرت فهو جيد لأنه جملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
ومن أوضح ما يدل على جواز الاستئناف قوله عز وجل: ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ (5) لأن " من " وما بعدها شرط وجزاء وهي جملة منزلة منزلة المكسورة.
وأما ما أنشده من الأبيات فإن " عودت " قد تعدى إلى مفعولين.
إلى " قومي " وإلى: عقر العشار.
ثم استأنف " أني " في البيت الثاني وقوله في البيت الثالث: " ذاك وأني " " ذاك أمري " وكسر " إني " بعدها فعطف جملة على جملة، قوله: (فهذا لا يكون مستأنفا) يعني إذا كسرت فهي جملة مستأنفة وإذا فتحت فهي من الجملة التي فيها " ذاك " لأنها محمولة على " ذاك " و " ذاك " خبر ابتداء محذوف وقوله: " فهذا يقوي ابتداء " إن " في الأول " يعني بالأول: " إنّ لك ألّا تجوع فيها ولا تعرى " و " أنّك " و " إنّك " بالابتداء والقطع.

هذا باب آخر من أبواب «أن»

تقول: (جئتك أنك تريد المعروف) إنما أردت: جئتك لأنك تريد المعروف12345

ولكنك حذفت " اللام " هاهنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت: أغفر عوراء الكريم ادخاره … وأعرض عن ذنب اللئيم تكرّما 1 أي: لادخاره.
وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ 2 فقال: إنما هو على حذف اللام كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون.
وقال نظيرها: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ 3 لأنه إنما هو: لذلك فليعبدوا فإن حذفت اللام من " أنّ " فهو نصب كما أنك لو حذفت اللام من " لايلاف " كان نصبا هذا قول الخليل: ولو قرءوها " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " كان جيدا وقد قرئ.
ولو قلت: جئتك إنّك تريد المعروف.
مبتدأ كان جيدا.
وقال عز وجل: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ 4 وقال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 5 إنما أراد: بأني مغلوب وبأني لكم نذير مبين ولكنه حذف الباء.
وقال عز وجل: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً 6 بمنزلة: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً 7 والمعنى: ولأن هذه أمتكم فاتقون.
ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا.
وأما المفسرون فقالوا: على " أوحى إلى... " كما كان: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ 8 على " أوحى إلي).
ولو قرئت (وإن المساجد لله).
كان جيدا واعلم أن هذا البيت ينشد على

وجهين: على إرادة اللام وعلى الابتداء.
فقال الفرزدق: منعت تميما منك أني أنا ابنها … وشاعرها المعروف عند المواسم 1 وسمعت من العرب من يقول: " إنيّ... " وتقول: (لبيك إن الحمد والنعمة لك " وإن شئت قلت: (أّنّ) ولو قال إنسان إنّ " أنّ " في موضع جر في هذه الأشياء ولكنه حذف لما كثر في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا " رب " في قولهم: وبلد تحسبه مكسوحا 2 لكان قولا قويا.
وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك.
والأول: قول الخليل.
ويقوى ذلك قولهم: " وأن المساجد لله " لأنهم لا يقدمون " أن " ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها، إلا أنه يحتج الخليل بأن المعنى معنى اللام فإذا كان الفعل أو غيره موصولا باللام جاز تقديمه وتأخيره؛ لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى.
فاحتملوا هذا المعنى كما قالوا: " حسبك ينم الناس " إذ كان فيه معنى الأمر وسترى مثله.
قال أبو سعيد: إذا تقدمت " أن " مفتوحة ووليها حرف جر مقدم فقول الخليل: إنها في موضع نصب بالفعل الذي كان يعمل في حروف الجر.
فإذا قلت " جئتك أنك تريد المعروف ". " فأنك " في موضع نصب بجئتك.
لما حذفت اللام وصل الفعل إلى ما بعدها وكانت اللام في موضع نصب.
وكذلك سائر ما ذكرناه.
وكان الكسائي يقول أنها في موضع جر وقد قوى سيبويه كونها في موضع جر من غير أن يبطل قول الخليل أو يرده.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يراه منصوبا ويذهب مذهب الخليل فيه.
قال أبو سعيد: والزجاج يجوّز الأمرين جميعا في (أن): النصب والجر.
والأقوى عندي: أن موضعه جر لأن حروف الجر تحذف من " أن " و " أنّ " مخففة ومشددة.
لأنهما وما بعدهما بمنزلة اسم واحد وقد طال فحسن الحذف كما يحسن حذف الضمير العائد

إلى " الذي " في قولك: الذي ضربت زيد بمعنى: الذي ضربته ولا يحسن " الضارب أنا زيد " تريد: الضارب، وكذلك حسن أن يقال: " أنا راغب أن أصاحبك " و " أنا على ثقة أنك مقيم " والمعنى: " أنا راغب في أن أصاحبك " و " على ثقة من أنك مقيم " فحسن حذف حرفي الجر منهما.
ولو رددتهما إلى لفظ المصدر لم يجز أن تحذف حرف الجر.
لا يجوز: أنا راغب مصاحبتك إلا أن تأتي " بفي " كما لا يجوز: (أنا متكلم زيدا) بمعنى: متكلم في زيد.
وكذلك لو قلت: " أنا على ثقة مقامك " لم يجز حتى تقول: (على ثقة من مقامك).
فإذا كان طرح حرف الجر للاستطالة في اللفظ فكأنه موجود في الحكم.
ألا ترى أنك تقول: مررت بالذي ضرب زيد.
بمعنى: الذي ضربه زيد.
وتعطف الأخ على الهاء المحذوفة العائد إلى الذي " وكأنها موجودة فكذلك اللام " وسائر حروف الجر إذا حذفت كأنها موجودة.
ومن الدليل على ذلك: أنك تقدمها مفتوحة إذا كانت اللام مقدرة قبلها.
فإن كانت اللام هي العاملة فهي مجرورة.
وإن كان العامل فيها الفعل الذي بعدها صارت بمنزلة قولنا: عرفت أن زيدا قائم.
ولا يجوّز أحد: " أنّ زيدا قائم عرفت " لتأخر العامل.
فإن قيل المعنى معنى اللام وإن حذفت؟ فإن الجواب أن اللام لما حذفت في اللفظ ونقل العمل في " أن " إلى الذي بعدها لم يّكن للّام تأثير في لفظ " أنّ " وقد وقعت مبتدأة في اللفظ فوجب أن تكسر.
ويقوى هذا أنك تقول: إنّ زيدا قائم علمت، والمعنى: علمت أن زيدا قائم ولم يجز.
من أجل ذلك فتح: " إن " في الابتداء.
وفي آخر الباب ضمائر ذكرت ما يعود إليها قوله: (إلا أنه) الهاء للخليل وموصلا إليه (الهاء) وكذلك " الهاء " في تقديمه وتأخيره وقوله: ليس هو الذي عمل فيه يعني: ليس الفعل الذي عمل في " أن " وباقي الباب من كلامه مفهوم وقد مضى من الشرح ما يدل على ما لم يشرح.

هذا باب أنما

اعلم أن كل موضع تقع فيه " أنّ " تقع فيه " أنّما " وما بدئ بعدها صلة لها.
كما " أن " ما ابتدئ بعد " الذي " صلة له.
ولا تكون هي عاملة فيما بعدها كما لا يكون " الذي " عاملا فيما بعده.
فمن

ذلك قوله عز وجل: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ 1 وقال ابن الاطنابة: أبلغ الحارث بن ظالم المو … عد والناذر النذور عليّا 2 أنّما تقتل النيّام ولا تق … تل يقظان ذا سلاح كميا فإنما وقعت " أنما " هاهنا لأنك لو قلت: (أن إلهكم إله واحد)، (وأنك تقتل النيام) كان حسنا وإن شئت قلت: أنما تقتل النيام، على الابتداء زعم ذلك الخليل، فأما " أنما " فلا تكون اسما وأنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغي.
مثل: (أشهد لزيد خير منك) لأنها لا تعمل فيما بعدها.
ولا تكون إلا مبتدأة بمنزلة [إذ] و " إذا " لا تعمل شيئا.
واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه " إنّ " إلا مبتدأة لا تكون فيه " أنما " إلا مبتدأة مثل قولك: " وجدتك أنما أنت صاحب كل خنى " لأنك لو قلت: وجدتك أنك صاحب كل خنى لم يجز.
وذلك أنك إذا قلت: أرى أنه منطلق " فأنما وقع الرأي على شئ لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوه من الأسماء.
فمن ثم لم يجز: رأيتك إنك منطلق وأنما أدخلت " أنما " على هذا الكلام مبتدأ كأنك قلت: وجدتك أنت صاحب كل خنى.
ثم أدخلت " أنما " على هذا الكلام فصار كقولك: " أنما أنت صاحب كل خنى " لأنك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض.
ولم تضع " أنما " في موضع " ذاك " إذا قلت: " وجدتك ذاك " لأن " ذاك " هو الأول.
و " أن " و " أنما " أنما يصيران الكلام شأنا وحديثا فلا يكون الخبر ولا الحديث " الرجل " ولا " زيدا " ولا أشباه ذلك من الأسماء.
وقال كثير.
أراني ولا كفران لله إنّما … أواخي من الأقوام كل بخيل 3

لأنه لو قال: أني هاهنا كان غير جائز لما ذكرناه.
فأنما هاهنا بمنزلتها في قولك: زيد إنما يواخي كل بخيل.
وهو كلام مبتدأ وتقول خبره " وأنما يجالس أهل الخبث " لأنك لا تقول: " أرى أيره أنه يجالس " فحسنت " أنه " هاهنا؛ لأن الآخر هو الأول.
قال أبو سعيد: " أنما " المفتوحة وما بعدها من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر بمنزلة اسم واحد في معنى المصدر.
كما أن أن المفتوحة واسمها وخبرها بمنزلة اسم واحد في معنى المصدر.
والفرق بينهما: أن " أنما " أبطل عملها بدخول " ما " فصار يليها كل كلام.
ومنزلتها بعد منزلة " أنّ " بعد اسمها لأن ما بعد اسمها من رتيبة الابتداء والخبر والفعل والفاعل والشرط والجواب كقولك: علمت أن زيدا أبوه منطلق.
" وعلمت أن زيدا ينطلق أبوه " " وعلمت أن زيدا أن تأته يأتك " و " أنما " بمنزلة " أنّ " و " أنما " وما بعدها من اسم وخبر وفعل وفاعل وشرط جزاء بمنزلة " أن " واسمها إذ كان بعدها جملة.
ومعنى قوله: " أنما تقتل النيام ". أن الحارث بن ظالم المري قتل خالد بن جعفر بن كلاب وهو نائم.
وكان سببه أن الحادث بن ظالم دخل على النعمان بن المنذر، وخالد جالس معه يأكل تمرا فلما رآه النعمان قال: أذن يا حار.. فقال له خالد: من ذا الذي أراك تدني أبينت اللعن.. ؟ فقال: هذا الحارث بن ظالم.
قال للحارث: ما رأني إلا حسن البلاء عندك.
قال: وما بلاؤك قال: قتلت أشراف قومك فتركتك سيدهم.
قال: سأجزيك ببلائك وجلس يأكل معهم فلما خرج الحارث قال النعمان لخالد: ما أردت أن تحرش بهذا الكلب وأنت ضيف لي.
قال خالد: إنما هو عبد من عبيدي لو كنت نائما ما أيقظني.
فلما أمسى النعمان بعث إلى الحارث بن ظالم بعس من خبر يعتبقه أراده أن يشغله فصبته بينه وبين جبيه في كتب.
فلما أمسى الحارث بن ظالم حبى بالسيف حتى أتى خالدا وهو في قبة من أدم فوضع السيف في بطنه ثم اتكأ عليه حتى قتله ثم تحمل من تحت ليلته حتى لحق بقريش.
فلما قال ابن الإطنابة هذا الشعر أتاه الحارث متنكرا فأنبهه وهو لا يعرف الحارث فلما انتبه قال له: البس سلاحك فأنني مستنصرك.
فلبس سلاحه ومشى معه حتى تنحيا من البيوت فقال له الحارث: ألست يقظان ذا سلاح؟ قال: بلى، قال: فأنا الحارث بن

ظالم أريد قتلك.
فذل له ابن الاطنابة حتى كف عنه.
و" أنما تقتل " في موضع نصب " بأبلغ " ومعنى قول الخليل: " أنما " بمنزلة فعل ملغى: أن " أن " منزلتها منزلة فعل على ما تقدم من ذكر ذلك.
فإذا كفت لم يكن لها اسم منصوب صار بمنزلة فعل ملغي كقولك: أشهد لزيد خير منك.
وقوله: بمنزلة (إذ) و " إذا "، وأن " إذ " و " إذا " لا يعملان شيئا فيما بعدهما وتلي " إذا " المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وتمامها بما بعدها.
وكذلك " أنما " يليها المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وهي لا تعمل شيئا فيما بعدها فهذا وجه التشبيه.
وقوله: وجدتك أنما أنت صاحب كل خنى لم يجز سيبويه في " أنما " إلا الكسر.
وذلك أن " وجدتك " يتعدى إلى مفعولين وهي من باب " علمت " و " حسبت " ورأيت من رؤية القلب " فالكاف " المفعول الأول والمفعول الثاني جملة قائمة بنفسها فحكمها أن تكون كلاما مستأنفا يوضع في موضع الخبر نحو: المبتدأ والخبر.
وما هو بمنزلتها نحو الفعل والفاعل.
و " إنّ " المكسورة مما يصح أن يبتدأ به من الكلام ولو قلت: حسبتك أنما أنت صاحب كل خنّى بفتح " أنما " كان بمنزلة: المصدر.
والمصدر لا يكون خبرا للكاف.
ألا ترى أنك لا تقول: " حسبت زيدا خروجه " و " حسبت زيدا سبقه ". وقد قرئ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ 1 وهو على ما سقناه من كلام سيبويه لا يجوز.
وهو مذهب من تقدم من النحويين البصريين إلا أن الزجاج أجازه على البدل من " الذين " واحتج بقول " عبده بن الطيب " 2 في بدل المصدر من الاسم: فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيان قوم تهدما 3 " أبدل " هلكه " من " قيس ".

قال أبو سعيد: للمحتج عن سيبويه أن يقول: أن بدل " هلكه " من " قيس " لا يشبه الآية لأن هلكه إذا أبدل من " قيس " جعل مكانه واحتاج إلى مثل ما كان يحتاج إليه " قيس " من الخبر فأتى له بخبر فقام خبره مقام خبر " قيس " كما أقيم هو مقام " قيس ". وليس كذلك الآية.
لأنه إذا قرأ " ولا تحسبن الذين كفروا " وجب أن يؤتى " لِلَّذِينَ كَفَرُوا " بخبر لأنه بمنزلة اسم مفرد.
والبدل منه لا يصح أن يكون خبرا عنه.
وقد يحتمل تجويز ذلك على وجه آخر ضعيف لا أحب أن يحمل كتاب الله عليه.
أما ضعفه فلأنه بدل من اسم يقتضي خبرا.
وقد أبطل خبره ولأنه أيضا أبدل اسما يقوم مقام اسمين من اسم مفرد لا يقوم مقام اسمين فلان الاسم الأول إذا أبدل منه جعل بمنزلة المطرح الذي لم يذكر واعتمد بوقوع المحسبة على الثاني ولم يعتد بالأول كأنه قال: " ولا تحسبن أنما تملى لهم خبر لأنفسهم " ومثله قوله: لسان السّؤ تهديتها إلينا … وحنت وما حسبتك أنّ تحينا 1 أبدل (أن تحينا) من الكاف و " أن تحينا " تقوم مقام مفعولي حسبك.
كما قال عز وجل: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ 2 وتَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ 3 وإنما جاز " وجدت خبره أنما يجالس أهل الخبث " لأن " الخبر " مصدر و " أنما " مصدر هو الأول.
وجوّز أن تقول في الابتداء: خيرك أنما تجالس أهل الخبث.
ولا يجوز: " زيد أنما يجالس ". ولا تقل: " خبرك أنما تجالس أهل الخبث " بالكسر كما لا تقول: (زيد أنما تجالس أهل الخبث) بالفتح وكذلك: " أرى أمره أنما يجالس "... بالفتح وأنه في موضع المفعول الثاني.
وفي الباب التالي لهذا ما يكون بدلا مما هو مثله.
كقولك: بلغني قصتك أنك فاعل وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون " هذا بين لأن الصفة والحديث هما: " أن ".

هذا باب تكون فيه «أن» بدلا من شيء هو الأول

وذلك قولك: بلغتني قصتك أنك فاعل.
وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون، وكذلك القصة وما أشبهها.

هذا باب تكون فيه «أن» بدلا من شيء ليس بالأول

من ذلك وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ 1 (فأنّ) مبدلة من " إحدى الطائفتين " موضوعة في مكانها كأنك قلت.
وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم كما أنك إذا قلت: (رأيت متاعك بعضه إلى بعض) فقد أبدلت الآخر من الأول: فكأنك قلت: " رأيت بعض متاعك فوق بعض فإنما نصبت بعضا " لأنك أردت معنى: (رأيت بعض متاعك فوق بعض) كما جاء الأول على معنى: " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين لكم ". وقال عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ 2 فالمعنى والله أعلم: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون ومما جاء مبدلا من هذا الباب قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ 3 فكأنه قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، وذلك أريد بها ولكنها إنما قدمت " أن " الأولى ليعلم بعد أي شيء الإخراج.
ومثله قوله: زعم أنه إذا أتاك أنه سيفعل، وقد علمت أنه سيفعل وقد علمت أنه إذا فعل أنه لا يستقيم أن تبتدئ " إنّ " هاهنا.
كما تبتدئ الأسماء والفعل إذا قلت: (قد علمت زيدا أبوه خير منك).
وقد رأيت زيدا يقول " أبوه ذاك "؛ لأن " إنّ " لا تبتدأ في كل موضع من تلك المواضع.
وزعم الخليل أن مثل ذلك قوله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ 4 ولو قال: " فإنّ " كانت عربية جيدة.
وسمعناهم يقولون

قول ابن مقبل: وعلمي بأسدام المياه فلم تزل … قلائص تخدي في طريق طلائح وأنّي إذا قلت ركابي مناخها … فإنّي على حظّي من الأمر جامح 1 وإن جاء في الشعر: " قد علمت أنك إذا فعلت أنك سوف تغتبط " تريد معنى " الفاء " جاز.
والوجه والحد ما قلت لك أول مرة.
ونظير ذلك في الابتداء لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ 2، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 3. وبلغنا أن الأعرج 4 قرأ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 5 ونظيره البيت الذي أنشدتك.
قال أبو سعيد: أما قوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ 6 فأن إحدى الطائفتين هو المفعول الثاني " ليعدكم " والمفعول الأول: هو الكاف والميم في " يعدكم " و " أنها لكم " بدل من " إحدى الطائفتين " وهذا بدل اشتمال كما تقول: وعدتك أحد الثوبين ملكه.
و " ملكه " بدل من " أحد الثوبين ". وقوله عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ 7 " أنهم " بدل من معنى جملة " كم أهلكنا قبلهم من القرون " لأمر إنكارهم.
لأن لفظ " كم " في التقدير: منصوب " بأهلكنا " إذا كانت " كم " في الاستفهام في مذهب " ربّ " لا يعمل فيها ما قبلها.
فلو أبدلنا " أنهم " من لفظ " كم " صار العامل فيها " أهلكنا "

فيكون تقديره: (أهلكنا أنهم إليهم لا يرجعون) وهذا لا معنى له.
ولكن " كم " وما بعدها إذا جعلت اسما غير استفهام فتقديرها: (الم يروا الذين أهلكناهم من القرون).
ومعنى: " يروا " يعلموا.
لأن رؤية العين منهم لم تقع على القرون التي خلت من قبلهم.
فإذا قدرناه هذا التقدير وأبدلناه صار معناه: " ألم يعلموا أن القرون التي أهلكناهم من قبلهم لا يرجعون ". وفي " أن " وجه آخر وهو: أن تجعلها في صلة: " أهلكناهم " بمعنى: أهلكناهم بأنهم لا يرجعون " أي ": أهلكناهم لهذا الضرب من الهلاك.
وقوله عز وجل: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ 1 فيه وجهان: أحدهما: أن تجعل " أنكم " المفعول الثاني من " يعدكم " والمفعول الأول " الكاف والميم ". واسم " أن " الكاف والميم بعدها.
وخبرها.
" مخرجون " " فإذا متم " ظرف " لمخرجون ". و (أنكم) الثانية معادة وهي الأولى ليقرب من الخبر لما تراخى ما بينها وبين الخبر.
وهي مكررة توكيدا للأولى، قوله عز وجل: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ 2 هم الثانية إعادة للأولى توكيدا وهذا قول أبي عمر الجرمي في هذا ونحوه.
ويحتج له في ذلك: أنها تقع بعد الفاء مفتوحة في قوله عز وجل: أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ 3 إنما هو " فله نار جهنم... " ثم كررها توكيدا ولولا أنها مكررة لكسرت لأنها في موضع الابتداء بعد " الفاء " للتراخي كما قال عز وجل: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ 4 فهذه كررت للتراخي، ومثل هذا في القرآن كثير.
والوجه الثاني: أن تجعل " أنكم " المفعول الثاني ل " يعدكم " و " أنكم مخرجون " في موضع اسم مبتدأ وخبره " إذا متم " وهو ظرف له.
وتقديره: أيعدكم أنكم إذا متم أخراجكم.
والمبتدأ والخبر خبر " أنكم " والعائد إلى " الكاف والميم " التي هي اسم " أنكم " الأولى " الكاف والميم " التي هي اسم " أنكم " الثاني.
وهذا قول أبي العباس المبرد.

قال أبو سعيد: وعلى هذين الوجهين قولهم زعم أنه إذا أتاك أنه سيفعل وقد علمت أنه إذا فعل أنه سيمضي.
وظاهر كلام سيبويه أنه جعل " أنكم " الثانية بدلا من " أنكم " الأولى في قوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ... " لأنه قال: " ومما جاء مبدلا " ثم قال: كأنه على: " أَيَعِدُكُمْ....... أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ". وفي هذا الكلام عندي خلل لأنه لا يجوز البدل من الاسم حتى يتم الاسم.
وقوله: " إذا متم " ليس باسم تام لأنه لم يأتي " لأنه " بخبر.
وتمام الاسم " بأن واسمها وخبرها " والذي عندي: أنه لا بدل في هذه الآية وإنما البدل في قوله عز وجل: " إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ " وقد مر الكلام فيه.
وقول سيبويه: " ولا يستقيم أن تبتدئ " " أن " هاهنا كما تبتدئ الأسماء والأفعال إذا قلت: " قد علمت زيدا أبوه خير منك " وقد رأيت زيدا يقول: " أبوه ذاك ". لأن " أن " لا تبتدأ في كل موضع وهذا من تلك المواضع " يعني ": أنك إذا قلت " زعم أنه إذا أتاك سيفعل وقد علمت أنه سيمضي ". لم يجز كسر " إن " الثانية.
لا يجوز " أنه سيفعل وإنه سيمضي ". لأن كسرها هو الابتداء.
وإنما لم يجز ذلك لأن " إذا أتاك " و (إذا فعل) ظرف لما بعده فإذا كسرنا " إن " بطل أن تكون ظرفا " لأن " ولا ظرفا لما بعد " أن " كما يكون ظرفا " لأن ". فتقول في " أن " المفتوحة " في الحق أنك كريم " و (يوم الجمعة أنك راحل) وأنما جاز في " أن " المفتوحة لأن محلها محل الاسم والظرف يتقدم على الاسم الذي هو ظرفه كقولك (خلفك زيد ويوم الجمعة رحيلك) و " إن " المكسورة وما بعدها ليس في تقدير اسم فيكون له ظرف يتقدمه.
ولا ما بعدها يعمل فيما قبلها.
وقوله عز وجل: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ 1 و " أن ". فمن كسر: فلان الجواب بالفاء.
وإنما يكون بكلام مستأنف قائم بنفسه.
فالباب فيه الكسر.
والذي يفتح فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يجعل " إن " مكسورة معادة من الكلام الذي قبلها للتوكيد وتقديره: فله نار جهنم و " أن " مكررة.

والوجه الثاني: أن تجعل " أنّ " مبتدأة وخبرها محذوف وتقديرها: فله أن له نار جهنم.
ولو قال: (من يعصى الله فالنار) كان كلاما مفهوما جائزا وتقديره: فله النار.
والوجه الثالث: فيستحق أن له النار وما أشبه ذلك من إضمار ما يليق به.
وما ذكر في القرآن في آخر الباب قد اجتمعت فيه النسخ على ما كتبته.
والذي في القرآن لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (1)، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (2).

هذا باب من أبواب «أنّ» تكون فيه «أنّ» مبنية على ما قبلها

وذلك قولك: أحقا أنك ذاهب؟ وكذلك: أكبر ظنك أنك ذاهب؟ وأجهد رأيك أنك ذاهب؟ وكذلك هما في الخبر.
وقد سألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقا إنك ذاهب على القلب كأنك قلت: أنك ذاهب.
ألحق؟ فقال: لأن " أن " لا يبتدأ بها في كل موضع، ولو جاز هذا لجاز: يوم الجمعة إنك ذاهب تريد: إنك ذاهب يوم الجمعة.
ولقلت أيضا: لا محالة إنك ذاهبة تريد: إنك لا محالة ذاهب فلما لم يجز ذلك حملوه على " أفي حق أنك ذاهب؟ وعلى: أفي أكبر ظنك أنك ذاهب؟ وصارت " أنّ " مبنية عليه كما يبني الرحيل على غد إذا قلت: غدا الرحيل.
والدليل على ذلك: إنشاد العرب كما زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر: أحقّا بني أبناء سلمى بن جندل … تهدّدكم إيّاي وسط المجالس 3 وزعم الخليل أن التهدد هاهنا بمنزلة: " الرحيل " بعد " غد ". وأن " أن " بمنزلته وموضعه كموضعه.
ونظير: أحقا أنك ذاهب.
من أشعار العرب قول العبدي 4:12

أحقّا أن جيرتنا استقلّوا … فنيّتنا ونيّتهم فريق وقال عمر بن أبي ربيعة: أالحق إن دار الرّباب تباعدت … أو أنبت حبل أنّ قلبك طائر؟ 1 وقال النابغة الجعدي: ألا أبلغ بني خلف رسولا … أحقّا أنّ أخطلكم هجاني 2 فكل هذه الأبيات سمعناها من أهل الثقة هكذا.
والرفع في جميع هذا جيد قوي وذلك أنك إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب.
وأكبر ظنك أنك ذاهب تجعل الآخر هو الأول.
وأما قولهم: " لا محالة أنك ذاهب " فإنما حملوا " أنّ " على: أن فيه إضمار " من " على قولك: (لا محالة أنك) كما تقول: (لابد أنك) كأنك قلت: لابد من أنك حين لم يجز أن يحملوا الكلام على القلب.
وسألته عن قولهم: أمّا حقا فأنك ذاهب فقال: هذا جيد.
وهذا الموضع من مواضع إنّ ألا ترى أنك تقول: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب.
وأما فيها فأنك قائم وأنما جاز هذا في " أما " لأن فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شئ فإنك ذاهب.
وأما قوله عز وجل: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 3 فإن " جرم " عملت لأنها فعل ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار.
وقول المفسرين معناها: حقا أن لهم النار يدلك أنها بمنزلة هذا الفعل إذا مثلت.
" جرم " قد عملت في " أن " عملها في قول القزاري: 4 ولقد طعنت أبا عيّينة طعنة … جرمت فزارة بعدها أنّ يغضبوا 5 282، سمط اللآلي 125. العيني: 2/ 235، الأشموني: 1/ 278، الهمع 2/ 71.

وزعم الخليل أن " جرم " أنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام.
يقول الرجل كان كذا وفعلوا كذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو أنه سيكون كذا وكذا.
وتقول: أما جهد رأيي فأنّك ذاهب لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول وهذا من مواضع " أن " لأنك تقول: " أما في رأيي فأنك ذاهب ". أي: فأنت ذاهب وأن شئت قبلت " فأنّك " وهو ضعيف.
لأنك إذا قلت: أما جهد رأيي فإنك عالم لم تضطر إلى أن تجعل الجهد ظرفا للقصة لأن ابتداء " إن " يحسن هاهنا.
فإذا قلت: جهد رأيي أنك عالم.
لم يجز أن يكون الجهد إلا ظرفا.
لأنك لو جعلته مفعولا كان من صلة " أنّ " ولا يجوز تقديمه ومع ذلك أنك لم تجئ بالمبتدأ.
فإذا قلت: أما جهد رأيي حسن ابتداء " أن " ونصبت جهد بالفعل لا بالظرف لأنك لم تضطر إلى الظرف وتقول: " أما في الدار فإنك قائم " لا يجوز فيه إلا " إنّ " لأن إنّ تجعل الكلام قصة وحديثا.
ولم ترد أن تخبر أن في الدار حديثه ولكنك أردت أن تقول " أما في الدار فأنت قائم " فمن ثم لم يعمل في " أن " شيء وإذا أردت أن تقول أما في الدار فحديثك وخبرك قلت: أما في الدار فأنك منطلق.
أي هذه القصة.
ويقول الرجل: ما اليوم؟ فتقول: اليوم أنك مرتحل، كأنه قال: في اليوم رحيلك.
وعلى هذا الحد تقول: أما اليوم فأنّك مرتحل.
وأما قولهم: أما بعد فأن الله عز وجل قال في كتابه.
فأنه بمنزلة قولك: أما اليوم فإنّك.
ولا يكون " بعد " أبدا مبنيا عليها.
إذا لم تكن مضادة ولا مبنية على شئ.
إنما تكون لغوا.
وسألته عن: " شد ما أنك ذاهب " وعز ما أنك ذاهب.
فقال: هذا بمنزلة: حقا أنك ذاهب كما تقول: أما أنك ذاهب بمنزلته حقا أنك ذاهب.
كما كانت " لو " بمنزلة " لولا " ولا يبتدأ بعدها الأسماء سوى " أن " نحو: لو أنك ذاهب ولا يبتدأ بعدها الاسماء.
و " لو " بمنزلة " لولا " وأن لم يجز فيها ما يجوز فيما يشبهها.
تقول: لو أنه ذاهب لفعلت.
وقال عز وجل: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي 1 وأن شئت جعلت: شد ما وعز ما كأنك قلت: نعم العمل أنك تقول الحق.
وسألته عن

قوله: كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز الله عنه.
وهذا حق كما أنك ذاهب.
فزعم أن العاملة في " أن " الكاف.
و " ما " لغو إلا أن " ما " لا تحذف هاهنا كراهية أن يجئ لفظها مثل لفظ " كان " كما ألزموا " النون " لأفعلن و " اللام " قولهم: إن كان ليفعل " كراهية أن يلتبس اللفظان.
ويدلك على أن " الكاف " هي العاملة قولهم: هذا حق مثل ما أنك هاهنا.
وبعض العرب يرفع فيما حدثنا يونس ورغم أنهم يقولون إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ 1. فلولا أن " ما " لغو لم يرتفع مثل وإن نصبت " مثل " فما أيضا لغو، لأنك تقول: مثل أنك هاهنا.
وإن جاءت " ما " مسقطة من " الكاف " في الشعر جاز كما قال النابغة الجعدي: قروما تسامى عند باب دفاعه … كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا 2 ف " ما " لا تحذف هاهنا في الكلام كما لا تحذف في الكلام من " أما " في قولك: فأن جزعا وإن إجمال صبره 3 قال أبو سعيد: إذا قلت: أحقا أنك ذاهب وأكثر ظنك وجهد رأيك ففيه الرفع والنصب فالرفع على الابتداء والخبر فإذا قلت: أحقا أنك ذاهب فتقديره " أحق ذهابك " وأكثر ظني ذهابك " وجهد رأيى ذهابك " والنصب على تقدم هذه الأشياء ظروفا.
وقال: " رفع أنك " بالابتداء وذلك أنك إذا قدمت هذه الأشياء ونصبتها فلا وجه لنصبها غير الظروف.
ورفع " أنّ " ويكون التقدير فيها: (أفي زمن حق أنك ذاهب) ثم حذف " زمن " كما قيل: سير عليه مقدم الحاج يريد: زمن مقدم الحاج أو وقت مقدم الحاج، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقد تبين من كلام العرب أنها في مذهب الظرف: بدخول " في " عليها.

جارٍ التحميل