الاستعمال النسبة.
قالوا: نصراني ونصرانية، والأصل: نصران ونصرانة... مثل ندمان وندمانة، فإذا جمع رد إلى الأصل فيقال نصارى كما يقال ندامى.
قال الشاعر:
فكلتاهما خرت وأسجد رأسها … كم سجدت نصرانة لم تختف (1)
فجاء نصارى على هذا، وإن كان غير مستعمل في الكلام كما جاء (مذاكير) و (ملامح) في جمع ذكر ولمحة، وليس بجمع لهما في الحقيقة.
وتقديره إنهما جمع (مذكر) و (ملمح) وإن كان غير مستعملين.
وقال غير سيبويه: نصارى جمع نصريّ ونصريّة، كما أن (مهارى) من الإبل جمع مهريّ ومهريّة.
وأنشد سيبويه: في أن (نصارى) جمع نكرة ليس مثل (يهود) و (مجوس) في التعريف قول الشاعر:
صدّت كما صدّ عمّا لا يحل له … ساقي نصارى قبيل الفصح صوّام (2)
فوصف نصارى بصوّام وهو نكرة.
هذا باب أسماء السور
قال سيبويه: تقول: هذه هود كما ترى إذا أردت أن تحذف سورة من قولك:
هذه سورة هود فيصير هذا كقولك: هذه تميم.
قال أبو سعيد: اعلم أن أسماء السور تأتي على ضربين.
أحدهما: أن تحذف السورة، وتقدر إضافتها إلى الاسم المبقى فيحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه.
والآخر: أن يكون اللفظ المبقى هو اسم السورة، ولا تقدر إضافة، فإذا كانت الإضافة مقدرة فالاسم المبقى يجري في الصرف ومنعه على ما يستحقه في نفسه.
وإذا جعل اسما للسورة فهو بمنزلة امرأة سميت بذلك الاسم فأما (يونس)12
و (يوسف) و (إبراهيم) فسواء جعلتها اسما للسورة أو قدرت الإضافة فإنه لا ينصرف؛ لأن هذه الأسماء في أنفسها لا تنصرف.
وأما (هود) و (نوح) فإن قدرت فيهما الإضافة فهما منصرفان كقولك:
هذه هود، وقرأت هودا، ونظرت في هود؛ لأنك تريد هذه سورة هود وقرأت سورة هود، والدليل على صحة هذا التقدير من الإضافة أنك تقول هذه الرحمن، وقرأت الرحمن، ولا يجوز أن يكون هذا الاسم اسما للسورة، لأنه لا يسمى به غير الله عز وجل.
وإنما معناه هذه سورة الرحمن، وإذا جعلتهما اسمين للسورة فهما لا ينصرفان على مذهب سيبويه ومن وافقه ممن يقول إن المرأة إذا سميت بزيد لم تصرف.
ومنهم من يقول: إنها كهند تصرف ولا تصرف.
فهو يجيز في (نوح) و (هود) إذا كانا اسمين للسورتين أن يصرف ولا يصرف، وممن قال به أيضا أبو العباس المبرد وكان الزجاج يقول: إنها لا تصرف وكان من مذهبه أن هندا لا يجوز صرفها ولا صرف شيء من المؤنث سمي باسم على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كان ذلك الاسم مذكرا أو مؤنثا ولا يصرف دعدا ولا جملا ولا تعما.
وأما (حم) فغير مصروف، جعلتها اسما للسورة، أو قدرت الإضافة لأنها معرفة، أجريت مجرى الأسماء الأعجمية، نحو (هابيل) و (قابيل) وليس له نظير في أسماء العرب؛ لأنه " فاعيل " وليس في أبنيتهم.
قال الكميت:
وعدنا لكم في آل حم آية … تأوّلها منا تقيّ ومعرب 1
وقال:
أو كتبا بيّنّ من حاميا … قد علمت أبناء إبراهيما 2
وقال الآخر:
يذكرني حا ميم والرمح شاجر … فهلا تلا حا ميم قبل التّقدّم 1
وكذلك (طا سين) و (يا سين) إذا جعلت اسما جرت مجرى (حم) فإن أردت الحكاية جعلته وقفا على حاله؛ لأنها حروف مقطعة مبنية.
ويحكى أن بعضهم قرأ (ياسين) والقرآن، " وقاف "، والقرآن، فجعل ياسين اسما غير منصرف، وقدر: اذكر ياسين، وجعل " قاف "، اسما للسورة ولم يصرف، وكذلك إذا فتح " صاد ".
ويجوز أن يكون " ياسين " " وقاف " " وصاد " أسماء غير متمكنة بنيت على الفتح كما قالوا: (أين) " وكيف ".
قال: " وأما (طسم) فإن جعلته أسماء، لم يكن بد من أن تحرك النون، وتصير الميم كأنك وصلتها إلى طس، فجعلتها اسما بمنزلة (دراب جرد)، و (بعلبك) وإن حكيت تركت السواكن على حالها "
يريد أنك تجعل (طس) اسما، وتجعل (ميم) اسما آخر، فيصير بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا، ك (حضر موت)، فتقول هذه طا سين ميم، وقرأت طا سين ميم، ونظرت في طا سين ميم.
وإن شئت تركتها سواكن.
قال: " فأما (كهيعص) و (المر) فلا يكن إلا حكاية، فإن جعلتها بمنزلة (طا سين) لم يجز؛ لأنهم لم يجعلوا (طا سين) ك (حضر موت)، ولكنهم جعلوها بمنزلة (هابيل) و (قابيل) و (هاروت).
وإن قلت: أجعلها بمنزلة " طا سين ميم " لم يجز؛ لأنك وصلت (ميما) إلى (طسين) ولا يجوز أن تصل خمسة أحرف فتجعلهن اسما واحدا.
وإن قلت: أجعل (الكاف) و (الهاء) اسما، ثم أجعل (الياء)، و (العين) اسما، فإذا صارا اسمين ضممت أحدهما إلى الآخر، فجعلتهما كاسم واحد لم يجز ذلك؛ لأنه لم يجيء مثل: (حضر موت) في كلام العرب موصولا بمثله، وهذا أبعد؛ لأنك تريد أن
تصله بالصاد.
فإن قلت: أجعله على حاله وأجعله بمنزلة (إسماعيل) لم يجز؛ لأن (إسماعيل) قد جاء عدة حروفه على عدة حروف أكثر العربية نحو: (إشهياب) و (كهيعص) ليس على عدة حروفه شيء، ولا يجوز فيه شيء إلا الحكاية.
قال أبو سعيد: طوّل سيبويه هذا الفصل؛ لأنه أورد وجوها من الشبه على ما ذهب إليه في حكاية (كهيعص) و (المر)، وذلك أن أصل ما بني عليه الكلام أن الاسمين إذا جعلا اسما واحدا فكل واحد منهما موجود مثله في الأسماء المفردة، ثم يضم أحدهما إلى الآخر.
فمن أجل ذلك أجاز في (طسم) أن يكونا اسمين جعلا اسما واحدا مثل (هابيل)، وأضافه إلى (ميم)، وهو اسم يوجد مثله في المفردات، ولا يمكن مثل ذلك في (كهيعص) و (المر)...
وإذا جعل الاسمان اسما واحدا لم يجز أن يضم إليهما شيء آخر، فيصير الجميع اسما واحدا؛ لأنه لم يوجد مثل (حضر موت) في كلام العرب موصولا بغيره، فقال سيبويه: لم يجعلوا (طس) ك (حضر موت) فيضموا إليها (ميم)، لئلا يقول قائل: إن الاسمين جعلا اسما واحدا ثم ضم إليهما شيء آخر، وكأن قائلا قال: اجعلوا الكاف والهاء اسما، ثم اجعلوا الياء والعين اسما، ثم ضموها إلى الأول، فيصير الجميع كاسم واحد، ثم صلوه بالصاد، فقال: لم أر مثل (حضر موت) يضم إليه مثله في كلامهم، وهذا أبعد؛ لأنه يضم إليهما الصاد بعد ذلك، ثم احتج على من جعله بمنزلة (إسماعيل) فقال: لأن ل (إسماعيل) نظيرا في أسماء العرب المفردة في عدة الحروف وهو (إشهيات) و (كهيعص) ليس كذلك.
وذكر أبو العباس المبرد أن يونس كان يجيز (كهيعص) مفتوح كله، وتفريقه:
(كاف) (ها) (يا) (عين) (صاد)، والصاد مضمومة، ويجعل (صاد) مضموما إلى (كاف) كما يضم الاسم، ويجعل الباقي حشوا لا يعتد به.
وإذا جعلت " نون " اسما للسورة فهي عند سيبويه تجري مجرى (هند) لأن " نون " مؤنث فهي مؤنث، سميت بمؤنث.
واستدل سيبويه على أن (حم) ليس من كلام العرب إن العرب لا تدري ما حم.
قال سيبويه: " وإن قلت إن حروفه لا تشبه لفظ حروف الأعجمي فإنه قد يجيء هكذا وهو أعجمي، قالوا: (قابوس)، ونحوه من الأسماء؛ لأن " حا " من كلامهم و " ميم "
من كلامهم، يعني من كلام العجم، كما أنها من كلام العرب، وكذلك القاف، والألف، والياء، والواو، والسين ولغات الأمم تشترك في أكثر الحروف فاعرف ذلك إن شاء الله.
وإن أردت أن تجعل (اقتربت) اسما قطعت الألف ووقفت عليها بالباء، فقلت: هذه إقتربه، فإذا وصلت جعلتها تاء ولم تصرف فقلت: هذه إقتربة يا فتى.
وكذلك (تبّت) تقول: هذه تبه في الوقف، فإذا وصلت قلت: هذه تبة يا هذا.
ويجوز أن تحكيها فتقول: هذه (اقتربت) وهذه (تبت) بالتاء في الوقف كما تقول:
هذه " إنّ " إذا أردت الحكاية.
هذا باب تسمية الحروف والكلم التي تستعمل وليست ظروفا ولا أسماء غير ظروف، ولا أفعالا
قال سيبويه: " والعرب تختلف فيها، يؤنثها بعض، ويذكرها بعض، كما أن اللسان تذكر وتؤنث، وزعم ذلك يونس.
وأنشد قول الراجز:
كافا وميمين وسينا طاسا 1
فذكر، ولم يقل " طاسة "
وقال الراعي:
كما بيّنت كاف تلوح وميما 2
فقال: (بينت)، فأنث.
قال أبو سعيد: المعتمد بهذا الباب الكلام على الحروف إذا جعلت أسماء، وجعلها أسماء على ضربين: أحدهما أن تخبّر عنها في نفسها، والآخر أن يسمى بها رجل أو امرأة أو غير ذلك.
فأما إن خبّر عنها وجعلت أسماء ففي ذلك مذهبان:
أحدهما: التأنيث على تأويل (كلمة)، والتذكير على تأويل (حرف) وعلى ذلك جملة حروف التهجي، ويدخل في ذلك
الحروف التي هي أدوات نحو " إن " و " ليت " و " لو " وما أشبه ذلك.
فإذا سميت بشيء من ذلك مذكرا صرفته، وإن سميت به مؤنثا وقد جعلته في تأويل كلمة أوسطها ساكن صرفها من يصرف (هندا) ومنع صرفها من منع صرف (هند) كامرأة سميتها ب (ليت) أو (إنّ) وما أشبه ذلك.
وإن تأولتها تأويل الحرف، وسميت بها مؤنثا، كان الكلام فيها، كالكلام في امرأة سميت بزيد.
وإن خبّرت عنها في نفسها، ففيها مذهبان: إن شئت حكيتها على حالها قبل التسمية، فقلت: هذه " ليت " و " ليت " تنصب الأسماء وترفع الأخبار، و " إنّ " تنصب الأسماء، وإن شئت أعربتها، فقلت " ليت " تنصب الأسماء، وترفع الأخبار.
فمن تركها على حالها حكاها، كما يحكي في قولك،: (دعني من ثمرتان) أي دعني من هذه اللفظة.
وكذلك إذا قال " ليت " تنصب فكأنه قال " هذه الصيغة تنصب وما كان من ذلك على حرفين: الثاني ياء، أو واو، أو ألف، إذا حكيت لم تغير، فقلت: (لو فيها معنى الشرط)، و (أو للشك) و (في للدعاء) فلم تغير منها شيئا.
وإن جعلتها اسما في إخبارك عنها زدت عليها فصيرتها ثلاثيّا؛ لأنه ليس في الأسماء اسم على حرفين، والثاني منهما ياء، أو واو، أو ألف؛ لأن ذلك يجحف بالاسم؛ لأن التنوين يدخله بحق الاسمية.
والتنوين يوجب حذف الحرف الثاني منه فيبقى الاسم على حرف واحد، مثال ذلك: أنّا إذا جعلنا (لو) اسما ولم نزد فيه شيئا، ولم نحك اللفظ الذي لها في الأصل أعربناها، فإذا أعربناها تحركت الواو وقبلها فتحة، فقلبت ألفا، فتصير (لا)، ثم يدخلها التنوين بحق الصرف فتصير (لا) يا هذا، فيبقى حرف واحد وهو اللام، والتنوين غير معتدّ به.
وإذا سمينا ب (أو)، أو ب (كي) لزمها ذلك فقلت: (أا) و (كا) وإذا سميت ب (في)، ولم تحك، ولم تزد فيها شيئا، وجب أن تقول: (ف) يا هذا، كما نقول: قاض يا هذا، فلما كان فيها هذا الإجحاف لو لم يزد فيها شيء زادوا ما يخرجه عن حد
الإجحاف فجعلوا ما كان ثانيه واوا يزاد فيه مثلها فشدد.
وكذلك الياء كقولك في: (لو): (لوّ) وفي (كي) (كيّ) وفي (في) (فيّ).
وما كان الحرف الثاني منه ألفا زادوا بعدها همزة فيقال: في (لا): (لأ) وفي (ما): (ماء).
وقال الشاعر:
علقت لوّا تردّده … إن لوّا ذاك أعيانا 1
وقال:
ليت شعري وأين منّي ليت … إنّ ليتا وإن لوّا عناء 2
فإن قال قائل: فما قولكم في امرأة، سميت بشيء من هذه الحروف على مذهب من لا يصرف، هل يلزم التشديد والزيادة أم لا؟ فالجواب: إن التشديد والزيادة لازمان.
فإن قال: فلم زدتم، وليس فيه تنوين، ومن قولكم: إن الزيادة وجبت؛ لأن التنوين يذهب الحرف، فيكون إجحافا.
فالجواب أن المرأة إذا سميت بذلك يجوز أن تنكر فيدخلها التنوين ولا يجوز أن يكون الاسم يتغير في التنكير عن لفظه ولنيته في التعريف، واستشهد سيبويه في أن هذه الحروف تؤنث بقول الشاعر:
ليت شعري مسافر بن أبي عمرو … وليت يقولها المحزون
فأنّث يقولها.
وقد أنشدنا قول النمر:
علقت لوّا تردّده
فذكّره وقال: (أعيانا) فذكر أيضا.
وينشد (مسافر بن أبي عمرو) بالرفع والنصب، فمن رفع فتقديرها: ليت شعري خبر مسافر بن أبي عمرو، فحذف خبر وأقام مسافر مقامه في الإعراب.
ومن نصب نصبه بشعري، وحذف الخبر.
قال سيبويه: " وسألت الخليل عن رجل سمي ب (أن) مفتوحة فقال: لا أكسر؛ لأن (أنّ) غير (إنّ) ".
وإنما ذكر هذا؛ لأن (أن) في الكلام لا تقع مبتدأة قبل التسمية، وإنما تقع المكسورة مبتدأة، فذكر ذلك لئلا يظن الظان أنها إذا سمي بها رجل كسرت مبتدأة.
وإنما سبيل (أن) سبيل اسم، وسبيل (إن) سبيل فعل.
فإذا سمينا بواحد منهما رجلا لم يقع الآخر موقعه بعد التسمية، كما أنّا نقول: هذا ضارب زيدا، وهذا يضرب زيدا، ومعناهما واحد، وأحد اللفظين ينوب عن الآخر في الكلام، وإذا سمينا رجلا ب (يضرب) لم يقع موقعه (ضارب) وبعض العرب يهمز في مثل (لو)، فيجعل الزيادة المحتاج إلى اجتلابها همزة، فيقول: (لوء).
وما جرى مجرى هذه الحروف من الأسماء غير المتمكنة فحكمه حكم الحروف نحو: (هو) و (هي).
إذا سمينا بواحد منهما أو أخبرنا عن اللفظ، فجعلناه اسما في الإخبار، فتقول: (هو)، وتقول: (هي).
وإن سمينا مؤنثا ب (هي) فمنزلتها منزلة (هند)، إن شئنا صرفنا وإن شئنا لم نصرف؛ لأنها مؤنث، سميت بها مؤنثة.
وإن سمينا مؤنثا ب (هو) لم نصرف على قول من لا يصرف امرأة سميت ب (زيد) لأنه مذكر سميت به مؤنثة.
وكان سيبويه يذهب في الحروف التي ذكرنا ك (لو) و (في) و (ليت) وما أشبه ذلك، وفي حروف المعجم أنها تؤنث وتذكر، ولم يجعل أحد الأمرين أولى من الآخر.
وكان أبو العباس المبرد (فيما ذكر أبو بكر مبرمان عنه) يذهب إلى أن (ليت) وما جرى مجراها من الحروف مذكرات، وأن قوله: (وليت يقولها المحزون)، إنما أنّث على تأويل الكلمة والقول: هو الأول.
ولو سميت رجلا " ذو " فإن سيبويه يذهب إلى أن يقال: هذا ذوا، ورأيت ذوا، و (مررت بذوا) بمنزلة عصا، ورحى، ويذكر أن أصله " فعل " في البنية، ويستدل على ذلك بقولهم: هاتان ذواتا مال، كما يقال أبوان وأب فعل.
وكان الخليل يقول: هذا ذوّ، فيجعله " فعل " بتسكين العين، وكان الزجاج يذهب
مذهب الخليل.
ومن حجة الخليل أن الحركة غير محكوم بها إلا بثبت، ولم يقم الدليل على أن العين متحركة، وذكر من يحتج له أن الاسم إذا حذف لامه ثم ثنّي، فرد إليه اللام حركت العين وإن كان أصل بنيتها السكون.
كقولهم:
يديان بالمعروف عند محرّف … قد يمنعانك أن تضام وتضهدا 1
و (يد) عندهم " فعل " في الأصل، ولكنها لما حذفت لام الفعل، فوقع الإعراب على الدال، ثم ردوا المحذوف، لم يسلموا الدال الحركة.
قال: وسألته عن رجل اسمه (فو) فقال: العرب قد كفتنا أمرها لما أفردوها، قالوا، (فم)، فأبدلوا الميم مكان الواو، فلولا ذلك لقالوا (فوه)؛ لأن الأصل في فم: (فوه)؛ لأنهم يقولون: أفواه، كما قالوا: (سوط) و (أسواط)، فمذهبه: إذا سمي ب " فو " أن يقال: " فم " لا غير.
وكان الزجاج يجيز (فم) و (فوه) على مذهب سواط وأسواط، وحوض وأحواض.
قال سيبويه: وأما (البا) و (التا) و (الثا) و (اليا) و (الحا) و (الخا) و (الرا) و (الطا) و (الظا) و (الفا)، فإذا صرن أسماء مددن، كما مدّت " لا "، إلا أنهن إذا كن أسماء فهن يجرين مجرى رجل ونحوه، ويكن نكرة بغير الألف واللام، ودخول الألف واللام فيهن يدلك على أنهن نكرة، إذا لم يكن فيهن ألف ولام، وأجريت هذه الحروف مجرى ابن
مخاض 2 وابن لبون 3.
وأجريت الحروف الأول مجرى سام أبرص 4 وأم حبين 5 ونحوهما، ألا ترى أن الألف واللام لا يدخلان فيهن.
قال أبو سعيد: اعلم أن حروف التهجي إذا أردت التهجي مبنيات؛ لأنهن حكاية
الحروف التي في الكلمة، والحروف في الكلمة إذا قطعت كل حرف منها مبني؛ لأن الإعراب إنما يقع على الاسم بكماله، فإذا قصدنا إلى كل حرف منها بيناه.
وهذه الحروف التي ذكرناها من (الباء) إلى (الفاء) إذا بيناها فكل واحد منها على حرفين؛ الثاني منهما ألف فهي بمنزلة " لا " و " ما " إذا احتجنا إلى جعلها أسماء وتدخلها الألف واللام، فتتعرف وتخرج منها فتنكر.
وما مضى من الحروف نحو (ليت) و (لو) لا تدخلها ألف ولام، فجعل سيبويه حروف التهجي نكرات، إلا أن تدخل عليها الألف واللام، فجرين مجرى ابن مخاض وابن لبون في التنكير، وجعل (لو) و (ليت) معارف، فجرين مجرى سام أبرص وأم حبين؛ لأنهن مشتركات في الامتناع من دخول الألف واللام، والفرق بينهما أن الباء قد توجد في الأسماء كثيرة فيكون حكمها وموضعها في كل واحد من الأسماء على خلاف حكمها في الآخر.
كقولنا: (بكر) و (ضرب) و (حبر)، وغير ذلك من الأسماء والأفعال والحروف، فلما كثرت مواضعها واختلفت سار كل واحد منها نكرة.
وأما (ليت) و (لو) وما أشبه ذلك فهن لوازم في موضع واحد ومعنى واحد، وما استعمل منها في أكثر من موضع فليس ذلك بالشائع الكثير ومواضعه تتقارب، فتصير كالمعنى الواحد.
ومثل ذلك أسماء العدد، إذا عددت، فقلت: (واحد) (اثنان) (ثلاثة) (أربعة) بنيتها؛ لأنك لست تخبر عنها بخبر تأتي به، وإنما تجعله في العبارة عن كل واحد من الجمع الذي تحدده، كالعبارة عن كل واحد من حروف الكلمة إذا قطعتها.
وذكر سيبويه أنه يقال: واحد، اثنان؛ فتشم الواحد الضّم وإن كان مبنيا، لأنه متمكن في الأصل.
وما كان متمكنا إذا صار في موضع غير متمكن، جعل له فضيلة على ما لم يكن متمكنا قط.
قال: " وزعم من يوثق به أنه سمع من العرب: " ثلاثة اربعة، فطرح همزة أربعة على الهاء من ثلاثة، ولم يحولها تاء مع التحريك، ومثل ذلك قوله:
به خرجت من عند زياد كالخرف
تخطّ رجلاي بخطّ مختلف … تكتبان في الطريق أم الف (1).
فألقى حركة (ألف) على الميم من (لام) وكانت ساكنة ففتحها ولبست هذه الحركة حركة يعتد بها، وإنما هي تخفيف الهمزة بإلقاء حركتها على ما قبلها، ومن أجل ذلك قالوا: " ثلاثة اربعة " لأنها ساكنة.
وإنما استعيرت الهاء لحركة الهمزة، وذكر عن الأخفش أنه كان لا يشم في واحد، واثنان.
وذكر أبو العباس ونسبه إلى المازني أنه لا تحرك الهاء من ثلاثة بإلقاء حركة الهمزة عليها من (أربعة) "
قال أبو سعيد: وهذا إن كان صحيحا عنه فهو بيّن الفساد؛ لأن سيبويه قد حكى عن العرب ثلاثة اربعة وأنشد:
يكتبان في الطريق لام الف
وقد ألقى حركة الهمزة على ما قبلها.
قال سيبويه: " وأما زاي ففيها لغتان: فمنهم من يجعلها في التهجي ك (كي) فيقول: (زي)، ومنهم من يقول: (زاي) فيجعلها بمنزلة (واو) "
قال أبو سعيد: أما من قال: (زي) فهو إذا جعلها اسما شدّد، فقال (زيّ) وإذا جعلها حرفا قال: (زي) على حرفين مثل (كي) وأما (زاي) فلا تتغير صيغته، وأما (أم) و (من) و (إن) و (مذ) في لغة من جر و (أن) و (عن) إذا لم تكن ظرفا و (لم)، ونحوهن إذا كن أسماء لم تتغير؛ لأنها تشبه الأسماء ك (بد) و (دم)، تقول في رجل سمّيناه (من): هذا من، و (لم) و (مذ) ولا تزيد فيها شيئا؛ لأن في الأسماء المتمكنة ما يكون على حرفين ك (بد) و (دم).
وما كان على ثلاثة أحرف فهو أولى أن لا يزاد فيه نحو (نعم) و (أجل) وكذلك الفعل الذي لا يتمكن نحو نعم وبئس.1
هذا باب تسميتك الحروف بالظروف وغيرها من الأسماء
قال سيبويه: " اعلم أنك إذا سميت كلمة ب (خلف) أو (فوق) أو (تحت) لم تصرفها؛ لأنها مذكرات "
وجملة هذا أن الظروف وغيرها فيها مذكر ومؤنث، وقد يجوز أن نذهب بكل كلمة منها إلى معنى التأنيث، بأن تتأول بأنها (كلمة) وإلى معنى التذكير، بأن تتأول أنها (حرف)، فإن ذهبت إلى أنها (كلمة)، سميتها باسم مذكر على أكثر من ثلاثة أحرف أو ثلاثة أحرف أوسطها متحرك لم تصرف، كما لم تصرف امرأة سميتها بذلك، وإن سميتها بشيء مذكر على ثلاثة أحرف، وأوسطها ساكن، وقد جعلتها كلمة، فحكمها كحكم امرأة سميتها بزيد، فلا تعرفها على مذهب سيبويه، وما كان على حرفين فهو بمنزلة ثلاثة أحرف وأوسطها ساكن.
فمن المذكر (تحت) و (خلف) و (قبل) و (بعد) و (أين) و (كيف).
و (ثم) و (هنا) و (حيث) و (كل) و (أي) و (منذ) و (مذ) و (قط) و (قط) و (عند) و (لدى) و (لدن) وجميع ما ليس عليه دلالة للتأنيث بعلامة أو بفعل له مؤنث.
من الظروف المؤنثة (قدام) و (وراء) لأنه يقال في تصغيرهما قديمة ووريئة، مثل:
وريعة.
ومنهم من يقول: وريّة مثل " جرية "، فلما أدخلوا الهاء في هذين الحرفين، ولم يدخلوا في (تحيت) و (خليف) و (دوين) و (قبيل) و (بعيد) علمنا أن ما دخل عليه الهاء مؤنث والباقي مذكر.
فإن قال قائل: وكيف جاز دخول الهاء في التصغير على ما هو أكثر من ثلاثة أحرف؟
قيل له: المؤنث قد يدل فعلها على التأنيث، وإن لم تصغر، ولم تكن فيها علامة التأنيث، كقولنا: لسبت 1 العقرب، وطارت العقاب، والظروف لا يخبر عنها بأفعال تدل على التأنيث، فلمّا لم يدخلوا عليها الهاء في التصغير لم يكن على تأنيثها دلالة، فإن خبّرنا عن (خلف) و (فوق) وسائر ما ذكرنا من المذكر، وقد جعلناها كلمات لم نصرفها على قول سيبويه.
وعلى قول عيسى بن عمر ما كان أوسطه ساكن وهو على ثلاثة أحرف جاز فيه الصرف وترك الصرف كهند.
فعلى مذهب سيبويه تقول: هذه خلف، و (فوق)، و (ثم) و (قط) و (أين)، وجئته (من خلف) و (من تحت) و (من فوق)
وذلك أنها معارف ومؤنثات.
وإن جعلنا هذه الأشياء حروفا، وقد سميناها بهذه الأسماء المذكرة التي ذكرناها فإنها مصروفة؛ لأن كل واحد منها مذكر سمي بمذكره.
وأما قدام، ووراء فسواء جعلناهما اسمين لكلمتين، أو لحرفين، فإنهما ينصرفان؛ لأنهما مؤنثان في أنفسهما، وهما على أكثر من ثلاثة أحرف.
فإن جعلناهما اسمين لمذكرين أو لمؤنثين لم ينصرفا وصارا بمنزلة (عناف) و (عقرب) إذا سمينا بهما رجلين أو امرأتين لم ينصرفا.
وما كان من ذلك مبينا فلك أن تدعه على لفظه ولا تنقله إلى الإعراب كقولك:
(ليت غير نافعة) و (لو غير مجدية) وإذا جعلتهما اسما للكلمتين تضم (ليت) و (لو) بغير تنوين وتشدد الواو ولا تصرفه على مذهب سيبويه.
وعلى مذهب عيسى بن عمر تقول:
ليت ولوّ وليت ولوّ منونة وغير منونة، وإن قلت (ليت) و (لوّ) غير نافعتين وقد جعلتهما للحرفين صرفتهما بإجماع، وذكّرت فقلت: غير نافعين.
وتقول: إن الله ينهاكم عن (قيل) و (قال).
ومنهم من يقول عن " قيل " و " قال " لمّا جعله اسما.
وأنشد سيبويه:
أصبح الدهر وقد ألوى بهم … غير تقوالك من قيل وقال 1
والقوافي مجرورة.
وقد أنكر المبرد احتجاج سيبويه بجر القوافي على خفض " قيل "، فذكر أنه يجوز أن تكون ألفا فيه موقوفة وتكون اللام من " قيل " مفتوحة فتقول " من قيل وقال ".
وقد رد الزجاج عليه ذلك، فقال: لا يجوز الخبن في " فاعلان " فإذا قلنا: (قيل وقال) وجعلنا اللام موقوفة فقد صار " فعلان " مكان " فاعلان " وإذا أطلقناها صار
" فاعلاتن ".
ومن قال: " ينهاكم عن قيل وقال " قال: " لم أسمع به قيلا وقالا ".
وفي الحكاية قالوا: " مذ شبّ إلى دبّ " فإن جعلتهما اسمين قلت: منذ شبّ إلى دبّ، وهذا مثل كأنه قال: مذ وقت الشباب إلى أن دب على العصا من الكبر.
قال سيبويه: " وتقول إذا نظرت إلى الكتاب: (هذا عمرو) وإنما المعنى هذا اسم عمرو، وذكر عمرو ونحو هذا إلا أنه يجوز على سعة الكلام كما تقول: جاءت القرية وأنت تريد أهل القرية، وإن شئت قلت: هذه عمرو؛ أي هذه الكلمة اسم عمرو كما تقول: هذه ألف وأنت تريد هذه الدراهم ألف.
وإن جعلته اسما للكلمة لم تصرف وإن جعلته للحرف صرفته ".
قال سيبويه: " وأبو جاد، وهوّاز وحطّيّ بياء مشددة " كعمرو " في جميع ما ذكرنا، وحال هذه الأسماء حال عمرو وهي أسماء عربية.
وأما كلمون وسعفص وقربشيات، فإنهن أعجمية لا ينصرفن، ولكنهن يقعن مواقع عمرو فيما ذكرنا، إلا أن قربشيات بمنزلة عرفات وأذرعات "
قال أبو سعيد: فصل سيبويه بين (أبي جاد) و (هواز) و " حطي " فجعلهن عربيات وبين البواقي فجعلهن أعجميات.
وقال أبو العباس المبرد: يجوز أن يكن كلهن أعجميات.
وقال بعض المحتجين لسيبويه: إنه جعلهن عربيات؛ لأنهن مفهومات المعاني في كلام العرب.
وقد جرى أبو جاد على لفظ لا يجوز إلا أن يكون عربيّا.
تقول: هذا أبو جاد، ورأيت أبا جاد، وعجبت من أبي جاد.
قال الشاعر:
أتيت مهاجرين فعلّموني … ثلاثة أحرف متتابعات
وخطوا لي أبا جاد وقالوا … تعلّم صعفصا وقربشيات 1
قال أبو سعيد: والذي يقول: إنهن أعجميات غير مبعّد عندي إن كان يريد بذلك أن الأصل فيها العجمة؛ لأن هذه الحروف عليها يقع تعليم الخط السرياني.
وهي معارف، وكذلك جميع ما ذكرناه من الحروف مما لا تدخله الألف واللام وما كان تدخله الألف واللام فإنه يكون معرفة بهما ونكرة عند عدمهما كالألف والباء والتاء.
هذا باب ما جاء معدولا عن حده من المؤنث
كما جاء المذكر معدولا عن حده نحو " فسق " و " لكع " و " عسر " و " زفر "، وهذا المذكر نظير ذلك المؤنث.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يشتمل على ما كان من (فعال) مبنيّا وذلك على أربعة أوجه:
أولها وهو الأصل لما فيها: ما كان من (فعال) واقعا موقع الأمر، كقولهم: (حذار زيدا) أي احذره و (مناع زيدا) أي امنعه.
قال الشاعر:
مناعها من إبل مناعها … ألا ترى الموت لدى أرباعها 1
وقال أيضا:
تراكها من إبل تراكها … ألا ترى الموت لدى أوراكها 2
وقال أبو النجم:
حذار من أرماحنا حذار 3
وقال رؤبة:
نظار كي أركبها نظار 4
ويقال (نزال) أي انزل، ويقال للضبع (دباب) أي دبّي
وقال الشاعر:
نعاء ابن ليلى للسّماحة والنّدى … وأيدي شمال باردات الأنامل 1
وقال جرير:
نعاء أبا ليلى لكل طمرّة … وجرداء مثل القوس سمح حجولها 2
فالحد في جميع ذا (افعل) وهو معدول عنه، وكان حقه أن يبنى على السكون، فاجتمع في آخره ساكنان، فحرك الأخير المبني على السكون، والألف التي قبلها، وحرك بالكسر؛ لأن الكسر مما يؤنث به؛ لأن المؤنث في المخاطبة بكسر آخرها في قولك: إنك ذاهبة، وأنت قائمة، ويؤنث بالياء في قولك: أنت تقومين، وهذي أمة الله، ولم يقل سيبويه إنه كسر لاجتماع الساكنين على ما يوجهه اجتماعها من الكسر؛ لأنه يذهب إلى أن الساكن الأول إذا كان ألفا فالوجه فتح الساكن الثاني؛ لأن الألف قبلها فتحة، وهي أيضا أصل الفتح، فحملوا الساكن الثاني على ما قبله، ومن أجل هذا قالوا في (إسحار) إذا كان اسم رجل ورخمناه (يا إسحار) أقبل بفتح الراء؛ لأن قبلها فتحة الحاء، والألف بينهما ساكنة، وهي تؤكد الفتح أيضا، وحمله على قولهم: (عضّ يا فتى) لفتحة العين ولم يحفل بالضاد الساكنة المدغمة، فإن قال قائل: فهم يقولون: ردّ وفرّ، قيل له الحجة في عضّ أقوى من قول من يقول: ردّ أو ردّ، وفرّ أو فرّ ويقول في عضّ: عض، فيفصل بينهما، ويفتح من أجل فتحة العين.
ومما يقوي ذلك قولهم: انطلق يا زيد فتفتح القاف، لانفتاح الطاء، وإنما حرك القاف لالتقاء الساكنين.
وقول الشاعر:
عجبت لمولود وليس له أب … وذي ولد لم يلده أبوان 3
ففتح الدال لانفتاح الياء.
والوجه الثاني: ما كان من وصف المؤنث منادى، أو غير منادى، فالمنادى قولك:
يا خباث، ويا لكاع، ويا فساق، وإنما تريد الخبيثة، والفاسد واللكعاء.
ومثله للمذكر إذا ناديته معدولا: يا فسق، ويا لكع، ويا خبث.
ويقال: " يا جعار " للضبع، وإنما هو اسم للجاعرة، ويقال ذلك في النداء وغير النداء للضبع، ويقال لها أيضا " قثام " ومعناها أنها تقثم كل شيء تجده للأكل وتجرفه.
قال الشاعر:
فللكبراء أكل كيف شاءوا … وللصغراء أخذ واقتثام 1
وقال النابغة الجعدي:
فقلت لها عيثي جعار وجرّدي … بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره 2
ويقال للمنية (حلاق) وهي معدولة عن الحالقة؛ لأنها تحلق كل شيء وتذهب به.
قال الشاعر:
لحقت حلاق بهم على أكسائهم … ضرب الرقاب ولا يهم المغنم 3
و (الأكساء): المآخير، واحدها كسء.
وقال الآخر:
ما أرجى بالعيش بعد ندامى … قد أراهم سقوا بكأس أحلاق 4
والوجه الثالث: ما كان من المصادر معدولا عن مصدر مؤنث معرفة مبنيا على هذا المثال، كقول النابغة الذبياني.
أنا اقتسمنا خطتنا بيننا … فحملت برة واحتملت فجار 5
ففجار معدولة عن الفجرة.
وقال الشاعر:
فقال: امكثي حتى يسار لعلنا … نحج معا قالت أعام وقابله 1
فهي معدولة عن الميسرة.
وقال الجعدي:
وذكرت من لبن المحلّق شربة … والخيل تعدو بالصعيد بداد 2
" فبداد " في موضع الحال، وهو في معنى مصدر مؤنث معرفة، وقد فسره سيبويه فقال: معناه تعدو بددا، غير أن (بداد) ليست بمعدولة عن بددا؛ لأن " بددا " نكرة وإنما هي معدولة عن البدة أو المبادة أو غير ذلك من ألفاظ
المصادرة المعرفة المؤنثات.
قال: " والعرب تقول: لا مساس، ومعناه لا تمسني، ولا أمسك، ودعني كفاف، وتقديرها لا المماسة ودعني المكافة، وإن كان ذلك غير مستعمل، ألا تراهم قالوا:
" ملامح " و " مشابه " و " ليال " وهن جمع ليس لها واحد من لفظه؛ لأنهم لا يقولون:
ملمحة، ولا ليلاة، ولا مشبهة.
وقال الشاعر:
جماد لها جماد ولا تقولي … طوال الدهر ما ذكرت حماد 3
وإنما يريد جمودا، وحمدا، غير أن الذي عدل عنه هذا اللفظ كأنه (الجمدة)، و (الحمدة) أو ما جرى مجرى هذا من المؤنث المعرفة "
وقد جعل سيبويه " فجار " في قول النابغة من المصادر المعدولة، وجرى على ذلك النحويون بعده، والأشبه عندي أن تكون صفة غالبة، والدليل على ذلك أنه قال:
فحملت برّة واحتملت فجار
فجعلها نقيض " برة " وبرة صفة.
تقول: رجل بر، وامرأة برة، وجعلهما صفة
للمصدر، فكأنه قال: فحملت الخصلة البرة، وحملت الخصلة الفاجرة، كما تقول الخصلة القبيحة والحسنة، وهما صفتان، وجعل (برة) معرفة عرف بهما ما كان جميلا مستحسنا.
قال: سيبويه: " وأما ما جاء معدولا عن حده من بنات الأربعة فقوله:
قالت له ريح الصبا قرقار
وبعده من غير إنشاد سيبويه:
واختلط المعروف بالإنكار
فإنما يريد بذلك قالت له قرقر بالرعد للسحاب، وكذلك عرعار، وهي بمنزلة قرقار، وهي لعبة وإنما هي من عرعرت، ونظيرها من الثلاثة " خراج "، أي أخرجوا وهي لعبة أيضا.
قال أبو العباس المبرد: غلط سيبويه في هذا، وليس في بنات الأربعة من الفعل عدل، وإنما قرقار وعرعار حكاية للصوت، كما يقال: غاق غاق، وما أشبه ذلك من الأصوات.
وقال: لا يجوز أن يقع عدل في ذوات الأربعة؛ لأن العدل إنما وقع في الثلاثي؛ لأنه يقال فيه " فاعلت " إذا كان من كل واحد من الفاعلين فعل مثل فعل الآخر، كقولك:
ضاربته وشاتمته، ويقع فيه تكثير الفعل كقولك: ضرّبت وقتّلت وما أشبه ذلك.
وقال أبو إسحاق الزجاج: باب " فعال " في الأمر يراد به التوكيد، والدليل على ذلك أن أكثر ما يجيء منه مبني مكرر كقوله:
حذار من أرماحنا حذار … وتراكها من إبل تراكها 1
وذلك عند شدة الحاجة إلى هذا الفعل.
وحكى أبو العباس عن المازني مثل قوله.
وحكي عن المازني عن الأصمعي عن أبي عمرو مثل ذلك.
والأقوى عندي أن قول سيبويه أصح، وذلك أن حكاية الصوت إذا حكوا،
وكرروا أن لا يخالف الأول الثاني كما قالوا: غاق غاق 1، وحاي حاي 2، وحوب حوب 3.
وقد يصرفون الفعل من الصوت المكرر فيقولون: عرعرت، وقرقرت، وإنما الأصل في الصوت عار عار، وقار قار، فإذا صرفوا الفعل منه غيروا إلى وزن الفعل.
فلما قالوا: " قرقار " و " عرعار " فخالف اللفظ الأول الثاني علمنا أنه محمول على قرقر وعرعر لا على حكاية عار عار وقار قار.
وعرعار: لعبة للصبيان كما قال النابغة:
يدعو وليدهم بها عرعار 4
ومعنى قوله: واختلط المعروف بالإنكار: يريد أن المطر أصاب كل مكان مما كان يبلغه المطر ويعرف، ومما كان لا يبلغه، وينكر بلوغه إيّاه.
والوجه الرابع: إذا سميت بشيء من الأوجه الثلاثة امرأة فإن بنى تميم ترفعه، وتنصبه وتجريه مجرى اسم لا ينصرف، وهو القياس عند سيبويه، واحتج بأن (تراك) في معنى " اترك ".
ولو سمينا ب (انزل) امرأة لكنا نجعلها معربة ولا نصرفها، فإذا عدلنا عنها " نزال " وهو اسم فهي أخف أمرا من الفعل الذي هو " افعل ".
وقد رد أبو العباس هذا فقال: القياس قول أهل الحجاز؛ لأنهم يجرون ذلك مجراه الأول فيكسرون، ويقولون في امرأة اسمها (حذام): هذه حذام ورأيت حذام ومررت بحذام.
وبنو تميم يقولون: هذه حذام ورأيت حذام ومررت بحذام، وذكر أبو العباس أن التسمية ب (نزال) أقوى في البناء من التسمية ب (انزل)؛ لأن " انزل " هو فعل، فإذا سمينا به فقد نقلناه عن بابه فلزمه التغيير، كما أنا نقطع ألف الوصل منه فتغيره عن حال الفعل،
و " فعال "، هي اسم فإذا سمينا بها لم نغيرها؛ لأنا لم نخرجها عن الاسمية، كما أنا لو سمينا بانطلاق لم نقطع الألف؛ لأن انطلاق اسم، فلمّا لم نخرجه عن الاسمية، أجرينا عليه لفظه الأول.
فأما الكسر على لغة أهل الحجاز فعلّته فيه عند سيبويه أنه محمول على " نزال "، و " تراك " للعدل، والبناء، والتعريف، والتأنيث.
فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء حمل عليه، وقد أجرى زهير " نزال " هذا المجرى حين خبّر عنها وجعلها اسما فقال.
ولأنت أشجع من أسامة إذ … دعيت نزال ولجّ في الذّعر 1
قال: " وأما ما كان آخره راء، فإن أهل الحجاز، وبني تميم فيه متفقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما
اتفقوا في " برى " والحجازية هي اللغة القدمى "
قال أبو سعيد: يعني أن بني تميم تركوا لغتهم في قولهم هذه " حضار " و " سفار " وتبعوا لغة أهل الحجاز بسبب الراء، وذلك أن بني تميم يختارون الإمالة، وإذا ضموا الراء ثقلت عليهم الإمالة، وإذا كسروها خفت الإمالة أكثر من خفتها في غير الراء؛ لأن الراء حرف مكرر والكسرة فيها مكررة، كأنها كسرتان، فصار كسر الراء أقوى في الإمالة من كسر غيرها، وصار ضم الراء في منع الإمالة أشد من منع غيرها من الحروف، فلذلك اختاروا موافقة أهل الحجاز، كما وافقوهم في (برى).
وبنو تميم من لغتهم تخفيف الهمزة، وأهل الحجاز يخففون فوافقوهم في تخفيف الهمز من " برى ".
قال سيبويه: " وقد يجوز أن ترفع وتنصب ما كان في آخره الراء، قال الأعشى:
ومر دهر على وبار … وهلكت جهرة وبار 2
والقوافى مرفوعة، وأول القصيدة
ألم تروا إرما وعادا … أودى بها اللّيل والنّهار
قال: فما جاء آخره " الراء " ك " سفار " وهو اسم ماء، و " حضار " وهو اسم كوكب ولكنهما مؤنثان، ك " ماويّة " والشّعرى، كأن تلك اسم الماءة، وهذه اسم الكوكبة.
قال أبو سعيد: أراد سيبويه أن " سفار " وإن كان اسم ماء، والماء مذكر، فإن العرب قد تؤنث بعض ما فيها فيقولون: ماءة بني فلان، وهو كثير في كلامهم، فكأن سفار اسم الماء، و " حضار " وإن كان اسم كوكب، والكوكب مذكر، فكأنه اسم الكوكبة في التقدير؛ لأن العرب قد أنثت بعض الكواكب فقالوا: " الشّعرى "، و " الزهرة " إذ كان مبنى هذا الباب أن يكون معرفة مؤنثا معدولا.
وأما قوله، ك " ماويّة "، فإنما أراد أن (سفار) و (حضار) مؤنثان، كماوية،
والشعرى في التأنيث.
والأغلب عندي أن التمثيل " ب (ماوية) غلط في الكتاب، وإن كانت النسخ متفقة عليها وإنما هو كماءة وهو أشبه؛ لأن " سفار " ماء والعرب قد تقول للماء المورود ماءة.
قال الفرزدق:
متى ما ترد يوما سفار تجد بها … أديهم يرمي المستجيز المعوّرا 1
واستدل سيبويه على أن " نزال " وما جرى مجراها مؤنث بقوله: دعيت نزال، ولم يقل دعي.
وكان أبو العباس المبرد يحتج لكسر قطام وحذام، وما أشبه ذلك، إذا كان اسما علما مؤنثا أنها معدولة عن قاطمة، وحاذمة علمين، وأنها لم تكن تنصرف قبل العدل، لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، فلما عدّلت ازدادت بالعدل ثقلا فحطت عن منزلة ما لا ينصرف، ولم يكن بعد منع الصرف إلا البناء فبنيت، وهذا قول يفسّد؛ لأن العلل المانعة للصرف يستوي فيها أن تكون علتان أو ثلاث.
لا يزداد ما لا ينصرف بورود علة أخرى على منع الصرف، ولا يوجب له ذلك - والمخصص 17/ 67.
البناء، لأنّا لو سمينا رجلا بأحمر لكنّا لا نصرفه لوزن أفعل والتعريف، ولو سمينا به امرأة لكنا لا نصرفه أيضا، وإن كنا قد زدناه ثقلا واجتمع فيه وزن الفعل، والتعريف، والتأنيث، وكذلك لو سمينا امرأة بإسماعيل أو يعقوب لكنا لا نزيدها على منع الصرف وقد اجتمع فيها التأنيث والتعريف والعجمة.
قال سيبويه: " واعلم أن جميع ما ذكرنا في هذا الباب من " فعال " ما كان منه بالراء، وغير ذلك إذا كان شيء منها اسما لمذكر لم ينجر أبد، وكان المذكر في ذلك بمنزلته إذا سمي ب (عناق) لأن هذا البناء لا يجيء معدولا عن مذكر "
قال أبو سعيد: يريد أن " فعال " في الوجوه الأربعة التي ذكرنا مؤنثة.
وأنّا إذا سمينا به رجلا أو شيئا مذكرا كان غير منصرف، ودخله الإعراب، وكان بمنزلة رجل سمي ب (عناق) وهو لا ينصرف لاجتماع التأنيث والتعريف فيه.
قال سيبويه: " ولو جاء شيء على فعال، ولا يدرى ما أصله أمعدول هو، أم غير معدول، أم مذكر، أم مؤنث؛ فالقياس فيه أن تصرفه، لأن الأكثر من هذا الباب مصروف غير معدول، مثل: الذهاب، والصلاح، والفساد، والرّباب "
وذلك كله منصرف؛ لأنه مذكر، فإذا سميت به رجلا، فليس فيه من العلل إلا التعريف وحده، وهو أكثر في الكلام عن المعدول.
وعلة ذلك أنك لا تجعل شيئا من ذلك معدولا إلا ما قد قام دليله من كلام العرب.
وسيبويه يرى أن " فعال " في الأمر مطرد قياسها، في كل ما كان فعله ثلاثيّا، من فعل، وفعل، وفعل فقط.
ولا يجوز القياس فيما جاوز ذلك إلا فيما سمع من العرب، وهو (قرقار) و (عرعار) وما كان من الصفات، والمصادر، فهو أيضا عنده غير مطرد، إلا فيما سمع منهم، نحو (حلاق)، و (فجار)، و (يسار).
وتطّرد هذه الصفات في النداء كقولك: يا فساق، ويا خباث.
وجميع ما يطّرد: الأمر من الثلاثي، والنداء، فيما كان أصله ثلاثة أحرف، وبعض النحويين لا يجعل الأمر مطردا من الثلاثي.
هذا باب تغيير الأسماء المبهمة إذا صارت علامات خاصة
قال سيبويه: " وذلك قولك: ذا، وذي، وتا، وأولى، وأولاء وتقديرها " ألاع "، فهذه الأسماء لما كانت مبهمة تقع على كل شيء، وكثرت في كلامهم، خالفوا بها ما سواها من الأسماء في تحقيرها وغير تحقيرها، فصارت عندهم بمنزلة (لا) و (في)، ونحوها وبمنزلة الأصوات نحو " فاق " و " حاي ".
ومنهم من يقول: فاق، وأشباهها، فإذا صار اسما عمل فيه ما عمل ب (لا) لأنك قد حولته إلى تلك الحال.
وهذا قول يونس والخليل ومن رأينا من العلماء، إلا أنك لا تجري " ذا " اسم مؤنث؛ لأنه مذكر، إلا في قول عيسى، فإنه كان يصرف امرأة سميتها بعمرو.
وأما " ذي " فبمنزلة " في "، و " تا " بمنزلة لا "
قال أبو سعيد: اعلم أن الحروف متى سمّينا بها رجلا أو غيره أجريناها مجرى الأسماء في الإعراب، وفي جعلها على بناء يكون مثله في الأسماء؛ إن لم يكن كذلك، كقولنا في رجل سميناه ب " قد " و " هل ": هذا قد، ورأيت قدا، ومررت بقد، وإن سمينا ب " أو "، أو " في "، أو، " لا " غيرناها؛ لأنه ليس في الأسماء المتمكنة اسم مبهم مفرد على حرفين، الثاني منهما حرف لين، فجعلناها على ثلاثة أحرف، فزدنا على الياء ياء وعلى الواو واوا وعلى الألف همزة، فنقول في رجل سمي بفي: هذا " فيّ " ورأيت فيّا ومررت بفيّ.
وإن سميناه ب " أو " قلنا: هذا " أوّ " ورأيت " أوّا " ومررت " بأوّ ".
وإن سميناه ب " لا " قلنا: هذا لاء، كأنا زدنا ألفا من جنسها، كما زدنا واوا على الواو، وياء على الياء.
ولا يجتمع ألفان في اللفظ فجعلت همزة؛ لأنها من مخرج الألف.
وما كان من الأسماء المبهمة المبنية، فإنها إذا سمي بها رجل أو غيره تجري مجرى الحروف؛ لأن المبنيات كلها من الأسماء، والأفعال والحروف إذا سمي بها أعربت.
فتقول في رجل سمي ب " ذا " للإشارة: هذا ذاء، ومررت بذاء كما قلت، في المسمى ب " لا ": هذا " لاء "، ومررت ب " لاء " وتقول للمسمى ب " ذي ": هذا " ذيّ " بتقدير الياء كما قلت: هذا فيّ.
وإن سميته ب " أولى " المقصورة قلت: هذا أولى ورأيت أولى، ومررت بأولى، فيجري مجرى هدى منونا، وليس مثل " حجا " و " رمى "؛ لأن هذين
معدولان كعمر وزفر من حاجى ورأى.
والحاجي هو المتنحي، يقال حجا عنه ناحية فهو حاج، وتقول في أولاء إذا سميت به رجلا: هذا أولاء، ورأيت أولاء، ومررت بأولاء، فتجريه مجرى حداء، ودعاء، وما أشبه ذلك.
والمد والقصر فيه لغتان بمنزلة البكى والبكاء.
وإن سميت امرأة بشيء من ذلك فهي تجري مجرى الرجل في الإعراب والتغيير، غير أنها تخالف الرجل في منع الصرف.
تقول في امرأة سميتها ب " ألا " المقصورة: هذه ألا ورأيت ألا، ومررت بألا، وفي الممدودة، هذه ألاء ورأيت ألاء، ومررت بألاء.
وإن سميتها بذا قلت: هذا ذاء، ومررت بذاء، لا يجيز سيبويه إلا ذلك؛ لأنه اسم مذكر، سمي به المؤنث كامرأة سميتها بعمرو، وإن سميتها ب (ذي)، أو (تا)، كانت بمنزلة هند، يجوز فيها الصرف، ومنع الصرف تقول: هذه ذيّ، وذيّ، وتاء، وتاء.
وكان عيسى بن عمر يرى تسمية المؤنث بالمؤنث والمذكر سواء، إذا كان اسما على ثلاثة أحرف، وأوسطها ساكن.
قال: " وإن سميت رجلا " بالذي " أو " التي " نزعت الألف واللام، فقلت: هذا لذي، و " لتي "، ومررت بلذي، ولتى؛ لأن الألف واللام كانتا دخلتا للتعريف كما تدخلان على القائم، وما أشبه ذلك.
لأن قولك مررت بالذي قام كقولك: مررت بالقائم، فإذا أفردت الذي فسميت به نزعت الألف واللام، لأن التعريف باللقب وتصييره علما قد أغنى عن الألف واللام وصار كتسميتك بالقائم والحسن، والعباس، والحارث، وما أشبه ذلك؛ لأن هذه صفات قائمة بأنفسها، فإذا سمي بها فكأنها صفات غلبت على المسمى.
قال: " وأما اللائي واللاتي فبمنزلة شائي، وساري، وتخرج منه الألف واللام كالذي " فمن أثبت الياء جعله بمنزلة
(قاضي) فقال: هذا لاء، ولات ومررت بلاء ولات، ورأيت لائيا ولاتيا، ومن حذف الياء من اللاء، واللات، فسمى بهما، قال: هذا لاء ولات، ويقال " ألا " في معنى الذين، فإذا سميت بها نونت فقلت: هذا ألا ومررت بألا مثل هدى.
فاعرف ذلك إن شاء الله.
قال: " سألت الخليل عن " ذين " اسم رجل فقال: هو بمنزلة رجلين ولا أغيره؛
لأنه لا يختل الاسم أن يكون هكذا.
قال أبو سعيد: لو سميناه بذين لكنا نقول: هذا ذين، ورأيت ذين ومررت بذين، فيجري على لفظ التثنية.
وقد يجوز أن تقول: هذا ذان، ورأيت ذان، ومررن بذان فتجريه مجرى عثمان، وقد مر نحو هذا.
قال: وسألته عن رجل سمي ب " ألي " أو ب " ذوي " فقال: أقول هذا ذوون؛ لأن النون إنما سقطت في ألي، وذوي للإضافة فلما أفردتها عادت النون.
وهو بمنزلة رجل سمي ب " ضاربو " من قولنا ضاربو زيد إذا أفردنا فيقال: هذا ضاربون ورأيت ضاربين، ومررت بضاربين.
وقال الكميت:
ولا أعني بذلك أسفليكم … ولكني أريد به الذّوينا 1
ويجوز أن تجعل الإعراب في النون كما جاز أن تقول: " سنين " ويكون ما قبل النون ياء وقد مضي الكلام في هذا.
وإن سميته ب " ذي مال " أجريته على لفظه قبل التسمية فقلت: هذا ذو مال ومررت بذي مال.
ولو سميته ب " ذي " مفردا قلت: هذا ذوا ورأيت ذوا ومررت بذوا في قول سيبويه.
وقال الخليل: هذا ذو ورأيت ذوا ومررت بذو؛ لأن الإضافة قد منعته من التنوين واستعمل اسما في الإضافة دون الإفراد.
قال: ألا تراهم قالوا: ذو يزن منصرف، فلم يغيروه، يعني لم يغيروا " ذو " عن لفظه بسبب الإضافة، وجعلوه كأبي زيد؛ لأنهم أمنوا التنوين، وصار المضاف إليه منتهى الاسم.
قال: " واحتملت الإضافة ذا كما احتملت أبا زيد، وليس مفرد آخره كذا، فاحتملته كما احتملت الهاء عرقوة.
يعني أن الإضافة قد تغير لفظ المضاف، حتى لا يكون لفظه في الإفراد كلفظه في الإضافة، ألا ترى أن قولنا: أبو زيد وأبا زيد وأبي زيد، لو أفردنا الأب لم تدخله
الألف والواو والياء، كذلك أيضا إذا أضفنا " ذو " كان على حرفين، الثاني منهما من حروف المد واللين، وإذا أفردنا احتاج إلى ثلاثة ثم مثل المضاف إليه بهاء التأنيث في قولنا: عرقوة؛ لأن عرقوة بالواو، فإذا أفردنا وحذفنا الهاء قلنا عرقي؛ لأنه لا يكون اسم آخره واو، قال الشاعر:
حتى تفضّي عرقي الدّليّ 1
وحكي عن الجرمي أنه قال: كما احتملت " أبو زيد " مكان " أبا زيد " وكذا في نسخة أبي بكر مبرمان، إنما هو كما احتملت " أبو زيد " وليس بينهما فرق في التحصيل؛ لأن المعنى كما احتملت الإضافة أبا زيد، وإذا قال: كما احتملت " أبو زيد " فالمعنى كما احتملت هذه الكلمة التغيير في الإفراد والإضافة.
والذي في نسختي ذو يزن منصرف، في نفس الكتاب " منصرف " يعني " يزن " ولم أره في النسخ كلها.
وحكي عن الجرمي أنه قال: ذو يزن غير منصرف بمنزلة " يسع " اسم رجل.
قال: " وسألته عن " أمس " اسم رجل، فقال: مصروف؛ لأن " أمس هاهنا ليست على الحد، ولكنه لما كثر في كلامهم وكان من الظروف تركوه على حال واحدة، كما فعلوا ذلك بأين وكسروه كما كسروا " غاق " إذ كانت الحركة تدخله لغير إعراب، كما أن حركة غاق لغير إعراب، فإذا صار اسما لرجل انصرف؛ لأنك قد نقلته عن ذلك الموضع، كما إنك إذا سميته ب " غاق " صرفته فهذا يجري مجرى هذا كما يجري " ذا " مجرى " لا "
قال أبو سعيد: اعلم أن الأصل في المبنيات كلها إذا سمي بشيء منهن رجل أعرب ولم يغير حكمه، أن أصله مبني على الكسر، فإذا سمينا به رجلا أعربناه كما نعربه إذا سميناه ب " أين " وإنما بني لأنه ظرف في الأصل، وصار فيه معنى الإشارة؛ لأنك إذا قلت:
أمس فإنما تشير إلى اليوم الذي تاليه يومك، فإذا انقضى اليوم لم يلزمه هذا الاسم فصار بمنزلة شيء حاضر تشير إليه فتقول ذا، فإذا زال عن الحضرة لم تقل " ذا ".
ويجوز أن يكون بمنزلة الضمير؛ لأنه لا يعرف ولا يسمى إلا باليوم الذي أنت فيه، فأشبه الضمير الذي لا يسمى إلا بأن يجري ذكره أو يحضر فيكون متكلما أو مخاطبا، فعمل بأمس إذا سمي به ما عمل بغاق إذا سميت به رجلا
تقول: هذا أمس وغاق، ورأيت أمسا وغاقا، ومررت بأمس وغاق ولا يختلفان، وإن كان أمس اسما، وغاق صوتا، كما لا يختلف " ذا " الذي هو اسم، و " لا " الذي ليس باسم إذا سمينا بهما فتقول: ذاء، ولاء وقد مر نحو هذا.
قال سيبويه: " واعلم أن بني تميم يقولون في موضوع الرفع: ذهب أمس بما فيه، وما رأيته مذ أمس، فلا يصرفون في الرفع؛ لأنهم عدلوه عن الأصل الذي هو عليه في الكلام لا عما ينبغي له أن يكون عليه في القياس، ألا ترى أن أهل الحجاز يكسرونه في كل المواضع، وبنو تميم يكسرونه في أكثر المواضع في النصب والجر "
قال أبو سعيد: (أمس) مصروف إذا سمينا به رجلا، من لغة أهل الحجاز، وبني تميم جميعا، فكأن قائلا قال لسيبويه لم تصرفه على اللغتين جميعا، وبنو تميم لا يصرفونه إذا قالوا: ذهب أمس؟
ففرّق بين ترك الصرف في لغة بني تميم إذا قالوا: ذهب أمس الذي هو اليوم الماضي وبين أن تسمى به رجلا فتقول: ذهب أمس بالتنوين؛ لأن أمس إذا أرادوا به الوقت وأعربوه فهم يريدون أحد أمرين:
إما أن يكون على تقدير ذهب الأمس فيعدلونه عن الألف واللام فيجتمع فيه العدل والتعريف فيمنع الصرف.
أو عن لغة أهل الحجاز، ولغتهم في المجرور والمنصوب فكأنهم عدلوا عن المبني، وهو معرفة، فاجتمع فيه العدل، والتعريف، فإذا سمينا به رجلا فقد زال عنه العدل، فلذلك انصرف.
ومعنى قول سيبويه: لأنهم عدلوه عن الأصل الذي هو عليه في المعنى، يريد عن معنى نفسه، ولم ينقلوه إلى شيء آخر، والأصل الذي هو عليه في الكلام أن يكون بالألف واللام إذا عرّفوه، أو يكسر للعلة التي ذكرنا.
والذي ينبغي أن يكون عليه في القياس أنّا متى لقبنا شيئا بلفظ، جعلناه علما له لم نحتج إلى الألف واللام وصار معرفة.
هذا هو القياس فيما نجعله معارف، فهم لم يجعلوا
هذا اللفظ على جهة العلم وإنما جعلوه على معنى الألف واللام، وصار خروجه عن القياس وعدله عن الألف واللام، كما عدل " سحر " ظرفا، لأن " سحر " إذا كان مجرورا أو مرفوعا أو منصوبا غير ظرف لم يكن معرفة إلا بالألف واللام.
يعني إذا كان ظرفا وأردت تعريفه جاز ألا تدخل عليه الألف واللام والنية فيه الألف واللام كقولك: " جئتك سحر " إذ أردت سحر يومك؛ لأنه ظرف، فإن قلت استطبت السحر أو طاب السحر أو عجبت من السحر، لم يجز أن تخرج الألف واللام؛ لأنه يصير غير معرفة.
فاستعمل بنو تميم في منع الصرف من أمس تقدير الألف واللام وعدله عنهما، كما استعمل الناس ذلك في سحر ظرفا.
قال: " وإن سميت رجلا " بأمس " في هذا القول، يعني قول بني تميم قبل أن تسمي به، صرفته؛ لأنه لا بد لك من أن تصرفه في الجر والنصب؛ لأنه في الجر والنصب مكسور في لغتهم فإذا انصرف في هذين الموضعين انصرف في الرفع؛ لأنك تدخله في الرفع، وقد جرى له الصرف في القياس في الجر والنصب؛ لأنك لم تعدله عن أصله في الكلام مخالفا للقياس، ولا يكون أبدا في الكلام اسم منصرف في الجر والنصب ولا ينصرف في الرفع "
قال أبو سعيد: يريد أنك إذا سميت رجلا بأمس في لغة بني تميم فلا بد من صرفه في الجر والنصب؛ لأنه مبني مكسور في الجر والنصب على لغتهم.
وقد تقدم أن المبني إذا سمي به انصرف، فإذا صرفته في النصب والجر فلا بد من صرفة في الرفع لئلا يختلف.
وإنما ذكر هذا؛ لأن بني تميم قد تركوا صرفه في الرفع، ولئلا يظن ظان أنه في الرفع غير مصروف على لغتهم إذا سمي به، ومعنى قوله: لأنك لم تعدله عن أصله في الكلام مخالفا للقياس، يعني لم تعدل الرجل عن أصله في الكلام كما عدلت بنو تميم أمس الذي تاليه اليوم عن أصله في الكلام، وكذا سحر إذا سميت به رجلا تصرفه.
قال سيبويه: " وهو في الرجل أقوى؛ لأنه لا يقع ظرفا، ولو وقع اسم شيء فكان ظرفا صرفته، وكان كأمس لو كان أمس منصوبا غير ظرف مكسور كما كان "
يعني لو سمينا وقتا من الأوقات أو مكانا من الأمكنة التي تكون ظرفا " بسحر "
وجعلناه لقبا له لانصرف؛ لأنه ليس هو بالشيء المعدول، وكان كأمس لو سميت به.
وقوله: وهو في الرجل أقوى يعني في باب الصرف، لأن الرجل لا يكون ظرفا فهو أقوى.
قال: " وقد فتح قوم أمس في (مذ)، وهم بعض بني تميم وإنما فعلوا ذلك؛ لأنهم تركوا صرفه "
وما بعد " مذ " يرفع ويخفض، فلما ترك بعض من يرفع صرفه بعد " مذ " ترك أيضا من يجر صرفه بعدها، فكانت مشبهة بنفسها، وقال الراجز:
لقد رأيت عجبا مذ أمسا … عجائز مثل الأفاعي خمسا
يأكلن ما في رحلهن همسا … لا ترك الله لهن ضرسا (1)
قال: وهذا قليل؛ لأن الخفض بعد مذ قليل.
وإذا سمي رجل بذه من قولنا " هذه " قلت: هذا ذه قد جاء، ومررت بذه قد جاء، ورأيت ذها، والهاء بدل من الياء في هذي أمة الله، كما أن ميم " فم " بدل من الواو، والياء التي في قوله هذي أمة الله إنما هي ياء ليست من الحروف، وإنما هي لبيان الهاء، فإذا صارت اسما لم يحتج إلى ذلك لما لزمتها الحركة والتنوين، والدليل على أن الياء ليست
من الكلمة أنها لا تثبت في الوقف نقول: هند هذه أو ذه.
ومن العرب من يقول: ذه أمة الله، فيسكن الهاء في الوصل كما يقول " به " في الوصل، وقد مضي نحو هذا.
هذا باب الظروف المبهمة غير المتمكنة
وذلك لأنها لا تضاف ولا تصرّف تصرّف غيرها ولا تكون نكرة قال سيبويه: " وذلك أين، ومتى، وكيف، وحيث، وإذ، وإذا، وقبل وبعد " قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب ظروفا وغير ظروف من المبنيات وقد ذكرت جملتها في أول الكتاب وزدت على ما ذكره سيبويه حروفا ذكرها غيره بما يغني عن الشرح في هذا الموضع، إلا أني أسوق كلام سيبويه وأذكر ما يحتاج إلى إبانة1
مراده وشرح يسير لبعض ما لم أذكره هناك.
قال سيبويه: " فهذه الحروف، وأشباهها لما كانت مبهمة وغير متمكنة شبهت بالأصوات وما ليس باسم ولا ظرف.
فإذ التقى في آخر شيء منها حرفان ساكنان حركوا الآخر منهما وإن كان الحرف الذي قبل الأخير متحركا أسكنوه كما قالوا: هل، وبل، وأجل، ونعم، وقالوا:
جير، فحركوه لئلا يسكن حرفان.
فإن قال قائل: لم كسروا جير، وقد فتحوا أين وكيف؟ ففي ذلك جوابان:
أحدهما أن " جير " جاء على قياس اجتماع الساكنين في الأصل وهو موجب للكسر.
والجواب الثاني أن " جير " قد يحلف به، فيقال: جير لأفعلن فيقع موقع الاسم المحلوف به، وهو مفتوح كقولك: الله لأفعلن، فحركوه بحركة للبناء غير حركة الإعراب لو أعرب.
قال: ويدلك على أن " قبل " و " بعد " غير متمكنين أنه لا يكون فيهما مفردين ما يكون فيهما مضافين.
لا تقول: هذا قبل كما تقول: هذا قبل القيامة.
اعلم أن " قبل "، و " بعد " يكونان خبرين للجثث وغيرها إذا كانا مضافين كقولك:
زيد قبل عمرو، وبعد عمرو، والقتال قبل يوم الجمعة وبعد يوم الجمعة، فإذا حذفت ما أضفتهما إليه لم يجز أن يكونا خبرين.
لا تقل: زيد قبل، والقتال بعد، وإن لم أر أحدا من أصحابنا اعتل لهذا بشيء يقنع.
وقد حكاه سيبويه ولا أعلم له مخالفا، ورأيت من احتج فقال لأنه لا فائدة فيه؛ لأن الفائدة في التوقيت بما قد أضيف إليه في غير الخبر.
والصلة في ذلك عندي أن " قبل " و " بعد " إذا كانا خبرين فقد حذف من الكلام ما يعمل في الظرف كقولنا: زيد قبل عمرو، فالتقدير فيه استقر قبل عمرو، فإذا حذفنا المضاف إليه فقد حذفنا ما قبله في التقدير وما بعده فصار ذلك إجحافا فاجتنبوه.
قال: وجزمت " لدن " ولم تجعل ك " عند " لأنها لا تقع في جميع مواضع " عند " فضعفت.
وذلك أن " عند " اتسعوا فيها فقالوا: عندي مال وإن كان غائبا، ولا يقولون ذلك في " لدن " فجعلت بمنزلة " قط " إذا أردت ليس إلا.
وحسب في البناء مثل قط، إلا أنهم
بنوه على حركة.
وإذا أردت " قطّ " المشددة، التي هي لما مضي من الدهر كانت مبنية على الضم، لاجتماع الساكنين، ومشبهة بمنذ؛ لأنها في معنى منذ، فإذا قلت ما رأيته قط، فكأنك قلت ما رأيته منذ كنت.
وقولهم " لد " بضم الدال محذوفة من " لدن " والضمة تلك الضمة، والدليل على ذلك أنك إذا أضفت " لدن " إلى مني رددت النون؛ لأن الإضافة قد ترد الأشياء الذاهبة، فتقول:
هذا من لدنك ولا تقول: من لدك، كما تقول: من لد زيد.
قال: وسألت الخليل عن " معكم "، " ومع " لأي شيء نسبتها ولم لم تبن على السكون؟ فقال: لأنها استعملت غير علم كجميع ووقت نكرة، وذلك قولك: جاءا معا ولا تضاف " مع " في هذا الموضع، فلما أعرب معا للموضع المنكور المفرد وجب تحريكه في الإضافة.
قال أبو سعيد: وإنما وجب إفراده في هذا الموضع؛ لأنّا إذا أضفنا، فقلنا: ذهب زيد مع عمرو فقد ذكرنا اجتماعه مع عمرو وأضفنا " مع " إلى غير الأول، وإذا قلنا: ذهبا معا، فليس في الكلام غيرهما تضيف " مع " إليه ولا يجوز أن تضيف " مع " إليهما.
كما تقول:
ذهب زيد مع نفسه، ونصب " معا " على الحال في قولك ذهبا معا، كأنك قلت: ذهبا مجتمعين، ويجوز أن يكون على
الظرف كأنه قال: ذهبا في وقت اجتماعهما.
وقد يسكن في الشعر يشبه ب " لدن " وب " هل " وما أشبه ذلك من المسكنات.
قال الشاعر:
وريشي منكم وهواي معكم … وإن كانت زيارتكم لماما 1
قال: وأما " منذ " فضمّت، لأنها للغاية، ومع ذا أن من كلامهم أن يتبعوا الضم الضم كما قالوا: ردّ يا فتى.
قال أبو سعيد: إن سأل سائل لم سمّى سيبويه " منذ " غاية؟ وقد فسر أبو العباس المبرد الغاية في قبل وبعد، أنها لما حذف المضاف إليه، وقد كان غاية الاسم واقتصروا على المضاف صار هو المنتهى والغاية.
ودخل " منذ "، " وحيث " في هذا؛ لأنه كان من حق " حيث " أن يضاف لما بعده في حال.
وقد يرفع ما بعده كقولك: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ومنذ يوم الجمعة، فإذا رفعت ما بعدها فقد منعتها الإضافة، فوجب بناؤها على الضم للغاية، ثم أجروا الخافضة مجراها، وقد يجوز أن يكون الضم للاتباع، اتبعوا حركة الذال حركة الميم كما قالوا: " ردّ "، وذكر في " عل " ما تقدم مما ذكرناه في أول الكتاب.
قال: وسألت الخليل عن قولهم: مذ عام أول، ومذ عام أول فقال: " أول " هاهنا صفة، وهو أفعل من عامك، ولكنهم ألزموه هاهنا الحذف استخفافا، فجعلوا هذا الحرف بمنزلة أفعل منك.
قال أبو سعيد: اعلم أن " أفعل " إذا جعل نعتا وليس أنثاه فعلاء، فإنه يلزمه منك كقولك: مررت برجل أفضل منك.
وأول نعت لعام، والتقدير فيه أول من عامك، كما تقول: أقدم من عامك، فحذفوا " من "، كما قالوا: زيد أفضل، ويحذفون " من " إلا أنه يكثر في زيد أفضل منك إظهار منك، وإن كان يجوز الحذف، ويكثر في عام أول حذف " من " وإن كان يجوز الإظهار، والدليل على جواز إظهاره أنك تقول: ما رأيتك منذ أول من أمس، وفيه مع هذا حذف آخر، وذلك أنك إذا قلت: ما رأيته منذ عام أول؛ فالمعنى أنه منذ عام أول يلي عامك هذا؛ لأن كل ما مضي من السنين فهو أول لتقدمها، ولولا هذا التقدير لم يكن العام الذي قيل عامنا أولى به من السنين الماضية.
وكذلك قولنا: ما رأيته منذ أول من أمس، يريد من اليوم الذي يليه أمس، والكلام على ظاهره يحتمل أن يكون كل يوم تقدم أمس.
قال سيبويه: " وقد جعلوا " أول " بمنزلة " أفعل " وذلك قول العرب ما تركت له أولا ولا آخرا.
فهذا ليس يقدر فيه " من " وهو بمنزلة قولك: ما رأيت له قديما ولا حديثا، فقد جاز في " أول " أن يكون صفة واسما وعلى أي الوجهين سميت به رجلا فهو لا ينصرف لاجتماع وزن الفعل والتعريف فيه.
قال: وسألته عن قول بعض العرب وهو قليل: مذ عام أول فقال: جعلوه ظرفا في هذا الموضع، وكأنه قال: مذ عام قبل عامك.
وسألته عن قولهم: زيد أسفل منك فقال: هذا ظرف كقوله عز وجل: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ 1
كأنه قال: زيد في مكان أسفل من مكانه، ومثل هذا الحذف في " أول " لكثرة استعمالهم إياه قولهم: لا عليك فالحذف في هذا الموضع كهذا.
ومثله: هل لك في ذلك، ومن له في ذلك، ولا يذكروا له حاجة ولا لك حاجة، ونحو هذا أكثر من أن يحصى.
وقال الشاعر:
يا ليتها كانت لأهلي إبلا … أو هزلت في جدب عام أولا 2
" فأولا " يكون على الوصف والظرف؛ لأنه لا ينصرف.
وقد كان الزجاج يجيز أن يكون منع " أول " الصرف كما منع " أمس " الصرف في لغة بني تميم؛ لأنه استعمل في الكلام بغير إضافة، فصار كالمعدول، كأخر وأمس في لغة بني تميم.
قال سيبويه: وسألته عن قوله من دون، ومن تحت، ومن فوق، ومن قبل، ومن بعد، ومن دبر، ومن خلف.
فقال: أجروا هذا مجرى الأسماء المتمكنة لأنها تضاف وتستعمل غير ظرف، ومن العرب من يقول: من فوق ومن تحت يشبهها ب " قبل " و " بعد ".
وقال أبو النجم:
أقبّ من تحت عويض من عل 3
وقال آخر:
لا يحمل الفارس إلا الملبون … المحض من أمامه ومن دون 4
وكذلك من أمام، ومن قدام، ومن وراء، ومن قبل ومن دبر، وزعم الخليل أنهن نكرات كقول أبي النجم.
يأتي لها من أيمن وأشمل 1
وزعم أنهن نكرات إذا لم يضفن إلى معرفة، كما يكون أيمن وأشمل نكرة، وسألنا العرب فوجدناهم يوافقونه، يجعلونه كقولك: من يمنة وشأمة، وكما جعلت ضحوة نكرة وبكرة معرفة.
وإنما ذكر سيبويه الشاهد في قوله: " ومن دون "؛ لأنه لم يضف، وليس فيه دليل على التنكير والتعريف؛ لأنه يحتمل أن يقال: من دون فيكون نكرة، ويحتمل أن يكون من دون بالضم ويكون معرفة، إلا أن الشعر موقوف، ويحتمل أن يقال المحض بالنصب على معنى إلا الملبون المحض، أي المسقى اللبن المحض.
قال: وأما يونس فكان يقول: من قدّام لا يصرفه لاجتماع التأنيث والتعريف فيه.
قال: وهذا مذهب في القياس، إلا أنه ليس يقوله أحد من العرب.
قال: وسألنا العلويين والتميميين فرأيناهم يقولون: من قديديمة، ومن ورّيئة، على حد قولك: من دون، ومن أمام، قال النابغة الجعدي "
لها فرط يكون ولا تراه … أماما من معرّسنا ودونا 2
وذكر " هيهات " وما فيها، وقد تقدم شرحنا له وكذلك " ذية " وقد بني على فتحة، وقبلها متحرك، وما كان من المبنيات من هذا النحو أسكن آخره إذا كان قبل آخره حركة، فالسبب في حركة آخر " ذية " أنا لو سكناها لوجب أن نجعلها هاء؛ لأن ما كان من المؤنث بالهاء جعلت في الدرج " تاء " وفي الوقف " هاء "، فلو سكناها لوجب أن نجعلها أبدا هاء، فكانت تذهب التاء وهي أصل التأنيث.
ويجوز أن يكون أيضا أن لو تركوها هاء على كل حال لتوهم أنها هاء أصلية.
على أن سيبويه جعلها بمنزلة " عشر " في خمسة عشر، وأنه كشيئين جعلا كشيء واحد ففتح آخره، وإذا خففت ففيها ثلاث لغات ذيت: بالفتح والضم والكسر.
فمن يقول: ذيت فهو بمنزلة حيث وأين.
ومن يضم فهو بمنزلة منذ، ومن يكسر فهو بمنزلة أولاء.
قال: وسألت الخليل عن شتان فقال فتحها كفتحة هيهات، يعني أنها مبنية على الفتح كما بنيت هيهات على الفتح، وقد احتج أصحابنا في ذلك بحجج.
منهم من قال: أن شتان وقع موقع الفعل الماضي، فإذا قالوا شتان ما زيد وعمرو فكأنا قلنا افترقا وتباعدا ومعنى شتّ يشتّ شتّا أي تفرق وتباعد.
وقال بعضهم: " شتّان " مصدر على فعلان، وقد خالف المصادر؛ لأنه ليس في المصادر " فعلان " بتسكين العين وفتح الفاء.
وإنما يجيء في المصادر فعلان أو فعلان أو فعلان، فلما خالف المصادر أشبه باب، " فعال "، وهو مصدر في موضع فعل على غير مصدر ذلك الفعل، كقولنا نزال، وحذار ودراك، ومصدر هذه الأفعال: النزول والحذر والإدراك.
وقال بعضهم: اجتمع في " شتان " خروجه عن وزن المصادر وهو مصدر والتعريف، والدليل على تعريفه أنه لا تدخله الألف واللام، وزيادة الألف والنون في آخره، وأنه ظرف، فبني، وكان حق النون أن تكون ساكنة، وفتح اتباعا للألف والفتحة التي قبلها، وقد مضي نحو هذا.
وقال المازني " شتان " و " سبحان " إذا نكرتهما صرفتهما اسمين كانا أو في موضعهما.
هذا باب الأحيان في الانصراف وغير الانصراف
قال سيبويه: " اعلم أن " غدوة " و " بكرة " جعلت كل واحدة منهما اسما للحين على جهة التعريف له، ومذهب التلقيب والعلم، كما جعلوا " أم حبين " اسما للدابة معرفة "
وكما فعل " أسامة " اسما للأسد، والدليل على أنهم يذهبون بهما هذا المذهب أن الاسم الموضوع للنكرة هو " غداة "، تقول: هذه غداة باردة، ونحن في غداة طيبة، ثم غيروا لفظ " غداة " إلى غدوة؛ لأن يوضع للتعريف، لتغيير اللفظ، فيكون أول أحوال هذا اللفظ التعريف، ثم يجوز أن ينكر بعد ذلك.
والدليل على ذلك أنّا رأيناهم قد يضعون أسماء مشتقة موضوعة لمعارف لم تستعمل في شيء من النكرات ولا تعرف معانيها منكورة نحو: سعاد، وزينب وغير ذلك.
مما لا يحصر، وإن كنا نعرف ما قد اشتقت
منه، ف (غدوة) قد اشتقت للتعريف من (غداة)، كما أن (سعاد) قد اشتقت من (السعادة) لأن توضع لمعرفة.
والأصل في هذين الاسمين (غدوة)، و (بكرة) محمولة عليها لاجتماعهما في المعنى وفي البنية.
كما أن " يذر " محمولة على " يدع "، وكان القياس في " يذر " أن يقال (يذر)، لأن أصله يوذر، فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة وليس في موضع عين الفعل، ولامه حرف من حروف الحلق فيفتح.
وأصل " يدع " أيضا " يدع " بكسر الدال ثم فتح من أجل العين التي هي لام الفعل وهي من حروف الحلق.
قال سيبويه: " ومثل ذلك قول العرب: هذا يوم إثنين مباركا فيه، وأتيتك يوم إثنين مباركا فيه.
جعل إثنين اسما له معرفة، كما تجعله اسما لرجل "
وقد رد أبو العباس المبرد هذا، وذكر أن " إثنين " اسم اليوم لا يكون معرفة أبدا إلا بالألف واللام، وأن قولهم مباركا فيه على الحال من النكرة.
وزعم يونس عن أبي عمرو، وهو قوله أيضا، وهو القياس، أنك إذا قلت: لقيته العام الأول، أو يوما من الأيام، ثم قلت غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم ينون، يريد أنه يجوز أن ينكر اليوم، وتعرف " غدوة " و " بكرة " فتقول " رأيته يوما غدوة؛ لأن " غدوة " وقتها في اليوم معروف، فكأنك قلت: رأيته يوما في هذا الوقت منه، وأما " ضحوة " وعشية وغيرهما من ساعات اليوم والليلة فكله نكرات إلا سحر يومك.
هذا هو المعروف الكثير في كلام العرب.
قال سيبويه إن بعض العرب يدع التنوين في " عشية " كما ترك في غدوة.
قال أبو العباس: وليس هذا بشيء، وعشية نكرة على كل حال.
وأرى حكاية سيبويه لا ترد.
قال: وزعم الخليل أنه يجوز أن تقول: آتيك اليوم غدوة وبكرة تجعلهما بمنزلة " ضحوة " وزعم أبو الخطاب أنه سمع من يوثق به من العرب يقول آتيك بكرة وهو يريد الإتيان في يومه أو في غده، ومثل ذلك قول الله عز وجل: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً
وَعَشِيًّا (1).
وهذا غير منكر؛ لأن الأسماء الأعلام يجوز تنكيرها بعد وقوعها معارف، فيكون لفظ المعرفة والنكرة سواء، كقولك هذا زيد من الزيدين، وجاءتني سعاد وسعاد أخرى.
وأما " سحر " فإنه يكون معرفة بغير ألف ولام إذا كان ظرفا، وإذا لم يكن ظرفا لم يجز طرح الألف واللام منه إذا أردت تعريفه كقولك: ما رأيته مذ السّحر، وقد رأيته عند السحر الأعلى، ولا يجوز أن تقول: رأيته عند سحر الأعلى.
هذا باب الألقاب
قال سيبويه: إذا لقبت مفردا بمفرد أضفته إلى اللقب كقولك: هذا سعيد كرز، وهذا قبس قفّة، وهذا زيد بطّة.
كأنه كان اسمه سعيد ولقب بكرز واسمه قيسا ولقب بقفة، واسمه زيدا، ولقب ببطة، فأضيفت هذه الأسماء المفردة إلى هذه الألقاب، وجعلت الألقاب معارف؛ لأنها تجري مجرى الأعلام.
وإنما أضيفت؛ لأن أصل أسمائهم اسم مفرد أو مضاف، فالمفرد: زيد، وعمرو، والمضاف عبد الله وامرؤ قيس، وكنية، هي مضافة لا غير كقولنا: أبو زيد، وأبو عمرو وأم جعفر وأم الحمارس 2، وليس لهم اسمان مفردان يستعمل كل واحد منهما مفردا، فلو جعلوا " سعيدا " مفردا و " كرزا " مفردا لخرجوا عن منهاج أسمائهم في اسمين مفردين لشخص واحد، وإذا أضافوا فله نظير.
وإن لقبوا من اسمه مضاف أفردوا اللقب كقولهم: هذا عبد الله بطة؛ لأنه يصير بمنزلة قولنا: أبو بكر زيد، فعبد الله بمنزلة أبي بكر، وزيد بمنزلة بطة، وهذه الألقاب متى لقبت بها أشياء، صار تعريفها بغير ألف ولام، وخرجت عن التعريف الذي كان لها بالألف واللام، كما أنا إذا قلنا: الشمس لم يكن معرفة إلا بالألف واللام، ثم نقول: عبد شمس فيكون تعريفه بغير ألف ولام لمّا وضعناه اسما.
فإن قال قائل: فما أحوجنا إلى تعريف الشمس بالألف واللام ولا شمس غيرها في1
الدنيا؟ قيل له قد يسمى ضوء الشمس شمسا، كقول القائل: لا تقعدوا في الشمس، وإنما يريد ضوءها، ويقول: شمس البصرة أحرّ من شمس الكوفة، وجرم الشمس واحد وإنما تريد ضوءها.
هذا باب الشيئين اللذين ضم أحدهما إلى الآخر فجعلا بمنزلة اسم واحد كعيضموذ (1) وعيسجور
2
قال سيبويه: " وذلك نحو حضر موت وبعلبك وكل ما كان من ذلك، إذا سمي به رجل، أو مكان، فهو معرفة، لا ينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة.
وقد ذكرنا أن كون اسمين اسما واحدا من العلل المانعة من الصرف، ويجوز في ذلك إضافة الأول إلى الثاني، فإذا أضفت أعربت الأول بوجوه الإعراب واعتبرت الثاني، فإن كان مما لا ينصرف لم تصرفه وإن كان مما ينصرف
صرفته.
فأما ما ينصرف فقولك: هذا حضر موت وبعلبك، ورأيت حضر موت وبعلبك، ومررت بحضر موت وبعلبك.
وأما ما يضاف إلى ما لا ينصرف ف " رامهرمز " 3 ومارسرجس، تقول، إذا أضفت: هذا رام هرمز، ومار سرجس، ورأيت رام هرمز ومار سرجس، ومررت برام هرمز ومار سرجس، وإذا لم تضف فتحت الاسم الأول على كل حال، ورفعت الثاني في حال الرفع ونصبته في النصب والجر بغير تنوين كسائر ما لا ينصرف.
تقول: هذا حضر موت ورامهرمز ومارسرجس، ورأيت حضر موت ورامهرمز ومارسرجس، ومررت بحضر موت، ورامهرمز ومار سرجس.
ولو نادينا شيئا من هذا، والأول غير مضاف لضممت آخره، فقلت يا حضر موت، ويا بعلبك ويا رامهرمز ويا مارسرجس.1
قال سيبويه: وبعضهم يقول في بيت جرير:
لقيتم بالجزيرة خيل قبس … فقلتم مارسرجس لا قتالا 1
أنشده على قول من يضيف الأول إلى الثاني، ومن لا يضيف يقول: مارسرجس لا قتالا؛ لأنه كاسم واحد لما ناداه.
قال: " وأما معد يكرب ففيه لغات، منهم من يقول: معد يكرب، فيضيف ومنهم من يقول: معد يكرب فيضيف ولا يصرف بجعل " كرب " اسما مؤنثا، ومنهم من يقول:
معد يكرب، كما يقول: حضر موت غير أن الياء في معد يكرب مسكنة "
وعلى قياس ما حكاه سيبويه في معد يكرب إذا أضاف، ولم يصرف كرب، لأنه مؤنث يجوز أن يقال- إن صحت الرواية في " ذي يزن " أن لا يصرف- لا يصرف " يزن "؛ لأنه اسم مؤنث.
قال أبو سعيد: وقد كنت حكيت أن الجرمي لا يصرف " يزن " بجعله بمنزلة يسع ويزن من الفعل.
وإذا نكرت الاسمين اللذين بمنزلة اسم واحد صرفت كقولك: مررت بحضر موت وحضر موت آخر، وهذا معد يكرب ومعدي كرب آخر؛ لأن الذي كان يمنع الصرف التعريف وجعل الاسمين اسما واحدا، فإذا نكرت زال إحدى
العلتين وليس ذلك بمنزلة أحمر ومساجد ومفاتيح.
وما فيه ألف التأنيث كحبلى، وما أشبهها مما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وقد مضى تفسير ذلك.
قال: " وأما خمسة عشر وأخواتها، وحادي عشر وأخواتها فهما شيئان جعلا شيئا واحدا، وإنما أصل خمسة عشر خمسة وعشرة، ولكنهم جعلوه بمنزلة حرف واحد، وأصل حادي عشر أن يكون مضافا كثالث ثلاثة، فلما خولف به عن حال أخواته، مما يكون للعدد خولف به، وجعل كأولاء، إذ كان موافقا له في أنه مبهم يقع على كل شيء، فلما اجتمع فيه هذان أجري مجراه، وجعل كغير المتمكن، والنون لا تدخله كما تدخل غاق؛ لأنها مخالفة لها ولضربها في البناء، فلم يكونوا لينونوا؛ لأنها زائدة ضمت إلى الأول فلم يجمعوا عليه هذا والتنوين ".