التدريب في الفقه الشافعيكتابُ القضاءِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو بالمدِّ الولايةُ المعروفةِ، وجمعُه أقضية، كقباء وأقبية.
وهو لغةً: بمعنى أحكامُ النبيِّ وإمضاؤه.
وفي الشرع: فصلُ الخصومةِ بحكمِ اللَّهِ تعالَى.
والأصلُ فيهِ قبلَ الإجماعِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنَّةِ ما رواه الصحيحان أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانِ، وإن اجتهدَ فأخطأَ فله أجرٌ" 1. وإقامَةُ القاضي المحتاجُ إلى إقامتِهِ فرضُ عينٍ على الإمامِ، وقبولُ ولاية

الجزء: 4 - الصفحة: 317

القضاءِ فرضُ كفايةٍ 2. ومَن تعيَّن عليه لزِمَهُ قبولُهُ إنْ قُلِّد، وطلبه إن لم يُعرف، أو لم يُبتَدَأْ بالتقليدِ، وإلَّا فإنْ كانَ غيرُهُ أصلحَ، وكانَ يتولَّاهُ فالمفضولُ المساوي للفاضلِ في مطلقِ الاجتهادِ أو التبحر عند تقليدِهما القبول على الأصحِّ.
ويكرَهُ طلبه، وقيلَ يحرمُ، وإن كانَ مثله، فيندبُ له القبول، ويندبُ الطلب إن كانَ خاملًا يرجو به نشر العلم، أو محتاجًا إلى الرزقِ، أو كانَ ذلكَ الذي مثله في الاجتهادِ أو التقليدِ يرتكبُ في اجتهادِهِ وتقليدِهِ أمورًا.
. . 3 يدركها.
وقد يقوى الإيجابُ هنا، لا سيما إذا كانتْ تلكَ الأمورُ يُنقضُ القضاء فيها.
ويندبُ الطلبُ أيضًا 4 إذا كان الذي هو مثلُهُ لا يقومُ بكفايةِ الناسِ في خصوماتِهم وأحوالِهم إلَّا بجُهدٍ وتعبٍ، وتكلُّفٍ، وربما تأخَّر بعضُ القضايا الكبيرة، فيندبُ الطلب على مَن يقومُ بالمصالحِ، بحيثُ يزولُ ما ذُكِرَ.
وإن لم توجدْ واحدةٌ مما ذكر من صورِ النَّدبِ، فالأولَى تركُهُ، ولا يكرهُ حينئذٍ، خلافًا لما "المنهاجِ" 5؛ لأنَّه ليس هناك متعينٌ، والداخلُ من الدين يَصْلُحون للقضاء مع اللعانِ في طلبِ القضاءِ داخلٌ في طلبِ فرض الكفايةِ، وذلك إنْ لم ينتهِ إلى الإيجابِ ولا إلى الندبِ، فلا أقل من انتفاء الكراهةِ.
ومحلُّ ما تقدَّم من التفصيلِ إذا لم يَكُنْ هناكِ قاضٍ متولٍّ أهلٍ للقضاء غير

الجزء: 4 - الصفحة: 318

مستحق للعزلِ، فإن كانَ هناكَ من هوَ غيرُ مستحقٍّ للعزلِ، والطالبُ يرومُ عزلَهُ، فالطلبُ حرامٌ، والطالبُ مجروحٌ.
ذكره الماورديُّ.
وإنْ كانَ مستحقًّا للعزلِ، بجورٍ، أو جهلٍ، فهو كما لو لم يكنْ.
وشرط قاضي المسلمينَ أو قاضي الناسِ بالإطلاقِ (1): أن يكونَ مُسلمًا، مكلَّفًا، حرًّا، ذكرًا، عدلًا، سميعًا، بصيرًا.
إلَّا القاضِي الذي ينزلُ أهلُ القلعةِ على حُكمِهِ فلا يشترطُ أَنْ يكونَ بصيرًا.

ضابط

ٌ: ليسَ لنا أعجميٌّ يجوزُ إبتداء ولايته القضاء إلَّا هذا.

ومن شروطِ القاضي:

أَنْ يكونَ ناطقًا، كافيًا، مجتهدًا، وهو أَنْ يعرِفَ من القرآنِ والسُّنَّةِ ما يتعلَّقُ بالأحكامِ، وخاصِّه، وعامِّه، ومجملِهِ، ومبينِهِ، وناسخِهِ، ومنسوخِهِ، ومطلقِهِ ومقيدِهِ، وحقيقتِهِ ومجازِهِ، ومنطوقِهِ ومفهومِهِ، وظاهرِهِ، ومؤولِهِ، ومقتضياتِ الترجيحِ عندَ اختلافِ الأدلَّةِ، ومتواترِ السُّنَّةِ وغيره، والمتصلِ والمرسلِ، وحالِ الرواةِ قوَّةً وضعفًا، ولسانِ العربِ لغةً ونحوًا، وأقوالِ العلماءِ من الصحابَةِ فمن بعدَهم، إجماعًا، واختلافًا، والقياسِ بأنواعهِ 7. ويستثنى من المجتهدِ المتصفِ بما ذكرناهُ: الحاكمُ الذي ينزلُ أهلُ القلعَةِ على حُكمِهِ، فلا يشترطُ فيه ذلكَ، بل يكفي اهتداؤُه إلى طلبِ الصلاحِ، وما فيهِ النظرُ للمسلمينَ، وكذلك الذي يوليه الإمامُ القضاءَ في واقعةٍ معيَّنةٍ لا يشترطُ أن يكونَ بصفةِ الاجتهادِ المطلقِ، بل يكفيهِ أَنْ يكونَ عارفَ الحكمِ فيها بطريقِ الاجتهادِ المتعلِّق بتلك الواقعة، بناءً على أن الاجتهادَ6

الجزء: 4 - الصفحة: 319

يتجزَّأُ، وهو الأرجحُ.
ومن شروطِ القاضي: أن يكونَ ممنْ تجوزُ شهادتُه، فمن لا تجوزُ شهادتُهُ من أهلِ البدعِ لا يجوزُ تقليدُه القضاءَ، ولا يجوزُ تقليدُ القضاءِ لمن لم يَقُل بالإجماعِ، أو لم يقل بأخبارِ الآحادِ، وكذا حكمُ نفاةِ القياسِ الذينَ لا يقولونَ بالاجتهادِ أصلًا، كالشيعةِ.
وأن يكونَ غيرَ محجورٍ عليهِ بسفهٍ في المالِ.
فإنْ تعذَّرَ المجتهدُ صحَّ توليةُ المقلِّدِ، وإن لم يتعذَّرْ وولَّى سلطانٌ له شوكةٌ مقلدًا مع وجودِ المجتهدِ، أو جاهلًا مع وجودِ عالمٍ، أو فاسقًا، نفذ قضاؤُه للضرورةِ.
ولو ولَّى ذو الشوكَةِ عبدًا أو امرأةً أو أعمَى فيما يعرفه وينضبط له، نفذ قضاؤُهم للضرورةِ، كما قالَهُ شيخُنا، وقال: إنَّ قاضِي الضرورةِ إنما ينفذ قضاؤُه فيما وافقَ ما لا يُنقضُ القضاءُ به، ولكن لا يستحق.
. . 8 على القضاءِ في بيتِ المالِ.
وإذا زالتِ شوكةُ مَن ولَّاهُ انعزَلَ، ويُندبُ للإمامِ إذا ولَّى قاضيًا أن يأذَنَ له في الاستخلافِ في الطُّرق، وهو الموضعُ الذي يتعسَّرُ على الأصلِ الحُكمُ فيه، أو يتعذَّرُ، كما قيَّده الشافعيُّ بذلك، وهو المعتمدُ، فإن نهاهُ ولم يستخلفْ ولاية صحيحة إن كانَ يمكنُه القيامُ بما فوَّضه إليه، وإن لم يمكنْهُ القيامُ بذلكَ، فلا تصحُّ هذه التولية، إن كان عدمُ الإمكانِ لاتساعِ العملِ كمِصْرَينِ متباعدين مثلِ البصرةِ وبغداد، وإن كان عدمُ الإمكانِ لكثرَةِ الخُصومَاتِ صحَّتِ الولايَةُ، ويأتِي بما يُمكنُهُ، ويلزمُهُ أن يُعلِمَ الإمامَ عندَ كثرَةِ

الجزء: 4 - الصفحة: 320

الخُصومَاتِ بالحالِ، ليأذَنَ له في الاستخلافِ، أو يقيمَ مَن يقومُ بذلك.
وإن أطلقَ التوليةَ استخلفَ فيما لا يقدرُ عليه لا غيره في الأصحِّ.
وشرطُ المستخلِفِ كالقاضي إلَّا أن يستخلفَ في أمرٍ خاصٍّ كسماعِ بينةٍ، فيكفي علمه بما يتعلَّقُ به، ولا تشترطُ رتبةُ الاجتهادِ فيه، ويحكم باجتهادِه أو اجتهادِ مقلدِهِ، إن كان مقلدًا 9. ولا يجوزُ أن يشرطَ عليه خلافُ ذلك، فلو قلَّدَهُ بشرط أن يقضي بمذهب غيرِهِ بطلَ التقليدُ.
ولو حكمَ خصمانِ يجوزُ تحكيمُهما وحدَهُما رجلًا أو رجلينِ في غيرِ العقوبةِ المتمحضة للَّهِ تعالَى، وكانَ المحكِّمُ في تلكَ العقوبَةِ مستقلًّا، أو حكمتِ المرأةُ التي يلي تزويجها من له الحكمُ، وحكمَ خاطبُ الحر الرشيد في النِّكاحِ جازَ بشرطِ أهليةِ القضاءِ، ولكن لا يتناولُ حكمُهُ استيفاءَ القصاصِ، ولا استيفاءَ حدَّ القذفِ، ولا استيفاء التعزيرِ المختص بحقِّ الآدميِّ، ولا الحبس.
وفي قول: لا يجوزُ إلَّا إذا كانَ أحدُ المحكمينَ الإمامُ، والآخرُ ينازِعهُ في الإمامَةِ، فإنَّه يجوزُ التحكيمُ قولًا، وإلَّا إذا خلى الزمان عن قيام الإمامِ بأحكامِ الإسلامِ، فهذا ينفذُ فيه أمر المحكم قطعًا.
وينبغي هُنا أن يستوفي العقوبات المتعلِّقَة بالآدميينَ، وتحبس بأصولهم، وإلَّا إذا وقعتْ للإمامِ منازعةٌ فيما يتعلَّقُ بشيءٍ من المالِ، أو نحو ذلكَ من المنازَعاتِ الخاصَّةِ، كما جرَى لأميرِ المؤمنينَ عمر بن الخطَّابِ رضي اللَّهُ عنهُ مع أبيِّ بنِ كعبٍ رضي اللَّه عنهُ، فحكَّمَ زيدَ بنَ ثابتٍ رضي اللَّه عنه، وكما جرَى لأمير المؤمنينَ عثمان بن عفَّانَ رضي اللَّه عنه مع جبيرِ بن مطعمٍ رضي اللَّه عنه، فلا يجزئ مثل ذلك المنع.

الجزء: 4 - الصفحة: 321

وفي وجهٍ: يشترطُ عدمُ قاضٍ بالبلدِ، وهذا في غيرِ الصُّورِ المقدمة التي يجوزُ فيها التحكيم قطعًا.
وفي طريقٍ يختصُّ بمالٍ دونَ غيرِهِ، ولا ينفذ حكمُهُ إلَّا على راضٍ، والبينةُ في ذلك استمرارها على التحكيم السابقِ بحيثُ لا يظهرُ ما ينافيه إلى أن يفرغ المحكم من حكمِهِ، ولا يعتبرُ إظهارُ الرِّضا به وقتَ الحكم.
ولا يكفي تحكيمُ القاتلِ الذي ثبتَ قتلُهُ بالبيِّنةِ أو بالقسامةِ عندَ المحكم في إلزام عاقلتِهِ المنكرينَ بالديةِ.
وإذا رجعَ أحدُهما قبلَ الحكمِ امتنعَ الحكم، ولا يشترطُ الرضا بعد الحكم على الأظهرِ.
وأمَّا النازلونَ من القلعةِ على حكمِ الحاكمِ، فإنَّه إذا حَكمَ بأمرٍ لم يُحتَجْ إلى رضاهُم بعد الحكمِ قطعًا.
ويستثنى من الخلاف أيضًا: اللعان؛ فإنَّه لا يشترطُ الرِّضا بعد صدورِ اللعانِ من الزوجِ قطعًا.
وإذا حكَمَ المحكمُ أشهدَ محكمةً في المجلسِ الذي حكمَ فيه قبل التفرُّقِ؛ لأنَّ قولَه لا يقبلُ عليهما بعدَ الافتراقِ، كما لا يقبلُ قولُ الحاكمِ بعد العزلِ.
ولو نصَّبَ الإمامُ أو القاضِي الذي لهُ الاستخلافِ قاضيينِ 10 أو أكثرَ بقدرِ الحاجةِ، وخصَّصَ كلًّا منهما بمكانٍ، حكمًا وطلبًا، جازَ، وكذا إن لم يخص، وكانا أصلين على المنصوص، فإن جعلَ أحدَهُما أصلًا والآخرُ خليفةً عنه، جاز قطعًا، فإن شرط اجتماعهما على الحكمِ صحَّت التوليةُ ولغى الشرطُ على الأصحِّ.

الجزء: 4 - الصفحة: 322

فصل

إذا جُنَّ القاضي، أو أغميَ عليهِ 11، أو ذهبتْ أهليَّةُ اجتهادِهِ وضبطِه لغفلةٍ أو بيان أو عمًى انعزلَ، ويستثنى من العزلِ بالعمَى ما إذا سمعَ البينةَ وهو بصيرٌ، وقبلَ البينةَ واستوفى الشروط، ولم يبقَ إلَّا قولُه حكمت، أو ثبتَ عنده بطريقٍ غيرَ البينةِ ألْحِقَ، ولم يبقَ إلَّا الحكمُ به.
والصورةُ أنَّ الحكمَ لا يحتاجُ إلى إشارةٍ، فإنَّهُ إذا حكم بعد عماهُ فيما صُوِّر نفذ حكمُهُ على الأصحِّ، كما قاله شيخُنا؛ لأنَّ العمى إنَّما يمنعُ الحكمَ لاحتياجِه إلى البصرِ في كثيرٍ من الأحوالِ، وما نحنُ فيه لا يحتاجُ إلى ذلك، وإذا فسقَ القاضِي فالصوابُ الذي يقتضيهُ كلامُ الشافعيِّ وأصحابِهِ كما قالَ شيخُنا: القطعُ بالانعزالِ بالفسقِ المنافِي لابتداءِ الولايةِ.
فإن زالتْ هذه الأحوالُ لم تعدْ ولايتُهُ 12، إلَّا في المرضِ المانعِ من الاجتهادِ من غيرِ.
. . 13 إغماء، فإنه وإن لم ينفذ حكمه فيه، لكنه إذا كان.
. . 14 الزوال فإنه لا ينعزلُ، فإذا زالَ المانعُ فالولايةُ مستمرَّةٌ قطعًا، وللإمامِ.
. . 15 فوض إليه الإمام عزل قاض في ولايته خلل، ويكفي في الظهورِ غلبة الظنِّ باستفاضةٍ أو قرائن ونحو ذلك، إذا كانَ غيرَ مشهورٍ فإنْ لم يكنْ مَن يصلح للقضاءِ غيرُه لم يجزْ عزلُهُ بمجردِ ظهورِ الخللِ الذي يقتضي انعزالُه، ولا بتحقيق الخللِ الذي لا يقتضي انعزاله، وهذا لا توقُّف فيه، ولو لم يظهر الخلل، وهناك

الجزء: 4 - الصفحة: 323

صالح، نظر إن كان أفضل منه جازَ عزلُهُ، وإن كان مثلَهُ أو دونه، وكان في العزل مصلحةُ كتسكين فتنة ونحوها جاز عزلُهُ، وإلَّا فلا.
لكن ينفذ العزلُ 16 حيث لم يكنْ المتولِّي متعينًا أو لم يكن، ولكن عزله بمن هو دونه، فلا ينفذ حينئذٍ، والمذهبُ أنَّه لا ينعزلُ قبل بلوغِه خبرَ عزلِه، إذا لم يكنْ متعينًا، كأن كان متعينًا لم ينعزل، وإن بلغه خبر عزلِهِ وغير المتعينِ إذا بلغه خبر عزلِه وله نوابٌ لم يبلغْهم خبرُ عزلِ أصلِهم، وكانُوا ممنْ ينعزلونَ بعزلِهِ لا ينعزلُون حتى يبلغهم خبر عزلِه.
وتبقَى ولايتُهُ مستمرَّةً حكمًا، وإن كانَ لا ينفذُ حكمُهُ، ويستحقُّ ما رتِّبَ على الولايةِ التي يحصلُ بها سدُّ الوظيفةِ، حتى يبلغَ نوابَهُ خبرُ عزلِهِ.
ولو انعكستِ المسألة بأنْ بلغَ النائبُ خبرَ عزلَ أصلِهِ، ولم يبلغْ أصله ذلك، قال شيخُنا: فالقياسُ أنَّ النائبَ لا ينعزلُ حتَّى يبلغَ أصلَهُ خبرُ العزلِ، وينفذُ حكمُه كما ينفذُ حكم أصلِه.
ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلك.
انتهى.
وإذا كتبَ الإمامُ إليه إذا قرأتَ كتابِي فأنتَ معزولٌ، فتأمَّلهُ، وهو ممن يحسنُ القراءةَ انعزلَ، وإن كانَ أُمِّيًّا فقرئ عليه انعزلَ قطعًا، وكذا إن كتبَ إليه الكتابَ بالعبرانيِّ وهو لا يُحسنُهُ، ويحسنُ العربيَّ، وإن لم يكنْ أُميًّا فلا ينعزلُ إذا قرئَ عليهِ، خلافًا لما صحَّحه في "المنهاجِ" 17، تبعًا لأصلِه.
وينعزلُ بموتِ القاضي، وانعزالُه من أذن لَهُ في شغل معين كبيعِ مال ميت ليس له يتيم، والأصحُّ عدم انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذنْ له في الاستخلافِ أو قيل لهُ: "استخلفْ عن نفسِكَ، أو أطلق"، خلافًا لمن صحَّح خلافَ ذلك، فإن قيلَ له: "استخلفْ عنِّي" فلا ينعزلُ قطعًا، ولا ينعزلُ قاضٍ بموتِ الإمامِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 324

ولا بانعزالهِ، وحكى الماورديُّ وجهًا، أنَّ القضاةَ ينعزلونَ بموتِ الإمامِ، واستثنى شيخُنا من أن القاضي لا ينعزلُ بموتِ الإمامِ الذي أقامَهُ قاضيًا ليحكم بين الإمامِ وبين خصمائِه، فإنَّه ينعزلُ بموتِ الإمامِ لزوالِ المعنى المقتضَى لذلك.
ولا ينعزلُ ناظرُ وقفٍ من جهةِ القاضِي، ولا ناظرُ يتيمٍ بموتِ قاضٍ على الأصحِّ، إلَّا إذا شرطَ الواقفُ النظرَ لقاضِي البلدةِ فلان، فأقامَ عنهُ ناظرًا ثم ماتَ القاضي، فإنَّهُ ينعزلُ الناظرُ الذي أقامَهُ من جهتِهِ.
ولا يقبلُ قولُهُ بعدَ انعزالِهِ: "حكمتُ بكذا"، إلَّا إذا انعزلَ بالعمَى، فإنَّه يقبلُ قولُهُ بعدَ عماهُ "حكمتُ بكذا"، لأنَّهُ إنَّما انعزلَ بالعمَى فيما يحتاج إلى الإبصارِ، وقوله: "حكمتُ بكذا" لا يحتاج إلى إبصارِ.
فيقبلُ قولُهُ لبقاءِ ولايتِهِ فيه.
ولا يقتصر عدمُ القبولِ على "حكمتُ"، بل يتعدَّى أيضًا إلى قولِهِ: "لست حكمت بكذا"، فلا يقبلُ منهُ، ولا يقبلُ منهُ: "ثبتَ عندي كذا"، ولا "عقدتُ عقد النكاح على فلانة لفلان"، ولا "بعتُ كذا على فلانٍ"؛ لأنَّه كان تحت حجري من جهة الحكم أو كان ممتنعًا من وفاء الدين، نعم لو قال: "صرفت مال الوقف بجهته العامة" قُبِلَ منه ذلك، ولو قال: "صرف في عمارتِهِ كذا" مما يقتضيهِ الحالُ؛ فإنَّهُ يقبلُ منهُ ذلك.
ولو قالَ: "المالُ الذي في يد الأمين سلمته إليهِ زمنَ قضائي، وهو لزيدٍ" وصدَّقه الأمينُ على أنَّه تسلَّمهُ منه، وادعَى أنه لعمرٍو، فالقولُ قولُ القاضي بلا يمينٍ، ولا يغرمُ الأمينُ لعمرٍو شيئًا على الأرجحِ.
ولو لم يصدقه الأمينُ في تَسَلُّمِه فالقولُ قولُ الأمينِ، ولو شهدَ مع آخرَ بحكمِهِ لم يُقبلْ على الصحيحِ، أو يحكم حاكم جائز الحكم قُبلتْ على الأصحِّ إذا لم يعلم القاضي أنَّه شهد على فِعْلِ نفسِهِ، فإن علم فلا فرقَ بين

الجزء: 4 - الصفحة: 325

المطلقِ والمضافِ.

وإذا ادعَى شخصٌ على معزولٍ أنَّه أخذَ مالَهُ رشوةً أو أخذَ منهُ مالًا بِشهادة عبدين أو غيرهما مما لا تقبلُ شهادتُه ودفعه إلى فلانٍ الذي قامتْ له عنه لا تقبل أحضره أو وكَّله، و

فصل

الخصومةِ بينهما، وإن قال: حكم على شهادة من لا تقبلُ شهادتُهُ ولم يذكرْ مالًا أخذَهُ منهُ ودفعَهُ لخصمِهِ، أحضر أو وكيله على الأصحِّ.
وقيلَ: لا يحضرُهُ حتَّى تقومَ بينةٌ بدعواهُ، وإذا حضرَ وأنكرَ صدق بلا يمينٍ على الأصحِّ.
وإذا ادَّعى على قاضٍ جور لم يحضره إلى أن يقومَ عنهُ بما يدعيه المدَّعِي المذكور، فإن شكي إلى الإمامِ ورأى إحضارَهُ أحضرَهُ؛ لأنَّ إحضارَ الإمامِ له ليسَ نقصًا في حقِّهِ.
وكذا نائبُ الإمامِ العامِّ، فأمَّا قاضٍ مثلُهُ فليسَ له ذلكَ إلَّا إذا اشتُهِرَ جورُ ذلكَ القاضي، فيستغني بذاكَ على البينةِ، وإذا قامتِ البينةُ فحضَرَ القاضي وأوقع الطالبُ عليه الدَّعوى فأجابَ بالإنكارِ، وتعذَّرَتِ إقامةُ البينةِ فلا يحلفُ القاضِي، وإن لم يتعلَّق بحكم حكم بينهما خليفته أو غيرِه لفصلِ الخصومةِ.


فصل يستحبُّ 18 للإمامِ ولقاضي الإقليمِ أَنْ يكتُبَ كلٌّ منهما ولايةَ العملِ لمن يولِّيه القضاءَ بما فوَّضهُ إليه، وما يشترطُهُ عليه، وإن أرادَ أن يشهدَ بالكتابِ شاهدًا واحدًا للإخبارِ بذلكَ فلَهُ ذلكَ؛ لأنَّ المدارَ على الإخبارِ لا على

الجزء: 4 - الصفحة: 326

قواعدِ الشَّهادةِ.
وتكفي الاستفاضَةُ على الأصحِّ، ومجردُ الكتابِ على المنصوصِ، مع قولِ المتولِّي، وظهورِ مخايلِ الصِّدقِ على المذهبِ.
ويبحثُ القاضي عن حالِ علماءِ البلدِ وعدُولِهِ، ويدخلُ يومَ الاثنينِ، فإن تعسَّرَ يومُ الاثنينِ فالخميسُ، وإلَّا فالسَّبتُ، ويستحبُّ أن يكونَ دخولُهُ صبيحةَ النهارِ، وينزلُ وسطَ البلدِ، وينظرُ أولًا في أهلِ الحبسِ، إن لم يكنْ هناك أمرٌ أهمَّ من المحبوسينَ.
فإن كانَ هناكَ أمرٌ أهمَّ من النَّظرِ في المحبوسينَ قدَّمه عليهم، فمن ذلك المحاجيرُ الجائعونَ الذين يجب نظره 19، وما أشرفَ على هلاكٍ من الحيواناتِ في التركاتِ وغيرِها، وما أشرفَ من الأوقافِ وأملاكِ محاجيرهِ على السُّقوطِ، بحيثُ يتعيَّنُ الفورُ فيهِ بتدارُكٍ، ونحوَ ذلكَ 20. وذكرَ الماورديُّ وغيرُهُ 21 أنَّ أولَى الأشياءِ التي يفعلها القاضي بعد قراءَةِ تقليدِهِ قيل: النظرُ في المحبسينِ، وغيرهم، وتَسَلُّمُ 22 المحاضرِ والسجلاتِ من القاضِي المنصرفِ، ليحفَظَ على أصحابِها، وكذا تسلُّم أموالِ الأيتامِ والضوال والوقوف 23. وما ذكرنا نحنُ تبعًا لشيخنا أهمُّ وأولَى.
وإذا نظرَ في أهلِ الحبسِ فمن اعترفَ أنَّه حُبسَ بحقٍّ أمضى الحكمَ عليهِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 327

ولو كانَ الحقُّ تعزيرًا ورأى القاضِي إطلاقَهُ فلَهُ ذلكَ، كما جزَمَ به الغزاليُّ، قال الرافعيُّ: وسكتَ المعظم عنه، ولو بانتْ جنايتُهُ عند الثاني وأراد إدامة حبسه فالقياسُ الجواز 24. انتهى.
وقد جزمَ الماورديُّ والرويانيُّ بما قالَه الغزاليُّ.
وإن لم يستكمل مدَّةَ حبسِهِ مع بقاء نظرِ الأوَّلِ؛ لأنَّ القاضي الثاني لا يُعزر لذنبٍ كانَ مع غيرِهِ لكن لا يطلق حتى ينادي عليه، لاحتمالِ أنَّه حبسَ لخصمٍ أنكره، ويحلفه عليه، وإن قال المحبوسُ: "حبستُ ظلمًا" فعلى خصمِه حجة، ويُصَدَّق بيمينه.
كذا جزَمَ به في "الروضة" 25 تبعًا للشرحِ.
قال شيخُنا: وهذا الذي جزَما بهِ عندنا ممنوعٌ؛ فإنَّ المحبوسَ إذا قالَ: حبسني الحاكمُ المنصرفُ ظلمًا فقدِ اعترفَ بحبسٍ صدرَ من الحاكِمِ، وادَّعى أنَّ الحاكمَ ظلمَهُ فيهِ، وخصمُهُ يدَّعي أنَّ الحاكمَ حبسَهُ بحقَّه الذي له عليه، فالظاهرُ أنَّ حبسَ الحاكمِ يكونُ على الوجهِ المعتبرِ بالمحبوسِ حينئذٍ هو المدَّعِي، وخصمه هو المُدَّعَى عليه، فالقولُ قولُ خصمِهِ بيمينِهِ، ولا يكلَّفُ خصمُه الحجَّةَ؛ لأنَّ معهُ حجَّةً سابقةً، قدِ اعترفَ المحبوسُ بها، وهي أنَّ الحاكمَ حبسَهُ.
وقد جزمَ الفوارنيُّ بأنَّه لا يقبلُ قولُهُ، وأصابَ في ذلكَ، وكذا ذكرَ الماورديُّ في "الحاوي" 26 أنَّ دعوَى المحبوسِ أنَّ الحاكمَ حبسَهُ

الجزء: 4 - الصفحة: 328

بغيرِ حقٍّ، ولغيرِ خصمٍ مخالفةٌ للظاهرِ من أحوالِ القضاةِ، وحبسهُ حكمٌ فلا ينقض إلَّا بيقينِ الفسادِ، والعمل على بيِّنةٍ إنْ كانتْ، فإنْ شهدتْ أنَّه حبسَ بحقٍّ عُزِّرَ في جرحِهِ لحابِسِهِ، أو ظلمًا نادى ثلاثًا في حضورِ خصمٍ إن كانَ لهُ، وأطلق بعدَ الثلاثِ إنْ لم يحضرْ، وإن لم تَقُمْ بينةٌ بأحدِ الأمرينِ أعادَهُ إلى حبسِهِ، ويكشفُ عن حالِه، فمَن كانَ مقيمًا في حبسِهِ حتَّى ييأسَ القاضِي بعد الكشفِ منْ ظُهورِ حقٍّ عليه، وطالبَهُ بكفيلٍ، ثم أطلقَهُ، فإنْ قيلَ فالكفالَةُ في النفسِ لا تصحُّ إلَّا فيمن ثبتَ عليه حقٌّ.
قِيلَ الحبسُ من جملةِ الحقوقِ، فإن عدم كفيلًا استظهرَ في بقاءِ حبسِهِ على طلب كفيلٍ، ثم أطلقَهُ عندَ إعوازهِ، وهو غايةُ ما يقدرُ عليه القاضِي من استظهارِهِ 27. فإنْ كانَ غائبًا، وهو في غيرِ محلِّ ولايتِهِ، فلا يحضرُه، وإن كانَ في ولايتِهِ وهناكَ نائبٌ لم يحضرْه، بل يكتبُ إليه بما جرَى ليسمعَ جوابَ الخصمِ، وإن لم يكُن هناكَ فيحضرهُ من مسافَةِ العدوى 28 فقط، إذا أقامَ المحبوسُ بينةً على ما يدَّعيهِ من الظُّلمِ.
ثم ينظرُ القاضِي في الأوصياءِ، فمن ادَّعى وصايةً سألَ عنها، فإن أقام بينةً بأنَّ القاضي المعزولَ نفذَ وصايتَهُ وأطلقَ تصرُّفَهُ سألَ عن حالِهِ وتصرُّفِه، فمن وجدَهُ فاسقًا أو شكَّ في عدالتِهِ أخذَ منهُ المالَ، وإن كانَ أمينًا عضَّدَهُ بمعين 29.

الجزء: 4 - الصفحة: 329

ويتخذ دِرَّةً أو سوطًا للتأديبِ، وسجنًا لأداء حقٍّ ولتعزيرٍ، وينبغي أن يكونَ له مزكُّونَ وأصحاب مسائل، فالمُزَكُّون هم الذينَ يبعثُهم إلى المُزَكِّينَ ليبحثُوا ويسألُوا، وكاتبًا 30. شرطُهُم صفةُ الشهودِ، وينبغي أَنْ يكونَ الكاتبُ عارفًا بكتابةِ محاضرَ وسجلاتٍ، ويستحبُّ فقهٌ ووفورُ عقلٍ، وجودَةُ خطٍّ.
ويتخذُ مترجمًا، وشرطُهُ عدالةٌ وحريةٌ، وعددٌ إن كانتِ الترجمةُ عن الدَّعوى مطلقًا أو عن الإنكارِ، أو عن الإقرارِ بغيرِ المالِ، ولا تثبتُ حينئذٍ برجلٍ وامرأتينِ، بل لا بدَّ من عدلينِ 31 وإن كانتِ الترجمةُ عنِ الإقرارِ بالمالِ تثبتُ برجلٍ وامرأتينِ، والأصحُّ جوازُ ترجمة أعمَى إن كانَ أهلُ المجلسِ سكوتًا، فإنْ كانَ هناكَ كلامٌ، واحتملَ حصولُ الإلباسِ بذلك فلا تقبلُ شهادتُهُ بالترجمةِ قطعًا.
ويشترطُ العددُ في استماعِ القاضِي الذي به صممٌ على الأصحِّ، فإن كانَ القاضِي والخصمانِ صمًّا اشترطَ العددُ في إسماعِهم قطعًا 32. ويستحبُّ أَنْ يكونَ مجلسَهُ فسيحًا بارزًا مصونًا من أذى حرٍّ وبردٍ، لائقًا بالوقتِ والقضاء 33. ويكرهُ اتخاذُ المسجدِ مجلسًا للقضاءِ، ولا بأسَ في فصلِ ما يعرض وتغليظ يمينٍ به.

الجزء: 4 - الصفحة: 330

ويكرهُ أَنْ يقضي في حالِ غضبٍ وجوعٍ وشبعٍ مفرطينِ، وكلِّ حالٍ يحيلُ به فكره 34 وإذا كانَ الغضبُ يخرجُهُ عن طريقِ الاستقامةِ حرمَ عليهِ القضاءُ في هذه الحالةِ.
وإذا احتدَّ احتدادًا لا يمنعُه من الاسْتدادِ 35، وكانَ احتدادُه ذلك للَّهِ تعالى فلا كراهةَ في هذه الحالَةِ.
ويستحبُّ أَنْ يُشاورَ الفقهاءَ 36، وأنْ لا يبيعَ ويشترِي بنفسِهِ إذا أمكنَهُ أَنْ يفعلَ ذلكَ غيرُهُ، فإن لم يمكنْهُ ذلكَ وتعاطاهُ بنفسِهِ لم يكنْ مخالفًا للندبِ، ولكن لا يتعاطاهُ في مجلسِ الحُكمِ 37. ولا يكونُ لهُ وكيلٌ معروفٌ.
فإنْ أهدى إليهِ مَن له خصومة أو لم يهد له قبلَ ولايتِه حرمَ عليه قبولها، ولا يحصلُ له فيها ملأ إن قبلهَا على الأصحِّ.
ومَن أهدى إليهِ في غير محلِّ ولايتِهِ ولا خصومةَ له، فلا يحرُمُ قبولُها.
وإن كانَ يُهدي قبل ولايته، ولا خصومة له جازَ بقدرِ العادةِ 38، فإنْ زادَ زيادةً تتميز عن المعتادِ حرمَ قبولُ الزيادةِ، وإن كانتِ الزيادَةُ لا تتميزُ فالكلُّ حرامٌ، ولا يجوزُ أَنْ يقبلَ من ذلكَ شيئًا.
والأولى أن يُثبتَ على ما يجوزُ له قبوله 39.

الجزء: 4 - الصفحة: 331

ولا ينفذُ حكمُهُ لنفسِهِ ولا عليها 40، أمَّا الأوَّلُ فللتهمةِ، وأما الثانِي فلئلَّا يؤدِّي إلى اتحادِ الحاكمِ والمحكومِ عليه، والحاكمُ لا بدَّ أن يكونَ غيرَ المحكومِ عليه، وتستثنَى صورٌ تتضمنُ حكمُه فيه الحكمَ لنفسِه وهو نافذ: الأولى: إذا حكمَ لمن هو تحتَ نظرِهِ بجهةِ الحكمِ من يتيمٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ بالمالِ، فإنَّه ينفَّذُ، وإن تضمَّن ذلكَ أنهُ يستولي على المالِ.
الثانيةُ: وصي اليتيم يتولَّى القضاءَ في بلدِ إقامةِ اليتيمِ، فيسمعُ البينةَ ويحكمُ لليتيمِ بالمالِ على الأصحِّ في "الروضة" تبعًا للشرحِ.
ورجَّح شيخُنا المنعَ تبعًا لابن الحداد، والقاضي أبي الطيب، وعليه لا استثناء.
الثالثةُ: الأوقافُ التي تحتَ نظر الحاكمِ بجهةِ الحكم، يقضِي فيها بالمالِ على مَن عليه من مستأجرٍ وغيرهِ.
الرابعةُ: ناظرُ وقفٍ خاصٍّ تولَّى الحكم، إذا رُفعتْ إليهِ قضيَّةٌ تتعلَّقُ بالوقفِ الذي هو ناظرُهُ، ففي حكمِهِ ذلك الخلافُ السابقُ في صورةِ الوصيِّ على اليتيم يتولَّى الحكمَ ببلدِ اليتيم.
الخامسةُ: الأوقافُ التي فيها شرطُ النَّظرِ للحاكِمِ، أو انقطَعَ فيها شرطُ النَّاظرِ الخاصِّ، وصارَ النظرُ بجهةِ الحكمِ للحاكِمِ أَنْ يحكمَ بِصِحَّتِها وموجبها، وإن كانَ يتضمَّنُ ذلك الحكمُ لنفسِهِ في الاستيلاءِ والتصرُّفِ.
السادسةُ: إذا ماتَ مَن لا وارثَ لَهُ أو لهُ من الورثةِ مَن لا يستغرقُ ماله، وارتفعتْ للإمامِ قضيتُه أو قضية تتعلقُ بأملاكِ بيتِ المالِ، فإنَّهُ يحكمُ في ذلكَ كلِّهِ، وإنْ كانَ يصرفُ إليهِ في جامِكيَّتِهِ ونحو ذلكَ والتُّهمةُ هنا أبعدُ منهُ في الذي قبله ولا ينفذ حكمه لرقيقه 41.

الجزء: 4 - الصفحة: 332

ويستثنى من ذلك صور

ٌ: أحدها: إذا وجبَ لرقيقِهِ شيءٌ قبلَ أن يكونَ رقيقًا، بأنْ جنَى مسلمٌ أو ذميٌّ أو معاهدٌ على حرٍّ ذميٍّ أو معاهدٍ بقطعِ طرفه، ثم نقضَ المجنيُّ عليه العهد، والتحقَ بدارِ الحربِ، ثم استرقَّ، ووصلَ ملكه إلى حاكمٍ فادَّعى عند الحاكمِ المذكورِ على الجاني الذي جنَى عليهِ بالجنايةِ الصَّادِرَةِ في حالِ حريَّتِهِ، فإنَّ الحاكم المذكور يسمع الدعوى، ويحكمُ على الجاني بالبيِّنةِ، أو بإقرارِهِ بما يقتضيه الحالُ.
قال شيخُنا: وإنما جوزنا له ذلك؛ لأن المدعي بالنسبة إلى الجناية المذكورَةِ كحرٍّ أو عبدِ غيرِهِ، ومجردُ كونِهِ مالكًا لا يمنعُ الحكمَ في هذه الصُّورَةِ، وأطالَ شيخُنا الكلامَ على ذلكَ في تصحيح "المنهاجِ".
الثانيةُ: العبدُ الموصَى بإعتاقِهِ الخارج من الثُّلثِ إذا قلنا إنَّ كسْبَهُ له دونَ الوارث، وكان الوارثُ حاكمًا فادَّعى العبدُ عندَهُ فإنَّه تسمع دعواه، ويُحكم لهُ، فإنَّه لا حقَّ لَهُ في الكسبِ واحتمالِ أن يموتَ، فينتقلُ له بعيد لا يمنعُ من الحكمِ، وهكذا المنذورُ إعتاقُه، وهي صورةٌ ثالثةٌ.


ولا ينفذُ حكمُهُ لشريكِهِ في المشتركِ، إلَّا إذا حُكمَ له في المشتركِ بشاهدٍ ويمينه، فإنَّه يجوزُ أن يحكمَ حينئذٍ، ولا يشاركُه فيه شريكه، ولا ينفذُ حكمُهُ لأصلِهِ ولا فرعِهِ على النصِّ 42، إلَّا في الصُّورِ التي ينفذ حكمه فيها لنفسهِ، فإنَّه ينفذُ حكمُهُ فيها لهما، ويحكمُ له ولهؤلاءِ الإمامُ أو قاضٍ آخر، أو نائبِهِ على الصحيحِ، أو المحكم، ولا يحكم على عدوِّه، والمدارُ على أنَّ القاضيَ يقضي لمن يشهدُ لَهُ، وعلى من يشهدُ عليهِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 333

وإذا أقرَّ المدعى عليهِ أو نكَلَ 43 فحلفَ المدَّعي، أو أقام بينة وسأل القاضي أن يشهدَ على إقرارِه عنده أو يمينه، أو الحكم بما ثبتَ والشهادةَ بهِ لزمَهُ، وإن سأل المدعى عليه القاضي الإشهاد بمالِهِ في مصلحةٍ فإن حلفه المدعي فسأل المدعى عليه القاضي في الإشهادِ بما جرى ليكونَ حجةً له، فلا يطالبه مرة أخرى بالحلف لزمه إجابته.
وإن سأل المدعي القاضي أن يكتبَ له محضرًا بما جرَى من غيرِ حكمٍ، أو سجلًا بما حكمَ استحبَّ إجابتُهُ، وقيل: يجبُ إذا كانَ هناكَ قرطاسٌ من بيتِ المالِ، أو أتى الطالبُ به، أو تبرَّعَ به متبرِّعٌ، وإلَّا فلا يأتي وجه الإيجابُ.
ويُستحبُّ كتابةُ نسختين: إحداهما له، والأخرَى تحفَظُ في ديوانِ الحكمِ.
وإذا حكمَ بنصٍّ ثم بانَ أنَّه منسوخٌ كانَ منقوضًا، وكذا لو حكَمَ بعمومِ نصٍّ ثُمَّ بانَ أن تلكَ الصورةَ المحكومَ فيها بمقتضَى العمومِ خُصَّتْ بدليلٍ، فإنَّهُ منقوضٌ أيضًا، وكذا لو حكَمَ بالاجتهادِ، ثمَّ بانَ خلافُهُ بنصِّ كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ أو قياسٍ جليٍّ، وكذا إذا خالفَ عمومَ كتابٍ أو سنَّةٍ كانَ قضاؤهُ منقوضًا من غيرَ احتياجٍ إلى نقضٍ لكونِهِ ومعَ فِي نفسِهِ غيرَ معتبَرٍ.
ويلزمُ القاضي تعريفُ الخصمينِ صورةَ الحالِ ليترافعَا إليِهِ فيُنقضُ الحُكمُ، وإنْ عَلِمَا أنَّهُ بانَ له الخطأُ على الصَّحيحِ، هذا في حقُوقِ الآدميينَ، أمَّا ما يتعلَّقُ بحدودِ اللَّهِ تعالَى، فيبادِرُ إلى تدارُكِهِ إذا بانَ له الخطأُ 44. وأمَّا الأبضاعُ، فإذا حكَمَ القاضي بنكاحٍ ثم بانِ له الخطأ فيهِ بواحدٍ من الطُّرقِ المذكورةِ التي يتبيَّنُ بِهَا أنَّ حُكمَهُ صدرَ باطلًا لزمَهُ المبادَرَةُ إلى التفريقِ بينَ الزوجينِ 45.

الجزء: 4 - الصفحة: 334

وحكمُ القاضِي الإنشاء، كفسخِ النِّكاحِ، بطريقٍ من الطُّرقِ المسوغةِ، كذلكَ إنْ ترتَّبَ على أصلٍ صادقٍ ولم يكنْ في محلِّ اختلافِ المجتهدينَ فإنَّه ينفذُ ظاهرًا وباطنًا قطعًا، وإن كانَ هذا الإنشاء المترتبُ على أصلٍ صادقٍ في محلِّ اختلافِ المجتهدينَ نفذَ ظاهرًا، وكذا باطنًا على الأصحِّ، وإن ترتَّبَ على أصلٍ كاذبٍ لم ينفذ باطنًا.
وإن لم يكنْ حُكمُ القاضي إنشاء، وإنما هو تنفيذٌ لما قامتْ بهِ الحُجَّةُ وكانتِ الحُجَّةُ موافقة لما في الباطنِ نفذَ ظاهرًا وباطنًا.
وإن لم يكنْ موافقةً لما في الباطِنِ فإنَّه ينفذُ ظاهرًا لا باطنًا 46. ولا يقضِي بما يعلمُ خلافَهُ، لكنْ لو أقرَّ الخصمُ عندَ القاضِي بدينٍ قد علمَ القاضِي أنَّ المقرَّ له أبرَأَهُ وكانَ ذلكَ الإبراءُ بحضورِ المقرِّ، وذكَّرَهُ القاضِي بهِ أو بغيرِ حضورِهِ وعَرَّفهُ القاضِي بالإبراءِ، فقالَ المقرُّ: أعرفُ ما صدرَ منهُ من الإبراءِ، ومع ذلكَ فدينُهُ باقٍ عليَّ، فإنَّ القاضِي يقضِي على المقرِّ بما أقرَّ بِه.
وإنْ كانَ على خلافِ ما علِمَهُ القاضِي؛ لأنَّ الخصمَ قد أقرَّ بما يرفعُ علمَ القاضِي 47. ولو رأى الحاكمُ شخصًا يزنِي، وعلم زناهُ، وقذَفَهُ شخصٌ، وثبتَ عندَ القاضِي أنَّه قذفَهُ القذفَ الموجبَ للحدِّ وطلبَ المقذوفُ من القاضِي أن يحدَّ القاذِفَ.
قال شيخُنا: فالذي أجبتُ فيها أنَّ الحاكمَ يُجيبُهُ لذلكَ؛ لأنَّ القاذِفَ إذا لم يأتِ بالشهداء كاذبٌ في حكمِ اللَّهِ تعالى، فيمامُ عليه الحدُّ، وحدودُ اللَّهِ لا يقضي فيها بعلمِهِ، فيقضي فيها بخلافِ علمِهِ.
كذا استثني هاتينِ الصُّورتينِ شيخُنا، وقال: إنَّه لم يرَ مَن تعَرَّضَ لهُما.
وينبغي أَنْ يكونَ المرادُ هُنا بالعلمِ ما هو الأعمُّ من المستيقَنِ والظَّنِّ

الجزء: 4 - الصفحة: 335

المؤكَّد، وآخرُ كلامِ الرَّافعيِّ يقتضي قصره على الثاني، وأظهَرُ الأقوالِ أنَّه يقضي بعلمِهِ إلَّا في عقوبةِ اللَّهِ تعالى، ويستثنى ما علمه من جهةِ التواتُرِ الظَّاهِرِ، فإنَّه يقضي فيه بعلمِهِ على الطريقةِ المقطوعِ بها، وكذلكَ الجرحُ والتَّعديلُ فإنَّه يقضِي به على الطريقةِ المقطوعِ بِها.
وإذا ظَهَرَ للقاضِي من الخصمِ في مجلسِ الحُكم 48 ما يقتضي تعزيرًا عزَّرَهُ، وهذا من القضاءِ بالعلمِ، وليسَ كما لو أقرَّ؛ لأنَّ الإقرارَ مستند الحكمِ.
وإذا صَدَرَ منهُ ما يُوجبُ الحدَّ في مجلسِ الحُكم على رءوسِ الأشهادِ فإنَّهُ يُقيمُ عليه الحدَّ كما إذا ارتدَّ في مجلسِ الحُكمِ، فإنَّ القاضِي يحكُمُ عليهِ مستندًا لإصرارِهِ على الرِّدَّةِ بعد استتابتهِ بضربِ عنقِهِ.
وكذا لو شَرِبَ الخمرَ في مجلسِ الحُكمِ، أو زنا، وكذا إذا اعترَفَ على مَن عليه الحدُّ بالحدِّ ولم يرجعْ عَن إقرارِهِ، فإنَّ القاضِي يقضي فيه بعلمِهِ سواء اعترفَ بحضرةِ الناس أم اعترفَ سرًّا.
وإذا علمَ القاضِي من مكلَّفٍ أنَّه أسلمَ وظهرَ منهُ الرِّدَّةُ فقد أفتى شيخُنا بأنَّ القاضِي يقضِي بعلمِهِ بالإسلامِ، فإنْ أسلَمَ الرجلُ فذاكَ، ويؤمرُ بقضاءِ ما فاتَ من الصلواتِ المفروضاتِ في زمنِ الرِّدَّةِ المذكورةِ، ويفرَّقُ بينَهُ وبينَ زوجَتِهِ التي لم يدخُلْ بِهَا، وكذا التي دخلَ بها إن انقضَتْ عدَّتُها في زمانِ ردَّتِهِ، ولو ماتَ له قريبٌ أو عتيقٌ أو زوجةٌ فلا ميراثَ لَهُ من واحدٍ من هؤلاءِ.
وإن لم يسلمْ وأصرَّ على الكُفرِ فيضربُ عنقُهُ بقضاءِ القاضِي بعلمه بإسلامِهِ، وذلك يقتضي بإظهارِ الكُفرِ أنَّه مرتدٌّ، فيقتلُ بكفرِهِ مترتبًا على حُكمِ القاضِي بعلمِهِ بإسلامِهِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 336

وإذا رأى ورقةً فيه حكمُهُ أو شهادتُهُ، أو شهد شاهدانِ أنَّك حكمتَ بكذَا أو شهدتَ بكذا يعملْ بِهِ، ولم يشهدْ حتَّى يتذكَّرَ هذا في حقِّ غيرِهِ، أما في حقِّ نفسِهِ فيجوزُ أن يعملَ به، وإن لم يتذكَّرْ.
فإذا رأَى ورقةً فيها حكمُهُ بعينٍ في يدِ شخصٍ، أو دينٍ على شخصٍ لأخيهِ، أو لعتيقِهِ، أولغيرهما، ممن ينفذُ حكمهُ لهُ، وماتَ المحكومُ لَهُ وورثَهُ الحاكمُ، ووجد العينَ في يدِ ذلكَ الشَّخصِ فطالبَهُ بها فأنكرَ وردَّ اليمينَ على الوارثِ الحاكمِ، فإنَّهُ يسوغُ لهُ أن يحلفَ بمقتضَى ما وجدَهُ من حكمِهِ، وكذلك لو طالب المديونَ بالدَّينِ فأنكرَ ونكَلَ عنِ اليمينِ، وردها على المدعي.
وكذلكَ لو أقامَ شاهدًا بذلكَ، فإنَّه يجوزُ أن يحلفَ معه في الصورتينِ، ولا يختصُّ ذلكَ بمن ورثَهُ، بل لو حكمَ لشخصٍ أجنبيٍّ بذلك، واشترى منهُ العينَ أو أحالَهُ بالدينِ، فإنَّه يأتِي فيه ما تقدَّم من الحلفِ عندَ النُّكولِ، ورد اليمينِ وعند شهادةِ الشَّاهدِ 49. وكذلكَ إذا شهِدَ شاهدَانِ أنَّكَ حكمتَ بكذا أو شهدتَ بكذا، فإنَّه يجوزُ أن يحلفَ كما تقدَّمَ؛ لأنَّه أقوى من مجردِ وجودِ الورقةِ المتضمِّنة لما ذكرَ، ولَهُ الحلفُ على استحقاق حقٍّ أو أدائِه اعتمادًا على خطِّ مورثِه أو خطِّ نفسِهِ، والظنُّ المؤكَّد الحاصل من نكولِ الخصمِ، أو شهادةِ الشاهدِ الواحدِ كافٍ في ذلكَ من غير احتياجٍ إلى الخطِّ 50. وتجوزُ روايةُ الحديثِ بخطٍّ محفوظٍ عندَهُ الأصح 51، قاله شيخُنا، وكذا غير محفوظٍ بالمعتمدِ عندَ العلماء قديمًا، وحديثًا العملُ بما يوجدُ من

الجزء: 4 - الصفحة: 337

السَّماعِ أو الإجازَةِ تفريعًا على جوازِها مكتوبًا في الطباقِ التي يغلبُ على الظِّنِّ صحتها، وإن لم يتذكَّرِ السماعَ ولا الإجازَةِ، ولم تكنِ الطبقةُ محفوظة عندَه (1).


فصل

تجبُ التسويةُ بين الخصمين 53 في الدُّخولِ عليه إذا جاءا معًا، ولم يكنْ للمدَّعي إلَّا خصمٌ واحدٌ، وقيام لهما إذا كانَا مستويينِ، فإن كانَ أحدُهما ممن يعتادُ القاضي القيامَ لهُ، والآخرُ لا يعتادُ القاضي القيامَ لَهُ فينبغي تركُ القيامِ.


. . . 54 وجه واستماع لهما، وجوابٌ وسلامٌ إنْ سلَّمَا معًا، فإن سلَّم واحدٌ ولم يسلِّمِ الآخرُ صبَرَ حتَّى يُسلمَ الآخرُ، فإن لم يُسلِّمْ فلا بأسَ أَنْ يَقولَ لَهُ: "سلِّمْ"، فإذا سلَّم أجابَهما.
ويجلسُ، فيجلسهما بين يديهِ، والأصحُّ رفع مسلمٍ على ذميٍّ فيما تقدَّم، وإذا جلسا فلَهُ أن يسكتَ، وله أن يقولَ: "ليتكَّلمَ المُدَّعِي منكما" حيثُ لم يكن كلٌّ منهما مدعيًا ومدَّعى عليه.
فإن كانَا كذلكَ قال لَهُما تكلَّما، وإن سكتا عن تعبٍ ونحوِهِ أمهلَ عليهما حتَّى يزولَ ما بهما.
والأولى للقاضي أن يسكتَ، ويكونَ القائلُ لهما ذلكَ مَن يُقيمُهُ القاضِي52

الجزء: 4 - الصفحة: 338

لهذا الأمرِ ونحوِهِ، وهو الذِي يُطلقُ عليهِ نقيب القاضي.
فإذا ادَّعى المُدَّعِي وقال للقاضي: "سَلْهُ جوابَ دعوايَ".
طالبَ القاضِي خصمَهُ بالجوابِ، فإنْ أقرَّ بالمدعَى، فللمدعي أَنْ يطلبَ من القاضي الحُكمَ عليه، وحينئذٍ يحكمُ بأنْ يقولَ: "اخرجْ من حقِّه" أو "ألزمتُك" وما أشبههما، وإن أنكَرَ فالأولى للمدَّعِي ألكَ بينة إن تردَّد في أن المدعي عالمٌ بالحكم، أو لم يعلم، وإن علمَ أن المدعِي عالمٌ بالحكمِ فالأولَى أن يسكتَ، وإن علمَ أنَّه جاهلٌ بأنَّ هذا موضِعُ البينةِ وجبَ الإعلامُ بما يُزيلُ جهلَهُ.
وإن كانَ ذلكَ الشيءٌ مما يثبتُ بالشَّاهدِ واليمينِ، والقاضِي يعلمُ جهلَ المُدَّعِي بالاكتفاءِ بذلكَ، فيجبُ عليه أن يقولُ: "ألكَ بينةٌ أو شاهدٌ مع يمينك" وإن تردد استُحِبَّ أن يعلمَهُ بذلكَ، وإن كانَ اليمينُ في جانبِ المدَّعِي كما في الدَّعوى بالقتلِ في محلِّ اللوثِ الثابتِ، فإنَّ القاضِي عند إنكارِ المدَّعَى عليه القتلَ خاصّة وهو معترفٌ بأنَّه كانَ مع القومِ الذينَ تفرَّقُوا عنهُ يقول: للمدَّعِي الحلف خمسين يمينًا أنَّ هذا قتلَ مورِّثَكَ على حسبِ ما وقعتِ الدَّعوى به.
ومن هذه المادَّةِ ما إذا ادَّعى على زوجتِهِ أنَّها زَنَتْ، فأنكرتِ الزِّنا، فيقولُ لَهُ القاضِي: "أتلاعِنُها؟ " ولا يقولُ: "ألكَ بينةٌ؟ ". وإنِ ادَّعى القاذِفُ أنَّ المقذوفَ زنَا، فأنكَرَ المقذوفُ فيندَبُ للقاضي أن يبينَ لَهُ الحالَ من أوَّلِ الأمرِ تغليظًا عليهِ، فيقولُ لَهُ: "ألَكَ أربعةٌ من الشُّهودِ يشهدُونَ بالمعاينةِ؟ " لعلَّه أن يرجعَ عمَّا ادعاهُ.
ولو قالَ له: "ألكَ شاهدَان يشهدانِ على إقرارِهِ بالزِّنا؟ " جازَ.
وإذا قالَ المدَّعِي: "لي بينةٌ، وأريدُ تحليفَهُ" فله ذلك إذا كانَ يدَّعي لنفسه وهو حرٌّ رشيدٌ مطلقُ التَّصرُّفِ، أو "لا بينةَ" لي قبلتْ في الأصحِّ إذا كانَ قائلُ ذلكَ ممن يؤاخذُ بإقرارِهِ، وأن لا يذكر

الجزء: 4 - الصفحة: 339

تأويلًا لقوله: "لا بينة لي" فإن كانَ محجورًا عليه بالسَّفهِ ثم أحضرَ بينته قُبلتْ قطعًا، وإن ذكرَ الذي يؤاخذُ بإقرارِهِ تأويلًا لقوله بأن قالَ: "كنتُ ناسيًا أو جاهلًا بها" فتقبل بينته قطعًا.
وأمَّا الوليُّ أو الوكيلُ إذا قالَا ذلكَ، ثم أحضرَا البينةَ، فإنَّها تقبلُ قطعًا؛ لأنهما وإن كانَا يؤاخذانِ بإقرارِهما إلَّا أنَّ إقرارَهما لا يؤثِّرُ في حقِّ الأصلِ.
وإذا ازدحمِ خصومٌ قُدِّمَ الأسبقُ وجوبًا، وهو المدعي وخصمه، فإن كانَ السابقُ كافرًا فلا يقدِّمُهُ قاضي المسلمينَ على المسلمين.
قالَ شيخُنا: وهذا لا يُوقف فيه، ولم أرَ من تعرَّضَ له.
ومحلُّ الوجوبِ إذا تعيَّنَ على القاضي فَصْلُ الخصوماتِ، فإن لم يتعيَّن عليه ذلك قدَّم مَن شاء.
وإذا لم يكنْ لَهُ رزقٌ من بيتِ المالِ، وقال للخصمينِ: "لا أقضِي بينكما حتَّى تجعلَا لي رزقًا"، فجعلَا لَهُ رزقًا، جازَ.
وقضيةُ هذا أنَّ لَهُ تقديمَ مَن جعَلَ لَهُ الرزقَ، وإنْ كانَ مسبوقًا، فإنْ جهلَ أو جاءوا معًا أقرَعَ حيثُ لم يكثرُوا، فإن كثرُوا بحيثُ تتعذَّرُ القرعةُ، فإنَّه يُثبتُ اسمَ كلِّ واحدٍ منهم في رقعةٍ مفردَةٍ ويطويهَا بينَ يديهِ، ثم يُخرجُ رقعةً رقعةً ويرتِّبُهُم على ما تخرجُ بهِ رقاعُهم، ولو غطَّاهَا كانَ أولَى.
ويجوزُ تقديمُ مسافرينَ مستوفزِينَ ونسوةٍ، ون تأخروا، وكذلكَ يقدَّمُ المريضُ المسبوقُ الذي يستضرُّ بالصبر إن كانَ مطلوبًا، ولا يقدِّمُهُ إذا كانَ طالبًا.
ولا يُقدَّمُ سابقٌ وقارعٌ إلَّا بدعوى واحدةٍ، وأمَّا المقدَّم بالسفرِ فإن كانت دعاويه قليلةً أو خفيفةً بحيثُ لا يضرُّ بالباقينَ إضرارًا بيِّنًا قُدم بجميعها، وإلَّا فيقدَّمُ بواحدةٍ.

الجزء: 4 - الصفحة: 340

ويحرمُ اتخاذُ شهودٍ مُعَيَّنين لا يُقبل غيرهم، وإذا شهدَ شهودٌ فعرفَ ما يقتضي قبولَ شهادتِهم أو ما يردُّ شهادتهم عمل به، وإلَّا وجب الاستزكا، والواجبُ أن يطلبَ بيان عدالة الشاهدِ عندهُ، لترتُّبِ الحكمِ على شهادَتِهِ بالطريقِ المعتبر عندهُ، وسواء طلب إنسان بكتابة ما يتميزُ به الشاهد أو بغيرها، وكذَا ماَ شهدَ بِهِ على النصِّ، ويبعثُ به إلى 55 المزكِّي، ثم المزكِّي يُشافِهُ القاضي بما عنده، ولا يُقبلُ تعديلُ المعدِّل إلا من اثنين، ولا المسألةُ عنه إلَّا من اثنينِ، وشرطُ المزكِّي كشاهدٍ، مع معرفة الجرح والتعديلِ، وخبرة باطن مَن يعدِّله لصحبةٍ أو جوارٍ أو معاملةٍ، وأن لا يكون من أهلِ الأهواءِ، والعصبيةِ، والمماطلةِ للنَّاسِ، يعني اللجاج، ولا يشترطُ في أصحابِ المسائلِ الخبرةُ الباطنةُ، والأصحُّ اشتراطُ لفظِ الشهادَةِ، ولا يقبلُ التعديلُ إلَّا بأنْ يقولُ المعدِّلُ: "هو عدلٌ عليَّ وليٌّ".
على المنصوصِ.
ويجبُ ذكرُ سببِ الجرحِ إذا لم يقتضِ الحالُ إيجابَ حدَّ القذفِ، فإنِ اقتضى الحال ذلك لنقصانِ النِّصابِ فإنَّهُ لاَ يجبُ على الشاهدِ ذكرُ السببِ.
وقد ذكَرَ الماورديُّ أنَّ أصحابَ المسائلِ إذا لم تكملْ شهادتُهم لا يصيرونَ بِها قذفة، وأنَّ الجيرانَ إذا لم تكملْ شهادتُهم يصيرونَ بها قذفة؛ لأنَّ أصحابَ المسائلِ ندبُوا للإخبارِ بما سَمِعوا، ولم يندبِ الجيرانُ إليهِ، وهو حسنٌ.
ويعتمدُ فيه المعاينة، أو الاستفاضَةُ في غيرِ أصحابِ المسائلِ، فأمَّا أصحابُ المسائلِ فإنَّهم لا يعتمدونَ المعاينةَ ولا الاستفاضَة، وإنما يعتمدُون ما يقولُهُ لهم المسئولُون المذكورون والمسئولونَ هم الذينَ يعتمدونَ المعاينةَ أو الاستفاضَةِ.
وقد يسمعُ أصحابُ المسائِلِ الجرحَ من جَمْعٍ يبعدُ اتفاقُهُم على الكذبِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 341

فيكونُ من معتمدهم أيضًا الاستفاضةُ إن اتُّفقَ ذلكَ، ولكنَّه لا يتعيَّنُ ولا يغني عنِ التَّعديل اعترافُ الخصمِ بعدالتهم ودعواهُ خطئهم في جوازِ الحُكمِ عليهِ على الأصحِّ إذا كانَ المدعى عليهِ أهلًا للإقرارِ بالحقِّ المدَّعَى به، فإن لم يكنْ أهلًا لذلكَ لكونِهِ وكيلًا أو سفيهًا أو عبدًا فلا أثرَ لقولِهِ قطعًا، ولا حاجَةَ لقولِهِ، وقد غلطَ، بل اعترافُه بعدالتِهِ يجري في الحكمِ عليهِ بشهادتِهِ الوجهانِ، وإنْ لم يقلْ غلط.


الجزء: 4 - الصفحة: 342

فصل في القضاء على الغائب المكلف والمفقود والميت، والصبي والمجنون، والجماعة العامَّة، والحاضر الممتنع من الحضور، وسماع البينة على من ذكر، والقضاء بالغائب وسماع البينة به، وكتاب القاضي إلى القاضي، وما يتعلق بذلك

القضاءُ على الغائبِ المكلَّفِ ولو حربيًّا ببلادِ الحربِ فيما لزمَهُ جائز إلَّا في صورتينِ:

إحداهما: حدودُ اللَّهِ تعالى، على الأشهرِ.
الثانيةُ: القضاءُ بإحضارهِ الغائِب الذي ثبتَ زناهُ على مُقتضَى ما نُقلِ عنِ ابنِ القاضِي في الشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ، وهو قويٌّ معتمدٌ لما في القضاءِ بذلكَ من الإعانَةِ على قتلِهِ الذي يمتنعُ القضاءُ بهِ على الغائبِ.

ضابط

ٌ: تخالفُ حدودُ اللَّهِ تعالى غيرَها في القضاءِ على المفتي به في ثلاثةِ مواضع: إحداها: ما نحنُ فيهِ.
الثاني: يمتنع فيهَا القضاءُ بالعلمِ.
الثالثُ: يمتنعُ فيها القضاءُ بالتحكيم.
ويمتنع فيها كتابُ القاضِي إلى القاضِي بسماعِ البينةِ، كما يمتنعُ فيها الشهادةُ على الشَّهادَةِ على الأظهَرِ.
ويجيء في إحصانِ منْ سترناهُ في المواضعِ المذكووَةِ ما جاءَ في حدودِ اللَّهِ تعالَى.
والغيبةُ المعتبرةُ لسماعِ الدَّعوَى على الغائبِ والبينةِ عليهِ، والقضاءِ عليه، لا نصَّ في تحديدها للشافعيِّ رضي اللَّه عنه، بل نصوصُهُ مطلقةٌ في ذلك من

الجزء: 4 - الصفحة: 343

غيرِ تقييدٍ، وهذا هُو المذهبُ المعتمدُ، كما قالَ شيخُنا، ولذلكَ لم يشترطِ العراقيونَ حدًّا لها، والشرطُ عندهم كونُه خارجَ البلدِ، فإذا لم يكنْ في ولايةِ القاضِي فالقضاءُ على إطلاقِهِ، وإن كان في ولايتِهِ فيحتملُ أن يعتدَّ بما إذا يلزمه حضورُ جمعة البلد، كما في غيبة وليِّ النكاحِ، ويحتملُ الإطلاقُ لئلَّا يتعطَّلَ القضاءُ لصاحبِ الحقِّ بغيبةِ المدَّعَى عليه.
وأمَّا النكاحُ فهو مما يعظَّم أمرُهُ، فقيِّدَ بذلكَ على رأي.
وأمَّا المراوزةُ فكلامُ جَمْعٍ منهم يقتضي موافقةَ العراقيين، واعتبرَ بعضُهم أن تكونَ الغيبةَ فوقَ العدوى، من غير اعتبارِ مسافة القصرِ على المرجَّحِ عندهم، وهذا إذَا كانَ في محلِّ ولايةِ القاضِي، فإن لم يكن في محلِّ ولايتِهِ جازَ القضاءُ عليه قربتِ المسافَةُ أم بعدتْ، وتوجيهُهُم يقتضيه.
والعدوى هي التي يتمكَّنُ المبكَر إليها من مسكنِهِ من الرجوعِ إليه أوَّل الليلِ، على عادَةِ الأسفارِ، ومن قالَ قبلَ الليلِ أرادَ ذلك، واعتبرَ ذلكَ المراوزةُ؛ لأنَّ في إحضارِهِ مِن فوقِها مفارقةَ الأهلِ ليلًا، وعلي هذا فينبغي أن يعتبرَ معَ ذلكَ قضاءُ حاجتِهِ المتيسرةِ الموجودَةِ في البلدِ، فإن كانتِ المحاكمةُ لا يفرغُ منها إلَّا في وقتٍ لا يتمكَّنُ من العودِ إلى أهلِهِ ليلًا فحينئذٍ يقضى عليه في غيبتِهِ؛ لأنَّه لا يلزمُهُ الحضورُ حينئذٍ.
وحيث تيسَّرتِ الحاجةُ، وأمكنَ العودُ ليلًا على العادَةِ فلا يكفي مجرَّدُ الفوقيةِ، بل لا بدَّ من فوقيةٍ يتعذَرُ معها العودُ إلى أهله ليلًا على العادةِ بضابطٍ يعتبر فوق العدوى، على ما تقرَّرَ في ثلاثةِ مواضعَ: أحدها: هنا على طريقِ بعض المراوزةِ بقيدِهِ.
الثاني: في الشَّهادَةِ على الشهادَةِ، وما وقع في "المنهاجِ" في هذا من اعتبارِ العدوى وَهْمٌ، وليس في "المحرر".

الجزء: 4 - الصفحة: 344

الثالثُ: في كتابِ القاضِي إلى القاضِي من غيرِ حكمٍ.
وليس مِن شرطِ صحَّةِ الدعوى على الغائبِ أن تكونَ للمدَّعِي بينةٌ خِلافًا لما في "الروضة" تبعًا للشرحِ، ولا أن يدَّعي جُحودَهُ، ويكفي الإطلاقُ.
فإن قالَ: "هو مقرٌّ" لم تسمع بينتُه إلَّا في خمسةِ مواضِعَ: أحدُها: أن يكونَ الغائبَ لا يُقبَلُ إقرارُه لسفهٍ ونحوِهِ.
الثاني: أن لا يكونَ إقرارُهُ مؤثِّرًا في المقصدِ الذي قامتْ به البينةُ، كمفلسٍ ادعي عليه دينُ معاملةٍ بعد الحجرِ، فإنَّه لا يمنع من سماعِ دعواهُ، ولا بينته بالمعاملة قوله: "هو مقرٌّ"، لأنَّ إقرارَهُ لا يؤثِّرُ فيما يقصد بالبينةِ الشاهدةِ بالمعاملةِ من المضاربَةِ، وكذلك لو قالَ الغائبُ: "هذه العينُ لزيدٍ، بل لعَمْرٍو"، ويريدُ الحاضرُ إقامةَ البينة على أنها لَهُ، فإنَّه لا يمنعُ من ذلك.
قوله: "وهو مقر لي بذلكَ"، قال شيخنا: ويجيء في الرهنِ والجنايَةِ، ولم أرَ من تعرَّضَ لذلكَ.
الثالثُ: أَنْ يقولَ: هو مقرٌّ، ولستُ آمنُ جحودَهُ، فإنَّ الأرجحَ عندَ شيخِنا أنَّ القاضِيَ يسمعُ دعواه وبينتَهُ ويقضي بها، قال: وكذلك لو قالَ: هو مقرٌّ ممتنعٌ من تسليمِ حقِّي، فإنَّ المعتمدَ عندي السماعُ.
الرابعُ: إذا كانَ للغائبِ مالٌ حاضرٌ، وأرادَ المدعي الوفاءَ منهُ، فإنَّ القاضِي يسمعُ الدَّعوَى والبينةَ، وإن قالَ: "هو مقرٌّ" وفاقًا لفتوى القفَّالِ.
الخامسُ: إذا كانتِ بينةُ المدعي شاهدةً بالإقرارِ، فإنَّه لا بدَّ أن يدَّعي بما تشهدُ به البينةُ، فيقولُ: "أقرَّ لِي".
ومقتضَى هذا دوامُ إقرارِهِ.


ولا يلزمُ القاضِي نصبُ مُسَخَّرٍ ينكرُ على الغائبِ، بل لا يجوزُ؛ لأنَّهُ كذبٌ

الجزء: 4 - الصفحة: 345

إذا كانَ الواقعُ خلافَ ذلكَ 56. وإذا ادَّعى دينًا مما يجبُ وفاؤُه، أو عينًا هي في يدِ المدَّعى عليه، أو حقًّا من الحقوقِ المتعلِّقَةِ بالمدَّعى عليه، مما يتوجَّهُ للمدعي على الغائبِ في ذلك استحقاقٌ ناجزٌ، فإنَّهُ تُسمعُ الدعوى والبينةُ.
ولو ادَّعى عفوه عنِ الشُّفعةِ المستحقَّةِ له على الحاضرِ، أو أنَّه قبَضَ دينَهُ الفلاني عليَّ، أو أبرأني منهُ، وقال: لست آمنَ أَنْ ينكرَ.
لم يسمعِ القاضي بينتَهُ.
ذكرَهُ الماورديُّ 57، وهو متجهٌ، وحيثُ قلنا لا تسمعُ بينتُهُ فلا تسمعُ دعواهُ.
ثم إنْ أرادَ المدَّعِي من الحاكِمِ حُكمًا بما ثبتَ له إجابةٌ سواءٌ كان للغائبِ المحكومِ عليه مالٌ حاضرٌ، أم لمْ يكنْ، ويجبُ أن يحلِّفَهُ بعد قيامِ البينةِ الكاملةِ وتعديلها، فإنْ كانَ المُدَّعى به مما يثبتُ بشاهدٍ ويمينٍ، فإنَّ هذا التحليفَ يكونُ بعد شهادَةِ الشاهدِ وبعدَ الحلفِ معَ الشاهدِ، فيحلفُ حينئذٍ أنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذمَّتِهِ، وأنَّه يجبُ تسليمُهُ إليَّ، وإن كانَ الحقُ عينًا فلا يحلفُ فيها على ذلكَ، بل يحلفُ على ما لوِ ادَّعاهُ الغائبُ في العينِ، وطلب حَلِفَ المُدَّعي يجابُ إليهِ، ويتعرَّضُ الحاكمُ لما يتعلَّقُ بالبينةِ، مما لوِ ادَّعاهُ الغائبُ وطلَبَ حَلِفَ المُدَّعي بذلك يُجابُ إليه احتياطًا للغائبِ.
وهذا التَّحليفُ واجبٌ على الأرجحِ، وقيلَ: مستحبٌّ، ومحلُّهُ حيثُ لم يكنِ للغائبِ وكيلٌ، فإن كانَ لَهُ وكيلٌ فلا يجبُ على القاضِي أن يحلفَ المُدَّعي اليمين المذكورَةَ ولا يستحبُّ له ذلكَ، وطلبُ الحلفِ حينئذٍ من وظيفةِ الوكيلِ، فإنْ لم يكُنْ وكيلًا في طلبِ الحلفِ جاءَ الخلافُ المذكورُ.

الجزء: 4 - الصفحة: 346

ومن ادَّعى على صبىٍّ أو مجنونٍ أو مفقودٍ أو ميتٍ، ولا نائبَ لهم فإذا أقام بينته حلفَ وجوبًا على أصحِّ الطريقينِ، وقيل فيه وجهان: أصحهما هذا، والثاني: أنَّ التحليفَ مستحبٌّ.
وإذا ادَّعى وكيلُ الغائبِ على غائبٍ فلا بدَّ من حلفِ الغائبِ المدعي له قبل أن يقضِي القاضِي على الغائب، على المعتمدِ كما قاله شيخُنا، فيؤخَّرُ القضاءُ إلى أن يحضَ المدَّعى لَهُ، ويحلفُ، ولو حضرَ المدعَى عليه وقال لوكيلِ المدعي: "أبرأَنِي مُوكلُكَ"، وكانَ موكِّلُه غائبًا عنِ البلدِ دونَ العدوى، فؤمرُ بالتسليمِ، فلو طلبَ الحاضرُ من الوكيلِ أن يحلفَ على نفي العلمِ بأنَّ موكِّلَهُ لم يبرئهُ أو لم يستوفِ منهُ أو لم يعلمْ أنَّ موكِّلَهُ عزله ونحو ذلك مما لو اعترفَ به الوكيلُ لسقطتْ مطالبتُهُ، فإنَّ القاضِي يُجيبُهُ إلى ذلكَ، ويحلفُ الوكيلُ حينئذٍ.
وإن ثبتَ مالٌ على غائبٍ، وله مالٌ حاضرٌ قضاهُ الحاكمُ منهُ إذا لم يقتضِ الحالُ إجبارَ الحاضرِ على دفعِ مقابله للغائب فإن كانَ كما في الزوجَةِ تدعي بصداقها الحال قبل الدخولِ على الغائبِ، وله مالٌ حاضرٌ فلا يوفيها القاضِي منهُ، لأن الزوجَ والزوجَةَ يُجبرانِ، وقضيةُ إجبارِهما امتناعُ قضاءِ الصداقِ من مالِ الغائبِ.
ومثلُهُ لو كانَ البائعُ حاضرًا وادَّعَى بالثمنِ على المشتري الغائبِ، فإنَّه لا تسمعُ هذه الدَّعوى؛ لأنَّه لا يلزم الغائبَ تسليمه؛ لأن البائعَ يجبر على التسليمِ.
ومما يُمنعُ الوفاءُ من ذلكَ المالُ الحاضِرُ الذي للغائبِ ما إذا كانَ هناكَ بائعٌ له لم يقبضْهُ الثمنَ، وطلبَ من الحاكمِ الحجرَ على المشتري الغائبِ، حيثُ استحقَّ البائعُ ذلك، فإنَّ القاضِيَ لا يوفِّي مدَّعِي الدينِ في المال

الجزء: 4 - الصفحة: 347

الحاضرِ، ويجيبُ طالبُ الحجرِ إلى مدعاهُ.
ومما يُمنعُ الوفاءُ من ذلكَ المالِ الحاضرِ ما إذا تعلَّقَ بِهِ حقٌّ لازمٌ كأرشِ جنايةٍ متعلِّقَةٍ برقبة العبدِ، أو رهنٍ مقبوضٍ، ولم يفضلْ من ذلك المالِ شيءٌ لوفاءِ الدَّينِ المذكورِ، ولا بعضه، فلا يوفي القاضي منهُ الدَّينَ المذكورَ، ولا شيئًا منهُ، وحيثُ لم يوفَّ الدينُ من المالِ الحاضرِ، أو كانَ يمكنهُ الوفاءَ منهُ ولم يكنْ لَهُ مالٌ حاضرٌ، ولكن سأل المدعي إنهاءَ الحالِ إلى قاضِي بلدِ الغائبِ أجابَهُ، فيكتبُ له ما ثبتَ عندهُ، إمَّا بالبينةِ الكاملَةِ، أو بعلمِهِ وبالشاهدِ واليمينِ، وقد يكتبُ بالبينةِ الكاملةِ ولم يثبت عندهُ لعدمِ التعديلِ، بخلافِ الشاهد واليمينِ فإنَّه لا يحلفُ المدعي إلَّا بعدَ تعديلِ الشاهدِ.
ويستحبُّ كتابٌ يُذكر فيه ما يتميزُ به الغائبُ وصاحبُ الحقِّ، ويختمُهُ ويشهدُ الشاهدَانِ بما جرَى عندَ القاضِي من الثبوتِ أو الحكمِ، فإذا انتهى الكتابُ أحضرَ منَ يزعمُ حامل الكتابِ أنَّه المشهودُ عليهِ، فإن أقرَّ فذاكَ، وإلَّا شهدَ الشاهدانِ بمَا جرَى عندَ القاضِي الكاتب.
فإنْ قالَ: لستُ المسمَّي في الكتابِ صُدِّقَ بيمينِهِ، وعلى المدعي بيِّنَةٌ بأنَّ هذا المكتوبَ اسمُهُ، ونسبه، فإن أقامَها فقال: لستُ المحكومَ عليه، لزمهُ الحكمُ إن لم يكنْ هناكَ مَن يشارِكُهُ في الاسمِ والصفاتِ، إذا كانَ حيًّا أو ميتًا بعد صدورِ ما جرى في الكتابِ أو قبلَهُ، ولم يظهرْ في أمرِ المدَّعِي به ونحوه مَا لا يمكنُ صدوره معَ الميتِ.
فإنْ كانَ هناكَ مشارِكٌ لَهُ فيما ذُكِرَ أحضِرَ، فإنِ اعترفَ بالحقِّ طُولِبَ به، وتركَ الأوَّلُ، وإلَّا فلا بدَّ من حكمٍ مستأنفٍ على الموصوفِ بالصفَةِ الزائدَةِ المميزَةِ لَهُ، ويكتبُ الكاتبُ ذلك.
ثانيًا: قال شيخُنا: ولا يحتاج إلى تجديد دعوى ولا حلفٍ، وإنما يحتاج

الجزء: 4 - الصفحة: 348

إلى حكم على ما قررناهُ.
ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلك.
وإذا حضرَ قاضِي بلدِ الغائبِ ببلدِ الحاكمِ فشافههُ بحكمِهِ فهو شاهدٌ على الحكمِ، وذاكَ لا يحصلُ به العلمُ المُجوِّزُ للقضاءِ؛ لأنَّ القاضِي في غيرِ محلِّ ولايتِهِ كالمعزولِ، ولو ناداهُ في طرفي ولايتهما ففي إمضائِهِ الخلافُ في القضاءِ بالعلمِ.
قال شيخُنا: وهذا أولي بتخريجِهِ على القضاءِ بالعلمِ دونَ ما ذكرَ في الصورةِ قبلَهُ لما قدَّمناه، ولنا أَنْ نمنعَ التخريجَ في هذه أيضًا؛ لأنَّ إخبارَ الحاكمِ في طرفِ ولايتِهِ للحاكمِ في طرفِ ولايتِهِ لم تكملْ فيه ولايةُ كلٍّ منهما في الموضعينِ، وإذا لمْ تكمُلْ ولايةُ كلٍّ منهما في الموضعينِ، فالحاصلُ للحاكمِ السامعِ مجردُ علمٍ، لو سلمَ ذلك فيكونُ أحقَّ بالتخريجِ على القضاءِ بالعلمِ من التصويرِ قبلَهُ، ولِمانعٍ أن يمنعَ التخريجَ المذكور؛ لأنَّ المستندَ لم يسمعْهُ ممن هو في محلِّ ولايتِه، فأشبَه ما لو شهدَ الشهودُ وهم في غيرِ ولايتِهِ، وهو في طرفِ ولايتِهِ سامعٌ لما شهدِ الشُّهودُ بهِ.
انتهى.
ولو اجتمعا في محلِّ ولايتهما، وشافَهَ أحدُهما الآخرَ بحكمٍ حكم به أمضاهُ، وإن اقتصرَ الحاكمُ على سماعِ بينةٍ، كتبَ: "سمعتُ بينةً على فلانٍ".
ويسميها إن لم يعدِّلْها، وإلَّا فالأصحُّ منعُ تركِ التسميةِ، بل قد نقلَهُ الإمامُ عن إجماعِ الأصحابِ.
وسماعُ البينةِ لا يُقبلُ على المنصوصِ إلَّا في مسافَةِ قبولِ شهادَةٍ على شهادَةٍ إذا سمع البينةَ وأثبت ما قامتْ بهِ، فأمَّا لو سمعَ البينةَ ولم يثبتْ ما قامتْ به فلا يقبلُ إلَّا في مسافةٍ تقبلُ فيها شهادَةٌ على شهادَةٍ بلا خلافٍ.


الجزء: 4 - الصفحة: 349

فرع

: ادَّعى عينًا غائبةً عن البلدِ يؤمَنُ اشتباهها، كعقارٍ وعبدٍ وفرسٍ، سمع البينةَ وحكمَ بها، وكتبَ إلى قاضِي بلدِ المالِ، ليسلِّمَهُ للمدعِي، ويعتمدُ في عقارٍ غير مشهورٍ حدودُهُ، ولا بدَّ أن تستقصَى فيه الصِّفاتُ المحصِّلَةِ للعلمِ، أو لا يؤمنُ، فالأظهرُ سماعُ البينةِ، ومحلُّ الخلافِ ما إذا لم يعلمِ القاضِي العينَ التي شهدَ بِهَا الشُّهودُ، وأن لا تكونَ البينةُ شاهدةً بملكِ العينِ من غيرِ أن تشهدَ على إقرارِ المستولِي على العينِ بأنَّ العينَ التي هي تحتَ يدي من صفتِها كذا ملك لفلانٍ، فإنَّ البينةَ إذا قامتْ عند القاضِي قضى بها جزمًا، ويبالغ المدَّعي في الوصفِ، ويذكرُ القيمةَ في غيرِ النَّقدِ، ويُعتبرُ في النقدِ ذكر الجنسِ والنَّوعِ والقدرِ والصحَّة والتكسيرِ، ولا حاجةَ إلى ذِكْرِ القيمةِ، كما قالَ شيخُنا، خلافًا لما في "المنهاجِ" من الإطلاقِ، وأنَّه لا يحكمُ بالبينةِ، بل يكتبُ إلى قاضِي بلدِ المالِ بما شهدتْ به، فأخذَهُ ويبعثه إلى الكاتبِ ليشهدُوا على عينه.
والأظهرُ أنّه يُسلِّمُه إلى المدعي بكفيلٍ ببدنهِ على الأرجَحِ، فإن كانتْ جاريةً فالأصحُّ أنَّه يُسلِّمُها إلى أمينٍ في الرفقةِ لا إلى المدعي، وإذا لم يظهر أنَّه للمدعي في صورةِ العينِ الغائبةِ عن البلدِ لزمَ المدعي مؤنةَ الإحضارِ، والردَّ، وأجرَةُ المثلِ مدَّةَ تعطِيلِ المنافِعِ إذا تلفَ يلزمُهُ ضمانُ بدلِهِ.
وإنِ ادَّعى عينًا غائبةً عنِ المجلسِ لا البلدِ، أمرَ بإحضارِ ما يُمكنُ إحضارُهُ لتقعَ الدَّعوى على العينِ المشخَّصةِ، ثم تقامُ البينةُ عندَ الإنكارِ عليها، هذا إذا كانَ الذي يمكنُ إحضارُهُ يعرفُهُ المدعِي والشهودُ ويشخصُّه المدعي، فإن لم يكن كذلك بأن كانتِ الدَّعوى في ثيابٍ مشتبهةٍ كالنصافي والبعلبكي وغير ذلك مما لا يعرفُه المدعي، فلا يؤمرُ المدعَى عليهِ بإحضارِ شيءٍ؛ لأنَّ

الجزء: 4 - الصفحة: 350

المدَّعي لم يشخِّص شيئًا، والمدعَى عليهِ منكرٌ.
ولا تُسمع شهادةٌ بصفةٍ هنا، ثم للمدعي دعوى القيمةِ إن كانتِ العينُ متقوَّمةً لاحتمالِ أنها هلكتْ، فإن كانتْ مثلية فعند هلاكِها يذكرُ المثلَ لا القيمةَ، فإن نكَلَ وحلفَ المدَّعي أو أقامَ بينةً حين أنكرَ على أنَّ في يدِهِ مثله، كما ذكرهُ الغزاليُّ، أو تشهدُ على إقرارِه أنَّ يدَهُ اشتملتْ على عينٍ لفلانٍ صفتُها كذا، أو تشهد مما يعرفها القاضي من العينِ التي تشخَّصتْ له في وقتٍ كما سبَقَ كلفَ الإحضارَ، وحبسَ عليهِ، ولا يطلقُ إلَّا بإحضارٍ أو دعوى التَّلفِ، ويحلفُ على التَّلفِ إن طولِبَ بالحلفِ، أو يدَّعي تعذُّرَ ردِّ عينها لمانعٍ حسيٍّ منعه من ذلكَ، ويحلفُ عليه إنْ طولِبَ بالحلفِ.
ولو شكَّ المدعي هل تلفتِ العينُ فيدعي قيمةً إن كانتْ متقوَّمَةً، وإلَّا فيدعي مثلَها إن كانتْ مثليَّة، أو غير تالفة، فيدعيها، فقال: غصبَ منِّي كذا، فإن بقي فأطالبه بردِّه حيث كانتِ العينُ في بلدِ الدَّعوى، فإن لم تكنْ في بلدِ الدعوى فيطالبُهُ بالقيمةِ للحيلولةِ.
وإن لم تكنْ باقيةً فأطالبُهُ بردِّ القيمةِ، إن كانتِ العينُ متقوِّمةً، وإلَّا فأطالبُهُ بردِّ المثلِ، حيثُ كانَ اللازمُ لهُ المثلُ سمعتْ دعوَاهُ للحاجَةِ.
ونقلَ الإمامُ عنِ القياسِيِّينَ من أصحابِنا لا تسمعُ هذه الدَّعوَى المرددة، والوجهُ ردُّ الدعوَى إلى الماليةِ كما وصفناها.
ثم البينةُ لا تُسمعُ على هذا الوصفِ في هذا النوعِ، فإن كانتِ الدَّعوَى ماليةً سمعتْ فيصفُ الشُّهودُ ويذكرونَ القيمةَ، وهذا أقصَى ما في هذا الموضعِ.
ثم يَدَّعي القيمةَ في المتقوِّمِ، وفي المثليِّ إذا حصلتِ الحيلولةُ، ويحلفهُ عليها، فأمَّا مع تلفِ المثليِّ فالدعوَى بالمثلِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 351

وحيثُ أوجبنا الإحضارَ فثبتت للمدعِي استقرَّت مؤنته على المدَّعَى عليهِ إذا لم يكنِ المدَّعِي قد قامَ بها استقلالًا من غيرِ طريقٍ يقتضي إلزامِ المدعَى عليهِ بها، فإن جرَى ذلكَ لم تستقرَّ المؤنةُ على المدعَى عليهِ، وإنما تظهرُ فائدةُ الاستقرارِ إذا قامَ بها المدَّعَى عليه بمقتضَى إلزامِهِ بإحضارِ المدعي به، أو حصلَ إقراض على ذلكَ بطريقٍ معتبرٍ.


فرع

: الغائبُ بمسافةٍ قريبةٍ كحاضرٍ، فلا تسمعُ دَعْوَى عليهِ ولا بينةٌ ولا يحكمُ بغيرِ حضورِهِ إلَّا التواريه أو تعززه، والمشهورُ جواز سماعِ الدعوَى على الغائبٍ، وسماع البينةِ والقضاءِ عليه في قصاصٍ، وحدِّ قذفٍ في غير من له إسقاطه باللعان، فأمَّا مَن له إسقاطُه باللعانِ فلا يجوزُ أن يقضى عليه بحدِّ القذفِ في غيبتهِ، لتمكُّنِهِ من إسقاطِهِ، ولو سمع بينةً على غائبٍ فقدم قبلَ الحُكمِ لم يستعدها إذا لم يتحقَّقْ كونُهُ من الحاضِرينَ عندَ الدَّعْوَى، وسماعِ البينةِ، فإنْ تحقَّقَ ذلكَ وجبَ استعادتُهما.
وكذلكَ الحكمُ إذا قدمَ بعدَ الحُكمِ وتحقَّقَ أنَّهُ كانَ حاضرًا عندما ذكر من سمع الدَّعوى، وسمع البينةَ والحكمَ فإنَّه يجبُ استعادةُ ذلكَ أيضًا، وإن تحقَّقَ حضورُهُ عندَ الحكمِ دونَ سماعِ الدَّعوى وسماعِ البينةِ أعادَ الحكم لوقوعِه بغير شرطِهِ وجبتْ؛ لم تجبِ الاستعادةُ أخبره ومكَّنه من الجرح.
ولو عزلَ بعد سماعِ بينةٍ ثم ولي وجبتِ الاستعادَةُ إن لم يحكمْ بقبولِ البينةِ، فإن حكمَ بقبولِ قولِ البينةِ من غيرِ أن يحكمَ بالإلزامِ بالحقِّ فلا تجبُ الاستعادَةُ إذا عزلَ ثمَّ وليَ، وإذا استعدى على حاضرٍ بالبلدِ أحضرَهُ إن لم يعلمِ القاضِي كذبَهُ، ولا يلزم القاضي الحكم بينه وبين خصمِهِ، وأن يمكنَ

الجزء: 4 - الصفحة: 352

إحضارُهُ، وأن لا يكونَ من ذوِي الهيئات، وقدْ وكَّل وكيلًا عنه بخاتمٍ، أو يكتبُ بإحضارِهِ، فإن لم يحضرْ بذلك بعثَ إليهِ من أعوانِهِ الذين يكونونَ عندَهُ أو غائب في غيرِ محلِّ ولايتِه أو فيه وله هناك نائبٌ فليس له إحضارُهُ، وإلَّا فيحضرُهُ من مسافةِ العدوى كما سبقَ.
وأنَّ المرأةَ المخدَّرَةَ لا تكلَّف الحضَورَ مجلس الحكمِ للدَّعوى في غيرِ اللعانِ، فأمَّا إذا جاءَ الزَّوجُ وقذفَهَا فإنَّ القاضِي يُحضرُها، وإذا توجَّهت عليها اليمينُ فلا يمتنعُ أن يغلظَ عليها بحضورها المكانَ الذي يغلظُ فيه.
والمخدَّرَةُ هي التي لا تُكثِرُ الخروجَ للحاجاتِ المتكرِّرَةِ، وأمَّا غيرُ المخدَّرَةِ فتكلَّفُ الحضورَ، ولو من خارجِ البلد إذا بعثَ الحاكمُ إليها محرمًا، أو نسوة تقاة كما في الحجِّ.


الجزء: 4 - الصفحة: 353

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب القسمة

هي بكسرِ القافِ الاسمُ، من قولِك: قسمتُ الشيءَ قَسمًا، بفتحِ القافِ، وهو تمييزُ بعضِ الأنصباءِ من بعضٍ، وإفرازها عنها.
والأصلُ في جوازها قبل الإجماعِ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية.
ومن السُّنَّةِ: قسمتُه -صلى اللَّه عليه وسلم- الغنائمَ، وقوله أن الشُّفعةَ فيما لم يُقْسم 58. وقد يتولَّي الشريكانِ أو الشركاءُ القسمةَ بأنفسِهم، وقد يتولاها منصوبُهم أو منصوبُ الإمامِ.
ويشترطُ في منصوبِهم التكليفُ، ويشترطُ في منصوب الإمامِ الذُّكورَةُ، والحريَّةُ، والتكليفُ، وأنْ يكونَ مقبولَ الشَّهادَةِ، فلا بدَّ من كونِهِ ضابطًا، بصيرًا، سميعًا، وأن يكونَ قليلَ الطمعِ، نَزِهَ النَّفسِ، حتَّى لا يرتشِي فيما يلي، ولا يخونُ، وأنْ يكونَ عالمًا بالمساحَةِ.
وهل يشترطُ معرفة التقويم؟ فيه

الجزء: 4 - الصفحة: 355

وجهان في "الروضة" 59 تبعًا للشرحِ من غير ترجيحٍ، والمعتمدُ عن شيخنا الجزمُ بالاحتياجِ إلى ذلك في قسمةِ التعديلِ والردِّ، ولا تعتبرُ في قسمةِ الأجزاءِ، فإن كان فيها تقويمٌ فقاسمان ينصبهما القاضي، إذا لم يكنِ الواحدُ حاكمًا في التقويمِ بمعرفتِه، فإن حكمَ فيه كان كقضائِه بعلمه، وإذا جوَّزنا القضاء بالعلمِ في هذا كما هو الأصحُّ فلا يعتبرُ التعدُّدُ.
وأمَّا منصوبُ الشُّركاءِ، فيجوزُ أن يكونَ واحدًا قطعًا، وإن لم يكنْ فيها تقويم فقاسمٌ على المذهبِ، وقيل قولان؛ ثانيهما: يشترطُ اثنانِ، وللإمامِ جعلُ القاسمِ حاكمًا في التقويمِ، فيعملُ فيه بعدلينِ، أو بعلمِه، ويقسمُ ويجعلُ الإمامَ رزقَهُ مِن بيتِ المالِ، فإن لم يكنْ فأجرتُهُ على الشركاءِ 60 إذا استأجرُوهُ إجارَةً صحيحةً، أو فاسدةً.
فأمَّا إذا طلبَ الشُّركاءُ من قسامِ القاضي القسمةَ، فقسمَ، ولم يذكروا أجرةً، فإنَّ المعتمدَ في ذلك أن لا أجرةَ للقسَّامِ عليهم، وأن يكونَ ذِكْرُ الأجرةِ من جميعهم، فإن ذكرها بعضُهم دونَ بعضٍ، فما خصَّ الذاكِرِ يلزمُهُ، ولا يلزمُ غير الذاكرِ على المعتمدِ، كما تقدَّم.
وأن يكونَ جرى ذلك من جميعهم، وهم متأهلون للالتزامِ، أو بعضُهم غيرُ متأهِّلِ ولا غبطةَ في القسمةِ، فإنْ كانَ بعضُهم غيرَ متأهِّلٍ للالتزامِ لصغرٍ أو جنونٍ ولا غَبطةَ له في القسمةِ بل عليه ضررٌ فيها، ولو وجه، لا يمنع من الإجبارِ على القسمةِ، فإنَّ الشافعيَّ قد توقَّفَ في إلزامِ المذكورِ شيئًا من الأجرةِ.
فإذا استأجروهُ جميعًا بأنْ قالوا: استأجرناكَ لتقسمَ بيننا كذا بدينارٍ على

الجزء: 4 - الصفحة: 356

فلانٍ، ودينارينِ على فلانٍ -مثلًا- ووكَّلُوا وكيلًا، فعقد لهم كذلك، لزمهم ما وقعَ عقد الإجارة عليهِ 61. وإن ذكروا الأجرةَ ولم يسمِّ كلُّ أحدٍ ما يخصُّه فالأجرةُ موزَّعةٌ على قدرِ الحصصِ على المذهب، وقيل قولانِ، ثانيهما: على عدد الرءوسِ، وإن دعوه إليها ولم يسموا أجرةً فلا أجرةَ له على الصحيحِ، وإن كانَ الدَّاعي إليها الحاكمُ ولم يسمِّ أجرةً استحقَّ أجرةَ المثلِ، ويُستثنَى من ذلكَ قسمةُ التعديل، فإن الأجرةَ توزَّعُ بحسبِ المأخوذِ قلةً وكثرةً، لا بحسبِ الحصصِ على الأصحِّ، ويُستثنَى منهُ أيضًا حصَّةَ الطِّفلِ والمجنونِ والمحجورِ عليه بالسَّفَهِ، وحصَّة الوقفِ حيمث يلحقهم بالقسمةِ الضَّرَرُ، فلا أجرةَ عليهم.


ثمَّ ما عظم ضررُه كجوهرةٍ وثوبٍ نفيسٍ لم تكنِ العادةُ مستمرَّةً بقطعِهِ على وجهٍ يحصلُ لكلِّ واحدٍ بما صارَ إليه منفعةٌ إن طلبَ الشُّركاءُ كلُّهم قسمتَهُ لم يجبهم القاضِي، لكن لا يمنعُهُم أن يقسموا بأنفسهم إذا لم تبطُلْ منفعتُهُ بالكليَّةِ، كالسَّيفِ يكسَرُ، وما تبطلُ منفعتُهُ المقصودَةُ كحمامٍ وطاحونٍ صغيرينِ، لا يجابُ طالبُ قسمتِهِ على الأصحِّ، فإنْ أمكَنَ جعلُهُ حمَّامينِ، وجبتْ 62، وكذا لو أمكنَ جعلُ نصيبٌ منهُ -وهو الأكثرُ- حمَّامًا دونَ الآخرِ، فتجبُ القسمةُ أيضًا، إذا طلبَها صاحبُ الأكثَرِ، فإن طلبَهما صاحبُ الأقلِّ الذي لا يجيء حمَّامًا فإنّه لا يجابُ، قال شيخُنا: ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلكَ.

الجزء: 4 - الصفحة: 357

ولو كانَ له عُشْرُ دارٍ لا يصلحُ للسُّكنَي، فالمنصوصُ إجبارُ صاحبِ الأقلِّ الذي لا ينتفعُ بنصيبِهِ بطلبِ صاحبِ الأكثرِ الذي ينتفعُ بنصيبِهِ، وإن كانَ صاحبُ الأقلِّ ينتفعُ بنصيبِهِ بأن يكونَ له مكانٌ يضمُّه إلى عشرٍ هو يصلحُ الكل للسكنَى أو ينتفع غيرُهُ بما صارَ إليهِ، فإنَّه يُجابُ إلى ذلكَ على مقتضى إطلاقِ نصِّ "الأمِّ"، و"المختصر"، ومفهومُ نصِّ "الأمِّ" لأنَّ لَهُ مقصدًا في تمييزِ ملكِهِ وإراحتِهِ من شريكِهِ، وهو مقصدٌ حسنٌ، فينبغي أَنْ يُجابَ كمَا تقدَّمَ.


وما لا يعظُمُ ضرَرُهُ فقسمتُهُ أنواعٌ

أحدها: بالإجزاءِ، كمِثْلِيٍّ، ودارٍ متفقَة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجْبَرُ الممتنعُ على الأصحِّ، فتميز السِّهامُ كيلًا، ولو خرصًا في ثمرةِ النَّخلِ، والعنبِ، أو وزنًا، أو زرعًا بعددِ الأنصباء إنِ استوتْ، ويكتبُ في كلِّ رقعةٍ اسمَ شريكٍ، وتُدْرَجُ في بنادِقَ مستويةٍ، ثم يُخرجُ مَن لم يحضرها رقعة على الجزءِ الأوَّلِ، ولا يجوزُ العدولُ إلى كتابةِ الأجزاءِ؛ لما فيه من المحذوراتِ، كما قالَهُ شيخُنا.
فإنِ اختلفتِ الأنصباءُ، كنصفٍ وثلثٍ، وسدسٍ، جزِّئتِ الأرضُ على أقلِّ السِّهامِ وقسِّمَتْ على ما 65 تقدَّمَ من كتابَةِ الأسماءِ وإخراجِها على الأجزاءِ، ويُحترزُ على تفريقِ حصَّةِ واحدٍ.

الجزء: 4 - الصفحة: 358

الثَّاني: بالتعديلِ 66، كأرضٍ تختلفُ قيمةُ أجزائِها بحسبِ قوَّةِ إنباتٍ، وقربِ ماءٍ، ولا يمكنُ قسمتها إلَّا بالتعديلِ، فيجبرُ الممتنعُ عليها على المذهب.
ولو استوتْ قيمةُ دارينِ، أو حانوتينِ، فطلبَ جَعْلَ كلِّ واحدٍ لواحدٍ فلا إجبارَ إلَّا إذا كانتِ الدارانِ لهما بملكِ القُربَةِ المشتملة عليهما أو شركتهما بالنصفِ وملكا قسمة للقربةِ، واقتضتِ القسمةُ نصفينِ، جعلَ كلَّ دارٍ نصيبًا، فإنَّه يُجْبَرُ على ذلك.
وإذا كان الحانوتانِ مثلًا صفينِ ولا يتحملُ كلٌّ منهما القسمةَ، فيُجْبَرُ الممتنعُ على القسمةِ في الأصحِّ للحاجَةِ.
أو استوتْ قيمةُ عبيدٍ أو ثيابٍ من نوعٍ، أُجْبِرَ على الأصحِّ، إلَّا إذا تباينتْ فيها القيمةُ، بحيثُ لا يمكنُ تعديل إلَّا ببقيةٍ تبقَى الشركةُ فيها، فإنَّهُ لا إجبارَ في ذلك على المذهبِ، أو نوعينِ فأكثرَ، فلا إجبارَ إلَّا إذا كانَ منها نوعٌ متعددٌ فيُجْبَرُ في هذه الصورةِ على قسمةِ المتعدِّدِ من النوعِ بالتعدِيلِ الذي لا يبقَى معهُ بقيةُ شركةٍ، كما سبقِ.
الثالث 67: بالردِّ، بأن يكونَ في أحدِ الجانبينِ بئرٌ أو شجرٌ لا يمكنُ قسمتُهُ، ولا بنقلِهِ في أحدِ الجانبينِ بالتعديلِ، فيردُّ مَن يأخذه قسطَ قيمتِهِ، ولا إجبارَ فيه، وهو بيعٌ إلَّا القدرَ الذي لم يحصُلْ في مقابلةِ ردٍّ، فإنَّ الذي له منه بطريقِ الإشاعةِ لم يقعْ عليهِ بيعٌ، وقسمةُ التعديلِ بيعٌ على المذهبِ في القدرِ الذي حصلتْ فيه الزيادَةُ والنُّقصانِ، فأمَّا ما لسُوى ذلكَ فإنَّ الأرجحَ فيه الإقرار.

الجزء: 4 - الصفحة: 359

وإذا جرتْ قسمةُ التعديلِ بالتراضِي فبيعٌ قطعًا، وقسمةُ الأجزاءِ إفرازٌ على الأرجحِ، فإنْ جرتْ بالتراضِي فبيعٌ قطعًا.
ويشترطُ في الردِّ الرضَا بعدَ خروجِ القُرعةِ على الأصحِّ، وكذا لو تراضيَا بقَسْمةٍ فلا إجبارَ فيه، فإنَّه يُشترطُ الرِّضا بعد خروجِ القرعةِ على الأصحِّ، وإذا جرتِ القسمةُ التي يُجبر عليها بالتراضِي فيعتَبَرُ تكريرُ الرِّضا بعد خروجِ القرعةِ على الصحيحِ، كقولهما: رضينا بهذه القسمةِ، أو بما أخرجتْهُ القُرعةُ، ولا بدَّ من سبقِ علم ذلك على الرضا.
ولو ثبتت أيُّ بينةٍ غلطٌ أو حيفٌ في قسمةِ إجبارٍ نقضت، فإن لم يثبتْ وادَّعاهُ واحدٌ الدعوى المعلومةَ القدرِ، فله تحليفُ شريكِهِ إذا كانتِ الدَّعوى عليه، أو كانت عليه وعلي القسام، فإن كانت الدعوى على القسَّامِ وحدَهُ فلا يُحَلِّفُ واحدًا منهما، ولو دعاه في قسمةِ تراضٍ لا إجبارَ فيها فالأصحّ أنَّه لا أثرَ لهذا الغلطِ، ولا فائدةَ لهذه الدعوَى، إذا وجدَ تحديد الرضا بعد خروجِ القرعةِ، ولم يذكر تأويلًا يقتضي سماع دعواهُ، ولم يعترفْ له الشركاءُ بما ادَّعاه، وإذا قلنَا أنها إفرازٌ نُقِضَتْ إن ثَبَتَ إذا لم يعلمِ الزائدُ أو علمه، ولم يرضَ بمصيرِه لشريكِهِ أو رضيَ بهِ، ولم يحصلْ من الشريكِ رضًا به، أو رضيَ به ولم يحصل أمرٌ يلزمْ به التمليكُ، وإلَّا فيحلفُ شريكُهُ كما قدَّمناهُ.
وإذا لم تنقضِ القسمةُ لو ثبتَ فلا يحلفُ شريكُهُ، ولو استحقَّ بعضَ المقسومِ شائعًا بطلتْ فيه وصار الكلُّ مشاعًا، أو من النصيبين معينٌ سواء، فإن كانَ ذلك المعينُ بين القسمين من أولهما إلى آخرهما، ولم يكن بين الشريكينِ المقتسمين إشاعة في المستحقِّ المعيَّن، وإنما كان بينهما شركةٌ في كلٍّ من الطرفينِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 360

ومثل ذلكَ لا يُقسم إلَّا إجبارًا 68، فإذا قُسِم إجبارًا على هذا الوجهِ فقدْ تبيَّنِ إبطالُ الإجبارِ فيها، وإبطالها، وإن صدرتْ بالتراضِي على الظنِّ المذكورِ لظنِّ الإشاعَةِ في الجميعِ، فإذا ظهرَ أنَّ الإشاعَةَ في الوسطِ، فهذا يحتمل أَنْ يُقال فيها: تبقى القسمةُ لازمةً.
ويحتملُ أَنْ يُقالَ: ثبتتْ لكلٍّ منهما الخيارُ، وهذا أولَى بقضيَّةِ البابِ.
وإنْ لم يستغرقْ ما بينَ القسمين، فإنْ كانتْ قطعةً من أوَّلِ ما بين القسمينِ إلى أثنائِها ثم الشركةُ واقعةٌ في القدرِ الباقِي وحصلتِ القسمةُ في البقيَّةِ وما وراء المعينِ من الجانبينِ، وحصلَ تعديل، بحيثُ حصلَ في قسمةِ كلِّ واحدٍ منَ الشجر نظيرُ ما عند الاَخرِ، وخرجتِ القطعةُ المعيَّنَةُ المستحقَّةُ من الوسطِ على السواءِ في النصيبينِ، فهاهنا يأتي خلاف تفريقِ الصفقةِ.
ولو كانَ المعينُ قطعتين من الجانبين خرجتْ إحداهما في قسمةِ أحدِ الشريكينِ، والأخرى في قسمةِ الآخرِ على السواء، فهاهنا تبقى القسمةُ في الوسطِ المشاعِ؛ لأنَّه حقُّها.
ولو فرضنا أنَّ المعيَّنَ الذي ظهر استحقاقُهُ أدَّى إلى تفريقِ حصَّةِ الواحدِ أو حصةِ كلٍّ منهما، فإنَّه يثبتُ الخيارُ لذلك الواحدِ في نقضِ القسمةِ وإبقائها، ويثبت الخيارُ لهما في الصورة الثانية على الأرجحِ.
قال شيخُنا: ولم أرَ مَن حرَّرَ المسألةَ على ما قرَّرناهُ.
انتهى.


الجزء: 4 - الصفحة: 361

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
جارٍ التحميل