التدريب في الفقه الشافعيكتاب الرضاع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هو بِفَتحِ الرَّاءِ وكَسرِها، ورضِعَ بكَسْرِ الضَّادِ، يَرْضَعُ بِفَتحِ الياءِ والضَّادِ، وبِفَتحِ ضَادِ المَاضِي وكَسرِها في المُضارعِ، وامرأةٌ مُرْضِعٌ؛ أي: لها ولَدٌ تُرْضِعُه، فإنْ وَصفْتَها بإِرضَاعِه قُلتَ: مُرْضِعَةٌ.
وهُو لُغَةً: اسمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ لِشُربِ اللَّبَنِ، وما تصرَّفَ منه رَاجعٌ إلى هذا المعنى، ورَضُعَ الرَّجلُ -بالضمِّ- كأنَّه كالشيءِ يطبعُ عليه.
وشَرْعًا: وُصولُ لَبَنِ آدَميةٍ، يُمْكِنُ بُلوغُها، انفَصلَ منها في حَياتِها،

الجزء: 3 - الصفحة: 481

وحَصَلَ في جَوفِ آدميٍّ حيٍّ قبْلَ الحَولَينِ 1 على وجْهٍ مَخصوصٍ.
وهو مِمَّا ثَبتَ 2 حُكْمُهُ شَرعًا، وإنْ تقدَّمَ الرَّضاعُ البعثةَ المُحمديةَ لِمَا صحَّ مِن قَولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بنتِ أَبي سَلمةَ: "إنَّها لَو لَمْ تَكنْ 3 رَبيبتِي في حَجْرِي ما 4 حلَّتْ لِي أرْضعَتْيي وأبَاهَا ثُوَيْبةُ" 5. وقال رسولُ اللَّه 6 -صلى اللَّه عليه وسلم- في ابنةِ حمزةَ: "إِنَّهَا لا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ" 7. فَظهرَ 8 بذلك تَرتيبُ الحُكمِ الشَّرعيِّ لِما سَبقَ مِن الرَّضاعِ قَبْل البعثةِ.
[وقولُه تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ

الجزء: 3 - الصفحة: 482

الرَّضَاعَةِ} يَقتضِي وُجودَ رَضاعٍ في الزَّمنِ الماضِي، ولو قَبْلَ البعثةِ] (1)، وكذلك [ما صَحَّ مِن] (2) قولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ" (3). ولِلرَّضاعِ أَثرٌ في تَحريمِ النِّكاحِ وقَطْعِه، وإيجابِ مَهْرٍ أوْ نِصفِه أو بعضِهِ، أو مُتْعَةٍ على مَا سيأتِي تفصِيلُهُ، وثُبوتِ المحرميَّةِ المُقتضيَةِ لِجوازِ النَّظرِ والخَلوةِ، وعدمِ انتِقاضِ الوُضوءِ على أصحِّ القوليْنِ، وغسلِ الميتِ، والمُسافَرَةِ، دونَ سائِرِ أحكامِ النَّسبِ مِن ميراثٍ ونفقةٍ وإعفافٍ وعتقٍ بملكٍ وسقوطِ قِصاصٍ وتَحَمُّلِ عاقلةٍ وحضانةٍ وولايةٍ وولاءٍ ورَدِّ شهادةٍ وحكمٍ وغيرها (4).


وشَرْطُ الرَّضاع المحرِّمِ

الجزء: 3 - الصفحة: 483

1 - أَنْ يكونَ مِن آدمِيَّةٍ 15، ولم يقُلْ مِن 16 امرأةٍ.
وقال الشافِعِيُّ -رضي اللَّه عنه- في "الأم" 17 في الرضاع 18: "إنَّمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْآدَمِيَّاتِ".
فعلى هذا؛ الرَّضاعُ مِن بَهيمةٍ أو ما يظهرُ مِن البحرِ على شَبَهِ الإنسانِ -وهُو أُنثى- لا يثبُتُ بِهِ التَّحريمُ 19. أمَّا في البهيمةِ فنصَّ عليه، واتَّفق عليه الأصحابُ 20. فلو ارتَضَعَ طِفلانِ مِن بَهيمةٍ فَلَا أُخوةَ بينهما بسببِ الَّلبنِ المذكورِ, لأنَّ الأُخوَّةَ مِن قِبَلِ الأُمومةِ 21، ولا أُمومةَ، فَلَا أُخُوَّةَ مِن جهتِها، وقد ثبتَ 22 في الرَّضاعِ أُخوةُ الأبِ، وإنْ لم تثبتِ الأُمومةُ، كما في المُستَوْلَدَاتِ ونحو ذلك، وسيأتِي 23.

الجزء: 3 - الصفحة: 484

وأما الجِنِّيَّةُ فيُحْتَمَلُ أن يحرِّمَ لبنُها؛ لأنَّها مِن جِنس المُكلَّفين، بِخِلافِ البهيمةِ وأُنثى البحرِ، وظاهِرُ النصِّ يقتضِي أنَّ لبنَهَا لا يُحرِّمُ 24، وهذا إذا كان لها لَبنٌ، فإنْ لم يكُنْ لها لبنٌ، فالصُّورةُ مُحالة، وكذلك أُنثى البحْرِ 25. فإن قيل: فقد ذُكِر عن أُنثى البحْرِ أنَّها حبلتْ مِن آدمِيٍّ 26، قلتُ 27: لا 28 تصِحُّ هذِهِ الحكايةُ، وإن صحَّتْ فليستْ مِن جِنسِ المُكلَّفين.
وخَرَج بِـ "الآدميَّةِ": الرجلُ والخُنثى، فلو دَرَّ لرجُلٍ لبنٌ، فأرضَعَ بِهِ أُنثى، لم تَحْرُمْ عليهِ، لكِنْ يُكرهُ له نكاحُها؛ نصَّ عليه في "البويطي" 29. وفِي "الأم" 30: لَا أَحْسَبُهُ يَنْزِلُ لِلرَّجُلِ لَبَنٌ، فَإِنْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فَأَرْضَعَ بِهِ 31 مَوْلُودَةً 32 كَرِهْتُ لَهُ نِكَاحَهَا وَلِوَلَدِهِ، وإِنْ نَكَحَهَا لَمْ أَفْسَخْهُ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ رَضَاعَ الْوَالِدَاتِ، وَالْوَالِدَاتُ إنَاثٌ، وَالْوَالِدُونَ غَيْرُ الْوَالِدَاتِ، وَذَكَرَ الْوَالِدَ بِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ الرَّضَاعِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْآبَاءِ حُكْمَ الْأُمَّهَاتِ = مالك وقد أنكره أصحابه-: إن لبن البهيمة يحرم، ويصيرا بلبنها أخوين؛ استدلالًا باجتماعهما على لبن واحد، فوجب أن يصيرا به أخوين كلبن الآدميات.

الجزء: 3 - الصفحة: 485

وَلَا حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ حُكْمَ الْآبَاءِ وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ 33. وما نَصَّ عليه -رضي اللَّه عنه- هو المشهورُ، وفيهِ وجهٌ يُنسب إلى الكَرَابِيسي 34 بالتَّحرِيم 35. وقيل: إنه مخرَّج.
وقد سَبَقَ في النَّجاساتِ أنَّ ابنَ الصَّباغ قال: إنَّه نجسٌ يحرُمُ شربُهُ 36، وهو خلافُ مقتضى حكايتِهِ 37 عن الشافِعِيِّ -رضي اللَّه عنه- وهي: أنَّه حَضَرَ رجلٌ عندَ الرَّشِيدِ له لَبَنٌ أَرْضَعَ منه، ولم يُنكِر ذلك الشافِعِيُّ 38.

الجزء: 3 - الصفحة: 486

وأما الخُنثى 39: فإن اسْتُدِلَّ بلبنِهِ على أُنوثتِهِ عندَ 40 فَقْدِ سائِرِ الأَماراتِ فهو مُحَرِّم 41. وعن أبِي إسحاقَ 42: يُعرض اللبنُ على القَوَابِلِ، فإنْ قُلْنَ: إنَّ مثلَ هذا اللبَنَ 43 لا يكونُ إلَّا لِلإناثِ، حُكِمَ بأُنُوثتِهِ، وَحَرَّمَ.
والمذهبُ أنَّه لا يثبُتُ بِهِ أُنوثةٌ؛ فعلى هذا يوقفُ التحريمُ على تبيُّنِ حالِهِ، فإنْ بأن أنَّه أُنثى ثَبَتَ التحريمُ، فإنْ قال بعد ذلك: "أنا ذَكَرٌ" لم يُقبلْ منهُ، وإنْ بأن أنَّه ذَكَرٌ، فَلَا تَحريمَ 44 إلَّا على وجهِ الكَرَابِيسيِّ 45.


2 - ومِن شرطِ ذاتِ اللبَنِ: أَنْ تكونَ حيةً حالَةَ 46 انفِصالِ اللبَنِ منها، فلو ارْتَضَعَ مِن مَيتةٍ أو حُلب لبَنُها 47 وهي ميتةٌ: لم يتعلَّقْ بِهِ التحريمُ 48.

الجزء: 3 - الصفحة: 487

ولو حُلِب في حياتِها و 49 أُوجِرَهُ الرضيعُ بعد موتِها: حرَّم على النَّص المعتمَدِ 50؛ لِخروج اللبنِ مِنها وهِي حيةٌ، وفِيه وجهٌ: أنَّه لا يُحَرِّم، إذْ لا أُمومةَ بعدَ الموتِ بِخِلاف الأُبوَّةِ بعدَ الموتِ، فإنَّها تثبُتُ اتِّفاقًا.
ومحلُّ هذا الوجهِ فِيما إذا ماتَتْ قبلَ 51 حصولِ اللبَنِ في فيهِ، أمَّا إذا ماتَتْ 52 بعْدَ حُصولِ اللبَنِ في فَيهِ، ثُم شرِبهُ [بعدَ موتِها] 53، فإنَّه يحرِّمُ قطعًا.
وقِيل: الوجْهُ مُطلقًا، وهو الأرجحُ.
ولو خَرَجَ اللبَنُ مِن غيرِ الطرِيقِ المُعتادِ بأنْ خَرَجَ مِن ثُقبٍ في [الثَّدي، فالقياسُ أنَّه يُحرِّمُ، ولو قُطِع الثَّديُ فشُرِبَ مِن اللبَنِ الخَارِج مِن أصلِهِ حرَّم، وللمسألةِ شَبَهٌ بِخُروج المنيِّ مِن ثقبٍ في] 54 الذَّكَر أو في الأُنْثَيين أو انكسر صلبُهُ فَخَرَجَ مِنه المَنِيُّ 55، لكن الأرجحُ هُنا التحريمُ؛ لوجود الغِذاءِ بِهِ، ومحلُّ ذلِك فِيما إذا كان مُسْتحيلًا، أمَّا إذا كان دمًا، فَلَا أثرَ له قطعًا.


الجزء: 3 - الصفحة: 488

واعلمْ أنَّه لَا يُشْتَرَطُ لثبوتِ التَّحريم بقاءُ الَّلبنِ المُحرِّم على هيئتِهِ حالةَ انفِصالِهِ عنِ الثَّدي، فلو تغيَّر بحموضةٍ أو انعقادٍ أو غليٍ 56، أو صار جُبنًا، أو أقِطًا، أو زُبدًا، أو سَمنًا، أو مخيضًا، أو مصْلًا، أو مشًّا، وتناوَلَ ذلك الرضيعُ ثَبَتَ التحريمُ بشرطِهِ؛ لِوصولِ الَّلبنِ إلى الجَوْفِ، وحصولِ التَّغذِّي بِهِ 57. وقد نصَّ في "الأم" و"المختصر" 58 على الجُبنِ، فقال: "وَلَوْ جَبُنَ اللَّبَنُ فَأُطْعِمَهُ كَانَ كَالرَّضَاعِ" 59. فلم يتْبَع الشافعيُّ اسمَ اللبن؛ قال الغزالِيُّ 60: اعتَبَرَ الشافعيُّ اسمَ الإرْضاع، ولم يعتَبِرْ اسمَ اللبنِ 61. وما قاله الغزاليُّ مُشكلٌ مِن أجلِ أنَّ الرَّضاعَ والإرضاعَ لا يُشْترطُ وجودُ حقيقتِهِما.

الجزء: 3 - الصفحة: 489

وما قاله الغزاليُّ يُقررُ بأنَّ الإرضاعَ يقتضِي إيصالَ جُزءٍ مِن الذِي يحصُلُ بِهِ الغِذاءُ، وذلك هو المُعتَبَرُ عندَ الشَّافِعِيِّ -رضي اللَّه عنه- وَلَا يُعتبَرُ عِلاجُ المرأةِ.
وفي (1) "البسيط" (2): لَم يتبع الشافعيُّ اسمَ اللبن، وإن اتَّبع اسمَ الإرضاع (3)، وكأنه (4) يتخيلُ وصولَ جزءٍ مِن المُرْضِع (5) إلى المُرتضِع، وقد وَصَل قطعًا.
ولم يذكروا في الجُبن ونحوِهِ القَدْرَ الذي يثبُتُ بِهِ (6) التحريمُ، والقياسُ: أنَّه يعتَبَرُ أن يأكُلَ مِن ذلك (7) قدْرًا لو كان لبنًا أَمْكن أن يرتَضِعَ مِنهُ خَمْسًا، وأنْ يكونَ التفرِيقُ موجودًا في الابْتِداءِ والانْتِهاءِ، ولا يُعتبَرُ في كلِّ أكلةِ الشِّبَعُ مِن ذلك المأكولِ، والمُعْتَبَرُ ما ذُكر في اللبن.


وأمَّا المخلوطُ فِفِيه صورٌ:

* أحدُها:

أن يُعْجَنَ باللبنِ دقيقٌ ويُخبزُ، ففِي"الروضة" 69: الصحيحُ أنَّه يحرِّمُ، وفِي "الشرح": فيه وجهٌ عنِ القاضِي حُسين.62636465666768

الجزء: 3 - الصفحة: 490

والراجِحُ عندي التفصيلُ؛ فإنْ ذَهَبَ أثرُ اللبن فَلَا تحرِيمَ، وإنْ بَقِي أثرُهُ بِنعومةٍ ونحوِها مِما يخالِفُ عجنَه بالماءِ، فإنَّه يثبُتُ بِهِ التحريمُ.

* الصورةُ الثَّانية:

المخلوطُ في غيرِ صورةِ الخُبزِ، فإنْ كان بِمائع أو جامِدٍ يَنْمَاعُ كالسُّكَّرِ أو ثُرِدَ 70 به طعام، ففِي "الأم" 71 في ترجمة رَضَاعَةِ الكبير 72: "وَإِنْ خُلِطَ لِلْمَوْلُودِ لَبَن في طَعَامٍ فَيَطْعَمُهُ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ 73 أَوْ الطَّعَامُ إذا وَصَلَ اللَّبَنُ إلَى جَوْفِهِ، وَسَوَاءٌ شِيبَ لَهُ اللَّبَنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلِ إذَا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَهُوَ كُلُّهُ كَالرَّضَاعِ" 74. ثم قال الشافِعِيُّ 75: "وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا أُطْعِمَ لَبَنَ امْرَأَةٍ في طَعَامٍ مَرَّةً وَأُوجِرَهُ أُخْرَى، وَأُسْعَطهُ أُخْرَى، ثُمَّ أُوجِرَهُ وَأُطْعِمَ حَتَّى يَتِيّمَ لَهُ خَمْسُ مَرَّاتٍ كَانَ هَذَا الرَّضَاعُ الَّذِي يُحَرِّمُ، كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ، وَسَوَاءٌ لَوْ كَانَ مِنْ صِنْفِ هَذَا 76 خمسٌ مِرَارًا، أَوْ كَانَ مِنْ أَصْنَافٍ شَتَّى".
وقال المزنِيُّ 77: "أَدْخَلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَا خُلِطَ بِاللَّبَنِ أَغْلَبَ لَمْ يُحَرِّمْ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ الْأَغْلَبَ 78 حَرَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ خَلَطَ

الجزء: 3 - الصفحة: 491

حَرَامًا بِطَعَامٍ وَكَانَ مُسْتَهْلَكًا في الطَّعَامِ 79 أَمَا يُحَرِّمُ؟ فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ" 80. ولم يختلِفْ قولُ الشافِعِيِّ في ذلك، وذكر في "الروضة" 81 تبعًا للشرح، وفِي "المنهاج" 82 تبعًا للمُحرَّر 83 قولين في التَّحريم بالمغلوبِ، وهذا مخالفٌ لِكلام الشافِعِيِّ في "الأم" و"مُختصر المُزنِي"، ولم يذكُرِ العِراقِيون ذلك ولَا المراوزةُ إلَّا البغويَّ والزَّازَ ومَن تبِعهما، وأما المخلوطُ بالماء فهو كالمخلوطِ بالمائِعِ.
ومِنَ الأصحابِ مَن فرَّق بينَ الماءِ وغيرِهِ، وقال في الماءِ واللبن: مغلوبٌ فيه إنِ امتَزَج بما دون القُلَّتين، وشَرِبَه الرضيعُ كلَّه، ففِي ثبوتِ الحُرْمةِ قولان 84. وإن شرب بعضَه فوجهانِ، أو قولان مرتَّبان، وأولى بأنْ لَا يثبت، وإنِ امتَزَج بقُلَّتينِ فأكثر، فإنْ 85 لم يثبتِ التحريمُ بدون 86 القُلَّتين، فهنا أَولى، وإنْ

الجزء: 3 - الصفحة: 492

أثبتناه، وتناول بعضَهُ لم يؤثِّرْ.
وإنْ شرِبَه كلَّه فقولانِ مُرتبَّان، وأولى بأنْ لَا يُؤثِّر (1). وهذه الطريقةُ ضعيفةٌ لا تُلائِمُ أدلةَ الشرع، ولا يُعْتَبَرُ بِجريان الغزالِيِّ عليها، وهي مردودةٌ.
(2).


وفِي المُراد بِالمغلوبِ وجهان:

  • أحدهما: خروجُه عن كونِهِ مُغذِّيًا.

  • والثانِي: أنَّ الاعتبارَ بِصفاتِ الَّلبنِ: الطعمُ واللونُ والرائحةُ؛ فإنْ ظَهَرَ شيْءٌ في المخلوطِ فاللبنُ (3) غالِبٌ، وإلَّا فمغلوبٌ، وصُحح (4). والصحيحُ عندنا أَنْ نقدِّر اللبنَ بالمخالِفِ الأشدِّ كما في النَّجاسةِ المواقعةِ لِلماءِ (5).

ضابط

ٌ: ليسَ 92 في الشريعةِ اعْتبارُ قُلَّتينِ إلَّا في بابينِ 93: الطهارَةُ، والرَّضاعُ.8788899091

الجزء: 3 - الصفحة: 493

ومِن شرْطِ ذاتِ اللبنِ كونُها مُحتملَةً للبلوغ، وفِي "الروضة" 94 تبعًا للشرح كونُها مُحتملَةً لِلولادة، وهو غيرُ مُستقِيم؛ لأنَّ احتمالَ الولادةِ يَستدعِي تقدُّمَ مدةِ الحملِ، وذلك 95 غيرُ معتبَرٍ اتِّفاقًا.
وقولُنا: "مُحتملةً لِلْبلوغ" أردْنَا 96 بِهِ البُلُوغَ بِالمنِيِّ، وكذا بالحيْضِ، وفِي "المنهاج" 97 تبعًا للمُحَرَّر 98: أن يحصُلَ اللبَنُ بعدَ تِسع سِنين، وليس كذلك، بل اللبنُ الموجودُ قبلَ تِسع سنين بزمنٍ لا يسعُ حيضًا وطُهرًا يُحَرِّمُ 99؛ تفريعًا على ما صححوه من"التقريب"، كما يُحْكم بأنَّ الدَّمَ الموجودَ في الزمنِ 100 المذكُورِ حيْضٌ، وحيْثُ لم يَصِلْ إلى الإمكانِ، فلبنُها لا يُحَرِّمُ، وأما البِكْرُ التي يُمكِنُ أن تحبَلَ فلبنُها مُحَرِّمٌ.
وقال الشافعيُّ: لَوْ أَنَّ بِكْرًا لَمْ تُمَسَّ 101 بِنِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ، أَوْ ثَيِّبًا، وَلَمْ يُعْلَمْ لِوَاحِدَةٍ 102 مِنْهُمَا حَمْلٌ نَزَلَ لَهُمَا 103 لَبَنٌ فَحُلِبَ فَخَرَج 104 فَأَرْضَعَتَا بِهِ مَوْلُودًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ كَانَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا أَبَ لَهُ، وَكَانَ في

الجزء: 3 - الصفحة: 494

غَيْرِ 105 مَعْنَى وَلَدِ الزِّنَا 106. وأمَّا المَحِلُّ الذِي يصِلُ إليه ما ذُكر فهو مَعِدةُ الرَّضيعِ الحيِّ، أو مَا في معنى المعِدةِ؛ فلو حُقِنَ بِاللبنِ أو قُطِر في إحلِيلِهِ فَوَصَلَ مَثَانَتَه، أو كان على بطنِهِ جراحةٌ فَصُبَّ اللبنُ فِيها حتَّى وَصَل إلى الجوفِ، فإنَّه لا يثبُتُ التحريمُ في ذلك 107 إلَّا أَنْ يصِلَ إلى المعدةِ لِخرْقٍ في الأمعاءِ فإنهُ يثبُتُ التَّحريمُ 108. وعندي أنَّه 109 يثبتُ التحريمُ، وإن لم يحصُلِ الخرقُ المذكورُ، وما ذكرناهُ في الحُقنةِ هو أحدُ القولينِ المنصوصينِ في "المختصر"، واختَارَ المزنِيُّ ثبوتَ الحُرمةِ كما يحصُلُ بِهِ الفِطرُ.
ولو صُبَّ في أُذنِهِ لم يثبتِ التَّحريمُ على الأرجح 110. وأما الصَّبُّ في العَينِ فَلَا يؤثِّرُ؛ كذا ذكروهُ 111، ومحلُّهُ فِيما إذا لم يوجَدْ في حَلْقهِ اللبَنُ [فإن وُجِد في حلقِهِ اللبَنُ] 112 وانحَدَرَ إلى المعِدةِ فإنَّه يثبُتُ التَّحريمُ.

الجزء: 3 - الصفحة: 495

ولو ارتَضَع وتقيَّأ في الحالِ حَصَل التَّحريمُ على ما صححوه، ومَحَلُّه ما إذا وَصَل إلى المعدةِ، فإنْ لمْ يصِلْ 113 فَلَا تحريمَ 114. ويُعتَبَرُ في الصورِ كلِّها [التِي يثبتُ فِيها التحريمُ] 115 أَنْ يكونَ ذلك في مَن لم يبلغْ حَولينِ؛ فمَن بَلَغ سنتينِ فَلَا تَحريمَ يتعَلَّق بِهِ 116. ويُعتَبَرُ الحولان بالأهِلَّة؛ فإنِ انْكَسَرَ الشهرُ الأولُ اعتُبِرَ ثلاثةٌ وعشرون شهرًا 117 بعدَهُ بِالأهِلَّة، ويكملُ المنكسِرُ ثلاثينَ مِن الشهرِ الخامِسِ والعِشرين.
ويُحسبُ ابتداءُ الحَوْلينِ مِن وقتِ انفِصالِ الولدِ بِتمامِهِ، فلو ارتَضَع قبلَ انفصالِ جميعِهِ لم يتعلَّقْ بِهِ التحريمُ على ما رَجَّحُوه 118. وعِندِي يثبتُ التحريمُ في هذِهِ لحصولِهِ في معدتِهِ، ولا يمنَعُ مِن ذلك استِتارُ باقِيهِ إذا كان حيًّا، فالميِّتُ لَا يتعلَّقُ بِهِ تحريمٌ.
ولا تثبتُ حُرْمةُ الرَّضاع إلَّا بخمْسِ رضَعَاتٍ على المنصوصِ 119.

الجزء: 3 - الصفحة: 496

والرجوعُ في الرضعةِ إلى العُرْفِ، فإنْ تخلَّل فصلٌ طويلٌ تعدَّدتْ، ولو ارتَضَع ثُم قَطَعَ إعراضًا واشتَغَل بشيءٍ آخَرَ ثُم عاد فرضْعَتانِ 120. ولو قَطَعتِ المُرضعةُ، ثُم عادتْ إلى الإرْضاعِ، فإن لم تتسوَّفْ فكقطْعِهِ، وإنْ تسوَّفَتْ وذهبتْ لِشغلٍ خفيفٍ، وعادتْ فواحدةٌ، وإلَّا فَمُرَجَّحُ المَرَاوزةِ وبعضِ العِراقيين أنَّه يُحسب رضعةٌ 121 أخرى 122، وظاهِرُ النَّصِّ مع المخالِفِ.
ولو حُلب لبنُ امرأةٍ دفعةً وأُوجِر في خمسٍ فرضعةٌ على الأظهرِ 123.


وتحريمُ الرضاع يتعلقُّ بالمُرضعةِ والفَحْلِ الذِي لهُ اللبنُ، والطِّفلِ الرضيعِ.
وتنتشرُ الحُرمةُ من المُرضعةِ إلى آبائِها وأمهاتِها مِن النَّسبِ والرضاعِ وإلى 124 أولادِها وإخوتِها وأخواتِها كذلك، وتنتشرُ مِن الفحلِ كذلك، وتنتشرُ مِن الرضيع إلى أولادِهِ مِن النسبِ والرضاع فقط.


الجزء: 3 - الصفحة: 497

ويُعتَبَرُ لِتحريمِ الرَّضاعِ مِن جِهةِ الرَّجلِ أربعَةُ شُروطٍ:

* أحدُها:

[أن تحمل] (1) ذاتُ اللبنِ مِن الفحلِ؛ فلا يكفِي فِي التحريمِ مِن جهتِهِ أن تُرضع امرأتُه التي لم (2) يدخُلْ بِها أو دَخَل بِها ولكن لم تحملْ.
وفِي "التنبيه" (3): "وإن ثار (4) لها لبن بوَطْءٍ مِن غيرِ حملٍ ففِيهِ قولان (5) " (6) وهذا لَا (7) يمكنُ حملُه على التَّحريم مِن جِهة المُرضِعةِ، بل يُحَرِّمُ مِن جهتِها قطعًا، وإنما الخلافُ فِي التَّحريم على الواطِئِ خِلافًا لِما اعتقده فِي "الكفاية".
ونَقَل القاضِي حُسينٌ فِي "التعليقة" عن روايةِ حرملَةَ أنَّه يحرِّمُ بِمجرد (8) الوطْءِ، فعليه يُنزل ما فِي "التنبيه".


الشرط الثاني

: أن يكونَ اللبنُ منسوبًا إلى الفَحْلِ، واللبنُ النازلُ على حملِ الزِّنى لا حُرْمةَ له، فلا يحرُمُ على الزانِي أَنْ ينكِحَ الصغيرةَ المُرتضِعَةَ 133 من ذلك اللبنِ، لكن يُكره؛ نصَّ عليه 134.125126127128129130131132

الجزء: 3 - الصفحة: 498

وحكاية "الروضة" 135 تبعًا لأصلها فِي بُطْلانِ النِّكاح خِلافًا نتعقَّبُهُ بالنَّص على عدمِ فسْخِ النِّكاح؛ حيثُ قال فِي "المختصر" 136: وأكرهُ لهُ فِي الورع أن ينكحَ بناتِ الذي وُلِد مِن زِناه، فإنْ نكَح لم أفسخْهُ.
ولو نفى وَلدًا بالِّلعان 137، وارتَضَعتْ 138 صغيرةٌ بلبنِهِ لم تَثبتِ الحُرمةُ.
ولو ارتضعتْ به، ثم لاعَنَ انتَفَى الرضيعُ عنه، كما ينتفِي الولدُ، فلو 139 استلحَقَ الولَدَ بعد ذلك لَحِقَهُ الرَّضيعُ، نصَّ عليه، وأطلَقَهُ الأصحابُ 140، ولابُدَّ مِن تقييدِ ذلِك بأنْ لَا يكونَ 141 دَخَل بِالملاعنةِ، فإنَّ المنفيَّةَ باللِّعانِ التِي دَخَل بأمِّها يحرُمُ نكاحُها قطْعًا.
ولا يأتِي هُنا الخلاف 142 فِي نِكاح المنفيَّةِ باللِّعانِ التي لم يُدْخلْ بأمِّها، خِلافًا لِما فِي "الروضة" 143 وأصْلِها، فإجراءُ الوجهينِ هُنا ذُهولٌ عن شرْطِ ثبوتِ الحُرمةِ، وهُو الحملُ، كما تقدَّم، وإذا لم يُوجَدِ الدُّخولُ كيف يُوجدُ الحَمْلُ؟! = الزنا فلا حرمة له فلا يحرم على الزاني أن ينكح الصغيرة المرتضعة من ذلك اللبن لكنه يكره وقد حكينا في النكاح وجها أنَّه لا يجوز له نكاح بنت زناه التي تعلم أنها من مائه فيشبه أن يجيء ذلك الوجه هنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 499

ولو كان الحملُ مِن واطِئِ شُبهةٍ فاللبنُ النازِلُ عليهِ يُنْسَبُ إلى الواطِئِ كالولدِ على المشهورِ.

* الشرطُ (1) الثالثُ:

أَنْ لَا يكونَ قد سبقتْ نِسبةُ اللبنِ 145 إلى زوجٍ آخَرَ أو وَطْءِ 146 شُبهةٍ، فإنْ سبقتْ لم يَكْفِ الحملُ من الثانِي فِي قطْع أثرِ النسبةِ للأولِ، بلْ لَابُدَّ مِن الولادةِ.
فلو طلَّق زوجتَه أو مات عنها، ولها لبنٌ فأرضعتْ بِهِ طفلًا قبلَ أَنْ تنكِحَ فالرضيعُ ابنٌ للمُطَلِّقِ 147 والميتِ، سواءً انقَطَع وَعَاد أو لم ينقطِعْ على الصحيح، فلو نكحتْ بعدَ العِدَّةِ زوجًا وولدتْ منهُ فاللبنُ بعد الولادةِ للثانِي.
وأما قَبْلَ الوِلادةِ مِن الزوْجِ الثَّانِي فإنْ لم يُصِبْها أو أصابَها وَلَم تحْبَلْ أو حبلَتْ، ولم يدخُلْ وقتَ حُدُوثِ اللبَنِ [لِهذا الحملِ، فالَّلبَنُ لِلأولِ، وإن دخل وقتَ حدوثِ اللبنِ] 148 للحَمْلِ الثانِي، فاللبَنُ لِلأولِ على المشهورِ.
فلو نَزَلَ للبِكْرِ لبنٌ فنكحَتْ ثُم حَبَلَتْ مِن الزوج، فحيْثُ قُلنا فِي صورةِ الزوجَيْنِ إنَّ اللبَنَّ للثانِي فهو للزوْجِ، وحيثُ قُلنا هو لِلأولِ، فهُو لِلمرأةِ ولَا أَبَ لِلرضِيعِ.

    • *144

الجزء: 3 - الصفحة: 500

الشرط الرابع

: أَنْ يكونَ الارْتِضاعُ مِن جِهةٍ واحِدةٍ، فأمَّا إنْ وُجِد مِن جهاتِ موطوآتٍ كمستولدَاتٍ، فقالوا: يحرِّمُ على الأصَحِّ، لَا مِن جِهاتِ 149 محارِمٍ كبناتٍ وأخواتٍ فَلَا 150 تحريمَ على الأصَحِّ 151. والمعتمَدُ فِي الفتوى أنَّه لَا تحريمَ 152 مُطلقًا؛ لِأنَّ 153 وجودَ أبٍ وَلَا أُم محالٌ فِي النَّسب 154، فكذا 155 فِي الرَّضاع.


وإذا وُطِئت منكوحةٌ بشبهةٍ، أو وَطِئَ رجُلان امرأةً بشبهةٍ، وأتَتْ بولدٍ، وأَرضعتْ باللبنِ النَّازِلِ عليه 156 طِفلًا فهو تابعٌ للولدِ 157. فإنِ انحَصَرَ الإمكانُ فِي أحدِهِما فالرضيعُ ولدُهُ، وإنْ لمْ يَلْحَقْ واحدًا مِنهما فالرضيعُ مقطوعٌ عنهُما.
وإنْ تحقَّق الإمكانُ فِيهما عُرِض على القائِفِ فبأيِّهما ألحقَهُ لَحِقَه الرضيعُ، فإنْ لم يُكن 158 قائِفٌ

الجزء: 3 - الصفحة: 501

أو نفَاهُ 159 عنهُما، أو تحيَّرَ، توقَّفْنا إلى البُلوغ، وانتِسابِ الولدِ؛ فإن مات الولدُ وله ولدٌ فللرضِيعِ الانتِسابُ 160 على الأظهرِ.
وحُرمةُ الرَّضاعِ الطَّارِئةِ، قاطِعةٌ للنِّكاح، وإنْ لمْ تَكُنْ حرمةً مؤبَّدَةً، فكُلُّ 161 امرأةٍ يحرُمُ عليهِ أَنْ ينكِحَ بِنتَهَا 162 إذا أرضَعَتْ زوجتَهُ الصغيرَةَ الرَّضاعَ المُحرِّمَ ثبتتِ الحُرمةُ المؤبَّدةُ وانقَطعَ النِّكاحُ، وتَستحِقُّ الصغيرَةُ نِصفَ المُسمَّى إنْ كان صحيحًا، ونِصْفَ مهْرِ المِثلِ إنْ كان فاسِدًا، إلَّا أَنْ تكونَ المُرضعةُ مالكتَها فَلَا شَيْءَ لَها 163، وعلى المرضعةِ للزوْجِ إنْ كان حُرًّا ولِسيدِهِ إن كان عبدًا نصْفُ مهْرِ المِثلِ؛ نصَّ عليه؛ فإن كانت المرضعة سيدة العبد فلا شيء له عليها.
وقد ذَكَر شيخُنا فِي المُتعةِ أنَّ ابنَ الحدَّادِ أثبَتَ الرُّجوعَ بِها على المرضِعةِ فِي الأَمَةِ 164 المفوضةِ؛ قالوا: وهو تفريعٌ على إيجابِ نِصفِ [المُسمَّى، وإمَّا على إيجابِ نصفِ] 165 مهرِ المِثل، وهو المنصوص فيجِبُ هنا نصفُ مهْرِ المِثل.
وصوَّب شيخُنا فِي فوائِدِه هنا مقالةَ ابنِ الحداد؛ لأنَّه لم ينظُرْ إلى المُسمى، ونَظَرَ إلى ما جُعِلَ عِوَضَ البُضْع شرعًا، وهو مَهْرُ المِثل، وقبلَ الدخول فِي المفوضةِ قوبل بالمتعةِ فيجِبُ على المرضعةِ المتعةُ.

الجزء: 3 - الصفحة: 502

ولو أُوجر أجنبِيٌّ اللبنَ المحرِّم، فالغُرمُ على الأجنبِيِّ، فلو كانوا خمسَةً فعلى كُلِّ واحِدٍ خُمْسُ الغُرم، وإن كانوا ثلاثَةً فالغُرْمُ بالتوزِيع 166 على عددِ الرَّضعاتِ فِي الأصحِّ.
ولو أُكرهتْ على الإرضاع، فَصَحَّح الرويانِيُّ أنَّ الغُرْمَ عليها لا على المُكرِهِ 167. ولو دَبَّت الصغيرةُ فرضَعَتْ من نائمةٍ فَلَا شَيءَ لها 168، ولَا غُرْمَ على ذاتِ اللبنِ على الأَصَحِّ فِيهما.
وإذا كانتْ تحتَهُ صغيرةٌ وكبيرةٌ فأرْضَعَ أصْلَ الكبيرةِ أو أختَهَا أو بنتَ أختِها الصغيرةَ انفَسَخَ نِكاحُ الصغيرةِ قطعًا، والكبيرةُ أيضًا على الأظهرِ، وهي 169 حُرمةُ جَمع.
ولو أرضعتها 170 بنتُ الكبيرة، ففِي "الروضة" 171 حُكمُ الانفِساخ كما ذكرنا.
قال شيخُنا: وهو وهْمٌ، بل ينفسخُ نكاحُ الكبيرةِ قطعًا، وكذا الصغيرةِ إنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، وإلَّا فهو تحريمُ جَمْع فينفسخُ على الأظهرِ، وتحرُمُ الكبيرةُ على التأبِيدِ، وكذا الصغيرةُ إن كانتِ الكبيرةُ مَدخولًا بِها أو استدخَلَتْ ماءهُ على ما جزمُوا به، ويأتِي فِي نظائِرِهِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 503

وحُكمُ مهْرِ الكبيرةِ إنْ لم يكُن مدخولًا بِها كما سبق فِي الصغيرةِ، فإنْ دَخَلَ بِها فالأظهرُ غُرْمُ مهرِ المِثل.
ولو طَلَّقَ الصغِيرةَ فأرضعتْهَا امرأةٌ صارتْ أُمَّ زوجتِهِ.
ولو تزوَّجتْ مُطَلَّقتُه 172 صغيرًا وأرضعتْهُ بلبنِ المطلِّقِ حرُمَتْ على المطلِّق والصغِيرِ أبدًا.
ولو زَوَّج أُمَّ ولده عبدَهُ الصغيرَ، وجوَّزنا إجبارَ العبدِ الصَّغِيرِ 173 وهو المرجوحُ، فأرضعتْهُ بِلبنِ السيِّدِ حرُمَتْ عليه، وعلى السيِّدِ.
وعن المزنِيِّ 174 عن الشافعيِّ: إنْ أرضعتْ أُمُّ ولدِهِ بلبنِها منه زوجَهَا الصغِيرَ حرُمَتْ عليه، ولم تحرُم على السَّيدِ؛ لأنَّها لم تَصِرْ أُمًّا لهُ إلَّا فِي عدَمِ النِّكاح.
وليسَ هذا النصُّ غلَطًا خِلافًا لهم، فقد وجَّههُ الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- بتوجيهٍ حسَنٍ، فإنَّها لم تكُنْ حليلةً للابْنِ حالةَ البُنُوَّةِ، وليس لأنَّ النكاحَ لم يصِحَّ كما قال الشيخُ أبو علي، ولْيجْرَ هذا النصُّ فِي المطلَّقةِ ونحوِها.
ولو أرضعتْ موطوءتُهُ الأمهُ 175 صغيرةً تحتَهُ بلبنِهِ أو لبنِ غيرِهِ حرُمتْ عليه الأمةُ والزوجةُ 176 أبدًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 504

والزوجةُ الكبيرةُ إذا أرضعتْ ضرَّتَها الصغيرَةَ انفسَخَ نِكاحُهما وحرُمت الكبيرةُ أبدًا، وكذا الصغيرةُ إنْ كان الإرْضاعُ بلبنِهِ، وإلَّا فَربِيبةٌ.
والكبيرةُ إذا أرْضَعَتْ ضَرَّاتِها الصغائِرَ حرُمَتْ أبدًا، وكذا الصغائِرُ إنْ أرضعَتْهُنَّ بلبنِهِ أو 177 بلبنِ غيرِهِ، وهي مدخولٌ بِها، فإنْ لم يدخُل بِها لم يحرُمنَ أبدًا.
وإن 178 أوجرتْهُنَّ 179 الخامسةَ معًا انفسَخَ نكاحُهُنَّ، أو مرتَّبًا انفسخ نِكاحُ الأُولى 180، فإذا أرضعَتِ الثالثةَ، انفسخ نِكاحُها، وكذا الثانيةَ، وفِي الثانِيةِ قولٌ.
ويَجرِي 181 القولانِ فِي ضَرتينِ صغيرتينِ أرضعَتْهُما أجنبِيَّةٌ مُرتَّبًا انفسخ لهما أم للثانية.


الجزء: 3 - الصفحة: 505

فصل

قال: "هنْدٌ بِنتي" أو "أُختِي مِن الرَّضاع"، أو قالتْ هِي عنه ذلك؛ حرُمَ النِّكاحُ بينهُما.
وهذا فِي بِنتي أو ابْنِي: مقيَّد بالإمْكانِ، فإنْ لم يُمْكِنْ ذلك فَلَا تَحرِيمَ؛ نَصَّ عليه.
وجزموا بِهِ، وكذا فِي أخي أو أختي أرضعتنا فُلانةٌ، وذلك غيرُ مُمْكِنٍ.
وإنِ اتَّفق الزَّوجانِ اللذانِ ينفُذُ إقرارُهُما فِي ذلك على رَضاعٍ مُحَرَّم بينَهُما فُرِّق بينهما، وَسَقَط المُسمَّى إذا كان الإقرارُ بِرضاعٍ قَبلَ النِّكاح.
وإنْ كان بِرضاعٍ بعدَهُ سَقَطَ نِصفُ المُسمَّى إلَّا إذا كان الرَّضاعُ المُحرِّمُ بعدَ الدُّخولِ كما فِي رَضاعِ زوجتِهِ الكبِيرةِ المدخُولِ بِها ضَرَّتَها الصَّغيرةَ، فإنَّه يجِبُ للكبيرةِ المُسمَّى كلُّه.
وحيثُ سَقَطَ المُسمَّى كلُّه وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ إن حَصَلَ وَطْءٌ.
وإنِ اعتَرَف بِهِ الزوجُ وأنكرتِ: انفَسَخ، وَلَها المُسمَّى إنْ وَطِئَ وإلَّا فنِصْفُهُ.
وإنِ ادَّعته فأنكَرَ صُدِّق بيمينِهِ؛ إنْ لم يكُنْ هناك عذْرٌ، وإلَّا فالأصحُّ تصديقُها.
ومنهم مَن رجَّح تصدِيقَهُ بيمِينه -وهُو القِياسِ- على ما إذا ادَّعت مُفْسِدًا

الجزء: 3 - الصفحة: 506

للنكاح غيرَ المحرَمِيةِ فأَنْكر الزوجُ.
وعلى الأولِ: لها مهرُ المِثل إنْ وَطِئ، وإلَّا فَلَا شيْءَ عليه.
ويحلِفُ مُنكِرُ الرَّضاعِ على نفِي علمِهِ؛ كذا قالوه، والنصُّ فِي "الأم" أنَّه يحلِفُ على البَتِّ وهُو المُعتمدُ، لِملاقاتِهِ التحريمَ بِخصوصِهِ قبل النِّكاح وبَعدَهُ، ويَحلِفُ مُدَّعيهِ على البَتِّ.
ويثبتُ بشهادةِ رجُلين، أو رجُلٍ وامْرأتيْنِ، وبأربعِ نسوةٍ 182، والإقرارُ بِهِ شرْطُهُ رجُلان 183، وكذا شُربُ اللبنِ من إناء ونحوِهِ عند القفَّال.
وتُقبلُ شهادةُ المُرضِعةِ إنْ لم تَطلُبْ أُجرةً 184، ولو تعرَّضَتْ لِفعلِها فِي الأصحِّ.
والأصحُّ فِي شهادةِ الرَّضاع اعْتبارُ تفصيل ذِكْرِ الوقتِ والعددِ ووصولِ اللبنِ للمكانِ المُحرم، ويُعرفُ ذلك بِمشاهدةِ الحلْبِ والإيجارِ والازْدِرادِ والإسعاطِ، وقرائِنَ مِنَ التِقامِ الثَّدْي والمَصِّ والحركةِ والتجرع والازدراد ومعرفة أنَّها ذاتُ لبنٍ 185. [واللَّه تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب] 186.

الجزء: 3 - الصفحة: 507

التدريب في الفقه الشافعي المسمى بـ «تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي»

تصنيف الإمام الفقيه الكبير سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي - رحمه الله تعالى -

ومعه «تتمة التدريب» لعلم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين البلقيني - رحمه الله -

حققه وعلق عليه أبو يعقوب نشأت بن كمال المصري

[الجزء الرابع]

الجزء: 4

التَّدريب في الفِقه الشَّافِعي المُسَمَّى بِـ «تَدريب المُبتدي وَتَهذيب المُنتَهِي» [4]

الجزء: 4 - الصفحة: 3

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى 1433 هـ - 2012 م

دَار الْقبْلَتَيْنِ المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض جوال: 0506639380 - تليفاكس: 014497216

الجزء: 4 - الصفحة: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

باب النفقات

هي جمعُ نفقةٍ، إذْ تكونُ للزَّوجيةِ ولقرابةِ البعضيةِ، ولِملكِ اليمينِ ولِتابع ذلك، وقد تكونُ بالنذرِ، ونفقةُ المستعارِ سبقتْ فِي بابِهِ، واللقيطُ واتصالُهُ والمؤجِّرُ والمودع ونحوها سبقَ ما فيها.
وتكونُ حفظًا للروحِ فتتعين، وتكونُ فرضَ كفايةٍ بحسبِ الحالِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآيةَ.
وصحَّ من حديثِ عائشةَ -رضي اللَّه عنها- فِي قضيةِ هند: "خُذِي مِن مالِهِ ما يكفيكِ

الجزء: 4 - الصفحة: 5

وولدَكِ بِالمَعرُوفِ" 187. فتجبُ على الزوجِ ولو كان صغيرًا لكُلِّ زوجةٍ حرَّةٍ، أو أَمَةٍ مُسلمةٍ، أو كافرةٍ غيرَ مرتدَّةٍ ممكنةٍ كُلَّ اليوم بليلتِهِ الآتيةِ بعدَهُ أو بعضه فِي أوائِلِ اليومِ بلا تقصير فِي الماضِي، قلتُهُ تخريجًا.
ولو كانتْ رتْقَاءَ أو قَرْناءَ أو مريضَةً أو حائِضًا أو نُفَسَاءَ أو مُستحاضةً أو متحيرةً، أو مظاهرًا منها أو مُحرِمَةً، إلَّا أن تكونَ ناشزًا أو وُطئت بشبهةٍ.
والمعتَبَرُ النكاحُ الصحيحُ ظاهرًا وتابعه.
وإن زادتِ الزوجاتُ على العددِ الشرعيِّ كما فِي الكافرِ قبلَ الإسْلامِ وبعدَهُ قبلَ الاختيارِ، وكذا فِي الحرِّ المسلِمِ قال: عنْ أربَعٍ انقَضَتْ عدتُهُنَّ فِي الرجعِيِّ وأنْكَرْنَ فَلَا تسقُطُ نفقتُهُنَّ ويَتَزَوجُ عليهِن، ويُنفقُ على الجمِيع.
والعبدُ فِي عَدَدِهِ كذلك.
وكذا مَنْ عَقَدَ مُرتَّبًا على نسوةٍ زائِداتٍ على عددِهِ المُباح لهُ، وَلَا يعلمُ عَينَ المُتقدِّمِ.
ويُنفِقُ الكافِرُ على أُختينِ كما سَبَقَ، وكذا المُسلمُ فِي دعوى الانْقِضاءِ ونِسيانِ السَّابقةِ فِي عقديْنِ على أُختَينِ مُرَتَّبًا.
ومِن توابع الصحِيحِ: لو أسلمتْ هِي أو ارتدَّ هُو بعدَ الدخولِ فِيهما، وكذا فِي إبْهامِ الطلاقِ والتباسِه، وعلى المطلقةِ الرجعية.
ولو ادَّعى الخُلْعَ منها، فقالت: "طَلَّقَنِي بِلا عِوضٍ"، أَنْفَق عليها.
وتجِبُ للبائِنِ الحامِلِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 6

ولو تزوَّج أُختَ البائِنِ أو أربعًا سواها فينفِقُ على الجميع.
ولا تجِبُ فِي الفاسِدِ الذي علمتِ الزوجةُ فسادَه.
فإنْ لم تعلمْ أو كان فسادُه مما تخفى عاقبتُهُ كما فِي العَتيقةِ فِي مرضِ الموتِ غيرِ المُستولدَةِ يتزوجُها مُعتقُها فلها النفقةُ حالًا.
وكذا إنْ لم تَخْفَ عاقبتُهُ فلها الطلبُ، ونُوجبه ظاهرًا.
فإنْ بان الفسادُ فيها لم يرجِعْ بما أنفق، ولا يُطالَبُ هو بما مضى مِن غيرِ إنفاقٍ.
وإن خرجتِ العتيقةُ مِن الثلُثِ لو لم يحسبْ دَيْنُ النفقةِ تخيَّرَتْ كما سبق فِي المهرِ.
ويُقَسَّطُ الواجِبُ على زوجيْنِ عُلِم تقدُّمُ أحدِهما ونُسي -وفاقًا لابن كَجٍّ- إذ لا مانِعَ مِن الزوجيَّةِ خلافًا لِما صححهُ الإمامُ مِن أنَّها لا تجِبُ.
وعلى ما اختَرْناه إذا تعيَّن السابِقُ رجع اللَّاحِقُ عليه بما أنفق، فلو كان أحدُهما موسِرًا والآخرُ متوسطًا وَجَب لها نفقةُ متوسِّطٍ عليهما، أو كان أحدُهما مُعْسرًا مع مُوسِرٍ أو متوسطٍ فنفقةُ معسر عليهما؛ لاحتمالِ أن يظهرَ السابقُ المتوسطُ فِي الأولى والمعسرُ فِي الأخيرتين، فلا نُوجب على الآخَرِ زيادةً مشكوكًا فيها، والنظرُ إلى أنه يقسط بمقتضى حالهما، ثم يرجعُ مَنْ فضلَ له شيءٌ على الزوجةِ: بعيدٌ.

ضابط

ٌ: ليس لنا حرٌّ كلُّه موسرٌ أو متوسط غير مفلسٍ ينفقُ نفقةَ المُعْسِرين إلَّا فِي هذا الموضِع.
ولا يجبُ على الرجلِ فيها أقلُّ مِن مدٍّ إلَّا فِي هذا الموضعِ، وفِيما إذا كان أولَ التَّسليمِ بلا تقصِيْرٍ فِي أثناءِ النَّهارِ بعد فواتِ الباكورةِ على ما اخترتُهُ

الجزء: 4 - الصفحة: 7

تخريجًا.
والواجب على الموسِر المنفرِدِ لِكلِّ واحدةٍ مِمن ذَكرنا مُدَّان، وعلى المتوسِّطِ مُدٌّ ونصف على المشهور 188. وقال البويطيُّ: عليه مُدٌّ وثلثٌ، وعلى المقتِرِ مدٌّ.
والمدُّ: مِكيالٌ معروفٌ، وتقديرُهُ بالوزنِ لا يُعتمدُ لثقل ما يُوزنُ وخِفتهُ وانتشارُه واجتماعُه، والربوياتُ التي يُعتبَرُ فيها التساوي لا يُنظر فيها إلى الوزن، فكذا هنا.
ويُرجع فِي اليسارِ وغيرِهِ إلى العُرْفِ.
ومِن المقتِرِين: المكاتَبُ والمبعَّضُ على ظاهر النصِّ، وأصل فِي إعفاف فرعه الموسر 189. ومن المُوسِرين: المفلِسُ إلى فَراغِ مالِهِ، خلافا للإمام فِي إلحاقِهِ بالمقتِرِ، واستُحْسِنَ أن المقتِرَ هنا مسكينُ الزكاة، أو قادرٌ على كسْبٍ يكفيهِ أو يزيدُ، ومَن فوقَ المقتِرِ إن كان لو كُلف مُدَّين رَجَع مقترًا فمتوسِطٌ وإلَّا فموسِرٌ 190 ولم يبينوا مُدَّةَ التكليفِ بالمُدَّينِ، والظاهِرُ اعتبارُ السَّنة كما سبق فِي الزكاة.


والواجب: غالبُ قوتِ البلد، ولو أقِطًا لأهلِ الباديةِ، فإنْ لم يكْفِ ولم يغلبْ شيءٌ وَجبَ اللائقُ به 191.

الجزء: 4 - الصفحة: 8

ومعتبَرُ اليسارِ وغيرِهِ: طلوعُ الفجرِ فِي مبدَأ التَّسليم، ويستمِرُّ الحالُ على النظَرِ إلى طلوع الفجْرِ فِي حادِثِ يسارٍ أو إعسارٍ أو توسطٍ، وإنَّما يُعتَبَرُ طُلوعُ الفجرِ فِي الممكنة قبله، أما الممكنة عقبه فيعتبَرُ الحالُ حينئذٍ (1). وعليه إعطاءُ الحبِّ للنفقةِ وتملِكُه هي إلَّا أن تكونَ أَمَةً غيرَ مكاتِبةٍ ما لم تأكله، فإن أكلتْهُ ملكتْهُ.

ضابط

ٌ: لا يملِكُ الرقيقُ بتمليكِ غيرِ السيدِ، ولا السيدِ على المذهبِ إلَّا فيما أكلهُ الرقيقُ حلالًا؛ لأنه نِهايةُ التصرفِ، وقد ذكر الماوردِيُّ ما يقتضيه، وقبض المحجور عليها بإذن الولِيِّ ولو صغيرةً كافٍ.

  • ضابطٌ: لا يحصُلُ مِلكٌ لِصغيرِ باختيارٍ يجري بينَهُ وبينَ مَن ينتقِلُ الملكُ عنه إلَّا فِي هذا الموضعِ، وفِي الخُلعِ نحوه.

وعليهِ طحنُ الحَبِّ وخبزُهُ فِي الأصحِّ، إلَّا إذا عُدَّا من الخدمةِ، ومثلها يتعاطى ذلك بنفسِهِ.
ولو طلبَ أحدُهما بَدَلَ الواجِبِ لم يُجْبَرِ الممتنعُ، ولو حَصَل اعتِياضٌ عنه بنقدٍ أو عَرَضٍ غَيْرِ رِبويٍّ أو رِبوىٍّ ليس مِن جِنس الواجِبِ جاز فِي الأصحِّ، خِلافا لِما صححه القاضِي حُسين والزَّازُ من المنع بِعلةِ أنَّه بيعُ طعامٍ قبل القبضِ أو أنَّه يُشْبِهُ السَّلَمَ.
والمعتمدُ منْعُ الاعْتياضِ لَا للعلَّةِ المذكورةِ، بل لِجهالةِ صفتِه فأشبه بيْعَ إبلِ الدِّيةِ.192

الجزء: 4 - الصفحة: 9

وغلبةُ الجِنس لا تُفيدُ العلمَ بالصفة، ولا غلبةُ النوع عند اختلافِ قيمةِ الصِّنْفِ، وعلى هذا فلا يُحال به ولا عليه، ولا تَقِرُّ بِهِ الحرةُ لغيرها أبدًا.
وإن أخذتْ دقِيقًا مِن جنسِهِ أو خُبْزًا منهُ بصريحِ المُعاوضةِ الخالِيةِ عن معنى الاستِيفاءِ بَطَلَ قطعًا، وكونُ الحِنطةِ مع دقِيقِها جِنسانِ شاذٌّ لا تفريع عليه.
وإنْ وقَع ذلك على أنَّه وَصَلَها إلى ما عليه استيفاءٌ جاز بِرضاها قطعًا.
وإنْ أظهَرَا صُورةَ التبادل والمعنى استيفاء، فهلْ يبطُل نظرًا لمقتضى الظاهر أو يصِحُّ نظرًا للاستيفاءِ؟ هذا محلُّ تردُّدٍ والأرجحُ المنعُ.
وشرطُ صحةِ الاعتِياضِ على ما صحَّح الأكثَرُ: أَنْ يكونَ العوضانِ معلومَينِ للمتعاوضَيْنِ، والشرطُ أن يُعين فِي العقد أو يُقبض فِي خيار المجلِسِ.
ولو اعتاضتْ موافقًا فِي العلَّة كقمحٍ عن شعيرٍ وعكسِهِ، فلابُدَّ مِن قبْضِ العوضِ فِي خيار المجلسِ.
ولو أكلتْ معهُ على العادة سقطَتْ نَفَقَتُها فِي الأصحِّ، وقد تقدَّم فِي الحَجْر.
ويجبُ أدمٌ من غالِبِ أدم البلدِ، كجُبنٍ وتمرٍ وزيتٍ وسمنٍ، ويختلِفُ بالفصولِ 193، وهو إلى اجتهادِ القاضِي 194، ويقارِنُ بين الموسرِ وغيرِه، فعلى

الجزء: 4 - الصفحة: 10

الموسِرِ مَثْلا ما يفرِضُهُ على المُعسِرِ، وعلى المتوسِطِ مثلُه ونصفه، ولحمٌ لائِقٌ بحالِهِ كعادة بلده 195. ولو قنعتْ بالخبزِ وَجَب الأدمُ 196.


وتجبُ كسوةٌ تكفيها من قميصٍ وسراويلَ، وإزارٍ، وخِمارٍ، ومُكْعَبٍ 197 أو نعلٍ 198. ويزاد فِي الشتاء جُبةٌ أو فروةٌ.
والكسوةُ من القطنِ، فإن جرَتْ عادةُ البلدِ لمثله بكتَّانٍ أو حريرٍ وَجَبَ فِي الأصحِّ 199. ويَجِبُ ما تقعد عليه كطنفسة أو زِلِّيةٍ 200 أو لِبْدٍ أو حصيرٍ، فعلى الموسر طنفسة شتاءً ونِطعٌ صيفًا، وعلى المتوسط زِلِّيةٌ، وعلى المعسِرِ حَصِيرٌ صيفًا ولِبدٌ شتاءً 201. وكذا فراشٌ للنوم فِي الأصحِّ للعادةِ مِن مضربةٍ وثِيرةٍ، أو قطيفة.

الجزء: 4 - الصفحة: 11

وتجِب مخدَّةٌ ولحافٌ فِي الشتاء، أو كساءٌ وشعارٌ فِي الصيف بمقتضى العادة على المعتمد 202.


وتجبُ آلةُ تنظيفٍ كمشطٍ ودهنٍ وما يُغسل الرأسَ والبدنَ مِن سِدْرٍ أو خطىٍّ ومَرْتَك 203 ونحوه لدفع صُنَانٍ، لا كُحلَ وخِضابَ وما يُزينُ، ولا دواءَ مرضٍ وأجرةَ طبيبٍ وحاجِمِ، ولها نفقة ألم المرض 204، والأصحُّ وجوبُ أُجرة حمَّام إلَّا إذا كانتْ من قوم لا يعتادون دخولَهُ، وحيثُ وجب ففِي الشهر مرة 205. وعليه ماءُ غُسلِ جماعٍ ونفاسٍ لا حيضٍ واحتلامٍ فِي الأصحِّ، ولا ماءَ وضوءٍ إلَّا إذا كان هو السببَ فِي النقضِ 206.


ولها آلاتُ أكْلٍ وشُربٍ وطبْخٍ كقِدرٍ وقصعةٍ وكوزٍ وجرَّةٍ ونحوها ومسكنٌ يليق بِها، وإن لم يكن مِلْكَهُ 207.

الجزء: 4 - الصفحة: 12

وعليهِ لِمَنْ لا يليقُ بِها خدمةُ نفسِها -على ما كانتْ فِي بيتِ أهلِهَا- إخدامُها بالحرَّةِ أو الأَمَةِ المستأجَرَةِ، أو المملوكةِ، أو بالاتفاقِ على من صحبتها مِن حرةٍ أو أمةٍ لخدمةٍ يستوي فِي إيجاب الإخدام مُعسرٌ وعبدٌ وغيرُهما.
والواجِبُ خادمٌ واحدٌ.
والصحيحُ اختلافُ نفقةِ المصحوبة باختِلافِ حالِ الزوج؛ فعلى الموسِرِ مُدٌّ وثلثٌ، وعلى المقتِرِ مُدٌّ، وكذا متوسط على الصحيح، ولها الأدمُ، وأنَّها دونَ نوعِ أدمِ المخدومةِ.
ومَنْ تخدُمُ نفسَهَا فِي العادةِ يجبُ إخدامُها لزِمانةٍ أو مرضٍ، ويُزَاد بحسبِ الحاجةِ على الواحدةِ 208. وللخادم كسوةٌ لائقةٌ بِها دونَ كسوةِ المخدومةِ مِنْ قميصٍ ومقنعةٍ وفِي الشتاءِ جبةٌ أو فروةٌ، ولها خفٌّ وملحفةٌ وما يُجلسُ عليه كبارِيَةٍ فِي الصيف، ولِبد فِي الشتاء، ووِسادةٌ وكساءٌ للنومُ 209.


وتملِكُ الزوجةُ الطعامَ والأدمَ وما يُستهلك مِن آلاتِ التنظيفِ، وكذا الكسوةُ على الأظهر، وتملِكُ الخادمةُ نفقتَها وكسوتَها إن كانت حرَّةً على الأرجح، وما يُنتفع بِهِ مع بقاءِ عينِهِ مِن الفرشِ وظروفِ الطعامِ كالكُسوة عندَ البغويِّ، وألحقهما الغزاليُّ بالمسكنِ، وهو أرجحُ لجوازهِما بالمستأجَرِ والمُستعار فهما إمتاعٌ، وكذا الخادمُ إمتاعٌ ونفقتُهُ بعد وجودِهِ

الجزء: 4 - الصفحة: 13

واجِبُها التَّمليكُ (1).


والفرْقُ بين ما واجِبُه التَّمليكُ وما هو إمتاعٌ مِن وجوهٍ:

أحدُها: أنَّ ما واجبُهُ التمليكُ لا يسقُطُ بِمضيِّ الزمانِ، وما هو إمتاعٌ يسقُطُ.
الثانِي: أن ما واجِبُهُ التمليكُ لا يكفِي فِيه المستأجَرُ والمستعارُ، وما واجِبُهُ الإمتاعُ يكفِي فيه ذلك.
الثالِثُ: أنَّ ما هو إمتاعٌ يجِبُ إبدالُهُ إذا بلغتْهُ الزوجةُ بخلافِ ما واجِبُهُ التملِيكُ.

الرابع: أنَّ ما هُو تمليكٌ لَا يُستَرَدُّ إذا حَصَل الموتُ أو الإبانةُ فِي الإفناءِ، وما هو إمتاعٌ يستَرَدُّ، ولو نَثَرَتْ في أثناءِ ال

فصل

ِ فهو كاليوم بالنسبةِ إلى النفقةِ، فيُستَرَدُّ، ثُم إذا عادتْ إلى الطاعةِ يكونُ ذلك أوَّلَ فِعلها بِخلافِ اليومِ تعودُ إلى الطاعةِ فيه؛ لأنَّ التبعِيضَ فيه متعذِّر.
الخامسُ: أنَّ ما واجبُه التملِيكُ لَا يبدَلُ إلَّا بالرِّضى، وما هُو إمتاعٌ يُبدل بغيرِ الرِّضى.


فصل 211 تجبُ النفقةُ بِالتمكِينِ، فلو اختَلَفا فيه فالقولُ قولُ الزَّوجِ، فإذا سلَّمتْ210

الجزء: 4 - الصفحة: 14

نفسهَا للزوْجِ فعليهِ النفقةُ، ولو بعثتْ إليه: "إنِّي مُسلِمةٌ نفسي" فعليهِ النفقةُ مِن وقتِ بُلوغِ الخَبَرِ، فإنْ كان غائبًا رَفعتِ الأمرَ إلى القاضي وأعلمتْهُ بالطاعةِ؛ لِيُعْلِمَ الزوجَ إن عَرَف موضِعَهُ، فإن سار إليها أو بعَثَ وكيلَهُ وجَبَتِ النفقةُ مِن حِينِ التَّسلِيمِ.
فإنْ لم يحضرْ ومضى زمنُ إمكانِ حضورِهِ جُعل كالمسلَم.
فإن لم يعرفْ موضِعَه كَتَبَ مطلقٌ ونُودي باسمِهِ.
فإنْ لمْ يظهرْ أُعطيتِ النفقةُ من مالِهِ بكفيلٍ.
والمعتَبَرُ عرْضُ الولِيِّ فِي المراهقةِ والمجنونةِ، ويسقُطُ بالنشوزِ ولو بعضَ النهارِ فِي الأصح.
وامتناعها من الوطْءِ بِلا عُذرٍ نشوزٌ، وكذا امتناعُها من التسلِيمِ، والمهرُ مؤجَّل، ولو حَلَّ قبل الامتناع أو حالٌّ، وقد جرى الدخولُ، أمَّا إذا لم يجزْ دخولٌ فلها النفقةُ مِن حينِ قالتْ: سلِّمِ المهرَ لأُسلمَ نفسي 212. وهربُها وسفرُها وخروجُها مِن بيتِ الزوج بغيْرِ إذنِهِ نشوزٌ 213 إلَّا إذا أشرف المنزلُ على الانْهِدام أو أُخرجتْ مِن المنزِلِ الذي هو لِغيرِ الزَّوج أو خرجَتْ مِن بيتِ أبِيها لزيارةٍ أو عيادةٍ 214. وسفرُها وحدَها بإذنِهِ فِي حاجاتِها يُسقطُ النفقةَ على الأظهر.
ولو حُبستْ أو كانت مؤجَّرةً قبلَ النكاح إجارةَ عينٍ فَلَا نفقةَ.
وإذا نشَزَتْ فغاب الزوجُ لم يعُد استحقاقُها بعودِها إلى الطاعةِ فِي الأصح، بل يُرفعُ الأمرُ إلى القاضِي كابْتِداءِ التَّسليمِ لِيقضي بِطاعتِها ويخْبِرُ

الجزء: 4 - الصفحة: 15

الزوجَ بذلك.
فإنْ عاد إليها أو أرسَلَ إليها وكيلَهُ فاستأنَفَ تسليمَهَا عادتْ لها النفقةُ.
وإذا مضى زمنُ إمكانِ العودِ ولمْ يعدِ الزوجُ إليها، ولم يُرسلْ إليها وكيلَهُ عادتْ لها النفقةُ أيضًا، وأظهرُ القولينِ أنَّ الصغِيرةَ لا تجِبُ نفقتُها على زوجِها سواءٌ كان كبيرًا أو صغيرًا.
وتجبُ للكبيرةِ على الصغيرِ، وقد سبقَ فِي أولِ البابِ، والمرادُ بالصغيرةِ والصغِيرِ مَن لا يتأتَّى جِماعُهُ، والكبير مَن تأتَّى منه الجِماعُ لِيدخلَ المراهِقُ 215. ولو 216 أحرمتْ بالحجِّ أو العمرةِ بِغيرِ إذنِ زوجِها فلَا يخلو إمَّا أن تخرجَ أم لا: فإنْ خرجتْ ولم يكنْ معها سقطَتْ نفقتُها، وإن لم تخرجْ فَلَا تسقطُ؛ لأنَّها فِي قبضتِهِ، وهو قادرٌ على تحليلِها.
وإنْ خَرَجَ معها لم تسقطْ نفقتُها على الصحيح.
وإن أحرمتْ بإذنِهِ وخرجتْ ولم يكن معها سقطتْ نفقتُها على أظهرِ القولينِ.
وإن كان معها لم تسقطْ نفقتُها على أقوى الطريقين.
ولا فرقَ فِي الخروجِ بين أن يكونَ بإذنهِ أو لا، إذا كان إحرامُها بإذنِهِ، ولا أثَرَ للنهي عنِ الخُروجِ 217. وللزوج منْعُها مِنْ صومِ التَّطوعِ، فإنْ أبتْ سقطتْ نفقتُها فِي الأصحِّ، وله منْعُها عن القضاء الموسَّع، وفيه وجهٌ لا يمنع.

الجزء: 4 - الصفحة: 16

وليس له منْعُها مِن تعجيلِ الفرائضِ فِي أولِ وقتِها ولَا مِن السُّننِ الراتبةِ ما لم تُطِلْ، ولا مِن صوم عرفةَ وعاشوراءَ.
وله منْعُها مِن صومِ الكفارةِ، فإن صامتْ سقطتْ نفقتُها كُلُّها، وقيل: يسقُطُ نِصفها للتمكِين من الاستمتاع فِي الليلِ، والأظهرُ الأوَّلُ كما لو سلَّمت ليلًا فقط، أو نَهارًا فقط فلا نفقةَ على أرجحِ الوجهينِ (1).


فصل

تجبُ النفقةُ للرَّجعيَّةِ، وكذلكَ الكسوةُ، وسائرُ المؤناتِ كالزوجةِ، إلَّا آلةُ التنظيفِ، فإنَّ الزوجَ ممتنعٌ عنها.
ولا فرقَ بينَ أَنْ تكونَ الرجعيةُ حرَّةً أو أمةً، حائلًا أو حاملًا.
ولا تسقطُ نفقتُهَا إلَّا بما تسقطُ به نفقةُ الزوجاتِ 219. وإذَا كانَتْ حاملًا استمرَّتِ النفقةُ إلى انقضاءِ عدَّتِهَا بوضعِ الحملِ، أو غيرِهِ، فلو ظهَرَ بِهَا أماراتُ حملٍ بعدَ الطلاقِ فأنفقَ، ثم ظهرَ أنَّهُ لم يكُنْ حمل استَرَدَّ ما دفعَهُ إليهَا بعدَ انقضاءِ عدتِها، وتُسأَلُ عنْ قدرِ الأقراءِ، فإن عيَّنَتْ قدرَهَا صُدِّقَتْ بيمينِهَا إنْ كذبَها الزوجُ، وإن صدقَها، فلا يمينَ عليها 220. ولا تجبُ للبائنِ بخُلْعٍ، أو طلاقٍ ثلاثٍ إن كانت حائلًا، وإن كانتْ حاملًا وجَبَ لها النفقةُ والكِسوةُ، والأظهرُ أنَّ وجوبَهَما لها بسببِ الحملِ، وقِيلَ:218

الجزء: 4 - الصفحة: 17

للحملِ خاصةً -وقد تقدَّمَ شيءٌ من هذا أولَ البابِ.
ولا تجبُ للمُعْتَدَّةِ عنِ الوفاةِ، ولو كانتْ حاملًا، سواءٌ قلنا: للحاملِ أو للحملِ، لأنَّ نفقةَ القريبِ تسقطُ بالموتِ.
ولا نفقةَ للحامِلِ عنْ شبهةٍ، ولا للمنكُوحَةِ نِكَاحًا فاسدًا.
ولو أنفقَ على زوجتِهِ ثمَّ بانَ فسادُ النكاحِ لم يستردَّ ما أنفقهُ، سواءٌ كانتْ حاملًا أو حائلًا (1).


وفِي كيفيَّةِ نفقةِ العدَّةِ وجهانِ:

1 - أصحُّهُمَا: التقديرُ، كزمنِ النكاحِ.
2 - والوجهُ الثانِي: الكِفايةُ.
ولا تجبُ النفقةُ حتَّى يظهرَ الحملُ، فإذا ظهرَ وَجَبَ الإنفاقُ يومًا بيومٍ -على الأرجحِ.
وقيل: عندَ الوضع.
والأصحُّ من الطريقينِ: أنها لا تسقطُ بمضيِّ الزمانِ.


فرع

ٌ: مَن وجبتْ عليه نفقةُ الزوجةِ غيرَ الرجعيَّةِ من زوجٍ وفرعٍ لزوجةِ أصلٍ وجبَ عليه إعفافُه، أو أصلٍ لفرعٍ فِي نفقتِهِ، على وجهٍ قطعَ به المَحَامليُّ والمهذب وهو خلافُ الأصحِّ، فإنَّه إذا أعسرَ الزوجُ -ومنه إعسارُه بإعسارِ فرعِهِ أو أصلِهِ فيما تقدَّمَ- كانَ للزوجةِ الخيارُ فِي فسخِ النكاحِ على المنصوصِ المشهورِ المعتَمَد، ولم يثبت العِراقيون وبعضُ221

الجزء: 4 - الصفحة: 18

المراوِزَةِ مَا يخالفه، وخالفهم أكثرُ المراوزةِ، فإثباتُ القولين فِي طريقتِهم أصحُّ، والمعتمدُ القطعُ.
وإن رضيَتْ بالإقامَةَ معهُ ليسارِهِ صارَتْ دينًا فِي ذمَّتهِ ولو امتنعَ من الدفعِ معَ اليسارِ فلا فسخَ على الأصحِّ، سواءٌ كان حاضرًا أو غائبًا.
وقيل: لها الفسخُ إلحاقًا لهُ بالمعسرِ 222. ويجري الوجهانِ فيما لو غابَ عنهما وهو موسِرٌ فِي غيبتِه، ولا يوفِّيها حقَّها، فالأصحُّ: لا فسخَ، وكان المؤثر تَغَيُّبُهُ لخرابِ ذمَّتِه، ولَكِن يبعثُ القاضِي إلى حاكِم بلدِهِ ليُطالبَهُ إذا علِمَ موضِعَهُ 223. وعلى الوجهِ الآخَرِ: لها الفسخُ إذا تعذَّرَ تحصيلُها، واختارُه جماعةٌ من أصحابِنا 224، فعلى الصَّحيحِ: لو جهِلْنَا يسارَهُ أو إعسارَهُ يكونُ الحكمُ كذلكَ ولا فسخَ، لأنَّ السببَ لم يتحققْ، ولو كانَ حاضرًا ومَاله غائبًا فلا يخلُو: إمَّا أن يكونَ بمسافةِ القصرِ، أو دُونَها، فإنْ كان المالُ بمسافةِ القصرِ فلها الفسخُ، ولا يلزمُها الصَّبْرُ.
وإنْ كانَ دونَ مسافة القصرِ فلا فسخَ لها، ويلزمُ بالإحضارِ 225. وإذا تبرَّعَ بالنفقةِ مُتَبرِّعٌ لم يلزمِ الزوجةَ قبولُها، ولها الفسخُ على الأصحِّ، كما لو كانَ له دينٌ على إنسانٍ فتبرعَ غيرُهُ بقضائِهِ لا يلزمُه القبولُ، لأنَّ فيهِ مِنَّةً للمُتبرِّع 226.

الجزء: 4 - الصفحة: 19

وعنِ ابنِ كَجٍّ: أنَّه لا خيارَ لها لعدَمِ تضرُّرِها بفواتِ النَّفقةِ، فلو تبرَّع على الزوجِ وملكُه الزوجُ بذلك أو بالنذرِ بإعطائِه فلا فسخَ لها 227. وَمَنْ وجدَ النَّفقةَ بقرضٍ فليسَ لها أن تفسخَ وكذلكَ لا فسخَ عندَ وجود ضامنٍ موسرٍ لما وَجَبَ حالًا بالإذنِ، وكذا بغيرِ الإذنِ على وجهٍ خرَّجَهُ شيخُنا فِي النَّذرِ للدفعِ للزوجةِ، وقدرتُهُ على الكسبِ كقدرتِهِ على المالِ، ولا يثبتُ لها الفسخُ إلَّا إذا عجزَ عن نفقةِ المُعسرينَ، فلو قدرَ عليها وعجزَ عن نفقةِ المتوسطين أو الموسرينَ فلا فسخَ لها 228. والمعتَبَرُ هنا من لايملكُ ما يُباع فِي دينِه، ولا كسبَ له أوْ لَهُ كسبٌ ينقطعُ يومين فأكثر.
فإن كانَ ينقطعُ يومًا وبعضَ الثاني ثُمَّ يكتسبُ قَبْلَ تكملةِ يومين ما يفِي بالحالِ فلا فسخَ لها، لأنَّ الضرَرَ حينئذٍ يسيرٌ، ومِلْكُ المؤجَّلِ لا يمنعُ الفسخَ إلَّا إن قَرُبَ أجلُهُ بيومٍ وبعضِ الثاني، وحُكْمُ الإعسارِ بالكسوةِ والمسكنِ حُكْمُ الإعسارِ بالنفقةِ على الأرجحِ.
ولا يثبتُ الخيارُ بالإعسارِ بالأدمِ على الأصحِّ عندَ الأكثرينَ، وعن الداركي: يثبتُ، وقال الماورديُّ: إن كانَ القوتُ مما ينساغُ دائمًا بلا أدمٍ فلا خيارَ لها، وإلَّا فيثبت وهو حسنٌ 229. وإذا أعسرَ بالمهرِ ففيهِ أقوالٌ 230، أصحُّها: إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ ثبتَ لها الفسخُ وإن كانَ بعدَهُ فلا.

الجزء: 4 - الصفحة: 20

وإذَا ثبتَ لها الخيارُ فلا تستقلُّ بالفسخِ بالإعسارِ، بل يرفعُ أمرَها للحاكمِ ليثبتْ إعسارَه.
فإذا ثبتَ عندهُ إعسارُهُ أمهلَهُ ثلاثةَ أيَّامٍ على الأظهرِ، ثمَّ يخيَّرُ صبيحةَ اليومَ الرَّابعِ بينَ أَنْ يتولَّى الفسخَ بنفسِهِ أو يأذنَ لها فيهِ، فلو سلَّم نفقةَ اليومِ الرَّابعِ فلا فسخَ لما مضَى، وليسَ لها أن تقولَ: "آخُذُ هذا عن نفقةِ بعضِ الأيامِ الثلاثةِ، وأفسخُ بتعذُّر نفقة اليوم"؛ لأنَّ الاعتبارَ فِي الأداءِ بقصدِ المُؤَدِّي لا إلى قصدِ القابضِ، فلو رضي الزوجُ بذلك وجعلها كما قالتْ جازَ لها الفسخُ على أقوَى الاحتمالينِ، ولو عجزَ عن نفقةِ اليومِ الخامسِ كانَ لها الفسخُ على الأظهرِ، قال الداركيُّ: ولا تمهل اكتفاءً بالإمهالِ السابق خلافًا للروياني حيثُ قال: يُمهلُ مرةً أخُرى حيثُ لم يتكرَّرْ منهُ، فإنْ تكرَّرَ لمْ يُمهَلْ إمهالًا بعدَ إمهالٍ، والأصحُّ الفسخُ فِي الحالِ 231. وإذا مضى يومانِ بلا نفقةٍ ووجدَ نفقةَ اليومِ الثالثِ وعجزَ فِي الرابعِ ثبتَ على أصحِّ الوجهينِ، والثاني: يستأنفُ 232. ويجوزُ لها الخروجُ فِي مدةِ الإمهالِ لتحصيلِ النفقةِ بكسبٍ أو تجارةٍ أو سؤالٍ، وليسَ له منعها من الخروجِ على الصحيحِ المنصوصِ، وعليها أن تعودَ إلَى منزلِهِ بالليلِ 233. وإذا مضتِ المدَّةُ ورضيتْ بإعسارِهِ أو المقام معه، ثم أرادتِ الفسخَ فليسَ لها ذلك، لأنَّ الضررَ لا يتجددُ.

الجزء: 4 - الصفحة: 21

وليسَ لولي الصغيرةِ والمجنونةِ الفسخُ، وإن كانَ فيه مصلحتُهما، وينفقُ عليهما منْ مالِهما، فإنْ لم يكنْ لهما مالٌ فنفقتُهُما على مَن عليه نفقتُهُما لو كانتا خليتينِ، وتصيرُ نفقةُ الزوجةِ ديْنًا عليه يطالبُ به 234 إذا أيسرَ 235. وكذا لا يفسخُ الوليُّ بإعسارِ الزوجِ بالمهْرِ 236. وإذا امتنعَ على الوليِّ ذلك فِي الصغيرةِ والمجنونةِ 237؛ فلأن يمتنعَ ذلك عليهِ فِي البالغةِ العاقلةِ من بابِ أولَى.
ولو أَعْسَرَ زوجُ الأمةِ بالنفقةِ فلها الفسخُ كما يفسخُ بِجَبِّهِ؛ ولأنها صاحبةُ حقٍّ فِي تناولِ النفقةِ، فإنْ أرادتِ الفسخَ لم يكنْ للسيدِ منعها، فإنْ ضمنَ النفقةَ فهو كالأجنبيِّ يضمنها 238. ولو رضيتْ بالمقامِ أو كانتْ صغيرةً أو مجنونةً، فلا فسخَ للسيدِ على الأصحِّ، ولا يلزمُ السيدَ حينئذٍ نفقةُ الكبيرةِ العاقلةِ، بل يقولُ: افسخِي أو اصبرِي على الجوعِ 239. وإذا أعسرَ زوجها بالمهرِ فالفسخُ للسيدِ؛ لأنَّه محضُ حقِّه 240.


الجزء: 4 - الصفحة: 22

فصل

241 تجبُ النفقةُ لقرابةِ البعضيةِ فيجبُ للفروعِ على الأصولِ وبالعكسِ، وسواءٌ فِي الأصولِ والفروعِ الذكورِ والإنات، والوارث وغير الوارث والمسلم والكافر من الطرفينِ، والعالي من الأصولِ والسافلِ من الفروعِ إذا كان الذي يجبُ عليه موسرًا، وهو من يفضلُ عن قوتِه وقوتِ عيالِه فِي يومِهِ وَلَيْلَتِهِ ما يصرفُه إلى القريبِ 242. ولا يختصُّ بالقوتِ بل يعم الواجباتِ.
قال القاضي الحسينُ: لا يلزمُ أحدًا نفقةُ أحدٍ من الأقرباءِ حتى يفضلَ من مؤنتهِ من طعامِه ومسكنِه وملبسِه وما يُقامُ عليه ويستعملُه فِي وضوئهِ وأكله وشربِه ما لاغناءَ لمثلهِ عنهُ، فإنْ وقَعَ لهُ خلل فِي شيءٍ من هذا فلا يكلَّفُ نفقةَ ابنٍ ولا أبٍ، لأنَّها مواساةٌ والمواساةُ إنما تليقُ بمن يفضلُ عن حاجةِ ما هُوَ معهُ، وإلَّا فهو محتاجٌ للمواساةِ.
انتهى.
ويباعُ فِي نفقةِ القريبِ ما يُباعُ فِي الدَّيْنِ مِنْ عقارٍ وغيرِهِ؛ لأنَّ نفقةَ القريبِ مقدَّمةٌ على وفاء الدينِ، وهما يباعانِ فِي الدَّيْنِ، ففيما هو مقدَّمٌ عليه أوْلَى لما فيهِ من حفظ الروح 243. وإذا لم يكنْ لمن تجبُ عليه نفقةُ القريبِ مالٌ، لكنه كسوبٌ يمكنه أن يكتسبَ ما يفضلُ عنه، فيلزمُه أن يكتسبَ لنفقةِ قريبِهِ لأنَّه يلزمُه إحياءُ نفسِه

الجزء: 4 - الصفحة: 23

بالكسبِ، فكذا إحياءُ بعضِه.
ولا تجبُ لمن يملكُ كفايتَهُ ولا لمن يقدر على أن يكتسبها لأنَّه غنيٌّ بكسبِهِ حيثُ كانَ كسبُهُ يكفيهِ، فإن كانَ لا يُحَصِّلُ قدرَ الكفايةِ استحقَّ القدرَ المعجوز عنهُ صاحبُه 244. ومن لا مالَ له ولا كسبَ، وكانَ صغيرًا أو مجنونًا، أو زَمِنًا، أو مريضًا، أو أعمَى، فيلزمُ القريبَ نفَقتُهُ.
وإن لم يكنْ به نقصٌ فِي الحكمِ ولا فِي الخِلْقةِ، لكنه لا يكتسبُ مع القدرةِ على الكسبِ، فإن كانَ من الفروعِ لم تجبْ نفقتُه على المذهب، وإن كانَ من الأصولِ وجبت على الأظهرِ 245. ولا تتقدَّرُ نفقةُ القريبِ، بل هي علَى قدرِ الكفايةِ، وتسقطُ بمضيِّ الزمانِ إلَّا إذا نُفِيَ الولدُ، ثم استلحقه فإنَّ الأُمَ ترجعُ عليه بالنفقةِ.
ولا تصيرُ دينًا فِي الذِّمَّةِ 246 سواء تعدى بالامتناعِ من الإنفاقِ أمْ لا.
ويستثنَى ما إذا أذنَ القاضي فِي استقراضها، أو أقرضَها، ومحلُّ الرجوعِ إذا استقرضتْ وأنفقتْ فلو تأخَّرَ الاستقراضُ بعدَ إذنِ القاضي ومضى زمنٌ لم يستقرضْ فيه فلا.
ويستثنَى أيضًا ما لوْ لمْ يكنْ هناكَ حاكمٌ واستقرضتِ الأمُّ عنهُ، وأشهدتْ، فعليهِ قضاءُ مَا استقرضَتْهُ، وإنْ لم تشهدْ فوجهانِ بمقتضَى كلامِ الرَّافعيِّ فِي

الجزء: 4 - الصفحة: 24

بابِ زكاةِ الفطرِ ترجيحُ أنَّها لا ترجعُ.


فرع

: يجبُ على الأمِّ أن تُرضعَ ولدَها اللبأَ 247، وهو اللبنُ النازلُ أوَّلَ الولادةِ؛ لأنَّه لا يعيشُ بدونِه غالبًا، ولها أَنْ تأخذَ عليهِ الأجرةَ، ثم إنْ لم يوجدْ بعدَ سقي اللبأ مرضعةٌ غيرُها لزمِهَا الإرضاعُ، وكذا لو لمْ يوجدْ إلَّا أجنبيةٌ لزمها الإرضاعُ.
وإنْ وجَدَ غيرها وامتنعتِ الأمُّ من الإرضاعِ لم تُجْبَرْ عليه سواء كانتْ فِي نكاحِ الأبِ أم لا، وسواء كانت ممن يرضع مثلُها الولدَ أمْ لا.
وإن رغبتْ فِي الإرضاعِ وهي فِي نكاحِ الأب، فليسَ لهُ المنعُ على الأصحِّ.
فإن توافقَا علَى الإرضاعِ وتبرعَتْ به فذاكَ.
وإن طلبتْ أجرةَ مثلٍ أُجيبتْ إنْ لم تتبرعْ أجنبية بالإرضاعِ، أو أرضعتْ بأقلَّ من أجرةٍ المثلِ فتقدَّمُ على الأمِّ حينئذٍ، وكذا تقدَّم على الأمِّ إذا طلبتْ أجرة المثلِ وطلبتْ الأم فوقها 248. وإذا اجتمعَ لِلأصلِ المحتاجِ اثنانِ من الأولادِ 249، واستويا فِي القربِ، والوِراثةِ أو عدمِها، والذكورةِ والأنوثةِ، فالنفقةُ عليهما بالسويَّةِ، سواء استويا فِي اليسارِ أو تفاوتَا، وسواءٌ أيْسَرَا بالمالِ أو الكسبِ، أو أحدُهما بالمالِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 25

والآخرُ بالكسبِ، فإن كانَ أحدُهما غائبًا أخذَ قسطَه من مالِه، فإنْ لمْ يكُنْ لَهُ مالٌ اقترضَ عليه 250. وإنِ اختلفَا فِي شيءٍ مِنْ ذلكَ فأصحُّ الطريقينِ النظر إلى القربِ، فإن كان أحدُهما أقربَ فالنفقةُ عليه سواءٌ كانَ وارثًا أو غيره، ذكرًا أو أنثى، فإنِ استويا فِي القربِ فالنفقةُ على الوارثِ منهما على الأصحِّ 251.


وإذا اجتمع للفرعِ المحتاج قريبانِ من أصولِهِ، فإن اجتمعَ أبوهُ وأمُّهُ، وكانَ الولدُ صغيرًا، أو معتوهًا كبيرًا، فالنفقةُ على الأبِ قطعًا، وإن كان كبيرًا عاقلًا فالنفقةُ على أبيهِ على الصحيحِ 252. وإن اجتمعتِ الأمُّ وواحدةٌ من آباءِ الأبِ فالصحيحُ أنها على الجدِّ 253. وإنِ اجتمعَ اثنانِ من الأجدادِ والجَّداتِ: فإنْ كان أحدُهما يُدلي بالآخرِ فالنفقةُ على القريبِ، وإلَّا فأرجحُ الأوجُهِ: اعتبارُ القربِ 254. وإذا اجتمعَ للمحتاجِ واحدٌ منْ أصولِهِ وآخرُ من فروعِهِ فالنفقةُ على الفرعِ على أصحِّ الأوجهِ وإن بعدُ 255. وإنِ اجتمعَ على الشخصِ الواحدِ محتاجونَ ممنْ تلزمُه نفقتُهم نظرَ، إنْ وفا ومالُه أو كسبُه بنفقتهم فعليه نفقةُ الجميعِ، قريبِهم وبعيدِهم، فإنْ

الجزء: 4 - الصفحة: 26

لم يفضلْ عن كفايةِ نفسِه إلَّا نفقةُ واحدٍ قَدَّم نفقةَ زوجتِهِ على نفقةِ الأقاربِ، ثم بعدها الأقربَ فالأقربَ 256. وإذا لم يكنْ لهُ زوجةٌ، وله أبٌ وأمٌّ خاصة، وهما محتاجانِ وعندهُ ما ينفقُ على واحدٍ فتقدَّمُ الأمُّ على الأصحِّ لعجزِها، وفِي زكاةِ الفطرِ يقدَّمُ الأبُ عليها على الأصحِّ؛ لأنَّها تطهرٌ، والأبُ به أولَى 257.


الجزء: 4 - الصفحة: 27

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب الحضانة

هي بفتحِ الحاء، مأخوذةٌ من الحِضن بكسرِها، وهو الجَنْبُ؛ لأنها تضمُّه إلى حضنِها، وتنتهي بالتمييز، ثم بعده إلى البلوغِ تسمَّى كفالةً، كما قاله الماورديُّ 258. والأصلُ فيها قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
ومن السُّنةِ ما رواه الحاكم وأبو داود عن ابنِ عمرٍو: أنَّ امرأة قالت: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحِجْري له حواءً، وإنَّ أباهُ طلقني، وأراد أن ينتزِعَهُ مِنِّي.
فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكِحي" 259. والحضانةُ هي القيامُ بحفظِ مَن لا يميزُ ولا يستقلُّ بأمرِه وتربيتِه بما يصلحُه

الجزء: 4 - الصفحة: 29

ووقايته عمَّا يؤذيه، فيشملُ الطفلَ والكبيرَ والمجنونَ، وهي نوعُ ولايةٍ وسلطنةٍ، ولكنها بالإناثِ أليقُ؛ لأنَّهُنَّ أشفقُ وأهدى إلى التربيةِ وأصْبَرُ على القيامِ بها، وأشدُّ ملازمةً للأطفالِ، والأمُّ أولَى لوفورِ شفقتِها، للحديثِ المتقدِّم.


وقال المحامليُّ (1): الأمُّ أولى بالحضانةِ من الأبِ ما لم يبلغِ الولدُ سبعَ سنينَ إلَّا فِي ثمانِ مسائلَ:

أحدُها: أن يقولَ كلُّ واحدٍ منهما: "أنا أمسكُ الولدَ" 261، فالأبُ أولى.
والثاني: أن يكونَ الأبُ مأمونًا دونَ الأمِّ.
والثالثُ: إذا لم تكمُلِ الحريةُ فِي الأمِّ، ويكونُ الأبُ حرًّا.
الرابعُ: إذا افترقَ الدارُ بهما، فالأبُ أولَى.
والخامسُ: إذا تزوجتِ الأمُّ، فالأبُ أولى.
والسادسُ: إذا كانَ الأبُ مسلمًا والأمُّ ذميَّةٌ.
والسابعُ: إذا كانَ الأبُ مسلمًا، والأمُّ مرتدَّةٌ.
والثامنُ: إذا كانتِ الأمُ مجهولةَ النسبِ، فأقَرَّتْ بالرقِّ لإنسانِ.
انتهى 262. ومحلُّ تخصيصِ الأبِ بالحضانةِ فِي هذه المسائلِ ما إذا لمْ يُوجدْ من أمهاتِ الأمِّ لإدلائهنَّ بإناثٍ مَن هي متصفةٌ بصفاتِ الحضانةِ، فإنْ وجدتْ260

الجزء: 4 - الصفحة: 30

واحدةٌ منهنَّ متصفةً بالصفةِ المذكورةِ فهي مقدَّمةٌ على الأبِ.
ومحل انتقال الحضانةِ عن الأمِّ بالتزويجِ، إذا تزوجت ممن لا حقَّ له فِي الحضانة، فإن تزوجتْ بمن له حقٌّ فِي الحضانة، ورضي زوجُها بأنْ تحضن الولدَ، فحقُّها باقٍ.
ويُزاد على المحاملي فِي انتقالِ الحضانةِ عنِ الأمِّ: إذا كانتْ مجنونةً فلا حضانةَ لها، وكذلك لا حضانةَ لها إذا كانتْ برصاء، أو جذماء (1) كما أفتى به الصلاحُ العلائيُّ، وقال إنه ذكر بعضُ من يثق من أصحابه أنَّ الرُّوياني قال فِي "البحرِ": إنَّ الحاضنةَ إذا كان بها مرضٌ أو جذامٌ سقطتْ حضانتها.
وكذلك لا حضانة لها إذا كانت برصاء أو جذماء، وكذلك لا حضانةَ لها إذا كانتْ عمياءَ، كما أفتى به عبدُ الملكِ بن إبراهيمَ الفرضيُّ الهمدانيُّ من تلامذةِ الماورديِّ، وجرى عليهِ شيخُنا الوالدُ -رضي اللَّه عنه-.
وفِي "فتاوَى ابنِ الصباغِ": إن كان الولدُ صغيرًا فلها الحضانةُ؛ لأنَّهُ يمكنُهَا أَنْ تحضنَه، وإن كانَ كبيرًا فلا.
انتهى.
والمعتمدُ المنعُ كما تقدَّمَ ولا يختصُّ ذلكَ بالأمِّ بل متَى وجدَ مانعٌ من موانعِ الحضانةِ فِي غيرِ الأمِّ من مستحقِّي الحضانةَ فلا حضانةَ له إن كانَ ذكرًا، ولا حضانةَ لها إن كانتْ أُنثى.


قال المحامليُّ: ويتعلق بالنسبِ اثنى عشرَ حكمًا:

أحدُها: توريثُ المالِ.
والثاني: توريثُ الولاءِ.263

الجزء: 4 - الصفحة: 31

والثالثُ: تحريمُ الوصيةِ.
والرابعُ: تحمُّلُ الدِّيةِ.
والخامسُ: ولايةُ التزويجِ.
والسادسُ: ولايةُ غسلِ الميتِ.
والسابعُ: ولايةُ الصلاةِ عليه.
والثامنُ: ولايةُ الحضانةِ.
والتاسعُ: ولايةُ المالِ.
والعاشرُ: طلبُ الحدِّ.
والحادي عشر: سقوطُ القصاصِ.
والثاني عشرَ: تغليظُ الدِّيةِ.
انتهى 264.


وفِي قوله: "توريثُ الولاء": تجوُّزٌ، فإنَّ الولاءَ لا يورثُ، وإنما يورثُ به.
وأطلقَ تحريمَ الوصيةِ، ومحلُّها إذا أوصَى لوارثِه بمقدارِ إرثِه، فإنَّ الوصيةَ لاغيةٌ حينئذٍ، أما إذا أوصَى له بعين هي قَدْرُ حصَّته فهي صحيحةٌ، ولكن يحتاجُ إلى إجازَةِ بقيةِ الورثةِ.
وكذلكَ إذا أوصَى له بزائدٍ على إرثه فتصحُّ الوصيةُ، وتحتاجُ إلى الإجازةِ، ومحل تحمُّلِ الديةِ إذا كانَ المتحملُ غيرَ أصلٍ ولا فرعٍ، ومحلُّ سقوطِ القصاصِ إذا قتلَ الأصلُ فرعَه، ومحلُّ ولاية المال الأبُ أو الجدُّ وإن علَا.
ويزادُ على المحامليِّ مسائلٌ أخر: إرثُ القصاصِ، وإرثُ الحقوقِ التي لا

الجزء: 4 - الصفحة: 32

ترتفعُ بالموتِ، وقد ذكرهما شيخُنا فِي الفرائضِ والسفيه فِي الإسلامِ أو الكفرِ للأصولِ.
ووجوبُ النفقةِ للأصولِ والفروعِ.
والإعفافُ لأصلِه الذكر.
وإذا ملَكَ أصلَهُ أو فرعَهُ عتقَ عليه.
وعدمُ قبولِ الشهادةِ من أحدِهِمَا للآخرِ فِي الأصولِ والفروعِ.
وكذلكَ الحكمُ من أحدِهِما للآخرِ، واعتبارُ مهرِ المثلِ.
وعدمُ إجزاءِ الزكاةِ إذا دُفِعَتْ لمن تجبُ عليه نفقتُه من أصلٍ أو فرعٍ.
ووجوبُ الحجِّ على المغصوبِ إذا وجدَ ولدًا يحجُّ عنهُ.
وبيعُ مالِ الابن من نفسِه، وكذا ابنُ الابنِ، وإن سَفل.
وتحريمُ موطوءة أحدهما على الآخرِ، وثبوتُ المحرميَّة، واعتبارُ الكفاءَةِ، وتزويجُ الجد بنتَ ابنِهِ من ابن ابنِه.


ثم بعد الأم أمهاتها لإدلائهنَّ بالإناثِ كما تقدَّم، يُقدَّمُ الأقربُ منهنَّ فالأقربُ، ثم تقدَّم أم الأبِ ثمَّ أمهاتها المدليات بالإناثِ، ثم أم أبي الأب، كما ذكرَ، ثم أبي الجدِّ كذلكَ.
وتقدَّمُ الأختُ من أي جهةٍ كانت على الخالةِ، وتقدَّمُ الخالةُ على بنتِ الأخِ والأختِ؛ لأنَّها كالأمِّ، وتقدَّمُ بنتُ الأخِ والأختِ على العمَّةِ، وتقدَّمُ الأختُ الشقيقةُ على الأختِ للأب، وعلى الأختِ للأمِّ، وتقدَّمُ الأختُ من الأبِ على الأختِ من الأمِّ، على الأصحِّ المنصوصِ، والأصحُّ تقدَّمُ الخالةُ والعمَّةُ من أبٍ على الخالةِ والعمَّةِ للأمِّ، والأصحُّ سقوطُ كلِّ جدَّةٍ لا ترثُ،

الجزء: 4 - الصفحة: 33

وهي من تُدْلي بذكرٍ بين أُنْثيين كأم أبي الأم.
ولا تسقط الأنثى غير المحرمِ على الأصحِّ كبنت الخالةِ وبنتِ العمِّ، وبنتِ العمةِ، وأما بنتُ الخالِ فقد مثَّل بها الرافعيُّ، وفيه نظر؛ فإنَّها تدلي بذكر غير وارثٍ، وقد تقررَ أنَّ من كانتْ بهذهِ الصفةِ لا حضانةَ لها.
وإذا لم نثبتها لأم أبي الأم لهذا المعنى مع وجودِ الولادَةِ فيها فبطريقِ الأوْلى بنتُ الخالِ بخلافِ بنتِ الخالةِ والعمةِ؛ فإنَّها تدلي بأنثى، وبخلافِ بنتِ العمِّ، فإنَّها تُدْلي بذكرٍ وارثٍ، وإنما تثبت لبنت الخالةِ والخالِ وبنتِ العمِّ وبنتِ العمَّةِ الحضانةُ فِي ذكرٍ لا يشتهى وإلَّا فلَا حَضَانةَ لهنَّ.
وكأنَ المرادَ أنَّه لا تثبتُ لهنَّ الكفالةَ لأنَّها بعدَ سنِّ التمييزِ الذي بعدهُ يحصلُ الاشْتِهاءُ.
هذا حكمُ الإناثِ المنفرداتِ المستحقاتِ للحضانةِ.
فأما الذُّكورُ؛ فتثبتُ الحضانةُ للذكرِ المحرمِ الوارثِ على ترتيبِ الإرثِ، فيقدَّمُ الأبُ، ثم الجدُّ للأبِ، وإن علَا، ثم الأخُ الشقيقُ، ثم الأخُ للأبِ، ثم الأخُ للأمِّ، ثم ابن الأخِ الشقيقِ، ثم ابنُ الأخِ للأبِ، ثم العمُّ الشقيقُ، ثم العمُّ للأبِ، ثم العمُّ للجدِّ.
وكما ثبتَ للمحرمِ الوارثِ ثبتَ للوارثِ غيرَ المحرمِ كابنِ العمِّ وابنه، وابن عمِّ الأبِ وابن عمِّ الجدِّ.
ولا حضانةَ للمعتقِ على الصحيحِ، وإن كان وارثًا غير محرم، لعدم القرابة التي هي منوطُ الشفقةِ.
ولا يسلَّمُ إلى الوارثِ غير المحرم مشتهاةٌ حذرًا من الخلوةِ، ولكن تسلَّم إلى ثقةٍ يُعَيِّنها هوَ؛ لأنَّ الحقَ لهُ، هذا إذا قُلنا "إنَّ لهُ الحضانةَ" كما جزَمَ به

الجزء: 4 - الصفحة: 34

النوويُّ تبعًا للرافعيِّ، ولكن الذي قطعُ به الشيخُ أبو حامدٍ أنَّه لا حقَّ له فِي الحضانةِ مخافةَ الافتتانِ بها، وتابعهُ غالبُ العراقيينِ، وقيدوا استحقاقَ العصبةِ الحضانةَ بأن يكون مَحْرمًا، وقال الجرجانِيُّ فِي "التحرير": لا خلافَ فيه، وجرى عليه جمع من المراوزةِ.
فإنْ لم يوجدْ الإرثُ والمحرميةُ أو لم يوجدِ الإرثُ، فالأصحُّ لا حضانةَ، كابن الخالِ وابنِ الخالةِ، وابنِ العمةِ.
وإذا اجتمعَ الذُّكورُ والإناثُ مِن مستحقِّي الحضانة قدِّمتِ الأمُّ للحديثِ السابقِ، ثم أُمهاتُها المدلياتِ بالأمهاتِ؛ لأنهنَّ فِي معنى الأمِّ، ثم بعد ذلكَ يقدَّمُ الأبُ على أمهاتِهِ على الصحيحِ.
وتقدَّمُ الأصولُ على الحواشي على ظاهرِ المذهبِ، فإنْ لم يوجدْ من ذكرِ من الأصولِ فيقدمُ الأقربُ على الأصحِّ ذكرًا كان أو أنثى، فإن لم يوجدِ الأقربُ، واستوى اثنان أو جماعةٌ فِي القربِ، كأخٍ وأختٍ فالأصحُّ التقديمُ بالأنوثةِ، وإن استويا فِي كلِّ وجهٍ أقرعَ قطعًا للنزاعِ.
ولا يستحقُّ الحضانةَ رقيقٌ، ولو كان مكاتبًا، ولا منْ فيه رقٌّ، إلَّا مستولدةُ الكافرِ إذا أسلمتْ، فإنَّ ولدَها يتبعها فِي الإسلامِ، ولها حضانتُه، فإنْ كانَ الولدُ حرًّا، فالحضانةُ لمن له الحضانةُ بعدَ الأمِّ الحرَّةِ من أبٍ وغيرِه، وإن كان رقيقًا فحضانتُه لسيدِه.
ولا حضانةَ لمجنون سواء كان جنونُه مُطبقًا أو منقطعًا، إلَّا أن يَقِلَّ جنُونُه، كيومٍ فِي سنتين مثلًا، فلا يمنع، ولا لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يلي، ولا لكافرٍ على مسلمٍ، ولا لمتزوجةٍ بمن لا حقَّ له فِي الحضانةِ.
وإذا كانت مستأجرةً للحضانة مدة إجارة لازمة، ثم تزوَّجتْ فِي أثناء المدةِ، فنقلَ النوويُّ تبعًا للرافعيِّ -في آخرِ الخلعِ عن فتاوَى القاضي

الجزء: 4 - الصفحة: 35

الحسين-: أن الأبَ لا ينزعهُ منها بتزوجِها؛ لأنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ.
وإذا تزوَّجتِ بمن له حقٌّ فِي الحضانةِ ورضيَ زوجُها بذلكَ، فحضانتُها باقيةٌ كما تقدَّمَ، فلو منعها سقطتْ حضانتها كما قاله الماورديُّ والإمامُ وغيرُهما.
ومن شروطِ الحضانةِ أَنْ لَا يكونَ مغفَّلًا، كما عدَّه الجرجانيُّ فِي الشافي وهو حسنٌ، وعدَّ الماورديُّ والقاضي أبو الطيب فِي كتاب "اللقيط" من الشروطِ: الرشدَ، فالسفيهُ ليس أهلًا لحضانةِ الطفلِ، وقد نصَّ الشافعيُّ رضي اللَّهُ عنهُ على هذا ففِي "مختصرِ المزنى" 265 أنَّهُ إذا كانَ الأبُ غيرَ رشيدٍ، انتقلتِ الحضانةُ إلى الجدِّ.
انتهى.
وهل يشترطُ لاستحقاقِ الحضانةِ أَنْ تُوضعَ الولدَ إذا كانَ رضيعًا، وكانَ لها لبنٌ؟ فيه وجهانِ: صرَّح ابنُ الرِّفعةِ بالاشتراطِ تبعًا لظاهرِ الشَّرحِ، فعدَّ من الموانِعِ فقد الرَّضاعِ منها إمَّا بامتناعِها أو بعدَمِ اللبنِ منها، وفيهِ نظرٌ، والمسألةُ إنَّما أخذَها الرَّافعيُّ من التهذيبِ، ولا تكادُ تعرفُ إلَّا لَهُ ومن تبعهُ.
وكلامُ الجمهورِ يقتضِي الجزمَ بأنَّهُ لا يشترطُ كونُها ذاتَ لبنٍ، وهو الصوابُ.
فإنْ غابتِ الأمُّ أو امتنعت فالصحيحُ -خلافًا لما في "المنهاج" 266 - انتقالُ الحضانةِ للجدَّةِ أم الأمِّ، كما لو ماتَتْ أو جُنَتْ.
وإنَّمَا يُحْكم بأنَّ الأمَّ أحقُّ بالحضانةِ من الأب فِي حقِّ منْ لا تمييزَ لَهُ أصلًا، وهو الصغيرُ فِي أولِ أمره، والمجنونُ، فأَمَّا إذا صارَ الصغيرُ مميزًا

الجزء: 4 - الصفحة: 36

فيخيرُ بينَ الأبوينِ، إذا افترقَا، ويكونُ عندَ من اختارَ منهمَا، وسواءٌ في التمييز الابنُ والبنتُ، وسنُّ التمييزِ غالبًا سبعُ سنينَ، أو ثمانٍ تقريبًا 267. قال الأصحابُ: وقد يتقدَّمُ التمييزُ على السَّبْعِ أو يتأخَّرُ عن الثمانِ، ومدارُ الحكمِ على نفسِ التمييزِ لا على سنِّه.
وإنَّما يخيَّرُ بين الأبوينِ إذا اجتمعَ فيهما شروطُ الحضانةِ المتقدِّمةِ، فإنِ اختلَّ فِي أحدِهما بعضُ الشروطِ فلا تخيير، والحضانةُ للآخرِ، فإنْ زالَ الخللُ أُنشئ التخيير 268. ويجري التخييرُ بين الأمِّ والجدِّ عندَ عدمِ الأبِ، ويجري أيضًا بينها وبين مَن على حاشيةِ [النسب] 269 كالأخِ والعمِّ على الأصحِّ، ويجري أيضًا بين الأبِ والأختِ لغير الأبِ، وبين الخالةِ على الأصحِّ.
وإذا اختارَ أحدَ الأبوينِ، ثم اختارَ الآخر حوِّلَ إليهِ، فإن عادَ واختارَ الأوَّلَ أعيدَ إليهِ 270. وإذا اختارَ الأبَ وسلِّمَ إليهِ، فإن كان ذكرًا لم يمنعهُ من زيارة أمِّه، وإن كان أنثى منعها من زيارةِ أمِّها لئلا تعتاد البروز، ولا يمنعُ أمَّها منَ الدخولِ عليها، ثم الزيارةُ تكونُ فِي الأيامِ على العادَةِ لا فِي كلِّ يومٍ، وإذا دخَلَتْ لا تطل المكثُ.
ولو مرضَ الولدُ ذكرًا كان أو أنثَى، فالأمُّ أولَى بتمريضِه، فإنَّها أشفقُ وأهدَى إليهِ، فإنْ رضيَ بأنْ تمرضَ فِي بيتِهِ فذاكَ، وإلَّا فينتقلُ الولدُ إلَى بيتِ

الجزء: 4 - الصفحة: 37

الأمِّ.
ويجبُ الاحترازُ عنِ الخلوةِ إذا كانتْ تمرِّضُه فِي بيتِ الأبِ، وكذا إذا زارتْ الولدَ فإنْ لم يكنْ هناكَ ثالثٌ خرجَ حتى تدخُلَ 271. وإذا اختارَ الأمَّ، فإن كانَ ذكرًا أوى إليها ليلًا، وكان عندَ الأبِ نهارًا، يؤدِّبه، ويعلمُه أمورَ الدينِ والمعاشِ والحرفةِ.
وإن كان أنثى كانتْ عندَ الأمِّ ليلًا ونهارًا، ويزورُها الأبُ على العَادَةِ، ولا يطلبُ إحضارَها عندَهُ، وهكذَا الحكمُ إذا كانَ الولدُ عندَ الأمِّ قبلَ سنَ التخييرِ 272. وإذا اختارَ الأمَّ فليسَ للأبِ إهمالُهُ بمجرَّدِ ذلكَ، بل يلزمُهُ القيامِ بتأديبِه وتعليمِهِ، إمَّا بنفسِه وإمَّا بغيرِه، ويتحملُ مؤنتَهُ، وكذلك المجنونُ الذي لا تستقلُّ الأمُّ بضبطِه يلزمُ الأبُ رعايتَه، وإنَّمَا تقدَّمُ الأمُّ فيما يتأتى منها وما هو شأنُها 273. وتأديبُه وتعليمُه واجبٌ علَى وليِّه، أمًّا كانَ أو جدًّا أو قيمًا، وتكونُ أجرةُ ذلكَ فِي مالِ الصَّبيِّ، فإنْ لمْ يكُنْ لهُ مالٌ، فعلى مَن تلزمُهُ نفقتُه 274. وإذا خيَّرناهُ فاختارهما أقرع بينهما، وإن لم يَخْتَرْ واحدًا منهما فالأصحُّ أنَّ الأمَّ أحقُّ به، لأنَّه لم يخترْ غيرها، وكانت الحضانةُ لها فيستصحب، وبه قطع فِي "البسيطِ" 275.

الجزء: 4 - الصفحة: 38

وما تقدَّم من أنَّ الأمَّ أولَى من الأبِ قبلَ التمييزِ، وأنَّه يخيَّرُ بينهما بعده، هو فيما إذا كان الأبوانِ مقيمينِ فِي بلدٍ واحدٍ، فأمَّا إذا أراد أحدُهما سفَرًا، فإنْ كانَ سفرَ حاجةٍ، كحجٍّ وغزوٍ وتجارةٍ، لم يسافرْ بالولدِ، لما فِي السَّفرِ من الخطَرِ والمشقَّةِ، بلْ يكونُ معَ المقيمِ إلَى أَنْ يعودَ المسافرُ.
وإنْ أرادَ سفرًا يختلفُ فيهِ بلدُها، كانَ مع الأمِّ على مختارِ النوويِّ (1)، وهو قضيةُ كلامِ الأصحابِ.
وإن كانَ سفرَ نقلةٍ، فللأبِّ انتزاعُه مِنَ الأمِّ، ويستصحبهُ معهُ، سواءٌ كانَ المنتقلُ الأبَ أو الأمَّ، أو أحدَهما إلى بلدٍ والآخرُ إلَى بلدٍ آخرَ احتياطًا للأنسابِ، بشرطِ أمنِ الطريقِ وأمنِ البلدِ المقصودِ، وسائرُ العصباتِ من المحارمِ كالجدِّ والاخِ والعمُّ بمنزلةِ الأبِ، فيما تقدَّم احتياطًا للنسبِ، وكذَا غيرُ المحَارِمِ كابنِ العمِّ إنْ كانَ الولدُ ذكرًا، فإنْ كانَ أنثَى لمْ تُسلَّمْ إليه.
قالَ المتولِّي: إلَّا إذا لم تبلغْ حدًّا يشتهى مثلُها.
وفِي "الشامل" أنَّه لو كان له بنت ترافقُه سلِّمتْ إلى بنتِه أي المكلَّفةِ الثِّقةِ، وأما المَحْرَمُ الذي لا عُصوبَة فيه كالخالِ والعمِّ للأمِّ فليسَ لَهُ نقلُ الولدِ إذا انتقَلَ؛ لأنَّهُ لا حقَّ لهُ فِي النَّسبِ (2).


فصل

278 يجبُ على السَّيدِ نفقةُ رقيقِهِ قوتًا وأدمًا وكسوةً وسائرُ مؤناتهِ، قِنًّا كانَ أو276277

الجزء: 4 - الصفحة: 39

مدبرًا، أو أم ولدٍ، وسواء الصغيرُ والكبيرُ والزمنُ والأعْمَى والسَّليمُ، والمرهُونُ، والمستأجَرُ، وغيرُهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، وقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "للمملوكِ طعامُه وكسوتُه ولا يكلَّفُ من العمل ما لا يُطيق" رواه مسلمٌ.
ويجب على سيِّدِه شراءُ الماءَ لطهارتِهِ على الأصحِّ، كما تجبُ عليه فطرتُه، ولا تتقدَّر نفقة الرقيقِ، بل هي على الكفايةِ، وأصحُّ الأوْجُهِ اعتبارُ كفايةِ نفسِه، ويراعي رغبته وزهادتُه وإن زاد ذلك على كفايةِ مثلِهِ غالبًا 279. وجنسُ نفقة الرقيقِ غالبُ القوتِ الذِي تطعمُ منهُ المماليكُ فِي البلدِ من الحنطَةِ والشعيرِ، وغيرهمَا، وكذا الأدمُ الغالبُ، والكسوةُ من القطنِ والكتَّانِ والصوفِ وغيرهمَا، ويراعَى حالُ السَّيِّدِ فِي اليسارِ والإعسارِ، فيجبُ ما يليقُ بحالِهِ من رفيعِ الجنسِ الغالبِ وخسيسِهِ.
وَلا يجوزُ الاقتصارُ على ستْرِ العورَةِ، وإنْ كانَ لا يتأذَّى بحرٍّ ولا بردٍ.
ولو تَنَعَّمِ السَّيدُ فِي الطَّعامِ والأدمِ والكسوةِ استحبَّ أَنْ يدفعَ إليهِ مثلَهُ، ولا يلزمُه 280. ولا يجبُ عليه نفقةُ مكاتبِهِ.
ولو اشتركَ جماعةٌ فِي رقيقٍ فالنفقةُ عليهمْ بحسبِ أنصبَائِهمْ.
ولا تصير نفقة الرقيق دينًا، بل تسقطُ بمضيِّ الزمانِ 281. وإذا امتنَعَ السيدُ من الإنفاقِ على رقيقِهِ أو غابَ، وكانَ مطلقُ التصرُّفِ باعَ الحاكِمُ فيها مالَهُ.

الجزء: 4 - الصفحة: 40

وهل يبيعُ شيئًا فشيئًا، أم يستدينُ عليهِ، فإذَا اجتمَعَ عليهِ شيءٌ صالحٌ باعَ عليه؟ وجهانِ، أصحُّهما الثَّاني 282. فإن لم يجدْ له مالًا أمرَهُ بإزالةِ ملكِهِ عنهُ.
فإن لمْ يفعَلْ باعَهُ الحاكمُ عندَ تعذُّرِ إيجادِه، ويبيعُ منهُ بقدرِ الحاجةِ.
فإن لمْ تتعذَّرْ إجارتُه أجَّرهُ حينئذٍ 283. وأمُّ الولدِ تؤجَّر، أو تزوج، فإن لم يمكنْ ففِي بيتِ المالِ، وأمَّا المحجورُ عليهِ فيجبُ أن يفعلَ وليُّهُ الأحظَّ من بيعِه أو بيعِ غيره من مالِهِ فِي نفقتِهِ، أو الإقراضِ عليه.
وللسيِّدِ إجبار أمتِهِ على إرضاعِ ولدِها منهُ أو منْ غيرِهِ مملوكٌ له مِن زوجٍ أو زنًا؛ لأنَّ لبنها ومنافعها لهُ.
وليسَ لهُ أَنْ يُكلِّفهَا إرضاعَ غيرَ ولدها معهُ بأجرةِ ولا بغيرهَا، إلَّا أن يفضل لبنُها عن ريِّ ولدها لقلَّةِ شربه، أو لكثرةِ اللبنِ، أو لاجتزائِه بغيرِ اللبنِ فِي أكثرِ الأوقاتِ، ولو ماتَ ولدُها أو استغنى عَنِ اللبنِ فلَهُ ذلكَ.
وله إجبارُها على فِطامِهِ قبلَ الحولينِ إذا اجتزَأ الولدُ بغيرِ اللبنِ.
وله إجبارُها علَى الإرضاعِ بعدَ الحولينِ، وإنْ كانَ يجتزئ بغيرِ اللبنِ إلَّا إذا تضررتْ بِهِ، وليسَ لها الاستقلالُ بالفطامِ والإرضاعِ 284. هذا حكمُ الأمةِ، وأمَّا الحرَّةُ فلهَا حق فِي تربيةِ الولدِ، فليسَ لواحدٍ من الأبوينِ الاستقلالُ بالفطام قبلَ الحولينِ، وعلى الأبِ الأجرةُ إذا امتنعتْ الأمُّ

الجزء: 4 - الصفحة: 41

منَ الفطامِ إمَّا لَهَا وإمَّا لغيرِها.
وإن اتفقَا على الفطامِ جازَ إذا لم يتضرَّرِ الولدُ، وأمَّا بعدَ الحولينِ فيجوزُ لكلِّ واحدٍ منهما الفطامُ إذا اجتزأ بالطعامِ، ويجوزُ أن يُزادَ فِي الإرضاعِ على الحولينِ إذا اتفقا 285. ويجوزُ المخارجةُ، وهيَ ضربُ خراجٍ معلومٍ على الرَّقيقِ يؤدُّونَهُ كلَّ يومٍ أوْ كلَّ أُسبوعٍ مما يكتسبُهُ، وليسَ للسيِّدِ إجبارُ العبدِ عليها، ولا للعبدِ إجبارُ السيدِ، كالكتابةِ 286. ولا يجوزُ للسيِّدِ أن يكلِّفَ رقيقَهُ من العملِ ما لا يُطيقُ الدوامَ عليهِ، ولا يجوزُ أَنْ يُكلِّفَهُ عملًا يقدرُ عليه يومًا أو يومين، ثم يعجزُ عنهُ.
وإذا استعملَهُ نهارًا أراحَهُ ليلًا، وكذا بالعكسِ، ويريحُهُ فِي الصيفِ وقتَ القيلولةِ، ويستعملُهُ فِي الشتاءِ النهارَ معَ طرفِي الليلِ، وعلى العبدِ بذلُ المجهودِ وتركُ الكسلِ 287.


الجزء: 4 - الصفحة: 42

فصل

مَن ملكَ دابةً لزمَهُ علفُها وسقيُهَا، ويقومُ مقامَ العلفِ والسَّقي تخليتها لترعى، وترد الماءَ إنْ كانتْ مما يرعى، ويكتفَى به لخصبِ الأرضِ ونحوِهِ، ولم يكنْ مانعٌ.
ويحرُمُ تحميلُ الدابةِ ما لا تطيقُ الدوامَ عليهِ، وإن كانتْ تطيقُهُ يومًا ونحوُه كما سَبَقَ فِي الرَّقيقِ 288. ولا يجوزُ نَزْفُ لبنِ الدابَّةِ بحيثُ يضرُّ ولدَها، وإنَّما يحلبُ ما فضلَ عن ريِّ ولدِها.
قالَ الرُّوياني: ويعني بالريِّ ما يقيمه حتَّى لا يموتَ.
قال المتولي: ولا يجوزُ الحلبُ إذا كان يضرُّ البهيمةَ لقلَّةِ العلفِ.
قال: ويكره تركُ الحلبِ إذا لمْ يكنْ فيهِ إضرار بها؛ لأنَّه تضييعٌ للمالِ.
قال: والمستحبُّ أن لا يُستقصى فِي الحلبِ، ويدع فِي الضرع شيئًا وأن يقصَّ الحالبُ أطفاره لِئلَّا يؤذيها 289. انتهى.


ويجب على مالكِ النحلِ أن يبقِي فِي الكوارةِ شيئًا من عسلِها لتأكُلَهُ، فإن كانَ فِي الشِّتاءِ وتعذَّرَ خروجُها كان المتبقي أكثر، فإن قامَ شيءٌ مقامَ العسلِ فِي غذائِهَا لم يتعيَّنِ العسل 290. وقد قيل: تُشوى دجاجة وتُعلق بباب الكوارة.
وعلَى مقتنِي الكلبِ المباحِ اقتناؤه أَنْ يطْعِمَهُ أو يرسلَه أو يدفعَهُ لمنْ له

الجزء: 4 - الصفحة: 43

الانتفاعُ بِه، ولا يحلُّ حبسُه ليهلكَ جوعًا.
ودودُ القزِّ يعيشُ بورقِ التوت فعلى مالكه تخليتُه ليأكلَ منهُ، فإن عزَّ الورقُ اشترى له مِن مالِ مالكِهِ كالرقيقِ.
والظاهرُ أنَّهُ يجبُ أَنْ يلبسَ الخيلَ والبغالَ والحميرَ ما يَقيهَا الحرَّ والبردَ الشديدَ إذا كانَ ذلِكَ يضرُّ بهَا.
وغيرُ ذواتِ الأرواحِ كالعقارِ والقنى والزرعِ والثمارِ لا يجبُ القيامُ بعمارتِها على مالكِها المكلَّف المطلقِ التصرُّفِ إذا لمْ يتعلقْ به حق لغيره، فأمَّا إذا أجَّرَ دارَهُ ثم احتلَّت فعليه عمارتُها إن أرادَ دوامَ الإجارةِ، فإن لم يفعلْ يخيَّرُ المستأجر 291. ولا يكرهُ تركُ زراعةِ الأرضِ لكن يكرهُ تركُ سقي الزرعِ والأشجارِ عندَ الإمكانِ لما فيهِ من إضاعةِ المالِ، وصحَّحَ الروياني التحريمَ، وجرى عليه فِي المهمات، ثم فصَّل فقال: الصوابُ أن يُقالَ: إنْ كانَ سببُ الإضاعةِ تركَ الأعمالِ فلا تحريمَ؛ لأنَّها قد يشقُّ عليهِ، وإنْ لم يكنْ إعمال كإلقاءِ المتاعِ فِي البحرِ حرم.
قال المتولِّي 292: ويكرهُ أيضًا تركُ عمارةِ الدارِ إلى أَنْ تخربَ، ولا تكرهُ عمارةُ الدورِ وسائرِ العقارِ للحاجةِ، والأوْلى تركُ الزيادةِ، وربَّما قيلَ تكرهُ الزيادة.
وأمَّا المحجورُ عليهِ فعلى وليِّه عمارةُ دارِهِ وحفظُ شجرهِ وزرعِه بالسَّقي وغيره، وأمَّا الوقفُ فعلى ناظرِهِ حفظُ رقبتِهِ ومستغلاته ولو غابَ الرشيدُ عن

الجزء: 4 - الصفحة: 44

مالِهِ غيبةً طويلةً ولا نائبَ له، فهلْ يلزم الحاكمُ أن يُنيبَ من يعمرُ عقارَه ويسقي زرعهُ وثمره من ماله أم لا، والظاهرُ اللزومُ؛ لأنَّ عليه حفظَ مالِ الغائبِ كالمحجورينَ.
ويكرهُ للإنسانِ أَنْ يدعوَ على نفسِهِ وولده وخادمِهِ ومالِهِ، واللَّهُ أعلمُ.


الجزء: 4 - الصفحة: 45

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
فصول التدريب في الفقه الشافعي
المقدمةمقدمة التحقيقكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الحجكتاب البيعكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب (1) الخلعكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الرضاعكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب اللغةكتاب الرِّدَّةِكتاب الزناكتابُ الصيال وضمان الولاةكتابِ الجهادِ،كتاب الجهادكتاب الأمانكتابُ الصيدِ والذبائحكتابُ الأضحيةِكتابُ الأطعمةِكتاب المسابقةِ والمناضلةِكتابُ الأيمانكتابُ النذركتابُ القضاءِكتابُ الشهاداتكتابُ الدَّعوَى والبيناتِكتابُ العتقكتابُ التدبيركتاب الكتابة
جارٍ التحميل