مقدمة التحقيق
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخاتم رسله وخليله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].
الجزء: 1 - الصفحة: 3
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام اللَّه، وخير الهدي هدي محمَّد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد:
فهذا كتاب "تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي" في الفقه الشافعي، أتشرف بتقديمه اليوم إلى طلاب العلم عمومًا والمهتمين بالفقه الشافعي خصوصًا.
وتأتي أهمية هذا الكتاب من كونه قد عرض الفقه الشافعي على طريقة مبتكرة جديدة لم يسبق إليها البلقيني إلا ما كان من المحاملي في كتابه "اللباب" ولكن كتاب المحاملي مختصر جدًّا، مما أدى إلى تركه لكثير من المسائل والفروع التي نبَّه عليها البلقينيُّ رحمه اللَّه.
وكذلك تأتي أهمية هذا الكتاب من كون مؤلفه هو الإِمام سراج الدين البلقينيُّ, وهو علمٌ من أعلامِ الفقه الشافعي، فقد رحل إليه طلَّاب العلم من أقطار مصر المختلفة، وكان أحفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك مع وجود مشايخه، وقد اعترفوا بفضله، وتصدَّى للإفتاء والتدريس والتعليم، حتى صارَ معول الناس عليه، وكان صحيح الحفظ قليل النسيان، صاحب اختيارات في المذهب.
والجدير بالذكر أنَّه كان كثير التصنيف؛ مما أدَّى إلى أنه لم يكمل بعض كتبه ككتابه "التدريب" ومع هذا صنَّف له مختصرًا وهو "التأديب في مختصر التدريب"، وقد أكمل أحد أبنائه كتاب أبيه التدريب، وهو علم الدين صالح البلقيني، وسماه "تتمة التدريب" ولم أر هذه التتمة إلَّا في النسخة الأزهرية فقط، وتبدأ هذه التتمة من كتاب النفقات إلى آخر الكتاب.
فالحمد للَّه على توفيقه وعونه، وأسأله تعالى القبول في الدنيا والآخرة.
وقد قدمت لهذا الكتاب بمقدمةٍ تشتملُ على عناصر، وهي كما يلي:
1 - أهمية الفقه الإِسلامي.
الجزء: 1 - الصفحة: 4
2 - نشأة المذهب الشافعي وتطوره وأبرز علمائه.
3 - دراسة كتاب التدريب، وتشتمل على:
أ - ترجمة المصنف.
ب - اسم الكتاب وأصله.
جـ - صحة نسبة الكتاب لمصنفه.
د - قيمة الكتاب العلمية.
هـ - منهج تحقيق الكتاب.
و- وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وصورها.
الجزء: 1 - الصفحة: 5
(1) مقدمة عن علم الفقه وأهميته
ما هو الفقه؟
أولًا الفقه في اللغة:
الفهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
وقال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78].
وقال ابن القيم الفقه: فهم المعنى المراد.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91].
وقيل الفقه: الفهم الدقيق.
قال -صلى اللَّه عليه وسلم- لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين" متفق عليه.
فلا تقول فقهت أن الاثنين أكثر من الواحد.
ثانيًا الفقه في الاصطلاح:
معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية.
كيف نشأ الفقه؟
نشأ الفقه من نزول الشرع على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتعليمه للصحابة، وحث المستمعين على التبليغ فرُبَّ مبلغ أوعى من سامع ورُب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثم كان الصحابة يأتون فيسألون النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيجبهم، وكذا كان الصحابة والتابعون يسألون العلماء فيجيبونهم، وقد برز من الصحابة زيد بن ثابت وابن عباس وابن مسعود وعائشة وغيرهم.
ثم برزت ظاهرة في عصر التابعين، وهي ظهور فقهاء في مدينة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعددهم سبعة، وهم: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد.
ثم برز الأئمة الأربعة: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل الشيباني.
وقد نشأت مدرستان في الفقه، وهما مدرسة الحجاز أهل الحديث، ومدرسة
الجزء: 1 - الصفحة: 6
الكوفة أهل الرأي.
أما مدرسة الحجاز فقد أخذت عن زيد بن ثابت وعبد اللَّه بن عمر ثم سعيد بن المسيب وسالم بن عبد اللَّه بن عمر والقاسم بن محمد، ومن أئمتها الإِمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد.
أما مدرسة الكوفة فقد أخذت عن عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن مسعود ثم إبراهيم النخعي، ومن أئمتها الإِمام أبو حنيفة.
أهمية علم الفقه
:
إن معرفة الفقه الإِسلامي وأدلة الأحكام، ومعرفة فقهاء الإِسلام الذين يرجع إليهم في هذا الباب -من الأمور المهمة التي ينبغي لأهل العلم العناية بها، وإيضاحها للناس؛ لأن اللَّه سبحانه خلق الثقلين لعبادته، ولا يمكن أن تعرف هذه العبادة إلا بمعرفة الفقه الإِسلامي وأدلته، وأحكام الإِسلام وأدلته، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة العلماء الذين يعتمد عليهم في هذا الباب من أئمة الحديث والفقه الإِسلامي.
فعلم الفقه هو الذي يعرفك الحلال فتفعله والحرام فتجتنبه، وهو العلم الذي يرشدك إلى شروط صحة العبادات لكي تحققها، وهوالعلم الذي يرشدك إلى مبطلات العبادات فتتجنبها، وهو العلم الذي يبين لك المعاملات الصحيحة من الباطلة، وهو العلم الذي يبين لك الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام الأسرة والأحوال الشخصية، وهو العلم الذي يوضح لك أحكام الأطعمة والذبائح والصيد ما يحل منها وما يحرم، وهو العلم الذي يوضح لك أحكام الأيمان وما يكَفر منها وما لا كفارة له، هو العلم الذي يوضح لك أحكام الجنايات والديات والحدود التي حدها اللَّه تبارك وتعالى، وهو العلم الذي يبين لك كيف تحكم بين الناس في المنازعات والخصومات، وهو العلم الذي يعرفك كيف توزع المواريث توزيعًا شرعيًّا عادلًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 7
والفقه في الدين: هو الفقه في كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، والفقه في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو الفقه في الإِسلام، من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام اللَّه التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه سبحانه وتعالى، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق اللَّه وحق عباده، ومن جهة خشية اللَّه وتعظيمه ومراقبته، فإن رأس العلم خشية اللَّه سبحانه وتعالى، وتعظيم حرماته، ومراقبته عَزَّ وَجَلَّ فيما يأتي العبد ويذر.
وبما ذكرنا يعرف المؤمن فضل فقهاء الإِسلام، وأنهم قد أوتوا خيرًا كثيرًا، وقد فازوا بحظ عظيم من أسباب السعادة وطرق الهداية؛ لأن العلم النافع من أسباب الهداية، ومن حرم العلم حرم خيرًا كثيرًا، ومن رزق العلم النافع فقد رزق أسباب السعادة، إذا عمل بذلك واتقى اللَّه في ذلك.
وعلى رأس العلماء بعد الرسل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإفهم هم الفقهاء على الكمال، الذين تلقوا العلم عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وتفقهوا في كتاب ربهم وسنة نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونقلوا ذلك إلى من بعدهم غضًّا طريًّا، تفقهوا وعملوا، ونقلوا العلم إلى من بعدهم من التابعين، نقلوا كتاب اللَّه إلى من بعدهم لفظًا وتفسيرًا وقراءة إلى غير ذلك، ونقلوا إلى من بعدهم أيضًا ما بينه لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام من معنى كلام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، ونقلوا أيضًا لمن بعدهم أحاديث الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- التي سمعوها منه، والتي رأوها منه عليه الصلاة والسلام، والتي أقرهم عليها، نقلوها إلى من بعدهم بغاية الأمانة والصدق، نقلوها إلى الأمة بواسطة الثقات من التابعين، حتى نقلت إلينا بالطرق المحفوظة الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك، نقلها الثقات عن الثقات، والثقات عن الثقات، حتى وصلت إلى هذا القرن وما بعد.
وهذا من إقامة الحجة من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ على عباده، فإن نقل العلم من طرق الثقات عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم عن الصحابة إلى من بعدهم، إقامة للحجة، وإيضاح للمحجة، ودعوة إلى الحق، وتحذير من الباطل، وتبصير للعباد بما خلقوا له من عبادة اللَّه وطاعته جل وعلا.
الجزء: 1 - الصفحة: 8
وبهذا يعلم أن لهم من الحق على من بعدهم: الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والرضا، والحرص على الاستفادة من علومهم، وما جمعوه وألفوه من العلوم النافعة، فإنهم سبقوا إلى خير عظيم، وإلى علم جم، سبقوا إلى الفقه في كتاب اللَّه، وإلى الفقه في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونقلوا إلينا ما وصل إليهم من علم باللَّه، وبكتابه، وبسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فوجب علينا أن نعرف لهم قدرهم، وأن نشكرهم على علمهم العظيم، وعلى ما قاموا به من حفظ رسالة اللَّه وتفقيه الناس في دين اللَّه، وأن نستعين بما دونوه، وخلفوه من الكتب المفيدة والعلوم النافعة، حتى نعرف بذلك معاني كلام اللَّه، ومعاني كلام رسوله عليه الصلاة والسلام.
وإن من أعظم الفائدة، ومن أكبر الخير الذي نقلوه إلينا أن حفظوا علينا سنة نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونقلوها إلينا طرية غضة سليمة محفوظة، وفيها تفسير كتاب اللَّه، وفيها بيان ما أجمل في كتاب اللَّه، وفيها بيان الأحكام التي جاء بها الوحي الثاني إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو الوحي من اللَّه له إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو السنة المطهرة، فإن اللَّه جل وعلا أعطى نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- القرآن ومثله معه، كما قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه فعلى أهل العلم أن ينقلوا ما جاءت به السنة، وأن يوضحوا ذلك للناس، وأن يرشدوهم إلى معاني كلام ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، في الخطب والمواعظ والدروس وحلقات العلم، وغير هذا من أسباب التوجيه والتعليم والإرشاد.
ولهذا ارتحل العلماء إلى الأمصار، واتصلوا بالعلماء في كل قطر؛ للفائدة والعلم، ففي عهد الصحابة سافر بعض الصحابة من المدينة إلى مصر والشام، وإلى العراق واليمن، وإلى غير ذلك، للفائدة ولنقل العلم، فتجد الصحابة رضي اللَّه عنهم -وهم أفضل الناس بعد الأنبياء- ينتقلون من بلاد إلى بلاد، ليسألوا عن سنة من من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فاتتهم ولم يحفظوها، فبلغهم ذلك عن صحابي آخر فيسافر أحدهم إليه؛ ليسمع ذلك منه، ولينتفع بذلك، ولينقله إلى غيره من إخوانه في اللَّه التابعين لهم
الجزء: 1 - الصفحة: 9
بإحسان.
ثم جاء العلماء بعدهم من التابعين، هكذا فعلوا، ارتحلوا في العلم، وساروا في طلب العلم، وتبصروا في دين اللَّه، وتفقهوا على الصحابة وسألوهم -رضي اللَّه عنهم وأرضاهم- عما أشكل عليهم، وعملوا بذلك، ثم نقلوا ذلك إلى من بعدهم من أتباع التابعين رواية ودراية، ثم هكذا أتباع التابعين نقلوه لمن بعدهم، ثم ألفوا كتبا عظيمة في الحديث والتفسير واللغة العربية.
. . وغير هذا من أنواع العلوم الشرعية، حتى بصروا الناس، وحتى أرشدوا إلى الطريق السوي، وحتى علموهم القواعد الشرعية التي بها يعرف كتاب اللَّه، وبها تعلم معانيه، وبها تحفظ السنة، وبها تعلم معانيها.
وبذلك يحصل العمل بكتاب اللَّه، وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، فجزاهم اللَّه عن ذلك خيرًا وضاعف لهم الأجور، وضاعف لهم الحسنات، ونفعنا بعلومهم جميعًا، وأعاذنا جميعًا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا 1.
الجزء: 1 - الصفحة: 10
المذهب الشافعي نشأته وتطوره وأئمته ومصنفاتهم
مراحل تطور المذهب: لقد مرَّ المذهبُ الشافعي بعدة مراحل شأنه في ذلك شأن بقية المذاهب، وقد قسم بعض أهل العلم المراحل التي مرَّ بها المذهب إلى أربع مراحل، وبعضهم أوصلها إلى خمس، وبعضهم رفعها إلى ست، وهكذا، والاختلاف بينهم نشأ من طريقتهم في تحديد المرحلة وضوابطها، وقد مشيت ههنا على تقسيم هذه المراحل إلى أربع مراحل، وهي: المرحلة الأولى: مرحلة البناء والتأسيس، المرحلة الثانية: مرحلة التبليغ والتعريف بالمذهب، المرحلة الثالثة: مرحلة التخصص والانتشار، والمرحلة الرابعة مرحلة الاستقرار.
(1) المرحلة الأولى: مرحلة البناء والتأسيس
وهي تنقسم إلى قسمين:
1 -
المذهب القديم.
2 - المذهب الجديد
. 1 - المذهب القديم: كان الإِمام الشافعي رحمه اللَّه قد جمع بين المدارس الفقهية التي سبقته، فقد أخذ العلم في سِني الصبا عن إمام مكة -شرفها اللَّه- ومُفتيها مسلم بن خالد الزنجي، والإمام سفيان بن عيينة، ولازم الشافعي علماء مكة حتى بلغ من الشباب، فقد سافر إلى المدينة المنورة وقد جاوز العشرين بقليل، والتقى شيخها ومفتيها الإِمام مالك بن أنس صاحب المذهب المشهور، ولازمه حتى توفي الإِمام مالك سنة 179، ثم قدر اللَّه تعالى له أن يجتمع بالإمام محمد بن الحسن الشيباني وارث علم مدرسة الحنفية (مدرسة الرأي) وقد لازمه مدة من الزمن جمع فيها الكثير من علم هذه المدرسة، ولما رجع الإِمام الشافعي إلى مكة جلس يدرِّس فيها، وصار شيخها الذي لا يُجارى، واجتمع إليه طلبة العلم، وبدأ ينثر علمه، ثم سافر إلى بغداد، وجلس يدرس ويفتي، وجلس إليه الأئمة ينهلون من علومه
الجزء: 1 - الصفحة: 11
كالإمام أحمد والإمام إسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة، وسُمِّيت اجتهادات الإِمام في هذه المرحلة بما اصطلح على تسميته بالمذهب القديم.
2 -
المذهب الجديد:
بدا للإمام رحمه اللَّه أن يسافر إلى مصر ليعلم أهلها ويطلع على مذهب الإِمام الليث بن سعد شيخ مصر، من خلال تلاميذه، فسافر إليها سنة 199 في أواخر سِني حياته، واجتمع إليه علماء مصر وأعيانها، وبقي الإِمام فيها حتى وافته المنية، وكان في تلك المدة قد اطلع على فقه الإِمام الليث، ومسائل متفقه الإِمام الأوزاعي، واستفاد منها، وكتب كتبه الجديدة، التي اصطلح على تسميتها بالمذهب الجديد.
(2) المرحلة الثانية: مرحلة التبليغ والتعريف بالمذهب
لقد قام الإِمام الشافعي رحمه اللَّه بنشر مذهبه، ووضعَ أصوله وطرقه في الاستدلال والاستنباط بيده، فقد كتب الرسالة الأولى، ثم الثانية، وكتب كتبه التي تعتبر بمثابة إسقاطات عملية لهذه الأصول والضوابط، وقد بذل جهدًا كبيرًا لا سيما في أواخر سِني حياته في نقل علمه إلى طلابه في مصر، فقد كان رحمه اللَّه يواصل الليل بالنهار بحثًا وكتابةً وتعليمًا، ويسر اللَّه تعالى له مجموعة من طلاب العلم حملوا علمه وبلّغوه، وقد كان لهؤلاء الطلبة دور كبير في نشر المذهب وحفظه.
تلاميذ الشافعي وناشرو علمه
: 1 -
تلاميذه بمكة:
- أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي: عبد اللَّه بن الزبير بن عيسى بن عبيد اللَّه القرشي الأسدي الإِمام أبو بكر الحميدي المكي، صاحب الشافعي، ورفيقه في الرحلة إلى الديار المصرية، وقد أخذ عن شيوخ الشافعي، وقال يعقوب بن سفيان: ما رأيت أنصح للإسلام وأهله منه، وقال الحاكم: الحميدي مفتي أهل مكة ومحدثهم وهو لأهل الحجاز في السنة كأحمد بن حنبل
الجزء: 1 - الصفحة: 12
لأهل العراق، روى عنه البخاري بها صحيحه, وله مسند مشهور، مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل سنة عشرين.
طبقات الفقهاء للشيرازي 99 و 100 طبقات الشافعية الكبرى 140 - 143 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 66 السير 10/ 616 تذكرة الحفاظ 2/ 413 العقد الثمين 5/ 160.
- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي: ابن عم الإِمام الشافعي، روى عن الشافعي والفضيل بن عياض وجده لأمه محمد بن على بن شافع والمنكدر بن محمد بن المنكدر وحماد بن زيد وابن عيينة وطائفة، روى عنه ابن ماجه بها سننه وأحمد بن سيار المروزي وأبو بكر بن أبي عاصم وبقي بن مخلد ومطين وغيرهم، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي والدارقطني: ثقة، وكان ينشر مذهب الشافعي بين الناس.
. مات سنة سبع ويقال: ثمان وثلاثين ومائتين.
طبقات الشافعية الكبرى 2/ 80، الجرح والتعديل 2/ 129، تهذيب الكمال 2/ 175. - أبو الوليد موسى بن أبي الجارود: موسى بن أبي الجارود أبو الوليد المكي الفقيه راوي كتاب الأمالي وغيره عن الشافعي، روى عنه الترمذي بها آخر الجامع أقوال الشافعي، قال الدارقطني: روى عن الشافعي حديثًا كثيرًا وكان يفتي بمكة على مذهب الشافعي، لم يذكروا وفاته.
. قال الذهبي: أظنه قديم الموت، وله رواية عن سفيان بن عيينة، نقل عنه الرافعي بها باب زكاة الذهب أنه روى عن الشافعي تحريم تحلية السرج واللجام.
طبقات الفقهاء للشيرازي 100، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 161 - 162 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 70.
2 -
تلاميذه بالعراق:
- أحمد بن حنبل: وترجمته شهيرة معروفة، وهي أكبر من أن ينبه عليها ههنا، ولكن سأذكر طرفًا يسيرًا منها، الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل إمام المذهب الحنبلي أمير المؤمنين في الحديث.
ومناقبه لا تُحَد ولا تُحصر، قال
الجزء: 1 - الصفحة: 13
الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفًا إلا وأحمد حاضر، وما ذهبت إلى الشافعي مجلسًا إلا وجدت أحمد فيه.
وقال إبراهيم الحربي: الشافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟ وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بغلة الشافعي فبعث إليه يحيى بن معين فقال: أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا زكريا, ولو مشيتَ إلى الجانب الآخر كان أنفع لك.
طبقات الفقهاء للشيرازي 100، طبقات الشافعية الكبرى 27 - 63 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 56.
- الحسن بن محمد بن الحسين الصباح الزعفراني؛ هو أبو علي الحسن بن محمَّد بن الحسين الزعفراني، منسوب إلى زعفرانة، قرية بقرب بغداد، وكان إمامًا في اللغة، وهو أثبت رواة القديم، قال ابن حبان في الثقات: كان راويًا للشافعي وكان يحضر أحمد وأبو ثور عند الشافعي وهو الذي يتولى القراءة عليه وقال الزعفراني: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ فقلت: ما أنا بعربي، وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية، قال: فأنت سيد هذه القرية، وقال الساجي: سمعت الزعفراني يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ علي منذ خمسين سنة.
قال السمعاني: مات في الربيع الآخر سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال ابن خلكان: في شعبان سنة ستين ومائتين، وقال النووي في تهذيبه: في رمضان في السنة.
طبقات الفقهاء للشيرازي 100، طبقات الشافعية الكبرى 114 - 117. - الحسين بن علي الكرابيسي: الحسين بن علي بن يزيد أبو علي البغدادي الكرابيسي، أخذ الفقه عن الشافعي، وكان أولًا على مذهب أهل الرأي، قال ابن عدي: وله كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس في المسائل، وكان حافظًا له، وذكر في كتبه أخبارًا كثيرة وقال الشيخ أبو إسحاق: كان متكلمًا عارفًا بالحديث له تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وقال العبادي: لم يتخرج على يدي الشافعي بالعراق مثل الحسين، قال الإسنوي: وكتاب القديم الذي رواه الكرابيسي عن الشافعي مجلد ضخم.
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، وقيل
الجزء: 1 - الصفحة: 14
سنة ثمان وأربعين، ورجحه الذهبي، وسمي بالكرابيسي لأنه كان يبيع الكرابيس وهي الثياب الغليظة.
وفيات الأعيان 1: 145 والانتقاء 106 وفيه: وفاته سنة 256. وتهذيب التهذيب، وتاريخ بغداد 8: 64 وفيه اختلافه مع الإِمام أحمد بن حنبل.
- إبراهيم بن خالد البغدادي: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان أبو ثور، وقيل كنيته أبو عبد اللَّه، ولقبه أبو ثور، الكلبي البغدادي الفقيه العلامة، أخذ الفقه عن الشافعي وغيره، قال أبو بكر الأعين: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري، وقال غيره، إن رجلًا سأل أحمد عن مسألة، فقال: سل غيرنا سل أبا ثور، وقال الخطيب البغدادي: كان أحد الثقات المأمونين ومن الأئمة الأعلام في الدين وله كتب مصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه.
قال: وكان أولًا يتفقه بالرأي ويذهب إلى قول أهل العراق حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث، توفي في صفر سنة أربعين ومائتين، وهو أحد رواة القديم، وقال الرافعي في باب الغضب: أبو ثور وإن كان معدودًا وداخلًا في طبقة أصحاب الشافعي فله مذهب مستقل ولا يعد تفرده وجهًا.
التاريخ الصغير 2/ 372، الجرح والتعديل 2/ 97، 98، الفهرست: 265، تاريخ بغداد 6/ 65، 69، طبقات الفقهاء للشيرازي: 75، طبقات الشافعية للسبكي 2/ 74، 80.
3 -
تلاميذه بمصر:
- أبو يعقوب: يوسف بن يحيى البويطي فهو من بويط من صعيد مصر، وهو أكبر أصحاب الشَّافعيّ المصريين، كَانَ إمامًا جليلًا عابدًا زاهدًا فقيهًا عظيمًا مناظرًا، جبلًا من جبال العلم والدين، تفقّه على الشَّافعي واختص بصحبته.
وله من الكتب "المختصر"، اختصره من كلام الشَّافعي -رضي اللَّه عنه- قال أبو عاصم: هو في غاية الحسن.
طبقات الفقهاء للشيرازي 98 طبقات الشافعية الكبرى 162 - 170 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 70 السير 12/ 58.
الجزء: 1 - الصفحة: 15
- المزني: أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى المزني، ناصر المذهب، وبدر سمائه، وكان جبل علم، مناظرًا محججًا، قال الشَّافعي -رضي اللَّه عنه- في وصفه: (لو ناظر الشيطان لغلبه)، وكان زاهدًا ورعًا، متقللًا من الدنيا، وقال الشَّافعي: (المزني ناصر مذهبي).
وصنّف كتبًا كثيرة: منها: "الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، "المختصر"، "المنثور"، "المسائل المعتبرة"، "الترغيب في العلم"، "الوثائق"، "العقارب"، "ونهاية المختصر".
وأخذ عن المزني خلائق من علماء خراسان والعراق والشام "كتاب المختصر" وهو الَّذي اشتهر باسم "مختصر المزني" والذي سار في الناس مسيرة الشمس في الآفاق، فبلغ من الشهرة، أَن المرأة عندما كانت تزف إِلى زوجها كَانَ لا بد من وجود مختصر المزني في جهازها, ولقد كثرت شروحه، وتعددت، ومعظم شروحه تعتبر من الموسوعات الفقهية في المذهب والخلاف، كـ "الحاوي"، للمارودي، و"التعليقة" لأبي حامد الاسفرائيني، و"النهاية" لإمام الحرمين.
طبقات الفقهاء للشيرازي 97، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 93 - 109 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 58 السير 12/ 492 وفيات الأعيان 1/ 217. - الربيع: أبو محمَّد، الربيع بن سليمان المرادي مولاهم، المؤذن، ولد سنة 174 هـ واتصل بخدمة الشَّافعي، وحمل عنه الكثير، وحدّث عنه، وكان ثقة فيما يرويه، وكان مؤذنًا بالمسجد الجامع بفسطاط مصر المعروف بجامع عَمْرو بن العاص، وكان الشَّافعي يحبه، وهو راوية كتبه، وقد أجمع أصحاب الشَّافعي أَن أوثق من روى كتب الشَّافعي صاحبه وخادمه: الربيع بن سليمان المرادي.
طبقات الفقهاء للشيرازي 98، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 132 - 139، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 65 السير 12/ 587 تذكرة الحفاظ 2/ 586. - ابن عبد الحكم: أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن الحكم، ولد سنة 182 هـ،
الجزء: 1 - الصفحة: 16
ونزل الشَّافعي على أبيه حين قدم مصر، وكان عالمًا جليلًا وجيهًا من شيوخ المالكية في مصر، وترك محمَّد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم مذهب الشَّافعي وعاد إِلى مذهب مالك بسبب خلاف مع البويطي فيمن يخلف الشَّافعي.
طبقات الفقهاء للشيرازي 99 طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 67 - 171 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 69 السير 12/ 497 تذكرة الحفاظ 2/ 546 الوافي بالوفيات 3/ 338 الديباج المذهب 231.
- أبو حفص حرملة بن يحيى بن عبد اللَّه بن حرملة بن عمران التُجِيْبي: ولد سنة ست وستين ومائة، كان إمامًا جليلًا رفيع الشأن، وكان من أكثر الناس رواية عن ابن وهب، قال أبو عمر الكندي: لم يكن بمصر أحدٌ أَكْتَبَ منه عن ابن وهب، وذلك لأن ابن وهب أقام في منزلهم سنة وستة أشهر مستخفيا من عباد لما طلبه يوليه قضاء مصر.
وتوفي بمصر سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
وكان حافظًا للحديث، صنف "المبسوط" و"المختصر".
طبقات الفقهاء للشيرازي 99 طبقات الشافعية الكبرى 127 - 131 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 61/ 1. - أبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري المقري: الإِمام الكبير، ولد سنة 170. انتهت إليه رياسة العلم بديار مصر.
ورُويَ عن الشافعي أنه قال: "ما رأيت بمصر أحدًا أعقل من يونس بن عبد الأعلى" وقال يحيى بن حسان: "يُونُسكُم هذا من أركان الإِسلام" وكان يونس من جملة الذين يتعاطون الشهادة، أقام يشهد عند الحكام ستين سنة، قال النسائي: يونس ثقة.
مات سنة أربع وستين ومائتين، السنة التي مات فيها المزني.
طبقات الفقهاء للشيرازي 99 طبقات الشافعية الكبرى 170 - 180 طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 72، السير 12/ 348 تذكرة الحفاظ 2/ 527 تهذيب التهذيب 4/ 194.
(3) المرحلة الثالثة: مرحلة التخصص والانتشار
وتنقسم إلى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أصحاب الأصحاب: نشط أصحاب أصحاب الإِمام الشافعي في نشر المذهب، وهذه الثلة كان لها أكبر الأثر في رفع لواء المذهب
الجزء: 1 - الصفحة: 17
ونشره، وهم على أربعة أقسام:
القسم الأول: من تلقّى المذهب وبرع فيه لكنه وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق.
الثاني: من اجتهد واختار لنفسه بعض الاختيارات.
الثالث: من عكف على دراسة المذهب، وأخذ على نفسه همّ نشره.
الرابع: قوم برعوا في علوم شتّى كالحديث النبوي واللغة وغير ذلك، وأخذوا عن أصحاب الشافعي.
المرتبة الثانية: التخصص والبناء: هذه المرتبة تعتبر بمثابة العمود الفقري للمذهب، ففيها بدأ يتشكل المذهب كبناء له معالمه الواضحة، ورجاله الذين تخصصوا فيه، وصاروا يدافعون عنه، وظهرت فيه كتابات متميزة، وعُين مجموعة من الشافعية في قضاء الولايات والأقاليم، وظهر أثر الإمام ابن سريج والأنماطي فيها واضحا على بعض أبناء هذه الطبقة والطبقات التي تليها.
المرتبة الثالثة: المشار المذهب وظهوره على بقية المذاهب: هذه المرتبة امتداد للمرتبة التي سبقتها لكنها تفترق عنها زمانيا، وامتازت بكثرة المصنفات، وبالامتداد الجغرافي الواسع للمذهب، ففي هذه المرتبة بلغ انتشار المذهب كل البلاد الإِسلامية تقريبًا، باستثناء شمال إفريقيا والأندلس بما فيها المغرب العربي التي حافظ أهلها على المذهب المالكي، ولما وليها المعزّ بن باديس سنة 407 حمل أهلها على اتباع المذهب المالكي، وبقيت تلك البلاد تتبع المذهب المالكي إلى أيامنا هذه، فهو الغالب على تلك البلاد.
من ميزات فقه الإِمام الشافعي
الشَّافعي -رضي اللَّه عنه- محدثٌ يُكثر في كتبه من الاستدلال بالحديث، وهو قيَّاس كبير يكثر من استعمال القياس.
وقد تأثر الشَّافعي -رضي اللَّه عنه- بمدرسة الحجاز، ومدرسة العراق؛ لأنَّه كَانَ في أوّل
الجزء: 1 - الصفحة: 18
أمره تلميذًا للإمام مالك، ومتّبعًا لمذهبه، واحد رجال مدرسته، وما زال كذلك إلى سنة 195 هـ حيث قدم بغداد قدمته الأخيرة، فهناك كَانَ قد بلغ مؤسس مذهب يدعو إليه.
وكان أقوى ما أثّر فيه اتصاله بأصحاب الإِمام أَبي حنيفة واستفادته من كتب محمَّد بن الحسن، وعلمه بطريقة أهل العراق، إذ رأى أَنَّ طريقتهم ومنهجهم لا يحسن أخذها كلّها ولا تركها كلَها، فعندهم القياس وهو منهج صحيح، ولكن في نظر الشَّافعي ليس على إطلاقه، بل لا بد أَن يتأخر القياس عن الأحاديث الصحيحة حتى ما كَانَ منها خبر آحاد، وعندهم طريقة تفريع المسائل الكثيرة من أصولها، والاستدلال بالعدالة والمصلحة والاستحسان، وإلحاق الشبيه بالشبيه، وما بين الأشياء من موافقات وفروق، والوثوب إِلى المناظرة وتأليف الحجج والبراهين والأدلة، فاقتبس من ذلك أحسنه وأضافه إِلى ثروته الحجازية من اللغة والأدب أولًا، والحديث والإجماع وطريقة الحجازيين في الاستنباط ثانيًا، فألّف بينهما بشخصيته الفذّة، فأخرج مذهبه في العراق ودعا إِليه.
وتوسّع في استعمال الحديث والاستدلال به أكثر مما فعل مالك وأَبو حنيفة، وقد حَدَّ من الرأي والقياس، وضيّق سلطتهما, ولذلك كَانَ من أنصاره أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية من كبار المحدِّثين، كما أَنه كَانَ أقرب إلى نفوس الحنفية من المحدَّثين وفقهائهم، لأنَّه لم ينكر القياس جملة، بل أخذ به وقعّد له القواعد حتى عَدَلَ بعضُ فقهاء العراق عن مذهب أَبي حنيفة إلى مذهبه.
وكان الشَّافعيُّ أول من أعطى للحديث مكانته الأولى في الفقه، وأَلَّح إلحاحًا شديدًا في الاستدلال بالحديث، فكانت نظريته حدثًا تاريخيًا جعل الناس يتجهون للرجوع للحديث بعد أَن كَانَ الاتجاه قبله في التشريع نحو العمل المجمع عليه حينًا، وأقوال الصَّحابة والتابعين والرأي حينًا آخر، ومنذ ذلك الوقت أَخذ الفقه والحديث مسلكا جديدًا في المذاهب الفقهية.
الجزء: 1 - الصفحة: 19
القول القديم و
القول الجديد
ولتغير البيئة والزمان والأعراف عند قدومه إلى مصر، ولظهور أدلة جديدة من السنَّة النبوية لم تصل إِليه سابقًا, ولحرص الإِمام الشَّافعيُّ -رحمه اللَّه- على العمل بالسنَّة النبوية الصحيحة وعدم ردها بتعللات واهية كما يفعل غيره، وتطبيقًا لأصوله وقواعده الَّتي قرّرها في التّمسك بالكتاب والسنَّة حتى أثر عنه قوله: "إِذا صحَّ الحديث فهو مذهبي"، وفي رواية: "إِذا وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقولوا بها، ودعوا ما قلته" أفتى وعمل بما توفّر لديه من الأدلة بمصر، وعدل عن بعض آرائه وفتاويه السابقة في بغداد، فسمى ما كَانَ في بغداد بـ "القول القديم" وسمى ما دوّنه بمصر بـ "القول الجديد".
القول القديم: ما قاله بالعراق إفتًاء وتصنيفًا، ومن كتبه القديمة: "الحجّة"، و"الأمالي"، و"مجمع الكافي"، و"عين المسائل"، و"البحر المحيط".
القول الجديد:
ما قاله بمصر إفتًاء وتصنيفًا، فإنه لما قدم مصر سنة 199 هـ وأقام بها ظهرت له أدلة لم تكن حاصلة له من قبل، وبلغته أحاديث لم تبلغه حين تدوينه المذهب القديم في بغداد، فاعتمد الجديد، وعليه كتاب "الأم"، و"الإملاء"، و"البويطي"، و"مختصر المزني"، ودوّن مذهبه الجديد في مصر، وترك مذهبه القديم في بغداد.
فالجديد هو المذهب الصحيح، وعليه العمل والفتوى عند الشَّافعيّة، أما القديم فإنه يعتبر مرجوعًا عنه، ولا يعمل الشَّافعية إلَّا بمسائل قليلة منه.
انتشار المذهب الشَّافعيّ في أقطار العالم
كانت مصر هي الموطن الأوَّل للمذهب الشَّافعيّ الجديد، حيث قضى الإِمام
الجزء: 1 - الصفحة: 20
الشَّافعيُّ آخر حياته فيها، وخلّف كتبه وتلاميذه فيها.
وكان الربيع بن سليمان راوي مذهب الشَّافعيّ فيها، فوفد إليه العلماء وطلّاب العلم لسماع كتب الشَّافعيُّ ونسخها ونقلها إِلى بلدانهم، فدخل المذهب إِلى فارس، وخراسان، وسجستان، وما وراء النهر، وانتشر فيها، وكان العالم العلّامة الشَّيخ محمَّد بن إسماعيل القفّال الكبير أول من أدخل المذهب في بلاد ما وراء النهر.
وكان الحافظ عبدان بن محمَّد بن عيسى المروزي المتوفى سنة 293 هـ أول من أدخله إِلى مرو وخراسان، ويعود الفضل إليه في نشر المذهب بمرو وخراسان، بعد الشَّيخ حافظ أَحمد بن سيّار بن أيوب الحسن المروزي الَّذي كَانَ إمام أهل الحديث في بلده، علمًا وأدبًا وزهدًا، المتوفى سنة 268 هـ.
وكان الحافظ أَبو عوانة، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري المتوفى سنة 316 هـ أوّل من أدخله إِلى إسفرايين.
وقال المقْدِسِيّ: إنّ المذهب الشَّافعيّ هو الغالب على كثير من بلاد الشرق كالشاش، وإيلاق، وطوس، ونسا، وأبيورد، وهراة، وسجستان، ونيسابور.
قال الأسنوي: إنَّ أصحاب الإِمام الشَّافعيِّ قد حصلت لهم أمور لم تتحقق لغيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى، منها أنهم المقدّمون في المساجد الثلاثة الشريفة: مكة، والمدينة، والقدس، ومنها أن الكلمة لهم في الأقاليم الفاضلة المشار إليها وهي: الشَّام، والمدينة، ومكة، وغالب الأقاليم الكبار العامرة، المتوسطة في الدنيا، والتي شِعار الإِسلام بها ظاهر منتظم كالحجاز، واليمن، ومصر، والشّام، والعراق، وخراسان، وديار بكر، وإقليم الروم.
دخول المذهب الشَّافعيّ إِلى الشام:
انتشر المذهب الشَّافعيّ أول مرّة في الشَّام عند تولي الشَّيخ أَبو زُرْعة محمَّد بن عثمان الدمشقي سنة 302 هـ قضاء دمشق بعد قضاء مصر، فكان يشجع على حفظ مختصر المزني، فيعطي لمن يحفظه مائة دينار.
الجزء: 1 - الصفحة: 21
دخول المذهب الشَّافعيّ إِلى اليمن:
ودخل مذهب الشَّافعيّ إِلى اليمن في مخلاف الجند مع الإِمام الفقيه أوحد عصره، وفريد دهره القاسم بن محمَّد بن عبد اللَّه الجمحي القرشي المتوفى سنة 430 هـ ببلدة سهفنة، سكن اليمن في بلدة (سهفنة) وأخد يدرِّس الفقه الشَّافعيّ فاستفاد منه فقهاء هذا المذهب في هذه البلاد، وكانت مدرسته في بلدة (سهفنة) فأخذ عنه شافعية (المعافر) ولحج، وأبين، وأهل الجند، والسحول، وإحاظة، وعنّة، ووادي ظبا، وتخرج عليه كثير من علماء اليمن.
طريقة العراقيين وطريقة الخراسانيين
:
وقد سلك أصحاب الشَّافعيّ في استنباط الأحكام وتخريج المسائل وتفريعها على أصول الشَّافعيّ وقواعده طريقتين: عرفت إحداهما بطريقة العراقيين، وعرفت الأخرى بطريقة الخراسانيين، وقال الإِمام النووي في "المجموع" (1/ 69): وطريقة العراقيين في نقل نصوص الشَّافعيّ وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابه، أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا وتفريغا وترتيبًا غالبًا.
قال: واعلم أن مدار كتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعات من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد، وهو في خمسين مجلدًا، جمع فيه من النفائس ما لم يشارك في مجموعة من كثرة المسائل والفروع، وذكر مذاهب العلماء، وبسط أدلتها، والجواب عنها.
- الإِمام أَبو القاسم عثمان بن سعيد الأنماطي مؤسس طريقة العراقيين، وتبعه فيها تلميذه: أَبو العبَّاس ابن سُريج، وتلميذه: القفال الشاشي الكبير حتى وصل إلى أَبي حامد الاسفراييني، ثم جاء بعد الأنماطي تلميذه:
- الإِمام ابن سُريج: وهو الإِمام الكبير القاضي: أَبو العبَّاس أَحمد بن عمر بن سُريج البغدادي، شيخ الشَّافعية في عصره، وعنه انتشر فقه الشَّافعية في الآفاق.
الجزء: 1 - الصفحة: 22
- الإمام أَبو الطيب بن سلمة: وكان من علماء هذه المرحلة: الإِمام أبو الطيب ابن المفضل بن سلمة بن عاصم، وهو من كبار علماء الشَّافعية، وأصحاب الوجوه، ومتقدميهم.
- الإمام الإصطخري: وهو الإِمام العظيم أبو سعيد، الحسن بن أَحمد بن نصر الإصطخري، أحد عظماء الشَّافعية، من أصحاب الوجوه.
- الإِمام أَبو العبَّاس بن القاص: وهو: أبو العبَّاس أحمد بن أبي أحمد القاص الطبري، من كبار فقهاء الشَّافعيّة وأصحاب الوجوه المتقدّمين، أخذ الفقه عن ابن سُريج، وعنه أخذ أهل طبرستان الفقه الشَّافعي، فهو شيخ الشَّافعية فيها, وله مؤلفات كثيرة ونفيسة، لقيت العناية والاهتمام في المذهب، ومنها: "التلخيص"، وهو من أنفسها، قال النووي: لم يصنف قبله ولا بعده مثله في أسلوبه.
- الإمام أبو إسحاق المروزي: هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروزي، كَانَ إمامًا جليلاً، غوَّاصًا على المعاني، ورِعًا زاهدًا.
- الإِمام ابن أبي هُريرة: وهو الإِمام الكبير القاضي أبو علي الحسن بن الحسين ابن أبي هُريرة أحد أئمة الشافعية من أصحاب الوجوه.
- القفال الكبير: هو الإِمام الجليل أبو بكر محمد بن عليّ بن إسماعيل القفّال الكبير الشاشي، تفقّه على ابن لسُريج، وعنه انتشر فقه الشَّافعيّ بما وراء النهر.
- أبو حامد الإسفراييني: وهو الإِمام الجليل أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني ويعرف بابن أبي طاهر، من كبار أصحابنا، أصحاب الوجوه في المذهب، وإمام طريقة أصحابنا العراقيين، وشيخ المذهب.
- أبو الطيب الطبري (348 هـ - 450 هـ): هو الإِمام الكبير القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللَّه بن طاهر بن عمر الطبري من أصحابنا أصحاب الوجوه، وللطبري مؤلفات كثيرة في المذهب والأصول والخلاف والجدل منها: شرح المزني، وهو التعليقة المشهورة.
- القاضي أبو عليّ البَنْدَليجي (سنة 425 هـ): هو القاضي أبو عليّ الحسن بن
الجزء: 1 - الصفحة: 23
عبد اللَّه البندنيجي نسبة إلى (البندنيجين) بلدة مشهورة في طرف النهروان من ناحية الجبل، من أعمال بغداد، كان فقيهًا ورِعًا صالحًا، ومن أكبر أصحاب أبي حامد.
- المَحَاملي: (سنة 415 هـ): هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي المحاملي، ولد ببغداد، وأخذ الفقه عن الشيخ أبي حامد الاسفراييني، وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته.
- سُلَيْم الرازي (سنة 448 هـ): هو أبو الفتح سُلَيم بن أيوب بن سُلَيم -التصغير فيهما- الرازي نسبة إلى (الري) ناحية كبيرة معروفة من عراق المعجم.
وفي نفس هذه المرحلة كان هناك علماء أجلاء من أهل العلم والفقه، وأصحاب الوجوه يخدمون المذهب، وينمونه، ويستنبطونه، ويستخرجون منه المسائل بطريقة عرفت بطريقة الخراسانيين، فاتخذوا مؤلفات الشافعي أساسًا، وبحثوا في أفراد المسائل، وتحرير الدلائل, ومؤسس هذه الطريقة هو: العالم العلامة الفقيه الكبير والمحدِّث المشهور أبو عوانة يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم النيسابوري الحافظ الكبير، صاحب المسند الصحيح المستخرج على كتاب مسلم.
- ومنهم القفّال الصغير (سنة 417 هـ): وهو الإِمام أبو بكر بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه المروزي المعروف بالقفال، كان في ابتداء أمره يعمل الأقفال، وهو من أكابر علماء الشافعية في عصره، وأصحاب الوجوه المتقدّمين، وشيخ الخراسانيين، وإمام طريقتهم، وهو غير القفّال الكبير.
- القاضي حسين المرزوي (سنة 462 هـ): وهو الإِمام المحقّق القاضي حسين أبو عليّ بن محمد بن أحمد المرزوي، من كبار أصحاب القفّال، وأصحاب الوجوه في المذهب.
- الفوراني (سنة 461 هـ): وهو الإِمام أبو القاسم عبد الرَّحمن بن محمد ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 24
فوران المروزي الفوراني، تفقه على القفال حتى صار بارعًا، في العلوم، وشيخًا للشافعية بـ (مرو)، وصنّف في الأصول والخلاف والجدل والملل والنحل.
- المسعودي (سنة 423 هـ): هو الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن مسعود بن أحمد بن محمد المسعودي المروزي، كان عالمًا فاضلًا، حسن السيرة، تفقه على القفّال، وشرح مختصر المزني، وكان إمامًا مبرزًا.
- الجويني (سنة 438 هـ): هو الإِمام أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف بن محمد ابن حيويه الجويني والد إمام الحرمين، كان إمامًا في التفسير والفقه والأصول والعربية والأدب، وهو من أصحاب الوجوه، تفقّه على أبي الطيب الصعلوكي، ثمَّ على أبي بكر القفال، وكان قد لازمه وانتفع به، وقد تردد ذكر الإِمام الجويني في معظم كتب المذهب، وكثر النقل عنه، وله مصنّفات كثيرة شهيرة منها: التفسير الكبير، مختصر المختصر في الفقه، شرح رسالة الشافعي في أصول الفقه، شرح عيون المسائل التي صنفها أبو بكر الفارسي في الفقه، المحيط في الفقه.
- ومنهم: الإِمام أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (361 - 450 هـ): أبو الحسن المارودي، هو العالم العلامة المحدِّث، الفقيه، الأصولي، المفسّر، السياسي، كان إمامًا في الفقه والأصول والتفسير والحديث والسياسة، حافظًا للمذهب، بصيرًا بالعربية، وقد ألف كتابه "الحاوي" شرحًا لـ "مختصر المزني" تلميذ الإِمام الشافعي، وقد قدّم الماوردي لكتابه "الحاوي" مقدمة أوضح فيها الهدف من كتابه، والنهج الذي سار عليه، وأنه اعتمد أدلة مسائله على الكتاب والسنة، وآثار الصحابة والتابعين والإجماع والقياس، ثمَّ يذكر المسألة وما تعلق بها من فروع موضحًا حكم المذهب الشافعي فيها، والخلاف، سواء كان خلاف أقوال أو أوجه، ويستشهد المارودي كثيرًا بأشعار العرب على المعاني اللغوية وغيرها مما يعرض له من مسائل فقهية، ثمَّ يعرض لأراء المذاهب الأخرى، كالأحناف والمالكية والحنابلة والظاهرية، ويناقش رأي الكل مرجّحًا رأي الشافعي رضي اللَّه عنهم جميعًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 25
- الإِمام الشيرازي (سنة 476 هـ): هو: إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد اللَّه الشيرازي، أبو إسحاق الفقيه الشافعي، الأصولي النظّار، العالم، العامل، العابد، كان يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة، وصار من كبار أئمة الشافعية في الأصول والفروع والتدريس والتصنيف، وانتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي، وقد ألّف الشيرازي: "التنبيه"، و"المهذَّب" في الفقه، و"التبصرة"، و"اللمع" في أصول الفقه، و"الملخّص"، و"المعونة" في الجدل، و"طبقات الفقهاء" في التراجم والرجال، و"النكت" في الخلاف، وأصبح كتابه "المهذّب" أهم كتاب في فقه المذهب الشافعي في عصره، وبدأ تأليفه سنة 455 هـ, وانتهى سنة 469 هـ، وتهافت عليه العلماء، وأكبّ عليه الطلاب بالدراسة والتدريس، وأصبح المرجع الوحيد للفتوى في المذهب إلى عصر الرافعي والنووي، وشرحه كثير من العلماء، وبعضهم اهتم بلغته وتفسير غريبه.
وللمهذب شروح كثيرة وأهمها شرح الإِمام يحيى بن شرف الدين بن مرّي ابن حسن الحزامي الحوراني أبو زكريا محيي الدين النووي الشَّافعي المتوفي سنة 676 هـ سمّاه "المجموع". - إمام الحرمين (478 هـ): هو الإِمام عبد الملك بن عبد اللَّه ابن يوسف بن محمد بن حيويه الطائي السنبسي، ولد سنة 419 هـ وتوفى سنة 478 هـ، وقرأ الأدب، وبرع في الفقه، وصنّف فيه التصانيف المفيدة، وشرح "الرسالة" للشافعي، وشرح كتاب الشافعي، وكان يتمتع بذاكرة نادرة وحافظة لاقطة، كان يذكر دروسًا يقع كل واحد منها في عدّة أوراق، ولا يتلعثم في كلمة منها، وكان جادًا في طلب العلم، ويؤمن أن العلم لا نهاية له ولا حدود.
وأعظم كتاب ألفه هو كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" شرح فيه كتب الإِمام الشافعي وهي: "الأم"، و"الإملاء"، و"الرسالة"، وغيرها، و"مختصر المزني" و"البويطي" وغيرهما، وكتب أصحاب الوجوه والترجيحات.
فجاء كتابه هذا "نهاية المطلب في دراية المذهب" كتابًا عظيمًا جمع فأوعى،
الجزء: 1 - الصفحة: 26
وأصبح مرجع العلماء في عصره، وقال عنه ابن خلّكان في "وفيات الأعيان" 3/ 354: ما صنّف في الإِسلام مثله، ويعتبر كتاب "نهاية المطلب" قمة كتب المذهب الشافعي، وهو كتاب مطوّل، لا يصل إلى مستواه إلَّا الخواص والمختصون، ولا يصبر على مطالعته إلا من أوتي الصبر الجميل والتبحر في الفقه، وهو يحتوي على جميع الأبواب الفقهية، بدءًا من العبادات إلى آخر أبواب الفقه.
- أبو حامد الغزالي (450 هـ - 505 هـ): هو حجّة الإِسلام، ونادرة الزمان، الشيخ محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الإِمام الفقيه، الأصولي، المربي.
كان شديد الذكاء، سريع البديهة، قوي الحجة والبيان، تفقه على كثير من العلماء، ولازم إمام الحرمين، حتى برع في الفقه، والمعقول والمنقول، ولم يكن الغزالي مجرد حافظ للفروع والأحكام، وناقل لأراء العلماء، وإنما كان فقيهًا محققًا متفتح الذهن، وصل إلى مرتبة الاجتهاد، وقد جدد المذهب وأفاده، حيث كان يذكر حكمة التشريع في العبادة، كما يذكر في المعاملات بأن معاملات الإِسلام عبادة إذا لوحظ فيها الصدق والأمانة، وخدمة المسلمين.
وقد اختصر الغزالي كتاب شيخه "نهاية المطلب" بمختصر سماه "البسيط" ثمَّ اختصره في أَقلّ منه وسمّاه "الوسيط" ثمَّ اختصره في أَقلّ منه وسماه "الوجيز".
وقد أقبل الناس على كتب الإِمام الغزالي بالدرس والحفظ والشرح والاختصار، وكان لكتاب الوسيط مكان هام بين الكتب الفقهية، فهو أحد الكتب الخمسة الَّتي عليها مدار الفقه الشَّافعيّ، واشتهر لتدريس المدرّسين وبحث المشتغلين، وشرحه الإِمام ابن الرفعة نجم الدين بن محمَّد شافعي زمانه المتوفى سنة 710 هـ بشرح سماه "المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي" ويتكون من ستة وعشرين مجلد، كما شرحه العالم العلّامة أَحمد بن أَبي الحزم القمولي، المتوفى سنة 727 هـ بشرح سمّاه "البحر المحيط في شرح الوسيط".
الجزء: 1 - الصفحة: 27
ظهور طريقة ثالثة جمعت بين الطريقتين
:
وانتهى فقه الشَّافعيّ إِلى هاتين الطريقتين، وأصبحت الكتب المعتبرة لا تعدوهما، فمتى اتفقت الطائفتان على فرع من الفروع، كان هذا القول المعتمد في المذهب.
ثمَّ ظهر بعد ذلك من العلماء ممن لم يتقيدوا بمدرسة واحدة منها، بل نقلوا عن هذه وتلك، ومنهم:
الروياني: عبد الواحد بن إسماعيل صاحب البحر المتوفى سنة 502 هـ منهم، وكذلك أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي صاحب كتاب "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء"، المتوفى سنة 505 هـ.
وابن الصبّاغ: عبد السيد بن محمد البغدادي صاحب كتاب "الشامل شرح مختص المزني" المتوفى سنة 477 هـ وهم عراقيون ينقلون عن الطريقتين.
والمتوفي: عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري صحابي التتمة، المتوفى سنة 448 هـ.
وإمام الحرمين أبو المعالي: عبد الملك بن عبد اللَّه، صاحب نهاية المطلب، المتوفى سنة 478 هـ.
والإمام الغزالي: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الطوسي صاحب "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، المتوفى سنة 505 هـ، وهم خراسانيون ينقلون عن العراقيين.
وربما يعتمد كل غير طريقته في الفروع، فدوّنوا الفقه وجمعوا بين الطريقتين.
وبظهور هؤلاء العلماء بدأ الرافدان الأساسيان الناقلان لفقه الشافعي قديمه وجديده يلتقيان في قول موحد يمثل مذهب الشافعي، والراجح من قوله، ولقد أنصف الإِمام النووي المدرستين الناقلتين للمذهب بقوله:
واعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي، وقواعد مذهبه ووجوه
الجزء: 1 - الصفحة: 28
متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا وتفريعًا وترتيبًا غالبًا.
وقد توجت الطريقة الثالثة الجامعة بين العراقيين والخراسانيين بظهور الإمامين الجليلين: الرافعي، والنووي، اللذين قاما بأكبر دور في تحرير المذهب وإرساء قواعده، وبظهورهما دخل المذهب في دوره الثالث.
. دور التحرير والتنقيح.
على أنه يمكن اعتبار كتاب "المهذب" لأبي إسحاق الشيرازي، و"الوسيط" لأبي حامد الغزالي، أكثر الكتب اعتبارًا وتمثيلًا للمذهب عند علماء الفترة السابقة لظهور النووي الذي يقول في هذين الكتابين: ثم إن أصحابنا المصنفين رضي اللَّه عنهم أجمعين أكثروا التصانيف كما قدمنا، وتنوعوا فيها كما ذكرنا، واشتهر منها لتدريس المدرسين وبحث المشتغلين: كتاب "المهذب" للعالم العلامة شيخ المذهب أبي إسحاق الشيرازي، وكتاب الوسيط لحجة الإِسلام أبي حامد محمد ابن محمد الغزالي، وقد أصبح دروس وبحث المحصلين المحققين، وحفظ الطلاب المعتنين فيما مضى من الزمان، وفي هذه الأعصار في هذين الكتابين، لما فيهما من الفوائد والتحقيقات.
المذهب يواصل مسيرة الانتشار
: في مطلع القرنين السابع والثامن ظهرت حركات علمية، ونشط فيها التأليف، وظهر علماء أفذاذ لهم قدم راسخ في علوم الحديث ورجاله، وفي التاريخ الإِسلامي، وفي الفقه الإِسلامي، لا سيما في المذهب الشافعي، فأكثر فيه العلماء الذين بلغوا القمة من الفقه والتحصيل، الاستنباط، وأدركوا أسرار الشريعة، وأتقنوا أحكام الفقه، واستوعبوا النصوص الشرعية، وضبطوا قواعد الاستنباط والتعليل، وجلسوا للتدريس في كل من الشام ومصر والحجاز والعراق، فتهافت عليهم طلاب العلم والمعرفة من كل جانب، وأخذوا يؤلفون الكتب في الحديث والفقه والتفسير والتاريخ, ويظهر أن هذا النشاط كان تعويضا لما فقدته المكتبة
الجزء: 1 - الصفحة: 29
الإِسلامية من تراثها الأصيل في أنواع العلوم بسبب فتنة التتار والصليبيين الذين دمروا الكتب وأحرقوها، واعتدوا على التراث العلمي، ومنهم:
- العز بن عبد السلام الذي طور الفقه وأسس قواعده: هو الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد المشهور بالعز بن عبد السلام، المولود بدمشق سنة 577 هـ, والمتوفى بمصر سنة 660 هـ. ويعتبر كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" من البواكير الأولى لتقعيد الأحكام الفقهية ووضعها في قواعد عامة، ومبادئ كلية، وضوابط منتظمة، وهي المرحلة الثانية في تطور الفقه الإِسلامي من الفروع والجزئيات إلى القواعد والكليات، ثمَّ إلى النظريات.
- الإِمام عبد الكريم الرافعي، المتوفى سنة 624 هـ:
هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسن القزويني أبو القاسم الرافعي: صاحب الشرح الكبير المسمى "فتح العزيز في شرح الوجيز"، و"المحرر"، و"شرح مسند الشافعي"، و"التذنيب والأمالي".
كان متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا، وحديثًا وأصولًا، وكان إمامًا محققًا، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات.
ألف الرافعي أكثر من كتاب في فقه المذهب، وأشهر تأليفاته كتاب "المحرر" الذي حظي بأكبر قسط من اهتمام المتأخرين، وهو كتاب كثير الفوائد، عمدة في تحقيق المذهب، معتمد المفتي وغيره من أولي الرغبات، وقد التزم أن ينص على ما صححه معظم الأصحاب، ووفى بالتزامه.
وكتاب الرافعي هذا مأخوذ من الكتاب "الوجيز" و"الوجيز" هو تأليف حجة الإِسلام أبي حامد الغزالي، والإمام الرافعي يعتبر أحد محرري المذهب ومنقحيه ومطوريه، ويرجع المتأخرون إلى ترجيحه مع الإِمام النووي. - الإِمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676 هـ: هو شيخ الإِسلام والمسلمين، وعمدة الفقهاء والمحدثين ومحرر المذهب
الجزء: 1 - الصفحة: 30
الشافعي، ومهذبه، ومنقحه، ومرتبه، عالم سار في الآفاق ذكره، وعلا في العالم محله وقدره، صاحب التصانيف المشهورة المباركة النافعة، برع في علوم الحديث، وألَّف فيها الكثير، وبلغ في الفقه منزلة كبيرة، وهو فقيه ومحدث، له العديد من المؤلفات الفقهية في مذهب الشافعي، أشهرها:
1 - منهاج الطالبين، وهو اختصار لكتاب "المحرر" الذي ألفه الرافعي، إلا أن "المنهاج" يمتاز عن "المحرر" بما ضمنه النووي من "التنبيه" على قيود بعض المسائل هي في الأصل محذوفات، ومنها مواضع يسيرة ذكرها في "المحرر" على خلاف المختار في المذهب.
2 - "المجموع"، وقد شرح فيه كتاب "المهذَّب" لأبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، و"المهذَّب" أحد كتابين قال فيهما النووي: في هذين الكتابين دروس المدرسين، وبحث المحصلين المحققين، والكتابان هما: "المهذب" و"الوسيط" للغزالي.
طور تحرير المذهب
:
وقد قلنا سابقًا إن نقل المذهب الشافعي وجمع نصوصه والاستنباط من أصوله وقواعده قد انتهت إلى طريقتي العراقيين والخراسانيين.
وأصبحت الكتب المعتبرة عند متقدمي الأصحاب لا تعدوهما، فمتى اتفقت الطائفتان على فرع من الفروع كان هذا القول النهائي في المذهب، وأنه ظهر بعد ذلك من العلماء من لم يتقيد بمدرسة واحدة منهما، بل نقل عن هذه وتلك، فالروياني والشاشي وابن الصباغ عراقيون ينقلون عن الطريقتين، والمتولي وإمام الحرمين والغزالي خراسانيون ينقلون عن العراقيين، وربما يعتمد كلٌّ غير طريقته في الفروع.
وبظهور هؤلاء العلماء بدأ الرافدان الأساسيان الناقلان لفقه الشافعي قديمه وجديده يلتقيان في قول موحد يمثل مذهب الشافعي والراجح من قوله، ثم توجت
الجزء: 1 - الصفحة: 31
هذه المدرسة الثالثة الجامعة بين طريقة العراقيين والخراسانيين بظهور الإمامين الجليلين: (الرافعي، والنووي) اللذين قاما بأكبر دور في تحرير المذهب وإرساء قواعده.
وبظهورهما دخل المذهب في دوره الثالث دور التحرير والتنقيح، على أنه يمكن اعتبار كتاب "المهذَّب" لأبي إسحاق الشيرازي، والوسيط لأبي حامد الغزالي أكثر الكتب اعتمادًا وتمثيلًا للمذهب عند علماء الفترة السابقة لظهور النووي، الذي يقول في هذين الكتابين: واشتهر من كتب الشافعية لتدريس المدرسين، وبحث المشتغلين كتاب "المهذَّب"، و"الوسيط"، وفي هذين الكتابين دروس المدرسين، وبحث المحصلين المحققين، وحفظ الطلاب المنتسبين في ما مضي، وفي هذه الأعصار.
وإلى الإمامين (الرافعي، والنووي) يرجع الفضل في تحرير مذهب الشافعية وتنقيحه، ومن ثمَّ أصبحا عمدة من جاء بعدهم متفقهاء الشافعية، إليهما ينتهي الاجتهاد، وعلى رأيهما يكون في الفتوى الاعتماد، فلا غير أن يقال أنهما المؤسسان الثانيان لمذهب الشافعي رحمه اللَّه، فلقد اعتمد المتأخرون ترجيحاتهما في تحديد مذهب الشافعي والقول المعتمد فيه، وأجمع من جاء بعدهم من العلماء على أن القول الراجح في المذهب هو ما اتفق عليه الشيخان، فإن اختلفا قدم ما رجحه الإِمام النووي، ثم الرافعي.
يقول الرملي: "ومن المعلوم أن الشيخين قد اجتهدا في تحرير المذهب غاية الاجتهاد، ولهذا كانت عنايات العلماء، وإشارات من سبقنا من الأئمة متوجهة إلى ما عليه الشيخان، والأخذ بما صححاه بالقبول والإذعان، مؤيدين لذلك بالدليل والبرهان، فإذا انفرد أحدهما عن الآخر فالعمل بما عليه النووي وما ذلك إلا لحسن النية وإخلاص الطوية".
الجزء: 1 - الصفحة: 32
استمرار النشاط العلمي في الحديث والفقه في القرن الثامن
ثم جاء بعد هؤلاء في القرن الثامن طبقة من العلماء، جمعوا بين علوم الحديث والفقه وأصول الفقه، والجدل، وحققوا المذهب بالشرح والتأليف، وتخريج أحاديثه وتثبيت أصوله، واستخراج قواعده، وشرح ألفاظ الفقه.
فقد ألفوا كتبًا في تحرير لغته وشرحها، كما ألفوا كتبًا في الأشباه والنظائر، والقواعد الفقهية، وكان لهم دور كبير في خدمة الحديث والفقه الشافعي واستقراره، ومنهم:
- ابن الرِّفعة (710 هـ): وهو العالم العلامة شيخ الإِسلام، وحامل لواء الشافعي في عصره، نجم الدين أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس أبو العباس بن الرفعة المصري، ولد سنة 645 هـ، وصنف المصنَّفين العظيمين المشهورين: كتاب "الكفاية في شرح التنبيه" لأبي إسحاق الشيرازي، و"المطلب في شرح الوسيط للغزالي" الذي بلغ أربعين مجلدًا، وهو كتاب عظيم من كثرة النصوص والمباحث ولم يكمله، وكمّله الشيخ الحموي.
- الإِمام القمولي: (272 هـ):
هو أحمد بن محمد بن مكي بن ياسين القرشي المخزومي أبو العباس نجم الدين القمولي الفقيه الشافعي المصري من أهل "قمولا" بصعيد مصر، وشرح كتاب "الوسيط" للغزالي شرحًا مطولًا أقرب تناولًا من "المطلب" لابن الرِّفعة، وأكثر فروعًا.
قال الإسنوي: لا أعلم كتابًا في المذهب أكثر مسائل منه، وسمّاه "البحر المحيط في شرح الوسيط" ثم لخَّص أحكامه واختصره، وسمّاه "جواهر البحر". - الإِمام الإسنوي: (772 هـ): هو الإِمام جمال الدين أبو عبد اللَّه عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن إبراهيم
الجزء: 1 - الصفحة: 33
الأسنوي الإِمام العلامة، منقح الألفاظ، محقق المعاني، فقيه أصولي، حافظ، عالم بالعربية، ولد سنة 704 هـ، ومن تصانيفه "كافي المحتاج في شرح المنهاج" لم يكمله، و"تصحيح التنبيه"، و"الفتاوى الحموية"، و"اللوامع والبوارق في الجوامع والفوارق"، و"المهمات"، و"الهداية إلى وهم الكفاية"، و"الأشباه والنظائر"، و"شرح كتاب البحر المحيط" توفي سنة 722 هـ رحمه اللَّه.
- الأذرعي: (783 هـ): هو العلامة، قطب الزمان، حجَّة أهل عصره، أبو الوليد الشيخ شهاب الدين أحمد بن حمدان بن عبد الواحد بن عبد الغني بن محمد أبو العباس شهاب الدين الأذرعي، من كبار فقهاء الشافعية، ولد بالشام بأذرعات سنة 708 هـ، شرح "المنهاج" في شرح كبير، وسماه "قوت المحتاج إلى شرح المنهاج" في عشرة مجلدات، وشرح " الروضة" بكتاب سماه "التوسط والفتح بين الروضة والشرح" توفي سنة 783 هـ.
- البلقيني: 805 هـ 2.
- ابن الملقن: 804 هـ: هو الإِمام العلامة عمدة المصنفين: سراج الدين عمر بن علي بن أحمد بن محمَّد بن عبد اللَّه المشهور بابن الملقِّن الفقيه المحدث، ولد ابن الملقن سنة 723 هـ ومن محاسن تصانيفه "شرح الحاوي"، و"شرح البخاري" في عشرين مجلدًا، و"شرح زوائد مسلم"، و"زوائد أبي داود"، و"زوائد الترمذي"، و"زوائد النسائي"، و"زوائد ابن ماجه"، ومن تصانيفه: تخريج أحاديث الرافعي سماه "البدر المنير" في ستة مجلدات ثم اختصره وسماه "الخلاصة" وكتاب "تخريج أحاديث المهذب"، وكتاب "تخريج أحاديث الوسيط"، وكتاب شرح العمدة سماه "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"، وهو من أحسن مصنفاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 34
وقد جمع متون الفقه المؤلفة في فقه الشافعي وسماها: "جمع الجوامع في الفروع"، جمع فيه ابن الملقن بين كلام الرافعي في شروحه ومحرره، والنووي في شرحه ومنهاجه وروضته، وابن الرِّفعة في كفايته ومطلبه، والقمولي في بحره وجواهره، وغير ذلك مما أهملوه وأغفلوه مما وقف عليه المؤلف من التصانيف في المذهب، جمعه من نحو مائتي مؤلف، ويقال إنه بلغ مائة جزء، وقد اختصر لوالده كتابًا من أهم الكتب المختصرة وسماه: "التذكرة" في الفقه وهو مطبوع، ثم احترقت مكتبته، وحزن وتغير قبل موته، فحجبه ولده عن الناس إلى أن توفي سنة 804 هـ رحمه اللَّه وأسكنه فسيح جناته.
علماء في القرن التاسع والعاشر يواصلون مسيرة الفقه الشافعي وتطويره
- الشيخ زكريا الأنصاري: (826 هـ - 926 هـ):
هو الإِمام الشيخ زكريا الأنصاري شيخ مشايخ الإِسلام، علامة المحققين، وفهامة المدققين، ولسان المتكلمين، وسيد الفقهاء والمحدثين، والحافظ المخصوص بعلو الإسناد، الملِحق للأحفاد بالأجداد، محمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الأزهري الشافعي، منسوب إلى "سُنَيْكه" بضم السين المهملة وفتح النون وإسكان الياء المثناة، بليدة من شرقية مصر.
اشتغل بالعلم والعمل ليلًا ونهارًا مع مقارنة مائة سنة من عمره من غير كلل ولا ملل، وله مؤلفات كثيرة منها: "أسنى المطالب في شرح روضة الطالب" أربعة مجلدات، وهو مطبوع، "تحفة الباري على صحيح البخاري"، "تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح الطلاب"، "الغرر البهية في شرح البهجة الوردية" "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب"، "متن منهج الطالبين مختصر منهاج الطالبين"، "لب الأصول مختصر في علم الأصول" توفي رحمه اللَّه تعالى سنة 926 هـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 35
- ابن حجر الهيتمي: (909 هـ - 973 هـ): هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي، أصله من بني سعد في إقليم الشرقية من مصر السفلى، وقد ألف كتبًا كثيرة جيدة قابلها الناس بالتقدير والإقبال منها: كتاب "الإمداد شرح الإرشاد"، وهو طويل، ثم اختصره بكتاب "فتح الجواد" وكتاب "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" توفي رحمه اللَّه تعالى سنة 974 هـ.
- محمد الخطيب الشربيني (977 هـ): الشيخ الإِمام العالم العلامة الهمام محمَّد بن محمد الخطيب شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي، أجمع أهل مصر على صلاحه ووصفوه بالعلم والزهد والورع وكثرة النسك والعبادة، وشرح كتاب "المنهاج" و"التنبيه" شرحين عظيمين جمع فيهما تحريرات أشياخه بعد القاضي زكريا، وأقبل الناس على قراءتهما وكتابتهما في حياته، وله على "الغاية" شرح مطول حافل، ومن مصنفاته: كتاب "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، كتاب "مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج"، كتاب "شرح التنبيه" لأبي إسحاق الشيرازي، كتاب "شرح البهجة" في الفقه لابن الوردي، توفي رحمه اللَّه تعالى سنة 977 هـ.
- شمس الدين الرملي (919 هـ - 1004 هـ):
محمد بن أحمد بن حمزة شمس الدين الرملي، فقيه الديار المصرية في عصره، ومرجعها في الفتوى، يقال له: الشافعي الصغير, نسبته إلى "الرملة" من قرى المنوفية بمصر، ومولده ووفاته بالقاهرة، ولي إفتاء الشافعية، وجمع فتاوى أبيه، وصنف شروحًا وحواش كثيرة.
التقويم المذهبي لآراء الرافعي والنووي وكتبهما أطبق المحققون المتأخرون من علماء الشافعية على أن القول المعتمد للحكم والفتوى (هو ما اتفق عليه الشيخان -الرافعي والنووي- وإن اختلفا فما جزم به
الجزء: 1 - الصفحة: 36
النووي، ثم ما جزم به الرافعي ما لم يجمع متعقبوا كلامهما على أنه سهو).
ولقد بلغ الأمر في اعتماد المتأخرين من الشافعية على قول الشيخين "أن بعض المشايخ منهم كان لا يجيز أحدًا بالإفتاء إلا شرط عليه أن لا يخرج عما صححاه"، ويعلل لنا الإِمام ابن حجر الهيتمي سر هذه الثقة والاعتماد فيقول:
"وقد أجمع المحققون على أن المفتي به ما ذكراه أي الرافعي والنووي، وإن اختلفا فالنووي.
وعلى أنه لا يعترض عليهما بنص الأم أو كلام الأكثرين أو نحو ذلك؛ لأنهما أعلم بالنصوص وكلام الأصحاب من المعترض عليهما، فلم يخالفاه إلا لموجب علِمَه مَن عَلِمه وجَهِله مَن جَهِله".
كتب علماء الشافعية متسلسلة من مؤلفات صاحب المذهب الإِمام الشافعي
جمع إمام الحرمين عبد الملك بن عبد اللَّه الجويني كتب الإِمام الشافعي وهي: "كتاب الأم"، و"الإملاء"، و"الرسالة"، وغيرها، بالإضافة إلى كتاب تلاميذ الشافعي مثل "مختصر المزني"، و"البويطي"، وغيرهما، وبعض كتب أصحاب الوجوه والترجيحات وشرحها في كتابه "نهاية المطلب في دراية المذهب" وهو كتاب عظيم ومنهم، أجمع علماء الشافعية على الثناء عليه، والإشادة بذكره، فقال فيه ابن خلكان: ما صنف في الإِسلام مثله.
ثم جاء الغزالي تلميذ إمام الحرمين فاختصر كتاب "النهاية" بمختصر سماه "البسيط"، ثم اختصره مرة أخرى بكتاب سماه "الوسيط"، ثم اختصره بكتاب آخر سماه "الوجيز".
وقد شرح الإِمام العلامة الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد بن الرِّفعة شافعي زمانه، المتوفى سنة 710 هـ كتاب "الوسيط" بشرح سماه: "المطلب العالي بشرح
الجزء: 1 - الصفحة: 37
وسيط الغزالي" فمات قبل إتمامه، فأتمه الشيخ الحموي، وهو يقع في ستة وعشرين مجلدًا، كما شرحه الشيخ أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكي بن يس بن العباس نجم الدين القمولي المتوفى سنة 727 هـ بشرح سماه "البحر المحيط بشرح الوسيط"، كما شرح الوسيط أيضًا العالم العلامة قطب زمانه وحجة أهل عصره أبو الوليد الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد اللَّه الأذرعي المتوفى سنة 783 هـ بشرح سماه "التوسط والفتح بين الروضة والشرح" يقع في عشرين مجلدًا.
وقد شرح الإِمام أبو القاسم الرافعي عبد الكريم بن محمد القزويني كتاب "الوجيز" للغزالي بشرحين أحدهما صغير، والثاني كبير سماه "فتح العزيز بشرح الوجيز" فأقبل الناس إليه بالدراسة والاستفادة والاختصار.
فاختصر الإِمام محيي الدين النووي كتاب "فتح العزيز" بكتاب سماه "روضة الطالبين وعمدة المفتين" كان مرجع العلماء ومحل اهتمامهم.
وأقبل العلماء على "كتاب الروضة" بالشرح والدرس، وقد شرح "الروضة" العلامة بدر الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن بهادر الزركشي المتوفى سنة 479 هـ بكتاب سماه "خادم الشرح والروضة"، وهو كتاب كبير، يقع في أربعة عشر مجلدًا، ذكر فيه مشكلات الروضة، وفتح فيه مقفلات "فتح العزيز" للرافعي، وهو أسلوب كتاب "التوسط" للأذرعي.
وقد اختصر الشيخ أبو القاسم الرافعي كتاب "الوجيز" للغزالي بمختصر سماه "المحرر" 3، ثم اختصره الشيخ نجم الدين القزويني بكتاب سماه "الحاوي الصغير" 4، وقد أقبل عليه الناس لكونه مختصرًا مفيدًا، محرر المقاصد، وجيز اللفظ، بسيط المعاني، و"شرح الوجيز" للإمام الرافعي، يعرف بـ "الشرح الكبير".
الجزء: 1 - الصفحة: 38
وقد خرَّج الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن الملقن أحاديث الشرح الكبير وبين الصحيح والضعيف في كتاب كبير، يقع في سبعة مجلدات، سماها "البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير"، ثم اختصره بكتاب أصغر منه وسمَّاه "مختصر البدر المنير"، ثم اختصر "البدر المنير" الشيخُ الحافظُ شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر العسقلاني، وسماه "تلخيص الحبير خلاصة البدر المنير"، ثم اختصر الإِمام النووي شرح الوجيز للرافعي بكتاب سماه "روضة الطالبين وعمدة المفتين" يقع في اثني عشر مجلدًا، حرر فيه العبارات، وأوضح المذهب، وهذَّب الكتاب كما مر ذكره عند ذكر الإِمام النووي.
ثم قام الإِمام النووي باختصار "المحرر" للرافعي بكتاب آخر سماه "منهاج الطالبين"، حرَّر فيه العبارات، وأوضح الخلاف والمشكلات، ونقّحه وهذّبه، فأقبل إليه الناس بشوق وشغف بالدراسة والحفظ، وشرحه كثير من العلماء منهم:
الشَّيخ محمَّد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد جلال الدين المحلي بشرح مفيد، عرف بشرح جلال الدين المحلي، فأصبح عمدة الطُّلاب والمدرِّسين، حتى إنَّ المصنّفين بعده إذا قالوا: "قال الشارح" أصبح ينصرف إليه.
وعلّق على هذا الشرح كل من شهاب الدين أحمد بن أحمد بن سلامة القليوبي، والشيخ شهاب الدين أحمد البرلسي المشهور بعميرة المتوفى سنة 957 هـ.
كما شرحه الشيخ عمدة المحققين وخاتمة المفتين شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي المتوفى سنة 974 هـ بشرح سماه "تحفة المحتاج"، وقد وضع عليه العلامة الشيخ عبد الحميد الشرواني حاشية، وكذلك وضع عليه الشيخ أحمد بن قاسم العبادي حاشية طُبعتا مع التحفة، ويقع في عشر مجلدات، وقد وضع السيد عبد الرحمن بن عبيد اللَّه السقاف المتوفى سنة 1335 هـ حاشية على تحفة المحتاج سماها "صوب الركام في تحقيق الأحكام" ذكر فيها أنه حقق مسائل "تحفة المحتاج"، وقيّد شواردها، وأحكم أوابدها، وأعاد الفروع فيها إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 39
الأصول، وأبان ما إليه المنقول تؤول، بما لم يسبق إليه، ولم تخدم التحفة مثله، ولكنه مخطوط لم يطبع.
وكذلك شرح المنهاج الشيخ شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة الرملي المنوفي المصري، المتوفى سنة 1004 هـ بشرح سماه "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج" ويقع في ثمانية مجلدات، وقد علق عليه كل من أبي الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملسي القاهري المتوفى سنة 1087 هـ، والشَّيخ أحمد بن عبد الرازق بن محمد بن أحمد المعروف بالمغربي الرشيدي.
كما شرح "المنهاج" الشيخ شمس الدين محمد بن محمد الخطي الشربيني بشرح سماه "مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج".
وكذلك شرح "المنهاج" الشيخ المحقق محمد الزهري الغمراوي شرحًا مختصرًا سماه "السراج الوهاج على المنهاج".
ثم اختصر شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري كتاب "منهاج الطالبين" بكتاب مختصر سماه "منهج الطلاب" هذّبه، وحرر عباراته، نال استحسان العلماء، وقد شرحه بنفسه شرحًا سماه "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" وهو من الكتب المعتمدة في المذهب، ومرجع للعلماء والطلاب، ويعتبرونه المذهب المنقح، وقد كتب عليه الشيخ سليمان بن عمر بن محمد البجيرمي حاشية وافية وسماها "التجريد لنفع العبيد".
وقد قام الشيخ شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر الشهير بابن المقرئ اليمني باختصار "روضة الطالبين" بمختصر سماه "روض الطالب".
وقد شرح هذا المختصر شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري بشرح سماه "أسنى المطالب شرح روض الطالب"، وهو من الكتب الجيدة والمعتمدة لدى المتأخرين، ويقع في خمسة مجلدات.
كما قام الشيخ شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقرئ باختصار كتاب "الحاوي الصغير" للقزويني بمختصر سماه "الإرشاد" وقال إنه أقل حجمًا، وأكثر
الجزء: 1 - الصفحة: 40
علمًا، وأصحّ حكمًا من سابقه.
وقد شرح الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي هذا المختصر بشرح كبير سماه "الإمداد" وهو كتاب كبير، ثم اختصره وسماه "فتح الجواد" يقع بها مجلدين كبيرين، وهو كتاب يحتوي على مسائل كثيرة، وتفريعات جيدة بعبارات راقية، لا يفك رموزها إلا العلماء المتمكنون بها اللغة العربية، والفقه الشَّافعيّ، وقد نظم الشيخ صفي الدين أبو السرور أحمد بن عمر بن محمد بن عمر المزجد اليمني كتاب "الإرشاد" وسماه "منظومة الإرشاد" بها خمسة آلاف وثمانمائة وأربعين بيتًا.
(4) طور الاستقرار
ظلّت آراء الشيخين وكتبهما محور اعتماد من جاء من بعدهما من علماء الشافعية في تحديد رأي "المذهب" حتى نبغ طائفة من العلماء اعتبروا من المحققين بها المذهب، كالشيخ زكريا الأنصاري المتوفى سنة 926 هـ والخطيب الشربيني المتوفى سنة 977 هـ، والشهاب الرملي المتوفى سنة 957 هـ والجمال الرملي المتوفى سنة 1004 هـ وابن حجر الهيتمي المتوفى سنة 973 هـ وغيرهم.
وهؤلاء كانت محور تآليفهم كتب الشيخين تأييدًا وشرحًا، وقد يخالفهما البعض بترجيحات خاصة له.
وحظي كتاب "المنهاج" للنووي المختصر من "المحرر" للرافعي بالكثير من الاهتمام، فقد اختصره شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري بها كتاب "المنهج" كما شرحه جمع لا يحصى منهم: الخطيب الشربيني بها كتابه "مغني المحتاج"، والجمال الرملي بها كتابه "نهاية المحتاج"، وابن حجر المكي بها كتابه "تحفة المحتاج" وقد أدى اجتهاد بعض هؤلاء إلى ترجيحات مخالفة لآراء الشيخين، ومن ثَم لم يكن بدٌّ من إعادة النظر في مدلول "المذهب" واصطلاحه.
* المذهب كما استقر عليه عند المتأخرين من الشَّافعية:
يقررُ أكثر المتأخرين من فقهاء الشَّافعية على أن من كان من أهل الترجيح في
الجزء: 1 - الصفحة: 41
المذهب والقدرة على التصحيح يختار في فتواه ما يظهر له ترجيحه من كلام الشيخين -الرافعي والنووي- ولا يتقيد بما رجحه ابن حجر أو الرملي أو غيرهما من المتأخرين، بل يغترف من البحر الذي اغترف منه السيدان الجليلان المشار إليهما وغيرهما من الفحول.
وإنما حصرنا ذلك في كلام الرافعي والنووي لما تقرر عند أكثر من محققي المتأخرين أنه لا يجوز العدول عن كلامهما.
أما من لم يكن من أهل الترجيح في المذهب، وهو شأن أكثر الباحثين اليوم فهو بالخيار بين أن يأخذ بكلام ابن حجر أو بترجيح الجمال الرملي، ولا كلام في ذلك ما لم يتفق متعقبو كلامهما على أنه سهو.
فإن اتقفا على رأي فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب، وإن اختلفا في الترجيح فأيهما أولى بالتقديم -مع التخيير بينهما.
الخلاصة
من العرض السابق يتبينُ واضحًا الأدوار التي مر عليها تحديد اصطلاح المذهب عند الشافعية، وأن رأي المتأخرين من علماء الشافعية قد استقر على أن المذهب لا يعدو ما رجحه الشيخان النووي والرافعي، ثم ما رجحه ابن حجر والرملي.
ومِن المتيقن أن ابن حجر والرملي قد التزما في كتبهما بتطبيق القاعدة الأولى التي اتفق عليها من جاء قبلهما وهي: أن الراجح في المذهب هو ما رجحه الشيخان، ثم ما اختاره النووي، ثم ما رجحه الرافعي.
ومن ثم فإن كتبهما -الرملي وابن حجر- لا تشذ عن هذه القاعدة فيما تعرض له الشيخان.
ولذا فإن الباحث في عصرنا يجد لزامًا على نفسه أن يخضع لما حرره من جاء بعد الرملي وابن حجر من تحديد "المذهب" بأنه هو ما رجحه ابن حجر
الجزء: 1 - الصفحة: 42
والرملي في كتبهما على الترتيب والكيفية التي صنف بها علماء المذهب كتبهما وكتب من جاء بعدهما.
وهذا الاعتماد على كتب ابن حجر والرملي ينبغي أن لا يصرف نظر الباحث عن الحقيقة العلمية وراء ذلك، وهي أن كتب ابن حجر والرملي إنما هي حلقة في سلسلة ذهبية من كتب أكابر علماء الشافعية تمتد عبر القرون حتى تصل إلى مؤسس المذهب: الإِمام الشافعي.
فـ "التحفة" و"النهاية" كلاهما شرح لـ "منهاج الطالبين"، و"منهاج الطالبين" مختصر النووي من "المحرر"، و"المحرر" مختصر الرافعي من "الوجيز" 5 الذي شرحه الرافعي بشرحين، واختصر النووي أحدهما في كتاب "الروضة"، و"الوجيز" من "الوسيط"، و"الوسيط" من "البسيط"، والثلاثة كلها للإمام أبي حامد الغزالي، ولقد استقى الإِمام الغزالي كتابه "البسيط" من كتاب "نهاية المطلب" لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد اللَّه الجويني، و"نهاية المطلب" شرح "المختصر" للمزني، ومختصر المزني -تلميذ الشافعي- من مؤسسي المذهب الشافعي.
هذا التسلسل الفريد والارتباط الحسن يجعل النفس تطمئن اطمئنانًا عجيبًا إلى صدق تمثيل هذه الكتب ومؤلفيها لمذهب الإِمام الشافعي.
ومن ناحية أخرى فإن كتاب شيخ الإِسلام الأنصاري: المنهج اختصار لمنهاج النووي والخطيب الشربيني شرح المنهاج في كتابه "مغني المحتاج".
ولقد تبين مما عرض عليك أن الحواشي اللاحقة لهؤلاء كلها مستقاة من كتب الشيوخ: زكريا الأنصاري، والخطيب الشربيني، والرملي، وابن حجر.
الجزء: 1 - الصفحة: 43
ثالثًا دراسة الكتاب
(أ) ترجمة المصنِّف
اسمه ولقبه وكنيته
:
أبو حفص سراج الدين عُمرُ بن رِسْلان بن نصير بن صالح الكناني العسقلاني البلقيني (6) الشافعي، إمام الأئمة وعلم الأمة.
حاز كل الفخر وهو أعجوبة الدهر، خاتمة المجتهدين، ومن دان لفضله كل عالم من أئمة الدين، شيخ الوقت وحجته وإمامه ونادرته، فقيه الزمان بالاتفاق، وشيخ الإِسلام على الإطلاق، أعلم أهل عصره بجميع العلوم، وأدراهم بالمنطوق والمفهوم، مفتي الأنام وملك العلماء الأعلام، عون الإِسلام والمسلمين، وحجة اللَّه تعالى على خلقه أجمعين.
وكان رحمه اللَّه تعالى واسع العلم بحرًا لا يجارى ولا تكدره الدلاء وحافظًا لا يكاد يفوته من علوم البشر إلا ما لا خير فيه، ديِّنًا خيِّرًا وقورًا حليمًا مهيبًا سريع البادرة قريب الرجوع كثير التلطف سريع البكاء في الميعاد مع الخشوع، لا يفتر عن الاشتغال أو الإشغال.
نشأته
:
ولد ليلة الجمعه الثاني من عشر من شعبان سنة 724 هجرية، ومات سنة 805 هجريه عن واحد وثمانون عام وشهور.
حج بيت اللَّه مرتين سنة 740 هجريه6
الجزء: 1 - الصفحة: 44
وعام 747 هجرية.
حفظ القرآن الكريم وعمره سبع سنين وهي من صغيره لم يضارعه فيها إلا اطفال قلائل مثل العلامه ابن حجر العسقلاني كما حفظ البلقينى "المحرر" في الفقه و"الكافية" في النحو لابن مالك ومختصر ابن الحاجب في أصول الفقه و"الشاطبية" في القراءات، وكل ذلك في بلدته بلقينا.
يقال إن صالح الجد الثالث لسراج الدين هو أول من سكن بلقينة ولذلك كان لقب البلقيني وهي قرية متابعة لمركز المحلة الكبرى محافظة الغربية بطريق طنطا.
ومن المعروف أن بيت البلقيني بيت علم وفضل ورياسة وكرم، منهم من دفن بالقرية ومنهم من دفن بعيدًا عنها.
أولاده
:
تزوج الشيخ سراج الدين ابنة العلامه الشيخ ابن عقيل ولازمته في شبيبته.
أما أولاده فقد رُزق بعدة أولاد، وأشهر من نبغ في العلم منهم:
بدر الدين البلقيني، توفي في حياته سنة 791 هـ.
جلال الدين البلقيني توفي سنة 824 هـ:
عبد الرحمن بن عمر بن رسلان الكناني، العسقلاني الأصل، ثم البلقيني المصري، أبو الفضل جلال الدين: من علماء الحديث بمصر.
انتهت إليه رياسة الفتوى بعد وفاة أبيه.
وولي القضاء بالديار المصرية مرارًا، إلى أن مات وهو متول.
له كتب في (التفسير) و (الفقه) و (مجالس الوعظ) وتعليق على البخاري سماه (الإفهام لما في صحيح البخاري من الإبهام- خ) و (مناسبات أبواب تراجم البخاري- خ) ورسالة في (بيان الكبائر والصغائر- خ) و (نهر الحياة- خ) و (حواش على الروضة) في فروع الشافعية، أفردها أخوه في مجلدين.
ومات في القاهرة.
علم الدين البلقيني: قاضي القضاة علم الدين صالح ابن شيخ الإِسلام سراج الدين، حامل لواء مذهب الشافعي في عصره، ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة،
الجزء: 1 - الصفحة: 45
وأخذ الفقه عن والده وأخيه، والنحو عن الشطنوفي والأصول عن العز ابن جماعة، وسمع على أبيه جزء الجمعة وختم الدلائل وغير ذلك؛ وعلى الشهاب ابن حجي جزء ابن نجيد، وحضر عند الحافظ أبي الفضل العراقي في الإملاء، وتولى مشيخة الخشابية، والتفسير بالبرقوقية بعد أخيه؛ وتدريس الشريفية بعد الفمني، والحديث بمدرسة قايتباي.
وتولى القضاء الأكبر سنة ست وعشرين، بعزل الشيخ ولي الدين، وتكرر عزله وإعادته؛ وتفرد بالفقه؛ وأخذ عنه الجم الغفير، وألحق الأصاغر بالأكابر، والأحفاد بالأجداد.
وألف تفسير القرآن، وكمل التدريب لأبيه وغير ذلك.
قرأت عليه الفقه، وأجازني بالتدريس وحضر تصديري؛ وقد أفردت ترجمته بالتأليف.
. مات يوم الأربعاء خامس رجب سنة ثمان وستين وثمانمائة.
قدومه إلى القاهرة
: أتى به أبوه إلى القاهرة وعمره اثنتى عشر سنة، فطلب العلم ودرس على علماء عصره من أمثال العلامة الميدومي، وقرأ الأصول على يد شيخه شمس الدين الأصفهاني، والنحو على يد شيخه أبي حيان، وقد أذن له بالفتوى وهو ابن خمسة عشر سنة، فاق الأقران والزملاء واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها الصحيح فقيل أنه مجدد القرن التاسع الهجري، وأثنى عليه شيوخه وزملاؤه وهو شاب، وانتهت به دراسة العلم في أقطار الأرض، وقصده العلماء والطلاب من كل صوب، وأتته الفتوى من مناحية.
وظائفه
:
تولى عدة وظائف منها إفتاء دار العدل، وسافر إلى دمشق سنة 769 هجرية فباشره مدة قصيرة ثم عاد.
وفي عام 793 هجرية سافر إلى حلب بصحبة السلطان برقوق بن أنس العثماني، ودرس بها، ثم عاد إلى القاهرة مع السلطان وعظم شأنه، وصار يجلس في مجلس السلطان بجواره وفوق قضاة القضاة، وعكف التدريس
الجزء: 1 - الصفحة: 46
والتصنيف وانتفع به عامة الطلبة.
تلاميذه
:
تتلمذ على يد الشيخ سراج الدين البلقيني تلاميذ كثيرون جدًّا منهم:
حافظ دمشق ابن ناصر الدين، وقد قال في "التبيان": وبإشارته ألفت له كتاب "الإعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام".
والحافظ ابن حجر، الذي قال عنه: خرجت له أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا حدث بها مرارًا وقرأت عليه "دلائل النبوة" للبيهقي فشهد لي بالحفظ في المجلس العام.
ومن تلاميذه أيضًا الشيخ برهان الدين المحدث الذي قال عنه: رأيته فريد دهره، فلم تر عيني أحفظ منه للفقه ولأحاديث الأحكام.
مدرسته
:
أنشأ العلامه سراج الدين البلقيني مدرسة بخط منية الشيرج بحي باب الشعرية الآن بالقاهرة.
خرجت آلاف العلماء، وجمع فيها كل مريديه ومحبيه من نوابغ الطلاب وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة مما تفضل اللَّه بها عليه.
وتعلم في هذه المدرسة أيضًا أولاده وأحفاده من علماء بيت البلقيني وكان ابن حجر أحد طلاب هذه المدرسة ودفن البلقيني بها.
مصنفاته
: لقد كتب الإِمام سراج الدين البلقيني العديد من المؤلفات في شتى العلوم، إلا أن الغالب على مؤلفاته عدم التمام، ويعلل ولده ذلك بقوله: "والسبب في عدم إكماله لغالب مصنفاته أنه كان مشتغلًا بالدروس والفتوى فلا يتفرغ إلا قليلًا, لأنه أول النهار يكون مدرِّسًا بهذه المدارس إلى الظهر غالبًا، ومن العصر إلى المغرب يكتب على الفتاوى، فأي وقت فرغ إنما هو بين الظهر والعصر وبالليل،
الجزء: 1 - الصفحة: 47
فبورك له في ذلك".
وأذكر هنا أسماء مصنفاته التي ذكرها ولده والتي ذكرها ابن فهد المكي والبغدادي في "هدية العارفين"، والسخاوي في "الضوء اللامع"، مرتبة على الحروف الهجائية:
1 - إظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد.
2 - الأجوبة المرضية عن المسائل المكية.
3 - ارتياح الأراوح في المواعيد، من إنشائه كله.
4 - التأديب مختصر التدريب، قال ولده: كتب منه النصف.
5 - التدريب في الفقه، وهو كتابنا هذا.
6 - تراجم البخاري، قال ولده: جزء صغير.
7 - ترتيب الأقسام على مذهب الإِمام في الفروع، ذكره في هدية العارفين.
8 - ترتيب الأم للإمام الشافعي، قال ولده: وقد أكمله لكن بقي منه بقايا تكتب على متوالي الكتاب، منه الجزء الثالث من نسخة بمكتبة ولي الدين جار اللَّه بتركيا، تحت رقم: 262.
9 - ترجمان شعب الإيمان.
10 - تصحيح المنهاج للنووي، قال ولده: أكمل منه الربع الأخير في خمسة أجزاء، وكتب منه ربع النكاح تقدير جزء ونصف، ومفرقًا كراريس كثيرة، منه نسخة بدار الكتب المصرية في ستة مجلدات تحت رقم 56 فقه شافعي، وأخرى بدار الكتب أيضًا في خمسة مجلدات بها خروم تحت رقم 57 فقه شافعي، والجزء الرابع من نسخة ثالثة تحت رقم 438 فقه شافعي في 284 ورقة.
11 - تصنيف لطيف فيما يدخل العبد المسلم في ملك الكافر ابتداء.
12 - تكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة.
13 - تنقيح القول المعلوم في تحقيق عموم المفهوم.
14 - جلا المعمى في الاسم والمسمى، ذكره في هذه الرسالة.
الجزء: 1 - الصفحة: 48
15 - الجواب الوجيه عن تزويج الوصي السفيه.
16 - الدلالات المحققة في الوقف طبقة بعد طبقة، قال ولده: ردًّا على السبكي في كتابه المباحث المشرقة.
17 - رفع الضمان عمن لم يجد خيانة إذا نصبه الحاكم للأمانة.
18 - صورة ثبوت المهر بالشاهد واليمين، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1546 فقه شافعي.
19 - صورة سؤال سئل عنه سراج الدين البلقيني في حديثي القرض والصدقة، منه نسخة بمكتبة البلدية بالإسكندرية ضمن مجموع رقم 2132/ د.
20 - الطريقة الواضحة في تمييز الصنابحة.
21 - عرف الشذا في مسألة كذا.
22 - العرف الشذي على جامع الترمذي، قال ولده: كتب منه قطعة صالحة، وكان كثير النظر فيها.
23 - الفوائد المحضة على الرافعي والروضة، قال ولده: كتب منه أجزاء متفرقة، وذكر ابن فهد والسخاوي أن الحافظ ولي الدين العراقي قد جمعها في مجلدين، منه مجلد قدر النصف بدار الكتب المصرية في 195 ورقة به تبقيع وتلويث، تحت رقم: 23329/ ب.
24 - الفتح المقدر في شرح المحرر، قال ولده: كتب منه جزءًا من الشفعة والقراض ومن النكاح والضمان.
25 - الفيض الجاري على صحيح البخاري، قال ولده: كتب منه نحوًا من خمسين كراسًا على أحاديث يسيرة إلى أثناء الإيمان ومواضع متفرقة، منه عدة نسخ: منها بمعهد الدراسات الشرقية بداغستان تحت رقم 813 في 108 ورقات، وأخرى بالجامع الكبير بصنعاء تحت رقم 2366 في 205 ورقات، وأخرى بدار صدام بالعراق تحت رقم 606 في 378 ورقة، ورابعة بآيا صوفيا بتركيا تحت رقم 679.
الجزء: 1 - الصفحة: 49
26 - فتح اللَّه بما لديه في بيان المدعي والمدعى عليه، ذكره ابن فهد.
27 - الفتح الموهب في الحكم بالصحة والموجب، قال ولده: لم يكمل، منه نسختان بدار الكتب المصرية تحت رقم: 25597/ ب، و 484 مجاميع.
28 - فوائد الحسام على قواعد ابن عبد السلام، ذكره في هدية العارفين.
29 - فتاوى البلقيني، ذكره في هدية العارفين، وهو من جمع ولده العلامة صالح، وسماه: التجرد والاهتمام في جمع فتاوى شيخ الإِسلام، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم 212 فقه شافعي/ طلعت، في 187 ورقة، وأيضًا بدار الكتب المصرية جزء عنوانه: مسائل فقهية في العبادات نقلت من كتاب التجرد والاهتمام في جمع فتاوى شيخ الإِسلام عمر بن رسلان البلقيني، رقمها 21527/ ب.
30 - قطر السيل في أمر الخيل، منه نسخة بمكتبة منغنيسيا بتركيا، تحت رقم 6461 من 1/ أإلى 102/ أ، وذكر في مقدمته أنه لخصه من كتاب شرف الدين الدمياطي وأضاف إليه أشياء، وأخرى بمكتبة عارف حكمت تحت رقم 57 حديث في 94 صفحة، وعدة نسخ بدار الكتب المصرية تحت رقم: فنون حربية 214، في 60 ورقة، وفروسية تيمور 8 في 203 صفحات، وفروسية تيمور 9 في 84 صفحة وغيرها.
31 - الكشاف على الكشاف، قال ولده: وصل فيه إلى أثناء سورة البقرة في ثلاثة مجلدات ضخمة، منه نسخة بدار الكتب تحت رقم: تفسير 869، ونسب في الفهرس إلى ولده صالح.
32 - المسؤول في علم الأصول، قال ولده: كتب منه قطعة صالحة.
33 - محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح، طبع بتحقيق د. عائشة عبد الرحمن عن دار المعارف بالقاهرة في مجلد.
34 - الملمات برد المهمات، قال ولده: كتب منه أجزاء متفرقة، وبدار الكتب المصرية جزء من أثناء الحج إلى أثناء الوكالة تحت رقم: 489 فقه شافعي.
الجزء: 1 - الصفحة: 50
35 - مناسبة أبواب الفقه على طريقة علماء الشافعية، بدار الكتب المصرية منه نسخة تحت رقم 1410 فقه شافعي.
36 - مناسبات تراجم أبواب البخاري، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم: 300 مجاميع، و 590 تيمورية.
37 - وبدار الكتب تحت رقم 1081 فقه شافعي، أرجوزة في أحكام الجن، نظم أبو العباس أحمد بن عماد بن يوسف الأقفهسي، وجاء في الفهرس "وهي نظم لكتاب المنة في دخول الجنة لعمر البلقيني سراج الدين".
38 - المنصوص والمنقول عن الشافعي في الأصول، قال ولده: كتب منه قطعة صالحة، ونقل بعضًا منه في الترجمة التي عملها لأبيه.
39 - منهج الأصلين، قال ولده: أكمل منه أصول الدين، وهو محفوظ بأيدي الناس، وكتب قريبًا من نصف أصول الفقه.
وهو كتابنا هذا.
40 - نشر العبير لطي الضمير، وسماه ابن فهد: طي العبير لنشر الضمير، منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم: 27880/ ب في 12 ورقة.
41 - واضح المستندين في رفع الدين.
42 - الينبوع في إكمال المجموع، قال ولده: كتب منه جزءًا من النكاح.
وفاته
: جرت للبلقيني محنة شديدة وتعصب عليه الأشاعرة خاصة السبكية بالشام بسبب قول العماد بن كثير له: "أذكرتنا سمت ابن تيمية" وقول ابن شيخ الجبل "شيخ الحنابلة" له: "ما رأيت بعد ابن تيمية أحفظ منك" فثارت الأشاعرة عليه بسبب اقتدائه بابن تيمية، وكان البلقيني صحيح العقيدة، شديدًا على ابن عربي الصوفي ويفتي بحرمة قراءة كتبه، مشهورًا بصفاء الخاطر وسلامة الصدر واشتغاله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كانت عواقب ذلك، وسلاطين المماليك مشهورون بنزفهم وحدّتهم ومع ذلك لا يبالي فيبطل المكوس ويغلق الحانات.
الجزء: 1 - الصفحة: 51
طال العمر بالبلقيني حتى لم يبق من العلماء من يدانيه فضلًا عن أن يزاحمه، وظل مقبلًا علي الاشتغال بالعلم تدريسًا وفتوى، ولم يكمل مصنفاته لأنه كان يشرع في الشيء ولسعة علمه وكثرة محفوظه يطول عليه الأمر، حتى أنه كتب من شرح البخاري علي نحو عشرين حديثًا مجلدين، ورغم سعة علمه وقوة حفظه وشدة ذكائه إلا إنه كان سريع البادرة سريع الرجوع للدليل والحق إن فاته، وكان مجتهدًا مطلقًا واستكمل آلة الاجتهاد، ولكن خوفه من أن يلقي نفس مصير ابن تيمية شيخه وقدوته ظل مجتهدًا في نطاق المذهب الشافعي، وقد رزق قبولًا عند الناس في كل مكان، فلا تركن النفس إلا لفتواه، وقد عده علماء زمانه أحد المجددين فقالوا: "إن اللَّه يبعث علي رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها بدئت بعمر؛ يعني عمر بن عبد العزيز، وختمت بعمر؛ يعني البلقيني".
وتوفي نهار الجمعة الحادي عشر من ذي القعدة سنة (805) وصلى عليه ولده جلال الدين، ودفن بمدرسته بعد عمر مديد قضاه في خدمة الإسلام وعلومه، فعليه سحائب الرحمة والرضوان.
وقد رثاه تلميذه ابن حجر وغيره بقصائد طويلة يقول ابن حجر في مطلعها:
يا عين جودي لفقد البحر بالمطر ... وأدري الدموع ولا تبق ولا تذر
أقضي نهاري في هم وفي حزن ... وطول ليلي في فكر وفي سهر
وغاص قلبي في بحر الهموم أما ... ترى سقيط دموعي منه كالدرر
فرحمة اللَّه والرضوان يشمله ... سلامة ما بلى باك على عمر
لقد أقام منار الدين متضحا ... سراجه فأضاء الكون للبشر
من لو رأه ابن ادريس الإمام إذن ... أقرا وقر عيونا منه بالنظر
فحقق كم له بالفتح من مدد ... تحقيق رجوي نبي اللَّه في عمر
والقصيدة طويلة جدًّا ولمن يريد مراجعتها فهي في كتاب بدائع الزهور لابن إياس.
الجزء: 1 - الصفحة: 52
(ب) اسم الكتاب وأصله
أطلق علي هذا الكتاب اسمان اثنان:
1 - التدريب في الفقه الشافعي، وأحيانًا يُختصر فيقال: التدريب.
2 - التدريب في الفروع.
ففي نسخة الظاهرية (ظا): "كتاب التدريب في فقه إمامنا الشافعي"، وفي نسخة الظاهرية الأخرى (ظ): "كتاب التدريب"، وفي نسخة مكتبة ليبزج (ل): "كتاب التدريب"، وفي إحدى نسختي دار الكتب المصرية: "كتاب التدريب في مذهب الشافعي رضي اللَّه عنه".
وأما تسمية المصنف نفسه لكتابه، فقد اتفقت كل النسخ على أنه "تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي".
(جـ) صحة نسبة الكتاب
لا شكَّ في صحة نسبة هذا الكتاب لمصنِّفه، وعلي ذلك جملة أدلة،
منها: نسبة الكتاب له كما في أغلفة النسخ الخطية.
ومنها: نسبته إليه في كتب الفهارس كما في "كشف الظنون" (1/ 382)، و"صلة الخلف بموصول السلف" (ص 167)، و"هدية العارفين" (1/ 792).
وقد سبق أن المصنف اختصر كتابه وسماه "التأديب في مختصر التدريب" وقد ذكره صاحب كشف الظنون (1/ 382).
ولأبي البقاء محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد البكري جلال الدين الشافعي المصري قاضي الإسكندرية شرح على كتاب التدريب.
ذكره صاحب هدية العارفين (2/ 214).
وقد نقل بعض الشافعية من كتاب التدريب وصرحوا بنسبته للبلقيني كما في "أسنى المطالب" (1/ 504)، (2/ 4، 48)، و"الغرر البهية في شرح البهجة
الجزء: 1 - الصفحة: 53
الوردية" (4/ 3، 195)، و"تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (4/ 159)، (5/ 28، 162)، و"مغني المحتاج" (2/ 292)، (4/ 379، 389)، و"حاشيتا قليوبي وعميرة" (4/ 46)، و"حاشية الجمل علي شرح المنهج" (2/ 31)، (3/ 464)، (4/ 345).
(د) قيمة الكتاب العلمية
يكتسب كتاب البلقيني قيمة كبيرة من عدة أوجه، منها:
- طريقة المصنِّف في كتابه، ومكانة المصنِّف في المذهب.
لقد أثنى كثيرٌ من الباحثين والدارسين علي طريقة ابن رشد في كتابه العظيم "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" من حيث تقسيم الكتاب، وذكر مسائل كل باب، وبيان سبب الخلاف وغير ذلك.
وطريقة المصنَّف هنا لا تختلف كثيرًا عن طريقة ابن رشد من حيث جودة التصنيف والتنسيق والترتيب وذكر المسائل وضوابطها المختلفة، والتنبيه على بعض القواعد التي تفرد بها المذهب، وغير ذلك.
فهو بحق يشتمل على أسلوب غريب ونظم عجيب يطرب في صنعته كل لبيب.
ويُعدُّ هذا الكتاب في مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي من أعظم الكتب وأجلها وأنفسها وأرفعها وأجمعها وأفصحها.
وهو كتاب لا يُنكر فضله، ولا يختلف اثنان في أنه ما صُنِّفَ مثله قبله، ولقد أبدع الشيخ في تأليفه وأغرب في تصنيفه وترصيعه.
ومن فوائد الكتاب وميزاته أنَّ المصنِّف نبَّه في كثير من مواضعه على أوهام من سبقه كالمحاملي والنووي، وكذلك بين في بعض المواضع أن المذهب خلاف ما ذكر فلان أو فلان، وكذلك كان يستدرك على من سبقه بحيث لو ذكر مثلًا خمسة أمور، فيقول: قد فاته كذا، ونسي كذا.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
(هـ) منهج تحقيق الكتاب والتعليق عليه
أولًا: نص الكتاب:
نظرًا لاجتماع عدة نسخ خطية للكتاب، فقد اعتمدت على مقارنة النسخ ومقابلتها وإثبات الأنسب والأوفق للسياق، ولم أعتمد نسخة معينة كأصل، وذلك لتفاوت النسخ في مزاياها كما في معظم النسخ قد خلت من تاريخ النسخ.
اعتمدت كتابة النص بالرسم الإملائي الحديث مع عدم التنبيه على الفروق في الرسم فيما يتعلق مثلًا بالهمزة أو ألف المد في كلمة جاء أو شاء وما يشبه ذلك.
اجتهدت في وضع علامات الترقيم مما يسهم بقدر كبير في مساعدة القارئ علي تفهم سياق الكلام.
لم أثبت شيئًا من أرقام اللوحات لا في متن الكتاب ولا هامشه.
ضبطت نص الكتاب كاملًا بالحركات كالفتحة والضمة والكسرة، لمساعدة القارئ في فهم النص؛ لما للضبط من دور فاعل في ذلك.
قابلتُ النسخ الأخرى بعد أن نسخت الكتاب أولًا من أحدى نسختي دار الكتب المصرية، وترتب علي هذه المقابلة تغيير كثير من الكلمات وحركات الإعراب أيضًا.
والجدير بالذكر هنا أن نسخة مكتبة "ليبزج" بألمانيا قد ضبطت بالحركات ضبطًا كاملًا من أولها إلي آخرها وهي نسخة جيدة إلَّا أنها قد خالفت سائر النسخ في كثير من المواضع.
إذا وجد سقط في إحدى النسخ فإني أشير إليه بوضع الكلام الساقط بين معقوفين هكذا [] وأقول: ما بين المعقوفين سقط من كذا.
أشرتُ إلى كثير من الفروق الحادثة بين النسخ ولم أهمل شيئًا منها قدر استطاعتي إلَّا ما كان متعلقًا برسم الكلمة الإملائي فقط، وقد رمزت للنسخ برموز كما يلي:
الجزء: 1 - الصفحة: 55
1 - نسخة دار الكتب المصرية (أ).
2 - نسخة دار الكتب المصرية (ب).
3 - نسخة المكتبة الظاهرية الأولى الناقصة (ظ).
4 - نسخة المكتبة الظاهرية الثانية التامة (ظا).
5 - نسخة المكتبة الأزهرية (ز).
6 - نسخة مكتبة ليبزج (ل).
وأما بالنسبة لما يتعلَّق بالتتمة، فليس لها بحوزتي إلَّا نسخة واحدة فقط، وهي النسخة الأزهرية، فالنسخة الأزهرية تقع في 199 ق، 109 ق منها لكتاب التدريب، و 100 ق منها للتتمة.
وقد كتبت هذه التتمة بخطٍّ دقيق غير منقوط، مما أدى إلي عسر قراءته في بعض المواضع، وتعذر قراءته في مواضع أخرى قليلة.
وكنت أستعين على قراءة التتمة بالرجوع إلي المصادر التي ينقل منها المصنف، كـ "الروضة"، و"المنهاج، و"تحفة المحتاج"، وغير ذلك.
ثانيًا: التعليق والتهميش:
لمَّا كان الكتاب يعتمد علي الإيجاز والاختصار، فهو ليس من المطولات، كان بحاجة إلى تعليق وتوضيح في بعض المسائل، فصنعت ذلك بالرجوع إلى كتب المذهب المختلفة.
وكان المصنف قد استفادَ كثيرًا من "اللباب" للمحاملي" و"منهاج الطالبين" للنووي، و"روضة الطالبين" كذلك، فكنتُ أرجع إليها، وأزيد في الهامش شيئًا منها علي سبيل الإيضاح والتبيين، وكذلك كتاب "المحرر" للرافعي رحمه اللَّه، فهذه أهم مصادر المصنف في كتابه هذا.
وبينت شيئًا من معاني الألفاظ إمَّا في الأحاديث التي يستشهد بها المصنف -وهي قليلة- وإما في كلامه هو.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
وقد أحلتُ إلى كثير من المراجع في المذهب في المسألة التي يتحدث فيها المصنف، وقد استفدت في بعض ذلك من تحقيق أ/ عبد الكريم بن صنيتان العمري لكتاب اللباب للمحاملي.
ورجعت في توثيق كثير من مسائل الكتاب إلى ما صُنِّف قبل كتابنا وإلى ما صُنِّف بعده أيضًا.
ثالثًا: تخريج الأحاديث والحكم عليها:
وأما فيما يتعلَّق بالمادة الحديثية للكتاب، فهي قليلة جدًّا، ولذلك توسَّعت في تخريجها وتحقيقها، ونقل كلام أهل العلم عليها، لعله بذلك تجتمع الفائدتان الفقهية والحديثية، واهتممت ببيان حكم الحديث من حيث الصحَّة أو الضعف.
(و) وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق
حفلت مكتبات العالم بالكثير من نسخ كتاب التدريب للبلقيني، وهي كما يلي: 1 - نسخة جامعه ليبزج، بألمانيا، رقم الحفظ: 381. 2 - نسخة المكتبة الظاهرية (ضمن مكتبة الأسد) بدمشق، رقم الحفظ: 33 (66)، 50 (314/ 5) 3 - نسخة المكتبة الملكية بألمانيا ببرلين، رقم الحفظ: 4606. 4 - نسخة المتحف البريطاني، بلندن، رقم الحفظ: 900. 5 - نسخة المكتبة الخديوية، بالقاهرة، رقم الحفظ: 3/ 206 (ن ع 19576). 6 - نسخه شستربيتي، بإيرلندا دبلن، رقم الحفظ: 6/ 4703. 7 - نسخة المكتبة المركزية بالمملكة العربية السعودية، بمكة المكرمة، رقم الحفظ: 3/ 671. 8 - نسخة مكتبة المخطوطات بالكويت، رقم الحفظ: 320 م ك عن شستربيتي 4703، 873 م ك مج 3 عن الظاهرية 62/ 3797. 9 - نسخة معهد المخطوطات العربية بالكويت، رقم الحفظ: 1889 عن
الجزء: 1 - الصفحة: 57
شستربيتي 4703.
10 - نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق، رقم الحفظ: 2301 (364 فقه شافعي).
11 - نسخة المكتبة الأزهرية بالقاهرة.
وقد اجتمع عندي ست نسخ منها، وبيانها كما يلي:
النسخة الأولى: نسخة دار الكتب بالقاهرة، (ورمزها أ).
هذا النسخة محفوظة بدار الكتب القومية بالقاهرة بمصر المحروسة، برقم (527/ فقه شافعي)، وهذه النسخة ليس لها غلاف، فلم يدون عليها اسم الكتاب ولا اسم المؤلف.
ولم يدوَّن فيها اسم الناسخ ولا تاربخ نسخها، وعدد أوراقها (226 ق) مقاس (25 × 17 سم)، وهي ناقصة الأول، فهي تبدأ بقول المصنف: "والنفاس وعدم ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، ورفع الخبث على وجه مرجح.
. . ".
وقد كتبت بخط نسخي عادي، وفي كل وجهٍ منها واحد وعشرون سطرًا، ومتوسط الكلمات في السطر الواحد حوالي عشر كلمات.
وهي نسخة جيدة قليلة الأخطاء، ولكن قد أصاب عدة صفحات طمس في أول سطرين أو ثلاثة فلم يبد شيء من الكلام إلَّا بصعوبة، وهذا ابتداء من (ص 25 - 39) تقريبًا.
وتنتهي في ثنايا باب العدة، وذلك عند قول المصنف رحمه اللَّه: "وكذا إطلاق العراقيين، ومن صحح عدم الانقضاء في الرجعية لم يأتِ بحجَّة قوية".
النسخة الثانية: نسخة دار الكتب بالقاهرة (ورمزها بـ)
: وهذه النسخة من محفوظات دار الكتب القومية بالقاهرة بمصر المحروسة برقم (845/ فقه شافعي).
الجزء: 1 - الصفحة: 58
وقد كتب علي غلافها: كتاب التدريب.
. . تأليف سيدنا ومولانا شيخ الإسلام والمسلمين، بقية المجتهدين، سيف المناظرين، ناصر الحق، مؤيد الشريعة، سلطان العلماء، لسان المتكلمين، سراج الدين أبي حفص عمر الكناني البلقيني الشافعي قدَّس اللَّه تعالى روحه ونوَّر ضريحه بمحمدٍ وآله.
وناسخها هو عبد العزيز بن يوسف بن عبد الغفار، وترجمته في "الضوء اللامع" (4/ 237 - 240)، وعدد أوراقها (111 ق) وتاريخ نسخها (823 هـ)، ومقاس صفحتها (19 × 30)، وفي كل صفحة (25) سطرًا، وفي كل سطر قرابة عشرين كلمة، وهي مكتوبة بخط نسخي عادي.
وتبدأ بـ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم صلِّ يا ذا الجلال والإكرام علي محمد سيد الأنام نبي الرحمة وشفيع الأمة وسيد الأئمة.
. . ".
وتنتهي الصفحة الأولى بباب الوضوء وقوله: "هو راجع إلى مادة الوضاءة، وهي النظافة والنضارة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ " ثم حدث سقط كبير في النسخة، فجاء في الصفحة التالية قوله: "قال ابن عباس: الإشراق صلاة الضحى".
وتنتهي هذه النسخة في ثنايا كتاب الرضاع، وآخرها: "ومعرفة أنها ذات لبن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، ووافق الفراغ من نسخه يوم الجمعة المبارك لخامس عشرين خلت من شهر رمضان المعظم.
. . سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة أحسن اللَّه خاتمتها للمسلمين آمين.
على يد الفقير إلى عفو ربه الوائق بجوده وفضله، غريق نعمه.
. عبد العزيز بن يوسف بن عبد الغفار.
. ".
النسخة الثالثة: نسخة المكتبة الظاهرية (ورمزها: ظ).
وهذه النسخة من محفوظات المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي تقع ضمن
الجزء: 1 - الصفحة: 59
مجموع من ورقة (22 - 37)، وهي نسخة كُتبت من نسخةٍ نُقلتْ من نسخة المصنف رحمه اللَّه.
وكتب عليها: كتاب التدريب للشيخ الإمام العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره وعمدة أهل الدين، محرر دقائق العلوم، ومظهر عجائب الفهوم، وجامع بين المنقول والمعقول ومريد الخليقة بمرقوم علمه المسبوك، صاحب الإتقان والتحرير، وسالك طريق أهل الجد بالتشمير، نافع المسلمين فيما صنفه، ولقد قلع في عصره عيون من عنفه، بكثرة علومه الزاهرة وكلماته الباهرة، فلقد شاع ذكره بالتمكين في العلوم حتى قالت الخليقة: البلقيني داخل في أحسن المرقوم جزاه اللَّه أحسن الجزاء وأفضله وأعطاه من فضله ما أمَّلَه، إنه كريمٌ مجيب قريب حليم".
وتبدأ النسخة بقوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم رب يسر، اللهم لك الحمد علي ما منحت من تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي.
. . ". وآخرها: "فإن رجع والمأموم في الهوى يرجع معه أو تقدم أو تخلف بتمام ركنين فعليين أو بأربعة طويلة بعذر، ولا تصح القدوة".
النسخة الرابعة: نسخة المكتبة الظاهرية، ورمزها: (ظا).
وهذه النسخة من محفوظات المكتبة الظاهرية بدمشق برقم عام (364).
وقد كُتب علي غلافها: "كتاب التدريب في فقه إمامنا الشافعي، تأليف سيدنا ومولانا شيخ الإسلام خاتمة المجتهدين سراج الدين أبي حفص عمر البلقيني الشافعي، تغمده اللَّه برحمته.
آمين.
وهي نسخة جيدة كاملة قليلة الخطأ والسقط.
وتقع هذه النسخة في (281) ورقة، وفي كل ورقة وجهان، وفي الوجه الواحد 19 سطرًا، وفي السطر 8 كلمات أو 9 تقريبًا.
وعليها بعض الحواشي، وليست بالكثيرة.
وتبدأ هذه النسخة بقوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم وصلى اللَّه على سيدنا
الجزء: 1 - الصفحة: 60
محمد وآله: اللهم لك الحمد على ما منحت من تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي.
. . ". وتنتهي هذه النسخة بنهاية باب الرضاع، فآخرها: "وُيعرف ذلك بمشاهدة الحلب والإيجار والازدراد والإسعاط وقرائن من التقام الثدي والمص والحركة والتجرع والازدراد ومعرفة أنها ذات لبن.
باب النفقات".
النسخة الخامسة: نسخة المكتبة الأزهرية، ورمزها: (ز).
وهي من محفوظات المكتبة الأزهرية بالقاهرة، وهي نسخة كاملة إلَّا نقصًا في أولها فقط، وهي نسخة جيدة قليلة الخطأ والسقط.
ومما تميزت به هذه النسخة أنها النسخة الوحيدة التي اشتملت على "تتمة التدريب" لابن المؤلف، وهو العلمي البلقيني.
وتقع هذه النسخة في (199) ق، في كل ورقة وجهان، إلَّا الورقة الأولى فقط، فهي وجه واحد، وقد جاء هذا الوجه في (29) سطرًا كما في سائر النسخة.
وهذه النسخة كما تقدَّم نسخة جيدة، وقد كتبت بخطٍّ دقيق غير منقوط في أغلب الأحيان، وقد وقع في السطر الواحد قرابة عشرين كلمة.
وكتاب "تدريب المبتدي" يقع في (109) ورقة، وتتمة التدريب تقع في (90) ورقة.
وهذه النسخة ناقصة من أولها، فهي تبدأ بقوله: "عدمه كالسفر غالبًا أو أن يعدم ثمن الماء إذا لم يجده إلَّا بالبيع.
. . ". وتنتهي بباب الرضاع عند قوله: "ومعرفة أنها ذات لبن.
. . باب النفقات".
وأمَّا تتمة الكتاب فقد كُتب علي طرتها: "كتاب تتمة التدريب تأليف مولانا شيخ الإسلام العلمي البلقيني تغمده اللَّه برحمته ومنِّه وكرمه، آمين".
وتبدأ التتمة بقول مصنفها: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
باب النفقات.
. . وتنتهي بباب أم الولد عند قوله: "من رأس المال وعلى إطلاق الإعتاق نختم هذا الكتاب ونرجو من ربنا الخلاق إعتاقنا
الجزء: 1 - الصفحة: 61
يوم الحساب.
. . وكان الفراغ من تكملة هذا الكتاب المبارك يوم الاثنين المبارك الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة سبع وخمسين وثمانمائة وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل".
النسخة السادسة: نسخة مكتبة ليبزج بألمانيا ورمزها: (ل)
:
وهي نسخة كاملة مكتوبة بخط حديث، وهي مشكولة بالحركات شكلًا كاملًا، ولكنها كثيرة المخالفة لسائر النسخ.
وتقع هذه النسخة في (250) لوحة، في كل لوحة 17 سطرًا، وقد كتب على غلافها: كتاب التدريب لشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة.
وتبدأ هذه النسخة بقوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم وبه نستعين، اللهم لك الحمد على ما منحت من تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي".
وتنتهي خلال كتاب الرضاع عند قوله: فإذا أرضعت الثالثة انفسخ نكاحها وكذا الثانية، وفي الثانية قول ويجزئ.
وفيما يلي صور النسخ الخطية للكتاب.
وأسأل اللَّه أن يتقبل ما أحسنت وأصبت فيه بقبول حسن، وأن يعفو عما قصرت فيه، وصلى اللَّه على عبده ورسوله محمد، والحمد للَّه رب العالمين.
وكتب
أبو يعقوب نشأت بن كمال المصري
القاهرة: في 1 رمضان 1432 هـ
ت: 0020148229558
الجزء: 1 - الصفحة: 62
الورقة الأولى من النسخة (أ)
الجزء: 1 - الصفحة: 63
الورقة الأخيرة من النسخة (أ)
الجزء: 1 - الصفحة: 64
غلاف النسخة (ب)
الجزء: 1 - الصفحة: 65
الورقة الأولى من النسخة (ب)
الجزء: 1 - الصفحة: 66
غلاف النسخة (ظ)
الجزء: 1 - الصفحة: 67
غلاف النسخة (ظا)
الجزء: 1 - الصفحة: 68
الورقة الأولى من النسخة (ظا)
الجزء: 1 - الصفحة: 69
الورقة الأولى من النسخة (ز)
الجزء: 1 - الصفحة: 70
غلاف تتمة التدريب
الجزء: 1 - الصفحة: 71
الورقة الأولى من التتمة
الجزء: 1 - الصفحة: 72
غلاف النسخة (ل)
الجزء: 1 - الصفحة: 73
الورقة الأولى من النسخة (ل)
الجزء: 1 - الصفحة: 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين 7
اللهمَّ لكَ الحَمدُ على ما مَنَحْتَ من "تدريب المبتدي وتهذيب المنتهي"، ولك الشُّكرُ على ما فَتحْتَ مِن تَقْريبِ المَسَالِكِ وتَلْخِيصِ المَدَارِكِ، ولكَ الفَضلُ على ما أَظهَرْتَ مِن نَشْرِ الفَتوى والتمسُّكِ بالأقوَى.
وصَلَّى اللَّهُ على أفضلِ الخَلْقِ سيِّدِنَا محمَّدٍ، صلَّى اللَّهُ علَيه وسلَّمَ 8، وعَلى اَلِهِ وصَحْبهِ وشرَّفَ وكرَّمَ.
أمَّا بَعْدُ:
فهذا 9 تَدْريبٌ لِلْمُبْتَدِي 10، يَجرِي به فِي 11 كثيرٍ مِنَ الفِقْهِ مع المنتَهِي،
الجزء: 1 - الصفحة: 75
فيهِ نُبَدٌ 12 مِنَ الدَّلائِلِ، وجُملةٌ مِنَ المَسائِلِ، وقِطعةٌ مِنَ الضَّوابطِ والأصُولِ، وقَواعدُ واسْتِثناءاتٌ تَنفعُ فِي النقُولِ 13، نفعَ اللَّهُ بهذا التدريبِ، إنَّه قَريبٌ مُجيبٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ