التدريب في الفقه الشافعيكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال اللَّهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآيةَ، وفيه آياتٌ أُخرى 1. والأحاديثُ فيه كثيرةٌ بالفِعل والقَولِ 2. وأصلُه مُجمَعٌ عليه.
وهو لُغَةً 3: راجعٌ إلى مَادةٍ تدلُّ على فِراقٍ بإرْسالٍ، أو تَرْكٍ، أو حَلِّ وَثَاقٍ.
فمِن الإرسالِ: ناقةٌ أو نعْجَةٌ طالقٌ.

الجزء: 3 - الصفحة: 211

ومِنَ التركِ: طَلَّقْتُ البِلادَ.
ومِن حَلِّ الوَثَاقِ: أطلقتُ الناقةَ مِن عِقالِها، وإطلاقُ 4 الأَسيرَ يحتمِلُها، وطلاقُ الزوجةِ كذلك، وحلُّ الوَثَاقِ فيه معنوِيٌّ.
وقالَ الأعْشى 5 لِزَوْجتِهِ: "أجارتَنَا بِيني فإنَّكِ طالِقَة" 6. ويقالُ: امرأةٌ طالقٌ، وطلَّق الرجُلُ امرأتَهُ تطلِيقًا، وهي طَلقَتْ 7؛ بِفتحِ اللَّامِ وضمِّها، والفتحُ أشهرُ وأفصحُ، تطلُق بِضَمِّ اللَّامِ فيهما.
وعنِ الأخفشِ 8: لا يُقالُ "طَلُقَتْ" بِضَمِّ اللامِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 212

وغيرُهُ نقَلهَا لُغةً، ورَجُلٌ مِطلاقٌ، وطُلَقَةٌ: بِضَمِّ الطاءِ وفتْحِ اللَّامِ والقافِ، كثيرُ الطَّلَاقِ.
وشَرْعًا: فِراقُ الزَّوجِ المُكلَّفِ بنفسِهِ أو نائِبِهِ اختِيارًا أوْ قهْرًا شَرعيًّا زوجتَهُ فِي نِكاحٍ صَحيحٍ، أو مَن أُلحقتْ بالزَّوجةِ، وهِيَ الرَّجعيَّةُ 9 بنَوعٍ مخْصُوصٍ على وجهٍ مَخصوصٍ.
فَخَرَجَ بالزَّوجِ: الوليُّ والسيِّدُ والأجْنَبيُّ، فلا مدخَلَ لِوَاحِدٍ منهُم فِي الطَّلَاقِ، وقدْ جاء حديثٌ يَعمُّ ذلك، وسببُهُ سيِّدُ العَبدِ، وهو ما رواهُ ابنُ عباسٍ -رضي اللَّه عنهما- قال: أتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجُلٌ فقال: يا رسول اللَّهِ! سيِّدِي زَوَّجَنِي أَمَتَهُ، وهو يريدُ أن يفرِّقَ بيْننَا، قال: فصَعِدَ النبيُّ 10 -صلى اللَّه عليه وسلم- المِنْبَرَ فقال: "يا أيُّها الناسُ، ما بالُ أحدِكُم يزوِّجُ عبدَهُ أَمَتَهُ ثُمَّ يريدُ أَنْ يُفرِّقَ بينهُما، إنَّمَا الطَّلَاق لِمَنْ أَخَذَ بالسَّاقِ".
رواهُ ابْنُ ماجه بإسنادٍ فيه ابنُ لَهيعةَ 11. = له الأخفش الصغير بالنسبة إلى الأخفش الكبير أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهجري شيخ سيبويه وأبي عبيدة فلما ظهر علي بن سليمان ولقِّب بالأخفش أيضًا صار سعيد بن مسعدة هو الأوسط، والهجري الأكبر، وعلي بن سليمان الأصغر.
"البداية والنهاية" (10/ 273).

الجزء: 3 - الصفحة: 213

ورواهُ غيرُهُ بإسنادٍ فيه بقيَّةُ بنُ الوَليدِ 12. وعنْ عِصمةَ بنِ مالِكٍ نحوه، وليس فيه أنه زوَّجَه أمَتَهُ، رواهُ الدارَقُطنِيُّ 13. وقد جاءَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي حديثٍ حَسَنٍ فيه ذِكْرُ ابنِ آدَمَ، وفيه: "ولا طَلَاقَ = فقد رواه الحاكم من طريق بقية بن الوليد قال: حدثني أبو الحجاج المهري عن موسى ابن أيوب به، ورواه البيهقي عن الحاكم، ثم رواه البيهقي من طريق موسى بن داود عن ابن لهيعة عن موسى بن أيوب عن عكرمة مرسلًا لم يذكر ابن عباس قال: وروي من أوجه آخر مرفوعًا وفيه ضعف.
وقال البيهقي في "السنن" (7/ 370): وقد روينا حديث عكرمة مرة عن ابن عباس ومرة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلًا: "إنما الطَّلَاق لمن أخذ بالساق" واللَّه أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 214

لَهُ 14 إلَّا فِيمَا يملِكُ" 15.16

الجزء: 3 - الصفحة: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = * والصواب: أن الضمير المتصل في كلمة "جده" يعود على شعيب، وتفصيله هكذا: عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب بن محمد عن جد شعيب، وهو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهكذا جاء مسمى في أحاديث كثيرة.
وهناك الكثير من أقوال أهل العلم التي تثبت أن الجد هو عبد اللَّه بن عمرو؛ أكتفي منها بما نقله ابن تيمية:

  • نقل شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوي" (8/ 8 - 9) احتجاج الأئمة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فقال: "وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء، فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه: مثل مالك ابن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونحوهم.
    قالوا: الجد هو عبد اللَّه فإنه يجيء مسمًّى" اهـ. وممن ذهب لذلك وقرره: أبو الفرج بن الجوزي، وأبو عبد اللَّه الذهبي، وأبو عبد اللَّه ابن قيم الجوزية، والحافظ ابن حجر.

    • السبب الثالث من أسباب الطعن في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ما وجد فيها من المناكير: قد تقدم أن عمرو بن شعيب في نفسه ثقة، ولا يستغرب وقوع الخطأ من الثقة، فإن هذا أمر لا يسلم منه أحد لا سيما إذا كان الراوي واسع الرواية، ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟! قال أحمد: ما رأيت أحدًا أقل خطأً من يحيى بن سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟!
  • ولكننا نقول في مقامنا هذا: هل الأخطاء والمناكير التي وجدت في رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده تنسب إلى عمرو نفسه؟! فقد جاء في "الجرح والتعديل" (6/ 239) عن أبي زرعة أنه قال: "ما أقل ما نصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر" اهـ. وحكى الحافظ في "التهذيب" عن يعقوب بن شيبة أنه قال: "ما رأيت أحدًا من أصحابنا ممن ينظر في الحديث وينتقي الرجال يقول في عمرو بن شعيب شيئًا، وحديثه عندهم صحيح، وهو ثقة ثبت، والأحاديث التي أنكروا من حديثه إنما هي لقوم ضعفاء رووها =

الجزء: 3 - الصفحة: 216

وَخَرَجَ بالمكلَّفِ: الصبيُّ، والمجنونُ، ومَنْ زالَ عقلُه بغَيرِ مُحرَّمٍ، والمُغْمَى عليه والنائمُ؛ فلا يَقعُ طلاقُ واحدٍ مِنهُم 17. = عنه، وما روى عنه الثقات فصحيح" اهـ. * * * * * السبب الرابع في تضعيف رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كونها صحيفة: * قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (18/ 8 - 9): "وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول اللَّه أحفظ مني إلا عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي بقلبي ولا أكتب بيدي".
وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقالوا: هي نسخة.
. ." ثم قال: "وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي، كان هذا أوكد لها وأدل على صحتها" اهـ. وانظر "نصب الراية" (1/ 58)، "الميزان" (3/ 266)، "فتح المغيث" (3/ 155 - 156).

الجزء: 3 - الصفحة: 217

ولا يُتصوَّرُ أن تُطَلَّقَ زوجةُ الصبيِّ إلا فِي صُورةٍ على وجْهٍ ضعيفٍ، وهي: ما إذا أَعْسَرَ بالنفقةِ، وفُرِّق بينهما بذلك 18، فإنَّها فُرقةُ طلاقٍ على وجهٍ شاذٍّ.
ولا يُتصورُ طلاقُ زوجةِ المجنونِ والمُغمَى عليه 19 فِي غَيْرِ الإعْسارِ إلا فيما إذا علَّقَ طلاقَها فِي حالِ التَّكليفِ بِصِفَةٍ، فوُجِدتْ، وهو غيرُ مُكَلَّفٍ.
ويُتصَوَّرُ طلاقُ زوجةِ النائِمِ 20 فِي غيرِ ذلك من وكيلِهِ.
ودخلَ فِي المكلَّفِ: السفيهُ والمريضُ، فإنه يقعُ طلاقُهُما قَطْعًا، والسَّكرانُ فإنه يقعُ طلاقُهُ على المَذهبِ، وهو مُكلَّفٌ على النصِّ المُعتمَدِ عندَ الأصحابِ 21. وما وقَعَ لِصاحِبِ "الرَّوضةِ" 22 فيها 23 وفِي غيرِها مِن أنَّه غَيْرُ مُكَلَّفٍ = فلا صلاة عليه وإذا أفاق فلا قضاء عليه بلا خلاف للحديث سواء قل زمن الجنون والإغماء أو كثر هذا مذهبنا.

الجزء: 3 - الصفحة: 218

ويقعُ طلاقُه؛ لَيْسَ بمُعتمَدٍ.
ويَقعُ على ما رجَّحوه طَلاقُ مَنْ زالَ عقلُهُ بمُحَرَّمٍ، كمَنْ شرِبَ دواءً 24 مُجَنِّنًا معَ العِلْمِ بالحالِ لا لِغرضٍ صَحيحٍ.
ولو سَكِرَ بمحرَّمٍ، ثُم جُنَّ وهو سَكرانُ لا بِسَببِ السُّكْرِ، فقياسُ ما ذكرُوه فِي الصلاةِ أنهُ يَقعُ طلاقُهُ فِي الزَّمَنِ الذي ينْتَهِي إليه السُّكْرُ لا فيما بعْدَ ذلك 25. والصوابُ فِي المَجنونِ بالمحرَّمِ أو مع السُّكْرِ المُحرَّمِ أنهُ لا يَقعُ طلاقُهُ، وإنْ وقعَ طلاقُ السَّكرانِ غيرِ المجنونِ لِظُهورِ الفرْقِ 26. ونَصَّ الشافعيُّ فِي المَنثورِ فِيمَن نَطَحَ غيرَهُ فانْقلبَ دماغُهُما أنه 27 لا يقَعُ طلاقُهُما.

الجزء: 3 - الصفحة: 219

ومَن وَقَعَ طَلاقُهُ بِسَببِ غَيبَةِ العَقْل بالمُحرَّمِ ينفُذُ تصرُّفُه على فتواهُم قَوْلًا كان أو فِعْلًا عليهِ أوْ لَهُ، ومِنه إسلامُه أو رِدَّتُهُ، لا صلاتُهُ وأذانُهُ كما سَبقَ ونحوُهما.
وكيفَ يَستقيمُ فِي مَجنونٍ دَامَ جُنونُهُ أن تنفُذَ تصرُّفاتُهُ معَ عَدَمِ التمييزِ ويَصيرُ مُتخَبِّطًا فِي أحوالِهِ وأقوالِهِ؟! هذا خرْقٌ لا يَنبغِي المَصِيرُ إليه، ولو خَصَّ ذلك بِحالةِ عمَلِ 28 الدَّواءِ لكَانَ لَه وجْهٌ.
والصوابُ ما قدَّمناهُ وِفاقًا للنَّصِّ والمُحَقِّقيينَ.
وشَمَلَ بنفْسِه أو نَائبِه: الحُرَّ والعَبْدَ والجَرْحَ والجادَّ والهازلَ.
وفِي الهَازلِ وجْهٌ، وتصرُّفُه صَحِيحٌ، ولَو نِكاحًا على الأصحِّ، خِلافًا لِمَا فِي "الحاوي الصغير" 29. واختيارًا: يُخرجُ 30 المُكرَهُ بغير حقٍّ 31، فإنَّهُ لا يَقعُ طلاقُه إذا وُجدَتْ بَقيةُ الشُّروطِ المُعتَبَرَةِ فِي ذلك 32، وهي:

الجزء: 3 - الصفحة: 220

  • أن يكونَ الظالمُ قادِرًا على إيِقاعِ ما هدَّدَه به 33، والمَظلومُ عاجزًا عن الدفْعِ بفِرارٍ ونحوِهِ.
  • وأنْ يغلِبَ على ظَنِّ المَظلومِ أنَّهُ إذا امتنَعَ مِمَّا طَلَبَهُ مِنه أوْقَعَ به المَحذورَ.
  • وأن لا يَعِدَه بِمَا 34 يَظْهَرُ 35 تأخُّرُه 36 كقولِهِ: "إنْ لَمْ تُطلِّقْ فَعَلْتُ بكَ كذَا 37 غدًا"، فأمَّا لو قال: "فعَلتُ بِكَ" أو "أفعلُ بِكَ" قال معه: "الآنَ" أو 38 لَمْ 39 يقُلْهُ، فإنَّه إكراهٌ 40. = عباس وابن عمر وغيرهم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وأبي ثور وأبي عبيد.
    راجع "الكافي" (2/ 571) و"مغني المحتاج" (3/ 289) و"المغني" (7/ 118).

الجزء: 3 - الصفحة: 221

ويَنبغِي فِي المتأخِّرِ أو 41 القَريبِ جِدًّا أو الذي يغلبُ بِمقتضَى عادتِهِ فِي أمثالِهِ حُصولُهُ أَنْ يكونَ إكْرَاهًا.

  • وأن لا يَظهَرَ مِنَ المَظلُومِ ما يدُلُّ على اختيارِهِ، فإنْ ظَهَرَ وقَعَ الطَّلَاقُ، وذلك بأنْ يعدِلَ عنِ المَطلوبِ إلى غيرِهِ، ولو كان المطلوبُ داخِلًا فيه كقولِهِ: "طلِّقْ 42 واحدةً"، فطلَّق ثلاثًا، أو بالعكسِ، أو "طلِّقْ فُلانةً"، فطَلَّقَ غيرَها، أو بالصريحِ فعَدَلَ إلى الكِنايةِ، أو عكسِهِ، أو مُعَيَّنَة، فأَبْهَمَ، أو عكسِهِ 43.
  • ولا يُشتَرَطُ الفَوريةُ وإن لمْ تحصُلْ دهشةٌ، ولكن يُشتَرَطُ أن لا يَنوِيَ الطَّلَاقَ.
  • ضابطٌ 44: يَنقلبُ 45 صريحُ الطَّلَاقِ كِنايةً هُنا وفيما إذا كَتَبَهُ، وفِي نحو: "أنتِ كظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ".

الجزء: 3 - الصفحة: 222

والذي يكونُ التَّخويفُ به إكرَاهًا 46 هُو 47 أن يُكرِهَهُ بمَحذورٍ يؤثِرُ العاقِلُ الإقْدامَ على ما طُلِبَ منه؛ حَذَرًا مما خُوِّفَ به، ومنه الشتمُ لذي قَدْرٍ 48 وإتْلافُ المالِ وأخْذُهُ إكْراهًا، ويختلِفُ ذلك باختلافِ النَّاسِ على المُختارِ.
والوكيلُ فِي الطَّلَاقِ لو وُجِدَ فيه الشَّرطُ 49 لَمْ يَقعْ طلاقُهُ على الأصَحِّ 50. ولو قالَ مستحِقُّ القِصاصِ: "طلِّقِ امرأتَك وإلا اقتصَصْتُ مِنكَ"؛

الجزء: 3 - الصفحة: 223

فطلَّقَ 51، وَقَعَ، كذا قالُوه، وعلى فتواهم فهو مكرَهٌ بِحَقٍّ 52. والمُولِي إذا أكرهَهُ القاضي على الطَّلَاقِ المطلوبِ شَرْعًا حتى طلَّقَ 53 وَقَع 54، وكذا لو طلَّقَ القاضي عليه، وهو المُرادُ بقولِنا: "أوْ قهْرًا شرْعِيًّا" 55 56. ومِن هنا 57 يصحُّ بيعُ المَديونِ إجْبارًا، وإسلامُ 58 الحربيِّ والمُرتدِّ لا الذميِّ على الأصَحِّ 59. ولو قال الزوجُ لآخَرَ: "طلِّقْ زوجَتِي وإلا قتلتُكَ" 60 -مثلًا- فطلَّقَها، وَقَعَ؛ لِأنَّه أبلغُ فِي الإذْنِ 61.

الجزء: 3 - الصفحة: 224

وحيثُ قالوا فيه قَوْلَ 62 المُكْرَهِ، فمُرادُهُم مَن حَلَفَ باختيارِهِ، ووُجدتِ الصِّفةُ بالإكراهِ.
والأصحُّ فيه عدمُ الوُقوعِ كما سَيأتي، وليس مرادُهُم ما نحنُ فيه.


  • ضابطٌ: لا يصِحُّ مع الإكرَاهِ بالشُّروطِ المُعتبَرةِ شيْءٌ مِنَ التَّصرُّفاتِ 63، ولا يَصيرُ مُرتدًّا مَن تلفَّظَ بكَلِمةِ الكُفْرِ مُكرَهًا لِقَولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ 64. ولا يترتَّبُ مع الإكراهِ أثرُ ما أُكْرِه عليه، إلا أن مَن 65 أحدَثَ مُكرَهًا تَجِبُ عليه الطهارَةُ، ونحوُها مما يترتَّبُ على الحَدَثِ.
    وكذلك تَبْطلُ صلاةُ مَن تكلَّمَ مُكْرَهًا، ونحوُ ذلك، ويَلزمُهُ القضاءُ إذا أخرَجَ الصلاةَ عن وقتِهَا مُكرَهًا حيثُ تصور.
    وكذلك يَفوتُ بالإكراهِ ما وقِّتَ مِن عبادَةٍ وَوَكالةٍ ومساقاةٍ وإجارةٍ.

ويَثبتُ مع الإكراهِ تَحريمُ الرَّضَاعِ، والربيبةِ بوَطْءِ أُمِّها كُرْهًا، وأمةِ الفَرْعِ

الجزء: 3 - الصفحة: 225

بِوَطءِ الأصلِ مُكْرهًا، ويتقرَّرُ بالوَطْءِ مَكرهًا 66 المُسمَّى الصحيحُ، ومهرُ المثْلِ عند فَسادِ التَّسميةِ.
وقد يَجِبُ 67 مَهْرُ المِثْلِ فِي غيرِ ذلك.
وتَزولُ بَكارَةُ مَن وُطِئَتْ حتى زالتْ بكارتُها مُكرَهَةً 68، وتَنتقِلُ إلى حُكْمِ الثَّيبِ.
وتَسقطُ نفقةُ مَنْ أُكرِهَتْ على الخُروجِ مِن منزلِ زوجِها، وحِيْلَ بَيْنَهَا وبينَ الزَّوجِ يومًا فأكثَرَ مَثَلًا، وفِي صاحبِ 69 الوَظيفَةِ نظرٌ، ولم أَرَ مَن جَمَع ذلك.
والمُكْرَهُ على إتلافِ المالِ، وكذا على تسليمِ ما 70 هُو مُؤتَمنٌ عليه طَريقٌ فِي الضَّمانِ على الأصحِّ.
والقياسُ يُقرِّرُ النِّصفَ على مباشِرِ الإتلافِ مُكْرهًا، كما سَيأتِي في 71 القِصَاصِ.
ويَرْتفِعُ التحريمُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ أُكرِهَ علَيه إلا القتلَ والزِّنى، وسَيأتِي حُكْمُ كُلٍّ فِي بابِه.

الجزء: 3 - الصفحة: 226

ولا يصلُ شَيْءٌ منها إلى الوُجوبِ إلَّا إتلافُ المالِ على ما فِي "الحاوي الصغير" 72. والتحقيقُ خلافُهُ.


وخَرَجَتِ الأَجنبيةُ بقَولِنا: "فِراقُ الزَّوجِ زَوجتَهُ"، فلا يقعُ الطَّلَاقُ على الأجنَبيةِ، ولا بالتعليقِ على غيرِ النِّكاحِ اتِّفاقًا، ولا بالتعليقِ على النِّكاحِ على المَذْهَبَ، ودَخلتِ المرتدةُ بعد 73 الدُّخولِ، فإنَّها إذَا طلقَتْ ثُم عادتْ إلى الإسلامِ فِي العِدَّة تَبيَّنَ وُقوعُ الطَّلَاقِ عليها، وكذلك حُكمُ طلاقِ الكُفارِ إذا قلنا بوقْفِ 74 أنكحتِهِم، وظَهَرَ تقريرُهُ بعدَ الإسْلامِ.


وقولُنا "فِي نكاحٍ صحيحٍ": يدخُلُ فيه نكاحُ الكُفارِ 75 المُصحَّحُ، ويخرُجُ به النكاحُ الفاسدُ، فلا يقعُ الطَّلَاقُ فيه خِلافًا لأبِي إسحاقَ المَرْوزيِّ، فإنهُ أوْقعَ الطَّلَاقَ فيما كان فسادُهُ مُختلفًا فيه للعُلماءِ وهُو النكاحُ بِلَا ولِيٍّ.
ويَنبغِي أن يكُونَ كُلُّ 76 مُختلَفٍ فيه نحوه فِي معناهُ.
ولو طَلَّقَ فيه ثلاثًا افتقرَ إلى مُحلَّلٍ عندهُ، والخلافُ فيما قيلَ الحُكمُ ببُطلانِه أو بِصحَّتِه.

الجزء: 3 - الصفحة: 227

[فإنْ حَكمَ بِبُطلانِه لَمْ يقعْ بعدهُ قَطْعًا أو بصحَّتِه] 77، وقُلنا: لا ينقضُ على ما صحَّحُوهُ، وقعَ قَطْعًا لِدخولِه فِي النِّكاحِ الصَّحيحِ.


وقولُنا: "أوْ مَن أُلْحِقَتْ بالزوجةِ" وهي الرجعيَّةُ، يَشمَلُ الرَّجعيةَ المعينةَ والمُبهمةَ، والتي عاشرَها مطلِّقُها 78 مُعاشرةَ الزَّوجِ بِلَا وَطءٍ، ومَضتِ الأقراءُ أو الأشْهُرُ 79، فإنهُ يَلحقُها طلاقُه ما لَمْ تَنْقَضِ عدَّتُها على فتوى القفَّالِ والقاضِي حُسينٍ وغيرِهما، وله رَجعتُها حينئذٍ عند القاضِي، خِلَافًا للقَفَّالِ، ومَنْ تَبِعه، وقد سَبقَ فِي الخُلعِ 80، وأما البائنُ فلا يَقعُ عليها طَلاقٌ، وإنْ كانَتْ فِي العِدَّة بلا خِلافٍ.


وقولُنا: "بنَوعٍ مَخصوصٍ": نُريدُ به ما يقعُ به الطَّلَاقُ مما يَصدرُ من الزَّوجِ مِنْ صَريحٍ أو كنايةٍ مع النيةِ.


وقولُنا "على وجهٍ مخصوصٍ": يَخرُجُ به ما إذا استَثْنَى بِمَشيئةٍ ونحوِها، وصورهُ 81 الدورِ على مُختارِ ابن سُريجٍ وعيرِه، وسيأتِي ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 228

ثُمَّ للطلاقِ صَرائحُ و 82 كناياتٌ، ويُنجَّزُ على صفاتٍ مِنْ تَكْرَارٍ وغيرِهِ، وقد يكونُ هناك استثناءٌ بِغَيرِ المَشيئةِ أو بالمشيئةِ 83، وقد يكونُ معلَّقًا، وقد يكونُ مفوَّضًا للزَّوجةِ 84، وهذه أمورٌ مُتَّسعَةٌ، فلنقتصِرْ منها على مقصودٍ حَسنٍ.


الجزء: 3 - الصفحة: 229

فصل في صرائح الطلاق وكناياته

الصريحُ 85 لُغَةً: ما دلَّ على بيانٍ أو خُلوصٍ 86. واصطلاحًا: ما اشتَهَرَ مِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ فِي محالِّها على وجهٍ مخصوصٍ.
وهو محصورٌ 87 هُنَا فِي رُجوعِه إلى واحدٍ مِن خَمسةِ أشْياءَ 88، وهي: الطَّلَاقُ، وكذا السَّراحُ، والفِراقُ على النَّصِّ المشهورِ فيهما، والخُلعُ 89، والمُفاداةُ، وقد سَبقَ 90 مع مَنعِ الطَّلَاقِ 91 بالعِوَضِ 92.

  • فالصَّريحُ نحوُ: أنتِ، أو هذه، أو زَوجَتِي، أو فُلانة: طَالقٌ، أو: مُطلَّقةٌ -

الجزء: 3 - الصفحة: 230

بِفَتحِ الطَّاءِ وتَشديدِ اللَّامِ- أو: "يا طالقُ"، أو: "يا مُطلَّقةُ"، كمَا سَبقَ، أو: "طلقْتُ هذه"، أو: "أوقعتْ عليكِ طلاقِي"، أو: "وضَعْتُ عليكِ طَلاقِي"؛ على الأرْجحِ، أو: "طلاقُكِ لازِمٌ لي" عِند الأكثرِ، أو: "أنتِ لكِ طلقةٌ" عند البغَويِّ، والأرجحُ: أنَّهُ كِنايةٌ.
ويَستوِي فِي صُرَاحهِ 93 ما سَبقَ كلُّه اللغةُ العربيةُ وترجمةُ ذلك بِغيرِ العَربيةِ 94. أو: "فارقتُكِ" أو: "سَرَّحْتُكِ" -بفتحِ الراءِ المشدَّدةِ- وكذا: "أنتِ مُسَرَّحةٌ"، بفَتحِ السِّينِ وتَشديدِ الرَّاءِ، وكذا: "يا مُسَرَّحةٌ"، و: "يا مُفارَقةٌ 95 ". ولا يكونُ شيءٌ من الفِراق والسَّراح صريحًا بغيرِ اللغةِ العربيةِ على الأصحِّ.
ولو أسْقطَ المُبتدأَ فِي الصُّورِ كلِّها، أو حَرْفَ النِّداءِ بأنْ قالَ: "طالقٌ" 96

الجزء: 3 - الصفحة: 231

مَثَلًا، أو المفعولَ بأن قال 97: "طَلَقْتِ" ولمْ يَزِدْ علَيه، فمُقتضَى المَنقولِ أنه لا يقعُ وإنْ نَوى.
وقدْ صَرَّحَ القفَّالُ وغيرُه بذلك فِي "طَلَقْتِ" لِعِلَّةٍ 98 أنه لم يَجْرِ 99 لِلْمرأةِ ذِكْرٌ، ولا دَلالةٌ، فهو كما 100 لو قالَ "امرأَتِي"، ونَوى: "طَالقٌ"، لا يَقعُ، وقد يُتوقَّفُ فِي ذلك عند السُّؤالِ أو الخُصومةِ.
ولو قالَ: "أنتِ طَال" وتَرَكَ القافَ، لمْ يقعْ، وإنْ نَوَى، بخلافِ "يا طَالِ"، فإنه يقَعُ بالنِّيةِ إذِ الترخيمُ مستعمَلٌ فِي النِّداءِ، ذَكرَه البُوشَنْجِيُّ، وهو المُختارُ 101. والعبَّاديُّ أَطلَقَ الوُقوعَ فِي "أنتِ طال"، ففِي "يا طال": أَوْلى 102. وقد سَبقَ الخُروجُ عنِ الصريح فِي "أنتِ علَيَّ كظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ".

  • ومِمَّا ليس بِصَريحٍ على الأصَحِّ: "أنتِ مُطْلَقةٌ" بإسْكانِ الطَّاءِ أو: "يا مُطْلَقة" بإسْكانِها، أو: "أنتِ طلاقٌ"، أو: "الطَّلَاق" أو: "أنتِ فِراقٌ" أو: "سَراحٌ" أو: "أنتِ طَلْقة" 103. ولو اشتَهَرَ لَفظٌ غيرُ ما سبق كقولِهِ: "حلالُ اللَّهِ عليَّ حَرامٌ" أو: "الحلالُ

الجزء: 3 - الصفحة: 232

عليَّ حرامٌ" أو: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" أو قال فِي الحَلِفِ: "الحرامُ يَلزَمُني" أو: "عليَّ الحرامُ لا أفعلُ كذا" أو: "ما فعلتُ كذا" فكِنايةٌ على الأصَحِّ (1). وأمَّا البلادُ التي لَمْ يَشتهِرْ فيها ذلك لِلطَّلاقِ (2)، فليس بِصريحٍ فِي الطَّلَاقِ قَطْعًا.


وحُكمُ الصريحِ:

وقوعُ الطَّلَاقِ بِهِ مِن الزَّوجِ الذِي يقعُ طلاقُهُ، وإن لَمْ ينْوِ إيقاعَ الطَّلَاقِ، لكن يُشترَطُ 106 أَنْ يكونَ قاصِدًا للتلفُّظِ 107 بالجُملةِ التي يقعُ بِها الطَّلَاقُ لِمعنَى الطَّلَاقِ.
فلا أثرَ لتلفُّظِ 108 النائِمِ والمُغْمَى عليه والمَجنونِ، كما سَبقَ؛ لِعدَمِ القَصْدِ.104105

الجزء: 3 - الصفحة: 233

وكذا الحاكي عن 109 غيرِهِ.
وكذا الفَقيهُ فِي تقريرِهِ 110 وتدريسِهِ وتصويرِهِ 111. وكذا مَن سَبقَ لسانهُ، أو أُكرِهَ كما سَبَق، أو لُقِّنَ كَلمةَ الطَّلَاقِ بِغَيرِ لُغتِهِ وهو لا يَفهَمُ مَعناها، فإنَّه لا يقعُ الطَّلَاقُ.
وكذا لو قال: "أردتُ معناها عند أهلِها" على الأصحِّ.
ولو قال: "لَمْ أعلمْ أنَّ معناها قطْعُ النِّكاحِ، ولكنْ نَويتُ به الطَّلَاقَ" لَمْ يَقعْ قَطْعًا، كما لو خاطَبَهَا بكلمةٍ لا معنى لها، وقال: "أردتُ الطَّلَاقَ".
وكذا لا يقعُ الطَّلَاقُ على الأرْجحِ فِي صُورةِ الواعِظِ الذِي لَمْ يُعْطَ شَيئًا فقالَ لِلْحاضرينَ: "طلَّقتكُم" ولَمْ يدرِ أنَّ زوجتَهُ فيهِمْ، لأنَّهُ لَمْ يَقصِدْ معنى الطَّلَاقِ الشَّرعِيِّ 112. ولا تُشتَرَطُ مَعرِفةُ الزَّوجةِ، كما لَوْ خَاطبَ امرأةً بالطَّلَاقِ، وهو يَظنُّ أنَّها 113 غيرُ 114 زوجتِهِ فبانتْ زوجتُه، وَقَعَ طلاقُهُ.

الجزء: 3 - الصفحة: 234

وكذا لَو نَسِيَ أنَّ له زوجَةً، أو قَبِلَ له وليُّه أو وكيلُه نكاحَ امرأةٍ فقال: "زَوْجَتي طالِقٌ" أو خاطَبَهَا بالطَّلَاق، فإنَّها تطلُقُ على المَذهبِ.
وإنما يقَعُ الطَّلَاقُ بالصريحِ 115 إذا لَمْ يتلفَّظْ بما يرفعُه مع الانتِظامِ والقصْدِ له قبلَ فراغِهِ مِن جُملةِ الصرِيحِ، فإنْ وُجِد ذلك لمْ يقعِ الطَّلَاقُ نحوَ أن يقولَ: "أنتِ طالِقٌ مِن وَثَاقٍ"، أو: "مِن العَمَلِ"، أو: "سَرَّحتُكِ إلى مَوضعِ كذا"، أو: "فارقتُكِ فِي المنزلِ"، فلا 116 يقَعُ الطَّلَاقُ 117. ويلحقُ باللَّفظِ ما إذا نَواه مع القَرينةِ كما لو حَلَّها مِن وَثاقٍ، ثُم قال: "أنتِ طالِقٌ" وأرادَ: عن الوَثَاقِ، فإنَّه إذا ادَّعى هذه الإرادةَ يُقبَلُ ظاهرًا على الأصحِّ لِلْقرينةِ، وإِنِ انتظَم وأرادَهُ، ولكنْ لَمْ يتلفَّظْ به دُيِّنَ فيما سَبقَ.

  • وأمَّا فِي التَّعليقِ الرافِعِ لإعمالِ الطَّلَاقِ بالكلِّمةِ بأنْ قال: "أنتِ طالِقٌ"، ثم قال: "أردتُ إن شاء اللَّهُ"، فإنَّه لا ينفعُهُ ذلك ظاهرًا 118، ولا يُدَيَّنُ على المذهبِ.
    ويقرُبُ منه: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا" ثم يقولُ: "أردْتُ إلَّا واحدةً" أو: "أربعتُكُنَّ طوَالِقُ"، ثم يقولُ: "أردْتُ إلَّا فُلانةً" فلا يُقبلُ ظاهِرًا، ولا يُدَيَّنُ على الأصحِّ 119.

الجزء: 3 - الصفحة: 235

وإنْ كان المنْوِيُّ لا يَرفعُ إعمالَهُ بالكُليةِ، ولكن يُعَلِّقهُ 120 نحو: "أنتِ طالقٌ"، ثم يقولُ: "أردْتُ عندَ دُخولِ الدَّارِ" أو: "إنْ شاءَ زيدٌ" أوْ يُقيِّدُه 121 نحو: "أنتِ طالقٌ إن دخلتِ الدارَ" ثم يقولُ: "أردْتُ فِي هذا الشهرِ"، فإنه يُدَيَّنُ، ولا يُقبَلُ ظاهرًا.
[وإنْ كانَتِ الإرادةُ لِتخصيصِ عُمومٍ كـ: "نسائِي طوالِقُ"، ويريدُ: إلَّا فُلانةً، فإنه يُدَيَّنُ، ولا يُقبلُ ظاهرًا] 122 على الأصَحِّ، إلَّا إذا كان هناك 123 قَرينةٌ تدُلُّ على دعواهُ، بأنْ تُخاصمَهُ زوجتُهُ بجديدةٍ، فيقولُ: "كلُّ امرأةٍ لي طالِقٌ"، ويدَّعِي أنه أَرادَ غيرَ المُخاصِمةِ، فإنَّه يُقبَلُ ظَاهرًا على الأصحِّ 124. وكذا 125 لو ادَّعى فِي المُشتركِ أو ما يقرُبُ منهُ إرادةَ أحدِ مَعنييْنِ 126 نحو 127 أن يقولَ: "أنتِ طالِق ثلاثًا، بعضُهُنَّ للسُّنَّةِ وبعضُهُنَّ للبِدعةِ" 128، ثُم يقول: "أردْتُ واحدةً فِي الحالِ، وآخِرَتَهُنَّ 129 فِي الحالةِ الأُخْرى" فإنه يُقْبَلُ ظاهرًا على الأصحِّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 236

وأمَّا إذا لَمْ ينتَظِمْ ما أتى به نحوُ أَنْ يقولَ: "أنتِ طالق طلاقًا لا يقعُ عليكِ" أو "أنتِ طالِقٌ إلا أنتِ أو ثلاثًا إلا ثلاثًا" فلا ينفعُه ذلك ظاهرًا عند التلفُّظِ، ولا يُدَيَّنُ عند إرادتِهِ قَطْعًا (1).

* وأما الكِناياتُ

(2): فلا يقعُ بواحدٍ (3) منها طلاقٌ إلَّا أن ينويَ به التَّطليقَ المَفهومَ مِن الصَّريحِ السَّابِقِ، ويُعتبَرُ كونُ النيةِ مقرونَةً مِنْ أوَّلِ اللَّفظِ إلى آخِرِهِ على الأصَحِّ خِلافًا لِما فِي "الحاوي" (4) مِنَ الاكتِفَاءِ بأوَّلِهِ، ولِما (5) فِي "الروضة" (6) مِنَ الاكتفاءِ بآخِرِهِ أيضًا (7).

* وضابطُ الكناياتِ:

أن يكونَ اللفظُ إشعارَ قُرْبٍ 136 بالفُرْقةِ، وقد أشار إلى ذلك الشافعيُّ رضي اللَّه عنه فِي "الأم" 137 وغيرُهُ، وذَكَرَ أشياءَ من ألفاظ الكنايات، فقال: وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِمَّا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ سِوَى هَؤُلَاءِ 138 الْكَلِمَاتِ -130131132133134135

الجزء: 3 - الصفحة: 237

يعني: الصرائح- فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَقُولَ: كَانَ مَخْرَجُ كَلَامِي بِهِ عَلَى أَنِّي نَوَيْتُ بِهِ طَلَاقًا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: "أنتِ خليَّةٌ" 139 أو: "خلوتِ مني" 140 أو: "أنتِ 141 بريَّةٌ" 142 أو: "برئْتِ مني" 143 أو: "بائنٌ" أو: "بِنْتِ منِّي" 144 أو: "اذهَبِي" أو: "اعزُبِي" [أو: "اغرُبِي" 145] 146 أو: "تَقنَّعِي" أو: "اخرُجِي"، أو: "لا حاجةَ لي فيكِ"، أو: "شأنكِ بمنزلِ أهلِكِ" أو: "الزَمِي الطَّريقَ خارجةً"، أو: "ودعتُكِ" أو: "قد ودعتِينِي" 147 أو: "اعتدِّي" 148 أو: "أنتِ بتَّةٌ" 149 أو: "اسرِي" 150 أو:

الجزء: 3 - الصفحة: 238

"ادلُجِي (1) "، أو: "ذُوقي" أو: "اطعمي" أو: "أنتِ حُرَّةٌ".
وفِي نصٍّ قيل له: "أنتَ مع امرأتِكَ حرامٌ"، فقال: "لا" فقالتِ امرأتُهُ: "بلى" فقال: "شُدِّي يدَيكِ بنفسِكِ" أو: "تَمَتَّعي (2) بنفسِكِ" أو: "لا تَتزوَّجِي إلا خليفةً" فإنْ أرادَ طَلاقًا فهو طلاقٌ، وإن لَمْ يُرِدْه (3) فليس بِطَلاقٍ.


* ومِن الكناياتِ: "

بتْلَةٌ 154 "، و: "حبلُكِ على غارِبِكِ" 155، و: "ولَا أَنْدَهُ سِرْبَكِ 156 " 157 و: "فَسَخْتُ نِكَاحَكِ" و: "اسْتَبْرِئِي"، ولو قبل الدخُول فيه، وفي:151152153

الجزء: 3 - الصفحة: 239

"اعتدِّي" على الأصحِّ 158. وسائرُ صَرائحِ العِتقِ وكناياتُهُ كنايةٌ فِي الطَّلَاقِ و"اسْتَبْرِئي"، وأمَّا: "كُلِي" فلَيْسَ بِكِنايةٍ على الأرْجحِ، خِلافًا لِمَنْ صَحَّحَ أنه كِنايةٌ، فإنه لا إشْعارَ له بالفُرقةِ إلا على بُعْدٍ 159 نحو: "كُلُي مِنْ مالِكِ، لأنِّي فارقتُكِ"، ونحوُه: "سلامٌ عليكِ" عِنْدَ المُفارقةِ، وأمَّا "بارَكَ اللَّهُ فِيكِ"، أو "اسقِينِي"، أو "أَطعمينِي"، أو "زَوِّدِيني"، أو ما 160 أشبه ذلك، فليس بكِنايةٍ على المَنصوصِ المَعمولِ به 161. ومثلُه "أغناكِ اللَّهُ"، أو "قُومِي" أو "اقعُدِي" أو "اغزلِي" أو "لمْ يبقَ بينِي وبينَكِ شَيءٌ"، خِلافًا لِما فِي "زياداتِ الرَّوضةِ" 162 فِي الأخِيرةِ؛ لأنَّه عُمومٌ، وفيه كَذِبٌ أو مبالغةٌ 163. وأمَّا "لا" فِي جَوابِ: "ألَكَ زوجةٌ؟ "، ففِي قولٍ: كِنايةٌ، وفِي قولٍ: ليس بِطلاقٍ وإنْ أرادَه؛ لأنه كذِبٌ مَحْضٌ، وهو المَقطوعُ به عند كَثيرٍ مِن الأصحَابِ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، فقد صَحَّحُوا فِي قولِه مُبتدَأً: "لسْتِ 164 لِي بزوجةٍ"، أنه كنايةٌ 165.

الجزء: 3 - الصفحة: 240

وأمَّا "خلَوْتُ منكِ" و"برِئْتُ مِنكِ" و"بِنْتُ مِنْكِ" و"أنَا 166 مِنْكِ طَالقٌ"، فقد ساقَها الشافعيُّ 167 رضي اللَّه عنه فِي الكِناياتِ مَساقًا 168 واحدًا.
واعتبَرَ الجُمهورُ فِي هذه الألْفاظِ زِيادةً على نِيَّةِ أصْلِ الطَّلَاقِ 169 أن يَنوِيَ إضافتَه إلى المَرْأةِ، ولا يُتصوَّرُ انفِكاكُ الطَّلَاقِ الشَّرعيِّ عنْ إضافتِه إلى المرأةِ، فالمُعتمَدُ النَّصُّ.
وقال به أبو إسحاقَ، والقاضي حُسينٌ.
وأمَّا "اسْتَبْرِئِي رَحِمِي 170 مِنْكِ" فهو لَغْوٌ، وإنْ نوَى تَطليقَها 171. وأمَّا "أنتِ على حرامٌ" أو كالمَيتةِ أو الدَّمِ أو الخَمْرِ أو الخِنزيرِ، فإنْ نَوَى به الطَّلَاقَ كان طَلَاقًا، أو الظِّهارَ كان ظهارًا، [أوْ نَوَى بِهما جَميعًا فقيلَ: طَلاق، وقيلَ ظِهارٌ] 172، وصحَّحُوا أنَّه يَتخيَّرُ؛ فما اختارَه منهما ثَبَتَ، والتساقطُ أوْجَهُ، فيكونُ كما لَو لَمْ يَنوِهِما، أو وقُوعهما ولَمْ يَذكرُوهُما.
وإذا لَمْ يَنوِهما أو 173 نوى تَحريمَ عيْنٍ فَعليْهِ كَفَّارةُ يَمينٍ، وكذا لو أَطلَقَ على الأظْهَرِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 241

وتلزَمُه كفارةُ يَمينٍ في: "أنتِ عليَّ حَرامٌ شَهْرًا"، وقيل: لَغْوٌ.
ولَو خَاطبَ الرَّجعيةَ بـ: "أنتِ عليَّ حرامٌ" ونحوِه، فلا كفَّارةَ على المَذْهَبِ.
وفِي المُحرِمَة والمعتدَّةِ عنْ شُبهةٍ وجْهانِ، الأرْجحُ الوُجوبُ إنْ لَمْ يَقصِدْ تَحريمَها الحاصِلَ بما ذَكَرَ.
وتحريمُ أَمَتِه الحلالِ له بِغيرِ نيةِ العِتْقِ يُوجِبُ الكفارةَ، ولا أثرَ لِتحريمِ طَعامٍ ولا شرابٍ عند الشافعيِّ رضي اللَّه عنه.
وفِي "فتاوى القفَّالِ" 174 ما يدل على أنه يُشترَطُ لإيقاعِ الطَّلَاقِ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ أَنْ لا ينضَمَّ إلى لفظِ 175 الكِنايةِ ما لا 176 يَقتضِي الفُرقَةَ معَ نِيَّةِ الطَلَاقِ بمَجموعِ اللَّفظِ حتى لو قالَ: "اذْهبِي إلى بَيْتِ أبَويَّ"، ونوَى الطَّلَاقَ بمجْموعِ 177 لَفظهِ، لا يَقعُ، وإنْ نَواه بِقولِه: "اذهَبِي" وقَعَ، ويُقاسُ على ذلك غيرُهُ.
وما ذَكرَه مَمْنوعٌ، لِأنَّ قولَه: "إلى بَيْتِ أبَويَّ"، وإنْ لَمْ يَقتضِ الفُرقةَ، فلَيْسَ بِمانعٍ لإعْمالِ "اذهَبِي" مَعَ النِّيةِ 178 نَعَمْ، لَو قالَ: "اذْهَبِي غَيرَ مُطَلَّقةٍ"

الجزء: 3 - الصفحة: 242

ونوَى الطَّلَاقَ بالمَجموعِ لَمْ يَقَعْ، لأنَّ قولَه: "غيرَ مُطَلَّقة (1) "، منافٍ، فهو مانعٌ.


ضابط

ٌ: ليس شيءٌ مِن صرائحِ الطَّلاقِ والظِّهارِ كنايةً فِي الآخَرِ، نَصَّ عليه، واتفَقَ علَيه الأصحابُ.
وفِي "الأمِّ" و"البُويْطِي" إلْحاقُ الإيلاءِ بذلك، وهو متعيَّنٌ.
وأمَّا كناياتُ الطَّلَاقِ وكناياتُ الظِّهارِ، فإنَّها تُستعمَلُ فِي الآخَرِ بالنِّية المعتَبَرَةِ، ولا فَرْقَ بين قولِه: "أنتِ عليّ حرامٌ" أو: كالميتةِ، أو: كأُمِّي، أو: خَلِيةٌ، ونحوها.


قاعدة

ٌ: ما كان صريحًا فِي بابِه وَوَجَدَ نَفاذًا فِي المَحَلِّ المُخاطبِ به لا يكونُ كِنايةً فِي غيرهِ حِينئِذٍ.
فلَوْ قال لِزَوجتِه: "أنتِ طالقٌ"، ونوى الظِّهارَ، أوْ "أنتِ عليّ كظَهْرِ أُمِّي" ونوَى الطَّلَاقَ، لمْ يَقعْ ما نَواه، ويقعُ مُقتضَى الصَّريحِ لِوُجودِ المَحَلِّ المُخاطَبِ الذي ينفُذُ فيه.

    • *179

الجزء: 3 - الصفحة: 243

وقدِ استُثنِي مِنَ القاعدةِ مَواضِعُ:

  • منها: ما سَبقَ مِنْ قَولِه: "أنتِ عليَّ حرامٌ"، وشِبْهُهُ، فإنه صريحٌ 180 فِي إلْزامِ الكفَّارةِ إذا خَاطبَ به زوجةً، أو أَمَةً، ولو 181 نوَى فِي زَوْجته طلاقًا أو ظِهارًا منها 182، أو فِي أَمَتِه عِتْقَها نَفَذَ ما نواه، ولا تلزمُ الكفارةُ.
    والتَّحقيقُ لا استثناءَ، فالصريحُ ما اشْتهرَ 183 فِي معْنَاهُ، ولُزُومِ الكفارةِ ليس معنى: "أنتِ عليَّ حرامٌ" وشبهه، وإنما ذاك حُكْمُ رُتبةِ الشَّرعِ على التلفُّظِ بذلك.
  • ومنها: قال لِزَوجتِه المُعَيَّنَةِ المُتَمكِّنِ مِنْ فَسخِ نِكاحِها: "فَسَخْتُ نكاحَك"، ونوَى بِذلك طَلاقَها، فقَدْ صَحَّحُوا أنه طلاق 184 مَعَ أن الفَسخَ صَريح فِي رَفْعِ نِكاحِ المَغيبةِ بِحَيثُ تَبِينُ مِنه 185 مِن غَيْرِ طَلاقٍ، فقدْ وجد نفاذًا حينئِذٍ، وقدْ صارَ كِنايةً فِي الطَّلَاقِ، وكأنَّهما 186 لمَّا اشتركَا فِي الفُرْقةِ لَمْ يَكنْ مُغايرًا له مِن كُلِّ وَجْهٍ.
  • ومنها: وَكَّلَ سيِّدُ الأمَةِ زَوْجَها فِي عِتْقِها، فقال الزوجُ: "أعتقتُكِ" 187 ونوَى طَلاقَها، أو طَلَّق ونوَى العِتْقَ، أو وَكَّلَ الزوجُ السيدَ فِي طلاقِها، فقال

الجزء: 3 - الصفحة: 244

لها السيِّدُ: "طلقتُكِ"، ونوَى عِتْقَها، أو: "أعتقْتُكِ" (1) ونوَى طلاقَها، فاعْتِبارُ النِّيةِ فِي ذلك لاشتِراكِ الطَّلَاقِ والعِتْقِ فِي إِزالةِ المِلْكِ.

  • ومِنها: "تصدقْتُ" صريحٌ فِي التَّمْليكِ، فإنْ نوَى به الوَقْفَ على الجِهَةِ العامَّةِ انصرَفَ عَن صَريحِ التَّمليكِ إلى ما نَواهُ، كما سبَقَ فِي الوَقفِ، وسببُه: اشتراكُهما فِي إطْلاقِ الصدقةِ كما سَبقَ قَبْلَه، وعلى ما ذُكِرَ مِنَ الجوابِ لا استِثْناءَ، ويَظْهرُ مِن ذلك (2) الجوابُ فِي غيرِه وترَكْنَا أشْياءَ مِمَّا يُستثْنَى على رأيٍ مَرجُوحٍ.

ضابط

ٌ: لا يَقومُ مَقامَ اللفظِ صريحًا كان أو كنايةً فِعْلٌ إلا 190 فِي مَوضِعَينِ:

  • أحدُهما: الإشارةُ مِن الأخْرَسِ، فإنها قائمةٌ مَقامَ لَفظِه فِي جَميعِ العُقودِ والحلولِ 191، إلا فِي إبطالِ الصَّلاةِ، فلَو طَلَّقَ أو باعَ فِي الصَّلاةِ بإِشارتِه عامِدًا 192 عالمًا لَمْ تَبطُلْ صَلاتُه على الأصَحِّ.
    ويُمتَحنُ به فيقال: رَجُلٌ طَلَّقَ زَوجتَه، وهو 193 فِي الصلاةِ، فِي حالةِ العَمْدِ188189

الجزء: 3 - الصفحة: 245

والعِلْمِ ولَمْ 194 تَبطُلْ صلاتُه، ولا يُعرَفُ فِي غَيْرِ هذا.
وأمَّا الناسِي للصلاةِ وجاهلُ تحريمِ الكلامِ فيها، فإنه قد يُتصوَّرُ فيها 195 ذلك، وأوْقعَ البغويُّ طلاقَه بإشارَتِه المَفهومةِ 196 وإنْ لَمْ يَنوِ الطَّلَاقِ.
والمَعمولُ به أنَّ إشارتَه منها ما هو صَريحٌ، وهي ما يَفهَمُ منها الطَّلَاقَ مَن وقَفَ عليها، ومِنها كنايةٌ وهيَ التِي يَختصُّ بِفَهمِ الطَّلَاقِ منها الذَّكِيُّ.
وقالَ المُتولِّي: إنَّما تُعتبَرُ إشارتُه إنْ لَمْ يَقدِرْ على الكِتابَةِ، فإنْ قَدَرَ كَتَبَ الطَّلَاقَ، وكَتبَ: إني قَصدْتُ الطَّلَاقَ، والمَشهورُ الأولُ.

  • المَوضِعُ الثاني: الكِتابةُ، ولا بُدَّ فيها مِنَ النيَّةِ، ولو كَتَبَ الصريحَ كَمَا تقدَّمَ.

الجزء: 3 - الصفحة: 246

فصل في الطلاق المنجز على صفات من تكرار وغيره

كان الطَّلَاقُ فِي صَدْرِ الإسلامِ غَيرَ مَحصورٍ بالثلاثِ، ثُم نُسخَ ذلك، وانْحصَرَ فِي حَقِّ الحُرِّ فِي ثلاثٍ 197، ولَو يكونُ زوجتُهُ 198 أَمَةً، ومَنْ فيه رِقٌّ لا يَمْلِكُ إلا طلْقَتَينِ، ولو تكون 199 زوجتُه حُرَّةً.
فإنْ رَقَّ الحُرُّ قَبْلَ أن يُطَلِّقَ زَوجتَه، ثُمَّ جَدَّدَ نِكاحَها، وهو رَقيقٌ لَمْ يَملِكْ عليها إلا طَلْقَتَينِ.
وإنْ كان قد طَلَّقَ قَبْلَ ذلك واحدةً لَمْ يملِكْ إلا واحدةً [على الأصح] 200. وإن طَلَّق ثِنْتَينِ قَبْلَ الرِّقِّ وبانَتْ مِنه فله 201 تَجديدُ نِكاحِها على الأصحِّ.
وإنْ عَتَقَ العَبْدُ قبْلَ أن يُطَلِّقَ زَوْجتَه مَلَكَ عليها الثلاثَ، وإنْ عَتَقَ بعْدَ أَنْ طَلَّق واحدةً مَلَكَ عليها طلقَتَينِ.
ولو طَلَّق ثِنتَينِ ثُمَّ عَتَقَ، لَمْ تَحِلَّ له إلا بمحلَّلٍ على الأصَحِّ.
ولو عَلَّقَ الثانيةَ بعِتْقِهِ لَمْ يَحتَجْ إلى مُحَلِّلِ قَطْعًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 247

ولو قال لِزَوْجتِهِ: "إنْ ماتَ سيِّدي، فأنتِ طَالق طلْقتَينِ"، وقال السيدُ: "إنْ مُتُّ فأنْتَ حُرٌّ"، فماتَ السيِّدُ وعَتَقَ، لَمْ يَحتجْ إلى مُحَللٍ على الأصحِّ.


وضابطُ ذلك وما 202 سبَقَ فِي إسلامِ العَبدِ وعِتْقِهِ ونحو ذلك أن يُقالَ: ما يَتعلقُ بالحرِّيَّةِ 203 والرقِّ مِنْ عَدَدٍ فِي ذلك ونحوِهِ أنه إذا تَبدلَ الحالُ مِن حُرِّيةٍ إلى رِقٍّ وعكسِهِ: فإنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِن القدْرِ المُشترَكِ بيْنَ الحالَتَينِ فالعِبرةُ بالحادثِ لا بالزائلِ 204 [وإنْ لَم يَبْقَ شَيءٌ لا مِن القَدرِ المُشترَكِ فالعِبرةُ بالزائل لا بالحادِثِ] 205. ويَدخُلُ فِي هذا بعضُ صورِ القَسْمِ بيْنَ الحُرةِ والأَمَةِ، ثُم تَعتَقُ الأَمَةُ، وبعضُ صورِ العَددِ وستأتِي، ولا يَدخلُ فيه الجَدُّ، فإنَّه لا يَتغيرُ الوَاجبُ فيه بِتَبَدُّلٍ 206 الحالِ مُطْلقًا، ولا عَقْدَ على تكْمِلةِ 207 الأرْبعِ بعد العِتْقِ مُطْلَقًا.
وتَكريرُ لَفظِ الطَّلَاقِ يَكونُ بِتكريرِ الجُملةِ مِن مبتدَإٍ وخَبَرٍ وفِعلٍ وفَاعلٍ.

  • فالأولُ: نحو: أنْتِ طالقٌ، أنتِ طالقٌ 208.

الجزء: 3 - الصفحة: 248

  • والثاني نحو: طلقتُكِ طلقتُكِ.
    فإن بانَتْ بالطَّلقةِ الأُولى، لِأنَّها بِعِوَضٍ، أو لِأنَّ الزَّوجةَ غيرُ مَدخولٍ بها، فإنه لا يَقعُ شيْءٌ لا غَيرُ تلك الطَّلقةِ بِلَا خِلافٍ 209، إلا فِي صُورَتَينِ يختَصَّانِ بِغَيرِ المَدخولِ بِها 210:
  • إحداهما: إذا لَمْ يدخُلْ بها، ولكن استدخَلَتْ ماءَه ففيها وجهٌ قويٌ: أنها بِمنزلةِ المَدخولِ بها فِي الرَّجعةِ، فكذا 211 فِي وُقوعِ المُتعدِّد مِن الطَّلَاقِ، والأصحُّ خِلافُه.
  • الثانيةُ: إذا نزَّلْنَا 212 الخَلْوَةَ على القَديمِ منزلةَ الدُّخولِ، وَقَعَ المتعدِّدُ والمَذْهبُ خِلافُه.
    وإذا لَمْ تحصُلْ بَينونةٌ، فإن قَصَدَ الاستِئْنافَ بالجُملةِ الثانيةِ وَقعَ طَلْقتانِ، وكذا إنْ أطْلَقَ 213 على أصَحِّ القَوْلَينِ.
    وإنْ قصدَ بالثانيةِ تَأكيدَ الأُولَى 214 ووجِدَ الاتصالُ لَم تَقعْ إلا واحدةً.
    وسكتَةُ العِيِّ أوِ التنفُّسِ لا تَمنعُ الاتصالَ.

الجزء: 3 - الصفحة: 249

ويُخالِفُ هذا البابُ بابَ الأَيمانِ باللَّه تعالى، فإنه إذا حَلَفَ مَراتٍ على شَيْءٍ واحِدٍ، ثُم حَنِثَ، فإنه لا تَلْزَمُه إلا كفارةٌ واحدةٌ: أكَّدَ أوْ أطْلقَ أو قصَدَ الاستِئنافَ على الأصَحِّ فيهِما؛ لأنَّ المحلوفَ به واحدٌ على شيْءٍ مُتحدٍ.
وفِي تَكريرِ الظِّهارِ لا يَلزَمُ 215 عند الإطْلاقِ إلا ظِهارٌ 216 واحدٌ على الأصحِّ، خِلافًا لِمَا فِي "الحاوي الصغير" 217؛ لأنَّ مُقتضاهُ التحريمُ، وهو حاصِلٌ بالأوَّلِ بخِلافِ الطَّلَاقِ الثاني المُنَجَّزِ.
وفِي تَكريرِ التَّعليقاتِ الفتوى عنْدَ الإطلاقِ: أنه لا يَقعُ إلا واحدةً، ويُتَّبَعُ فيه التأكيدُ معَ الانفِصالِ، وأطْلقُوا فِي "إنْ حلفتُ بطلاقِكِ فأنْتِ طالِقٌ"، وأعادَ؛ أنها تَطْلُقُ بِعَددِ المُعادِ، لِأنَّه فِي كُلِّ مُعَادٍ حَالفٌ مُطْلقًا، فيحِلُّ 218 ما قَبْلَه، ويُؤثَرُ فيما بَعْدَه، وفيه نَظرٌ 219. والأرْجحُ فِي تَكريرِ: "أنتِ عليَّ حَرامٌ" عند الإطلاقِ أنه بِتعدُّدِ الكفَّارةِ، لِأنَّه بِمنزلةِ الحانِثِ فِي كلِّ واحد إلا إذا قَصدَ التأكيدَ.
وإذا قال: "أنْتِ طَالقٌ طَالقٌ"، فكما سَبقَ.
ولو كرَّرَ: "أنْتِ طَالق"، أو: "طلقتُك ثلاثَ مراتٍ"، وقصَدَ بالثَّاني والثالِثِ تأكيدَ الأولِ وَوُجِدَ 220 الاتصالُ، لَمْ تَقعْ إلا واحدةٌ.

الجزء: 3 - الصفحة: 250

وعنْدَ الاستِئنافِ ثلاثٌ.
وكذا إذا 221 أَطْلقَ على الأصحِّ.
ولَو قَصَدَ بالثاني استِئْنافًا، أو أَطلَقَ، وبالثالِثِ تأكيدَ الأولِ، وقَعَ الثلاثُ على الأصحِّ.
ولو قَصَدَ بالثانِي تأكيدَ الأولِ وبالثالِثِ استِئْنافًا، أوْ أطْلَقَ الثالثَ وَقعَ 222 ثِنْتانِ، ولَو قَصَدَ بالثانِي استِئْنافًا، أوْ أَطْلقَ، وبالثالثِ تأكيدَ الثاني، وقعَ ثِنتانِ.
وإنْ ماتَ ولَمْ يُعْلَمْ حالُهُ فنَصَّ فِي "الأُمِّ" 223 أنَّها تَطْلُقُ ثلاثًا؛ نَظرًا إلى أنَّ الأصلَ الإطلاقُ 224. وقدْ يُستشكَلُ مِن جِهَةِ أنَّ الطَّلَاقَ لا نُوقِعُه معَ الشَّكِّ 225، وقَدْ يُلْتَفَتُ على تَقَابُلِ الأَصْلينِ.
ولو أَدْخَلَ الواوَ فيما سَبقَ بأن يقولَ: "أنتِ طَالقٌ وأنتِ طالقٌ" أو: "طلقتُكِ وطلقتُكِ" أو مَعَ إسقاطِ المُبتدإِ فِي الثاني، بأنْ قال: "أنتِ طالقٌ 226 وطالِقٌ" ففِي الجَميعِ يقَعُ طَلْقتانِ 227. فإنْ عَطَفَ الثالِثَ بالوَاوِ بقَصْدِ التأكيدِ لمْ يَقَعْ به شيْءٌ، وعند الاستِئنافِ

الجزء: 3 - الصفحة: 251

أو الإطلَاقِ 228 يقَعُ ثلاثٌ، ولَوْ أدْخلَ "ثُمَّ" أو "بَلْ" فكالْوَاوِ، وكذا الفاءُ على المَذْهبِ 229. وفِي هذِه الصُّورِ لَو كانَتْ غيرَ مَدخُولٍ بها [لَمْ يَقعْ إلا طَلقةً كما سَبق فِي تَكريرِ المُبتدإِ ونَحوِه، وفِي قولٍ قديمٍ: هي كالمَدخولِ بِهَا فِي الجَميعِ.
ويَستوِي المَدخولُ بها] 230 وغيرُها فِي نِيَّةِ العَدَدِ بأنْ قال: "أنتِ طالقٌ" أو بِكتابةٍ، أو كنايةٍ معَ النِّيةِ 231. ولو قال: "أنتِ طالقٌ واحدةً" بالنَّصبِ أو بالرَّفعِ 232 أو "أنتِ واحدةٌ"، ونَوَى فِي الجميعِ عَددًا وقَعَ ما نَواهُ على الأصحِّ؛ خِلافًا لِمَا فِي "المحررِ" 233 وغيرِه فِي صُورةِ النَّصبِ 234. ولو قال: "أنتِ بائنٌ باثْنتَينِ أو ثلاثةٍ 235 "، فلا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الطَّلَاقِ بالمَجموعِ، أو نيةِ العَددِ للتصريحِ 236 به، فالأرْجحُ وُقوعُ ما صَرَّحَ بِه 237.

الجزء: 3 - الصفحة: 252

ولو صَرَّحَ فيهما بزيادةٍ على 238 العَددِ الشَّرْعيِّ وقَعَ العَددُ الشَّرعيُّ إلا فِي صُورتَينِ فِي غَيرِ المَدخولِ بها:

  • أحدُهما 239: ما إذا قالَ لَها: "أنتِ طالقٌ واحِدةً ومائةً"، فإنَّها لا تَطْلُقُ إلا واحدةً.
  • الثانيةُ: "أنتِ طالق إحدى وعشرينَ" فالمصحَّحُ فِي "زِيادةِ الرَّوضةِ" 240 لا يَقعُ إلا واحدةٌ، والأرجَحُ وُقوعُ الثلاثِ، وشاهِدُهُ ما صُحِّحَ فِي إحدى وعِشرينَ دِرْهمًا فِي الإقرارِ.
    ولَو أَرادَ أن يقولَ "أنتِ طالقٌ ثلاثًا" فماتَتْ قبْلَ تَمامِ "طالِقٌ"، لَمْ يَقعْ شَيءٌ، أو بعدَه 241، وقبْلَ أَنْ يَقولَ "ثلاثًا" وقَعَ الثلاثُ على الأصحِّ 242. وفِي وجهٍ: واحدةٌ.
    وفِي وجْهٍ: لا يقعُ شَيْءٌ.
    وكذلك رِدَّتُها وإسلامُها، وهي غَيرُ مَدخولٍ بها [قبْلَ أَنْ يَقولَ ثَلاثًا.
    وقدْ يستشكلُ به "أنتِ طَالقٌ ثلاثًا" لِحُصولِ البَينونةِ بـ "طالق" إذا كانتْ غَيْرَ مَدخولٍ بها] 243، ولا خِلافَ فِي وُقوعِ الثلاثِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 253

وجَوَابُه: أنَّ البَينونةَ هنا حَصَلَتْ بغَيرِ الطَّلَاقِ، والبَينونةُ هُنا إنَّما حصَلتْ بالثَّلاثِ.


ومِن الصفاتِ: طلاقُ السُّنةِ والبِدعةِ، ونحو ذلك.

والطَّلَاقُ عِندَ سَلامةِ الحَالِ مكروهٌ، وقد يُستحبُّ عِنْدَ تَقصيرٍ فِي الحقِّ، أو كونِها غيرَ عَفيفةٍ، ونحوِ ذلك.
وفُسر جمعٌ (1) السُّنيَّ: بما لا يَحرُمُ إيقاعُه.
والبِدعيَّ: بما يحرُمُ إيقاعُه، وهذا هو غَيرُ المَشهورِ، وسَيأتِي تفصيلُ القِسمَينِ (2).

* والمَنصوصُ، وهو المَشهورُ: انقسامُ الطَّلاَقِ (3) ثلاثةَ أقْسامٍ:

سُنِّيٍّ، وبِدْعيٍّ، وثالثٌ لا يوصفُ بِسُنةٍ ولا بِدعةٍ:244245246

الجزء: 3 - الصفحة: 254

* فالسُّنيُّ

(1): طلاقٌ خَالٍ عن عِوَضٍ منها فِي طُهرٍ مَسبوقٍ بِحَيضٍ لَمْ يَطأْها فِي واحدٍ منهما فِي قُبُلٍ ولا دُبُرٍ، ولَمْ تستدخِلْ مَنِيَّهُ، ولَمْ يَظهَرْ حَمْلُها منه، ولا مِنْ غَيرِه بشُبهةٍ، وهِيَ مِمَّنْ تَعتدُّ بالقُرءِ (2) مِن (3) الطَّلَاقِ بِوَطءٍ سابقٍ فِي قُبُلٍ أو دُبُرٍ أوِ استدخالِ مَنِيٍّ.

* والبِدعيُّ المحرَّمُ

الجزء: 3 - الصفحة: 255

ويَحرُمُ طلاقُ مَن 256 قَسَمَ لِضَرَّتِها 257 قبْلَ أَنْ تَستوفِيَ هِيَ حَقَّهَا.
ولَوْ نَكحَ حَاملًا مِن الزِّنَى فوَطِئَها، ثُم طَلَّقَها حامِلًا، كما ذَكرَ كان بِدعيًّا عند ابْنِ الحَدادِ، ومَنْ تَبِعه؛ لأنَّ العِدَّةَ بعد وَضعِ 258 الحَملِ والنَّقاءِ مِنَ النِّفاسِ، وجَرى على ذلك المُتأخِّرونَ.
والصوابُ خلافُه، فحَمْلُ الزِّنى لا يَمنعُ العِدةَ بالأَقراءِ التي تُوجَدُ مع حَمْلِ الزِّنى فِي الأصحِّ.
وإنْ قيلَ بمقابلِهِ 259 أوْ لَمْ تَرِدْ 260 ماءً فهيَ شارعةٌ فِي العِدةِ مِن حينِ الطَّلَاقِ، ولا تَأتِي البِدعةُ مِن أنَها طُلِّقَتْ فِي طُهرٍ جَامعَها فيه، كما قاله المَاورْديُّ؛ لأنَّ احتمالَ حُدوثِ الحَملِ مِن الوَطءِ هنا مُتعذِّر، فطَلاقُها 261 حينئِذٍ مِن قِسمِ السُّنيِّ لِعدمِ الحَيضِ، وشُروعِها فِي العِدَّة طاهرًا عَقِيبَ الطَّلَاقِ، ولا نَظرَ إلى مُجرَّدِ 262 التَطويل كطلاقِ الطاهِرِ 263 التي 264 تَبَاعَدَ طُهْرُها، أو انقَطعَ دَمُها وهِيَ غَيْرُ آيسةٍ.
والحاملُ مِن شُبهةٍ لا بدعةَ فِي طَلاقِها، خِلافًا لِمَا رجَّحُوه؛ لِنُدورِهِ، فلا

الجزء: 3 - الصفحة: 256

يُلحَقُ بالحَيضِ، ولا بالنِّفاسِ، وإن لَمْ يغلِبْ تكرُّرُه، فهُو مُلحَقٌ (1) بالحَيضِ (2) فِي إسْقاطِ الصلاةِ، وغيرِ ذلك.
ولا بدعَةَ فِي جمْعِ الثلاثِ مِن الحُرِّ أو الثِّنتَينِ مِمَّنْ فيهِ رِقٌّ، والأَوْلَى التفريقُ على الأَقراءِ (3).


* والقِسمُ الثالثُ الذي لا يُوصَفُ بسُنَّة ولا بِدعةٍ

    • *266267268

الجزء: 3 - الصفحة: 257

* واقتصَرُ الأصْحابُ على هؤلاءِ الأرْبعِ، وزدتُ ثلاثًا لا سُنَّةَ فِي طلاقِهِنَّ ولا بدعةَ

1 - المتحيرةُ، ولَمْ أرَ مَنْ ذَكرَها.
ويُمكِن أن يقالَ: إذا طَلَّقَ، ولَمْ يَبْقَ أكثرُ الشَّهرِ كان فيه تَطويلٌ لِعَدَّتِها، فيكونُ بِدْعيًّا، والأولُ أرْجَحُ، لِعدَمِ تعيُّنِ وُقوعِهِ فِي الحَيضِ.
2 - والحامِلُ مِن الشُّهبةِ على ما سبَقَ.
3 - والمطلَّقةُ الرجعيةُ بناءً على أنها تَبنِي، وهو الأصحُّ خِلافًا لِمَا صحَّحُوه هنا مِنَ الاستِئنافِ 274.273275276277278

الجزء: 3 - الصفحة: 258

والخُلْعُ مع الزَّوجةِ أو وكيلِها أو طلاقِها على عِوَضٍ مِنها، لا سُنَّةَ فيه، ولا بِدْعة.

والفُسوخُ كلُّها لا سنةَ فيها ولا بِدعة، إلا:

  • الخلع مع غَيرِ الزَّوجةِ، إذا قُلْنا إنَّه فَسخٌ، فإنَّه يَحرُمُ فِي الحَيضِ.
  • والإقرار بما يَقتضِي بُطلانَ النِّكاحِ، تَجبُ المُبادرةُ إليهِ عندَ ظُهورِ الحقِّ، ولو كانَ فِي الحَيضِ، ولو مِنَ الزَّوجِ وحدَه، ولو كان طَلاقًا بائنًا على رأيٍ مَرجوحٍ فِي نحْوِ "نَكحتُها بشاهدَيْنِ فاسقَيْنِ".
  • وتعليقُ الطَّلَاقِ بالدخول.
    وسائرُ الصِّفاتِ ليس ببدعيٍّ ولا سُنيٍّ، ولكن إن وُجِدَ فِي الطُّهرِ نفَذَ سُنيًّا، وإن وُجِدَ فِي الحَيضِ نَفَذَ بِدْعيًّا، لا إثْمَ فِيه، إلا إذا وُجِدَتِ الصِّفةُ باختيارِه، فيأثمُ على ما بَحَثَه الرَّافعيُّ، وهو حَسَنٌ.
    وَمَنْ جَهِلَ الحُكْمَ -ولا تقصيرَ- فطَلَّقَ فِي الحَيضِ فهُو بدْعيٌّ، لا إثْمَ فيه، وكذا مَنْ لا يَعلمُ الحيضَ حيثُ لا تَقصيرَ، قلتُهما تَخريجًا.
    وإذا كان الطَّلَاقُ بِدْعيًّا لِوُقوعِه فيما سَبقَ، وكان رَجعيًّا، وهي مِمَّنْ تصِحُّ رَجعتُها، فيُستحبُّ أَنْ يُراجعَها فِي الحالةِ التي حصلَتْ فيها البِدعةُ.
    ثم إن كانتِ البدعةُ لِوقوعِه فِي الحَيضِ ونحوِه على ما سبَقَ، فالسُّنةُ وَرَدَتْ بإِمْساكِها حتى تَطهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءِ طلَّقَ، وهي طَاهرٌ مِن غَيرِ جِماعٍ، وإنْ شاءَ أَمسكَ، كذلك 279 ثَبتَ فِي "الصحيحَينِ" 280 مِن

الجزء: 3 - الصفحة: 259

روايةِ نافعٍ فِي حَديثِ ابنِ عُمرَ لمَّا طَلَّقَ زَوْجتَه 281، وهي حائِضٌ 282. وفِي "مختصر المُزنيِّ" 283: روى هذا الحديثَ سالمٌ 284 ويُونُسُ بنُ جُبيرٍ 285، فخالفُوا 286 نافعًا فِي شيءٍ منه، قالوا كلُّهم: عن ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لِعُمرَ: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتى تَحيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، [ثم إنْ شاءَ طلَّقَ بَعْدُ، وإنْ شاءَ أَمْسَكَ" ولم يقولُوا: "ثُم تَحيضُ ثُم تَطهُرُ"] 287. وما ذكرَه المزنيُّ ظاهرُه أنه 288 كلامُ الشافعيِّ رضي اللَّه عنه، وكذلك 289 صَرَّحَ به غيرُه بِزيادةِ أنَسِ بْنِ سِيرينَ 290 معَ سَالمٍ ويُونُسَ بْنِ جُبيرٍ، وليس هذا المذكورُ عن سالمٍ ويونسَ 291 مخالفًا لِرِوايةِ نَافعٍ.
فمَعْنى "حتى تَحيضَ" أي: حيضةً مستقبَلة، وذلك لا يكونُ إلا بَعْدَ طُهْرٍ،

الجزء: 3 - الصفحة: 260

وقدْ جَاءَ ذلك مصرَّحًا فِي رِوايةِ مُسْلمٍ عنْ سَالمٍ وفيها: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها حتى تَحيضَ حَيْضةً مُستقبَلةً سِوَى حَيْضتِها التي طَلَّقَها فيها" 292. فالرِّوايتانِ على هذا المعنى الظاهرِ مُتفقتانِ، وإنما يَختلفانِ مِنْ وَجهٍ آخَرَ، وهو أن فِي روايةٍ [لِسالِمٍ فِي مُسلمٍ: "مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُطلِّقْها طَاهرًا أو حائِلًا 293 ". وفِي رِوايةِ] 294 يُونُسَ بْنِ جُبَيرٍ فِي "مسلم" 295: "فأمَرَهُ أَنْ يُراجِعَها حتَّى يُطلِّقَها طَاهرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ"، وفِي رِوايةٍ لِيُونُسَ: "إذا طَهُرَتْ فلْيُطلِّقْ أوْ لِيُمْسِكْ" وكذلك فِي رِوايةِ أبِي الزُّبَيرِ، وفِي رواية أنس بن سيرين: "ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها"، وفِي رِوايةٍ لَه: "مُرْهُ، فلْيُراجِعْها، ثُمَّ لْيُطَلِّقْها لِطُهْرِها".
[قال ابن عمر: فراجَعَها ثم طَلَّقَها 296 لِطُهْرِها] 297، وفِي رِوايةِ أَبِي وَائلٍ 298: "فإذا طَهَرَتْ طَلَّقَها"، ولذلكَ جاءَ مَعناهُ فِي رِوايةِ الشَّعبيِّ، ومَيمونِ بْنِ مِهرانَ، كُلُّهُم عنِ ابْنِ عُمرَ.
والظاهرُ: أنَّ الشافعيَّ إنَّما أَرادَ هذَا، فَوقعَ الخَللُ لِلناقِلِ.
وظَاهرُ كَلامِ الشَّافعيِّ النَّظرُ إلى رِوايةِ 299 الأَكْثرِ لا سِيَّما إذا كانَ فيهِمْ

الجزء: 3 - الصفحة: 261

سَالمٌ، فيُكتفَى على هذا فِي الاستِحبابِ بالإمْساكِ إلى الطُّهرِ الأوَّلِ، وبِه يَزولُ ضَررُ 300 تَطويل العِدةِ، وعلى هذا جرى "الحاوي" و"المنهاج" 301 لكنْ بِعبارةٍ فيها خَللٌ، وفِي "المختصر المنبه" 302. وقد قيل: إنَّ فِي "الإمْلاءِ": ولَو طَلَّقَها، وهِي حائضٌ فأُحِبُّ له أَنْ 303 يُراجِعَها، ثُم لْيُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثُم 304 تَحيضَ، ثُم تَطْهُرَ، ثُم إنْ شَاءَ طَلَّقَ قبْلَ أَنْ يَمَسَّ، أوْ أَمسَكَ.
وقال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: 305: إنَّه يَحتمِلُ أن يكونَ ذلك 306 لِيستبرِئَها المطلِّقُ، فيُطلِّقَها وعِدَّتُها مَعلومةٌ.
وهذا المَنقولُ عن "الإملاء" هو المصحَّحُ عند جمْعٍ مِنْ أصْحابِه، وقَطَعَ به بعضُهم، ونقَلَه الإمامُ عنِ الجُمهورِ.
والخِلافُ قَولانِ، لا وجْهانِ كما ذَكرُوه، وهو فِي تأدِّي الاستِحبابِ 307 التَّامِّ، فأمَّا أصْلُ الاستِحبابِ وإباحةِ الطَّلَاقِ فيَحصُلُ بِالأوَّلِ قَطْعًا، كما اقتضَاهُ نقْلُ الإمامِ وغيرِه.

الجزء: 3 - الصفحة: 262

وحكايةُ "الوسيط" الخِلافَ فِي جَوازِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهرِ الأوَّلِ قال فِي "زِياداتِ الرَّوضةِ": هو فاسدٌ أوْ مُؤَوَّلٌ، وليس كما قال فِي "الروضة" ففِي كلامِهم ما يَشهَدُ له، ولَكنَّ 308 المَشْهورَ خِلافُه.
وعلى الطريقةِ المَشهورةِ تكونُ رِوايةُ نافعٍ وإحدى رِوايَتَيْ سَالمٍ فِي تَمامِ الاستِحبابِ، ورِوايةُ الأكثَرِ فِي أصْلِ الاستحبابِ.
وإنْ لَمْ يُراجِعْ حتى طَهَرَتْ فقدْ فاتَ المُستحبُّ 309 على رِوايةِ الأكْثرِ، وعلى رِوايةِ نَافعٍ يَحصُلُ استحبابُ الرَّجعةِ لِمَا بَقِي، وهو الأقْربُ، ويَحتمِلُ خلافَ ما ذكرُوهُ.
وإنْ كانَتِ البِدعةُ لِوُقوعِه فِي طُهْرٍ جَامعَها فيه 310 ونحوِه على ما سبَقَ، فقال الشافعيُّ: أَحْبَبتُ أَنْ يُراجعَها، ثم يُمهِلَ لِيطلِّقَ كما أُمِر 311، يعني: بعْدَ ظُهورِ حَمْلِها منه، أو فِي طُهْرٍ بعْدَ حَيْضٍ.
وإنْ لَمْ يَطأْ فِي الطُّهرِ الأوَّلِ بَعْد الرَّجعةِ أوْ لَمْ يُراجِعْها فيه، ثُمَّ رَاجَعَها، فقالُوا: يُستحَبُّ أن لا 312 تُطَلَّقَ فِي الطُّهرِ الثانِي، لِئلَّا تَكونَ الرَّجعةُ لِلطلاقِ، وهُو خِلافُ إطْلاقِ 313 النَّصِّ السابقِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 263

ومِن الصِّفاتِ ذِكْرُ المَعيةِ والقَبْليةِ والبَعْديةِ 314 ونَحوِها، وتَبعيضُ الطَّلَاقِ، وتَنجيزُ ذلك إلى ذِكْرِ بَعْضِ الزَّوجةِ.
فإذَا قالَ لِزَوجتِه المُوطوءةِ 315 "أنتِ طالقٌ طَلقةً معها طلقةٌ" أو: "معَ طَلْقةٍ" -ولا عِوَضَ هُناك- وقَعَ طَلقتانِ قَطْعًا.
لكنْ هَلْ تَقعانِ معًا بِتَمامِ الكلامِ كما لو قال: "أنتِ طالقٌ طلْقَتَينِ"؟ أو يَقعانِ مُتعاقِبَتَينِ 316 لِتَرتُّبِ اللَّفظينِ؟ وَجهانِ، صَحَّحُوا الأوَّلَ 317. فلَو قال ذلك لِغَيرِ مَوطُوءةٍ وقَع علَيْها طَلقتانِ أيضًا على المُصَحَّحِ، وعلى التَّرتيب واحدةٌ.
والتحقيقُ: أنَّه إنْ أَرادَ بِطالقٍ ثِنتَينِ، وبيَّنَها بقَولِه: "طَلْقةً مع طلقةٍ" فالأمرُ كما صحَّحُوا، بَلْ يَنبغِي أَنْ يُقطَعَ بِه، وإنْ أرادَ بـ "طالق" واحدةً، أو لَمْ يُرِدْ 318 عددًا، فلا يَقعانِ إلا مُتعاقِبتَينِ 319، ولا يَقعُ على غَيرِ المَوطوءةِ إلا واحدةٌ.
ولو قالتِ المَدخولُ بِها لِزَوجِها: "طَلِّقْني طَلْقتَينِ بألْفٍ"، فقال: "أنْتِ

الجزء: 3 - الصفحة: 264

طالقٌ طَلْقةً مع طلقةٍ" أو: "معها طلقةٌ" استحَقَّ الألْفَ على أنَّهما يَقعانِ معًا، وعلى التَّرتيبِ لا يَستحِقُّ إلا النِّصفَ إذ 320 لَمْ يَقعْ إلا واحدةٌ، وفيه ما قدَّمناهُ مِنَ التحقيقِ ولَمْ يَذكرُوه.
ولَوْ قالَ: "أنتِ طالق طلقةً 321 قبلَ طلقةٍ" أو: "بعْدَها طلقة" وقعتْ 322 طَلقتانِ مُتعاقِبتانِ فِي المَدخولِ بها حَيْثُ لا عِوَضَ ولا يقعُ فِي غَيرِ المَدخولِ بِها إلا واحدةٌ، وكذا فِي طلاقِ العِوَضِ.
ولو قال: "طلقةً بعد طلقةٍ" أو: "قبلها طلقة" وقعَ فِي المَدخولِ بِها حَيثُ لا عِوَضَ 323 طَلقتَانِ على المَشهورِ، ويَقعانِ مُتعاقِبَتينِ بعْدَ تَمامِ اللَّفْظِ.
وصحَّحُوا وُقوعَ المُضمَّنةِ أوَّلًا ثُمَّ المُنجَّزةِ، والتَّحقيقُ: عكسُه.
وفِي غَيرِ المَدخولِ بها صحَّحُوا وُقوعَ واحدةٍ مع ما صحَّحُوه فِي الكَيفيةِ السابقةِ، ولا يَجيءُ ذلك إلا على إبْطالِ الدورِ.
أمَّا 324 إذا صحَّحْناه كما سَيأتِي، فإنَّه لا يَقعُ شَيْءٌ.
وقِيلَ: يَقَعُ عليها طَلقتانِ، ويَلغُو الوصفُ بالقَبْليةِ والبَعْديةِ.
ولو قال: "طَلقةً فِي طلقةٍ" وأراد "مع" فَطلقتانِ على ما سَبقَ، أو الظرفَ، أو الحسابَ، أو أَطْلقَ، فطَلْقةٌ 325.

الجزء: 3 - الصفحة: 265

ولو قال: "نِصفَ طَلْقةٍ فِي نِصْفِ طَلْقةٍ" لمْ تَقعْ إلا واحدةً على كلِّ تقدير؛ كذا قالُوه.
والتحقيقُ فِي إرادةِ المعيةِ إن قُلْنا: تقعانِ مُتعاقبتَينِ 326 عندَ التصريحِ بالمعيةِ فهُنا يَقعُ ثِنتانِ.
وإنْ قُلْنا: يَقعانِ معًا، احتَملَ وُقوع ثِنتَينِ مِن جِهَةِ تَكميلِ كُلِّ نِصفٍ، واحتَملَ وُقوع واحدةٍ، والأولُ أرْجحُ.
وطلقةٌ فِي طَلقتَينِ يَقعُ به ثلاثٌ عند قَصْدِ المَعيةِ، وفِي قَصْدِ الظَّرْفِ واحدةٌ.
وإن قَصَدَ الحسابَ وعَرَفَ معناه، فثِنْتانِ، وإنْ جَهِلَه ولَمْ يقصِدْ معناه، فواحدةٌ، وكذا إن قَصَدَ معناه على الأصحِّ.
وخُرِّج عليه "أنتِ طَالقٌ مِثْلَ ما طَلَّقَ زيدٌ امرأتَه"، وهو لا يَدرِي ما طَلَّقَ، وكان زيدٌ قدْ طَلَّقَ عَددًا، وقضيةُ ذلك أنَّ الأصحَّ وُقوعُ واحدةٍ.
وقالوا مِثلَ ذلك فيما إذا نَوَى عددَ طلاقِ زَيدٍ، ولَمْ يَتلفظْ بِه، ولَمْ يَعرفِ العَددَ، وكلُّ ذلك بَعيدٌ؛ لِأنَّ الطَّلَاقَ لا يَنقصُ عن الإحرامِ، بَلْ يَزيدُ علَيه.
ولو قال: "أَحرمتُ كإِحرامِ زيدٍ" ولا يَدرِي قِرانَه، فكان 327 قَارنًا فإنه يَتْبَعُه، فلِذلك هُنا 328 يقَعُ عَددُ 329 طَلاقِ زَيدٍ، وعِند إرادةِ 330 العَددِ أَوْلَى.

الجزء: 3 - الصفحة: 266

وإن لَمْ يَقصِدْ حِسابًا ولا غَيرَه فطلْقَةٌ 331، وكذا لِعارفِ 332 الحِسابِ على الأظْهَرِ، وفِي قولٍ غريبٍ: له ولغيره، ثلاث، وهو ضَعيفٌ 333.


وإذا قال: "أنتِ طالق بعضَ طَلقةٍ" 334 وقعتْ طَلقةٌ، لاستِحالةِ تَبعيضِ الطلقةِ، أبْهَم، أو عيَّنَ؛ كنِصفِ طَلقةٍ 335. ولا خُصوصَ للطلاقِ باستِحالةِ تَبعيضِه، فالتبعيضُ مُستحيلٌ فِي كثيرٍ مِن أبْوابِ الشَّريعةِ، كما فِي النِّيةِ فِي جَميعِ العِباداتِ، وكما فِي كُلِّ عَقْدٍ وفَسخٍ وحَجْرٍ ويَمينٍ وقَضاءٍ 336 وشَهادةٍ ودَعْوى وقُرءٍ.
وإنَّما يَختصُّ الطَّلَاقُ بالوُقوعِ، وقد يُتخيَّلُ أَلحاقُ العِتْقِ والإحرامِ به كـ "أعتقتُكِ نصفَ عتقٍ" و"أحرمتُ نصفَ إحرامٍ"، ولَمْ يَذكرُوه.

الجزء: 3 - الصفحة: 267

ونِصْفَيْ طَلقةٍ تقعُ به واحدةٌ على المَشهورِ، إلا أَنْ يَقصِدَ نِصْفَي طَلقَتَينِ فتَقعُ ثِنْتانِ، وفِي نِصْفِ طَلقتَينِ تقعُ واحدةٌ على الأصحِّ.
وإنْ زَادَتِ الأجزاءُ كثلاثةِ أنْصافِ طَلْقةٍ، [فطَلْقتانِ على الأصحِّ 337 338، وإنْ جاوَزَتِ الأجزاءُ طَلقتَينِ كخَمسةِ أنْصافِ طَلقةٍ] 339، فثلاثٌ على الأصحِّ، وقيل: واحدةٌ.
وفِي المَعطوفِ فِي نَحوِ "نِصفُ طلقةٍ، وثلثُ طلقةٍ" يتعددُ، وفِي نَحْوِ: "نِصفٌ وثُلُثٌ" لا يتعددُ، وعِنْدَ إسْقاطِ العاطِفِ مَعَ تَكرُّرِ لَفظِ "طلقة" نحو "أنتِ طالقٌ ثُلثَ طَلْقةٍ، رُبُعَ 340 طَلقةٍ، سُدُسَ طَلْقةٍ" لا يَقعُ إلا واحدةٌ 341؛ كذا جَزمُوا به مُستشهِدِين بنَحو "أنْتِ طَالقٌ طالقٌ 342 " واستشهادُهم مُخالِفٌ لِطَريقةِ الجُمهورِ مِن أنَّ ذلك كـ "أنتِ طَالقٌ أنتِ طالقٌ"، كما سَبقَ.
وقضيةُ هذا أن يأتيَ ما سَبَقَ فِي الإطْلاقِ، وقصْدِ الاستِئنافِ والتأكيدِ والحكمِ 343 هنا مُطلقًا 344 للمُغايرةِ.
وأمَّا التبعيضُ فِي المَحلِّ فيَستحيلُ هنا مع الإبْهامِ أو التعيينِ، وكذلك فِي

الجزء: 3 - الصفحة: 268

يَسيرٍ مِنَ الأبوابِ كالنِّكاح، والرَّجعةِ، والإيلاءِ، والظِّهارِ، واللِّعانِ، ونحوِها، ولكنْ يَقعُ الطَّلَاقُ على كُلِّ المَحلِّ، ويَترتبُ فِي الإيلاءِ والظِّهارِ ما 345 سيأتي.
وفي 346 ضَمانِ الإحصارِ يَصحُّ بما لا يبقَى 347 دُونَه.
فإذا طَلَّقَ بعضَ زوجتِه مُشَاعًا 348 أو جُزءَها مُشاعًا نَحوَ رُبُعٍ، أو مُعينًا بِجهةٍ، فإنها تَطْلُقُ اتِّفاقًا.
وفيما ذَكرُوه فِي "بعضِكِ" نَظرٌ لِجوازِ أَنْ يُريدَ ما لا يقَعُ بِه، لو عيَّنه من فضلةٍ ونحوِها فإذا أرادَ ذلك لَمْ يَقعْ.
وإنْ طلَّقَ جُزءًا مُعيَّنًا كأذُنٍ وشَعَرٍ، وكانَ مَوْجودًا عندَ التنجيزِ أو التعليقِ والصفةِ طَلَقتْ إلا فِي أُذُنٍ أُلصِقَتْ بعْدَ انفصالِ كلِّها، وسِنٍّ كذلك على الأصحِّ.
وحيثُ وقعَ فيما ذُكِرَ فهُوَ بتقديرِ السرايةِ 349، أو بِطَريقِ التَّعبيرِ 350 بالجُزئيةِ 351 عنِ الجُملةِ وجْهانِ 352، صحَّحُوا الأولَ، وفيه نَظر؛ لِأنَّ التقديرَ لا يكونُ بالمُستحيلِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 269

ورتَّبُوا على الوَجْهَينِ: "إن دخلتِ الدارَ، فيمينُكِ طالقٌ"، فقُطِعتْ بعد التعليقِ، ثُمَّ دخلَتْ، فعلى الأصحِّ: لا يَقعُ، وعلى الثاني: يَقعُ.
ولَوْ قيلَ: هو مِن التَّعبيرِ بالجُزءِ عنِ الجُملةِ بِشَرطٍ يُشترط 353 وُجودُ المَذكورِ أو لا يُشترَطُ وجودُه لكانَ أَوْلى، ولَمْ يَذكرُوه.
والتعبيرُ بالجُزءِ عن الجُملةِ وإن كان مَجازًا، فلا يُعتبَرُ فيه النِّيةُ هنا؛ لأنَّ النِّيةَ إنما تُعتبَرُ فِي غَيرِ الصرائحِ على ما سَبقَ لا فِي المحلِّ.
[وإنْ طلَّقَ فَضلاتِها كعَرَقٍ ودَمعٍ وبَولٍ ومَنيٍّ ولَبَنٍ أوْ أخْلاطَها، لمْ تَطْلُقْ فِي جَميعِ ذلك على ما صَحَّحُوه إلا فِي "دَمُكِ طَالقٌ" فإنَّها تَطْلُقُ على المَذهبِ] 354. وإنْ طلَّقَ المعانِي وهِيَ الأعْراضُ كسَمعٍ وبصَرٍ وكلامٍ وضحكٍ وحَركةٍ وسُكونٍ وسِمَنٍ، لمْ تَطْلُقْ على المَشهورِ.
وما ذَكرُوه فِي السِّمَنِ فيه نَظرٌ؛ لِأنَّه فِي العُرفِ يُرادُ به الجُثةُ الكَبيرةُ، وحِينئِذٍ فيَظْهَرُ وُقوعُ الطَّلَاقِ.
وإذا نَوى ذلك فالوُقوعُ مُتعيَّنٌ.
[ومِمَّا لا يَقعُ به إذا طَلَّقَ صِحَّتَها، أوْ نفَسَها -بفَتحِ الفَاءِ- أوْ ظِلَّها، أو اسمَهَا، إلا أن يُريدَ بالاسْمِ المُسمَّى فتَطْلُقَ] 355. وإنْ قال: "رُوحُكِ طَالقٌ" وقعَ الطَّلَاقُ إن قلْنَا إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ، وإن قلنا

الجزء: 3 - الصفحة: 270

عَرَضٌ، فلَا، وصحَّحُوا الوُقوعَ.
ولو قال: "حياتُكِ طَالقٌ"، فإنْ أَرادَ الرُّوحَ فكمَا سَبقَ، وإنْ أَرادَ المَعنى، لمْ تَطْلُقْ كمَا تقدَّمَ.


الجزء: 3 - الصفحة: 271

فصل في الاستثناء فِي الطلاق بالمشيئة أو (1) بغيرها

الاستِثناءُ بِمشيئةِ اللَّهِ تعالى هو تَعْليقٌ، وأُطلِقَ عليه استِثْناء مجازًا مَشهورًا بالنَّظرِ إلى الثُّنيا اللُّغويةِ، وهِيَ الانعطافُ على اللَّفظِ بِلَفظٍ آخَرَ يُخرِجُ الأوَّلَ عنْ ظَاهرِ مَدلولِه، وذَكرْنَاه فِي الاستِثناءِ لِذلك، ولِكثْرَةِ (2) استِعمالِ النَّاسِ له، وقدْ تُسْتعمَلُ فيه أَداةُ (3) الاستِثناءِ (4).

ويُشترَطُ فِي إِعمالِه، وإِعمالِ كُلِّ الاستِثناءِ (5) أَمْرانِ

(6): 1 -

أحدُهما:

أَنْ يقصِدَهُ قبْلَ فَراغِ الكَلامِ على الأصَحِّ المَنصوصِ فِي356357358359360361

الثاني:

بأن يتصل بالمستثنى عنه فلو انفصل ولو بزمان يسير فلم يصح وقال ابن عباس يصح الاستثناء المنفصل وهو بعيد.
والثالث: أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام، فإن قال "أنت طالق" ثم بدا له متصلًا بالفراغ أن يقول "إن شاء اللَّه".
. قال أبو بكر الفارسي: هو باطل بالإجماع، وخالفه بعض الأصحاب، وعزا ذلك إلى الأستاذ أبي إسحاق، وقال: شرطه اتصال اللفظ، أما اقتران النية فليس بشرط، وكلام الفارسي أصح.

الجزء: 3 - الصفحة: 272

"البويطي".
ثُمَّ إنْ كانَ فِي المشيئةِ كفَى نِيَّتُها (1) قبْلَ فَراغِه منْ قولِه: "أنْتِ طَالقٌ ثلاثًا" مَثَلًا.
وإنْ كان فِي الاستِثناءِ فِي العَددِ ونَحوِه كمَنْ قال: "أنتِ طالقٌ" على نِيَّةِ الثَّلاثِ، وفَرغَ مِن "طالق" على النِّيةِ المَذكورةِ، ثُمَّ قال: "ثلاثًا" وقَصدَ استِثناءَ ثِنْتينِ أوْ واحدةً قبْلَ فَراغِه مِنْ قَولِه: "ثَلاثًا" فإنه لا يخلِّصُه على التَّحقيقِ (2). ولَمْ يتعرضُوا له، وإنما يُخَلِّصُه أن يَنْويَ الاستِثناءَ قبْلَ فَراغِه مِن قولِه: "طالقٌ".

2 -

الثانِي:

الاتصالُ 364، ولا تضرُّ 365 سكتةُ العِيِّ والتنفُّسِ والتذكُّرِ -على النَّصِّ- ولا المعطوفاتُ التي يعقُبُها الاستثناءُ على المَذهبِ المُعتمَدِ، ولا نحوُ "أَستغفِرُ اللَّهَ" قياسًا على المَنقولِ فِي الإقْرارِ، وينفردُ الاستثناءُ فِي العَدَدِ ونحوِه، بأن لا يكونَ مُسْتغرقًا كما تقدَّم فِي الإقرارِ.
فإذا قال لِزَوجتِه: "أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ" وقَصَدَ التَّعليقَ بِشَرطِهِ، لمْ يقعْ على المَذهبِ.362363

الجزء: 3 - الصفحة: 273

ومثلُه: "إنْ أَرادَ اللَّهُ"، أو: "إنْ قَضى اللَّهُ" ونحوُ ذلك 366. ولا فَرْقَ بيْنَ "إنِ الشرطيةِ" و"متى"، و"إذا" ولا بيْنَ تَقَدُّم 367 الشَّرْطِ، وتوسُّطِه وتأخُّرِه 368. ولو قال: "أنتِ طالقٌ بمشيئةِ اللَّهِ" لَمْ تَطْلُقْ، ذكَرَه الماوَرْديُّ 369، أو: "لِمشيئةِ اللَّهِ" فكذلك، وفيهما نَظرٌ، أو: "ما شاءَ اللَّهُ" فلا تَطْلُقُ على الأصحِّ، وِفاقًا للطبريِّ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" 370. وكذا يَمْنَعُ الاستثناءُ بالمَشيئةِ إعْمالَ التعليقِ واليَمينِ والنَّذرِ والعِتقِ، وكلِّ تَصرُّفٍ، ولا يَلزَمُ الإقرارُ.
وكذا الظِّهارُ على المَنصوصِ فِي "الأمِّ" 371 المَعمولِ بِه، وما وَقعَ فِي "الحاوي الصغير" 372 مِن لُزومِ الظِّهارِ خِلافُ المَذهبِ 373.

الجزء: 3 - الصفحة: 274

ولو قال: "أنتِ طالقٌ إن لَمْ يشإِ اللَّهُ" لمْ يَقعْ على الأصحِّ المَنصوصِ 374، أوْ: "إلَّا أَنْ يشاءَ اللَّهُ"، فكذلك على النَّصِّ 375 المُعتمَدِ خِلافًا لِلْعِراقِيِّينَ والبغويِّ 376. ولو قال: "يا طالقُ إنْ شاءَ اللَّهُ" لم يَقَعْ على الصَّوابِ 377، وما صُحِّحَ على 378 الوُقوعِ لا يَقومُ عليه دَليلٌ 379، وليس فِي كَلامِ الشافعيِّ ما يَقتضِيه 380. ولا يَجوزُ قَطْعُ العِصْمةِ المُعتبَرةِ ما لمْ تَثبُتْ بِدليلِ 381 مُعتبَرٍ، والذين أوْقَعُوا فِي النِّداءِ قالوا: لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا، يا طالَقُ إن شاءَ اللَّهُ"، لا = قال: فمن الأصحاب من طرد هذا في الطلاق وسائر العقود، ومنهم من فرق بأن الظهار أخبار، وتعليق الإخبار بالمشيئة لا يصح، ومنهم من سوَّى بين الإقرار والعقود، وجوَّز الاستثناء بالمشيئة في الجميع.

الجزء: 3 - الصفحة: 275

يقعُ شَيءٌ، وفيهِ وجْهٌ ضَعيفٌ رجَّحَه الرافعيُّ، ومَنْ تَبِعَه، أنَّه يَقَعُ واحدةً (1). وتَقعُ فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ إذْ شاءَ اللَّهُ"، فإنه لا تعليقَ فيه، وكذا فِي "أَنْ شاءَ اللَّهُ" بِفتحِ الهَمزةِ مِن العارفِ بأنَّ ذلك لِلتعليلِ، ولا يَقعُ مِن (2) عامِّيٍّ يَعتقِدُ أنه تَعليقٌ.
وأمَّا الاستثناءُ بِغَيرِ مَشيئةِ اللَّهِ تعالى نحو: "إنْ شاءَتِ الملائِكةُ"، فلا تَطلُقُ، وكذا "إنْ شاءَ الناسُ" أو: "الجِنُّ" أو: "إنْ شاءَ الميِّتُ" أو: "الحِمارُ" أو "الجَمادُ" (3). ويَجيءُ فِي الكُلِّ خلافُ التَعليقِ بالمُستحيلِ (4)، فإذا قال مُخاطبًا (5) لِزَوجتِه: "أنتِ طالق إنْ شِئْتِ" اعتُبِرَ الفَوْرُ في (6) قولِها: "شِئتُ" على المَذهبِ كما فِي قَبولِ العَقدِ، فإنْ فاتَ الفَورُ بَطَلَ التَّعليقُ، ولا يَقعُ بقَولِها على الفَورِ "شئتُ إن شئتَ".

ضابط

ٌ: ليس لنا تعليقٌ فِي الإثْباتِ يُعتبَرُ فيهِ الفَورُ عندَ عَدمِ التَّقييدِ بالفَورِ إلَّا فِي مَوضعَينِ: 1 - أحدُهما: "إنْ أَعطيتِني كذا، فأنتِ طالقٌ" ونحوُه على ما سَبقَ فِي382383384385386387

الجزء: 3 - الصفحة: 276

الخُلعِ مِن أجْلِ شَبَهِ 388 المُعاوَضةِ.
2 - الثانِي: "إن شئتُ" ونحوُ 389 ذلك، لأنَّه خِطابٌ لا دَلالةَ له على الزَّمانِ مُقتضاهُ عادةً 390 استِدعاءِ رغْبةٍ وجوابٍ مِن المُخاطَبِ، لأنَّه يَتضمنُ التَّخييرَ والتَّمليكَ بِدليلِ ما سيأتي فِي إن شاءتْ، وفِي الإيلاءِ.
ولو قال: "إذا شِئتِ" لَمْ يُعتبَرِ الفورُ على الأرْجحِ، وِفاقًا لِلماوَرْديِّ 391 وغيرِه، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" 392 لِدلالةِ "إذا" على الزَّمانِ.
ولَوْ قال: "متى" أو: "أيَّ وقتٍ شئتِ" فهو على التَّراخِي.
ولو قال: "حيثُ شِئتِ" فالنصُّ فِي كتابِ ابْنِ بِشرِي أنه لا يَقعُ، إن 393 قامتْ مِن مَجلسِها، وهو مُشكِل بما سَبقَ فِي "متى" و"أي وقتٍ" فإنهما يَتناولانِ الأزمنةَ المستقبَلَةَ مِن غَيرِ تَخصيصٍ، و"حيث" تتناولُ الأمكنةَ مِنْ غَيرِ تَخصيصٍ.
و"أينَ": كـ "حيثُ" و"كيفَ شِئْتِ"، تَطْلُقُ شَاءَتْ أمْ 394 لَمْ تَشأْ على الأصحِّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 277

و"على أيِّ وجْهٍ شِئتِ" تعليقٌ لا يُعتبَرُ فيه الفَورُ خِلافًا لِمَا فِي "الشرح" و"الروضة" 395. و"إنْ أحبَبْتِ" أو "رَضيتِ" كـ "إنْ شِئْتِ".
ولو قال: "إنْ شاءَتْ" لَمْ يُعتبَرْ على الأصحِّ؛ لِفَواتِ الخِطابِ المُقتضِي لاستِدْعاءِ الجَوابِ.
ولو كانتِ الزوجةُ صَغيرةً مميِّزةً فَصَحَّحَ جَماعة أنه لا أَثرَ لِمشيئتِها، ومُقتضَى نَصِّه فِي "الأمِّ" فِي الخُلْعِ يُخالِفُ ذلك، وهو الأرْجحُ.
وأمَّا المَجنونةُ وغَيْرُ 396 المَميِّزةِ فالخلافُ 397 فيهما أيضًا 398 صرَّحَ به الفورانِيُّ وغيرُه.
وللشافعيِّ نصٌّ يَقتضِي الوقوعَ بِمَشيئتِهما 399، ونصٌّ صريحٌ أنه لا يَقعُ، وهو المُعتمَدُ.
ولو قال لِغَيرِ الزَّوجةِ: "إنْ شِئْتِ فزَوْجَتِي طالقٌ" فالأرْجحُ اعتبارُ الفَورِ لِوُجودِ الخِطابِ المُقتضِي لِذلك، خِلافًا لِمَا صحَّحَه فِي "الشرح" و"الروضة" 400، فقدْ صحَّحَا فِي الإيلاءِ ما يوافِقُ ما رجَّحْناهُ مِن اعتبارِ

الجزء: 3 - الصفحة: 278

الخطابِ، وهو النصُّ فِي الإيلاءِ في (1) "واللَّهِ لا أَقْرَبُكِ إنْ شِئتِ" (2) إذ لا تَمليكَ فيه، ويَشهدُ له ما تَقدَّمَ في: "إنْ شاءَتْ".
ولو قال: "إنْ شاءَ زيدٌ" فلا يُعتبَرُ الفورُ على المَشهورِ، أو (3) "إنْ شئتُ أنا" فلا يُعتبَرُ الفَورُ قَطْعًا.
وليس لِلزَّوجِ أن يَرجعَ فيما جازَ فيه التَّراخِي، وله (4) أَنْ يَرجِعَ فِي نحوِ "إنْ شئتُ" أو "رضِيتُ" على نصٍّ فِي كتابِ ابنِ بِشرِي، والمَشهورُ: الجَزْمُ بأنَه (5) لا رُجوعَ له.


ضابط

ٌ: ليس لنا تعليقُ طلاقٍ يَجوزُ الرُّجوعُ فيه على رأي مَرجوحٍ إلا هذا، ونحو 406 "إنْ أعطيتِني كذا فأنتِ طالقٌ"، وقال المعلِّقُ بمشيئتِه "شِئتُ" بلِسانِه، وهو كارِهٌ بقَلْبِه، وقال المعلِّقُ: "أردتُ النطقَ باللِّسانِ" وقعَ الطَّلَاقُ ظاهرًا وباطنًا 407.401402403404405

الجزء: 3 - الصفحة: 279

وإن قال 408: "أردتُ ما يُعَبِّرُ 409 به اللسانُ عنْ مَيْلِ القَلْبِ"، وقعَ ظاهرًا.
وإنْ أَطلقَ فالأرْجحُ أنه لا يَقعُ باطنًا، وِفاقًا لِلْمَاورْديِّ 410 ومَنْ تَبِعَه، خِلافًا للْقَفَّالِ، وما فِي "المحرَّرِ" 411 و"المنهاجِ" 412؛ لأنَّ محلَّ المشيئةِ والإرادةِ: القلبُ، واللسانُ يُعَبِّرُ عنه، وَصَدَقَ الأجنبيُّ فِي ذلك، لأنَّ العِبارةَ 413 باللسانِ وُجِدَتْ، وما فِي القلْبِ لا يُعرَفُ إلا مِن جِهَتِه.


ولو قال: "أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا أَنْ يشاءَ أبوكِ طلقةً" فشاءَ أبُوها طلقةً، أو أكثرَ، لَمْ تَطْلُقْ على النصِّ المُعتمدِ، لأنَّ مَن شاءَ أكْثرَ فقَدْ شاءَ طلْقةً، وواحد ليستْ شَرطًا، بلْ هِيَ تعريفٌ 414. وأمَّا الاستثناءُ مِن الذي تلفظ به من الطَّلَاقِ، فيزدادُ 415 شرط أن 416 لا يستغرقَ كما تقدَّمَ فِي الإقْرارِ إلا إذا كان الاستِغراقُ فيما يَملكُه دُونَ ما تلفظَ بِه، فالعِبْرةُ بِما تلفظَ به على النَّصِّ المُعتمَدِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 280

فيقعُ مِنَ الحُرِّ في: "أنتِ طالقٌ خَمسًا إلا ثلاثًا أو سِتًّا (1) إلا أرْبعًا" ونحوُه ثِنتانِ (2). ولو قال: "أنتِ طالقٌ أرْبَعًا إلا واحدةً" وقعَ الثلاثُ، أو: "أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلا نِصفَ طَلْقةٍ" وقَعَ الثلاثُ على الصَّحيحِ (3). وسبَقَ فِي الإقْرارِ ما يُعرَفُ مِنه كَثيرٌ مِنَ الاستِثناءِ فِي الطَّلَاقِ.


* ويَصحُّ الاستِثناءُ مِن الأحوالِ والزَّمانِ والمَكانِ والنِّساءِ.

* فمِنَ الأحْوالِ: "

أنْتِ طالقٌ إلا أَنْ تَكونِي حَامِلًا"، أو: "حائضًا"، أو: "إلا أَنْ تَدخُلِي الدَّارَ"، ونحوُ ذلك.

* ومِن الزَّمانِ: "

أنتِ طالِقٌ إلا فِي هذا اليومِ"، فتَطْلُقُ إذا غَابتِ الشمسُ؛ نصَّ علَيْه.
ومِثلُه: "إلا فِي هذا الشَّهرِ الذي نَحْنُ فيهِ"، أو: "إلا فِي السَّنةِ التي نحنُ فيها"، و: "إلا فِي الشهْرِ الآتِي" ونحوُه، فلا تَطْلُقُ قَبْلَه إذا 420 لم يُرِدِ الطَّلَاقَ قَبْلَه، ولا فِيه، قلتُه تخريجًا.
ونصَّ في: "أنْتِ طالقٌ إلا أيامَ حياتي" أو: "أيامَ حياتِكِ" أنَّها لا تَطْلُقُ كقَولِه: "بَعْدَ مَوْتي" أو: "مَوْتِك".417418419

الجزء: 3 - الصفحة: 281

* ومِنَ المكانِ: "

أنتِ طالقٌ إلا فِي هذه الدَّارِ" فإذا خَرجَتْ منها طَلَقَتْ، ولو قال: "إلا فِي المكانِ الفُلانِي" وليْسَتْ فيه، فهو نَظيرُ: "إلا أَنْ تَدخلِي ذلك المكانَ" مَا لَمْ يُرِدْ تَنجيزَ الطَّلَاقِ (1)، ولو قال: "إلا فِي دَارِ الدُّنيا" فهو كقولِه: "إلا أيامَ حياتِي" أو: "حياتِكِ"؛ قلتُ ذلك كلَّه تَخْريجًا.

* ومِنَ النِّساءِ: "

زَوجاتِي طَوالِقُ إلا فُلانةً 422 " أو "أربعتكُنَّ طوَالقُ إلا فُلانةً" على المَذهبِ المُعتَمدِ و"كلُّ امرأةٍ لِي طَالقٌ إلا فُلانةً"، ولَم يكنْ له غيرُها، لا تَطْلُقُ على المَذهبِ المُعتمَدِ 423، خلافًا للقفَّالِ، وليس هذا باستثناءٍ مستغرِقٍ [لأنَّ العِبرةَ باللَّفظِ، ولا استغراقَ فيه] 424.

    • *421

الجزء: 3 - الصفحة: 282

فصل فِي تعليق الطلاق

425 التعليقُ ترتيبُ شيءٍ غَيرِ حَاصلٍ، على شَيءٍ حاصِلٍ أوْ غَيرِ حاصِلٍ، بـ "إنْ" أو إحدى أَخوَاتِها، أو ما فِي معنى ذلك 426. وأَخواتُ "إنْ": "إذَا" و"متى" و"أي" و"إذَا ما" و"أينَ" و"حيثُ" و"أنَّى" و"أيانَ" و"مَن" و"مَا" و"كلَّما" 427. وجميعُها فِي الإثباتِ للتراخِي عند الإطْلاقِ إلا فيما سبَقَ فِي "إنْ شِئتِ" و"إنْ أعطَيتِني" وجميعُها فِي النَّفي لِلْفَورِ إلا "إنْ".
ولا يَقتضِي شَيءٌ مِنها التَّكرارَ إلا "كلَّما".

الجزء: 3 - الصفحة: 283

ويُعلَّقُ بـ "مَن" فِي نحو: "مَن دخلتِ الدارَ فهي طالقٌ" ونحوه: "التي تدخلُ الدارَ فهِيَ طالقٌ".
ويُعلَّقُ 428 بـ "ما" فِي نحو: "ما دخلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ"، واستعمالُها قَليلٌ.
والظَّرْفُ والحالُ يَتأخرُ الطَّلَاقُ إلى وُجودِهما فهما مِن نَمطِ التعليقِ.
والظَّرفُ المَوصوفُ بِصفةٍ يَقعُ بِوُجودِه، ولَو بِتَبين 429 الصفةُ فِي أثْنائِه كما فِي "يَومَ يَقدَمُ زَيْدٌ"، وسيأتي.
وإذا أَتى بِأَداةِ تَعليقٍ ولَمْ يُتمَّهُ نحو "أنْتِ 430 طالقٌ إنْ.
. " وقَطَعَ 431 الكلامَ مُكرَهًا صُدِّقَ فِي إِرادةِ التَّعليقِ، ويُحَلَّفُ.
ولَو قَطَعَ الكلامَ مُختارًا معَ قَصدِ التَّعليقِ فِي "أنتِ طالقٌ" لَمْ يقَعْ، خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرحِ" و"الرَّوضةِ" 432 هنا.
ولَو أَسقطَ الفَاءَ فقال: "إن دخلتِ الدارَ أنتِ طالقٌ" فإنْ قالَ: "أردتُ التَّنجيزَ" عُمِلَ به، وإلَّا فهو تَعليقٌ.
ولو أَبدلَ الفَاءَ بالواوِ نحو "إنْ دخلتِ الدارَ، وأنتِ طالقٌ"، وقَصدَ التعليقَ عُمِلَ به، أو التنجيزَ تنجَّزَ.

الجزء: 3 - الصفحة: 284

فإنْ أطْلَقَ وقعَ -عامِّيًّا كانَ أو عارِفًا باللُّغةِ- لِأنَّ ظَاهرَه التَّنجيزُ خِلافًا لِمَا فِي "زيادة الروضةِ" 433. ولَوْ قال: "أنتِ طالقٌ وإنْ دخلتِ الدارَ" طَلَقَتْ فِي الحالِ.
ويقعُ فِي "أنتِ طالقٌ فِي شَهرِ كذا" بأوَّلِ جُزءٍ منه لِصِدْقِ الظَّرفيةِ؛ بِخلافِ التَّاجيلِ فلا يَصحُّ للاحتمالِ، وفِي أولِهِ وابتدائِهِ وغُرَّتِهِ ودُخولِهِ واستقبالِهِ ومَجيئِهِ يَقعُ بأوَّلِ جُزءٍ مِنه، وفِي أوَّلِ يَومٍ، أو فِي يومِ كذا عند طُلوعِ الفَجرِ.
ولو ادَّعَى إرادةَ وَسْطِهِ أو آخِرِهِ لَمْ يُقبَلْ ظَاهرًا على ما صُحِّحَ، وهو مُخالِفٌ لِما سَبَق فِي "أنتِ طالق ثلاثًا بعضُهُن للسُّنةِ"، ويُدَيَّنُ فِي دَعْواهُ.
وكذا لو ادَّعى أنه أراد بالغُرةِ اليومَ الثاني، أو الثالِثَ، وفِي آخِرِ شَهرِ كذا يَقعُ فِي آخِرِ جُزءٍ مِنه كما فِي آخِرِ السَّنةِ وآخِرِ الطُّهرِ، وفِي أوَّلِ 434 آخِرِ الشَّهرِ يَقعُ فِي أوَّلِ اليَومِ الآخِرِ؛ كذا نُسِبَ إلى الجُمهورِ.
ولو قيلَ: "يَقعُ فِي أوَّلِ 435 آخِرِ جُزءٍ منه" لكان قويًّا، ولَمْ يَذكرُوه.
وآخِرُ أولِ الشَّهرِ يَقعُ عِنْدَ غُروبِ الشَّمسِ فِي اليومِ الأوَّلِ؛ كذا نُسِبَ إلى الجُمهورِ.
ولَوْ قِيلَ: يَقعُ فِي آخِرِ أوَّلِ 436 جُزءٍ منه لَكانَ قَويًّا، ولَمْ يَذكرُوه.

الجزء: 3 - الصفحة: 285

وفِي سَلْخِ شَهْرِ كذا يَقعُ فِي آخِرِ جُزءٍ مِن الشَّهرِ 437 -أجابَ به الشيخُ أبو حامِدٍ، ورجَّحَه الغَزَّاليُّ.
وفِي أوَّلِ اليَومِ الأَخيرِ 438 439 قَطَعَ به البَغويُّ والمُتولي، وله وَجْهٌ مِن جِهَةِ أنه يُقالُ فِي اليَومِ سَلْخُ الشَّهرِ، لكنْ يَلزَمُ علَيه إِبطالُ الأَجلِ بِسَلْخِ الشَّهرِ 440 لاحتِمالِه ولَمْ يَذكرُوه.
والمَذهبُ المُعتمَدُ أنها لا تطْلُقُ إلا بعْدَ فَراغِ الشَّهرِ، فهُو المَفهومُ مِن السَّلْخِ والانسِلاخِ لغةً وعُرْفًا.
وقد نصَّ فِي "الأُمِّ" 441 فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ في 442 انسِلاخِ شَهْرِ كذا" أنه إذا فُقِدَ ذلك الشَّهْرُ، ورُؤيَ الهِلالُ مِن أوَّلِ لَيلةٍ مِن الشَّهرِ الذي يَليه فهِيَ طَالقٌ.
وقد يُتَخيَّلُ فَرْق بيْنَ السَّلخِ والانسِلاخِ وهو بَعيدٌ، وقد سَوَّى بيْنَهما الشَّيخُ أبو حَامدٍ والمُتَولي.
وعِندَ انتِصافِ الشَّهرِ يقَعُ إذا غَرَبَتِ الشمسُ يَوْمَ خامسَ عشرَ الشَّهرِ.
ولا أثَرَ لِظُهورِ الشَّهرِ ناقصًا؛ لأنَّه المفهومُ مِن مُطْلَقِهِ.
وإذا مَضَى يَومٌ وقَالَهُ لَيْلًا تَطْلُقُ إذا غَرَبَتِ الشَّمسُ مِن يَومِ لَيلتِه، وإنْ قالَه 443 نَهارًا لمْ تَطلُقْ حتى يَجيءَ مِثلُ ذلك الوَقتِ مِن اليومِ الثَّاني.

الجزء: 3 - الصفحة: 286

ولَوْ فُرِضَ انطِباقُ التَّعليقِ على أوَّلِ نَهارِهِ طَلَقَتْ عندَ غُروبِ شَمسِهِ؛ كذا ذَكرُوه، وهو غَيْرُ مُسلَّمٍ، بلْ هُو كالذِي قَبْلَه.
وإذا مَضَى اليومُ تَطْلُقُ إذا غَرَبَتْ شَمْسُه سواءٌ بَقِي مِنه كَثِيرٌ أو يَسيرٌ، وفِي اللَّيلِ يلْغُو التعليقُ، كذَا ذَكَرُوهُ.
وفيهِ نَظرٌ 444، وهذا إذا أَطْلقَ، فإذَا أَرادَ يَومًا مُعيَّنًا طَلقَتْ بِمُضِيِّهِ.
و"أنتِ طالقٌ بيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ" 445 إن قالَهُ نَهارًا لَمْ تَطْلُقْ مَا لَمْ تَغرُبِ الشَّمسُ 446؛ قالَه القَفَّالُ، أو ليلًا، لَمْ تَطلُقْ بِطُلوعِ الفَجرِ.
وما ذُكِرَ فِي ذلك غَيرُ مُتجهٍ، فليس لَنا زَمنٌ بَيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ، [والأقيسُ أَنْ تَطْلُقَ حَالًا، ويُلْغَى 447 قولُه "بيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ"] 448 كما لو قال: "أنتِ طالقٌ لا فِي زَمَنٍ".
وإنْ 449 أتَى بِصيغةِ تَعليقٍ كقَولِه: "إذا جاءَ بيْنَ اللَّيلِ والنَّهارِ فأنْتِ طَالقٌ" خُرِّجَ على التعليقِ بِصِفةٍ مُستحيلةٍ وسيأتِي.
ولو 450 قيل: لا يَقعُ في صورةِ القَفَّالِ كما سَبقَ فِي "أنتِ طالقٌ اليومَ"، وقالَه باللَّيلِ، لَمْ يَبعُدْ.

الجزء: 3 - الصفحة: 287

وإذا مضَى شَهْرٌ، وقالَه فِي ابتِداءِ الهِلالِ؛ طَلَقتْ بمُضِيِّ ذلك الشَّهرِ تامًّا أو 451 ناقصًا؛ كذا ذَكرُوه، وهو مَمْنوعٌ، بلْ لا تَطلُقُ إلا عند فَراغِ قَدْرِ ذلك الجُزءِ مِنَ الشَّهرِ الذي يَليه، كما إذا قالَه فِي أثْناءِ أوَّلِ لَيْلةٍ مِنه، وفِي النَّهارِ تطلُقُ فِي مِثلِه مِنَ الشَّهرِ الذي يَلِيهِ.
و"إذا مضَى الشَّهرُ" طَلَقَتْ بمُضِيِّ ما بَقِيَ مِنه.
و"إذا مَضَتْ سَنَةٌ": تَطْلُقُ 452 إذا مَضَتِ اثْنا عَشرَ شَهْرًا 453 بالأَهِلَّةِ، ويكمِّلُ المُنكسِرُ ثَلاثينَ.
ولو عَلَّقَ ذلك فِي آخِرِ يَومٍ مِن شَهرٍ، وجاءَ الشَّهرُ الثانيَ عَشرَ ناقصًا: فعلَى طَريقةِ المُطَلِّقِينَ لا تَطْلُقُ حتى بِمُضِيِّ قَدْرِ ما مَضى مِن ذلك قَبْلَ تَمامِ التعليقِ.
وعلى طَريقةِ المُحَقِّقِينَ تَطْلقُ بمُضيِّ 454 الشَّهرِ الثانيَ عَشرَ مِنْ غَيرِ تَوقُّفٍ على ما ذُكِر.


والتَّعليقُ بِصِفةٍ مُستحيلةٍ عُرْفًا: كـ "إنْ طِرْتِ" أوْ عَقلًا: كـ "إنِ اجْتمعَ السوادُ والبَياضُ" 455.

الجزء: 3 - الصفحة: 288

أو شَرْعًا: كقَولِ القَائلِ بَعْدَ وفاةِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنْ نُسِخَ شَهْرُ رَمضانَ" فإنَّها لا تَطْلُقُ 456، و"أنتِ طَالقٌ قَبْلَ مَوتِي" -بفَتحِ القَافِ وإسْكانِ البَاءِ- تَطلُقُ فِي الحالِ.
فإنْ ضَمَّ القَافَ وضَمَّ البَاءَ أو سكَّنَها أو قُبيلَ بالتَّصغيرِ، لَمْ تَطلُقْ إلَّا فِي آخِرِ جُزءٍ مِن أجزاءِ حَياتِه، كذا ذَكرُوه 457. والأرْجحُ: أنَّها تَطْلُقُ فِي الزَّمانِ الذي يَقربُ مِن المَوتِ عُرْفًا مِن غَيرِ اعْتبارِ الجُزءِ الأَخيرِ.
ولَو 458 قال: "بعْدَ قَبْلَ مَوتِي" 459، ودعَ فِي الحالِ، كذا ذَكرُوه، وظاهِرُ لَفظِه يَقتضِي أَنْ يقعَ فِي ثاني الحالِ فهُو الذِي بعْدَ القَبْلِ.
و"أنتِ طالقٌ قبْلَ ما بَعْدَ 460 رمضانَ" وأَرادَ الشَّهْرَ طَلَقَتْ فِي آخِرِ جُزءٍ مِن رَجبٍ؛ كذا ذُكِر 461. وهذا إنَّما يَصحُّ على إِرادةِ الزَّمنِ الذي يَلِيه شَعبانُ لا مُطلقِ الشَّهرِ ولا مطلقِ القَبْلِ، فإنَّ مُطْلَقَ الشَّهرِ يَقتضِي طَلاقَها فِي أوَّلِ رَجبٍ، ومُطَلَقَ 462 القَبْلِ يَقتضِي وُقوعَ الطَّلَاقِ حَالًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 289

وإنْ قالَ "ما بَعْدَ ما قَبْلَه رَمضانُ"، وأَرادَ الشَّهْرَ طَلَقَتْ باسْتِهلالِ ذِي القَعدةِ.
وفيها تَراكيبُ كَثيرةٌ لَيس هذا مَوْضعَ بَسطِها.
و"أنتِ طَالقٌ أَمْسِ"، أو"فِي الشَّهرِ المَاضِي"، [وقال: "أَردتُ إيقاعَه فِي الحالِ مُسندًا إلى المَاضِي"] 463، فالنَّصُّ أنه يَقعُ فِي الحالِ 464 465. وكذا لو قال: "أَرَدتُ إِيقاعَه فِي المَاضِي بِلفْظِي: الآنَ".
وإنْ قالَ: "أردتُ بذلك إقرارًا بما أوْقَعْتُه فِي المَاضِي فِي هذا النِّكاحِ" صُدِّق بِيَمِينِه.
وإنْ قالَ: "أَردتُ أنِّي طلَّقْتُها فِي نِكاحٍ سابقٍ" أو "إنْ غَيرِي طلَّقَها" وكان مُمْكنًا صُدِّقَ بِيَمينِه، وإنْ لَمْ يُرِدْ شيئًا وقَعَ الطَّلَاقُ فِي الحالِ.
وأَلْحقُوا بهذا ما إذا ماتَ أو جُنَّ أو خرسَ، ولمْ يفسِّرْ.
والصوابُ التوقُّفُ هُنا لاحتمالِ أَنْ يُريدَ ما لا يَقتضِي إيقاعَ طلاقٍ.
ولو قال: "أنتِ طالقٌ اليومَ إنْ لَمْ أُطلِّقْكِ اليوْمَ" فمضى اليومُ، ولَمْ يُطلِّقْها، لَمْ تَطلُقْ عندَ ابنِ سُريجٍ وغيرِه 466. وقالَ الشَّيخُ أبو حَامدٍ 467: يَقعُ فِي آخِرِ لَحظةٍ مِن اليَومِ إذا بَقِيَ زَمنٌ لا

الجزء: 3 - الصفحة: 290

يَسعُ التَّطليقَ، ورُجِّحَ، والأرْجَحُ الأوَّلُ.
ولو قالَ: "أنتِ طالقٌ اليوْمَ إذا جاءَ الغَدُ" لَمْ تَطلُقْ عند ابْنِ سُريجٍ وغيرِهِ، وهو الأصحُّ 468. ولو قال الحُرُّ: "مَتى طَلَّقتُكِ أو وَقعَ عليكِ طلاقِي فأنتِ طالق قَبْلَه ثَلاثًا"، أو مَنْ فيه رِقٌّ: "فأنتِ طَالقٌ قبْلَه طَلْقَتَينِ" أو 469 قال: "كلٌّ قبْلَ الدُّخولِ" أو: "لَمْ يَبْقَ إلا واحدةٌ فأنْتِ طَالقٌ قبْلَه" 470. فإنْ لَمْ تَمضِ لَحظةٌ تَسَعُ الحُكْمَ بالوُقوعِ بأنْ أَعْقبَ تعليقَه بالتنجيزِ وقعَ المنجَّزُ قَطْعًا.
وإنْ مَضَتْ ثُم نَجَّزَ، لَمْ يَقعْ على نصٍّ نُقِلَ، وأحدُ النَّقلَينِ عن ابْنِ سريجٍ، ورجَّحَه كثير، لا فِي تَطليقةٍ يطلُبُها فِي الإيلاءِ والحَكَمَينِ فِي الشِّقاقِ، بلْ يقعُ كما يَقعُ الفَسخُ في: "إنْ فسختُ بعتقِكِ فأنتِ طالق قبْلَه ثَلاثًا"، ولا فِي حالةِ نِسيانِ التعليقِ فيقَعُ؛ قلتُه تخريجًا.
ولَو طَلَّقَ الوَكيلُ وقعَ فِي "متى طلقتُكِ" ولا دَوْرَ.

الجزء: 3 - الصفحة: 291

والنَّقلُ الثاني عنِ ابنِ سريجٍ وصحَّحَه جمعٌ أنَّه يَقعُ المُنجَّزُ، وهو المُعتمَدُ فِي الفتوى.


وأما ما عُلِّقَ على الأفعالِ مِن إباحةٍ أوْ صِحَّةٍ كما لو قال: "إنْ وَطِئتُكِ وَطْئًا مُباحًا فأنتِ طَالقٌ قبْلَه" 471 فإنْ وَطِئَها لَمْ تَطلُقْ بِلا خلافٍ.
و"إذا لَمْ أُطَلِّقْكِ فأنْتِ طالقٌ" أو "مَتى" أو "مَهْمَا" أو "أي وقتٍ" أو "كُلَّما"، ومَضَى زمنٌ يُمكِنُ أَنْ يُطلِّقَها فترَكَه باخْتيارِه ذاكرًا تعليقَه وقعَ الطَّلَاقُ.
ويَتكرَّرُ فِي "كُلَّما" بمُضيِّ الأوْقاتِ فِي المَدخولِ بِها.
ولو قال: "إنْ لَمْ أُطَفَقْكِ فأنتِ طالقٌ" لَمْ تطلُقْ إلا باليأسِ، أو بِمَوتِ أحدِهما بعْدَ إمكانِ التَّعليقِ، وقبْلَ التَّطليقِ، فتطلُقُ قُبيلَ المَوتِ، ولَو اتصَلَ جنونُهُ 472 بالمَوتِ خِلافًا لِمَا جَزمَ به فِي "الشرح" و"الروضة" 473 مِن وُقوعِه قُبيلَ الجُنونِ تَبَعًا للإمام والغزَّاليِّ.
ولو فُسِخَ النِّكاحُ ولمْ يَحصُلْ تَجديدٌ 474 وَقعَ قَبْلَه فِي الرَّجعيِّ، وإن جُدِّدَ وَطلَّقَ بَعْدَ التَّجديدِ فقَدْ حَصلَ البُرْءُ على ما جَزمُوا به، وهو مَمنوعٌ، بلْ هُو كما لَم يُجدِّدْ، وكذا إن لَمْ يُطلِّقْ 475 فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 292

وأما التعليقُ بنفْي الضَّربِ ونحوِه: فاليأْسُ فيه بالمَوتِ، لا بالجُنونِ المُتصلِ بِه؛ كذا قالُوه، بعلَّةِ أنَّ الضربَ ونحوَه مِن المَجنونِ كالعاقِلِ، والصحيحُ: خِلافُه (1). وأمَّا لو أبانَها قبلَ الضربِ فقَدْ ذَكرُوا أنه لا يَقعُ شَيْءٌ.
والأرْجحُ وقوعُهُ قَبْلَ البَينونةِ رَجعيًّا.
و"أن" -بفتحِ الهمزةِ- للتَّعليلِ، فَتقعُ فِي الحالِ مِنْ عَارفِ ذلك (2).


* وأمَّا التعليقُ على الحَملِ وضدِّه والحَيضِ

الجزء: 3 - الصفحة: 293

يَتبينُ به الحَملُ.
وما ذَكرَه 484 عنْ نَصِّ "الإملاءِ" في: "إنْ كنتِ حاملًا، فأنتِ طالقٌ على مائةِ دينارٍ"، وهيَ حاملٌ فِي غالبِ الظَّن مِن أنَّها إذا أَعطَتْه مِائةَ دِينارٍ تطلُقُ، وله عليها مَهْرُ المِثْلِ، ليس مَعمولًا بظاهِرهِ.
والذي يَبينُ 485 به حملُها أَنْ تَلِدَه لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن حِينِ التعليقِ، هذا فِي الوَلدِ الكامِلِ.
فإن وَلدتْ مُضغةً فيها تَخطيطٌ، وكان بيْنَ وِلادتِها وبيْنَ التَعليقِ ما زادَ لَحظةً 486 على ثَمانينَ يومًا، فما دُونَها طَلَقَتْ 487. ولا اعْتِبارَ 488 فيها ولا فِي العِدَّةِ مِائة وعِشرينَ يومًا؛ لأنَّ التَّخليقَ الظاهِرَ يَكونُ بعْدَ الثَّمانينَ.
وعلى قِياسِ ما ذَكُرُوه: إذا وَضعتْ مُخلَّقةً لِدُونِ مِائةٍ وعشرينَ مِنَ التَّعليقِ، طَلَقَتْ.
وإنْ وَضَعتْ مُضغةً لمْ يَظهَرْ فيها التَّخطيطُ، لَمْ تَطلُقْ؛ على الأرْجحِ، بِخلافِ انقضاءِ العِدَّةِ، ولَمْ يَذكرُوه.

الجزء: 3 - الصفحة: 294

وإنْ وَلدَتِ الكامِلَ لِسِتَّةِ أَشهُرٍ فما فَوْقَها ودُونَ أرْبعِ سِنينَ 489 أو المُخططةَ لأكثَرَ مما ذَكرْناه، واحَتمَلَ حُدوثُ الحَملِ بعْدَ التعليقِ بِوَطءٍ حادثٍ بَعْدَه، لَمْ تَطلُقْ.
وإنْ لَمْ يَحتِملْ، فظاهرُ القَولَيْنِ فِي الكامِلِ وُقوعُ الطَّلَاقِ، وخُرِّجَتْ عليه المُضغةُ، والخِلافُ مِن أجْلِ الترتيبِ الوَضعيِّ الذي يُمْكنُ انفِكاكُه، وله نظائرُ فِي الوَصيةِ وغيرِها، بخِلافِ الترتيبِ الشرعيِّ مِن النَّسبِ ونحوِه 490، فإنَّه يُقطَعُ بِثُبوتِه 491. وإنْ ولدَتْه لِأربعِ سنينَ فأَكثرَ: لَمْ تَطلُقْ.
وعنْدَ ظُهورِ الحملِ 492 يَجتنِبُ الزَّوجُ زَوجتَه 493 وُجوبًا، وقبْلَه صحَّحُوا أنه لا يحرُمُ الاستمتاعُ، وظاهِرُ النصِّ: التحريمُ، وهو الأرْجحُ.
ويَرتفِعُ التَّحريمُ بأنْ تَحيضَ؛ نصَّ عليه، وهو الأصَحُّ.
وفِي أَثناءِ الحَيضِ له أَنْ يَستمتعَ بغَيرِ الوَطءِ، كما 494 إذا لَمْ يَكنْ تَعليقٌ، فإذا طَهُرَتْ أُبيحَ الوَطءُ بِشَرْطِه.
فإنْ لَمْ تَكنْ حاضَتْ أصْلًا فلا بُدَّ مِن ثلاثةِ أشْهُرٍ وِفاقًا للقفَّالِ، بِخلافِ الاستبراءِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 295

فإذَا مَضتْ ولَمْ يَظهَرْ حَمْلٌ فلَهُ الوَطْءُ.
وإنْ كانَتْ آيسةً لَمْ تَحتَجْ إلى الاستِبراءِ إنْ كان يبعُدُ 495 حمْلُها، كما لا يُحتاجُ إليه فِيمنْ حاضَتْ قَبْلَ التَّعليقِ، ولَمْ يَحدثْ بعدَه وَطْءٌ.
ولو علَّقَ الطَّلَاقَ على عَدمِ الحَملِ فِي صَغيرةٍ أوْ آيِسةٍ لا يَحبَلُ مِثْلَهَا طَلَقَتْ فِي الحالِ.
وأمَّا التي يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ حاملًا فيَجبُ اجتنابُها، فإنْ وَلدتْ بِحَيثُ يَتبينُ أنَها كانتْ حَاملًا عندَ التَّعليقِ: فلا طَلاقَ.
وإنْ ولدَتْه بِحيثُ يَتبيَّنُ أنَّها لَمْ تَكنْ حاملًا عِند التعليقِ: طَلقَتْ 496. وإنْ وَطِئَها بعْدَ التعليقِ، وأَتَتْ به بعد الوَطءِ لِستةِ أشْهُرٍ، فأَكْثرَ، ودُونَ أرْبعِ سِنينَ مِنَ التَّعليقِ، فالأصَحُّ أنَّها لا تَطلُقُ، لاحتِمالِ أَنْ تَكونَ حاملًا عِنْدَ التَّعليقِ.
وما صحَّحَه فِي "الروضة" 497 تَبَعًا للشرحِ مِن وُقوعِ الطَّلَاقِ مَمْنوعٌ.
وإنْ علَّقَ الطَّلَاقَ بِيَقِينِ بَراءةِ رَحِمِها مِنَ الحَملِ لَمْ تَطلُقْ بِمُضِيِّ أرْبعِ سِنينَ، ولا تَلِدُ أو تَلِدُ قبْلَ ذلك.
ويَمضِي بعْدَ الوِلادةِ سِتةُ أشْهُرٍ ولا تَلِدُ، ويكونُ ذلك فِي السِّنينَ الأرْبعِ أو تَلدُ الثاني بعْدَ السنينَ الأرْبعِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 296

ولو كان لِدُونِ سِتةِ أشْهُرٍ مِن وِلادَةِ الأوَّلِ إنْ وقعَ ذلك، ولَمْ أرَ مَنْ تَعرَّضَ لذلك.
ولَو قال: "إنْ كُنتِ حاملًا بذَكَرٍ 498 " أو: "إنْ كان فِي بَطنِكِ ذَكَر فأنْتِ طَالقٌ واحدةً"، و: "إنْ كُنتِ 499 حاملًا بأُنْثَى" أو: "إن كان فِي بَطنِكِ أُنثَى فأنتِ طالقٌ طلْقَتَينِ" فوَلدَتْ واحدًا مِنهُما بِحيثُ يَظهَرُ أنَّها كانَتْ حاملًا به وقْتَ التَّعليقِ بِتبيُّنِ وُقوعِ ما علَّقَه عليه عند التلفُّظِ بالتعليقِ.
وإنْ ولدَتْهُما تَبيَّنَ وُقوعُ الثلاثِ.
أوْ خُنثَى فَواحدةٌ يَقينًا، وتُوقَفُ الأُخرى حتى يَتبيَّنَ حالُه؛ كذا فِي "الروضة" 500 تَبَعًا للشَّرحِ فِي صُورةِ الذُّكورةِ والأُنوثةِ فيما نحن فيه، وهو يَقتضِي وُقوعَ الطَّلَاقِ عند التَّعليقِ، إمَّا معه أو عَقِبَه 501 على اختلافِ الوَجهَينِ فِي الشَّرطِ والمَشْرُوطِ.
ويَلزَمُ مِن ذلك أَنْ تَطْلُقُ وهو نُطْفةٌ، وليس ذلك بِمُعتمَدٍ، وإنما تَطلُقُ إذا ظَهَرَتِ الذُّكورةُ والأُنوثةُ لِلمَلَكِ الذي يدخُلُ إلَيْها لِحَديثِ أبي سُرَيْحَةَ 502 فِي "صحيحِ مسلم" 503 عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا مرَّتْ بالنُّطفةِ ثِنْتانِ وأربعونَ ليلةً، بَعثَ اللَّهُ عز وجل إلَيْها مَلكًا فصوَّرها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصرَها

الجزء: 3 - الصفحة: 297

ليلةً، بَعثَ اللَّهُ عز وجل إلَيْها مَلكًا فصوَّرها وخَلَقَ سَمْعَها وبَصرَها وجِلدَها ولَحْمَهَا وعِظامَهَا، ثُمَّ قال: يا ربِّ، ذَكرٌ أَمْ أُنثَى؟ فيَقضِي ربُّك ما شاءَ ويَكتبُ المَلَكُ" (1). فما ظَهَرَتِ الذُّكورةُ والأُنوثةُ للمَلَكِ إلا فِي ذلك الوَقتِ، وفِي رِوايةٍ لِمُسلمٍ 504: "أرْبعونَ أو خمسٌ وأرْبعونَ لَيلةً".


  • فإنْ قيلَ: علقَ ذلك على ما في عِلْمِ اللَّهِ تعالى.
  • قُلْنا: التعليقُ يقَعُ على ما يَظهَرُ لِلْخَلقِ، ويُعتبَرُ لِصِحَّةِ التَّعليقِ زِيادةٌ على خَمسٍ وأرْبعينَ لِأنه القَدْرُ الأكْثرُ.

وإنْ قال: "إنْ كانَ حَمْلُكِ" أوْ: "إنْ كانَ ما فِي بَطنِكِ ذَكَرًا فأنْتِ طَالقٌ طَلْقةً"، وإنْ قال: "حَملك" أو: "ما فِي بَطنِكِ أُنْثَى فأنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ 505 " فوَلدَتْ ذَكَرًا وأُنثى لمْ يقَعْ شَيْءٌ.
وإنْ وَلدَتْ ذَكرَينِ أو أُنثَيَيْنِ لَمْ يَقعْ شَيْءٌ أيضًا، وِفاقًا لِلشَّيخِ أَبي مُحمدٍ، ولِمَيلِ وَلَدِه؛ خِلافًا لِمَا صحَّحه فِي "الروضة" 506 تَبَعًا لِلشَّرحِ مِن الوُقوعِ تَبَعًا للحناطي والقاضِي الحُسينِ؛ لأنَّ انفِرادَ الحَملِ الذي فِي البَطنِ بِما ذُكِرَ (1).

الجزء: 3 - الصفحة: 298

شَرْطٌ ولَمْ تُوجَدِ الوَحدةُ.
وقولُهم: معناه: "وما فِي البَطنِ مِن هذا الجِنْسِ" 507 مَردودٌ، فإنَّ ذلك لا يَتبادرُ إلى الأَفْهامِ، فإنْ قَصَدَ المعلِّقُ ذلك عُمِلَ بِقَصدِه 508. ولو 509 قال: "إنْ ولَدْتِ فأنْتِ طالقٌ" فولَدَتْ ولدًا حيًّا أو مَيتًا ذَكَرًا أو أُنْثَى، وانفَصلَ الوَلَدُ بِتَمامِه طَلَقَتْ.
قال ابنُ كَجٍّ: لَو أَسْقطَتْ ما بانَ 510 فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ بِتَمامِه 511 طَلقَتْ، وإنْ لَمْ يَتبيَّنْ فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ بِتَمامِه لمْ تَطْلُقْ، ذكرَهُ فِي "الروضة" 512 تَبَعًا للشرحِ، ولَمْ يَتعقَّبْه.
والأرْجحُ عندي: أنَّ النظرَ فِي ذلك إلى العُرفِ، فإنْ عدُّوه وِلادةً طَلَقَتْ، وإلَّا فَلَا.
والنظرُ إلى ما يَثبُتُ 513 به أُمِّيَّةُ الوَلدِ لَه وَجْهٌ، وقدْ يُفرَّقُ بينَ التعليقِ 514 العُرفيِّ والشَّرعيِّ.
ولو قال: "إنْ وَلَدْتِ وَلدًا فأنْتِ طَالقٌ طَلقةً" و"إنْ وَلدْتِ ذَكرًا فأنْتِ

الجزء: 3 - الصفحة: 299

طَالقٌ طَلقَتَينِ"، فوَلدَتْ ذَكَرًا طَلَقَتْ ثلاثًا، لِوُجودِ الصِّفَتينِ؛ نقلَه ابْنُ بِشرِي عن الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- وجَرَى عليه أصحابُهُ.
ومَحَلُّ ذلك إذا أَطْلقَ بِحيثُ لَمْ يَقصِدْ بوَلدٍ 515 الذَّكَرَ، فإنْ قصَدَه قُبِلَ فِي الظاهرِ.
ثم إنْ قَصدَ بالتعليقِ 516 الثاني تَأكيدَ 517 ما سَبقَ كانَ كمَنْ 518 قال لِزَوجتِه: "أنتِ طَالقٌ طَلقةً، أنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ"، [وقال: "قصَدتُ بقَولِي: أنْتِ طَالقٌ طَلقتَينِ] 519، واحدةً تُؤكِّدُ الأُولى، وأُخْرَى أوْقَعْتُها" فإنه يُقبَلُ مِنه ظاهرًا على الظَّاهرِ، وحينئِذٍ فلا تَطلُقُ إلا طَلقَتينِ إذا قَصدَ التَّأكيدَ أو أطْلقَ، فإن قصدَ الاستِئنافَ وقعَ ثلاثُ 520. ولو قال: "إنْ ولَدْتِ وَلدًا، فأنْتِ طَالقٌ" أو 521 "إن ولَدْتِ ذَكَرًا فأنْتِ طالقٌ" فولَدتْ ولَدَينِ معًا فِي الأُولى، وذَكَريْنِ معًا فِي الثانيةِ، فإنَّها تَطلُقُ طَلقةً، ولَمْ يخرِّجوا هذا على 522 الخِلافِ السابقِ فِي أنَّ التَّنكيرَ هلْ يَقتضِي التَّوحيدَ، وهو فِي قولِه: "ذَكَرًا" أظْهَرُ منه فِي قولِه: "وَلَدًا".


الجزء: 3 - الصفحة: 300

* وأمَّا التعليقُ بالحيضِ:

فإذا قال لِطاهرٍ حاملٍ، أو حَائلٍ صَغيرةٍ، أو كَبيرةٍ غيرِ آيِسةٍ: "إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ" فإنَّها تَطلُقُ بِظُهورِ دَمِ الحَيضِ فِي سِنِّ الإمْكانِ؛ نصَّ عليه الشافعيُّ فِي "المختصر المنبه"، وحكاه الأصحابُ وجهًا 523. ثُمَّ إنْ نَقصَ عنْ أقَلِّ الحَيضِ، ولم يَعُدْ حتى انْقضَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِنْ وقْتِ الدَّمِ تَبيَّنَّا أنَّ الطَّلَاقَ لمْ يَقعْ، وإن قال ذلك لِحائِضٍ لَمْ تطلُقْ إلا بأوَّلِ حَيضٍ مُستقبَلٍ، كذا ذكَرُوه.
ومَحلُّ ذلك ما لمْ يُقيِّدْه بِزمانٍ لا يُمكِنُ معه حَيضٌ مستقبَلٌ؛ كما إذا قال للحائضِ: "إذا حِضْتِ غَدًا فأنْتِ طَالقٌ 524 "، فاستمرَّ حَيْضُها حتى جاء الغدُ، ورأتِ الدمَ فيه 525، فإنها تَطْلُقُ، نَصَّ عليه فِي "المختصر المنبه"، فِي بابِ الطَّلَاقِ إلى أَجَلٍ وبِصِفةٍ، فكأنه قال: "إذا استمرَّ بكِ الدَّمُ إلى أَنْ وُجِدَ فِي الغَدِ".
وإنْ قال لحاملٍ: "إنْ حِضْتِ فأنْتِ طَالقٌ" فجاءَها 526 الدَّمُ قبْلَ الطلقِ، فإنَّها تَطلُقُ؛ لأنَّ الدَّمَ الذي تَراهُ الحاملُ 527 بشَرطِه حَيْضٌ على الأصحِّ، ولا تَطلُقُ بِدمِ النِّفاسِ لأنه ليس بحَيضٍ، ولَمْ يذْكُروه.
وإنْ قال ذلك لِلآيسةِ -التي لا يُمكِنُ أَنْ تَحيضَ- لَمْ يصحَّ التعليقُ، ولَمْ يذكرُوه.

الجزء: 3 - الصفحة: 301

* وأمَّا المتحيرةُ:

إذا قال لها: "إنْ حضْتِ فأنْتِ طالقٌ"، فإنَّها لا تَطلُقُ حتى تَمضيَ مُدةٌ يُتحققُ أن فيها حَيضًا مُبتدأً، بِناءً على أنَّ كُلَّ شَهْرٍ لها يَشتمِلُ على حَيضٍ وطُهْرٍ، نَظرًا إلى الغالِبِ، ثُم يَنظرُ إلى اليَقينِ بالنِّسبةِ إلى الشَّهرِ الذي لها، وكذا المَجنونةُ التي هي كالمُتحيِّرةِ، ولَمْ يَذكرُوهُما.
وإنْ كان 528 قال: "إنْ حِضْتِ حَيضةً -بفتحِ جاء حَيضة- فأنْتِ طَالقٌ"، لمْ تَطلُقْ حتَّى تَستقبِلَ الحَيْضَ، وتَمضِيَ لها حَيضةٌ، ثُم تَطهُرَ.
. نَصَّ عليه فِي "المختصر المنبه" وشاهدُه من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تُوطَأُ حائِلٌ 529 حتَّى تَحِيضَ حَيضةً" 530.

الجزء: 3 - الصفحة: 302

[ولو انقطعَ الدمُ بعدَ 531 يومٍ ولَيلةٍ بحَبَلٍ ونحوِه وقعَ الطَّلَاقُ أيضًا.
وفِي المُتحيِّرةِ والمَجنونةِ فِي قوله: "حَيضة"] 532 إنْ كان فِي آخِرِ جُزءِ الطُّهرِ تَطلُقُ إذا انْقضَى الشَّهرُ بعدَه.
وإنْ قال ذلك فِي أثْناءِ الشَّهرِ، فمُقتضَى ما ذكرَه الشَّيخُ أبو حامدٍ وغيرُه فِي عِدَّتِها: أنَّها لا تَطْلُقُ حتى يَمضِيَ شَهْرٌ بَعْدَ الشَّهرِ الذي وقَعَ التعليقُ فِي أثْنائِه، وكان الباقِي خَمسةَ عشرَ يومًا.
وعندِي: أنَّها تَطلُقُ إذا انْقضَى نِصفُ الشَّهرِ الثاني.
وإنْ قال: "حِيضة" بكَسْرِ الحَاءِ فهُو كقَولِه: "إنْ حِضتِ".
ولو 533 قال: "إنْ حِضتِ حَيْضًا فأنْتِ طَالقٌ" فهو كقولِه: "إنْ حِضْتِ" = وأخرجه أبو داود (2157)، والدارمي (2/ 171)، والحاكم في "المستدرك" (2/ 195)، والبيهقي في "السنن" (7/ 449)، والبغوي في "شرح السنة" (2394) عن شريك، به، لم يذكر فيه أبا إسحاق السبيعي.
وسيأتي بتوسع في كتاب العدة، ويغني عنه ما رواه مسلم (139/ 1441) عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهُ أتى بامرأةٍ مُجح على باب فُسطاطٍ، فقال: "لعلهُ يُريدُ أن يُلم بها", فقالُوا: نعم، فقالمارسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لقد هممتُ أن ألعنهُ لعنًا يدخُلُ معهُ قبرهُ، كيف يُورثُهُ وهُو لا يحل لهُ؟ كيف يستخدمُهُ وهُو لا يحل لهُ؟ ".

الجزء: 3 - الصفحة: 303

ويَحتمِلُ أَنْ يُرجَّحَ أنَّها لا تَطلُقُ هُنا 534 إلا بعْدَ يَومٍ وليلةٍ لِوُجودِ حَقيقةِ الحَيضِ بذلك.
ولو قال لِزَوجتَيهِ: "إنْ حِضْتُما حَيضةً فأنتُما طَالقتانِ"، فصححَ 535 فِي "الروضةِ" 536 تَبَعًا للشرحِ أنه يُلْغَى قولُه: "حَيضة" ويُستعملُ قولُه: "إنْ حِضْتُما" فإذَا ابتدأَ بِهِما الدَّمُ طَلَقَتَا.
ونسَبَه فِي "الشرح" إلى الشَّيخِ أبي 537 حامدٍ، وهو وهْمٌ، فالذي فِي تَعليقِ الشيخِ أبي 538 حامِدٍ ذَكَرَ وجْهَينِ: 1 - أحدُهما: لا ينعقِدُ هذا التعليقُ.
2 - والثاني -وقال: إنه الصحيحُ مِن المَذهبِ-: أنَّ الطَّلَاقَ يَقعُ فِي الحالِ كالطَّلَاقِ المُجرَّدِ.
وفِي "الشرح" قالَه صاحِبُ "المهذَّبِ" 539 و"التهذيبِ".
وذلك 540 يَقتضِي أنهما رجَّحاه أو جَزَمَا به، [وليس كذلك، وإنَّما حَكَيَا

الجزء: 3 - الصفحة: 304

وجْهًا] 541، ولَمْ يُرجِّحاه.
والأصحُّ عندنا: أنَّهما إذا حاضَتْ كُلٌّ مِنهُما حَيضةً، وقَعَ عليهما الطَّلَاقُ.
وفِي "الروضة" 542 أنه احْتِمالٌ رآهُ الإمامُ، وليس كذلك، فإنَّ الإمامَ حكاه وَجهًا، وحكاهُ غَيرُه.
ويُنسَبُ أصلُه إلى المُزَنِي فِي قولِه: "إنْ ولَدْتُما ولدًا فأنتُما طالِقَتانِ" 543 ورجَّحَ جَمْعٌ إلْغاءَ هذا التَّعليقِ، ويُنسَبُ أصلُه إلى الرَّبيعِ فِي "إنْ ولدْتُما" 544. ولو قال: "أنتِ طالقٌ ما بيْنَ طُهْرَينِ" ولمْ يَنوِ شَيئًا، وَقعَ أوَّلَ ما تَرى الدَّمَ بعْدَ الطُّهرِ الذي حلَفَ فيه، وإنْ كانَتْ 545 حائضًا وقَع مكانَه، نصَّ على ذلك كلِّه فِي "المختصر المنبه".
وإذا علَّقَ طلاقَها على حَيضِها وقالتْ: "حِضتُ" وكذَّبَها الزَّوجُ صُدِّقتْ بِيَمينِها فِي حَقِّها على المَشهورِ 546، وكذا الحكمُ فيما لا يُعرفُ إلا منها، كقولِه: "إنْ أَضْمرتِ بَعضِي فأنْتِ طالقٌ" فقالتْ: "أَضْمَرْتُه".

الجزء: 3 - الصفحة: 305

ولو علَّق الطَّلَاقَ بِزِناهَا فقالتْ: "زَنيْتُ" لمْ تُصدَّقْ على الأصحِّ؛ لأنَّ مَعرفتَه مُمْكنةٌ.
ولو قال: "إنْ حِضتُما فأنتُمَا طالِقانِ" فقالتَا: "حِضْنَا"، وكذَّبَهما الزَّوجُ صُدِّقَ بيَمينِه، وإنْ صدَّقَهُما طَلقَتَا، وإن صَدَّقَ أحدَهما طَلقَتِ المُكذَّبَةُ، ولَمْ تَطلُقِ المصدَّقةُ 547 548.


الجزء: 3 - الصفحة: 306

فصل (1) في تفويض الطلاق إلى الزوجة

550 إذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المكلَّفةِ: "طلِّقي نفْسَكِ"، أو: "طلِّقي نفْسَكِ إنْ شئْتِ" فهو تمليكٌ للطلاقِ على الجَديدِ، وفِي القديمِ: توكيلٌ.
. هذِه طَريقةُ الخُراسانِيِّينَ، وعلَيْها جَرى الرَّافِعي ومَنْ تَبِعَه.
وأمَّا العِراقيونَ 551 فلَمْ يَذكرُوا هذا الخلافَ، وجَزَمُوا بالتَّمليكِ 552.549

الجزء: 3 - الصفحة: 307

ولَمْ أقِفْ على القَولِ بأنه تَوكيلٌ، وما نُسِبَ إلى الجَديدِ لا يَتأتَّى القَولُ بِظاهِرِه، فإنَّ المرأةَ لا تَملِكُ الطَّلَاقَ أصلًا، ولا يُمكِنُ أَنْ يَكونَ الطَّلَاقُ مِلْكًا للزَّوجِ وللزوجةِ 553، وجعلُوا تَطليقَها نفْسَها مُتضمنًا للقَبولِ، ولو صرَّحتْ بِقَولِها: "قبلتُ" فلا أثرَ له، وهذه أُمورٌ معضِلةٌ.
فالصوابُ فِي التعبيرِ عن ذلك أنَّه يُشبِهُ التَّمليكَ، أو يَجرِي عليه شيْءٌ مِن أحْكامِ التَّمليكِ.
ومِن جُملةِ ذلكَ اعتِبارُ الفَوْرِ كما فِي قَبولِ التمْلِيكِ، وجَعلُوا القَولَ بالتَّطليقِ ما دَامَا فِي المَجلسِ ضَعيفًا، وهو المَذْهَبُ المَنصوصُ فِي "مختصر المزني" 554، بلْ فيه ما يَقتضِي أنَّه إجْماعٌ، [ولَفظُه: "لا أعلمُ خِلافًا أنَّها إنْ طَلَّقَتْ نفْسَها قَبْلَ أَنْ يتفرَّقَا مِنَ المَجلسِ، أو يَحدُثُ قَطْعًا لذلك: أنَّ الطَّلَاقَ يَقعُ علَيْها، فيَحتمِلُ أَنْ يُقالَ لهذا المَوضعِ إجْماعٌ"] 555. ونُصوصُ الشافعيِّ ظَاهرةٌ فِي اعتِبارِ مَجلسِ الخِيارِ الذي يَنقطِعُ بالتفرُّقِ كما فِي البَيعِ، فلا يَجوزُ تركُ هذا النَّصِّ، ويؤوَّلُ بما لا يَصِحُّ.
ويُستثْنَى مِن اعتِبارِ الفَورِ ما إذا صرَّحَ بالتَّراخِي فقال: "طلِّقِي نَفْسَكِ متى شِئْتِ"، فإنَّ لها أَنْ تُطلِّقَ نَفْسَها أيَّ وقْتٍ شاءَتْ، نصَّ عليه، وجَرى عليه مَنِ = ونويا، وقع، وإن لم ينو أحدهما لم يقع، وقال أبو حنيفة: لا تعتبر نيتهما، بل تكفي الرجل، وقولها يبنى على قولها.

الجزء: 3 - الصفحة: 308

اقْتَصرَ على التَّمليكِ 556، ومَنْ أثْبتَ القَولَينِ 557. ولو قال: "وكَّلْتُكِ فِي طلاقِ نَفْسِكِ" تمَحَّضَ 558 حُكْمُ التَّوكيلِ على طَريقِ التَّصريحِ به، وفِي طَريقٍ لَهُم إِثباتُ الخِلافِ، قال القَاضي حُسَينٌ: لأنه يَشوبُه شُعبةُ التَّمليكِ، وإنْ صَرَّحَ بالتَّوكيلِ، وعلى هذا لا يَتمكَّنُ الزَّوجُ مِنْ تَوكيلِها التَّوكيلَ المَحْضَ 559. ولو قال: "ملكتُكِ طلاقَ نفسِكِ" فهو تَمليكٌ قَطْعًا على طَريقتِهم، ولَمْ أرَ مَن ذَكرَه.


ولو قال: "طلِّقي نفسَك ثلاثًا إنْ شِئتِ"، فطَلَّقَتْ نفْسَها واحدةً، وَقعَتْ 560. ولَو قال: "طلِّقِي نفْسَكِ واحدةً إنْ شِئْتِ" فطَلَّقتْ ثلاثًا، وقَعتْ واحدةً.
ولو قَدَّمَ ذِكْرَ المَشيئةِ فِي الصُّورتَينِ بأنْ قال: "طلِّقِي نفْسَكِ إنْ شِئْتِ ثلاثًا" أو قال: "طلِّقي نفْسَكِ إنْ شِئتِ واحدةً" فطَلَّقَتْ 561 في الأُولى واحدةً، وفِي الثانِيةِ ثَلاثًا 562. قال ابْنُ القاصِّ وسَائرُ الأصْحابِ: "لا يقعُ شيْءٌ", لأنَّ مَشيئةَ ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 309

صارتْ شَرْطًا فِي أصْلِ الطَّلَاقِ.
كذا فِي "الروضة" 563 تَبَعًا للشرحِ 564، وفيه: وسَاعَدَه 565 الأصْحابُ، ولَمْ يَتعقَّباهُ 566. وهُو مَرْدُودٌ، والصوابُ وُقوعُ ما أوقعَتْه، فإنَّ "ثلاثًا" فِي الأُولى و"واحدةً" فِي الثانيةِ ليستْ معمولًا لـ"شِئتِ"، وإنَّما هو مَعمولٌ لِقَولِه: "طَلِّقِي" فإنَّ مَفعولَ الإشاءةِ 567 يُحذَفُ غالبًا، والحَمْلُ على الأغْلبِ هو المُعتمَدُ، وما قدَّرُوه فِي ذلك رَكيكٌ بَعيدٌ، والمَفهومُ المُتعارَفُ أنه لا فَرْقَ بيْنَ تَقديمِ المَشيئةِ وتَأخيرِها 568.


وصِيغةُ طَلاقِها لِنَفْسِها: "طَلَّقْتُ نفْسِي".
فإنْ قالتْ: "طلقْتُكَ"، فهُو كِنايةٌ يَحتاجُ إلى نِيَّةِ الطَّلَاق، ولو قالتْ: "أبنْتُ نفْسِي" ونَوَتْ؛ وَقَع.
وليس للمفوَّضِ إليها طَلاقُ نفْسِها إنْ تَعَلَّقَ طَلاقُها, ولَو فَوَّضَ إلَيْها التَعليقَ، كذا قالُوه، والأصحُّ صِحتُه فيما ليس بِحَلِفٍ، وقدْ سَبقَ فِي الوَكالةِ.

الجزء: 3 - الصفحة: 310

وأمَّا التَّخييرُ 569 فلَه شركةٌ مَع التَّمليكِ فنَذْكُرُه عَقِيبَه، فإذا قال المكلَّفُ لِزَوجتِه المُكلَّفةِ: "اختارِي نَفْسَكِ" ونَوى تَفويضَ الطَّلَاق إليها فقالَتْ: "اخْترْتُ نَفْسِي" ونَوتْ طَلاقَها، وقَعتْ علَيها طَلقةٌ رَجعيةٌ، إلا إذا كان هُناكَ ما يَحصُلُ به البَينونةُ.
ولو قال لها: "اخْتارِي"، ولَمْ يَقُلْ "نفسَكِ"، ونَوى تفويضَ الطلاقِ 570 إليها فقالتْ: "اخْتَرْتُ" ففِي "التَّهذيبِ": لا يَقعُ الطَّلَاقُ حتَّى تَقولَ: "اختَرْتُ نفْسِي"، ويُشعِرُ 571 كلامُه بأنَّه لا يَقَعُ، وإنْ نَوَتْ كذا فِي "الروضة" 572 تَبَعًا للشرحِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يُخالفُه، وهو قولُه: "لو 573 قال رَجُلٌ لامرأتِه: اختارِي" لا يكونُ طَلاقًا [إلا أَنْ يُريدَه] 574؛ لأنَّه يَحتمِلُ 575 اختارِي مالًا، وقال: ليس الخِيارُ بِطلَاقٍ حتى تُطلِّقَ المُخيَّرةُ نفْسَها؛ ذكَرَه فِي "المختصر المنبه".
وفيه: أنَّ قولَها: "اخترْتُ" مع نِيَّةِ الطَّلَاقِ كافٍ فِي وُقوعِ الطَّلَاقِ، وهذا هو المُعتمَدُ.
وقدْ ذكرَ فِي "الروضة" 576 تَبَعًا للشرحِ عن إسماعيلَ البوشنجيِّ أنها إذا

الجزء: 3 - الصفحة: 311

قالتْ: "اختَرْتُ" ثمَّ (1) قالتْ بعد ذلك "أردتُ اختَرْتُ نَفْسِي" أنه يُقبَلُ قَولُها (2)، يعني: بِيَمِينِها وتَطْلُقُ.
ولو (3) قالتْ: "اختَرْتُ زَوجِي أو النكاحَ" لمْ تَطْلُقْ.
وإنْ قالَتْ: "اختَرتُ الأزْواجَ"، أو: "اختَرتُ (4) أبَويَّ"، أو أخِي أو عمِّي؛ طَلَقَتْ على الأصحِّ، ولَمْ يذكروا نِيَّتَها لطلاقِ نفْسِها.
والقِياسُ: أنَّه لا بدَّ مِن نِيَّتِها لذلك، ولا يَختصُّ ذلك بَلْ يَأْتي فِي الخَالِ وغيرِه مِنَ الأقارِبِ، بلْ يأتِي فِي الأَجانبِ أيضًا إذا كانتْ تَسْكنُ قبْلَ نِكاحِها عند مَنْ ذَكَرَتْ، ونيَّةُ الطَّلَاقِ لابُدَّ مِنها.
وإذا (5) اختلفَا فِي النِّيةِ فادَّعتْها وأنْكرَها الزَّوجُ، أو بالعكسِ، فالقَولُ قولُ مَن أَخبَرَ عن ضَميرِه بِيَمينِه.

* ونَختِمُ كتابَ الطَّلَاقِ بثلاثةِ أنْواعٍ:

* أحدُها:

شيْءٌ يُذكَرُ فِي ظَرفِ زَمانٍ مِن يَومٍ وغيرِه مِن صِفةٍ مُتجدِّدةٍ فيه، تَطْلُقُ بِه، وليس بتَعليقٍ، وهو إذا قال: "أنْتِ طالقٌ فِي اليومِ الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ ثلاثًا"، فبانَتْ منه فِي صَبيحةِ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ، فقدْ ذكَرُوا ما يَقتضِي 582 بُطلانَ البَينونةِ.577578579580581

الجزء: 3 - الصفحة: 312

وكذا لو قال لِلْعبدِ: "أنتَ حُرٌّ فِي اليومِ الذي يَقدَمُ فيه زَيْدٌ" فبَاعَه صَبيحةَ ذلك اليومِ، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ بعْدَ لُزومِ البَيعِ، فإنه يَتبينُ (1) بُطلانُ البَيعِ لِتَبيُّنِ حُريتِه قبْلَ البَيعِ لِقُدومِ زَيدٍ فِي أَثْناءِ ذلك اليومِ.
ولو ماتَ الزَّوجُ أوْ ماتَتْ هِي فِي بَعْضِ اليَومِ ثُمَّ قَدِمَ فِي بَقيةِ ذلك اليومِ، فلا (2) تَوارُثَ بَينهُما إنْ كان الطَّلَاقُ بَائنًا، وكلُّ ذلك مفرَّعٌ على ما صحَّحُوه فيمَنْ نَذرَ أَنْ يَصومَ اليومَ (3) الذي يَقْدَمُ فيه زَيدٌ، فقَدِمَ نَهارًا، والناذِرُ مُفطِرٌ، فإنه يَلزَمُه أَنْ يَصومَ يومًا عنْ نَذْرِه، ويَلزَمُه ذلك مِن أوَّلِ اليومِ وكذا حُكْمُ (4) الأُسبوعِ والشَّهرِ والسَّنَةِ.


* النوعُ الثاني:

شَيْءٌ صُورتُه تعليقٌ، ولكنْ قَرينةُ المُجازاةِ مع النِّيةِ تَصرِفُه إلى التَّنجيزِ كما إذا قالتْ لِزَوجِها: "يا خَسيسُ"، فقال: "إنْ كنتُ كذلك فأنتِ طالقٌ" فإنه قصَدَ إسماعَها الطَّلَاق كما أسْمعَتْه المَكروهَ، تَطْلُقُ وإنْ لَمْ يُوجدُ فيه تلك الصِّفةُ، وأما إذا قصَدَ التَّعليقَ أوْ أَطلَقَ فلا يَتَنَجَّزُ شَيْءٌ، وفِي الإطلاقِ 587 وجْهٌ له قُوَّةٌ.

    • *583584585586

الجزء: 3 - الصفحة: 313

* النوعُ الثالثُ

(1): الصادِرُ مِنَ الجاهِلِ والنَّاسِي (2) والمُكرَهِ مِن الزَّوجِ أو الزَّوجةِ أو الأجنبيِّ على ما سيُذْكَرُ مما يُخالِفُ الحَلِفَ لا يَقتضِي الحِنْثَ ولا انحلالَ الحَلِفِ على الأصحِّ فيهما.
فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعَلَه ناسيًا لِلْحلِفِ، أو جاهلًا، كما إذا قال: "إنْ كلمتُ زيدًا فزوْجَتِي طالقٌ" ففعَلَه ناسيًا للحَلِفِ، فكَلَّمه، وهو جاهِلٌ بأنه زَيدٌ، فإنه لا يَقعُ الطَّلَاقُ على الأصحِّ.
ويُستثْنَى مِن ذلك ما إذا قال: "إنْ فعلتُ كذا عامِدًا أوْ ناسيًا فزَوْجتِي طالقٌ" ففعلَه ناسيًا؛ نقَلَ القاضِي الحُسينُ أنه يَحنَثُ بِلا خِلافٍ.
وهذا عِندنَا مَمْنوعٌ؛ لأنَّ النِّسيانَ لا يُمكِنُ الحلِفُ على الامْتِناعِ منه؛ لأنَّ الحَلِفَ ما يَحصُلُ به (3) حَثٌّ أو مَنْعٌ أو تَحقِيقُ خَبر وليس شَيْءٌ مِن ذلك مَوْجودًا (4) فِي هذِه الصُّورةِ، وهكذا لو [قال: "إن] (5) فعلتُ كذا -عالمًا أو جَاهلًا- فزَوجَتِي طالِقٌ".


* وأمَّا المُكرَهُ فلا يَحنَثُ أيضًا على الأصحِّ.

فإذا قال: "إنْ فعلتُ كذا -باخْتيارِي أوْ مُكرَهًا- فزَوْجَتِي طَالقٌ" ففعلَه588589590591592

الجزء: 3 - الصفحة: 314

مُكرَهًا، فمُقتضَى ما سبقَ فِي الناسِي أنه يَحنَثُ بلْ أَوْلى؛ لأنَّه عالِمٌ بِحَلِفِه وكان يُمكنُه ألا يَفعلَه ويَحتمِلُ أن لا يَحنَثَ؛ لأنَّ فِعْلَه كَلَا فِعْلَ، وهو الأرْجَحُ.
وأمَّا الزوجةُ فإذا وُجِدَ منها مُخالفةُ الحَلِفِ باختيارِها عَمْدًا مع العِلْمِ، فإنه يقَعُ الحِنثُ، وإن كانَتْ ناسيةً لِلْحَلِفِ فلا حِنْثَ 593، وكذا إنْ كانتْ جاهلةً أو مُكرَهةً وسواءٌ أَشَعرتْ بالحَلِفِ أم 594 لَمْ تَشعُرْ، واشتراطُ الشُّعورِ ضَعيفٌ.
وأمَّا غَيرُ الزَّوجينِ فإن كان يُبالِي بالحَلِفِ 595 بِحيثُ يَمتثِلُ أَمْرَه، ويُراعِي خَاطِرَه، فإنَّه إذا خَالفَ الحَلِفَ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرهًا، فلا حِنثَ على الحالِفِ أيضًا 596 على الأصحِّ، ولا 597 يُشترَطُ الشُّعورُ هنا أيضًا.
وأمَّا الأجنبيُّ الذي لا يُبالِي بالحالِفِ، فإنه يَحنَثُ الحالِفُ بمُخالفةِ الأجنَبيِّ لِلْحلِفِ ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا، والأرْجحُ فِي المُكرَه 598 أنه لا يَحنَثُ الحالِفُ، خِلافًا لِمَنْ رَجَّح خِلافَ ذلك؛ لأنَّ فِعْلَه كالعدَمِ.
ولو علَّقَ بِدُخولِ طِفْلٍ أو بَهيمةٍ أوْ سنَّورٍ فدخَلَ وَقعَ الطَّلَاقُ، قال الحناطي: ويُحتملُ المَنعُ.
وعندَ تَمحُّضِ التَّعليقِ فِي غيرِ ذلك مما قَدَّمْناهُ يَقعُ عنْدَ وُجودِ الصِّفةِ، ولا يَمنعُ مِن ذلك نسيانٌ ولا جهْلٌ ولا إكراهٌ، ويحتملُ المَنع.

الجزء: 3 - الصفحة: 315

وأمَّا جَهْلُ الحُكمِ فَلا يَمنعُ مِن الحِنثِ للتَّقصيرِ بِتَركِ السُّؤالِ.
سلَّمَنَا اللَّهُ مِنْ آفةِ التَّقصيرِ، وأَصْلحَ عاقِبتَنا فيمَا إليه نَصيرُ، واللَّهُ أَعلَمُ.


الجزء: 3 - الصفحة: 316

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 39 فصل
فصول التدريب في الفقه الشافعي
المقدمةمقدمة التحقيقكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الحجكتاب البيعكتاب الفرائضكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب (1) الخلعكتاب الطلاق
فصل في صرائح الطلاق وكناياتهوحُكمُ الصريحِ:* وأما الكِناياتُ* وضابطُ الكناياتِ:* ومِن الكناياتِ: "ضابطقاعدةوقدِ استُثنِي مِنَ القاعدةِ مَواضِعُ:ضابطفصل في الطلاق المنجز على صفات من تكرار وغيرهومِن الصفاتِ: طلاقُ السُّنةِ والبِدعةِ، ونحو ذلك.* والمَنصوصُ، وهو المَشهورُ: انقسامُ الطَّلاَقِ (3) ثلاثةَ أقْسامٍ:* فالسُّنيُّ* والبِدعيُّ المحرَّمُ* والقِسمُ الثالثُ الذي لا يُوصَفُ بسُنَّة ولا بِدعةٍ* واقتصَرُ الأصْحابُ على هؤلاءِ الأرْبعِ، وزدتُ ثلاثًا لا سُنَّةَ فِي طلاقِهِنَّ ولا بدعةَوالفُسوخُ كلُّها لا سنةَ فيها ولا بِدعة، إلا:فصل في الاستثناء فِي الطلاق بالمشيئة أو (1) بغيرهاويُشترَطُ فِي إِعمالِه، وإِعمالِ كُلِّ الاستِثناءِ (5) أَمْرانِأحدُهما:الثاني:الثانِي:ضابطضابط* ويَصحُّ الاستِثناءُ مِن الأحوالِ والزَّمانِ والمَكانِ والنِّساءِ.* فمِنَ الأحْوالِ: "* ومِن الزَّمانِ: "* ومِنَ المكانِ: "* ومِنَ النِّساءِ: "فصل فِي تعليق الطلاق* وأمَّا التعليقُ على الحَملِ وضدِّه والحَيضِ* وأمَّا التعليقُ بالحيضِ:* وأمَّا المتحيرةُ:فصل (1) في تفويض الطلاق إلى الزوجة* ونَختِمُ كتابَ الطَّلَاقِ بثلاثةِ أنْواعٍ:* أحدُها:* النوعُ الثاني:* النوعُ الثالثُ* وأمَّا المُكرَهُ فلا يَحنَثُ أيضًا على الأصحِّ.
كتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الرضاعكتاب الجناياتكتاب الدياتكتاب اللغةكتاب الرِّدَّةِكتاب الزناكتابُ الصيال وضمان الولاةكتابِ الجهادِ،كتاب الجهادكتاب الأمانكتابُ الصيدِ والذبائحكتابُ الأضحيةِكتابُ الأطعمةِكتاب المسابقةِ والمناضلةِكتابُ الأيمانكتابُ النذركتابُ القضاءِكتابُ الشهاداتكتابُ الدَّعوَى والبيناتِكتابُ العتقكتابُ التدبيركتاب الكتابة
جارٍ التحميل