كتاب الديات
1
هي جمعُ ديةٍ، وأصلُها وَدْيةٌ، فالهاء عوضٌ من الواوِ، وهي مشتقةٌ من الودي، وهو دفعُ الديةِ كالزِّنةِ من الوزنِ، يقول: وديتُ القتيلَ ودْيًا وديةً، أعطيتُ دِيَتَهُ، واتديتُ إذا أخذتُ ديتَهُ.
والديةُ مصدرٌ واسمٌ للمالِ المأخوذِ عن النفسِ الحرةِ المقتولةِ، وأطرافِها المجنيِّ عليها، هذَا هوَ المدلولُ اللغويُّ.
وهي في الشرعِ كذلكَ مع اعتدادِ أَنْ يكونَ تلكَ النفسُ وأطرافُها مضمونةً
الجزء: 4 - الصفحة: 91
على الجاني، واختُصَّ ما يجبُ في الجنينِ باسم الغرَّةِ وما يجبُ في العبدِ وأطرافِهِ بالقيمةِ.
والأصلُ فيها من الكتابِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الآية.
ومن السُّنَّةِ ما رواهُ النسائيُّ والحاكمُ وابنُ حبَّانَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كتبَ لعمرِو بنِ حزمٍ كتابًا إلى أهلِ اليمنِ فيهِ ذكر الفرائضِ والدياتِ 2.
والإجماعُ منعقدٌ على تعلُّق الديةِ بالقتلِ، يجبُ في قتلِ الحرِّ المستقرّ حريتُهُ، المسلم بنفسِهِ أو بالتبعيةِ، الذكرُ المضمونُ مائةٌ من الإبل مثلثةٌ في العمدِ، إذا لم يكنْ في قاتلِهِ رقٌّ، فإنْ كانَ رقيقا أو مبغَضًا لم يكنْ في قتلِ الحرِّ المسلمِ حينئذٍ مائةٌ من الإبلِ، بل الواجبُ إذا قتلهُ رقيقٌ لغيرهِ أقل الأمرينِ من قيمةِ الرقيقِ، والديةُ على أظهرِ القولينِ وكذا مكاتبُ غيرِه ومكاتبُ نفسهِ فإذا كانت القيمةُ أقلُّ من الديةِ لم تجبِ الديةُ.
وأمَّا المبعضُ المملوكُ باقِيهِ لغير القتيل وأنه يجب على المبعض لجهة الحرية القدر الَّذي يناسب الحريةُ من نصفٍ أو ثلثٍ، وأما القدرُ الرقيقُ فيتعلقُ بهِ بقدرِةِ أقلُ الأمرينِ من الحصةِ من الديةِ، والحصة من القيمةِ، فإذا كانت الحصةُ من القيمةِ أقلَّ فَهوَ الواجبُ، وأما إذا كانَ القاتلُ عبدَ القتيلِ، فلا يجبُ عليه شيءٌ منَ المالِ، ولا يتعلقُ بهِ، ولو كان مرهونًا على الأظهرِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 92
ولو أنَّ إنسانًا أعتقَ في مرضِ موتِهِ عبدًا، ثمَّ إنَّ المريضَ قتلَ العتيقَ ثم ماتَ المريضُ، ولو أوجبنا دية القتيلِ فَخَرج عنْ أن يُعتقَ شيءٌ منه، فههنا لا تجبُ الديةُ للدَّوْرِ، فيخرجُ بذلكَ من أن يكونَ مضمونًا على المريضِ في هذهِ الحالةِ.
وكلُّ من لم يكنْ مضمونًا على قاتلِهِ لا ضمانَ عليهِ، كالباغي إذا قتلَ العادلَ فِيِ حالِ القتالِ كالذي له شوكةٌ بلا تأويل، والمُرتدون الذينَ لهم شوكة كا لك على ما رَجَّحَهُ بعضهم خِلافًا للبغويِّ.
وقولُنا "المستقرُّ حريُتُه": أخرجنا به من حُكِمَ بحريتِهِ ظاهرًا كالعتيقٍ في مرضِ الموتِ، فإنه محكوم بحريته الآنَ ظاهرًا.
وإذا قتلَهُ قاتلٌ بعدَ موتِ السيدِ، ثم لم يحصلْ عتقُ شيءٍ منه لوجودِ الدَّيْنِ وعدمِ الإجازةِ من أصحابِ الديونِ، أو لم يحصُلْ عتقَ كله لعدمِ إجازةِ الوارثِ في الزائدِ على الثلثِ ونحو ذلك، أو قتل قبلَ موتِ السيدِ، وفرَّعنا على أن العتيق في المرضِ إذا لم يملك غيره إذا مات قبل موتِ المعتِقِ يكونُ رقيقًا أو مبعضًا، فلا تجبُ الديةُ في هذه الأحوالِ.
فإن قلنا: "يموت حرًّا كلُّهُ" تكمَّلتْ فيه الديةُ.
واللقيطُ محكومٌ بحريتهِ بمقتضَى الظاهرِ، فإذا قتلَهُ قاتلٌ وآل الحالُ إلى المالِ وجبت عليه الديةُ الكاملةُ على المذهبِ.
وقولنا: "الذَّكرُ": يخرجُ به الأنثى والخنثى، وسيأتي ذكرُهما.
وقولنا: "المضمون": أخرجنا غيرَ المضمونِ، وقد سبقَ.
وقولنا: "مثلثة في العمد": أردنا به حيثُ لم يجبِ القصاصُ ووجبَ
الجزء: 4 - الصفحة: 93
المالُ، أو سقطَ ووجبَ المالُ، ولا يختصُّ التثليثُ بالنفسِ بل الأطراف يأتي فيها عندَ العمدِ المحض.
. . 3 القصاص التثليثُ نصَّ عليه الشافعيُّ في "الأم"، و"مختصر المزني"، واتفق عليه الأصحاب.
والتثليثُ ثلاثون حقةً وثلاثون جذعةً وأربعون خَلِفةً، يعني حاملًا، هذا في العمدِ، فأمَّا في الخطأ فتكونُ مخمسةً على العاقلةِ، عشرونَ بنتُ مخاضٍ، وعشرون ابنَ مخاضٍ، كما هو المختارُ على أصلِ الشافعيِّ في ذلك أن التخميسَ ببني المخاض موضعُ بني اللَّبُون، ثم بعدها عشرون بنت لبون، وعشرون حقةً، وعشرون جذعةً، إلَّا أن يقعَ القتلُ الخطأ في حرمِ مكةَ، سواء أكانا فيه أو كانَ أحدُهُما فيه والآخرُ خارجُهُ، كجزاءِ الصيدِ، فتثليثُ الديةِ على العاقلةِ، ويلتحقُ بذلك ما إذا جرحَهُ والمجروحُ في الحرم، فخرجَ المجروحُ إلى الحلِّ وماتَ، وكذلك تثليثُ الديةِ على العاقلةِ إذَا وقعَ القتلُ الخطأُ في الأشهرِ الحرمِ، وهي: ذو القعدةِ وذو الحجةِ ومحرمُ ورجب، أو قتلَ خطأً ذا رحمٍ.
وإن لم يكنْ مُحْرِمًا كما نصَّ عليهِ الشافعيُّ في "الأمِّ" 4 حيثُ قالَ: (وَتَغْلِيظُ الدِّيَةِ في الْعَمْدِ وَالْعَمْدِ الْخَطَأِ وَالْقَتْلِ في الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَقَتْلِ ذِي الرَّحِمِ كَمَا تَقَدَّمَ في الْعَمْدِ غَيْرِ الْخَطَأِ لَا تَخْتَلِفُ).
انتهى.
وهذا هو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا للمحرر.
الجزء: 4 - الصفحة: 94
وإذا وجبتْ على العاقلةِ ديةُ الخطأِ مخمسةً 5 أو مثلثةً كما تقدَّم فتجبُ عليهم مؤجلةً.
وإذا كانَ القتلُ عمدًا فالواجبُ الديةُ المثلثةُ، وتكونُ على الجاني معجَّلةً، وفِي شبهِ العمدِ تجبُ الديةُ المثلثةُ لكن على عاقلةِ الجاني مؤجَّلة.
ولا يؤخذُ في الديةِ مريضٌ ولا معيبٌ إلَّا أن يرضى المستحقُّ ويرجعُ في الخلفاتِ إلى قولِ أهلِ الخبرةِ، إنْ أنكرَ المستحقُّ، وأصحُّ القولينِ أن التي حملتْ قبلَ خمسِ سنين تجزئُ.
ومن لزمتهُ الديةُ من العاقلةِ أو الجاني إنْ لم يملكْ إبلًا لزمهُ تحصيلها من غالبِ إبل، البلدةِ أو القبيلةِ إن كانَ من أهلِ الباديةِ.
وإن لم يكن في البلدةِ أو القبيلة إبلٌ اعتبرَ إبلُ أقربِ البلادِ إلى بلد القاتلِ، إذا قرُبتِ، المسافةُ، ولم تعظُمْ مؤنْةُ النقل، فإنْ بعدتْ وعظمتِ المؤنةُ والمشقةُ لم يلزمْهُ، وسقطتِ المطالبةُ بالإبلِ، فذاكَ وإلَّا فالمنصوصُ وهوَ الذِي أورده أكثرُ الأصحابِ أنَّ الديةَ تؤخذُ من الصنفِ الذِي يملكُهُ المستحقُّ عليه.
وإذا تعيَّنَ نوعٌ فلا يعدل إلى غيره إلَّا بالتراضي، نظرًا إلى أن هذا استيفاء بصفةٍ زائدةٍ لا معاوضةَ.
وإذا لم توجدِ الإبلُ هناك نَقَل الأصحاب عن القديمِ: أنَّ الرجوعَ إلى ألفِ دينارٍ أو اثني عشرَ ألفَ درهمٍ، والذِي نقلهُ المزنيُّ عنِ القديمِ ليسَ فيهِ التصريحُ بذلكَ، وأنَّ كلامَهُ يشعرُ به لذكره صورةَ الإعوازِ أولًا، وساقَ فيها
الجزء: 4 - الصفحة: 95
الجديدَ، ثم ذكرَ القديمَ.
قالَ شيخُنا: وقد وقعَ في خاطرِي من كلامِ المزني ما يقتضي أن القديمَ يوجبُ ما ذُكرَ منْ غيرِ نظرٍ إلى إعوازٍ ونحوِهِ، فإنَّ المزنِيُّ قال: (وَقَوْلُهُ الْقَدِيمُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَرُجُوعُهُ عَنْ الْقَدِيمِ رَغْبَةٌ عَنْهُ إلَى الْجَدِيدِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ) 6، فكانَ نقلُ المزنيِّ يقتضي أن القديمَ مقتضاهُ التيسرُ، فعلى أهلِ الذهبِ ذهبٌ، وعلى أهلِ الورقِ ورقٌ من غيرِ اعتبارِ العجزِ عن الإبلِ.
انتهى.
والجديدُ أنَّه يرجَعُ إلى قيمةِ الإبلِ بالغةً ما بلغت، وتقوَّمُ بغالبِ نقدِ بلد العدم، إما العدمُ الحسيِّ، أو وجدَها تُباعُ بأكثرَ من ثمن المثلِ في بلدِهِ أو في بلدٍ قريبٍ من البلد أو في أقربِ البلادِ إلى بلدِه، ففِي هذه الصورِ يعدلُ 7 إلى القيمةِ، أمَّا إذا وجدَ النوعَ الغالبَ في البلدِ يباعُ في بلدٍ قريبٍ من البلدِ بثمنِ المثلِ فإنَّه تجبُ عليهِ الإبلُ من النوعِ الغالبِ في البلدِ حينئذٍ، ولا يعدلُ إلى القيمةِ.
وإذا وجدَ بعض الإبلِ الواجبة أخذ الموجودَ وقيمةَ الباقي.
وديةُ المرأةِ على النصفِ من ديةِ الرَّجلِ 8، وكذا ديةُ أطرافِها وجراحاتها على النصفِ من ديةِ أطرافِ الرجلِ وجراحاته.
والخنثى المشكلُ كالمرأةِ.
وديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ الثابت له ذلكَ بطريقِهِ ثلثُ ديةِ المسلمِ، وهي
الجزء: 4 - الصفحة: 96
من الإبلِ ثلاثةٌ وثلاثونَ وثلثٌ (1).
وديةُ المجوسي ثلثا عشْرِ ديةِ المسلم، وهي من الإبلِ ستةٌ وثُلُثَانِ.
ودية الوثنيِّ الَّذي لهُ أمانٌ كديةِ المجوسي، ويتصور له عقدُ ذمةٍ، كأن يكون أحد أبويه وثنيًّا فإنه يُقرُّ بالجزية على الأصحِّ، وما وقعَ في "الروضةِ" تبعًا لأصلِه من أنَّ الوثنيَّ لا يتصورُ لهُ عقد ذمةٍ ممنوعٌ، فقد تُصُورَ ثبوتُ عقدِ الذِّمةِ للوثنيِّ والنصرانيِّ من لم يبلغهُ الدعوةُ من هؤلاء إن كان متمسكًا بدينٍ لم يبدَّلْ وجبت فيه ديةُ ذميٍّ من جنسه، وفِي وجهٍ أو قولٍ: ديةُ مسلمٍ.
وإن تمسكَ بالمحرفِ فكذميٍّ من جنسه على ظاهرِ النصِّ.
وقيل: كمجوسيٍّ، وقيل: لا شيءَ.
وإن لم يبلغه دعوةَ نبيٍّ وهو وثنيٌّ فكمجوسيٍّ، ويحتملُ: لا شيءَ.
فصل
فِي موضحةِ الرأسِ أو الوجهِ للحرِّ نصفُ عشرِ ديته 10، سواء كانتْ موضحةً على الهامةِ أو الناصيةِ والقُذال، وهو جماع مؤخرِ الرأسِ، أو الخُشّاءُ -بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة المشددة وبعدها همزةٌ ممدودةٌ- وهوَ العظمُ الَّذي خلفَ الأذنِ، أو منحدرِ القَمْحدُوةَ إلى الرقبة، وهي ما خلفَ الرأسِ.
وذُكِرَ في العظم الواصل بين عمود الرقبة وكرة الرأس وجه أنَّه ليس محلًّا9
الجزء: 4 - الصفحة: 97
للموضحةِ، كالرقبة، ويُشبِهُ أن تكونَ هي المنحدرَ المذكورَ أو تكونَ منه.
وأما الوجهُ والجبهةُ منه والجَبِينانِ والخدانِ وقصبةُ الأنفِ واللَّحْيانِ كلُّها محل الإيضاح سواءٌ المقبلُ من اللحيين الَّذي يقعُ به الواجهةُ وما تحت المقبل من اللحيين الخارجِ عن حدِّ المغسولِ في الوضوءِ، وهوَ من موضحة الوجِهِ وليسَ منَ المغسولِ.
واعلمْ أنَّ موضعَ الأذنين ليسَ من الرأسِ ولا من الوجهِ، ولو أزالَ الأذنين وأوضحَ مع ذلكَ العظم الَّذي تحتَ أطرافِ الأذنين، فإنَّهُ يجبُ مع ذلكَ أرشُ موضحتينِ.
ويجبُ في الهاشمةِ مع الإيضاحِ عشرُ ديتهِ، وإن كانتْ دونَ الإيضاحِ ففيها نصفُ عشرِ ديتهِ، وفِي المنقلةِ عشرُ الديةِ ونصفُ العشرِ، وفِي المأمومةِ ثلثُ الديةِ 11.
وإذا أوضح واحدٌ وهشم آخرُ ونقل ثالثٌ وأمَّ رابعٌ فعلى كلٍّ من الثلاثة نصفُ عشرِ ديته، وعلى الرابعِ تتمةُ الثلثِ تغليظُهُا وتخفيفها، وما يعتبرُ في ذلكَ 12.
ومحلُّ وجوب نصف عشرِ ديةِ الأولُ، وهو الَّذي أوضحَ إذا اقتصرَ المستحقُّ على طلبِ ذلكَ ولم يطلبِ القصاصُ، فلو أراد القصاصَ وأخذَ الأرشَ من الباقينَ مُكِّن منه على النصِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 98
والشجاجُ قبلَ الموضحةِ يجبُ فيهِ حكومةٌ 13. نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- في "الأمِّ" و"مختصرِ المزني" و"مختصرِ البويطي" وجرَى عليه جمهورُ الأصحابِ كما ذكرَ الماورديُّ خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا للمحررِ.
ويجبُ في الجراحاتِ على سائرِ البدنِ الحكومةُ؛ لأنهُ ليسَ فيها أرشُ مقدرٌ إلَّا الجائفة فتجبُ فيها ثلث الديةِ، وإذا جَرَحَ بجانبها جاء فيه الخلاف في التقسيطِ والحكومةِ 14.
والجائفة التي تجب فيها ثلث الدية هي جرح نفذ إلى جوف محيل للغذاء أو الدواء من البطنِ أو الصدرِ أو ثُغْرة النَّحْرِ أو الجنب أو الخاصرة، أو غيرها 15، ويقتصر فيها على الثلثِ حيثُ لم يكنْ مبدؤها متميزًا بجراحةٍ، ولم يكن في دخولها مالَ بها حتَّى كسرت ضلعًا ولم تكن في آخرها لدعت الطحال أو الكبد، فإنْ كانَ الأولُ متميزًا كما إذا شرطَ بطنَهُ بسكينٍ ثم أجافهُ في آخرِ الشرطِ فإن عليه حكومةُ الشرطِ، وكذلك إذا تعدتِ الجائفةُ من غير الضلعِ فكسرت الضلعَ فإنه يلزمُهُ حكومةُ الضلعِ، وإن لم تنفذْ إلَّا بكسرِ الضلعِ دخلت حكومته فيه، وكذلكَ إذا أجافهُ حتَّى لدع الحديد كبدهُ أو طحالهُ فإنهُ يلزمُهُ ثلثُ الديةِ وحكومةٌ، ذكر ذلك كلَّهُ الماورديُّ.
وأرشُ الموضحةِ لا يختلفُ بصغرِها ولا كبرِها 16، وإن تعددتْ تعددَ
الجزء: 4 - الصفحة: 99
الأرشُ، فإذا أوضحَ في موضعينِ وبقي الجلدُ واللحمُ فهما موضحتان 17، وإن بقي أحدُهما دون الآخرِ فموضحةٌ واحدةٌ على الأصحِّ، والأصحُّ أنهُ لو نزلَ في الإيضاحِ منَ الرأسِ إلى الوجهِ، أو أوضحهُ موضحةً بعضُها عمدٌ 18 وبعضها خطأٌ فالحاصلُ موضحتان، وأنهُ لو أوضحَ موضحةً واحدةً ثم عادَ ووسَّعها فالحاصلُ موضحةٌ واحدةٌ، ولو وسعها غيره فهما موضحتانِ 19.
وتتعددُ الجائفةُ بما تتعددُ به الموضحةُ، ولو تعدتْ في البطنِ وخرجتْ من الظهرِ فجائفتانِ على النصِّ، ولو طعنَ بسنانٍ له رأسانِ فنفذَ إلى جوفهِ فهما جائفتانِ.
واندمالُ الموضحةِ والجائفةِ بالتحامِ الموضعِ لا يُسقطُ أثرهما، ولو أوصلَ السنانَ الَّذي له رأسانِ من دبرِه أو من حلقِه أو من جائفة جناها غيرُه أو جناها هو ولم يخرقْ بها حاجزًا فلا تكونُ جائفتانِ ولا جائفةً واحدةً على النصِّ 20.
والنصُّ أنَّ في الأذنينِ الديةَ لا الحكومةُ 21، وفِي بعضها قسطُه ولو ضربهُما فأيْبَسهما 22 ففيهما الحكومةُ على مقتضى نصِّ الشافعيِّ.
ولو قطعَ اليابستين فعليه الحكومة.
الجزء: 4 - الصفحة: 100
وفِي عينٍ نصفُ دية، ولو لأعورَ 23، ولا تنقصُ بحَوَلٍ وعمشٍ، وإن نقصَ ضوءُ العينِ بالجنايةِ يقسِّطُ 24، وإن لم يضبطِ النقصُ فحكومةٌ، وإذا انضبطَ بعضُ نقصِ العينِ ولم ينضبطْ كلُّه فإنهُ يؤخذُ بنسبةِ ما نقصَ من الديةِ قطعًا، والقدرُ الذي لا ينضبطُ من الضوءِ نعتبرُه بالحكومةِ من الأصلِ، فإنْ ساوتِ الحكومةُ أرشَ القدرِ المنضبطِ فلا كلامَ، وإنْ نقصتْ أوجبنا أرش المنضبطِ، وإن زادتْ أوجبنا الحكومةَ، فيجِبُ عند الشكِّ أكثرُ الأمرينِ من أرشِ المقدَّرِ ومن الحكومةِ، هذا إذا كانَ إفرادُ غيرِ المنضبطِ بالحكومةِ لا ينضبطُ، فإن اتفقَ أن غيرَ المنضبطِ يمكن إفرادُهُ بالحكومةِ وجبَ المقدرُ، وحكومة أرش المنضبط.
ومحلُّ الحكومة في غير المنضبطِ ما إذا لم يتعدَّ الجاني ويجني جناية أخرى تذهبُ ما بقيَ من الضوءِ، فإن عادَ قبلَ الاندمالِ وأذهبَ ما بقيَ وجبَ عليه نصفُ الديةِ، فإن كانَ أخذَ في الجنايةِ الأولى حكومةً لعدمِ الانضباطِ بالكليةِ، أو مقدرًا وحدَهُ للانضباط أو مقدرًّا وحكومةً، فإنَّا نأخذُ منه في الجنايةِ الثانيةِ تكملةَ نصفِ الديةِ، فإنْ كانَ الجاني الثاني غيرَ الأولِ، وكان الباقي منضبطًا وجبَ بقدره من الديةِ.
وإن لم ينضبط منهُ شيءٌ فالواجبُ الحكومةُ، وإن انضبطَ بعضُهُ وشكَّ في بعضِهِ فيؤخذُ للمنضبطِ حصتُهُ من الديةِ، ولغير المنضبطِ الحكومةُ، وفيه ما سبق.
الجزء: 4 - الصفحة: 101
وفِي كلِّ عينٍ مَن بعينه بياضٌ لا ينقصُ الضوءَ نصفُ ديةٍ، فإن نقص فالواجبُ الضبطُ، فإنْ لمْ ينضبطْ فالحكومةُ.
وفِي كلِّ جفنٍ ربعُ الديةِ 25، وجفنُ الأعمى كجفنِ البصيرِ.
وفِي المارنِ ديةٌ عندَ الاستيعابِ، وهي موزعةٌ على الطرفينِ والحاجزِ أثلاثًا على النصِّ، فتتوزعُ عندَ عدمِ الاستيعاب كذلك.
وفِي قولٍ أو وجهٍ: في كلِّ طرفٍ نصفٌ، وفِي الحاجزِ الحكومةُ تتَبعُ عندَ الاستيعابِ، وتفردُ عندَ عدمِهِ، وقياسُ الاستتباع أن يستتبع النصفُ نصفها.
وفِي الشفتينِ الديةُ 26، وفِي أحدِهما النصفُ، والشفةُ في عرضِ الوجهِ إلى الشدقينِ، وفِي طولهِ إلى محل الارتتاقِ من أعلى ومن أسفل على النصِّ.
وفِي اللسانِ الديةُ 27، ولو للألكنِ والأرتِّ والألثغِ وغيرِهم، ويستثنى من وُلِد أصمَّ فقطع لسانهُ الَّذي ظهرَ فيه أمارةُ النطقِ، فإن الأصحَّ عدمُ وجوب الديةِ؛ لأنَّ المنفعةَ المعتبرة في اللسانِ النطقُ، وهو مأيوسٌ في الأصمِّ؛ لأنَّه إنما ينطقُ بما يسمعُه، فإذَا لم يسمعْ لم ينطق شيئًا.
وأمَّا الطفلُ فإنْ لم يبلغْ وقتَ التحريكِ ففيهِ الديةُ، ووقتُ التحريكِ هو ما بعدَ الولادةِ في الزمنِ القريبِ منها الَّذي يحركُ المولودُ فيه لسانَهُ لبكاءٍ ومصٍّ ونحوهما، فإن كان بلغَ وقتَ التحريكِ ولم يوجدْ تحريكٌ فالواجبُ الحكومةُ.
وإذا قطعَ قاطعٌ لسانَ من ولدَ عقبَ ولادته قبلَ أن يتحركَ لسانُه، فالذي
الجزء: 4 - الصفحة: 102
يظهرُ من كلامِ كثيرٍ من أصحابِ الطريقين ترجيحُ إيجابِ الحكومةِ، وهو المعتمدُ.
وفِي لسان الأخرسِ الحكومةُ إن لم يذهبْ ذوقُه، فإنْ قطعَ لسانَه فذهب ذوقُه ففيهِ الديةُ.
وفِي كلِّ سنٍّ من الحُرِّ نصفُ عشْرِ ديتِهِ، ويكمُلُ الأرشُ بكسرِ ما ظهرَ من السنِّ وإن بقي السِّنْخُ 28، ولو قلع السنخَ مع السنِّ لم تجبْ زيادةٌ على الأرشٍ، وفِي السنِّ الشاغية حكومةٌ، ولا أثر لكونِ السنِّ متحركةً حركةً يسيرةً، فإن بطلت منفعتُها ففيها حكومةٌ.
وإن نقصتْ فالأصحُّ بمقتضى نصوصِ الشافعيِّ وقاعدته أنَّه ينظر في العملِ فإنْ لم يمكن المضغُ عليها ولم يبقَ فيها إلَّا الجمالُ، فالأصحُّ بمقتضى نصِّه في الأذنِ والأنفِ أنهُ لا يجبُ بقَلْعِها إلَّا الحكومةُ.
وإن بقيَ بعضُ المضغِ فالأصحُّ وجوبُ عقلها تامًّا كاليدِ إذا جنى عليها جانٍ فنقصَ عملُها.
ولو قلعَ سنَّ صبيٍّ لم يثغر ولم تَعُد، وبان فساد المنبت وجبَ الأرشُ، وأظهر القولين وجوبُ حكومةٍ إذا ماتَ قبل البيانِ، وأنهُ لو قلع سن مثغور وأخذَ الأرشَ فنبتَتْ سنٌّ لا يستردُّهُ، وإنْ لم يأخْذ لا يسقُطُ، ولهُ أخْذُهُ.
وإذا لم تَعْدُ السنُّ فيجبُ الأرشُ قطعًا.
ويجبُ، بقلعِ الأسنانِ كلِّها ما يقتضيه الحسابُ في أظهرِ القولين، وفِي قولٍ لا يزيدُ على ديةٍ عند اتحادِ الجاني والجناية، وعند جنايةِ جانيين معًا فإنْ جنى
الجزء: 4 - الصفحة: 103
الجاني جنايةً بعد جنايةٍ، وفِي كلِّ جنايةٍ يُتَركُ حتَّى تندملَ، ثم قلعَ أخرَى، وهكذا إلى استيعابِ الأسنانِ، لزمه لكل سنٍّ نصفُ عشرِ ديةٍ قطعًا.
فائدة
: لو اتفقَ أنَّ شخصًا كانتْ أسنانُه كلُّها نظمةً واحدةً من فوقَ ومن أسفلَ، فإن قلَعَها كلَّها قالعٌ عمدًا بأن سقاهُ دواء فأسقطها كلَّها، فإنهُ يجبُ القصاصُ، فيقلعُ أسنانَهُ كلَّها؛ لأنهُ عظمٌ يدخلُهُ القصاصُ عند القلعِ.
وإن كسر منابتها عمدًا فإن أمكنَ المماثلةُ في ذلك بالمساحةِ من غير ضررٍ على باقي السنِّ وجبَ القصاصُ على النصِّ كما تقدَّم.
وإنْ لم يمكن المماثلةُ فلا قصاصَ على الأصحِّ وينتقلُ إلى الديةِ، ولو قلعها كلَّها خطأً وجبتِ الديةُ الكاملةُ تفريعًا على أنهُ لا يزادُ في التعددِ منها على الديةِ، وعلى المذهبِ يرجح هذا أيضًا؛ لأن التعدد غير موجودٍ، وصونًا عن الاقتصارِ على الديةِ في المتعددِ، وقول النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "في كل سنٍّ مما هنالك خمسٌ من الإبل" 29، ولا تعدد هنا، فوجبت الديةُ.
وإن كسَرَ منها شيئًا خطأً أو قلنا لا قصاصَ عند العمدِ فالواجبُ الحكومةُ؛ لأنَّ إيجابَ الخمسِ بالنصِّ كانَ في المتعددِ، فلا يتعدَّى إلى ما ليسَ في معناهُ، وذكرَ الخطيبُ البغداديُّ في "تاريخ بغداد" أنَّ عبدَ الصمدِ بنَ عليِّ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عباس رضي اللَّه عنه كانتْ أسنانُه قطعةً واحدةً من فوقَ، وقطعةً واحدةً من أسفلَ.
انتهى.
ويجبُ في اللحيين الديةُ 30، وهما العظمان اللذانِ تنبت عليهما الأسنانُ
الجزء: 4 - الصفحة: 104
السفلى، وفي أحدها إن نبت الآخر النصفُ.
وإن كان عليهما الأسنانُ لم يدخل أرشها في دية اللحيين على النصِّ.
وفِي اليدينِ الديةُ، وتكملُ الديةُ بالتقاطِ الأصابعِ، ولو أبانَ الكفَّ مع الأصابعِ بالقطعِ من الكوعِ لم يزد للكفِّ شيءٌ، وفِي كلِّ أصبع أصليٍّ عشرُ ديةِ صاحبه، وأصبعان من كفين على معصم لا يتميزُ منها زائد من غيره كأصبعٍ أصليةٍ مع حكومةٍ، وأنملةُ أصلي ثلث العشرُ، وأصبعا ملتبستين كذلك مع حكومةٍ، وأنملة إبهامٍ أصليةٍ نصفُ عشرِ ديةِ صاحبه، وإبهامان من ملتبستين كإبهامٍ أصليٍّ بزيادة حكومةٍ.
وفي الرِّجْلينِ الديةُ، وفِي أحدِهما النصفُ، وتكمل الدية في أصابعهِمِا والقدمُ كالكفِّ 31، والساقُ كالساعدِ، والفخذُ كالعضدِ، وما تقدمَ في اليدينِ وما يتعلقُّ بالكوعِ وفوقِهِ وما يتعلقُ بالأصابعِ الأصليةِ والزائدةِ وأصابعِ الملتبستين يأتي هنا، فلا يحتاجُ إلى ذكرِهِ.
وفِي ثديي المرأةِ ديتُها بلا حكومةٍ 32، وفِي حلَمتها ديتها ويجيءُ مثل ذلك على القولِ الثاني إذا قلنا يجبُ في حلمتي الرجلِ الديةُ، فإذا قطعَ ثدييه المشتملتينِ على حلمتَيه لم يزدْ للثديينِ شيءٌ من الحكومةِ كما سبقَ.
وفِي الذَّكرِ الديةُ، وكذلكَ في الأُنثَيينِ الصغيرُ والشيخُ والعِنِّينُ كغيرِهِم 33، وتكمُلُ الديةُ بقطعِ الحشفةِ، وباقي الذكِر مع الحشفة كالكفِّ مع
الجزء: 4 - الصفحة: 105
الأصابعِ، وفِي بعضِ الحشفةِ قسطُه منها، وفِي قولٍ: من الذكر، وكذا حكمُ بعضِ حلمةٍ في دخول الثديِ في النسبةِ، وبعض مارنٍ في دخولِ القصبة في النسبةِ إن أدخلنا حكومة القصبة في ديةِ المارنِ، وهو خلافُ النصِّ، وعلى النصِّ يقطع لأنَّ النسبةَ من المارن فقط.
وفِي الأليتين الديةُ، والمرادُ القدرُ المشرفُ على استواءِ الظهرِ والفخذِ، وفِي شفري المرأة ديتُها، وفِي سلخ الجلد الحكومة على النص (1).
فصل
في إزالةِ العقل بالضربِ على الرأسِ وغيرِ الضربِ الديةُ 35، ولو صاحَ على صبيٍّ غيرَ مميِّزٍ أو مميزٍ غيرَ مراهقٍ، أو مراهق غيرَ متيقظٍ، أو مَن يعتريهِ الوسواسُ أو النائمُ أو المرأةُ الضعيفةُ فزال عقلُ من ذُكِرَ من هؤلاءِ فإنهُ تجبُ ديةُ العقلِ، وشهر السلاحِ والتهديد كالصياحِ، وكذا لو صاحَ على صيد فزال عقل من ذُكِرَ من هؤلاءِ، لكن الديةُ -والحالة هذه- مخففة على العاقَلةِ على الأصحِّ، وعلى الثاني تكون مغلظةً على الجاني.
وعن ابن القاصِّ أن الصائحَ على الصيدِ إن كانَ محرِمًا أو في الحرمِ تعلَّقَ بصيحتِهِ الضمانُ لتعديهِ، وإلَّا فلا.
وذكرَ على قياسِه أنهُ لو صاحَ على صبيٍّ في ملكهِ، أنَّه لا يجبُ الضمانُ تشبيهًا بما لو حفرَ بئرًا في مِلكِهِ فسقطَ فيها إنسانٌ.34
الجزء: 4 - الصفحة: 106
والأصحُّ أنَّه لا فرق، وما سبق منصوصٌ للشافعيِّ رضي اللَّه عنه في "الأمِّ" في ترجمة ذهاب العقل من الجناية 36، فقال: (ولو صاحَ عليه أو ذعرهُ بشيءٍ فذهب عقله لم يبنْ لي أن عليه شيئًا إذا كان المصاحُ عليه بالغًا يعقلُ، ولكن لو صاح على صبيٍّ فذهبَ عقلُ الصبيِّ ضمنَ ديتَهُ، ولو عدا رجلٌ على بالغٍ يعقلُ بسيفٍ فلم يضربْهُ، وذعرَهُ ذُعرًا أذهبَ عقلَهُ لم يبن لي أنَّ عليهِ ديةً من قِبَل أنَّ هذا لم يقع في جنايةٍ، وأن الأغلب من البالغين أن مثلَ هذا لا يذهبُ العقلَ).
انتهى.
فإن زالَ بجرحٍ له حكومةُ فالديةُ أو لَهُ أرشٌ مقدرٌ وجُبارٌ في قولٍ يدخلُ الأقل في الأكثر، فإن تساويا فواحدٌ.
هذا مقتضى نص "الأم"، وأجرى الأكثرُ القولين مطلقًا ولوِ ادَّعَى الولي زوالَ العقلِ بجنايةٍ يحتملُ زوالُ العقلِ بها، وأنكر الجاني فالقولُ قولُ الجاني بيمينِهِ، فإن حلفَ فلا شيء له عليه، وإن نَكَلَ لم يحلفِ الوليُّ على الأصحِّ.
فإن قال الوليُّ عندي من يشهدُ بأنه مجنونٌ، فَشهِدَ أهلُ الخبرةِ بذلكَ قبلتْ شهادتُهم على مقتضى الظاهر، كما تشهدُ البينةُ بالمرضِ المخُوفِ ونحوه، وحينئذٍ يثبت جنون المجنيِّ عليه ويأخذ الوليُّ الدية ولا يحلف المجني عليه اليمينَ المردودةَ إذا نكلَ الجاني، حيث كانَ جنونهُ مطبِقًا، فإن كان منقطعًا وهو في زمانِ الإفاقةِ صالحٌ للدعوى، فإنهُ حينئذٍ يدعي ولا يُجعل القولُ قولُه بمجردِ عدمِ انتظامِ أفعالِهِ وأقوالِهِ في زمنِ الجنونِ، بل نقولُ القولُ قولُ الجاني بيمينهِ، فإنْ نكَلَ رددناها على المجني عليه، وأخذنا
الجزء: 4 - الصفحة: 107
من الجاني ما يقتضيه التقسيطُ.
ولو أقام المجنيُّ عليه البينةَ في حالِ إفاقتِهِ سمعناها ووجبَ له ما يقتضيه التقسيطُ.
وفِي إبطالِ السمعِ الديةُ، ولا نقضي بها بمجردِ الجنايةِ التي حصلَ منها صممُهُ حتَّى يراجعَ أهلُ الخبرةِ 37، فإن قالوا له مدةٌ إنْ بلغها ولمْ يسمع تم صممُهُ، فإنه لا يقضى له بشيءٍ حتَّى يبلغ تلك كما نصَّ عليه الشافعيُّ، وجرى عليه الأصحاب، واستثنى في "النهاية" من ذلك ما إذا قدروا مدةً يغلب على الظنِّ انقراضُ العمرِ قبل انقضائها، وقال: الوجهُ أن تؤخذُ الدية، ولا تنتظر هذه المدة، كما لو لم يقدروا.
وإن قال أهل البصر لطيفةُ السمعِ باقية ولكن حصل ارتتاقٌ داخل الأذن وامتنعَ نفوذُ الصوتِ ولم يتوقعوا زوال الارتتاق، فالأرجحُ ما جزم به المتولي من إيجاب الحكومة؛ خلافًا لمَيْلِ الإمام إلى وجوبِ الديةِ.
وفِي أذنٍ نصفُ ديةٍ على النص.
وإن ادعى زواله بجناية يحتملُ ذهابُ السمع بها، ويصدقُهُ الجاني المكلفُ الرشيدُ فلا يحتاج حينئذٍ إلى الاستظهارِ بالأماراتِ 38، ويلزم الجاني الدية.
وإن أنكر الجاني المسموعُ إنكارُهُ أو كان غيرَ أهلٍ للتصديقِ، فإن انزعج المجنيُّ عليه للصياح في نومٍ أو غفلةٍ فكاذب، ومتى قُطعَ بكذبِهِ لا يحلفُ الجاني، ومتى لم يقطع بكذبِهِ حلفَ الجانِي، وإن لم ينزعج حلف وأخذ دية.
الجزء: 4 - الصفحة: 108
وإنْ نقصَ فقسطُهُ إن عرفَ ووافقهُ الجاني على قولهِ: لم أسمعْ إلَّا في هذا الحدِّ، فإن خالفُهُ الجاني، وقال: سمعَ من موضعٍ فوقَهُ، ولكنه كتمَ ذلكَ وأنكره ليزيد لهُ الحالُ في النقصِ، فالقول قول الجاني بيمينه، فإنْ نكلَ ردَّتِ اليمينُ على المجنيِّ عليهِ، فإذا حلفَ ثبت له ما ادَّعاه.
فإن امتحنَ بوجوهٍ غلبت على الظنِّ صدقُهُ كانتِ اليمينُ في جهتهِ، وإن لم يُعرفِ النقصُ فتؤخذُ حكومةٌ يقدرُهَا القاضي باجتهادِه.
وفِي ضوءِ العينِ الديةُ، وفيه من أحدهما النصفُ، ولو فقأ عينيهِ لم تجبْ إلَّا ديةٌ، وفِي الواحدةِ النصفُ فقط.
وإذا ادعى زوالهُ سئلَ أهلُ الخبرةِ أولًا كما نصَّ عليهِ صاحب المذهب، فإن شهدُوا بزوالهِ عمل بمقتضاهُ.
وإن لم يظهرْ شيءٌ من جهتهم إمَّا لشكِّهم وإما لعدمهم، فيمتحنُ بتقريبِ عقربٍ أو حديدةٍ من حدقته مُغافَصةً 39 وينظر أينزعجُ أم لا.
وإذا امتحنَ بتقريبِ ما ذكرنا ونحو ذلكَ مما يزعج وردَّ طرفه ونحو ذلك فإنهُ يكونُ كاذبًا ولا يحلفُ خصمُهُ إذا قطعَ بكذبه، وإلَّا حلَّفناه كما تقدَّم في السمعِ.
وإذا روجع أهلُ الخبرة وشهدوا بذهابِ البصرِ فلا حاجةَ إلى التحليفِ، وتؤخذ الديةُ بخلافِ الامتحانِ فإنه لا بدَّ من التحليفِ بعدَهُ، هكذا في "الروضة" تبعًا لأصلها، وهذا يدلُّ على ترجيحِ كلامِ أهلِ الخبرةِ على
الجزء: 4 - الصفحة: 109
الامتحانِ، لا كما وقع في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من التخييرِ بينهما، ومقتضاهُ التسويةُ بين الأمرينِ في الأحكامِ، وليسَ كذلكَ لما تقدَّم.
وإن نقصَ من إحدى العينينِ وجبَ ثُلثا ديةِ العليلةِ، وإن نقص من العينين وجب ثلثا الديةِ الكاملة 40، حيث ذكر أهل الخبرة ما يوجب ذلك.
وإذا نقصَ من أحدِهِما عُصَبت العليلةُ وأطلقتِ الصحيحةُ ويقف شخصٌ متباعدًا حيثُ لا يراهُ، ثم يقربُ إلى أن يقولَ: رأيتُهُ، فيضبط ذلك الموضع، وعليه يقع الامتحانُ في العليلةِ، فلا يزالُ يتقرَّبُ منهُ إلى حيثُ يقولُ رأيتُه.
ولو عصبَ الصحيحةَ أولًا وامتحن العليلةَ إلى الموضعِ الَّذي ينتهي إليه بصرُ العليلةِ ثم عصبها وأطلقَ الصحيحةَ وتباعدَ إلى حيث ينتهي نظرُ الصحيحةِ كان ممكنًا، وهذا رواه البيهقيُّ في "السنن" عن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-.
وفِي الشمِّ إذا أزالهُ بالجنايةِ على الرأسِ وغيرِهِ ديةٌ على النصِّ 41، وفِي الكلامِ الديةُ، وفِي بعض الحروفِ مع بقاءِ بعضِ الكلامِ قسطُهُ، والموزع عليهما على النَّصِّ ثمانيةٌ وعشرونَ حرفًا في لغةِ العربِ التي هي أصولُ الحروفِ، ومنها الهمزةُ، وأن الساقطَ لا كما ظهر من نصِّ "الأم" وكيفية الاعتبار بمقتضى نصِّ "الأم" أن يأتيَ المجنيُّ عليه بالحروفِ على ما عليه في الأصولِ، فيقول: ألف با تا ثا إلى آخرِ الحروف، فإن عرفَ المجنيُّ عليه لغةً أخرى غير لغةِ العربِ، وذهب حروفٌ منهما وكانت تلكَ اللغةُ أكثرَ حروفًا
الجزء: 4 - الصفحة: 110
فالتوزيعُ على الأكثر على أرجحِ الوجهينِ؛ لأنَّ الأصل براءة ذمةِ الجاني، فلا يلتزم إلَّا اليقينَ، فعلى هذا يوزعُ على غيرِ الحروفِ المذكورة للعربيِّ، وقيل: توزعُ على ثمانيةَ عشَرَ حرفًا بإخراج الشفهية والحلقيةِ، ولو عجز عن بعضها خلقةً أو بآفةٍ سماوية كالأرتِّ والألثغ فدِيةٌ، وقيل: قسطُ الديةِ من جميع الحروف.
وإن عجز عن بعضها لجناية أجنبيٍّ فالأرجح أنَّه لا يُكملُ ديةً، ولو قطع نصفَ لسانِهِ فذهبتْ نصفُ أحرفِ كلامِهِ فنصفُ ديةٍ 42، ولا يجبُ في الصوتِ لذاته دية قطعًا، خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا لأصله؛ لأنَّ القصدَ الأعظمَ بالصوتِ إنما هو الكلامُ، وقد تقدَّم أنَّ فيه الديةَ، وأما مجرَّدُ الصوتِ فإنه إنما يقعُ بالحروفِ الحلقيةِ، والديةُ في مقابلةِ الحروفِ كلِّها بذهابِ الكلامِ، فإذا ذهب الصوتُ فالذاهبُ إنما هو الحرفُ الحلقيّ، وقد أُخذتِ الديةُ فيه، فلا سبيل إلى إيجابِ ديةٍ في الصوتِ بمفردِهِ، لدخولِهِ فيما وجب.
وفِي كلامِ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- في "الأم" ما يشهدُ لذلكَ، حيث لم يجعلِ الديةَ إلَّا في حالةِ ذهابِ الكلامِ كلِّه، ولا توقفَ أنَّ الصوتَ لا منفعةَ فيه إلَّا الكلام، فإيجاب ديةٍ أخرى للصَّوتِ غيرُ صوابٍ.
ويجبُ في الذوق ديةٌ، وتدرك به الحلاوةُ، والحموضةُ، والمرارةُ والملوحةُ والعذوبةُ، وتوزَّعُ عليهنَّ، فإذا أبطل إدراكَ واحدٍ وجبَ خمسُ الديةِ ولا تجبُ الدِّيةُ في المضغِ على النصِّ 43.
الجزء: 4 - الصفحة: 111
قال الشافعيُّ في "الأم" 44 في ترجمة دية اللحيين: (وَإِنْ قُلِعَ أَحَدُهُمَا وَثَبَتَ الآخَرُ فَفِي الْمَقْلُوعِ نِصْفُ الدِّيَةِ).
ولم ينظرِ الشافعيُّ إلى المضغِ كم انظرَ إلى الكلامِ، وأيضًا فإنَّ المضغَ منفعةٌ مشتركةٌ بين اللحيينِ، وبينَ ما فوقَهُما من الأسنانِ النابتة في عظمِ الرأسِ ومنابتها من اللحيةِ تحتَ الشفةِ العليا، فلا تُفرد بإيجابِ ديةٍ، وقد نصَّ الشافعيُّ على أن شللَ اللحيين موجبٌ للديةِ، وأنهُ لا شيء في الأسنان، فإذا لم يوجبِ الشافعيُّ الديةَ في الأسنان مع أنها أجرامٌ مركبةٌ في اللحيينِ تفردُ بالدية، فلأن لا يوجبُ الديةَ في المضغِ وهو منفعةٌ قائمةٌ فما ذكرنا أولى.
وتجب في إبطال قوَّةِ الإمناء بكسرِ صلبٍ الحكومةُ لا الديةُ 45، لأنَّ الإمناءَ هو الإنزالُ، فإذا أبطلَ قوةَ الإنزال ولم يذهبْ نفسُ المنيِّ فهذا لا يوجبُ الديةَ، وإنما يوجبُ الحكومةَ، فإنه قد يمتنعُ الإنزالُ بما يسدُّ طريقهُ، فيشبه ارتتاقَ الأذنِ حيث لا يسمع، ولكنَّ السمعَ باقٍ، وقد تقدَّم أنَّ الأصحَّ أنَّهُ لا يجبُ فيه الديةُ، وهذا أولى بالتصحيح، بل قد يُقطعُ فيه بعدمِ وجوبِ الديةِ.
وتجب في ذهاب الجماعِ بكسر الصُّلبِ ديةٌ إنْ كانتْ لذلك علامةٌ يعرفُ بوصفِها، فإن لم يكن معلومًا عندَ أهلِ الخبرةِ فله حكومةٌ لا ديةَ، كما نص عليه الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-، ولا تجبُ بإذهابِ قوَّةِ الحبلِ وحدها ديةٌ خلافًا لما في "المنهاج" تبعًا لأصله.
الجزء: 4 - الصفحة: 112
وتجب في إفضاء الموأة من زوجٍ أو غيره ديةٌ، وهو رفعُ ما بينَ مدخلِ ذكرٍ ودبرٍ، وفِي وجهٍ رُجح ذَكَرٌ وبولٌ، وفِي السابقِ ديةٌ على هذا على الأرجحِ، هذا إذا استمسك الغائطُ، فإن لم يستمسكْ وجبتْ مع هذا حكومةٌ، وعلى الوجه المذكورِ: إذا استمسك بولُها، فإن لم يستمسكْ وصارَ بولُها يسترسلُ فتلزمهُ مع الديةِ حكومةٌ؛ لزوالِ المنفعةِ، وقيلَ: لا حكومةَ، وهو ضعيفٌ.
وإذا أزال البكارةَ بذكر بشبهةِ غير نكاحٍ فاسد أو مكرهةً فمهر بكرٍ وأرشُ البكارةِ على النصِّ، وفِي وجهٍ: مهرُ ثيبٍ وأرشُ البكارةِ، وفِي وجهٍ أو قولٍ: مهرُ بكرٍ، وفِي أمةٍ سقط مهُرها لطوعٍ أو غيره أرشُ البكارةِ، وكذا يرجحُ له الزائدُ على مهرِ ثيبٍ إلى تمامِ مهر بِكرٍ على إدخال الأرشِ في المهرِ أو أزالها بغير ذكرٍ فأرشُها.
ويجب في البطش ديةُ، وكذا في المشي، وفِي بعض كلٍّ منهما حكومةٌ، ولو كسر صلْبه فذهب مَنِيُّهُ مع جماعه أو مع منيه فديتان، وقيل: ديةٌ، وإن شلَّتْ رجلُه أو ذكرُه وجَبَ مع ذلكَ حكومةٌ لكسرِ الصُّلبِ.
تنبيه
ٌ 46: إذا أزال أطرافًا ولطائف تقتضي دياتٍ فماتَ سرايةً منها أو من بعضها فلأوليائه الخيارُ بين القصاصِ أو الدية، فإن اختاروا الديةَ وسألوا أن يعطَوْا أرشَ الجراحاتِ كلِّها والنفسِ، أو أرشَ الجراحاتِ دونَ النفسِ لم يكن لهم ذلكَ، وكانت لهم ديةٌ واحدةٌ، وتكونُ الجراحات ساقطةٌ بالنفسِ إذا كانتِ النفسُ من الجراحاتِ، أو بعضها، هكذا نصَّ عليه الشافعيُّ
الجزء: 4 - الصفحة: 113
-رضي اللَّه عنه- وكذا تجبُ ديةٌ واحدةٌ إذا حزَّه الجاني قبلَ الاندمال على المنصوصِ، وإن حزَّ عمدًا والجنايات خطأ أو بالعكس فلا تداخل على أرجحِ القولينِ.
فصل
تجبُ الحكومةُ فيما لا مقدَّرَ فيه ولا عُرِفَ نسبتُهُ من مقَّدرٍ، وهو جزءٌ من الديةِ، نسبتُهُ إليها نسبةُ ما ينقصُ تلكَ الجنايةِ من قيمتِه لو كان رقيقًا، فإن عرفَ نسبته من مقدر لم يحتجْ إلى القرعةِ عبدًا سليمًا ومعيبًا، بل يؤخذ بالنسبةِ من المقدرِ ويستثنى من النسبةِ ما إذا قطعَ أنملةً لها طرفانِ، فإنه يجبَ فيها ديةُ الأنملةِ وحكومةٌ، وهذه الحكومةُ لا تعتبرُ بالنسبةِ، فيوجب فيها الحاكم ما يؤدي إليه اجتهادُه، ويلتحق بذلك كلُّ موضعٍ تعذَّرت فيه النسبةُ.
وقيل: تؤخذ النسبة من أرشِ العضوِ، وفِي الرأسِ والوجهِ تُقدر النسبةُ من الموضحةِ وفِي غيرِها تؤخذ النسبة من الجائفةِ، والمنصوص ما سبق.
ولا يستقرُّ التقويمُ إلَّا بحكمِ الحاكمِ، فإنِ اجتهدَ فيها مَن ليسَ بحاكمٍ ملزمٍ، لم يستقرَّ ذلك.
صرَّحَ به الماورديُّ، ومقتضى إطلاقِ غيرِه.
فإذا كانتِ الجنايةُ على الرأسِ وليس لها أرش يقدَّرُ ولا تعرفُ نسبتُها من الموضحة، فإنه يعتبر في الحكومة أن لا تبلغَ أرشَ الموضحةِ.
نصَّ عليه، واتفق عليه الأصحابُ، فإن بلغته نَقصَ القاضي شيئًا بالاجتهادِ مع الاحترازِ عن فتاوى الجانبيْنِ المتفاوتين، فإذا كانت الشجةُ متلاحمةً ولم يمكنْ تقديرُها من الموضحة، وحصلَ التقويمُ واقتضى نقصان نصف العشرِ فنقص ذلك عن خمس من الإبل لئلَّا يساوِي الموضحةَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 114
وإذا نقصَ في السمحاقِ فليحترزْ عن أن تستوي المتلاحمةُ مع السمحاقِ، ويقوَّمُ بعد الاندمال، فإنْ لم يبقَ نقصٌ اعتبر أقربُ نقصٍ إلى الاندمالِ على ظاهرِ النصِّ، فإن لم ينقصْ قدَّره قاضٍ باجتهاده على الأرجح، وقيل: يقدره قاضٍ باجتهادِه من غير اعتبارِ أقرب نقصٍ، وقيل: لا غرمَ.
وتقوَّمُ لحية المرأة لحية عبد متزين بها 47، والسن الزائدة تعتبر ولا أصلية خلفها، ثم تقوَّمُ وهي مقلوعة والفرجةُ موجودةٌ 48.
والجرحُ المقدرُ كموضحةٍ في غير حاجبٍ يتبعه الشين في محلِّهِ من رأسٍ أو وجهٍ، وفِي حاجبه يجب الأكثرُ، ومَا لا يقدَّرُ لا يستثنيه الشين حواليه على النصِّ، وعلى مقابله يجب الأكثرُ، فإن استويا فأحدهما، وينسبُ إلى الجرحِ لأنَّهُ الأصلُ.
وتجبُ في نفسِ الرقيقِ قيمتُه، وفِي غيرها إن كانَ الجرحُ في رأسِه أو وجهِهِ أو بطنِهِ، وقلنا في الحرِّ: تجبُ الحكومةُ التقويمية فإنَّهُ يعتبر أن لا يبلغ أرش الموضحة 49. وإن كان الجرح في بطنِه يعتبر أن لا يبلغ أرش الجائفة، كذلك نقولُ في العبدِ.
وإنْ قُلنَا: الواجبُ النسبة إن عُرفَ مقدارَ ذلك من موضحةٍ هناك أو جائفةٍ هنا فلذلك تجبُ النسبةُ في العبدِ، والنظرُ إلى الأكثرِ لا يخفَى، ويجيء في الشين ما سبق من أنَّه يتبعُ المقدر، ولا يتبع غيرَ المقدر، وقسْ على ما سبق.
ولو قطعَ ذكرَهُ وأنثياهُ فعليه قيمتانِ على أظهرِ
الجزء: 4 - الصفحة: 115
القولينِ، وعلى الثاني: ما نقصَ من قيمتهِ، فإنْ لم ينقصْ شيئًا أو زادتْ فلا يجبُ شيءٌ على الأصحِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب ما يوجب الديةَ وما لا يوجبها غير ما سبق والعاقلةُ وكفارة القتل
50
صاح على صبيٍّ أو مجنونٍ أو معتوهٍ أو نائمٍ أو امرأةٍ ضعيفةٍ على طرفِ سطحٍ أو حافةِ بئرٍ أو نهرٍ، فمات منه، فدِيَةٌ مغلَّظةٌ على عاقلتِه إذا قصدَ من ذكرنا بالصياحِ، فإن صاحَ لسببٍ آخرَ فماتَ فهيَ مخففَّةٌ على العاقلةِ.
ويلتحقُ بالموتِ ما لو تلفَ بعضُ أعضائِه، فإنَّهُ يضمنهُ بأرشهِ، ولو زالَ عقلُهُ وجبتِ الديةُ على النصِّ، ولا قصاصَ على أصحِّ الوجهينِ، وقيلَ القولين.
الجزء: 4 - الصفحة: 117
ولو كان بأرضٍ أو صاحَ على بالغٍ عاقلٍ متماسكٍ في وقوفِهِ فلا ديةَ على النصِّ، فإن زالَ عقلُ الصَّبيِّ بذلك وجبَ الضمانُ على مُقتضَى النصِّ ولا قصاصَ فِي البالغِ المذكور قطعًا ولا في الصبيِّ على الأصحِّ.
وحكمُ شهرِ السلاحِ حكمُ الصِّياحِ، وحكمُ المراهقِ حكمُ الصبيِّ خلافًا لمن جعلَهُ كالبالغِ في حالَةِ تيقُّظهِ؛ لأنَّ الشافعي رضي اللَّه عنه أناطَ عدمَ الضمانِ بالبلوغِ معَ العقلِ، وأناطَ الضمانَ بالصبيِّ مع قيدِ أن يكونَ على حائطٍ ونحوه بالنسبةِ إلى غيرِ زوالِ العقلِ، وصارَ الصبيُّ وصفًا ضابطًا بحكمةٍ لا حِكمةً مجردةً لعدمِ الانضباطِ، فلا يخرجُ عن صور الصبيِّ أحدٌ أو إنْ كانَ مراهقًا، لأنَّهُ لم يكملْ عقلُه.
ولو طلبَ السُّلطانُ امرأةً أو طلبَ رجلًا عندها ففزعتْ لدخولِ الرَّسولِ أو جلبتهم، أو انتهارِهم، أو للذُّعرِ من السلطانِ فأجهضتْ ضمنَ الجنينَ، كما نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- في "الأم" 51 في ترجمةِ جنايةُ السلطانِ، فقالَ: (وَإِذَا بَعَثَ السُّلْطَانُ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ عِنْدَ امْرَأَةٍ فَفَزِعَتْ الْمَرْأَةُ لِدُخُولِ الرُّسُلِ.
.) وذكر ما تقدَّم بحروفِهِ، إلى أَنْ قالَ: (فَأَجْهَضَتْ فَعَلَى عَاقِلَةِ السُّلْطَانِ دِيَةُ جَنِينِهَا إذَا كَانَ مَا أَحْدَثَهُ الرُّسُلُ بِأَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ الرُّسُلُ أَحْدَثُوا شيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ فَذَلِكَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ دُونَ عَاقِلَةِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ مَعْرُوفًا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسْقِطُ مِنْ الْفَزَعِ) هذا نصُّه.
وعلى هَذا فلو فزَّعَ إنسانٌ امرأةً بسيفٍ ونحوه فأسقطتْ ضمن الجنينَ، ولو ماتت من الإجهاضِ ضمنَ عاقلتُهُ ديتَها، فلو طلبَها في دينٍ فأسقطتْ،
الجزء: 4 - الصفحة: 118
فإن كانت مُخدَّرَةً فطلبه لها تعدٍّ عليها، فيكون ضامنًا لما يسقطه بذعره.
وإنْ لم تكن محذرةً فالعادةُ جاريةٌ في أن الديونَ يتحدَّثُ فيها الحُكَّامُ الذين لا يخاف من ظلمهم، فيكونُ إسقاطُ الجنينِ بذعره مقتضيًا لضمانِهِ.
حتَّى لو كان بعضُ القضاةِ يخافُ من سطوتِهِ فحصلَ للمرأةِ الفزع بطلبِهِ فأسقطت جنينًا ضمنَهُ.
ولو وضع حرًّا في صحراءَ مُسْبِعةٍ، فأكله السبعُ فلا ضمانَ إن أمكنَهُ التخلُّصُ، فإن لم يمكنه التخلُّص ضمنَهُ بالديةِ مغلَّظةً على العاقلةِ، على الأصحِّ.
وإذا تبعَ بسيفٍ هاربًا منه فرمى نفسَهُ بماءٍ أو نارٍ أو من سطحٍ فلا ضمانَ إن كان المتبوع بالغًا عاقلًا، فإن كان صبيًّا لا يعقِلُ عَقَلَ مثلَهُ أو مجنونًا لا تمييزَ له فألقى نفسه في ماءٍ أو نارٍ ونحوَ ذلكَ ضمنَهُ التابعُ له، تفريعًا على أن عمدَ هذين خطأٌ على ما جَرَى عليه الأئمةُ.
فأما إذا كان يعقِلُ عقَلَ مثلَهُ أو كان المجنونُ له تمييزٌ فأصحُّ القولينِ أن عمدهما كعمدِ البالغِ العاقل، فلا يضمنانِ في صورةِ الماءِ والنارِ ونحوِهما، فلو سقطَ جاهلًا لعماهُ، أو لظلمةٍ، فعلى تابعِهِ الضمانُ، وكذا لو انخسفَ به سقفٌ في جريه على النصِّ 52.
ولو سلِّم صبيٌّ إلى سباحٍ يعلِّمهُ أو علَّمه الوليُّ السباحةَ أو أخذه أجنبيٌّ بنفسه برضى الصبيِّ أو بغير رضاهُ فغرق وجبتْ دِيَتهُ على السبَّاحِ، فلو رفعَ
الجزء: 4 - الصفحة: 119
السباحُ يدهُ من تحتِ الصبيِّ عمدًا فغرقَ فعليه القصاصُ، لأنهُ هو الَّذي أغرقَهُ 53 54.
وإذا سلَّم البالغُ نفسَهُ إلى السباحِ فجاءَ في الموضعِ المغرقِ رفعَ يدَهُ من تحتهِ فغرقَ البالغُ فعلى السبَّاحِ الضمانُ بالديةِ، بل بالقصاصِ، كما قاله شيخُنَا، لأنَّهُ هو الَّذي أغرقَهُ، أما لو غَرَقَ من غير قصدِ المعلمِ فلا يجبُ ضمانهُ، ويجبُ الضمانُ بحفرِ البئر عدوانًا مع دوامِ العدوانِ 55.
وإن حفرَ في مِلْكِ نفسه أو موات فلا عدوانَ، فإن حفر حفرةً واسعةً في ملكه قريبًا من أرضِ جارِهِ بحيث يؤدي إلى إضرار أرضِ جارِهِ فإنهُ يكون متعديًا ضامنًا لمن وقعَ في موضِعِ التَّعدِّي.
وإذا حفَرَ بدهليزهِ بئرًا ودعى غيره ولم يعرفْهُ البئرَ، وكانَ الداخلُ أعمى، أو كانَ الموضعُ مظلمًا أو غيرَ مظلمٍ، ولكن كانَ رأسُ البئرِ مغطَّى على وجهٍ لا يُعرفُ أنَّ هناك بئرًا فسقطَ الداخلُ فأظهر القولين أنَّه يضمنه بالديةِ.
فلو أدخل صبيًّا لا يميزُ دارَه فسقطَ في البئرِ المذكورةِ بالقيودِ السابقةِ فإنهُ يجبُ الضمانُ، بل يجبُ القصاصُ عند "الكافي" على ما تقرَّر كما جزم به شيخنا قال: وكذلك المُكْرَهُ، أو حفر بطريقٍ ضيقٍ يضرُّ المارَّةَ فالحكمُ كذلك، أو لا يضرُّ وأذنَ الإمامُ في ذلك فلا ضمانَ، وكذا لا ضمانَ إذا حفرَ بغيرِ إذن الإمامِ، ولكن أقرَّهُ الإمامُ على ذلكَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 120
فإنْ حفرَ لمصلحةِ نفسهِ بغيرِ إذن الإمامِ ولم يقرَّهُ على ذلك بعدَ حفرِه فعليه الضمانُ.
وإن حفرَ لمصلحةٍ عامةٍ ولم ينههُ الإمامُ عن ذلكَ فلا ضمانَ على الجديدِ، وإنْ نهاهُ كانَ ضامنًا، ذكره أبو الفرج الزَّاز في تعليقهِ، وهوَ ظاهر، وإذا حفرَ في المسجدِ لمصلحةِ نفسهِ بإذنِ الإمامِ فعليهِ الضمانُ، وإذا حفرَ للمصلحةِ العامةِ فلا يجوزُ أيضًا، لأنَّ الواقفَ للمسجدِ إنما جعلَهُ لمصلحةِ الصلاةِ، فلا يجوزُ أن يغيرَ بمنفعةِ البئرِ ونحوِها، وإذا تعدَّى بذلك حينئذٍ فعليه الضمانُ.
وما تولَّد من جناحٍ إلى شارعٍ فمضمونٌ إن سقطَ الجناحُ أو بعضُه، فإن تولَّدَ منهُ الهلاكُ لا بسقوطه بل لأن شخصًا راكبًا شيئًا عاليًا صدمه، فإنَّهُ لا يكونُ مضمونًا 56.
قال شيخنا: ولم أرَ مَن تعرَّض لهذه، والقياسُ ما ذكرته.
ولو سقطَ من الجناحِ حيوانٌ من فأرٍ ونحوه فما يتولد منه من الهلاكِ لا يكون مضمونًا على صاحبِ الجناحِ، لأنهُ غيرُ الجناحِ، وللحيوانِ اختيار، ولم أر من تعرَّضَ لهذا أيضًا.
انتهى.
ثم إن سقط الكلُّ فالواجبُ النصفُ، وإن سقطَ الخارج خاصة ضمن الكلَّ، ويجوزُ إخراج الميازيبِ إلى الشارعِ إذا كان الَّذي أخرجَهُ مسلمًا، فأمَّا الذِّمِّيُّ في بلادِ المسلمينَ فإنه لا يجوزُ له أن يخرجَ ميزابًا كما لا يخرجُ جناحًا على الأصحِّ، فلو سقطَ منهُ شيءٌ فهلكَ به إنسانٌ أو مالٌ فقولان:
الجزء: 4 - الصفحة: 121
القديمُ: لا ضمانَ.
والجديدُ: يضمنُ 57.
فعلى هذا إن كانَ الميزابُ كلُّه خارجًا بأنْ سمَّر عليه تعلَّق به جميع الضمان.
وإن كان بعضُه في الجدارِ وبعضه خارجًا فإن انكسرَ سقطَ الخارجُ أو بعضُه تعلق به جميعُ الضمان أيضًا.
وإن سقطَ كلُّه بأن اقْتُلِع من أصلِهِ، ثلاثة أقوال حكاها أبو حامدٍ المروروذيُّ في "جامعه":
أحدُها: يضمنُ جميع ديتِهِ.
والثاني: يضمنُ نصفَ ديتهِ.
والثالثُ: يضمنُ من الديةِ بقسط الخارجِ من الخشبةِ.
مثالُهُ: أن يكونَ طولُ الخشبةِ خمسةَ أذرعٍ، فإن كانَ الخارجُ منها ثلاثة أذرع ضمنَ ثلاثةَ أخماسِ الديةِ.
قال الشافعيُّ: ولا أبالي بأيِّ طرفها أصابه؛ لأنه قتله بثقلها.
انتهى.
والأرجحُ ضمانُ النِّصفِ عَلَى عاقلةِ مَن هوَ مالكٌ لهُ حالةَ الإتلافِ، ولو بنَى جدارَه مائلًا إلى الشارعِ فحكمُهُ حكمُ الجناحِ بالقيودِ السابقةِ فيه، والضمانُ على عاقلةِ مالكه حالة الإتلافِ كما تقدَّمَ، ولو بناهُ مستويًا فمالَ وسقطَ فلا ضمانَ على النصِّ.
وإن سقطَ الجدارُ الَّذي مالَ بعد بنائه مستويًا في الطريقِ فتعثَّرَ به إنسانٌ أو
الجزء: 4 - الصفحة: 122
تلفَ به مالٌ فلا ضمانَ على الأرجحِ إذا لم يقصر في رفعِ الآلاتِ الساقطةِ من الجدارِ المذكورِ، فإن قصَّر في رفعِها كانَ ضامنًا لتعدِّيه بالتأخيرِ ولو طرحَ بالطريقِ دونَ العمامةِ على الأصحِّ عندَ شيخِنا.
وإذا اجتمعَ سببا هلاكٍ على التعاقبِ فالحوالةُ على الأولِ، مثالُه: حفرَ بئرًا متعديًا أو نصبَ سكينًا ووضعَ آخرَ حجرًا متعديًا، فتعثَّر إنسانٌ بالحجرِ ثم وقعَ في البئرِ، أو على السِّكينِ، وهلكَ، فالضمانُ على واضعِ الحجر إن كان من أهلِ الضمانِ، فلو تعدَّى بحفرِ البئرِ ووضعَ حربيٌّ أو سَبُع الحجرَ فلا ضمانَ على أحدٍ على الصَّحيحِ، فإنْ لَمْ يتعدَّ الواضعُ فالأرجحُ تضمينُ الحافرِ.
ولو وضع حجرًا وآخران حجرًا فالضمانُ عليهما نصفان، نصفٌ على الأولِ ونصف على الآخرين خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، لأنَّ التعثُّرَ إنما كانَ بالحجرينِ، فالتوزيعُ عليهما لأنَّهما اللذانِ لاقيا البدنَ.
58
ولو تعدَّى بوضعِ حجرٍ فَعَثَر به رجل فدحرجه فعثرَ به آخر ضمنه المدحرِجُ، ولو عثرَ بقاعدٍ أو نائمٍ أو واقفٍ بالطريقِ لم يتحرَّك مقبلًا، وماتا أو أحدهما فلا ضمان إنِ اتَّسعَ الطريقُ، كذا قيل، وليس هذا الخلاف بمعتمدٍ، بل تجبُ دِيَةُ الواقفِ والقاعدِ والنائمٍ على ظاهرِ النصِّ المعتمدِ 59.
وإن ضاقَ فصححَ البغويُّ إهدارَ قاعدٍ ونائمٍ لا عاثرهما، وضمان واقف لا عاثرٍ بِه، وإطلاق النص في "الأمِّ" إهدارُ الماشي وضمانُ مَن سواهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 123
فصل
اصطدما بلا قصدٍ فعلى عاقلةِ كلٍّ نصفُ ديةٍ مخفَّفةٍ، فإن كان أحدُهما قويًّا والآخرُ ضعيفًا وحركتُه ضعيفة، بحيث يُقطع أنَّه لا أثر لحركتهِ مع الآخرِ، فإنه يكونُ كالواقِفِ فهَدَر القويُّ وعلى عاقلتِهِ ديةُ الضعيفِ 60.
وإن تعمَّدا الاصطدامَ فالحاصلُ شبه عمدٍ، فعلى عاقلةِ الآخرِ نصفُها مغلظةً، وعلى كلٍّ كفارتان، إذ لا يتجزَّأ على المشهور، ويجبُ على قاتلِ نفسِهِ على الأصحِّ، وفِي تركة كلٍّ نصف قيمة دابَّةِ الآخر إن ماتَ مركوباهما.
وإن كانت الدَّابتان قويتين، فإن كانت إحداهُما ضعيفةً بحيثُ يقطعُ بأنَّه لا أثرَ لحركتها مع قوَّةِ الدَّابَّةِ الأخرَى، فلا يناطَ بحركتها حكم، كغرزِ الإبرةِ في جلد العقب مع الجراحاتِ العظيمةِ 61.
وحكمُ الصبيينِ والمجنونينِ حكمُ الكاملينِ بالقيدِ السابقِ فيهما وفِي دابَّتيهِما، ولا يتعلق بولي حضانتهما الضمانُ إذا أركبهما على النصِّ، قال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: (وَسَوَاءٌ في الِاصْطِدَامِ الْفَارِسَانِ اللَّذَانِ يَعْقِلَانِ وَالْمَعْتُوهَانِ والأعميان وَالْبَصِيرَانِ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْتُوهًا وَالْآخَرُ عَاقِلًا أَوْ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا وَالآخَرُ بَالِغًا إذَا كَانَا رَاكِبَي الدَّابَّتَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا أَبَوَاهُمَا أَوْ وَلِيَّاهُمَا في النَّسَبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَبٌ) 62.
فَإِنْ أركبهما الوليُّ دابةً شرسةً جموحًا تعلَّق به الضمانُ، ولو أركبهما
الجزء: 4 - الصفحة: 124
أجنبيٌّ بغيرِ إذنِ الوليِّ، ومثلهما لا يضبطُ الدابةَ فديةُ مَن أصابا على عاقلةِ الَّذي حملَهُما على النصِّ 63، وعليه ضمانُ مركوبِهما، فإنْ كانَا ممن يضبطها فهو كما لو ركبا بأنفُسِهِما، أو حاملانِ وأسقطتا فالدية كما سبق بالقيودِ السابقةِ فيما إذا اصطدمَا بلا قصدٍ، وعلى كلٍّ أربعُ كفَّاراتٍ أو لا تتجزَّأُ على المشهورِ.
وتجبُ على قاتِلِ نفسِهِ على الأصحِّ، وعلى عاقلةِ كلٍّ منهما نصف غرتي جنينيهما.
وإذا اصطدمَ عبدانِ 64 لا يمتنعُ بَيْعُهما، ولم يكونا مغصوبين ولم يكن هناك وصية بأرشِ ما يجنيه العبدان، أو وقفٌ: فإنهما يهدران حينئذٍ، فإن امتنعَ بَيْعُهما امتناعًا مطلقًا كابني مستولدتين أو موقوفين أو منذورًا إعتاقهما فإنهما لا يهدرانِ، لأنهما حينئذٍ كالمستولدتينِ، والمستولدتانِ إذا اصطدمتا وماتتا فعلى سيدِ كلِّ واحدةٍ فداء النصفِ الَّذي جَنَتْهُ عليه مستولدتُه للآخر، لأنَّ السيدَ باستيلادِها مانعٌ من بيعها، والفداءُ فيها بأقلَّ الأمرين من قِيمتها وأرشِ الجنايةِ.
وإن كانا مغصوبين فإنهما لا يهدران بل على الغاصبِ فداءُ كلِّ نصفٍ منهما بأقل الأمرين، ولو لم يكونا مغصوبين ولا أحدُهما، لكن كانَ هناكَ وصية بأرش ما يجنيهِ العبدانِ، أو وقفٌ، فإنه يصرفُ من ذلكَ لسيدِ كلِّ عبدٍ نصفُ قيمة عبدِهِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 125
أو سفينتانِ فكدابَّتين، والملاحان كراكبينِ بالغينِ حَصَلَ الاصطدامُ بفعلِهما أو بتقصيرِهما، ونزيدُ هنا إجراءَ حكمِ العمدِ على فعلهما المُفْضِي إلى الهلاكِ غالبًا.
ثمَّ إنْ كان فيهما مالٌ لأجنبيٍّ لزمَ كلًّا نصفَ ضمانِهِ.
وإن كانتا لأجنبيٍّ لزم كلًّا نصفَ قيمتها، وإن حصلَ بغلبةِ الريحِ بلا تقصيرٍ، فالكلُّ هدرٌ، ولو أشرفتْ سفينة على غرقٍ جازَ طرحُ متاعها بإذن المالكِ الرشيدِ المطلقِ التصرُّف فيما يلقيه، حيث حصل بعضُ هولٍ، لكنه قد تغلبُ السلامةُ منه 65.
فلو كانت الأمتعةُ لصبيٍّ أو مجنونٍ أو محجورٍ عليه بسفهٍ لم يَجُزْ إلقاؤها في محل الجوازِ، لكن لو كان الوليُّ في هذا المحلِّ على كلِّ أمتعةِ محجورِهِ ورأى أنَّ إلقاءَ بعضِها يسلم به باقيها فيجوزُ لهُ ذلك قياسًا على ما ذكره العبادي فيما لو خافَ الوصيُّ أن يستوليَ غاصبٌ على المالِ فله أن يؤدِّيَ شيئًا لخلاصِه، وقد يغلبُه الهلاكُ ويغلبُ على الظنِّ حصولُ نجاةِ الراكبِ بطرحِ ما ذكر فيجبُ الطرحُ رجاءَ نجاةِ راكبٍ محترمٍ.
فلو كان حربيًّا أو مرتدًّا أو زانيًا محصنًا أو من تَحتم قتلُه في قطع الطريق فإنه لا يجوز إلقاءُ المالِ المحترمِ لنجاة الراكبِ غيرَ المحترمِ، ولا يلقي ما لا روحَ فيه لأجل الكلبِ العقورِ والخنزيرِ.
وإذا وجبَ الإلقاءُ بالقيد المتقدم فيجبُ إلقاءُ ما لا روحَ فيه لتخليصِ ذي الروحِ المحترمِ، ولا يجوز إلقاءُ الدوابِ إذا أمكن دفعَ الغرقِ بغير الحيوانِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
وإذا مسَّتِ الحاجةُ إلى إلقاءِ الدوابِّ ألقيتْ لإبقاءِ الآدميينَ المحترمينَ، والعبيدُ كالأحرارِ، ويضمنُ المُلقى من وليٍّ وأجنبيٍّ في محلِّ الوجوبِ، ولو كانتِ الأمتعةُ مرهونةً أو كان صاحبها محجورًا عليه بفلسٍ أو لمكاتب ولم يأذن السيدُ فإنه لا يجوزُ إلقاؤها في محل الجواز، ويجب في محل الوجوبِ 66.
ويضمنُ الملقى من راهنٍ أو مرتهن، فإن اجتمعَ الراهنُ والمرتهنُ أو السيدُ والمكاتبُ على الإلقاءِ في حالةِ الجوازِ لم يمتنع الإلقاءِ، ومثلُه مالُ العبدِ المأذونِ إذا ركبتْهُ الدُّيونُ لا يجوزُ إلقاؤُهُ في حالةِ الجوازِ إلَّا إنِ اجتمعَ السيدُ والعبدُ والغرماءُ على ذلكَ، ولَوْ قَالَ: ألقِ متاعكَ، هذا -أو كانَ المتاعُ معلومًا عند القائلِ- وأنا ضامنُه أو ضامن له، فألقاهُ ضمنَ ما سمَّاه لهُ من دراهمَ أو غلَّةٍ، فإنْ لم يذكرْ لهُ شيئًا ضمنَ القيمةَ مطلقًا على الأرجحِ من نقدِ البلدِ باعتبارِ حالة القولِ لأجل الهيجانِ خلافًا للبغويِّ وتعذرَ ردُّ المثلِ لأنَّه لا مثلَ لمشرفٍ على الهلاكِ إلَّا مشرف على الهلاكِ، وذلك بعيدٌ، فتعيَّنتِ القيمةُ 67.
وإنِ اقتصرَ على قولهِ: "ألقِ متاعكَ في البحر"، ولم يقل: "وعليَّ ضمانُه"، فألقاه.
فقيلَ في وجوبِ الضمانِ خلافٌ، كقولِه: "أدِّ دَيْنِي".
وقطعَ الجمهورُ بأنَّه لا ضمانَ، وإنَّما يضمنُ ملتمس مخوفِ غرقٍ، ولم يختص منع الإلقاء بالملقي صاحب المتاعِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 127
ولو عادَ حجرُ منجنيقٍ فقتلَ أحدَ رُماتِه هُدِرَ قسطُه، وعلى عاقلةِ الباقينَ الباقي إلَّا أَنْ يتصوَّر عمدُهم بقتلِهِ فعليهمْ في أموالهم الباقي، أو غير رماتِهِ ولم يقصدوه فخطأٌ، أو قصدوه فعمدٌ.
وقيل: إن غلبتْ إصابتُه.
وقيل: لا يتصوَّر العمدَ فيه (1).
فرع
الجزء: 4 - الصفحة: 128
بأحدهما 71.
وأمَّا ذوو الرحمِ معنى المتولي أنَّا إذا قلنا بتوريثهم فيتحملونَ عندَ عدمِ العصباتِ كما يرثونَ عندَ عدمهم، وقد ذكرَ شيخُنا في "الفرائضِ" حكمَ توريثهم فلينظر منه.
ويعتبر هنا أن يكونوا ذكورًا كما هُوَ أصلُ البابِ، ثم العتقُ إذا لم يكن للجاني عصبات من النسبِ، أولم يكن منهم كفايةٌ، وتتحمَّلُ عصبةُ العتيقِ معه عندَ عجزِ المعتقِ على النصِّ غيرَ أصلهِ وفرعهِ على مقتضى النصِّ المعتمدِ، ثمَّ معتق المعتقِ، ثم عصبته غير أصوله وفروعه على الأصحِّ، ويدخل بقيتهم معه في حياتِهِ على المذهبِ كما سبقَ، وإلَّا فمعتق أبي الجاني، ثم معتق عصبة الأب غير أصولِ معتق الأبِ وفروعِهِ، وتتحملُ بقيتُهم معه كما سبَقَ، ثم معتق معتق الأبِ، ثم عصبته غير أصوله وفروعه، وتتحمَّل بقيتهم معه كما سبقَ، وهكذا إلى حيثُ ينتهي.
وإذَا لم يوجدْ عتقٌ في جهةِ الآباء انتقلنا إلى معتقِ الأمِّ، ثُم إلى عصبته غير أصوله وفروعه، ويتحمل نصيبهم معَ المعتقِ فِي حياتهِ كما سبقَ.
وهكذا نقولُ في موالي الجداتِ من جهةِ الأمِّ ومن جهةِ الأبِ وموالي المذكور والمُدلين بالإناثِ كالجدِ أبي الأمِّ، ومَن جَرَى مَجْرَاهُ، وعتيقها يعقله عاقلتها لأن الذكورةَ شرطٌ في التحملِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 129
والمعتقون كمعتقٍ فإذا أعتق جماعةٌ عبدًا فجنى خطأً يحملونَ عنهُ تحمل شخصٍ واحدٍ.
وكلُّ شخصٍ من عصبة كل معتقٍ غيرَ أصولِه وفروعِهِ يحملُ ما كانَ يحملُهُ ذلكَ المعتقُ، ويحملُ نصيبَهُ عصباته معهُ في حياتِه عندَ العجزِ كما سبقَ.
ويعقلُ العتيقُ على ما نصَّ عليه الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- في "الأمِّ" و"مختصرِ المزني"، و"مختصرِ البويطي"، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من أنهُ لا يعقلُ على الأظهرِ.
ولفظه في "الأم" 72: (ولا أَجْعَلْ عَلَى الْمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ عَقْلًا بِحَالٍ حَتَّى لَا يُوجَدَ نَسَبٌ وَلَا مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ بِحَالٍ ثُمَّ يَحْمِلُونَهُ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ عَنْهُمْ لَا لأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ؛ وَلَكِنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ كَمَا يَعْقِلُ عَنْهُمْ).
وفِي "مختصر المزني" 73 في باب عقل الموالي: (ولا أحمل الموالي من أسفل عقلًا حتَّى لا أجد نسبًا ولا موالي من أعلى ثم يحملونه لا أنهم ورثته ولكن يعقلون عنه كما يعقل عنهم).
وفِي "مختصرِ البويطي": (وإنْ لم يكنْ لرجلٍ موالي من فوق تعقلُ عنهُ وكانَ لهُ موالي في أسفلَ عقلوا عنهُ، ولم أجعلِ العقلَ من قبلِ الميراثِ ولكن جعلتُه لأنَّه يعقلُ عنهم فيعقلونَ عنهُ).
فهذِهِ نصوصه في هذهِ الكتبِ، على تحمُّلِ الموالي من أسفلَ عند عدمِ
الجزء: 4 - الصفحة: 130
المتحملين من جهةِ الولاءِ من أعلى.
ولما ذكر الشيخُ أبو حامد في تعليقه نص الشافعي في "مختصر المزني" قال: الَّذي نصَّ عليهِ ههنا أنَّهم يتحمَّلون الديةَ، وحكى أبو إسحاقَ في الشرحِ أنَّ الشافعيَّ قال في موضعٍ آخر أنهم لا يعقلونَ.
قال الشيخ أبو حامدٍ: ولستُ أدري أينَ قالَ الشافعيُّ هذَا، إلَّا أنَّهُ لا يختلفُ أصحابُنا أنَّ المسألةَ على قولينِ.
انتهى.
وإذا قُلنا بالمذهبِ المنصوصِ أن العتيقَ يحملُ فإنما يتحملُ بالترتيبِ الَّذي سبقَ في نصِّ "الأمِّ" ولا يأتي في ولدِهِ من الخلاف ما أتى في ولَدِ المولى مِن أعلى ههُنا على أنَّهم يعقلونَ عنه مما يعقلُ عنهم، وهذا معنى (نعم ولد المولى من أسفل)، وأما أصل المولى من أسفل فلا علقة للولاءِ بهِ قطعًا.
فإنْ فقد العاقلَ أو لم يفِ فالعقلُ على جماعةِ المسلمينَ كما قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ، ثم ينظرُ، فإنْ وُجِدَ لهمْ مالى في بيتِ المالِ من جهةِ الإرثِ ثبتَ التَّحمُّلُ في ذلك المالِ، وكذا فيما يحدثُ من الإرثِ المتعلقِ بجماعةِ المسلمينَ، والظاهرُ أنَّهُ يتعلقُ التحملُ بسهمِ المصالح من الفيءِ والغنيمةِ، ويحتمل خلافه، ولا يتعلق بمال غير ذلك من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ يُعقل منه أو كان فيه، ولكن منع المتكلم في بيت المال لظلمِه فإنهُ يؤخَذُ جميعه أو ما يفِي من الضروبِ منْ جماعةِ المسلمينَ الموسرينَ والمتوسطينَ على مُقتضَى مذهبِ الشافعيِّ.
وحيثُ تعذَّرَ الاستيعابُ اجتهدَ الإمامُ وضربَ الواجبَ على مَنْ يراهُ على مقتضى التأجيلِ هذا هو الظاهرُ من نصوصِ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه-، والمعنى يساعده
الجزء: 4 - الصفحة: 131
لأنَّ بينَ المسلمِ وبينَ المسلمينَ موالاةً ومناصرةً فتحمَّلوا عقل جنايةِ الخطأِ وشبه العمد في الصورةِ المذكورةِ.
وما وقعَ في "المنهاجِ" 74 تبعًا لأصلهِ من قولهِ: "فإن فقد فكله على الجاني في الأظهرِ"، فخلاف المعتمد.
وأما الذميُّ والمستأمنُ فالحكم فيهما أن الواجب عليهما عند فقد عاقلتيهما الخاصة ويدخلُ كلٌّ منهما في كلِّ سنة في الفاضِلِ عن العاقلةِ الخاصَّةِ ودية النفسِ كاملة في خطأ أو شبه عمد مؤجَّلة على عاقلةٍ وجانٍ ثلاثَ سنين، في كل سنة ثلث دية وذمي منه بناء على الأصح؛ لأنها قدر ثلث دية المسلم، وقيلَ ثلاثًا بناءً على أنها دية نفس امرأة مسلمة في سنتينِ في الأولى ثلث الدية الكاملة، والباقي في الثانية.
وتحمل العاقلة العمدَ في الأظهر نفسًا وطرفًا خطأً وشبه عمدٍ، ففِي كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ.
ولو قتلَ رجلينِ مسلمينِ أو امرأتينِ كذلكَ ففِي ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ كلَّ نفسٍ متميزةٌ عن غيرها كديةِ الواحدِ، وقيل في ستٍّ؛ لأنَّ بدلَ النفسِ الواحدة يضربُ في ثلاثٍ، فيزادُ للأخرى مثلها.
والأطرافُ في كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ، فإن كانَ الواجبُ قدرَ ثلثِ الديةِ حملته العاقلةُ.
وأجلُ النفسِ من وقتِ زهوقِ الروحِ، وأجلُ غيرِ النفسِ من الجنايةِ، فلو قطعَ أصبعه فسرت الجنايةُ إلى كفِّه واندملت فأصحُّ الوجوهِ أنَّ أجلَ أرشِ
الجزء: 4 - الصفحة: 132
الأصبعِ من وقتِ قطعهِ، وأجلُ أرشِ الكفِّ من وقت سقوطِهِ.
ولا يعقلُ فقير ورقيقٌ وصبيٌ ومجنونٌ ومسلمٌ عن كافرٍ وعكسه، ولا امرأةٌ ولا خُنثَى مُشكل لاحتمال أن يكونَ امرأةً.
والاعتبارُ في الإعسارِ بآخرِ الحول، واعتبارُ وجود هذه الصفاتِ المانعةِ من التحمُّلِ من الرقيقِ ومن بعده إلى الكافرِ من حين الفعلِ.
ولو كانَ بعضُهم في أولِ الحولِ كافرًا أو رقيقًا أو صبيًّا أو مجنونًا، وصارَ في آخرهِ بصفة الكمال فلا تُؤخذُ منه حصَّةُ تلكَ السنةِ، ويؤخذُ ما بعدها على أرجحِ الوجوهِ عند شيخِنا خلافًا لما صحَّحهُ في "الروضة" من عدمِ أخذِ ذلكَ منهُ.
وإذا بانَ الخنثَى ذكرًا فلا يغرم حصته التي أداها غيره على الأصحِّ خلافًا لما جاءَ في "زيادة الروضة" من الغرم.
وأما البعضُ الَّذي أعتقهُ غير مالك الباقي فالظاهرُ أنَّه يتحمَّلُ؛ لأنَّه ناقصٌ بالنسبةِ إلى النصرةِ.
وإن أعتقَهُ مالكُ الباقي ولم يسرِ عليه يحمل عنه معتقُه على الأرجحِ بالنسبةِ إلى نصيبِ الحرِّ، ويتحمَّل هو عن معتقه كما تقدَّم.
ويعقلُ يهوديٌّ عن نصرانيٍّ وعكسُه، إذا كانا ذِميينِ أو مستأمنينِ، أو أحدُهما ذِميًّا والآخرُ مستأمنًا، فأما الحربيُّ فإنه لا يتحمَّل عن الذِّمِّي ولا عكسه 75.
الجزء: 4 - الصفحة: 133
فرع
الجزء: 4 - الصفحة: 134
ولا يتعلق مالُ الجنايةِ بذمةِ العبدِ مع رقتبتِهِ في الجديدِ.
ويستثنى من مطلقِ المعيةِ صورةٌ، وهي ما لو أقرَّ السيدُ بأنه جنى على عبدٍ قيمته ألف جنايةَ خطأ، وقال العبدُ قيمته ألفانِ، فنصَّ الشافعيُّ في "الأمِّ" في الإقرارِ أنَّه يلزمُ العبد بعد العتقِ القدرَ الزائدَ على ما أقرَّ بِهِ سيدُه.
ضابط
ٌ: ليس لنا صورةٌ اجتمع فيه التعلق بالرقبةِ والتعلق بالذِّمَّةِ على المذهبِ إلَّا في هذه الصورة.
وتعتبرُ قيمةُ العبدِ وقتَ الجنايةِ على النصِّ، وإنْ كان العبدُ الجاني مكاتبًا وفِي يده مالٌ فدَى نفسه من الَّذي في يده، ويفدِي نفسه بأقلِّ الأمرينِ من قيمتِه وأرشِ الجنايةِ على أظهرِ القولينِ.
وإن لم يكن في يدِه مالٌ وسألَ مستحقُّ الأرشِ الحاكم تَعْجِيزَهُ عَجَّزَه ثم باعَ منه ما يوفِي الأرشَ ويبقى الباقي مكاتبًا.
فإنْ كانَ الأرشُ يستغرق قيمته باعَهُ.
ولو أرادَ السيدُ أن يفديه وتستمرّ الكتابة فله ذلك، وعلى المستحقِّ قبوله.
ولو فداهُ ثم جنى ثانيًا سلَّمهُ للبيعِ، أو فداهُ، وكذا لو تكرر ذلك مرارًا مع تخللِ الفداءِ.
ولو جنى ثانيًا قبل الفداء باعه فيهما أو فداهُ بالأقلِّ من قيمته والأرشِ -وفِي قولٍ قديمٍ بالأرشين- إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداءِ، فإنْ منعَ لزمَهُ أن يفدي كلًّا منهما، كما لو كان منفردًا.
ولو أعتقَهُ وهو موسرٌ أو باعه بعد اختيارِهِ الفداء أو قبله فداه حينئذٍ حتمًا بأقلِّ الأمرين، كما تقدَّم، لأنَّه فوت محلَّ حقِّه، وهذا إذا أمكنَ دفعُ الفداءِ.
فإن تعذَّر تحصيلُهُ أو تأخَّر لإفلاسِه أو غيبته، فُسِخ البيعُ، وبِيع في الجناية؛ لأنَّ حقَّ المجنيِّ عليه مقدَّمٌ على حقِّ المرتهنِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 135
ولو هربَ ولم يعلم سيدُهُ مكانَه، أو ماتَ قبلَ اختيار سيده الفداء فلا شيءَ على سيدِهِ؛ لأنَّ الحق متعلقٌ برقبتِهِ، وقد فاتتْ.
هذا إن لم يمنع سيدُه مِن بيعِهِ عندَ الطلب، فإنْ طلبَ المستحقُّ بيعه فمنعه سيدُهُ فعليه فداؤُه حينئذٍ بتعدِّيه بالمنع، ولأَنهُ مختارٌ للفداءِ فمنعه، وإذا علم سيدُهُ مكانَه وأمكنهُ ردَّه فالمتجه وجوبُ الردِّ؛ لأن التسليمَ واجبٌ عليه.
ولو اختارَ الفداءَ فالصحيحُ أنَّ له الرجوعَ وتسليمه إذا لم تنقصْ قيمتُهُ بعد اختيارِ الفداءِ، فإن نقصتْ لم يمكنْ من الرجوعِ والاقتصارِ على تسليمِ العبدِ قطعًا؛ لأنَّه فَوَّتَ باختيارِهِ ذلك القدر من قيمته.
ولو تأخَّر بيعه تأخُّرًا يضرُّ بالمجني عليهِ، وللسيدِ أموالٌ غيره، فليس له الرجوعُ قطعًا للضررِ الحاصلِ للمجني عليه بالتأخيرِ.
وأمَّا أمُّ ولدِهِ التي لا تباعُ فتقدَّر بالأقلِّ من قيمتِها والأرش على أقوى الطريقتين، فأمَّا أمُّ ولدِهِ التي تُباعُ؛ لأنَّه استولدها وهي مرهونةٌ الرهنَ اللازم، وهو معسرٌ، إذا جنتْ جنايةً توجبُ مالًا متعلِّقًا بالرقبةِ فإنه يقدَّم حقُّ المجني عليه على حقِّ المرتهنِ.
فإذا قالَ الراهنُ: أنا أفديها على صورة لا يكون بها موسر اليسار انعقدَ به الاستيلادُ في حقِّ المرتهن فله ذلك؛ لأنه حينئذٍ يكون بفدائِها مانعًا للمجني عليه من بيعها فتصيرُ كالعبدِ القنِّ.
وإذا فداها استمرَّت مرهونةً، ثم إنْ وفى الدينَ من غيرها نَفَذَ الاستيلادُ حينئذٍ على المذهبِ، وإن بيعتْ في الدينِ استمرَّ عليها حكمُ القنِّ في حقِّ مَن يشتريها، ثم إن عادت للراهنِ نَفَذَ الاستيلادُ على الأظهرِ.
وإذا جنتْ أمُّ الولدِ هذه في حالِ كونِها مرهونة جناية، ثم جناية أخرى وهي مرهونةٌ فلا نقول جناياتها كواحدةٍ؛ لأنه يمكنُ بيعها، بل هذه
الجزء: 4 - الصفحة: 136
كالقنِّ يجني جنايةً ثم أخرى قبلَ الفداءِ، فيقطع فيه بأنَّ السيدَ إمَّا أن يسلمها لتباعَ فِي الجنايتينِ، وإمَّا أن يفديها بأقلِّ الأمرينِ من قيمتها وأرش الجنايةِ على ما تقدَّم في القنِّ.
وليستْ جنايةُ أمِّ الولدِ التي لا تباعُ كواحدةٍ على الَّذِي أحبه الشافعي صاحبُ، المذهبِ، بل تُفرد كلُّ جنايةٍ بحكمِها، وتعتَبَرُ قيمتُها وقتَ الجنايةِ على الأصحِّ.
وحكمُ العبدِ الموقوفِ والمنذورِ إعتاقُه إذا جَنَيَا حكمُ أمِّ الولدِ التي لا تباعُ، ويفدي العبدَ الموقوفَ الواقفُ على أصحِّ الوجوهِ إذا قلنا بالأصحِّ أن الملكَ فيه للَّهِ تعالى، إذا كانَ حيًّا، فإذا كانَ الواقفُ ميتًا فالأرجحُ ما ذكرَهُ في الجُرجانيات أنَّ الفداءَ في تركتِهِ.
وأمَّا المنذورُ إعتاقُهُ فإنَّهُ يفدِيه الناذرُ قطعًا لبقاءِ ملكهِ، كالمستولدةِ، فإنْ ماتَ قبلَ أن يعتقهُ كانَ الحكمُ في جنايتهِ كالحكمِ في جنايةِ الموصَى بإعتاقهِ إذا جنى، بعد موتِ الموصي وقبلَ الإعتاقِ.
قالَ شيخُنا: والحكمُ فيه أنَّ ذلكَ يتفرَّعُ على أَنْ كَتَبَ الموصي بإعتاقِه لمن، وفيه خلاف؛ فإدنْ قلنَا أنهُ للعبدِ كما هو مقتضى نصِّ "الأمِّ" وقالَ في "الروضة" في الخصيصة الرابعةِ: القرعةُ أنَّهُ المذهب لجنايتهِ في كسبِهِ.
وإنْ لم يكُن في يدهِ كسبٌ فيتعينُ هنا أن يعتقَ ويأخذه منه موجَّلًا، ويحتمل الحلول، والحكمُ في العبد المنذور يظهر مما قررناه في الموصى بإعتاقه، ولم أرَ مَن تعرَّضَ لشيء من ذلكَ، وهو من النفائس.
انتهى كلامُ شيخِنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 137
فصل في الغرَّةِ الواجبةِ بالجنايةِ على الحاملِ بالجنينِ المضمونِ على الجاني الَّذي ظَهَرَ ميتًا بتلكَ الجنايةِ
الغرَّةُ لغةً تدلُّ على شرفٍ وتقدُّمٍ، وهي هُنَا للعبدِ أو للأمةِ، كأنَّه عبَّرَ عن الذاتِ كلها بالغرَّةِ.
وفِي "الصحيحين" 78 وغيرهما أنَّ امرأتينِ من هُذيلٍ رمتْ إحداهما الأخرَى، فطرحتْ جنينَها، فقضَى فيهِ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بغرَّةِ عبدٍ أو أمةٍ، وفِي حديثِ الشافعيِّ: بغرةِ عبدٍ أو وليدةٍ 79، وفِي روايةٍ في "الصحيحين": رمتْهَا بحجرٍ فأصابَ بطنَهَا 80، وفِي روايةٍ: قضَى في جنينِ امرأةٍ من بني لحيان بغرَّةِ عبدٍ أو أمةٍ 81، وللمغيرةِ بن شعبةَ في ذلكَ حديثٌ في "الصحيحين" 82 وغيرهما، ولحمْلِ بن مالك في ذلك حديثٌ رواهُ الشافعيُّ 83 وغيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 138
وأما الأحاديثُ التي جاءَ فيها عبدٌ أو أمةٌ أو فرسٌ أو بغلٌ فالمحفوظُ خلافها، وفيها مرسلٌ، وأحاديث مائةُ شاةٍ أو مائةُ وعشرون شاةٍ ضعاف، وحديث خمسمائة شاةٍ خطأ.
ومَن جنى غير حربي ولو بتخويفٍ على حاملٍ بجنين مسلم بتبعية أحدِ أصولِهِ، فلا يتصوَّر هنا تبعية السابي ولا الدار، حر ولو بإعتاقِهِ دونَ أمِّه، أو مَن وطئ بظن أن أمته حُرَّةٌ ظهر وقد بدا فيه التخطيط ففيه الغرةُ الكاملةُ.
وما ذُكِرَ في جنينِ الحربيةِ أنهُ لا يجب فيه شيءٌ وكذا لو أسلمتْ قبل الإجهاض محلُّه ما إذا لم يكنْ جنينُها مسلمًا بتبعيَّةِ أصل له، وكذلك تجبُ الكاملة في حملِ الذميةِ المحكوم بكفره إذا أسلمتْ قبلَ إجهاضِهِ، كذا جزمُوا به، وقياس مقالة ابن الحداد في المشركةِ يحصلُ فيها عتقٌ من اعتبار حالةِ القربِ أن لا تجب الكاملةُ هنا، وله نظيرٌ في تحمُّلِ العاقلةِ عند انجرار الولاءِ يشهدُ لما قرَّرناهُ.
وأمَّا الجنين اليهوديُّ أو النصرانِيُّ تبعًا لأبويه حيثُ لا حرابة، فالصحيحُ يجبُ فيه ثلثُ غرَّةِ المسلمِ، وفِي وجهٍ غرةٌ كاملةٌ؛ لإطلاقِ القضاءِ في الجنينِ: وفِي وجهٍ لا يجب فيه شيءٌ.
ولو كانَ أحدُ أبويه نصرانيًّا والآخرُ مجوسيًّا فهو كالجنينِ النصرانيِّ على النصِّ.
ومَنْ أحدُ أبويهِ ذميٌّ والآخرُ حربيٌّ تجبُ فيه غرتُه على الأصحِّ.
وفِي الرقيقِ عُشرُ قيمة الأمِّ أكثر ما كانتْ من حينِ الضربِ إلى الإجهاضِ على النصِّ لسيدِهِ، فلو كانتْ مقطوعةً والجنينُ سليمًا وعكسه قوِّمت سليمةً، فإن جنى سيدها عليها وهي حاملٌ مِن غيرِه، ثم عتقت ثم ألقتِ الجنينَ لم
الجزء: 4 - الصفحة: 139
يجب شيء على السيدِ على الأصحِّ.
وسواءٌ انفصلَ الجنينُ ميتًا بجنايةٍ في حياةِ أمِّه أو بعد موتِها بجنايةٍ في حياتها تجبُ فيه الغرةُ، بخلافِ ما إذا ضربَ بطن امرأة ميتةٍ فانفصلَ منها جنينٌ ميتٌ فإنهُ لا غرَّةَ فيه على الأرجحِ، كما قاله البغويُّ.
وإنْ ماتَ حينَ خرج أو دام ألمه فماتَ ففيه الديةُ الكاملةُ، وإن لم يظهرْ منه شيءٌ، ولم ينفصلْ، لم يجب شيءٌ، وإن انفصلَ حيًّا وبقيَ زمنًا بلا ألمٍ، ثم ماتَ فلا شيءَ، ولو ألقتْ جنينينِ ميتينِ برأسينِ وبدنينِ منفصلينِ ففيهما غرتانِ، أو ثلاثةٌ فثلاثةٌ، وهكذا، فلو ألقتْ حيًّا وميتًا، ومات الحيُّ من تلك الجنايةِ وجبَ له ديةٌ كاملةٌ، وغرةٌ للميتِ، ولَو ألقتْ يدًا أو رجلًا ولم تُلقِ بعدها الجنينَ فغرةٌ، فلو ألقت جنينًا بعد ذلك فقيد ذلك العضو وألقته ميتًا بعد الاندمالِ وزوالِ ألمِ الضربِ بها فنصفُ غرة.
وإن خرجَ حيًّا وماتَ بعد الاندمالِ أو عاش فالأرجحُ وجوبُ نصفِ غرَّةٍ، وإن انفصلَ الجنينُ قبل الاندمالِ حيًّا ثم ماتَ من الجنايةِ ففيه ديةٌ، ويدخلُ فيها أرشُ اليدِ، وإن عاشَ فالأرجحُ وجوبُ نصفِ غرَّةٍ إلَّا إذا أسقطت اليدَ عقبَ الضربِ، وأسقطت عقبه الولدَ حيًّا فإنَّه يجبُ نصف الدية.
ولو ألقتْ لحمًا قال القوابلُ فيه صورةٌ خفيَّةٌ فلا غرَّةَ فيه على النصِّ، وفِي قولٍ: تجب غرةٌ إذا قلن: لو بقيَ لتصوَّر، والمعتمدُ عدمُ الوجوبِ.
والغرَّةُ عبدٌ أو أمةٌ مميزٌ بسبع أو ثمانٍ، لا قبل السبعِ على النصِّ، مسلمٌ سليمٌ من عيب مبيع، والنصُّ قبول كبيرٍ لم يعجز بهرمٍ، وبشرط بلوغ قيمة الغُرَّة نصفُ عشرِ الديةِ الكاملةِ على النصِّ، فإن تعدَّتْ فخمسةُ أبعرةٍ، وفِي قولٍ لا يُشترطُ، فإذا فقد قيمتها.
الجزء: 4 - الصفحة: 140
فرع
: يجبُ بالقتلِ كفَّارةٌ، وإنْ كانَ القاتلُ صبيًّا ومجنونًا، وعبدًا، وذميًّا، وعامدًا أو مُخطئًا، ومُتسببًا، فَقَتَلَ مسلم ولو بدارِ حربٍ.
ومَنْ قَتَلَ بالشرطِ من حَفْرٍ وبهيمةٍ ونحوهما وذميٍّ ومستأمنٍ وجنينٍ وعبدِ نفسِهِ ونفسِهِ، وقيل: لا يجبُ في نفسهِ، ويجبُ فيمن قتله بإذنهِ.
ولا تجبُ في المرتدِّ، ولو قتلَهُ مرتدٌ مثلُه، ولا في امرأةٍ وصبيٍّ مجوسيينِ، وباغٍ ولو في غير القتال معَ وجودِ المنعةِ والتأويلِ على النصِّ، وصائل ومقتص منه، وعلى كلٍّ من الشركاءِ كفارةٌ على المنصوصِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 141
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بابُ دعوى الدَّمِ والقسامةِ والشهادةِ على الدمِ
القسامةُ مشتقَّةٌ من القسمِ، وسميتْ بها لكثرةِ القسمِ فيها، قاله الجرجانيُّ، وهي بفتحِ القافِ.
قال الجوهريُّ وابنُ فارسٍ: هي اسْمُ الأيمانِ؛ لأن في روايةٍ: "تحلفونَ خمسينَ يمينًا قَسَامةً تستحقُّونَ بها" وقالَ القاضي أبو الطيبِ وغيرُه: هي اسمٌ للحالفينَ.
وهو ما ذكرَهُ الأزهريُّ والرافعيُّ عن أهلِ اللغةِ.
قالَ القاضي أبو الطيبِ وغيرُه: والفقهاءُ يسمُّون الأيمانَ قسامةً.
قال صاحبُ "الفائقِ": وجاءتْ على بناءِ الغرامةِ والحمالةِ لاشتراكِهم في القسمِ.
ورَوَى الدارقطنيُّ 84 والبيهقيُّ 85 عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّه أنَّ
الجزء: 4 - الصفحة: 143
رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "البينةُ على المدَّعِي واليمينُ على مَن أنكرَ إلَّا في القسامة" وفِي إسنادِهِ ضعفٌ، لكنْ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إسنادُهُ لينٌ فخففَ أمرهُ.
وأوَّلُ مَن قضى بِها في الجاهليةِ الوليدُ بنُ المغيرةِ، كما قالَهُ ابنُ قتيبةَ، وأقرَّهُ الشارعُ في الإسلامِ.
يشترطُ أن يفصلَ ما يدعِيه من عمدٍ وشبهِ عمدٍ وخطأٍ وانفرادٍ وشركةٍ، فإنْ أطلقَ استفصلَهُ القاضي على النصِّ استحبابًا، وقيلَ يعرضُ عنهُ، ويشترط أن يُعَيِّنَ المدَّعَى عليهِ، فلو قالَ: قتلَهُ أحدُ هؤلاءِ العشرةِ ولا أعرفُ عَيْنهُ فتسمعُ الدعوى على الأصحِّ للحاجةِ، ولا يحلفهم القاضي على الأصحِّ للإبهامِ، ويجري الوجهانِ في دعوى غصبٍ وسرقةٍ وإتلافٍ وأخذِ الضالَّةِ.
والضابطُ بجريانها أن يكونَ سببُ الدعوى قد يخفى متعاطيه على المستحقِّ؛ لأنَّه مما ينفردُ به المُدَّعى عليه.
وشرطُ سماعِ الدَّعوى أن تكونَ مِن مكلَّفٍ ملتزمٍ، وتسمعُ دعوى المعاهَدِ وإن لم يكنْ ملتزمًا إذا ادَّعى بمالٍ استحقَّه على مسلمٍ أو ذميٍّ أو مستأمنٍ مثله، أو ادعى دمَ مورثه الذمي أو المستأمن.
وتُسمع دعوى الحربيِّ وإن لم يكنْ ملتزمًا للأحكامِ، فيما إذا اقترضَ منه حربيٌّ شيئًا أو اشتراهُ منه ثم أسلمَ المعترض أو المشتري، أو دخلَ إلينا بأمانٍ فإن المنصوصَ المعتمدَ أن دَيْنَ الحربيِّ باقٍ بحالِهِ.
ولو اقترضَ منهم مسلمٌ في دارِ الحربِ شيئًا أو اشتراهُ ليبعثَ إليهِم ثمنه أو أعطوهُ شيئًا ليبيعَهُ في دارِ الإسلامِ ويبعثه إليهم، فإنَّهُ يلزمه ذلكَ، وحينئذٍ فتسمعُ الدَّعوى من الحربيِّ، لكنْ يكون في أمانٍ بطلب ذلك فإنَّهُ لا يبطلُ حقه من ذلكَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 144
وشرطُ المُدَّعَى عليه أن يكونَ مكلفًا فلا تُسمع الدعوى على صبيٍّ ومجنونٍ، وتسمعُ على المحجورِ عليه بالفلسِ والسَّفهِ والرقِّ، وتسمعُ الدعوى على المستأمنِ وإن لم يكنْ ملتزمًا للأحكامِ كما تقدَّم، وتسمعُ الدعوى على الحربيِّ إذا صدرَ منهُ الإتلافَ في حالِ التزامِهِ.
وإذا ادَّعى انفراده بالقتلِ، ثم ادَّعى على آخر لم تسمعِ الثانيةُ إذا لم يصدقْهُ الثاني، فإنْ صدَّقهُ الثاني سمعتِ الدعوى على الثاني، ويؤاخذُ المقر، ويُعمل بمقتضى إقراره على الأصحِّ.
ثم إن لم يقسم في الدعوى الأولى فلا يمضي حكمها، ولا يُمَكَّنُ من العودِ إليها، وإن مضى حكمها والحكمُ بالمال، فإن وجد منه ما يرفع الأولى كقوله: "ليس الأول قائلًا"، فإنَّهُ يردُّ المالَ المأخوذَ على مستحقهِ.
وإنْ وجدَ منه أنَّ الثاني شريك فيرتفعُ ذلك من أصلِهِ، وتنبني قسامةٌ على الاشتراكِ الذِي ادَّعاهُ آخرُ كما هو قياسُ البابِ.
وإن ذكر عمدًا ثم وصفَهُ لغيره لم يبطلْ أصلُ الحقِّ في الأظهرِ، ولا يحتاجُ إلى تجديدِ دَعْوَى في الأصحِّ.
ثم إنْ فسَّر العمدَ بالخطأ أو بعمدِ الخطأ فهل يقسم أم لا؟ فيه خلافٌ، قال شيخُنا: والذي عندَنا أنَّه تترتبُ صورةُ العدول منَ العمدِ إلى الخطأِ على صورةِ العدولِ من العمدِ إلى عمدِ الخطأ فإنْ قُلنا هناكَ لا يقسمُ، فهنا أوْلَى، وإنْ قُلنا هناكَ يقسمُ، فههنا وجهانِ؛ لأنَّ العمدَ قدْ يلتبسُ بعمدِ الخطأِ، بخلافِ الخطأِ المحضِ، والأصحُّ أنَّهُ يقسمُ لاشتراكِهما في الرجوعِ مِن الأغلظِ إلى الأخفِّ.
انتهى.
وتثبتُ القسامةُ في القتلِ بمحلِّ لوثٍ، وهي قرينةٌ تغلبُ وتوقعُ في القلبِ
الجزء: 4 - الصفحة: 145
صدقَ المُدَّعِي، فإنْ وجدَ قتيلٌ أو بعضُه إذا تحققَ موتُه في محلِّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ لأعدائِه أو أعداءِ قبيلتِه أو تفرَّقَ عنهُ جمعٌ يعتبرُ أَنْ يكونوا على وجهٍ ينحصرُ قبلَ القتيلِ فيهم، وإنما تثبتُ القسامةُ بذلكَ حيثَ لم يعرفْ مَن قتلَهُ ببينةٍ أو بإقرارٍ أوْ بعلمِ الحاكمِ.
وأمَّا إذا وقعَ في الشبه العامِ والخاصِّ أنَّ زيدًا قتلَ فلانًا فهذا لا يثبتُ به عليهِ القتلُ ولكنَّه يكونُ لوثًا في حقِّه.
ولو تقابلَ صفَّانِ لقتالٍ، وانكشفوا عن قتيلٍ فإنِ التحمَ قتالٌ كانَ لوثًا في حقِّ الصفِّ الآخرِ لأنَّه يغلبُ عندَ التحامِ القتالِ أنَّ أهلَ كلِّ صفٍّ يطلبونَ قتلَ الآخرينَ، فإذا تفرَّقُوا عن قتيلٍ كان لوثًا في حقِّ الطالبينَ.
وإنْ لم يلتحمِ القتالُ فهو لوثٌ في حقِّ أهلِ صفِّه إذا لمْ يترامَى الصفَّانِ، فإنْ ترامَى الصفَّانِ وكان ينالُه رَميُ أضدادِهِ فإنَّه يكونُ لوثًا في حقِّ أضدادِه.
وقولُ عدلٍ فيما لا يثبتُ بشاهدٍ ويمين لوث، وكذا قولُ نساء وعبيدٍ بشرطِ التفرُّقِ على النصِّ، وليس قولُ فسقةٍ وصبيان وكفارٍ لوثًا في الأصحِّ.
ولو ظهرَ لوثٌ فقال أحدُ ابنيهِ: قتلَهُ فلانٌ، وكذَّبَهُ الآخرُ، وقد ثبتَ اللوثُ بالشاهدِ الواحدِ بعد الدعوَى، والحالُ أنَّ المدعي قتلُ شبه عمدٍ أو خطأ، فلا يبطلُ هذا اللوثُ بتكذيبِ أحدِ الولدينِ قطعًا، بناءً على أن شهادة العدلِ الواحدِ لوثٌ، ولو ثبتَ اللوثُ في حقِّ أهلِ المحلة أو الجماعةِ كما تقدَّم واتفقَ الأخَوانِ على ذلك، ولكن عيَّن الذي كذَّبَ أخاهُ آخرُ، وقالَ: هذا هو القاتلُ.
ولم يكذِّبْهُ أخوهُ فيما قَالَهُ، فإنَّهُ لا يبطلُ حقُّ الذي كذَّب أخاهُ من الذي عيَّنَهُ لأنَّ المعنَى المقتضي لإبطالِ القسامةِ أنَّ اللوثَ قد انخرمَ الظنُّ به، وإنما انخرمَ الظنُّ في المعينِ لا في أصلِ اللوثِ، لاتفاقِ الأخوينِ على
الجزء: 4 - الصفحة: 146
اللوثِ الثابتِ بالنسبة إلى أهل المحِلَّةِ أو الجماعةِ، ولا سيما إذا كان للقتلِ المدعى به شبهُ عمدٍ أو خطأَ، وكانت عاقلةُ المعينين واحدة، كأب وابن، اختلف الوارثان في تعيينهما من أهلِ المحلةِ والجماعةِ.
وإذا كذَّبه الآخرُ ولم يثبتِ اللوثُ بشاهدٍ واحدٍ بعد الدعوَى ولا يثبتُ الموتُ في حقِّ أهلِ المحلةِ أو الجماعةِ على ما تقدَّمَ، فلا يبطلُ اللوثُ أيضًا على أصحِّ القولينِ؛ لأنَّ الشافعيُّ قطَعَ بهِ في موضعِ منَ "الأمِّ" و"مختصر المزنيِّ" واختاره المزنيُّ، وقدمهُ الشافعيُّ في كلِّ موضعٍ، وصححهُ البغويُّ، والدليلُ يعضدهُ، فهو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من تصحيح بطلان اللوثِ.
وقيل: لا يبطلُ اللوثُ بتكذيبِ فاسقٍ.
ولو قالَ أحدُهما: قتلَهُ فلانٌ وآخر لا أعرفهُ، وقال الآخر: قتلهُ فلانٌ وآخرُ لا أعرفُه، حلفَ كلّ منهما على ما عيَّنُه وله ربعُ الديةِ، ولو ظهر لوثٌ تأجَّلَ قبلَ دونَ عمدٍ وخطأ، وفصل الولي سمعتِ الدعوى بلا خلافٍ، وأقسم قطعًا، ومتَى لم يفصل لم تسمعِ الدعوَى وتثبتُ القسامةُ، فإذا حلفَ الوليُّ غرَّمنا الجاني الديةَ مخففةً مؤجَّلةً في ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ قتلَ العمدِ لم يثبُتْ ولا شبه العمدِ، والمخففةُ أقلُّ ما يجبُ، فألزمناهُ.
قالَ شيخُنا: ولم أرَ أحدًا حرَّرَ هذا الموضعَ علَى ما ينبغي.
انتهى.
ولا يقسمُ في طرفٍ وإتلافِ مالٍ إلَّا في قتلِ عبدٍ على المذهبِ، فلو جرحَ وهو عبدٌ ثمَّ أعتقَ وماتَ حرًّا ثبتتِ القسامةُ للسيدِ قطعًا، والقسامةُ أن يحلفَ الورثةُ أو السيدُ أو هُما على قتلٍ ادَّعاه خمسين يمينًا، وكذا الحكم لو ازدحمَ جماعةٌ ومنهم حاملٌ فأجهضتْ جنينًا فللمستحقِّ بالغرَّةِ أن يحلفَ كما صرَّح به الماورديُّ، وهو مقتضى كلامِ غيرِه، ولا يسمَّى هذا قتلًا، وإنما
الجزء: 4 - الصفحة: 147
يطلقُ القتلُ على مَن تحقَّقت فيه الحياةُ المستقرَّةُ، فجنَى عليه جانٌ فأزهقَ روحَه، وأمَّا الجنينُ فإنَّهُ لا تتحقَّقُ حياتُه، وقد لا يكونُ نفختْ فيه الروحُ.
والغرَّةُ واجبة وتدخلُها القسامةُ، وإن لم يكنِ الحاصلُ قتلًا.
* ضابطٌ: ليس لنا موضعَ تثبتُ فيه القسامةُ في غيرِ القتلِ إلَّا في هذا الموضعِ.
ولا يشترط موالاتها على النصِّ ولو تخلَّلها جنون أو إغماءٌ بنى إذا أفاقَ، ولو ماتَ لم يبنِ وارثُه على المنصوصِ.
وإذا كانَ للقتيلِ ورثةٌ وزعتِ الأيمانُ بحسبِ الإرثِ المحتملِ، فإذا كان الورثةُ ابنًا وولدًا خُنثَى، حلفَ الابنُ ثلثي الخمسين، وأخذ النصفَ، ويحلف الخنثى نصف الخمسينَ، ويأخذ الثلث.
ويوقف الباقي، والضابطُ لذلكَ أَنْ يؤخذَ بالاحتياطِ في الطرفينِ؛ الحلف بالأكثر والأخذُ بالأقلِّ، ثم توزَّعُ الأيمانُ بحسبِ الإرثِ، هل هو بحسب الأسماءِ أم بحسبِ السهامِ يظهرُ أثرُه في العولِ، فإذا كانت المسألةُ عائلةٌ من ستةٍ إلى عشرةٍ مثلًا كزوج وأم وأختين لأب، وأختينِ لأمٍّ، فهل يحلفون على أسماء فرائضهم، فيحلف الزوجُ نصف الخمسين، والأمُّ سدسها بجبر المنكسرِ، والأختان للأبِ ثلثيها، والأختان للأم ثلثها بجبر المنكسرِ، أو يحَلفُ كل واحدٍ منهم على نسبةِ سهامِه، فيحلفُ الزوجُ ثلاثةَ أعشار الخمسين، والأمُّ عشر الخمسين، والأختان للأبِ خمسيها، والأختان للأمِّ خمسها؟ فيه وجهان، ذكرهما الماورديُّ وصحَّحَ الثاني.
وقيل: يحلفُ كلٌّ خمسين، ولو بكل أحد مما يحلف الآخر خمسين؛ لأنَّ حقَّه لا يثبتْ بأقلَّ من ذلك، ولو غابَ حلفَ الآخرُ خمسين وأخذَ حصَّته من
الجزء: 4 - الصفحة: 148
الديةِ، وإلَّا صبرَ إلى حضورِ الغائبِ.
والمذهبُ أنَّ يمينَ المدعى عليهِ بلا لوثٍ خمسون وكذا يمينٌ مع شاهدٍ بلا لوثٍ في الأظهرِ، وتجبُ بالقسامة الكاملةِ ولو بالاحتمالِ في قتلِ خطأ أو شبهَ عمدٍ ديةٌ على العاقلةِ، وفِي عمدٍ على المقسم عليه، وفِي القديم: بالكاملةِ ممن تحققَ مدخله قصاصٌ، حيث تجبُ لو ثبتَ بغيرِها، ويقتلُ من الجماعةِ واحدٌ، ولو ادعى عمد الموتَ على حاضرٍ شريك لاثنينِ غائبينَ أقسم عليهِ خمسين وأخذَ منهُ ثلث الديةِ، فإن حضرَ آخرُ ادعى عليهِ وأقسم عليه خمسينَ يمينًا على النصِّ، وعلى مقابله خمسًا وعشرين، فإذا حضرَ الثالث ادعى عليه وأقسمَ خمسين، وعلى مقابله سبع عشرة.
وإن كان ادعى على الحاضر والغائبينَ وهما بمسافةٍ سمع الدعوى عليهما أقسمَ على الجميع خمسين، ولا يعيد شيئًا لمن حضرَ، ومن استحقَّ بدلَ الدَّمِ منَ مسلمٍ أو كافرٍ عدلًا كان أو فاسقًا، محجورًا عليه أو غيره أقسم.
ويقسمُ السيدُ إذا قتلَ عبده على المذهبِ.
ويقسمُ المكاتبُ لقتل عبده ولا يقسم سيده؛ لأنَّ المكاتبَ استحقَّ بدل العبدِ ليستعينَ بالقيمة على أداءِ النجومِ 86، ومن ارتدَّ بعد استحقاقِه بدل الدمِ مالًا بطل تأخيرُ أقسامِهِ.
والأولَى أن لا يعرضَ الحاكمُ عليه القسامةَ إلَّا بعد عودِه إلى الإسلامِ؛ لأنَّه لا يتورَّع في الردَّةِ عن الأيمانِ الكاذبةِ، فإن أقسم في الردَّةِ صحَّ على المذهبِ ومن لا وارث له لا قسامة فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 149
وإن كان هناك لوثٌ إذ تحليفُ بيت المال لا يمكن، لكن ينصبُ الحاكمُ مَن يدعي عليه ويحلِّفه، فإنْ نَكل ففِي القضاء عليه بالنكولِ خلافٌ يأتي بيانه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
فرع
: إنما يثبتُ موجبُ القصاصِ بإقرارٍ، أو عدلينِ، أو علم الحاكمِ بمشاهدتِه ما يوجبُ القصاصَ والمِلكَ بذلك، أو برجلٍ وامرأتينِ، أو يمين.
وتتعددُ الأيمانُ في الجراحِ كما تتعددُ في القتلِ على المنصوصِ، ولو عفا عن القصاصِ عفوًا يوجبُ المالَ، وقال: اقبلوا مني رجلًا وامرأتينِ لم يقبلْ على النصِّ.
ولو شهدَ هو وهما بهاشمة قبلها إيضاحٌ من جنايةٍ واحدةٍ لم يجب أرشها على المذهبِ.
ويجب أن تكونَ الشهادةُ بالقتلِ مفسَّرةً مصرِّحةً بالمقصودِ، فلو قالَ الشاهدُ: ضربَه بسيفٍ فجرحَه فماتَ لم يثبتِ القتلُ حتَى يقولَ: فماتَ منهُ، أو: فقتلهُ أو ضربهُ بالسيفِ فأنهرَ دمهُ وماتَ مكانهُ.
كما نصَّ عليه في "مختصر المزنيِّ"، فجعلَ: "ومات" مكانَهُ كقولِه "ماتَ من جراحتِه".
ولو قال: ضربَ رأسَهُ فأدماهُ أو قال: سالَ دمهُ، تثبت داميةٌ.
ويشترط في الموضحةِ: ضرَبَهُ فأوضحَ عظمَ رأسِه.
ولو قال: ضربَه فأوضحَ عظمَ رأسه، ولو قال: ضربه فأوضحَ رأسَه، كان ذلك كافيًا على المنصوصِ في "الأمِّ" و"مختصرِ المزنيِّ" وهو الذي جرى عليه الجمهور خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِه من عدم الاكتفاء به.
ويجب بيانُ محلِّها وقدرِها على ما نصَّ عليه في "الأمِّ" ليمكن قصاصٌ،
الجزء: 4 - الصفحة: 150
فإن عجزوا عن التعيين فلا سبيل إلى القصاصِ، ولكنه لا يسقط بمجردِ ذلك.
ويجب أرشُ الموضحةِ عند العجزِ عن التعيين.
ويثبتُ السحرُ بإقرارِ الساحرِ لا ببينةٍ، ثم إنْ قالَ: قتلتُه بسحري وسحري يقتلُ غالبًا، فقد أقرَّ بقتلِ العمدِ.
وإن قال: وسحري يقتل نادرًا، فهو إقرارٌ بشبه عمدٍ.
وإن قال: أخطأتُ من اسم إلى غيره، فهو إقرار بالخطأ، ثم دية شبه العمدِ ودية الخطأ المخففة كلاهما في مال الساحرِ، ولا تطالبُ العاقلةُ بشيءٍ إلَّا أن يصدِّقوهُ.
ولو قالَ أمرضتُه بسحري ولم يمتْ به، بل بسحرٍ آخرَ، ولم يتعرَّض للاندمالِ، فالنصُّ أنَّه يقسم الوليُّ خمسين يمينًا ويأخذُ الديةَ.
وإن تعرَّضَ للاندمالِ دخلتِ البينةُ في أنَّه لم يزل ضمنًا إلى أَنْ ماتَ، ويحلفُ الوليُّ أنَّه ماتَ من سحرِ الساحرِ.
ولو ادَّعى جرحًا وشهد له وارثه غير الأصولِ والفروعِ، فإن شهد بعد الاندمال قبلت شهادتُه.
وإن شهدَ قبلَه لم تقبلْ، ولو أدى أثنان محجومَانِ عن الوراثةِ لجرح قبلَ الاندمالِ ثم صارا وارثينِ قبل أن يقضي القاضي بشهادتِهما فلا تقضى.
وإن كانَ بعده لم ينقضِ القضاءُ.
وإن شهدَ بمالٍ في مرضِ موتِه قبلَ في الأصحِّ، ولا تقبلُ شهادةُ العاقلةِ بفسقِ شهودِ قتيلٍ يحملونَه، ولو شهدَ اثنانِ على اثنينِ بقتلِه فشهدا على الأولينِ بقتلِه حُكِم بشهادةِ الأولينِ الصادرةُ بعدَ الدَّعوى الصحيحةِ.
وإن لم يصدقْهُما الوليُّ خلافًا لما في "المنهاجِ"، لأنَّ دعواهُ القتل على المشهودِ عليهما وطلبُ الشهادةِ بذلك من الشاهدينِ كافٍ في جوازِ الحكمِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 151
وإن صدقَ الوليُّ الآخرينَ أو صدقَ الجميعَ أو كذب الجميع بطلت الشهادتان، ولو أقرَّ بعضُ الورثةِ بعفو بعضِهم عن القصاصِ سقطَ كلُّه لعدمِ تبعيضِه.
وإذا اختلفَ شاهدانِ في زمانٍ أو مكانٍ أو آلةٍ أو هبة فلوثٌ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاج".
الجزء: 4 - الصفحة: 152
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ