كتاب الجنايات
ِ على أنفس البشر بقتلِها وعلى أجزائِها ومعانيها بتفويتها
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ ألى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وظهر من قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ومن مُقتضى الأدلةِ إلزامُنَا بذلكَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 47
وعنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ -رضي اللَّه عنه- أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قالَ: "لا يحلُّ دمُ امرئٍ يشهدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسول اللَّهِ إلَّا بإحدَى ثلاثٍ؛ الثيِّب الزاني، والنَّفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينِه المفارقُ للجماعةِ" 1 أخرجه الصحيحان وغيرهما.
والقتلُ من المكلَّفِ بغيرِ حقٍّ عمدًا بلا تأويلٍ من الكبائرٍ.
والموجبُ للقصاصِ منه كلُّ فعل بمباشرةٍ أو سبب عمد محضٍ مزهقٍ للروحِ غالبًا، ولو في مثلِ المجني عليه والزمان، عدوان من حيث كونُه مُزْهقًا من واحدٍ أو جمعٍ، بتواطؤ فيما لا يزهقُ بعضهُ، ليس معه شركة شبه عمدٍ ولا خطأ، ولا عمدٍ من الجاني، غير موجبٍ للقصاصِ ولا شركة المجني عليهِ بالمداواةِ ولا ترك منه ما يوثق بهِ فِي دفعِ الهلاكِ، مقصودٌ فيه عين المجني عليه، مع معرفةِ أنَّهُ آدميٌّ منفردًا أو معَ غيرِهِ علَى مَا رجِّحَ، والأوجهُ خلافُه كما فِي صورة المنجنيقِ.
وصدرَ الفعلُ فِي حالةِ التكافِي وتكليفِ الجانِي والتزامِهِ وانتفاءِ المانعِ منْ شُبهةٍ وغيرِها مستمرًّا فيه عصمته على الجاني من الفعلِ إلى الفوت غيرَ مقبولٍ فِي حربِ بغاةٍ ولا ذِي شوكَةٍ وأهلِ ردَّةٍ على قول رجَّحهُ بعضُهم.
وفِي غيرِ قطعٍ، فإن فيهِ معنَى القصاصِ على الأرجحِ، لكنْ لا يتوقَّفُ استيفاؤُه على طلبِ أولياءِ القتيلِ، ويُقتل ولو كانوا صغارًا، وسيأتِي فِي بابِه بسطُه إن شاء اللَّهُ تعالى.
فالفعلُ بالمباشَرَةِ ما أثَّرَ فِي الزُّهوقِ وتخيُّلُه كحزِّ رقبةٍ وقدٍّ بنصفين ورمي بسهمٍ، وإلقاءٍ من شاهقٍ، وعصر خصيةٍ، وخنقهِ، ورمي بمثقل، وجرح سار،
الجزء: 4 - الصفحة: 48
وتوالي ضربُه، وسقيه ما يقتله بإنجاز بكرهٍ أو أكرههُ حتَّى تناوَلَ بنفسِه، وإن علمَ أنَّه مسمومٌ على الأظهَرِ، وليسَ هذا كما إذا أكرههُ على أَنْ يَقْتلَ نفسَه، خلافًا لقوله الرَّافعيِّ أنَّه الوجهُ؛ لأنَّه قد يحصلُ الشفاءُ منَ السَّهمِ فيتخلَّصُ من قبل ناجز بأمرٍ مرجو فيه الشفاء.
ومن المباشرةِ الموجبةِ للقود غرز إبرةٍ بمقتلٍ، أو بدن صغير أو شيخٍ هرم، وأمَّا غرزها فِي غيرِ ذلكَ فيما يتألَّمُ به، فإن تورَّمَ وبقي متألِّمًا إلى الموتِ وجبَ القودُ على المذهبِ، ومنهُم مَن لم يعتبرِ التورُّمَ واكتفَى باستمرارِ التألُّمِ، فإن كانَ لا ينفكُّ عنْ تورُّمٍ توافقًا.
وإن كان ينفكُّ فالأرجحُ إيجابُ القود بالقيد المعتبر فِي كلِّ الصورِ، وهو أن يكونَ ذلكَ الفعلُ يقتُلُ غالبًا، ولا معنَى لِمَا رجَّحَهُ المتأخَرونَ من اعتبارِ الورمِ.
وإنْ مَاتَ فِي الحالِ فصححوا أنَّه لا قودَ عليه، وهو شبهُ عمدٍ، فتجبُ فيه ديتُه، والمعتمدُ أنَّه إن كانَ يقتُلُ غالبًا وجبَ القودُ.
وإذا ألقاهُ فِي ماءٍ لا يمكنُهُ التخلُّص منه فالتقمَهُ حوتٌ فعليه القصاص على النصِّ.
وإن رفعَ الحوتُ رأسَهُ فألقمَهُ الحوتَ فماتَ فإنَّهُ يجبُ القصاصُ بلا خلافٍ.
ومنعهُ الطعامَ والشرابَ بحيثُ لا يمكنه التوصُّلُ إليهِ مدَّةً يموتُ فيها مثلُهُ غالبًا يوجبُ القودُ.
وإن كانَ بهِ بعضُ جوعٍ أو عطشٍ سابقٍ، وعلم المانعُ بحالِهِ وجبَ القصاصُ على الأصحِّ، فإن عفَى على مالٍ وجبتِ الدِّيةُ كلُّهَا.
كذا ذكروه.
الجزء: 4 - الصفحة: 49
ولَمْحُ الشركةِ يقتضي إيجاب النصف، وهو قويٌّ.
ومن أقرَّ أنَّه قتله بسحره الذي قصدَهُ بهِ وأقرَّ أنَّهُ يقتلُ غالبًا فعليهِ القودُ.
وأمَّا مَن قتلَ بالعينِ أو بالحالِ كما يجرِي لبعضِ الفقراء فلا شيء فيه.
ومقابلُ العمدِ شبهُ العمدِ والخطأِ:
فالعمدُ: قصْدُ الفِعْلِ والشخصِ بما يقتلُ غالبًا مباشرةً أو تسببًا كما سبقَ، وسيأتي قَصْدُ السبب.
وشبهُ العمد: أن يقصدَ مباشرةً أو تسببًا الفعل والشخص بما لَهُ مدخلٌ فِي الإهلاكِ، لكن لا يقتلُ غالبًا، ومنهُ الضربُ بالسَّوطِ والعصا الخفيفةِ، وبجمعِ الكفِّ بشرطِ أن لا يتوالى فِي شيءٍ منْ ذلكَ إلَى ما يقتلُ غالبًا، ومنه الرَّمي بالحجرِ الصغيرِ.
والخطأ: أن لا يقصدَ الفعلَ بأن زلقَ فسقطَ على غيرِهِ بغيرِ اختيارِهِ فقتلَهُ، أو يقصدُ الفعلَ ولا يقصدُ الشخصَ بأنْ رمَى إلى هدفٍ فأصابَ إنسانًا أو قصدَ الشاخصَ على أنَّه غيرَ إنسانٍ بأنْ ظَنَّهُ صيدًا فبانَ إنسانًا.
والسببُ: ما أثَّرَ فِي تحصيلِ ما يؤثِّرُ فِي الزُّهوقِ إما حسًّا، وهو الإكراهُ، أو شرعًا كما فِي الشهادةِ، أو عُرفًا كما فِي تقديمِ الطَّعامِ المسمومِ.
فإذا أكرههُ على صعودِ شجرةٍ أو نزولِ بئرٍ لا يسلمُ منهُ غالبًا فهو عمدٌ موجبٌ للقودِ كما سبقَ فِي السُّمِّ، وإن كانَ يحصلُ منهُ الهلاكُ نادرًا فشبهُ عمدٍ.
وإنْ كانَ لا يحصلُ هلاكٌ أصلًا لم يجبْ شيءٌ، ويحتَمَلُ أن يكونَ خطأ.
وإذَا أكرَهَهُ على قتلِ آخرَ يكافئهما فقتلَهُ مكرهًا وجبَ القودُ على كلٍّ منهُما، وفِي الأمرِ رجلًا أنَّهُ لا قودَ عليه، وفِي المأمورِ قول أنَّهُ لا قودَ عليهِ
الجزء: 4 - الصفحة: 50
والقودُ على الآمرِ، والمعتمدُ أنَّهُمَا شريكَانِ.
فإذا آلَ الأمرُ إلى الديةِ فهي عليهِمَا بالسويَّةِ.
وإن كان أحدُهما مكافئًا قُتِلَ المكافئُ، ووجبَ نصفُ الديةِ على غيرِ المكافئِ.
ولو أكرهَ بالغٌ مميزًا على قتلِ إنسانٍ فقتلَهُ وجبَ القصاصُ على الآمرِ إنْ جعلْنَا عمدَ الصبيِّ عمدًا، وهو الأصحُّ، وتجبُ نصفُ الديةِ فِي مالِ الصبيِّ إن جعلْنَا عمدَهُ عمدًا، وهو الأصحُّ كما تقدَّم، فإن جعلناهُ خطأً فعلى عاقلتِهِ.
ولو أكرَهَ مميزٌ بالغًا فلا قصاصَ على المميزِ، وفِي البالغِ الخلافُ، فإن جعلْنَا عمدَ الصبيِّ عمدًا، وهو الأصحُّ، فعليهِ القصاصُ، وإنْ قُلنا خطأٌ، فلا قصاصَ قطعًا؛ لأنَّهُ شريكُ مخطئ 2.
ولو أكرَهُ رجلٌ رجلًا على أن يرمي إلَى طَلَلٍ عَلِمَ الآمر أنَّهُ إنسانٌ، وظنَّهُ المأمورُ حجرًا أو صيدًا، أو على أَنْ يرمِي سُتْرةً ورآها إنسان وعلمه الآمرُ دونَ المأمورِ فلا قصاصَ علَى المأمورِ، وأمَّا الآمرُ فالأصحُّ المعتمد في الفتوى أنَّهُ لا قصاصَ عليهِ؛ لأنَّه شريكُ مخطئ، خلافًا لما صحَّحَهُ فِي "المنهاجِ" 3 تبعًا لأصلِه منْ وجوبِ القصاصِ عليهِ تفريعًا على أنَّ المأمورَ كالآلةِ، وهو رجلًا مرجوحٌ كما قالَ شيخُنا.
والأصحَّ أنَّه شريكٌ مخطئٌ 4.
وإذا أكرَهَهُ على صعودِ شجرةٍ فزلقَ وماتَ فصحح المصنِّفانِ أنَّهُ شبهُ
الجزء: 4 - الصفحة: 51
عمدٍ، وقال شيخنَا: والذي عندنا أنَّ الأصحَّ أنَّه خطأ محضٌ 5.
وإذا أكرهه على قتلِ نفسِه فلا قصاصَ عليهِ كما جزمَ بهِ القفال والقاضِي حسين، والإمامُ، والغزاليُّ، وما وقعَ فِي "المنهاجِ" من إثبات قولِه.
قال شيخنَا: لم أقفْ عليهما فِي منصوصاتِ الشَّافعيِّ -رضي اللَّه عنه- ولا يعرفانِ فِي كتبِ المذهبِ، وانفردَ البغويُّ بنقلهما فِي "التهذيبِ" وتبعهُ الخوارزميُّ فِي "الكافي" 6.
ولو قالَ لهُ: "اقتلنِي وإلَّا قتلتُكَ"، فالمذهبُ لا قصاصَ ولا ديةَ جزمًا 7. وإن قتلَهُ للدفعِ كما إذا قالَ: "أنا لا أفعل ذلك فِي.
. . 8 بحيث يعني قتله للدفع فلا قصاصَ، ولا ديةَ جزمًا 9.
وإذا قالَ "اقتلْ زيدًا أو عمرًا وإلَّا قتلتُكَ" فالأصحُّ كما قالَهُ شيخُنا تبعًا للقاضي حسينِ أنَّه إكراهٌ، خلافًا لما رجحاهُ من عدمِ الإكراهِ وعلَّلا ذلكَ بأنَّهُ تخييرٌ، فإنَّه لَا يتخلَّصُ من قتلِهِ إلَّا بقتلٍ واقعٍ على معيَّنٍ منهما، وليسَ كمَا لو أكرهَهُ علَى أن يطلِّقَ إحدَى زوجتيهِ فإنَّهُ يمكنُهُ أن يقول: إحداهُما طالقُ، فإذا طلَّقَ معينةً كانَ مختارًا فِي تعيينها، وأمَّا هنا فلا يمكنُه أن يتخلَّصَ منهُ إلَّا بفعلهِ فِي معيَّنٍ 10.
وإذا شهدَ الشاهدُ أنَّ على رجلٍ بقصاصٍ فقتلَ، ثم رجعا وقالَا: تعمَّدنا،
الجزء: 4 - الصفحة: 52
فعليهما القصاصُ، وكذَا لو رجَعَ أحدُهما وقال: تعمَّدنَا، يلزمُه القصاصُ أيضًا، وإنِ اقتصَرَ على قولِهِ تعمَّدتُ فلا قصاصَ عليه.
وإن قالَ كلُّ واحدٍ منهُما تعمَّدتُ، ولا أعلمُ حالَ صاحبِي، أو قالَ: كلُّ واحدٍ منهُما تعمدتُ مقتصرًا عليه، فإنَّهُ يلزمهُما القصاصُ، ولا 11 بدَّ فِي إلزامِهمَا القصاصَ فِي صورةِ مَن يخفى عليهما أن يقولَا: وعلمنا أنَّهُ يقتلُ بشهادتِنَا، فلو لم يقولَا ذلكْ وكانَا ممن يجوز خفاؤُه عليهما لقربِ عهدِهمَا بالإسلامِ ونحوِه، فالذي قالَهُ الأصحابُ أنَّه شبهُ عمدٍ، لا يوجبُ قصاصًا.
ولو قالَ الشهودُ: لم نعلمْ أنَّه يُقتلُ بشهادتنا لظهورِ أمورٍ فينا تقضي بردِّ شهادتِنا فيمَا شهدْنَا به، ولكن الحاكمَ قصَّر.
قالَ شيخُنَا: فيكونُ هذا شبهُ عمدٍ، ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لهُ، فإن اعترَفَ الوليُّ بأنَّه كانَ عالمًا بكذبِ الشاهدينِ عندَ قتلِه فلا قصاصَ عليهما، ويلزمُ وليَّ المقتول حينئذٍ القصاصُ.
وإذا لم يعرفِ الوليُّ ولكنْ رجعَ القاضِي والشهودُ وقالَ القاضِي: كنتُ عالمًا بكذبِ الشُّهودِ حينَ حُكمِي بشهادتِهم بالقتلِ، أو حينَ القتلِ، فلا قصاصَ على الشهودِ، ويكونُ القصاصُ على القاضِي؛ لأنَّهُ هو الذي قتَلَ ولا أثرَ لشهادةِ الشُّهودِ كما فِي الوليِّ 12.
- قاعدةٌ: قالَ الشَّيخُ أبو حامدٍ: لا يجبُ القصاصُ بغيرِ مباشرةٍ إلَّا فِي صُورتينِ: المكرهُ، وإذَا شهدَا عليهِ بمَا يقتضي القتلَ، فقتلَ ثمَّ رجعَا، وقالَا تعمَّدنا.
انتهى.
وقد تقدَّمَ ما فِي ذلكَ، ويُزادُ عليهِ الضيافةِ بالمسمومِ، وإذا ضيفَ بمسمومٍ
الجزء: 4 - الصفحة: 53
يقتلُ غالبًا صبيًّا غيرَ مميزٍ أو مجنونًا فماتَ، وجبَ القصاصُ.
وأمَّا المميزُ فإن بينَ له حالَ الطَّعامِ كان كالبالغِ العاقلِ وحكم البالغ العاقل أنَّهُ إذا ضيَّفهُ بمسمومٍ يقتلُ غالبًا ولم يبينْ لَهُ حالَ الطَّعامِ أنَّه يجبُ عليهِ القصاصُ كما رجَّحَهُ الشافعيِّ رضي اللَّه عنه فِي "الأمِّ" 13 حيثُ قالَ: ولو كانَ الساقي للسمِّ الذِي أقيدَ من ساقيِهِ 14 لم يكره المسقي، ولكنَّهُ جعلَهُ لَهُ فِي طعامٍ أو خاص لَهُ عسلًا أو شرابًا غيرهُ فأطعمَهُ إياهُ أو سقاهُ 15 إياهُ غيرَ مكره عليه، ففيها قولانِ:
أحدُهما: عليهِ القودُ إذا لم يعلمه أنَّ فيه سمًّا، وكذلك لو قالَ: هذا دواءٌ فاشربْهُ، وهذا أشبههما.
والثاني: أن لا قودَ عليِه وهو آثمٌ لأنَّ الآخرُ شربَهُ.
هذا نصُّه رضي اللَّه عنه.
وقد رجَّح من القولين الأوَّلَ، فهو مذهبُهُ خلافًا لما رجَّحهُ النوويُّ من ترجيحِ لزومِ الديةِ ومنعِ القصاصِ.
وإن دسَّ شخصٌ سُمًّا يقتلُ غالبًا فِي طعامِ شخصٍ فأكلَهُ جاهلًا فلا عقلَ ولا قودَ ولا كفَّارةَ على النصِّ، وإذا تركَ المجروحُ علاجَ جرحٍ مهلكٍ فماتَ منهُ وجبَ القصاصُ بلا خلافٍ.
ولو ألقَى إنسان إنسانًا فِي ماءٍ مغرقٍ فمكثَ الملقَى فيهِ مضطجعًا حتَّى ماتَ فلا شيءَ علَى مَنْ ألقاهُ؛ لأنَّهُ هوَ أهلَكَ نفسَهُ.
فإن كانَ الماءُ مغرقًا، ولا يمكنُ الخلاصُ منهُ إلَّا بالسباحةِ ولم يحسنْها الملقَى، أو كانَ مكتوفًا أو زَمِنًا، فذاك عما يوجبُ القصاصُ على مَن ألقَاهُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 54
وإن أحسنَ السباحةَ وأمكنهُ فتركَهَا، فلا قصاصَ ولا ديةَ؛ لأنَّهُ بمنزلةِ مَن طرَحَ نفسَهُ، وكذلكَ لا قصاصَ ولا ديةَ فيما إذا ألقاهُ فِي نارٍ يمكنهُ الخلاص منه فمكث.
وإذا أمسكه إنسانٌ فقتله غيرُهُ أو حَفَرَ بئرًا فردَّاهُ فيها آخرُ والتردية فِي البئر يحصلُ منها القتلُ غالبًا، أو ألقاهُ فِي طَلَلٍ فتلقاهُ غيرُهُ فقدَّه فالقصاصُ على مَن قتلَ وردَّى، وقدَّ خاصَّة؛ لأنَّهُم المباشرون.
فصل في اجتماع مباشرين
فإذا صَدَرَ فِعْلانِ مزهقانِ للروحِ من شخصينِ، ينظر؛ إنْ وُجدا معًا فهما قاتلانِ، سواء كانا مُذَفِّفَين 16 بأنْ حزَّ أحدُهما رقبتَه، وقدَّهُ الآخرُ نصفين، أو لم يكونَا مُذَفِّفَين بأنْ أجافَ 17 كلّ منهُما أو قَطَعَا عضوينِ، وماتَ منهُما.
وإنْ كانَ أحدُهمَا مُذَفِّفًا دونَ الآخرِ فالمُذَفِّف هو القاتل.
وإن طرأ فعلُ أحدِهما على الآخرِ فإن وجد فعل الثَّاني بعد انتهاءِ المجني عليهِ إلى حركةِ المذبوحِ، فالقاتلُ هوَ الأوَّلُ، ولا شيءَ على الثَّانِي سوى التعزيرُ.
والمرادُ بحركةِ المذبوحِ الحالةُ التي لا يبقَى معها الإبصارُ والإدراكُ،
الجزء: 4 - الصفحة: 55
والنطقُ والحركةُ الاختياريان (1). وإنْ وُجدَ فعلُ الثَّاني قبلَ انتهائِه إلى حركةِ المذبوحِ، فإن كانَ الثَّانِي مُذَفِّفًا بأن جرحَهُ الأوَّلُ وحزَّ الثَّاني رقبتَهُ فالقاتلُ هو الثَّاني، وعلى الأولِ قصاصٌ فِي العضوِ أو المالِ على ما تقتضيهِ الحالُ، وإن لم يكنِ الثَّاني مُذَفِّفًا وماتَ بسرايتِهمَا فهما قاتلانِ، ويجبُ القصاصُ على قاتلِ المريضِ المشرفِ على الموتِ (2).
فرع
: قتل مسلمًا ظنَّ حرابتَهُ بدارِ الحربِ، فلا يجبُ عليهِ القصاصُ، ولا تجبُ الديةُ على الأظهرِ، وتجبُ الكفَّارةُ قطعًا.
وإن كانَ القاتلُ ذميًّا، لم يستعنْ بهِ المسلمونَ وقتلَهُ بدارِ الحربِ، على ظنِّ أنَّهُ حربيٌّ فإنَّه يقتلُ به على الأرجحِ المعتَمَدِ، وفِي نصِّ الشافعيِّ ما يشهدُ لَهُ.
وإذا قتلَهُ بدارِ الإسلامِ، وكانَ فِي صفِّ أهلِ الحربِ فلا قصاصَ قطعًا، وكذا لا دية على الأظهرِ.
وإذا كان فِي دارِ الإسلامِ وليسَ فِي صفِّ أهلِ الحربِ وظنَّهُ 20 كافرًا حربيًّا من غيرِ أن يعهدَهُ بالصفةِ المذكورةِ فبانَ أنَّهُ مسلم فإنَّهُ يجبُ القصاصُ قطعًا بخلافِ ما إذا ظنَّهُ حربيًّا فِي دار الحربِ، فإنَّه لا فرقَ بين أن يعهدَهُ كذلك أو لا يعهدُهُ.1819
الجزء: 4 - الصفحة: 56
وإذا قتلَ من عهدَهُ مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا فبانَ أنَّهُ أسلمَ أو عتقَ والقاتلُ بمقتضَى ما عهدَهُ ممن يُقتل بهِ، وجبَ القودُ، وكذا إن لم يكن ممن يقتلُ بهِ على الأظهرِ، أو ظنَّهُ قاتلَ أبيهِ، فلم يكن وجبَ القودُ على المذهبِ.
ولو ضرَبَ مريضًا جهلَ مرضَهُ ضربًا يقتلُ المريضَ غالبًا وصدرَ الضربُ فِي غيرِ تأديبٍ، فيجبُ القصَاصُ حينئذٍ، ويشترطُ لوجوبِ القصاصِ إسلامُ القتيلِ، أو أمانُهُ، وعدمُ صِيالٍ معين قَبْلَه فيه للدفعِ، ومن عليهِ القصاصُ إن قتله غير المستحقِّ قُتِلَ، إلَّا أَنْ يقتلَهُ فِي قطع الطريقِ فلا يقتلُ بهِ إلَّا إذا قتَلَهُ مَن هوَ فِي مِثلِ حالتِهِ بالنسبةِ إلى أنهُ يقتل فِي حق اللَّهِ تعالى، كالزانِي المحصَن، وتارك الصلاةِ، ونحوهما على الأصحِّ.
والزاني المحصنُ الذِّميُّ الكتابيُّ إذا قتَلَهُ ذميٌّ ليسَ زانيًا محصنًا ولا وجبَ قتلُهُ بقطعِ طريقٍ ونحوِه، فإنَّهُ لا يقتلُ بِهِ على المعتمدِ.
إن قتلَهُ مَن هوَ مثلُهُ قتل، وإن قتلَهُ مسلمٌ فلا، على الصحيحِ المنصوصِ، والزاني المسلمُ المحصنُ إذا قتَلَهُ مَن هو مثلُهُ فالأصحُّ أنَّهُ يقتلُ بِهِ، وإن قتلَهُ مسلم غيرُ زانٍ محصنٍ بعد أمرِ الإمامِ بقتل الزاني المحصن المذكورِ فإنَّهُ لا يقتلُ بهِ قطعًا، وإن قتلَهُ بغيرِ إذنِ الإمامِ له عُزِّرَ لافتياتِهِ، وإذَا كانَ القاتلُ لَهُ بالصفةِ المذكُورةِ قد رآه يزني، وعلم أنَّه محصنٌ فإنَّه لا يُقتَلُ بِهِ بلَا خلافٍ.
ويشترطُ فِي القاتِلِ أَنْ يكونَ ملتزمًا للأحكامِ 21، فلا قصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ ولا حَرْبِيِّ إذا قَتَلَ فِي حرابتِهِ، وتجبُ على المرتدِّ والمعصومِ، وعلى مَن سَكَرَ ومَن تعدَّى بشربِ دواءٍ مزيلٍ للعقلِ، ولو قالَ القاتلُ: كنتُ
الجزء: 4 - الصفحة: 57
يومَ القتلِ صغيرًا؛ صدِّق بيمينِهِ بشرطِ الإمكَانِ، ولو قالَ كنتُ مجنونًا عندَ القتلِ، وكانَ عُهِدَ لَهُ جنون صدِّقَ، وإلَّا فَلَا.
وشرطُه التكافؤ، فلا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ، ويقتلُ الكافرُ بالمسلمِ، ويقتَلُ الذِّميُّ بالذمِّي، ويقتلُ المرتدُّ بالذِّمِّيِّ، ولا يُقتَلُ الذِّمِّيُّ بالمرتدِّ، ويقتلُ المرتدُّ بالمرتدِّ.
وإذا أسلمَ الكافرُ بعدَ أَنْ قتَلَ المسلمَ؛ فعليهِ القِصاص على الأصحِّ، ولو جَرَحَ ذميٌّ ذميًّا ثم أسلمَ الجارحُ، ثمَّ بعد ذلك ماتَ المجروحُ لم يسقطِ القصاصُ على المنصوصِ.
ويقتلُ القِنُّ والمُدَبَّر والمكاتَبُ وأمُّ الولدِ بعضهم ببعضٍ للتساوي فِي (1)، ولا نظرَ إلى ما انعقدَ لَهُم من سبب الحريةِ، ولا يقتل المكاتبُ بعبده على المذهبِ، وإن كان رقيقًا مثلُه؛ لأنَّه سيِّدُه، ولا يقتلُ المكاتبُ بِأَبِيهِ إذا قتلَهُ وهو يملكُهُ.
ضابط
ٌ: ليسَ لنَا عبدٌ لا يُقتلُ بعبدٍ، ولا ولدٌ لا يقتلُ بأبِيهِ فِي حالةِ تكافئهما، إلَّا هذا، ولو قَتَلَ من يَرِثُهُ، وكذا القاتلُ لم يجبِ القِصاصُ.
وإن قَتَلَ عبدٌ عبدًا، ثم أُعتِق القاتلُ أو جرحه وعُتق، ثم ماتَ المجروحُ، فعلى ما تقدَّم فيما لو قتل ذميٌّ ذميًّا، أو جرحه ثم أسلمَ من وجوب القصاصِ، ولا يقتل المبعَّض بمثله.
وإذا قتل عبدٌ مسلمٌ حرًّا ذميًّا أو حرٌّ ذميٌّ عبدًا مسلمًا، أو قتل كافر ابنه المسلم أو الابنُ المسلمُ أباهُ الكافرَ فلا قِصاص؛ لأنَّ الحرَّ والمسلمَ والأبَ لا يُقتلُ بمفضولِه.22
الجزء: 4 - الصفحة: 58
ولا يقتلُ الأصلُ وإن علَا ب
فرع
ِهِ وإن سفُلَ فِي غيرِ ما تقدَّمَ، وكمَا لا يُقتلُ بهِ لا يجبُ له على أبيهِ قصاصٌ.
وتُقتلُ الفروعُ بالأصولِ بشرطِ التساوِي فِي الإسلامِ والحريَّةِ وما سبقَ.
قاعدة
ٌ: قال ابنُ القاصِّ فِي "التلخيصِ": وكلُّ عاقلٍ بالغٍ قَتَلَ عمدًا وجبَ عليِهِ القودُ إذا كانَا متكافئينِ، إلَّا فِي خمسةٍ: الآباءِ، والأمهاتِ، والأجدادِ، والجداتِ، ولو قتلَ رجلٌ رجلًا فورثَ القاتلُ بعضَ قصاصِ المقتولِ لم يقتَلْ.
انتهى.
والقاتلُ لا يرثُ من المقتولِ ابتداءً، ولعلَّ المرادَ: استحقَّ بعضَ القصاصِ ولدُ القاتل.
وإذا تداعى رجلانِ مجهولًا 23، ثم قتلَهُ أحدُهُما، أو قتلاهُ، فلا قصاص فِي الحالِ، فإن ألحقَهُ القائفُ بأحدِهما، وكانَا مشتركين فِي القتلِ فلا قصاصَ على الذي ألحق به، ولا يقتصُّ مِنَ الآخرِ بمجرَّدِ إلحاقٍ بغيرِ القائفٍ -خلافًا لما فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ- سواءٌ كانَ القائفُ لم يرَ الولدَ إلَّا بعدَ القتلِ، أو كانَ رآهُ قبلَ القتلِ كما هو ظاهرُ نصِّ الشافعيِّ فِي "الأمِّ" 24 فِي ترجمةِ ما جاءَ فِي الرجلِ يقتلُ ابنَهُ، وبِهِ جزَمَ الماورديُّ، وهو المعتمدُ.
قال الشافعيُّ رضي اللَّهُ عنهُ: (وإذا تداعَى الرَّجُلانِ ولدًا فقتَلَهُ أحدُهمَا قبلَ يبلغَ فينتسبُ إلى أحدِهمَا أو يراهُ القافةُ دَرَأْتُ عنهُ القوَدَ للشبهةِ، وجعلتُ الديةَ فِي مالِهِ).
فقد درأ الشافعيُّ عنهُ القوَدَ مطلقًا من غيرِ توقفٍ علَى قولِ القائفِ؛ لأنَّ قولَهُ حجَّةٌ على خلافِ القياسِ، فيقتصرُ بِهَا على مجرد
الجزء: 4 - الصفحة: 59
إلحاق النسبِ بشُروطه من غيرِ إيجابِ قصاصٍ على القاتلِ كما إذا أثبتنا هلالَ رمضانَ بواحدٍ، لا يُحكمُ بحلولِ الدينِ المؤجل ولا بإيقاعِ الطَّلاقِ المعلَّقِ على مجيءِ رمضانَ قبلَ الثُّبوتِ، وعَدمُ القتلِ أولى.
فرع
الجزء: 4 - الصفحة: 60
عن الأصحابِ أنَّهُ يقتصقّ من المبتدئِ وهو الأرجحُ فِي "الرَّوضة" 28. وإذا قَتَلتْ جماعةٌ واحدًا قُتِلُوا به 29، ثمَّ للولي أَنْ يقتلَ جميعَهم وله أن يقتلَ بعضَهم، ويأخذَ حصَّةَ الباقين منَ الدِّيةِ، وله أن يقتصرَ على الدِّيةِ فيكونُ على جميعهم ديةٌ واحدةٌ موزَّعةٌ على عددِ رءوسِهم لا عددِ الجراحاتِ، والصَّحيحُ فِي الضَّرَباتِ التَّوزيع على عددِها لا عدد الرُّءوسِ.
وإذا شاركَ الأبُ أجنبيًّا فِي قتلِ الولدِ فعلى الأجنبيِّ القِصاصُ وعلى الأبِ نصفُ الدِّيةِ المغلَّظةِ.
ومثلهُ لو شاركَ حرٌّ عبدًا فِي قتلِ عبدٍ، أو مسلم ذميًّا فِي قتلِ ذمِّيٍّ لا قِصاص على الحرِّ والمسلمِ، ويجبُ على العبدِ والذِّميِّ.
وإذا جرحَ حربيٌّ ومسلمٌ وماتَ منهما أو قطعتْ يد إنسانٍ فِي مرضه أو قصاص ثم جرحه رجلُ عدوانًا، أو جرحَ مسلم مرتدًّا أو حربيًّا ثم أسلمَ فجرحهُ غيرُهُ، أو جرحَ ذمِّيٌّ حربيًّا ثمَّ عُقِدَتِ الذمة للمجروحِ فجرحه ذميٌّ آخرُ أو جرح صائلًا ثم جرحهُ غيرُه، فأظهرُ القولينِ وجوبُ القصاصِ فِي هذهِ الصُّورِ كشريك الأبِ.
ولو جرحَ شخصٌ شخصًا جراحتينِ إحداهُما عمدٌ والأخرى خطأٌ، فمات بهما فلا قصاصَ فِي النفسِ، وتجبُ نصفُ الدِّيةِ المغلَّظةِ فِي ماله ونصفُ المخفَّفةِ على عاقلتِه 30.
الجزء: 4 - الصفحة: 61
وإذا داوى المجروحُ نفسَهُ بسمٍّ قاتلٍ، فليسَ على الجارحِ قصاصٌ فِي النَّفسِ وإنَّما عليه أرشُ جراحتِه، أو القصاصُ إنْ تعلَّق بها قصاصُ طرفٍ وغيرِهِ مما فيه القصاصُ 31.
وإن كانَ السُّمُّ مما لا يقتلُ غالبًا فالجارحُ شريكٌ لصاحبِ شِبْه عمدٍ، فلا قصاصَ عليه فِي النَّفسِ ولكنْ عليه نصفُ الدِّيةِ المغلَّظةِ أو القصاص فِي الطرفِ أو غيره كما تقدَّم، فإن كانَ السُّمُّ قاتلًا غالبًا ولم يعلمِ المجروحُ ذلك فهو كالحالةِ الثَّانيةِ.
وإن علمَهُ فالأصحُّ أنَّه كشريكِ جارح نفسِه، فيجبُ القصاصُ على الأظهرِ.
وإذا ضربَ جماعَةٌ رَجُلًا بسياطٍ أو عصى خفيفةٍ حتَّى قتلوه 32، فإن كانتْ ضرباتُ كلِّ واحدٍ منهم قاتلةً لو انفردتْ، فعليهم القصاصُ.
وإنْ آلَ الأمرُ إلى الدِّيةِ فتوزَّعُ عليهم على عددِ الضَّرباتِ على أرجحِ القولينِ.
وإنْ لَم يكُنْ ضربُ كلِّ واحدٍ قاتلًا، فأصحُّ الأوجهِ وجوبُ القصاصِ عليهم إنْ تواطَئُوا.
وإذا قتلَ واحدٌ جماعةً قُتِلَ بأحدِهِمْ ووجبَتْ دِيَةُ الباقينَ، ثم إنْ قتلهم مرتبًا فيقتلُ بالأولِ.
الجزء: 4 - الصفحة: 62
وإنْ قتلهم دفعةً واحدةً أُقرِعَ بينهم؛ فَمَنْ خرجتْ قرعته قُتِلَ به، فإن قتلهُ غيرُ الأولِ من المستحقينَ كان عاصيًا ووقع ذلك القتلُ قِصاصًا، ويجبُ للأولِ دِيَةٌ لتعذُّرِ القصاصِ.
فرع
الجزء: 4 - الصفحة: 63
مضمونةٌ على الجارحِ بالقصاصِ على الأصحِّ، ثمَّ إن كانت الجراحةُ ممَّا يوجبُ القِصاصُ كالمُوضِحةِ وقطع اليدِ، فيجبُ القصاصُ فِي الموضحةِ والطرف يستوفيه الذي كان يرثُهُ لولا الردة.
وإن كانت الجراحة موجبةً للمالِ، فالأصحُّ أنَّه يجب أَقَلُ الأمرين من الأرش الذي تقضيه الجراحةُ وديةُ النَّفس.
وإذا جرح مسلمٌ أو ذميٌّ مسلمًا ثم ارتد، ثم أسلم ومات بالسراية وقلنا: إن الذمي لا يقتل بالمرتد -وهو الأصح كما تقدم- فلا قصاص، وتجب الدية بكمالها على الأصحِّ، ونصفها فِي قول.
وإذا جَرَحَ مسلمٌ ذميًّا فأسلمَ، أو جرحَ حرٌّ عبدًا فعتق، ومات كلٌّ منهما بالسَّراية، فلا يجبُ القصاصُ؛ لأنَّ كلًّا منهما لم يقصد بالجناية من يكافئه.
وتجبُ ديةُ المسلمِ لورثتِهِ.
والعتقُ لمعتقه إن كانتْ ديةُ العتيق مثل قيمته أو أقلَّ؛ لأنَّهُ استحق هذا القَدْرَ بالجنايةِ الواقعةِ فِي ملكِهِ.
وإنْ زادتْ ديةُ العتيقِ على قِيمتِهِ كانتْ الزِّيادَةُ لورثتِهِ؛ لأنَّها وجبتْ لسببٍ، وهَذَا إذا كانَ الجُرحُ ليس له أرشٌ مقدَّرٌ، فإن كانَ لهُ أرشٌ مقدَّرٌ كالموضحةِ فللسيدِ على أصحِّ القولينِ أقلُّ الأمرينِ من الدِّيَةِ، ومن.
. . . 36 عشر قيمةِ الأمِّ.
وإذَا لم يكنْ مقدَّرًا ولكنه تابع لمقدر كالجرح على أصبع فللسيدِ على أصحِّ القولينِ الأقلُّ من الديةِ، ومن عُشْر ناقص شيئًا باجتهادِ الحاكم.
ولوْ كانَ المتبوعُ للإصبعِ لمْ يكُنْ للمالكِ على أصحَّ القولينِ إلَّا أقل
الجزء: 4 - الصفحة: 64
الأمرينِ من عشرِ القيمةِ، وكلُّ الديةِ ففِي الجراحةِ على الإصبعِ لا يمكنُ أن يصلَ إلى عشرِ القيمةِ، فيجبُ الأقلُّ كما تقرَّرَ.
ولو قَطَعَ حرٌّ يدَ عبدٍ فعتق فجَرَحهُ آخرُ وماتَ بسرايتهم فلا يجبُ القصاصُ على الأوَّلِ، ويجبُ على الآخرِ (1).
قاعدة
ٌ: كلُّ جرحٍ أوله غيرُ مضمونٍ لا ينقلبُ مضمونًا بتغيُّرِ الحالِ فِي الانتهاءِ.
وإنْ كانَ مضمونًا فِي الحالينِ اعتبر فِي قدر الضمان الانتهاءُ، وهذا بخلافِ القصاصِ؛ فإنَّه تعتبرُ الكفاءةُ فِي الطرفينِ والوسطِ.
فصل
يُشترطُ فِي القصاصِ فِي الأطرافِ أن يكونَ القطعُ عمدًا محضًا عُدوانًا كالقتلِ الموجبِ للقصاصِ (2)، فلا يجبُ القصاصُ فِي الجراحاتِ وإبانةِ الأطرافِ إذا كانتْ خطأً أو شبه عمدٍ، ومِن صُورِ شبهِ العمدِ أن يضربَ رأسَهُ بحجرٍ لا يَشُجُّ غالبًا، فيتورَّمُ الموضعُ وينتهي الحالُ إلى وضوحِ، فلا قصاصَ، ويستثنى من ذلكَ ما إذا قُلعَ سنُّ منْ لم يثغرْ فإنَّه ليس ممَّا يفسدُ غالبًا، فإذَا بأنَّ فساد المنبتِ وجبَ القصاصُ على النصِّ.
* ضابطٌ: تفارِقُ الأطرافُ النفسَ فِي أمورٍ:
أحدُها: أنَّ الأجسامَ لا تُضمنُ بالسِّرايةِ، بخلاف الروحِ.3738
الجزء: 4 - الصفحة: 65
الثَّاني: أنَّ الجنايةَ ينبغي أَنْ تكونَ قابلةً للضبطِ حتَّى يستوفى مثلها بلا زيادةٍ ولا نقصان؛ لأنَّ الروحَ مستبقاة، فلا بد من الاحتياطِ، بخلافِ الجناية التي نشأ عنها الزُّهوقُ، فإنَّها قد تكونُ منضبطة، وقد تكونُ غيرَ منضبطةٍ، وذلك لا يؤثرُ فِي استيفاء القصاصِ؛ لأنَّ القصدَ الزهوق، وهو.
. . 39 والجنايةُ على الأطرافِ قد تكونُ منضبطة وقد تكونُ غيرَ منضبطةٍ، فلا سبق فِي.
. . 40 إلَّا إذا كانتِ المماثلةُ ممكنةً.
والثالثُ: أن محلَّ الجنايةِ لا يراعى فِي النفسِ حتَّى لو قطعَ طرَفَ إنسانٍ فماتَ كان للولي أن يحزَّ رقبتَه، وفِي الطرَفِ يراعَى المحلّ.
الرابعُ: أنَّ شرطَ قطع أطرافِ الجماعةِ بالطرفِ أن تصدرَ جنايتهم معًا على ما سيأتي ولا كذلكَ فِي النفسِ حتَّى لو جرحَهُ واحدٌ جراحة، ثم جرحَهُ آخرُ وماتَ بهما أو من ثلاثةٍ فأكثر، وكانوا متكافئينَ بوجهِ القصاصِ إلى الكلِّ على ما سبقَ، وسببه أنَّ زهوقَ الرُّوحِ حصلَ بالسراياتِ وهي مختلطةٌ بالقطعِ لا تميُّزَ فيها، وإبانة اليد حصل بالقطع المحسوسِ، والقطعُ متميز عن القطع.
قال الإمام: وهذا يكادُ يخرم طرق تشبيه الطرف بالنفس.
الخامسُ: أنَّ النفسَ الناقصةَ بعضَ الأطرافِ أو المعاني تقتلُ بالكاملةِ بلا أرشٍ، بخلافِ اليدِ الناقصةِ أصبعًا فإنَّها تقطعُ مع أرشِ النقصِ.
السادسُ: لو قتل السيَّدُ مكاتبَهُ لم يضمنْهُ، ولو قطعَ طرفَهُ ضَمِنَهُ؛ لأنَّ الكتابة تبطلُ بقتلهِ فيموتُ على ملكِ السيدِ ولا تبطلُ بقطعِ طرفِهِ،
الجزء: 4 - الصفحة: 66
وأرشه كسب.
. . . (1) له ذلك.
ويقطعُ الجماعةُ بالواحدِ إذا اشتركوا بأنْ وضعُوا السكينَ على يدِهِ وتحاملوا عليها دفعةً واحدةً حتَّى أبانوها، قياسًا على النفسِ، فلو تميزَ فعلُ الشركاءِ فلا قصاصَ على واحدٍ منهمْ، ويلزمُ كلَّ واحد الحكومة بالنسبةِ الحاصلةِ.
ولو قطعَ واحدٌ أيدي جماعةٍ فحكمُه بالقطعِ إلى الأولِ، وأمر القرعة عند المعية ما تقدَّمَ فيما إذا قتلَ الواحدُ جماعةً.
والجراحُ الواقعُ على الرأسِ والوجهِ -ويسمى الشِّجاج- عشرٌ:
1 - الخارصة: وهي التي تشقُّ الجلدَ قليلًا نحوَ الخدش، وتسمَّى الخرصة أيضًا.
2 - والدامية: وهي التي تدمي موضعها من الشقِّ والخدشِ ولا يقطر منها دمٌ، فإن سألَ منها دم فهي الدامعةُ -بالعينِ المهملةِ-.
3 - والباضعة: وهي التي تبضعُ اللحمَ بعد الجلدِ، أي تقطعُه.
4 - والمتلاحمةُ: وهي التي تغوص فِي اللحمِ ولا تقطعُ الجلدة التي بين اللحم والعظمِ.
5 - والسِّمْحاق: وهوَ الذي يبلغُ تلكَ الجلدةَ.
6 - والموضحةُ: وهي التي تخرقُ السمحاقَ، وتوضح العظم.41
الجزء: 4 - الصفحة: 67
7 - والهاشمةُ: وهي التي تهشم العظمَ، يعني تكسره.
8 - والمُنْقِلةُ: وهي التي تنقلُ العظمَ من موضعٍ إلى موضعٍ.
9 - والمأمومةُ: وهي التي تبلغُ أمَّ الرأسِ، وهي خريطةُ الدماغِ المحيطةُ به.
10 - والدامغةُ: -بالغين المعجمة- وهي التي تخرقُ الخريطةَ وتصلُ الدماغَ، وهي مدففة، وزاد بعضهم فِي الشجاج: "الجائفة" -بالجيم والفاء- وعن إبراهيم الحربي أنها الأولى من الشجاج، والخارصة تليها، والأكثرون عكسها، وقالوا إنها تلي الخارصةَ، وهي التي تغشى الجلد مع اللحم، وعلى هذا فلا يخرج عن الشجاج المذكور لأنها إن قَطَعَتْ قليلًا من اللحم كانت باضعة، وإن غاصتْ كانت متلاحمة، وإن استوعبته قطعًا فهي السمحاق 42 أو ما بعدها، ويجوزُ أن تُجعلَ بين الخارصةِ والداميةِ؛ كأنها أخفَى مِنَ الخارصةِ، لكن لا تدمي الموضع منها.
وتذكرُ فِي الشجاج المَفْرِشة -بالفاء- وهي التي تصدع العظم أي لا تشقُّه ولا تكسرهُ، وقد يُقالُ المقرشة -بالقاف-.
وذكر بعضهم القاشرة، وهي الجائفةُ بعينها، ويجوز أن يجعل القاشرة هي الجائفة أو دونها، وفوق الخارصة.
وجميعُ هذهِ الشجاجِ تتصور فِي الجبهة كما تتصور فِي الرأس.
والقصاص واجبٌ فِي الموضحةِ فقطْ لتيسرِ ضبطِها، واستيفاء مثلها، وأمَّا المُوضحةُ التي توضح عظمَ الصدرِ والعنقِ أو الساعدِ أو الأصابع فيجبُ
الجزء: 4 - الصفحة: 68
القصاصُ فيها على أصحِّ الوجهينِ، وهو ظاهرُ النصِّ، وإذا.
. . 43 فِي الجراحاتِ فِي جميعِ البدنِ بالمختارِ.
قلتُ: يجبُ القصاصُ فِي الجراحةِ على أي موضعٍ كانت بشرطِ أن ينتهي إلى عظمٍ ولا بكسرهِ، ولو قطع بعض الأذن وبعض المارنِ من غير إبانةٍ وجبَ القصاصُ على الأظهرِ.
واعلمْ، أنَّ فِي القطعِ من المفاصلِ القصاصَ حتَّى فِي أصلِ الفخذِ والمنكبِ إن أمكنَ من غير إجافةٍ، فإن لم يمكنْ إلَّا بالإجافةِ فلا قصاص على ظاهرِ النَّصِّ إن كانَ الجاني قد أجافَ بقطعِه من الفخذِ أو المنكبِ.
وقال أهلُ البصرِ: يمكنُ أن يُقطعَ ويجافَ مثلَ إجافتِه، فأمَّا إذا لم يجف ولم يمكن القصاصُ إلَّا بإجافةٍ فلا يجوز بلا خلافٍ.
وكذلك لو قَالَ أهلُ البصَرِ: لا يمكنُ إلَّا بإجافةٍ زائدةٍ على إجافتِه؛ فإنَّه لا يقتصُّ كذلك قطعًا.
ويجبُ القصاصُ في فقأِ العينِ وقطعِ الأذنِ والجفنِ والمارنِ والشفةِ واللسانِ والذكَرِ والأنثيينِ، ويجب القصاصُ فِي الشِّفرينِ على النصِّ، ولا يجبُ فِي الأليتينِ على المعتمدِ عندَ الأكثرينَ، وادعَى الإمامُ اتفاقَ الأصحابِ عليهِ خلافًا لما صححهُ فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِه.
ولا قصاصَ فِي كسرِ العظامِ إلَّا السِّنَّ فيجبُ فيها القصاصُ على النصِّ إذا أمكنَ.
قال الشافعيُّ 44 -رضي اللَّه عنه-: وإذا كسرَ الرجلُ سِنَّ الرَّجُلِ مِن نصفِها سألتُ أهلَ
الجزء: 4 - الصفحة: 69
العلمِ فإن قالوا: يُقْدَرُ على كسرِها من نصفها بلا إتلافٍ لنفسها ولا صدع أقدتُه، وإن قالوا لا يُقدرُ على ذلك لم يقدْه.
هذا نصُّه، وهو الذي ينبغِي أن يُفتَى به؛ لأنَّه الثابتُ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي قصَّةِ الرُّبيِّع -بضمِّ الرَّاءِ- التي لطمتْ جاريةً فكسرتْ ثنيَّتها، فأتَوا النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمرَ بالقصاصِ.
رواهُ الصحيحان.
وفيه دلالةٌ واضحةٌ على إيجابِ القصاصِ فِي كسرِ السِّنِّ، وهو محمولٌ على إمكانِ المماثلةِ.
وحملُ الحديثِ على أنها قلعتها بعيدٌ من الظاهرِ، فإنَّه لا يقالُ فِي ذلك كسرتها، بل يُقال قلعتها.
ضابط
ٌ: ليسَ لنَا موضعٌ يجبُ فيه القصاصُ فِي كسرِ العظامِ إلَّا هذا، والسنُّ عظمٌ كما قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أمَّا السِّنُّ فعظمٌ" 45. وللمجنيِّ عليهِ أن يقطعَ أقربَ مفصلٍ إلى موضعِ الكسرِ الذي حصلَ به انفصالُ ذلكَ، ولو أرادَ أن يقطعَ أبعدَ مفصلٍ فلهُ ذلكَ على الأرجحِ، ويأخذ حكومةَ الباقي مكان البَطْل إلى تمامِ حقِّه 46. ولو قطعَ يدَهُ من نصفِ الكفِّ فلا يقتصُّ فِي الكفِّ، لعدمِ إمكانِ رعايةِ المماثلةِ، ولهُ الالتقاطُ الأصابعِ، وإن تعددَّتِ الجراحةُ؛ لأنَّه لا سبيلَ إلى إهمالِه، وليس بعد موضع الجراحة إلَّا مفاصلَ متعددة، ويجب له بعد قطع الأصابع حكومةُ نصف الكفِّ على الأصحِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 70
فإن قيلَ: لِمَ جرى خلافٌ هنا فِي الحكومةِ، ولم يجرِ خلافٌ فِي ال
فرع
ِ السَّابقِ فِي حكومةِ الباقي؟
فالجوابُ: أنَّ الكفَّ تابعٌ للأصابعِ فِي إيجابِ نصفِ الدِّيةِ فِي الكلِّ، ولا يفردُ بحكومةٍ بعدَ لقطِ الأصابعِ على وجهٍ مرجوحٍ.
ولوْ أوضحَ رأسَهُ وهشمها فلهُ أن يقتصَّ فِي الموضحةِ ويأخذَ ما بينَ أرشِ الموضحةِ والهاشمةِ وهو خمسٌ من الإبلِ.
ولو أوضحَ ونقلَ، فله أن يقتصَّ فِي الموضحةِ ويأخذَ ما بين أرشِها وأرشِ المنقلةِ، وهو عشر، ولو أوضحَ وأمَّ فله أن يوضحَ ويأخذ ما بين الموضحةِ والمأمومةِ، وهو ثمانية وعشرون بعيرًا وثلثُ بعيرٍ.
ولو قطعَ يدهُ من الكوعِ فليسَ لهُ أن يلقطَ أصابعه، فإن تعدَّى وفعلَ فلا غُرمَ عليهِ لاستحقاقِه إتلافَ الجملةِ، فلا يلزمهُ غرمٌ بإتلاف بعضِها، ولكن يعزَّر لتعدِّيه بقطعِ شيءٍ غير ثابتٍ له شرعًا، وأصحُّ الوجهينِ أنَّ لهُ أَنْ يعودَ فيقطعَ الكفَّ.
وإذا كسرَ عظمَ العَضُد وأبانَ اليدَ منهُ فللمجنيِّ عليهِ القطعُ مِنْ المرفقِ، والحكومةُ لبقيةِ العضدِ قطعًا، ولو أرادَ أن يتركَ المرفقَ ويقطعَ من الكوعِ مُكِّنَ على الأرجحِ.
فرع: لو أوضحَ رأسهُ فذهب ضوءُ عينِه، وجبَ القصاصُ فِي الضوءِ والموضحةِ معًا، فإن أوضحَ رأسَ الجانِي فذهبَ ضوءُ عينه فذاكَ، وإلَّا أذهبَ بأخفَّ ممكنٍ كتقريبٍ حديدةٍ محماةٍ منْ حدقتِه.
الجزء: 4 - الصفحة: 71
وإنْ لَطَمَهُ فذهبَ ضوءُ عينهِ واللطمةُ بحيثُ تُذهبُ الضوء غالبًا لُطِمَ مثل تلك اللطمةِ، فإن لمْ يذهبِ الضوءُ أزيلَ بالمعالجةِ.
ضابط
ٌ: ليس لنا موضعٌ يجبُ فيه القصاصُ فِي اللطمةِ إلَّا هذا، نصَّ عليهِ الشَّافعيُّ رضي اللَّه عنه.
والمرادُ هنا بذهابِ الضوءِ ذهابُهما، ولا يجبُ القصاصُ فِي السمعِ على النصِّ، قال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: ولا قودَ فِي السَّمعِ؛ لأنَّه لا يوصل إلى القودِ فيه، فإذا ذهبَ السمعُ كلُّه ففيه الديةُ كاملةً.
وقالَ بعدَ ذلكَ: والأذنانِ غيرَ السَّمعِ، فإذا قطعتا ففيهما القود، وفِي السمعِ إذا ذهبَ الديةُ، وكلُّ واحدٍ منهما غير صاحبهِ.
انتهى.
وما صحَّحهُ فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِهِ من وجوبِ القصاص بمعتمَدٍ 47، وما نصَّ عليه صاحبُ المذهبِ هو المعتمدُ، وكما لا يجبُ القصاصُ فِي السمعِ لا يجبُ القصاصُ فِي البطشِ والذُّوقِ والشَّمِّ على الأصحِّ خلافًا لمَّا صححهُ فِي "المنهاجِ" 48 تبعًا لأصلِهِ من الوجوبِ.
ولا يجبُ القِصاصُ فِي العقلِ كما جزمَ بهِ فِي "المهذبِ" 49، ولا فِي الكلامِ.
قال شيخنا: والذي أعتقدُه أنَّ الأصحَّ فِي الكلِّ عدمُ وجوبِ القصاصِ كما فِي السمعِ، وكذا الأمرُ فِي بقيةِ المعاني من قوةِ الإحبالِ والإمناء، كلها لا
الجزء: 4 - الصفحة: 72
قصاصَ فيها إلَّا البصر.
انتهى.
وكذَا وإذا قطعَ أصبعَه فسرى إلى الكفِّ أو إلى أصبعٍ أخرى بالتآكلِ، لم يجبِ القصاصُ فيما سرَى إليه.
فصل
لا تُقطعُ اليمنى باليسرَى، ولا الشفة العليا بالسُّفلَى، ولا السبابةَ بالوسطَى، ولا بالعكسِ فيها، ولا أنملةُ أصبعٍ بأنملةٍ أخرى من تلكَ الأصبعِ، ولا أصبعٌ زائدةٌ بزائدةٍ أخرى، إذا اختلف محلَّهما، فإن اتفقَ محلَّهما قطعَ الزائدُ بالزائدِ، ولكن يُستثنى منه ما لو اختلفا فِي المفاصلِ، بأنْ كان لأصبعِ الجاني الزائدة ثلاث مفاصل، ولزائدةِ المجني عليه مفصلٌ أو مفصلانِ، فلا يقطعُ أصبعُ الجاني بها.
نصَّ عليه؛ لأنَّه أعظمُ من تفاوتِ المحل.
ولا يقطع حادث بعدَ الجاني بأصلي، فلو قطع شيئًا وليس للجاني مثلُهُ فلا قصاصَ، فلو نبتَ بعد ذلك لم يُقْتَصَّ أيضًا؛ لأنَّها لم تكنْ موجودةً حالة الجنايةِ، والتفاوت فِي الحجم صغرًا وكبرًا وطولًا وعرضًا أو قوةَ البطش وضعفه، لا يؤثِّرُ فِي الأعضاءِ الأصليَّة قطعًا، وكذا فِي الزائدةِ على الأصحِّ.
ويراعَى قدرَ الموضحةِ طولًا وعرضًا فِي قصاصِها، فلا تقابل ضَيِّقَةٌ بواسعةٍ، ولا تصحُّ بضيقةٍ عن واسعةٍ، ولا عبرةَ بتفاوت الشاجِّ والمشجوج فِي غلظِ الجلدِ واللحمِ.
ولو أوضحَ جميعَ رأسِ إنسانٍ ورأس الشَّاجِّ أصغر استوعبنا رأسَهُ إيضاحًا ولا يكتفَى به، ولا ينزلُ الإتمام إلى الوجهِ ولا إلى القَفَا، يؤخذ قسطَ الباقي
الجزء: 4 - الصفحة: 73
من أرشِ الموضحةِ إذا وُزِّع على جميعِها، فإن كانَ رأسُ الشَّاجِّ أكبرَ لم يوضِح المشجوج جميع رأسِه، بل قدر ما أوضح، وأصحُّ الأوجُهِ أنَّ الاختيارَ فِي موضَعِ ما يوضَح إلى الجاني، ولو أوضحَ جميعَ ناصيته وناصيةَ الجاني أصغر تمَّمناهُ قدر الموضحة من باقي الرأسِ، ولو زادَ المقتصُّ من الموضحة على القدرِ المستحَقِّ، فعليه القصاص فِي الزيادةِ إن تعمَّد، فإن أخطأَ أو آل الأمرُ إلى المال وجبَ أرشٌ كاملٌ فِي الأصحِّ.
وإذا اشتركَ جماعةٌ فِي موضحة فتوضحُ من كلِّ واحدٍ منهم مثلَ تلك الموضحةِ على النصِّ 50، وإذا آل الأمر إلى المال وُزَعَ الأرشُ.
ولا تُقطعُ الصحيحةُ بالشَّلَّاء، وإن رَضِيَ الجاني، فلو خالفَ المجنيُّ عليهِ وقطعَ الصحيحةَ لم يقع قصاصًا 51، بل عليه ديتها، فلو سَرَى فعليهِ قصاصُ النفسِ إنْ لمْ يكُنْ برضَى الجاني، فإن كانَ لم يجب قصاصُ النفسِ.
وتقطعُ الشلاءُ بالصحيحةِ إلَّا أن يقولَ أهلُ البصرِ أنَّ أفواهَ العروقِ لا تنحسمُ، ولا ينقطعُ الدمُ، فلا تقطعْ حينئذٍ بالصحيحةِ، وحيثُ جازَ قطعها بالصحيحة، فعلى مستوفيها أن يقنع بها، وليسَ لهُ طلبُ أرشٍ للشَّلَلِ.
وتقطع يدُ السليم ورجلُه بيد الأعسمِ ورجلِ الأعرجِ 52، ولا اعتبارَ باخضرارِ الأظفار واسودادها وزوال نضارتِها، وذاهبة الأظفار تقطع بسليمةِ الأظفارِ بلا خلافٍ، ولا تقطعْ سليمةُ الأظفارِ بالتي لا أظفارَ لها على
الجزء: 4 - الصفحة: 74
المنصوصِ.
وحكمُ الذَّكَرِ الصَّحيحِ والأشل حكمُ اليدِ الصحيحةِ والشلاءِ 53، والذكرُ الأشلُّ الذي يكونُ منقبضًا لا ينبسطُ، أو منبسطًا لا ينقبضُ، ولا عبرةَ بالانتشارِ وعدمِهِ، بل يقطعُ ذكرُ الفحلِ بذكرِ الخصيِّ، والعنين.
ويقطعُ الأنفُ الصحيحُ بالأنفِ الأخسم، وأذنُ السميعِ بأذنِ الأصمِّ، ولا تؤخذُ العين الصحيحة بالحدقةِ العمياءِ، ولا لسان الناطقِ بلسانِ الأخرسِ الَّذِي تجاوز أوان النطقِ ولم ينطق، فإن لم يتجاوزْ كالمرضَعِ فيقطع لسان الناطق بهِ، بشرطِ أَنْ يظهر فيه أثرُ النطقِ بالحركةِ عندَ البكاءِ وإلَّا فلا.
وفِي السنِّ القصاصُ قلعًا لا كسرًا، كما نصَّ عليه الشافعيِّ، وقد تقدَّم، ولو قلع المثغور سن صغيرٍ لم يثغر، فلا قصاصَ فِي الحالِ ولا ديةَ، فإن جاءَ وقتُ نباتِها بأنْ سقطت البواقي وعادتْ ولم تعُدْ هي، وقالَ أهلُ البصرِ: فسدَ المنبتُ وجبَ القصاصُ، ولا يستوفَى فِي صغرهِ، وهذا إذا قلعَها عمدًا محضًا عدوانًا، فلو قلعها للاستصلاحِ لا للجنايةِ فلا قصاصَ فيه، وإنَّما يجبُ القصاصُ إذا لم يكنْ خطأً ولا شبهَ عمدٍ، ولو عادتْ ناقصةً فقد تقدَّم أنَّ النصَّ القصاصُ فيجيء هنا من القصاصِ فِي الناقصِ ما سبقَ من أنَّه يقتصَّ إذا قالَ أهلُ الخبرةِ أنَّ ذلك يمكنُ من غيرِ زيادةٍ، لو قَلَعَ سنَّ مثغورٍ فنبتت لم يسقط القصاص على أرجحِ القولينِ.
وإذا كانتْ يد الجاني ناقصةً أصبعًا وقد قطعَ يدًا كاملةً يخيَّر المجني عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 75
بينَ أخذِ الديةِ وبين قطع يد الجاني وأخذ أرشِ الأصبعِ، ولو قطعَ صاحبُ اليدِ الكاملةِ يدًا ناقصةً بأصبع فليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة من الكوع، ولكن إن شاء أخذ ديةَ الأصابعِ الأربعِ، وإنْ شاءَ لقطعها، والمنصوصُ إيجابُ حكومةِ منابتِ أصابعِ المجني عليهِ إنْ لَقَطَ قالَ الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: ولَوْ كَانَ أقطعَ أصبعٍ واحدةٍ فقطعتْ كفُّه أُقِص من أربعةِ أصابع، وأخذت له حكومة فِي كفِّه، ولا أبلغُ بحكومة كفُّه دية أصبع؛ لأنها تبعٌ فِي الأصابعِ كلها، وكلُّها مستويةٌ، فلا يكونُ أرشها كأرشِ واحدةٍ منها.
وإنْ أخذَ ديتَها دخلتْ حكومةُ منابتها من الكفِّ فِي ديتها على الأظهرِ، وأنَّه يجب فِي حالة القصاصِ خمس الحكومة لا حكومة الخمس؛ لأنَّ حكومةَ خمسِ الكفِّ أقلُّ من خمس الحكومة، والواجب له فِي هذه الحالة حكومةٌ كاملةٌ أربعةُ أخماسِها عن منابتِ أصابِعِهِ التي قُطعتْ من المجني عليهِ ولم يستوْفِها من الجاني، وخمسُ الحكومة عن منبت الأصبع الفائتة من المجني عليه، ويجبُ فِي حالتِهِ أخذُ ديةِ الأصابعِ خمسُ الحكومةِ، لا حكومة الخمس، لأنَّ أربعةَ أخماسِ الحكومةِ دخلتْ فِي ديةِ الأصابعِ الأربعْ فبقيَ لَهُ خمس الحكومة لا حكومة الخمس.
ولو قَطَعَ كفًّا لا أصبع عليها فلا قصاصَ إلَّا أَنْ يكونَ كفُّ القاطعِ مثلها، ولو قطعَ صاحبُ هذا الكفِّ يدًا كاملةً فللمجني قطعُ كفِّه وديةُ الأصابع.
وإذا كان على يد الجاني أصبعانِ شلَّاوان، ويد المجني عليه سليمة، فإن شاء قطع يده وقَنَعَ وإن شاء لقط الثلاثَ السليمة وأخذَ ديةَ أصبعين، وثلاثةَ أخماسِ حكومةِ الكفِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 76
فرع
: إذا قدَّ ملفوفًا فِي ثوبٍ نصفينِ، وقال: كان ميتًا، وقال الوليُّ: كانَ حيًّا، فالمصدَّقُ الوليُّ بيمينهِ على الأظهرِ 54، إن عهدت للملفوفِ فِي الدنيا، فأمَّا لو قدَّ ملفوفًا ولم تعرف حياته، فالمصدَّقُ الجاني قطعًا؛ لأنَّه ليس معنا أصلٌ نستصحبهُ حتى نقولَ: الأصلُ بقاُء الحياة، فيصدقُ الوليُّ بسبب ذلك على قول، على أن نصَّ الشافعيِّ: أنَّ الجاني يُصدَّقُ مطلقًا بيمينهِ وعلى الوليِّ البيانُ خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِه، ولا تكفِي يمينٌ واحدةٌ، بل لا بدَّ من خمسين يمينًا إذا حلف الوليُّ حيث جعلنا القول قوله.
ولو قطع طرف إنسانٍ وادعى نقصانًا فيه، فإن كانَ العضوُ ظاهرًا صُدِّق الجاني على أصحِّ الطرق إن أنكر أصلَ السلامةِ، وإلَّا فالمصدَّق المجني عليه على أظهرِ القولينِ.
ولو قطع يديه ورجليه ومات فقال الجاني: ماتَ بالسرايةِ فعليَّ دية 55، وقال الولي مات بعد الاندمال فعليك ديتان نظر إن لم يمكن الإندمالُ فِي تلك المدة لقصرها كيومٍ ويومين، فالقولُ قولُ الجاني بلا يمينٍ.
وإن أمكن الاندمالُ فِي تلكَ المدةِ فالنصُّ تصديقُ الوليِّ، فلو قال الجاني: مات بالسرايةِ، وقال الولي: بسبب آخر، وعيَّنه أو لم يعينه ولكن طال الزمان بحيث يمكن فيه الاندمالُ فالمعتَمَدُ تصديقُ الجاني، فيما إذا ادعى الولي سببًا غيرَ الاندمالِ وعينه، وتصديق الولي فِي الاندمالِ، فإن إمكانه بطول المدة يقوي جانبه، ولو قطع إحدى يديه وقال الجاني: مات بسبب آخر، وقال
الجزء: 4 - الصفحة: 77
الوليُّ: بل مات بالسراية، فإن كان السبب مطلقًا وأمكن الاندمالُ فالقولُ قولُ الجاني بيمينهِ، على قياسِ ما سبقَ فِي الصورةِ قبلها، وإنْ لم يمكنِ الاندمالُ فهوَ كما لو عينَ سببًا غيرَ الاندمالِ، فيصدَّقُ الولي هنا على الأصحِّ.
ولو أوضحَ رأسَهُ موضحتين ثمَّ رفع الحاجزَ بينهما وقال: رفعته قبل الاندمالِ فلا يلزمني إلَّا أرش واحدٌ (1)، وقال المجني عليهِ: بل بعده.
فعليك ثلاثة أروش، فإن قصر الزمانُ بحيث لا يكون الاندمالُ ممكنًا صُدِّقَ الجاني بلا يمينٍ.
وإن قصُرَ الزمانَ وكانَ الاندمالُ ممكنًا مع بُعْدٍ فيصدَّقُ الجاني باليمين، وإن طالَ الزمانُ صدقَ المجني عليه، وإذا حلفَ وجبَ أرشان، ولا يثبت الثالثُ على الأصحِّ.
نادرةٌ فقهيةٌ:
وهي أن كلًّا من المدعي والمدعَى عليه صُدِّق فِي أمرٍ واحدٍ فِي شيء دون شيء، لأنَّا صدقنا المجنيَّ عليه فِي أن الرفعَ كان بعد الاندمال لإثبات أرشين لا لإثبات ثالث، وصدقنا الجاني فِي أن الرَّفع كان قبل الاندمال حتَّى لا يجبَ الأرشُ الثالثُ لا فِي إيجاد الأرشِ، وأمَّا أن الإنسان يصدَّقُ فِي شيءٍ دونَ شيءٍ فذاك فِي صورٍ كثيرة، لكن ندرتْ هذه لوجودِ ذلك من الجانبينِ.
فصل
المذهبُ المنصوصُ أنَّ القصاصَ فِي النفسِ يستحقُّه جميعُ الورثةِ على فرائضِ اللَّهِ تعالى.56
الجزء: 4 - الصفحة: 78
وإذا مَاتَ مستحقُّ قصاصٍ فإنَّه يثبت لجميع ورثته كذلك بلا خلافٍ، وقد يثبت القصاص يعني الوارث فِي صورةِ مَن ارتدَّ بعد الجراح كما سبقَ، ويثبت للمالكِ فِي عبدِه وللإمامِ فيمن لا وارثَ لَهُ على الأظهرِ.
ولا يثبتْ للورثةِ فِي قطعِ الطريقِ، بل الأمرُ فيه للإمامِ، ويُنْتَظَرُ في غير قاطع الطريقِ غائِبُهُمُ وكمال صبيهم ومجنونهم، ويحبس فِي حال الانتظارِ ولا يخلى بالكفيل، والمتولي لذلك الحاكم دونَ ولي الصَّبيِّ والمجنونِ؛ لأنَّ أمر أنفذ من أمرِ الوليِّ، فإن أرادَ الوليُّ ملازمتَه لم يُمْنَعْ منه.
ولا نَقِفُ حبسَ الحاكمِ لهُ على الاستعداء إليه وينفردُ به إذا ثبت عنده القتلُ لما يجب عليه من حفظِ الحقوقِ على المولَّى عليهم.
صرَّح بذلك كلُّه الماورديُّ.
ويستثنى مستحقو القصاصِ على واحدٍ أو ليوكلوا أجنبيًّا حيث لم يكنْ ذلك المتفق عليه منهُم، أو الوكيل الأجنبي كافرًا فِي قتلِ المسلمِ، فإن كان كافرًا لم يمكَّن من ذلك، فإن أسلمَ الوارثُ قَبْل الاستيفاءِ مُكِّن منه.
وإن أسلمَ بعضُ الورثةِ واتفقوا على أنَّه يستوفى جاز، فإن تراجعوا أقرع بينهم إن كان القتل بجارح أو مثقَّل يحصل باجتماعهم عليه زيادةٌ فِي تعذيبِه.
فأمَّا إن كان القتل بإغراقٍ أو بحريقٍ أو رمي صخرةٍ عليه، فإنَّه إذا اجتمع الورثة على ذلك فُعل، ولا يحتاج إلى قرعةٍ.
وإذا خرجتِ القرعةُ لأحدِهم فِي صور الاحتياجِ إليها، فلا يستبدُّ بها بالاستيفاء، ولا بدَّ من إذنِ الباقين فِي الاستيفاءِ، ولا يدخلُ فِي القرعةِ العاجزُ على ظاهرِ نصِّ الشافعيِّ فِي "الأمِّ"، وهو المعتمدُ فِي الفتوى، وقال فِي "الروضةِ" أنَّهُ الأصحُّ عند الأكثرينَ، ولم يذكر ترجيح ما صححه فِي
الجزء: 4 - الصفحة: 79
"المنهاج" من أحدٍ، ونسب الرافعيُّ فِي "الشَّرح" ترجيحه إلى صاحب "التهذيب"، وقال: إن مقابله أرجح عندَ القاضي ابن كَجٍّ وأبي الفرج والإمام وغيرهم، وجرى فِي "المحرر" على ترجيح البغوي وخالفه فِي "الشَّرح الصَّغير" فقال: إن الأظهر منع دخول العاجز.
وإذا بادر أحدهم فقتله عالمًا بالتحريمِ فلا قصاصَ على الأظهرِ، وكذا إنْ كانَ جاهلًا لا قصاصَ عليهِ بلا خلافٍ، كما قالهُ فِي "الروضةِ" تبعًا للشرحِ.
لكن الخلافَ موجودٌ.
قال شيخنا: وعندي يجري الخلافُ بالترتيبِ، وأولى بأن لا يجب.
انتهى.
وأعلم أن محلَّ الخلافِ ما إذا لم يكن هناك حكم من الحاكم يمنع المبادِر من القودِ، فإن كانَ قد قبلهُ بعدَ حكمِ الحاكمِ بمنعِهِ من القودِ، فإنَّهُ يجبُ عليهِ القودُ قطعًا.
وفِي كلام الماورديُّ ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فِي ذلك، وليس بالمعتمد، كما قاله شيخنا، ومحل الخلافِ أيضًا ما إذا لم يحكم له حاكمٌ باستقلاله بالقصاصِ، فإن حكم له حاكم بذلك فإنَّه لا قود على المبادر قطعًا، وفِي كلام الماوردي ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فِي ذلك، وهو مردودٌ كما قال شيخنا، إذا كان هذا قد قال به جمعٌ من العلماءِ، ولهُ وجهٌ من النظرِ.
وإنْ كانتِ المبادرةُ بعدَ عفوِ سائرِ الشركاءِ أو بعضِهم، فالأظهرُ وجوبُ القصاصِ، وليسَ لمن يستحقُّ القصاصِ أن يستقل به، بل يستوفَى بإذنِ الإمامِ، فإنِ استقل عُزِّر.
وإذا راجعَ الإمام ورآه أهلًا فرض إليه قصاص النفس لا الطرف على النصِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 80
وإذا أذنَ له فِي ضربِ الرقبةِ فأصاب غيرَها عامدًا عزَّره ولم يعزله.
وإن قال: أخطأتُ -وهو محتمل- فلا يعزَّر ولا يُعزلُ فِي صورةِ الخطأ الممكن، وهو يُحسَّنُ على ما عليهِ النصُّ وما عليه الفتوى عند أئمةِ المذهبِ.
وأجرةُ الجلَّادِ على المقتصِّ منهُ على المنصوصِ، ومحلهُ إذا لم ينصبِ الإمامُ من يقيمُ الحدود ويرزقه من مالٍ للصالحِ، فإن نصبه فلا أجرةَ له؛ لأنَّه واجبٌ عليه، ومحل وجوبها على المقتصِّ منه إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا ففِي "التتمة": إن كان القصاص فِي النَّفس استقرض على بيت المال، وإن كان فِي الطرفِ فوجهان: أحدهما: كذلك، والثاني: يستقرض على الجاني على الأصحِّ.
للمستحقِّ القصاصُ على الفور، ولو التجأَ الجاني إلى الحرمِ فله الاستيفاءُ فيه، ويستثنى من اعتبار الفور ما إذا التجأ إلى المسجد الحرامِ وغيره من المساجدِ، فإنَّه يُخْرَجُ منه ويقتل؛ لأنَّ هذا تأخيرٌ يسيرٌ، وفيه صيانةٌ للمسجدِ، وفيه وجهٌ أنَّه يبسط الأنطاع ويقتلُ فِي المسجد تعجيلًا لتوفيةِ الحقِّ وإقامةً للهيبة.
ومما يستثنَى أيضًا: الالتجاءُ إلى الكعبةِ أو إلى ملكِ إنسانٍ لا نعرف رضاه بالقتل فِي مِلكهِ، فإنَّه يُخْرَجُ، وكذلك لو التجأ إلى مقابرِ المسلمينَ ولا يمكن قتله إلَّا بإراقةِ الدَّمِ عليها، فإنَّه يُخرج منها.
ولا يؤخَّرُ القصاصِ فِي النفسِ بشدةِ الحرِّ والبردِ والمرضِ 57، وأمَّا فِي الطرفِ
الجزء: 4 - الصفحة: 81
فيؤخَّرُ فِي الحالاتِ المذكورةِ كما نصَّ عليه الشافعيِّ فِي "الأم" 58 فِي ترجمةِ أمر الحاكم بالقودِ ولفظُهُ: (وإذا كنتُ أقيدُ بالقتل لم أُؤَخِرْهُ بالمرضِ، وهذا 59 إذا كان القودُ فِي بلادٍ باردةٍ وساعة باردةٍ، أو بلاد حارَّةٍ وساعةٍ حارَّة، فإن كان ما دونَ النفسِ أخِّر حتَّى يذهب حدُّ البردِ وحدُّ الحرِّ، ويقتصُّ منه فِي الحالة التي ليست بحال تلفٍ ولا شديدة مدة المباينة لما سواها من الأحوالِ، وكان حكمُ الحرِّ والبردِ وحكم مرضه يقتصُّ منه فِي النفسِ ولا يقتصُّ منه فيما دونها) هذا نصُّه، وهو المعتمدُ خلافًا لما فِي "المنهاج" 60 تبعًا لأصلِه من إطلاق عدم التأخيرِ فِي هذه الحالاتِ، فإنَّه ليس بمعتمدٍ.
ويؤخَّرُ قصاصُ حاملٍ فِي نفسٍ أو طرفٍ إلى الوضعِ وارتضاعِ اللِّبَأِ، ثم فِي النفسِ إلى أَنْ يستغنِي بغيرِها، أو يُفطمُ حيث يجوز، ولا يزاد على حولين، وتحبس الحاملُ إن طلب المستحقُّ الذي يقتص بطلبه.
والنصُّ تصديقُها فِي حملِهَا يعني تخيُّلهُ حيثُ أمكنَ أن تكونَ حاملًا عادةً، فلو كانت آيسة لم يصدق، واكتفِي بدلالةِ الإياسِ، وهو معنى قولِ الشافعيِّ: أو يعلم أنَّه لا حملَ بها.
ومن قُتلَ بمحددٍ أو غيره من تخنِيقٍ وتغريقٍ وتحريق وتجويع، اقتصَّ منه بمثلِ فعلِه 61.
الجزء: 4 - الصفحة: 82
ويستثنى من اعتبارِ المماثلةِ صورٌ:
أحدها: إذا قتلهُ بسحرٍ اقتصَّ منهُ بالسَّيفِ.
الثانيةُ: إذا أوجره خمرًا حتَّى ماتَ، فأصحُّ الوجوهِ أنَّه يُقتلُ بالسَّيف.
الثالثةُ: إذا قتلَهُ باللواطِ، وهوَ مما يقتلُ غالبًا، بأن لاطَ بصغيرٍ وآلتُهُ كبيرةٌ، فيقتل بالسيفِ على الأصحِّ تفريعًا على الصحيحِ أنَّهُ يجبُ بهِ القصاصُ.
الرابعةُ: إذا سقاهُ بولًا فمات منهُ، فإنَّهُ كالخمرِ على الأصحِّ فيقتلُ بالسيفِ.
الخامسةُ: إذا شهدُوا بالزنَا فرُجِمَ، ثم رجعوا، فعليهمُ القصاصَ، بالسيف على الصواب فِي "المهمات"، وقيل: الرجمُ، وصححه فِي "الروضة" تبعًا لأصلها.
السادسةُ: إذا ذبحَهُ مثل البهائم هل يقتل به مثله أو بمعنى السيف؟ فيه وجهان: قال ابن الرِّفْعَة: يتعيَّنُ السيفُ، وهو كذلك فِي "الحاوي".
ولو جُوِّع مثل تلك المدةِ التي ماتَ المجني عليه من تجويعِهِ فيها فلم يمتِ الجاني فالنصُّ أنَّه يُقتلُ بالسيفِ ولا يزادُ فِي التجويعِ خلافًا لما فِي "المنهاجِ" تبعًا لأصلِه.
قال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: "وَإِذَا أَقَدْته بِمَا صَنَعَ بهِ حُبِسَ وَمُنِعَ كَمَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ فَإِنْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ" 62 انتهى.
قال القاضي الحسين: لم يختلفْ مذهبُه فيه، وجرى عليه الجمهورُ،
الجزء: 4 - الصفحة: 83
ومهما عدل المستحقُّ من غير السيفِ إليه مكِّن منه إن لم يكن فِي السيفِ زيادةٌ عن المماثلةِ، فإن كان فيه زيادةٌ عنها فلا ينبغي أن يعدلَ إليه.
وإذا حصل القتلُ بسِراية الموضِحة وقطع اليدَ أو الرجل فلِوليِّ المجنِيِّ عليه أن يحزَّ الرقبةَ وَأن يوضحَ أو يقطعَ، ثم إنْ شاءَ حزَّ وإن شاءَ أخَّر إلى السرايةِ، ولو ماتَ بجائفةٍ أو كسر عضد فعل كفعلهِ، وفِي قولٍ: السيفُ، وعلى الأولِ: إن لم يمتْ لم نردَّ الجوائف على المذهبِ.
ولو اقتصَّ مقطوعُ يد أو رجل أو أذن ونحو ذلك ثم ماتَ بالسرايةِ فلوليه حزُّ رقبةِ الجاني فِي مقابلةِ نفس مُوَرِّثِهِ وله عفوٌ بنصفِ ديتهِ إذا استوتِ الديتان.
فلو قطعتِ امرأةٌ يدَ رجلٍ فاقُتصَّ منها ثم ماتَ الرجلُ فعفا وليهُ على مالٍ فأصحُّ الوجهين: ثلاثةُ أرباعها؛ لأنَّه استحقَّ دية رجل سقط منها دية ما استوفاه وهو يد امرأةٍ بربع يد رجل، ولو قطعت يداه فاقتصَّ منهما ثم ماتَ المقطوعُ بالسراية فللولي أن يحز رقبته، فإن عفا فلا دية إذا لم يحصل تفاوتٌ فِي الديتين كما تقدَّم.
فإن حصلَ بأنْ قطع يدي المرأةِ القاطعة ليديْ الرجل الذي مات بالسراية فإنَّه يجبُ عند العفوِ عن نفسِها عليها نصفُ الديةِ الكاملةِ على الأصحِّ، ولو ماتَ بالسرايةِ قبل أن يقتصَّ فَقَطَعَ وليه فِي الصورةِ الأولى يدًا وفِي الثَّانية اليدين، فالحكم فيهما سواء.
وقس على هذا صورَ الذمِّي والمسلم الذي طرأَ إسلامُه أو قارن وكان مجنيًّا عليه، ولو مات الجاني من قَطع القصاص فلا ضمان على المقتص.
وإن ماتا جميعًا بالسراية فإن ماتَ المجنيُّ عليه أولًا فالذي حكاه القاضي
الجزء: 4 - الصفحة: 84
ابن كَجٍّ عن عامة الأصحابِ: أنَّه لا يقعُ قصاصًا، وهو القياسُ؛ لأنَّ القاعدةَ أنَّ سرايةَ الجاني من جهة قطعهِ فِي القصاصِ مهدرةٌ، وما يكونُ مهدرًا لا يقعُ قصاصًا، فعلى هذا لولي المجنيِّ عليه نصفُ الديةِ فِي تَرِكَة الجاني.
وإن ماتا معًا، فالأصحُّ أنَّه لا يقع قصاصًا خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصله من وقوعِهِ قصاصًا فِي هذه الصورةِ والتي قبلها، لأنَّ القاعدةَ المقررَّةَ: أنَّ القصاصَ إنَّما يقعُ بعدَ وجوبِهِ، فإذا مات الجاني والمجنيُّ عليه معًا بالسرايةِ، فقد مات الجاني قبل وجوب قصاص النَّفس، فالحكم بأنه اقتصَّ منه بعيدٌ لا سيما مع تصحيحِ أنَّهُ إذا سبق موتُ الجاني بالسراية لا يكون قصاصًا كما تقدَّم.
وإن ماتَ الجاني أولًا، فأصحُّ الوجهينِ أنَّه لا يحصلُ، وللمجنيِّ عليه نصفُ الدية فِي تَركَةِ الجاني.
وإذا طلبَ مستحقُّ القصاصِ فِي اليمينِ إخراجَها فأخرجَ الجاني يسارَهُ فقطعَهَا، فإن قصدَ الجاني إباحتَها فلا قصاصَ فِي اليسارِ ولا ديةَ، ويبقى قصاصُ اليمينِ كما كانِ.
ولو كان المُخرِجُ الذي قصد الإباحة عبدًا فلا تكون يساره مهدرةً قطعًا، بل يجب ضمانُها قطعًا، وفِي سقوطِ القصاصِ إذا كان القاطعُ عبدًا وجهانِ: الأرجح سقوطُه، ولو قال القاطعُ: "قطعتُ اليسار على ظنِّ أنها تجزِئُ عن اليمينِ"، فالأصحُّ سقوطُ قصاصِ اليمينِ، لأنه رَضِيَ بسقوطِهِ اكتفاءً باليسارِ، فعلى هذا يُعدلُ إلى دية اليمينِ، لأنَّ اليسارَ وقعتْ هدرًا، ولو قال: "قصدت" إيقاعَهَا عن اليمينِ وظننتُ أنَّها تجزئُ عنها، وقال القاطعُ: "عرفتُ أن المُخرَجَ اليسارُ، وأنَّها لا تجزئُ عن اليمينِ"، فلا يجبُ القصاصُ فِي اليسارِ
الجزء: 4 - الصفحة: 85
على الأصحِّ، لكن تجبُ الديةُ ويبقَى القصاصَ فِي اليمين، وكذا لو قال: "دهشتُ فأخرجتُ اليسارَ وظنِّي أني أُخرِجُ اليمينَ"، وقال القاطع: "ظننتُ أن المخرجَ اليمين"، فلا قصاص فِي اليسارِ على الأصحِّ، ويبقى قصاصُ اليمين.
فرع
: موجبُ العمدِ حيثُ ثبتَ القصاصُ القودُ المحضُ، والديةُ تدل على الأظهر 63، والثاني أحد الأمرين لا بعينِهِ، ويستثنى من محلِّ القوليْن كلُّ موضعٍ وجبَ فيهِ القودُ ولا ديةَ على الأصحِّ، فلا يأتي فِي هذا -على المصححِ- القولانِ، وكذلكَ إذا استوفى قطعَ ما يوجبُ الديةَ بحيثُ يبقى له حزُّ الرقبةِ من غيرِ عفوٍ على ديةٍ، فإنَّه لا يأتي فِي هذهِ المواضعِ القولانِ، بل يُقطعُ بأنَّ الواجب القودُ خاصَّةً.
ويستثنى أيضًا العمدُ الذي لا يوجبُ القصاصَ، كقتلِ الوالدِ ولدَهُ، ونحوه، فإن موجبَهُ الديةُ قطعًا، وعلى القولينِ للوليِّ العفوُ على الديةِ، ولا يحتاج إلى رِضَى الجاني، ولو عفِي على غير جنس الديةِ ثبتَ إن قُتِلَ الجانِي، وإلا فلا يثبتُ ولا يسقطُ القودُ فِي الأصحِّ، وعلى الأظهرِ لو عفا وأطلقَ العفوَ، فقال: عفوتُ عن القصاص ولمْ يتعرَّضْ للديةِ بنفي ولا إثباتٍ، فالأصحُّ لا ديةَ، ما لم يَخْترِ الديةَ على الفورِ، فإنِ اختارَ الديةَ على الفورِ ثبتَتْ، ويكون اختيارُها بعد العفو كالعفوِ عليها كما قالَهُ القاضي ابن كَجٍّ، وحُكي عنِ النَّصِّ أن هذا الاختيارَ ينتفِي أن يكونَ عقبَ العفوِ، وعلى الأظهرِ: لو عفِي عنِ الديةِ كان
الجزء: 4 - الصفحة: 86
لغوًا، ولهُ العفوُ عنِ القصاصِ بعدَهُ على الديةِ.
وأمَّا المحجورُ عليه بالفلَسِ فليسَ لَهُ العفوُ على المالِ إنْ قلنا أَنَّ موجبَ العمدِ أحدُ الأمرينِ، فإن قلنا بالأظهرِ فلُهُ العفوُ على الديةِ قطعًا.
وإن أطلقَ العفوَ فعلى ما سبقَ فِي أنَّ العفوَ هلُ يوجبُ المالَ فإن قلنَا بالأصحِّ أنَّه لا يُوجبُهُ لم يثبُتْ هنا، وإلَّا ثبتَ.
وإن قالَ: "عفوتُ على أن لا مالَ"، فالأصحُّ أنَّه لا يجبُ شيءٌ.
وحكمُ المريضِ فِي الزائد على الثلثِ والورثةِ إذا عَفَوْا والتركةُ مستغرَقةٌ بالديونُ حكمُ المفلسِ، كما صرَّحَ به القاضي الحسينُ والإمامُ وغيرهما، وحكم المبذِّرِ المحجورِ عليه فِي الدية حكمُ المفلس على قولِ الأكثرينَ، وقيل: حكمُهُ حكمُ الصبِيِّ ولو تصالحَا عنِ القصاصِ على مائتين من الإبلِ لم يصحَّ إنْ قلنا أنَّ الواجبَ أحدُ الأمرينِ، فإن قلنا: "الواجبُ القصاصُ" فالأصحُّ الصحةُ.
فصل
لو قال حرٌّ مكلَّفٌ لغيرِهِ: "اقطعْ يدي"، فقطعها لمْ يلزمْهُ قصاصٌ، ولا ديةٌ، فإن سَرَى القطعُ أو قَالَ: "اقتلْنِي" فقتَلَهُ لم يجبِ القصاصُ ولا الديةُ على أظهرِ القولينِ، ولو قطعَ عضوًا من إنسانٍ فعفا المجنِيُّ عليهِ عنِ موجبِ تلكَ الجنايةِ أرشًا وقودًا، فإن لم تتعدَ الجنايةُ محلَّها فلا قصاصَ ولا أرشَ، وإن سرتْ إلى النَّفس فلا قصاصَ.
الجزء: 4 - الصفحة: 87
ولا يجبُ أرشُ العضوِ وتجبُ الزيادةُ عليه إلى تمامِ الديةِ، وفِي قولٍ: إن تعرَّضَ فِي عفوِهِ لما يحدُثُ منها سقطتْ، ولو لم يتحَرَّ عفوًا ولا إبِراءً بل قال: أوصيتُ لهُ بأرشِ هذِهِ الجنايةِ فوصيةٌ لقاتلٍ، والأصحُّ فيها الصحةُ.
وإذا سرى القطعُ إلى عضوٍ آخرَ، كما إذا قَطَعَ أصبعًا فأكل الكفَّ فالأصحُّ وجوبُ ضمانِ السراية.
وإذا استحقَّ الوليُّ قصاص النفسِ فقطع الطرفَ فعفَى عن قصاصِ النفسِ، فلِهُ قطعُ الطرفِ على مقتضى النصِّ، وهو المعتمدُ، وبه صرَّحَ الغزاليُّ فِي "البسيط"، وهو مقتضى كلامِ "النهاية"، خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصله.
ولو قطعَهُ ثم عفى عن النفسِ فإن سرى بان بطلانُ العفوِ بناءً على أنَّهُ يقعُ قصاصًا، وإلَّا فيصحُّ ولو وَكَّلَ باستيفاءِ القصاصِ ثُمَّ عفَى وقتل الوكيلُ الجاني جاهلًا بالعفوِ، فلا قصاص عليه، وأظهرُ القولينِ: وجوب ديةٍ على الوكيلِ إن كان على مسافةٍ بحيثُ يمكنُ إعلامُ الوكيلِ بالعفوِ فيها.
وإنْ كانَ على مسافةٍ لا يمكنُ إعلامُ الوكيلِ فيها، كأنْ يكونَ الوكيلُ على مسافةِ عشرةِ أيامٍ، ويعفو الموكلُ قبلَ القصاصِ بخمسةِ أيامٍ، فإنَّه يكونُ عفوُ الموكلِ باطلًا لا حكمَ لهُ، ووضعُهُ هذا أن لا يجبَ على الوكيلِ الديةُ قطعًا.
ذكَرَ هذَا القيدَ الماورديُّ، وفِي تعليلِ الأصحابِ ما يُرشدُ إليهِ.
وحيثُ وجبتِ الديةُ فهي على الوكيلِ لا على عامليهِ، على الأصحِّ، وأنَّهُ إذا غرمَ لا يرجعُ بها على العافِي على الأرجحِ، إذا لم ينسبِ الموكلُ إلى تقصير فِي الإعلامِ، فإن نُسبَ إلى تقصيرٍ فالأرجحُ أن الوكيلَ يرجعُ عليه؛
الجزء: 4 - الصفحة: 88
لأنَّ الوكيلَ لم ينتفعْ بشيءٍ.
ولو استحقَّ القصاص على امرأةٍ فنكحَهَا عليه جازَ، وكذلكَ الحكمُ لو وجبَ له على عبد المرأةِ فنكحَهَا عليهِ، أو أصدقَ الأمةَ القصاصَ الواجبَ له على سيدِهَا أيضًا وسقط القصاصُ.
وإذا طلقَهَا قبلَ الدخولِ رجعَ عليها بنصفِ الأرشٍ قطعًا على المنصوصِ.
وشذَّ البغويُّ ومنْ تبَعُه بحكايةِ قولٍ: أنَّه يرجعُ عليهَا بنصفِ مهرِ المثل؛ لأنَّهُ غريبٌ خارجٌ عن قاعدةِ المذهبِ، وذلك أنَّ المستحقَ للزوجِ عند الفراقِ وقبلَ الدخولِ إنَّما هو بدلُ التالفِ لا بدل البضعِ، والمستحقُّ لبدلِ البُضع إنَّما هو الزوجةُ أو سيدُها وحينئذٍ فالجاري على القواعدِ القطع بأنهُ يرجعُ عليها بنصفِ الأرشِ كما تقدَّم، واللَّهُ أعلمُ.
الجزء: 4 - الصفحة: 89
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ