كتاب البيع
هو لغةً: مُقَابَلةُ شَيءٍ بشَيءٍ.
وشرعًا: بدلُ مالٍ بمالٍ عِوضًا على وجْهٍ مأذونٍ فيه.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وصحَّ فِي إحلالِهِ أحاديثُ كثيرةٌ.
وهو أنواعٌ:
بيعُ عَينٍ مَرئيةٍ 1، إما بعَينٍ مَرْئيةٍ، أو بمَوْصُوفٍ مَعلُومٍ فِي الذِّمةِ.
أو 2 بَيعُ موصُوفٍ فِي الذِّمةِ بمَوصُوفٍ فِي الذِّمةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 5
وبيعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمةِ بمَا يُقبَضُ فِي المَجْلسِ بلَفْظٍ خَاصٍّ، وهو السَّلَمُ، وأضافَ الشافعيُّ إلى ذلكَ فِي قولٍ: بيعَ ما لَمْ يُرَ 3. وأما الصُّلْحُ: فهُو فِي بعْضِ أحوالِهِ يرجِعُ إلى البيعِ، والإجَارةُ وإنْ كانتْ بيعًا فهُو 4 خَارجٌ عنِ الأنواعِ المذكُورةِ.
وشروطُ العاقدِ ثلاثةٌ:
1 - التكْليفُ.
2 - والرُّشْدُ 5
3 - وعدمُ الإكراهِ بغيرِ حَقٍّ 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 6
وشروطُ المَبِيعِ 7 سَبعةٌ: 1 - وهو أن يكونَ طَاهرًا 8. 2 - مُنْتَفَعًا به شَرْعًا انتِفاعًا يقابَلُ بالماليةِ 9 عادةً 10. 3 - مقدُورًا على تسْليمِهِ حِسًّا وشَرْعًا 11. 4 - للعَاقِدِ علَيه ولايةُ العقْدِ 12. 5 - معلُومًا، ويتناولُ العلمَ بالصفةِ، وهو الرؤْيةُ 13. 6 - سالمًا مِن الرِّبَا.
الجزء: 2 - الصفحة: 7
7 - قد أُمِنَتْ فيهِ العاهةُ عَادةً، لِيخرجَ بيعُ الثمارِ قَبْلَ بُدوِّ الصَّلاحِ، مِنْ غَيرِ شرْطِ القَطْعِ 14.
والبيعُ لا يكونُ مؤقَّتًا أبدًا إلَّا فِي صُورةِ العُمْرَى 15 -علَى رأيٍ قد يرجحُ، ولا يَقبلُ التعليقَ إلا فِي صورتَينِ:
- إحداهما: "بعتُك إن شئتَ" على الأصحِّ؛ لِأنَّه مُقتضَى الإطلاقِ فيقولُ: "قبلتُ"، ونحوُه: "لا شئتُ".
- والثانيةُ: إذا قال الموكِّلُ: "أذنْتُ لكَ فِي شراءِ جاريةٍ بمائةٍ"، وقال الوكيلُ: "بمائتَينِ"، فالقولُ للموكِّلُ، لكن إذا قالَ لَهُ: "إنْ كنتُ أمرتُك بشرائِها بمِائتَينِ فقد بعتُها منكَ بمائتَينِ"، فقال: "قبلتُ"، صَحَّ على الأصَحِّ للحاجَةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 8
- والشروطُ فِي البيعِ أربعةُ أقسامٍ:
1 - قِسمٌ تُبْطِلُ البيعَ والشرطَ.
2 - وقِسمٌ يَصِحُّ البيعُ ويَبْطُلُ الشرطُ.
3 - وقِسمٌ يَصِحُّ البيعُ والشرْطُ.
4 - والرابعُ 16 شَرْطٌ ذِكْرُهُ شَرْطٌ.
- فالأولُ 17 كما 18 فِي الشُّروطِ المُنافيةِ لمُقْتضَى العَقْدِ، كشرْطِ أن لا يتسلَّمَهُ أو أن لا يَنتفِعَ 19 بِهِ.
- والثَّاني: كما 20 إذا شَرَطَ ما لا يُنافِيهِ ولا يَقتضِيه ولا غَرَضَ فِيه.
- والثالِثُ: كما 21 إذا شَرَطَ ما كان مِن مُتعلقاتِه أو 22 مَصالِحِه أو تشوَّفَ الشرعُ إليهِ، كشَرْطِ خيارٍ، وأجَلٍ، ورَهْنٍ، وكَفِيلٍ، وإشهادٍ، ووصفِ مقصُودٍ فِي المَبيعِ، وشَرْط التَبْقِيةِ فيما يُباعُ مِنَ الثِّمارِ بَعْدَ بُدُوِّ الصلاحِ، وشَرْطِ
الجزء: 2 - الصفحة: 9
البراءةِ مِنَ العُيوبِ، لكن إنَّما يبرأُ مِنْ 23 عَيبٍ باطنٍ فِي الحيوانِ لا يَعْلَمُ بِه البائِعُ، والعِتق المُنَجَّزُ، ولو شَرَطَ معه الولاءَ للبائعِ لَغَى هذا الشرطَ علَى المُختارِ وثَبَتَ الولاءُ للمشترِي، خِلافًا لِمَا صحَّحُوه مِن فسادِ البَيعِ.
- والرابعُ: بَيْعُ الثِّمارِ المنتفَعِ بِها قَبْلَ بُدُوِّ الصلاحِ يُشترطُ فِي صحةِ البيعِ شرطُ 24 القَطْعِ، ولو بِيعتْ مِن مالكِ الأصلِ، وكذا الزرعُ الأخضرُ، لكنْ إذَا بِيعتْ مِن مالكِ الأصلِ، لا يَلزَمُ الوفاءُ بالشرطِ.
- ضابطٌ: ليسَ لَنا شرطٌ يجبُ ذِكرُه لتصحيحِ 25 العقدِ، ولا يَلزمُ الوفاءُ به إلا فِي هذا الموضعِ.
- قاعدةٌ: أبوابُ الشَّريعةِ كلُّها:
- منها: ما لا يَقبلُ تَعليقًا ولا شَرْطًا، ومِنه فِي العبادات 26: الطهارةُ، والصلاةُ، إلَّا فِي قولِهِ: "إن قَصَرَ قَصَرْتُ"، عِنْدَ الشكِّ فِي نيةِ إمامِهِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 10
- ومنها: مَا يَقبَلُ التعليقَ والشرطَ، ومنه العِتقُ، وفِي العباداتِ: الحجُّ.
- ومنها: ما يقبلُ التعليقَ دونَ الشرطِ، كالطلاقِ، والإيلاءِ، والظهارِ، والوصيةِ.
- ومنها: مَا يَقْبلُ الشرطَ، ولا يَقبلُ التعليقَ: كالبيعِ، والوقفِ، والنكاحِ، ونحوِها 27.
- ومنه: فِي العباداتِ: الاعتكافُ.
- ضابطٌ:
كلُّ عقدٍ كانتِ المدةُ رُكنًا فيه لا يكونُ إلا مؤقَّتًا كالإجارةِ والمساقاةِ والهدنةِ، وكلُّ عقدٍ لا يكونُ كذلك فلا يكونُ إلا مُطلقًا.
وقد يَعرِضُ له التأقيتُ حيثُ لا يُنافِيه كالقِراضِ يُذكرُ فيه مُدةً، ويمنعُ مِن الشراءِ بعدها فقطْ، وكالإذنِ المقيَّدِ بالزمانِ فِي أبوابِهِ، ومنها: الوصايةُ 28. ومما يقبلُ التأقيتَ: الإيلاءُ والظِّهارُ والنذرُ واليمينُ ونحوُها.
وتُضبطُ أبوابُ البيع ورؤوسُ مسائلِهِ بما هو صحيحٌ قولًا واحدًا، وما هو
الجزء: 2 - الصفحة: 11
فاسدٌ قولًا واحدًا، أو ما 29 فِيهِ خلافٌ، والأصحُّ أنه فاسدٌ وعكسُهُ، وما هو حرامٌ ويصحُّ 30، وما هو مكروهٌ.
1 - الأولُ 31 عشرةٌ 32:
1 - بيعُ الأعيانِ بشرطِهِ غيرَ ما يختصُّ بِحكمٍ 33 خاصٍّ، ومنه 34 بيعُ الحيوانِ بالحيوانِ 35.
والباقي 36 كلٌّ بشرطِه، وهو:
2 - المطعومُ بمثلِه، والعَرَايَا فِي الرُّطبِ والعِنبِ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ.
3 - والصَّرفُ.
4 - والتَّوليةُ.
5 - والإشراكُ 37.
الجزء: 2 - الصفحة: 12
6 - والمرابحةُ.
7 - وشراءُ ما باعَ.
8 - وبيعُ الخيارِ.
9 - وبيعُ العبدِ المأذون.
10 - والسَّلَمُ.
وأما البيعُ الفاسدُ قولًا واحدًا، فاثنانِ 38 وعشرونَ 39:
1 - بيعُ ما لَمْ يَملكُ، وهو المعدومُ.
2 - وبيعُ الكلبِ، والخنزيرِ، وكلِّ نجِسٍ.
3 - وبيعُ ما لا مَنفعةَ فيهِ أصْلًا.
4 - وبيعُ ما لَمْ يُقْدَرْ على تَسلِيمِه حِسًّا.
5 - وبيعُ ما يتعلَّقَ 40 به حقٌّ للَّه تعالى أو لآدميٍّ، كالوقفِ والأضحيةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 13
والمنذورةِ 41 ولحمِ التطوعِ، فِي غيرِ القدْرِ المالكِ لَهُ.
6 - والمرهونُ بعْدَ القبضِ مِن غيرِ المرتهِنِ بغير إذنِ شرعيٍّ.
7 - والرِّبَا.
8 - وبيعُ حَبَلِ الحَبَلَةِ 42، والمَضَامِينِ، والمَلاقِيحِ 43.
9 - وبيعٌ وشرْطٌ 44 مفسِدٌ.
10 - والمنابذةُ.
11 - والمُلامَسةُ.
12 - والحَصَاةُ 45.
الجزء: 2 - الصفحة: 14
13 - وعسْبُ الفحْلِ 46.
14 - والمجْهُولُ.
15 - وبيعُ ما لم يُقبضْ مِن غَيرِ البائِعِ، وهو مَكِيلٌ، أو مَوزونٌ 47.
16 - 17 - والمُحَاقَلَةُ والمُزَابنةُ فيما لَمْ يُرخَّصْ فِيه.
18 - وبيعُ الثِّمارِ قَبْلَ 48 الصلاحِ؛ مِنْ غيرِ شَرْطِ القَطعِ ولا اعتيادِهِ.
19 - وبيعُ الغَرَرِ 49.
20 - وبيعُ السلاحِ لِأَهْلِ الحَرْبِ ونحوِهِ.
21 - وبيعُ الطعامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصاعانِ 50. = وبيع الحصاة كما عرفه المَحَامِلِي هو أن يقول بعني شاة من غنمك أو ثوبًا من ثيابك على أن أرمي هذه الحصاة فعلى أيها وقعت وجب البيع فيه.
. راجع "منهج الطلاب" (ص 40) و"مغني المحتاج" (2/ 131).
الجزء: 2 - الصفحة: 15
22 - وبيعُ الكَالِئِ بالكَالِئِ 51.
وأما البيعُ المُختلَفُ فِيهِ -والأصحُّ المنعُ- فأَحدٌ وعشرونَ:
1 - بيعُ المعاطَاةِ ونحوه، وإنْ كان المختارُ فيه الجَوازَ.
2 - وبيعُ ما تنجَّسَ مِنَ المائعاتِ.
3 - وحمَامُ البُرْجِ الخارجُ.
4 - والصُّبْرَةُ تحتَها دِكَّةٌ معَ العِلمِ.
5 - وبيعُ الفُضُولِيِّ 52، وإن كان المختارُ فيه الانعقادَ بالإجارةِ.
6 - وبيعُ العبدِ الجانِي جِنايةً تُوجِبُ مالًا مُتعلِّقًا برقَبتِهِ.
7 - وبيعُ المفلِسِ عينًا مِن مالِه.
8 - وبيعُ أمِّ الولدِ والمكاتَبِ إذَا لَمْ يرضَ 53.
9 - وبيعُ مَا لَمْ يُرَ 54 الرؤيةَ المعتبَرةَ.
10 - وبيعُ العبدِ المُسلمِ مِن الكافِرِ 55 إلا فيما إذَا اشتَرى مَنْ يَعْتِقُ علَيه
الجزء: 2 - الصفحة: 16
بقَرابةٍ أو شهادةٍ 56. 11 - والبيعُ الضِّمْنيُّ 57. وذَكرَ المَحَامِلِيُّ 58 أنه يَملِكُ الكافِرُ المسلِمَ ابتداءً فِي ستِّ مسائلَ، وزادَ فِي "الروضة" 59 واحدةً، وزدتُ عليهما نحوًا مِن أربعينَ مسألةً، وقدْ تَجيءُ أكثرَ مِنْ هذا، وهي مفرَدةٌ بتصْنِيفٍ 60.
الجزء: 2 - الصفحة: 17
- ومِنَ الفاسِدِ على الأصحِّ: بيعُ ما استغرقَتِ الوصيةُ منافِعَهُ، أو ما أمكنَ فيه الاستغراقُ إذا كان البيعُ لغَيرِ المُوصَى له، وكانتْ غيرَ مؤقتةٍ بزمانٍ مُعيَّنٍ، ومِن ذلكَ بيعُ حامِلٍ مع استثناءِ حَمْلِها؛ لفظًا أو شَرْعًا.
12 - وبيعُ المُصحَفِ والحديثِ ونحوِه مِن الكافِرِ.
13 - والعَرَايَا فِي خَمسةِ أوسُقٍ، أو فِي غيرِ الرُّطبِ والعِنبِ.
14 - وبيعُ اللحمِ بالحيوانِ 61. 15 - والبيعُ المُقتضِي للتَّفريقِ فِي المِلْكِ في 62 الآدميِّ بيْنَ غَيرِ المميِّزِ وأُمِّه، ثُم أُمِّها أو الأبِ.
16 - واشتراطُ الرهْنِ مَجْهُولًا.
17 - واشتراطُ الكفيلِ مَجْهُولًا.
18 - وبيعُ اثنينِ عبديْنِ لكلٍّ مِنهما عبدٌ بثمنٍ واحدٍ، ولَم يَعْلَمْ كلُّ واحدٍ منهما ما لَهُ مِن 63 الثمنِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 18
19 - والبيعُ المضمومُ 64 إلى الكتابةِ.
20 - وبيعُ ما لا جَفَافَ لَه مِن البِطِّيخِ ونحوِه بمثلِهِ.
21 - وبيعُ المبيعِ مِن البائِعِ قَبْلَ القبضِ أو مِن غيرِهِ وليسَ بمَكيلٍ ولا موْزُونٍ.
وأما البيعُ المختَلَفُ فيه، والأصحُّ الجَوازُ، فعَشْرٌ 65:
1 - البيعُ بالكِنَايةِ مَعَ النيةِ فِي غيرِ مَا يلْزَمُ فيهِ الإشْهَادُ.
2 - وبيعُ الماءِ، ولو على شطِّ النهرِ.
3 - والترابُ فِي الصحْرَاءِ.
4 - والعَلَقُ لامتِصاصِ الدمِ.
5 - وبيعُ العبدِ الذي وَجَبَ عليه قتْلٌ: بقصاصٍ، أو رِدَّةٍ، أو غير 66 ذلك.
6 - والنَّحلُ الخارجُ من الكُوَّارَةِ 67.
الجزء: 2 - الصفحة: 19
7 - والبيعُ الذي بَطَلَ بعضُ صفقتِهِ، وإن كان آخِرُ 68 قولَيِ الشافعيِّ بطلانَ الكلِّ، ورجعَ إليهِ.
8 - والبيعُ المجموعُ مع عقدٍ آخَرَ غيرِ الكتابةِ والجَعَالةِ، أو المختلَفِ حُكم صفقتِهِ 69 70.
9 - والبيعُ بشرطِ البراءةِ مِنَ العُيوبِ 71.
10 - وبشرْطِ العِتقِ 72.
والمسائلُ فِي هذه الأقسامِ كثيرةٌ، وإنما ذكرْنَا التقسيمَ والمسائلَ اتباعًا للمَحَامِلِيِّ، وإن كُنَّا زِدْنَا علَيه.
- ضابطٌ: حيثُ تفرَّقَتِ الصفقةُ فالإجازةُ بالقِسْطِ مِن المقابلِ علَى الأصحِّ، إلا أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 20
يَتعذرُ التقسيطُ فِي صورتَينِ 73، وحينئذٍ فيتعينُ القولُ بالبطلانِ فِي الجميع، وهو الأرجحُ، أو 74 الإجارةُ بكلِّ الثَّمنِ.
فالأُولَى: بيعُ معلومٍ ومجهولٍ لا تُعرف قيمتُهُ.
والثانيةُ: بيعُ المريضِ وإرثُهُ بمحابَاةٍ، فيموتُ مِن مَرضِه ذلك، ولا يجيزُ الورثةُ.
- وأما البيعُ الحرامُ: فلا 75 يَمنعُ صحةَ العقدِ، ولكنْ يأثمُ فاعلُهُ إنْ عَلِمَ بالتحريمِ.
- فبيعُ 76 الحاضِرِ للبادِي.
- وتلقِّي الرُّكبانِ.
- والنَّجْشُ 77.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
- والبيعُ على بيعِ غيرِهِ.
- والشِّراءُ عليه.
- وبيعُ المُصَرَّاةِ 78.
- وبيعُ المَعيبِ بالتدليسِ، وحُكْمُهُ -إن لَمْ يُدَلَّسِ- الردُّ بالعيبِ على الفَورِ.
- وبيعُ العِنبِ ممَّنْ يُتحققُ أنه يَتخِذُهُ خَمرًا.
- وبيعُ الخَشَبِ مِمَّنْ يُتحققُ اتخاذهُ للملاهِي.
- والبيعُ وقتِ النداءِ يومَ الجُمعةِ.
- وأما المكروهُ:
- فبيعُ العنبِ ممَّنْ يُظنُّ أنه يتخذهُ خَمرًا، وكذا الخشبُ مِمَّنْ يُظنُّ أنه يتخذُهُ للملاهِي، ومواطأةُ رَجُلٍ فِي أن يَبيعَ لَه ثُم يَشتريه مِنه بثمنٍ زائدٍ لِيُخْبِرَ به، ورُجِّح تحريمُه، وبيعُ الصُّبْرة جُزَافًا 79. . . .
الجزء: 2 - الصفحة: 22
وبيعُ الهِرَّةِ 80، وبيعُ العِيْنِةِ 81.
-
-
- = موزونًا.
. راجع "النهاية في غريب الحديث" (1/ 269).
- = موزونًا.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 23
باب بيوع الأعيان
وهي ثلاثٌ:
82 حاضرةٌ.
83 وغائبةٌ.
84 وفِي الذِّمَّةِ.
- فالحاضرةُ التي حَصلَتْ فيها المُشاهدةُ المُعتبرةُ، ووُجِدَ (1) فيها الشُّروطُ السابقةُ، يصحُّ العقدُ عليها سواء أكانتْ مُثَمَّنًا أو (2) ثَمنًا.
ولا يُشترطُ مَعرفةُ قَدْرِها قَطْعًا بخلافِ رأسِ مالِ السَّلَمِ، ففيهِ حينئذٍ قولانِ.
وفِي أُجْرَةِ الإجَارةِ طَريقانِ: أحدهُما (3) كالثَّمَنِ، والأُخْرى 85 كرأْسِ مالِ
الجزء: 2 - الصفحة: 24
السَّلَمِ، والأصحُّ فيهما الجَوَازُ.
والأحبُّ إلى الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- المنعُ فِي السَّلَم، وجاء الخِلَافُ فيهِما؛ لِأنَّ المُسْلَمَ فيه فِي الذِّمةِ ويطرُقُهُ 86 الفسخُ غالبًا، فاحتِيجَ 87 إلى معرفةِ قدْرِ رأسِ المالِ 88 على قَولٍ لِيرجعَ إليه عند الفَسخِ، والإجارةُ قريبةٌ مِنه، ولكِنِ المَنافِعُ تُسْتَوفى شَيئًا فشيئًا، فرُجِّح شِبهُ أُجرتِها بالثَّمنِ.
- والغائبة التي شاهَدَها قَبْلَ ذلك إذَا لَمْ تتغيرْ غالبًا كالحديدِ والأرضِ، أو كانَ لا يَتغيرُ فِي المُدَّةِ المُتخللةِ يصحُّ بيعُها مِنه، خِلَافًا للأَنْماطِي 89.
وإنَّما يصِحُّ إنْ كان ذَاكرًا لأَوْصافِها حالةَ البيعِ، قالَه المَاوَرْدِيُّ.
وما يَتغيرُ غالبًا فِي المُدَّةِ المتخللةِ لا يصحُّ بيعُه، وما احْتُمِلَ كالحيوانِ فالمنصوصُ صحةُ البيعِ ومقابِلُه قولٌ أو وجهٌ.
قال المَحَامِلِيُّ: وغَلِطَ ابنُ أبي هُريرةَ 90 فقال: لا يصحُّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 25
وتكفِي رؤيةُ بعضِ المَبيعِ إنْ دلَّ على باقِيهِ، كظَاهِرِ صُبْرة الحِنْطةِ 91، ونحوِها مِن ثَمَرٍ وجوزٍ، ولو فِي بيتٍ إنْ عُرفَ سَعَتُهُ، وعُمْقُهُ.
ورؤيةُ أعْلَى ما التصقَ مِنَ العجوةِ، وكذا القُطنِ، وأُنموذَجٌ لمُعَيَّنٍ مُتماثِلٍ 92 إنْ دَخَلَ الأُنموذَجُ فِي البَيعِ 93.
والرؤيةُ فِي كلِّ شيءٍ على ما يليقُ به:
ففِي العبدِ والجاريةِ يُشترطُ ما عدَا العَورةِ، على الأصحِّ، والعملُ على 94 خِلافِه.
وفِي الدَّابةِ مُقدَّمُها ومؤخَّرُها ورفْعُ ما على ظَهْرهَا مِن سَرْجٍ وجُلٍّ 95.
وبيعُ الشاةِ المَذْبوحةِ قَبْلَ السَّلْخِ باطلٌ 96. = إمامة العراقيين، وكان معظمًا عند السلاطين والرعايا إلى أن توفي في رجب سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه اللَّه تعالى.
"وفيات الأعيان" (2/ 75).
الجزء: 2 - الصفحة: 26
والصِّوَانُ 97 خِلْقَةً تكفِي 98 رُؤيتُه كقِشْرِ رُمَّانٍ 99، والأسفلِ مْنْ جَوْزٍ ولَوْزٍ، وكذا مَا لَمْ يَكنْ خِلْقَةً، ولكنَّهُ مِن مَصلحتِه كالفقاعِ، وتكفِي رؤيةُ الأرضِ وعليها الماءُ الصافِي، وكذَا السمكُ فِي الماءِ.
- وأمَّا الموصوفُ فِي الذِّمَّةِ غير السَّلَم 100، فهو معدودٌ فِي بيوعِ 101 الأعيانِ.
ثم إن كان فِي رِبَوِيَّيْنِ يُعتبرُ التقابضُ فيهما فيصحُّ، ولَو فِي الطعامِ على الأصحِّ، والخلافُ فيه لِطُولِ الوصفِ، ثم لا بدَّ مِنَ التقابُضِ حالةَ خيارِ المَجلسِ.
وإنْ كانَ فِي غيرِ ذلك؛ كـ"اشتريتُ مِنكَ ثَوبًا صِفَتُه كذا فِي ذِمَّتِكَ بعَشرةِ درَاهمَ فِي ذِمَّتِي"، فإنه يصحُّ بَيْعًا، فتجْرِي عليه أحكامُ البيعِ لا السَّلَمِ على ما صحَّحُوه، وهو خلافُ النَّصِّ، وعلى ما صَحَّحُوه لا بدَّ مِن قبْضِ أحدِ العِوَضَيْنِ فِي المَجْلِسِ على الصوابِ، وما صحَّحُوهُ فِي الاسْتِبْدالِ 102 والصُّلحِ فِي نظيرِ ذلك مِنَ الاكتفاءِ بتعيينِ 103 واحدٍ يَقتضِي هنا الاكتفاءَ
الجزء: 2 - الصفحة: 27
بذلكَ، وإنْ لَمْ يَتعرَّضُوا له هُنا، وهو خلافُ التحْقيقِ فِي الكُلِّ.
ومِنْ بُيوعِ 104 الأعْيانِ والذِّمَم: بَيْعُ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ 105 حَالًّا ومؤَجَّلًا مِنْ جِنسِهِ وغيرِ جنسِهِ، ولا رِبَا فِي ذلكَ 106، واللَّه تعالى أعلمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 28
باب بيع المطعوم بمثله والعرايا والصرف
إنْ بِيعَ مَطْعومٌ بمَطْعُومٍ مِنْ جِنسِهِ اشتُرِط فِي صحةِ البيعِ ثلاثةُ أمورٍ:
107 المُماثلةُ.
108 والحُلولُ.
(3) والتقابضُ ما دامَ خيارُ المَجْلسِ قائِمًا.
وإنْ بِيعَ بغيرِ جِنْسِهِ اعتُبِرَ الشَّرْطَانِ الأخِيرانِ (1).
والمطعومُ ما يُعدُّ لِطَعامِ الآدَمِيِّ غالبًا، ولو تَدَاوِيًا كالطِّينِ الأرْمَنِيِّ لَا الخُراسَانيِّ (2).
الجزء: 2 - الصفحة: 29
ومِنَ المَطْعومِ: الماءُ، والزَّنْجَبِيلُ، والزَّعْفَرانُ، والسَّقَمُونْيَا 109، وبزر الأحْوَرِ 110، ودُهنُ البِنَفْسِجِ، ونحوِه، لا ماءُ الوردِ، والمماثلةُ إنما تُعتبرُ فِي حالِ الكمالِ.
ومنه: اللبَنُ والسمْنُ، لا كالرُّطَبِ بِمثلِهِ، ولا بالتمْرِ إلا فِي العَرَايَا 111 فيما دونَ خَمسةِ أوسُقٍ فِي صفْقَةٍ فِي الرُّطَبِ على رأسِ النخْلِ 112 بالثمَرِ على وجْهِ الأرضِ 113، وكذَا العِنَبُ علَى شَجَرةٍ بالزَّبَيبِ.
ولا يَجُوزُ في 114 غيرِ ذلكَ.
ولا يَختَصُّ بالفُقَراءِ علَى الأصحِّ.
= طين الحجاز يشبه الطين الذي رأيتهم يقولون إنه إرمني، فإن كان مما رأيت ما يختلط على المخلص بينه وبين ما سمعت ممن يدعي من أهل العلم به فلا يخلص، فلا يجوز السلف فيه بحال، وإن كان يوجد عدلان من المسلمين يخلصان معرفته بشيء يبين لهما جاز السلف فيه، وكان كما وصفنا قبله مما يسلف فيه من الأدوية، والقول فيه كالقول في غيره إن تباين بلون أو جنس أو بلد لم يجز السلف فيه حتى يوصف لونه وجنسه ويوصف بوزن.
الجزء: 2 - الصفحة: 30
- ضابطٌ: حيثُ أُطلِقَ "الفقيرُ"، فالمرادُ به فقيرُ الزكاةِ، إلَّا فِي هذا الموضعِ، فالمرادُ بِه مَنْ لَيسَ عِنْدَهُ نَقْدٌ.
وإنْ تَعدَّدَتِ الصفقةُ تعدَّدَ الجَائزُ باعْتِبارِ المُشترِي، وكذَا البائعُ علَى الأصحِّ، وهو نَظِيرُ الشُّفْعَةِ عَكْس ما ذُكِرَ 115 فِي تفريقِ الصَّفْقَةِ 116، ومَا خَالَفَ غيرَه فِي اسمِ أوْ أصْلِ غَيرِ جِنْسِه والعَكْسُ حِنْطَةٌ.
واللُّحْمانُ والألْبَانُ أجْنَاسٌ، ولَبَنُ الضأنِ والمعزِ جِنْسٌ، وكذَا لَحْمُها، وكذَا مِنَ البَقَرِ والجَوامِيسِ.
والتماثُلُ فِي اللَّحْمِ حالَ كونِهِ جَافًّا بِلَا عَظْمٍ ويُغتفَرُ المِلْحُ اليَسيرُ.
وكلُّ ما دخَلَتْه النارُ لَا للتمْيِيزِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ بعْضِه ببَعْضٍ.
والصَّرْفُ فِي الذَّهَبِ والفِضَّةِ يُعتبَرُ فيه إنْ بِيعَ 117 بِجِنْسِهِ الأُمُورُ الثلاثةُ،
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وإنْ بِيعَ 118 بغَيرِ جِنْسِهِ فالأَخِيرانِ.
وأبْطلَ الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه- الصُّوَرَ التِي تَتَناوَلُها 119 قاعدةُ: مُدِّ عَجْوةٍ لِحديثِ قِلادَةِ خَيْبَرَ، وهو فِي "الصحِيح" 120 وهِيَ أَنْ تَشْتَمِلَ الصفقةُ علَى رِبَوِيٍّ يُعتبَرُ فيهِ التمَاثُلُ، ويَكونُ مِنْ الجَانِبَيْنِ، ومعَهُ غَيْرُه، ولَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِه، فتبْطُلُ صُورةُ المُرَاطَلَةِ 121 وهِيَ بيعُ مِائَتَيْ دِينارٍ جَيِّدَةٍ أوْ رَدِيئَةٍ، أوْ وسَطٍ، بمِائِةٍ جَيدةٍ، ومِائةٍ رَدِيئَةٍ.
ويُستثْنَى مِنَ القاعدةِ صُورةُ الصُّلحِ عَمَّا فِي الذِّمةِ كأَلْفِ دِرْهَمٍ وخَمْسِينَ
الجزء: 2 - الصفحة: 32
دِينارًا صَالِحَةٍ مِنها عَلى ألْفَيْ دِرْهَمٍ، فعلَيه استيفاءُ الألفِ، والعِوضُ عَنِ الدَّنانيرِ، وفِي وَجْهٍ ضعَّفُوهُ يَبطُلُ، وهو الصَّوابُ لِشُيوعِ المُعاوَضَةِ.
وأمَّا إذَا باع دَارًا بِذَهبٍ، فظَهَرَ فيهَا معدِنُ الذَّهبِ، فإنَّه يَصحُّ، وكذَا دَارٌ 122 بِدَارٍ فيهِما بِئرُ مَاءٍ عَذْبٍ وقلْنا: "يدخُلُ تَبَعًا" وهُو المَرْجُوحُ المَعْمُولُ بِه.
ويَبْطُلُ بَيعُ الشَّيْرجِ 123 بالسِّمْسِمِ لا السِّمْسِم بمثلِه، بخلافِ شاةٍ فِي ضَرْعِها لَبَنٌ بِشَاةٍ كذلكَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 33
باب التولية والإشراك (1) والمرابحة وشراء ما باع
جاءَ فِي مُرسَلٍ جيِّدٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذَكَرَ التَّولِيةَ والإشْرَاكَ 125 126. والتَّوْلِيةُ: هِيَ 127 أَنْ يَقُولَ المُشترِي لعَالِمٍ بالثَّمَنِ: "وليتُك هذَا العَقْدَ"، فيقبَلُهُ.124
الجزء: 2 - الصفحة: 34
وهِي بيعٌ جَديدٌ، وشرْطُها: كونُ الثَّمَنِ مِثْليًّا، أو عَرَضًا إنِ انتقلَ العَرَضُ إلى المُخَاطَبِ قَبْلَ التولِيَةِ 128.
- ضابطٌ: لا يُشترَطُ أَنْ يكونَ الثَّمنُ مِثْليًّا إلَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ والتوْلِيَةِ، كما تقدَّمَ، ومثلُهُ الإشراكُ 129، وثمنُ الشُّفعةِ حَيثُ كانَ الأولُ مِثليًّا.
- قاعدةٌ: لا يُشترطُ العِلْمُ بالثَّمَنِ قَبْلَ العَقْدِ إلَّا فِي التَّوليةِ والإشْرَاكِ 130.
ولوْ قِيلَ: يُكتفى 131 فِي التوْلِيَةِ لِغَيرِ العَالِم بالثَّمنِ بقَوْلِه 132: "ولَّيْتُك هذَا العَقْدَ الذِي ثمنُه كذَا"، وقَبِلَ المُوَلَّى لكانَ قَوِيًّا، ومثْلُه فِي الإشراكِ 133، ولعلَّهُمْ ذكرُوا العِلْمَ بالثَّمَنِ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ حَيْثُ لَمْ يذكرْهُ فِيهَا، ويَلْحَقُ الثاني
الجزء: 2 - الصفحة: 35
الحَطُّ، وإنْ كان الكُلُّ إذا كانَ حَطُّ الكلِّ فِي حالةِ اللُّزومِ بَعْدَ التَّوْلِيةِ، وحَطُّ الكلِّ فِي زمَنِ الخِيارِ مُبْطِلٌ للعقْدِ الأوَّلِ 134، فتَبْطُلُ التولِيةُ الموجُودةُ، وحَطُّ الكُلِّ بعْدَ الخِيارِ قَبْلَ التَّوْلِيةِ يُبْطِلُ التولِيةَ 135.
- ضابطٌ: ليْسَ لَنَا عَقْدُ بيعٍ يَسقُطُ فيه جَميعُ الثَّمنِ بإِبراءِ غيرِ المشترِي بغدَ اللُّزُومِ إلا فِي التولِيَةِ.
والكذِبُ فِي الثَّمَنِ فِي التوْلِيةِ يُبْطِلُ العَقْدَ قَطْعًا عِند جَمْعٍ مِنَ المَرَاوِزَةِ، وقيلَ: يصحُّ، فيَحُطُّ الزائدَ قَوْلًا واحِدًا، وقيلَ: كالمُرابحَةِ، والأصحُّ فيها حَطُّ التفاوُتِ بلا خيارٍ 136.
الجزء: 2 - الصفحة: 36
وفِي دَعْوَى الزِّيادةِ لا يُقبلُ قولُهُ ولَا تُسمَعُ بَيَّنَتُهُ 137، ولكنْ لَهُ تحْليفُ 138 المُشترِي أنهُ لا يَعْلَمُ ذلكَ، وإنْ بَيَّنَ لِغَلَطِهِ وجْهًا مُحتمَلًا سُمعتْ بَيِّنَتُهُ 139. والإشْراكُ 140 فِي بعْضِه كالتولِيةِ فِي كُلِّه 141 وقولُه: "أشركتُكَ بالنِّصْفِ" صريحٌ فِي المُناصفَةِ، وقولُهُ: "أشركتُك فِي النِّصْفِ" يُحملُ على الرُّبُعِ إنْ صحَّحْنَا إطلاقَ "أشْرَكتُكَ" مَحمُولًا على النِّصْفِ، وهُو الأصحُّ 142.
- ضابطٌ: إذَا تردَّدَ المَعْقُودُ علَيْهِ بيْنَ أجْزَاءٍ؛ لا يُحمَلُ عِندَ الإطلاقِ علَى النِّصْفِ إلا هُنا.
وفِي قولِه فِي القراضِ: "الرِّبْحُ بَيْنَنا"، ومِنْ ذلكَ "بِعْتُكمَا"، بخلَافِ "بعتُكَ بأَلْفٍ دَرَاهِمَ ودَنَانيرَ"؛ فإنهُ باطلٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 37
وبيعُ المُرابَحَةِ جَائِزٌ مِنْ غَيرِ كرَاهَةٍ 143. ويَجُوزُ مُحاطَّةً 144 والمَحْطُوطُ فِي قولِه: "دِرْهَمٌ لكُل عَشرةٍ"، "واحدٌ مِنْ كُلِّ أحَدَ عَشرَ"، على الأصحِّ، كما فِي الرِّبحِ قَطْعًا بخِلافِ قولِه: "حُطَّ دِرهمٌ مِنْ كُلِّ عَشرةٍ"، فإنَّ المَحْطوطَ مِنَ العَشرةِ، وقِيلَ كالأُولَى، وغَلِطَ 145. ويَدخُلُ في: "بِعْتُ بمَا قامَ علَىَّ 146 مَعَ الثَّمَنِ" المُؤَنُ التي يُقصدُ بِها الاسترباحُ؛ كالعلَفِ الزائدِ للتسمينِ، وأُجْرَة الطَّبيبِ 147 إنِ اشتراهُ مَريضًا، والمُكس 148، لا فِدَاء الجَانِي، ولا مَا أَعْطَاهُ لِرَدَّ المَغْصُوبِ ونحوِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
ولا بُدَّ مِن عِلْمِ رأسِ المالِ والمُؤَنِ الداخِلَةِ فيمَا قامَ علَيَّ.
فإنْ جَهِلَ أحدَهما لَمْ يَصحَّ، وكذا لَوْ كانَ الثَّمَنُ مُعيَّنًا مجْهُولَ القدْرِ.
ويَجُوزُ أَنْ يَشترِيَ ما باعهُ برأسِ المالِ وبأقلَّ مِنهُ وأكْثَرَ، ويستوِي فِي ذلكَ الحَالُّ والمُؤَجَّلُ ما لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ خِيَارٌ ولَا عَدَمُ قَبْضٍ 149.
الجزء: 2 - الصفحة: 39
باب بيع الخيار
والمُرادُ بذلكَ هُنا ما شُرِط فيهِ الخِيارُ ثلاثةَ أيامٍ فَمَا دُونَها، فإنْ زادَ علَى ذلكَ بَطَلَ العَقْدُ بِلَا تفْرِيقٍ، لِأنَّه صَارَ شَرْطًا فاسِدًا.
وابتِداءُ المُدَّةِ مِن حِينِ الشَّرْطِ.
وهو يَثبُتُ فيمَا يَثْبُتُ فيهِ خِيارُ المَجْلسِ إلَّا فِي سِتَّةِ مواضِعَ:
150 الصَّرفُ.
(2) وبيعُ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ.
(3) والسَّلَمُ.
(4) والمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّة مِنَ الجَانِبَينِ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَمِ (1)، إذ يُشترَطُ فيهِ قَبْضٌ واحدٌ مِنَ العِوَضين فِي خِيارِ المَجْلسِ علَى الصَّوابِ، فامتَنعَ اشتراطُ الخِيارِ فِيه كالسَّلَمِ.
(5) والإجارةُ على عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ إذْ هِي كالسَّلَمِ.
(6) وشراءُ بعضِهِ بشَرْطِ الخيارِ للمُشترِي وحدَهُ -وإذَا كانَ المَبيعُ يَفسُدُ
الجزء: 2 - الصفحة: 40
فِي مُدَّةِ الخيارِ- وأمَّا إذَا اشترَى مَن اعترَفَ بحرِّيَّتِه، فإنَّه لا يَثبتُ لَه الخِيارانِ، لِأنَّه افتداءٌ مِن جهتِهِ.
والخِيارُ فِي البَيعِ للتَّشهِّي، وهو خِيارُ المَجْلِسِ والشَّرطِ، وخيارُ الرؤْيَةِ علَى رأيٍ 151 ضَعِيفٍ، وهو 152 عدمُ اشتراطِ الوصْفِ والنقصِ بعيبٍ ونحوِه، ويثبتُ الخيارُ بذلك دَوامًا، وكذا ابتداءً إن جُهِلَ.
وذكَرَ المَحَامِلِيُّ أنَّ الخياراتِ التي لها مَدْخلٌ فِي البيعِ عشرةُ 153 فَعَدَّ ثلاثةً 154 للتَّشهِّي، وذَكَرَ خيارَ التخييرِ، وهو أَنْ يُخيِّرَ أحدُهما صاحِبَهُ، وهذا ليسَ بشَيءٍ، فالتخييرُ لا يُثبِتُ خِيَارًا، وذَكَرَ خِيارَ الامْتِناعِ مِنَ العِتقِ، والأصحُّ فيه الإجبارُ 155 لا الخيار، وذَكَرَ العيبَ، وتلقِّي الرُّكبانِ، وتفْرِيقَ الصفْقَةِ يعنِي: دَوامًا، وكذا ابتداءً إن جَهِلَ المشْتَرِي، وذَكَرَ العَجْزَ عَنِ الثَّمَنِ، وعدَمَ الحِرفَةِ المَشْرُوطَةِ 156، ولَوْ قالَ: وفَقْدُ الوَصْفِ المقصُودِ المَشْروطِ، لَكَانَ أعَمَّ 157.
الجزء: 2 - الصفحة: 41
ويُزادُ عَلَى المَحَامِلِيِّ اثنَا عَشرَ:
- الخِيارُ فيمَا رَآه قَبْلَ العَقْدِ إذَا تَغيَّرَ عَنْ وَصْفِه.
- والخِيارُ فِيمَا لَمْ يَرَهُ إذَا وصَفَهُ، واكتفَيْنَا بِه علَى المَرْجُوحِ، فوَجَدَهُ ناقِصًا عَنِ الوَصْفِ.
وفِي التغْرِيرِ الفِعْليِّ مِنَ التَّصْرِيَةِ 158 ونحوِها، لَا تَلْطِيخَ الثَّوبِ بالمِدادِ لِتُتَخَيَّلَ 159 كِتَابَتُهُ، لِإمْكانِ استِكْشَافِه فِي الحَالِ. - والخيارُ لِجَهْلِ الدِّكَّةِ التِي تَحْتَ الصُّبْرةِ، ولِجَهْلِ الغَصْبِ مَعَ القُدْرةِ علَى الانتِزَاعِ، ولِطَرَيانِ العَجْزِ معَ العِلْمِ بِه، ولِجَهْلِ كَونِ المَبيعِ مُسْتأجَرًا.
- والخِيارُ لِلامتِناعِ 160 مِنَ المَشْرُوطِ غيرِ العِتقِ فإنه يُجبَرُ علَيهِ، وغيرِ القَطْعِ فيمَا إذَا بِيعتِ 161 الثمرةُ قَبْلَ 162 الصلَاحِ مِنْ صَاحِبِ الأصْلِ بِشَرْطِ 163 القَطْعِ، فإنه لا يَلْزَمُ الوفاءُ بِهِ.
- والخِيارُ بَعْدَ التحالُفِ، ولِتعذُّرِ قَبْضِ المَبِيعِ لجَحْدٍ 164، أوْ غَصْبِ
الجزء: 2 - الصفحة: 42
غَاصِبٍ، ولِتَعذُّرِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي غَيبةِ مالِ 165 المُشْتَري إلَى مَسافةِ القَصْرِ.
- والخِيارُ للبائِعِ فِي ظُهورِ الزِّيادةِ فِي الثَّمَنِ فِي المُرابحةِ.
- والخيارُ لِلْمشتَرِي فِي صُورةِ الأَحْجارِ المَدْفُونَةِ فِي الأرضِ المَبِيعةِ إذَا كانَ القَلْعُ والتَّرْكُ مُضِرَّيْنِ أوْ كَانَ القلْعُ مُضِرًّا ولَمْ يَتْرُكِ البائِعُ الأحْجَارَ، وهو إعراضٌ علَى الأصحِّ كنَعْلِ الدابةِ، فلَوْ خَرَجَ أوْ سَقَطَ، فالحَجَرُ للبَائِع والنَّعْلُ لِلْمُشْتَرِي.
- والخيارُ للمُشْتري فِي اختِلَاطِ الثَّمَرةِ والمَبيعِ قَبْلَ القَبْضِ بِغَيرِه إنْ لَمْ يَهَبِ البائعُ 166 ما تَجَدَّدَ، ولِلْمُشْتَرِي بعَيْبِ الثمرةِ بِتَرْكِ البائِعِ السَّقْيَ.
وقدْ يَثْبتُ 167 الخيارُ للأجْنَبيِّ -وهو المجنيُّ عليهِ- عِنْدَ تعذُّرِ الفِداءِ بعدَ البيعِ إذَا اختارَ السيدُ الفداءَ فباعَهُ 168، ويفسخُ عِنْدَ التنازُع فيما إذَا نَفَعَ السقيُ للأشْجَارِ وضَرَّ الثمارَ الباقيةَ للبائعِ، وفِي اختلَاطِ الثَّمَرةِ الباقيةِ 169 لِلبائِع بِغيرِها.
الجزء: 2 - الصفحة: 43
ويَظْهَرُ لَكَ مِنْ ذلِك كلِّهِ التعقبُ علَى صاحِب "الروضة" 170 إذ فِي زيادَاته: قالَ أصْحَابُنا: إذَا انْعقَدَ البيعُ لَمْ يتطرَّقْ إليهِ فسخٌ 171 إلا بأحَدِ سبعَةِ أسبابٍ:
1 - خيارُ المجْلِسِ.
2 - والشَّرْطُ.
3 - والعَيْبُ.
4 - وخُلفُ المَشْرُوطِ المَقْصُود.
5 - والإقَالةُ.
6 - والتحَالُفُ.
7 - وهلَاكُ المَبِيعِ قَبْل القَبْضِ.
وأيضًا فالفسخُ يُتَطرقُ إليهِ بأكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا وخيارُ المَجْلِسِ يَنْقَطِعُ بِالتفرُّقِ 172 بأبدانِهِما -طَوْعًا عَنْ مَجلسِ العَقْدِ- التفرُّقَ 173 المُعتادَ، وبأنْ يَختارَا إمضاءَ البيعِ، فلَوِ اخْتَارَ أحدُهُما الإمضاءَ لَزِم فِي حَقِّه وبقِيَ خِيارُ الآخَرِ علَى الأصحِّ فيهِما.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
- ضابطٌ:
لا يتبعَّضُ خيارُ المجلِسِ ابتداءً فيقعُ لواحِدٍ دونَ آخَرَ إلَّا فِي صورتَينِ:
إحدَاهُما: إذا اشْتَرَى مَن اعْتَرَفَ بحُرِّيَّتِه كما تقدَّمَ.
الثانيةُ: فِي الشُّفعةِ إذَا أثْبَتْنا الخِيارَ للشَّفِيعِ علَى ما رُجِّحَ، والمُصحَّحُ لَا يثبتُ له.
ولا يَثبتُ خيارُ المَجْلِس إلا فِي المُعاوضةِ المَحْضَةِ، ومنهُ إجارَةُ الذِّمَّةِ إذْ هِيَ كالسَّلَمِ لا غيرَهَا فِي الأصحِّ 174. ويَنقطِعُ خِيارُ الشَّرْطِ بمُضيِّ المُدَّةِ أوْ باختيارِهما الإمْضَاءَ، والفَسْخُ مِن واحِدٍ يَقْطعُ الخِيارَيْنِ، واستقرارُ البيعِ يَحْصُلُ بقَبْضِ ما كانَ 175 مُعَيَّنًا مِنَ الجَانِبَيْنِ، والاستِقْرَارُ عِبَارةٌ عنِ الأمْنِ مِن انفِسَاخِ العَقْدِ بسبَبِ تلَفِ العَيْنِ 176.
الجزء: 2 - الصفحة: 45
- ضابطٌ: ليسَ لَنا فِي العُقُودِ اللازِمَة ما يَحتاجُ إلى استقْرَارِ المَعْقُودِ علَيْهِ إلا البيعُ، والسَّلَمُ، والإجارةُ، والمسابقةُ، إذْ هِي لازِمَةٌ كالإِجَارَةِ.
ويَنْبغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي المُساقاةِ، وقدْ ذكرُوهُ فِي الصَّدَاقِ، وهُو 177 يَجْرِي فِي عِوَضِ الخُلعِ ونحوِه، لكنِ استقرارُ عِوَضِ الخُلعِ ونحوِه بقبْضِهِ، واستقرارُ الصَّدَاقِ لَا يَحصُلُ بقَبْضِه، بَلْ لا بدُّ معهُ مِنْ مَوْتٍ أو دُخُولٍ بشرطِهِما 178 على مَا سيأتِي، ومثلُه فِي الإجَارَةِ ونحوِها قبضُ المنفَعَةِ حِسًّا أو حُكمًا.
قاعدةٌ: العقودُ علَى ثلاثَةِ أضرُبٍ 179:
1 - لازمٌ مِنَ الجَانِبَيْنِ.
2 - وجَائزٌ مِنَ الجَانِبَيْنِ.
3 - ولازِمٌ مِنْ أحدِهِمَا.
الجزء: 2 - الصفحة: 46
فاللازِمُ مِنَ الجَانِبَيْنِ تِسعةَ عَشرَ، عَدَّ المَحَامِلِي منها تِسعةً 180:
1 - 2 - البيعُ والسَّلَمُ بعْدَ لُزومِهِمَا.
3 - والقرْضُ بعْدَ زَوالِ مِلْكِ المُقتَرِضِ عنِ الذِي أقرضَه 181.
4 - والصُّلحُ.
5 - ولَوْ أثَبْنا علَى الهِبةِ إذَا كانَ بعْدَ القَبضِ لِغَيرِ الفَرْعِ.
6 - والحَوَالةُ.
7 - والعاريةُ للرهن أو للدفْنِ 182 إذا وَقَعَ ذلك.
8 - والمأخوذُ بالشُّفعة 183، والإجارةُ بعد لزومهما على ما تقدم.
9 - والمساقاةُ.
10 - والمُزارعةُ الصَّحيحةُ.
11 - 12 - والمُسابقةُ والمُناضلةُ، على الأصحِّ فِيهِما.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
13 - والوَصيةُ.
كذا قال المَحَامِلِيُّ 184، والمُرادُ إذا قَبِلَ بعدَ الموتِ، وقُبِضَ حينئذٍ، وكذا إنْ قَبِل ولم يُقْبضْ؛ على وجهٍ صحَّحوه، والنَّصُّ أنَّ له أَنْ يرُدَّ.
14 - والهبةُ بعد القبض إلا فِي حقِّ الفَرْع.
15 - والوقْفُ.
16 - والنِّكاحُ على الأَصَحِّ، ومقابلهُ ليس بلازِمٍ مِن جِهَةِ الزَّوجِ 185.
17 - والصَّداقُ.
18 - والخُلعُ.
19 - والعتقُ على العِوَضِ، ونحو ذلك.
- والجائزُ من الجانبين: خمسةَ عَشَرَ، منها 186 ثمانيةٌ زائدةٌ على المَحَامِلِي 187:
الجزء: 2 - الصفحة: 48
1 - البيعُ 188 فِي حالةِ 189 كوْنِ الخِيارِ لهُما بمجلسٍ أو شرطٍ، وقد يَتَّفِقُ له الجوازُ بعد لُزُومه كَمَا فِي التَّحالُفِ وظهورِ العيبِ فِي العِوَضَينِ المُعَيَّنين، ونحو ذلك.
2 - ومن ذلك المُسْلَمُ 190 قبل لزومِهِ.
3 - والقرضُ قبل لزومِهِ.
4 - والشَّركةُ.
5 - والوَكالةُ.
6 - والعاريةُ فِي غيرِ ما تقدَّم، وقد يلزمُ مِن جانبٍ على رأي سيأتِي.
7 - والقِراضُ.
8 - والجَعالةُ.
9 - والوديعةُ.
10 - وكذا المُسابقةُ.
11 - والمُناضلةُ على قولٍ مرجوحٍ 191.
12 - والهبةُ قبل القبضِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 49
13 - والقضاءُ.
14 - والوصيةُ فِي غيرِ ما تقدَّم.
15 - والوصايةُ، إلَّا أنَّ الرَّدَّ لا يتأتَّى 192 ثبوتُهُ لكُلٍّ مِن الجانِبَينِ فِي حالةٍ واحدةٍ بل للمُوصِي فِي الحياةِ، وللمُوصَى له بعدَ الموتِ، ولا نَظيرَ لهُما فِي ذلك.
- واللازمُ مِن جانبٍ واحدٍ ثلاثةَ عَشَرَ، عد المَحَامِلِي منها خمسَةً 193:
1 - الرَّهنُ مِن جهةِ الرَّاهِنِ.
2 - والضَّمانُ مِن جِهةِ الضَّامِنِ.
3 - والجزيةُ مِن جِهةِ الإِمامِ.
4 - والكتابةُ مِن جهةِ السيِّدِ.
5 - والإمامةُ مِن جِهةِ المُسلِمِين.
6 - وهبةُ الأصلِ بعد القبضِ مِن جِهةِ الفرعِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
7 - والهُدنةُ مِن جِهةِ الإِمامِ.
8 - والأمانُ مِن جِهةِ المُسلِمِين.
9 - والنِّكاحُ مِن جِهةِ الزَّوجةِ، وقد يتفِقُ فِيهِ الجوازُ مِن الجانِبينِ أو مِن أحدِهِما بعيبٍ وعتقٍ، ونحوِ ذلك.
10 - والعاريةُ لوضعِ الجُذُوعِ لازمةٌ بعد وضعِها من جهة المُعِير على وجهٍ رجَّحه العِرَاقِيونَ.
11 - وأما الرَّجعةُ، وتعليقُ الطَّلاقِ، وتعليقُ العِتقِ، والتَّدبيرُ، والنذرُ، فقد لا تُسَمَّى عُقودًا، وأيضًا 194 فإنَّها 195 يستقلُّ بِها الواحدُ.
12 - وأما الطَّلاقُ، والإيلاءُ، والظِّهارُ، واللِّعانُ، والإبراءُ، والعتقُ: فليس مِن هذِهِ المادةِ.
13 - وأما اليمينُ، والحَجُّ، والعُمرةُ: فليس فيها جانِبَانِ، واللَّه تعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 51
باب بيع العبد المأذون
وهو صحيحٌ بمُقْتَضى الإذْن اتِّفاقًا، لا مِن غير المأذونِ على المذهبِ.
وليس لهما أن يؤجِّرا أنفسَهُما إلا فِي حالةٍ واحدةٍ، وهي حيثُ تعلَّق حقٌّ ثالثٌ بالكسبِ بسببِ زوجتِهِ بإذنٍ أو 196 ضمانٍ 197 بإذنٍ ونحوِهِما، فلهما ذلك.
وللمأذونِ أن يشتريَ 198 مَن يَعْتِقُ على سيِّدِهِ على 199 أصحِّ القولينِ عندَ الشافعيِّ رضي اللَّه عنه، كذا فِي "الأم" 200، قال: وبه آخُذُ.
وخالَفَ المُتأخِّرونَ تبغا للبغويِّ، فصحَّحوا 201 المنْعَ، واختارَ بعضُهُم المنْعَ، إن قال: "أتَّجِرُ لا أشْتَرِي".
الجزء: 2 - الصفحة: 52
والفَتْوى على ما صحَّحهُ صاحبُ 202 المذهَبِ 203، حيثُ لم يَمنع السيدَ مِن ذلك صريحًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 53
فصل فِي العيب والتحالف
- ضابطٌ:
العيْبُ كُلُّ ما نَقَصَ العينَ أو القيمةَ نقصانًا يفوتُ به غرضٌ صحيحٌ، الغالبُ فِي أمثال المبيع عدمُهُ، وهو يقتضي ثبوتَ الردِّ، سواءٌ كان موجودًا عندَ العقدِ إذا جهل، أم حَدَثَ بعدَهُ إذا كان قبلَ القبْضِ.
وأمَّا ما حَدَثَ بعدَ القبضِ 204 فلا يضمنُهُ البائعُ، إلَّا إذا تحقَّق استنادُهُ إلى سببٍ سابِقٍ، كالقتْلِ بردَّةٍ سابقةٍ، والقطعِ بسرقةٍ سابقةٍ، لا الموتُ بمرضٍ سابق.
وما دام الردُّ مُمْكِنًا قهرًا فلا 205 يُعدَلُ إلى الأرْشِ.
فإن حَدَثَ عندَ المُشتَرِي عيبٌ وتنازَعَا اتبع مَن يريدُ الإمْساكَ والرجوعَ بأرْشِ القدِيم إلَّا فِي ربويٍّ بِيعَ بجنسِهِ، فإنَّه يتعيَّنُ الردُّ بأرْشِ الحادِثِ.
والردُّ على الفورِ عادَةً، ويسقُطُ بتأخيرٍ، أو استعمالٍ مُشعرٍ بالرِّضا.
وإذا اختلَفَ المُتعاقِدانِ أو الوارثُ فِي صفةِ عقدِ معاوضةٍ، ولو فِي
الجزء: 2 - الصفحة: 54
شَرْطِ 206 رهْنٍ، أو أجَلٍ، أو نحو ذلك، ولا بيَّنَةَ لواحِدٍ منهما، أو لكلٍّ بينةٌ تُعارِضُ الأخُرى، فإنَّهما يتحالفَانِ.
وإنْ لَم يتَّفِقا على صحتِهِ بل كان الاختلافُ مع الفسادِ اختلافًا فِي مقدارِ المبيع أو الثمنِ فإنَّهما يتَحَالفانِ أيضًا؛ نصَّ عليه فِي "الأم" 207 و"البويطي".
وهو الصوابُ؛ خِلافًا لِمن قال يحلِفُ مُدَّعِي الصِّحةِ، ثُمَّ يَتَحالفانِ، ويجمَعُ كُلُّ واحِدٍ فِي يمينِهِ بينَ النَّفِي والإثباتِ، ويُبدأُ بالبائِع نَدْبًا.
وإذا اختلفَا فِي الصِّحةِ والفسادِ غيرَ ما تقدَّم فالقولُ قولُ مُدَّعِي الصِّحةِ بيمينِهِ إلَّا إذا كان الفسادُ راجِعًا إلى القصدِ كبيع ذِراع مِن أرضٍ ادَّعى البائِعُ فيه نيةَ التَّعيينِ، فالأرجحُ تصديقُه بيمينِهِ، وإلَّا إذا كان ذلك فِي صُلْحٍ ادَّعى أنَّه على الإنكارِ، فالقولُ قولُ مَن ادَّعى ذلك بيمينِهِ.
وإذا اخْتَلَفَا فِي المردودِ بعيبٍ هل هُو المَبيعُ، فالقولُ قولُ 208 البائِع أو المُسْلم باليمينِ.
ومثلُه لو ردَّ دَراهِمَ، [فقال المردودُ عليه: "ليستْ دراهِمِي"] 209 فإنَّ القولَ قولُ الرَّادِّ بيمينِهِ إلَّا إذا كانتْ مأخوذَةً عن ما فِي الذِّمةِ، وإلَّا فالقولُ قولُ
الجزء: 2 - الصفحة: 55
المردودِ عليهِ بيمينِهِ.
وإذا اختلَفَا فِي عقدَينِ حَلَفَ كُلُّ واحدٍ على نفْي ما يدَّعيهِ صاحِبُهُ، ولا يَلزم أحدَهما بيمينِ الآخَرِ شيءٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 56
باب السلم
هو لغة: السَّلَفُ، وهو دَفْعُ شيءٍ عاجِلٍ لإعطاءِ شيْءٍ آجِلٍ 210 بَعْدَ ذلك.
وشرعًا: عقدٌ بصيغةٍ خاصَّةٍ على موصوفٍ فِي الذِّمَّةِ ببدَلٍ يُقبضُ فِي المجلِسِ.
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ نزلت فِي السَّلَمِ.
وفِي "الصحيحين" 211 عن النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أسلَفَ فَلْيُسلِفْ فِي كَيْلٍ معلُومٍ، ووزْنٍ معلُومٍ إلى أجَلٍ معلُومٍ".
ويُعتَبَرُ فِيهِ العَاقِدانِ المُتأهِّلَانِ، والصِّيغةُ -وهي السَّلَمُ- والسَّلفُ 212،
الجزء: 2 - الصفحة: 57
ونحوهُما، ولا يصِحُّ بلفظ البيع على الأرجَح (1).
ولا يصحُّ السَّلَمُ إلَّا بشرُوطٍ (2) ثمانيةٍ
(3): 1 -
الأوَّل
الجزء: 2 - الصفحة: 58
- ضابطٌ:
ليس لنا موضعٌ يُكتفى فيه بالعِلم الحادِثِ بعدَ العقدِ قبل التفرُّقِ جزْمًا إلَّا هذا، ويجيءُ فِي غيرِهِ على رأْي ضعيفٍ.
وليس لنا موضعٌ يُعتَبَرُ فيه معرفة قيمة المعقودِ عليهِ على رأْي إلَّا هذا، وتُلحقُ به الأجرةُ إنْ جعلنَاهَا كرأْسِ مالِ السَّلَم (1)، ومثلُهُ على وجهٍ بيعُ بعض عَرَضه ببعضِ عرضِ صاحِبِهِ كمَا فِي المُتَقَوَّم (2).
2 -
الشرطُ الثَّاني:
كونُ المُسْلَم فيه دَيْنًا حالًّا أو مؤجَّلًا 222، والمطلقُ حالٌّ، ولو أسقَطَا 223 الأجل فِي خيار المجلس صار حالًّا، ولو أجَّلَا فيه ما كان حالًّا أو مطلقًا تأجَّل 224.220221
الجزء: 2 - الصفحة: 59
- ضابطٌ:
لا يؤجَّلُ على المديونِ ما كان حالًا عليه إلَّا فِي حالة الخيار، وأمَّا بعدَ الُّلزُومِ فَلَا، واسْتُثْنِي النذرُ والوصيةُ فِيمَن نَذَرَ أن لا يُطالِبَهُ إلَّا بعدَ شهْرٍ أو أَوْصى أن لا يطالَبَ إلَّا بعدَ شهْرٍ مِن موتِهِ مثلًا.
والتحقيقُ: لا استثناء، فالحُلُولُ مُستمرٌّ، ولكِنِ امتَنَعَ الطَّلبُ لعارِضٍ كالإعْسَارِ للعدَم، أو لِقِيام الرِّقِّ فيما يُتبع بِهِ العبدُ بعدَ عِتْقِهِ، وضمانُ الحالِّ مؤجَّلًا ليس تأجيلًا على المَدْيون.
- ضابطٌ: مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ قد يكونُ حالًا، وقد يكونُ مؤجَّلًا 225 إلَّا أنَّ الحُلولَ يتعينُ فِي مواضِعَ، ويتعينُ التأجيلُ فِي مواضِعَ: فيتعينُ 226 الحُلُولُ فِي كُل موضعٍ 227 يُشترَطُ قبضُهُ 228 فِي المجلِسِ كَمَا فِي الصَّرفِ على الذِّمَّة، ونحوه فِي الرِّبا، ورأسُ مالِ السَّلَمِ، وأجرةُ الوارِدِ على الذمَّةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 60
ومِمَّا لا يكونُ إلَّا حالًّا 229: القرضُ [وبدلُ المُتْلَفَاتِ، إلَّا فِي دِيَة الخطأ، وشِبْهِ العَمْدِ] 230، وفرضُ القاضي مهرَ المِثْلِ على المُمْتنِع فِي المُفَوَّضة، وعقدِ كُلِّ نائِبٍ أو وليٍّ لم يُؤْذن 231 لهُ فِي التَّأجِيلِ لفظًا أو شرعًا.
ويتعينُ التأجيلُ فِي الكتابةِ، وديةِ الخطأ، وشبهِ العمد، وفِيما أدَّاه ورثَةُ الضَّامِنِ لِحلولِهِ بموتِهِ، فلا يثبُتُ على الأصْلِ 232 إلَّا مؤجَّلًا.
ولو قال: "أدّ دَيْنِي إذا حلّ" فأدَّاه قبلَهُ 233، فيحتملُ أَنْ يكونَ مُتَبَرِّعًا، والأقربُ خلافُه، فيثبتُ مؤجَّلًا.
ولا يصحُّ السَّلَمُ المؤجَّلُ بالمجهولِ: كالحَصَادِ، والبيدَرِ 234، والقِطافِ، والمَوسِمِ، وورودِ الحاجِّ، وسقوطِ أولِ الثلُوجِ، وقدومِ المسافِرِ، وشفاءِ المرِيضِ، وبعدَ شهرِ كذا، و 235 العطاءِ، إلَّا أَنْ يريدَ وقتَ خروجِ العَطَاءِ، وقد عَيَّن لهُ السُّلطانُ وقتًا.
ومِن المجهولِ إلى الشتاءِ أو الصيفِ، إلَّا أَنْ يريدَ الوقْتَ.
ومن المجهولِ على الأصحِّ مواضِعُ:
الجزء: 2 - الصفحة: 61
- منها: أن يقولَ "فِي شهرِ كذا"، أو "فِي يومِ كذا"، خِلافًا لِمَا صحَّحه الماورديُّ فِي اليومِ.
- ومنها: الميسرةُ، والنَّيروزُ، والمَهْرجانُ، وفَصْحُ النَّصارى، وفِطْرُ اليهودِ وصومُهُم إنْ لمْ يُعْلَم إلَّا بالكُفار 236.
ولا يصحُّ التأجيلُ بوضع الأُنثى الفُلانِيَّةِ على الأصحِّ.
وخطَّأ المَحَامِلِيُّ مَن قال مِن الأصحاب "مُدَّةُ الوضعِ معلُومةٌ".
وعَدَّ مِن المجهولِ أيضًا 237 انقضاءَ الصيفِ والخريفِ، وهذا إنْ لم يُرِدَا 238 الوقتَ كما تقدم.
ويصحُّ التأجيلُ بالعِيدِ، وربيعٍ، وجُمادَى، ويُحملُ على أوَّلِ ما يجيءُ مما ذُكر 239. وبالقَرِّ، وهو حادِي عَشْرِ ذِي الحِّجة 240. وبالنَّفْرِ، ويُحملُ عندَ الإطلاقِ على الأوَّلِ 241.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
ويصحُّ بسَلْخِ الشَّهرِ الفُلانِيِّ، واستهلالِهِ، لا عَقِبَهُ على النَّصِّ، وقد يقرُبُ الجوازُ فِي العَقِبِ.
والأشهُرُ والسَّنَةُ مُعتَبَرَةٌ بالأهِلَّةُ (1) ما لم يقيِّد، وتَمَّمَ المنكَسِرَ ثلاثِينَ (2).
3 -
الشرطُ الثالثُ
-
- *243244
الجزء: 2 - الصفحة: 63
4 -
الشرطُ الرابعُ
الجزء: 2 - الصفحة: 64
ولا يُعتَبَرُ الوزنُ فِي حَجَرِ الأرْحِيَةِ (1) عندَ الشَّيخ أبي حامِدٍ وأتباعِهِ، ووافَقَهُم مِن المراوزةِ البغويُّ، وخالفَ الإمامُ والغزاليُّ، فقَطَعَا بالاشْتراطِ.
وأمَّا غيرُ حَجَرِ الأرْحِيةِ فوجهان، والنَّصُّ فِي "الأم" (2) إطلاقُ اعتِبارِ الوزنِ فِي الأحجارِ، وفَسَدَ تَعيينُ المِكيالِ لَا العقدَ إنِ اعتِيدَ.
5 -
الشرطُ الخامسُ
(3): أن يكون المُسْلَمُ فيه موصوفًا بالأوصاف التي (4) يختلف بِها الغرضُ اختلافًا ظاهرًا، وهي (5) غالِبةٌ فِي الجِنْسِ مِن حيثُ الصنعةُ، لا كالأمانَةِ والكِتابةِ وقُوَّةِ العملِ، فيما (6) لا يُضبطُ بالصِّفةِ المذكورةِ لا يصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
6 -
الشرطُ السادسُ:
أن لا يكونَ عزيزَ الوجودِ، فلا يصِحُّ السَّلَمُ فِي اللآلِئِ الكِبارِ، واليواقِيتِ، وجاريةٍ مع أختِهَا، أو ولدِها، أو مرضِعٍ، أو بشرطِ أنَّها حاملٌ، أو لَبونٌ، لا كشرْطِ الكِتابةِ والمشْطِ؛ لأنَّه لا يندُرُ اجتماعُهُ مع255256257258259260
الجزء: 2 - الصفحة: 65
الصِّفاتِ المُعتبرةِ إذ يمكِنُ تعليمُهُ، ولا بُدَّ مِن معرفةِ المُتعاقِدَيْنِ الصفاتِ (1) ومعرفةِ عَدْلين غيرهما، لا كَمَا سَبَقَ فِي النيروزِ؛ لأنَّ الجَهالةَ هنا تعودُ إلى المعقودِ عليهِ.
7 -
الشرطُ السابعُ
(2): بيانُ مَحلِ التَّسليم فِي المؤجَّلِ إذا كان لِحملِهِ مَؤْنَةٌ، أو لم يكُنْ مكانُ (3) العقدِ صالحًا للتسليم، وإلَّا فيُحملُ على مكانِ العقْدِ.
وأمَّا الحالُّ فأطلقوا أنَّه يُحملُ على مَكَانِ العقدِ (4)، وينبغِي أَنْ يُقيَّدَ بالمكانِ الصالِحِ لِلتسلِيمِ، والمرادُ بذلك الناحيةُ، ولو عيَّن غيرَها جاز، وحيثُ يُعتَبَرُ (5) مكانٌ صالِحٌ، فخَرَجَ عَنِ الصَّلَاحيَّةِ فأقربُ موضِعٍ صالِح حيثُ لا زِيادَةَ فِي المَؤُنَةِ والمشقَّةِ، وكُلُّ ما ثَبَتَ (6) فِي الذِّمَّةِ باختِيارِ المُتعاقِدَيْنِ له حُكمُ السَّلم فِي بيانِ الموضِعِ.
8 -
الشرطُ الثامنُ
الجزء: 2 - الصفحة: 66
فِي مواضِعَ، ورجَّح غيرُهم أنَّه لا يُشترطُ ويُحملُ المُطلقُ على الجيِّدِ، وسواءٌ اشتُرِطَ أو لم يُشْتَرط فهو منزَّلٌ على أقلِّ درجَاتِ الجودَةِ.
ولو شَرَطَ أنَّه أجودُ لم يَصِحَّ على المذهَبِ 270، أو أردَأُ صَحَّ 271، أو رديْءٌ من جهةِ عيبٍ لم يَصِح، أو نوعٌ صحَّ على النَّصِّ، وهو اختيارُ الأكثرِ، خلافًا للإمام والغزَّاليِّ، ومَن 272 تَبِعَهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 67
فصل
يصحُّ السَّلَمُ فِي الحيوانِ ولو فِي الطيرِ 273، خلافًا لما فِي "البويطي".
ولو بجارية صغيرة فِي كبيرة، خلافًا لأبي إسحاق؛ إذ تصيرُ عندَهُ فِي معنى قرْضِ الجَوَارِي، ولم يعتبِرِ الجمهورُ ذلك، بل يُمَكَنُ مِن تسلِيمِها عمَّا 274 عليهِ على الأرْجَحِ، ولا يمتنِعُ الوَطْءُ.
وفِي السُّكَّرِ على النَّص، وفِي القَنْدِ 275 صرَّح به الماورديُّ، وفي 276 الآجُرِّ على الأصَحِّ 277.
الجزء: 2 - الصفحة: 68
والدِّبْسُ 278 والفانِيْذُ 279 واللِّبا، وماءُ الورد، وفِي النِّيلَةِ قياسًا، لا اللحمِ المطبوخِ، والمشويِّ، ولا الخبزِ على الأصحِّ.
وكل ما يُسلَمُ فيه لابُدَّ من ذِكْرِ جنسِهِ ونوعِهِ، [وقد يُكْتَفَى بالنَّوع] 280.
وفِي الطَّيرِ يذكُرُ مع ذلك الصِّغَرَ والكِبَرَ فِي الجُثَّة، وفِي الحيوانِ غُبرةَ اللون، والذكورَةَ 281 والأنوثَةَ والسِّنَّ.
وهو تقريبٌ هنا.
وفِي الوَكالةِ والوصيةِ ونحوِها جزمًا.
وفِي الرقيقِ لا بُدَّ من ذِكر القَدِّ أيضًا.
وفِي الحبوبِ والتمرِ والزبيبِ يذكُرُ بلَدَهُ 282، ولونَهُ، وصِغَرَ الحَبِّ، وكِبَرَهُ، وكونِهِ حديثًا أو عتيقًا، وكونِها ممتلئةً أو ضامرةً.
. ذكره المَحَامِلِيُّ.
= الماوردي من أصحابنا، قال السبكي: وهو ظاهر لاختلافه، ويصح أيضًا في القند والخزف والفحم.
الجزء: 2 - الصفحة: 69
قال: وأن يصِفَ الحبوبَ بالنقاوةِ أو النخالةِ فِي وجهٍ، وفِي العَسَلِ يذكُرُ أنَّه جبلِيٌّ أو بلدِيٌّ صيفِيٌّ، أو خريفِيٌّ أبيضُ أو أصفرُ، ولا يُشترطُ ذِكْرُ كونِهِ حديثًا ولا عتيقًا؛ خِلافًا لِمَا جَزَمَ به المَحَامِلِي.
ويصحُّ فِي المُشَمَّع 283.
والمطلقُ محمولٌ على المصفَّى، فإن صُفِّيَ بالنَّارِ لم يُجْبَرْ على أخذِهِ إن تعقَّدَ 284 وتقبل مارقته بسبب الحَرِّ لا بعيبٍ 285.
وفِي السَّمنِ 286 سمنُ بقرٍ 287 أو شاةٍ، بقرٌ إنسيٍّ أو وحشيٍّ، أبيضُ أو أصفرُ، ويذكر أنَّه جديدٌ.
فأمَّا العتيقُ فلا يصحُّ السَّلمُ فيه؛ لأنَّه عيبٌ؛ قاله الشَّيخُ أبو حامِد والمَحَامِلِيُّ.
وقال القاضي أبو الطَّيب: هذا فِي عتيقٍ متغيِّرٍ لا كُل العتيقِ، فلا بُدَّ من بيانِهِ.
وفِي البيضِ يذكُرُ 288 بيضُ دجاجٍ أو حَمَامٍ أو سمكٍ صغيرٍ أو كبيرٍ، حديثِ
الجزء: 2 - الصفحة: 70
يومٍ أو أمسِ، أو رباعيٍّ أو سباعيٍّ، فإن أطلَقَ فحديثٌ.
وإن اشْتُرِطَ العتيقُ ففِي صحةِ السَّلَمِ قولان، ذكرهما 289 المَحَامِلِي، وهو محمولٌ على أنَّ العتوقَة 290 فيه رداءةٌ، فلا يصحُّ إذا كان عيبًا.
وفِي الدراهِمِ والدنانِيرِ يذكُرُ السِّكَّةَ، ومِن ضَرْبِ فلانٍ، واللونَ.
ولا يصحُّ 291 أن يَجْعَلَ رأسَ المالِ حينئِذٍ مِن أحد النَّقديْنِ ولو حالَّا -على المذهَبِ- بخلافِ الصَّرْفِ فِي الذَّمَّة، لأنَّ موضوعَ السَّلَمِ لا يُعتبرُ فيه قبضُ المُسْلَمِ فيه فِي المجلِس، وقيل: يصحُّ بشرطِ القبْضِ مِن الجانِبَينِ، ومثلُه ينبغي أن يجرِيَ فِي غيرِهِ مِن الرِّبويَّاتِ.
- ضابطٌ: ليس لنا سَلَمٌ يُعْتَبَرُ فيه القبضُ مِن الجانِبين إلَّا هَذَا على وجهٍ مرجُوحٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 71
ويجوزُ السَّلَمُ فيما اختَلَطَ وكان مُنضبِطًا، كالعَتَابِيِّ 292، والخَزِّ، والثوبِ المعمولِ عليه بالإبْرَةِ، أو الذي لا 293 يُقصدُ مِنهُ 294 إلَّا الواحِدُ، كالخُبْزِ 295، وخَلِّ الزَّبيبِ، والتَّمرِ، والسَّمكِ الذي فيه شيءٌ مِنَ المِلْح.
ولا يجُوزُ في 296 مَخيضٍ فيهِ ماءٌ، ولا فِي الأدْهانِ المُطيبةِ، ولا فِي الرؤوسِ والأكارعِ والخِفافِ والنِّعالِ، والمعجُوناتِ، والغَالِيةِ المُركبةِ، والقِسيِّ، والنبلِ بعد الخَرْطِ، وكذا المغازلِ والكيزانِ والقَمَاقِمِ والمياثِرِ 297 والبِرام المعمولةِ.
ويجوز فِي المُنضبِطِ كالأسْطالِ المُرَبَّعةِ 298.
والبابُ مُتَّسِعٌ، وقد أوسع فيهِ المَحَامِلِيُّ 299 وغيرُهُ، فاقْتَصَرنا منه 300 على نبذةٍ نافعةٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 72
ويجبُ قبولُ الأجودِ لا الأردإِ، ولا غير النوع، بل يحرمُ قبولُه 301 على ما رُجِّحَ.
وفِي النَّص 302 جوازُ أخذ بُرِّ غيرِ الشَّامِ عن بُرِّ الشَّام 303.
ولا يجبُ فِي غيرِ المَحَلِّ والمكانِ حيثُ لِلممتنِع غرضٌ كَمَا إذا كان زمانَ نَهْبٍ أو كان حيوانًا 304 يحتاجُ إلى العلَفِ 305.
الجزء: 2 - الصفحة: 73
باب القرض
هو بفتح القافِ وكسرِهَا، وهو لغة: القطعُ، وشرعًا: دفعُ مالٍ مخصوصٍ إرفاقًا؛ على وجهٍ [مخصوصٍ ليردَّ بدَلَهُ.
وصحَّ أنَّ النَبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اقتَرَضَ 306.
ويجوزُ قرضُ ما يجوزُ سلَمُهُ إلَّا جاريةً تحِلُّ للمستقرِضِ، فَلَا 307 يجوزُ قرضُها له لئَلَّا تصيرَ فِي معنى إعارَةِ الجوارِي للوَطْءِ، ويجوزُ] 308 قرضُ جاريةٍ لا تحِلُّ فِي الأصحِّ 309.
ومَا لَا يجوزُ سلمُهُ لا يجوزُ [قرضُهُ إلَّا ثَلاثَة 310 أشياءٍ:
الجزء: 2 - الصفحة: 74
الخبزُ، فإن المرجَّحَ جوازُ قرضُهُ] 311، خِلافًا لمَا صححهُ البغويُّ، وعملُ النَّاس على المُرجَّح.
الثاني: [خميرةُ العجِينِ فِي وجهٍ معمولٍ بِهِ 312.
الثالث: شِقْصُ الدارِ] 313 يصحُّ قرضُهُ، ولا يصِحُّ السَّلَمُ فيه؛ لأنَّهُ يعتمدُ التحديدَ، فيؤدِّي إلى التَّعيينِ، [وهو خلافُ موضوع السَّلَم 314.
وأمَّا اقتراضُ] 315 المنافِع والسَّلم فيها 316، فلا يجوزُ، ذكرَهُ القاضِي حسينٌ، وهو مقيَّدٌ بمنفعةِ العقَارِ؛ [أمَّا منفعَةُ الدابَّةِ والبُدْنِ ونحوهما] 317 فيجوزُ السَّلمُ فيها، ومُقتضى ذلك جوازُ قرضِها، والإيجابُ معتبَر خِلافًا للمتوَلِّي، [وكذا القبولُ خِلافًا لما صحَّحَه] 318 الإمامُ.
ويُملك بالقبضِ على الأظهْرِ.
ويجوزُ للمقرِضِ 319 الرجوعُ فيه ما دَامَ باقيًا، وكذا للمقتَرِضِ ردُّهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 75
ويجبُ ردُّ المِثلِ، ولو مِن حيثُ الصورةُ فِي المتقوَّم، والمرادُ على صِفتِهِ التِي تختلفُ بِها القِيمُ حتَّى لو اقترض عبدًا كاتبًا ردَّ مثلَهُ كاتِبًا.
* قاعدة: المضموناتُ فِي الشَّريعةِ أربعةُ أقسامٍ:
1 - قِسْمٌ 320 يُردُّ فيه المِثلُ 321 مطلقًا، وهو القرضُ.
2 - وقِسْمٌ تُردُّ القِيمةُ مطلقًا، ولو كان مِثْليًّا على الأصحِّ، وهو العاريَةُ.
3 - وقِسْمٌ يفتَرِقُ الحالُ بين المِثْلي والمتقوَّم كالمغصوبِ والمُستام والمشتَرَى شراءً فاسِدًا على الأصحِّ المنصوصِ، خلافًا للماورديِّ وغيرِهِ.
وكذا فِي الإقالةِ والتحالُفِ بعد التَّلفِ فيهما، والتالفُ فِي زمنِ الخيارِ حيثُ اقتضى الحالُ الضمان؛ خلافًا للماوردِيِّ فِي تضمينِهِ بالثَّمنِ مُطلقًا.
4 - والرابع: الصيدُ فِي الحَرَمِ أو الإحْرَامِ خارجٌ عن الأقسام، فما لَهُ مِثلٌ مِن حيثُ الصورةُ يُضمنُ بمثلِهِ، وما لا مِثْلَ له صورةً يُضمن بالقيمةِ، وفِي الحَمَامِ شاة على الجديدِ لقُربِ 322 الشَّبهِ، ويخرُجُ فِي الصَّيد المذكور.
5 - قسمٌ خامسٌ: يُضمنُ بالمِثلِ والقِيمةِ معًا، وهو ما إذا كان مملوكًا لآدميٍّ فأتلفَهُ مُحرِمٌ أو فِي الحَرَم.
الجزء: 2 - الصفحة: 76
- ضابطٌ:
ليس لنا مضمونٌ ببدلين 323 معًا بالإتلافِ إلَّا هَذَا، وأمَّا العبدُ المغصوبُ يَجْني بقدرِ قيمتِهِ فيُتلِفُه الغاصِبُ فإنَّه يضمنُ فيه قِيمتينِ، لكنِ الجنايةُ بالغصبِ لا بالإتْلافِ.
[وقدْ يجِبُ مَهرانِ فِي وطءِ زوجتِهِ 324؛ الأصْلُ أو الفرعُ بشبهةٍ 325 وهي مدخولٌ بِها، ويجِبُ فِي غيرِ المدخولِ بِها، وهو غريبٌ] 326. ويحرمُ كلُّ قرضٍ جَرَّ منفعةً؛ كشرطِ ردِّ الصَّحيح عن المُكَسَّرِ 327، أو زيادةٍ 328 فِي القدرِ 329. ويفسدُ 330 القرضُ 331 بِذلك.
فإن ردَّ مِنْ غيرِ شرطٍ جَازَ ولو كان المُقترِضَ مشهورًا بردِّ الزيادةِ على
الجزء: 2 - الصفحة: 77
الأصَحِّ.
ويُكرهُ قَصْدُه 332 بالإقراضِ على وجهٍ 333.
ولو شَرَطَ أَنْ يُرد المُكَسَّر عنِ الصَّحيح أو بعدَ شهرٍ مِن غيرِ عِوَضٍ، لُغِيَ الشَّرطُ، ولو شَرَطَ الرَّهنَ بِهِ أو الكفيلَ أو أن يُقِرَّ بِهِ عندَ الحاكِم، صحَّ.
وأداءُ القرضِ فِي الزَّمانِ والمكانِ كَمَا فِي السَّلَم إلَّا إذا ظَفِرَ به 334 فِي غيرِ بلدِ القَرْضِ، ولنقله مَؤُنَةٌ، فلهُ مطالبتُهُ بقيمةِ بلدِ القَرْضِ يومَ المطالَبَةِ، وحيثُ أُخذتْ فلا يرُدُّهُما 335 بالعودِ؛ لمكانِ القرضِ على الأصحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 78
باب الرهن
هو لغة: الثبوتُ أو (1) الاحتباسُ.
وشرعًا: توثُّقٌ بعينٍ (2) قابِلةٍ للبَيْع، مقبوضةٍ، على دَيْنٍ مخصوصٍ، ليستوفَى منها على وجهٍ مخصوصٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وفِي "الصحيحين" (3) أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اشتَرَى مِن يهوديٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِن حديدٍ.
* يُشترطُ فِي المرهونِ شرطانِ:
1 - الأولُ: كونُه عينًا، ولو مشاعًا، فلا يصِحُّ رهنُ المَنَافِع، وكذا الدَّينُ336337338
الجزء: 2 - الصفحة: 79
ابتداءً فِي الأصحِّ، وفِي الدوام بدله فِي ذِمَّةِ الجانِي رهنٌ على الأصحِّ؛ خلافًا لقطْع المَراوِزةِ، فإذا تعيَّن كان مرهونًا قطعًا.
2 - الشرطُ الثَّانِي: كونُ العينِ قابلةً لِلْبيع.
وكلُّ عينٍ جازَ بيعُها فرهْنُها 339 جائِزٌ 340، إلَّا ثلاثَةَ أشياء 341:
المُدبَّر [لا يصِحُّ رهنُهُ على المذهَبِ إلَّا 342 إنْ كان بدَيْنٍ حالٍّ فيصِحُّ، وإنْ] 343 لم يصرِّحُوا به 344.
الثَّانِي: المُعَلَّقُ عِتْقُهُ بصفةٍ 345 [لا يصِحُّ رهنُهُ على مؤجَّل عندَ احتِمالِ
الجزء: 2 - الصفحة: 80
تقدُّم الصِّفة] 346، ويصِحُّ عندَ تحقُّقِ 347 تقدُّم الحُلولِ، وكذا بحالٍّ وهو [يشهَدُ لِمَا قَيَّدْناه فِي المُدَبَّر 348. الثالثُ: الزرعُ إذا] 349 كان بَقْلًا، وهو مِمَّا يزيدُ، لا يجوزُ رهْنُهُ بدَيْنٍ مؤجَّلٍ [ولو بِشَرْطِ 350 القطْعَ عندَ الحُلولِ نَصَّ عليه فِي "الأم" 351] 352، وهو المعتمَدُ، واستثناهُ ابنُ القاص والمَحَامِلِي وغيرُهما، [وإلحاقُهُ بالثَّمرةِ حيثُ يصِحُّ] 353 رهنُها بشَرْطِ القطع عند المحلِّ ضعيفٌ لنصه على الفَرْقِ.
وما جاز بيعُهُ [بغير 354 شرطٍ جاز رهنهُ بغيرِ شرطٍ] 355 إلَّا فِي مسألتينِ: (1) الثمرةُ بعد بُدُوِّ الصلاح يصِحُّ بيعُها بغيْرِ شرطِ [القطْع، ولا يصحُّ رهنُها على] 356 دَيْنٍ مؤجَّل يحِلُّ قبلَ الإدراكِ إلَّا بشرْطِ القطْع عندَ المحلِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 81
(2) الثانيةُ: [ما يسرِعُ إليهِ الفسادُ، ولا يمكنُ] (1) تجفيفُهُ: يصحُّ بيعُهُ بغير شرطٍ، ولا يصحُّ رهنُهُ على دَينٍ مؤجَّلٍ يُعلمُ فسادُهُ قبلَ الحُلُولِ (2)، إلَّا بشرطِ أَنْ يُباعَ عندَ الإشرَافِ على الفسادِ، ويكُونُ ثمنُهُ رَهْنًا.
* وما لا يصحُّ بيعُهُ لا يصِحُّ رهنُهُ إلَّا فِي موضعينِ:
357 أحدُهما: لا يجوزُ بيعُ الأَمَةِ دونَ ولدِها غيرِ المُمَيِّزِ، وبالعكس، ويجوزُ الرهنُ (3) وعندَ الاحتياج إلى البيع يُباعان، ويُوزَّع الثمنُ باعتبار التقويم لِيظهرَ ما يتعلَّقَ بِالمرهونِ.
358 الثاني: يصِحُّ رهْنُ العبدِ المُسلم والمُصحفِ وكُتُبِ الحدِيثِ والآثارِ مِن الكافِرِ، والسِّلاح مِن الحربِيِّ، بِخلافِ البيع على ما سبَقَ، ولكن يُسلمُ المرهُونُ إلى عَدْلٍ.
- فرع: المرهونُ يجوزُ بيعُهُ مِن المرتَهِنِ، ولا يجوزُ رهنُهُ مِنه بِدَيْنٍ آخَرَ على الجديدِ إلَّا فِي صُورتين:359
الجزء: 2 - الصفحة: 82
1 - إحداهما: جَنَى فَفَدَاهُ لِيكونَ مرهونًا على ما (1) يفدِيهِ بِهِ.
2 - الثَّانية: إذا أنْفَقَ المُرتَهِنُ عندَ غَيبةِ الرَّاهِنِ أو عجزِهِ لِيكونَ مرهونًا على النفقةِ والدَّينِ جاز كالفِداءِ، ولا يُشترطُ أَنْ يكونَ المرهونُ مِلْكًا للراهِنِ حتَّى يجوزَ أَنْ يستعِيرَ للرهنِ وهو كضمانِ دَينٍ فِي رقبةِ المرهُونِ ولا بُدَّ مِن معرفةِ جِنسِ الدَّيْنِ وقدرِهِ وصفتِهِ والمرهونِ عِندَهُ.
- قاعدة:
ليس لنا ضمانُ دَينٍ بعقدٍ فِي عين مُعينةٍ، ولا (2) يتعدَّى إلى غيرِها، إلَّا فِي هذا الموضِع.
وأمَّا تعلُّق الصَّداقِ ومؤنِ النِّكاح بِكسْبِ العبدِ المأذونِ له، وكذلك الضمانُ: فليس مِن هذِهِ المادةِ.
* والرهْنُ غيرُ مضمونٍ إلَّا فِي ثمانيةِ مواضِعَ:
1 - المغصوبُ إذا تحوَّل رهنًا.
2 - والمرهونُ إذا تحوَّل غصبًا.360361
الجزء: 2 - الصفحة: 83
3 - والمرهونُ إذا تحوَّل عاريةً.
4 - والمستعارُ إذا تحوَّل رهنًا.
5 - والمقبوضُ بالبيع الفاسد إذا رُهن.
6 - وكذا بالسوم.
7 - ورهْنُ ما فِي يدِهِ بإقالةٍ.
8 - وكذا بفسخٍ بتحالفٍ ونحوِهِ.
ولا يصِحُّ الرهنُ إلَّا على دَين ولو منفعة، فَلَا يصِحُّ رهْنُ المُلَّاكِ بالزَّكاةِ ولا بعدَ الحَوْلِ 362 إذ لَا دَين هُناك لِتعلقِها بِالعينِ.
ولا بُدَّ مِن ثبوتِ الدَّين إلَّا فِي صورةِ مَزْجِ الرَّهنِ بِالبيع أو القرضِ بشرْطِ تأخُّرِ طرفَي الرَّهنِ وصورةِ الشرطِ على ظاهِرِ النَّصِّ؛ خِلافًا للقاضي.
ولا بُدَّ مِن لزوم الدَّينِ إلَّا فِي الثمنِ فِي مُدَّةِ الخِيارِ حيثُ مَلَكَ البائِعُ الثَّمنَ.
ولا يلزمُ الرهنُ إلَّا بالقبضِ، والمعتَبَرُ فيه قبضُ مُكلَّفٍ يصيرُ كَتَعَيُّنِ 363 الدَّيْن، ويُقَدَّمُ المرتَهِنُ بالثمن.
وإنْ ضاق الحالُ أو أفلس الرَّاهِنُ وحقُّ المجنِيِّ عليه مُقَدَّمٌ على حَقِّ المرتَهِنِ فيقبِضُ ويعفو على مالٍ، إلَّا إذا جنَى على السَّيِّدِ؛ فإنَّه لا يُعفى على مالٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 84
وكذا على عبده غيرِ المرهونِ أو المرهونِ حيثُ لا 364 يقيِّدُ.
ولا ينفكُّ شيءٌ مِنَ الرَّهنِ إلَّا بفراغ الذِّمةِ مِنَ الدَّين، فإن حَصَلَ الفراغ ولو بِالحوالةِ على الراهِنِ انفَكَّ.
وينفكُّ البعضُ بتعدُّدِ العقدِ أو المستَحِقِّ أو مَنْ عليه الدَّينُ أو مالِكِ العارية أو التركةُ لَا إنْ رهنت.
وينفكُّ البعضُ بتلفِهِ 365، أو فكِّ المرتَهِنِ فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 85
باب التفليس
هو لغة: النداءُ على المُفلِسِ بِصفةِ الإفلاسِ.
وشرعًا: الحجرُ على مَن عليه ديونٌ حالَّةٌ لا يفِي بِها 366 مالُهُ.
وعن كعبِ بنِ مالكِ أن النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَرَ على معاذٍ فِي 367 مالِهِ وباعَهُ فِي دَيْنٍ كان عليه.
رواهُ الدارقطنِيُّ 368.
الجزء: 2 - الصفحة: 86
وقد جاءتْ قضيةُ 369 معاذٍ فِي مُرسلٍ مطولةً.
يجِبُ على الحاكِمِ أن يحجُرَ 370 على المديونِ إذا طَلَبَ ذلك أصحابُ الديونِ الحالةِ الزائدةِ على مالِهِ.
فإن كان الدَّينُ المذكورُ لمحجورِ الحاكِمِ حَجَرَ مِنْ غير طلب.
وأطلق جماعةٌ الحَجْرَ بطلب غريمٍ إذا كانتِ الديونُ زائدةً على مالِهِ 371، ولم يعتبِرُوا قدْرَ دَيْنِ الطالِبِ، وهو قوِيّ، ويحجُرُ بالتماسِ المفلِسِ على الأصحِّ.
والدَّينُ المؤجَّلُ لا يحلُّ بالحَجْر 372 -على المشهورِ- ولا بالحجْرِ الغريبِ قطعًا، ولا بالجنونِ -على الأرجح 373 - خِلافًا لِمَا وَقَعَ فِي "الروضة" 374، ولا بِحجر السَّفَهِ، ولا بِالمرضِ قطعًا، [ولا بالحجر على = وقال ابن حجر في "التلخيص" (3/ 37): ورواه أبو داود في "المراسيل" من حديث عبد الرزاق مرسلًا مطولًا، وسمى ابن كعب "عبد الرحمن" قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الطلاع في "الأحكام": هو حديث ثابت.
انتهى.
وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (3/ 27): والمشهور في الحديث الإرسال.
الجزء: 2 - الصفحة: 87
المأذون] (1) ولا بِرِقِّ المُكاتَبِ على الأظهر.
والنصُّ أنه يحلُّ على الحربيِّ إذا استُرِقَ، وهو أقوى مِن المكاتَبِ لابتدائِهِ، وقطعِهِ (2) الزوجيَّة.
ويَحِلُّ بالرِّدَّةِ إنْ أزلنا المِلْكَ بِها، أو قلنا: موقوفُ قتيلٍ عَلَى الرِّدَّةِ.
ويحِلُّ بموتِ المديونِ بِلا خِلاف إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ على وجهٍ، وهِي مِن قَتْلِ الخطأ، أو شِبْهِ العمْدِ، إذا لم يوجَدْ للجانِي عاقلة، ولا مالَ فِي بيتِ المالك، أو ثَبَتَ باعترافِهِ، فإنَّهُ تؤخذُ الدِّيةُ مِن الجانِي مؤجَّلةً، ولو (3) مات حلَّتْ على الأصحِّ.
ولا تحلُّ بموتِ صاحِبِ الدَّيْنِ بِلَا خِلافٍ إلَّا فِي صورةٍ على وجهٍ: وهِي ما إذا خالَعَهَا على إرضاع ولدِهِ مِنها، وعلى طَعَامٍ وَصَفَه فِي ذِمَّتِها، وذَكَر تأجيلَهُ، وأَذِن فِي صَرْفه للصَّبِيِّ، ثُمَّ مات المختلِعُ.
وكذا يحِلُّ بموتِ الصبيِّ على وجهٍ.
ولا يحلُّ بموتِ ثالثٍ غير صاحِبِ الدَّينِ والمديون على وجْهٍ إلَّا فِي هذِهِ الصُّورةِ، وما يتعلَّقُ بالضَّمانِ يأتِي فِي بابِهِ.
ويثبت بحَجْرِ الفَلَسِ أمران:
375 أحدُهما: عدمُ نفوذِ تصرفِهِ فِي المالك المُعينِ أو منفعةِ المالك بما376377
الجزء: 2 - الصفحة: 88
يفوتُ ولو بعَوَضٍ زائدٍ، ولو كان حادثًا 378 إلَّا فِي صورتينِ:
- الاستيلادُ، فإنَّه ينفذُ منهُ قاله فِي "الخلاصة".
- الثانيةُ: إذا أصْدقَتْ أَبَاهَا عَتَقَ عليها ساعَةَ ملكَتْهُ؛ نصَّ عليه، وقياسُهُ فِي الهِبةِ والوصيةِ والإرثِ كذلك، ولهُ أن يعاملَ فِي الذِّمة ولو بحال عينًا 379. (2) الأمرُ الثَّانِي: لغريمِهِ فِي المعاوضةِ المَحضةِ -لا حَالَ الحَجْرِ 380 مع العلم بالحجر- الرجوعُ إلى عَيْنِ 381 متاعِهِ إذا كان باقيًا على مِلْكِ المُفلِس، ولو بالعودِ خِلافًا لِمَا رجَّحه فِي "الروضة" 382.
- ولا يرجِعُ فيما لم يكُن على مِلْك المفلِسِ 383 إلَّا فِي ثلاثِ صور:
(1) إحداها 384: لو زال بالقرضِ فلهُ أَنْ يرجِع، كما لِلمفلِسِ أَنْ يرجِع.
(2) الثانية: باعه ثُمَّ أفلس فِي زمنِ الخِيار تفرِيعًا على زوالِ المِلكِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 89
(3) الثالثة: وَهَبَهُ لمن يملكُ الرجوعَ عليه، قلتُها تخريجًا على صورة الفرض، ويلحقُ بِها ما يقرُبُ منها.
وإن لم يكن قد زال المِلْك 385 رجع إلَّا فِي سِتَّةِ مواضِعَ، ثلاثٌ منها:
(1) أن يتعلَّقَ بِهِ حقُّ شُفعةٍ.
(2) أو رهنٍ.
(3) أو جنايةٍ تُوجِبُ مالًا مُتعلِّقًا بالرقبة.
فإن حَصَلَ عفْوٌ أوبراءةٌ رَجَعَ ولو فِي بعضِهِ.
(4) الرابعة: الكتابةُ، فإن حَصَلَ ارتِفاعُها بتعجِيزٍ ونحوهِ رَجَعَ.
(5) الخامسة: إحرامُ البائِع إذا كان المَبِيع صيدًا فلو حَلَّ رَجَعَ قبلَه فِي هذا، وعفوُ الشَّفِيع قِياسًا.
(6) السادسة: إذا خُلِطَ بأجودَ، أو بغيرِ جنسِهِ، ولم يتميَّزْ.
وحيثُ ثَبَتَ الفسخُ يكونُ على الفورِ.
ولا بُدَّ مِن لفظٍ يقتضِي الفسْخَ ولو فِي الثَّمنِ لا البيعَ والعتقَ والوطءَ، ويثبتُ الرجوعُ على ما سَبَقَ فيمنْ مات مُفلسًا وإنْ لم يتقدَّم حَجْرٌ.
وحيث قَبَضَ البائِع بعضَ الثمنِ وبَقِي بعضُ المبيع كعبدينِ قيمتُهُما سواءٌ
الجزء: 2 - الصفحة: 90
وَجَدَ أحدَهما 386 وقد قَبَضَ نصفَ الثمنِ يأخُذُ الباقِي بِما بقِي على المذهبِ، وهي مِن إحدى المسائِلِ التِي يُقضى فيها بالحصْرِ والإشاعةِ 387، وسنذكُرُ قاعدَةَ الحصرِ والإشاعةِ فِي القِرَاضِ إن شاء اللَّه تعالى.
الجزء: 2 - الصفحة: 91
باب الحجر
هو لغة: المنعُ.
وشرعًا: منعٌ مِن تصرُّفٍ خاصٍّ لسببٍ خاصٍّ قال اللَّه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
وهو أنواع
:
- منها: الحَجْرُ على الراهِنِ فِي المرهونِ، وعلى المُفلِسِ والمُقِرِّ على نفسِهِ على وجهٍ 388. والحجْرُ الغريبُ على المشْتَرِي 389 فِي جمِيع أموالِهِ؛ إذا لم يكنِ الثمنُ حاضرًا فِي المجلِسِ إذا سَلَّم له المَبيعَ.
- ومن أغربِها: الحَجْرُ على الأبِ بِمنعِهِ 390 مِنْ عِتْقِ السُّرِّيَّةِ التِي أعفَّه بِها
الجزء: 2 - الصفحة: 92
ولدُهُ بعد طلاقِهِ زوجةً ثمَّ زوجةً على وجهٍ، وحجرُ المريضِ، والمكاتَبِ، والمرتدِّ، والعبدِ، وغيرِها.
وأحكامُها فِي أبوابِهَا.
ومقصودُ الباب: حجرُ الجنون والصِّبيِّ والسَّفَهِ 391.
فالجنونُ سالبٌ للتكلِيفِ 392، لَا فِيما يرجِعُ إلى المال كالزَّكاةِ والنفقةِ والغرامةِ، وسالبٌ للعبادةِ، ولِكلِّ ولايةٍ.
ولا تصِحُّ معهُ عبادةٌ إلَّا حجَّ الوليِّ واعتمارَهُ عنهُ، ولا إسلامٌ إلَّا تَبَعًا لأحدِ أصولِهِ، ولا قبضُ عينٍ ولا ديْنٍ 393 إلَّا فِيما يُنْفَقُ عليهِ 394 بزوجيةٍ أو عِوَضِ خُلْعٍ ونحوِهِ بإذنٍ، ولا عتقٌ ولا سببُهُ إلَّا الاستيلادُ.
ويتقرَّرُ المَهْرُ بوطئِهِ.
ويترتَّبُ الحكمُ على إرضاعِهِ.
وعَمْدُهُ فِي الجِنَاية يجرِي عليه حُكْمُ العمْدِ فِي الأصَحَّ، لا فِي استيفائِهِ قِصَاصًا وَجَبَ له على ما رُجِّحَ، والأرجحُ خلافُهُ.
ولا جزاءَ فِي قتْلِهِ صيدَ حَرَمٍ أو إحرَامٍ على الأظهرِ، والأقيسُ الوجوبُ،
الجزء: 2 - الصفحة: 93
ومثلُهُ فِي القَلْمِ والحَلْقِ.
ويفسد الحَجُّ بجِماعِهِ، ويتعلَّقُ بِهِ القضاءُ.
ويرتفعُ حَجْرُهُ بالإفاقةِ 395، ثُمَّ إنْ أفاقَ -وهو دُونَ البُلوغ- استمرَّ حَجْرُ الصبيِّ، أو أفاق بعدَ أَنْ بَلَغَ فَلَا بُدَّ مِن ظهورِ رُشْدِهِ 396.
وكذا لو جُنَّ وهو سفيهٌ، ولو جُنَّ بعدَ الرُّشدِ، ثُمَّ أفاق عَادَ إلى التَّصرفِ.
والصِّبا مانعٌ مِن التكليفِ لَا فِيما يرجِعُ إلى المالِ -كَمَا تقدَّم- ومِن كُلِّ ولايةٍ، ولا يمنعُ مباشرةَ شيءٍ مِن العباداتِ بعدَ التَّمييزِ، وفِي الحَجِّ بإذنِ الولِيِّ إلَّا أنَّه لا يصِحُّ إسلامُهُ استقْلالًا، والمختارُ صحتُهُ دونَ ردَّتِهِ، خِلافًا لتفرِيعِهِم.
- ضابطٌ:
كُلُّ مَن صَحَّ إسلامُهُ صَحَّت ردَّتُه جزْمًا إلَّا هذا.
ولا تقبلُ روايتُهُ على الأصحِّ، ولا شهادتُهُ قَطعًا، ويكفِي تحمُّلُهُ فيهِما قبلَ البُلُوغ على الأصَحِّ.
ويُعتمدُ إذْنُهُ فِي دخولِ الدَّارِ والهديَّةِ وإنْ لم تكُنْ قرينةٌ إذا كان مأمونًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 94
وحُكمُهُ حُكمُ المجنونِ فِي القبْضِ، وما ذُكِر بعدَه إلَّا فِي إسقاطِ الجزاءِ فِي قَتْلِ الصيدِ والقلْم إذا كان مُمَيِّزًا.
ويملِكُ بالاحتِطابِ والاصْطِيادِ، وقياسُهُ: أن يأتيَ ذلك فِي المجنونِ.
وفِي إحياءِ الصَّبيِّ المواتَ نظرٌ، ولُقطتُهُ تأتِي فِي بابِها، ويلحقُهُ النسبُ عندَ الإمكانِ -وإنْ لمْ يُحْكمْ ببلوغِهِ- وقياسُهُ: ثبوتُ الاستيلادِ فِي أَمَتِهِ، والصوابُ الحُكمُ ببلوغِهِ فيهِما؛ خِلافًا لجزمِهِم.
ولا تصِحُّ عليه دَعْوَى، ولا يصِحُّ منهُ إقرارٌ إلَّا فِي دَعْوى العُنَّةِ على مُراهِقٍ يتأتَّى منهُ الجِماعُ، على وجهٍ حَكاه الحَنَّاطِيُّ 397، وقال به المُزَنِيُّ، ونَقَلَ فيه نصًّا 398، وغلَّطُوهُ فِيهِ، وقياسُ تصحيحِ بَيْعِ الاختِيارِ مِنهُ أن يُقبلَ إقرارُهُ بِهِ، ولم يذكرُوه.
ولا يَصِحُّ منه عقدٌ -ولو وصية- وتدبيرًا وأمانًا على المذْهَبِ، وكَذَا بَيعُ 399 الاختِيارِ على الأصَحِّ 400.
الجزء: 2 - الصفحة: 95
وعندَ الاضطرارِ تقرُبُ صِحَّةُ شرائِهِ ولم يذكُروهُ.
والبلوغُ باستِكمالِ خمسَ عشرَةَ سنةً، ولا بلوغَ فِي الخُنْثى مَعَ إشكالِهِ إلَّا بِهِ على المذهبِ، وغيرُهُ بالإنزالِ، وللنِّساءِ بِالحيضِ.
وأمَّا الحَبَلُ فإنَّه كاشفٌ عنْ بُلوغ الحامِلِ بالإنزالِ السابِقِ، وحينئِذٍ يزولُ إشكالُ الخُنثى، فيكونُ بالغًا بالإنزالِ السابِقِ، ولِذَكَرِ الكُفَّار بإنباتِ العانةِ.
والسَّفَهُ لا يمنعُ التَّكليفَ، وحجْرُهُ مانعٌ مِن كلِّ ولايةٍ، ولو فِي النِّكاح على المشهورِ، ومِن التَّصرُّفاتِ المالِيةِ دَفْعًا وجَلْبًا إلَّا فِي مواضِعَ: الوصيةِ، والتدبيرِ، على الأظهرِ فِيهِما، والخلعِ إذا حُجِر 401 عليهِ فِي الطَّلاقِ.
ويصِحُّ شراؤُهُ لِلمخْمَصةِ على الصوابِ.
ومصالحتُهُ عنِ القِصَاصِ فِي النَّفسِ وعقدِ الجزيةِ بدِينارٍ، وفِي بذْلِ الفداءِ قِياسًا، ويصِحُّ نِكاحُهُ بإذن الولِيِّ على الأصحِّ 402.
وكذا إن 403 لم يأذنِ الوليُّ ولم يجِدْ حاكِمًا على وجهٍ، ويقوَى إذا خافَ العَنَتَ لا سِيِّما إن كان محصلًا لا 404 البيعَ والشِّراءَ وغيرهما، وإن أذِنَ الوليُّ على الأصحِّ، وكذلك فِي الاختِيارِ ويعتدُّ بِقبضِهِ ما خَالَع عليهِ بإذْنِ الولِيِّ على الأصحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 96
وقياسُهُ أن يجرِيَ فِي كُلِّ دَيْنٍ، والأعيانُ أوْلَى.
ولو أكلَتِ السفيهةُ مَع زوْجِها على العادةِ سقطت نفقتُها، وإن لم يأذن الوليُّ خِلَافًا لِمَا فِي "المنهاج" 405 فتزويجُهُ فِي ذلك إِذنٌ كالأمَةِ لَا إِن كان المزوِّجُ غيرَ مُتَوَلِّي المالِ.
ومما يصحُّ على وجهٍ عِتْقُهُ فِي مرضِ الموْتِ وشراؤُهُ فِي الذِّمَّة وقبولُهُ التَّبَرُّعَ وعقدُهُ بالوكالَةِ على وجهٍ 406 لكنَّه صُحِّح 407 فِي قبولِ النِّكاح.
ولا يُقبلُ إقرارُه بالمالِ والنِّكاح 408 ويُقبلُ بِكلِّ ما يستقِلُّ بإنشائِهِ وبالنسبِ فيُنفقُ عليهِ 409 مِن بيتِ المالِ، وبما 410 يوجِبُ العقوبةَ، فلو عفِي على 411 مالٍ لَزِم فِي الأصحِّ.
وإذا رَشَدَ ارتفع عنه الحجرُ، فإن سَفِهَ بعد ذلك فِي المالِ أعادَهُ الحاكِمُ، وهُو الذِي يلِيهِ حينئذٍ.
ويتولَّى غيرُهُ الأبُ، ثُمَّ الجدُّ ثُمَّ الوصِيُّ، ولو فِي النِّكاح للسفِيهِ والمجنونِ، ويُعْتِقُ الوليُّ ما لزم محجورَه مِن كفارةٍ، ولا يُتصورُ عِتْقُ عبدٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 97
صبيٍّ فِي غير هذا، وفِي هبةٍ أو وصيةِ جميع من يعتِقُ عليه حيث 412 لا تجِبُ النفقةُ حالًا وفِي إرثِهِ ولو جُزْءًا منه، ولا يَسْري، ويجرِي ذلك فِي المجنونِ والسفيهِ، ويختصَّانِ بنفوذِ عتقٍ بتعليقٍ 413 فِي حالِ التَّصرُّفِ، وينفُذُ استيلادُ السفيهِ.
وليس الصَّرفُ 414 فِي الخيرِ ونفِيسِ الطَّعامِ تَبْذيرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 98
باب الصلح
هو لغة: قطعُ المنازعَةِ.
وشرعًا: عقدٌ قاطعٌ لخصومةِ متخاصِمَينِ على وجهٍ خاصٍّ 415 قال اللَّه تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
وعن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصُّلْحُ جائِز بين المُسلمِينَ إلَّا صُلْحًا أحلَّ حرامًا أو حَرَّم حلَالًا".
رواهُ أبو داود 416 مِن حديثِ أبي هريرةَ، وفيه كثيرُ بنُ زيدٍ، وفِي الاحتجاجِ بِهِ خِلافٌ 417.
الجزء: 2 - الصفحة: 99
ورواهُ الترمذيُّ 418 مِن حديث عَمْرٍو المُزنِيِّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ 419. وفِي إسنادِهِ: كثيرُ بنُ عبد اللَّه 420، وقد تكَلَّم فيه الأئمة 421.
وروى الدارقطنيُّ 422 من حديث أبي هُريرةَ: "الصُّلْحُ جائِزٌ بينَ المُسْلِمينَ".
= وتعقبه الخطيب بما ملخصه أن الحديث عند أبي داود من رواية كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وعند الترمذي من رواية كثير بن عبد اللَّه بن عمرو ابن عوف عن أبيه، عن جده، فهما اثنان اشتركا في الاسم وسياق المتن، واختلفا في النسب والسند، فظنهما ابن حزم واحدًا.
وكثير بن زيد لم يوصف بشيء مما قال، بخلاف كثير بن عبد اللَّه.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
قال: وهذا صحيحٌ (1).
الصُّلْحُ أنواعٌ
منها: الصُّلحُ بينَ المُسلِمِين والكُفَّارِ، والصُّلحُ 426 بين الإمامِ والبَاغِيةِ، وبينَ الزَّوجينِ عندَ الشِّقاقِ، ونحو ذلك.
وصُلْحٌ فِي المُخاصماتِ 427، وهو مقصودُ البابِ.
ثُمَّ قيل: هو رُخصةٌ، وقيل: أصلٌ بذاتِهِ، مندوبٌ إليهِ.
وظاهِرُ النَّصِّ أنهُ فرعٌ على البيع، وجعلَهُ الأكثرونَ مُتَفَرِّعًا باعتبارِ أنواعِهِ424
الجزء: 2 - الصفحة: 101
على البيع والإجارةِ والهِبةِ والإبراءِ، وزَادَ بعضُهُم: العَارِيةَ، وزِدْتُ الجَعَالةَ، والسَّلَمَ، والمعاوضةَ غير المحضة، والقُرْبة.
فإنْ جَرَى على غيرِ ما ادُّعي بِهِ لا بمنفعةٍ فبيع أو بمنفعةٍ فإجارةٌ، أو على بعضِهِ فهِبةٌ فِي العينِ، و 428 إبراءٌ فِي الدَّينِ مُبْرِئٌ للأصيل 429، ولا يبرأُ الأصِيلُ بإبراءِ الكفِيلِ إلَّا فِي هذا الموضِع.
ومِن هذا النَّوع: "صالِحْني عن دَيْنِك الذِي لكَ على فُلانٍ على قدْرٍ عليّ" فيبرأُ المديونُ، ولم يتعرَّضُوا لهُ فِي هذا النَّوع، أو على منفعةِ ما ادُّعِي بِهِ أو على 430 منفعةِ بعضِهِ، فعارِيةٌ جائِزةٌ، نصَّ عليه.
ولو قيل بلزومِها لم يبْعُدْ، أو على أَنْ يَرُدَّ المُدَّعَى عليه 431 عند المُدَّعِي الآبِقَ إنْ عَلِمَ فَجَعَالةٌ، فيُحتملُ 432 صِحةُ الصُّلح، وتكونُ لازمةً، ويُحتملُ أن تلزمَ بالعملِ كما تلزَمُ الهبةُ بِالقبضِ، ويُحتمل أن لا يصح؛ لِتنافِي موضُوع الصُّلْح مِن اللزُوم موضوعَ الجَعَالةِ، والأقربُ الأوَّلُ، ولهُ شاهدٌ مِن إصداقِها 433 ردَّ عبدِها الآبقِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 102
وأمَّا السَّلمُ فهُو وإنْ كان بَيعًا 434 لكِنَّه مُختصٌّ بأحكام 435 ويكونُ لفظُ الصُّلْح فيهِ كَمَا فِي إجارةِ الذِّمةِ.
وأمَّا المعاوضةُ غيرُ المحضةِ فالصُّلحُ عن القِصاصِ الواجِبِ على المُدَّعِي للمُدَّعَى عليه بما 436 أقَرَّ لَهُ 437 بِهِ، ولا مدخَلَ لِلْفظِ البيع فِيهِ.
- ضابطٌ: البيعُ مخالفٌ لِلْصُّلْح فِي ذلك، وفِي كُلِّ ما 438 تفرَّع على غيرِ المَبِيع 439.
ومنهُ القربةُ فِي أرضٍ وُقِفَتْ مسجِدًا وادَّعاها شخصٌ، وأنكر الواقِفُ [فَصالَحَهُ شَخْصٌ] 440، فإنَّهُ يجوزُ لأجلِ جِهةِ القُربةِ.
ومِمَّا يخالِفُ فيه الصُّلحُ البيعَ اعتبارُ سَبْقِ الخصومةِ لِصحَّةِ الصُّلح،
الجزء: 2 - الصفحة: 103
ولِصحتِهِ مع ذلك شَرْطٌ آخرُ وهُو: تقدُّم الإقرارِ.
ومع الأجنبيِّ للخصمِ يجوزُ مع الإنكارِ إنْ قال: أقَرَّ، وَوَكلني فِي مصالحَتِكَ.
وإنْ صالَحَ الأجنَبِيُّ لنفسِهِ فِي الدَّيْنِ لا يجوزُ.
وأمَّا فِي العينِ فيجوزُ إن قال 441 إنَّهُ مبطلٌ فِي إنكارِهِ، وقدَرَ على الانتِزَاع ولُغِي الصُّلْح مِن مؤجَّلٍ على حَالِهِ 442، ومُكَسَّرٍ على صحيحٍ، والحطُّ معهُ، ولُغِي عكسُهُ أيضًا لا الحطُّ معه.
وأحكام الزُّقاق النافِذِ وغيرِ النافِذِ ونحو ذلك يُذكر فِي إِحياءِ المواتِ.
والتنازع يُذكر فِي الدَّعاوَى، واللَّه أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 104
باب الحوالة
هِي بِفتح الحاءِ مِن التحويلِ، وأغربَ مَن ذَكَر كسرَهَا، ويُقالُ فيها: إحالةٌ.
وهي لغة: الانْتِقالُ والتَّغييرُ 443.
وشرعًا: تَحَوُّلُ دَيْنٍ 444 مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ مع صِدْقِ فراغ الذِّمة المتحوَّلِ عنها منه.
عن أبي هريرةَ -رضي اللَّه عنه- أَنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 445 قال: "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبعَ أحدُكُم على مليءٍ فَلْيَتْبَعْ" رواهُ الشافعيُّ 446 -رضي اللَّه عنه- والصحيحان 447.
الجزء: 2 - الصفحة: 105
ولفظُ البخاريَّ: "فإذا" بالفاء 448.
ورواه أحمدُ وابنُ ماجه مِن طريقِ ابنِ عمرَ -رضي اللَّه عنهما- ولفْظُهُ 449: "فإذا أُحِلْتَ على مَلِيءٍ فاتَّبِعْهُ" 450.
وليسَ فِي حديثِهِ لفظُ الحوالةِ فِي الأمْرِ، وإنْ كان هُو المرادَ.
وفِي حقيقتِها آراءٌ، أصحُّها: أنه بيعُ دَيْنٍ بدينٍ مُستثْنَى للحاجةِ، وإن لم تصحَّ بلفظِهِ على الأصحِّ، ولم يثبُتْ فِيها ما يثبُتُ 451 فِيهِ مِن خيارٍ وتقابضٍ فِي رِبويٍّ ونحوِ ذلك.
وفِي نصِّه أنَّها بيعٌ، فقيل 452: بيعُ عينٍ بعينٍ تقديرًا، وقيل: بيعُ عينٍ بدَيْنٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 106
تقليلًا 453 للتقدِيرِ وقُدر فِي الأوَّل، لأنَّ المُثْمَنَ 454 فِي الأكثر عينٌ دونَ الثَّمنِ.
والرابعُ: أنَّها ليستْ بيعًا، نصَّ عليه أيضًا، فعلى هذا هِي استيفاءٌ مِنَ المُحِيل وقرضٌ للمُحالِ 455 عليه تقديرًا.
وقيل: لا يُمَحَّضُ 456 واحدٌ مِن المعْنيَيْنِ 457، والخلافُ فِي المُغلَّب منهما، واختاره جماعةٌ، وهو بعيدٌ، وعلى تغليبِ البيع إنْ جَرَتِ الأوجهُ السابقةُ فيه كانتِ الجملةُ تسعةَ 458 أوجهٍ، وعلى كونِهِ مغلوبًا 459 إن جَرَتِ الأوجُهُ وهُو بعيدٌ، فالجملةُ عشرةُ أوجهٍ.
والحادِي عشر 460: أنَّها ضمانٌ بإبراءٍ، وعلى التغليبِ إنْ جاءَ هُنا تكثُرُ الأوجهُ، وهُو 461 أبعدُ، وعلى الأصحِّ تصحُّ الإقالةُ فِيها؛ ذكرهُ الخوارِزْمِيُّ 462
الجزء: 2 - الصفحة: 107
فِي "الكافي".
* ويُعتبرُ فِي صِحتِها سبعةُ أمور
1 - الأولُ: رضا المُحِيل والمُحتال، لا المُحال عليه، على 465 الأصحِّ المنصوصِ 466.
2 - الثاني: وجودُ دَينٍ على المُحالِ عليهِ على 467 الأصحِّ، وعلى مقابِلِهِ يُشترطُ رضاهُ قطعًا.
3 - الثالثُ: اللفظُ الدالُّ على الرِّضا، وصريحُهُ: "أحلتُك على فلانٍ بالدَّينِ الذي لكَ عليَّ" فإنِ اقتَصَرَ على: "أحلتُك على فلانٍ"؛ فالأصَحُّ أنه = صوفيًّا حسن الظاهر والباطن.
. قال أيضًا: وطلب الحديث بنفسه وعلق منهُ طرفًا صالحًا.
. قال: وبيته بيت العلم والصلاح.
قال: وأقام بخوارزم يُفيد الناس وينشر العلم.
. "طبقات الشافعية الكبرى" (7/ 289).
الجزء: 2 - الصفحة: 108
كنايةٌ.
وَذَكَرَ المتولِّي "نقلتُ حقَّك على فلان" أو: "جعلتُ ما أستحِقُّه على فلانٍ لك عن دَيْنِكَ عليَّ" أو: "ملَّكتُك الدَّينَ الذي لِي 468 عليه بحقِّكَ" والأُوليان تظهرُ فيهِما الكِنايةُ.
4 - الرابع: كونُ الدَّينِ قابِلًا للاستِبْدالِ، فكُلُّ 469 دَيْنٍ يتعيَّنُ قبضُهُ لصحَّةِ العقْدِ أو يمتنِعُ الاستبدالُ عنهُ فِي غيرِ الكِتابةِ لا تَصِحُّ الحَوالةُ بِهِ ولَا عليه، كما فِي الرِّبَا والسَّلم وإجارةِ الذِّمَّةِ.
5 - الخامس: لزومُ الدَّينِ أو إيالتُه 470 إلى اللُّزوم، فتَصِحُّ بكُلِّ دَيْنٍ غيرَ ما سبق مِما لزم، أو يؤُولُ إلى اللُّزوم، كالثَّمنِ 471 مُدَّةَ الخيارِ.
واختار الشيخُ أبو عليٍّ انقطاعَ الخيارِ بحوالَةِ المُشترِي البائِعَ على ثالثٍ، وانقطاعَ خيارِ البائِعِ بحوالةِ رجُلٍ على المشتري.
وتصحُّ بنجوم الكتابةِ، وإنْ منعنا الاستِبدالَ مع أنَّ النصَّ جوازُهُ، ولا 472 تَصِحُّ على النُّجوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 109
وتصحُّ على دَيْنٍ للسيِّدِ على المكاتَبِ بمعاملةٍ أو 473 نحوها.
ولا يصحُّ بجُعْلِ الجَعَالة قبلَ تمام العملِ.
وتصحُّ بالمِثْليِّ، وكذا المُتَقَوَّمِ على الأصحِّ.
وقِيل فِي جوازِها فِي المَكيلاتِ والموزوناتِ قولانِ، ذكرهُ المرعشيُّ، وهو غريبٌ.
6 - السادس: اتفاقُ الدَّيْنينِ جِنسًا وقَدْرًا، وحلولًا وتأجيلًا، وقدرَ الأجلِ وصحةً وتكسرًا 474 وجودَةً، ورداءة، فتبطُلُ عندَ اختِلافِ ذلك مُطلقًا.
7 - السابع: العِلمُ بما ذُكر فِي السادِسِ، فتبطُلُ الحوالةُ بإبِل الدِّيةِ، وعليها على الأصَحِّ.
ومتَى أفلَسَ المُحالُ عليهِ أو كان مُفْلِسًا أو جَحَدَ: لم يرجِع المُحتالُ 475.
وتنفسِخُ الحوالةُ بثبوتِ حُرمةِ المبيع، وبِحَلِفِ المُحتال إنْ جَحَدَ، ورده 476 بِالخِيار، والإقالةُ والتَّحالُفُ والعيبُ إن أحال المُشتَرِي لا البائع وهو مشْكِلٌ بِما إذا أحال زوجتَهُ بِصداقِها، ثم فَسَخَ النكاحَ بعيبٍ أو رِدَّهِ، فإن المصَحَّحَ فِيها بقاءُ الحَوَالةِ مع أنَّه نظيرُ حوالةِ المُشترِي.
الجزء: 2 - الصفحة: 110
باب الضمان
هو لغة: الالتزامُ أو 477 الحفظُ، وهو مِن التَّضمينِ بأنْ يجعَلَ شيئًا فِي شيْءٍ.
وشْرعًا: التزامٌ خاصٌّ على وجهٍ خاصٍّ، وفِيهِ معنى الحِفظِ بكونِهِ وثيقةً.
وإن شئتَ قلتَ: لفظٌ يقتضِي تضمينَ دَينٍ فِى ذِمَّةٍ، كانتْ فارغةً مع بقائِهِ فِي الذِّمَّةِ المَشغولةِ بِهِ 478، وإنْ شئتَ ألحقتَ بِهِ.
أو التزامُ إحضارِ ما يُستَحَقُّ حضورُهُ، وأخرجنا بِـ "لفظ" 479 ما حَصَلَ فيه الضمانُ لوضع 480 اليَدِ ونحوِهِ.
ولا يصحُّ أَنْ يُقالَ فيه "ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ"؛ لأنَّ النُّونَ أصليةٌ فيهِ، إلَّا إذا لُمِحَ الاشتقاقُ الأكبرُ.
ويُقالُ: فيه 481 "ضامِنٌ" و"ضَمينٌ" و"زَعيمٌ" و"حَميلٌ" و"كَفيلٌ" و"صَبيرٌ"
الجزء: 2 - الصفحة: 111
و"قَبيلٌ" من القَبالَةِ.
لكِنْ قيل إنَّ العُرْفَ أنَّ "الضمينَ" فِي الأموالِ غيرِ العظيمةِ 482 و"الزَّعيمِ" فيما عظُم مِنها، و"الحَمِيلُ" فِي الدِّياتِ، و"الصَّبيرُ" فِي الجميع، وهو غيرُ مشهورٍ، وكذا "القَبيلُ" واشتهر "الكَفيلُ" فِي الإحضارِ 483.
وأصلُ البابِ -قبل الإجماع- قولُه تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.
وقرَّره رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي شريعتِهِ المؤيدةِ بقولِهِ: "الزَّعِيمُ غارِمٌ" رواه أحمدُ والترمذيُّ، وابنُ ماجه، بإسنادٍ حسَّنه التِّرمذيُّ، وهو صحيحٌ 484.
الجزء: 2 - الصفحة: 112
وقد تحمَّل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
. رواه أبو داودَ وابنُ ماجه 485.
وصَحَّ تكفُّلُ أبي قتادةَ الميتَ 486 بحضرتِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 487. وكذلك اتَّفَقَ لعليٍّ -رضي اللَّه عنه- = وقال الترمذي عقب حديث (2120): وروايةُ إسماعيل بن عياشٍ عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذلك فيما تفرد به لأنهُ روى عنهُم مناكير، وروايتُهُ عن أهل الشام أصح، هكذا قال مُحمدُ بنُ إسماعيل.
. سمعتُ أحمد بن الحسن يقُولُ: قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: إسماعيلُ بنُ عياشٍ أصلحُ بدنًا من بقية، ولبقية أحاديثُ مناكيرُ عن الثقات.
. وسمعتُ عبد اللَّه بن عبد الرحمن يقُولُ: سمعتُ زكريا بن عدي، يقُولُ: قال أبُو إسحاق الفزاري: خُذُوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخُذُوا عن إسماعيل بن عياشٍ ما حدث عن الثقات ولا غير الثقات.
الجزء: 2 - الصفحة: 113
بإسنادٍ حسنٍ.
والضَّمانُ عقدٌ يستقِلُّ به الضامنُ الحُرُّ الرشيدُ ولو فِي مرضِهِ وغيرُ الحُرِّ بإذْنِ السيِّدِ.
وأما فِي كفالةِ البدن فلا بُدَّ مِن رِضى المكفولِ ببدنِهِ إنْ كان حيًّا حُرًّا أهلًا للإذن، وإلَّا فإذْنُ وليِّهِ، وفائدةُ الإذنِ مِن الأصيلِ (1) فِي ضمانِ الذِّمةِ الرجوعُ إذا أدَّى الضامِنُ، وإن لم يأذنِ الأصيلُ فِي الأداءِ على الأصَحِّ.
* ويُستثنى مِن الرُّجوع مع وُجودِ الضَّمانِ بالإذْنِ سِتُّ صُورٍ:
1 - إحداها: ضَمنَ عبدٌ مَا فِي ذِمَّةِ سيدِهِ لأجنبيٍّ، وأدَّى بعدَ العِتقِ، فلا يرجِعُ على الأصحِّ، ولو أدَّى قبلَ العِتقِ فلا رجوعَ قَطْعًا، ولا يُسْتثنى 489 لأنهُ مِن مال 490 السيدِ.
2 - الثانية: ضمِنَ السيدُ عبدَهُ غير المكاتَبِ، وأدَّاهُ قبل عِتقِهِ، أو مكاتبًا488 = صل عليها، فقال: "هل عليه دينٌ؟ " قالُوا: لا، قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالُوا: لا، فصلى عليه، ثُم أُتي بجنازةٍ أُخرى، فقالُوا: يا رسُول اللَّه، صل عليها، قال: "هل عليه دينٌ؟ " قيل: نعم، قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالُوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها، ثُم أُتي بالثالثة، فقالُوا: صل عليها، قال: "هل ترك شيئًا؟ " قالُوا: لا، قال: "فهل عليه دينٌ؟ " قالُوا: ثلاثةُ دنانير، قال: "صلوا على صاحبكُم" قال أبُو قتادة: صل عليه يا رسُول اللَّه وعلي دينُهُ، فصلى عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 114
وأدَّاه بعد تعجيزِهِ 491 لا يرجِعُ، قلتُهُ تخريجًا.
3 - الثالثة: ضمِنَ عن أصلِهِ الذَّكَرِ صَدَاقَ زوجتِهِ بإذنِهِ، ثُم طَرَأ ما يُوجِبُ الإعفافَ قبل الدُّخول، وامتنعَتِ الزَّوجةُ مِن تسليم نفسِها حتَّى تقبِضَ الصَّداقَ، فأدَّاه الضامِنُ، فإنَّهُ لا يثبُتُ لهُ الرجوعُ، ولو أيسر المضمونُ، قلتُهُ تخريجًا، وكذا لو ضَمِنَ عند وجوبِ الإعْفافِ بالإذْنِ ثُم أدَّى، وفِي صحة الضمانِ هنا توقُّفٌ.
4 - الرابعة: إذا أنْكَرَ 492 الدَّيْنُ، أو قال: "أقْبَضَكَ الأصيلُ" فثَبَتَ عليه بالبيِّنةِ وأدَّى؛ لم يرجِعْ.
5 - الخامسة: إذا لم يُشهد، وأنكر المضمُونُ له لم يرجِع، وإن صدَّقه الأصيلُ إذا لم يؤَدَّ بحضورِهِ، وإذا أخَذَ المالَ من الضَّامِنِ ثانيًا رَجَعَ على الأصَحِّ، ولا 493 يُسْتثنى.
6 - السادسة: إذا أدَّى الضامِنُ بالإذنِ مِن صِنفِ الغارِمِينَ المدفوعَ له بسببِ 494 الضمانِ لا يرجِعُ.
. قاله الرافِعيُّ رحمه اللَّه، وهو الصوابُ خِلافًا للبغويِّ 495.
الجزء: 2 - الصفحة: 115
* ويُعتَبَرُ فِي صِحةِ الضمانِ أربعةُ أمورٍ:
1 - كونُ الضامِنِ أهلًا للتَّبَرُّع، وينفُذُ مِن المريضِ حيثُ لا إذْنَ فِي الثُّلثِ، ولا يصِحُّ ضمانُ العبدِ إلَّا بإذْنِ سيدِهِ، يستوي فِي ذلك مأذونُ التِّجارةِ، والمُكاتب والمُبَعَّض حيثُ لا مُهَايأةَ أو 496 ضمِنَ فِي نوبةِ السَّيِّدِ.
2 - الثاني: معرِفةُ المضمونِ لهُ دونَ معرفةِ 497 المضمونِ عنهُ على الأصَحِّ.
3 - الثالثُ: كونُ الحقِّ لازِمًا أو موجودًا آيَلًا إلى اللُّزوم، كالثَّمنِ فِي حالِ الخِيارِ، لا كنِجْم الكِتابةِ وجُعْلِ الجَعَالة قبلَ تمام العَمَلِ.
4 - الرابِعُ: كونُهُ معلومًا 498، ومِن واحدٍ إلى عشرةٍ تسعةٌ كالإقرارِ، ويصِحُّ ضمانُ الدَّرَكِ على النَّصِّ 499 بعد قبْضِ الثمنِ، فيُشترطُ عِلمُ الضَّامِنِ بالثمنِ، فإنْ خَرَجَ مُستَحَقًّا، ولو بِشُفعةِ رَجَعَ على الضَّامِنِ، لَا إنْ بان الفسادُ بشرطٍ ونحوِهِ، أو ردًّ بعيبٍ، أو انفسخ بالتَّلفِ قبلَ القبضِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 116
وأما كفالةُ البدنِ فإنَّها لا تصِحُّ 500، لحَدِّ اللَّه 501 تعالى، وتصِحُّ لغيرِ ذلك على المذهَبِ، لَا إنْ كان عليه مالٌ لا يُضمنُ كنَجْمٍ وجُعْلٍ، وحيثُ صحَّتْ لا يُشترطُ العِلمُ بقدرِ المالِ 502.
ويصِحُّ ضمانُ كُلِّ عينٍ تلزمُ مَؤُنَةُ ردِّها، وكذا ضمانُ تسليمِ المَبيع قبلَ القبْضِ، وإنْ عيَّن فِي التَّسليم مكانًا تَعَيَّنَ 503، وإلَّا حمل على مكانِها، وينبغِي أن يُقيد 504 بِما إذا صلُح ولا غُرْمَ فِي كفالةِ البدنِ والأعيانِ على الأصَحِّ، ومَتَى برِئَ الأصيلُ ولو بالحوالَةِ عليه، بَرِئَ الضامِنُ.
ويصِحُّ ضمانُ الحالِّ مؤجَّلًا، وقد جاء ذلك فِي تحمُّلِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي تقدم.
الجزء: 2 - الصفحة: 117
ويصِحُّ ضمانُ المؤجَّل حالًّا، ولا يثبُتُ الحلولُ لكن لو مات الأصيلُ طولِب الضَّامِنُ على الأرجح بِخلافِ المُؤَجَّل 505 فَي غيرِ هذِهِ، فلا تحِلُّ 506 على واحِدٍ بموتِ غيرِهِ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 118
باب الشركة
هي بكسْرِ الشِّين وإسكانِ الرَّاء.
وأصلُها قبلَ الإجماع: ما صحَّ مِن تقريرِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لذلك.
وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- يرفعُهُ قال: "إنَّ اللَّه عز وجل يقولُ: أنا ثالثُ الشَّريكينِ ما لم يَخُنْ أحدُهُما صاحبَه، فإنْ خانَهُ خرَجْتُ مِن بينِهِما" رواهُ أبو داود فِي "سننه" 507.
الجزء: 2 - الصفحة: 119
الشِّرْكةُ لغةُ: الاختلاطُ والامتزاجُ شيوعًا أو مجاورةً.
وفِي الشرع: ثبوتُ 508 الحقِّ فِي الشيءِ الواحِدِ لمتعدِّدٍ.
ثم قد تكونُ قهرًا كما فِي الإرْثِ.
وقد تكونُ اختيارًا كما فِي الابتياع والإيهابِ 509 ونحوِهِما 510.
وقد تكونُ 511 فِي الأعيانِ والمنافِع.
وقد تكونُ فِي مجرَّدِ الحقوقِ عامًّا كالشوارع ونحوِها مِن المُسبَّلاتِ للعُمُوم، وقد تكونُ خاصًّا 512 كحَقِّ 513 التَّحَجُّرِ، والشُّفعةِ، وحدِّ القذْفِ والقِصاصِ.
وفِي المُقتنياتِ 514: كالكلبِ الذي يُقتنى، وجِلدِ ميتةٍ لم يُدبغْ 515 ونحوِها.
= ثم رواه الدارقطني (3/ 35) من طريق جرير، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه.
. مرسلًا.
قال الحافظ في "تلخيص الحبير" (3/ 49): وصححه الحاكم، وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان والد أبي حيان، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وذكر أنه روى عنه أيضًا الحارث بن يزيد، لكن أعله الدارقطني [في "العلل" (10/ 402 - 403)] بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة، وقال إنه الصواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 120
وبعضُها يقبلُ الإسقاطَ، وبعضُها لا يقبلُهُ.
والذي يقبلُهُ منهُ 516 ما إذا أسقط واحدٌ حقَّه سَقَطَ الكُلُّ، وهو القِصاصُ، ومنه ما إذا أُسْقِط بَقِي 517 للباقِي الكُلُّ، وهو الشُّفعةُ، وحَدُّ القذْفِ.
وليس لنا مِنَ الحقوقِ ما يبقى فيهِ القِسْطُ بعد إسقاطِ واحدٍ حقَّه إلَّا فِي حقِّ التَّحَجُّرِ -قلتُهُ تخريجًا- وحدُّ القذْفِ على وَجْهٍ.
ثُم الشركةُ منها: حرامٌ، ومنها: مكروهٌ، ومنها: مستحبٌّ، ومنها: جائزٌ:
فالحرامُ: الشركةُ فِي الأمور المُحَرَّمةِ كالخمرِ والأموالِ المُحَرَّمةِ.
ويُذكر مع هذا: ما لا يجوز من الشِّرْكة:
- كـ "شركةِ المُفاوضة"، وهي أَنْ يشتَرِكا ليكونَ بينهُما ما يحصلُ مِن غُنْم 518، وعليهما ما يلزمُ مِن غُرْم 519.
الجزء: 2 - الصفحة: 121
- و"شركةِ الأبدانِ"، كشركةِ المُحترفةِ 520، ليكون الكسبُ بينهم 521.
- و"شركة الوجوه" 522، إمَّا بينَ وجيهينِ، أو بينَ وجيهٍ وخاملٍ للبيع، لِيحصُلَ الرِّبحُ بالوَجاهةِ 523.
والمكروهةُ: مشاركةُ مَن لا يحترِزُ مِن الرِّبا والمَكْسِ 524 ونحوهما 525.
والمستحبةُ: اشتراكُ المُسافِرِينَ فِي الزَّادِ مجلسًا مجلسًا.
والجائزةُ: شركةُ العَنَان 526، وهي مقصودُ الباب، ولا تصحُّ إلا بخمسِ شرائِطَ 527:
الجزء: 2 - الصفحة: 122
1 - أن يكونَ المالانِ مِثْلِيَّيْن، ولو دراهمَ مغشوشةً على الأصحِّ.
2 - وأن يكونَ المالانِ مِن جنسٍ واحدٍ، بصفةٍ واحدةٍ، بحيث تتفِقُ القيمةُ، خِلافًا لما نُقل عن العِراقِيينَ فِي قَفِيزينِ 528 مُختلِفَي القِيمةِ.
3 - وأن يُخلطَا بحيثُ لا يمكِنُ تمييزُهُما.
4 - وأن يسبقَ الخلطُ العقدَ.
5 - وأن لا يُشترطَ الربحُ والخُسرانُ إلَّا على قَدْرِ المالَيْنِ.
ولا بُدَّ مِن الإيجابِ والقبولِ والإذنِ فِى التصرُّفِ، لا مجردَ "اشتركنا"، وكلٌّ منهما وكيلٌ فِي نصيبِ صاحِبِهِ.
ومتى فسدتْ لم يرجِعْ أحدُهما على الآخَرِ بأُجرةِ عملٍ، إلَّا إذا شُرِط لأحدهما زيادةٌ فِي الرِّبح، لاشتراطِ 529 زيادةٍ فِي العملِ، وزاد عملُهُ فيرجِعُ، لَا إنْ زاد عملُ الآخَرِ على الأصحِّ.
وكلٌّ مِن الشريكين أمينٌ، والقولُ قولُهُ فِي: "اشتريْتُ هذا للشركةِ" أو "لنفسي".
وفِي الرِّبحِ والخُسرانِ وفِي التلفِ والردِّ، إلَّا إذا ادَّعى ردَّ الكُلِّ، وأراد طَلَبَ نصيبِهِ، فلا يكونُ القولُ قولَه، فِي طَلَبِ نصيبِهِ، ولا يُقبلُ قولُ أحدِهما فِي أنه قَسْمٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 123
باب الوكالة
هي بفتح الواو وكسرها: التفويضُ، وتقعُ على الحِفظِ.
وفِي الشرع: تفويضُ أمرٍ يقبلُ النيابةَ مِن أهلِهِ لأهلها على وجهٍ مخصوصٍ.
وهي مجمعٌ عليها.
وقد صَحَّتْ مِن فِعْل النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي أمورٍ كثيرةٍ.
وقد وَكَّل عُروةَ البارقيَّ فِي شراءِ شاةٍ، أخرجه البخاريُّ 530، وليس على شرطِهِ، بل لإيراد 531 حديثِ: "الخيلُ مَعقُودٌ فِي نواصِيهِا الخيْرُ 532 " 533، لأنه سمعه ضِمْنه، وقد أخرجهُ الترمذيُّ بإسنادٍ حسنٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 124
وللوكالةِ ثلاثُ قواعِدَ:
الأولى
:
اعتبارُ ما تدخُلُه النيابةُ، والعباداتُ لا تقبلُ النيابةَ إلَّا فِي نحْوِ 534 أن يوضِّئَهُ أو يُتمِّمَه، أو يطلبَ له الماء، أو يُحضرَ له السُّترةَ أو يظهرَ له ما يتعلَّقُ بالصَّلاةِ، ونحو ذلك.
والصلاةُ نفسُها لا تقبلُ النيابةَ إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ وهي: ركعتا الطوافِ تبعًا للحجِّ.
والزكاةُ تقبلُ النيابةَ فِي التفريقِ، والنيةُ يُفوضها إليه، ونيةُ السُّلطان فِي الزكاةِ عنِ المُمتنع نيابةٌ شرعيةٌ.
والصومُ لا يقبلُ النيابةَ فِي حياةِ الأصل إلَّا فِي وجهٍ عندَ اليأس، ولكن بعدَ وفاتِهِ بإذْنِ الشَّرع للولِيِّ على أرجح القوْلَينِ، وهُو كُلُّ قريبٍ على المختارِ، ولِلولِيِّ أَنْ يأذَنَ.
والاعتكافُ 535 كالصوم على قول.
والحجُّ قابلٌ أن يُنيبَ فِيهِ 536 فِي الحياةِ للعاجِزِ الآيِس، وبعدَ الوفاةِ للولِيِّ، وإن لم يُوصِ بإذنِ الشَّرع، ولِلوليِّ أن يأذنَ، ولِلأجنبيِّ أن يستقِلَّ بذلك على
الجزء: 2 - الصفحة: 125
وجهٍ، ولا يستنابُ لِفعل يكونُ فِي الحجِّ إلَّا الرميَّ للعاجِزِ، وأمرُ 537 الصبِيِّ تقدم فِي الحَجِّ.
ومِن قابِل النيابةِ: ذبْحُ الهَدْي والأُضحيةِ وتفرقتُهُما والنيةُ فيهما، وتفرقةُ الكفَّارةِ، والتَّطوع، والمنذورة 538، وحملُهُ إلى موضِع تَعَيَّنَ 539 بالنَّذر، والعِتقِ والكِتابةِ، وإنَّما لم يُستثنَ مع ما يُشبِهُهُ؛ لأنَّ نيةَ العبادةِ فيه غيرُ مُعتبرةٍ فِي حصولِهِ كما يصِحُّ التوكيلُ بالوقْفِ قطْعًا، وكذا الوصيَّةُ على الأصَحِّ، وينبغِي أن يطرد خلافيهما 540 فِي الوَقْفِ والعِتْقِ للقُربةِ، وجزموا فِي طَرَفِ النِّكاح بالجوازِ مع أنَّه مندوبٌ إليه، ولكِنْ 541 قد يتخلفُ الندبُ لمانع، وإنَّما جاء وجهٌ فِي الرجعةِ للاستدامةِ 542، وإنَّما لم يُستثن القضاء، لأنَّ النيابةَ فِيهِ لِلعموم لَا بِخُصُوصِ 543 الأصْلِ.
والعقودُ كلُّها قابلةٌ للنيابةِ حتَّى القرضُ والضمانُ والوكالةُ، والمُعْتبَرُ إذنُهُ يُوَكِّلُ فيه حيثُ لم يتعيَّنْ 544 هو، والمرأةُ توكِّلُ فِي إذنِها فِي النِّكاح، ولم يتعرَّضوا له.
الجزء: 2 - الصفحة: 126
ومن قابل النيابةِ الفسوخُ، وذلك يشملُ ما مَكَّنَ القاضي المرأةَ فيه مِن الفسخِ بإعسارٍ أو عيبٍ، أو الزوجَ بعيبٍ، وفيه نظرٌ.
ولا يصحُّ بالاختيار لمن أسلم على أكثرَ مِن أربع نِسوةٍ، ولا بتعيينِ 545 طلاقٍ أو عتقٍ مُبهم.
ويصحُّ فِي الخُلع وتنجيزِ الطلاقِ وقبْضِ الدُّيونِ وإقباضِها والحُقوقِ، فمُوكَّلُ أصنافِ الزكاة مَنْ يقبِضُها لهم، والمتصدَّق عليه تطوعًا مَن يَقْبِض له ولم يذكرُوهُ.
وفِي العقُوباتِ: الإمامُ والسيدُ، ولِلْمستحَقِّ فِي قِصاصٍ وَحَدِّ قذفٍ ويستوفى ولو فِي غَيبةِ الموكِّل على الأظهرِ.
وفِي الخصومةِ وإنْ لم يَرْضَ الخصمُ، وإثباتِ الحُقوقِ لا إثباتَ حدٍّ للَّه عز وجل.
ويوكَّلُ فِي تملُّكِ المباح 546 بإحياءٍ أو اصطيادٍ أو احتِطابٍ، وسواءً كان بأجرةٍ أم بِغيرِها، ولا يصِحُّ فِي الالتِقاطِ على أقوى الطرِيقينِ كالاغتِنام.
والمعاصي لا يُوكَّلُ فِيها قطْعًا إلَّا إذا كان هناك ما يُوصف بالصِّحةِ كبيع الحاضِرِ للبادِي، ووقتِ النداءِ لِمن تجِبُ عليه الجُمعةُ، فإنه يصِحُّ.
وقياسُهُ: صحةُ التَّوكيلِ بالطلاقِ فِي الحيضِ والظهارِ معصيةٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 127
وفِي التوكيل فيه (1) وجهانِ صحَّح المتولِّي صحةَ التَّوكيلِ نظرًا إلى تغليبِ شَبهِ الطَّلاقِ، وهو أرجحُ، وغيْرُهُ المَنْع، نظرًا إلى تغْليبِ شَبَهِ الأَيْمانِ، وهي لا تقبلُ النِّيابةَ.
ومِن الأيمانِ تحريمُ الزوجةِ، واللِّعانِ، والتَّعليقِ المقتضِي للحَلِفِ فِي طلاقٍ وعتقٍ.
فأما تعليقٌ مجردٌ فالأرجحُ صحةُ التوكيل فِيهِ فِي الطلاقِ والعتقِ، وعلى هذا يصِحُّ التَّوكيلُ فِي التَّدبيرِ خِلافًا لِما صحَّحوهُ، ولَا يصِحُّ التوكيلُ فِي الإقْرارِ، ويصيرُ مُقِرًّا، خِلافًا لِمَا صحَّحه البغويُّ.
ولو قال: "أَقِرَّ عنِّي لفلانٍ بألفٍ له عليَّ"، فمقرٌّ قطعًا.
القاعدة الثانية
:
اعتبارُ العلمِ بما يُوَكَّلُ فِيه مِن بعضِ الوجوهِ، كبيعِ أموالِهِ، وإعتاقِ أرقائِهِ، وخصومةِ خصمائِهِ، بِخلافِ التَّوكيل بِكُل قليلٍ وكثيرٍ، أو بِجمِيع الأشياءِ، أو بِكُلِّ شيءٍ، أو فِيما هو لِي مِمَّا يقبلُ التوكيلَ، أو "تصرَّفْ فِي المالِ كيفِ شِئْتَ"، فإنَّه باطِلٌ، وفِي الأخيرةِ 548 نظرٌ.
ومِنَ المجهولِ: "بِعْ 549 بعضَ مالِي".547
الجزء: 2 - الصفحة: 128
وفِي الشِّراءِ لَا بُدَّ أَنْ يُعينَ ما يُشترى كعبدٍ ونوعِهِ.
وكذا صِنْفَهُ (1) إنِ اختلفتِ الأصنافُ اختِلافًا ظاهِرًا عندَ الشيخ أبي محمدٍ.
ولَا يُعتَبَرُ استقصاءُ أوصافِ السَّلم قطْعًا، ولَا التعرُّضُ لقدْرِ الثمنِ على الأصحِّ.
وفِي الدَّارِ: لابُدَّ مِن بيانِ المحلَّةِ والسِّكَّةِ، وفِي الحانوتِ بِذِكْرِ السُّوقِ.
وفِي إبراءِ (2) فُلانٍ مِمَّا لِي عليه يُعتَبَرُ عِلْمُ المُوَكَّلِ بقدرِهِ، وكذا الوكيلُ على الأرجح؛ خِلافًا لِمن صحَّح خِلافَ هذا (3).
القاعدة الثالثة
:
مراعاةُ لفظِ المُوَكِّل وغرضِهِ، والمصلحةِ، والعُرْفِ فيما يُذْكر.
فمِن 553 اللفظِ المُجردِ: "بِعْ مِن زيدٍ، لا تَبعْ مِن غيرِهِ، ولو مِن وكيلِ زيدٍ"، بِخلافِ: "زَوِّجْ مِنْ زيدٍ"، فيزَوِّجُ مِن وكيلِهِ، و"بِعْ فِي وقتِ كذا لا تبيعُ 554 قبلَهُ، ولا بعدَهُ".550551552
الجزء: 2 - الصفحة: 129
وقال الدَّارَكِيُّ 555 فِي الطلاقِ: تَطْلُقُ بعدَهُ 556، ويلزمُهُ أن يطْرُدَه فِي غيرِهِ أو يُفَرِّقَ، وله التفاتٌ على أنَّ القضاءَ بالأمرِ الأوَّلِ، واشتَرِ بالعينِ لا 557 تشتري فِي الذمة، وكذا عكسُهُ.
ولو عَيَّن السوقَ تَعَيَّنَ إن كان هناك غرضٌ، وكذا إن لمْ يكُنْ على الأصحِّ.
وإن عَيَّنَ معه الثَّمنَ فقد ظَهَرَ الغرضُ، فإذا باعهُ بِهِ فِي غيرِهِ صحَّ، إن لم يكن 558 يَنْهَ عن غيرِ المُعيَّن، وبِعْ 559 بِمائةِ دِرْهَم 560 لا تَبيع بدونِها، ويبيع بالأكثرِ مع تحصيلِ المِائةِ دراهِم لا دَنَانِيرَ ما لم يَنْهَ عنِ الزيادةِ، أو يُعينُ المشترى بِخلاف "خالِعْها بمائة"، فإنه لا تَمتنع الزيادةُ لبُعد قصدِ المحاباة، و"اشتَرِ لِي عبدَ فلانٍ بمائةٍ" له أَنْ يشتَرِيَ بدونِها؛ لأنَّ غرضَ تعيينِ العبدِ استدعى تعيينَ السيِّدِ، ومثلُه فِي الخُلْع.
الجزء: 2 - الصفحة: 130
وقال المرعشيُّ: كلُّ تقييدٍ أَمَرَ بِهِ وكيلُهُ فخالَفَهُ لَا يجوزُ إلَّا "بِعْ، وأشْهِدْ" فإنَّه إذا باع ولم يُشْهِدْ جاز، وما قاله فِي الإشْهادِ ممنوعٌ، والتقييدُ عليه فِي غيرِهِ يظهرُ حكمُهُ مما 561 قررناه.
وكُلُّ موضِع خالف فِيهِ الوكيلُ فإنْ كان الشِّراءُ بِالعينِ فالعقدُ باطلٌ، وإنْ كان الشِّرَاءُ فِي الذِّمةِ وَقَعَ العقدُ للوكِيلِ، ولو سَمَّى المُوَكِّلَ 562 على الأصَحِّ.
والمرادُ تسميةً لا تُخرج الصفةَ 563 عن التَّخاطُبِ 564 بأن يقول: "بعتُك"، فيقولُ: "اشتريتُ لِموكِّلِي" أو: "بعتُك لموكِّلِك" فيقول: "اشتريتُ له" أو يقولُ: "اشتريتُ"، فإن خرجتَ عنِ التَّخاطُبِ فالعقدُ باطِلٌ 565، ولو مع موافقةِ المُوَكِّل كـ "بِعْتُ مُوَكِّلَكَ بهِ 566 " فيقولُ: "اشتريتُ له"، وما بَطَلَ فِي البيع هو المتعيِّنُ فِي النِّكاح؛ لأنَّ الوكيلَ فِيهِ سفيرٌ مَحْضٌ 567.
وأمَّا الهِبةُ ونحوُها فالخِطابُ مع الوكِيلِ، ويتعينُ أَنْ يُسَمِّي موكِّله، ولا ينصرفُ المِلْكُ بِالنيةِ لِلموَكِّلِ، ولو قال: "وهبتُ مُوَكِّلَكَ"، فقال: "قبلْتُ له"،
الجزء: 2 - الصفحة: 131
فمُقتضى كلامِهِم المنعُ، وفيه نظرٌ.
وكذا كُلُّ ما لَا عُهْدَةَ 568 فِيهِ مِن الرَّهنِ ونحوِهِ، ويُبدلُ الأجلُ بِالمصلحةِ، وفِي شِراءِ الشَّاةِ بدينارٍ إذا اشتَرَى شَاتَيْنِ 569 به تُساوي واحدةٌ منهما 570 دينارًا، فإنه يصحُّ.
ومِن المصلحةِ أَنْ لا يسلِّمِ الوكيلُ المبيعَ حتَّى يقبِضَ الثَّمَنَ، ولا يشترِيَ المعيبَ.
ومِنَ العُرْفِ المقيِّدِ للإطلاقِ: الأمرُ 571 فِي الصيْفِ بِشراءِ الجَمْدِ لَا يُشترى فِي الشتاءِ، والمُعيَّنُ أو الحالُ لا إنْ أذِنَ لهُ، والوكيلُ بالبيع مُطلقًا لا يبيعُ بالنسيئة ولا بِغَبْنٍ فاحِشٍ، ولا [بثمنِ المِثْلِ وهناك راغبٌ بزيادةٍ، ولا] 572 بِغيرِ نقدِ البلدِ، وعندَ اجتماع نقدَينِ يبيعُ 573 بأغلبِهما، فإنْ غَلَبَا فإنهُ يتخيَّرُ، ولو باع بِهما صحَّ على المذهبِ مِن تَرَدُّدِهِم؛ قاله 574 فِي "النهاية" وعند إطلاق الأجل يُتْبَعُ العُرْفُ، فإنْ لم يكُن عُرْفٌ راعى الأنْفَعَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 132
والعُمومُ فِي لفظِ المُوَكِّل يُعملُ (1) به (2)، بحسبِ الظُّهورِ.
ففِي "بِعْ بِكم شئْتَ" لهُ البيعُ بغبنٍ فاحِشٍ، و"بما شئتَ" له البيعُ بغيرِ نقْدِ البلدِ وبِـ "كيفَ شئتَ" له البيعُ بالنَّسيئةِ، و"بما عَزَّ وهان" لهُ البيع بالغبنِ عند المُتولِّي، وبالعَرَضِ أيضًا عند العبَّادِي.
ومن الحَذْفِ المُشْعِرِ بالتخييرِ على الأصحِّ أن يُسَلِّم إليه دراهِمَ ويقولُ (3): "اشتِر (4) بِها كذا" ولم يقل بِعَيْنِها ولا فِي الذِّمَّةِ.
وضابط (5) الموكَّلِ: كُلُّ مَنْ مَلَكَ أن يتصرَّفَ تصرُّفًا قابِلًا للنيابةِ بأصالةِ أو ولايةٍ يجوزُ أن يوكَّلَ فيه، ومنهُ الوصيُّ خِلافًا لِمن قال هو كالوكِيل (6).
والوكيلُ لا يوكِّلُ إلَّا بإذنِ أو قرينةٍ كما إذا عَجَزَ أو عادته أن لا يتولاه بنفسِهِ.
* ويُستثنى مما سَبَقَ مواضِعُ:
الأعمى، وأنه يُوكِّلُ فيما تعتبرُ فيه الرؤيةُ، وإن لم يتصرَّفْ فيه بنفسِهِ 581.575576577578579580
الجزء: 2 - الصفحة: 133
والسفيهُ يأذنُ فِي التزويج، وإنْ لم يكُن هُو مالكَ الاستِقلالِ 582 بِهِ.
ومالكةُ الأمة 583 توكِّلُ وَلِيَّها بتزويجِها، وإن لم تَمْلِكْ هي تزويجَهَا 584، وكذلك غير المخير 585 فِي إذنها بتزويج نفسها فإنه توكيل 586 للولي، نص عليه.
وضابِطُ الوكِيلِ: أَنْ يتمكَّنَ مِن إصدارِ ذلك التصرُّفِ لنفسِهِ، ولو بإذنٍ، فيكونُ الصَّبِيُّ وكيلًا فِي حجِّ التَّطوُّع وعمرتِهِ والذَّبْح، ولو فِي الأُضحيةِ، والسفيهُ وكيلًا فِي قبول النِّكاح، وكذا العبدُ، ولا حاجةَ إلى الإذْنِ، والمرأةُ فِي طلاقِ غيرِها، كما يفوَّضُ إليها طلاقُ نفسِها.
ولَا يكونُ الكافِرُ وكيلًا فِي قبول نِكاح مُسلمةٍ، ولا فِي الإيجابِ؛ خِلافًا لِمَا ادَّعى الإمامُ أنه المذهبُ، ولا فِي طلاقِها خِلافًا لما ذكره 587 فِي الخُلْع، بِخِلاف الموسِرِ فِي قبولِ نِكاح الأَمَة والأخ ونحوِهِ فِي قبولِ نِكاح مَن تَحرُمُ عليه.
ويدُ الوكيلِ يدُ أمانةٍ، والقولُ قولُه فِي الرَّدِّ والتَّلفِ، وقولُ الموكِّلِ بيمينِهِ فِي الإذْنِ وصفتِهِ، وفِي 588 قبْضِ الثَّمنِ، لَا إنْ كان بعد تسلِيم المبِيع فالقولُ لِلوكِيل.
الجزء: 2 - الصفحة: 134
وليسَ لِلوكِيل أَنْ يقولَ: لَا أردُّ المالَ إلَّا بإشهادٍ.
ومن قال: "وَكَّلني فلانٌ بقبْض مالِهِ عندك أو عليك" فصدَّقهُ جاز الدَّفْعُ، ولا يجِبُ وإنْ صدَّقَهُ على إرثٍ بشرطِهِ 589 أو حوالةٍ أو وصيةٍ أو وصايةٍ وَجَبَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 135
باب الإقرار
هو لغة: الاعترافُ، وهو فِي الأصْلِ للإثباتُ 590 مِن قولِهِم: قَرَا الشيءُ، إذا ثَبَتَ.
وشرعًا: إخبارٌ عَن 591 أمْرِ سابِقٍ يَقتضِي تعلُّقَ حُكمٍ بالمُقِرِّ.
وأصلُه: قولُه تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
وفُسرتْ شهادةُ الإنسانِ على نفسِهِ بالإقْرارِ.
وفِي "الصحيحين" تعليقُ الحُكْمِ 592 على الاعترافِ فِي قولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واغْدُ يا أُنَيْسُ إلى امرأةِ هذا، فإنِ اعترفَتْ فارجُمْهَا" 593.
الجزء: 2 - الصفحة: 136
وفِي حديثِ اليهوديِّ الذي رَضَّ رأْسَ الجارِيةِ 594 بينَ حجرينِ فجِيءَ بِهِ فاعترَفَ، فَرَضَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأسَهُ بينَ حجرَيْنِ 595.
والإجماعُ: على تعلُّقِ الحُكم بالإقرارِ المُعْتَبَرِ 596.
يُعْتَبَرُ فِي المُقِرِّ التكليفُ إلَّا على رأيٍ ضعيفٍ فِي موضِع فِي المُراهِقِ، ومواضِعَ على رأي فِي المُميز سَبَقَتْ فِي الحَجْرِ والرُّشد إلَّا فِيما سبق فِي حَجْرِ السفِيهِ 597.
ويصحُّ مِن المكلَّفةِ الإقرارُ بِالنكّاح ولو مع السَّفَهِ لَا مِن السفِيهِ كما سَبَقَ.
= بكتاب اللَّه وأذن لي، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قُل"، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخبرتُ أن على ابني الرجم، فافتديتُ منهُ بمائة شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهل العلم، فأخبرُوني أنما على ابني جلدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكُما بكتاب اللَّه، الوليدةُ والغنمُ رد، وعلى ابنك جلدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ، واغدُ يا أُنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجُمها" قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرُجمت.
الجزء: 2 - الصفحة: 137
وينفذُ إقرارُ المُجْبَرِ فقط بنكاح مُجْبَرَتِهِ.
فإنْ تعارَضَ إقرارُهُما فوجهانِ فِي المقدَّم، كذا ذكروهُ، والصوابُ: تقديمُ السَّابِقِ.
فإنْ أقرَّا معًا: فالأرجحُ إقرارُ المرأةِ؛ لِتعلُّق ذلك ببدنِها وحقِّها.
ولو 598 أقرَّ وليُّ السفِيهِ بنكاحِهِ لم ينفُذْ إذ لا يستقِلُّ بِهِ.
وقياسُ طريقةِ العِراقِيينَ نفوذُهُ كما فِي المُجْبَرِ، وكما يُقِرُّ الولِيُّ بالبَيْع ونحوِهِ مِمَّا ينفُذُ منه، فيلزمُ إلَّا إذا قال فِي عينٍ لمحجورةِ زيدٍ: "هذه مِلْكُ عمرٍو"، فلا يُقبلُ ما لم يُعَيِّنِ السببَ 599 على الأصحِّ فِي "التهذيب"، وفِيهِ نظرٌ.
ويُقبلُ إقرارُ المُفلِس بالنِّكاح، وبتصرُّفٍ سابقٍ على الحَجْرِ أو بعدَهُ، حيثُ ينفُذُ منهُ.
ويقبلُ إقرارُه بالعين، وبِدَيْنِ الجنايةِ، ولو بعدَ الحَجْرِ، وبدَيْنِ المُعاملةِ السابِقِ 600، فيزاحِمُ 601 الغُرماءَ، وبالنسبِ، والأقربُ يُنفق عليه من مالِهِ بِخِلافِ حُقوقِ الزَّوجةِ الحادثةِ بعد الحَجْرِ.
وإقرارُ المُرتَدِّ بعد حَجْرِ القاضِي عليه 602 بالعينِ والدَّينِ، ونحوهما، كإقرارِ المُفلِس على الأصحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 138
ونصَّ فِي "الأم" على قبولِ إقرارِهِ حينئِذٍ بِالعينِ والدَّين، وأنهُ يسلمُ للمقرِّ له حالًّا، وأنه يُقْضَى عليه بحُرِّيَّةِ 603 مَن قال: "اشتريْتُهُ -أو: اتَّهبْتُهُ- فِي حالِ كونِهِ حُرًّا".
وكلُّ مَنْ حُجِرَ عليه فِي عينٍ كرهْنٍ وجِنايةٍ ونحوِهِما: لا يُقبلُ إقرارُهُ بِما يُخِلُّ بمقصودِ 604 الحَجْرِ.
ويُقبلُ مِنَ الرَّقيقِ بِما يوجِبُ العقوبةَ خِلافًا لِلمُزنِيِّ لا بِالمال، فيتعلَّقُ بذمَّتِهِ، لا 605 أَنْ يُصَدِّقَهُ السيِّدُ، أو تقومَ بيِّنةٌ، فيتعلَّقُ برقبتِهِ، وكذا لو أقَرَّ بِما يوجِبُ القِصاصَ، فَعَفَى المُستحِقُّ على مالٍ، فيتعلَّقُ برقبتِهِ على الأصحِّ المنصُوصِ.
ويُقبلُ إقرارُ المأذونِ بدَيْنِ المُعاملةِ المُتعلِّقةِ بالتِّجارةِ، لا إنْ حُجِر عليه، فلا يُقبلُ منهُ استنادُهُ 606 على الأصحِّ، بِخِلافِ المُفلِس لِئَلَّا يؤدِّي إلى فواتِ حقِّ السيِّدِ 607 بِخلافِ غُرماءِ المُفْلِس، إذ يبقى لهم الباقِي فِي ذِمَّةِ المفلِس، وفيه نظرٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 139
والمُبَعَّضُ 608 يتبعضُ حُكْمُ إقرارِهِ.
ولا يُقبلُ مِنَ السيِّدِ على عبدِهِ بما يوجِبُ عقوبةً، ويُقبل بِدَيْنِ جنايةٍ تتعلَّقُ برقبتِهِ، لا بِدَيْن 609 المعاملةِ، كذا ذكروه.
والقياسُ قبولُهُ فيما يتعلَّق بمالِ السيِّدِ حيثُ لا حَجْرَ للغُرماءِ.
والمكاتبُ يُقبلُ إقرارُهُ فيما يستقلُّ به.
والمريضُ يصِحُّ إقرارُهُ، وينفُذُ ولو للوارِثِ والدَّين 610 والعينِ إلَّا إذا تُحقق مِلْكه للعينِ إلى حالةِ مرضِ الموتِ، فإنَّه إذا أقرَّ بِها مُطلقًا، وقال بقيَّةِ الورثةِ: إقرارُهُ مستندُهُ 611 الهبةُ، وقال المُقِرُّ لهُ: "بلْ عنْ مُعاوضةٍ لَا مُحاباةَ فِيها"، فالقولُ قولُ بقيةِ الورثةِ بِاليمينِ 612؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ المعاوضةِ؛ قلتُهُ تخريجًا مِن الأبِ يُقر لِفرعِهِ بشيء، ثُم يُفسرُهُ بِالهبةِ ليرجِعَ، فيُقبلُ على الأرْجَح.
ولو قال المريضُ: "كُنْتُ وهبْتُ وارِثِي هذِهِ وأقبضْتُهُ 613 فِي الصِّحةِ" قُبل على الأرْجَح، خِلافًا للغزالِيِّ.
ويستَوِي فِي مُزاحمةِ الدُّيونِ: إقرارُ الصحةِ والمرضِ، والوارثِ والموروثِ، ودَيْنِ الجنايةِ السابقةِ والحادثةِ، ولو بَعْدَ الموتِ، ودينِ
الجزء: 2 - الصفحة: 140
المعاملةِ.
ويُقَدَّم الإقرارُ بِالعينِ على الدَّينِ.
ولا يُقبلُ إقرارُ الوكيلِ بالتَّصرفِ بعد العزْلِ ولا قَبلهُ -على الأصحِّ- إلَّا فِي قولِهِ: "قبضتُ الثَّمْنَ"، وكان بعد تسلِيم المَبِيع كما سَبَقَ.
وشرطُ المُقِرِّ فِي جَمِيع ذلك: الاختيارُ، فإقرارُ المكرَهِ باطلٌ، ولا تُقبلُ دعوى الإكراهِ إلَّا بِبيَّنةٍ، أو بقرينةِ ترسيمٍ ونحوِهِ، على الأرْجَح 614.
ونصَّ فِي "الأم" 615 على قبول دَعْوى الإكراهِ مُطْلقًا، وقال بِهِ أبو حامِدٍ الإسْفرَايينِي، وقال الماوردِيُّ: مَنْ ضُرِبَ ليصدُقَ صَحَّ إقرارُهُ، وهو بعيدٌ 616.
الجزء: 2 - الصفحة: 141
والإقرارُ بالنسبِ وبالرِّقِّ والحريةِ وإقرارُ اللَّقيطِ يأتِي كلُّ ذلك فِي بابِ اللَّقيطِ.
* وأما المُقَرُّ له فيُعْتَبَرُ فِيهِ (1) ثلاثةُ أُمور:
1 - أهلِيَّةُ استِحْقاقِ الحقِّ المُقَرِّ بِهِ.
2 - وأنْ يكونَ مُعَيَّنًا نوع تعيينٍ بِحيثُ يُتوقَّعُ معه 618 الطلبُ والدَّعوى.
3 - وأن لا يكذِبَ، فلو أقَرَّ لعبدِهِ المُكاتَبِ 619 بدينٍ أو عَينٍ صَحَّ، أو القِنِّ أو المُدَبَّرِ أو المستولَدَةِ بدَيْنٍ فِي ذِمَّتِه، فإنْ أسندهُ إلى معاملةٍ أو جنايةٍ فِي حالِ رِقِّهِ فيهم 620 لم يَصِحَّ، أو إلى مُعاملةِ أو جنايةٍ قبل رِقِّهِ فِي حَالِ رقِّ غيرِهِ فهو إقرارٌ لعبدِ غيرِهِ، أو فِي حالِ 621 حُريةِ المُقَرِّ له وكفرِهِ وإسلامِ المَديون 622 أو ذمتهِ، صحَّ، فالحربِيُّ إذا استُرِقَّ وله دَيْنٌ على مسلمٍ أو ذِمِّيٍّ لا يسقُطُ.617
= في الطلاق والنكاح وغيره وإن حُبس فخاف طُول الحبس أو قُيد فخاف طُول القيد أو أُوعد فخاف أن يُوقع به من الوعيد بعض ما وصفت أن الإكراه ساقطٌ به سقط عنهُ ما أُكره عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 142
وإنْ أطلقَ فإنْ تُحُقِّق عدمُ الحالةِ المُصححةُ بَطَلَ والإقرارانِ كالإقرارِ 623 المُطلقِ للحَمْلِ أرجحُهُما النُّفُوذُ.
وكذلك لو أقرَّ لهُ بعينٍ 624؛ قلتُ ذلك كلَّه تخرِيجًا.
وإنَّ أقرَّ بحملٍ وأسندَهُ إلى إرثٍ أو وصيَّةٍ صَحَّ، ثُمَّ إنْ انفصل لِمُدةٍ يظهرُ وجودُهُ عند موتِ المُوَرِّثِ 625 أو عند الوصيَّةِ استحقَّ وإلَّا فَلَا، واعتِبارُ المُدةِ مِن حينِ الإقرارِ وَهْمٌ.
وإنْ أسندهُ لِجهةِ مُعاملةٍ مع الجهلِ 626 بَطَلَ الإقرارُ على الأرْجَح، ويَصِحُّ للعبدِ ويكونُ لسيدِهِ.
. كذا قالوا.
والصوابُ لا يُصرفُ للسيِّدِ إلَّا إذا تُحُقِّق استنادُهُ 627 إلى أمرٍ فِي حالِ رِقِّ ذلك السيِّدِ، ويظهرُ تحقيقُ 628 هذا مِمَّا سبق فِيما إذا أقرَّ لعبدِهِ 629.
ولا يصِحُّ للدابَّةِ إلَّا أَنْ يقولَ لمالِكِها 630 بِسببِها.
والإقرارُ للمسجِدِ والمقبرةِ والبِئرِ المُسَبَّلةِ، كالإقرارِ للحملِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 143
والإقرارُ لغيرِ ذلك مِن الجماداتِ باطِلٌ، ولو كان وقْفًا 631.
وعندَ تكذيبِ المُقَرِّ له الذي يُعْتَبَرُ تكذيبُهُ يُتركُ المالُ عند المُقِرِّ، ولا يُحكمُ بِعتقِ العبدِ 632 على الأصحِّ، ولو رَجَعَ المُقَرُّ له عنِ التَّكذيبِ فلا بُدَّ مِن إقرارٍ جديدٍ عندَ المُتَولِّي، ورُجِّح خلافًا للإمام والغزالِيِّ.
والأصحُّ خلافًا لهما قبولُ رُجُوعِ المُقِرِّ، و 633 الحَدُّ والقِصاصُ يسقطُ بالتَّكذيبِ.
وأمَّا المُقَرُّ بِهِ فيجوزُ بالمجهولِ والمعلومِ.
فالمجهولُ الَّذِي لا يُعرفُ يُحْبَسُ لتفسيرِهِ 634 على ما صُحِّح، والمختارُ أنهُ إنْ أمكنَ فصلُ القضيةِ بدعوى بِطريقِها فلَا يُحبسُ، وإنْ عُرِف بطريقٍ من طرقِ الحِسابِ لزِم مُقتضاه كـ: "لزيدٍ عليَّ 635 ألفُ 636 ونصفُ ما لعمرٍو، ولعمرٍو عليَّ 637 ألفٌ ونصفُ ما لزيدٍ" فمُقتضى الحسابِ لكلٍّ ألفان، ثم المُفَسَّرُ أو المعلومُ إما عينٌ أو دينٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 144
* وقواعِدُ البابِ أربعٌ:
الأولى
: الإقرارُ لا يزولُ به مِلْكٌ، ولا اختصاصَ فِي عينٍ، ولا يلزمُ بهِ الدَّين 638، بل هُو 639 كاشفٌ عن أمرٍ ماضٍ لا يُعرفُ زمنُهُ مِن الإقرارِ المُجرَّد فمِلْكي هذا لفلانٍ، كلامٌ لا يلزمُ بخروجِهِ عنِ القاعدةِ، ويُحمل على الوعدِ بالهبةِ وألحقوا به "داري لفلان"، والتحقيقُ لزومُ هذا، فلا تناقُضَ، إذ قولُه: "لفلان" يبينُ أنَّ الإضافةَ فِي دارِي لِنسبتِها 640 إليه، ونحوُ ذلك حديثُ: "مَنْ بَاعَ عبْدًا ولَهُ مالٌ فمالُهُ لِبائِعِهِ" 641 يؤيِّدُ ما حققناه مِن جهةِ أن اللامَ الثانيةَ بان
الجزء: 2 - الصفحة: 145
بِها أنَّ الأولى للاختِصاصِ، وعكسُهُ "أنتَ ومالُك لأبيك"، و"هذا لفلانٍ، وهو فِي مِلْكي إلى إقراري هذا": أوَّلُهُ إقرارٌ، وآخرُهُ لغوٌ، ولم يخرِّجوه على تعقيبِ الإقرارِ بِما يرفعُهُ؛ لادِّعائِهِ ذلكَ لنفسِهِ بعد إقرارِهِ، ولو شهدوا أنَّ فلانًا أقرَّ لفلانٍ بكذا، وكانتْ مِلْكَ المُقِرِّ إلى أَنْ أقرَّ بطلتْ شهادتُهم [نُقِل عن النصِّ.
والقواعدُ تشهدُ لإعمالِ شهادتِهِم] 642 فِي إقرارِهِ، ويُلغى ما شهِدُوا بِهِ مِن غيرِ دعوى.
= قال: وفي الباب عن جابرٍ، وحديثُ ابن عُمر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، هكذا رُوي من غير وجهٍ عن الزهري، عن سالمٍ، عن ابن عُمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهُ قال: "من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤبر، فثمرتُها للبائع إلا أن يشترط المُبتاعُ، ومن باع عبدًا ولهُ مالٌ فمالُهُ للذي باعهُ إلا أن يشترط المُبتاعُ".
وقد رُوي، عن نافعٍ، عن ابن عُمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من ابتاع نخلًا قد أُبرت فثمرتُها للبائع إلا أن يشترط المُبتاعُ".
وقد رُوي، عن نافعٍ، عن ابن عُمر، عن عُمر أنهُ قال: "من باع عبدًا ولهُ مالٌ فمالُهُ للبائع إلا أن يشترط المُبتاعُ".
هكذا رواهُ عُبيدُ اللَّه بنُ عُمر، وغيرُهُ، عن نافعٍ الحديثين، وقد روى بعضُهُم هذا الحديث، عن نافعٍ، عن ابن عُمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أيضًا.
وروى عكرمةُ بنُ خالدٍ، عن ابن عُمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نحو حديث سالمٍ.
والعملُ على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهُو قولُ الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
. قال مُحمدُ بنُ إسماعيل: حديثُ الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أصح ما جاء في هذا الباب.
الجزء: 2 - الصفحة: 146
والمُقِرُّ بِهِ 643 لا يصحُّ منهُ دعوى ذلك لعدم ذِكْرِ التَّلقِّي، و"دَينِي الذي على زيدٍ لبكرٍ"، باطِلٌ، وفيه ما تقدَّم "فِي دارِي".
ويؤيدُهُ صحةُ الذي لِي على زيدٍ لبكرٍ، واسْمي فِي الكتابِ عاريةٌ، والإقرارُ لغيرِهِ بدَينٍ لهُ فِي الظاهِرِ صحيحٌ، إلَّا ثلاثةَ دُيونٍ: الصَّداقُ وبذْلُ الخُلع وأرْشُ 644 الجنايةِ فِي البدنِ.
قاله فِي "التلخيصِ".
والمُرادُ فِي الثلاثةِ أَنْ يكونَ مِن 645 وجبتْ له حُرًّا، فأمَّا مجهولُ الحالِ 646 يقِرُّ بِها لشخصٍ بأنَّه 647 سيدُهُ فيلزمُ بِمُقتضى الإقرارِ بالرِّقِّ، ومَتَى احتملَ انتقالُ هذِهِ الدُّيون بِحوالةٍ صحَّ الإقرارُ 648 بِها مُستنِدًا 649 إلى الحوالَةِ، وكذا مُطلقًا على الأظهرِ، وليستْ سائِرُ الدُّيونِ 650 كذلك، لاحتمالِ ثبوتِها ابتداءً
الجزء: 2 - الصفحة: 147
لغيرِ مَنْ هِي له فِي الظَّاهِرِ.
ولو أعتقَ عبدَهُ، ثُم أقرَّ له (1) هو أو غيرُهُ بدَينٍ أو عينٍ عقِبَ العِتقِ، صحَّ، إذا احتمَلَ ما يُصحِّحُ الإقرارَ للعبدِ كما تقدَّم، أو مضى زمانٌ يتأتَّى فيه ذلك، وإلَّا فلا، لأنَّ أهلية المِلْكِ لم تثبتْ له، فامتَنَعَ الإخبارُ عن سابقٍ، [وينبغي أَنْ يكونَ كالإقرارِ للعبدِ] (2).
القاعدة الثانية
استعمالُ الصَّريحِ والظَّاهِرِ والعُرفِ ولازِمِ اللفظِ فِي صيغهِ الإقرارِ
فـ "فِي ذِمَّتي" صريحٌ فِي الدَّين و"عليَّ" ظاهِرٌ فيه، إلَّا إنْ وَصَلَه بقولِهِ: "وديعةٌ".
فإنْ فَصَلَه وأحضرَهُ فالقولُ قولُهُ على الأظهرِ.
وإنْ تلِفَ فهو مضمونٌ على المنْصوصِ خِلافًا للرافِعِيِّ، ومَن تَبِعه.
و"معي": صريحٌ فِي العينِ، و"عندي": ظاهِرٌ فِي ذلك، و"قِبَلِي": كـ "عليَّ"؛ على النصِّ.
و"نَعَمْ" و"بَلَى" لِجوابِ: "لي عَلَيكَ" إقرارٌ.
وكذا: "أَجَلْ" و: "صدقْتَ" وكذا: "لَعَمْرِي"، إن كان العُرْفُ يقتضِيهِ.651652
الجزء: 2 - الصفحة: 148
ولجوابِ: "أليس لِي عَلَيك كذا": "بَلَى"، وكَذَا "نَعَم"، حَمْلًا على العُرفِ، لا على دقائِقِ العربِيةِ.
ويلزمُ فِي قولِهِ: "أنا مُقِرٌّ بِهِ"، أو: "لسْتُ مُنْكِرًا له"، ولو أسقط به أوْ لَهُ، فليس بِإقرارٍ، وكذا: "لا أُنكرُ أَنْ يكونَ مُحِقًّا".
ولو قال: "أنا أُقِرُّ لك بِهِ"، فوجهانِ؛ الأرجحُ 653 عدمُ اللُّزومِ.
ومِن لازِم اللفظِ: "أبرأتَنِي" و"قضْيتُهُ" 654، ولا يَتخرَّجُ على تعقيبِ الإقرارِ بما يرفعُهُ لانتِظام اللفظِ هُنا ظاهرًا 655، ولا نَظَرَ إلى التَّقريرِ.
و"اشْتَرِ مِنِّي عبْدِي"، فيقولُ: "نَعَم"، فيكونُ أقرَّ له 656 بالمِلْك، وكذا "بِعْنِي الذي تدَّعي" لا "صالِحْنِي"، لِظهورِ إرادةِ قَطْع المُنازعةِ.
و"أعتقتَ نصيبَك"، والمقولُ له موسِرٌ منكرٌ، وحلف، يَعْتِقُ نصيبُ القائِل بلازِم ما ذكره ويتحاسَبُ.
و"عسى" و"لعلَّ" و"أظنُّ": ليس بإقرارٍ لعدم ما فِي أولِ القاعدةِ 657.
الجزء: 2 - الصفحة: 149
ومنه: "لفلانٍ عليَّ أكثرُ مِما لك"، لا يكونُ مقرًّا لواحِدٍ مِنهما، وفيه نظرٌ.
وما ظَهَرَ فِيهِ الاستهزاءُ لا يلزمُ مِثلُ: "زِنْ" و"خُذْ" و"اتَّزِنْ" و"شلْ فِي هِمْيَانِك، واختِمْ عليه".
فإن وُجِدتْ قرائِنُ الاستهزاءِ كتحريكِ الرأسِ ونحوِهِ وما يلزمُ (1) لولا القرائِنُ، فالأقربُ ليس بإقرارٍ.
ولو شَهِد عليه واحِدٌ، فقال: "هو صادقٌ، أو عدلٌ"، فليس (2) بإقرارٍ، فإنْ أضاف إلى ذلك فيمَا شَهِد به، فإقرارٌ إلَّا أَنْ يظهرَ الاستهزاءُ.
وإن شَهِد عليَّ شاهدانِ بكذا فهُما صادقان، فإقرارٌ، وإنْ لم يشهَدَا على ما صححوه، والأرجَحُ خِلافُهُ.
وإن قال: "صدَّقْتُهما" فليس بإقرارٍ قطْعًا؛ لأنَّ غيرَ الصَّادِقِ قد يصدُقُ.
القاعدة الثالثة
المُقَرُّ بِهِ لا يلزمُ فيه إلَّا اليقينُ قال الشافعِيُّ -رضي اللَّه عنه-: "أصلُ ما أبْنِي عليهِ الإقرارَ أنِّي ألزمُ الناسَ أبدًا 662 اليقينَ، وأطرحُ عنهُمُ الشَّك، ولا أستعملُ عليهمُ الأغلَبَ".659660
الجزء: 2 - الصفحة: 150
واعتمَدَ ذلك أصحابُهُ إلَّا فِي يسيرٍ، فشيءٌ 663 يفسَّرُ بما لا يُتمولُ، ونَجِسٌ يُقتنى، وينجُسُ مُطلقًا فِي: "غصبتُ منه شيئًا" وأمَّا 664: "غصبتُك" أو: "عصيتُك ما تعلم"، فلا يلزمُهُ شيءٌ؛ لأنَّه قد يغصِبُه نفسَه.
وكذا كـ"شيءٍ"، و"مالٍ 665 عظيم" أو كثيرٍ، ونحوِ ذلِك، أو أكثرَ مِمَّا لفلانٍ 666 أو مِمَّا شهِد 667 بِهِ الشهودُ على فلانٍ يُقبلُ بأقلَّ متمولٍ لاحتمالِ إرادةِ عظيمٍ خطرُهُ، ونحو ذلك.
وكذا ثمرةٌ ومستولدةٌ، وفِي الوقتِ 668 احتمالٌ.
وكذا درهمًا يلزمه درهمٌ.
وكذا لو خَفَّض الدرهَمَ أو رفَعَهُ أو وَقَفَ عليه، أو كرَّر كذا مِن غيرِ عطْفٍ، فإنْ عَطَفَ بالواوِ أو بِـ "ثُم" 669 ونَصَبَ درهمًا، فدرهمان، وإن لم ينصبه فدرهمٌ، وألفٌ ودرهمٌ لَزِمَهُ أن 670 يفسر الألف بالفلوس والزبيب وغيرهما، وخمسَةَ عَشَرَ دِرْهمًا الكلُّ دراهِم.
وكذا خمسةٌ وعشرونَ دِرهمًا على ما صحَّحوه، ودِرهمٌ ونصفٌ النصفُ
الجزء: 2 - الصفحة: 151
غيرُ مبهم حمْلًا فِيهما على الغالِبِ فِي الاستعمالِ، وهُو مخالِفٌ للقاعِدةِ.
وفِي نصفٍ ودرهمٍ النصفُ مبهمُ، والدرهمُ ستةُ دَوَانِقَ، كلُّ دانِقٍ ثمانِ حبَّاتٍ وخُمُسَا حَبَّةٍ، فالدِّرهمُ خمسون حَبَّةٍ وخُمُسَا حبةٍ مِن شَعيرٍ متوسِّطٍ، لم يُقَشَّرْ وقُطِع مِن طرفيْهِ ما دَقَّ وطال، ولو فَسِّرَ الدِّرْهَمُ ولو مُصَغَّرًا بناقِصٍ أو مغشوشٍ قِيلَ إنِ اتَّصل، وكذا إنِ انفَصَل، ولكن يتعارفُ، ودراهِمُ تُفَسَّرُ بثلاثةٍ.
وجَمعُ 671 الكثرة وإنِ اقتضى أحَدَ عَشَرَ إلَّا أنه يُستعملُ فيما دُون ذلك، والأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ.
ومِن درهمٍ إلى عشرةٍ تسعةٌ كما سبق إنْ لمْ يُرد مدلولاتِهِ أسماءُ الأعدادِ، فإن أراد ذلك فخمسَةٌ وخمسونَ.
ومَا بين درهمٍ إلى عشرةٍ أو عشرةٍ ثمانيةٌ.
ولو 672 أقَرَّ بظرْفٍ لا يلزمُهُ المظرُوفُ، أو بِمظروفٍ لا يلزمُهُ الظَّرفُ، ولو قال: "دابَّةٌ بِسرجِها" لزِمَهُ كلاهُما.
وكذا ثوبٌ مُطَرَّزٌ فإنْ كان مُرَكبًا فخلافٌ.
والرجوعُ إلى القاعِدةِ يقتضِي أن لا يلزمَهُ الطُّرْزُ حينئِذٍ، خلافُ ما صحَّحوه.
وبِالجارِيةِ لا يتناولُ الحمْلَ، وكذا بِالشجرةِ لا يتناولُ الثَّمرةَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 152
وعليَّ ألفٌ فِي هذا الكِيسِ يلزمُ 673 وإنْ لم يكُنْ فِيهِ شيءٌ، وكذا التَّمامُ إنْ نَقَصَ.
وعليَّ الألْفُ الذِي فِي الكِيسِ لا يلزمُ التَّمامُ ولا الكُلُّ، إنْ لم يكُن فِيهِ شيْءٌ على الأرجَح.
وعليَّ 674 ألْفٌ فِي هذا العبدِ يُفَسَّر بِجنايةٍ 675 تعلَّقتْ به، وكذا بِرهْنِهِ على الأصح، وبأنَّه أوصى لهُ مِن ثَمَنِهِ بألفٍ، وبأنَّه أقرضنِي ألفًا فصرفتُهُ فِي ثمنِهِ، وبأنَّه اشترى عَشَرةً بِهِ.
ومتى 676 قال: "على ألفٌ فِي هذا العبدِ" فهو التِزامٌ بالألْفِ 677.
و"فِي مِيراثِ أبِي ألْفٌ": إقرارٌ بالدَّينِ على أبِيهِ، ولم يحمِلُوه على الوَصِيَّة، مع أنَّها قد تتعلقُ بِالميراثِ فيما زاد على الثُّلثِ للأجنبِيِّ سِوى الوارِثِ 678 مُطلقًا.
و"فِي ميراثِي مِن أبي": وعْدٌ بِهَبةٍ، والإقرارُ بالهِبةِ لا يقتضِي قَبْضَها.
الجزء: 2 - الصفحة: 153
و"دِرهَمٌ فِي عشرة" يلزمُه درهمٌ إنْ أطْلق، وإنْ أراد الحِسابِ فعشرَةٌ 679 أو المعيةَ فأحَدَ عَشَرَ 680؛ كذا قالوا، وهُو مُخالِفٌ لِمَا سيأتِي فِي درهمٍ مع درهمٍ، وكأنَّ المُرادَ هنا انتِفاءُ الظَّرفيةِ والمُصَاحَبَةِ، فيلزمُ أحَدَ عَشَرَ.
وما تكرَّرَ بغيرِ عطْفٍ وإنْ كثُرَ لا يَلزمُ بِهِ إلَّا واحِدٌ.
وكذا إنْ عَطَفَ بِـ "بَلْ" أو "لكِنْ".
وفِي "دِرهمٍ ودِرهمٍ"، أو "ثُمُنِ درهمٍ"، يلزمُهُ دِرْهمان.
وفِي "درهمٍ ودرهمٍ" إن أراد العطف فدِرْهمان، وإلَّا فدرهمٌ.
ودِرْهمٌ مع دِرهمٍ أو معهُ أو فوقَ أو فوقَه أو تحتَ أو تحتَهُ أو على أو عليهِ: يَلزمُ فِي الكُلِّ درهمٌ.
وقبلُ وبعدُ أو قبلَه أو بعدَه: لَزِمَهُ درهمانِ على النَّص، وهو مُقتضى استِعمالِ الظُّهورِ، وهو خِلافُ القاعِدةِ.
ودِرهمٌ بلْ دينارٌ: يَلزمانِ.
ومَن أقرَّ بقدرٍ فِي تاريخَيْنِ أو بِلُغَتينِ أو بِمُطلقٍ ومُضافٍ: لا يلزمُهُ إلَّا واحِدٌ، وإنِ اختَلَفَا لزِمَ الأكثَرُ، فإنْ وَصَفَهما بِصِفتينِ 681 مُختلفتَيْنِ أو أضافهما إلى سببينِ مُختلِفينِ: لَزِمَا، ويُلَفَّقُ مِنْ شَاهِدَي إقرارٍ فِي تارِيخَيْنِ المتفقُ عليه لا 682 فِي الإنشاءِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 154
القاعدة الرابعة
:
يلزمُ العملُ بِمُقتضى الإقرارِ الصَّحِيح، ولَا يصِحُّ الرُّجوعُ عن جميعِهِ عقبَهُ ولا بعدَهُ، إلَّا فِي حدودِ اللَّه تعالى؛ كالزِّنا والسرقَةِ
ويصِحُّ اتِّصالُهُ برفْع بعضِهِ أو صفتِهِ، فـ: "لهُ عليَّ ألفٌ" 683 لا يلزمُ قطعًا 684، و: "مِن ثَمَنِ خَمْرٍ" ونحوه، يلزمُ على الأظهرِ إنْ أُخِّر الرَّافِعُ، وإلَّا فلا يلزمُ.
ويلزمُ فِي: "عليَّ ألفٌ قضيتُه، أو 685 أبرأتَنِي منهُ" و: "عليَّ ألفٌ مُؤَجَّلٌ 686 إلى وقتِ كذا" يُقبل إنْ ذكرهُ مُتَّصِلًا لَا فِيما لا يَقبلُ التَّأجيلَ، [كمَا تقدَّم فِي السَّلم، وإنْ ذكرَهُ مُنفصِلًا فلَا، إلَّا فِيما يتعيَّنُ 687 فيهِ التأجِيلُ] 688.
ولا يصِحُّ الإقرارُ المعلَّق كـ: "لهُ عليَّ ألفٌ إن شاء اللَّه تعالى"، أو: "إنْ شاء اللَّه لهُ عليَّ ألفٌ"، فلا يلزمُ العملُ بِهِ.
و"غصبتُ هذِهِ الدَّارَ من زيدٍ، بل مِن بكرٍ"، سُلِّمَتْ لزيدٍ، ويَغْرَمُ قيمتُها لبكرٍ على الأظهر لِلْحيلولةِ القوليةِ، واللَّه تعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 155
ضابط
ٌ:
كلُّ حيلولةٍ قوليةٍ فِي الغُرم بها قولان: الأظهرُ الغُرْمُ إلَّا فِي الشُّهودِ الراجعينَ بعدَ الحُكم فِي الطلاقِ البائِنِ، فإنَّهم يَغْرَمون قطْعًا، إذْ لا مُسْتَدْرِك له، ذكره فِي "النهاية" فِي النكاح.
وكلُّ حيلولةٍ قوليةٍ يَغْرَمُ المُحِيلُ فيها 689 إلا فِي صورٍ:
منها: اعترافُ السَّيِّدِ لمُدَّعِي المِلْكِ فِي عبدِهِ 690 بالمِلْكِ، ثُم يعترفُ للعبدِ بالعِتْقِ.
ومنها: لو قال بالِغٌ: "هذا أبي" 691، ثُم قال لغيرِهِ: "بل هذا أبي"، ومثلُهُ يَعْتَرِفُ 692 بالولاءِ لشخصٍ ثُم لغيرِهِ 693.
ومنها: يُقِرَّ بالسَّبْقِ لبعض ثلاثةٍ 694، ثُم يقرُّ بالسبقِ لآخَرَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 156
ولو قال: "غصبتُ هذِهِ الدارَ مِن زيدٍ 695، ومِلْكُهَا لبكرٍ" لم يَغْرَمْ لبكرٍ على المذهبِ.
وأما رَفْعُ بعضِ 696 المُقِرِّ بِهِ بالاستثناءِ فجائِزٌ إنِ اتَّصل، فالمستغرِقُ باطلٌ إلَّا إن أعقبه باستثناءٍ ناقِصٍ كعشرةٍ 697 إلَّا عشرةً إلَّا أربعةً، فيلزمُهُ أربعةٌ على الأقْيَسِ، وإنَّما يبطلُ المستغرَقُ 698 إذا كان باستثناءٍ واحدٍ؛ فأمَّا باستثنائَيْنِ 699 فيبطُلُ الأخيرُ 700 كعشرَةٍ 701 إلَّا خمسةً وإلَّا 702 خمسةً.
ولا يُجمع المُفرَّقُ فِي المعطوفِ فِي المُستثى منهُ ولَا فِي المُستثنى إلَّا إذا كان المُستثنى لو جُمِع مُفَرَّقُهُ 703 لم يستغرقْ، كثلاثةِ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهمًا ودِرْهمًا، فإنَّه يلزمُهُ درهمٌ.
والاستثناءُ مِن النَّفْي إثباتٌ، ومِنَ الإثباتِ نفيٌ، ونفيُ النَّفِي إثباتٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 157
وفِي عشرةٍ إلا تسعةً 704 وهكذا إلى واحِدِ يلزمُهُ خمسةٌ.
ومِن النَّفِي كـ: "ليس لهُ عليَّ شيءٌ إلَّا عشرةً" يلزم عشرةٌ 705.
وفِي "ليس لهُ عليَّ عشرةٌ 706 إلَّا خمسةً" لا يلزمهُ شيْءٌ على الأصحِّ.
ويصحُّ الاستثناءُ مِن المُعَينِ وغيرِ 707 الجِنس، ويُفسر فِي غيرِ الجِنس بِما لَا يستغرِقُ، [708 فإنْ فُسِّر بِما يَستغرِقُ بَطَلَ الاستثناءُ على الأصحِّ، وإنَّما يلزمُ العملُ بِمقتُضى الإقرارِ إذا كان فِي يَدِ 709 المُقرِّ، فلو أقرَّ بحريةِ عبدِ غيرِهِ، ثُم اشتراه حُكِم 710 بحُريَّتِهِ، ويكونُ فِداءً مِن جهةِ المُشْتري بَيْعًا مِن جِهةِ البائِع.
وليس لنا موضِعٌ يتبعَّضُ فيهِ العقدُ 711 هكذا إلَّا فِي هذا الموضِع.
وحُكمُ 712 الخيارِ تقدَّم فِي بابِهِ.
ويُوقفُ الولاءُ.
وإِنْ ماتَ فليسَ لِلْمشترِي أخْذُ شيء مِن مالِهِ، وَإِنْ قال: هُو حرُّ الأصل، وإن قال: "إنَّ بائِعَه أعتقهُ" فظاهِرُ النَّص كذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 158
وذَهَبَ الأكثرونَ إلى إثباتِ ما قالهُ المُزَنِيُّ مِن أنَّ المشتري يأخُذُ قدْرَ الثمنِ مِن تركتِهِ.
وفِي: "غَصَبْتُهُ مِن زيد" ثُم اشتراه، صحَّ على ما صحَّحوه، ويُسِلِّمُهُ لزيدٍ.
ولوِ استأجَرَ مَنْ أقرَّ بحُريتِهِ لم يحِلَّ لهُ استخدامُهُ، وللمُكْرِي مطالبتُهُ بالأُجرة، وليس لنا نظيرُهُ.
ولو قال: "مَن فِي يدِهِ عبدٌ: "هو لزيدٍ" فقال العبدُ: "أنا لِبكرٍ"، سُلِّم لزيدٍ، فإنْ أعتقه لم يسلَّمِ اكتسابُهُ إلى بكرٍ على الأرجح، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 159
باب العارية
هِي بتشدِيدِ الياءِ فِي اللُّغةِ المشهورةِ، نسبةً 713 إلى العارَةِ أو العَارِ، ويُقال: بتخفيفِ الياءِ 714، ويُقال: عَارَهُ، والمصدرُ: إعارةٌ، وأصْلُها مِن العارةِ، وهِي السُّرعةُ، أو: مِن "عَارَ" إذا ذَهَبَ وجَاءَ، أو: مِن التَّعاوُرِ وهُو التَّناوبُ، أو: مِن العَارِ، لأنَّ فِي طلبِها عارًا.
. آراء.
وهي فِي اللُّغة: عبارةٌ عن إذنٍ فِي استيفاءِ منفعةِ عينٍ بغير عِوَضٍ، وقد يُطلقُ على القرْضِ عاريةٌ.
وفِي الشَّرع: عبارةٌ عن إذنٍ مِن أهْلِ التَّبرُّع لأهلِ التَّبَرُّع عليه القابِلِ للضَّمانِ اختيارًا فِي استيفاءِ منفعةٍ مملوكةٍ أو مختصَّةٍ قويَّةٍ مباحةٍ معلومةٍ بِلا عِوض مع بقاءِ مِلْكِ الرَّقبةِ 715، قيل: أو عين تابعةٍ للرقبةٍ، ورُجِّح، وقيل: هي هبةٌ للمنافِع مع استيفاءِ ملْكِ 716 الرقبةِ 717.
الجزء: 2 - الصفحة: 160
وأصلُها قولُه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فسَّره جَمْعٌ بما يُستعار.
وعنِ ابنِ مسعودٍ -رضي اللَّه عنه-: كُنَّا نعدُّ الماعونَ على عهدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عاريةَ الدَّلْوِ 718 والقِدْرِ.
أخرجه أبو داود 719.
وفِي "الصحيحين" عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّه -رضي اللَّه عنهما- عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا سُئل عنْ حقِّ الإبِلِ والبقرِ والغنمِ قال: "إطْرَاقُ فحْلِها، وإعارَةُ دلوِهَا، ومِنْحَتُها" 720.
وقد استعارَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فرسًا لأبِي طلحةَ.
رواه الصحيحان 721.
الجزء: 2 - الصفحة: 161
وعن أُميةَ بنِ صفوانَ عن أبيهِ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- استعارَ مِنهُ 722 يومَ حُنينٍ أدراعًا وقال: "عَارِيَة مَضْمُونَةٌ".
رواه أبو داود والنسائي 723. = فركب، فلما رجع قال: "ما رأينا من شيءٍ، وإن وجدناهُ لبحرًا".
ورواه مسلم (2307) وأبو داود (4988) والترمذي (1685، 1686) وغيرهم
الجزء: 2 - الصفحة: 162
وعن أبي أُمامة سمعتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "العارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ".
رواه أبو داودَ والترمذيُّ وابنُ ماجه 724 وقال: حديثٌ حسنٌ 725. = حفظهم بالاشتغال عن الحديث؛ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وشريك، وقيس ابن الربيع، ثم إن شريكًا مدلس ولم يذكر السماع.
. انتهى.
* وقال الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 116): يبقى الإشكال في الروايتين إحداهما قال "بل عارية مضمونة" والأخرى قال: "بل عارية مؤداة" والروايتان عند أبي داود والنسائي كلاهما في عارية صفوان.
. قال صاحب "التنقيح" بعد ذكره الروايتين: وهذا دليل على أن العارية منقسمة إلى مؤداة ومضمونة.
. قال: ويرجع ذلك إلى المعير، فإن شرط الضمان كانت مضمونة وإلا فهي أمانة، قال: وهو مذهب أحمد، وعنه أنها مضمونة بكل حال، وقال أبو حنيفة: لا يضمن إلا إذا فرط فيها، وحجته ليس على المستعير غير المغل ضمان انتهى.
قلت: بل هما واقعتان يدل عليه ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" في أثناء البيوع أخبرنا معمر عن بعض بني صفوان عن صفوان أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استعار منه عاريتين إحداهما بضمان والأخرى بغير ضمان.
. انتهى.
قلت: وإسناده ضعيف، فلا يصلح مستندًا لهذا الترجيح، واللَّه أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 163
وهِي مجمعٌ على جوازِهَا.
وقد قيل: كانتْ واجبةً فِي ابتِداءِ الإسلام، ثُم 726 نُسِخَ ذلك، وقد تَجبُ الآن لعارِضٍ، على قولٍ أو رأي أو جزمًا.
فعاريةُ الجدارِ لوضْع جُذُوع الجارِ تجِبُ على قولٍ نُسب إلى القدِيم، ونصَّ عليه فِي البُويطي، لحديثِ أبي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَمْنعَنَّ جارٌ جارَهُ أَنْ يغرِزَ خشبَهُ فِي جدارِهِ" أخرجاه فِي "الصحيحين" 727. = الشام أصح، هكذا قال مُحمدُ بنُ إسماعيل.
. سمعتُ أحمد بن الحسن يقُولُ: قال أحمدُ ابنُ حنبلٍ: إسماعيلُ بنُ عياشٍ أصلحُ بدنًا من بقية، ولبقية أحاديثُ مناكيرُ عن الثقات.
. وسمعتُ عبد اللَّه بن عبد الرحمن يقُولُ: سمعتُ زكريا بن عدي، يقُولُ: قال أبُو إسحاق الفزاري: خُذُوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخُذُوا عن إسماعيل بن عياشٍ ما حدث عن الثقات ولا غير الثقات.
انتهى.
قلت: وهذا يعتبر من قبيل المبالغة غير المقبولة، فحديث إسماعيل بن عياش مقبول إذا كان عن الثقات من أهل بلده، وقد يحمل كلام الفزاري على رواية إسماعيل بن عياس عن الثقات من غير أهل بلده.
الجزء: 2 - الصفحة: 164
وشرطوا للوجوبِ أَنْ لا يحتاجَ المالكُ لوضْع جُذُوعِهِ، وأنْ لا يزيدَ الجارُ فِي ارتفاع الجِدارِ، ولا يبنِي عليه أزجًا، ولا يضعُ عليهِ ما يضُرُّ الجدارَ، وأنْ لا يَمْلِكَ لما يُسْقِفُ عليه شيئًا مِن الجدرانِ، أو لا يملِكُ إلَّا جدارًا واحِدًا.
وقيل: لا تجِبُ إلَّا أن يملِكَ 728 صاحِبُ الجُذُوع ثلاثَةَ جُدُرٍ، واحتاج لِرابع 729.
وعاريةُ كتابٍ كَتَبَ صاحِبُهُ عليهِ 730 سماعَ غيرِهِ، أو كتَبَ بإذنِهِ، تجِبُ على رأي الزُّبيريِّ ليكتبَ نُسخةَ سماعِهِ 731.
وقد تجِبُ جَزْمًا عند تعيُّنِها لدفْع المفسدةِ كوجودِ مريضٍ مُلْقى فِي 732 الطريقِ، ودفْنِ ميتٍ فِي أرضِهِ حيثُ تعذَّرَ الاستِئْجارُ.
ولا بُدَّ مِن لفظٍ دالٍّ على الإذْنِ فيها كـ: "أعرْتُك"، أو: "خُذْهُ لِتنتفِعَ بِهِ"، أو ما أشبهُهُ، أو "أعِرْنِي" فتعطِيه 733، فيُعتبرُ اللفظُ مِن طرفٍ على المرجَّح 734.
واعتبرَهُ الغزالِيُّ مِن جهة المُعيرِ 735، ولم يعتبرْهُ المُتولِّي مِن الطرفَيْنِ، واكتَفَى بالدِّلالةِ على الإذنِ، كبسْطِ فُرُشٍ للضيفِ ونحوِهِ، بخلافِ فُرشٍ
الجزء: 2 - الصفحة: 165
مبسوطٍ لغيرِ مُعينٍ، فإنَّه لا يكونُ عاريةً لِمن جَلَس بلا تَعَدٍّ.
واستعمالُ الظرفِ المبعوثِ فيهِ الهديةِ بأكلِ ما فِي القصْعةِ ونحوِهِ يكونُ بالعارية عندَ العبَّادي.
والأرجحُ أنه يكون.
هبةً للمنفعةِ أيضًا، فلا 736 يكونُ ضامِنًا، كمَا أنَّ هبةَ 737 منافِع الدارِ لا تكونُ إعارةً للدارِ على الأرْجَح.
ولا تصِحُّ مِن صبيٍّ ولا سفيهٍ إلَّا فِيما يتعلَّقُ ببدنِهِ غير مقصودٍ، وإلَّا فِي مثْل إذْنِ الأبِ فِي خدمةِ الصغيرِ فِيما لا يقصدُ، ولا مِن العبدِ ولو مكاتبًا إلَّا بإذْنِ سيدِهِ.
ولا يستعيرُ الصبيُّ ولا السفيهُ ولا العبدُ ولو مُكاتبًا 738 إلَّا بإذْنِ سيدِهِ.
ولا تَجوزُ إعارةُ طعام 739 لأنَّ منفعتَه باستهلاكِهِ.
وللمستأجِرِ أن يُعيرَ، وكذا الموقوفِ عليه، والموصَى له بالمنفعةِ.
وليسر للمُستعِيرِ أَنْ يُعيرَ بغيرِ 740 إذنٍ 741 فِي الأصحِّ؛ ولكِنْ 742 لهُ أن يستنِيبَ
الجزء: 2 - الصفحة: 166
كمن يرسلُهُ فِي حاجتِهِ 743 على دابَّةٍ استعارَهَا للرُّكوبِ إذا لم يكنْ أثقلَ منهُ.
وتَصِحُّ مِن صاحِبِ الكلبِ إعارتُهُ لأنه مُختصٌّ بمنفعتِهِ، وكذا الهَدْيُ والأُضحيةُ المنذورانِ 744 للرُّكوبِ، وكذا جلدُ الأُضحيةِ.
ولا تَصحُّ إعارةُ الدراهِم والدَّنانيرِ على الأصحِّ، لأن منفعتَهُما للتزيينِ وهِي ضعيفةٌ 745، فإنْ صَرَّح بالاستعارةِ للتزيينِ صحَّ فِي جوابِ المُتولِّي ومَن تَبِعَهُ.
والتحقيقُ: لا فرْقَ.
وأمَّا تُفاحةٌ للشَّم 746 ونحوِ ذلك، فيظهرُ الجوازُ بخِلافِ الإجارةِ لاعتبارِ 747 المقابلة فِيها.
وتحرمُ إعارةُ الصيدِ مِن المُحْرِمِ، والجاريةِ للاسْتمتاع، وكذا الحسناءِ للخِدمةِ مِن غيرِ مَحْرَمٍ، أو امرأةٍ، وتفسدُ، خِلافًا للغزالِيِّ.
وتكرهُ استعارةُ أحدِ أصولِهِ للخِدمةِ، وكذا المسلِم مِنَ الكافِرِ 748.
ولا بُدَّ مِن تعيينِ نوع المنفعةِ فِيما يُنتفعُ بِهِ بأنواع؛ فإنْ عمَّم فوجهان، الأرجحُ الجوازُ، و"أعرتُك حِمارِي لِتعلِفَهُ" ونحوه، إجارةٌ فاسدةٌ تُوجبُ
الجزء: 2 - الصفحة: 167
أجرةَ المِثلِ دونَ ضمانِ الرَّقبةِ (1).
ومِن ذلك يُعلمُ أنَّ النفقَةَ على المالِكِ دونَ المُستعيرِ، وهو الصَّوابُ، خِلَافًا للقاضِي الحُسين.
وإنْ تبرَّع المستعيرُ بِها لم يرجِعْ، ويصحُّ عند القاضِي أبي الطَّيْبِ، ومَن تبِعَه إعارةُ الشاةِ لأخذِ لبَنِها، والشجرةِ لأخْذِ ثمرتِها، ونحو ذلك.
وتصحُّ إعارةُ الفحْلِ للضِّراب قطعًا، وليس لنا عاريةُ عينٍ لعينٍ إلَّا فِيما ذُكر، ولا يُعتبر تعيينُ المُستعارِ عندَ العارِيةِ عند المتولِّي.
وقواعِدُ البابِ ثلاثٌ
(2): *
الأولى
: الانتفاعُ بحسبِ الإذْن فِي التَّعميم والتَّخصِيصِ والمُعتادِ، وينتفعُ مثلَ المأذونِ ودونهُ ما لم يُنْهَ (3).
الثانية
: وجوبُ ردِّها ومَؤنَتُه عندَ ارتِفاع العارِيَةِ وضمانُها على المُستعيرِ، ولو749750751
الجزء: 2 - الصفحة: 168
أرْكبَ تصدقًا ويضمنُ 752 عند حصولِ التَّلف لا بالاستعْمَالِ الجائِزِ، إلَّا فِي عَقْدِ الظَّهْر عند القفَّالِ، وإلَّا 753 فِي الهَدْي والأُضحيةِ، ويضمنُ المُعيرُ أيضًا 754.
وليس لنا عاريةٌ جائِزةٌ -مَعَ العِلْم بالحالِ- يضممنُ المُعيرُ فِيها إلَّا فِي هذهِ الصورةِ.
ويُسْتثنى مِن القاعدةِ على المرجح:
المستعارُ للرهْنِ إذا تَلِفَ فِي يدِ المرتَهِنِ 755 والمستعارِ مِن مستأجِرٍ خِلافًا لترجيح الهروِي أو من موصًى 756 لهُ بالمنفعةِ على الأصحِّ 757.
وخرَّجْتُ على ذلك: المستعارُ من موقوفٍ عليه أو مِن 758 مالِكِ منفعةٍ بصداقٍ أو خُلْعٍ أو صُلْحٍ أو سَلَمٍ، فإنَّ جَمِيع ذلك لا ضمانَ حيثُ لا تعدٍّ لا بتأييدِ المُستعيرِ على يدِ مُستحقِّهِ للمنفعةِ ليستْ ضامنةً للعينِ.
وكذلك لا ضمانَ فِي جِلْدِ الأُضحيةِ، والكلبُ لَا ضمانَ فيهِ، ولا فِيما استعارهُ الصَّبيُّ والسفيهُ، إلَّا إذا أتلفاهُ] 759.
الجزء: 2 - الصفحة: 169
ولا 760 ضمانَ فِي إعارةِ الدَّراهِم والدَّنانِيرِ إذا 761 فرَّعنا على بُطلانِ العارِيةِ على الأفقهِ إذْ لَا منفعَةَ لَهَا تُستعارُ بِسببها 762، فلم تُوجدِ العارِيةُ؛ خلافًا لِمن صحَّح خِلافَ ذلك.
وعلى هذا تنطَبِقُ قاعدتُهُم: الفاسدُ كالباطِل إلَّا فِي الحجِّ، والعارِيةِ، والخُلْع، والكِتابةِ.
ولا يميلُ للبطلانِ 763 الذِي لَا ضمانَ فيهِ بما يستعيرُهُ الصبِيُّ والسفيهُ؛ لأنَّ عَدَمَ الضمانِ جاء مِن تفريطِ المُعيرِ.
وكلُّ عقدٍ توجَّه 764 الإبطالُ فيهِ لِعدم أهلِيَّةِ العاقِدِ يُخالِفُ 765 الفاسِدَ كما فِي الإجارةِ والرهنِ، ونحوِهِما، فيَضمنُ الواضِعُ فِي الباطِلِ دونَ الفاسِدِ.
وكذا يخالِفُ الفاسدُ الباطلَ فِي البَيْع مِن غيرِ الأهلِ أو بما لَا يُقصدُ 766، فيُحَدُّ لو وَطِئَ مع العِلْم، بِخِلافِ الفاسِدِ للشبهةِ فيهِ فكثيرٌ ما يردُ على قاعدتِهِم.
الجزء: 2 - الصفحة: 170
ولهم ضابطٌ، وهو (1) فاسدُ كلِّ عقدٍ كصحيحِهِ فِي الضَّمانِ وعدمِهِ، فإنْ أُريد بالفاسِدِ ما يعمُّ الباطِل استثني ما سبق فِي الدراهِم والإجارةِ والرهنِ من غيرِ الأهْل كالصَّبيِّ والسفيهِ.
واستثنى القاضِي الحُسينُ مِن الضَّابِطِ الشِّرْكةَ، فإنْ صحيحَهَا لا ضَمانَ فيهِ بأجرةٍ بِخِلافِ فاسِدِها، والمسابقةُ والمناضلةُ صحيحُهُما مضمونٌ بِما سُمِّي، وفاسِدُهُما لا ضمانَ فيهِ.
والأصحُّ فِيهما وجوبُ الأُجرةِ.
ومِمَّا يُستثنى: الهبةُ الصحيحةُ لا ضمانَ فيها، والفاسدةُ تُضمنُ على رأي مرجوح.
[وضمانُ العاريةِ] (2) بقيمةِ يَوْمِ التَّلفِ على الأصحِّ، كالمُسْتِام عندَ قومٍ (3).
وسبقتْ قاعدةُ المضموناتِ فِي القَرْضِ.
* القاعدةُ الثالثةُ:
الجوازُ مِنَ الجانِبينِ فِي المُطْلَقةِ والمُقيدةِ، إلَّا إذا استعار أرضًا لدفْنِ ميتٍ محترَم ودُفِنَ: فإنه لا يرجِعُ ما 770 لم يندرِسْ أثرُ المدفونِ.767768769
الجزء: 2 - الصفحة: 171
ولم يُجَوِّزوا له الرجوعَ وَطَلَبَ 771 الأُجرةِ مِنَ المُستعيرِ إلى الاندِراسِ، ولو قيل بهِ لم يبعُدْ، إلَّا 772 إذا استعار للرَّهنِ وَرَهَنَ، وقَبَضَ المُرْتَهِنُ، وقد سبق التنبيهُ على هذا 773 فِي باب الخيار.
ويُزاد على ذلك كلُّ موضِعٍ تجِبُ فيهِ العاريةُ فَلَا رجوعَ فيها.
وإذا استعار لِوضع الجُذُوع حيثُ لَا وجوبَ، فلهُ الرُّجوعُ على الأصحِّ، فيتخيَّرُ بينَ الإبقاءِ بأجرةِ المِثلِ والقلْع 774 وضمانِ أرْشِ النقْصِ.
وتنفسِخُ التِي يرجِعُ فيها 775 بالموتِ 776 والجنونِ والإغماءِ وحَجْرِ السَّفهِ 777.
وإذا رَجَعَ المُعيرُ والزرعُ فِي الأرضِ، فإنْ كانَ يُعتاد قَطْعُهُ كُلِّف قَطْعَهُ، وإلَّا بَقِي بأجرةٍ المِثل على الأصحِّ، وإنْ كان بناءً أو غراسًا 778 موضوعًا بِمُقتضى العارِيةِ، ولم يمكنْ رفعُهُ إلَّا بنقصٍ، ولم يُشترطِ القلْعَ، فالنصُّ أنَّه يتملَّكُهُ 779 بقيمةِ يومِ التلفِ 780.
الجزء: 2 - الصفحة: 172
وفهِمَ الأصحابُ مِنَ النَّصِّ دفْعَ الضررِ، فخيَّروا 781 مالكَ الأرضِ أو مَنِ انتقَلَ إليه منهُ بينَ أَنْ يقلعَ ويضمَنَ 782 ما نَقَصَ مِن ثمرتِهِ وقيمتِهِ قائمًا بالصِّفةِ المذكورةِ.
ومَؤُنةُ القَلْع على صاحِبِ البِناءِ على الأصحِّ، وبينَ أَنْ يتملَّك بالقيمةِ، وبين أن يبقى بالأجرة، وما اختارَهُ المالِكُ مِن ذلك، ووافقه عليه صاحِبُ البناءِ، أو مَن انتقل إليهِ منه فُعِلَ.
فإنْ أبى، فإنْ كان الذِي اختارهُ صاحِبُ الأرضِ القلعَ وضمانَ أرْشِ النقص كُلِّف صاحِبُ البناءِ 783 القلعَ مجَّانًا على وجهٍ، والأصحُّ 784 بالأرْشِ.
وإنِ 785 اختارَ التملُّكَ بِالقيمةِ أُجيبَ إليهِ على مُقتضَى النصِّ، وقال به كثيرٌ مِن الطريقينِ كالشَّفيع، ورجَّح جمعٌ تكليفَ التَّفرِيع على ما سَبَقَ.
وإنِ اختارَ الإبقاءَ بالأُجرةِ فأبى، كُلِّف التفريعُ على ما سَبَقَ.
وإن لم يختَرِ المُعيرُ شيئًا أعرَضَ الحاكِمُ عنهما على الأصحِّ.
وإذا قَلَعَ المُستعيرُ باختيارِهِ لزِمهُ تسويةُ الحُفَرِ على الأصحِّ، إلَّا أن يشترِطَ القَلْعَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 173
- فائدة:
شروطُ التخييرِ بينَ الخِصالِ الثلاثِ فِي الأبوابِ كلِّها:
- أن لَا يكونَ لصاحِبِ البناءِ شركةُ منفعةٍ فِي الأرضِ أو رقبتِها، فإنْ كان تعذَّر القلعُ والتمليكُ بِالقيمةِ عندَ المُتولي.
والتحقيقُ أنه لا يتعذَّرُ بل يتملَّكُ بقدْرِ نصيبِهِ مِنَ الأرضِ، ولا يتعذَّرُ الإبقاءُ بالأُجرةِ. - وأن لا يكونَ البناءُ والغِراسُ وقفًا؛ فإنْ كان تعذَّرَ تملَّكَه 786 بِالقيمةِ.
- وأن لا تكونَ الأرضُ موقوفةً، فإن كان، تعذَّرَ التملُّكُ بِالقيمةِ 787 والقلْع وضمانِ أَرْشِ النَّقْصِ مِن مالِ الوقفِ، وكذا مِن مالِ النَّاظِرِ، لتحقُّقِ فواتِ الأُجرةِ لِمُتَوَهِّم.
- وأن يكونَ وُضِع بِحقٍّ 788 فِي غيرِ مِلكٍ أو فِي مِلكٍ ارتفع سببُهُ، فإنْ وُضِع بغصِبٍ أو شراءٍ فاسدٍ تعذَّرَ التملُّكُ 789 بالقيمةِ على الأصحِّ لإمكانِ القَلْع مَجَّانًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
وما وُضع فِي مِلْكٍ لم يرتفِعْ سببُهُ، أو بِما 790 انقطع المِلْكُ فِيهِ كما فِي صورةِ بائِع الأرضِ أو واهبها أو نحو ذلك يبقى البناء والغراس له، فتتعذر الخصال كلها، ويتعين الإبقاء بغير أجرة.
وما ارتفَعَ سببُهُ بِرَدٍّ بعيبٍ أو رُجُوعٍ فِي هبةٍ أو أَخْذٍ بشفعة فِي مفْرُوزٍ بقسمةٍ صحيحةٍ مَعَ بقاءِ الشُّفعةِ، فإنه يأتِي فِيهِ التَّخييرُ كما فِي العارِيةِ.
فأما فِي الفَلْسِ 791: فإنِ اتفَقَ الغُرماءُ والمُفلسُ 792 على القلْع 793 قُلِع، ويلزمُهُ تسويةُ الحُفَر 794 وغَرْمُ أرْشِ نقْصِ الأرْضِ مُقدمًا.
وعند الشيخ أبي حامِدٍ: بالحِصَّةِ.
وإن اختلفا فُعِلت المصلحةُ.
فإنِ امتنعوا فلا يرجعُ البائِعُ إلَّا على أَنْ يتملَّكَ البنَاءَ والغِراسَ أو يُقلعَ بالأرْشِ.
فإنْ كان الغِراسُ اشتراهُ المُفلسُ وغَرَسَهُ، ورَجَعَ فيهِ صاحِبُهُ فلِصاحِبِ الأرْضِ قلْعُهُ مجَّانًا على وجهٍ، لأنَّ صاحِبَهَ باعهُ مُفردًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 175
والزرعُ تقدَّم حُكْمُه إذ ليس يُطلبُ للبقاءِ، فإنْ كان يَبْقى سِنِين 795، فهو كالغِرَاسِ.
والجذعُ تقدَّم ولَا يأتِي فيهِ التَّمليكُ إذِ الجِدارُ تابعٌ لا يصلُحُ أَنْ يكونَ مَتْبوعًا.
- فرعٌ: إذا اختلَفَ المالِكُ 796 مع الزَّارع 797 أو الرَّاكِبِ، فادَّعى المالِكُ الإجارَةَ وغريمُهُ الإعارَةَ قبلَ مُضِيِّ مُذَةٍ لِمثلِها أجرةٌ، فالقولُ 798 لنا فِي الإجارةِ بيمينِهِ 799، وبعدَ المُضيِّ القولُ للمالِكِ بِيمينِهِ فِي إلزامِ 800 أُجرةِ المِثلِ 801، لَا فِي إثباتِ 802 المُدَّةِ والمُسمَّى 803.
الجزء: 2 - الصفحة: 176
ولوِ انعَكَسَ التَّقديرُ 804 فالقولُ للمالِكِ بِيمينِهِ، ولا 805 فِي دَعْوى الغَصْبِ.
وحيثُ حَصَلَ الاختِلافُ فِي الجِهةِ لَا يضرُّ على الأصحِّ، وتفارِيعُ هذا تُعرفُ مِنَ الدَّعاوَى 806.
الجزء: 2 - الصفحة: 177
باب الغصب
هو لغةً: أخذُ الشيءِ ظُلمًا، وقِيل: أخْذُ الشيْءِ جهْرًا بغلبةٍ وقوةٍ، والشيْءُ مغصوبٌ وغصْبٌ أيضًا.
وشرعًا: الاسْتيلاءُ على حقٍّ مُحتَرَمٍ لِغيرِهِ تعدِّيًا، ولو فِي مِلْكِهِ كغَصْبِ الرَّاهِنِ أو المُؤجِّرِ مِلْكَهُمَا 807.
وقد يُلحقُ بِهِ فِي حُكْمِهِ التَّعدِّي فِيما كانتِ اليدُ فِيه لحقٍّ 808 مِن وديعةٍ ورهنٍ واستعمالِ مَن لم يقصِدِ التَّعدِّي، كَمَنْ لَبِسَ ثوبَ وديعةٍ ظنَّه له، ولا يُلحقُ بِهِ استنِقاذُ مالِ مسلِمِ مِن حرْبِيٍّ، فلَا يضمنُ على النصِّ المقطُوع بِهِ.
والأصلُ فِي تحريمِهِ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا 809 تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ 810.
والعموماتُ فِي تحرِيم الظُّلْم تتناولُ الغصْبَ، وقد قال النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي
الجزء: 2 - الصفحة: 178
خُطبتِهِ فِي حَجَّته: "إنَّ دماءَكُم وأموَالَكم وأعراضَكُم حرامٌ عليكُم" رواه الصحيحان 811. وعنِ السَّائِبِ بنِ يزيدَ، عن أبِيهِ، قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يأخُذُ أحدُكُم متاعَ أخيه جادًّا ولا لاعِبًا، وإذا أخَذَ أحدُكم عَصَا أخِيهِ فلْيَرُدَّها إلَيهِ" رواه أبو داود والترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ 812. وعن أنسٍ أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلِمٍ إلا بطِيبِ نفسِهِ" رواه ابنُ ماجه 813.
الجزء: 2 - الصفحة: 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحارث بن محمد الفهري لا يعرف مجهول، وفيه أيضًا عبد اللَّه بن منيب الربعي قال الرازي يحل ضرب عنقه.
حديث ابن عباس: أخرجه البيهقي (6/ 97) من طريق ابن أبي أويس عن أبيه عن ثور ابن زيد الأيلي عن عكرمة عن ابن عباس.
. . الحديث، وفيه: "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفسٍ.
. .". وابن أبي أويس، هو إسماعيل، قال في "التقريب": "صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه".
وقال الشيخ الألباني رحمه اللَّه عن هذا الإسناد: (هذا إسناد حسن، أو لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم رجال الصحيح.
.) اهـ. من "الإرواء" (5/ 281).
قلت: نعم، رجاله رجال الصحيح، ولكن ابن أبي أويس قد تكلم فيه بما يقدح في صحة حديثه، ولهذا طرحَ النسائيُّ حديثه، وقال الدارقطني: "لا أختاره في الصحيح"، وإن كان البعض قد أثنى عليه، ولكن:
قال الحافظ في "هدي الساري" (ص 410):
(وروينا في "مناقب البخاري" بسندٍ صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له في ينتقي منها، وأن يُعْلمَ له على ما يحدث به ليحدث به، ويُعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إن شاركه فيه غيره، فيعتبر به) اهـ.
وأبو إسماعيل، وهو عبد اللَّه بن عبد اللَّه: "صدوق يهم" - كما قال الحافظ في "التقريب".
وأخرج الدارقطني، حديث ابن عباس من وجهٍ آخر بإسناد واهٍ فيه العرزمي، وهو متروك!
حديث عمرو بن يثربي: أخرجه أحمد (3/ 423)، (5/ 113)، وابنه عبد اللَّه في "زوائده على المسند" (5/ 113)، والطبراني في "الكبير" - كما في "المجمع"، وفي "الأوسط"، والطحاوي في "المشكل" (4/ 41 - 42)، والدارقطني (3/ 25)، وفي "شرح المعاني" (2/ 340)، والبيهقي (6/ 97): كلهم من طريق عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي.
. . الحديث، وجاء فيه: "ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه.
. .". =
الجزء: 2 - الصفحة: 180
وعن سعيدِ بنِ زيدٍ عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِن الأرْضِ ظُلْمًا طَوَّقه اللَّه إيَّاهُ يَوْمَ القِيامةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" أخرجهُ الصحيحان، واللفظُ لمسلِم 814.
ولهُما عن عائشَةَ -رضي اللَّه عنهما- بِمعناهُ 815.
وللبخارِيِّ عنِ ابنِ عُمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامةِ إلَى سَبْع أرَضِينَ" 816.
ولِمُسلِم عن أبِي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- بمعنى ما تقدَّم 817.
وليس فِي الأحادِيثِ: "مَنْ غَصَبَ".
وعلى الغاصِبِ الرَّدُّ 818 فِي كُلِّ وقتٍ ما دام التَّعدِّي قائِمًا مَعَ بقاءِ المغصوبِ أو بعضِهِ فِي المملوكِ أو المُختَصِّ، ولو حَدَثَتْ 819 فِيهِ صِفةٌ أو انتقَلَ مِن عينٍ إلى عيْنٍ أُخرى كبيضٍ تفرَّخ وبذْرٍ زَرَعَه، أو حَدَثَ المِلكُ عنده
الجزء: 2 - الصفحة: 181
كجلدٍ دَبَغَهَ أو خمرٍ صار خَلًّا.
* ويُستثنَى مِن وُجوبِ الرَّدِّ ثَمانِ صُورٍ:
- إحداها: إذا مَلَكَ الغاصِبُ بالغصْبِ وذلك فِي حربيٍّ غصبَ مالَ حربيٍّ، ولا يُملكُ بالغصبِ إلَّا فِي هذِهِ الصورةِ إذْ لَا احتِرَام هنا.
- الثانية: غَصَبَ خَيطًا وَخَاطَ بِهِ جِراحةَ حيوانٍ مُحتَرَمٍ، فلا يُنزعُ ما دام حيًّا وكذا لو بَلِيَ.
- الثالثة: غَصَبَ لَوحًا، وأدخلَهُ فِي سفينةٍ، وكانت فِي لُجَّةٍ، وخِيفِ مِن نَزْعِهِ هلاكُ مُحتَرَمٍ مِن السَّفينةِ أو غيرِها، ولو للغاصِبِ على الأصحَّ، فلا يُنزع فِي هذِهِ الحالةِ، ولا يُنزعُ لوحٌ أدخلهُ فِي بنائِهِ وَعَفِنَ.
- الرابعة: الخمرةُ غيرُ المحترَمَةِ -وهي التِي تُعصَرُ على قصْدِ الخمْرِ- إذا غُصبتْ من مُسلم لا تُرَدُّ عليهِ، وتُراق بِخِلافِ الذِّمِّي، إلَّا إذا أظهَرَ شربَها أو بيعَها.
والتحقيقُ: لا تُستثنى هذِهِ، فلا يُتحققُ فيها الغصبُ الشرعيُّ. - الخامسة: غَصَبَ عصيرًا فتخَمَّر عنده يُرِيقُهُ ولا يردُّه، والتحقيقُ حملُهُ على ما قبلها.
- السادسة: الخلْطُ الذِي لا يُمكنُ تمييزُ المغصوبِ معه لا يجِبُ فيهِ الردُّ، ويكونُ كالهالِكِ حُكما، ويملِكُهُ الغاصِبُ على ما صرَّح بِهِ جماعةٌ، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 182
خلافُ أصلِ الشَّافِعِي فِي البابِ، والأرجحُ ثبوت الشِّركةِ فيردُّ منه 820 مع أرْشِ النقْصِ فِي الخلْطِ بالأردَإِ، وفِي الأجودِ يُباع، ويُقسم الثَّمنُ على نسبةِ القِيمةِ، ولا يرد منه وهذه مَحلُّ الاستثناءِ.
- السابعة: كلُّ عينٍ غرَّمناِ 821 الغاصِبَ بَدَلَها لِما أحدَثَ فِيها إمَّا على الأصحِّ أو على رأي، وهِي باقيةٌ: لا يجِبُ ردُّها على وجهٍ، وذلِك كَمَا فِي الحِنطةِ تبتلُّ بحيثُ تسْرِي إلى الهلاكِ ونحوِ ذلك، والتحقيقُ: لا تُستثْنَى ولا الأُولى، إلَّا أن يُرادَ بزوالِ التَّعدِّي ما كان مأذونًا فِيهِ شرْعًا.
- الثامنة: إذا نَقَلَ التُّرابَ عنِ الأرْضِ غَصْبًا ولا غَرَضَ لهُ فِي ردِّهِ لَا يردُّه 822 إلَّا بإذْنِ المالِكِ على الأصحِّ 823، وفِي حَفْرِ البِئْرِ لهُ طمُّها إلَّا إذا رضي المالِكُ بِعدَمِ 824 الطَّمِّ، ولا غَرَضَ إلَّا رفْعُ خطرِ ضمانِ ما يسقطُ فيها بالحفْرِ، وكذا لو مَنَعَهُ مِن الطَّمِّ عند المُتولِّي، خِلافًا للإمام.
- ضابطٌ: مَؤُنَةُ الردِّ واجِبةٌ على الغاصِبِ بِلا 825 خِلافٍ إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ وهِي الخمرةُ المُحتَرَمةُ، فإنَّ الواجِبَ فيها التَّحلِيةُ 826 عندَ المُحقِّقِين.
الجزء: 2 - الصفحة: 183
وَقَطَع الشيخ أبو محمَّدٍ بِوجُوبِ مُؤْنتِهِ وهِي واجبةٌ (1) لأنَّ صاحِبَها يَغْرَمُ على نقلِها ما يضمنُ مِثلَهُ، وينبغِي أن يَجْرِي ذلك فِي الكلْبِ ونحوِهِ، ولم يذكرُوه، بل جَزَموا بوُجوبِ مَؤُنة الرَّدِّ.
* والغاصبُ ضامنٌ وإن كان غيرَ مكلَّف إلَّا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ:
- أحدها: الحربِيُّ إذا غَصَبَ مالَ مُسلم أو ذِمِّيٍّ فإنْ أسلم أو عُقدتْ له ذِمَّةٌ بعدَ الفواتِ فلا ضمانَ أيضًا، وإنْ كان قبلَهُ وَجَبَ الردُّ، ويُعلقُ الضمانُ حينئذٍ.
- الثاني: الباغِي إذا غَصَبَ شيئًا فِي حال القِتال و 828 أتلفَهُ أو تَلِفَ فِي حال القِتال بسبب 829 لقتال كما لو اختُطِف منه آلةُ حرْبٍ 830 فَخَرَقها أو رماها البَحْر مثلًا، فلا يضمنُ على أصحِّ القولين، كما لا يضمنُ 831 العادِلُ قطعًا.
- الثالث: أهلُ الشَّوكةِ بِلا تأويل 832 حُكمهُم فِي ذلك كالبُغاةِ على الأصحِّ.
- الرابع: أهلُ الشَّوكةِ مِن المُرتدِّينَ، فيهم القولان كالبُغاة، وأظهرُهما 833827
الجزء: 2 - الصفحة: 184
عند بعضِهم: لا ضمان، خِلافًا للمزنِيِّ والبغويِّ 834.
- الخامس: غَصَبَ العبدُ غيرُ المكاتَبِ شيئًا 835 لمالِكِه، وأتلفَهُ لا ضمانَ عليه.
- السادس: غَصَبَ مَا لَا قيمةَ له، ولكنه مِن جِنس المتقوَّم، وأتلفهُ، لا ضمانَ، نصَّ عليه.
- السابع: غَصَبَ عبدًا يجبُ قتْلُهُ لحقِّ اللَّه تعالى بردَّةٍ ونحوِها، فقتَلَهُ أو تَلِفَ فِي يدِهِ بالحالةِ المذكورةِ لا ضمانَ عليه.
- الثامن: جميعُ المختصَّاتِ من خَمْرٍ وكلب وسِرْجِين، ونحوها، إذا أُتلفت أو تَلَفَتْ 836 تحت اليدِ العاديةِ لا ضمان فيها، سواء كانت لمسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ.
- التاسع: منفعةُ الكلبِ المغصوبِ لا تُضمنُ أيضًا وصيدُهُ للغاصِبِ.
- العاشر: الصبيُّ الذي لا تمييزَ له أو المجنونُ 837 الضاري اختَطَفَ 838 شيئًا وأتلفَهُ، ففِي تعلُّقِ 839 الضمانِ بِهما وجهان، ذكره الشيخُ أبو محمد، ولو أَمَرَهما آمِرٌ فأتلفَاهُ، تعلَّق الضمانُ بالآمرِ دونَهما على الأصحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 185
وتظهرُ بقيةُ مقاصِدِ البابِ بِذِكْرِ ثلاثِ قواعِدَ:
(1) إحداها
الاستيلاءُ المُضَمَّنُ مدارُه على العُرف والإتلافُ المُضَمَّنُ يكونُ بِالمباشَرَةِ والسَّببِ 840 والشَّرْطِ
ولا يعتَبَرُ قصدُ الاستيلاءِ إلَّا فِي دُخولِ العقارِ عند غَيبة المالِكِ، ولا القبض فِي البيع ونحوِهِ، فيضمنُ بركوبِ دابةٍ وجلوسٍ على فراشٍ تعدِّيًا، وإن لم يُنقل على الأصحِّ 841.
فإنِ 842 اشتَرَك مع المالِكِ فِي الجلوسِ ضمِن النصْفَ كما فِي دُخول العَقارِ معه بلا إزعاج إلَّا إنْ كان الداخِلُ ضعِيفًا لا يُعَدُّ مُسْتوليًا، فلَا يضمنُ شيْئًا.
والإزعاجُ فِي العقارِ أو فِي بعضِهِ مُضَمَّن لما حصل الإزعاجُ فيه.
وإن لم يدخلِ الظالِمُ والحرُّ لا يضمنُ بالاستيلاء، ولا ما عليه، ولَا مركوبُهُ، ولوِ استولى على حيوانٍ فتبِعَهُ ولدُهُ الذي من شأنِهِ أن يتبَعَهُ، أو هادي الغنم، فتَبِعَهُ الغنمُ: لا يضمن التابع على الأصحِّ إذا لم يَستَوْلِ عليه.
لكنْ إذا مات الولدُ بسببِ تعذُّر شُربِ اللبنِ عليه، فقياسُ ضمان السَّخْلةِ والفرْخ فِي صورةِ 843 ذبْح الشاةِ والحمامةِ لِفقْدِ ما يصلُحُ له أن يضمَنَ هُنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 186
ولو مَنَعَ الظالمُ المالكَ مِنْ سَقْي ماشيتِهِ أو غرسِهِ أو زرعِهِ فَفَسَدَ، فالأرجحُ الضمانُ، خلافًا لما صححه فِي "الروضة" 844.
ويضمنُ لو فَتَحَ زِقًّا فانْدَفَقَ 845 ما فيهِ بالفَتْح، أو تَقَاطَرَ شيئًا فشيئًا حتَّى ابْتَلَّ أسفلُهُ وسَقَطَ 846، أو أذابتْهُ الشمسُ فَضَاع، أو جَرَدَ عناقِيدَ العِنبِ للشمس، أو حَلَّ رِباطَ سفينةٍ فغرِقَتْ بالحَلِّ لا بِهُبوبِ الرِّيح فيها، أو وبالزِّقِّ 847، وفيه نظرٌ 848.
ويضمنُ بفتحِهِ عن غيْرِ عاقِل فيخرُجُ حالًا أو تثِبُ 849 هِرَّةٌ فتأكُلُ الطيرَ حالًا، أو هيَّجه حتى طار.
ويضمنُ القَفَصَ لو كسرهُ الطائرُ المضمونُ أو كَسَرَ قارورةً فِي خروجِه.
ويضمنُ زرعًا تُتْلفِه البهيمةُ المضمونةُ خِلافًا للعِراقيين ولو نَهارًا خِلافًا للقفال، قلتُه تخريجًا، لأنه متعدٍّ.
ولو حَفَرَ بئرًا فِي محلِّ عدوانٍ فتردَّتْ فيها بَهيمة أو عبدٌ فهو ضامنٌ له، وهذا مِن مِثْلِ الشرط، وتمامُ ذلك فِي الجنايات.
ولا يضمنُ بأن يفتَحَ حِرْزًا، أو يدلَّ سارقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 187
وكلُّ يدٍ أثبتت على يدِ الضامِنِ مِن غيرِ أن تُزيلَ ضمانَهُ فهِي ضامنةٌ وإنْ جهِل صاحِبُها 850 الغصْبَ.
والقرارُ على مَن تلف المغصوبُ عنده بإتلافِهِ أو بتقصيرِهِ لا إنْ ذُبح بإذن الغاصِبِ وهو جاهِلٌ، فالقرارُ على الغاصِبِ.
- ولا يستقِرُّ على اثنينِ إلَّا فِي صورتينِ:
(1) إحداهما: إذا قَدَّم الطعامَ المغصوبَ لإنسانٍ وقال: "هُو فِي مِلْكي" فأكلهُ وهو جاهِلٌ بالحالِ، فغُرِم الآكلُ، لا يرجِعُ على الغاصِبِ، على الأظهرِ، وإن غُرِّم الغاصِبُ لا يرجِعُ على الآكِلِ على المذهبِ.
851 الثانية: فِي الهبةِ، لا يرجِعُ الواهِبُ إذا غُرم على المُتَّهِبِ، نصَّ عليه خِلافًا للمتأخِّرِين، ولا يرجِعُ المُتَّهِبُ إذا غُرم على الواهِبِ على أصحِّ القولينِ.
وأما مَن تَلِف عندهُ لا بإتلافِهِ ولا بتقصيرِهِ، فإنْ عَلِم فالقرارُ عليه، وإن جَهِل فلا قرارَ عليه، إلَّا إذا وَضَعَ يدهُ على أنه ضامِنٌ، كما لو استعارَ أو اشتَرَى أو استام فالقرارُ عليه.
وفِي العاريةِ والسَّوم لا يتقرَّرُ عليه الزائدُ عن (2) القيمةِ التي يضمنُها،
الجزء: 2 - الصفحة: 188
ويرجِعُ بِهِ على الغاصِبِ، كما يرجِعُ المذكورون بأُجرةِ منافِع لم يستوفوها لا بِما استوفوا، ولا بِالمهرِ (1) عن الوطْءِ.
ويرجِعُ المُشترِي بقيمةِ الولدِ المنعقِدِ حُرًّا، وبأرْشِ نقْصِ الولادةِ، ونقْصِ بنائِهِ وغراسِهِ إذا قَلَعَ لا بِما أنفق على العبدِ وأدَّى مِن (2) خَراج الأرضِ، كذا قالوه.
والتحقيقُ: أنه يرجعُ به على مَن أخذهُ منه.
(2) القاعدةُ الثانيةُ
المقتضِي لِلزومِ ضمانِ البدلِ فيما يُضْمَنُ بَعْدَ ردِّ المغصوبِ لِهِلَاكٍ أو حيلولةٍ 854 والْهَلَاكُ:
- إما حسًّا: كموتِ العبدِ، وإحراقِ الثوبِ.
- أو حُكْمًا: كعصيير تخمَّر، ومائِع تنجَّس، وحِنطةٍ ابتلَّتْ، ونحو ذلك مما يَسْري إلى الهلاكِ، أو تعذَّر فيهِ ردُّ العينِ، كما فِي صورةِ الخيطِ واللوح والخَلْطِ.
ومن الحكميِّ: أن يجنِيَ العبدُ 855 فِي يدِ الغاصِبِ بِما 856 يوجِبُ مالًا متعلِّقًا852853
الجزء: 2 - الصفحة: 189
برقبتِهِ، ويضمنُ الغاصبُ أقلَّ الأمرينِ مِن قيمتِهِ، وأرْشِ الجِنايةِ.
ولو تَلِفَ عنده غَرِم قيمتَهُ لمالِكِهِ وغَرِمَ للمجنِيِّ عليه قيمتَه إن كانت أقلَّ مِن أرْشِ الجِنايةِ (1).
ضابط
ٌ:
ليس لنا موضعٌ يُغرمُ فيه بدلان بالنِّسبة إلى متلفٍ واحدٍ إلَّا فِي 858 ثلاثِ صورٍ:
هذه.
والصيدُ المملوكُ يقتلُهُ المُحْرِمُ، فإنه يغرمُ الجزاءَ، وقيمتُهُ لمالِكِهِ.
وإذا وطِئَ زوجةَ أصلِهِ أو فرعِهِ بشبهةٍ، فإنه يَغرم مَهْرينِ إن كان بعد الدُّخول، ومهرًا ونصفًا إن كان قبلهُ.
ولو 859 رُدَّ الجانِي فبِيع فِي الجنايةِ فِي يدِ المالِكِ، وصُرف الثمنُ كلُّه للجنايةِ رَجَع المالكُ بأقصى القِيم إنْ زاد، خِلافًا لقولِهِم يرجِعُ بالثَّمنِ، وإن لم يَرد الأقصى فبالثَّمنِ.857
الجزء: 2 - الصفحة: 190
ومن الإتلافِ 860 الحكميِّ على وجه: إعتاقُ المالكِ بإذنِ الغاصِبِ مع الجهل، فإنَّه ينفُذُ على الأصحِّ، ولا يبْرَأُ الغاصِبُ على وجهٍ مرجوحٍ.
وينبغي أن يُلحقَ بذلك الوقفُ.
وكلُّ ما يُزيل المِلكَ والحيلولةَ كإباقِ 861 العبدِ وضياع الثوبِ، ونقْلِ المغصوبِ إلى بلدٍ آخَرَ، وفِي الصورِ كُلِّها يغرمُ الغاصِبُ القيمةَ للحيلولةِ 862 كما يغرمُ لو ظفَرَ بِهِ فِي غيرِ بلدِ الغصْبِ مع بقاءِ المغصوبِ، ويملِكُ المالِكُ القِيمةَ ولا يملِكُ الغاصِبُ المغصوبَ.
وليس لنا موضعٌ يجتمعُ فيه ملكُ البدل والمُبدل 863 إلا هذا، وما يرد فيه 864 البدلُ كسِرايةِ العينِ إلى الهلاكِ على وجهٍ، وما يُنْقَلُ مِن العصيرِ إلى الخَلِّ، ومِن البيضِ إلى الفرْخ ونحوه، على وجهٍ مُصحح 865، إذ الأصحُّ: إيجابُ ردِّ الخَلِّ ونحوِهِ، وغُرْمُ أرْشِ النَّقْصِ.
وإذا زالتِ الحيلولةُ ردَّ المالِكُ القيمةَ، ويتعينُ حقُّ الغاصِبِ فِي عينِ ما دفَع على الأصحِّ، فيتقدم بِها على الديونِ [عند الفَلَسِ فإنْ لم يوجدْ تَقَدُّمٌ] 866 فإنْ كان مُفلسًا يقدمُ الغاصِبُ بالقيمةِ فِي ثمنِ العبد على النصِّ فِي "الأم"،
الجزء: 2 - الصفحة: 191
ولعلهُ معنى الحبْسِ الذِي نقله القاضِي الحُسين عن 867 النصِّ لا الحبس الصُّوري عندَ اليسارِ، فقد 868 صُحِّح خلافُهُ.
والضمانُ عند الهلاك -إن كان المغصوبُ مِثْليًّا- يُضمنُ بمثلِهِ، كما سبق فِي القرْضِ إلَّا فِي صورٍ:
- إحداها: إذا ظَفَر به المالِكُ فِي غيرِ بلدِ التَّلفِ وكان المغصوبُ مما يزدادُ 869 بالانتِقالِ وطالَبَهُ 870 فِي موضِع الزيادةِ، فلا يغرمُهُ المِثل، وله تغريمُه قيمةَ بلدِ التَّلفِ، وإن 871 لم يكن هناك زيادةٌ بل مساواةٌ، أو نقصانٌ، فله طلبُ المِثل كما فِي القمْح يغصِبُهُ فِي موضِع، فيتلفُ فِيهِ، ثُم يجِدُهُ فِي موضع قيمتُهُ مساويةٌ لبلدِ التَّلف 872، أو ناقصةٌ عنها، والتمثيلُ بالدراهِم 873 يرشُد لهذا.
- الثانيةُ: الحُلي لا يضمنُه بمثلِهِ، وإنما يضمنُهُ مع صنعتِهِ بنقْدِ البلدِ، وصحَّح البغويُّ أنه 874 يضمنُ الوزنَ بالمِثل، والصنعةَ بنقْدِ البلدِ لأنَّها متقوَّمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
- الثالثة: إذا خَرَجَ المِثليُّ 875 عن أن يكونَ له قيمةٌ بأنْ غَصَبَ ماءً فِي مفازةٍ فطالبهُ بِهِ على شطِّ نَهَرٍ ونحوِهِ 876، أو جَمْدًا فِي الصيفِ وطالبه فِي الشتاءِ، فإنه يغرمُ القيمةَ، وأما رِخَصُهُ فلا ينقلُه إلى القِيمةِ.
- الرابعة: إذا اتُّخِذَ مِن المِثْليِّ غيرُ مِثليٍّ 877، كحِنطة اتخَذَ منها خُبزًا، وأتلفهُ وكان المتقوَّمُ أكثرَ قيمةٍ؛ يضمنُ القيمةَ على الأرْجَح، خِلافًا للعِراقِيين فِي تضمِينِ المِثليِّ 878.
وأما إنْ حَصَلَ مِن المثليِّ مثليٌّ فالمالكُ مُخيرٌ، وقال البغويُّ: يغرمُ المِثلَ الزائِدَ فِي القِيمةِ.
وإذا أعوزه المِثلُ لِفقدِهِ أو لأنهُ لا يُباع إلَّا بزيادةِ عَدَلَ إلى القِيمةِ، والمعتَبرُ أقصى القِيم مِن وقتِ الغَصْبِ إلى وقتِ الإعوازِ على الأصحِّ من وجوهٍ كثيرةٍ، وليس ذلك 879 للحيلولةِ حتَّى لو وَجَدَ المِثْلَ بعد غرمها لا يردّها.
والأصحُّ فِي تفسِيرِ المِثليِّ 880 ما ثَبَتَ 881 فِي الذِّمة بِسَلَمٍ مقدَّرٍ بكيل أو
الجزء: 2 - الصفحة: 193
وزنٍ 882 إلَّا أن القمحَةَ والتَّمرةَ لَا ينطلِقُ عليهما 883 التفسِيرُ 884 ويُضَمَّنَانِ بالمِثل عند القفَّالِ.
والضمانُ المتعلَّقُ بِذِي اليدِ العاديةِ يقتضِي ضمانَ الأجزاءِ إلَّا فِي صورةِ العصيرِ الذي أغلاه ونقصتْ عينُهُ دون قِيمتِهِ، ولَا 885 السِّمَنِ المُفْرِطِ، ولا ينْجَبِرُ غيرُ المُفرطِ بسِمَنٍ حادثٍ بخِلافِ تَذَكُّرِ ما نَسِي أو تعلَّمه، وشفاءِ المريضِ، ونَبْتِ السِّنِّ والشَّعرِ ففِي كلِّ ذلك 886 ينجَبِرُ.
وأما إعادةُ صَنْعةِ الحُلِيِّ فملحقٌ بالسِّمَنِ المضمونِ على الأرجَحِ، ولا ينجَبِرُ الورقُ الساقِطُ والصُّوفُ المأخوذُ بنباتِ غيرِهِ، والمُحرَّم مِن آلةٍ أو غناءٍ لا يُضمن، ولا يعتَبَرُ فِي القيمةِ نِطاحُ الكبشِ وهِراشُ الدِّيك.
وأما آلةُ الملاهِي فلا يضمنُ إبطالَ تأليفِ أجزائِها إذ لا تعدِّي فِي ذلك، بل يجبُ إبطالُهُ، فإنْ لم يتمكنْ أبطلهُ كَمَا تيسَّر، وتُضمنُ المنافِعُ، وإن فاتَتْ، إلَّا منفعةَ الحُرِّ والبُضْعِ، فإنَّهما لا يُضمنان إلَّا بالتفويتِ 887.
ولا تُضمنُ منفعةُ الكلبِ ولو بالتفويتِ، ولا تسقطُ الأُجرةُ بِرَدِّ صيدِ العبدِ على ما صححوهُ، لأنَّه قد يستعملُه فِي شيْء غيرِهِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 194
وأما الفرسُ المغصوبُ من صاحِبِهِ الغازِي الذِي شَهِدَ الحربَ (1) راجلًا فالسهمُ له، والأرجحُ هُنا لا أجرةَ على الغاصِبِ حيثُ كان السهمُ مُساويًا لها (2)، أو زائدًا، و (3) نقصانُ الكسادِ لا يُضمن على المشهور.
(3) القاعدةُ الثالثةُ
يتخلصُ الغاصبُ من عهدةِ ما غَصَبَهُ بالردِّ، أو ما فِي معناه
فردُّ المغصوبِ إلى مَن له تسلُّمُهُ شرعًا تَخَلُّصٌ حتى القاضِي مع رُشْدِ المالِكِ على الأقيسِ، وكذا بِرَدِّ الدَّابَّةِ إلى الاصْطَبْلِ؛ إذا عُلِم المالكُ عند المتولِّي، وهو معمولٌ به إذا حَصَل الاستيلاءُ.
وفِي معنى الردِّ أكْلُ المالِكِ المغصوبَ ضِيافةً، وقتلُهُ قِصاصًا، و 891 إعتاقُهُ نيابةً، وهو نافذٌ بلا 892 غُرم على الأصحِّ، وإيلادُهُ بالتزوِيج، كذا ذكروه، والمستولدةُ تُضْمَنُ، فإنْ أريد: إذا لم يبقَ للغاصِبِ استيلاءٌ، فهي من صورةِ الردِّ.
وكذا قبضُهُ بالهبةِ -لا بالإيداع عندَ المالِكِ- والرهنُ والإجارةُ والتوكيلُ والقتلُ دفعًا، ويبرأُ الغاصِبُ والمستعيرُ بما إذا أودعهما المالكُ لا بأن يرهنَ عندهما أو يُؤجِّرَ أو يُوكِّلَ أو يُزوِّجَ أو يُبرئ مع بقاءِ العَينِ.888889890
الجزء: 2 - الصفحة: 195
ولا براءة بالقِراضِ إلَّا إذا سَلَّمَ المضمونُ ثمنَ ما اشتراه للقِراضِ على الأصح، وشرَطَ الماورديُّ على هذا أن يعاقِدَ 893 على عينِهِ، وفيه نظرٌ.
والكلبُ ونحوه مما يُرَدُّ إذا تلِف عند الغاصِبِ لا خلاصَ عن تعدِّيه إلا بالمحالَلَةِ، والقولُ للغاصِبِ بيمينِهِ فِي قدرِ القِيمةِ، وهكذا كلُّ غارِم، وبقيةُ الاختِلافِ يظهرُ فِي 894 الدَّعاوي.
الجزء: 2 - الصفحة: 196
باب الشفعة
هي لغة: مأخوذةٌ من الشَّفعِ 895؛ إمَّا للنصيبِ أو للشريكِ الآخِذِ، وقيل: مِن الشفاعة، ويُقال: أصلُها مِن التقويةِ 896. وشرعًا: حقُّ تَمَلُّكٍ قهري يثبتُ للشَّريكِ القدِيم على الحادِثِ المالِكِ مِن غيرِهِ بالمعاوضة فيما يقبَلُ القسمةَ إجبارًا مِن أرضٍ وتابِعها ببذْلٍ على وجهٍ مخصوصٍ.
- وأصلُها: الأخبارُ الصحيحةُ:
فعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّه -رضي اللَّه عنهما- قال: قَضَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشُّفْعةِ فِي كلِّ ما لم يُقْسم، فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطُّرقُ فَلَا شُفْعَةَ.
أخرجهُ البخاريُّ 897. وأخرج مسلمٌ عن جابِرٍ -رضي اللَّه عنه-: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الشُّفعةُ فِي كلِّ شِركٍ فِي أرضٍ أو رَبْع أو حائِطٍ، لا يصلحُ لهُ أن يبيعَ حتَّى يعرِضَ على شَريكِه، فيأخُذُ 898، أو يدَعُ، فإنْ أبى فشريكُهُ أحقُّ بِهِ حتَّى يْؤذِنَهُ" 899.
الجزء: 2 - الصفحة: 197
وفِي روايةٍ لمُسلم: "لا يحِلُّ له أَنْ يبيعَ حتَّى يؤذِنَ شريكَه فإذَا بَاعَ ولَمْ يؤذِنْهُ فهُوَ أحقُّ بِهِ" 900. وفِي روايةٍ صحيحةٍ -فِي غيرِ مُسلم-: "فهو أحقُّ بِهِ بالثَّمنِ" 901. وأخرج أبو داودَ والنَّسائِيُّ وابنُ ماجه من حديثِ أبي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- أَن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إذا قُسِّمَتِ الأرْضُ وحُدَّتْ 902 فَلا شُفْعَةَ فِيْهَا" 903.
لا تثبتِ الشفعةُ فِي المنقُولاتِ 904 ابتداءً، إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ تبَعًا، وهِي
الجزء: 2 - الصفحة: 198
المفتاحُ.
وأما بذرٌ دائمُ النباتِ، وحجرُ الطاحونِ الفَوْقانِي، فإنه بمنزلةِ الثوابِتِ التِي فيها الشُّفعةُ كالأبوابِ ونحوِها.
وكذا الكِمامُ وكذا الثمرةُ التي دخلتْ فِي عقدِ المعاوضةِ تبعًا لِغَيْرِ المؤبَّرةِ، ولو تأبَّرتْ قبل الأخْذِ على الأصحِّ.
ويأخُذُ ما حَدَثَ بعدَ العقدِ إذا لم يكن مؤبَّرًا، ونحوِهِ حين الأخْذِ 905.
وكذا يأخُذُ مِمَّا صار منقولًا مِن الثابِتِ عند العقدِ.
ولا يأخُذُ الزرعَ بالشفعَةِ إلَّا إذا كان يُجَزُّ مرارًا فجزَّتُهُ الظاهرةُ للمشتَرِي وأصولُهُ كالشجرِ، فيؤخذُ 906 بالشُّفعةِ، فإنْ ظَهَرَ شيءٌ بعدَ البيع فهو كالثمرةِ الحادِثةِ تؤبَّرُ، قلتُهُ تخريجًا فيما ظَهَرَ.
وكذا ما سبق فِي بذْرٍ دائِمِ النباتِ الكُمين.
والضابِطُ لِما يؤخذُ بالشُّفعةِ مع الأرضِ كلُّ ما دَخَل تبعًا فِي بيعِها أو الدارِ أو البُستانِ أو الطاحونِ ونحوِها، وما حَدَثَ مِن المأخوذِ إذا كان تابعًا عندَ الأخْذِ.
فلا شُفعةَ فِي الأبنيةِ تُباع مفردةً، ومنهُ الطِّباقُ والبناءُ فِي أرضٍ مستأجرةٍ أو محتكرةٍ.
الجزء: 2 - الصفحة: 199
ولا شفعةَ فِي [البِناء المملوكِ في] 907 أرضِ سوادِ العِراقِ.
وكذا لا شُفعةَ فِي بيع جِدارٍ مع أُسِّهِ أو شجرةٍ مع مغرسِها 908 دون المُتخلِّلِ.
والمسلَكُ المعتَبَرُ عندَ الشَّافعِيِّ -رضي اللَّه عنه-، فِي إثباتِ الشُّفعة فِي الأرضِ 909 وتابِعِها: قَبولُ القسمةِ إجبارًا، وذلك بأنْ لَا يكونَ فيها ردٌّ، وأن يُنتفع بالمقسوم بعدَ القسمةِ على نحوِ ما كان قبلَها، فما لا يقبلُ ذلِك مِن الجانِبينِ لا شُفعةَ فيه 910.
وما يقبلُهُ من الجانبين فيهِ الشُّفعةُ منهما، إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ، وهي الممرُّ المُشتَرَكُ دونَ الدَّارِ المَبِيعةِ لا شُفعة فيه إذا لم يكنِ للمشتَرِي فتْحُ بابٍ مِن موضع آخَرَ 911.
الجزء: 2 - الصفحة: 200
وما يقبلُ ذلك مِن جانِبٍ كعُشر (1) دارٍ لا تصلحُ للسُّكنى فلِصاحِب الأكثرِ (2) إجبارُهُ على القِسمةِ، فإذا باع الأكثَرَ ثبتَتِ الشُّفْعةُ لصاحِبِ الأقلِّ دونَ عكسِهِ.
وقواعِدُ البابِ ثلاثٌ
(3): *
الأولى
:
لا شُفعةَ إلَّا لشرِيك 915، فأمَّا الجارُ فلا شُفعةَ له عندَ الشافعِيِّ -رضي اللَّه عنه- إلَّا فِي صورةٍ واحدةٍ لا يكونُ فِيها شريكًا عند الأخْذِ، وهِي ما لو صدرتْ قسمةٌ غيرُ مُسقطةٍ للشُّفعةِ 916 مِن وكيلِهِ، أو منهُ وهُو غيرُ عالِم بالحالِ، أو صدرتْ بينَ شفيعَينِ لِغيبةِ ثالِثٍ، فللشَّفيع الأخذُ، لِوجودِ الشَّركةِ عند البيع 917، ولم يوجَدْ ما يُسقِطُها، فإنه تختلُّ بعضُ القِيمة، ثُم الأخذُ كما نصَّ عليه فِي قِسمة الشفيعينِ، فلا استِثناءَ.
وكلُّ شريكٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، ولِيٍّ أو وكيلٍ فِي طرفٍ، أو عامِلِ قِراضٍ، أو وارِثِ912913914
الجزء: 2 - الصفحة: 201
مريضٍ باع عَينًا لمسلمٍ أو ذِمِّي، ولو على مسلم معينٍ، ولو كالمسجِدِ فِي نحوِ ما وَهَبَ له، أو غيرِ معينٍ كما لِبيتِ المالِ، فلهُ الشُّفعةُ إلَّا أربعةً: بائِع المشفوع 918 مِن نصيبِهِ، والوصِيُّ، والقيِّمُ فيما باعاه، والحمْلُ.
فإنِ انفَصَل بعد أخْذِ وارثٍ، فلَا يأخُذُ لهُ وليُّه، أو قبلَ أخذِهِ، أو لم يكنْ هناك أَخْذٌ 919، فليس لولِيِّهِ أن يأخذَهُ على وجهٍ.
والتحقيقُ: أنَّ وليَّه يأخُذُ فِيهما بالمصلحةِ 920.
والوقفُ لا يضُرُّ كما فِي جمِيع صورِ ما يُوقف المِلْكُ فيهِ، وما ملك بِشركةِ الوقفِ لا شُفعةَ فِيهِ، وتثبتُ للشُّركاءِ ولو كان فِيهِم المشتَرِي بِقدرِ حِصصِهِم على ما صحَّحوهُ، والقولُ بأنَّها على عددِ رءوسِهِم.
قال الشافِعِيُّ -رضي اللَّه عنه-، فِي "الأم": به أقُولُ.
واختارهُ المُزنِيُّ وصححهُ الزَّازُ، وهُو الأرجحُ.
ولو عَفَى واحِدٌ ولو عن بعضِ حِصتِهِ أو غاب أخَذَ مَن بَقِي الكُلَّ أو تَرَك إلَّا إذا حَضَرَ غائِبٌ بعد أخْذِ واحدٍ، فلهُ مُساهمتُهُ [وله أخذُ الثُّلثِ] 921 فِي ثلثِهِ مُستوِينَ فِي المِلكِ، ثُم إذا حضَرَ الثالِثُ فلهُ أَنْ يأخُذَ مِن أحدِهِما ثُلُثَ ما فِي يدِهِ، ولهُ أَنْ يأخُذَ مِن كلِّ واحِدٍ 922 مِنهما ثُلَثَ ما فِي يدِهِ، ولهُ أن يأخذَ مِن
الجزء: 2 - الصفحة: 202
الأوَّلِ فقط نصفَ ما فِي يدِهِ إذا كان الثانِي قد أخَذَ الثُّلثَ، ولهُ أن يضُمَّ ما أخذه مِن الثانِي إلى ما فِي يدِ الأوَّل، ويقسمانِهِ (1) نِصفينِ فتكونُ سِهامُ الشِّقْصِ صحيحةً ثمانيةَ عَشرَ، وفِي جمِيع هذِهِ الصورِ العفوُ عن بعضِ الحقِّ لا يُسقطُ الشُّفعةَ.
* القاعدةُ الثانيةُ:
الذي يأخُذُه الشفيعُ هو الشِّقْصُ المملوكُ بالمُعاوضِةِ 924
وإن كانت غيرَ محضةٍ مِلْكًا لازمًا أو آيلًا إلى اللُّزوم مُتأخرًا عن مِلكِ الشَّفِيع، أو عن سببِ تملُّكِهِ 925 عند التَّوقُّفِ فِي مِلكِهِ فيأخُذ ما كان من ذلك مُثْمَنًا أو ثمنًا ولو فِي بيعٍ ضمنيٍّ، وما جُعِلَ رأسَ مالِ سَلَمٍ أو إقراضٍ 926 عند المُتولِّي، وفيه نظرٌ.
أو 927 جعل أُجْرَةً أو جُعْلًا بعدَ تَمَام العَمَل أو عِوضَ نجْم كتابةٍ إن جازَ الاعْتِياضُ عنهُ، وهو النَّصُّ، خِلافَ ما صححوه مِن منْعِهِ ما لم تنفسِخْ الكِتابةُ قبلَ الأخْذِ عندَ الماوردِيِّ، والأرجحُ الإطلاقُ.
وتثبتُ فِي هبةِ الثوابِ المعلوم إذ هِي بيعٌ، وكذا فِيما جُعِلَ صداقًا أو923
الجزء: 2 - الصفحة: 203
عِوض خُلع أو مُتعةٍ أو عتقٍ أو صُلْح عن دَم أو عِوَضَ سهمِ غنيمةٍ أو رَضْخٍ.
ولا تَثبُتُ فيما لا عِوضَ فِيهِ كهبةٍ أو إرثٍ أو وصيةٍ ولو فِي الموصى به للمستوْلَدَةِ إنْ خَدَمَتِ الولدَ مُدةً معينةً على ما رجحوه.
وتثبتُ فِي شِقْصٍ أوصى بِهِ لِمنْ يحجُّ عنهُ، ولو تطوُّعًا، وإنْ شارك التطوعَ صورةَ المُستولدَةِ 928 فِي الخُروج مِن الثُّلُثِ، لكن المقابلة هنا ظاهرة، قلتُهُ تخريجًا.
ثُم مُقابِل الشِّقْصِ إن كان مالًا 929 مِثْليًّا أُعطي الشَّفيع مثلَهُ مما قُدِّر ولو وزنًا فِي المكِيل الرِّبويِّ فإنْ فُقد المِثْلِيُّ أو كان متقوِّمًا فقيمتُهُ، أو منفعةً فأجرةُ المِثْلِ.
وفِي الصداقِ والخُلع مهرُ المِثل، وفِي المُتعةِ مُتعةُ مِثلِها، وفِي الدَّم الأرْشُ ولو إِبِلًا، وليس لنا موضِع يُعارض بإبِلِ الدِّيةِ إلَّا هذا، وفيه نظرٌ.
وتُعتَبَرُ قِيمةُ المتقوَّمِ وما بعدَهُ وقتَ جَرَيانِ سببِهِ ويلحَقُ حَطُّ زمنِ 930 الخِيارِ وبِالعيبِ.
وإنْ باع بِمؤَجَّلٍ صَبَرَ إلى حُلول الأجَلِ، أو أخَذَ بِهِ حالًّا، وينقُصُ تصرُّفُ المُشتَرِي.
وإذا باع أَخَذَ الشَّفيعُ بما شاء، ولهُ منْعُهُ مِن ردِّهِ بِالخِيارِ الثابِتِ له وحدَهُ،
الجزء: 2 - الصفحة: 204
ومنْعُ البائِع مِن الرُّجوع بالإفْلاسِ، والزوجِ بالتَّشطِيرِ، وإنما يتملَّكُ بلفظٍ، نحو: "أخذتُ بالشُّفعةِ" مع بذْلِ الواجِبِ، أو رِضا المُشتَرِي بكونِهِ فِي ذِمتهِ أو قضى القاضِي لا بالإشهادِ.
والتحقيقُ: أنَّ قضاءَ القاضِي لا بُدَّ معه مِن دَفْع الثَّمن.
وإذا لم (1) يُعلمه الشَّفيعُ تعذرَ الأخذُ بالشُّفعةِ، ويأخُذُ بِالحصَّةِ إنْ باع بيْعَ (2) مَا لَا شُفعةَ فِيهِ، أو تَلِفَ ما يفرَدُ بِهِ (3) العقدُ (4)، ولا يُفرَّق شِقْصُ (5) عقدٍ ابتداءً، وله أخْذُ حِصَّةِ أحدِ المُشتَرِيَّيْن، أو أحدِ البائِعَيْنِ.
* القاعدةُ الثالثةُ:
الشفعةُ بعدَ معرفةِ البيع، ولو ببلوغ خبرِ مقبولِ الروايةِ على الفورِ على المشهورِ 936: إلَّا إذا غاب الشفيعُ 937، أو أجَّلَ الثمنِ، أو كذَب المُخبِرُ فِي جِنسه، أو زاد، أو كذَب فِي قدْرِ المبِيع أو فِي المُشتَرَى.931932933934935
الجزء: 2 - الصفحة: 205
والفورُ بالعادةِ بِنفسِهِ أو وكيلِهِ 938 ولَا يضرُّ إتمامُ حالِهِ فِي حمَّام أو نفلٍ 939 أو أكْلٍ، ولَا الاشتغال بِهما فيهما 940، ولَا أَنْ يسلمَ أو دعا بالبَركةِ أو بحَثَ عنِ الثَّمنِ 941 لَا إن قال: "اشتريْتُ رَخِيصًا".
فإنْ لم يقدِرْ على ما سَبَقَ، أشْهَدَ.
وإنْ تَرَك المقدورَ أو صَالَحَ عنْ شُفعتِهِ عالمًا بِبُطلانِ ذلك، أو أزالَ مِلكَه عن حِصتِهِ، ولو جاهلًا بِالحالِ، أو عن بعضِها 942 مع العِلْم سقطتْ شُفعتُهُ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 206
باب القراض
وهو لغة: راجعٌ إلى مادةِ المُقارضةِ 943 بِمعنى المُساواةِ 944 لتساوِي المتعاقِدَيْنِ فِيما يقومُ بِهِ العقدُ مِن مالٍ و 945 عملٍ.
أو بمعنى المُقاطعةِ، لأنَّ كُلَّ واحِدٍ قاطَعَ الآخَرَ على شيءٍ.
وقيل: القراضُ راجِعٌ إلى مادةِ قَرَضَ بِمعنى قَطَعَ لأنَّهُ قَطَعَ له قِطعةً مِن مالِهِ، وقِطعةً مِن الرِّبْح، وهو مُفارقٌ للقَرْضِ 946.
ويُسمى مُضاربةً فِي لغةٍ، إمَّا لضرْبِ كُلِّ واحِدٍ فِي الرِّبح بسهْم، أو من جهةِ تَصَرُّفِ العامِل برأيهِ، ولم يُلمح فيهِ للسفرِ 947، لأنهُ قد يكونُ فِي الإقامةِ.
ويُقالُ: للمالِكِ: "مُقارِضٌ" بكسْرِ الرَّاء، ولِلعامِلِ بِفتحِها، وللعامِل "مضارِبٌ" بِكسرِها.
ورُدَّ قولُ مَن أطلق ذلك على المالِكِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 207
وشرعًا: عقدٌ بإيجابٍ وقبولٍ مِن أهلِهِ مُنجَّزٌ [على نقدٍ مضروبٍ مُعينٍ] 948، ولو مع الإشاعةِ أو الخلطِ، معلومٌ يستقلُّ المُعاملُ 949 فيه باليدِ والتصرفِ بالتجارةِ على ربحٍ لا يخرجُ عنهما 950 مشروطٌ 951 منه حصةٌ للعامل معلومةٌ بالجُزئية 952.
وأصلُها 953 -غيرُ العموماتِ المقتضيةِ لإباحةِ التجارةِ وابتغاءِ الفضلِ- ما روي عن ابنِ عباسٍ -رضي اللَّه عنهما-.
قال: كان العباسُ إذا دفع مالًا مضاربةً اشترط على صاحبِهِ أن لا يسلكَ به بحرًا، ولا ينزلَ به واديًا، ولا يَشتَرِي به ذاتَ كبدٍ رطْبةٍ، فإنْ فَعَلَ فهو ضامنٌ، فرُفِع شرطُهُ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأجازه.
رواه الدارقطني 954 وغيره، وفِي إسنادِهِ أبو الجارود، وهو ضعيفٌ 955.
وجاءتْ رواياتٌ صحيحةٌ عن جماعةٍ مِن الصحابة؛ عُمَرَ وغيرِهَ -رضي اللَّه عنهم- بإجازةِ القِراضِ 956.
الجزء: 2 - الصفحة: 208
ولا يُعلمُ فيهِ خِلافٌ بينهم، فيكونُ إجماعًا أو حُجةً 957.
واحتُج له بالقِياسِ على المُساقاةِ 958.
وهو فِي الابتداءِ يُشبهُ الوكالَةَ بجُعْل، وفِي الانتهاءِ يُشبهُ الشِّرْكةَ إنْ لم يُوقَفْ مِلكُ العامِلِ مِن الرِّبح على القسمةِ، وإن وَقَفْناه -وهو الأصحُّ- فهو يُشبهُ الجَعَالة.
. ذكره فِي "التتمة".
وفيه نظرٌ.
وحكى 959 الماورديُّ قولَينِ للشافِعِيِّ -رضي اللَّه عنه-: فِي أنَّ العاملَ وكيلٌ مستأجَرٌ أو شريكٌ مساهِمٌ، وسيظهرُ لك أثرُ ذلك.
ولم أصرِّحْ فِي التعريفِ بِـ "خالص" وإنْ شرَطَهُ الجمهورُ 960؛ لأن الأرجحَ صِحةُ القِراضِ على الدراهِم المغشوشةِ، وعلى ذلِك عملُ النَّاسِ 961. = بالدنانير والدراهم فوجب لما لم يكن له في كتاب اللَّه ولا في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أصل أن يجاز منه ما أجمعوا عليه ويوقف على إجازة ما اختلفوا فيه منه، وقد رويت أخبار عن عمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهم تدل على تصحيح المضاربة.
. ثم ساق ذلك عنهم بإسناده إليهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 209
ويفسُدُ بوقوعِهِ على ما خالَفَ 962 التَّعريفَ، لكنْ لا يضُرُّ شرْطُ 963 عمل غلام 964 المالِكِ معهُ.
ويفسدُ بالتَّضييقِ، بأن عيَّن شراءَ ما يندُرُ 965 وجودُهُ أو سلعَةً 966، لا إن عَيَّن مَنْ يبيع منهُ أو يشتَرِي.
ويفسدُ بالتوقيتِ، لا إنْ مَنَعَ مِن الشراء فقط، كما سبَقَ فِي البيع 967.
ولا يصحُّ على نقدٍ تعلَّق بِهِ رهنٌ لازمٌ لِغيرِ العامِلِ أو كان معينًا فِي معاوضةٍ غير 968 مقبوضٍ، قلتُهُما تخريجًا.
ويصحُّ بشرطِ أن يكونَ الربحُ بينهُما 969 على الأصحِّ، حمْلًا على التَّنْصِيفِ 970، وكذا على أن النصفَ للعامِل، لا عكسُهُ، على الأصحِّ 971.
الجزء: 2 - الصفحة: 210
ويفسُدُ إنْ شَرَطَ رِبحَ النصفِ ونحوه لِعامِلٍ أو مالكٍ، وما شرط صحيحًا لا يُغيَّرُ إلى غيرِهِ إلَّا بفسْخ وتجدِيدِ عقدٍ.
نقل عن "العدة".
وإذا فسَدَ نَفِذَ تصرُّفُ العامِل، ولهُ أُجرةُ المِثل، إلَّا إذا قارضَهُ على أن الرِّبحَ لِغيرِ العامِل فَلا شئَ لِلعامِل فِي الأصحِّ 972.
ولا يُقارِضُ العاملُ بغيرِ إذْنِ المالِكِ، فإنْ فعَلَ فالمشروطُ مِن الرِّبح مستحقٌّ للأولِ، كالغاصِبِ إذا اشتَرَى فِي الذِّمَّة، وللثانِي: أجرةُ المِثل، وبالإذْنِ والسَّلْخ جاز، ولْيكُن 973 شرِيكًا فِي العَمَل، والرِّبحُ ممنوعٌ 974.
ويجوزُ تعدُّدُ العامِل والمالِكِ ويتصرَّفُ العامِل بالغِبطةِ ويبيعُ بالعَرَضِ لا بِالنَّسِيئةِ إلا بإذنٍ، وحينئِذٍ يُشْهِدُ، فإنْ تَرَكَهُ ضَمِن 975.
ولا يشتَرِي بأكثرَ مِن رأس المال، ولا بِغيرِ إذنِ مَن يعتقُ على المالِكِ أو زوجتِهِ 976 977.
ولا يُسافِرُ بالمالِ إلَّا بإذنٍ 978 وليست 979 نفقتُهُ، ولو سافر فِي المال 980.
الجزء: 2 - الصفحة: 211
وعليهِ تولِّي ما جَرَتْ عادةُ العامِل بتولِّيهِ، ويستأجِرُ على غيرِه 981.
وينفرِدُ المالِكُ بالأعيانِ الحادِثةِ مِن ثمرةٍ ومهرٍ، ونحوهما، وهذا يشهَدُ، لأنَّ العامِل وكيلٌ مُستأجَرٌ.
ولا يطأُ جاريةَ القِراضِ إلا بإذْنٍ ولو لم يكن فِي المال رِبْحٌ على ما رَجحوه، وهو بعيد، وكذا تزويجُها، وذاك لأنهُ شَرِيك.
ولو قُتِل عبدُ القراضِ لم ينفَرِدْ أحدُهُما بالقِصاصِ إن قُلنا إنهُ شَريكٌ، والأصحُّ لا يسقُطُ.
والخسرانُ بالكساد يُحسبُ مِن الرِّبح، وكذا النُّقصانُ بآفةٍ حدثَتْ بعد التَّصرُّفِ 982.
ولا يستقِرُّ مِلك العامِلِ على ما شرطَهُ لهُ إلَّا بفسْخ العقدِ أو انفساخِهِ بموتٍ أو جنونٍ أو إغماءٍ أو باستِرْدادِ المالِكِ شيئًا مِن المالِ بعدَ ظُهورِ الرِّبح؛ لِحصولِ الشُّيوع فِي المُستَرَدِّ، ولا ينحصِرُ ما استَرَدَّه فِي رأسِ مالِهِ.
ولو استَرَدَّ شيئًا بعدَ ظُهورِ خُسرانِهِ لم يلزم أخْذُ حِصَّةِ المُستَرِدِّ لو رَبِح مِن بعدُ 983، واللَّه تعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 212
قاعدة
: الإشاعةُ ثابتةٌ هنا قطعًا، وكذلك في 984 الحقوقِ المُشاعةِ، والانحصار قطعًا بالقسمة، وكلُّ سببٍ يقتضي تعلُّقَ حقٍّ لمنفردٍ.
والانحِصارُ على الأصحِّ فِي التفلِيسِ سَبَقَ.
وفِي الوصيَّةِ أيضًا إذا أوصى بِثُلِثِ عَيْنٍ، فاستُحِقَّ ثُلُثاها، ينحصِرُ حقُّ الموصَى له فِي الباقي.
والإشاعةُ على الأصحِّ فِيما عدا ذلك.
ففِي البيع فِي نحو قول الشَّرِيك: "بعتُ النِّصفَ" الأصحُّ 985 يُشاع فِي نصيبِهِ ونصيبِ غيرِه، فيبطلُ فِي نصيبِ غيرِه، وفِي نصيبِهِ تولَّى تفريق الصفقة.
وفِي الشُّفعة فِي صورةِ الغائِبِ التي تصِحُّ مِن ثمانيةَ عشرَ.
وكذا فِي الصَّداقِ والخُلع وعدم القِصاصِ بين المُبعضين، وفِي الإقرارِ.
والعامِلُ مصدَّقٌ فِي الردِّ والتلفِ، وفِي أنَّه اشتَرَى للقِراضِ أو لنفسِهِ، وفِي الرِّبح والخُسرانِ وقدْرِ رأسِ المالِ.
فإنِ 986 ادَّعى أن بعضَ ما أحضره رأسُ مال وبعضَه ربحٌ، وادعى المالِكُ أنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 213
الكُلَّ رأسُ المالِ، فالأرجحُ 987 عندهم تصديقُ العامِلِ، والأرجحُ تصديقُ المالِكِ.
وخرَّجها الماوردِيُّ على أنَّه شَريكٌ، فيصدَّق، أو وكيلٌ، فيصدَّق المالِكُ، وهو يؤيِّدُ 988 ما رجَّحناهُ.
وإذا اختَلَفَا فِي القَدْرِ المشروطِ تَحَالَفَا والمرجُوعُ إليهِ أُجرةُ المِثْلِ 989، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 214
باب المساقاة
هي لغة: راجعةٌ إلى مادَّةِ السقْي؛ لأنَّ العامِلَ يَسقِي الشجرَ.
وشرعًا: معاملةٌ مؤقتةٌ على وجهٍ مخصوصٍ من شجرٍ موجودٍ يتعهدُهُ العامِلُ بالسَّقْي والعملِ، على حصةٍ للعامِل معلومةٍ مِن ثمرتِهِ الكائِنةِ عليه أو الحادِثةِ فِي المُدة.
وفِي "الصحيحين" (1) عن ابنِ عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: عامَلَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهلَ خَيْبَرَ على شَطْرِ ما يخرُجُ منها من ثمرٍ أو زرعٍ.
ومدارُها على سبعة أشياء:
990 الجزء: 2 - الصفحة: 215
1 - 2 - العاقدانِ.
3 - والصيغةُ.
4 - والشجرُ.
5 - والعملُ.
6 - والمدةُ.
7 - والمشروطُ مِن الثمر للعامِلِ بسببِ عملِهِ.
أما العاقدان
: فإنْ كانتِ الأشجارُ مملوكةً لآدميٍّ مُعينٍ، فلابُدَّ مِن وجودِ أهليَّتِهِ للتَّصرُّفِ إنْ عَقَدَ أو 991 وكَّل 992.
والمحجورُ عليهِ أمرُ 993 العقدِ لوليِّهِ لِمصلحةٍ، وكذا الإمامُ فِي بُستانِ بيتِ المالِ، وما لا يُعرفُ مالكُهُ، والغائِبِ الذي تعلَّق أمْرُهُ بالإمام، وفِي الوقفِ: الأمرُ للناظِرِ.
وما يُفعلُ مِن مُقابلةِ البياضِ بأُجرةٍ كثيرةٍ وإعطاءِ العامِل الجزءِ الكثِيرِ الزائِدِ على أُجرةِ المِثل بِفاحِشٍ تَبعُدُ صحتُه من الوليِّ والناظِرِ، ونحوهما، إنْ لَمْ يَلْمَحْ تنزيْلَ الكُلِّ كالصِّفقةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 216
ويُعتَبَرُ فِي العامِلِ إطلاقُ التَّصرُّفِ، وإلا فيعقِدُ على المحجورِ عليه المُتأهِّل للعمل وليُّه.
. قلتُهُ تخريجًا من إجارتِهِ للرعْي ونحوِهِ، وفيه نظرٌ، لاستقلالِهِ بِاليدِ هُنا.
ولا يمتنعُ أن يكونَ العامِلُ شريكًا إذا شُرِط له مِلكُ جُزْءٍ (1) غير (2) ما يستحِقُّهُ بالشِّرْكة.
وأما الصيغة
ُ: فلابُدَّ منها على المشهورِ، نحو: "ساقيتُك على هذِهِ الأشجارِ بِكذا"، أو "عقدتُ مَعَكَ عقدَ المُساقاة" أو ما يؤدِّي معنى ذلك.
وينبغِي أَنْ يُكْتَفَى (3) بِـ "عقدتُ مَعَك (4) عقْدَ كذا" فِي سائِرِ العقُودِ، وقد يتوقَّفُ فِي النِّكاح.
ولابُدَّ مِن القبول لِلزُوم العقْدِ، فَلَا يجْرِي فِيهِ الوجهُ الضعيفُ فِي الوَكَالةِ ونحوِها، ولا تنعقِدُ بلفظِ الإجارةِ على الأصحِّ (5).
وأما الشجر
ُ: فهو النخلُ والعنبُ لا غيرُهما مِن الأشجارِ على994995996997998
الجزء: 2 - الصفحة: 217
الجدِيدِ (1)، إلَّا تبعًا لواحِدٍ مِنهما على الأصحِّ، وإلا المُقْلُ (2) على وجهٍ جَزَمَ به المَحَامِلِيُّ (3) وغيرُه، وهو راجحٌ، خلاف ما صَحَّح فِي "الروضة" (4).
ضابط
ٌ:
يُخالفُ النَّخلُ والعنبُ سائِرَ الأشجارِ 1003 فِي خمسةِ أشياء 1004:
1 - الخَرْصُ 1005.
2 - والزكاةُ.
3 - والعَرَايا.
4 - والمساقاةُ.
5 - وجوازُ الاستقراضِ.
[وزاد النخلُ على العنبِ التأبيرَ.
ذَكَرَ ذلك المَحَامِلِيُّ، وما ذكره فِي جوازِ999100010011002
الجزء: 2 - الصفحة: 218
الاسْتِقراضِ] (1) لا يُعرفُ، بل جوازُ القرض يعُمُّ سائرَ الأشجارِ (2). ويشترطُ تعيينُ الأشجارِ ورؤيتُها، ومعرفةُ أشجارِ النَّوعينِ إنْ شُرط تفاوتٌ فِي حِصَّة العامِل.
وأما العمل
ُ 1008: فعلى العامِلِ السَّقْيُ، وتوابِعُهُ مِن الأعمالِ، وما يحتاج إليه الثمار لزيادتِها أو صلاحِها، وهو مُنحصِرٌ فِي مقصودِ المُساقاةِ، فلا يُشترطُ عليه ما ليس مِن عملِها.
ولا تُصحُّ على وَدِيّ ليغرِسَهُ ويكونَ الشَّجْرُ بينهُما 1009، ولا على أن يكونَ الفأسُ والتَّورُ ونحوُهما على العامِلِ، بل ذلك على المالِكِ.
وعليه بناءُ الجِدارِ، وحَفْرُ النهرِ الجدِيدِ، وفِي رَدْم ثُلْمةٍ يسيرةٍ يُتبعُ العُرْفَ ولابُدَّ 1010 مِن انفرادِ العامِلِ باليدِ.
ولا يضرُّ شرطُ دخولِ المالِكِ على الأصح، ولا عملُ غلامِهِ على النَّصِّ إنِ اختَصَّ العامِلُ بِالتدبِيرِ، ونفقتُهُ على المالِكِ، إلا إِن شُرِطَتْ على العامِلِ،10061007
الجزء: 2 - الصفحة: 219
ويجب تقديرُها حينئِذٍ على وجهٍ وعلى وجهٍ يُحملُ على الوسطِ المُعتادِ، قَطَع بِهِ الشيخُ أبو حامد للتَّسامُح بذلك.
ولا يصِحُّ شرطُها مِن (1) الثِّمارِ على الأرجَح إلَّا إنْ شَرَطَ لها جزءًا معلومًا.
وليس للعامِل أَنْ يُساقِيَ غيرَهُ إذا كانتِ المُساقاةُ على عينِهِ.
وتنفسِخُ بموتِ المُعيِّنِ، وكذا بِهَربِهِ عند تعطُّل العمل؛ قلتُه تخرِيجًا.
وإنْ مات والمُساقاةُ على ذِمَّتِهِ لم تَنفسِخْ على الأصحِّ، ولا يُجْبَرُ الوارِثُ على العمل فإنْ كان هُناك تَرِكة استأجَرَ الحاكِمُ كما فِي موتِ (2) العامِل والمُساقاةِ على ذِمَّتِهِ، وللمالِكِ فِي الهربِ الإنْفاقُ ويأذنُ الحاكِمُ ليرجِعَ، وعندَ عدم الحاكِمِ يُشهِدُ [وحينئِذٍ يرجِعُ] (3)، وإلَّا فَلَا (4).
* وأما المُدَّةُ:
فلابُدَّ مِن بيانِها، ولا يصحُّ التوقيتُ بإدْراكِ الثِّمارِ على الأصحِّ، وإنْ قُطِعتِ الثِّمارُ والمُدةُ باقيةٌ عمل العامِلُ فِي بقيةِ المُدةِ، وإنِ انقضَتْ وقد أَطْلعَتِ اسْتَحَقَّ العامِلُ نصيبَهُ مِن الثَّمرةِ 1015، وعلى المالِكِ التعهُّدُ إلى الإدْراكِ، والشَّرْطُ فِي المُدَّةِ أَنْ تبقى الأشجارُ فِيها غالبًا.1011101210131014
الجزء: 2 - الصفحة: 220
* وأما الثَّمَرَةُ:
فلابُدَّ أَنْ تكونَ مِمَّا 1016 يحصُلُ غالبًا، ولو فِي آخِرِ سنةٍ، وأنْ تكونَ مخصوصَةً بالمالِكِ والعامِلِ بِالحُريَّةِ كما سَبَقَ فِي القِراضِ.
وتجوزُ المساقاةُ بعد خُروج الثَّمرةِ وإنْ بَدَا صلاحُها على النَّصِّ فِي "الأم" ما دامتِ الحاجةُ إلى المُساقاةِ موجودةً، خِلافًا لِمَا صححوهُ مِن المَنْع بعدَ بُدُوِّ الصَّلَاح، وإذا خرجَتِ الثِّمارُ مُستحقَّةً رَجَعَ العامِلُ على الذِي ساقاهُ بِأُجرةِ المِثْل على الأصَحِّ 1017.
الجزء: 2 - الصفحة: 221
فصل
لا تصِحُّ المزارعةُ 1018 المُستقِلةُ، وهي المُزارعةُ على الأرضِ بِبعضِ ما يخرُجُ مِنها، والبَذْرُ مِن المالِكِ، ولا المخابرَةُ، وهي كما تقدَّم، لكنِ البَذْرُ مِن العامِل، والمختارُ صحتُهما.
وأما المُزارعةُ -تبعًا للمُساقاةِ- فصحيحةٌ عندِ 1019 اتِّحادِ العامِل وعُسْرِ 1020 إفرادِ النَّخِيلِ بِالسَّقي والأرضِ بالعمارةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 222
باب الإجارة
1021
هي لغةً: اسمٌ للأُجرةِ، وهي بكسرِ الهمزةِ، وشذَّ مَن حَكَى ضمَّها.
وشرعًا: عقدٌ يشتملُ 1022 على نَقْلِ منفعةٍ متقوَّمَةٍ مباحةٍ معلومةٍ 1023 خاليةٍ من مانِعٍ بِمقابِل مُتموَّلٍ 1024 مَعلومٍ أو منفعةٍ كذلك على وجهٍ مخصوصٍ.
ويُقالُ: آجَرَه -بِالمَدِّ- يؤجِرُهُ إيجارًا ومُؤاجرةً فاستأجَرَ.
والموجِبُ مُؤْجِرٌ، والقابِل مستأجِرٌ 1025، ومؤاجِرٌ -بكسر الجيم فيهما- والعين مؤجَرَةٌ، والعبدُ مؤجَرٌ 1026، بِفتح الجِيم.
ويُقالُ: أجرَه، غيرَ ممدودٍ -قيل: وهو أكثرُ- يأجُرُهُ بِضمِّ الجِيم وكسرِها
الجزء: 2 - الصفحة: 223
أجرًا إذا أعطاه أجرهُ.
ويقال: بِضَم الجِيم فِي المضارع إذا أجَرَه شيئًا أو صار أجِيرًا، ومِنه قولُهُ تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
وإذا استأجرتَ أجيرًا لِعملٍ فأنت آجِرٌ بالمعنى الأولِ، لأنَّك تُعطي الأجرةَ، وهو أجيرٌ بالمعنى الثانِي.
والأجيرُ فعيلٌ بمعنى مؤاجِر، أو أجر.
ويُقالُ مِن المقصورِ لِما يُستأجرُ: مأجورٌ.
والأصلُ فيها: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1027.
وقد استأجَرَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر الصديقُ -رضي اللَّه عنه- رجلًا من بَنِي الدِّيل.
رواه البخاريُّ فِي "صحيحِهِ" 1028 من طريقِ عائشةَ -رضي اللَّه عنها-.
وعن ثابِتِ بنِ الضَّحاكِ -رضي اللَّه عنه- أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى عنِ المُزارعةِ وأَمَرَ
الجزء: 2 - الصفحة: 224
بِالمؤاجرةِ، وقال: لَا بَأسَ بِها.
[رواهُ مُسلِم فِي صحِيحِهِ 1029.
وأمَّا حديثُ: "أعْطُوا الأجِيْرَ حَقَّهُ قبْلَ أَنْ صطَّ عَرَقَهُ" فرواه ابنُ ماجة مِن حديثِ] 1030 ابنِ عُمرَ بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ 1031.
الجزء: 2 - الصفحة: 225
والأحاديثُ فيها كثيرةٌ 1032.
وقال بها 1033 العلماء كافةً، إلا مَن لا يعتدُّ بخلافِهِ 1034. = ورواه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (1/ 265) والطحاوي في "مشكل الآثار" (8/ 13) من طريق محمد بن عمار المؤذن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
وقال ابن عدي: وهذا يعرف بابن عمار هذا، وليس بالمحفوظ، ورواه عبد اللَّه بن جعفر المديني، عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة، وعبد اللَّه ليس بشيء في الحديث.
وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه-: ذكره البيهقي في "السنن الصغرى" (2134) قال: وروينا في حديث حماد عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن استئجار الأجير حتى يتبين له أجره.
. وإسناده منقطع وفيه ضعف، وقد أخرجه البيهقي في "الكبرى" (6/ 120) وأحمد (3/ 59، 68، 71). وله شاهد من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-: رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (34) والخطيب في "تاريخ بغداد" (5/ 33) من طريق محمد بن زياد الكلبي، حدثنا شرقي بن القطامي، عن أبي الزبير، عن جابر قال قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" وقال: لم يروه عن أبي الزبير إلا شرقي تفرد به محمد بن زياد ضعيفان.
قال ابن عدي: وليس لشرقي هذا من الحديث إلا قدر عشرة، أو نحوه، وفي بعض ما رواه مناكير.
الجزء: 2 - الصفحة: 226
ولا بُدَّ لَهَا مِن الصِّيغةِ 1035 إيجابًا وقبولًا مُتَّصِلًا 1036. والإيجابُ 1037: "أجرتُك بكذا" 1038، أو "أكريتُك كذا" 1039 أو "ملكتُك أو بِعْتُكَ مَنْفعتَهُ" 1040 [لا "بعتُ منفعته" على الأصح] 1041 و"أجرتُ منفعته"، صحيحٌ على
الجزء: 2 - الصفحة: 227
الأصح؛ إذ موردُها المنفعةُ على المشهور، وقال أبو إسحاق: العينُ لتُستوفَى مِنها المنفعةُ (1) (2).
ضابط
ٌ:
لا يكونُ فِي الإجارةِ استيفاءُ عينٍ مستحقَّةٍ للمؤجر 1046 إلَّا تابعةً لمنفعةٍ فِي عشرِ صورٍ للحاجةِ:
1 - المرأةُ للإرضاع.
2 - والبئرُ لِيستقى ماؤُها.
3 - والعقارُ مِن بستانٍ أو دارٌ أو حَمَّامٌ يُستأجَرُ، وفيه بئرٌ فيُسقى منها.
4 - وكذا الأرضُ للزراعةِ 1047 ولها شِرْبٌ، استمرَّتِ العادةُ بإجارتِها معه، وإلَّا فلابُدَّ مِن شرطِهِ.104210431044104510481049
الجزء: 2 - الصفحة: 228
5 - والقناةُ للزِّراعةِ 1050 بمائِها.
6 - وكذا عند العادةِ: الحِبْرُ على النَّاسِخ، والخيطُ على الخيَّاطِ، والمِرْوَدُ 1051 على الكحَّال.
7 - والمرهمُ وتابعه عل الجرائِحِيِّ ونحوِهِ.
8 - والصبغُ على الصبَّاغ.
9 - ويُقاس عليه: الغسَّالُ والقصَّارُ.
10 - والطَّلْعُ على المُلقِحِ.
فإنِ اضطرَبَتْ وَجَبَ البيانُ، فإنْ لم يُبين بطلتِ الإجارةُ، وألحقوا بذلك على وجهٍ: الدُّهنَ على المرضِعَةِ، إنْ جرى عُرْفُ البلدِ بِهِ.
ولا يُستأجر فحْلٌ لضرابِهِ 1052 على الأصحِّ.
ولا بِرْكةُ حيتانِ لأخْذِ السمكِ منها؛ على النصِّ فِي "الإملاء" فإن استأجَرَهَا لِيحبِسَ 1053 فِيها الماءَ، فيَجتمِعَ السمكُ فيأخُذَه، صحَّ على الصحيح، كاستِئْجارِ شبكةٍ للصيدِ ونحو ذلك مِمَّا يقعُ على منفعتِهِ، ويأخذ بِها 1054 مباحًا.
والموجِر 1055 لنفسِهِ أو بوكيلِهِ هو المالِكُ للمنفعةِ الرشيدُ، إلَّا فِي عشرةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 229
مواضِعَ:
1 - المبيعُ قبل القبضِ ونحوِهِ.
2 - والمؤجِرُ قبل القبضِ مِن غيرِ المؤجِرِ.
3 - والمرهونُ مع حلول الدَّينِ بِغير إذنِ المرتَهِنِ.
4 - والعبدُ الذي تعلَّقتِ الجنايةُ برقبتِهِ كذلك.
5 - ومِلْكُ المُفلس.
6 - والمغصوبُ حيثُ لَا قُدرة للعاقِدِ على الانتِزاع.
7 - والآبِقُ.
8 - والزوجةُ الحرةُ بغير إذنِ الزوج.
9 - والمستأجرُ فِي إجارةِ الذِّمةِ.
10 - والموقوفُ عليه إذا كان الناظِرُ غيرَهُ.
ولا يمتنعُ على الموصَى له بالمنفعةِ حياتَهُ أن يؤجِّرَه؛ خِلافًا لما فِي الرافعيِّ، ومَن تبِعَه.
وللمقطِع أَنْ يؤجِّرَ إقطاعَه خِلافًا لمن منع.
والحُرُّ الرشيدُ يؤجرُ نفسَه، وكذا يؤجِرُ مستأجِرَه على الأصحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 230
ضابط
ٌ:
لا يقابَلُ شيءٌ مما يتعلَّقُ ببدن الحُرِّ بالعِوض اختيارًا إلَّا فِي ثلاثِ صورٍ:
1 - منفعتُه.
2 - ولبنُ المرأةِ، وبُضْعُها.
3 - وإجارةُ العبدِ نفسَهُ تقدمتْ فِي بيع العبدِ المأذونِ.
والإمامُ أو نائبُهُ يؤجِّرُ ما تعلَّق ببيتِ المال، أو المصالِح أو الذِي لَا يتعيَّنُ مالِكُهُ أو لا يُعرف، أو ما يتعلَّق 1056 بِمحجورٍ 1057 تحتَ نظرِهِ أو غائِبٍ، وعند النِّزاع بينَ الشَّريكينِ المُفضِي للتَّعطيل، أو 1058 موقوفِ المُفلس، ومستولدتِهِ عندَ امتناع المُفلس، ومستولَدَةِ الكافِرِ المُسلِمةِ، والوقف الذِي لا ناظِرَ لهُ أو شَرْطُ نظرِه له، والولِي يؤجِّرُ عن محجورِه، وكذا ناظِر الوقفِ الخاصِّ.
والمستأجِرُ مَن صَحَّ تصرُّفُه فيما يستأجِرُهُ بإطلاقِ تصرفٍ أو وِلايةٍ.
والإجارةُ وإن وردتْ على المنفعةِ فقد تكونُ على العينِ كالدَّارِ والدابَّةِ المُعينةِ، واستأجرتُك لِتعمَلَ بِهِ كذا 1059.
ولا يُشتَرَطُ تسليمُ الأُجرةِ [فِي هذِهِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 231
وتكونُ عَيْنًا ودَيْنًا ومنفعةً، وقد تكونُ فِي الذِّمة] 1060، كإلزام ذِمَّةِ غيْرِهِ خياطةً أو بناءً أو كُحْلًا 1061 بلفظ السَّلَم أو 1062 الإجارةِ؛ كاستئِجارِ دابةٍ موصوفةٍ لِحمْلٍ.
ولا بُدَّ مِن قَبْضِ الأُجرة فِي المجلِسِ، وحكمُها كرأسِ مالِ السَّلم 1063.
ولا يجوزُ أن تُجعلَ الأجرةُ شيئًا يحصلُ بعمل الأجِيرِ كاستِئْجارِ سلَّاخ بِجلدِ ما يسلخُهُ، أو طحانٍ بِجزءٍ مِن دقيقِ ما يطحنُهُ، أو بنخالتِهِ، أو المرضعةِ بحصَّةٍ مِن الرقيقِ المُرضعِ بعد فِطامِهِ 1064، وأمَّا فِي الحال فيجوزُ ولو لشريكِهِ 1065.
الجزء: 2 - الصفحة: 232
قاعدتان
: *
إحداهما
:
لا تصِحُّ إجارةُ 1066 العين لزمانٍ غير الزمان الذى يتصلُ بالعقدِ، إلا فِي أربع صورٍ:
1 - إحداها: إجارتُها مِن المستأجِرِ مُدَّةً تلِي 1067 مُدةَ إجارتِهِ والعِبْرَةُ بِمن يدُهُ مستمرةٌ لا بمن وقَعَ العقدُ معه؛ خِلافًا للقفَّالِ.
2 - الثانية: كِراءُ العقِبِ على الأصحِّ.
3 - الثالثة: الأجيرُ المعينُ للحجِّ غيرِ 1068 المَكيِّ فِي غيْرِ أشهُر الحجِّ فتقدمُ 1069 إجارتُه عند جماعةٍ على خروج النَّاسِ 1070 وإن بعُد ذلك وينتظرُ خُروجهم، وعند الكثيرِ لا تصحُّ إلَّا وقتَ إمكانِ الخُروج، والسيرِ على العادةِ، أو الاشتغالِ بأسبابِهِ، وبِمكةَ لا يستأجِرُ إلَّا فِي أشهُر الحجِّ، وفِي غيرها يجوزُ فِي غيرِ أشهُر الحجِّ قطْعًا.
4 - الرابعة: استأجَرَ عبدًا أو بَهيمة لعملٍ مدة على أن ينتفعَ بِهما الأيامَ دونَ الليالي؛ يصحُّ بخلافِ الحانوتِ؛ لانه إجارةُ مستقبَلٍ واغتُفِرَ 1071 فِي الحيوانِ؛
الجزء: 2 - الصفحة: 233
لأنه 1072 لا يُطيقُ دوامَ العملِ.
والأقربُ أن الإجارةَ غيرُ منقطعةٍ، واغتُفِر 1073 الاستثناءُ؛ لأنهُ تصريحٌ بمقتضى الإطلاقِ، وكذلك ما جرتْ فيهِ العادةُ ينقطعُ لقضاءِ حاجةٍ أو استراحةٍ ونحوهِما، كما يكونُ فِي 1074 زمنِ الطهارةِ، وصلاةِ الفرضِ والنافلةِ 1075 فيُستثنى 1076 من إجارةِ العملِ 1077 مُدَّة.
والسبتُ فِي استئجار اليهوديِّ مستنثى إن اطرد عُرْفهم به 1078 كما أفتى به الغزاليُّ، ويقاس عليه الأحدُ للنصرانِي.
والإجارةُ التي يتصلُ زمنُها بالعقد لابُدَّ من إمكان الانتِفاع بالعينِ عُقيب العقدِ إلَّا فِي صورتين:
- الأولى 1079: الدارُ المشحونةُ بالأمتعةِ إذا لم يمضِ فِي التفريغ زمنٌ لمثلِهِ أجرةٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 234
- الثانية: الأرضُ للزَّرع وعليها 1080 الماءُ الذِي ينحسرُ فِي وقتِ الزَّرع عادةً، وأما استئجارُ الأرضِ بمصرِ التِي لَا ماءَ لها إلَّا النيلُ الغالِبُ قبلَ الزيادةِ أو بعد الزيادةِ وقبل الرأي، فظاهِرُ النصِّ إبطالُ إجارتِها للزِّراعة، وأخَذَ بهِ بعضُهُم، وأجاز الماوردِيُّ فِي الثانيةِ.
وصحتُها 1081 يلزمُ منهُ تأخيرُ 1082 المنفعةِ المستأجَرِ لها عن العقدِ، فإنِ اغتُفِر ذلك كان مُستثنى وهُو الأصلحُ، والأحوطُ أن توقَعَ الإجارةُ فِي ذلك على أن ينتفع بِها ما شاء 1083. وأما الأرضُ التي لا ماء لها إلَّا فِي 1084 الغالِبِ 1085 فإنَّهُ إذا أَجَرَها أرضًا بيضاءَ لا ماءَ لَها يصنعُ بِها المستأجِرُ ما يشاءُ غيرَ البناءِ والغِراسِ، فإنهُ يصحُّ وتلزمُهُ الأجرةُ إذا استولى، زَرَعَ أو لم يزرعْ، وله الزرعُ إن أمكنَهُ، نَصَّ على ذلك كله.
الجزء: 2 - الصفحة: 235
القاعدةُ الثانيةُ:
المعجوزُ عنهُ شرْعًا مطلقًا أو نيابةً، كالمعجوز عنه حسًّا.
فلا يصحُّ الاستئجارُ لقَلْع سِنٍّ صحيحةٍ.
أو استئجارُ حائضٍ إجارة عينٍ لأمورِ فِي المسجِدِ ممتنعةٍ عليها، حتى لو استأجَرَ عينَها لأمورٍ تحتاجُ إلى مُكْثٍ فِي المسجِدِ، أو تردد فيه فحاضتْ، انفسخ العقْدُ.
ولو استأجَرَ لِقلْعِ سِنٍّ متألمةٍ 1086، فَسَكَنَ الوجَعُ انفسخَتِ الإجارةُ.
وما لا تدخُلُهُ النيابةُ مِن القُرَبِ المُفتقرةِ إلى النية لا يصحُّ الاستئجارُ عليه كالإمامةِ لصلاةٍ مفروضةٍ أو نافلةٍ.
ويستأجِرُ لفرضِ الكفايةِ [وإن تعيَّن على الأصحِّ، كتعليم مُعين وتجهيزِ ميتٍ، ولا يستأجِرُ لفرض الكفاية] 1087 شائعًا: كالجِهادِ، فلا يُستأجرُ المسلمَ له.
والقضاءُ والتدريسُ والإقراءُ تصدِّيًا فهما 1088 لغيرِ مُعين.
وأما الشِّعارُ غيرُ الفرضِ كالأذانِ، فيستأجِرُ له الإمامُ وغيرُهُ مِن المسلمين، ثُم إنِ استأجَرَ الإمامُ مِن بيتِ المالِ لم يفتقِرْ إلى بيانِ المُدةِ.
. ذكره البغوِيُّ.
وليس لنا موضعٌ يُستأجَرُ فيه لعمل بِلا نِهايةٍ ولا مُدَّة إلا هذا، إذ الإجارةُ تُقَدَّر بعملٍ لهُ نِهاية كخياطةٍ أو بناءٍ أو بزمانٍ معينٍ، لكنْ لا يزيدُ على مدة بقاءِ
الجزء: 2 - الصفحة: 236
ذلك الشيء غالبًا.
وتنفسِخُ الإجارةُ بانْهِدام الدَّار.
ويثبتُ الخيارُ بانقطاع ماءِ الأرضِ المستأْجَرةِ للزِّراعةِ وبالغصبِ والإباقِ، وإن سَكَتَ وانقضَتِ المُدَّةُ لزمتِ الأجرةُ فِي الانقِطاع دون غيرِهِ، وكذا حُكْم بعضِها، وليس الخيارُ فِي ذلك ونحوِهِ على الفورِ.
ولا تنفسِخُ 1089 الإجارةُ بالأعذارِ -كما إذا استأجر دابةً ليركَبَ عليها فمرِضَ- ولا بموتِ أحدِ العاقِدينِ إلَّا فِي أربعِ صورٍ:
1 - الموقوفُ عليه المؤجِرُ بطريقِ النظرِ المشروطِ له فِيما يتعلَّق بِهِ.
2 - والمُقْطعُ.
3 - والموصى له بالمنفعةِ حياتَهُ.
4 - والأجيرُ المُعينُ.
والمستأجرُ أمينٌ كالأجيرِ والحَمَّام.
وتستقرُّ الأجرةُ بالتَّسليم مَعَ 1090 مُضيِّ المُدة، أو إمكانِ العملِ فِي إجارةِ الذِّمة أو الأجِيرِ للعمل 1091.
وتستقِرُّ أُجرةُ المِثلِ فِي الفاسِدةِ، بما يستقِرُّ بِهِ 1092 المُسمَّى فِي الصحيحةِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 237
وإذا خاط قَبَاء وقال: "أذِنْتَ لي هكذا"، وقال صاحِبُهُ: "بل أذنتُ فِي قميصٍ"، فالقولُ لِصاحِبِهِ بيمينِهِ، فإذا حَلَفَ فلا أُجرةَ عليه، وعلى الخَيَّاطِ أرْشُ النقصِ.
* ضابط فِي الإبدال:
مُتَعَلِّقاتُ الإجارة مستوفٍ، ومستوفًى منه، ومستوفَى به 1093:
- فالمستوفِي: يجوزُ إبدالُهُ بِمِثلِهِ وبأخفِّ منهُ.
- والمستوفَى منه: المعين لا يُبدلُ وفِي الذِّمةِ يُبدل، وفِي الدابَّةِ المُعينة عما فِي الذمة تُبدلُ بالعيبِ والتوقُّف 1094، وليس للمؤجِرِ الانفرادُ بذلك على ما صححوه، والنصُّ فِي "الأم": له ذلك، وهو الأرجحُ.
ويجرِي ذلك فِي تقدُّم المستأجِرِ بمنفعتِها عند الفَلَس.
وجزموا بجوازِ إجارتِهِ إياها، وبالاعتِياضِ 1095 عن منفعتِها بعد تسلُّمِها 1096، وقواعِدُ المذهبِ شاهدةٌ بمنعِهما. - والمستوفَى به: كالصبيِّ المُعَيَّنِ لِلإرْضاعِ لا يُبدلُ على النَّصِّ، ويَنفرِدُ
الجزء: 2 - الصفحة: 238
على هذا بالمِنْفعةِ دُونَ الورَثةِ لو ماتَ أبُوه المُستأجِرُ له المُرضعةَ، وقِيل: تكونُ مُوروثةً.
وقد صرَّحَ بالخلافِ فِي ذلك فِي نظيرِهِ فِي الخُلْعِ: المَاورْدِيُّ، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 239
باب الجِعالة
هي بكسرِ الجِيمِ.
وهي لُغةً: اسمٌ لِمَا يُجعَلُ للإنسانِ على شيْءٍ يَفعلُهُ، وكذا الجُعْلُ والجَعِيلةُ.
وشرْعًا: التزامُ مُطلَقِ التصرُّفِ عِوَضًا مَعْلُومًا، قابِلًا للمُعاوضةِ، على عَملٍ مُعيَّنٍ مَعلومٍ 1097، أو مَجهولٍ، لِمُعيَّنٍ أوْ غيرِ مُعيَّنٍ.
وأصلُها مِنَ القُرآنِ قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ 1098﴾ 1099 بناءً على أن شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا مَا لَمْ يَرِدْ ناسخٌ، وفيه اختلافُ تَرجيحٍ.
ومِنَ السُنةِ:
حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ -رضي اللَّه عنه- فِي رُقيةِ اللَّدِيغِ بالجُعْلِ على قَطيعٍ مِنَ
الجزء: 2 - الصفحة: 240
الغَنمِ، وأنَّه رَقاهُ بالفَاتحةِ مِرارًا حتى بَرِئَ، وأَعطَوْهُم جُعْلَهم، وأنَّهم لَمْ يَقسمُوه 1100 حتى أتَوُا النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قالَ لهم: "قدْ أصبْتُمْ، اقسِمُوا 1101 واضْرِبُوا لِيْ مَعَكُمْ سَهْمًا" رواهُ الصحيحانِ 1102 وغيرُهما 1103.
ويُستنبَطُ مِنه جَوازُ الجِعالةِ على ما يَنتفِعُ به المَريضُ مِن دَواءٍ أوْ رُقيةٍ ولَمْ أرَ مَنْ صرَّحَ بِه.
وأصلُ الجِعالةِ مُتفقٌ علَيه.
ومِنْ صُورِها 1104: "مَن ردَّ عَبدِي"، أو: "بَنى لِي حَائطًا"، أوْ: "دَلَّنِي على مالِي" أوْ: "أخبَرَنِي بكذا" -عند القَفَّالِ خِلافًا لِلْبَغوِيِّ- أوْ: "رَدَّ عَبْدَ فُلانٍ":
الجزء: 2 - الصفحة: 241
فلَهُ عليَّ كذا.
ولا بُدَّ فِي الكُلِّ 1105 أَنْ يكونَ العِوَضُ مَعْلُومًا 1106 إلا فِي صُورةِ العِلْجِ، فسيَأتِي فِي السِّيَرِ.
وإنما يَستحِقُّ الجُعْلَ أو 1107 حِصَّةً مِنَ المَردودِ عِنْدَ المُتولِّي مَن سَمِعَ النِّداءَ مِن المُلتزِمِ أوْ مِمَّنْ أَخبَرَ عنه إنْ صدَّقَه الأصْلُ 1108.
ولَو كانَ السامِعُ صغيرًا أو مَجنونًا إذا عَمِلَ السامعُ العَملَ المَقصودَ بنَفْسِه أو بِوَكيلِه أوْ بِعَبْدِه أوْ بِمُعاوِنِهِ لَه خاصةً [مَعَ بَقاءِ العَقْدِ، ولا بَرَأَةَ بالقِراضِ إلا إذا سلَّمَ المضمونُ ثَمنَ ما اشْتراهُ على الأرْجَحِ] 1109 ولو ردَّهُ 1110 مَنْ كانَ فِي يَدِه كالآبِقِ لا كالدَّراهِمِ ونحوِها، أوْ دلَّه مَنْ ليس فِي يَدِه فِي صُورةِ مَنْ دلَّنِي.
ولَوْ عَمِلَ جَماعةٌ سامِعُونَ فهُو بَيْنَهم، فإنْ تَفاوَتَ جُعْلُهم، فلِكُلِّ قِسْطٍ جُعْلُهُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 242
* ويَستحِقُّ القِسْطَ مِن المُسمَّى فِي خَمْسِ صُورٍ:
1 - إحداها: إذا عاوَنَ 1111 المعيَّنُ غيرَه، ولمْ يَقصِدْ 1112 العمَلَ للْمُعيَّنِ.
2 - الثانيةُ: رَدَّهُ 1113 مِن مَكانٍ أقْربَ مِن المُعينِ، ولا يُريدُ إنْ زَادَ.
3 - الثالثةُ: قال فِي عَبدَيْنِ: "مَنْ ردَّهُما فلَهُ كذا" فَردَّ واحدًا مِنْهُما، فلَهُ النِّصْفُ.
4 - الرابعةُ: خَاطَ نِصْفَ الثَّوبِ، ثُم احْتَرَقَ وهو فِي يَدِ المَالِكِ، فإنه يَستحِقُّ نِصْفَ المَشْروطِ.
صرَّحَ به ابنُ الصَّباغِ.
وقياسُه فِي الصبيِّ يُعلمُ بعضَ المَطْلوبِ، ثُم يَموتُ الصبيُّ أنه يَستحِقُّ القِسْطَ مِن المُسَمَّى خِلافًا لِقَوْلِهم: "يَستحِقُّ أُجْرةَ مِثْلِ 1114 ما عَمِلَ".
5 - الخامسةُ: ماتَ العبدُ 1115 أو المَالِكُ فِي أَثناءِ العَملِ، فالمُستحَقُّ القِسطُ حتى فِي ردِّ بَعضِ المَسافةِ إذا تَمكَّنَ صاحبُه منهُ بِسبَبِ ما سَبقَ مِنَ العَملِ.
وقِياسُه فِي المَالكِ إذا فَسَخَ فِي أثْناءِ العَملِ أنَّ العَاملَ يَستحِقُّ 1116 القِسْطَ لِما مَضى، خِلافًا لِقَوْلِهم: "يَستحِقُّ أُجرةَ المِثْلِ".
وأمَّا فِي المُستقبَلِ، فلا شَيْءَ إن عَلِمَ بَالفَسخِ، ثُم عَمِلَ، وإنْ لَمْ يَعْلمْ حتَّى
الجزء: 2 - الصفحة: 243
تَمَّمَ 1117 العَملَ، فإنْ كانَ مُعيَّنًا استحَقَّ على الأرْجحِ، وإنْ كانَ غَيرَ مُعيَّنِ وأَعلَنَ المَالِكُ النِّداءَ بالرُّجوعِ، فلا شَيْءَ لَه، وإلَّا فَلَهُ.
ذكرَهُ المَاورْديُّ والرُّويانيُّ.
وكذا الحُكْمُ فيما قَبْلَ العَملِ؛ خِلافَا لِمَا وقَعَ فِي" الشرحِ" 1118 و"الرَّوضةِ" 1119.
ويَستحِقُّ أُجرةَ المِثْلِ عِندَ فَسادِ العِوَضِ 1120 أو 1121 ذِكْرِ المُدةِ أو الفَسخِ بالتحالُفِ لِلاخْتلافِ فِي قَدْرِ المَشروطِ، والقَوْلُ لِلْعامِل بِيَمينِه فِي أنه سمِعَ النِّداءَ، والقَولُ لِلْمالكِ فِي أنَّه لَمْ يَعملْ، وأنَّ المَردودَ ليس هو المعيَّنَ، وأنه لَمْ يَشْتَرِطْ 1122 شَيئًا، والمردودُ أمانة، ولو اتفقَ العامِل عليه لَمْ يَرجعْ.
والتحقيقُ: أنَّه يرجعُ إذا استأذَنَ الحاكِمَ أو ما فِي مَعناهُ، ومَتى رَفعَ يَدَه باختِيارِه عَنِ الضالَّةِ قَبْلَ التَّسليمِ ضَمِنَ، واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلَمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 244
باب إحياء الموات والحقوق المشتركة العامة وما يتبعها
المَواتُ والمَوَتانُ: بفَتحِ المِيمِ والواوِ، والميتُ والميتةُ: الأرضُ التي لَم تُعمَرْ قَطُّ 1123، ويُطلَقُ الميتُ والميتةُ على التي لَمْ يُصبْها ماءٌ 1124.
ومقصودُ البابِ الأولُ 1125، والترجمةُ فيها مَجازٌ مِن جِهَةِ الإحْياءِ والمَواتِ.
عن عائشةَ -رضي اللَّه عنها- أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَن أَعْمَرَ أرْضًا لَيْسَتْ لِأحَدٍ، فَهُو أحَقُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 245
بِهِ 1126 " 1127. رواه البخاريُّ.
وعن سَعيدِ بنِ زيدٍ 1128 -رضي اللَّه عنه- عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن أحْيَا أرْضًا مَيِّتةً فهِيَ له، وليْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حقٌّ".
رواهُ أصحابُ السُّننِ إلَّا ابنَ ماجه، وقال الترمِذِيُّ: حديثٌ حَسنٌ غريبٌ 1129.
الجزء: 2 - الصفحة: 246
وعنْ جابرٍ -رضي اللَّه عنه-: عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أَحْيَا أرضًا مَيِّتةً فَهِي لَهُ".
رواه الترمذيُّ.
وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، والنسائيُّ 1130.
وفِي البابِ أحاديثُ غَيرُ هذِه عَن جَماعةٍ مِنَ الصحابةِ رضي اللَّه تعالى عنهم.
وفِي رواية لِجابرٍ: "مَنْ أحْيَا أرضًا ميتةً فلَه بِهَا أجْرٌ" 1131. رواهُ أحمدُ وهو = قال ابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 283): "هذا الاختلاف على عروة يدل على أن الصحيح في إسناد هذا الحديث عنه الإرسال".
وقال الدارقطني في "كتاب العلل" (4/ 414 - 415): والمرسل عن عروة أصحُّ.
وذكره أيضًا في "العلل" (5/ 25/ ب) وقال: "يرويه الزهري، وابن أبي مليكة، وهشام ابن عروة، واختُلف عنهم، فأما الزهري: فروى حديثه زمعة بن صالح، عنه، عن عروة، عن عائشة، وغيرُه يرويه عن الزهري مرسلًا، وأما ابن أبي مليكة.
. . "، وذكر الاختلاف فيه، ثم قال: "والصحيحُ عن هشام، عن أبيه مرسلًا".
الجزء: 2 - الصفحة: 247
يدلُّ على استِحبابِ الإحْياءِ، وفِي رِوايةِ الشافعيِّ مِن حَديثِ طُاوسٍ مُرسلًا: "هذه (1) الأرضُ للَّه ولرَسولِهِ، ثُمَّ هِي لكُم منِّي" (2). وهذا خِطَابٌ لِلْمُسلمِينَ.
الأرضُ قِسمانِ: أرضُ مُسلمِينَ وأرْضُ كفَّارٍ.
1 -
القسمُ الأولُ: عَامِرٌ وغَيْرُ عَامرٍ:
فالعامرُ: مَمْلوك، أوْ مَوقوفٌ.
وغيرُ العامِرِ: إنْ 1134 لَمْ يُعمَرْ قَطُّ، ولمْ يَتعلَّقْ به حَقٌّ يَملِكُه المُسلمُ بالإحياءِ، وكذا إنْ عَمَرَ جَاهليةً على ما رجَّحُوهُ، وإذا 1135 لَمْ يُعْلَمْ كَيفيةُ استيلاءِ المُسلمِينَ علَيهِ، فإنْ عُلِمَ عُمِلَ بِمُقتضاه مِنْ غَنيمةٍ أو فَيْءٍ.11321133 = عبد الرحمن بن رافع بن خديجٍ، قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه، يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أحيا أرضًا ميتةً، فله بها أجرٌ، وما أكلت العافية، فله بها أجرٌ".
الجزء: 2 - الصفحة: 248
والتحقيقُ لا يُملَكُ بالإحياءِ مُطْلَقًا لِتَحقُّقِ سَبْقِ المِلْكِ (1). ويَمْلِكُ المُسلِمُ ما عَمَّرَهُ كافرٌ فِي مَواتِ الإِسْلامِ، إذا نَقَلَ مالَه، وإنْ لَمْ يأذنِ الإمامُ فِي الصُّورِ كُلِّها (2).
- وليْسَ لَنا مَوضِعٌ يُعتبَرُ فيه إذنُ الإمامِ فِي الإحياءِ [فِي غيرِ الحِمى، لأنَّه نقضٌ] (3) إلا فِي صُورتَينِ على وجهٍ ضعيفٍ (4):
- إحداهُما: فِي عِمارَةِ الكافرِ إنْ بَقِيَ أثَرُها.
- الثانيةُ: إحياءُ ذِي العهْدِ فِي بِلادِ الإسْلامِ.
2 -
القسمُ الثاني: أرضُ الكفارِ،
ما كان مَعمُورًا منها مِلْكٌ لا مَدخَلَ للإحياءِ فيه ومَا لَمْ يَكنْ 1140 مَعمُورًا قَطُّ يملِكُه الكَافرُ بالإحْياءِ، وكذا المُسلِمُ، فيما لَم يَذُبَّ عنه المُسلمِينَ.
وما استولَيْنَا علَيه مِن مَواتِهم بِقِتالٍ، فأصحابُ الغَنيمةِ أحقُّ بإحيائِه، أو بِصلْحٍ فأهْلُ الفَيءِ أحَقُّ بإِحيائِه يُحْيِيهِ الإمامُ لَهم.
وما صُولِح الكفَّارُ عليه على أنَّ البَلَدَ لَهُم، فيَختصُّونَ بإِحياءِ مَواتِه، وإنْ لَمْ1136113711381139
الجزء: 2 - الصفحة: 249
يُشرَطْ فِي الصُّلحِ على الأصحِّ إذا كان مِن مَرافقِهم.
وضَبَطَه بعْضُهم بأنْ يَذبُّوا عنه، وفيهِ نَظرٌ.
ولا يُمْلَكُ بالإحياءِ ما تَعلَّقَ به حَقٌّ خاصٌّ أو عامٌّ، كحَرِيمِ الدَّارِ، وهو مِلْكٌ لِصاحِبِها على الأصحِّ، ولا يُفرَدُ بالبَيعِ كشِرْبِ الأرضِ، وهو مَوضِعُ مَطْرَحِ 1141 الترابِ ونحوِه، والمَمرِّ فِي جِهَةِ الباب وكَحَريمِ البِئْرِ نَحوِ مَوْضِعِ الدُّولابِ 1142، ومُتردِّدِ البَهيمةِ ووُقوفِ النَّازِحِ، وصَبِّ 1143 الماءِ ونحوِه.
وحُريمُ القَناةِ الذي لو حُفِر لَنَقصَ مَاؤُها أو خِيفَ انهيارُها 1144.
وحَريمُ القريةِ مُجتمَعُ النادِي ومُرتكَضُ الخَيلِ ومَناخُ الإبِلِ، ومَطْرَحُ الرَّمادِ، ونحوه، وما قَرُبَ مِن المَرعى المستقلِّ بِه، وكذا المحتطَبُ، وكلّ ذلك فِي حَريمِ الأملاكِ بالمَواتِ 1145.
والدارُ المَحفوفة 1146 بالمَساكِنِ لا حَريمَ لَها 1147.
- ومِنَ الحُقوقِ العامَّةِ: الطُرُقُ والمُصلَّى خَارِجَ البَلَدِ، ومنه عَرفاتٌ، فلا
الجزء: 2 - الصفحة: 250
تُملَكُ بالإحياءِ على الأصحِّ 1148، وأَلْحَقَ صاحبُ "الرَّوضةِ" 1149 فِيها، وفِي "المنهاجِ" 1150: مِنًى ومُزدلِفَةَ 1151 بِعَرفاتٍ.
وفِي نَصِّ الشافعيِّ -رضي اللَّه عنه- نقَلَه الحاكِمُ والبَيهقِيُّ فِي "مناقبِه" 1152 -يَدُلُّ على جَوازِ البِناءِ بِمنًى، وقدْ جَرى على ذلك عَملُ الناسِ.
- ومِن الحُقوقِ العامَّةِ التي لا تُملَكُ بالإحياءِ: المَعادِنُ الظاهرةُ كالنَّفْطِ ونحوِها 1153.
- ومنها: حافَّاتُ الأنْهارِ، وأما المعدِنُ الباطِنُ فلا يُملَك بمُجرَّدِ الحَفْرِ والعَملِ على الأظْهرِ، لكنْ مَنْ أحيَا مَواتًا، فظَهرَ فيه مَعدِنٌ باطنٌ يَملِكُه قَطْعًا.
ولَيس مِن الحقِّ المَانعِ مِنَ الإحياءِ 1154 تحجُّرٌ بِبَعضِ عَمَلٍ، ولا أعلامٌ بنَصْبِ أحْجارٍ، وهو أحَقُّ به ما لَمْ يطُلْ، ولا يصِحُّ بيعُه، ويَنقُلُه لِغَيرِه ويُورَثُ
الجزء: 2 - الصفحة: 251
عَنه.
فإنْ طَالتِ المُدَّةُ أمَرَهُ السُّلطانُ بالإحياءِ أو 1155 التركِ، فإنِ استَمْهلَ أمْهلَه مَا يَرَاهُ مِن القريبِ 1156، ولا يُتقدَّرُ بثلاثةِ أيامٍ فإذا مَضى بَطَلَ حقُّه.
وما أقْطَعَه الإمامُ مِنَ المَواتِ ولَمْ يُقدَرْ 1157 على إِحيائِه يَصيرُ المُقْطَعُ أحَقَّ به، ولَو أحْياهُ غيرُه مَلَكَهُ.
ومدارُ الإحياءِ على القصْدِ والعُرْفِ 1158، فمَن قَصدَ مسجِدًا أوْ عَمَرَهُ على العادةِ فِي مِثْلِ ذلك صارَ مَسجِدًا مِن غَيرِ احتياجٍ إلى تَلفظٍ بِوَقْفٍ لاقْتِرانِ الفِعلِ بالقَصدِ ويَزولُ مِلْكُه عنِ الآلةِ، باستِقْرارِها فِي مَواضعِها وكذا قَبْلَ استِقْرارِها إذا صَرَّحَ بأنها للْمَسجدِ، نقَلَ ذلك المَاوَرْديُّ فِي الوَقْفِ.
وفيما ذَكَرَ 1159 فِي الآلةِ قَبْلَ استِقرارِها نَظرٌ.
والظاهرُ: أنه لا يملِكُ البُقْعةَ 1160 تَقديرًا، ويَجرِي مِثلُ ذلك فِي البِئْرِ المَحفورةِ فِي المَواتِ للسَّبيلِ وما يُحيى بِقَصْدِ 1161 المَقبرةِ المُسَبَّلةِ ونحوِ
الجزء: 2 - الصفحة: 252
ذلك 1162، قلتُه تَخريجًا.
والحافِرُ للارْتِفاقِ أحَقُّ إلى أن يَرتَحِلَ، ويَجِبُ بَذْلُ الفاضِلِ عن شُرْبِه، وشُرْبِ آدَميٍّ مُحْترَمٍ مَعه لِمَنِ احْتاجَ إلَيهِ لِشُرْبِ آدَمِيٍّ مُحْترَمٍ، وعَنْ شُرْبِه ومَواشِيه وزَرْعِه لِماشِيَةِ غَيرِه.
والمَحفورةُ للمِلْكِ مَمْلُوكةٌ، وكذا ماؤُها على الأصحِّ.
ويَجِبُ بَذْلُ الفاضِل فِي مُستقَرِّهِ للرُّعاةِ، وكذا لِلْماشِيةِ إذا لَمْ يَجِدْ صاحبُها ماءً مُباحًا، وكانَ هُناكَ 1163 كَلأٌ يُرعَى مِنه، ولا يَأخُذُ عِوَضَه على الأصحِّ.
والمَحفُورةُ بِلَا قَصْدٍ مَمْلوكةٌ على الأصحِّ.
ومِن ذلك يُعلَمُ 1164 أنَّ القَصْدَ غَيرُ مُعتَبَرٍ فِي حُصولِ المِلْكِ، وإنَّما يُعتبَرُ فِي تَعيِينِ 1165 ما قُصِدَ، فيُعتبَرُ فيه حِينئذٍ العُرْفُ، وإنَّما يَحصُلُ فِي الصُّوَرِ كلِّها الإحياءُ فِي البِئْرِ إذا وَصلَ إلى الماءِ.
ولا بُدَّ مِنَ البِناءِ المُعتادِ إنْ كانَتِ الأرضُ حفرةً 1166.
ويُعتبَرُ فِي القَناةِ مَع الحَفْرِ وخُروجِ المَاءِ جَريانُه.
وفِي حَفْرِ النَّهرِ إذا انْتَهى إلى القَدِيمِ مِن غَيرِ أَنْ يَجرِيَ الماءُ كفَى عِندَ المُتوَلِّي، وهُوَ الأقْوَى، خِلافًا لِلبغَوِيِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 253
وفِي المُزارَعةِ: تُعتبَرُ تَسويةُ الأرضِ، وجَمْعُ تُرابٍ، أوْ نَصْبُ حَجَرٍ، أوْ شَوكٍ حَوْلَها، وتَرتيبُ ماءٍ إنِ احْتيجَ إلَيه.
وفِي المَسْكَن: يُعْتَبَرُ التَّحويطُ، وتَسقيفُ بعْضِه، ونَصْبُ البابِ.
وفِي الزَّريبةِ: التَّحويطُ، ونصْبُ البابِ، ويُعتبَرانِ فِي البُستانِ مَع غَرْسِه، وتَرتيبُ ماءٍ إنِ احتيجَ إليه، وحيثُ اعتِيدَ تَرْكُ تَحْويطِه يَكفِي جَمْعُ تُرابٍ ونَحوِه حَوْلَه، واللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 254
فصل
1167
منفعةُ الشَّارعِ الأصليةِ السُّلوكُ، ويَجوزُ الوقوفُ فيه، والجُلوسُ، لاستِراحةٍ 1168 ونحوِها، وكذا المُعامَلةُ إنْ لَمْ يُضيِّقْ على المارَّةِ 1169.
ولَه أن يُظلِّلَ عليه بِمَا لا يَضرُّ، والسابِقُ أَحَقُّ، وإنْ طَالَ عُكوفُه حتى يَتْرُكَ الحِرْفةَ 1170 أوْ يَنتقِلَ أوْ يُفارِقَ بِحيثُ تَنقطِعُ عنه 1171 الآفَةُ 1172.
ولا يَبنِي فِي الشارعِ دِكَّةً، ولا يَغرِسُ شَجرةً، وإنْ لَمْ يَضُرَّ على الأصحِّ.
ويُقْطِعُ الإمامُ مِنَ الشارعِ لِلارتِفاقِ ما يَراه بِلَا عِوَضٍ 1173.
وجَوَّزَ أبو إسحاقَ أخْذَ العِوَضِ عَن مَقاعِدِ الأسواقِ، وقال: خَالفتُ 1174 أصحابِي فِيه، وفِي أخْذِ العِوَضِ عن حَدِّ القَذْفِ وحَقِّ الشُّفعةِ.
وليس لِلمُقْطَعِ أَنْ يَبنِيَ فيه، ولَا يَتملَّكَه؛ خِلافًا لِمَا فِي "الشرحِ"
الجزء: 2 - الصفحة: 255
و"الرَّوضةِ" 1175 فِي الدِّيَاتِ.
ويَجوزُ أن يَبنيَ فيه مَسجِدًا لا يَضرُّ بالمارَّةِ.
كذا قالُوه 1176، والقِياسُ: منعُه.
ويَشرَعُ فيه المسلمُ الجَنَاحَ بِحَيثُ لا يَضرُّ.
والزُّقاقُ غَيرُ النافِذِ مَمْلوكٌ لِأهلِه، وشِركَةُ كُلِّ أَحَدٍ تَختضُ بما بيْنَ رأسِ الدَّرْبِ، وبابِ دَارِه، ومَن 1177 فتحَ فيه بابًا مَنْ لا بَابَ لَه فِي الدَّربِ، فلَهم 1178 مَنعُه، ولَو كانَ هُناكَ مَسجدٌ أوْ بئرٌ مُسبَّلةٌ عُلِمَ سَبْقُ المِلْكِ فِيهِما.
ولَو قالَ المُلاصِقُ "افتَحْهُ 1179 وأسْمِرْهُ"، مُنِعَ على الأَفْقَهِ، خِلافًا لِما صحَّحَه فِي "المُحرَّرِ" 1180.
ومَنْ فَتحَ فيه 1181 مِنْ أهْلِه بابًا وسَدَّ القَديمَ لَمْ يُمنعْ إنْ كانَ الحَادِثُ إلى رأسِ السِّكَّةِ أقْربَ، وإلا مَنَعَهُ مَنْ له منعُهُ شِركةٌ، وكذا يَمْنعُه مِن إشْراعِ الجَناحِ، وإنْ لَمْ يَضرُّ، ولا يُمنعُ مِن فَتْحِ بابٍ مِن إحدى دَارَيْهِ لِلْأُخْرَى، ولَو كانَا فِي دَرْبَينِ غَيرِ نَافِذَيْنِ على الأصحِّ.
والمَنفعَةُ فِي المَسجدِ للصلاةِ، والاعتكافِ، وتعْلِيمِ القُرْآنِ، والعِلْمِ، والفتوى، وهو أحقُّ فِي التَّعلِيمِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 256
والفَتْوى 1182 فِي ذلك المَوضِعِ كما فِي الجَالِسِ 1183 فِي الشَّارعِ لِلْمعامَلةِ، خِلافًا لِنَقْلِ 1184 المَاوَرْديِّ فِي جَعْلِهِ كالجَالسِ للصلاةِ يَصيرُ أحَقَّ بِه فِي مرَّةِ السَّبقِ، إلا إنْ فَارقَ بغَيرِ عُذْرٍ.
وفِي مَعْدِنٍ ظاهرٍ يُقدَّمُ السابقِ بِقدْرِ الحَاجةِ عادةً.
وإنْ ازْدَحمَ اثنانِ فِي الصُّوَرِ كلِّها أُقْرِعَ.
والأعلى يَستقِي مِن ماءٍ جَرَى بِنفْسِه إلى الكَعْبِ، ويُمنَعُ مَن قَطَعَ مِنْه، والمُحرزُ منه فِي طرفٍ مَمْلوكٍ على الأصحِّ.
ويَحمِي الإمامُ والوُلاةُ فِي النَّواحِي لِنَحْوِ نَعَمٍ الصَّدقةِ بِمَا لا ضَررَ فيه، ولِغَيرِه مِنَ الأَئِمةِ نقْضُهُ بالمَصْلحةِ، لا النَّقيع -بالنون 1185 - حِمَى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأنَّه نصٌّ.
ويَتصرَّفُ كُلُّ أَحَدٍ فِي مِلْكِه بالعَادةِ 1186، وبِخلافِها إذَا احْتاطَ، وأَحْكمَ، ولَمْ يَضرَّ بِدقٍّ مُزعجٍ، ولا دُخَانٍ ونحوِه.
ويُمنَعُ الذِّمِّيُّ مِن بِناءٍ مُساوٍ لِبناءِ جِيرانِهِ المُسلِمينَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 257
باب الوقف
هُو لُغةً: تَرْكُ تَصرُّفٍ 1187 بِمعنى التَّحبِيسِ والتَسبيلِ، يقال: "وقَفْتُ كذا وحبَّستُه"، و"حبَّستُ": أكثرُ استعمالًا، ويقالُ: "أوْقفْتُه" فِي لُغةٍ رَديئةٍ.
وشَرْعًا: تحبيسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عَينِه، بقَطْعِ التصرُّفِ فِي رقَبتِه على مَصرِفٍ مُباحٍ مَوجودٍ.
ومَنْ يَعتبِرُ اتصالَه يَزيدُ فيهِ "بِما يَقتضِيه" ومَنْ يَعتبِرُ القُرْبةَ يزيدُ فيهِ "تَقرُّبًا إلى اللَّه تعالى".
وأصلُه: ما روا ابنُ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- أنَّ 1188 عُمَرَ بْنَ الخطابِ -رضي اللَّه عنه- أَصابَ أرضًا بِخيْبَرَ فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أَصبْتُ أرْضًا بَخَيبَرَ لَم أُصِبْ مالًا قَطُّ هُو عِندي أنفسَ مِنْه فما تأمُرنِي؛ قال له النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنْ شِئْتَ حبَّستَ أصلَها وتصدَّقتَ" قال: فتَصدَّق بِها عُمَرُ أنه لا يُباعُ أصْلُها ولا يُورَثُ ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 258
يُوهَبُ، وذكرَ مَصارِفَها.
أخرجَه الصحيحانِ 1189.
وفِي روايةٍ للبخاريِّ 1190 قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تصدَّقْ بأصلِهِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، ولَكِنْ تُنفَقُ ثَمرتُهُ" 1191.
وفِي "الصحيحينِ" مِن طَريقِ أبي هُريرةَ -رضي اللَّه عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي حقِّ خالدٍ أنَّه احتَبسَ أدْراعَهُ وأَعْتادَهُ فِي سَبيلِ اللَّهِ 1192.
وفِي "صحيحِ مسلمِ" عَنْ أبي هريرَةَ -رضي اللَّه عنه- عَنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قالَ: "إذَا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا مِن ثلاثٍ: مِن 1193 صَدقةٍ جَاريةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنتفعُ به، أوْ ولَدٍ صَالحٍ يَدعو لَه" 1194.
والصدقةُ الجاريةُ مَحمولةٌ عِندَ العُلَماءِ على الوقْفِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 259
وذَكَرَ المَحَامِلِيُّ أنَّ التبرُّعاتِ ستة:
1 - الصدَقةُ.
2 - والوَقْفُ.
3 - والهِبةُ.
4 - والعُمْرَى.
5 - والرُّقبى.
6 - والوَصيةُ.
ويُزادُ عليه: الإباحةُ.
والمرادُ التبرعُ بالأعيانِ غَيرِ (1) العِتْقِ ومُقدِّماتِه.
ويُعتَبَرُ فِي الوقْفِ أَنْ يَصدُرَ مِنْ مالكٍ مُطْلَقِ التصرُّفِ أوْ وَكيلِه إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ:
1 - إحداها: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ أملاكِ بيْتِ المَالِ على ما يَقتضِيه النَّظرُ، صرَّحَ به القَاضِي الحُسَينُ، والنَّصُّ فيما بعدَها يَشهَدُ لَه.
2 - الثانيةُ: ما يقِفُه الإمامُ مِنْ رِقابِ أراضِي الفَيْءِ، نَصَّ عليه وأَخذَ بِه الجُمهورُ.1195
الجزء: 2 - الصفحة: 260
3 - الثالثةُ 1196: ما يقِفُه الحاكِمُ مِن بَدَلِ الوَقْفِ المُتْلَفِ المُبتاعِ بِقِيمتِه.
4 - الرابعةُ 1197: ما يقفُه الحاكمُ مِن رِيْعٍ اشَترَطَ أنه يُشترِى به ويوقَفُ.
5 - الخامسةُ 1198: ما يقِفُه مَن شُرِطَ له ذلك مِن ناظِرٍ أوْ وصِيٍّ، وإنْ لَمْ يَكنْ حاكمًا، وما شُرِط أَنْ يُشتَرَى ويَكونَ وَقفًا، أوْ له حُكمُ الوَقفِ، لا يَحتاجُ إلى لَفْظٍ.
ولا بُدَّ لِلْوقْفِ مِنَ الصِّيغةِ فِي غَيرِ هذه، إلا فيما سَبقَ فِي إحياءِ المَواتِ، وفيما يَأخذُه الإنسانُ مِنَ الناسِ لِيَبنِيَ بِه زَاوِيةً أوْ رِباطًا، فإنه إذا بنَى يَصيرُ وقْفًا على ما كان يَأخُذُ له، ذَكرَ ذلك الشيخُ أبو مُحمَّدٍ على طَريقةِ ابْنِ سُريجٍ، وذَكرَ الإمامُ أنه لا حاجةَ إلى لَفْظٍ فِي مَصيرِ ما يُجعَلُ شَارعًا.
ومِن صَرائحِ الصِّيغةِ: "وقفْتُ" أو "حَبَّسْتُ" أو "سَبَّلْتُ" أو "تصدَّقتُ به صدقة مُحرَّمةً أو مَوْقوفةً، أوْ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ".
ومِن الكِنايةِ: "حرَّمْتُ" أو "أبَّدْتُ".
ويحتاجُ إلى 1199 نِيةِ الوَقفِ.
و"تصدقْتُ" إنْ نَوى بِه وَقْفًا على جِهَةِ عامَّهٍ، صحَّ، وإنْ نَواه على مُعيَّنٍ لَمْ
الجزء: 2 - الصفحة: 261
يَكنْ وقْفًا، بلْ هو تَمليكٌ، ولا يَحتاجُ إلى قَبولٍ إذا وقَفَ على غَيرِ مُعيَّنٍ 1200، ولا 1201 على المُعيَّنِ على ظَاهرِ النَّصِّ المُختارِ، وقَطَعَ بِه جَماعةٌ 1202، خِلافًا لِما صَحَّحه فِي "المحرَّرِ" 1203، تَبَعًا لِلْإمامِ وغيرِه.
وعلى الوَجْهَينِ: إذا ردَّ بَطَلَ حقُّه، خِلَافًا للبَغويِّ، وما قاله حَسَنٌ، ولو ردَّه ثم رَجَعَ قَبْلَ حُكمِ الحاكِمِ بِرَدِّه كان له ذلكَ، قالَه الرُّويانيُّ، وفيهِ نَظرٌ.
ولا يُشتَرَطُ قَبولُ النَّظرِ 1204 الثاني، ولا عَدَمُ رَدِّهِم على الأرْجَحِ.
ولا أَنْ يَقولَ الواقِفُ: أخرجْتُه مِنْ مِلْكي، علَئ المَشهورِ، ولا أن يَقبِضَه المَوقُوفُ عليه قَطْعًا، خِلافًا لِما 1205 شذَّ به المَرْعَشيُّ والجُرجانيُّ.
وإذا بَطَلَ بالردِّ فهو مِن صُوَرِ مُنقطِعِ الأَوَّلِ، وهو بَاطلٌ على الأصَحِّ، ويَصِحُّ مُنقطِعُ الوسطِ، والآخِرِ على الأصحِّ.
ويُعتبَرُ فِي المَوقُوفِ أن يكونَ عَينًا مُعينةً مَمْلوكةً قابلةً للنَّقْلِ تُعَدُّ 1206 عَيْنًا كثمرةٍ أوْ مَنفعةٍ تُستعارُ لها، كفَحلٍ لِضِرابٍ، وإنْ كانتْ مُنتظَرةً كما فِي العَبدِ والجَحْشِ الصغِيرَيْنِ، والمُؤْجَرِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 262
ولا يصحُّ وقفُ الكلْبِ والمُستولَدةِ والمُكاتَبِ، ولا الحُرِّ نفسَهُ.
ويصحُّ فِي المُدَبَّرِ ومعلِّقٍ للعِتْقِ.
ولا يَبطُلُ الوَقْفُ عِندَ وُجودِ الصِّفةِ فيهما على الأصحِّ، خِلَافًا لِلْبغَويِّ والرَّافِعِيِّ ومَن تَبِعَهما، لِخُروجِه عَن مِلْكِ الواقِفِ قَبْلَ وُجودِ الصِّفةِ.
ويصحُّ وقْفُ البِناءِ والغِراسِ وإنْ لَمْ تَكنِ الأرضُ مَمْلوكةً لِمالِكِهما 1207، ووقْفُ 1208 مَا لَمْ يَرَهُ على الأصحِّ فَيهما، ولا خِيارَ له عِندَ الرُّؤيةِ.
ويُعتبَرُ فِي المَوقوفِ عليه المعيَّنِ أن يكونَ أهلًا للمِلْكِ غيرَ مستحِقٍّ القْتلَ لِحَقِّ اللَّهِ تعالى، فلا يَصحُّ على الجَنينِ 1209 خِلافًا لِما جَزمَ به الزازُ، ولا على العَبْدِ نفْسَه 1210 ولَوْ مُكاتَبًا، خِلافًا لِلْمُتولِّي ولا على مُرتدٍّ وحربيٍّ 1211، على الأصحِّ فِي الثلاثةِ.
وقياسُهُ: أن لا يصحَّ على زانٍ محصَنٍ وتاركِ صلاةٍ، وإنْ أطْلَقَ الوقْفَ على العبدِ 1212 كانَ وقْفًا على سيِّدِه، والوَقْفُ على البَهيمةِ لاغٍ، وإنْ أطْلَقَه.
ويَبْطُلُ وَقْفُ الإنسانِ علَى نفْسِه على الأصحِّ المَنصوصِ، ولأ يُستثْنَى مِنْ ذلك ما ذَكرَه ابنُ يُونُسَ ومَن تَبِعه: مِن 1213 أَنْ يَقِفَ ذلك على صِفَةٍ تَنْحصِرُ فيه
الجزء: 2 - الصفحة: 263
كالأفْقَهِ مِنْ بَنِي فُلانٍ؛ لأنَّه لَو وَقفَ على وَلَدِه، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ولَدِه على وَارثِه، وكان بَعْدَ وَلدِه هو أحَدُ ورَثتِه ففِيها وجْهانِ:
فابنُ سُريجٍ والزُّبيرِيُّ (1) المُجيزانِ وقْفَ الإنسانِ على نفْسِه، قالَا: يأْخُذُ قَدْرَ إرْثِه وقْفًا، ومُخالِفُوهُما مَنعُوا ذلك، ذَكرَه المَاورْدِيُّ.
والإبْطالُ فِي صُورةِ ابْنِ يُونُسَ أوْلَى، نَعَمْ يُستثْنَى مِن ذلك ما إذَا وَقفَ الإمامُ مِن بَيتِ المَالِ أرْضًا لِجَامِكيةِ الإمامةِ مَثلًا، فإنَّه يَصحُّ، قُلْتُه تَخريجًا.
ولَو شَرطَ مَن وقَفَ مِلْكَه النَّظرَ لِنفْسِه وأُجْرةً (2) على النَّظرِ غَيرُ زَائدةٍ علَى أُجْرَةِ المِثْلِ جَازَ على الأصحِّ (3)، ولَو وقَفَ وَقْفًا (4) على الفُقَراءِ ثُمَّ صارَ فقِيرًا جازَ أَنْ يَأخُذَ مِنه، وكذا لَو كانَ فَقِيرًا عنْدَ الوقْفِ، قُلتُه تخْريجًا.
* ومدارُ الوَقفِ على الشُّروطِ المُعتبرَةِ:
- ومِنها: أَنْ يَشرُطَ صَرْفَ الرِّيعِ لِقَومٍ سَنَةً ثُمَّ لآخَرِينَ.
- ومِنها: شَرَطَ أن لا يُؤجَّرَ أوْ لا يُؤَجَّرَ 1218 إلا كذا.
- ومِنْها: شَرَطَ اخْتصاصَ المَسجدِ لِطائفةٍ على ما صحَّحَه فِي1214121512161217
الجزء: 2 - الصفحة: 264
"المُحررِ" 1219، وليس مِنْها شَرْطُ الخِيارِ، ولا أن يَبيعَه مَتى شَاءَ أوْ يَرْجعَ فِيه، بلْ يَبْطُلُ الوَقْفُ بذلكَ.
وقاعدةُ البابِ: العَملُ لِلظُّهورِ 1220 والاتِّصالِ مَا أمْكنَا، وعنْدَ الانقطاعِ فِي غَيرِ الأوَّلِ يُصرَفُ لِفُقَراءِ أقْرَبِ الوَاقفِ لِمِلْكِه ولَو بوَكيلِه، وكذا إنْ تَعذَّرَ معرفةُ تصرُّفِه 1221.
والحقيقةُ مقدَّمةٌ، وقد يُصارُ إلى المَجازِ عند تعينِهِ، ويُحمَلُ المُشترَكُ على جَميعِ مَعانِيهِ.
والذِي 1222 صَرَّحَ فيه بالتَّرتيبِ أوْ بالتشريكِ تَسويةً أو تفصيلًا يُعمَلُ به، وكذا مِن جِهَةِ الظُّهورِ كـ "ثم" لِلترتِيبِ و"الواو" لِلتشْريكِ.
وفِي قولِه: "بَطنًا بَعْدَ بَطْنٍ"، ونحوِه، تردُّدٌ، والأرجحُ: التشريكُ خِلافًا لِمَنْ رَجَّح الترتيبَ فيه وفِي: "طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ".
والوقْفُ على الأوْلادِ لا يَتناولُ أولادَهم، إلا إذا لَمْ يَكنْ هُناكَ غيرُهُم، فيَتعينُ المَجازُ للتَّصحيحِ.
. قالَه المُتولِّي.
ولو وَقَفَ على وَرَثَةِ زَيْدٍ وهو حيٌّ لَمْ يَصِحَّ، ويَتعيَّنُ 1223 المَجازُ.
. قالَه المَاوَرْدِيُّ؛ لِإمْكانِ وُجودِ الحَقيقةِ فيها بِخِلافِ أوْلادِ الأوْلادِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 265
والوقفُ على المَوالِي 1224 يُقسَّمُ بَيْنَ الأَعْلَى والأسْفَلِ المُوجُودِينَ حَمْلًا لِلْمشترَكِ على جَميعِ مَعانِيه.
وما يَعْقُبُ الجُمَلَ أو المُفْرداتِ يعودُ إلى الكُلِّ مَا لَمْ يَظهر الانقطاعُ بِطُولٍ أوْ عَطفِه بـ "ثُم"، ونَحوِه، وعلى زيدٍ وعَمْرٍو، ثُم مِن 1225 بَعدِهِما لِلْفُقراءِ نَصيبُ مَنْ مَاتَ لِلآخَرِ.
والتَّوليةُ لِمَنْ شَرَطَ، فإنْ سَكتَ عنه فلِلْحاكِمِ، وليس لِلْمَوقُوفِ عليه أَنْ يؤجِّرَ إلا إذا شَرَطَ له ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 266
باب الهبة
هي لُغةً: "إعطاءُ شَيْءٍ 1226 بِلَا عِوَضٍ".
يُقالُ: وَهَبْتُ له 1227، ووُهِبْتُ مِنْه، والأوَّلُ أجْوَدُ، وَهَبًا وَوُهْبَانًا -بإسكانِ الهَاءِ وفَتْحِها- وهِبةً، فالمَصادرُ ثلاثةٌ.
والاسمُ الموهِب والموهِبة 1228: بكسر الهاء 1229 فيهما.
والاتِّهابُ: قَبولُ الهِبةِ، والاستيهابُ سُؤَالُها.
ووهَّابٌ ووهَّابةٌ: كَثيرُ الهِبةِ.
وشَرعًا: "تَمْليكٌ صادرٌ مِنْ أهْلِه فِي الحَياةِ، غيرُ واجبٍ على شَيْءٍ مَخْصوصٍ بِلَا عِوَضٍ".
فتَخرُجُ الوَصيةُ، إذِ التَّمليكُ فيها بعْدَ المَوتِ، ويَخرجُ الواجِبُ مِن زَكاةٍ أوْ نَفقَةٍ أوْ فِدْيةٍ أو كَفَّارةٍ أوْ نَذْرٍ، فإنه لا يُسمَّى هبةً.
الجزء: 2 - الصفحة: 267
وأصلُها -قَبْلَ الإجْماعِ- قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
وفِي حديثِ وفْدِ هَوازِنَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنِّي رَأيتُ أَنْ أَرُدَّ إلَيهِم سبيَهُمْ، فمَنْ أحَبَّ مِنْكمْ أَنْ يُطيِّبَ ذلك فلْيَفْعَلْ" أخرجهُ البخاريُّ مطوَّلًا 1230.
والأحاديثُ فِي الهَديةِ والصَّدقةِ والعُمْرَى والرُّقبى كثيرةٌ.
والهبةُ تَعُمُّ الكُلَّ.
وتمتازُ الهديةُ بالنَّقْلِ إكْرامًا.
ويَحصُلُ 1231 المِلْكُ فيها بالبَعثِ والقَبْضِ إلَّا فِيمَا يُهدَى لِغنيٍّ 1232 مِنْ لحْمِ تَطوُّعِ أُضحيةٍ، أو هَدْيٍ، أوْ عَقيقةٍ، فإنَّه لا يمْلِكُه وإنْ جَازَ له الأكْلُ 1233.
وتَمتازُ الصَّدقةُ بالدَّفعِ للمُحْتاجِ طَلَبًا لِثَوابِ الآخِرةِ.
وقدْ تكونُ بالمُختصاتِ كجِلْدِ مَيتةٍ لَمْ يُدبَغْ ونَحوِه.
وكذا الهِبةُ على رأيٍ سيأتِي.
والعُمْرَى والرُّقبى يُحكمُ فِيها بِحُكمِ الهِبةِ، وإنْ زادَ فِي العُمْرَى: "إذا مِتُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 268
عادَتْ إليَّ أوْ إلَى ورَثَتِي"، وفِي الرُّقبى: "إنْ مِتَّ قَبْلِي عادَتْ إليَّ، وإنْ مِتُّ قَبلَكَ (1) استقرَّتْ علَيْكَ".
ويفسدُ الشَّرْط علَى الأصَحِّ.
ضابط
ٌ: ليس لَنا شَرطٌ فاسِدٌ مُنافٍ لِمُقتضَى الحالِ يَصحُّ العَقْدُ مَع وُجودِه إلَّا فِي العُمْرى والرُّقبى.
وقال الغزَّاليُّ: المالُ إنْ بُذِلَ لِغَرضٍ آجِلٍ فَهُوَ صَدَقَةٌ، أوْ عَاجلٍ، فهُو هِبةٌ بثَوابٍ مَشروطٍ، أو مُتوقَّعٍ، أوْ للتَّودُّدِ، فهُو هَديةٌ، أو عَلى عَمَلٍ فاسِدٍ، أوْ شَرْطٍ مُحرَّمٍ فَهُوَ رِشْوةٌ.
ومَا ذَكرَهُ فِي الهِبةِ بالثَّوابِ المَشروطِ المَعْلومِ، مُخالِفٌ لِلْأَصحِّ أنها بَيْعٌ، وعنْدَ جَهالةِ المَشروطِ تَفسُدُ الهِبةُ على الأصحِّ، وما ذَكرَهُ فِي الهَديةِ 1235 يَشمَلُ غَيْرَ المَنقولِ.
ويُعتبَرُ الإيجابُ والقَبولُ فِي الهِبةِ خَاصةً، والمَوهُوبُ يكونُ عَينًا ودَيْنًا 1236 ومَنْفعةً وحقًّا.1234
الجزء: 2 - الصفحة: 269
والدَّيْنُ لا يُوهَبُ لِغَيرِ مَن عليه، وهِبَتُهُ مِمَّنْ (1) علَيه اِبْراءٌ لَه والمَنافِعُ تقدمتْ فِي "العارِيةِ" والحَقُّ فِي القَسْمِ يأتي فِي "عِشْرَةِ النِّساءِ" إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وكل عَينٍ جَازَ بَيْعُها يَجوزُ هبتُها، وما لا يَجوزُ بَيعُهُ لا يَجُوزُ هبتُهُ إلا فِي خَمْسِ صُوَرٍ، يَصحُّ فيها الهِبةُ دُونَ البَيعِ:
1 - مَا لا يُتموَّلُ، لِقِلَّتِه على الأرْجحِ.
2 - والثِّمارُ قَبْلَ بُدُوِّ الصلاحِ، والزَّرعُ قَبْلَ اشتِدادِ الحَحث مِنْ غَيرِ شَرْطِ القَطْعِ فِيهِما.
3 - وهِبَةُ الكَلْبِ الذي يُقتَنى على النَّصِّ فِي "الأُمِّ"، خَلافَ ما صحَّحُوه.
4 - وجلدُ المَيْتةِ -على رأيٍ مَجزومٍ به 1238 فِي الأَوانِي فِي "الرَّوضةِ" 1239، خِلافَ ما صُحِّحَ 1240 فِي الهِبة 1241؛ تَبَعًا لِأصْلِه.
5 - والخَمْرةُ المُحتَرَمةُ على رأيٍ قَويٍّ.
-
- *1237
الجزء: 2 - الصفحة: 270
ومَدارُ البابِ على ثَلاثةِ أشياءَ:
أحدُها: حُصولُ المِلْكِ بالقَبضِ المُعتَبَرِ إلَّا فيما تَقدَّمَ في 1242 المُختصاتِ، ولا بُدَّ مِن إِذْنِ الواهِبِ فِي القَبْضِ، ولو مَاتَ أحدُهما قَبْلَ القَبضِ لَمْ يَنفسِخْ على الأصحِّ، ويَتخيرُ الوارِثُ.
الثاني: لا يَجِبُ الثوابُ فِي غَيرِ المَشروطِ ولَو وَهَبَ لِلْأَعلَى 1243.
الثالثُ: يَرجعُ قَبْلَ القَبضِ مُطْلَقًا 1244 وبَعْدَ القَبضِ فِي غَيرِ الفَرعِ بالتَّقَايُلِ 1245 جَزْمًا، والفسخِ على رأيٍ والعكس 1246.
الجزء: 2 - الصفحة: 271
وأمَّا الرُّجوعُ قَهْرًا فلا يَثبُتُ إلا لِلأَصْلِ مع فرعِهِ 1247 لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَحلُّ لِمَنْ أَعْطَى عَطيةً أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا فِيمَا أعْطاهُ الوالِدُ لِوَلدِهِ" حديثٌ حَسنٌ أوْ صحيحٌ 1248.
وإذا رَجعَ الأصْلُ فله الزائدُ المتصِلُ فَقط.
ويرجعُ فِي بَيْضٍ تفرَّخَ وبِذْرٍ زُرعَ، ويَمتنِعُ الرُّجوعُ بعد زَوالِ المِلْكِ بِغَيرِ التَّحرُّم 1249، ولا يَعودُ بِعَودِه على الأصحِّ بِخِلافِ الفَلَسِ والرَّد 1250 بالعَيبِ
الجزء: 2 - الصفحة: 272
لِتقصيرِ الوَالدِ بِتَرْكِ الرُّجوعِ 1251.
وكذا يَمتنِعُ بِحَجْرِ الفَلَسِ 1252 على الفَرعِ وارتِدادِهِ ورَهنِ المَوهُوبِ مَقبوضًا وكتابتِه لا إنْ زَالَ المَانعُ 1253.
ويَحصُلُ الرُّجوعُ بقولِه: "رَجعْتُ" ونحوِه لا بِالبَيعِ، والعِتْقِ، والوَطْءِ.
ويَنبغِي العَدْلُ بَيْنَ الأوْلادِ فِي الهِبَةِ، وترْكُهُ مَكروهٌ لا كَراهةً 1254 شَديدةً، ويُسَوَّى بيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثَى على الأصحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 273
باب اللقطة
هِيَ بِفتحِ القَافِ -على المشهُورِ- وقياسُ ذلك لِكَثيرِ الالتِقاطِ، وقال الخليلُ: هِيَ بإِسْكانِها.
وهيَ لُغةً: الشيءُ المَلْقُوطُ، ويقالُ أيضًا: "لُقاطة" بِضَمِّ اللَّامِ، ولَقَطٌ بفَتْحِ اللامِ والقَافِ، ولِلْمُلتقِطِ: لُقَطةٌ -بِفَتحِ القَافِ.
وشرْعًا: ما وُجِدَ مِنْ مَالٍ أوْ مُختَصٍّ ضَائعٍ لِغَيرِ حَربيٍّ ليس بمُحْرَزٍ، ولا مُمْتنِع بِقوَّتِه، لا يَعرِفُ الواجدُ مَالكَه 1255، ويُفارقُهُ الضائعُ الذي لا يَجرِي عليه حُكْمُ اللُّقَطةِ بأنه المُحْرَزُ الذي لا يُعرَفُ مَالكُه، ويَلحَقُ به المُمتنِعُ لقوتِهِ.
ولُقَطةُ الحَرَمِ، كما تقدَّمَ عنْ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ -رضي اللَّه عنه- قال: جَاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسألَه عنِ اللُّقَطةِ، فقالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا ووِكاءَهَا، ثُمَّ عرِّفْها سَنَةً، فإنْ جَاءَ صاحِبُها وإلا فشأنَكَ بِهَا" قالَ: فضالَّةُ الغَنَمِ؟ فقال 1256: "هِيَ لَكَ، أوْ لِأخيكَ، أوْ للذِّئبِ" قالَ: فضالَّةُ الإِبِلِ؟ فقالَ 1257: "مالَكَ ولَها؟! معَها سِقاؤُها
الجزء: 2 - الصفحة: 274
وحِذاؤُها، ترِدُ الماءَ وتأكُلُ الشجَرَ حتى يلْقَاهَا ربُّها" أخرجَه الصحيحانِ 1258.
وفِي لَفْظٍ لِمُسلمٍ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَن لُقَطةِ الذَّهبِ والورِقِ، قال: "اعرِفْ عِفَاصَهَا ووكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ لَمْ تُعْرَفْ فاستنْفِقْهَا، ولْتكُنْ وديعةً عِندَك، فإنْ جاءَ طَالبُها يَومًا 1259 مِنَ الدَّهْرِ فأدِّها إلَيْه" 1260.
وفِي لَفْظٍ لِمُسلِمٍ: "فإنْ جَاءَ صاحبُها يعرِفُ 1261 عِفاصَهَا وعدَدَها ووكاءَها فأعطِهَا إياه، وإلا فَهِيَ لَكَ" 1262.
لا يَجِبُ الالتقاطُ على الأظْهَرِ، والمُختارُ عِنْدَ عِلَّة 1263 الضَّياعِ: الوُجوبُ.
وقدْ 1264 يَتعيَّنُ فِي الرَّقيقِ إذا تعيَّنَ طَريقًا لِحِفْظِ رُوحِهِ، ولَمْ يَذكرُوه.
وحيْثُ لَمْ يَجِبْ يُستحبُّ 1265 لِمَنْ يثِقُ بِنَفْسِه، ويُكرَهُ لِلْفاسِقِ، ولا يجبُ الإشهادُ على الأصحِّ ويُستحَبُّ.
والشيءُ الملْقُوطُ الذي يُمْلَكُ بشَرْطِهِ 1266: جَمادٌ، وحَيوانٌ ممتنِعٌ وغَيرُ
الجزء: 2 - الصفحة: 275
مُمتنِعٍ، ومِنْه رَقيقٌ غَيرُ مُميِّزٍ، وكذا مُميِّزٌ زَمنَ (1) نَهْبٍ.
وأمَّا المُمتنِع (2) بقُوَّتِهِ كالإبِلِ أو بعَدْوِهِ أو بطَيَرانِهِ (3) فيُلتَقطُ لِلْحِفظِ، لا للتملُّكِ والتصرُّفِ فيه، إلَّا فِي صُورةٍ واحدةٍ، وهي ما إذا وَجَدَ بَعِيرًا فِي أيَّام مِنًى مُتَقَلَّدًا فِي الصَّحْراءِ تقْليدَ الهدَايَا، فيعرِّفُه (4) أيامَ مِنًى.
فإنْ خافَ فَوْتَ وقتِ النَّحْرِ نَحَرَهُ، على النَّصِّ، وفِي قولٍ: يَرْفعُ الأمرَ إلى الحاكِمِ (5).
ومَدارُ اللُّقَطةِ على أربعةِ أشياءَ:
1 - أولُها: الأمانةُ.
2 - وثانيها: التعريفُ المعتبَرُ 1272.
3 - وثالثُها: التملُّكُ بَعْدَه.12671268126912701271 = الحول والتصرف، وأظهر هذه الأقوال: الثاني، وقيل: يملكها بمجرد النية.
راجع "الحاوي" (8/ 15)، و"حلية العلماء" (5/ 529)، و"المنهاج" (ص 83).
الجزء: 2 - الصفحة: 276
4 - ورابعُها: إجْراءُ حُكمِ القَرْضِ على التَّملُّكِ 1273 المَذكورِ.
- والمُغلَّبُ فيها الاكتسابُ 1274 للنَّفسِ على الأصحِّ، فيَلْتَقِطُ 1275 الفاسِقُ، والذِّميُّ، والصَّبيُّ، وكذا المَجنونُ -صرَّحَ بِه المَحَامِلِيُّ 1276 - والمكاتَبُ، والمُبَعَّضُ، وهي لَه، ولِسيِّدِه، إن 1277 لَمْ يَكنْ بينَهما مُهايَأَةٌ، فإنْ كانَتْ مُهايَأَةٌ فلِمَنِ التُقِطَتْ فِي نَوبَتِه 1278. ولا يصِحُّ التقاطُ المَملوكِ إلا فيما سَبقَ، وتُرعى شَائبةُ الأمَانةِ، فتُنزَعُ مِنَ الفاسِقِ، وتُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وكذا الذِّميُّ عِنْدَ البَغوِيِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 277
وفِي نَزْعِها مِنَ العَدْلِ فِي دِينِهِ نظرٌ، ويَنتزعُها 1279 الوليُّ مِن مَحجُورِه 1280، ويَضمَنُ إذَا قَصَّرَ فِي الانتِزاعِ حتى تَلِفَتْ فِي يَدِ مَحجورِه.
والعَبْدُ ضامِنٌ، ولَو أَخذَها السيدُ مِنه أوْ أجْنَبيُّ 1281 كانَ لَيْطًا مُسْقِطًا للضَّمانِ، ولَمْ يَجعلُوهُ فِي يَدِ العَبدِ مُحرَّزًا، إلا فِي رأيٍ قويٍّ، فعَلَيهِ لا 1282 يَلتقِطُ.
ومَنْ أَخذَها بِقصدِ الخِيانَةِ فهو ضَامِنٌ، ولا يَتملَّكُ.
وحيثُ ثبتَتِ الأمانةُ فهِيَ مُستمرِّةٌ إلى التملُّكِ، ولا يَضرُّ فِي الأثناءِ قصْدُ الخِيانةِ على الأصحِّ.
- الثانِي: التعريفُ وهو واجِبٌ، وما يَفسُدُ كالهَريسةِ إنْ 1283 شاءَ أَكَلَه أوْ باعَه وحفِظَ ثَمنَه.
وفِي الشَّاةِ والكَسيرِ مِنْ 1284 غَيرِها إنْ شاءَ أمْسكَ 1285 أوْ باعَ وحفِظَ الثَّمنَ، أوْ أكلَ، فإنْ وَجَدَ ذلك فِي العُمرانِ فلَيْسَ له الأكْلُ لِنَدارَتِه 1286.
الجزء: 2 - الصفحة: 278
واستثْنَى الإمامُ مِنْ وُجوبِ التعريفِ ما 1287 وُجِدَ مِنَ 1288 الهَريسةِ ونَحوِها فِي الصَحراءِ إذا أَكَلَ.
ويَنبعِي 1289 لِلْملتقِطِ أن يَفهَمَ عِفاصها -وهو وِعاؤُها مِنْ جِلدٍ أوْ خِرقَةٍ- ووِكاءَها وهو الخَيْطُ الذي تُشَدُّ به، وجِنْسُها ونَوْعُها.
ويُستحبُّ تقييدُها بِالكِتابةِ.
ثم يُعرِّفُها سَنَةً بِحسَبِ العَادةِ إلا فِيما لا يُتموَّلُ، فيَستقِلُّ به فِي الحالِ.
وفِي المُتموَّلِ القَليلِ الذي يَغلِبُ على الظنِّ أن فاقِدَهُ لا يَكثُرُ أسفُهُ 1290 عليه، يُعرِّفُه قَدْرًا يَغْلِبُ على الظَّنِّ إعراضُه عنه، ويُعرِّفُه فِي الأسواقِ، وأبْوابِ المساجِدِ ونحوِها، فِي كُلِّ يَومٍ مَرَّتينِ، ثُم مرَّةً، [ثم فِي كلِّ أُسبوعٍ مرَّتَينِ] 1291، ثُمَ مَرَةً، ثُم فِي كُلِّ شَهْرٍ.
ولْيكُنِ التعريفُ بالبُقعةِ التي وُجِدَ فِيها، وفِي الصَّحراءِ إنْ كانَتْ هُناكَ قافِلةٌ تَبِعَهُم وإلا فَيُعرِّفُه فِي البَلَدِ التِي 1292 تَقصِدُها.
ومُؤنةُ التعريفِ على المُلتقِطِ القاصِدِ للتَّملُّكِ، وفِي الفاسِقِ ونحوِه يُضَمُّ إلَيْهِ مَنْ يُراقِبُه.
الجزء: 2 - الصفحة: 279
وفِي لَقْطِ المَحْجُورِ يُعَرِّفُ الوَليُّ.
- الثالثُ: إذَا مَضَى التعريفُ المُعتبَرُ يَمْلِكُ المُلتقِطُ ما التقَطَه بنَحْو "تملَّكْتُ" ومَا أشْبَهَه.
وفِي المُختَصاتِ ككَلْبٍ يُقتَنى ونحوِه يُنقَلُ الاختِصاصُ إلَيه 1293 بلَفظٍ دالٍّ عليه، ولَمْ يَذكرُوه. - الرابعُ: إجراءُ حُكمِ القَرْضِ [على المُتمَلَّكِ] 1294 المَذكورِ، فلا يَتملَّكُ أمَةً تحِلُّ له، ويتملَّكُ الوليُّ لِمَحجُورِه حيثُ يَجوزُ الاستِقراضُ له.
وإذَا ظَهرَ المَالِكُ قَبْلَ التَّملُّكِ رُدَّتْ عليه بِزِيادَتِها [المُتصلةِ والمُنفصلةِ.
وإنْ تلِفَتْ على حُكْمِ الأمانةِ فلا ضَمانَ] 1295، وإنْ ظَهرَ 1296 بعْدَ التملُّكِ رُدَّتْ عليه بزِيادَتِها المتصلةِ دُونَ المنفصلةِ الحادِثَةِ على مِلْكِ المُلتقِطِ.
فإنْ تلِفتْ بعْدَ التَّملُّكِ أوْ خَرجَتْ عَن مِلْكِ المُلتقِطِ بِبَيعٍ 1297 ونحوِه رَدَّ المِثْلَ 1298 فِي المِثْليِّ، والقِيمةَ فِي المتقوَّمِ باعْتبارِ قِيمةِ وقْتِ التملُّكِ.
. كذا قالُوه 1299.
الجزء: 2 - الصفحة: 280
وقياسُ القَرْضِ أَنْ يغرمَ المِثْلَ مِن حيثُ الصُّورةُ وإنْ وَجَدَها ناقِصةً فلَه الأَرْشُ، ومَتَى وصَفَها حتَّى غَلَبَ على الظَّنِّ صِدقُه جَازَ دَفْعُها إليه، ولا يَجِبُ على الأصحِّ.
فإنْ دَفَعها بالوَصفِ فجاءَ آخَرُ، وأقامَ بيِّنةً حُوِّلتْ إليه، فإنْ تلِفتْ عنْدَ الآخِذِ 1300، فصاحبُ البيِّنةِ يُضمِّنُ مَن شاءَ مِنْهُما، والقَرارُ على الآخِذِ بالوصفِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 281
باب اللقيط
هو لُغةً: الصغيرُ الذِي يُوجَدُ ضَائعًا لا كَافِلَ له، وهو بِمَعنى مَلقُوط، ويقالُ: مَنبوذٌ، وهو المَطْروحُ.
وشرْعًا كاللُّغةِ بِزيادة: أنه لا يُعرَفُ نَسبُه ولا رِقُّه.
وهو مُحتاجٌ إلى الكَفالةِ، وهو قَبْلَ 1301 التَّمييزِ، واستأْنَسُوا له مِن القُرآن بقولِه 1302 تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وروى مالكٌ فِي "الموطأ" 1303 عَنْ سُنين 1304 أبي جَمِيلةَ 1305 -رضي اللَّه عنه- أنَّه وَجَدَ مَنبوذًا 1306 فِي زَمنِ عُمرَ بْنِ الخطابِ -رضي اللَّه عنه- قال: فَجِئْتُ به إلى عُمرَ بنِ
الجزء: 2 - الصفحة: 282
الخطَّابِ] 1307، قال: مَا حملَكَ على أخْذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ 1308: وجدتُها ضائعةً فأخذتُها، فقال عريفُهُ 1309: يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّه رجُلٌ صالحٌ، فقال: إنَّه لكَ 1310. قال: نَعمْ، قالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فهُو حُرٌّ، ولَك ولاؤُهُ، وعليْنَا نفَقتُه 1311.
الجزء: 2 - الصفحة: 283
وفِي رِوايةِ الطبَرانِيِّ: "ونفقتُه مِنْ بَيْتِ المالِ" 1312.
التقاطُ المَنبوذِ فَرْضُ كِفايةٍ 1313، ويَجِبُ الإشْهادُ علَيه، وعلَى ما مَعَهُ، على النَّصِّ.
ولَمْ يَتعرَّضُوا لِلْبالِغِ المَجنونِ الضائعِ، وفِي إلحاقِهِ بالصغيرِ المذكورِ نظرٌ.
وهذا الالتقاطُ مَحْضُ وِلايةٍ، فلا يَثبُتُ لِغَيرِ مُكلَّفٍ، ولا لِعَبدٍ ولَوْ مُكَاتَبًا أو مُبَعَّضًا على الأرْجَحِ، ولا لِمَحجُورٍ عليه بِسَفَهٍ.
والكافِرُ يَلْتقِطُ الكافِرَ إذا لَمْ يَكنْ فاسقًا فِي دِينِه، [ويتبرَّعُ مِن غَيرِ أهلِهِ] 1314.
وإنِ ازْدحَمَ اثنانِ على الأَخْذِ جَعلَهُ الحاكِمُ عنْدَ مَنْ يَراهُ مِنْهُما أوْ مِن غيرِهما.
= مُحمدٍ، عن أبيه قال: قال علي -رضي اللَّه عنه-: "المنبُوذُ حُر" يعني اللقيط، "فإن أحب أن يُوالي الذي التقطهُ والاهُ، وإن أحب أن يُوالي غيرهُ والاهُ".
قال أبُو جعفرٍ: فمعنى قول علي رضي اللَّهُ عنهُ هُو حُر كمعنى قول عُمر -رضي اللَّه عنه- هُو حُر في حديثه الذي رويناهُ قبل هذا الحديث.
وفي قول علي فإن أحب أن يُوالي الذي التقطهُ والاهُ، وإن أحب أن يُوالي غيرهُ والاهُ ما قد دل أن قول عُمر -رضي اللَّه عنه- لأبي جميلة "لك ولاؤُهُ" بمعنى: بجعلنا إياهُ لك لا أن لك ولاءهُ بالتقاطك إياهُ دُون مُوالاته إياك، واللَّه عز وجل نسألُهُ التوفيق.
الجزء: 2 - الصفحة: 284
والسابقُ إلى الأخْذِ مُقدَّمٌ.
وإنْ أخذَاه (1) مَعًا قُدِّمَ الغَنيُّ علَى الفَقيرِ.
وظَاهرُ العَدَالَةِ على المَستورِ، والبلديُّ أو القرويُّ على البَدَوِيِّ فِيمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي البادِيةِ، فإنِ استوَيَا أُقرِعَ بينهُما.
ومَدارُ البابِ على تعريفِ أرْبعةِ أُمورٍ:
(1) دِينُ اللَّقيطِ.
(2) وحُرِّيتُه.
(3) وحِفْظُه مع ما يتعلقُ بِمالِه.
(4) وأمرُ نَسبِه.
1 -
أمَّا الأولُ:
فهُو مُسلِمٌ [إنْ وُجِدَ حيثُ سَكَنُ مُسلِمٍ] 1316، كذَا قالُوه 1317 1318، والمرَادُ عِنْدَ الإِمكانِ أَنْ يَكونَ مِنْه، وهذَا إذَا لَمْ يُقِمْ ذِمِّيٌ بيِّنةً على نَسبِه، فإنِ استلْحَقَه بِلَا بيِّنةٍ لَحِقَه فِي النَّسَبِ بِشُروطِه الآتيةِ، ولا يُحكَمُ بِكُفرِه، والمَوجودُ فِي دَارِ كُفرٍ لا مُسلِمَ فيها كافرٌ، وهذه تُعرَفُ بتَبَعِيَّةِ الدَّارِ.1315
الجزء: 2 - الصفحة: 285
ولِلتَبَعِيَّةِ (1) فِي الإسلامِ غيرَها (2) جهتانِ:
- إحداهما: تَبَعيةُ غَيرِ المُكلَّفِ -ولو جُنَّ (3) بَعْدَ البُلوغِ- أحدُ أصولِهِ فِي الإسلامِ، ولَو حدَثَ بَعْدَ إسلامِ جَدَّةٍ مِن كافِرَيْنِ؛ قلتُه تخريجًا.
- الثانيةُ: غَيرُ (4) المكلَّفِ إذا سبَاهُ مُسلِمٌ، وليْسَ فِي العَسكرِ أحَدُ أبَويْهِ، فهُو مُسلِمٌ، ومَن كَفَرَ بعد التَّكليفِ مِن التابِعينَ، فهُو مُرتَدٌ إلا تَاجَ الدارِ، فإنه يكونُ أصْليًّا.
2 -
وأمَّا الأمْرُ الثاني:
فهُو حُرٌّ 1323، إلا فِي صُورةٍ واحدةٍ، قلتُها تخْريجًا، وهِيَ ما لَو وُجِدَ فِي دارِ الحَرْبِ ولا مُسْلمَ فِيها، ولا ذِمِّيَّ، فإنه يكونُ رَقِيقًا بِأخْذِ المُلتقِطِ له، ولَوْ يكونُ الآخِذُ حَربيًّا على وَجْهِ القَهْرِ، ثُم يَجرِي علَى حُكْمِ الغَنيمةِ أوِ الفَيْءِ إنْ كانَ الآخِذُ 1324 لَه مُسْلمًا.
ومَتى أقامَ أحَدٌ ولَوِ المُلتقِطُ بيِّنةً على رِقِّ مَن قُلْنا "إنه حُرٌّ" وَثَبَتَ 1325 النسبُ فهو مِلْكُهُ.1319132013211322
الجزء: 2 - الصفحة: 286
فإنْ لَمْ يَتبيَّنِ السببُ، فقَولانِ مُرَجَّحانِ، أرْجَحُهُما: لا يَكفِي.
ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ رِقَّهُ مَعَ يَدٍ لا يُعرَفُ استنادُها 1326 لِلالتِقاطِ فهُوَ رَقيقُه إنْ كان غَيرَ بالغٍ، ولَوْ بلَغَ فأَنكَرَ، لَمْ يُؤثِّرْ إنْكارُه.
ويُقبَلُ إقْرارُ المكلَّفِ بالرِّقِّ 1327، إذا لَمْ يَثبُتْ رِقُّه لِغَيْرِ المُقرِّ لَه، ولَمْ يَسبِقْ مِنْه إقْرارٌ بِالحرِّيةِ، ولا إقراٌ بالرِّقِّ لِمَنْ كذبَه.
ولا يُمنَعُ الإقْرارُ بِمُجرَّدِ 1328 تصرُّفٍ سابقٍ، ويُعمَلُ 1329 حِينئِذٍ بالإقْرارِ فِي المُستقبَلِ، لا فيما يَضُرُّ بِغيرِ مُنكرٍ فِي تصرُّفٍ سابِقٍ.
وإنْ 1330 كانَتِ امرأةٌ زُوِّجَتْ 1331 ثُمَّ أقرَّتْ بالرِّقِّ؛ فأوْلادُها قبْلَ الإقْرارِ أحْرارٌ، وتَعتدُّ بثلاثةِ قُروءٍ للطلاقِ ونحوِه، وبشَهريْنِ وخَمسةِ أيامٍ لِلْموتِ؛ لأنَّ عِدةَ الوَفاةِ لا تتوقفُ على الوَطْءِ، فلَمْ يُؤثِّرْ ظَنُّ الحُرِّيَّةِ فِي زِيادتِها، وتُسلَّمُ 1332 لَيْلًا ونَهارًا كالحُرَّةِ، ويُسافَرُ 1333 بها بِغَيرِ إذْنِ مَالِكِها.
وفِي ذلك أبْياتٌ مَشهورَةٌ وهيَ هذِه 1334:
الجزء: 2 - الصفحة: 287
سلِ الحَبْرَ عن حُرٍّ (1) تزوَّج حُرَّةً ... حَصَانًا تُريك الشَّمسَ مِن طلعةِ البدْرِ بتوليةِ القاضِي على مَهْرِ مِثلِها ... ومَن طَلَبَ الحسناءَ لم يَغْلُ بالمَهْرِ فأولدَهَا حُرًّا وعبدًا وحرًّة ... على نسْقٍ فِي عقدِها السابِقِ الذِّكْرِ على أنه ذو الطَّول واليُسر والغِنى ... ولَلْموتُ خيرٌ من حياةٍ على فقْرِ وعدَّتُها لو طُلِّقتْ وهْيَ حائلٌ (2) ... ثلاثةُ أقراءٍ عِدَّةُ الكامِلِ الحُرِّ على أنه لو مات عنها تفجَّعتْ ... بخمسةِ أيامٍ وشهرٍ إلى شهْرِ وقيل بقَرْءٍ واحدٍ وهي حيضةٌ ... وذلك من ذاتِ الرقيقة تستبْرِ نعم وله (3) تسليمُها دُونَ حِرْفةٍ ... نهارًا وليلا باتفاق أولي الأمْر وبوطئِهَا (4) شرقَ البلادِ وغربِها ... بدون إذْنِ مولى نافِذِ النَّهي والأمْرِ ولا عجبَ إن أعوز الحبرَ حكمُها ... فإنَّ خفايا الشرعِ تنبو عن الحصْرِ
3 -
وأما الثالثُ:
فيَلزمُ الملتقِطَ حفظُ اللَّقيطِ، ورِعايتُه، وحفظُ مالِه استقلالًا مِنْ غَيرِ إذْنِ الحَاكمِ.
ويحرُمُ عليه نبذُهُ، وليس له تسليمُهُ 1339 للحاكمِ.1335133613371338
الجزء: 2 - الصفحة: 288
وليس له نقلُ اللَّقيطِ المَوجودِ فِي بَلدةٍ أوْ قريةٍ إلى باديةٍ لِخُشونةِ العَيْشِ، وفَواتِ تَعلُّمِه ما ينْفَعُه 1340.
ويُنقَلُ مِنْ بَلَدٍ 1341 إلى أُخْرَى لا إلى قَريةٍ، ويُنقَلُ مِنْها إلى البلَدِ، ومِن مالِه وثيابِهِ وما لُفَّ علَيه أو جُعِلَ فِي جَيْبِه ويَدِه وفَرْشُه وما غُطِّيَ بِه ودَابةٌ عَنانُها بِيَدِه أوْ مَشدودةٌ فِي وسَطِه أوْ ثِيابِه أوْ دَنانيرُ مَنثورَةٌ 1342 فَوْقَه أوْ مَصبوبةٌ تَحْتَه، وخَيمةٌ أوْ دَارٌ هو فيها وَحْدَهُ 1343 لَا الضَّيْعةُ ولا ما قَرُبَ مِنه، أو دُفِنَ تَحْتَه.
ونَفقَتُه فِي مَالِه، ويُنفَقُ مِنْه بإِذْنِ الحَاكِم، فإنْ لَمْ يُعرَفْ له مَالٌ فنَفقَتُه فِي بَيْتِ المَالِ.
فإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ شَيْءٌ أوْ كانَ هُناكَ ما يُصرَفُ لِأَهَمَّ 1344 مِنْه قَامَ 1345 المسلمونَ بِكِفايَتِه وهُو فَرْضٌ.
فإنْ تَيسَّرَ اقْتراضٌ فُعِلَ وإلَّا قَسَّطَ الإمامُ نفَقَتَه على مُوسِرِي 1346 النَّفَقةِ، فإنْ كَثُروا فالتَّعيينُ 1347 إلى رأيهِ، فإنِ استَوَوا تَخيَّرَ 1348.
الجزء: 2 - الصفحة: 289
4 -
وأمَّا الرَّابعُ:
فاللَّقِيطُ فِي النَّسبِ كسائِرِ المَجهولِينَ.
وكلٌّ مِنَ اللَّقيطِ ومَجهولِ النَّسبِ يُلحَقُ بغَيرِ بيِّنةٍ 1349 إذا استَلْحَقَه 1350 بأنَّه ولدُهُ المكلَّفُ الذَّكَرُ بِشَرْطِ الإمْكانِ، وأنْ يُصدِّقَه إنْ 1351 كان مُكلَّفًا حيًّا، وإلا فلا حاجَةَ إلى تصْدِيقِهِ، ولا يؤثِّرُ إنكارُهُ لو صارَ مُكلَّفًا.
ويصِحُّ 1352 استِلْحاقُ الصغيرِ 1353 بعْدَ مَوتِهِ، وكذا البالِغُ على الأصحِّ.
ومِنَ الشُّروطِ أن لا يَكونَ المَجْهولُ مَنْفيًّا باللِّعانِ عَنْ فِراشِ نِكاحٍ صَحيحٍ لِغَيرِ المُستلْحِقِ.
- ضابطٌ: ليس لنا مَجهولٌ لا يَستلْحِقُهُ إلَّا واحدٌ معيَّنٌ غَيرَ هذَا.
ومِنَ الشُّروطِ أَنْ يكونَ كلٌّ مِنَ المُستلحِقِ والمستلحَقِ حُرًّا 1354 لا 1355 وَلاءَ عليه، فلَوِ استلحَقَ مَن عليه ولاءٌ مَجهولًا لَمْ يَلْحَقْ 1356 بغَيرِ بيِّنةٍ على النصِّ،
الجزء: 2 - الصفحة: 290
في 1357 "المُختصَرِ"، وهُو المعتبَرُ عنْدَ الأكْثَرِ، خِلافًا لِما اقتضاهُ إيرادُ "الشرْحِ" و"الرَّوضةِ".
وحُكْمُ العَبْدِ كذلك على مُقتضَى النصِّ خِلافَ مَا صحَّحُوه.
ولَوِ استلحَقَ حُرٌّ لا ولاءَ عليه عبْدَ غيرِهِ أو عَتيقَ غَيرِهِ لَمْ يَلْحَقْ إنْ كان صغيرًا، وكذا إنْ كان كَبيرًا وصدَّقَه على الأرجَحِ.
وفِي الجَميعِ لو صدَّق المَولَى، وَ 1358 أقامَ بيِّنةً لَحِقَ.
والمرأةُ لَوِ استَلْحَقَتْ بِبَيِّنةٍ لَحِقَها، ولَحِقَ زوجَها عنْدَ الإمكانِ إنْ أقامَتْ بيِّنةً أنَّها ولدتْهُ على فراشِهِ.
ومَن قال: "هذا أَبِي"، فلا بُدَّ مِن تَصديقِ الأبِ العاقِلِ، فإنْ كان مَجنونًا، فينبعِي 1359 أن يَصِحَّ.
وإنِ استلحَقَ اثنانِ بالغًا تعيَّنَ 1360 نَسَبُهُ مِمنْ صدَّقَه.
وإنْ كان صغيرًا واستلحَقاهُ 1361 معًا، أوْ أقامَا بَيِّنَتَيْنِ عُرِضَ على القائفِ كما سيأتِي فِي بابِه.
الجزء: 2 - الصفحة: 291
وحيث لَمْ يَظهَرْ مِن جهَةِ القائِفِ 1362 يَنتسِبُ 1363 الوَلدُ بعْدَ التَّكليفِ.
وإنْ أَلْحَقَ النَّسَبَ بغَيرِهِ كأخِي أوْ عمِّي -والمُلْحَقُ به مَيِّتٌ- فَلَابُدَّ مِنَ الشُّروطِ السابقةِ إلا الذُّكورةَ 1364، فإنَّها لا تُشْتَرَطُ، بلْ تَصِحُّ هنا، إذا وُجِدَ فيها الشَّرْطُ الزائِدُ هنا، وهو صُدورُ الإقرارِ مِن الوارِثِ الحائِزِ بأن يكونَ مُعتِقَهُ.
ويَثْبُتُ بإقرارِ غَيرِ الحائِزِ 1365 [مُوافقَةُ مَن تَجوزُ مَعها، ولَوْ] 1366 بِمُوافقةِ الإمامِ على الأصحِّ.
ويَثْبُتُ النَّسَبُ بإِلْحاقِ الإمَامِ فيمَنْ لا وارِثَ لَهُ، واللَّه سبحانه وتعالى أَعلَمُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ