كتاب الشفعة وإحياء الموات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو يعلى ابن الفراء
- الكتاب
- المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين
- المؤلف
- القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)
- المحقق
- د. عبد الكريم بن محمد اللاحم
- الناشر
- مكتبة المعارف، الرياض
- الطبعة
- الأولى (1405هـ - 1985م) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
استحقاق الشفعة بنسبة الأنصباء
:
1 - مسألة في الشفعة هل تستحق على عدد الرؤوس أم على قدر الأنصباء؟
فحكى أحمد القولين جميعاً في رواية ابن منصور والأثرم، ولم يقطع بأحدهما.
قال أبو بكر: فيها روايتان:
إحداهما: أنها تجب على قدر الأنصباء، وهو اختيار الخرقي.
والثانية: تجب على عدد الرؤوس.
وجه الأولى: في أنها تجب على قدر الأنصباء أن الشفعة حق يستفاد بالملك فوجب أن يستحق حال الاشتراك على قدر الملك كغلة الدار، وغلة العبد، وثمرة النخل، والشجر وغير ذلك من نماء الملك، يبين صحة هذا وأنها تستحق بالملك وأن الرجل إذا وصى بمنفعة نصف داره لرجل ومات فإن رقبة النصف تكون للورثة والمنفعة له، ثم إذا بيع النصف الآخر كانت الشفعة للورثة المالكين لا لمن يلحقه التأذي والضرر، وهو الموصي له بالمنفعة.
ووجه الثانية: أن الشفعة وجبت في الأصل لخوف التأذي على وجه الدوام.
ألا ترى أنه ما لا يدوم فيه التأذي لا شفعة فيه كالعروض؟ والتأذي يرجع إلى الأشخاص لا إلى الملك، وصاحب القليل يساوي صاحب الكثير في هذا المعنى فوجب أن يساويه في الاستحقاق كما لو تساوت أنصباؤهما.
الشفعة في غير العقار
أو العقار الموهوب العوض أو المبذول صدقا
الشفعة في الشقص المبذول صداقا
ً:
2 - مسألة: إذا أصدقها شقصاً هل للشفيع أخذه بالشفعة فقال أبو بكر: ليس له ذلك، وقال شيخنا أبو عبد الله: له أخذه، وهكذا الخلاف إذا كان عوضاً عن إجارة أو خلع أو صلح، وجه قول أبي بكر أنها لم تملك الشقص ببدل هو مال فلم يستحق بالشفعة كالهبة والإرث، ووجه قول شيخنا أنه نوع معاوضة تملك به ما يجب فيه الشفعة فجاز أن تجب فيه الشفعة كالمبيع.
الشفعة في غير العقار:
3 - مسألة: هل تجب الشفعة في غير العقار؟
نقل حنبل عنه قال: أرى الشفعة للخليط.
وإن لم يمكن قسمته كالعبد والحيوان.
قال أبو حفص: لا أدري؟ لم يضبطه حنبل أو كان قولاً قديماً، وقد قال في رواية عبد الله.
لا أرى الشفعة إلا في الدور والأرضين وليس فيما سوى ذلك شفعة.
وكذلك نقل الفضل بن زياد.
فمن ذهب إلى ظاهر رواية حنبل يقول: هذا ملك مشترك.
فأشبه العقار.
والمذهب: أنه لا شفعة في غير الأرضين، لأن الشفعة إنما وجبت في العقار إما لخوف التأذي على الدوام أو أنه يستضر لأن شريكه يطالبه بالقسمة فيلزمه مؤونة بذلك وهذا معدوم في غير العقار.
الشفعة في الشقص الموهوب بشرط العوض
:
4 - مسألة: إذا وهب الشقص بشرط العوض.
فهل يستحق الشفيع الرجوع أم لا؟
نقل بكر بن محمد عن أبيه: أنه إذا وهبها فليس للشفيع شفعة أثيب منها أو لم يثب منها، لأن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن يرجع في الهبة إلا الوالد.
فظاهر
هذا إبطال الشفعة، ولابنه ملك الشفعة بعقد الهبة فلم يملك الشفيع الشفعة كما لو ملكها بغير عوض.
وعندي أنه يملك المطالبة بالشفعة، لأن أحمد قد قال في رواية حنبل وابن منصور: إذا كانت الهبة بشرط الثواب، فإنه يرجع فيها إن لم يثب عليها.
فجعلها جارية مجرى عقد المعاوضة.
كذلك في الشفيع، لأن الشقص ملك يعوض فملك الشفعة فيه كالملك بالمبيع.
ملك الأرض المجهول أهلها بالإحياء
:
5 - مسألة: في الموات الذي جرى عليه مجرى ملك مسلم ولا يعرف مالكه هل يملك بالإحياء؟
فنقل أبو الحارث ويوسف بن موسى وأبو داود: لا يملك، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.
ونقل صالح أنه يملك: فقال إن كانت أرضاً قد ملكت وذهب أربابها ولا يعرف لها وارث فأرجو إن شاء الله.
وجه الأولى: أنها أرض جرى عليها ملك من له حرمة فلم تملك بالإحياء كما لو كان لها مالك موجود.
ووجه الثانية: أنها أرض لا حق فيها لقوم بأعيانهم فملكها بالإحياء كالأرض التي لم يجز عليها ملك المسلمين.
إحياء ما قرب من العامر إذا لم يتعلق بمصلحته
:
6 - مسألة: اختلفت في أحياء ما قرب من العامر إذا لم يتعلق بمصلحته.
فنقل يوسف بن موسى إنما يكون في البرية والصحراء فإن كانت بين القرى فلا، فظاهر هذا المنع.
ونقل أبو الصقر في رجل أحيا أرضاً ميتة وأحيا آخر إلى جنبه أرضاً وبقيت بين القطعتين بقعة فجاء رجل فأحياها فليس لهما منعه فظاهر هذا جواز ذلك ويمكن أن تحمل المسألة على اختلاف حالين فالموضع الذي قال يمنع
فيما يتعلق بمصلحة العامر، والموضع الذي أجاز فيما لا يتعلق بمصلحتها فإن حملنا الكلام على ظاهره.
فوجه الرواية الأولى: أن فناء القرية مثل فناء الدار، وصاحب الدار أخص بفناء داره من غيره، ألا ترى أن أجنبياً لو جاء يحفر فيه بئراً، كان لصاحب الدار أن يمنعه منه؟ كذلك القرية يجب أن يكون أهلها أحق بها من غيرهم.
ووجه الثانية: أنه موات لم تملك لا يتعلق بمصلحة مملوك فجاز إحياؤه كالموات البعيد عن العامر.
صفة إحياء الأرض
:
7 - مسألة: في صفة إحياء الأرض.
فنقل أبو القاسم: الإحياء باستخراج نهر أو عين أو بئر فظاهر هذا (أنه) إذا أحاط عليها حائطاً ولم يستخرج لها ما يسقي الزرع من بئر أو عين لأنه لا يملك بذلك.
ونقل علي بن سعيد الإحياء أن يحوط عليها حائطاً، فظاهر هذا أنه لم يتخذ لها ماء وأحاط عليها حائطاً أنه محى لها بذلك.
وجه الأولى: أن صفة الأحياء لا حد له في الشريعة ولا في اللغة فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة كالإحراز والقبوض والتفرق في المجلس وأقل الحيض وأكثره، ففي العرف أن الأرض التي تتخذ للزرع لا تخلو من أن يتخذ لها ماء لأن الزرع لا بدّ له من ماء.
ووجه الثانية: وهو ظاهر كلام الخرقي، ما روى جابر بن عبد الله عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحاط حائطا على أرض فهي له) فحكم له بالحائط.
البيع والشراء على الطريق:
8 - مسألة: في الجلوس على الطريق للبيع والشراء.
فنقل حرب وإسحاق بن إبراهيم في السابق إلى دكاكين السوق إذا لم تكن ملكا لأحد ولم يحده أحد فمن سبق إليها غدوة فهي له إلى الليل، وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى، فظاهر هذا الجواز.
ونقل إسحاق بن إبراهيم عنه في البيع على الطريق الواسع هل يشتري منه إذا لم يجد غيره؟ فقال: ومن يسلم من هذا، البيع على الطريق مكروه.
وكذلك نقل المروذي عنه: ما كان ينبغي لنا أن نشتري من هؤلاء الذين يجلسون على الطريق، وكذلك نقل مثنى بن جامع: لا يعجبني الطحن في العروب مثل دجلة والفرات.
فظاهر هذا الكراهة، ويمكن أن تحمل المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي أجازه إذا لم يضر بالمارة والمجتازين، والموضع الذي كرهه إذا كان يضر بهم ويضيق عليهم ولا يجب أن تحمل المسألة إلا على هذا الوجه؛ لأنه إذا كان جلوسه يضر بالمارة فإنه يمنع حق الاستطراق فيجب أن يمنع منه كما منع من بناء دكان في الطريق، وإذا كان الطريق واسعا فإنه لا يمنع حق الاستطراق فيجب أن لا يمنع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (منى مناخ من سبق) ولأن
النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ولأن من لدن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ وإلى يومنا هذا يفعل الناس هذا من غير إنكار فثبت أن المسلمين أجمعوا على جوازه.
الرجل يسقي بمائه أرض غيره بجزء من الزرع
:
9 - مسألة: في رجل له أرض ولآخر ماء في نهر فقال صاحب الأرض لصاحب الماء سق ماءك إلى أرضي حتى أزرعها فيكون الزرع بيننا.
فنقل يعقوب بن بختان وحرب: جواز ذلك.
ونقل أبو طالب: أنه لا يجوز.
وجه الأولى: أن المزارعة جائزة، وهو العمل ببعض ما تخرج الأرض كذلك ها هنا يجب أن يجعل الماء قائماً مقام العمل فيكون العمل هناك بحسب كفاية الزرع ويستحق بعض ما تخرج الأرض كذلك ها هنا يكون السقي بحسب كفاية الزرع ببعض ما تخرج الأرض.
ووجه الثانية: أن هذا بيع للماء في الحقيقة، والعوض والمعوض مجهولان فيجب أن لا يصح.
ملك ما تشتمل عليها لأرض من الماء والمعادن بملك الأرض
:
10 - مسألة: فيما نبع في ملكه من الماء، مثل أن حفر بئره في ملكه فنبع الماء فيها أو نبع بنفسه أو حفر بئراً في موات بقصد الملك فنبع الماء أو ظهر في أرضه معدن من المائعات كالنفط والقير والموبيا ونحو ذلك.
فقال في رواية أبي طالب لا يبيع نقع ماء البئر فإن استقاه وحمله فجائز بيعه، فظاهر هذا أنه لا
يملكه لأنه منع من بيعه وكذلك قال في رواية صالح: إذا كان له في أرضه بئر فليس له أن يمنع ذلك الفضل لمن يرعى حوله، وقد أومأ في رواية أبي طالب في المعدن إذا ظهر في ملكه أنه يملكه، فظاهر هذا يدل على ملكه للماء.
وجه الأولى: في أنه لا يملكه هو أنه لا خلاف أن من اكترى داراً فيها بئر كان له أن يستقي منها فلو كان ملكاً لصاحب الدار ما ملك بالإجارة لأن الأعيان لا تملك بالإجارة.
ووجه الثانية: أنه لما حدث في ملكه وجب أن يكون ملكاً له كالثمر والنتاج، ولأنه لما جاز له منع كل أحد منه ثبت أنه ملكه، والأولى أصح.
وقولهم: إن له منع كل أحد منه فالجواب: أن له منع كل أحد أن يتخطى في ملكه فأما عن الماء فلا.
والخلاف في البئر والعين والقناة واحد وفائدته أنه إذا قلنا: لا يملك لم يكن له بيع شيء منه قبل تناوله كالمباح في النهر كدجلة والفرات، وهو المنصوص عن أحمد.
وإذا باع الدار وفيها بئر ماء كان المبتاع أحق به لكونه في ملكه لا لأنه قد ملكه، وإن غصب منه غاصب لم يكن عليه رده، وإذا قلنا: هو مملوك فباع منه آصعاً معلومة فجائز.
وقد أومأ إليه في رواية حرب ويعقوب بن بختان فيمن قال الرجل سق ماءك إلى أرضي على أن الزرع بيننا أنه يجوز.
إجراء النهر والقناة أو المرور في أرض الغير للحاجة
: 11 - مسألة: هل له أن يحفر نهراً أو يجري قناة في أرض جاره إذا كان به حاجة إلى ذلك؟ فنقل حنبل وأبو الصقر: جواز ذلك.
ونقل حرب وأبو الصقر في موضع آخر: ليس له ذلك إلا بإذنه.
وجه الأولى: ما روي أن الضحاك ومحمد بن مسلمة اختصما في خليج أراد الضحاك أن يمره في أرض محمد بن مسلمة فترافعا إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال لمحمد بن مسلمة: لأمرنه ولو على بطنك فأجبره عمر ـ رضي الله عنه ـ على إمرار الخليج لأن فيه إزالة الضرر عن الضحاك كذلك ها هنا، ولأن المذهب لا يختلف أن له أن يضع خشبة على حائط جاره كذلك له أن يجري الماء في أرضه.
ووجه الثانية: أن حفر النهر تصرف في أرض الغير بغير إذنه فيجب أن يمنع منه كما لو أراد أن يبني في ملكه بغير إذنه فإنه يمنع كذلك ها هنا.
وقد كان القياس يقتضي أن يمنع من طرح الخشب على حائط جاره لكن تركنا القياس وأجزناه للخبر، وبقي ما عداه على موجب القياس.
بذل ماء البئر لزرع الغير عند الحاجة
: 12 - مسألة: هل يلزمه أن يبذل فضل ماء بئره لزرع غيره عند الحاجة إليه، فظاهر ما نقله حنبل وأبو الصقر: يقتضي أنه يلزمه بذله، لأنه أجاز (له) أن يجري نهراً في أرض غيره ليسقي زرعه، وقد أومأ إليه في رواية إسحاق بن إبراهيم، وقد سئل عن القوم: يكون لهم نهر يشربون منه فيجيء رجل فيغرس على جنب النهر بستاناً فقال: إذا كان يفضل عن شرب القوم ولا يضر بغيره فلا بأس أن يسقي ذلك البستان، وقد ظاهر في البذل ونقل الأثرم عنه وقد سأله هل لمن في أسفل الماء ممن ليس له الماء حق أن يزرعوا على فضل الماء إن فضل من الماء أن يأتي زرعهم؟ فلم يعجبه، فظاهر هذا أنه لا يلزم صاحب الماء بذل الفضل وجه الأولى: أنه مال يخاف عليه الهلاك الأجل فيلزمه أن يبذل فضل مائه لأجله، دليله الماشية.
ووجه الثانية: أنه لو كان الزرع له لم يلزمه سقيه فبأن لا يلزمه بذل مائه لحاجة غيره أولى، ويفارق هذا البهائم لأنها لو كانت له لزمه سقيها.
لزوم تكاليف الحصاد والجذاذ في المساقاة والمزراعة للعامل
:
13 - مسألة: الجذاذ في المساقاة، والحصاد في المزارعة هل يكون عليهما أو على العامل؟
نقل المروذي عنه: إذا شرط الجذاذ على العامل فهو جائز، لأن العمل إذا لم يشترط فعلى رب الأرض ما يخصه مما يصير إليه من جذاذه، وعلى العامل ما يخصه مما يصير إليه، وظاهر هذا أنه عليهما، ووجهه أن المبتغى من ذلك النماء، وليس في هذا تنمية فيصير العمل خارجاً من المساقاة والمزارعة.
ونقل أبو طالب في الحصاد وفي المزارعة: على العامل، ووجهه أن ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، وأن لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم شطرها.
بسم الله الرحمن الرحيم