المساعد على تسهيل الفوائدصفحات 161-200

باب عوامل الجزم

صفحات 161-200

واعلم أن قوله: (فصل): (قد يجزم بإذا... إلى هنا، ثبت في نسخة شرحها ابن المنصف؛ وثبت في نسخة أخرى، بدله، بعد قوله: خلافاً لزاعمي ذلك: (ولا يمنع جزمه تقديم معموله عليه، ولا يعمل فيما قبل الأداة إلا وهو غير مجزوم، خلافاً للكوفيين في المسألتين) - والمسألة الأولى مسألة: إن تنطلق، خيراً تصب؛ ونسب المنع في هذه النسخة للكوفيين، وفي تلك للفراء، وهو الصحيح؛ فالكسائي رأس الكوفيين، وهو قائل فيها بالجواز؛ ومثال المسألة الثانية: خيراً، إن انطلقت، تصيب، بالرفع، فهذا جائز، إلا أن تصيب ليس الجزاء حينئذ، بل الجزاء محذوف، يدل عليه هذا المذكور، فإن جزمت، أجاز الكسائي ذلك والفراء، ومنعه البصريون؛ ونقل بعض المصنفين عن الأخفش، ما يقتضي الجواز، وفي تقديم معمول فعل الشرط على أداة الشرط، خلاف؛ فمذهب البصريين والفراء المنع، ومذهب الكسائي الجواز نحو: خيراً إن تفعل، يثبك الله؛ ويحتاج الجواز إلى سماع.
(وقد تنوب بعد إن، إذا المفاجأة، عن الفاء، في الجملة الإسمية غير الطلبية) - وفي بعض النسخ: (وقد تناوب بعد إن إذا) - ونصوص النحويين متضافرة على إطلاق القول بأن إذا يربط بها

في جواب الشرط مع الجملة الإسمية، لكن السماع في الجواز مع إن، قال تعالى: "وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم، إذا هم يقنطون"، وجاء أيضاً في إذا، قال تعالى: "فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون".
واحترز بالاسمية من الفعلية، فلا تدخل إذ هذه عليها؛ لا يجوز: إن قام زيد، إذا يقوم عمر؛ وبغير الطلبية من الطلبية، فلا يجوز: إن عصى زيد إذا ويل له، وإن أطاع، إذا سلام عليه؛ بل تتعين الفاء، كما تتعين إذا كانت الاسمية منفية، نحو: إن يقم زيد، فما عمرو قائم؛ لا يجوز: إذا ما...، وكذا إذا صحبتها إن نحو: إن تقم، فإن عمراً قائم؛ لا يجوز: إذا إن، وإن جاز مع غير الشرط نحو: (98) إذا إنه عبد القفا واللهازم

كما لا يجوز: إن يقم، فإذا زيد قائم؛ وإن جاز: خرجت، فإذا زيد قائم؛ وكون الربط بإذا هو قول الخليل وسيبويه؛ وقال الأخفش: هو على تقدير الفاء، وتقدير الآية: "فإذا هم يقنطون"؛ ورد بأن حذف الفاء فيما تلزمه الفاء مخصوص بالشعر، ولا بد في الربط بها، من المحافظة على ما تعطيه من المفاجأة كالآية؛ ونحو: إن تصل إلى زيد، إذا هو يصل، بخلاف: إن تأتني، إذا أنا أكرمك؛ فإن قصدت المفاجأة جاز؛ وبهذا يفرق بين الربط بها والربط بالفاء.
(فصل) - (لأداة الشرط صدر الكلام) - كأداة الاستفهام وما النافية؛ وهذا مذهب البصريين، فلا يجوز عندهم تقديم شيء من معمول فعل الشرط أو فعل الجزاء على الأداة، كما تقدم.
(فإن تقدم عليها شبيه بالجواب معنى، فهو دليل عليه، وليس إياه، خلافاً للكوفيين والمبرد وأبي زيد) - ونقل أيضاً عن الأخفش؛ فإذا قلت: أكرمك إن جئتني، فأكرمك ليس جواب الشرط عند جمهور البصريين، لأنه لا يجوز جزمه ولا دخول الفاء عليه، وإنما هو دليل على الجواب المحذوف؛ وشبهة من جعله جواباً، أن المقصود حاصل به، فلا حاجة إلى دعوى حذف؛ وتخلف بعض الآثار، إنما هو للتقديم؛ وقيل بالمنع إن كان الجزاء ماضياً،

فلا يجوز: قمت، إن قام زيد أو إن يقم؛ والجواز إن كان مضارعاً، فتقول: أقوم، إن قام زيد أو إن يقم وهو قول المازني، ويوجه بأن في تقديمه ماضياً كثرة مخالفة الأصل، فيخرج الماضي عن ظاهره إلى الاستقبال، ويخرج الجزاء عن أصله بالتقديم؛ قيل: وثمرة الخلاف إذا قلت: إن يقم زيد، يقوم عمرو، بالرفع؛ فالمانع من التقديم يقول: لا يجوز إلا في ضرورة، لأنه على حذف الفاء؛ ومجيزه يقول: هو فصيح.
(ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر) - فلا تقول: أقوم، إن يقم؛ ويجوز: إن قمت، أو لم تقم؛ قال تعالى: "لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا"؛ ومن الأول، ومحله الشعر كما قال، قوله: (99) لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيت واسع وقوله:

(77) مكرر يثني عليك وأنت أهل ثنائه ولديك إن هو يستزدك مزيد وأجاز الكوفيون: أنت ظالم إن تفعل.
(فإن كان غير ماض مع ما أو من أو أي، وجب لها في السعة حكم الذي) - فتزول عن تقدم ما هو دليل الجواب أو الجواب على هذه، والفعل الذي يليها مضارع غير مجزوم بما الشرطية وبأي الموصولة، ويصير الفعل صلة، نحو: آتي من يأتي زيداً، وأحب ما يحبه، وأكرم أيهم يحبك؛ وتعطى حكم الموصول من استحقاق الصلة والعائد وجواز عمل ما قبلها فيها؛ هذا في الكلام، أما في الشعر فيجوز الجزم والبقاء على الشرطية؛ وفي رؤوس المسائل: لا خلاف في جواز: آتيك إن تأتني، على قبحه؛ واختلف في من وما وأي ومهما ومتى وحينما، فأجازه سيبويه في الشعر، ومنعه عامة الكوفيين.
(وكذا إن أضيف إليهن حين) - أي اسم زمان نحو: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه؟ فلا يجوز الجزم في السعة، لأن أسماء الزمان لا تضاف إلى جملة مصدرة بإن، فكذا لا تضاف إلى ما يصدر بما هو في معناها؛ وهذا مذهب سيبويه والجرمي والمازني، وذهب الزيادي إلى جواز الجزم، ونسب إلى المبرد أيضاً.

(ويجب ذلك مطلقاً لهن إثر هل) - والمعنى بقوله: مطلقاً، السعة والضرورة، فتعطى حكم الموصول، ويرفع ما بعدها حينئذ في النثر والنظم نحو: هل من يأتيك تأتيه؟ فيتعين الرفع، لأن هل لا يستفهم بها عن الجملة الشرطية، لا يجوز: هل إن قام زيد، قام عمرو؟ وأما الهمزة، فيجوز ذلك فيها نحو: أإن قام زيد، قام [عمرو]؟ فيجوز: أمن يأتنا نأته؟ بالجزم.
(أو ما النافية) - نحو: ما من يأتينا نطيعه؛ وما أيها تشاء، أعطيك؛ فالموصولة متعينة بعد ما، فيتعين الرفع في الفعل، لأن ما لا تنفي الجملة الشرطية؛ لا يجوز: ما إن تأتنا نأتك؛ فإن كان النفي بلا، جازت الموصولية فترفع، والشرطية فتجزم، لأن "لا" تدخل على الشرطية نحو: لا إن نأتك، تحسن إلينا، ولا إن لم نأتك تذكرنا، قال ابن مقبل:

(101) وقدر ككف القرد، لا مستعيرها يعار، ولا من يأتها يتدسم (أو إن أو كان أو إحدى أخواتهما) - فتقول: إن من يأتينا، لا يخيب وليت ما تقول، أقول، بالرفع، وكذا ترفع في: كان من يأتينا نكرمه؛ وأصبح من يعطينا نعطيه؛ وذلك لأن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله إلا إن كان حرف جر أو اسماً مضافاً إليه نحو: بمن تمرر أمرر، وغلام من تضرب أضرب.
ويجوز في إن وأخواتها الجزم في الشعر، نحو قول الأعشى: (102) إن من يدخل الكنيسة يوماً يلق فيها جآذراً وظباء

وهو على حذف ضمير الشأن.
وقال أمية بن أبي الصلت: (103) ولكن من لا يلق أمراً ينوبه بعدته، ينزل به وهو أعزل وإذا أضمرت في كان وأخواتها ضمير الشأن، جاز الجزم.
(أو لكن) - أي المخففة، لدخول المثقلة في أخوات إن؛ فتقول: لكن من يزورني أزوره.
(أو إذا المفاجأة) - نحو: مررت بزيد، فإذا من يزوره يحسن إليه.
(غير مضمر بعدهما مبتدأ) - فإن أضمرته بعدهما، جاز مجيء الشرط فتجزم، ومنه قول طرفة: (104) ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد جزم، فدل على إضمار المبتدأ، أي ولكن أنا، فدل على جواز: لكن من يأتنا نحسن إليه، على تقدير: لكن نحن من... وتقول: مررت بزيد، فإذا من يأته يكرمه، على تقدير: فإذا هو من يأته؛ وإضمار المبتدأ بعد لكن وإذا سائغ نحو: ما زيد بقائم، ولكن قاعد، أي ولكن هو قاعد؛ ومررت بزيد فإذا أكرم الناس، أي فإذا هو.

(ويحذف الجواب كثيراً لقرينة) - نحو: "وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض، أو سلماً في السماء، فتأتيهم بآية" أي فافعل؛ ونحو: إن ذكرتم، أي تطيرتم.
(وكذا الشرط) - ولكنه أقل من حذف الجواب؛ وكذا قال المصنف في شرح الكافية؛ وثبت في نسخة عليها خطه: (وكذا الشرط المنفي بلا تالية إن) - وهو يعطي أن الشرط إذا لم يكن كذلك لا يحذف؛ ونحوه قول ابن عصفور والأبدي: إنه لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام، إلا بشرط تعويض لا من الفعل المحذوف نحو: اضرب زيداً إن أساء، وإلا، فلا تضربه؛ ومقصودهم الحذف بلا مفسر، فلا يرد عليهم: "وإن أحد من المشركين استجارك"، لكن يرد: "إن خيراً فخير، وإن شراً فشر"، أي إن كان عملهم؛ ومن الحذف قوله: (88) مكرر فطلقها، فلست لها بكفء وإلا، يعل مفرقك الحسام

أي وإلا تطلقها.
وكلامه يقتضي أن حذف الجواب يكثر للقرينة مع إن دون غيرها من أدوات الشرط، ولم يسمع إلا مع إن، وكذا كلامه في حذف الشرط، بالنسبة إلى النسخة الأولى؛ والمعروف ذلك مع إن، وجاء مع متى في بيت أنشده المصنف في شرح الكافية الشافية.
(105) وهو: متى تؤخذوا قسراً... البيت.
(ويحذفان بعد إن) - نحو: (106) قالت بنات العم: يا سلمى، وإن كان فقيراً معدماً؟ قالت: وإن أي وإن كان كذلك، رضيته؛ ولا يعرف ذلك مع غير إن.
وما تقدم من شرط التعويض.
عند حذف الشرط، عن ابن عصفور والأبدي، ذكر أيضاً فيه: إذا حذف الجواب معه، نحو: اضرب زيداً إن أساء، وإلا فلا؛ أي وإن لا يسئ فلا تضربه.

(في الضرورة) - هذا يقتضي أن حذفهما مع إن، مخصوص بالضرورة، وجدت لا، أو لم توجد؛ وابن عصفور ومن تبعه على أن الحذف فيهما بدون لا، مخصوص بالضرورة، كالرجز، ومع لا، يجوز في الكلام؛ وكلام غيرهم يقتضي جوازه في الكلام مع إن مطلقاً، قال ابن الأنباري: تقول: لا أقصد فلاناً، لأنه لا يعرف حق من يقصده؛ فيقال: ذره وإن، أي وإن كان كذلك فذره؛ وكلام غيره مثله؛ ولا تحذف إن ولا غيرها عند الجمهور؛ وأجاز بعض الناس حذف إن، قال: فيرتفع الفعل صفة، قال تعالى: "تحبسونهما من بعد الصلاة"، فالفعل صفة "آخران"، أو يرتفع، على إلغاء إن، كقول ذي الرمة: (107) وإنسان عيني، يحسر الماء تارة فيبدو، وتارات يجم فيغرق والمشعر بالشرطية فيهما الفاء، وهو قول ضعيف؛ وما ذكر من الآية والبيت، حملهما على خلاف ذلك أوضح.

(وقد يسد مسد الجواب خبر ما قبل الشرط) - نحو: "وإنا إن شاء الله لمهتدون"، وقال القطامي: (108) والناس، من يلق خيراً، قائلون له ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل "فقائلون" يحتمل كونه خبر "الناس"، وكونه خبر مبتدأ محذوف، أي فهم قائلون؛ وهو في الثاني نظير: (109) بني ثعل، من ينكع العنز ظالم أي فهو ظالم.
(وإن توالى شرطان، أو قسم وشرط، استغنى بجواب سابقهما) -

ولا يخص ذلك بالشرطين، بل ما كان أزيد من شرطين، فحكمه كذلك؛ فإن قلت: إن جئتني، إن وعدتني، أحسنت إليك؛ فأحسنت إليك جواب إن جئتني، واستغنى به عن جواب إن وعدتني.
وزعم المصنف أن الشرط الثاني مقيد للأول بمثابة الحال، وكأنه قال: إن جئتني في حال [وعدك لي]؛ والصحيح في مسألة توالي الشروط، أن الجواب للأول، وجواب الثاني محذوف، لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، وجواب الثالث محذوف، لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه؛ فإذا قلت: إن دخلت الدار، إن كلمت زيداً، إن جاء إليك، فأنت حر؛ فأنت حر جواب إن دخلت، وإن دخلت وجوابه، دليل جواب إن كلمت، وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء؛ والدليل على الجواب جواب في المعنى، والجواب متأخر، فالشرط الثالث مقدم؛ وكذا الباقي؛ وكأنه قيل: إن جاء، فإن كلمت، فإن دخلت، فأنت حر؛ فلا يعتق إلا إذا وقعت هكذا: مجيء ثم كلام ثم دخول؛ والسماع يشهد لهذا القول، قال: (110) إن تستغيثوا بنا، إن تذعروا، تجدوا منا معاقل عز، زانها كرم

وعليه عمل فصحاء المولدين، قال ابن دريد: (111) فإن عثرت بعدها، إن وألت نفسي من هاتان فقولا: لالعا وقال بعض الفقهاء: الجواب للأخير، والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني، والشرط الثاني وجوابه جواب الأول، وعلى هذا لا يعتق حتى يوجد كذلك: دخول، ثم كلام، ثم مجيء؛ وقال بعضهم: إذا اجتمعت، حصل العتق، تقدم المتأخر أو لا؛ وعلى تقدير حذف الجواب، يجب كون الشرط ماضياً أو مضارعاً مجزوماً بلم، إلا في الشعر، كالبيت السابق: إن تستغيثوا بنا إن تذعروا... وما ذكر المصنف، محمول على ما إذا كان التوالي بلا عاطف؛ فإن عطفت أحد الشرطين على الآخر، فإن كان العطف بأو، فالجواب لأحدهما من الأول والثاني دون تعيين نحو: إن جئتني أو إن أكرمت زيداً، أحسن إليك؛ وقالوا فيما إذا دخلت الفاء على أداة شرط بعد أخرى نحو: إن جئتني، فإن أحسنت إلي، جئتك؛ إن الجواب للثاني، وما دخلت عليه الفاء من الشرط وجوابه جواب الأول؛ وهذا فيه إخراج الفاء عن العطف، وجعلها لربط جملة الجزاء بالشرط.
وقال المصنف في شرح الكافية: إنه إذا اجتمع شرطان بعطف فالجواب لهما، ومثل بقوله تعالى: "وإن تؤمنوا وتتقوا، يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم.
إن يسألكموها، فيحفكم، تبخلوا، ويخرج أضغانكم".

وهذا على مقتضى ما سبق، فيما إذا كان العطف بالواو، وإن تكررت أداة الشرط، وفيما إذا كان العطف بالفاء، وإنما تكرر الشرط بلا أداة في المكرر، وأما المعطوف بأو، فلا يدخل في هذا، لما علم من أن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، فليس المقصود مجموع الشرطين، بل أحدهما، وهذا بخلاف ما نحن فيه، فإن المقصود المجموع، فالتوالي على الجواب لم يتحقق في العطف؛ ومثال توالي القسم الملفوظ به، كما مثل، والمقدر نحو: "ولئن لم يفعل"، وتحقق في العطف بالواو والفاء؛ ومثال توالي القسم والشرط: والله إن جاء زيد لأكرمنه، وإن جاء زيد، والله، أكرمه؛ ولا فرق بين القسم الملفوظ به، كما مقل، والمقدر نحو: "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن" وثبت بعد هذا، في نسخة عليها خطه: (وثاني الشرطين لفظاً، أولهما معنى في نحو: إن تتب، إن تذنب ترحم) - وظاهر هذا الكلام يقتضي أنه إنما يرى تقديم المؤخر، فيما كان نحو هذا، وهو ما يكون فيه الأول مرتباً على الثاني وقوعاً عادةً؛ فهو موافق للقول الأول الصحيح من وجه، ومخالفه من وجه؛ فالموافقة

في اعتقاد التقديم من تأخير، والمخالفة في الإشعار بالتفصيل؛ إذ قضيته أنهما إذا لم يكونا كذلك، فكل منهما واقع موقعه نحو: إن جئتني، إن أحسنت إلي، أكرمتك؛ وأصحاب القول الأول لا يفرقون بين المرتبة وغيرها؛ فالمتأخر عندهم متقدم مطلقاً، وفي تمثيل المصنف بالمضارع في الشرط الثاني، مع زعمه أن جوابه محذوف، مخالفة لما تقرر من أن شرط جواز الحذف في الكلام، كون الشرط ماضياً أو مضارعاً مجزوماً بلم، والتمثيل المذكور نظير ما بابه الشعر من قوله: إن تستغيثوا بنا، إن تذعروا.. (وربما استغنى بجواب الشرط عن جواب قسم سابق) - وهذا قول بعض الكوفيين، منهم الفراء، ومنه: (112) لئن كان ما حدثته اليوم صادقاً أصم في نهار القيظ للشمس ضاحياً والبصريون يمنعون هذا، ويؤولون البيت على زيادة اللام، كهي في: (113) أم الحليس لعجوز شهربه

ونحوه.
وجرى الزمخشري على طريق المجوزين في قوله تعالى: "ما أنا بباسط يدي إليك"، فجعله جواب الشرط في: "لئن بسطت"، وفي قوله تعالى: "ما تبعوا قبلتك"، قال: هو جواب قسم محذوف، سد مسد جواب الشرط.
(ويتعين ذلك) - أي الاستغناء بجواب الشرط عن جواب القسم، وإن تقدم القسم.
(إن تقدمهما ذو خبر) - نحو: زيد، والله، إن يقم عمرو يأت؛ وزيد إن يقم عمرو والله يأت.
ويدخل في ذي الخبر، الاسم في بابي كان وإن، والمفعول الأول في باب ظننت، والثاني في باب أعلمت، والجملة الشرطية هي الخبر، والقسم تأكيد، وجوابه محذوف.
وقال ابن عصفور مرة: الجواب للمتقدم من القسم والشرط، ولم يراع تقدم ذي خبر، وقال مرة: إن تقدمهما ذو خبر، جاز أن يجاب الشرط في فصيح الكلام، نحو: زيد، والله، إن يقم، يقم عمرو؛ وكلام المصنف في غير هذا الكتاب على ترجيح إجابة الشرط.

وقال الصفار في شرح الكتاب في: أنا والله إن تأتني آتك: إنه يجوز أن يجعل الفعل المتأخر خبر المبتدأ، ويحذف جواب القسم والشرط، فتقول: آتيك؛ وأن تجعله جواب القسم، فتقول: لآتينك، والجملة من القسم والشرط خبر أنا، وأن تجعله جواب الشرط، فتقول: آتك، والشرط وجوابه خبر المبتدأ.
(أو كان حرف الشرط لو أو لولا) -فيكون الجواب حينئذ للشرط وإن تأخر، نحو: والله لو قام زيد لقمت؛ والله لولا زيد لأتيتك؛ وجواب القسم محذوف، لدلالة جواب لو ولولا عليه؛ قال: (114) فأقسم، أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر مظلم وقالت امرأة:

(115) فوالله لولا الله تخشى عواقبه لزعزع من هذا السرير جوانبه وجرى ابن عصفور في اجتماع القسم مع لو أو لولا، على قاعدة اجتماع القسم والشرط، فجعل الجواب للمتقدم، فقال في: والله لو قام زيد لقمت، أو لولا زيد لفعلت: إن الجواب للقسم، وجواب لو ولولا محذوف، لدلالة جواب القسم عليه؛ فإن سمع في الكلام: والله لو قام زيد، لم يقم عمرو، أو والله لولا زيد لم أقم؛ فهو حجة لما قال المصنف.
(وإن توسط بين الشرط والجزاء مضارع جائز الحذف، غير صفة، أبدل منا لشرط، إن وافقه معنى) - احترز بجائز الحذف، من الخبر، نحو خبر كان وثاني مفعولي ظننت، نحو: إن تكن تحسن إلى أكرمك؛ وإن تظنني أكرمك، لم يخب ظنك؛ وقال: (116) ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ولا يغنها يوماً من الدهر، يسأم

وبغير صفة، من نحو: إن يأتني رجل يأمر بالمعروف أكرمه.
ويدخل في الموافق معنى، المرادف، نحو: من يقصدني يتعمدني أكرمه.
يقال: عمدت للشيء أعمد عمداً، قصدت له؛ قال: (117) متى تأتنا، تلمم بنا، في ديارنا تجد حطباً جزلاً، وناراً تأججا وأتيت زيداً، وألممت بزيد، مترادفان؛ ويدخل فيه ما كان نوعاً من الأول نحو: إن تأتني تمش أحسن إليك؛ فالمشي نوع من الإتيان، لأن الإتيان يكون مشياً وغير مشي؛ فهذان القسمان يبدلان من الفعل السابق، فيجزم المضارع من ذلك لفظاً، والماضي محلاً نحو: إن أتيتني مشيت أكرمك: إذا

جعلت مشيت فيه بدلاً، كان في محل جزم؛ وإنما ذكر المنصف المضارع، لأن الجزم يظهر فيه؛ وما ذكر من البدلية هو على بدل الشيء أو الاشتمال، بحسب القسمين.
(وإلا رفع، وكان في موضع الحال) -أي وإلا يوافق معنى، نحو: من يأتي يضحك أحسن إليه؛ فيضحك في موضع الحال، أي من يأتني ضاحكاً، ومنه: (65) مكرر متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد وقضية كلامه أنه يجب جزم الموافق لجزمه بالبدل فيه، وتخصيصه الرفع بغيره؛ والأمر ليس كذلك، فيجوز في الموافق الرفع، ويكون في موضع الحال، إلا أن الجزم هو الوجه؛ والماضي في الحالية كالمضارع، نحو: من يأتني قد مشى، أو قد ضحك، أحسن إليه؛ وفي لزوم قد ما عرف من الخلاف.
(واتصال ما الزائدة بإن وأي وأين وأيان وكيف ومتى جائز) - نحو: "وإما تعرضن"، "وإما ينزغنك" وجاء في كلام العرب كثيراً بدون النون نحو:

(118) زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي ونحو: "أيا ما تدعوا"، "أينما تكونوا يدرككم الموت"، ونحو: (119) "فأيان ما تعدل بها الريح تنزل" وزعم بعض المغاربة أن ما لا تلحق أيان، وليس بجيد؛ ونحو: (120) متى ما تلقني، فردين، ترجف روانف أليتيك وتستطارا

وكيفما تكون أكون؛ وما في هذه كلها زائدة للتوكيد، كهي في: "فبما رحمة من الله"، خلافاً لأبي موسى في زعمه في أي، أنها عوض من الإضافة؛ وقوله: "أيما الأجلين قضيت" يرد عليه؛ وما عدا ما ذكر من أدوات الشرط، منه ما لا يجوز لحاق ما له، وهو: من وما ومهما وأي، خلافاً للكوفيين في غير مهما، فأجازوا الزيادة معها، نحو: من ما يأتني أكرمه؛ ومنه ما تلزمه ما، وهو: حيثما وإذما، خلافاً للفراء في إجازته الجزم بإذ وحيث دون ما.
(وكون فعلي الشرط ماضيين وضعاً) - أي الفعلين المتعلقين بأداة الشرط وهما: الشرط والجزاء، نحو: "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم".
(أو بمصاحبة لم أحدهما) - نحو: إن لم تأتني ضربتك، وإن أتيتني لم أضربك.
(أو كليهما) - نحو: إن لم تفعل لم أفعل.
(أو مضارعين دون لم) - نحو: "إن تصبك حسنة تسؤهم".

(أولى من سوى ذلك) - للمشاكلة؛ وأولاها المضارعان، ثم الماضيان، وغير هذه الصور الخمس أربع: إن جئتني أكرمك، إن لم يقم زيد، يقم عمرو، إن يقم زيد قام عمرو، إن يقم زيد، لم يقم عمرو؛ وأولاها أولها.
هكذا قيل.
(ولا يختص نحو: إن تفعل فعلت، بالشعر) - وفاقاً للفراء، فإنه أجازه في الاختيار، قال المصنف: ومنه قوله عليه السلام: "من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه"، خلافاً لبعضهم، وهم الأكثرون، نصوا على أنه مخصوص بالشعر، وأنشدوا أبياتاً منها: (121) إن تصرمونا وصلناكم، وإن تصلوا ملأتم أنفس الأعداء إرهابا وكلام سيبويه يقتضي عدم اختصاصه بالشعر، قال في أواخر باب ما يرتفع بين الجزمين:

"فإذا قلت: إن تفعل، فأحسن الكلام أن يكون الجواب: أفعل، لأنه نظيره من الفعل؛ وإذا قال: إن فعلت، فأحسن الكلام أن تقول: فعلت، لأنه مثله؛ فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت، قبح لم أفعل مع يفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت وقبح لا أفعل مع فعل، لأنها نفي أفعل.
انتهى.
وهذا الكلام يخرج منه أن نحو: إن تفعل فعلت، وإن فعلت أفعل، وإن تفعل لم أفعل، وإن فعلت لا أفعل، ضعيف؛ وفي أول كلامه أشعار بحسن، حيث قال: فأحسن الكلام، وفي آخره تصريح بقبح، إذ قال: قبح لم أفعل، وقبح لا أفعل؛ وليس المراد بالقبح الامتناع، إذ لم يذهب أحد إليه مطلقاً؛ وكيف يحمل على ذلك، ومن جملة الصور: إن فعلت أفعل، والتعليل يرشد إلى عدم الامتناع؛ وتعيين القبح بلم أفعل مع يفعل، وبلا أفعل مع فعل بخصوصهما، لا وجه له، فلا فارق بين هذا وبين ما قبله، ولا قائل بالفرق على هذا الوجه، بل سوى الأكثرون بين: إن يقم، قام زيد، وبين إن يقم، لم أقم، فخصوهما بالشعر، ولم يمنعوا الثاني دون الأول.
(وإن حذف الجواب، لم يكن الشرط مضارعاً غير منفي بلم إلا قليلاً) - وهذا نحو قوله فيما تقدم، عند ذكر سبق دليل الجواب: "ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر"؛ وحاصل

الكلامين، أن الجواب إذا حذف للدلالة، نحو: آتيك إن أتيت، ووالله إن أتيت لأتينك، وجب كون الشرط ماضياً، لفظاً أو تأويلاً، لكن قال هناك: إن خلاف ذلك مخصوص بالشعر، وقال هنا: إنه قليل، فلا يقتضي الاختصاص بالشعر، والصحيح اختصاصه بالشعر، قال سيبويه في: إن تأتني آتيك، إنه جائز على التقديم والتأخير؛ وقال في: إن تأتك هند آتيك، إنه قبيح، لأن الجواب لا يحذف مع عمل إن، إلا ضرورة؛ وسوى المبرد بين الموضعين، وقد سبق أن الكوفيين أجازوا: إنه ظالم إن يفعل.
(ولا يكون الشرط غير مستقبل المعنى، بلفظ كان أو غيرها، إلا مؤولاً) - ففعل الشرط مستقبل في المعنى، لأن هذه الأدوات تقتضي الاستقبال، ومثال ما ظاهره خلاف ذلك بلفظ كان: "إن كنت قلته، فقد علمته"، "إن كان قميصه قد"، وبغير ذلك: "إن صدوكم عن المسجد الحرام" في قراءة أبي عمرو وابن كثير، بكسر الهمزة، والصد متقدم عام الحديبية؛ وأول ما قيل على تقدير: إن أكن كنت قلته، وإن يكن كان قميصه قد؛ وأول الثاني على معنى: إن يكن صد غير ما تقدم، يكن هذا الحكم؛ وزعم

المبرد أن كان تبقى على مدلولها من المضي، من حيث جردت للدلالة على الزمان الماضي، قال: فلا تغير أداة الشرط دلالتها عليه؛ واحتج بتلك الظواهر؛ وأجيب بأنها استعملت للمستقبل بلفظ الماضي في قوله تعالى: "وإن كنتم جنباً فاطهروا"، وبما سبق من التأويل.
(وقد يكون الجواب ماضي اللفظ والمعنى، مقروناً بالفاء مع قد ظاهرة) - نحو: "إن يسرق، فقد سرق"، "وإن يكذبوك فقد كذبت".
(أو مقدرة) - نحو: "إن كان قميصه قد من قبل فصدقت"، "وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت".
وكلام المصنف والجزولي وغيرهما ظاهر في أن الجواب هو الماضي لفظاً ومعنى، ولا بد من تأوله، فكيف يتسبب الماضي عن المستقبل، والجواب كما علم يتسبب عن الشرط، وقد سبق ذكر هذا في تعريف هذه الأدوات؛ وينبغي تأوله على أن الجواب مستقبل محذوف، دل هذا عليه، فسمى الدليل جواباً، باعتبار دلالته على الجواب؛ وقال الخضراوي في قوله تعالى: "إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله"، كان الأستاذ ابن خروف يقول في هذا: الجواب محذوف

واستغنى عنه بالمسبب؛ والمعنى في: إن يهنك فقد أهنته، فلا ينكر ذلك، فقد أهنته.
انتهى.
(ولا برد إن بمعنى إذ، خلافاً للكوفيين) - وما احتجوا به من قوله: "وإن كنتم في ريب"، وقوله: "وذروا ما بقي من الربا، إن كنتم مؤمنين"، "لتدخلن المسجد الحرام، إن شاء الله" لا يتعين فيه ما ذكروا، بل إقرار إن على ما استقر لها من الشرطية في ذلك واضح.
(فصل): (لو حرف شرط، يقتضي امتناع ما يليه، واستلزامه لتاليه) - فتدل على امتناع ما دخلت عليه، ويستلزم امتناعه امتناع التالي، نحو: لو أكلت لشبعت؛ فامتنع الأكل، ولزم منه امتناع الشبع؛ هكذا قيل في تقرير كلام المصنف؛ وعبارة سيبويه: لو حرف لما كان سيقع لوقوع غيره؛ والعبارة المشهورة في لو: أنها حرف يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول؛ وقال المصنف في شرح الكافية الشافية: العبارة الجيدة في لو أن يقال: حرف يدل على امتناع تال، يلزم لثبوته ثبوت تاليه؛ وهذه العبارة هي التي يظهر تنزيل كلامه في التسهيل عليها؛ والمعنى حرف يقتضي امتناع ما يليه، ويقتضي استلزام وجوده، وجود تاليه.
وتحقيق القول في ذلك وتقريره ليس من وظيفة هذا التصنيف،

وإنما أقرر هنا معنى العبارة التي ذكرها على الوجه الذي ذكرته؛ فقوله: حرف تقتضي امتناع ما يليه إلى آخره، معناه أنك إذا قلت: لو جئتني أكرمتك، اقتضى ذلك نفي المجيء، واستلزام ثبوته ثبوت الإكرام، ولا يقتضي نفي الإكرام ولا بد، فقد يكون الجواب مساوياً للشرط، فيمتنع لامتناعه، نحو: لو كانت الشمس طالعة، لكان النهار موجوداً؛ وقد يكون أعم من الشرط، فلا يكون ممتنعاً في نفس الأمر، لجواز أن يكون لازماً لأمر ثابت، فيكون ثابتاً لثبوت ملزومه، نحو: لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه؛ فأن تركه السؤال محكوم بكونه ممتنعاً، والعطاء محكوم بثبوته، والمعنى أن العطاء ثابت مع ترك السؤال، فكيف مع السؤال؟ وهذا هو معنى قول سيبويه: حرف لما كان سيقع.. إلى آخره.
فأخذ في الملازمة جانب الثبوت، ولم يتعرض للانتفاء عند الانتفاء.
(واستعمالها في المضي غالباً) - هذا قول قوم من النحويين؛ وأكثر المحققين، كما قال ابن المصنف، على أنها لا تستعمل في غير المضي؛ ومن مجيئها للشرط في المستقبل: "وليخش الذين لو تركوا"، "أعطوا السائل، ولو جاء على فرس"؛ وقال ثوبة: (122) ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي، ودون جندل وصفائح

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر صائح (فلذا لم يجزم بها إلا اضطراراً) - أي لكونها للمضي غالباً؛ وقد سبق له أن الأصح امتناع ذلك، وسبق ذكر تأويل ما أنشد من أثبته.
(وزعم اطراد ذلك على لغة) - وإذا ضم هذا إلى ما سبق من كلامه كان في لو ثلاثة آراء: أحدها: أنه لا يجزم بها، فلا في الكلام ولا في الشعر.
الثاني: أن الجزم بها ضرورة.
الثالث: أن الجزم بها على اطراده لغة.
(وإن وليها اسم، فهو معمول فعل مضمر مفسر بظاهر بعد الاسم) - نحو المثل: لو ذات سوار لطمتني! أي لو لطمتني ذات سوار؛ وقول عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ وقوله:

(123) أخلاي لو غير الحمام أصابكم عتبت، ولكن ما على الدهر معتب وكلام المصنف يقتضي أن لو مثل إن، وصرح بذلك في شرح الكافية الشافية وغيره، فقال: لو في الاختصاص بالفعل كإن؛ وكذا قال غيره: إنها لا يليها إلا الفعل، ظاهراً أو مضمراً، وكلام المغاربة على خلاف ذلك، وهو المنسوب للبصريين، قال ابن الضائع: البصريون يصرحون بامتناع: لو زيد قام لأكرمته، على الفصيح، ويجيزونه شاذاً نحو: لو ذات سوار...، وهو عندهم على فعل مضمر.
انتهى؛ وقوله تعالى: "قل لو أنتم تملكون" ظاهره يقتضي الجواز، وقد خرج على إضمار كان؛ أي لو كنتم أنتم، فانفصل لإضمارها الضمير، وهي تحذف لكثرة الاستعمال؛ قال بعضهم: ويقاس على هذا ما هو مثله، ولا يقاس عليه: لو زيد قام، لأنه ليس مثله؛ وقالوا: ائتني بدابة ولو حماراً، وألا ماء ولو بارداً؛ بإضمار كان؛ أي ولو كان حماراً، ولو كان بارداً؛ وهو مقيس.
(وربما وليها اسمان مرفوعان) - يعني أنه قد يليها مبتدأ، واستشهد هو وغيره، ممن ذكر ذلك بقوله:

(124) لو بغير الماء حلقي شرق لكن خصه غيره بالضرورة، كما وقع المبتدأ بعد هلا في قوله: (125) فهلا نفس ليلى شفيعها ؟ وبعضهم لم ير هذا، بل سلك التخريج، فقال الفارسي: حلقي فاعل فعل مضمر، يفسره شرق، أي لو شرق حلقي؛ وشرق خبر مبتدأ محذوف، أي هو شرق؛ وكذا قيل في: هلا نفس ليلى.. أي هلا شفعت نفس ليلى هي شفيعها المقبول؛ وقال ابن خروف: هو على إضمار كان الشأنية، أي لو كان هو، أي الشأن، بغير الماء حلقي شرق، ومما حمل على وقوع المبتدأ بعد لو قوله: (126) لو في طهية أحلام، لما عرضوا

ويحتمل كونه على إضمار كان، أي لو كان في طهية أحلام.
(وإن وليها أن، لم يلزم كون خيرها فعلاً) - ومن غير الفعل: "ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام"؛ وقال امرؤ القيس: (127) ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة وقال الشاعر: (128) ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم (خلافاً لزاعم ذلك) - وهو السيرافي، وغلط فيه؛ وكذلك قاله الزمخشري، فمنع الاسم، ولو كان بمعنى فعل، نحو: لو أن زيداً حاضر؛ والسماع يرد ذلك.
واختلف في أن بعد لو؛

فمذهب سيبويه أنها في موضع رفع بالابتداء، ولا تحتاج إلى خبر، لانتظام الخبر والمخبر عنه بعدها، كما لا يحتاج إلى ثان في: ظننت أن زيداً قائم، وذهب المبرد إلى أنها في موضع رفع بفعل مضمر، فيقدر [في]: "ولو أنهم صبروا": ولو ثبت أنهم صبروا.
(وجوابها في الغالب فعل مجزوم بلم) - نحو: (129) فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد (أو ماض منفي بما) - نحو: "لو كان خيراً، ما سبقونا إليه".
(أو مثبت مقرون غالباً بلام مفتوحة) - وأكثر ما جاء في القرآن كذلك: "ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم".
(ولا تحذف غالباً إلا في صلة) - نحو: "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم"؛ فلو

وما دخلت عليه، صلة الذين؛ وسقط هذا من نسخة عليها خط المصنف، وتصحيحه وحذفه هو الصواب؛ فقد نص الناس على أن المثبت الواقع جوباً للو، يجوز دخول اللام عليه وحذفها، والحذف في كلام العرب كثير، ونطق به القرآن: قال تعالى: "لو نشاء جعلناه"، "لو نشاء أصبناهم"، "لو شئت أهلكتهم".
واحترز بقوله أولاً: في الغالب، من مجيئه جملة اسمية في قوله تعالى: "ولو أنهم آمنوا واتقوا، لمثوبة من عند الله خير" خرجه الزجاج على أنه جواب لو، لأنه في معنى: لأثيبوا.
(وقد تصحب) - أي اللام.
(ما النافية) - وهو قليل، قال: (130) لو أن بالعلم تعطى ما تعيش به لما ظفرت من الدنيا بثفروق

وثبت في بعض النسخ بعد هذا: (وإن ولي الفعل الذي وليَها جملة اسميَّة، فهي جواب قسم مغن عن جوابها) - هذا قاله قوم في قوله تعالى: "لمثوبة من عند الله خير"، واللام على هذا لام جواب القسم، لا جواب لو؛ وعلى هذا يكون قوله: في الغالب، أولاً: احترازاً من كون جوابها جملة اسمية مقرونة بالفاء، وأنشد المصنف شاهداً على ذلك: (131) قالت سلامة: لم يكن لك عادة... أن تترك الأعداء حتى تُعذرا لو كان قتل يا سلام، فراحة... لكن فررت مخافة أن أوسرا

فراحة خبر مبتدأ محذوف، أي فهو راحة، والجملة جواب لو، وكان تامة، أي لو وقع قتل استرحت؛ قال ابن المصنف: ويجوز كون الفاء عاطفة على قتل، وجواب لو محذوف، كما حذف في مواضع كثيرة.
انتهى.
وحذف جواب لو للدلالة كثير، ومنه "ولو أن قرآنا [سيرت به الجبال] "، "وما أنت بمؤمن لنا، ولو كنا صادقين"، "ولو افتدى به"، وإلا ماء ولو بارداً، أي لكان هذا القرآن، وما صدَّقتنا، ولم يُقبل منه، ولو كان بارداً لقبلتُه، فمطلوبه الحار عدل عنه إلى البارد، واللازم في لو في مثل هذا أن يكون ما بعدها دون المطلوب، نحو: ائتني بدابة، ولو حماراً.
(فصل): (إذا ولي لما فعل ماض لفظاً ومعنى، فهي ظرف بمعنى إذ، فيه معنى الشرط) - احترز بماضٍ لفظاً من لما النافية، فلا يليها إلى المضارع لفظاً، كما تقدم؛ وبقوله: ومعنى، من لما.
إلا في القسم، فلا يليها إلا ماضٍ لفظاً، مستقبل معنى؛ وكون لما بمعنى اسماً مراداً به الظرفية الماضية، هو قول أبي علي وابن جني وأبي بكر الفارسي، واستشهد لهذا القول بقوله:

(132) إني لأرجو محرزاً أن ينفعا... إياي، لما صرت شيخاً قلعا قال المصنف في شرح الكافية: هذا يقوي قول أبي علي، لأنها قد جاءت لمجرد الظرفية.
انتهى.
ويحتمل كون جواب لما محذوفاً لفهم المعنى، أي لما صرت شيخاً قلعا، حصل لي هذا الرجاء.
(أو حرف يقتضي فيما مضى وجوباً لوجوب) - والحرفية فيها مذهب سيبويه والمحققين، فإذا قلت: لما قام زيد قام عمر، أفادت لما ربط الجملة بالجملة، كما تفيده لو، إلا أن لو تدل على عدم الوقوع، بالنسبة إلى عدم وقوع الملزوم، ولما تدل على ربط واقع بواقع، وعن هذا قيل: هي حرف وجوب لوجوب؛ وقال بعضهم: حرف وجود شيء لوجود غيره؛ وبعضهم يقول: إذا كانت الجملتان مثبتتين، كانت حرف وجوب لوجوب، أو منفيتين نحو: لما لم يقم لم أقم، كانت حرف امتناع لامتناع؛ وإن كانت الأولى مثبتة فقط نحو: لما قمت لم أقم، كانت حرف امتناع لوجوب، وفي عكسه عكسه؛ وفي الحقيقة يرجع كله لما سبق، من أنها حرف وجوب لوجوب، فتأمله.
واستدل لسيبويه بمجيء جوابها منفياً بما، ومصدراً بإذا الفجائية، وما بعدهما لا يعمل فيما قبلهما، قال تعالى: "فلما قضينا عليه الموت، ما دلهم

على موته"، وقال: "فلما نجاهم إلى البر، إذا هم يشركون".
وقول المصنف: فهي كذا وكذا، يشعر بثبوت الأمرين لها، وقد عرفت أنهما قولان، قائل أحدهما لا يقول بالآخر؛ وكأنه رأى أنها قد تتجرد للظرفية، بناء على ظاهر ذلك الشاهد، وتأتي للربط مع امتناع عمل الجواب فيها، كما في صورتي ما وإذا، فأثبت لذلك لها الأمرين؛ وقد عرفت ما في الشاهدين من الاحتمال، فتعين المصير إلى الحرفية أو ظهر.
(وجوابها فعل ماض لفظاً ومعنى) - نحو: "فلما أن جاء البشير، ألقاه على وجهه".
(أو جملة اسمية، مع إذا المفاجأة) - نحو: "فلما أحسوا بأسنا، إذا هم منها يركضون"؛ وجاء أيضاً بإذا مع ليس، قال كعب بن زهير: (133) حديث أناسي، فلما سمعته إذا ليس فيه ما أبين فأعقل

(أو الفاء) - مثل له المصنف بقوله تعالى: "فلما نجاهم إلى البر، فمنهم مقتصد"؛ ويحتمل حذف الجواب، وهو يحذف لدلالة المعنى، والتقدير: انقسموا قسمين، فمنهم مقتصد، ومنهم غير مقتصد؛ فحذف الجواب والمعطوف عليه، ودل على المعطوف: "وما يجحد بآياتنا"؛ ومن حذف الجواب: "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب"؛ وقال الكوفيون: الواو زائدة.
(وربما كان ماضياً مقروناً بالفاء) - مثله المصنف بقوله: (134) فلما رأي الرحمن أن ليس فيكم... رشيد ولا ناه أخاه عن الغدر فصب عليكم تغلب ابنة وائل... فكانوا عليكم مثل راغية البكر

جارٍ التحميل