(فحيثُ مبنيةٌ) - لتضمنها معنى حرف الشرط إن كانت للشرط نحو: حيثما تكن أكن.
لشبهها الحرف في الافتقار، إذ لا تستعمل إلا مضافةً إن لم تكن للشرط، وبنيت على حركة لئلا يلتقي ساكنان.
(على الضم) - تشبيهاً بقبلُ، لأنها تضاف إلى جملة، والإضافة في الحقيقة إنما هي إلى المفرد، فكأنها مقطوعة عن الإضافة.
(وقد تُفتح) - طلباً للتخفيف.
(أو تكسر) - على أصل التقاء الساكنين.
(وقد تخلف ياءها واو) - فيقال: حَوْثُ.
قال اللحياني: هي لغة طييئ.
(وإعرابُها لغة فقعسية) - حكى ذلك الكسائي، يقولون: جلستُ حيث كنتُ.
بالفتح.
وجئت مِنْ حيثُ جئت، فيجرونها بمنْ.
فصارت عندهم كعند.
وفقعس أبو قبيلة من بني أسد.
(ونذرتْ إضافتُها إلى مفرد) - كقوله:
(546) أما ترى حيثُ سُهيل طالعاً
في رواية الجر.
وهو عند البصريين نادر لا يقاس عليه.
وقال الكسائي: يقاس.
وشرط الجملة التي تضاف إليها أن تكون خبريةُ وتصدر في النفي بلم أو لا.
(وعدم إضافتها لفظاً أندرُ) - أي من إضافتها إلى مفرد.
وجعل المصنف منه:
(547) إذا ريدة مِنْ حيث ما نفحتْ له... أتاه برياها خليل يواصله
قال: أراد: إذا ريدة نفحت له من حيث ما هبت أتاه... فحذف هبت للعلم به، وعوض ما كتنوين حينئذ.
ويقال: ريح ريدة واردة وريدانة أي لينة الهبوب، ونفحت الريح هبتْ.
(وقد يُراد بها الحينُ عند الأخفش) - واستدل بقوله:
(548) للفتى عقلُ يعيشُ به... حيث تهدي ساقه قدمة
ورد بأن ظاهره أنها فيه للمنكان، إذ المعنى حيث مشى وتوجه.
(وعند للحضور أو للقرب، حساً أو معنى) - وقد اجتمع الحضور المعنوي والحسي في قوله تعالى: "قال الذي عنده علم من الكتاب"، "فلما رآه مستقراً عنده".
والقرب الحسي كقوله تعالى: "عند سدرةِ المنتهى، عندها جنةُ المأوى"، والمعنوي كقوله تعالى: "وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار"، ومنه قولك: عندي مائة؛ تريد أنها ملكك، وإن كان الموضع بعيداً.
وقد يكون مظروفها معنى فيراد بها الزمان، كقوله عليه السلام: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
ولا تخرج عن الظرفية إلا بالجر بمنْ نحو: طفإذا برزوا مِنْ عندك".
ولا يقال: مضيت إلى عنده، وتلزم الإضافة.
(وربما فُتحت عينُها أو ضُمت) - والمشهور كسرها، ومن العرب من يفتحها، ومنهم من يضمها، ففي عينها ثلاث لغات: عند وعند وعُند.
(ولدن لأول غاية زمان أو مكان) - فالأول نحو: ما رأيتُه من لدُن ظُهر الخميس.
والثاني نحو: "آتيناك من لدُنا" أي من جهتنا ونحونا.
وهي مبنية لشبهها الحرف في لزوم استعمال واحد، وهو كونها مبدأ غاية، وبهذا فارقت عند، وقيل عند لما هو حاصل أو في تقديره، فيقال: هذا عندي، وإن لم يكن حاصلاً، ولدن للحاصل المتصل.
(وقلما تعدمُ مِنْ) - ومنه قولهم: لدُنْ غدوة، ما رأيته لدُنْ شب.
(وقد يقال لدنْ ولدِنْ) - هما بسكون النون وفتح اللام، وإحداهما بفتح الدال والأخرى بكسرها، والتي ذكرها قبل ذكرهما بضم الدال وسكون النون وفتح اللام، فهذا ثلاث لغات.
(ولدْنِ ولُدْنِ) - هما بكسر النون وسكون الدال، واللام في إحداهما مفتوحة وفي الأخرى مضمومة.
(ولَدْنَ) - بفتح النون واللام وسكون الدال.
(ولَدْ ولُدْ) - هما بسكون الدال، واللام في إحداهما مفتوحة وفي الأخرى مضمومة.
(ولَدُ) - بفتح اللام وضم الدال: ويكمل بها تسع لغات.
وفي بعض نسخ التسهيل:
(ولَتِ) - بفتح اللام وكسر التاء، فإن ثبتت كانت لُغَى المبنية عشراً.
(وإعرابُ الأولى) - وهي لَدُنْ كما تقدم.
(لغة قيسية) - وبها قرأ أبو بكر عن عاصم: "من لَدْنِه" بجر
النون وإسكان الدال مُشَمَّةَ الضم.
والأصل من لَدْنِه بضم الدال، وحكى أبو حاتم: من لدُنِه بضم الدال وكسر النون، وتقول في النصب: لدُنه بفتح النون والدال مضمومة أو ساكنة مُشَمَّةَ الضم.
(وتُجْبَرُ المنقوصةُ مضافةً إلى مضمر) - فلا يقال في لَدُ: مِنْ لدُكَ، ولا مِنْ لدُه، ولا مِنْ لدي، بحذف النون بل تثبت النون نحو: من لدنك، نص على ذلك سيبويه.
(ويُجرُّ ما يليها بالإضافة لفظاً إن كان مفرداً) - كقوله:
(549) تنتهض الرعدة في ظُهيري... من لدن الظهر إلى العصير
(وتقديراً إن كان جملة) - نحو:
(550) لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم... فلا يك منكم للخلاف جنوحُ
ولا يضاف من أسماء الأمكنة إلى الجمل إلا حيث ولدُنْ.
ومنع ابن الدهان كون لدن تضاف إلى ملة، وقدر مع الفعل أن، لتكون الإضافة إلى المصدر وهو مفرد.
ويُبطل قوله إضافتُها إلى الجملة الاسمية كقوله:
(551) وتذْكُر نعماه لدن أنت يافع... إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر
وفي البيت بحث.
(وإن كان غدوة نصب أيضا) -فتختص غدوة من بين المفردات التي تضاف إليها لدن بجواز جرها ونصبها.
قال:
(552) وما زال مهري مزجر الكلب منهمُ... لدن غدوة حتى دنت لغروب
قال سيبويه: لا ينصبُ لدُنْ غير غدوة، فلا تقول: لدن بكرة، لأنه لم يكثر في كلامهم.
انتهى.
وانتصابها قيل بلدن تشبيهاً لها بضارب، بتنزيل نونه منزلة التنوين لثبوتها وحذفها، وقيل بكان أي لدن كانت الساعة غدوة، وقيل على التمييز، وقرره بعضهم بأن التقدير: لدُنْها غدوة كما في قولك: لي مثلُه رجلاً.
(وقد يُرْفعُ) - روى الكوفيون رفع غدوة بعد لدن على إضمار كان.
(وليست لدي بمعناها) - أي بمعنى لدن.
(بل بمعنى عند على الأصح) - كما صرح به سيبويه.
وذلك لأن لدُنْ لابتداء الغاية كما تقدم، وعند ولدي يكونان لابتداء الغاية وغيرها، ولأنهما يخبر بهما نحو: "وعنده مفاتح العيب" "ولدينا كتابط ولا يخبر بلدن.
(وتعامل ألفها معاملة ألأف إلى وعلى، فتسلم مع الظاهر) - نحو: "إذ القلوبُ لدى الحناجر" هذا هو الكثير، وقد تقلب معه فيقال: لديْ زيدٍ.
(وتُقلب ياءً مع المضمر غالباً) - نحو: "ولدينا مزيدً".
واستظهر بقوله غالباً على ما جاء عن بعض العرب من إقرار الألف مع المضمر في الدي، وكذا في إلى وعلى، قال:
(553) إلاكمْ يا خُزاعة لا إلانا... عزا الناسُ الضراعة والهوانا
فلو برئت عقولكم بصرتم... بأن دواء دائكم لدانا
وذلكمُ إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا
ويقال: ضرع الرجل ضراعة أي خشع وذل، وبصرت بالشيء علمته
(مع للصحبة اللائقة بالمذكور) - فهي اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب.
ودليل اسميتها دخول مِنْ عليها، حكى سيبويه: ذهب مِنْ معه، ولم يُبْنَ بل أعرب في أكثر اللغات، وإن كان على حرفين بلا ثالث مقدر، لشبهها عند في وقوعه خبراً نحو: زيدٌ مععمرو، وصفةً نحو: مررتُ برجل معه صقر، وحالاً نحو: جاء زيدٌ معي، وصلةً نحو: رأيتُ الذي معك، ودالاً على حضور: "ونجني ومنْ معي"، وقرب: "إنْ مع العسر يسراً".
(وتسكينُها قبل حركةٍ، كسرُها قبل سكون لغة ربعية) - فتقول
ربيعة: زيدٌ مع عمرو بالبناء على السكون، وزيدٌ مع القوم بالكسر، روى ذلك الكسائي عنهم.
(واسميتُها حينئذ) - أي حين إذ سكنتْ عينُها.
(باقية على الأصح) - لأن معناها مبنية كمعناها معربة.
وزعم النحاس انعقاد الإجماع على حرفية الساكنة.
وليس بصحيح، بل الأصح أنها اسم، وكلام سيبويه مشعر بهذا.
(وتُفْرَدُ) - أي عن الإضافة.
(فتساوي جميعاً معنى) - وعلى هذا تخرج عن موضوعها من الدلالة على الصحبة، أو تكون كجميع دالاً على الاصطحاب.
وفرق أحمد بن يحيى بينهما وقال: إنك إذا قلت: قام زيد وعمرو جميعاً، احتمل كون القيام في وقتين وفي وقت واحد.
(وفتى لفظاً لا يداً، وفاقاً ليونس والأخفش) - فإذا قلت: جاء الزيدان معاً.
ففتحة العين عندهما ليست للإعراب، بل هي كفتحة تاء فتى ونحوه مما وقع قبل ألف المقصور، والألف على هذا لام الكلمة.
وذهب الخليل وسيبويه إلى أن الفتحة للإعراب كهي في يد حالة النصب، والكلمة ثنائية كما هي مع الإضافة.
ورده المصنف بقولهم: الزيدان والزيدون معاً، فيوقعون معاً في موضع رفع كما يرفع المقصور نحو: هو فتى.
قال: ولو كان باقياً على النقص لقيل: الزيدان أو الزيدون مع كما يقال: هُمْ يدٌ.
ورُدَّ ما قال المصنف بأن مع باقٍ حينئذ على ما استقر له من
الظرفية وعدم التصرف، فهو منصوب في موضع الخبر نحو: الزيدان عندك، وليس هو نفس الخبر، فيكون مرفوعاً كما زعم.
(وغيرُ حاليتها حينئذٍ قليلً) - فالأكثر كونُها حالاً نحو: جاء الزيدان أو الزيدون معاً، ويقل كونُها خبراً كقول حاتم الطائي:
(554) أكف يدي عن أن ينال التماسُها... أكف صحابي حين حاجاتنا معاً
(ويُتوسع في الظرف المتصرف) -سواء أكان للزمان كيوم أم للمكان كميل، ولا يتوسع في غير المتصرف منها كسخر وعند.
(فيُجعل مفعولاً به مجازاً) - فتقول: سرتُ اليوم، وسرتُ ميلاً، بنصبهما على التوسع نصب المفعول به، كما تفعل ذلك في المصدر المتصرف فتقول: ضربتُ الضرب زيداً، بنصب الضرب مفعولاً به مجازاً.
(ويسوغ حينئذ إضمارُه غير مقرون بفي) - فإذا اتسعت في الظرف ثم أضمرته لم تأت بفي، وإن كان أصل الظرف أن يتعدى إليه بواسطة في، والضمير يرد الشيء إلى أصله، لأنك لم ترد كونه ظرفاً بل أردت كونه مفعولاً به مجازاً، فتقول: اليوم سرتُه، إن توسعت، واليوم سرتُ فيه إن لم تتوسع.
(والإضافةُ والإسنادُ إليه) - فالأول نحو: "بل مكرُ الليل والنهارِ"
ونحو: يا سائر الميل، والثاني نحو: وُلد له ستون عاماً، وسير عليه فرسخان.
(ويمنعُ من هذا التوسع على الأصح تعدي الفعل إلى ثلاثة) - فلا تقول: اليوم أعلمتُه زيداً عمراً قائماً.
ويجوز ذلك في اللازم نحو: اليوم قمتُه.
وفي المتعدي إلى واحدٍ نحو: اليوم ضربتُه زيداً، والمتعدي إلى اثنين نحو: اليوم أعطيتُه زيداً درهماً.
وهذا مذهب أكثر النحويين، كما نقل ابن عصفور.
وعلة المنع أنه ليس له ما يشبه به، إذ ليس في الأفعال ما يتعدى إلى أربعة؛ ومذهب الأخفش جوازُه في الجميع، وهو ظاهر كلام سيبويه والمنسوب إلى الجمهور، لأن التوسع يجوز، ولا نُسلم احتياجه إلى ما يشبه به.
26 -