على المصدر، كفعل الأمر؛ ورد بأن فعل الأمر إنما صح فيه، لتأوله بالمصدر، من قبل أنه يقع في صلة أن المصدرية نحو: أشرت إليه بأن افعل، وذلك لا يصح في اسم الفعل المشتق، كما لا يصح في غير المشتق منه، ولا فرق بينهما؛ فالصحيح المنع، وهو غير مسموع؛ قال الخضراوي، وقد ذكر قول ابن جنى: إنه يجوز النصب بعد نزال وشبهه؛ ولا فارق عندي إلا السماع في الجميع.
(فإن لم يحسن إقامة: إن تفعل، وإن لا تفعل، مقام الأمر والنهي، لم يجزم جوابهما) - وفي نسخة عليها خط المصنف:
(فإن لم يحسن: إن تفعل، مقام الأمر، وإن لا تفعل، مقام النهي) - فالأول نحو: أحسن إلي، لا أحسن إليك؛ والثاني: لا تقرب الأسد، يأكلك؛ فيمتنع الجزم عند سيبويه وأكثر البصريين فيهما؛ إذ لا يضح: إن تحسن إلي، لا أحسن إليك، ولا: إن لا تقرب الأسد، يأكلك؛ وإنما اشترط في النهي النفي، محافظة على ما يقتضيه النهي من العدم.
(خلافاً للكسائي) - المحفوظ نقل الخلاف في المسألة الثانية؛ وظاهر كلام المصنف قد يفهم نقل الخلاف عن الكسائي في المسألتين، وعلى هذا يكون المنظور إليه، تقدير الشرط على حسب
ما يقتضيه الحال من إثبات أو نفي؛ فيقدر في: أحسن إلي أبغضك: إن لا تحسن إلي أبغضك؛ وفي: لا تدن من الأسد يأكلك: إن تدن من الأسد يأكلك؛ إلا أن الأولى لم ير فيها خلافاً، وأما الثانية، فالمشهور فيها نقل الخلاف عن الكسائي، وحكاه ابن عصفور عن الكوفيين، وحكى بعض المغاربة عن الكسائي وبعض المتأخرين؛ وقال الجرمي في الفرخ: يجوز الجزم في النهي، على رداءة وقبح؛ وقال الأخفش: يجوز فيه، لا على الجواب، بل حملاً على اللفظ، لأن الأول مجزوم.
واستدل من أجاز الجزم على الجواب، بأن الشيء يدل على نقيضه، ومعنى الكلام يرشد إلى ذلك القدر، ومن كلام العرب: لا تسألوه، يجبكم بما تكرهون، وعن أبي طلحة أنه قال له رسول لله صلى الله عليه وسلم: لا تتطاول، أو لا تشرف، يصبك سهم؛ وفي رواية: "فلا تقرب مساجدنا، تؤذنا برائحة الثوم".
(وتضمر أن الناصبة بعد الواو والفاء الواقعتين بين مجزومي أداة شرط) - نحو: إن تأتني، وتحدثنا، أحسن إليك، ومنه:
(41) ومن يقترب منا ويخضع نؤوه ولا يخش ظلماً، ما أقام، ولا هضما
ونحو: من قام، فيزورني، أحسنت إليه؛ وقوله:
(42) ومن لم يقدم رجله مطمئنة فيثبتها في مستوى الأرض، يزلق
يحتمل ما نحن فيه، والنصب في جواب النفي؛ وأثبت بعض المتأخرين ذلك في أو أيضاً نحو: إن زرتني، أو تحسن إلي، أحسن إليك، وأثبته الكوفيون في ثم نحو: "ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت" في قراءة من نصب؛ وعلم من التمثيل، أنه لا فرق بين كون أداة الشرط حرفاً أو اسماً، ولا بين كون الفعلين مجزومين لفظاً أو محلاً، والجزم هنا أجود من النصب، لأن فيه العطف على ملفوظ به؛ والنصب هنا دون النصب في النفي وأخواته، لأن الشرط واجب، إلا أنه يشبه غير الواجب، بما فيه من عدم الوقوع.
ويجوز رفع ما بعد الواو، على تقدير مبتدأ، وفيه ضعف، فحذف الواو، عند إرادة الحال، هو المشهور.
(أو بعدهما) - أي بعد مجزومي أداة الشرط، والمراد بعد الشرط والجزاء، لا خصوص ما ذكر، وذلك كقوله تعالى: "فيغفر لمن يشاء"، قرئ بالرفع والنصب والجزم؛ وكذا قرئ بالثلاثة: "ويكفر عنكم من سيئاتكم"، ويجوز في العطف على المنصوب من هذا الأوجه الثلاثة نحو: إن جئتني أحسن إليك، وأزورك، وأكرم أخاك؛ فالنصب عطفاً على اللفظ، والرفع للاستئناف، والجزم عطفاً على موضع وأزورك، لأنه يجوز جزمه.
(أو بعد حصر بإنما) - كقراءة ابن عامر: "إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون" بالنصب.
ونقل الصفار النصب بعد إنما عن الكوفيين، قال: وذلك عندنا لا يجوز.
انتهى.
والاستشهاد له بقولهم: إنما هي ضربة من الأسد، فتحطم ظهره، بالنصب، لا حجة فيه، لجواز كونه من باب:
(43) للبس عباءة، وتقر عيني... البيت، وسيأتي ذكره؛ لا من باب:
ما تأتينا، فتحدثنا؛ وقد خرجت الآية على أن "فيكون" جواب "كن" إجراء له مجرى الأمر الحقيقي، لأنه على صورته، كما جزم "يأكلوا"، في جواب "ذرهم" وإن لم يكن أمراً حقيقة، بل للتحذير والتهديد.
(اختياراً) - أي ليس النصب في المسائل الثلاث بجائز في الاضطرار فقط، بل هو جائز في الكلام، لكنه، كما سبق، دون النصب في الأجوبة السابقة، ونصوا على ضعفه، إلا الفراء، فأجازه من غير ضعف؛ وأثبت بعض النحويين النصب بعد الفاء والواو بعد جواب القسم نحو: أقسم ليقومن، فيضرب زيداً؛ قال: ولم يذكره سيبويه؛ وقوله: في الشرط، يقتضيه على ضعفه.
انتهى.
وذكر سيبويه النصب في الواقع بعد أفعال الشك، قال: وتقول: حسبته شتمني، فأثب عليه؛ إذا لم يكن الوثوب واقعاً، ومعناه: لو شتمني لوثبت عليه؛ وإن كان الوثوب قد وقع، فليس إلا الرفع.
واضطرب ابن عصفور في المسألة، فقال في شرح الجمل الكبير: هذا لا يجوز؛ فإن وجد منه شيء، فمن النصب في الجواب؛ وقال في شرح القانون بالجواز.
(أو بعد حصر بإلا، والخبر المثبت الخالي من الشرط اضطراراً) - مثل ابن المصنف المسألة الأولى بقوله: ما أنت إلا تأتينا، فتحدثنا؛ وأما الثانية فمن شواهدها:
(44) سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز، فأستريحا
وقال سيبويه: وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر.
(وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم) - نحو: إن تأتني، فأحسن إليك، وأكرمك، وإن تأتني، فهو عز لك، ويعظم قدرك، بجزم أكرم ويعظم، عطفاً على الجواب؛ لأن الفاء لو سقطت من الأول لانجزم، ومن الثاني، لصح وقوع المجزوم موقعه؛ قال تعالى: "من يضلل الله، فلا هادي له ويذرهم" قرأ حمزة
والكسائي بجزم الراء، وهذا هو المسمى بالعطف على التوهم، ومعناه أن يقدر أن المعطوف عليه نطق به مجزوماً.
وقوله: اللازم، يخرج صورتين: إحداهما فيها جواز الجزم في المعطوف عليه نحو: إن تأتني، فتسيء إلي ويحسن إلي خالد، أحسن إليك؛ فلا يجوز في: يحسن الجزم، لأنك لو أسقطت الفاء لما لزم الجزم، بل يجوز في تسيء حينئذ الرفع على الحال، والجزم على البدلية؛ والثانية فيها امتناع الجزم فيه نحو: إن تركب إلي فتضحك وتقرأ، أحسن إليك؛ فلا يجوز جزم تقرأ، لأن تضحك إذا حذفت منه الفاء لا يجوز جزمه، بل يرفع على أنه حال، أي إن تركب إلي ضاحكاً وقارئاً، أحسن إليك؛ وهذا الذي ذكره هو مقتضى شرط لزوم الجزم، ولكن في اشتراطه نظر؛ والظاهر أن المعتبر صحة الجزم لا لزومه.
(والمنفي بلا، الصالح قبلها كي، جائز الرفع والجزم، سماعاً عن العرب) - حكى الفراء أن العرب ترفع وتجزم في: ربطت الفرس، لا تنفلت، وأوثقت العبد، لا يفر؛ قال: وإنما جزم هذا، لأنه في تأويل: إن لم أربطه فر؛ وأنشد:
(45) لو كنت إذ جئتنا، حاولت رؤيتنا أتيتنا ماشياً، لا يعرف الفرس
بجزم يعرف ورفعه؛ وحكى ابن عصفور الجزم في ذلك عن الكوفيين، وقال في شرح الجمل الصغير: إنه يجب الرفع عندنا،
ولا يجزم إلا ضرورة، وقال في شرح القانون: إن ذلك جاء ضرورة، وهو من القلة بحيث لا يقاس عليه في الشعر؛ وقال سيبويه: وسألته، يعني الخليل، عن: أتى الأمير، لا يقطع اللص، قال: الجزاء ههنا خطأ؛ لا يكون الجزاء أبداً حتى يكون الكلام الأول غير واجب؛ إلا أن يضطر شاعر.
انتهى.
ولا يشترط المجوزون في المجزوم نفيه، بل يشترط كون الفعل الموجب سبباً للمجزوم نحو: يأتي زيد الأمير، يفلت اللص.
وما ذكرت من السببية هو الذي يعنيه المصنف بقوله: الصالح قبلها كي؛ ووجه الجزم، ما سبق من ملاحظة الشرط؛ وأما إذا رفعت فالتقدير: لئلا ينفلت، فهو مفعول من أجله، ثم حذفت اللام ثم أن، فارتفع الفعل؛ وكذا تقدير: يأتي زيد الأمير، يفلت اللص: لأن يفلت، فحذفت اللام وأن، فارتفع.
(فصل) (تظهر أن وتضمر، بعد عاطف الفعل على اسم صريح) - والعاطف: الواو والفاء وأو وثم فقط؛ فلا يجوز: عجبت من قيامك، بل تقعد، أي بل أن تقعد.
(43) مكرر فالواو: للبس عباءة، وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
(46) والفاء: لولا توقع معتر، فأرضيه ما كنت أوثر إتراباً على ترب
وأو: "أو يرسل رسولاً" في قراءة النصب، وهي قراءة غير نافع.
(47) وثم: إني وقتلى سليكاً ثم أعقله كالثور، يضرب لما عافت البقر
وقوله: عاطف الفعل: تعبير عن ظاهر اللفظ، وإلا فالعطف إنما هو للاسم المقدر من أن والفعل؛ وقوله: على اسم: احترز من
عاطف فعل على فعل، نحو: "أن تضل إحداهما فتذكر"؛ وقوله: صريح، يتناول المصدر كلبس، وغيره كقوله:
(30) مكرر ولولا رجال من رزام أعزة وآل سبيع، أو أسوءك، علقما
واحترز من الاسم المتوهم، فإن الواجب إضمار أن حينئذ، كالأجوبة السابقة.
(وبعد لام الجر، غير الجحودية) - نحو: جاء زيد ليقرأ، وهذه هي المسماة بلام كي، بمعنى أنها للسبب، مثل كي الجارة، والنصب بعدها بإضمار أن، لأنها هي التي عهد إضمارها؛ وأجاز ابن كيسان والسيرافي إضمارها وإضمار كي، واستدلا بظهورهما نحو: جئت لأن أقرأ، ولكي أقرأ؛ والصحيح الأول، لما سبق.
وزعم الكوفيون أن النصب باللام نفسها، وليست جارة، كما زعموا ذلك في الجحودية، وما ظهر بعدها من أن وكي مؤكد لها؛ وهذه اللام تشارك عند البصريين الجحودية في الجر، فاحترز بما ذكر من القيد، لأن الجحودية يلزم إضمار أن بعدها كما تقدم، بخلاف هذه، وبينهما فروق غير هذا، منها: أن لام الجحود لا يقع
قبلها مستقبل، فلا يجوز: لن يكون زيد ليفعل، ويجوز: سأقوم لأفعل؛ وأنه لا يوجب الفعل معها، فلا يجوز: ما كان زيد إلا ليضرب، ويجوز: ما جاء زيد إلا ليضرب؛ وأن الفعل قبل الجحودية لا يقيد بظرف، فلا يجوز: ما كان زيد أمس، أو يوم كذا، ليفعل، ويجوز: جاء زيد أمس ليفعل.
(ما لم يقترن الفعل بلا بعد اللام، فيتعين الإظهار) - كقوله تعالى: "لئلا يعلم أهل الكتاب"، وإنما أظهروا أن، ليفصلوا بين المتماثلين؛ ولا يفصل بين لام كي والفعل إلا بلا النافية أو الزائدة، وقوله: بلا، يشملهما.
(ولا تنصب أن محذوفة في غير المواضع المذكورة إلا نادرا) - ومنه:
(48) ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
ومن كلامهم: خذ اللص قبل يأخذك، ومره يحفرها، بالنصب؛ وقرأ الحسن: "تأمروني أعبد" بالنصب؛ والتقدير: أن أحضر، وأن يأخذك، وأن يحفرها، وأن أعبد.
(وفي القياس عليه خلاف) - فمذهب الكوفيين ومن وفقهم من البصريين، القياس على ما سمع من ذلك، والصحيح قصره على السماع، لقلة ما ورد منه؛ وذهب جماعة أنه يجوز حذفها فيما سبق من المواضع، إلا أنه يجب رفع الفعل بعد الحذف، وقد روى: أحضر الواغى وغيره مما سبق بالرفع؛ والمشهور قراءة "أعبد" بالرفع، وعليه خرجوا: "لا تعبدون إلا الله".
(فصل): (تزاد أن جوازاً بعد لما) - أي التي هي للوجوب نحو: "فلما أن جاء البشير"، وأن هذه ثنائية الوضع، وقيل: مخففة من الثقيلة، وفائدة زيادتها التأكيد؛ وعن الشلوبين أنها تدل على السبب، كما دلت عليه في: جئت أن تعطيني؛ ولذا ثبتت في: "ولما أن جاءت رسلونا لوطاً، سيء بهم"، للتنبيه على أن الإساءة كانت لأجل المجيء.
(وبين القسم ولو) - نحو:
(49) أما والله، أن لو كنت حراً... وما بالحر أنت ولا القمين
وجمهور النحويين على أنها زائدة هنا للتأكيد، كما هي مع لما؛ وقال ابن عصفور في «المقرب»: إنها رابطة جملة القسم بالمقسم عليه، وفي كلام سيبويه ما يوهمه، قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: وأما أن فتكون بمنزلة لام القسم في قولك: أما والله لو أنْ فعلت؛ لكن هذا محمول عند غير ابن عصفور على اللام الموطئة نحو: والله لئن خرجت لأخرجنَّ؛ فاللام الأولى زائدة موطئة للجملة أن تقع جواباً للقسم لا الشرط؛ وإنما حمل على ذلك، لقول سيبويه بعد ذلك: وتكون توكيداً أيضاً في: لما أنْ فعل، كما كانت في القسم في: أما والله أن لو فعلت، وكما كانت إنْ مع ما في: ما إن زيدٌ قائمٌ؛ وقال أيضاً، وقد ذكر أقسام إن: فأما الوجه الذي تكون فيه لغواً، فنحو قولك: لما إن جاء، وأما والله إنْ لو فعلت.
(وشذوذاً بعد كاف الجرِّ) - كقوله:
(15) مكرر ويوماً توافينا بوجه مقسَّم... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
زاد أن بين الكاف وظبية شذوذاً.
(وتفيد تفسيراً بعد معنى القول) - وكونها تأتي للتفسير هو قول البصريين، وأنكره الكوفيون وقالوا: هي الناصبة للمضارع، وتكلفوا ذلك في مواردها، ومن المتكلف القول بأن: "أن امشوا واصبروا" محذوف الخبر، وهو مبتدأ، والتقدير: خير لكم؛ وتقع بعد أن التفسيرية، الجملة الفعلية نحو: كتبت إليه أن افعل، والجملة الاسمية نحو: أرسل إليه أن ما أنت وذا؟ فأنْ فيه تفسيرية عند الخليل، وأجاز سيبويه كونها هنا المخففة، ورده ابن الطراوة، بأن المخففة لا يخبر عنها إلا بجملة تحتمل الصدق والكذب؛ وخص بعض النحويين أن التفسيرية بالجملة الأمرية.
(لا لفظه) - فلا تقع التفسيرية بعد لفظ القول ولو محذوفاً، وكذا إذا كان الفعل مؤولاً بالقول، فتخلص في ذلك كله الجملة للحكاية ولا يؤتى بأن نحو: قلت له: زيد قائم؛ ولا يجوز: أن زيد قائم؛ وقد أجازه بعضهم، وجعل منه: "ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، أن اعبدوا الله"، وعليه جرى ابن عصفور، فقال في شرح الجمل الصغيرة: تأتي أن تفسيراً بعد صريح القول؛ ويشترط في التفسيرية أن لا تتعلق بالأول لفظاً، ولذا لم تحمل على التفسير في: "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" لأنها خبر للمبتدأ، ولا في: كتبت إليه بأن قم.
ومن الفرق بين التفسيرية والمصدرية، أن المصدرية يجوز تقديمها على ناصبها، والتفسيرية لا تتقدم على الفعل، لأن المفسر لا يتقدم على المفسر.
(وتفيده أي غالباً فيما سوى ذلك) - قد يعترض بأنه لو قال: مطلقاً، يعني في المذكور، وفيما سواه، لكان صواباً، فتقع أي تفسيراً بعد ما تضمن معنى القول نحو: كتبت إليه، أي قم، وناديته، أي اضرب زيداً؛ وبعد لفظ القول نحو: قال زيد قولاً: أي اضرب عبد الله؛ ويجوز أن يجاب بأن المراد أنه يغلب استعمالها فيما سوى ما سبق ذكره؛ وقد نصوا على أن كتبت إليه، أي قم، وناديته،
أي اضرب زيداً، قليل.
وتدخل أي على المفرد، ولا تدخل عليه أن، فتقول: ما رأيت رجلاً أي كاتباً، ولا يجوز: أن كاتباً.
(وتقع بين مشتركين في الإعراب، فتعد عاطفة على رأي) - وقد سبق له في عطف النسق، أن أي ليست من حروف العطف، خلافاً لصاحب المستوفى، فإذا قلت: هذا الغضنفر أي الأسد، فأي عند المصنف، ليست عاطفة، لأنها يستغنى عنها نحو: هذا الغضنفر الأسد، والعاطف لا يستغنى عنه، فالأسد عطف بيان عنده، ورد بأن عطف البيان لا يفصل بحرف.
(وإن ولى أن الصالحة للتفسير مضارع، معه لا، رفع على النفي) - نحو: أشرت إليه أن لا يفعل؛ فأن تفسيرية، وتحتمل المصدرية، وألغيت كما في قراءة: "لمن أراد أن يتم الرضاعة" بالرفع.
(وجزم على النهي) - وتكون أن تفسيرية أيضاً، ويحتمل على بعد، كونها المخففة.
(ونصب على جعل أن مصدرية) - وفي نسخة عليها خطه:
(على النفي وجعل أن مصدرية) - وكأنه قال: أشرت إليه بعدم الفعل؛ وإنما قال: معه لا، لأنه إذا كان مثبتاً نحو: أوحيت إليه أن يفعل، رفع على أن أن تفسيرية، ونصب على أنها مصدرية.
(ولا تفيد أن مجازاة، خلافاً للكوفيين) - وحكى عن الأصمعي أيضاً، وأما قوله:
(50) أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا جهاراً، ولم تغضب لقتل ابن خازم
فتأوله الخليل على أنها الناصبة للفعل، قال: ويضعف الشرط، لأن الشرط ماض، والجواب المتقدم مستقبل، وفيه نظر؛ ويلزم من قوله
الفصل بين أن الناصبة والفعل، ولأجله قال الكوفيون بالشرط، قالوا لأنه لا يجوز: أن زيد قام، خير من أن يقعد، وفيه بحث؛ وتأول المبرد البيت على أنها المخففة، أي أتغضب من أجل أنه أذنا قتيبة حزتا.
(ولا نفياً، خلافاً لبعضهم) - قال الهروي: أن تكون بمعنى لا في مذهب بعض النحويين نحو: "أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم".
قالوا معناه: لا يؤتى أحد، وقال آخرون: لا تؤمنوا بأن يوتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم؛ "وقل: إن الهدى هدى الله" اعتراض بين الفعل والمفعول.
(فصل): (المنصور بعد حتى مستقبل) - نحو: لأسيرن حتى أصبح القادسية.
(أو ماض في حكمه) - نحو: سرت حتى أدخل المدينة، لأنه لما كان غاية لما قبل حتى، صار مستقبلاً بالإضافة إليه.
(وعلامة ذلك) - أي علامة الاستقبال أو المضي في حكمه.
(كون ما بعدها غاية لما قبلها، أو متسبباً عنه) - فالغاية كما مثل، ويصلح أيضاً للسبب، وتتعين الغاية في نحو: لأسيرن، أو سرت حتى تطلع الشمس؛ ونصبه متعين عند البصريين، وأجاز الكوفيون
الرفع، وحكوا من كلام العرب: سرت حتى تطلع الشمس بزبالة، بالرفع؛ والسببية في نحو: وثبت حتى آخذ بحلقه، أي كي آخذ؛ وقال الفراء: يجب الرفع إذا كان الفعل المتقدم لا يسمع يمتد، وزعم أنه لم يسمع فيها إلا الرفع.
والمعنى بقول النحويين: أن يكون ما قبل حتى سبباً، هو أن يكون فاعل الفعل الذي بعد حتى، هو فاعل الفعل الذي قبلها، أو سببي يشعر به اللفظ السابق نحو: سرت حتى تدخل راحلتي، أو حتى تكل مطيتي؛ وذكر النحويون أن المنصوب بعد حتى تكون فيه حتى لأحد معنيين: الغاية والتعليل، وفي معناه قول من قال منهم: إنها تكون بمعنى إلى أن، أو بمعنى كي.
(وإن كان الفعل حالاً أو مؤولاً به، رفع) - فالأول نحو: مرض حتى لا يرجونه، أي فهو الآن لا يرجى؛ وكقولهم: ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم؛ ورأى مني عاماً أول شيئاً حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء؛ وكذا كل ما كان ما قبل حتى فيه مسبباً لما بعدها، ولا يكونان متصلي الوقوع، بل ما قبلها وقع ومضى، وما بعدها في حال الوقوع.
وأما المؤول بالحال، ففسر بأنه الذي لم يقع، لكنك متمكن من إيقاعه في الحال نحو: سرت حتى أدخل المدينة، أي فأنا الآن
متمكن من دخولها لا أمنع من ذلك.
فهذان قسمان، أحدهما: أن يكون ما بعد حتى مشروعاً فيه، وهو الحال؛ والثاني: أن يكون متمكناً منه، غير ممنوع منه، وهو كما قيل: المؤول بالحال؛ وحق هذين الرفع؛ لأن النواصب تخلص للاستقبال؛ وأجاز الكسائي النصب في ما كان حالاً متسبباً عما كان قبله، فأجاز نصب تهر، في قول حسان:
(51) يغشون حتى ماتهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل
وهو مردود، فلم يرد به سماع، ولا يقبله قياس؛ وأورد أنه بقى قسم آخر ذكر النحويون فيه الرفع، وهو أن يكون ما قبل حتى سبباً لما بعدها، ويكونا متصلي الوقوع فيما مضى، لا مهلة بينهما، بل الثاني واقع عقب الأول، نحو: سرت حتى أدخل المدينة، أي سرت فدخلت؛ وفي استدراكه بحث.
(وعلامة ذلك) - أي كونه حالاً أو مؤولاً به.
(صلاحية جعل الفاء مكان حتى) - أي مرض فلا يرجى، وسرت فأدخل المدينة، وكذا الحكم في القسم المستدرك ومع كون حتى في معنى الفاء في هذه المواضع، هي عند أكثر النحويين فيها
حرف ابتداء لا عاطفة؛ لأنها إنما تعطف المفرد؛ وقال الأخفش: إذا كانت بمعنى الفاء فهي عاطفة، وتعطف الفعل على الفعل، وذلك إذا دخلت على الماضي أو المستقبل على جهة التسبب نحو: ضربت زيداً حتى بكى، ولأضربنه حتى يبكي.
(وكون ما بعدها فضلة) - كما سبق تمثيله، لأنه لو لم يكن كذلك، تعين النصب نحو: كان سيري حتى أدخل المدينة، أو سيري حتى أدخل المدينة؛ فلو رفعت في هذا ونحوه، كانت حتى حرف ابتداء أو عاطفة، فيبقى المخبر عنه بلا خبر.
(متسبباً عما قبلها) - لأنه إن لم يكن كذلك، كانت حتى للغاية، ويلزم النصب نحو: سرت حتى تطلع الشمس؛ وقد سبق الخلاف عنه.
(ذا محل صالح للابتداء) - فلو قلت: مرض فهو لا يرجى، وضرب فهو لا يستطيع أن يتحرك، لكان صحيحاً؛ وهذا بخلاف ما إذا جعلت حتى غاية أو تعليلاً، فإن الموضع لا يصلح للابتداء، فلا يرفع الفعل بعدها حينئذ.
(فإن دل على حدث غير واجب، تعين النصب) - نحو: ما سرت حتى أدخل المدينة، وقلما سرت حتى أدخلها؛ إذا أردت بقلما
النفي المحض؛ وأسرت حتى تدخل المدينة؟ لا يجوز عند سيبويه الرفع في هذا، لأن الرفع على معنى السببية، وما قبل حتى منفي، فنفى السبب لا يكون موجباً لوجود المسبب.
(خلافاً للأخفش) - في إجازته الرفع فيه، فكان يقول: الرفع في النفي جائز في القياس، إلا أن العرب لم تستعمله.
انتهى.
وإنما أجازه الأخفش، على أن يكون الأصل: سرت حتى تدخل المدينة؟ فأجيب بقولنا: ما سرت حتى أدخلها؛ أي ما وقع السير الذي كان سبباً للدخول.
وعن هذا قال جماعة، منهم أبو إسحاق: لا خلاف بين سيبويه والأخفش، والوجه الذي أجاز عليه الأخفش الرفع، لم يتكلم عليه سيبويه، ولو تكلم عليه لم يمنع ذلك؛ وقيل: بل هما مختلفان؛ وقد قرر سيبويه في غير موضع، أن النفي جواب الإيجاب، لفظاً أو تقديراً؛ واضطراب ابن عصفور في المسألة، فمرة استجاد قول الأخفش، وقال: لا ينبغي أن يعد هذا خلافاً لسيبويه، ومرة قال: إنه غلط؛ واتفقوا على أنه لم يسمع، وكونه لم يسمع مع كثرة ما يستعمل من هذا في كلامهم، دليل على عدم صحة هذا القول.
65 -