المساعد على تسهيل الفوائدصفحات 588-599

باب المستثنى

صفحات 588-599

عائداً على البعض المفهوم مما سبق، والتقدير في: قام القوم ليس زيداً، ليس هو أي بعضهم زيداً، وجعله الكوفيون عائداً على الفعل المفهوم مما سبق، والتقدير في المثال: ليس هو زيداً، أي ليس فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا يطرد للكوفيين هذا التقدير بدليل: القومُ إخوتُك ليس زيداً، ولا يكون زيداً.
(لازمُ الحذف) - على رأيه ورأي ابن العلج، والإضمار على رأي غيرهما، وذلك لجريان الفعل مجرى إلا، فكما لا يظهر بعد إلا إلا اسم واحد، كذلك ما جرى مجراها، وتقول: قام القوم ليس زيداً أو الزيدين أو الزيدين أو هنداً أو الهندات، وكذا لا يكون فيفرد لأن الاسم للبعض أو ضميره.
(وكذا فاعل الأفعال الثلاثة) - وهي حاشا وخلا وعدا.
والتقدير في "قام القوم حاشا زيداً، حاشا بعضهم زيداً، فحذف على ظاهر ما قال في ليس ولا يكون، وأضمر كما قال غيره؛ واختار في الشرح أن الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، والتقدير في: قاموا عدا زيداً، عدا هو، أي جاوز قيامهم زيداً، لأنه يلزم من تقرير البعض أن يراد بالبعض الجميع إلا واحداً، إذ المعنى: جاوز أكثرهم زيداً، وهذا وإن صح فلا يحسن لقلته في الاستعمال، وهذا لا يرد في ليس ولا يكون، إذ البعض المقدر فيهما هو زيد في المعنى.
وهذه الجمل، أعني المفتتحة بالأفعال الخمسة، قيل إنها في موضع

الحال، وقيل: لا محل لها من الإعراب، وصحح هذا ابن عصفور.
(وقد يوصف، على رأي، المستثنى منه منكراً أو مصحوباً بال الجنسية، بليس ولا يكون، فليلحقهما ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامة) - فتقول: أتاني القوم ليسوا إخوتك، وأتتني امرأة لا تكون فلانة، وهما من أمثلة أبي العباس.
وفي قوله: وقد، إشعار بالقلة، وكذا لفظ سيبويه قال: وقد يكون صفة، وهو قول الخليل: وفي قوله: على رأي إشعار بخلاف، ولم يذكر غيره خلافاً، ولعله فهمه من قول أبي العباس: فإن جعلته وصفاً فجيد، وكان الجرمي يختاره.
وقوله: المستثنى منه معناه ما كان مستثنى منه قبل جعلهما صفتين، وإلا فهو في هذه الحالة غير مستثنى منه، وهو مشعر بأنهما لا يكونان كذلك إلا حيث يصح الاستثناء، وتمثيل المبرد بقوله: أتتني امرأة لا تكون فلانة، كما سبق ذكره، يدل على خلاف ذلك.
وقوله: أو مصحوب الـ الجنسية مبني على مذهبه في جواز كون الجمل تقع صفة لمثله، ولم يمثل سيبويه في مسألتنا إلا بالنكرة، وعلى المنع تكون الجملة المصدرة بليثس ولا يكون بعد ذي الـ في موضع نصب على الحال، وتخصيصه ذلك بليس ولا يكون يدل على أنه لا يكون في غيرهما من بقية أفعال الباب نحو حاشا وخلا وعدا، وهو كذلك، فلا يقال: أتتني امرأة عدتْ هنداً.
والمراد بقوله: فيلحقهما إلخ أنه يطابق بما في ليس أو يكون من

إضمار ما جعلت الجملة صفة له في التذكير والإفراد وغيرهما، وهو ظاهر، لأنها صفة.
فيفعل فيها ما يفعل في قولك: ما أتاني رجال لا يقولون ذلك، لأنها حينئذ بمنزلتها، ويلزم في الخبر المطابقة للضمير، لأنه مخبر به عنه، فيقال: ما أتاني رجال ليسوا الزيدين.
والمراد بالعلامة علامة التأنيث نحو: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة، وما أتتني امرأة ليست فلانة، وهما من أمثلة سيبويه.
(فصل): (يستثنى بغير) - وإن كان الأصل فيها أن تكون صفة، عكس إلا كما تقدم.
(فتجر المستثنى معربة بما له) - أي للمستثنى.
(بعد إلا) - فتقول: جاءوني غير زيدٍ، بنصب غير، وما أتاني أحدٌ غير زيدٍ، برفع راجح على النصب، وما لزيدٍ علمٌ غير ظن، فتجيء فيه لغة الحجاز ولغة تميم، وما جاءني غيرُ زيد، فيتعين أن يكون على حسب العامل.
(ولا يجوز فتحها) - أي فتح غير.
(مطلقاً) - أي تم الكلام قبلها أم لم يتم، أضيفت إلى مبني أم إلى غيره.
(لتضمن معنى إلا، خلافاً للفراء) - في ذلك، فتقول على رأيه: ما قام غير زيد، أو غيرك، بفتح الراء.
قال الفراء: بعض بني أسد وقضاعة إذا كانت غير في معنى إلا صبوها، تم الكلام قبلها أم لم يتم، فيقولون: ما جاءني غيرك، وما جاءني أحد غيرك.

(بل قد تفتح في الرفع والجر لإضافتها إلى مبني) - إذ لم يذكر الفراء في الاحتجاج لذلك من كلام العرب غير مضاف إلى مبني كما رأيت، وكأن حامله على العموم جعل سبب البناء تضمن غير معنى إلا، وذلك عارضٌ، فلا يُجعل وحده سبباً للبناء، بل إذا أضيفت غير إلى مبني جاز بناؤها، صلح موضعها لإلا أو لم يصلح، إلا أن البناء إذا صلح أقوى منه حيث لا يصلح.
والأول كقوله: (577) لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت... حمامة في سحوق ذات أوقال والثاني كقوله: (578) لُذْ بقيس حين يأبى غيره... تُله بحراً مفيضاً خيره والسحوق بفتح السين الشجرة العالية.
(واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها وبإلا جائز) - ومثاله في المستثنى بها: ما جاءني غير زيد وعمرو، وجا ءالقوم غير زيد وعمرو؛ فيجوز فيهما جر عمرو على اللفظن ويجوز في الأول رفعه لأنه في معنى: ما جاءني إلا زيدٌ وعمروٌ، وفي الثاني نصبه لأنه في معنى: جاء القومُ إلا زيداً

وعمراً، وليس عمرو في الرفع في الأول والنصب في الثاني معطوفاً على غير عند هذا القصد، وهو واضح.
بل هذا العطف على الموضع عند بعض، وعلى التوهم عند الشلوبين.
وفي قوله: في المعطوف، ما يقتضي تخصيص ذلك بالعطف، وهكذا كلام غيره، وعلى هذا فلا يجوز في بقية التوابع إلا مراعاة اللفظ، فتقول: ما جاءني غير زيد العاقل أبي حفص نفسه أخي عمرو، بالجر، والقياس يقتضي جواز الرفع كما في العطف، وفي كلام ابن خروف ما يدل على هذا.
وفي قوله: على المستثنى ما يشعر باختصاص ذلك بما إذا كانت غير استثناء.
ومقتضاه أنها إذا كانت صفة لا يجوز ذلك، فتقول: ما جاءني أحدٌ غير زيدٍ وعمرو بجر عمرو فقط، إذا جعلت غيراً صفة، وأجاز ابن العلج الحمل على المعنى فيرفع لأن الموضع يصلح لإلا، قال: وقال قوم إنه خاص بالاستثناء، ومثاله في المستثنى بإلا: قام القوم إلا زيداً وعمراً، فيجوز في عمرو، على مقتضى ما ذكر المصنف نصب عمرو وجره على مراعاة غير، إذ يصح أن يقال: قام القومُ غير زيد، وهذا مذهب بعض منهم ابن خروف، وحمل عليه قوله: (579) وما هاج هذا الشوق إلا حمامةً... تغنتْ على خضراء سمر قَنُودها

روي برفع سمر على لفظ حمامة، وبجره.
وخرجه ابن خروف على ما سبق من مراعاة المعنى بتقدير: غير حمامة سُمّرِ قنودها.
وهذا هو الدال من كلامه على أن غير العطف في ذلك كالعطف كما سبق، والصحيح منعه، والبيت مؤول بالخفض على الجوار، أو على نعت خضراء، والمراد بالقنود عروق الشجرة.
(ويساويها) - أي غيراً.
(في الاستثناء المنقطع بيد مضافاً إلى أن وصلتها) - ويقال: هو كثير المال، بيد أنه بخيل، والمشهور أن بيد بمعنى غير كما ذكر؛ وقال بعضهم: هي بمعنى على، وذكر قوله عليه الصلاة والسلام: "أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد".
وقد تبدل باؤها ميماً، وهي لازمة النصب، ولا تتصرف تصرف غير.
(ويساويها) - أي غيراً.
(مطلقاً) - أي في المتصل والمنقطع والوصف والتفريغ.
(سوى) - فتقول: قام القوم سوى زيد، وما في الدار أحد سوى حمار، وجاءني رجل سوى زيد، وما قام سوى عمرو.
(وينفرد) - أي سوى عن غير.
(بلزوم الإضافة لفظاً) - فلا ينفك عن الإضافة لفظاً، بخلاف غير كما سيأتي، وقوله تعالى: "مكاناً سُوِّى" بمعنى مستوٍ، فسوى لفظ مشترك.
(وبوقوعه صلة دون شيء قبله) - نحو: جاء الذي سواك.
وهذا عند

من جعلها ظرفاً واضح، وأما من لم يجعلها ظرفاً، بل زعم أنه كغير، فيحتاج إلى الفرق بينها وبين غير، حيث لم يجز: جاءني الذي غيرك، فصيحاً إلا عند الكوفيين، وقد قال المصنف إن جاء الذي سواك من النوادر، كنصب غدوة بعد لدُن، أو نزل سوى لملازمته الإضافة لفظاً ومعنى منزلة عند.
وموضع سوى بعد الموصول إما رفعٌ خبر مبتدأ مضمر، وإما نصب على الحال، وقبله ثبت مضمراً.
(والأصح عدمُ ظرفيته ولزومه النصب) - فليس بظرف فضلاً عن أن يلزم النصب على الظرفية، وذلك لأنه بمعنى غير، وهذا قول الزجاجي، ومذهب سيبويه والفراء وأكثر النحويين أنه لازم الظرفية، إذ معنى قولك: مررت برجل سواك: مررت برجل مكانك أي بدلك، ومكان بمعنى بدل لا يتصرف.
وذهب الرماني وغيره إلى أنه يستعمل ظرفاً كثيراً، وغير ظرف قليلاً، فيجوز على الأول: ما قام سواك، ويمتنع على الثاني، ويقل على الثالث، ومن رفعه: (580) أأترك ليلى ليس بيني وبينها... سوى ليلة، إني إذن لصبور ومن نصبه غير ظرفٍ: (581) لديك كفيلٌ بالمنى لمؤمل... وإن سواك مَنْ يؤملهُ يشقَى

ومن جره: (582) ذكرك الله عند ذكر سواه... صارف عن فؤادك الغفلات (وقد تُضم سينُه) - أي مع القصر كما في كسر السين، فيقال: قام القوم سُوى زيد، بضم السين، رواه الأخفش.
(وقد تفتح فيمد) - فيقال: قام القوم سواء زيد، وفتح السين والمد حكاه سيبويه، وحكى ابن الخباز وابن العلج وابن عطية والفارسي شارح الشاطبية كسر السين والمد، فصار في سوى أربع لغات: كسر السين وضمها مع القصر، وفتحها وكسرها مع المد.
(وقد يقال: ليس إلا، وليس غيرُ وغيرَ إذا فهم المعنى) - فيحذف بعد ليس ما بعد إلا وبعد غير جوازاً، فتقول: جاءني زيدٌ ليس إلا، وليس غير.
ويجوز أن يجعل الواقع بعد إلا الخبر، فيكون التقدير: ليس هو أي الجائي إلا إياه.
ويجوز أن يجعله الاسم، فيكون التقدير: ليس الجائي إلا هو.
وأما ليس غير، بلا تنوين، فإن ضمت الرَّاء فقد نسب إلى سيبويه أن الضَّمة للبناء، للقطع عن الإضافة كقبلُ وبعد، وإليه ذهب الجرمي والمبرد وأكثر المتأخرين، وعلى هذا يجوز أن يكون الخبر، وأن يكون الاسم، على نحو ما سبق من التقدير.
وقال الأخفش: سقط التنوين لنية الإضافة، وعلى هذا تكون هي الاسم، والمحذوف الخبر، والتقدير: ليس غيره الجائي.

وإن فتحت الراء فهي الخبر، والتقدير: ليس هو الجائي غيره، وليس هذا من الاستثناء في شيء، ولهذا صح استعماله بعد ما لا تبعيض فيه كالعلَم كالمثال السابق.
(وقد ينون) - أي فيقال: ليس غيرٌ، وغيراً، بالتنوين، والمرفوع على هذا الاسمُ، والمنصوبُ الخبرُ، والمقدر في حالة الرفع الخبر، وفي حالة النصب الاسم، وهو واضح.
(وقد يقال: ليس غيرُه، وليس غيرَه) - أي بذكر المضاف إليه، والرفع والنصب على ما تقدم، والتقدير في الرفع: ليس غيرُه الجائي، وفي النصب: ليس هو أي الجائي غيرَه.
وقوله: وقد يقال، ربما أشعر بقلة هذا، وليس كذلك، بل هو أجود من: ليس غيراً، وغيرٌ، بالحذف.
(ولم يكن غيرُه، وغيرَه، وفاقاً للأخفش) - فيحذف الاسم إن نصبت، والخبر إن رفعت، كما فعل ذلك بعد ليس، فتقول: جاءني زيدٌ لم يكن غيرُه، أو غيرَه، ومنع ذلك السيرافي، لما فيه من الحذف للاسم أو للخبر، فلا يقاس على ما شذ من قولهم: ليس إلا، وليس غير.
(والمذكور بعد لا سيما منبه على أولويته بالحكم، لا مستثنى) - وهذا هو الصحيح، لأنك إذا قلت، جاء القومُ لا سيما زيد، كان جائياً، وإنما ذكرها سيبويه في باب: لا التي لنفي الجنس، ومنهم من نظر إلى مخالفته بالأولوية فعدها من أدوات الاستثناء، وهم الكوفيون وجماعة من البصريين منهم الزجاج وأبو علي، ورد قولهم، مع ما تقدم، بدخول الواو عليها، فتقول: ولا سيما زيد، وبعدم صحة وقوع إلا موقعها، ولا تدخل الواو على أدوات الاستثناء، ويصح وقوع إلا موقعها.

(فإن جُر فبالإضافة، وما زائدة) - فإذا قلت: قام القومُ لا سيما زيدٍ، بجر زيدٍ، فلا عاملة في سي اسماً لها وما زائدة بين المضاف والمضاف إليه؛ وهو مطرد في هذا، كما اطرد زيادة ما بعد إذا، ولم تتعرف سي لأنها بمعنى مثل، والخبر محذوف، والأصل: لا مثل قيام زيد قيام لهم؛ ويجوز حذف ما فتقول: لا سي زيدٍ، نص على ذلك سيبويه قال: وإن حذفت ما فعربي: فقول الخضراوي إن سيبويه قال: إن ما زائدة لازمة وهم؛ وقد قيل إن لا أيضاً زائدة، وهو غريب.
(وإن رُفع فخبرُ مبتدأ محذوف، وما بمعنى الذي) - فإذا قلت: لا سيما زيدٌ، برفع زيد.
فزيد خبر مبتدأ محذوف، والجملة صلة ما إن كانت موصولة، والتقدير: لا سيٍّ الذي هو زيد.
ويجوز كما قال ابن خروف، كون ما نكر موصوفة بالجملة، والتقدير: لا سيٍّ شخص أو شيء هو زيد.
وما ذكره المصنف من الجر والرفع يجوز في المعرفة والنكرة، وتزيد النكرة بجواز النصب، وروى قول امرئ القيس: (583) ألا رُب يومٍ لك منهن صالحٍ... ولا سيما يوم بدارة جلجل بالأوجه الثلاثة.
فالنصب على التمييز لما، وهي نكرة تامة كأنه قال: ولا مثل سي، ثم فسره بالنكرة.

(وقد يوصل بظرف) - نحو: يعجبني الاعتكاف، لا سيما عند الكعبة، وقال الشاعر: (584) يسر الكريم الحمدُ لا سيما لدى... شهادة مَنْ في خيره يتقلبُ (أو جملة فعلية) - نحو: يعجبني كلامك، لا سيما تعظ.
وقال الشاعر: (585) فُق الناس بالخير لا سيما... يُنيلُك مِنْ ذي الجلال الرضا (وقد يقال: لا سيما، بالتخفيف) - حكاه الأخفش، ومن التخفيف قوله: (586) فِه بالعقود وبالأيمان لا سيما... عقد وفاء به من أعظم القرب ونص الأخفش على جواز الخفض والرفع مع التخفيف.
(ولا سواء ما) - فتقول: قام القوم لا سواء ما زيد.
وكلامه يقتضي جواز الرفع والجر بعدها كما في لا سيما.
وحكى ابن الأعرابي أن العرب تعامل لا مثل ما معاملة لا سيما في المعنى، ورفع ما بعدها وجره.

تم بفضل الله وتوفيقه الجزء الأول من شرح التسهيل لابن عقيل: "المساعد على تسهيل الفوائد" بانتهاء باب المستثنى ويليه - إن شاء الله - الجزء الثاني أوله: باب الحال، والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم

28 -

جارٍ التحميل