كتاب الشركة
الشركة: الأعمية تقرر متمول بين مالكين فأكثر ملكًا فقط، والأخصية بيع ملك كل بعضه ببعض كل الآخر موجب صحة تصرفهما في الجميع، فيدخل في الأولى شركة الإرث والغنيمة لا شركة التجر، وهما في الثانية على العكس، وشركة الأبدان والحرث باعتبار العمل في الثانية، وفي عرضه في الأولى، وقد يتباينان في الحكم شركة الشريك بالأولى جائزة، وفي عرضه في الأولى، وبالثانية ممنوعة.
الجزء: 7 - الصفحة: 5
فيها: ليس لأحدهما أن يفاوض شريكا دون إذن شريكه، وله أن يشاركه في سلعةٍ بعينها دون إذنه، وقول ابن الحاجب: أذن في التصرف لهما مع أنفسهما قبلوه ويبطل طرده بقول ملك شيء لغيره أذنت لك في التصرف فيه معي وقول الآخر له مثل ذلك، وليس بشركة؛ لأنه لو هلك ملك أحدهما لم يضمنه الآخر، وهو لازم الشركة، وينفى اللازم نفي الملزوم وعكسه بخروج شركة الجبر كالورثة، وشركة المتايعين شيئًا بينهما، وقد ذكرهما إذ لا إذن في التصرف لهما؛ ولذا اختلف في كون أحدهما كغاصب أم لا، سمع ابن القاسم ليس لأحد مالكي عبد ضربه بغير إذن شريكه إن فعل ضمنه إلا في ضرب لا يعطب بمثله أو ضرب أدب.
قال أَصْبَغ: يضمنه مطلقًا ولو بضربة واحدة كأجنبي.
ابن رُشْد: رأى مالك شركته شبهة تسقط الضمان في ضربه الأدب، وهو أظهر من
الجزء: 7 - الصفحة: 7
قول سَحنون؛ لأن ترك ضربه أدبًا يفسده، وعليه زرع أحد الشريكين، وبناؤه في أرض بينهما بغير إذن شريكه في كونه كغاصب يقلع زرعه، وبناؤه أم لا لشبهة الشركة، فيكون له الزرع، وإن لم يفت إلا بأن يكون عليه الكراء في نصف شريكه، ويكون له قيمة بنائه قائمان عليه، قول ابن القاسم في إيلاد العبد أمة بينه وبين حر في نصف قيمتها جناية في رقبته، وقول سَحنون: هو دين في ذمته يتبع بما نقص نصف ثمنها عن نصف قيمتها، وحكمها الجواز كحجرهما البيع والوكالة وعروض وجوبها بعيد، وعروض موجب حرمتها وكراهتها، ودليلها الإجماع في صور بعضها، وحديث أبي داود بسنده لأبي هريرة أن رسول الله ?: قال: ((إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهم))، ذكره عبد الحق وصححه بسكوته عنه، والحاكم في مستدركه، وفيه: ((خرجت من بينهما)).
ابن شاس: أركانها ثلاثة:
الأول: العاقدان، ولا يشترك فيهما إلا أهلية التوكيل والتوكل، فإن كل واحد منهما متصرف لنفسه بإذنه، وتبعه ابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام وغيره، وكلهم تبع الوجيز، ويرد بوجوب زيادة وأهلية البيع؛ لأن كلا منهما بايع من صاحبه نصف ماله، ولا تستلزمها أهلية الوكالة، لجواز توكيل الأعمى اتفاقًا، وتوكيله وتقدم الخلاف في صحته كون بائعها، وروى اللخمي: لا ينبغي مشاركة من يتهم في دينه أو معاملته.
وفيها: لا يصلح لمسلم أن يشارك ذميًا إلا ألا يغيب عليه على بيع ولا شراء ولا قضاء ولا اقتضاء إلا بحضرة المسلم، ويستشكل بأن الشركة ملزومة للبيع فيلزم كون ابتياع الذمي حظ المسلم مشروطًا ببيع الذمي ابتاعه من مال المسلم إلا بحضرته، ويجاب بأن عدم غيبة الذمي على البيع معتبر وقوعه لا اشتراطه، وإن سلم اشتراطه فإنما هو لكونه وكيلًا لا لكونه مبتاعًا.
اللخمي: فإن وقع استحب صدقته بربحه إن شك في عمله بالربا وبجميع ماله إن شك في عمله به في خمر، وإلا لم يكن عليه شيء.
الجزء: 7 - الصفحة: 8
وفيها: وتجوز بين النساء وبينهن وبين الرجال.
اللخمي: يريد: إن كانت متجالة أو شابة ولا تباشره في التجارة؛ لأن كثرة محادثة الشابة للرجال تبطر معها الفتنة، فإن كان بينهما في ذلك واسطة فلا بأس.
قُلتُ:: يريد: واسطة مأمونة.
المتيطي: عن ابن الهندي: إنما تجوز بين الرجال والنساء إن كانا صالحين مشهورين بالخير والدين، والفضل وإلا فلا.
وفيها: وتجوز شركة العبيد إذا أذن لهم في التجارة.
اللخمي: إن لم يكن مأذونًا له وولي البيع والشراء لم يضمن الحر وضيعة المال ولا تلفه، وكذا إن وليا معا البيع والشراء ووزن كل منهما منابه، وأغلقا عليهما ولم ينفرد الحر منهما، وإن انفرد الحر بتولي ذلك ضمن رأس المال إن هلك أو خسر.
]
باب صيغة الشركة
[
الصيغة: ابن شاس: ما دل على الإن في التصرف أو ما يقوم مقامه في الدلالة فيكفي اشتركنا إن فهم المقصود عرفًا.
ابن الحاجب: ما يدل لفظًا أو عرفًا، والأولى ما دل على الحقيقة لفظًا وعرفًا.
والأول: يقتضي أن الشيء يقوم مقام نفسه، والقائم مقام شيء غيره فيكون الشيء غير نفسه.
والثاني: يقتضي كون قسم الشيء قسيما له مرتين؛ لأن ما يدل لفظا ينقسم لما يدل وضعا وعرفًا، وما يدل عرفا ينقسم لما يدل لفظًا وفعلًا، فهو كقوله الحيوان إنسان أو أبيض.
]
باب في محل الشركة
[ محلها بالذات مال أو عمل، فيها مع غيرها: جوازها بالدنانير فقط، أو الدراهم
الجزء: 7 - الصفحة: 9
فقط جائزة.
ابن المنذر: إجماعًا.
ابن رُشْد: هو خلاف القياس.
وفي صحة القياس عليه قولان، وهي بالطعامين من صنف واحد مختلفي القيمة كثيرًا ممنوعًا.
الصقلي: اتفاقًا، وإلا فثالثها: إن لم يستو قيمتها لرواية ابن القاسم فيها قائلا: لم يجزه لها منذ لقيناه، وللصقلي: مع تخريج بعض القرويين على قول ابن القاسم بجوازها بين يزيدية، ومحمدية مختلفي النفاق يسيرًا، وقوله فيها مع أول قولي مالك.
وفيها: لا أعلم لكراهة مالك فيه وجها.
الصقلي: علله محمد بأنه إن خلط أدى إلى لخلط الرديء بالجيد، وإن لم يخلطا بطلت الشركة وبعض شُيُوخ بعض أصحابنا فيه لبيع الطعام قبل قبضه لبقي يؤكل منهما على طعامه، وإسماعيل القاضي بافتقارها فيه لمساواة الكيل والقيمة فيه لغو، فألزمه الصقلي في المختلفين الجائز فيهما التفاضل إن استوت قيمتهما، ولم يجيزاه.
قُلتُ: وقيل: اختلاف الأعراض مطلقًا لفسخ بيعه باستحقاقه وعدمه في العين لعدم الفسخ به يصير منهما ثلثي الطعام كمختلفي الشركة والبيع، وفي الأولى زيادة عدم المناجزة مع إجازة سَحنون الجميع، وأبي زيد عن ابن القاسم في الموازيَّة، وأحد قولي مالك وابن القاسم لاجتماع غلتين في الأولين، وانفراد غلة في العوضين.
الصقلي: عن محمد جواز الإجارة في الدنانير مع الدراهم غلط، ورواية ابن وَهْب كراهتهما أخف، وما علمت من أجازه؛ لأنه صرف لا يبين به صاحبه لبقاء كل منهما على صرفه.
قُلتُ: في حمل الكراهة على ظاهرها نظر.
اللخمي: معنى رواية الجواز أنهما تناجزا فقبض كل منهما ما أخرجه صاحبه.
وفيها: إن خرج أحدهما دنانير والآخر دراهم لم يجز، وإن باع نصف ذهبه بنصف فضة صاحبه، ولا بأس أن يخرج هذا ذهبًا وفضة، وهذا مثله.
قُلتُ: ما الفرق بينهما.
الجزء: 7 - الصفحة: 10
قال: لأن الأولى مع الشركة صرف، وهذه ليست فيها صرف.
قُلتُ: وتقدمت معارضتهما بمنع سلمها، الثالث: بيع مد قمح ومد دقيق بمثلهما وجوابهما.
ابن عبد السلام: احتجاجه بأنه صرف وشركة غير بين؛ لأن العقود المنضمة إلى الشركة إنما هو بيع من صحتها إن كانت العقود خارجة عن الشركة نص على معنى هذا في المدَوَّنة.
قُلتُ: قوله إن كانت العقود خارجة عن الشركة نص ظاهره أن غير الخارجة غير مانعة كيف كانت صرفًا أو غيره، وليس كذلك، إنما قاله فيما ليس صرفًا لأجل ضيق الصرف وشدته؛ لأن الغير مانعة الصرف إذا كان في الشركة.
سَحنون: حسبما ذكره الصقل عنه في تعليله، قوله: بإجازة الشركة بالدنانير وبالدراهم.
وفيها: إن اشتركا بدنانير أو بدراهم فلكل رأس ماله، ويقتسمان الربح لكل عشرة دنانير دينار، ولكل عشرة دراهم درهم، وكذا الوضيعة، ولو علم كل واحد منهما ما اشترى بماله بيعت السلع وقسم كل ثمنها كما ذكرنا، وقال غيره: لكل واحد ما عرف أنه اشتراه بماله ولا شركة له فيما اشترى بمال الآخر، وإن تفاضل المال فلأقلهما مالا أجره في عون صاحبه.
المتيطي: ذكره الشَّيخ في مختصره: على أن قول الغير خلاف لقول ابن القاسم، وأن ابن القاسم يقول: وإن عرف ما اشترى كل واحد برأس ماله من السلع؛ لأن الخلط تم بينهما؛ وقال أبو عمران: قول الغير وفاق؛ لأنه إذا عرف كل منهما سلعته لم تنعقد بينهما شركة، ولفظ الأمهات.
قال ابن القاسم: إذا كان ما اشترياه قائمًا بعينه بيع واقتسماه على ما وصفناه كان فيه ربح أو وضيعة.
ابن رُشْد في سماع عيسى: قول ابن القاسم: إذا اعتبرته بما يخرجه الحساب راجع إلى أن يقتسما جميع ما في أيديهما على ما فيه من ربح أو خسارة على قيمة الدنانير والدراهم يوم الفسخ، وهذا أقرب مأخذا في العمل، وقيل: يقتسمان ذلك كل قيمة
الجزء: 7 - الصفحة: 11
الدنانير والدراهم يوم اشتركا، وهو قول غيره في المدَوَّنة.
الصقلي: قال بعض فقهاء القرويين: قول غير ابن القاسم لكل واحد بما اشترى بماله صواب، وهو الجاري على أصل ابن القاسم؛ لأن الشركة إذا فسدت لم يضمن أحدهما لصاحبه شيئًا؛ لتفويته متاع صاحبه وثمنه لصاحبه، كقوله إن اشتركا بعرضين مختلفي القيمة فباع أحدهما عرض صاحيه لا يضمن له شيئًا، وثمن عرضه له وبه يكون شريكًا إن عملا بعد ذلك، فكذا ينبغي إن اشترى بالدنانير والدراهم عرضًا يكون لصاحبه ذلك المال، كما كان ثمن العرض في شركة العرضين لصاحب ذلك العرض.
قُلتُ: هو قول التونسي وقبله الصقلي، ويرد بأنه لا يلزم من اختصاص رب العوض بثمنه، اختصاص رب العين بعوضها؛ لأن أصل المذهب عدم إيجاب العين اختصاص ربها بعوضها إذا حركها غيره بخلاف العقد، فذلك في صرفها من أودعته دنانير، فابتاع بها سلعة فليس لك أخذها، إنما لك أخذ دنانيرك، ولو أودعته عرضًا فباعه بعرض أو طعام فلك أخذ ثمن ما باع أو المثل مما له مثل أو القيمة مما لا مثل له.
التونسي: وقوله: (إن لم يجز قسم ما بأيديهما على قيمة الدنانير والدراهم) صواب، وفي القيمة في قول ابن القاسم نظر؛ لأنه إذا استوت قيمة الدنانير والدراهم يوم الشركة كانت السلعة بينهما نصفين فيجب أن يكون ثمنها واحد بينهما نصفين، فإن زادت قيمة الدنانير يوم القيمة فأعطى مثل دنانير أنظر صاحب الدراهم، وكذا إن زادت قيمة الدراهم وقبله الصقلي، ويرد بأنه بناء على ترتيب القسم على قيمة الغير، وأصل المذهب خلال ذلك؛ لأنها ليست من ذوات القيم، إنما هي من ذوات الأمثال، إنما يعتبر فيها عددها، فوجب ترتيب القسم عليها اعتبار عددها لا باعتبار قيمتها، وحمل اللخمي المذهب على قسمتهما على قيمة المالين يوم الشراء، وحمل قول ابن القاسم: أن المشترى بينهما على أنهما لم يعلما ما اشترى بمال كل واحد منهما.
قال: وحمله بعض أهل العلم على أنه ولو علماء غير صحيح، ولو كان كلك كان المشترى بينهما نصفين؛ لأن كلا منهما اشترى ملك صاحبه، ويكون اشتراؤه فوتًا كالبيع الفاسد، ويكون قد اشتغلت ذمة كل منهما بنصف ما أخرجه من الآخر، وقول ابن القاسم: يأخذ كل منهما قدر ماله والربح على ذلك دليل أن مال كل واحد على ملكه،
الجزء: 7 - الصفحة: 12
ولم تعمر ذمة الآخر منه، وأما قوله يعطي كل منهما قدر ماله، أن الصرف لم يتغير، ولو تغير لاعتبر حال المالين يوم الشراء.
وفيها: نظر اعتبار التساوي بين التقدير في الوزن والقيمة لا السكة، ويسير اختلافهما في الصرف مغتفر.
اللخمي: القياس أنه لا يجوز؛ لأن الترك لموضع الشركة كما قال في شركة الطعام وتوليته: لا أقيلك إلا أن تقيلني ولا أشركك إلا أن تشركني، ولم يجز بخروجهما بذلك على وجه المعروف، إلا أن يعقدا على التساوي، ثم أحضر أحدهما ماله، وفيه فضل جودة أو وزن، وتقدم لهما من المكارمة ما يفعل في ذلك دون شركة، وإن تساوى الذهبان، ولأحدهما فضل سكة، وللأخرتين، فإن كثر فضل السكة لم يجز، وإن قل جاز إن ألقياه على قول ابن القاسم، وإن اعتدلا في القيمة فعدلت قيمة جودة التبر السكة جرت على القولين، كما لو أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم؛ لأنها حينئذ مبايعة، فيجوز إذا قبض كل منهما ما أخرج صاحبه.
وفيها: لا بأس بالشركة بعرضين مختلفين أو متفقين، أو بطعام وعرض.
الصقلي: روى محمد: ما الشركة بالعرضين من عمل الناس، وأرجوا أن لا بأس بها.
ابن رُشْد: وروى عن مالك أنه قال في الشركة بالعرضين المختلفين، وما هو من عمل الناس، وذلك والله أعلم؛ لأنه بيع وشركة.
قُلتُ: فظاهره عدم ذلك في العرضين المتفقين لبعد قصر التبايع فيهما لتماثلهما لا سيما إن كانا من ذوات الأمثال.
وفي الشركة بغزلين على نسجهما معا نظر؛ لأنه بيع لنصف غزله بشرط نسجه حسبما ذكره اللخمي على أصل سَحنون في الشركة بالمال للغائب، وذكر الصقلي في باب الإجارة والسلف رواية محمد بإجارته ما لم يزد أحدهما صاحبه شيئًا.
وفيها: إن اتفق قيمة العرضين المختلفين وعرف ذلك في العقد جازت شركتهما، وهو بيع لنصف عرض هذا بنصف عرض الآخر، وأن يشهد أو لم يذكر بيعا ولم يشترط التساوي فلما قوما بمفاضلة القيم، فإن لم يعملا فلا شركة، وإن عملا وفاتت السلعتان
الجزء: 7 - الصفحة: 13
فرأس مال كل منهما ثمن سلعته، وبقدره ربحه ووضعته؛ لأن شركتهما وقعت فاسدة.
وفي الصحيحة رأس مال كل منهما ما قومت به سلعته:
عياض: قوله: إذا فسدت إن لم يعملا وأدركت السلعتان ردتا، كذلك روايتنا وفي بعض النسخ ولم يفوتا ببيع ردتا.
قال شُيُوخنا: يفيتها حوالة الأسواق كالبيع الفاسد؛ لأن الشركة على قول ابن القاسم تلزم بالعقد الفاسد، كالبيع الفاسد.
الشَّيخ: علة فساد الفاسدة وتفاضل المالين غرر بيع في الأقل مالًا بالأفضل عمله فضل مال صاحبه وهو مجهول.
الصقلي عن بعض فقهاء القرويين: قد يقال على أن التمكين في البيع الفاسد يوجب ضمان المشتري، وإن لم يقبضه يلزم كل واحد قيمة عرضه يوم دفعه وأحضره لتمكين صاحب التصرف فيه، وإن كانت يد بائعه عليه.
ابن عبد السلام: وهذا شيء؛ لأن البائع في البيع مكن المشتري على وجه ليس للبائع معه تصرف، وفي الشركة الفاسدة إنما مكنه على أنه معه فيه التصرف فلم يفد هذا التمكين قوة ذلك التمكين.
قُلتُ: يرد بأن التمكين في مسألة الشركة لا تصرف فيه؛ لأن التصرف فيها إنما توجبه الشركة، وهي متأخرة عن لزوم القيمة المتأخرة عن التمكين ضرورة تأخر الموجب عن الموجب بالتصرف، فتأخر عن التمكين بمن يتبين وهو يتقرر دونه، فهو كالتمكين في البيع الفاسد، وبأن تصرف الشركة ليس خاًا بالمتصرف حكمًا؛ بل فنسبته لفاعله كنسبته لشريكه فيصير بما كره فرقا القياس أحرويا؛ لأن التمكين فيه ملزوم لكون الممكن فيها، وهو المشتري متصرف حكمًا كتصرف المتصرف حسًا، والتمكين في البيع الفاسد عري عن كون المشتري متصرفًا؛ لأنتفاء التصرف عنه حسًا وحكمًا.
الصقلي: إن جهلًا ما بيعت به سلعته كل منهما فلكل منهما قيمة عرضه يوم البيع؛ لأن سلعة كل منهما في ضمانه إلا إن بيعت، فالبيع أفاتها كالطعامين إذا خلطا رأس مال كل منهما قيمة طعامه يوم خلطا.
الجزء: 7 - الصفحة: 14
اللخمي: إن اشتركا على المساواة، والقيم مختلفة لم يجز، واختلف إن نزل وفات بالبيع أو القبض، ففي المدَوَّنة: لكل منهما ما بيعت به سلعته، ولا شركة بينهما، ولا قبض؛ لأن لكل منهما التصرف فيما باعه بالبيع بعد قبضه منه، فكان القبض في المشترى كلا قبض، والقبض الصحيح ما لا تسلط لبائعه فيه، والقول الآخر أن لك قبض، وهو قول مالك في مسألة الشركة بذهب وفضة، صحة مناجزتهما، وإذا كان كذلك فقبض كل منهما سلعة صاحبه ضمن نصف قيمتها يوم قبضها، وصار جميع ما تجرأ فيه بينهما نصفين، إذا باع كل منهما سلعة صاحبه بعد قبضها منه، وإن باعها قبل قبضها كان فيها قولان أحدهما أن بيعه كقبضه يوجب عليه نصف القيمة ويوجب له نصف الثمن، والثاني: أن ذلك ليس بقبض، وثمن السلعة لمن كانت له، وإن باع كل منهما سلعته قبل قبضها منه، أو بعد وقبل فوتها عند قابضها بحوالة سوق أو بدن بثمنها له شركة، وإن باعها بعد فوتها بيد قابضها فثمنها بينهما، وعلى كل واحد نصف قيمة سلعة صاحبه، وإن قبض أحدهما سلعة صاحبه ثم باعاها جميعًا كان له ثمن سلعته، وثمن سلعة صاحبه بينهما، وعليه لصاحبه نصف قيمتها، فإن تجروا بعد ذلك كان المشترى بينهما على قدر ذلك لأحدهما بقدر ثمن كل سلعته ونصف ثمن سلعة صاحبه، وللآخر قدر نصف ثمن سلعته فقط.
ابن الحاجب: لو وقعت فاسدة فرأس ماله ما بيع به عرضه لا قيمته يوم إحضاره على المشهور.
قُلتُ: لا وجود لمقابل المشهور إلا ما أشار إليه التونسي من التخريج على قول أشهب، ونص تخريج اللخمي على قول مالك في الشركة: بذهب وفضة، ولو وقعت فاسدة بطعامين قد خلطا ففيها رأس مال كل منهما قيمة طعامه يوم خلطا، ورواه محمد عن ابن القاسم، ولمالك ثمنه.
وفيها: تجوز الشركة بطعام ودراهم أو بعين وعروض، وقول ابن الحاجب: تصح بالعروض من جانب والنقد من جانب على المشهور، ولا أعرف مقابل المشهور في قول منهما.
ابن عبد السلام: تقدم هذا المعنى، ولعل الشاذ على المشهور في منعها بذهب
الجزء: 7 - الصفحة: 15
وفضة لاجتماع الشركة والصرف.
قُلتُ: تقدم لابن رُشْد الفرق بينهما، فذكره وتقدم ذكر الجودة والسكة.
وفي الشركة لمال حاضر وغائب نقل اللخمي صحتها عن مالك مع ابن القاسم، ومنعها عن سَحنون، ونقل ابن القاسم عنه الأكرية، والصقلي للفساد.
وفي كون قول بعض شُيوخ عبد الحق أنها تجوز عند ابن القاسم بشرط قرب الغيبة، ووقف التجر بالحاضر على حضور الغائب تقييدًا نظر، والأظهر أنه خلاف لاحتجاج ابن القاسم على الجواز بقول مالك فيها.
اللخمي: عن سَحنون على أصله أنها مبايعة، والأول أحسن، إذ لو كانت مبايعة ما جازت بدنانير ودراهم من الجانبين، ولا في الحرث لإخراجهما الزريعة وإخراج أحدهما بقر والآخر يد.
قُلتُ: إنما علل التونسي والصقلي قول محمد: بشرط الخلط وهو في الغائب متعذر.
قُلتُ: احتجاج ابن القاسم على جوازها بمال غائب بقول مالك: إن شارك ذو خمسمائة درهم له ألف غائبة ذو الف وخمسمائة حاضرة تخرج بذلك المحل الألف الغائبة فتشتري بالجميع تجرا فلم يجد ألفه مباشرة بما خرج به فقط ليكل منهما من الربح بقدر ماله فيها خرج به في تمسكه بهذا نظر؛ لأنه كذلك حكم، كذلك كونها فاسدة بعد وقوعها.
قُلتُ: إن كرهه بأن له مالاً غايبًا، ولا مال له غير حاضر بالربح بينهما على حاضرها، قاله محمد، وإلا ففي كونه كذلك أو بينهما نصفين ثالثها: إن اشترى بعد علمه فقد ما غاب لظاهرها، ولمحمد والتونسي، وقول اللخمي: أرى أن يسأل، فإن قال: اشتريت ببينة القصر على الحاضر صدق، وإن قال: عليه، وعليه والغائب صدق في النقض لعدمه لا في الربح؛ لأنكار ذي الحاضر فعليه في كونه رابعًا لظاهر قوله: أرى ذلك وفاقًا لمسائلة لقبول إقراره وعلى نفسه وعلى قبول دعواه نظر، وعلى كون الربح للحاضر فقط في لغو زيادة عمل ذي الغائب، وثبوت أجره.
نقل اللخمي عن ابن القاسم مع التونسي عن مالك، ونقلهما عن سَحنون وصوبه
الجزء: 7 - الصفحة: 16
اللخمي: قائلا له: الأقل من أجر مثله أو الربح.
قال: وقول مالك الربح بينهما إن باع دليل أنه يرى إن غرم الألف لا يمنع العامل الاشتراء بالمالين، ولو كان للمقيم منعه لقلة مال الآخر لقال الربح بينهما نصفين، وكان له جميع الربح إن اشترى به لنفسه أنه إذا كان الحكم عند عدم الألف أن يوقف مال المقيم ولا بتجريبه له فتعدى، وتجر كان له كل الربح وهذا حكم كل مال حكمه أن لا يحرك لتجارة.
قُلتُ: هو قوله في كتاب القراض، وإذا لم يستعمل العامل المال حتى نما لمربه عن التجربه فاشترى به سلعة ضمن المال، وكان الربح له كمن تعدى على وديعة فاشترى بها سلعة.
وفيها: المفاوضة على وجهين في جميع الأشياء، وفي نوع من المتاجر.
باب في شركة عنان
ابن القاسم: ولا أعرف من قول مالك شركة عنان، ولا رأيت أحدًا من أهل الحجاز يعرفه.
عياض: بكسر العين ضبطناه، وهو المعروف، وفي كتب اللغة فتحها ولم أراه، ومعنى كلام ابن القاسم أنه لم يعرف استعمال هذا اللفظ ببلدهم.
وفي كونها شركة الشريك المخصوص لا المفاوض أو في شئ بعينه، ثالثها: هذا على أنه لا يبيع أحدهما إلا بإذن صاحبه.
لسَحنون والصقلي عن ابن عبد الحَكم، ونقل ابن القُصَّار عن بعض أصحابنا، وفي المقدمات: هي الشركة في شئ خاص جائزة إجماعًا بين كل الناس برضاهم ولازمة في كل الأسواق، وذكر قول الصقلي، قيل: هي الشركة في كل شئ ومن شيء بعينه.
الجزء: 7 - الصفحة: 17
ابن الحاجب: إن شرط نفي الاستئذان لزم، وتسمى شركة عنان.
قُلتُ: ظاهره ولو كانت غير مقصورة على نوع معين من الأموال وهو خلاف ما تقدم.
وفي كونها التجر بمال مخصوص أو معين، ثالثها: هذا بقيد عدم الاستئذان والاستبداد، ورابعها: ما قيد به مطلقًا عياض في المقدمات، وابن الحاجب إن صح.
وفي شرط ثبوت لازمها، وهو ضمان المشترك به منهما بالخلط الحكمي فضلاً عن الحسي أو به فقط قولا ابن القاسم وغيره فيها، والحكمي كون المالين في حوز واحد أو عند أحدهما، وشراء أحدهما بماله عليهما قبل حوزه تشبيها فيه دون مقابلة.
فيها: وإن جعلا صرتيهما بيد غيرهما أو في تابوتٍ أو خرجه فضاعت إحداهما فهي بينهما، وإن بقيت صرة كل واحد بيده فضياعها منه حسي كخلطها، أو جعلا عند أحدهما ولم بقيت صرة كل واحد منهما بيده حتى ابتاع أحدهما أمة على الشركة وتلفت الصرة الأخرى، والمالان متفقان، فالأمة بينهما والصرة من ربها.
عبد الحق: إن اشترى بصرته بعد التلف، فإن كان علم به حين شركته فيها وتركها له، وإن اشتراها بنفسه فهي له، وإن لم يكن علم به أو اشترى ثم كان التلف فالأمة بينهما.
الصقلي: هذا على أصل ابن القاسم.
ابن الحاجب: ولا بد من خلط المالين تحت أيديهما أو أحدهما أو يشتريا بهما.
ابن عبد السلام: قال ابن القاسم: لا بد من خلط المالين حقيقة أو كونهما في حكم المخلوطين بأن يكونا تحت أيديهما بجعلهما مجموع المالين في بيت واحد، وجعلا عليه قفلين؛ بيد أحدهما مفتاح، وبيد الآخر مفتاح، أو يكون المال تحت يد أحدهما برضى الآخر من غير شرط ذلك في العقد أو يشتريا بمجموع المالين سلعا أو سلعة، ولغير ابن القاسم: لا ينعقد بهما شركة حتى يخلطا، وظاهره أنه لا يعتبر الاختلاط الحسي.
قُلتُ: ظاهره أنه لا ينعقد عند ابن القاسم دون اجتماع المالين في حوز واحد لا يتميز، ورأى أن ذلك مبايعة نصف دينار أحدهما بنصف دينار الآخر، فغاية المناجزة الخلط، والقول الأول أحسن؛ لأن المعلوم عدم قصد المبايعة، بل القصد المبايعة بهما،
الجزء: 7 - الصفحة: 18
والتجر فيهما.
ثم قال في فصل آخر: قال سَحنون: لا تنعقد الشركة إلا بخلط المالين وحمل أمرهما على أن كل وأمر باع نصف ملكه بنصف ملك الآخر، وأنها مصارفة، فإذا خلطا كان ذلك قبضًا وفوتًا، وقياد قوله إذا قبض كل منهما جميع دنانير الآخر كان مناجزة، وإن لم يخلطا كان ذلك قبضا؛ لأن المقبوض بعضه صرف وبعضه وديعة، ولو صرف رجل من رجل خمسين دينارَا، أو دفع إليه مائة دينار ليكون له نصفها، ونصفها وديعة جاز.
قُلتُ: ظاهر قوله وقياد قوله إن اجتماع المالين في حوز أحدهما دون خلط، كالخلط الحسي أنه غير نص له خلاف قول الصقلي.
قال سَحنون: إن جمعا الصرتين في خرج أحدهما أو في يديه تمت الشركة.
باب معنى الخلط في الشركة
ففي شرطها بالخلط الحسي المفيد عدم تمييز أحدهما من الآخر، أو بمجرد اجتماعهما في حوز واحد، ثالثها: هذا أو شراء كل منهما بماله على الشركة أو أحدهما فقط في ثبوتها، للخمي عن الغير، وعن سَحنون، وقول ابن القاسم فيها: وحكمها جوز استقلال كل منهما بتصرف التجر في مالها، وإن لم يشترطاه، وأن فعل أحدهما كفعل الآخر في شفعتها ليس لأحد المتفاوضين فيما باع الآخر شفعة؛ لأن بيع أحدهما يلزم صاحبه، وفي شهاداتها: إن ادعى أحد المتفاوضين وخير على رجل دينا من شريكه، فأنكره فله تحليفه على حظ شريكه لا فعل أحدهما كفعل الآخر.
قُلتُ: من قضى ما عليه لأحدهما لآخر جاز، ولأحدهما أن ينفع أو يفارض دون إذن الآخر ويودع لعذر نزل به، ومقتضى قولها: إن باع أحدهما لأجل، ثم أخر الغريم بعد حلول الاجل جاز استيلافًا، وما باعه لأجل لا يجوز لشريكه شراؤه بأقل نقدًا، وما
الجزء: 7 - الصفحة: 19
باعه لأجل فقضى الغريم ثمنه أحدهما قبل علمه بافتراقها جاز، جواز بيع أحدهما بالدين دون إذن شريكه، وعزاه اللخمي لابن القاسم فيها.
قال: ولاَصْبغ عنه لا يجوز، والأول أحسن.
الصقلي: لمالك فيها إن باع بدين ولم يذكراه في شركتهما جاز على شريكه.
وقال محمد في الموازية: لا يجوز إلا بإذن شريكه، وسمع ابن القاسم في رجلين اشتركا على مال مسمى على أن ما باع أحدهما بدين ضمنه معه صاحبه أكرهه؛ لأن كلاً منهما لا يدري ما يغيب به صاحبه.
سَحنون: لا بأس به؛ لأن الشركة لا تكون إلا بضمان كل منهما لصاحبه.
ابن رُشْد: معناه إن اشتركنا في مال مسمى على أن باع أحدهما بدين ضمنه الآخر معه كرهته؛ لأن كلا منهما لا يدري ما يغيب به عنه صاحبه من الخلاف.
سَحنون: لا بأس بذلك؛ لأن الشركة لا تكون إلا بالتفاوض والضمان من كل منهما لصاحبه.
ابن رُشْد: لم يرهما ملك باشتراكهما مال مسمى متفاوضين فيما اشتركا فيه حتى ينصا على المفاوضة بخلاف ما إذا اشتركا في جميع أموالها، برأي ما شرطا من ضمان كل منهما ما باعه الآخر بدين غرم إلا انه ضمن فيما اشتركا فيه، وإن لم يشترطا ذلك كما إذا تشاركا في جميع أموالها.
ابن الحاجب: لو باع أو اشترى نسيئة مضى وله ذلك ابتداء ما لم يحجر عليه.
قُلتُ: قوله ما لم يحجر عليه لا أعرفه، وفيه نظر؛ لأن ثبوت ذلك على المشهور إنما هو بمقتضى عقد الشركة، وما هو بمقتضى العقد يمتنع استقلال أحدهما برفعه كرفضه عهدة ما ابتاعه صاحبه عنه، وقد يجاب بأن هذا إنما فيما هو لازم للتجر من حيث استقلال أحدهما ذاته والبيع بالدين لا يلزمه، وإذا لم يكن ثابتًا في تجر القراض، وإذا كان كذلك جاز استقلال أحدهما برفعه كرفع رب المال لازم عقد القراض، وهو جواز سفر العامل بمال قبل أخذه في أهبته.
وفيها: منع تبرع أحدهما دون إذن صاحبه، إلا أن يكون أراد استيلاف التجر، وإن
الجزء: 7 - الصفحة: 20
وهب أحدهما أو أعار ضمن حظ شريكه إلا أن يفعل ذلك استيلافًا.
عياض: قوله لا يجوز ما صنعه أحدهما ضمن حظ شريكه من المعروف من مال شريكه في بعض الروايات، ورواية ابن أبي عقبة، ويجوز عليه قدر حصته، وضرب عليه في كتاب ابن وضاح، وقال: طرحه سَحنون.
قُلتُ: لاحتمال خوف نقص في المال يعجز به حظه في بانيه، وعن قدر تبرعه ولا مال له غيره.
وفيها: وإن أخر أحدهما بما أوضع له نظرًا أو استيلافًا للتجر جاز.
اللخمي: للشريك رده تأخير شريكه بدينهما في حظه، ويمضي في حظ المؤخر إن لم يكن في قسمها الدين ضرر، فإن كان عليهما فيه ضرر، وقال المؤخر: لم أظن ذلك يفسد على شيئًا من الجميع، وإن لم يعلم بتأخيره حتى حل الأجل فلا شئ على المؤخر، فإن أعدم المدين بعد التأخير ضمن المؤخر حظ صاحبه، وإن أخره استيلافًا جاز على شريكه، وإن أعسر المدين إلا يكون المدين ممن يخشى عدمه فيرد التأخير، وإن لم يرد حتى أعسر ضمن المؤخر إن كان عالمًا بذلك، وقيل: لا يجوز التأخير للاستيلاف؛ لأنه سلف بزيادة ووضع أحدهما يرد منه كا زاد ما يراد به الاستيلاف.
وفيها: ليس لأحدهما أن يعير من مال الشركة إلا بإذن شريكه أو ما حف كغلام يسقي دابة أو ما كان استيلافًا للتجر، ولما كان فعل أحدهما بالتجر كفعل الآخر لزم كلا منهما ما ابتاعه صاحبه.
فيها: ما ابتاع أحد المتفاوضين لزم الآخر، ويتبع البائع بالثمن أو القيمة في فوت البيع الفاسد أيهما شاء.
وفيها: من ابتاع عبدًا من أحدهما فظهر على عيب فله رده، فإن غاب بائعه غيبة قريبة اليوم ونحوه تلوم له إذ لعل له حجة، وإن بعدت غيبته، فإن أقام المشتري بينة أنه ابتاع بيع الإسلام وعهدته، فإن كان العيب قديمًا رد العيب على الشريك الآخر، وإن كان يحدث مثله فعلى المبتاع البينة أن العيب كان عند البائع وإلا حلف الشريك، فإن علم أن هذا العيب كان عندنا وبرئ، فإن نكل حلف المبتاع على البت أنه ما حدث عنده، ورده الصقلي، ويحلف الشريك على العلم كان العيب ظاهرًا أو خفيًا؛ لأن غيره
الجزء: 7 - الصفحة: 21
يتولى البيع كوارث، ولو حضر البائع حلف في الظاهر على البت، وفي الخفي على العلم، فإن نكل الشريك الذي لم يتول الشراء، فقال الشَّيخ: يحلف المبتاع على البت، وفي الموازية: كما يحلف بائعه في الخفي على العلم.
زاد ابن اللباد في مسألة المبتاع: وأنه نقد الثمن، وتقدم في العيوب.
قال بعض فقهاء القرويين: لو جاء الغائب فأقر بالعيب؛ لا نبغى أن يرده ويلزم ذلك الشريك الحالف، ولو أنكر لحلف، فإن نكل ففي رد جميعه أو نصفه فقط لتقدم حلف شريكه نظر.
الصقلي: الأظهر رد جميعه؛ لأن نكو له كإقراره، ويمين شريكه لغو؛ لأنه إنما حلف على عدم علمه.
قال: وإن نكل الحاضر الذي لم يتول البيع فحلف المشتري ثم قدم الغائب، فقال: أحلف وأنقض الرد على شريكي، فإذ للأشبه دون ذلك له؛ لأن نكول صاحبه إنما كان؛ لأنه لا حقيقة عنده، وقد يكون ذلك في نصفه ويمضي الرد في النصف الذي للحاضر لنكوله؛ لأن متولي البيع كوكيله.
وفي المدَوَّنة: اليمين في العيب فيما باعه الوكيل على الموكل وهو الحاضر، ولو نكل.
وفيها: إقرار أحد المتفاوضين بدين في تجرهما لازم لها لو كان الأجنبي لا يتهم عليه كجده أو جدته أو زوجته أو صديق ملاطف لم يلزم شريكه، وذكره اللخمي معزوا لمالك.
قال: ويتخرج جواز إقراره لمن يتهم عليه من إقرار من يتبين فلسه لمن يتهم، وقد اختلف فيه، والمفلس أبين في التهمة لنزع جميع ماله يبقى لا شيء له، فيولج من ماله لم يتهم كي يعيده عليه، وليس للتفرقة بأن هذا يبقى في ذمته دين وجه.
قُلتُ: التونسي أشار للتفرقة به، وليس بحيث أن يقال فيه ليس له وجه.
اللخمي: وإقرار أحدهما عند إرادة المفاصلة جائز، فإن افترقا ثم أقر أحدهما بدين أو شبهه لم يقبل إلا إن طال الافتراق، ويختلف إن قرب وادعى أنه شيء.
قال ابن القاسم في العامل: يدعي بعد المقاسمة أنه أنفق من عنده من مال القراض
الجزء: 7 - الصفحة: 22
وشيء ذكره عند المحاسبة لا يقبل قوله، وروى يحلف، ويكون له ذلك، والشريك مثله.
قُلتُ: يرد بأنه لم يقبله في المقيس عليه إلا بيمين، وهي في مسألى الشريك متعذرة؛ لأنها من الشريك لا تصح؛ لأنها يمين؛ لأنتفاع غيره، ومن المقر له يصير قول الشريك شهادة، والفرض أنه إقرار هذا خلاف مقتضى قوله: أنه لم يقف على القول المخرج عنده نصَّا له.
وقال الصقلي: لابن سَحنون عنه إقرار أحد الشريكين بدين بعد التفرق، ويلزمهما في أموالها، وقول ابن القاسم: لا يلزم المقر حصته؛ يريد: إن يحلف الشهود له.
قُلتُ: ظاهر قول سَحنون: ولو أقر بعد الطول، وتقدم نص اللخمي: الخلاف على القرب.
وقال الصقلي: أجاز فيها إقرار العبد بعد حجره سيده عليه بدين بقرب ذكر الحجر عليه ولا بعد، والأشبه إنما يجوز بقربه كما لو فلس فأقر ساعة ضرب على يده، فأما بعد تفليسه وسكوته فلا، وسمع يحيى ابن القاسم: إن قدم شريك غائب على شريكه فقال: في شيء مما بيده هو وديعة، وقال: لم أعين ربها سقط.
قوله: وإن عينه لم يأخذه حتى يحلف مع إقراره، كمن استحق حقه بيمين مع شاهد، فإن نكل أخذ حظه المقر فقط.
التونسي: ظاهره اشتراط عدالة المقر؛ لأنه جعله كشاهد، وينبغي قبول إقراره لمن لا يتهم عليه، وقد يحلفون استبراء.
ابن رُشْد: الصواب عدم شرط عدالته، وعليه يحمل السماع؛ لأنه لم يجعله شاهدًا، إنما جعله بمنزلة الشاهد، ولم يذكر هل يحلف الشريك أم لا، والوجه حلفه إن حقق عليه الدعوى أنه أقر بباطل، وإن اتهمه فلا يمين عليه، والأصل قبول إقرار الشريك إلا أنه لما كان هذا الذي أقر به ليس بدين من التجر استظهر على المقر له بيمينه كقولها آخر الوصايا في إقرار المدين يبرئ إياه من دين عليه أو ودائع أن المقر له يحلف.
وفيها لابن القاسم: إن أقام أحدهما بينة بعد موت شريكه أن مائة كانت بيده، ولم توجد ولا علم مسقطا فإن قرب موته أخذها فيما يظن أنه لم يشغلها في تجر فهي في
الجزء: 7 - الصفحة: 23
حصته، وما طال لا شيء عليه فيه.
وفي النوادر عن محمد: إن أشهد على نفسه بأخذ المائة بشاهدين لم يبرأ منها إلا ببينة على ردها، وإن طال ذلك، وإما إقرار بغير تعمد إشهاد وعلى بينة، ولا كتاب فكما قال في صدر المسألة.
قُلتُ: انظر قوله: (ولا كتاب) ظاهره إن كان بكتاب لم يبرأ منه، ووجهه أنه إذا أخذها بذلك فقد وثق أحدهما ولا يبرأ إلا بدليل على البراءة.
قال محمد: إن فلس أحد المتفاوضين، ولأحدهما زوجة لها عليه مائتا دينار، وعليهما للناس ألف دينار، وجميع ما بأيديهما ألف دينار ومائتا دينار والحصاص في حظ التزويج له من المال ستمائة، وعليه سبعمائة للزوجة ومائة وإحدى وستون دينارًا وثلاثة أسباع دينار، وللغرماء أربعمائة دينار وسبعا المائة، وذلك ثمانية وعشرون دينارًا وأربعة أسباع دينار، ثم يرجع على الشريك الآخر بما أخذت زوجة هذا من الخمسمائة درهم، وذلك خمسة أسباع المائة، ويأخذون منه الخمسمائة التي لهم عليه، ثم يرجع الشريك الغارم بما أدى عنه، وذلك خمسة أسباع المائة، ويبقى لها سبعا المائة، ولابن سَحنون سأله شجرة عن رجل دفع عن أخيه وهو مفاوضه صداق امرأته، ولم يذكر من ماله ولا من مال أخيه ثم مات الدافع، ثم ورثته هذا من مال ولينا فأجابه إن كانا متفاوضين، وأقاما سنين كثيرة في تفاوضهما لا يطلب أخاه بشئ من ذلك، فهذا ضعيف، وإن كان بحضرة ذلك فذلك بينهما شطرين ويحاسبه إلا أن يكون للباقي حجة.
وفيها: مع غيرها ربح مال الشركة وعمله ووضعه بقدر ما لكل منهما.
اللخمي: إن أخرج أحدهما ما ئتي دينار والآخر مائة وهي على ثلاثة أوجه، فإن كان العمل والربح نصفين والوضعية أثلاثًا، أو الربح معها أثلاثًا، أو لتكون الخمسون لرب المائة هبه أو سلفًا، فإن كان له ربحها وخسارتها على ربها فله ربحها اتفاقًا؛ لأنها باقية على ملك ربها، وإن جعل وضعيتها من الآخر؛ لأنها سلف أو هبة كان فيها قولان: أحدهما: ضمانها وربحها من المستلف والموهوب له الثاني: كونها من ربها؛ لأن شرط كون التجر بها من المال ولا يبين يمنع انتقال ضمانها، وهو قول مالك فيها
الجزء: 7 - الصفحة: 24
لقوله: (إنما أسلفه الخمسين) على أن أعانه بالعامل بضمانها من ربها وربحها ووضيعتها عليه، يريد: إن قصد أن يكون سلفًا لم يكن كذلك؛ لأن يدرب الثلثين متصرفة في جميع المال بالبيع والشراء.
وفي ثبوت أجر مثله في الخمسين الزائدة، ولو كان في المال وضيعة وسقوطها قولها، وقول مختضر ما ليس في المختصر: وهذا أحسن، وأرى أنه لا أجر له في الوضعية، وله في الربح لأقل من أجره المثل أو ربحه فيها؛ لأن بها لم يستأجر إنما جعل له العمل منهما لنفسه.
وقد قال ابن حبيب فيما يرد من فاسد القراض: لأجرة مثله إنما هي متعلقة بالربح، فإذا لم تتعلق الأجرة بالذمة في القراض مع أنه أجير على العمل فأحرى فيمن لم يكن له استئجار.
قال: وإن كان كل العمل على رب المائة على أن الربح والوضعية نصفان كما تقدم فمن ضمنه الخمسين جعل له ربحها، ومن لم يضمنه جعل له لربها وللعامل أجر مثله في مائة وخمسين؛ لأنه عملها لربها، ويختلف في الأجرة عن خمسين، وإن شرطا الربح تصفان والوضعية أثلاثًا جاز، وكانت المائتان قراضًا على الربح، ولم يضر شرط خلف المائتين على أحد قولي ولم يتكم مالك في هذا الوجه، وإنما جازت إذا شرط الربح والخسارة نصفين، ولذا لم يجرها مجرى القراض، ولو علم من رب المائتين فصد المعروف في سلفه الخمسين لؤاخاة بينهما كان صحيحًا، والهبة ماضية منتقلة الملك عن معطيها، ولو كان المال بينهما نصفين وربحه ووضعيته كمائتين، وكذا لو أخرج أحدهما مائتين، ولم يخرج الآخر شيئًا على أن مائة منهما سلف أو هبة، فإن كان لصدقاة بينهما بحيث أنه لو لم تكن شركة فعل ذلك جاز، وإلا لم يجز ثم يختلف في ضمان السلف والهبة أو لا ضمان لمكان التحجير، وسمع ابن القاسم من دعا أخا له إلى أن يسلفه ذهبا ويشاركه بمثلها يتجران بها في موضعهما، أو يسافران جاز إن كان على الصلة والمعروف، وإن كان لنفوذ التجر فلا خير فيه، ثم قال: ولا خير فيه بحال، والأول أحسن وأحب إليَّ.
ابن رُشْد: إن صح صدقه الربح جاز، وإن قصد نفع نفسه لم يجز اتفاقًا فيهما، فمرة
الجزء: 7 - الصفحة: 25
رأى مالك: الهبة في ذلك محتملة فسأله عنها وصدقه فيها، ومرة رآها بغيرة، والأظهر أنه قصد نفع نفسه بر المطلوب ليستعجل سلفه المؤجل، وقيمته إن كان عرضًا ففات، فعلى أنه يسأل عن نيته ابتداء لا يصدق في ذلك، وعلى أنه لا يسأل فيهما عن ذلك يصدق في ذلك مع يمينه، ويأخذ سلفه معجلًا، ولأبي عمر اختلف قول مالك فيمن أسلف رجلًا ليشاركه على وجه الرفق، فروى أبن القاسم: جوازه وكراهته، وأختار أبن القاسم جوازه، وإن كان لبصره بالتجر لم يجز.
ابن الحاجب: ولو تبرع أحدهما بعد العقد فجائز من غير شرط، وكذلك لو أسلفه أو وهبه.
ابن عبدالسلام: يعني اختلاف نسبة الربح والعمل مع رأس المال، وإنما يفسد الشركة إن كان شرطًا في عقدهما، ولو تبرع به أحدهما بعده جائز، وهو بين في شركة الأموال، لأن المذهب لزومها بالعقد دون الشروع في العمل دون شركة الحرث، كذلك قولا سَحنون وابن القاسم، وعليه يصعب التبرع بها قبل الشروع، وظاهر نصوصهم أنه لا يقدح في صحتها.
قُلتُ: سمع ابن القاسم إن شارك ذو مائة ذا خمسين، ثم دعا ذو المائة ذا الخمسين على أن يسلفه نصف ما فضل به، وكان ذلك على غير شرط عند الشركة، ولا الحاجة من المسلف من أسلفه الآن، إلا رفقًا به فلا بأس به.
ابن رُشْد: هذا كما قال، وإن شرط في سلفة أن يشاركه بذلك لم يجز، وكذا إن شرط بعد عقدها بأن يخرج مائة والآخر خمسين على الثلث والثلثين لم يجز، لأن الشركة من العقود الجائزة التي لا تلزم بالعقد، وإنما يفترق قوله ذلك في العقد أو بعده إن قاله على غير وجه الشرط، كقوله: تعالى أسلفك خمسة وعشرين نضيفها للتي له، وأخرج أنا مثل ذلك، ونشترك بها، أو يقول له ذلك بعد أن عقد معه الشركة على مائة له، وخمسين للآخر أثلاثًا، إلا أنه إن قال له ذلك في العقد ابتداء كان الأظهر منه قصد منفعته فيصدق في ذلك مع يمينه، وإن قال بعد العقد حمل على أنه لم يقصد منفعة نفسه، إذ قد رضى بشركته فأشبه إذا كان المشترط هو الذي سأله لك، ولو قال له ذلك بعد أن عقد الشركة فاشتريا بها عروضًا للتجر على الثلث والثلثين مبلغ رؤوس أموالهما كان بيعا
الجزء: 7 - الصفحة: 26
جائزا وإن سمياه سلفًا، لأنه باع منه سدس العروض بالخمسة والعشرين التي سميا سلفًا.
قُلتُ: قول ابن عبدالسلام: لأن المذهب لزوم الشركة بالعقد دون الشروع، وهو مقتضى قول ابن الحاجب بجواز التبرع بعد العقد خلاف قول ابن رُشْد: أنها من العقود الجائزة، وهو نقتضى مفهوم أنه إن شرط ذلك بعد العقد أنه لا يجوز، ومحوه قول المقدمات: هي من العقود الجائزة لكل منهما أن ينفصل عن شريكه متى شاء، ولهذه العلة لم تجز إلا على التكافئ والاعتدال، لأنه إن فضل أحدهما صاحبه فيما يخرجه، فلما سمح لذلك رجاء بقائه معه على الشركة فصار غررًا، وجاز في المزارعة كون قيمة كراء ما يخرجه أحدهما أكثر من قيمة ما يخرجه الآخر على قول سَحنون: أن المزارعة تلزم بالعقد، وقاله ابن الماجشُون وابن كنانة وابن القاسم في كتاب ابن سَحنون، ولا يجوز فيها على القول بأنها لا تلزم بالعقد وهو معنى قول ابن القاسم في المدونة: ونص سماعه أَصْبَغ.
اللخمي: إن اشتركا بالعقد اشتريا مالا يقدر أحدهما على شرائه بانفراده لم يكن لأحدهما الرجوع على ذلك، لأنهما أوجبا ما يتعلق به حق لمن طلبه، وكذا إن قدر أحدهما الرجوع على ذلك، لأنهما أوجبا ما يتعلق به حق لمن طلبه، وكذا إن قدر أحدهما على شرائه وشراء الجملة أرخص، وإن كان شراء الجملة، وعلى الانفراد وسواء جرت على القولين في وجوب الوفاء بشرط مالا يفيد، وإن اشترط للتجر في غير معين، وماله هذا، لأنقصانه فلكل منهما الرجوع، وكذا إن أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم على القول بإجازته، فلكل رد ما أخرجه، لأنهما لم يقصد الصرف إلا للشركة والتجر في المستقبل، ويجري فيها القول بلزومها لأول نضة كأحد قولي مالك في عقد مراء المشاهدة أنه يلزم منه أول شهر، وإن اشتركا بسلع، فإنه قصد بيع نصف كل منهما نصف الآخر فقط فهي لازمة، ومن دعا للمفاصلة فله ذلك، وإن قصد التربص لحوالة أسواق ترجي لموسم ونحوه، فالقول قول من دعا لتأخير المفاصلة للوقت المعتاد كسلع القراض إلا أن يكون مما ينقسم من غير عرض ولا نقص ولا ضرر فينقسم، وأن كان القصد تمادي التجر بأثمانهما فالقول قول من دعا على أحد قولي مالك في الكراء، ويكون لمن أحب التمادي الخيار في نقض الشركة في العرضين دون من أحب
الجزء: 7 - الصفحة: 27
التمادي فيها، لأن مقال من أحب التمادي أن يقول: لم أقصد باخراج عرضي الشركه فيه إلا لرجاء التجر في المستقبل، فإذا لم يكن من ذلك عدت في عرضي ولا حجة لمن كره التمادي، لأن شريكه مكنه من الوجه الذي تقصد الشركة لأجله، ولو اخرجنا دنانير ثم سافر أحدهما بالمال فليس لأحدهما أخذ حظه من المال، ولا حظ صحابة إليه، ولو سافرا معًا والسفر لأجل التعاون بالمالين، لأنهما يتجران فيه بما لا يقدر أحدهما ان يتجر فيه وحده، فالقول قول من دعا للتمادي لأول نضة.
وفيها: إن أدعى أحد الشريكين أنه ابتاع سلعة فضاعت منه صدق، لأنه امين.
قُلتُ: ما لم تقم عليه تهمة كدعواه التلف وهو في رفقة لا يخفى ذلك فيها فيسأل أهل الرفقة فلم يعلم ذلك أحد منهم أو يدعي الخسارة في سلعة لم يعلم ذلك فيها لشهرة سعرها، ومحو ذلك حسبما تقدم في دعوى مبتاع حيوان بخيار تلفه أو موته، وقول ابن عبدالسلام إثر قول ابن الحاجب: والقول قول من يدعي التلف أو الخسارة.
قال الباجي: قال بعض أصحابنا: إن لم يبين العامل في القراض وجه دعواه الخسارة ضمن إن لم يرد تخريجه في الشريك، فذكر غير مناسب، وأن أراد تخريجه رد بوضوح دلالة مسائل المذهب على أن تسلط الشريك على مال الشركة أقوى من تسلط عامل القراض على ماله، ونسبته للشريك كنسبة الخصوص للمفروض إليه.
وفيها: لمالك لغو نفقتهما إن كان ذوي عيال، وإن كان ببلدين مختلفي السعر.
الصقلي في رواية سليمان لاابن القاسم: هذا إن تقاربا في العيال.
قُلتُ: ذكرها ابن العطار غير معزومة كأنها للذهب.
التونسي: بلغني إن كان لكل منهما عيال فاختلف سعر بلديهما اختلافًا بينًا أن تحسب النفقة إذا نفقت العيال ليست من التجر.
اللخمي: القياس إن كان أحدهما في قراره وسعره أغلى حوسب بما بين السعرين مطلقًا، لأنه لم يخرج لتجر، وإن كان الاخر اعلاهما لم يحاسب بفضل، لأنه خرج لتنمية المال، فإن كان كل واحد قراره أو كان أغلاهما من هو في قراره دون من خرج لتنمية المال كان لأقلهما سعرًا أن يحاسب الآخر، لأن الأصل أن نفقة كل واحد عليه، وما سوى ذلك فهو للعادة، فأن كانت العادة الإنفاق من الوسط جاز على ما تجوز عليه
الجزء: 7 - الصفحة: 28
الشركة وهو المساواة في الانتفاع.
وفيها: لما قال مالك بلغني النفقة علمًا أن ما أنفقنا إنما جاز مال التجارة والكسوة لهما أو لعيالهما تلغى، لأن مالكًا قال: بلغني النفقة فالكسوة من النفقة.
قُلتُ: هذا نص في لزوم كسوة من ألتزمت نفقته وتقدم القول فيها في النفقة.
وفيها: إلا أن تكون كسوة ليس ما بيدلها العيال مثل القصي والشرطي والوشي فهذا لا يلغى، وما أشترا أحدهما من طعام أو كسوة لنفسه أو لعياله فلبائعة ان يأخذ من ثمنه من قدر عليه فيهما، لأن مالكًا قال: أنه يلغى.
اللخمي: إن تساوهما العيال في العدد وتباينوا في السر تحاسبوا بالفضل كتباين العدد، وإن كانت ممن لا يبدل واشتريت من مال الشركة فربحها للشركة، وخسارتها على مشتريها، وإن علم ذلك قبل، وزن الثمن فللآخر منعه إلا على المفاضلة فيه، وإن اشتركا على الثلث والثلثين وتساويا في العيال لم ينفق صاحب الثلث إلا قدر جزئه، ولا يجوز أن ينفق بقدر عياله ليحاسب بذلك في المستقبل.
قُلتُ: هذا إن عقد الشركة على ذلك، ولو كان تطوعًا بعد عقد الشركة كان كالسلف، وقد تقدم قول ابن الحاجب: وقيل: إنما يلغي في غير أوطانهما، فقبله ابن هارون.
وقال ابن عبدالسلام: لا أذكر من قاله في المذهب.
قُلتُ: في أخذه من كلام ابن شاس نظر.
قال ما نصه: الحكم إلغاء نفقتهما كان في بلد أو بلدين، وإن اختلفت الأسعار فيهما، وقيل: ذلك إن كان في غير أوطانهما فانظر هل لفظ قوله ذلك راجع إلى مطلق إلغاء النفقة فيكون إثباتًا لما نقله أبن الحاجب، ولا أعرف لغيرهما أو إلى إلغائهما مع أختلاف الأسعار فيكون إشارة لما قاله اللخمي فتأمله.
وفيها: إن كان لأحدهما عيال وولد وليس للآخر عيال ولا ولد حسب كل واحد ما أنفق.
وفيها: إن مات أحد الشريكين لم يكن للباقين أن يحدثوا في المال ولا في السلع شيئًا إلا برضا الورثة، لانقطاع الشركة.
الجزء: 7 - الصفحة: 29
وفيها: لابن القاسم من أقام بينه على رجل أنه مفاوضة كان له جميع ما بأيديهما بينهما إلا قامت فيه بينة أنه لأحدهما بإرث أو هبة أو صدقة، أو كان له قبل التفاوض، وأنه لم يفاوض عليه فيكون له خاصة.
الصقلي: عن بعض الفقهاء، وكذا يجب لو قال البينة عليه إنه شريكه كان شريكًا في جميع مابأيديهما إلا ما قامت بينة انه لأحدهما كالمفاوضة لا فرق بينهما.
اللخمي: لو أقام رجل البينة على رجل أنه شريكه لم يقض بالشركة في جميع أموالها، لأنه يقع على بعض المال، وعلى جميعه.
وفي كتاب ابن سَحنون: من أقر أنه شريك فلان في القليل والكثير فهما كمتفاوضين في كل ما بأيديهما، إلا إنه لا يجوز إقرار أحدهما على الآخر بدين ولا وديعة، ولو أقر أنهما شريكان في التجارات كان بأيديهما من التجارات بينهما لا يدخل فيه مسكنه ولا خادم ولا طعام، وإن قال إحدهما في مال بيده، ليس من الشركة هو لي من ميراث أو جائزة أو بضاعة أو وديعة لرجل صدق مع يمينه، إلا أن يقيم الآخر بينة أنه من الشركة، أو أنه كان بيده يوم أقر، فإن أقر أنه كان بيده يوم أقر بالشركة كان منهما، لان العين من التجارة، ولو قال: في متاع بيده من متاع التجر ليس منها ولم يزل بيدي قبل الشركة كان بينهما، ولو قال: فلان شريكي ثم قال: إنما عينت في هذه الدار والخادم صدق مع يمينه، وإن قال: شريكي في متاع كذا صدق، وإن قال: في كل تجارة، وقال الآخر: فيما بيدك، ولست شريكي فيما بيدي صدق مع يمينه، وإن قال: في حانوت بيده فلان شريكي فيما فيه، ثم أدخل فيه غزلًا وقطنًا، وقال: ليس من الشركة، وقال الآخر: كان فيه يوم أقر، فالقول قول من قال كان فيه.
قال: وقال سَحنون: روى أشهب أيضًا القول قول من قال: أدخله بعد الإقرار ليس من الشركة
قُلتُ: ففي كون الشركة كالمفاوضة في عموم شركتها في كل مالأحدهما أو ما قام دليل تخصيصه بأحدهما طريقا.
الصقلي مع التونسي واللخمي: ولو اختلفا عند المفاصلة بدعوى أحدهما الثلثين، والآخر النصف ففي كونه نصفين بعد أيهانهما، وأخذه في الثلثين إياهما إلا نصف
الجزء: 7 - الصفحة: 30
السدس، والباقي للآخر نقلا محمد عن أشهب، وابن القاسم بناء على اعتبار اتحاد حوزهما وتسليم دعواهما، وتعقب ابن عبدالسلام وغيره قول أشهب بعد إيهانهما بأنه لا موجب ليمين به لامتناع الثلثين، لأن مامضى له به منازع له فيه.
ابن فتوح: إن دعا أحد إلى أحد رجلين أنه بينهما وأدعى الآخر نصفه، ففي كتاب الجار لعيسى بن دينار: حلفا، وكان بينهما شطرين بعد أن يحلف طال النص أن نصفه له لا يعلم جميعه لمنازعة.
ابن فتوح: هذا وهم، إنما اليمين على مدعي النصف أنه لا يعلم جميعه لمدعي الكل، ولا يمين على مدعي الكل.
قُلتُ: وكان يمشي لنا الجواب عنه بأن تعقبه إنما يتصور باعتبار رعي دعوى مدعي الثلثين أو النصف مع قصد دعوى خصمه على النصف الآخر، وذلك يوجب تسليم النصف لمدعي الثلثين، ومن سأله خصمه مدعاه امتنع حلفا عليه، وقول أشهب: يمتنع بناء على رعي ذلك، لأن بناءه على رعي الدعوتين يوجب أن يكون لمدعي الثلثين النصف بتسليم خصمه، ونصف السدس باعتبار دعواهما في السدس والفرض الحكم بأنه بينهما نصفين، هذا خلاف، وإذا بطل بنا على رعي دعواهما وجب بناه على رعي تساويهما في الحوز، والقضاء بالحوز لا يستقل الحكم له دون يمين الحائز، فوجب يمين كل منهما، لأن الحكم إنما هو الحوزة، ولهذا قال الصقلي ما نصفه: وحجة أشهب أنهم تساووا في الحيازة واليمين، وقول ابن الحاجب: وإذا تنازعا في قدر المالين حمل على النصف خلاف قول أشهب لإسقاطه اليمين، وخلاف قول ابن القاسم: ونقل خلاف نصوص المذهب عنه لا يجوز.
وفي النوادر: لو أدعى أحد رجلين في جدار بينهما جميعه والآخر نصفه، ففي كون الواجب لمدعي كله ثلثه أو ثلاثه أرباعه قولًا مطرف وابن الماجشون، فالأول على قول مالك والليث وابن كنانة وأشهب وابن وهب وابن الماجشون على قول أبيه، وبه قال ابن القاسم.
وفيها: إن اشترى أحد المتفاوضين من مال شركتهما جارية، وقال: إنما اشتريتها لنفسه.
الجزء: 7 - الصفحة: 31
قال ابن القاسم: هي بينهما وشريكه بالخيار، وليس من فعل هذا كغاصب الثمن أو متعدي في وديعة ابتاع بها سلعة، هذا ليس عليه لرب الدنانير إلا مثل دنانيره، وهو كمبضع معه في شراء سلعة أو مقارض، أو وكيل تعدى فرب المال مخير في أخذ ما اشتراه أو تركه واختصرها البرادعي يزيادة بأن هؤلاء أذن لهم في تحريك المال فلكل متعد سنة يحمل عليه.
قُلتُ: تعليله بأنه أذن له في تحريك المال يبطل بتجر الوصي لنفسه بمال يتيمه.
فيها: يندب لجعله الربح لليتيم، ولا يجب عليه، والصواب تعليله بأنه أخذه بحركة التجر، وأصل أخذ الوصي إنما هو للحفظ لا لتنمية.
وفي وطء أحد الشريكين منهما طرق:
ابن رُشْد في نوازل سَحنون من الاستبراء: إن وطئها بعد إذن شريكه ففي تخيير غير الواطئ في التقويم عليه، وإبقائهما ولزوم تقويمها قولها مع المشهور، وغيره مع ظاهر قولها في الشركة، وعلى الأول إن لم يقومها منع الوطئ من الغيبة عليها، وعقوبته إن جهل أخف منها إن تعمد.
اللخمي: اختلف هل لغير الواطئ ردها للشركة فمنعه ابن القاسم وأجازه غيره، وأرى إن زطئها جهلاً فله ردها، وإن تعمده حيزت عنه لشريكه إن كان مأمونًا وله أهل، وإلا فلا حتى تباع.
ولابن القاسم: من وطئ أخته من الرضاعة بملك بيعت عليه إن كان عالمًا، وإن ظن حل ذلك لم تبع عليه، وفي استبرائها من وطئ أختين بملك، ثم عادت إليه إحداهما بعد بيعها قبل وطء الباقية أن يجتمعا في ملكه؛ ومعناه: إن كان جاهلاً.
عياض: في أمهات الأولاد: معروف مذهب المدونة في هذا الكتاب وغيره تخيير غير الواطئ التقويم والتماسك، وفي الشركة ما ظاهر خلاف هذا، وأنهما قولان آخران له أحدهما تقويمها يوم وطئها، ولم يذكر تخييرًا أو نحوه في الموازية واللفظ الآخر.
قوله: إن اشترى جارية لنفسه فوطئها أنهما يتقاومانها.
قال محمد بن يحيي: وكذا كل مالا ينقسم إذا ادعى أحدهما بيعه، فإن أبي أحدهما المقاواة عرضت للبي، وأخذها فإن أحب أمسكها بما بلغت.
الجزء: 7 - الصفحة: 32
وقال ابن أبي زَمَنين: هذا حكم المتفاوضين دون غيرهما، وقال فيها قول رابع: أنها باقية على حكم الشركة، ويعطي الشريك ما نقصها الوطء إن نقصها، وهو نحو رواية البرقي عن أشهب، لا يجب على الواطئ تقويم.
قال بعضهم: وهو القياس.
قُلتُ: قوله ونحوه في الموازية عزاه اللخمي لرواية محمد، وعزا الرابع أيضًا لرواية محمد.
قال: وهو القياس.
قال: وإن نقصها الوطء؛ لأنها ثيب فلا شيء عليه، وإن كانت بكرًا فعليه ما نقصها، وإن كان ربها إنما اشترى لقصد بكارتها كان له تغريمه نصف قيمتها.
ابن الحاجب: ولو وطئ جارية للشركة فللآخر تقويمها أو إبقاؤها، وقيل: تتعين مقاومتها، وقال ابن القاسم: تتعين إن كانت في شركة مفاوضة.
ابن عبد السلام: القول الثالث لا أعمله لغير ابن القاسم غير أن مالكًا قال في المدونة: إن كان كل واحد منهما يشتري امة من مال الشركة يطأها ثم يبيعها ويرد ثمنها في رأس المال ولا خير في ذلك، وما بأيديهما من الجواري على هذا يتفاومانها بينهما، فلو بقي هذا القول على هذا الوجه كان قريبًا من الثالث، غير أنه منسوب لمالك لا لابن القاسم، وتممه ابن بشير القاسم لقوله: للشريك إنفادها لمن وطئها بالثمن.
فإن قال: لا أقاويه فيها: وأردها في الشركة لم يكن له ذلك.
وقال غيره: له ذلك، فإذا كان كلام ابن القاسم متممًا لقول مالك لم يبق للقول الثالث وجود، ولا نسبة لابن القاسم.
قُلتُ: يرد بأن الثالث هو عزاه عياض لا بن أبي زمنين؛ ومعنى عزوه له أنه حمل قول ابن القاسم عليه لا أنه أنشأه لنفسه، وقول ابن عبد السلام إن ماتممه به ابن القاسم لا يبقي للقول الثالث وجود غير صحيح، وبيانه أن المتمم حاصله أن الشريك الواطئ أن يمضي للواطئ الأمة بثمنها، وهذا؛ لأنه قصد بشرائه أنها له لا للشركة بدليل فرضه المسألة أنه اشتراها ليطأها فقصده بشرائه وطأها ظاهر في أنه اشتراها لنفسه، فكان لشريكه أن يضمي له ذلك على الأصل فيما اشتراه أحدهما لنفسه من مال
الجزء: 7 - الصفحة: 33
الشركة، فإن أبي ذلك فقد ألزمه حكم كونها للشركة، وعلى هذا التقدير.
قال ابن القاسم: تتعين المقاواة، ويمتنع إبقاؤها للشركة، وهو مع قيد تخصيصه بالمفاوضة السلامة من مناقضته المشهور، وهو عدم لزوم المقاواة فيحمل المشور على عدم المفاوضة، وهذا على المفاوضة ففي لزوم تقديمها على وطئها، ثالثا: في شركة المفاوضة، ورابعها: لزوم بقائها مع غرم نقص وطئها إن نقصها لعياض عن أحد قوليها والمشهور وثاني قوليها، ونقله ابن رشد واللخمي.
وإن أصابها بإذن شريكه لزمته القيمة، ولو لم تحمل؛ لأنه تحليل.
قال: ولو اشتراها للتجر وليصبها، وشراؤها للتجر حسن، وعلم بذلك قبل الوطء لم يضمن الثمن، وربحها وخسارتها للشركة، وكذا إن اشتراها بغير إذن شريكه، وإن لم يعلم حتى وطئها لزمته قيمتها دون خيار، وكذا الجواب إن فعلا ذلك معًا، ولو حملت لزمت قيمتها وتمامها في أمهات الأولاد.
وفيها: ما اشترى أحدهما لطعامه أو لمنزله أو ما عرف أنه اشتراه لعياله من كسوة فلا شركة لصاحبه فيه.
باب في شروط شركة الأبدان
وشركة الأبدان: فيها مع غيرها: شرطها اتحاد صنعتهما ومكانهما.
وفيها: ولا يشترك حداد وخراز في حانون واحد وصنعة كل واحد غير صنعة صاحبه فلا خير فيه، وإن كان حملهما واحدا في حانوتين مفترقين فلا بأس به.
ابن رُشْد: لا وجه لقوله لا بأس به إلا أن يكون معناه أنهما يجتمعان معًا على أخذهما الأعمال، ثم يأخذ كل واحد منهما طابقه من العمل يذهب به لحانوته يعمله فيه لرفق له في ذلك لسعة حانوته واشنراحه أو قربه من منزله وشبه ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 34
عياض: تأول شُيوخنا ما في العتبية على تعاونهما في الموضعين أو أن نفاق السلعتين في الموضعين سواء، فيكون وفاقا للمدونة؛ لأن المقصود من وحدة المكان تقارب أسواقه ومتابعه، وشرطها إن لم تفتقر لآلة تقاربهما، والقدرة على العمل ومعرفته ووحدة العمل والمكان.
قُلتُ: خرج اللخمي ما في العتبية على القول بجواز استئجار الأجير على أن يأتيه بالغلة، وإن افتقرت لآلة كالكمد وصيد الجوارح وحمل الدواب ردت بشرط الاشتراك في الآلة بملك أو إجازة من غيرهما، ويجوز أن يؤاجر أحدهما نصف ألته بنصف آلة صاحبه وهما متساويان هذا ظاهر الكتاب، ولابن القاسم وغيره المنع في غير المتساوي بالملك والكراء من غيرهما، وإن لم يذكرا كراء، وتساويا فظاهر المدونة المنع، فإن وقع مضى وأجازه سَحنون، واختلف في تأويل قوله في الكتاب في ذلك، وخامس مشروطها كون عملها وقسمتها على قدر رؤوس أموالهما في العمل.
ابن رُشْد: أجازه ابن حبيب افتراق الأكرباء في البلد غن كانت الدواب مشتركة بينهم ليس بخلاف لابن القاسم.
قُلتُ: وقول أبي عبد الله الذكي في مسائله: لو اشترك قارئ وحاسب على أن يقتسما على قدر عملهما جرى ذلك على جميع الرجلين سلعتيهما في البيع، يرد بقوة الغرر في الشركة، لجهل قدر عمل كل منهما، وقدر عوضه والمجهول في السلعتين قدر العوض فقط، ولا يتخرج على قول اللخمي: لو اشترك حائكان بأموالهما أحدهما يتولى النسج والآخر يحسنه ويتولى الخدمة والبيع والشراء وقيمة عملهما سواء جاز؛ لأن معموليهما لا قيم إلا بعملهما معا كالشريكين في استخراج اللؤلؤ أحدهما يغوص، والآخر يفرق أو يمسك عليه.
وفيها: إن أخرج أحدهما ثلت رأس المال الآخر الثلثين على أن العمل عليهما جميعًا والربح بينهما نصفان لم يجز، وإن كان على قدر ما أخرج كل منهما يكون ربحه وعمله ووضعيته جاز، وإن تطاول احد القصارين على صاحبه بتابعه من الماعون لا قدر له في الكراء كقصرية ومدقة جاز، وإن تطاول أحدهما بما لا يلغى مثله لكثرته لم يجز.
الجزء: 7 - الصفحة: 35
وفيها: ما يقبل أحد شريكي الصنعة لزم الآخر عملة وضمانه، ويؤخذ بذلك إن افترقا.
ابن رُشْد: قال سَحنون: لا يضمن أحدهما ما تقبله الآخر، إلا أن يجتمعا على أخذه ولا يضمن أحدهما العمل عن صاحبه إلا أن يلتزما ذلك، خلاف قول ابن القاسم في الوجهين، فقول ابن القاسم في الصائغين، إن مرض أحدهما، أو غاب غيبة طويلة فعمل صاحبه في غيبته لا يكون به متطوعاً له، فعمله صحيح على أصله؛ لأنه عمل تحمل عنه بما لزمه من الضمان، فوجب رجوعه بقيمة عمله، وهو معنى قوله، وليس بخلاف قوله في كتاب الجعل والإجازة: إذا استأجر أجيرين لحفر بئر فمرض أحدهما وعمل الآخر أنه متطوع بعمله له إذ ليس أحدهما ضامناً عن صاحبه، وإنما تستوي المسألتان على قول سَحنون الذي لا يجعل بين الصانعين ضماناً، وقال: إن إحدهما ترد إلي الآخر، وقوله في مسألة الجعل: الحافر متطوع لرب الئر ليس بخلاف لقول ابن القاسم؛ لأنه حمل الإجارة على التعيين، تنفسخ بالموت والمرض، وحملها ابن القاسم على أنها مضمونة عليهما لا تنفسخ بالموت وتلزم في أموالها، ولا يختلفان فيمن يكون العامل متطوعاً له إن وقعت الإجارة مبينة في مضمون أو معين، وإنما يكون العامل متطوعاً في معين أو مضمون إن لم يحتج إلي الاستيجار على ذلك على ما قالوه فيمن حصد زرع غيره بغير إذنه.
وفيها: وإن أقعدت صانعاً في حانوت على أن تتقبل عليه المتاع، ويعمل هو والفائدة بينكما نصفين لم يجز.
باب شركة الوجه
ابن رُشْد: شركة الوجوه لا تصح، وفسرها بعض أهل العلم أن يبيع الوجيه مال الخامل بوجه بزيادة ربح ليكون له بعضه، وقال القاضي أبو محمد: هي أن يشتركا على الذمم دون مال ولا صنعة على أن ما اشترياه يكون في ذمتهما وربحه بينهما، وكلاهما لا يجوز.
الجزء: 7 - الصفحة: 36
وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لصاحبه اقعد بهذا الحانوت تبيع به، وأنا آخذ المتاع بوجهي والضمان علي، وعليه يفعلا فالربح بينهما على ما تعاملا عليه، ويأخذ أحدهما من صاحبه أجر ما يفضله به من عمل.
ابن رُشْد: مثله في عمله والربح تبع للضمان كما يتبع المال، وسمعه لو قال: له في ذلك، ولك نصف ما ربحت أو ثلثه لم يصح، فإن عملا بها دين في الحانوت أجر مثله في العمل والربح لمن أجلسه.
ابن رُشْد: لأن الربح تابع للضمان، وإذا كان من الذي أجلسه كان له الربح وأجر مثله؛ لأنه عمل على نصف الربح فيما باع، وهو غرر.
قُلتُ: وقال اللخمي: قال ابن القاسم في العتبيَّة: من شارك رجلاً، وقال: أتقبل عنك المتاع، وتعمل أنت وما رزق الله تعالى بيننا نصفين لم يجز.
اللخمي: فإن نزل ذلك، وتقبل أحدهما وعمل به الآخر بما تقبل به العامل، ولرب الحانوت أجر مثله فيما تولى من العقد مع الناس وأجر حانوته سواء دخل المتقبل منه على عمل هذا بعينه أو على مضمون.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم لابن القاسم، ثم إن اللخمي بعد ذكره هذا عن العتبيَّة ذكر عنه المسألتين الأوليتين، وقال: فرق بين السؤالين؛ لأنه قال في الأول: الضمان عليهما، وهو يقتضي أن الشراء على ذمتيهما، وقال في الثاني: لك نصف ما ربحت، ولم يجعل عليه من الخسارة شيئاً، وذلك يقتضي أن الشراء على ذمة المشتري وحده.
باب في شركه الذمم
وشركة الذمم: شركة فيها يتقرر في ذمتيهما مضمونا عليهما.
وفيها: ولا تجوز بالذمم بغير مال على أن يضمنا ما ابتاع كل منهما، كانا في بلد
الجزء: 7 - الصفحة: 37
أو بلدين.
اللخمي: إن اشتريا سلعة صفقة واحدة فهي بينهما على الجزء الذي اشتركا فيه، وما انفردا أحدهما بشرائه في كونه كذلك لشرائه بإذن صاحبه أو اختصاصه بمشتريه قولا ابن القاسم وسَحنون، والأول أحسن؛ لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه يجعل فاسد، وللبائع أخذ كل منهما بنصف الثمن إن حضرا موسرين وإلا فإن علم شركتهم وجهل فسادها فله أخذ الموسر الحاضر بكل الثمن، وإن لم يباشر بالشراء، وإن علم فسادها لم يأخذ أحدهما من الآخر، وإن جهل شركتهما فله أخذ متولي الشراء بكل الثمن وغيره بنصفه؛ لأنه ملك نصف سلعته.
قُلتُ: ولأَصْبَغ في سماعه كقول ابن القاسم.
وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لرجل: اشتر سلعة كذا، وأنا فيها شريكك لم أشرك فيها آخر، فللأول نصفها، ويخير الشريك الآخر في أخذ حظ من أشركه أو تركه.
ابن رُشْد: قوله: ليس للمشرك الثاني إلا نصف حظ من أشركه هو المشهور كما سمع يحيى من كتاب الشفعة على قياس قولها: فيمن اشترى نصف سلعة، وورث نصفها لا يبيع نصفها مرابحة حتي يبين؛ لأنه أن لم يبين وقع بيعه على ما ورث واشترى، وقيل: للمشرك كل حظ من أشركه، وهو دليل قولها في العتق الأول ... آخر مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وتقدم القول فيه.
قُلتُ: زاد فيه: إن قال يتخرج هذا الخلاف على اختلافهم فيمن باع نصف دار على الإشاعة وهى بينه وبين غيره، هل يقع بيعه على كل حظه أو على نصفه ونصف حظ شريكه.
وفي الموطأ قال مالك: من قال لرجل اشتر هذه السلعة بيني وبينك، وانقد عني، وأنا أبيعها لك؛ لا يصلح؛ لأنه أسلف على أن يبيعها له، ولو هلكت السلعة فلمن نقد الثمن أن يأخذ من شريكه ما نقد عنه.
الباجي: إن نزل ذلك فالسلعة بينهما وليس عليه حظ المسلف، وإن كان باعه فله أجر مثله في بيعه، ولو علم قبل النقد لم ينقد عنه، وهما شريكان، وفيه من وجبت له سلعة بابتياع، فقال له رجل: أشركني بنصفها وأبيع لك جميعها، كان حلالاً لا بأس
الجزء: 7 - الصفحة: 38
به وتجب.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم: إن اشتركا في سلعة معينة اشترياها لدين فلا بأس، وإن لم يكن لهما رأس مال، وإن قال: ما اشترى كل واحد منا بدين فنحن فيه شركاء، ولا مال لهم لم يعجبني.
أَصْبَغ: إن وقع ونفد ضمناه، وفسخت الشركة بينهما.
ابن رُشْد: مثله فيها، ولا خلاف أنهما إن اجتمعا في اشتراه سلعة معينة بدين أنه جائز وهما شريكان فيها، وإن لم يكن لهما مال وكل منهما ضامن عن صاحبه إن شرط البائع وإلا فلا.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من وقف علي وهو يشتري سلعة لم يتكلم، فلما تم البيع قال: أنا شريكك فهو شريكه، فإن أبى ألقى في السجن حتي يفعل إن اشتراها ليبيعها، ولو اشتراها لمنزله أو ليخرج بها لبلد آخر لم يكن عليه فيها شرك، ونحوه في نوازل أَصْبَغ من جامع البيوع.
قال ابن رُشْد في القضاء لأهل الأسواق بالشركة فيما ابتاعه بعضهم بحضرتهم للتجر على غير المزايدة: رفقا بهم، وهو مذهب مالك، وتبعه عليه كل أصحابه.
وفي قصرها على الطعام وعمومها في غيرها من دابة وسلعة رواية أشهب وقول ابن حبيب مع أَصْبَغ، وسماعه ابن القاسم.
وفي كون ذلك فيما بيع بالسوق فقط، وفيه وفيما بيع بالطرق والأزقة وغيرها، إلا ما اشتراه في حانوته أو داره قولا أَصْبَغ وابن حبيب.
وفي خصوص وجوب الشركة لأهل تجر تلك السلعة وعمومه فيه.
وفي كل ذي ثمن قولا أَصْبَغ مع ابن حبيب وابن الماجِشُون، وحيث تجب لهم لا تجب عليهم إن أبوا ولو قالوا له وهو يسوم تشركنا في هذا الطعام، فقال: نعم، أو سكت لزمهم ولو قال: لا لم تلزمه شركته؛ لأنه أنذرتهم ليشتروا؛ لأنفسهم لا، ولو قالوا له وهو يسوم أشركا: واشترا علينا فسكت وذهبوا ثم اشترك بعدهم لم يلزمه شركتهم وحلفه اشترى عليهم ولا أشركهم، ولو طلبهم بالشركة لتلف السلعة أو خسارة ظهرت لزمهم لسؤالهم، ولو قال لهم: نعم لزمته ولزمتهم، وكذا ما اشتراه من غير سوقه، ولو كان
الجزء: 7 - الصفحة: 39
يوقف به من غير أهل التجر فيه.
وفي نوازل أَصْبَغ: لو قال: قال لم حضره لم أشترها لتجر بل لأكل الطعام أو لحرمة في الرقيق أو لركوب في الدواب أو للبس في الثوب صدق، إلا أن يدل على كذبه كثيرة المشترى مما يعلم أنه لا يشترى به إلا التجر.
ابن رُشْد: يريد: يصدق مع يمينه.
وفي ثبوتها بجميع مالكي سلعتين إياها في بيعها من ثمنها المماثل صفة وأجلاً يكتبهما في كتا واحدٍ نقلا الصقلي عن ظاهرها، والشَّيخ عن المذهب، ورد ابن عبد السلام احتجاج الصقلي بأنه لو كان تفريق كتبهما ما هو شركة بينهما في كتابين لدفع شركتهما، وجب كون جمعهما في كتاب واحد يوجب شركتهما بأن جعله موجباً لها يلزم منه بيع الدين بالدين بخلاف كونه بائعاً، يرد: بأن تماثل الثمنين المذكورين ينفي تقرر البيع بينهما لعد اختصاص أحدهما بجزء منهما لما تقدم من الفرق بين إجازة شركتيهما بذهب رفضة من كل منهما، ومنع سلمها بيع إردب قمح، وإردب شعير بمثليهما، وإن ادعى أحد شريكي ما لا ينقسم لإصلاحه أمر به، فإن أبى ففي جبره على بيعه ممكن يصلحه، أو بيع القاضي عليه من حظه يقدر ما يلزمه من العمل فيما بقي من حقه بعد ما بيع عليه منه، ثالثها: إن كان ملياً جبر على الإصلاح وإلا فالأول لابن رُشْد عن سماع يحيى ابن القاسم في كتاب السداد، ومالك في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب الأقضية مع دليل قولها في كتاب القاسم وسَحنون قال: بناء على جواز البيع بشرط بالإصلاح، وهو قولها ومنعه مطلقاً وجوازه عند الضرورة.
ابن الحاجب: والمشرك مما لا يجب، وينقسم يلزمه أن يعمر أو يبيع، وإلا باع الحاكم بقدر ما يعمر.
قُلتُ: ظاهرة أن هذا يبيع القاضي عليه بقدر ما يعمر اختص بنقله للمؤلف وهو قصور عن إدراك ما تقدم في الأسمعة المذكورة، وعزو ابن رُشْد الثاني لدليل قسمها لا أعرفه؛ بل مقتضى أخذه من بأن بيع كل حظه ممن يشترط عليه الإصلاح منها؛ لأن البيع بشرط الإصلاح لما وقع فيها في مسألة العلو والسفل، وما نقله ابن الحاجب عن المذهب خلاف الأقوال الثلاثة لابن رُشْد، وهذا؛ لأن القول ببيع بعض حظه إنما وقع في السماع،
الجزء: 7 - الصفحة: 40
وذكره ابن رُشْد مرتباً على إبابته من الإصلاح فقط لا عليه مع إبايته عن بيعه ممكن يصلح، وهو نقل ابن الحاجب مرتب عليهما فهو إذن قول رابع فتأمله، وفي إجراء ابن رُشْد مرتاً على إبايته من الإصلاح نظر؛ لأن بيع حظه أذن بسرط إصلاح المبتاع تناقض؛ لأنه بجويز للبيع بشرط الإصلاح على منع بشرط الإصلاح، فإن لا يشترط أدى لك إلي قاء الضرر لأجله وجب البيع، وسمع يحيى ابن القاسم: إن ادعى بعض اشراك في كرم سقطت حيطانه وخيف عليه الفساد لإصلاحه، وأبى بعضهم، فإن كان حظ كل منهم معيناً له لم يلزم الآبى إصلاح، وإن كان مشاعاً جبر على قسمه من أباه، فإن كان به ثمره وترك إصلاحه يضر بها جبر الآبي على تحصينه أو ببيع ممكن يحصن الثمرة إن طابت وإلا جلهم أن يحصنوا ويتبعوه بمنابه من التحصين في حظه من الثمرة.
ابن رُشْد: ظاهره إن طابت الثمرة فلم يف حظه فيها بمناب إصلاحه أنه لا يلزمه أكثر من تسلمه حظه فيها لهم، والأظهر لزوم بيعه حظه حينئذ منها، ومن الأصل وإلا سلمها لهم، وظاهر قوله: إن أبى ولم تطب الثمرة أنه لا يلزمه أكثر من تسليمهم حظه من الثمرة، والقياس أنه إن لم تطلب الثمرة لزمه التحصين معهم أو بيع حظه من الثمرة، والأصل ممن يحصن معهم، وكذا سماع ابن القاسم من كتاب السداد.
وفيها: إن سقط العلو على الأسفل يهدمه، خير رب الأسفل على أن يبني أو يبيع لمن يبني.
اللخمي: قال سَحنون: إنما يجوز البيع بشرط الإصلاح إن كان البائع لا مال له، وإلا لم يجز؛ يريد: ويجبر على الإصلاح.
قُلتُ: ابن القُصَّار: يجبر مطلقاً إلا أن يختار رب العلو بناء من عنده، ويمنع رب السفل من النفع به حتي يعطيه ما أنفق، وأرى أن يخير رب السفل في بنائه أو بيعه ممن يبني أو يمكن رب العلو من بنائه إن رضي على أن يشتركا فيه بقيمة كراء القاعة، وقيمة كراء البناء إلا أن يعطيه بعد ذلك قيمة البناء قائماً يوم يأخذه، وإن كان سبب الأنهدام وهاء العلو، ففي ضمانه خلاف، وضمانه أحسن، ولو قدم إليه فلم يفعل ضمن اتفاقاً، وكذا
الجزء: 7 - الصفحة: 41
إن كان الانهدام بوهاء السفل ورب العلو حاضر، ولم يقدم إليه أو كان غائباً، وإذا وهى السفل ففي تعليق العلو مدة صلاح السفل اختلاف، والأولى على رب العلو.
وللصقلي عن ابن شعبان: إلا أن يرد هدمه من غير حاجة.
قُلتُ: ظاهره جواز هدمه من غير حاجة.
وفي النوادر لابن سَحنون عنه، وهو لأشهب: إن إراد رب السفل هدمه وأراد رب العلو أن يبني علوه فليس لرب السفل هدمه إلا من ضرورة ككون معدمه أرجف لرب العلو لئلا ينهدم، ويكون ذلك سبباً يفسد عليه طوبه وينهدم بانهدامه العلو وحكى القولين فيما يكون عليه التعليق.
أبو عمران: وعزا لابن القاسم أنه على رب العلو.
وفي النوادر من كتاب نفي الضرر من العتبيَّة عن ابن القاسم عن مالك: بتعليق العلو الناشئ على صاحب الأوسط.
وفي العتبيَّة: قال سَحنون: إذا خيف على حيطان السفل فليهدمه ربه، وعليه تعليق العلو.
وروى ابن القاسم في المجموعة: إن كان لرجل منازل بعضها فوق بعض فانهدمت فليبن الأسفل منزله، ثم يبني كل واحد منهم منزله؛ يريد: إلا أعلاهم له أن يترك.
وسمع ابن القاسم في كتاب الأقضية في رجلين بينهما منزل لأحدهما علوه وللآخر سفله فانكسر السقف الأدنى بسقف البيت قال: على رب الأسفل إصلاح خشبه، وجريده.
ابن رُشْد: مثله فيها ولا خلاف فيه.
وفي النوادر ما نصه: ون كتاب ابن عبد الحَكم عن ابن القاسم قُلتُ: على من السلم، فإن رب السفل قال: ليس هو علي، قال: هو بينهما على رب السفل إن كان له علو أن يبلغ به علوه، ثم على رب العلو لا على ما أدرك العلو الأول إلي علوه، وأعرف لبعض أصحابنا على رب السفل بناء السلم إلي حد العلو، فإن كان ثَم علو آخر فعلى رب العلو الأول من بناء السلم من حد علوه إلي مبلغ سقف علوه الذي عليه علو الآخر.
ابن عبدوس: إن احتاج رب السفل أن يرم سفله لعلو الطريق عليه، وضاق مدخله
الجزء: 7 - الصفحة: 42
يجبر رب العلو على أن يجبر ويرفع علوه في هواه وبنائه بثمن يدفعه له، وإن احتاج من يجري قناة جاره عليه لرفع داره لعلو الطريق عليه ورفعه يضر بالأول، له ذلك، ويقال لصاحبه: ارفع إن شئت وإلا فلا شيء لك.
قال ابن اللباد: القياس أنه ليس له رفع داره إلا بطوع من الأول.
الشَّيخ: إنما هذا إن كان للماء منفذ في الزقاق بإصلاح يسير وإن تفاحش، فالقول قول ابن عبدوس.
ولابن سَحنون عنه، وهو لأشهب: ليس لرب العلو أن يبني على علوه شيء شيئاً لم يكن إلا ما خلف مما لا يضر رب السفل، فإن بنا مضراً قلع، ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لم يكن له إدخال خشبة أثقل منها.
وسمع أَصْبَغ أشهب: باب الدار على رب السفل.
وفي كون كنس مرحاض بالسفل يسقط فيه فضلة رب العلو على رب السفل أو عليهما بقدر عدد الجماجم.
نقلا ابن رُشْد في رسم باع شاة من سماع أَصْبَغ من جامع البيوع عن سماع أشهب لأَصْبَغ، وقول أَصْبَغ مع ابن وَهْب، وعليهما الخلاف في كنس كنيف الدار المكراة، قال أشهب: على ربها، ورواه ابن جعفر، وسمع أبو زيد ابن القاسم على المكتري على قياس قول أَصْبَغ وابن وَهْب، وفيها دليل القولين.
قُلتُ: وزاد الشَّيخ، وقال لنا أبو بكر عن محمد: إن كانت رقبة البئر لرب السفل فالكنس عليه، وإن كانت لرب العلو في رقبة البئر ملك، فالكنس عليهما على قدر الجماجم.
الشَّيخ: خرج على قول ابن القاسم وعلى قول ابن وَهْب: إنما على قول ابن القاسم: فإن كان لرب العلو ملك في البئر فعليه بقدر ملكه، وابن وَهْب: لا يسأل عن الرقبة، ويجعل الكنس على من انتفع.
وأخذ بعض متأخري أصحابنا ممن ولي الحكم بقول ابن وَهْب: إن كانت البئر محفورة في الفناء، وإن كانت البئر محفورة في رقبة الدار فالكنس على من له رقبة الملك.
وسمع أَصْبَغ أشهب: كنس تراب قاعة السفلى على رب السفل.
الجزء: 7 - الصفحة: 43
أَصْبَغ: مما لم يطرحه رب العلو وليس له أن يطرح فيها شيئاً حتي يجتمع، وقاله أشهب، إلا أن يكون له شرط في القسم في الاتفاق بقاعة السفل.
الشَّيخ: والقول في مرحاض بين دارين كالقول في العلو والسفل فيمن له رقبة البئر أو ليست له.
وفي نوازل عيسى من كتاب السداد: لو تهدمت رحابين نفر أنفق فيها بعضهم فلما تمت قال: من لم يعمل هذا نصف ما أنفقت وأنا على حظي فله ذلك، ولو كان المنفق اغتلها فاختلف فيه.
قال محمد بن إبراهيم بن دينار: للمنفق بقدر ما أنفق، وقدر حظه قدر إنفاقه، ولمن لم يعلم بقدر ما كان بقي من قاعتها وسدها وحجارتها، وما كان فيه من إصلاح.
وقال ابن القاسم: مرة كل غلتها للعامل كاختصاصه بماء البئر يذهب ماؤها، ويأبى شريكه الإصلاح فيصلحها.
قال عيسى: وبهذا رأيت ابن بشير يحكم.
ثم قال ابن القاسم: في الرجل يحاصه بما اغتل فيما أنفق، ولو كان اغتل كلما أنفق رجع هذا بحظه دون غرم.
قال عيسى: فالذي أخذ به أن كل الغلة للعامل، وعليه لمن يعمل كراء حظه من القاعة، وما بقي فيها من العمل، فإن أراد الدخول معه فيما بنا دفع له ما ينوبه من قيمة العمل الذي في الرحا يوم يدخل معه، لا يوم عمله، ولا قدر ما ينوبه من النفقة إلا أن يكون ذلك بحدثانه.
قال: وقال ابن وَهْب: كابن دينار للعامل من الغلة بقدر ما أنفق، وحظه فيها، وللآخر بقدر حظه فيه، فإن كانت قيمتها غير معمولة عشرة، وبعد العمل خمسة عشر، فثلث الغلة للعامل وثلثها بينهما، وعلى الذي لم يعمل منابه من أجر العمل في قيامه بعلمها، فإن أراد الذي لم يعمل الدخول في الرحا لم يعمل منابه من قيمة الرحا يوم يدفع له ذلك.
وقال يحيى بن يحيى: مثله كله وبه أخذ، وسمعت ابن القاسم يقول غيره.
ابن رُشْد: قول محمد بن إبراهيم ظاهره أن الغلة تفضي على منتهى نفقته، وقيمة ما
الجزء: 7 - الصفحة: 44
كان له من أصل الرحا، وعلى قيمة ما كان لمن لم يعلم من أصل الرحا، فإن كانت النفقة غير مضمونة فإن كانت عشرة، وقيمتها بعد العمل خمسة عشر كان للعامل ثلثا الغلة لمن لم يعمل الثلث، إذ لو أراد ذلك لقال: يكون للعامل من الغلة بقدر ما زادت نفقته في الرحا، وبقدر ما كان له فيها، وقول عيسى ابن دينار: إن أراد.
من لم يعمل الدخول مع الذي عمل دفع منابه من قيمة العلم قيمته يوم يدخل معه لا يوم عمله، ولا قدر ما ينوبه من النفقة التي أنفق إلا أن يكون ذلك بحدثانه مفسر لقول ابن القاسم: أن كل الغلة للعامل، ولم يبين حكم قيامه بحدثانه، وفيه قولان قائمان من المدَوَّنة، أحدهما: إعطاه منابه من مبلغ النفقة، والثاني: منابه من قيمة النفقة، إذ قد يغير في استئجار الإجراء، وما ابتاع من متاع الرحا، ولو أراد الدخول بعد أن يلي البنيان لم يلزمه إلا منابه من قيمته على حاله اتفاقاً، وتفسيره أن يقال كم قيمة الرحا على ما هي عليه من قدم بنائها، وكم كانت تكون قيمتة اليوم لو كان بناؤها جديدً فينقص ما بين القيمتين مما أنفق أو من قيمة النفقة على ما مر من الخلاف، فما بقي عليه مما ينوبه منه، وقيل: ذلك راجع إلي أن يكون عليه منابه مما زادت قيمة الرحا من البناء على ما هو عليه بأن تقوم خربة، وعلى ما هي عليه فيكون عليه منابه مما بين القيمتين إلا أن يكون أكثر من قيمة ما أنفق، ولا يكون عليه أكثر من قيمة ما أنفق، وكذا حكى ابن حبيب عن مُطَرَّف أن عليه الأقل من قيمة البناء أو قيمة ما أنفق، ولا خلاف أنه لا يلزمه أكثر مما أنفق، فليس قول عيسى بخلاف لقول ابن القاسم الأول إلا فيما ذكر أنه يكون عليه كم لم يعمل كراء حظه من القاعة؛ لأن ابن القاسم لا يرى عليه في ذلك كراء؛ لأن الرحا مهدومة لاكراء لها، إنما صار الكراء ببنيانه، وقول عيسى أظهر؛ لأن الكراء فيها موجود ففي محاصة بالنفقة وعدهما ثالثها: إن تهدمت لم يحاصص، وإن كانت قائمة فانحرف بئرها فتعطلت حاصص لقولي ابن القاسم في السماع، وقوله في المبسوط وعلى عدم المحاصة ففي كون الغلة للعامل إلا أن يريد الآخر الدخول معه، ولا كراء عليه في حظ الآخر، أو مع غرمه الكراء، ثالثها: بينهما بقدر حظ العامل من الرحا على ما كانت عليه، وقدر حظ العامل منها، وقدر عمله على الاختلاف في تأويله لابن القاسم وعيسى، وسكت عن عزو الثالث.
الجزء: 7 - الصفحة: 45
قلت: لا يخفى على من فهم هذا التفصيل إجمال نقل ابن الحاجب، وإذا انهدمت الرحا المشتركة فأقامها أحدهم، فإن أبى الباقون فعن ابن القاسم الغلة كلها لمقيمها، وعليه أجرة نصيبهم خرابا، وعنه أيضا يكون شريكا بالغلة بما زاد بعمارته، فإن كانت قيمتها عشرة، وبعد العمارة خمسة عشر فله ثلث الغلة بعمارته، والباقي بينهم، ثم من أراد أن يدخل معه دفع ما ينوبه من قيمة ذلك يوم يدفعه، وقيل: الغلة بينهم ويستوفي منها ما أنفق، وفيها مع غيرها منع أحد الشريكين مجرد الملك، يعني: تصرفه فيه دون إذن شريكه؛ لملزوميته التصرف في ملك الغير بغير إذنه.
الشيخ لابن حبيب عن الأخوين: ليس لأحد مالكي جدار أن يحمل عليه ما يمنع صاحبه من حمل مثله إن احتاج إلا بإذنه، وإن كان مما لا يصنع صاحبه من حمل مثله إن احتاج إلا بإذنه أن يحمل عليه مثله كحمل سقف بيت أو غرز خشب فذلك له، وأن يأذن له.
وفيها: أيقسم الجدار إن طلب قسمه أحد الشريكين.
قال: لم أسمع فيه شيئا وأرى إن لم يدخل فيه ضرر، وكان ينقسم أن يقسم، وإن كان لكل واحد عليه جذوع لم يقسم وتقاوماه.
الصقلي لابن حبيب عن الأخوين: لا ينقسم إلا عن تراض مجردا كان أو حاملا.
اللخمي: قال ابن القاسم: إن لم يكن فيه ضرر.
أشهب: لا يقسم وتقاوماه.
الصقلي: لابن حبيب عن الأخوين: لا يقسم إلا عن تراض مجردا.
قول ابن القاسم: إن كان عليه جذوع تقاوياه غير بين؛ لأن الحمل عليه لا يمنع قيمة كالعلو والسفل، وأرى أن يقسم طائفتين على أن من صارت له طائفة فهي له، والآخر فيها الحمل، وإنما تصح المقاواة على إن صار له الحائط فللآخر فيه الحمل، وإن جارت على هذه الصفة فقسمته أولا.
قلت: ظاهر قول ابن القاسم أنهما يتقاومانه كما لا ينقسم من العروض والحيوان أنه لا حمل فيه على من صار له.
قال: وصفة قسمه إذا كان جاريا من المشرق إلى المغرب أن يأخذ أحدهما طائفة مما
الجزء: 7 - الصفحة: 46
يلي المشرق، والآخر طائفة مما يلي المغرب لا أن يأخذ أحدهما ما يلي القبلة، والآخر مما يلي الجوفية؛ لأن ذلك ليس بقسمة إذ كل ما يضع أحدهما عليه ثقله، ومضرته على كل الحائط، إلا أن يقتسماه على مثل أن يكون أرضه شبرين يبني كل منهما على أعلى شبر مما يليه لنفسه فيكون قيمة الأعلى، وجملة الحائط على الشركة الأولى أو يقسمانه بعد انهدامه، فيأخذ كل واحد من أرضه حظه مما يليه.
قلت: فصفة قسمه عند اللخمي أن يقسم طولا لا عرضا، وقال أبو إبراهيم: ظاهر المدونة: قسمه طولا لا عرضا لقوله وكان ينقسم
قال: وأما عرضا فينقسم، وإن قل.
ابن فتوح: قال أحمد بن سعيد: صفة قسمه أن يقسم بخيط من أعلاه لأسفله فيقع جميع الشطر وجميع الشطر الواحد لواحد إلا أن يتفقا على قسمه عرضه على طوله.
وقال محمد بن أحمد،: قال عيسى بن دينار يقسم عرضا، يأخذ كل واحد نصفه لا ثلثه إن كان عرضه شبرين أخذ كل منهما شبرا مما يليه، ولا تصلح القرعة بمثل هذا، وابن القاسم رأى القرعة فيرسم كل بالصفة، وينزع بينهما فيكون لكل واحد حظه لناحيته، ولا تصلح القرعة فيه إلا كذا، والحائط بين رجلين يخاف سقوطه إن طلب أحدهما إصلاحه، وأبى الآخر.
ففي النوادر أجاب عنه لشجرة سحنون بقوله: بعض أصحابنا يرى أنه لا يجبر، وبعضهم يرى جبره أن يصلح أو يبيع ممن يصلح.
قلت: ظاهر ما يأتي لابن رشد أن الثاني هو المذهب، ومثله أيضا في النوادر قال: وروى ابن القاسم في المجموعة: يؤمر الآبي منهما أن يبني مع صاحبه.
قال: ولابن عبدوس عن ابن كنانة لا يجبر أحدهما على بنائه، ومن شاء منهما ستر على نفسه.
وقال ابن القاسم: يقال لمن أبى منهما: إما أن تبني أو تبيع ممن يبني أو تقاسم، ولابن حبيب عن ابن الماجشون: يجبر الآبي على البناء، وإن طلب قسم موضع الجدار فليس له ذلك، وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب الأقضية: من له حائط، وهو ستره على جاره ليس له هدمه إلا لوجه يرى ألا يلتمس به ضررا.
الجزء: 7 - الصفحة: 47
ابن رشد: يتحصل في حكم بنائه إن انهدم أربعة، سمع عيسى ويحيى ابن القاسم إن سقط بسماوي أو بهدم خوف سقوطه لم يلزمه بناؤه مطلقا، وقيل لجاره: استر على نفسك إن شئت، وإن هدمه ليجبره، أو لمنفعة أجبر على بنائه إن كان له مال، وإلا فلا، وإن هدمه ضررا لزم بناؤه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع ممن يبنيه كالحائط بين الشريكين، ولابن حبيب عن الأخوين يجبر مطلقا كالحائط بين الشريكين وهو ظاهر قول سحنون في هذا السماع يجبر على كل حال، ولابن الماجشون في الثمانية كهذا، إلا أنه إن لم يكن له مال بيع من داره ما يبني به، فإن كانت بيده صدقة أو عمره ما فلصاحبه بناؤه وإتباعه دينا في ذمته.
ابن رشد: معناه عندي إن لم يسلم كراؤها لذلك، ورابعها قول أصبغ وروايته: لا يلزمه شيء على كل حال، وله هدمه وجعله عرضا.
قال ابن الحاجب: لو هدم الجدار أحد الشريكين، وفيه ضرر لزمه رده كما كان.
قلت: هو نص الروايات في هذا الباب.
وقال ابن عبد السلام: انظر هل يدخله الخلاف المذكور فيمن هدم حائط رجل أو داره تعديا، هل يلزمه أن يعيده على هيئته التي كان عليها؟ أو قيمة البناء قائما على الأصل في حكم إتلاف ما ليس بمكيل ولا موزون.
قلت: الأظهر عدم تخريج القول بالقيمة؛ لأنه قصد الضرر بإتلافه عين الجدار من حيث كونه جدارا لا بحيث كونه ممولا بدليل أنه أتلف ملكه فيه يوجب معاملته بنقيض مقصوده، وهو إلزامه إعادته وإتلافه الأجنبي لا دليل يدل على أنه أتلفه في هذه الحيثية إذ لا ملك له فيها.
قال سحنون: ما ثبت في النجم أو في الحبس بين أرضين من زرع أو غيره فهو بينهما، ولو اختلفت الزريعة.
ابن عات: قال غيره: وكذا الشجر، فإن غرس أحدهما فيه شجرة فله نصفها ونصف قيمتها مقلوعا.
وفي النوادر لابن سحنون عنه في جواب ابن حبيب: من أراد أن يجير حائطه من دار جاره ليس له منعه أن يدخل داره فيمن حائطه، وكذا لو رفعت الريح ثوب رجل فما نعته
الجزء: 7 - الصفحة: 48
في دار آخر لم يكن له منعه أن يدخل فيأخذه أو يخرجه له.
وفي طرر ابن عات: المشاور لمن له حائط بدار رجل الدخول إليه لافتقاده كمن له شجرة في دار رجل.
ابن فتوح: من ذهب لغير حائطه من ناحية دار جاره فمنعه من ذلك، فإن كان الحائط يحتاج إلى الطر كان له ذلك، وإن لم يحتج جاز له منعه.
قلت: وهذا كالمخالف لقول المشاور له الدخول لافتقاده.
ابن عات: وقيل: ليس له ذلك؛ لأن الطر يقع في هوى جاره، إلا أن ينحت من حائطه، ما يقع عليه الطر، ومن أراد أن يطر داخل داره وبجداره حائط ولجاره فيها فمنعه من ذلك لم يكن له ذلك؛ لأن له فيه نفعا ولا مضرة على جاره.
مسلم: عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا يمنع أحدكم أن يغرز خشبة في جداره"، ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم، وخرجه مالك في الموطأ.
وقال أبو داود: إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه.
أبو عمر: روى إذا استأذن أحدكم جاره، وروي من سأله، والمعنى واحد.
قال يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب: سمعت من جماعة (خشبة) بلفظ الوحد.
الباجي: قال عبد الغني: كل الناس يقولون (خشبة) على الجمع غير الطحاوي قاله على التوحيد، والمعنى واحد.
أبو عمر: حمله مالك على الندب؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه".
الباجي: روى ابن نافع أنه على معنى الوصية بالجار، وكان ابن الطيب يقضي به عندنا، وأراه على وجه المعروف، وإني أظنه لفي شك.
الجزء: 7 - الصفحة: 49
وقال ابن القاسم: لا ينبغي منعه، ولا يقضي به عليه.
وقال الشافعي وأحمد: هو على الوجوب إن لم يكن بذلك مضرة بينه، على رب الجدار، ويأتي على رواية زياد بالقضاء بالممر في أرض الرجل لجاره إن لم يضر به أن يكون في الجدار مثله، ويحمل الحديث على ظاهره ابن زرقون، وابن رشد، وقال ابن كنانة مثل الشافعي.
الباجي: وعلى قول مالك في لزومه له بمجرد إذنه ظاهر قول الأخوين، وابن القاسم وأشهب لمن أباح البناء في عرصته لرجل منعه قبل بنائه.
قال: وقال الأخوان: كلما طلبه جاره من فتح باب أو إرفاق بماء وطريق وشبهه، فهو مثل الغرز.
وفي جواز غرز جار المسجد أو الجامع فيه خشبة كغير المسجد، ومنعه فتوى ابن عات مع نقله عن الشيوخ، وفتوى ابن العطار وابن مالك ابن عات عن المشاور: ومن أراد أن يغلق بيتا في داره على حائط على جاره فله ذلك إن لم يضر بجاره، ولا يمنع، واختلف في التعليق على جدار المسجد والجامع كاختلافهم في الغرز.
وسمع ابن القاسم: من له خشبة في جدار رجل أدخلها بإذنه فوقع بينهما شحناء، فقال له: أخرج خشبتك من جداري، لم يكن له ذلك على وجه الضرر، فإن احتاج لجدره لهدمه أو لنفع به فهو أولى.
ابن رشد: ومثله سمع أشهب في كتاب العرية.
وقال في المدونة وغيرها: لمن أذن في بناء بأرضه أو غرس أن يأمره بإخراجه ويعطيه قيمة ما أنفق، فقال ابن لبابة وابن أيمن من الشيوخ: أنه اختلاف قول.
وقال سحنون: إنما فرق بينهما لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يمنعن أحدكم جاره"، الحديث.
يريد: لقول من حمله على الوجوب، ولابن حبيب روى الأخوان: ليس له إخراجه ولا هدم الجدار، ولو طال الزمان واحتاج إليها ولا وارثه ولا مبتاع إلا أن ينهدم، فإن أعاده
الجزء: 7 - الصفحة: 50
بعد هدمه فلا حق فيه للمعار إلا بإذن مستأنف، وكذا كل ما أذن فيه، وفيه عمل وإنفاق، وكذا الإذن في ماء بير أو عين لمن ينشئ عليه عملا أو غرسا، ولو شرط الرجوع متى شاء بطل الإذن قبل العمل، وبطل الشرط بعده، وما لا عمل فيه ولا كبير إنفاق كفتح باب أو طريق بأرض أو ماء لسبقه اشتفت أو لسقي شجر أنشئت قبل ذلك، فذهب ماؤها فله الرجوع فيمن أذن فيه إن لم يكن يحده بأجل فيلزمه بتمامه أو يكون المأذون له باع، وشرط لمبتاعه ما أذن له فيها فعلم الإذن فيلزمه، وقالوا فيمن أذن لرجل أن يسوق على أرض براء له، وللإذن لا رجوع له، وإن لم يتكلف المأذون له نفقة لإلزام عمر بن محمد بن مسلمة ذلك لعبد الرحمن بن عوف، واختار هذا ابن حبيب، وحكى عن أصبغ أن له الرجوع فيما أذن فيه ولو فيما تكلف فيه عمل، وإنفاق إن أتى عليه من الزمان ما يعار لمثله عادة، إلا من أذن له في غرس على مائة فليس له قطعة بعد غرسه.
قال: وهو على مذهب ابن القاسم فالأقوال ستة الآتي على قول ابن لبابة، وابن أيمن: لا رجوع للآذن إلا أن يحتاج، ولا رجوع وإن احتاج، والرجوع ولو لم يحتج، ويغرم للمأذون له فيما عمل قيمة نفقته، رابعها: قول أصبغ، وخامسها: الفرق بين غرز الخشبة وغيره لحديث: "لا يمنع أحدكم ... "، وسادسها: الفرق بين ما تكلف المأذون له فيه نفقه ومالا، والاختلاف إنما هو في الإذن المبهم غير المصرح فيه بهبة ولا عارية، ويختلف إن غرس على مائة، وهو ساكت، ثم أراد قطعه، قيل: ذلك له بعد حلفه أن سكوته لم يكن رضى، وقيل: سكوته كالإذن فيجري على الاختلاف فيه.
قلت: وفي الكلام عليها في العارية زيادة، وإن تنازع جاران في جدار بينهما عمل على البينة، فإن عدمت فدليل البناء السالم عن المعارض، فإن عدم قسم على أصل التداعي العاري عن مرجح، والدليل في ذلك من أعلاه فقط، ولابن سحنون عنه لو كان حائط فوق آخر، وكل منهما لمن عنده إليه.
سحنون: ولو كان الكراء المعدة للرفع فيها مبينة مع أصل الحائط من جهة مدعيه غير نافذة.
ابن القاسم وغيره: لو كان محل خشب مدعيه عليه.
الجزء: 7 - الصفحة: 51
ابن عبد الحكم: ولو خشبة واحدة.
في كتاب ابن سحنون: إن كان لأحدهما محل خشب ولا عقد فيه لأحدهما فقد اختلف قوله فيه.
سحنون: وكذا بابه في حوزه والكوى النافذة للضوء.
ابن سحنون: ووجه كون البناء لأحدهما وظهره للآخر لغو.
ابن فتوح وغيره: بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حذيفة بن اليمان لرؤية معاقد الحيطان وقضى بذلك، ونقله ابن عبد السلام وقبله، ولا ينبغي.
قال عبد الحق: ذكر البزار من حديث مرهم بن مهران عن عمران بن جارية عن أبيه أن قوما اختصموا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في خص، فبعث حذيفة بن اليمان يقضى بينهم، فقضى به للذي يليهم القمط، فلما رجع للنبي (صلى الله عليه وسلم) أخبره، فقال: أصبت أو أحسنت.
قال عبد الحق: دهثم متروك الحديث، وتعاض المتماثلين يسقطهما.
ابن سحنون: علته لو كان عقده إلى أحدهما من ثلاثة مواضع، وعقده للآخر من موضع واحد، فهو بينهما على عدد العقود، ولابن القاسم وسحنون: إن كان لأحدهما عشر خشبات وللآخر سبع، فهو بينهما ليس لأحدهما زيادة خشبة إلا بإذن صاحبه، فإن أبى أحدهما قيل له: بع ممن يبني إن سقط البناء.
الشيخ: يعني: بع دارك لا الحائط، فقط.
وفي المجموعة، وكتاب ابن سحنون عن أشهب، إن كان عقده لأحدهما وللآخر عليه جذوع فهو لذي العقد، ولذي الجذوع موضع جذوعه إن انكسرت خشبة فله جعل أخرى مكانها، وقاله ابن عبد الحكم.
أشهب: إن كان لأحدهما عليه عشر، وللآخر خمس فهو بينهما نصفان لا على العدد.
سحنون: قال أصحابنا: ولو كان لأحدهما عليه خشبة واحدة، وللآخر عشر فهو
الجزء: 7 - الصفحة: 52
بينهما نصفين.
ابن شعبان: وقيل: ليس هو بينهما نصفين، بل لكل واحد ما تحت خشبه، وبالأول أقول.
وقول ابن الحاجب: ويجلس الباعة في الأفنية للبيع - إلى قوله -: جائز بغير إذن، الكلام عليه المذكور في أثناء إحياء الموات، لقوله: ولا تحاز الشوارع بالبنيان، ولا يمنع الباعة منها، وعند قوله قبله: وحريم الدار المحفوفة بالموات، وقول ابن الحاجب هنا: والروشن وشبهه، والساقط مردود بالروشن الأجنحة، وهو قولها في كتاب القسم: من صارت الأجنحة في حظه فهي له، ولا تعد من البناء، وإن كانت في هوى الأفنية، وفي الصحاح الروشن: الكوة.
قال: والطريق المستدة الأسفل كالملك لأرباب دورها.
قال ابن هارون وابن عبد السلام: يعني أن الطريق المستدة لا يحدث أحد من أربابها فيها، ولا سباطا إلا بإذن الباقين، وقبلاه، ولا أعرفه لأقدم من أبي عمر بن عبد البر حسبما هو مذكور في إحياء الموات، وظاهر سماع أصبغ في الأقضية خلافه، ولم يقيده ابن رشد بالطريق النافذة فتأمله، وفي حريم البئر استيفاء ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 53