المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب الإجارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الإجارة: بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة، ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض كتبعيضها، فيخرج كراء الدور والسفن والرواحل

الجزء: 8 - الصفحة: 159

والقراض والمساقاة والمغارسة والجعل، وقول القاضي: هي معاوضة على منافع الأعيان لا يخفى بطلان طرده، ونحوه قول عياض بيع منافع معلومة بعوض معلوم مع خروج فاسدها، وقولها: يجوز أن يستأجر طريقا في دار رجل أو مسيل مصب مرحاض مجاز؛ لأنه أحق من الاشتراك محمد وهي جائزة إجماعا.
الصقلي: خلاف الأصم فيها لغو؛ لأنه مبتدع.

باب في أركان الإجارة

وفيها: مع غيرها عقدها لازم كالبيع.
ابن شاس: أركانها ثلاثة الأول العاقدان، ولا يخفى أمرهما ابن الحاجب كالمتعاقدين كالمتبايعين.
قلت: هذا ظاهر المذهب فلا تمضي ممن حكم بحجره، وفيها: من واجر ابنه

الجزء: 8 - الصفحة: 161

ليخدمه فإن كان الابن محتلما جاز، ولابن فتوح عن ابن حبيب عن الأخوين: لا بأس بإجارة اليتيم نفسه إن عقل، وفهم ما ينظر فيه لنفسه وكان نظرا له ويكون قبضته تلك الأجرة براءة لمستأجره ما لم يكن لها بال وقدر، فإن غبن في إجارته فعلى المستأجر تمامها كان معه وليه أم لا، وكذا إن عقد عليه أخوه أو أمه لزمه إن كان نظرا وبرئ المستأجر بدفع الأجرة إليهم ولا يجوز لليتيم أن يؤاجر نفسه دون إذن وصيه، فإن فعل وحمل فله الأكثر من المسمى أو أجر المثل وفسخ ما بقي.
قلت: أول كلامه وآخره متنافيان لاقتضاء أوله الجواز، واقتضاء آخره المنع ولفظ النوادر.
قال مطرف وابن الماجشون: لا بأس أن يستأجر الرجل الغلام لم يبلغ والجارية لم تحض من أنفسهما إن عقلا - إلى قوله -: وما كان في إجارتهما من محاباة فعلى المستأجر تمامها كان معهما ولي أم لا، وكذا لو عقد ذلك عليهما أخ أو عم ودفع الأجرة عليهما يبرئه إن كان الولي مأمونا، ولو كان من الإمام كان أحب إلينا، وقال: مثله ابن عبد الحكم وأصبغ ولا ينبغي أن يؤاجر إلا المأمون.
قلت: والأظهر أن هذا خلاف المعروف في تصرف اليتيم حسبما تقدم في فصل بيعه وفيها من واجر صغيرا فيعمل بغير إذن وليه لم يجز، فإن فعل فعليه الأكثر مما سمى أو أجر مثله، وكذا العبد بغير إذن سيده وحكم عطبهما.
تقدم في الغضب: ابن فتوح: لا يجوز للأب أن يؤاجر ابنه الصغير لعمل آو خدمة إلا أن يكون الأب فقيرا أو مقلا، أو يريد بعمله العمل فيجوز، وشفق عليه من أجرة عمله وما فضل حبس للصبي، وليس للأب أكل ما فضل من عمله لشهر أو لعام وإن كان فقيرا خوف أن لا يمكن للصبي عمل فيما يستقبل أو يمرض فإن كان الأب غنيا فليس له أن يؤاجر ابنه ويقضى عليه بنفقته ويصرفه فيما يصلح لمثله من تعليم وتأديب أو يعرضه لصناعة أو تجر.
قال أحمد بن سعيد: وقول بعضهم لا يجوز له مؤاجرته إن كان له مال، أو للابن وهم؛ لأن المال يذهب فتعليم الآباء الأبناء الصناعات من الحزم والنظر، وقد علم الله

الجزء: 8 - الصفحة: 162

تعالى كثيرا من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الأعمال ورضيها لهم، كان نوح نجارا وآدم أول من حرث بيده، وإدريس كان خياطا، وإبراهيم كان بزازا، وداود كان يصنع الدروع، وفي طرر ابن عات عن ابن مغيث: للأب مؤاجرة ابنه الصغير، ولو كان الأب غنيا إن أراد تعليمه لما يتقي من العواقب.
وقال يحيى بن أيوب لوتد، وابن الهندي وغيرهم: ابن مغيث، وقول بعض الفقهاء: لا يجوز أن يؤاجره إن كان الأب غنيا وهم؛ لأن المال قد يذهب فيجد صنعته.
قلت: كذا نقل هذا الكلام غير واحد من الموثقين وفيه تعسف على من نسب له الوهم أو وهم من وهمه؛ لأنه إنما منع من إجارته لا من تعليمه الصنعة، وربما كانت مؤاجرة الأولاد نقما عليهم باعتبار بيتهم، ومنصب إسلامهم في مال أمرهم.
المتيطي في سابع الثمانية ل أصبغ: يجوز للأب مؤاجرة ابنته البكر إن كان فقيرا، وكان نظرا لها وله الانتفاع بأجرتها إن افتقر إليه، ولا يؤاجرها السنين الكثيرة جدا ولا بأس به في ثلاث سنين.
قال المتيطي وابن فتوح: ويجوز عقد الحاضنة على محضونها أما كانت أو غيرها، ولا ينفسخ إلا أن يزداد الصبي في أجرته فتقبل الزيادة، ويفسخ عقد الأم وينظر له في أحسن المواضع ولو كان بأقل من موضع أخر، ولا تقبل الزيادة في عقد الوصي إلا أن يثبت أن فيه غبنا على اليتيم.
قلت: الأظهر أن عقد الحاضنة كالوصي.
المتيطي: إن استؤجر ابن من أبيه فاحتلم قبل تمام المدة أو اليتيم من وصيه فرشد قبل ذلك لم يلزمه باقي المدة، إلا أن يكون كالشهر ولا يؤاجره وصي ولا أب بعد احتلامه.
قال يحيى: ورشده.
قلت: هو نص قولها إلا زيادة يحيى وفيها من واجر عبده ثم باعه فالإجارة أولى به، فإن كانت الأجرة كاليومين جاز البيع وإن بعد الأجل فسخ وليس للمبتاع أخذه بعد الإجارة.

الجزء: 8 - الصفحة: 163

الصقلي: اختلف أصحابنا إن كانت لشهر ولم يعلم بها المبتاع حتى انقضت الإجارة، فقال بعضهم: يلزم البيع كعيب ذهب وأجرة الشهر للمبتاع ولو كره البائع ولا يدخله ذهب وعبد بذهب؛ لأن الحكم أوجبه ولم يتعاملا عليه، وقال الآخرون: الأجرة لبائعه يخير المبتاع في قبوله بغير أجر ورده ولا يجوز أن يتراضيا على أخذه المبتاع مع الإجارة؛ لأنه عبد وذهب بذهب، وقيل: يقوم العبد على أن يقبض يوم عقد بيعه ويقوم على أن يقبض بعد شهر فما نقص رجع بحصته من الثمن وهذا أحسنها.
قلت: يرد بأن ما اطلع عليه إن لم يكن عيبا فلا مقال لمبتاعه وإلا خير؛ لأن العبد قائم لم يفت ولا حدث به عيب، والثاني أظهرها وفي نقل هذه الأقوال في التنبيهات تكرار فتأمله عبد الحق معنى قوله: إن كانت الإجارة يومين أنه إن لم يرض المشتري فله رد البيع إن لم يكن علم أنه في الإجارة، وليس كالأمة المحرمة بقرب إحلالها والمعتدة بقرب تمام عدتها مدى يلزم فيه البيع؛ لأن منافع الأمة من خدمة وغيرها قائمة للمبتاع، وزاد عياض في الأولى: أنه كعيب ذهب ويلزم المبتاع.
قال: واختلف في تأويل قوله في الكتاب إن كان أمد الإجارة بعيدا فسخ البيع، وليس له أخذه بعد الإجارة فظاهر مساق أبي محمد وابن أبي زمنين وأكثرهم أن ذلك قبل انقضاء أمد الإجارة لا بعد انقضائها.

باب الأجر

وظاهره عندي وهو مفهوم مساق أبي إسحاق أنه بعد انقضائه الأجر كالثمن يطلب كونه معروفا قدرا أو صفة، سمع ابن القاسم لا بأس باستعمال الخياط

الجزء: 8 - الصفحة: 164

المخالط الذي لا يكاد يخالف مستعمله دون تسمية أجر إذا فرغ راضاه بشيء يعطيه ابن رُشْد؛ لأن الناس استجازوه كما يعطي الحجام وفي الحمام وفي المنع منه حرج في الدين، وغلو فيه وكره النخعي أن يستعمل الصانع إلا بشيء معلوم وقاله ابن حبيب.

باب فيما يجب تعجيله من الأجر في الإجارة

وفيها: إن واجرته علي إن خاطه اليوم فله درهم، وإن خاطه غداً فنصف درهم، وإن خاطه خياطة رومية فبدرهم وإن خاطه خياطة عربية فنصف درهم لم يجز، وهو من وجه بيعتين في بيعة إن خاطه فله أجر مثله مطلقاً كالقيمة في البيع الفاسد.
قال غيره في الأولي: إلا أن يزيد علي درهم أو ينقص عن نصف درهم وقدروه ما حاصله تقدير الخياطة بحال ما فعلت من تعجيل وتأخير.

الجزء: 8 - الصفحة: 165

قُلتُ: وينبغي إن خاطه لأبعدمن طول الأجلين أن تكون فيه القيمة ولو كانت أقل من نصف درهم وسمع ابن القاسم: من واجر غلماناً للخياطة شهراً بأجر سمي فطرح علي غلام منهم بعض ثياب يحكيها في يوم تمامه في يوم لايحسبه من الشهر إن كان ذلك شيئاً يسيراً يوماً وشبهه، ويعرف أنه إن اجتهد فيه فرغ منه من يومه فلا بأس به وإن كثر كرهته.

ابن رُشْد: إن فرغ منها في بعضه فله بقية يومه، إن لم يفرغ منه كان عليه؛ لأنه في الكثير كعشرة أيام غرر إن خاطها في خمسة استوجب أجرة في خمسة وعشرين يوماً، وإن خاطها في خمسة عشر استوجبه في خمسة وثلاثين يوماً فصار أجره مجهولاً فإن نزل وخاطها في أقل من عشرة لم يلزمه عمل بقيتها؛ لأنه يقول أجهدت نفسي بما لا يلزمني وإن خاطها في أكثر منها لم يلزم المستأجر أن يحسب له الزائد علي العشرة؛ لأنه يقول فرطت، ولو اجتهدت الاجتهاد الذي يلزمك لفرغت منها في اقل عشرة.
وفيها: وإذا أراد الصناع والأجراء تعجيل الأجر قبل الفراغ وامتنع رب العمل.
قُلتُ: وينبغي إن خاطه لأبعد من أطول الأجلين أن يكون فيه القيم، ولو كانت أقل من نصف درهم حملوا علي المتعارف بين الناس فيه، فإن لم يكن لهم سنة لم يقض لهم إلا بعد الفراغ.
وله في كراء الدار والراحلة وبيع السلع ونحوه بقدر ما مضي ابن القُصَّار كل ما مضي يوم استحق أجره.
زاد اللخمي: وقال مالك في العتبيَّة: كل شيء اشترط عمله بيده فطلب تقديم أجره فليس له ذلك حتي يبدأ في عمله فيقدم له أجره.
قُلتُ: ظاهره أن معني قول مالك أنه يجب له تقديم أجره ببدايته في العمل، وليس

الجزء: 8 - الصفحة: 166

الأمر كذلك؛ لأن لفظ السماع من استأجر صانعاً علي عمل عرف أنه يعمله بيده أو شرطه عليه فسأله تقديم أجره، وهو يقول لا أعمله إلي شهر لا يصلح تقديم أجره له حتي يبدأ في عمله فإن بدأه قدمه إليه إن شاء، فإن مات قبل تمامه كان له بحساب ماعمل ولم يكن له في مال العامل تمام العمل.
ابن رُشْد: الإجارة علي عمل معين كنسج الغزل إن كان مضموناً في الذمة لم يجز إلا بتعجيل الأجر والشروع، وإن تأخرا كان الدين بالدين فلا يجوز إلا بتعجيل الطرفين أو أحدهما.
قُلتُ: قال في المقدمات: الإجارة الثانية حكمها حكم السلم في تقديم الأجر وضرب الأجل ووصف العمل، وقال القاضي: يجب تعجيل الأجرة أو الشروع في الاستيفاء؛ يريد: إن كان العمل يسير ليخرج عن الدين بالدين.
قال في السماع: وإن كان متعيناً في عينه جاز تعجيل الأجر وتأخيره علي أن يشرع في العمل، فإن لم يشرع فيه إلا إلي أجل لم يجز النقد إلا عند الشروع، فإن صرح بأن العمل مضمون كقوله أستأجرك علي كذا في ذمتك إن شئت عملته بيدك أو بغيرك أو بتعيينه كأستأجرك علي عمل كذا بنفسك أعطي كل منهما حكمه وإن لم يقع تصريح، وظاهر اللفظ أنه مضمون كقوله: أعطيك كذا علي خياطة هذا الثوب حمل علي المضمون اتفاقاً، إلا أن يعرف أنه يعمله بيده، أو كان مقصوداً عمله لرفقه وإحكامه وأن ظاهره التعيين كأستأجرك علي خياطة هذا الثوب، أو علي أن تخيطه ولا يقول أنت ففي حمله علي المضمون أوالمعين قولان لظاهرهذا السماع مع ابن حبيب عن أَصْبَغ ومالك، وإلا في علي ربهم لم يدرك من سماع عيسي من الأيمان بالطلاق.
قُلتُ: وله في مسائل الرواحل والدواب، زيادة وتفسخ الإجارة في المعين يموت الأجير لا في المضمون، ويكون العمل في ماله أو ما بقي منه، وفي فسخها في الوجهين بهلاك المتاع المتاجر، عليه قولان المشهور علي ما يأتي في رسم المحرم في هذا السماع وسماع يحي ابن رُشْد، وقوله: (إن بدأ في عمله قدم أجره أن شاء) يدل علي أنه لا يجب عليه إلا بشرط أو عرف، فإن لم يكن أحدهما لم يجب إلا بتمام العمل بخلاف الأكرية

الجزء: 8 - الصفحة: 167

وهو نصها في كتاب الجعل، وقوله في: (لا أعمله إلي شهر) لا يصلح تقديم أجره حتي يبدأ يدل علي جواز الإجارة إن لم يقدم الأجر، وهو نحو قولها في الرواحل يجوز كراء الراحلة بعينها علي أن يركبها إلي شهر إن لمينقد.
وقال ابن حبيب: من استأجر أجيراً علي أن يشرعفي عمل إلي أيام لم يجز إلا إلي الأيام القليلة كالجمعة فيحتمل أن معناه: مع النقد فتتفق الأقوال.
ابن فتوح: إن قام من واجر عبده بطلب أجره بعد تمام عمله فأجرته تجري مجري الحقوق في الفسحة ضرب الأجل إذا وجب ذلك، وأجر العبد الذي يواجر نفسه أو الحر إذا طلب ذلك بعد الخدمة.
قال ابن حبيب: لا ينبغي أن يحملا كالحقوق عند وجوبها، ويجب تعجيل أجرها لا تؤجل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)) إلا أن يؤجر الأجير من أستأجره بأجرة سنة، ثم طلبها بعد ذلك فيحمل محمل الحقوق في الفسحة وضرب الأجل.
ابن الحاجب: ولايعجل الأجر إلا بشرط أو عادة إلا أن يكون عرضاً معيناً، أو علي إجارة مضمونة.
قًلتُ: ظاهره وجوب تعجيله في الإجارة المضمونة مطلقاً، ولو قدمته وهو خلاف ظاهر المذهب حسبما تقدم في كلام ابن رُشْد، وقاله الشَّيخ أيضاً، والعرض المعين أجراً كشرائه يجب تعجيله في أول الرواحل، منها من اكتري دابة أو استأجر أجيراً بمعين من عرض أو صوان أو طعام فتشاحا في نقده ولم يشترطا شيئا، فإن كانت سنة البلدً في الكراء النقد جاز وقضي بقبضه، وإلا لم يجز الكراء ولو عجلت هذه الأشياء كبيعها علي أن لا يقبض إلا إلي شهر.
الصقلي: قول ابن حبيب: وفيما يفسد الكراء بتأخيره والجواز حتي ينصا على

الجزء: 8 - الصفحة: 168

التأخير ولو كان العرف التأخير، وكذا نقله اللخمي.
الصقلي: وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن عقد الكراء لا يوجب نقد ثمنه بخلاف شراء السلع؛ لأنها تقبض بنفس دفع عوضها والمنافع لا يمكن ذلك فيها، ورجح اللخمي قول ابن حبيب.
قال: لأنه لو باع سلعته بثمن إلي أجل حملا علي تعجيل قبضها.
قال: وكون الكراء بما لا يصلح تأخيره والرطب واللحم والمقتات محمول علي النقد؛ لأنه لا يقصد تأخيره.
قُلتُ: الأولي أن يقول بقصد تعجيله، وقبل ابن شاس إجراء الطرطوشي قولي ابن القاسم، وابن حبيب في اعتبار العرف الفاسد ولغوه، قال: وهو قول ابن الماجِشُون، وغيره من المدعيين وتبعه ابن الحاجب، ويرد باقتضائه قصر قول ابن القاسم بالفساد علي كون العرف التأخير، وظاهر قوله أو نصه فيها: أنه إن لم يكن العرف بالتعجيل، ولا شرطاه فالعقد فاسد كان العرف التأخير، وظاهر قوله أم لا بل هما بناء علي تغليب اقتضاء تعذر تعجيل قبض المنفعة تأخير عوضها، أو تغليب اقتضاء العقد التعجيل كالبيع ولو كان مؤجلاً ثمنه حسبما تقدم من كلام الصقلي واللخمي.
قال ابن الحاجب: ومنافع المعين كالمعين ولذلك جاز سكني بسكني دارسته وأولهما متفق أو مختلف ابن هارون يعني: أنه لا يجب نقد الأجر في منافع المعين بل يجوز بدء من غير أنه لا يجوز أخذ منافعه عن دين بخلاف المعين، ولكونها كالمعين جاز سكني دار سنة بسكني دار ولو اختلفت السنة.
وقال ابن عبد السلام: يعني: أن حكم منافع المعين في كونها عوضًا في الإجارة حكم المعين، وقوله: وأولهما متفق أو مختلف؛ أي: سواء كان أول سكني الدارين متفقاً من يوم العقد أو بعده بشهر أو مختلفاً لكون إحداهما من يوم العقد، والأخري بعد ذلك بشهر.
قُلتُ: تفسير قوله: (أو مختلف) بقوله: (يجوز علي أن سكني إحدهما من يوم العقد والأخري بعده بشهر مع كونها عنده كالمعين) غير صحيح؛ لأنه يصير ككراء دار

الجزء: 8 - الصفحة: 169

بعرض معين علي أن يقبضه بعد شهر وهذا غير جائز حسبما تقدم هنا، وفي البيوع والأقرب تفسير ابن هارون وواضح من المذهب أن منافع المعين كالمعين في بيعها بدين لا في تأخير قبضها علي العقد؛ لأنه لا يجوز تأخير قبض المعين عن عقد بيعه شهراً بشرط، ويجوز ذلك في منافع المعين من دار أو أرض بخلاف الحيوان حسبما يأتي إن شاء الله تعالي؛ لأن المعين من غير المنافع لا يجوز تأخيره لوجهين للغرر في بنائه غير متغير، واحتمال الضمان بالجعل بالزيادة في ثمنه لضمانه بائعه مدة التأخير حسبما قاله أشهب في السلم الأول منها، ومنافع المعين لا يتصور فيها الضمان بالجعل؛ لأنها علي ملك بائعها تقتضي والغرر فيها لمثل ذلك التأخير منتف لأمن الرباع، وفي أكرية الدور منها لا بأس بكراء دار أو أرض بأرض وكراء تزرعها العام بأرضك يزرعها قابلاً إن كانت أرضك مأمونة، وسمع القرينان لا بأس أن يقول الرجل العامل لمثله أعني خمسة أيام، وأعينك خمسة أيام في حصاد زرعه ودرسه وعمله ابن رُشْد؛ لأنه من الرفق ومنعه ضرر بالناس؛ لأن الكثير منهم لا يقدر علي الا ستئجار، وإن قدر ربما استغرقته الإجارة فكان ذلك ضرورة تبيح ذلك، إنما يجوز ذلك فيما قل وقرب من الأيام، وإن اختلفت الأعمال في رسم البيع من سماع أَصْبَغ لأشهب لا بأس أن يأخذ الرجل عبد الآخر النجار يعمل له اليوم علي أن يعطيه عبده الخياط يخيط له غداً، وإن قال له: احرث لي في الصيف وأحرث لك في الشتاء فلا ضير فيه، والمرأة كقوله للمرأة انسج لي اليوم وأنسج لك غدا لا بأس به، وكذا انسج لي اليوم وأغزل لك غداً إذا وصفت الغزل.
قًلتً: وعلي هذا الأصل تجري مسألة دولة النساء الواقعة في عصرنا في اجتماعهن في الغزل حتي يستوفين، فإن قربت مدة استيفائهن الغزل لجميعهن كالعشرة الأيام ونحوها وعينت المبتدأه لها، ومن تليها إلي آخرهن وصفة الغزل جاز، وإلا فسدت وفيها لو كان الأجير عيناً بعينه، فإن لم يكن كراء البلد بالنقد لم يجز، إلا أن يعجلها كقول مالك: فيمن ابتاع سلعة بدنانير ببلد آخر فإن شرط ضمانها إن تلفت جاز، وإلا فلا، وكذا الكراء إن لم ينقد في مثله لم يجز إلا بشرط ضمانها، ولا يجوز شرطه في عرض

الجزء: 8 - الصفحة: 170

أو طعام وأجازه غيره في الدنانير، وإن تلفت ضمنها ابن القاسم، ولو قال المكتري: أعجل الدنانير والعروض فلا بد من فسخه لفساد العقد.
الصقلي وعبد الحق عن بعض القرويين: إنما يجب شرط ضمان الدنانير في الشراء بها إذا اشترط قبل البيع بها؛ لأنه يصير كنقد في غائب وكذا وقع لمحمد وهو تفسير.
قُلتُ: فيفرق بين قرب غيبتها وبعدها قال غيره: ولابد من الخروج إليها كالغائب، ولذا لم يشترط ضرب الأجل؛ لأنها لو كانت متعلقة بالذمة فقط علي أن تقبض ببلد آخر لم يجز لعدم ضرب الأجل.
وفي الموازيَّة: إن لم يشترط خلفها صح البيع، ووقفت السلعة كمن اشتري سلعة حاضرة بغائبة، ويخرج فإن وجد الدنانير تم البيع، وإلا بطل إلا أن يرضي المشتري بدفع غيرها.
قُلتُ: مثله في رسم الجواب من سماع عيسي من السلم والآجال، وفي رسم القبلة من سماع ابن القاسم: قال ابن رُشْد: الآخر قول الغير بناء علي أن العين لاتتعين، وقول ابن القاسم علي أنها تتعين وقوله استحسان؛ لأن قياس تعينها أن لا يجوز شرط ضمانها كالعروض.
عياض: قوله: (أو لا لم يجز إلا لمن لم يعجلها)؛ يريد: باشتراط في العقد، وكذا قوله بعد هذا.
وفيها: لابن القاسم: لا يعجبني تأخير الدنانير المعينة اليوم واليومين إلا بشرط ضمانها أو وضعها رهناً بيد غير المشتري، ولم يكرهه غيره إذا لو استحقت لقضي بمثلها.
الصقلي: لو إن تلفت في اشتراط تأخيرها اليوم واليومين دون عذر ولا ضمان علي قول ابن القاسم: ففي مضي العقد كالعرض، وفساده قولا شُيُوخنا، والأول أبين وفيها لا تجوز الإجارة علي سلخ شاة بشيء من لحمها.
ابن شاس: لو استأجر السلاخ بالجلد والطحان بالنخالة لم يجز.
قُلتُ: الجلد جار علي ما تقدم في بيعه والنخالة تجري علي حكم الدقيق، وفيها تجوز الإجارة علي طحن إردب حنطة بدرهم، وقفيز من دقيقه لقول مالك ماجاز بيعه

الجزء: 8 - الصفحة: 171

جاز الإجارة فيه.
محمد: لا يجوز اطحن لي هذا الإردب بقفيز من دقيقه، وكذا الزيت في الزيتون بخلاف بيع ذلك؛ لأن فيه إن هلك رجع المبتاع بثمنه وفي الجعل تقدم له فيه عمل، ثم يهلك فلا يرجع بشيء؛ لأنه غير مضمون فيذهب عمله باطلا ولو ضمنه ربه فسد.
الصقلي: لأنه معين فشرط ضمانه يفسده.
وأجازه ابن حبيب، قال: ولم يجزه ابن القاسم؛ لأن الدقيق إن ذهب ذهب عمله محمد باطلًا ونحن نري إن ذهب بعد طحنه قبل أخذ الأجير القفيز فله أجر طحنه.
الصقلي: كما لو استأجره بمد دقيق معين علي عمل يعمله، وهلك الدقيق قبل قبضه أو استحق ولو بعد قبضه.
التونسي: إن كان الأجير غير صانع بطل قول محمد؛ لأنه باع عمله بدقيق معين فإذا تلف قبل كيله رجع بقدره من الإجارة كما لو أجره بثوب فاستحق، وإن كان صانعاً وضاع الدقيق ببيته بعد طحنه فعلي القول قولها لا أجر له ويرد الدرهم، وعلي قول محمد: المصنوع قابض للصنعة ينظر في قيمة الدقيق هل هي مساوية للدرهم أو أقل أو أكثر، فيكون كأخذ سلعة من سلعتين استحقت بعد فوات عوضها إن كانت قيم الدقيق درهمين علي قول ابن القاسم فيها، يرد الدرهم ويأخذ قيمة جميع طحنه، وقيل يرجع بثلثي قيمة طحنه ويمضي الدرهم بثلثها.
قُلتُ: عزا أبو عمران الأول لفضل، وذكر الثاني قبله كأنه المذهب عنده.
اللخمي: إن ضاع قبل طحنه ببينة وكان الدرهم مساويًا للثمن أو أكثر انفسخت الإجارة في مناب الثمن لا فيما ينوب الدرهم علي المستأجر أن يأتي بقدره يطحنه له، وإن لم تقم بضياعه بينة، فرأي ابن القاسم في هذا الأصل مرة أنه غيبه فيغرم جميعه ويطحنه ويأخذ الثمن منه، ومرة لم يبلغ به أنه غيبه حقيقة فيحلف لقد ضاع، ولا يغرمه ولا يطحن إلا بما قابل الدرهم، وإن طحنه وادعي ضياعه غرمه مطحونًا ولم يصدق، وأخذ الثمن منه، وإن قامت بضياعه بينة فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه ولا أجر له

الجزء: 8 - الصفحة: 172

فعلى هذا يأتي ربه بطعام ويطحن الأجير مناب الدرهم كما لو لم يطحنه، وقيل: له الأجر فيأخذ الدرهم، وأجر المثل فيما ينوب الثمرة.
ابن حبيب: بطحنه بنصفه دقيقاً لا يجوز؛ لأنه حصل بغرر والأول إجارة بشيء معلوم.
الصقلي: رأي أن نصف ما يخرج من الدقيق مجهول لاختلاف الريع.
قُلتُ: هو خلاف قولها خفف مالك بيع الحنطة علي أن علي البائع طحنها، إذا لا يكاد الدقيق يختلف لو اختلف خروجه ماجاز.
سمع ابن القاسم: لا خير في شراء ثوب من حائك نسج جله، ونقد ثمنه علي أنه يتم نسجه؛ لأن الثوب يختلف لو اختلف وجه نسجه.
سَحنون: هذه جيدة فقس عليها غيرها.
ابن رُشْد: لم يجز؛ لأنه بيع وإجارة في المبيع إنما تجوز في قول ابن القاسم وروايته فيما يعرف وجه خروجه كالقمح علي أن البائع يطحنه، والثوب علي أن عليه خياطته استحساناً لا قياساً، وفيها: لا يعرف وجه خروجه مما يمكن إعادته ليأتي علي الصفة كالفضة علي أن عليه صوغها، وشبه ذلك ما ليس كذلك كالزيتون عل أن عليه عصره لا يجوز بحال، وسَحنون لا يجيز ذلك بحال مطلقًا، وفيها: لا يجوز علي دبغ جلود بنصفها، أو نسج ثوب بنصفه.
محمد ابن أَصْبَغ: إن نزل فله أجر عمله، والجلد والثوب لربهما.
الصقلي: إن فات الجلد بيد الصانع بعد الدبغ فله نصفها بقيمتها يوم خرجت من الدبغ، ولربها النصف الآخر وعليه أجر مثله في دبغها، ولو دفع له نصفها قبل الدبغ علي دبغها مجتمعة لما فاتها بالدبغ فله نصفها بالقيمة يوم قبضها، وأجر عمله في نصفها ونحوه للقابسي.
اللخمي: إن قال له ادبغ نصف هذه المائة بنصفها، وشرط نقده جاز إن اعتدلت في القسم والعدد أو تقاربت، وإلا فلا لجهل عدد والمستأجر عليه منها فإن لربه فسخ حتي قاسمه، ودبغ جميعها فله النصف الذي أخذه أجرة بقيمته يوم قبضه، وأجر المثل

الجزء: 8 - الصفحة: 173

في النصف الآخر، ولو قال: ادبغ ديغها بنصفها لم يجز قولاً واحداً إلا؛ لأن أجرتهنصفها بعد الدبغ، فإن دبغها فله أجر مثله في كلها، فإن ضاعت قبل ذلك ببينة فهي من بائعها، وإن لم يعلم ضياعها إلا من قوله ضمنها علي حكم الضياع، وإن شرع في العمل مكن حتي يتم، وكذلك النسج في الغزل بنصفه إن أخذ في النسج مكن من التمادي؛ لأن في نزعها مضرة، فإن بقيت في بيده بعد الدفع علي انه شريك فيها ففاتت بحوالة سوق ضمن نصف قيمتها يوم الفراغ، ويختلف إن قال: لك نصفها من اليوم علي دبغ جميعها فشرع في الدباغ هل هو فوت فيضمن نصف قيمتها أو ليس بفوت؛ لأنه غير ممكن من ذلك النصف لما حجر عليه أن يدبغه ولا يبين والأول أبين.
قُلتُ: قوله: (إن شرع في العمل مكن) خلاف قول أهل المذهب في المساقاة الفاسدة أن ما يرد منها لإجارة المثل يفسخ ولو بعد العمل بخلاف ما يرد منها لمساقاةالمثل فتأمله، وفيها: لا يجوز تعليم العبد صنعة سنة بنصفه إذ لا يقدر علي قبض ماله فيه قبل سنة، وقد يموت العبد فيها فيذهب عمله باطلاً.
الشَّيخ: إن نزل وكان علي قبض نصفه بعد السنة فإن فات وعثر عليه عند تمامها قبل فوته بيد معلمه فله قيمة تعليمه والعبد لربه، وإن فات بيد المعلم بعد السنة فالعبد بينهما وعلي معلمه نصف قيمته يوم تمام السنة معلمًا، وعلي ربه قيمة تعليمه.
قال: ولو كان علي قبض نصفه الآن لم يجز، فإن فات بيد معلمه ببلد بعد تمام السنة فله نصف قيمة تعليمه، وعليه نصف قيمته يوم قبضه، ويكون بينهما ابن الحاجب، ولو أرضعت بجزء من الرضيع الرقيق بعد الطعام لم يجز.
قُلتُ: هذه مثل مسألتنا في تعليم العبد بنصفه، ولا أعرفها بفرضها في الرضاع لأهل المذهب بل للغزالي في الوجيز، وفيها إن دفعت غلامك إلي خياط أو قصار ليعلمه ذلك العمل بعمله سنة جاز، وقال: غيره بأجر معلوم أجوز.
الصقلي عن يحيي: والسنة من يوم أخذه.
بعض شُيُوخ عبد الحق: ما حاصله إن مات العبد في نصف السنة، فإن كان قيمة تعليمه في النصف الأول مثلي قيمة تعليمه في النصف الثاني، وقيمة عمله في النصف

الجزء: 8 - الصفحة: 174

الأول نصف قيمة عمله في النصف الثاني رجع علي ربه بثلث قيمة تعليمه.
قُلتُ: الأظهر منع إجارته بعمله؛ لأنه يختلف عمله بحسب سرعة تعلمه وبعده فيها إن قال احصدزرعي هذا، ولك نصفه أو جد نخلي هذه، ولك نصفها جاز، ولا ترك له وهي إجارة.
عبد الحق: إذا حصده جبراً علي درسه وقسمه حباً ولا يجوز قسمه قتا؛ لأنه حظر ويدخله التفاضل.
قال يحيي عن ابن القاسم: إن حصده أو بعضه، ثم احترق هو منها وعليه أن يستعمله في مثله، أو في مثل مابقي عليه.
قال سَحنون: عليه نصف قيمة الزرع لا حصاد مثل نصفه يحيي بن عمر؛ لأن الزرع يختلف.
عياض: ظاهر قوله هنا: فهو حين حصده وجب له نصفه أنه إنما يجب له نصفه بحصاده، والذي يأتي علي أصولهم أنه يجب له بالعقد؛ لأنهم جعلوا ماهلك قبل حصاده وبعده من الأجير، وفيها: إن قال له إذا حصدت أو لقطت فلك نصفه جاز وله التزامه متي شاء؛ لأنه جعل، وقال غيره: لا يجوز.
الصقلي: هما في الموازيَّة روايتان قُلتُ: هما بناء علي الاكتفاء في علم قدر الجعل بالنسبة للجاعل بمجرد معرفة نسبته لما يجعل له، وللمجعول له بعلمه له حين فعله أو اشترط علم قدره في العقد كالبيع، وفيها: إن قال مع ذلك اليوم فلا خير فيه إذ لا يجوز بيع ما يحصد اليوم ولا يجوز في الجعل أجل، إلا أن يشترط تركه متي شاء.
وسمع عيسي ابن القاسم: لا خير في قوله: جد نخلي اليوم ولك نصف ماتجد ومتي شئت فاخرج؛ لأنه وقع علي يوم بعينه فلا يحل إلا بشيء ثابت كقوله: تقاض ما لي علي فلان إلي شهر ولك نصفه فلا خير فيه، وإن لم يضرب أجلًا فهو جعل فجاز؛ لأنه ليس لربه منعه العمل وللعامل الترك متي شاء.
ابن رُشْد: إنما لم يجز مؤجلا؛ لأنها إجارة بمجهول ففسدت فلا يصلحها شرط

الجزء: 8 - الصفحة: 175

الخيار، ولو قال: إن جددت في هذا اليوم من نحلي هذه شيئاً فلك نصفه جاز الفرق أن هذا جعل والأول إجارة.
فإن قيل: إن هذه الإجارة إذا اشترط فيها الخيار علي هذا الوجه عادت جعلاً؛ لأنه في الوجهين معاً لا يلزمه العمل، وإن عمل فله نصف ما عمل قيل: إن استويا في هذا افترقا في وجه آخر هو أن الإجارة لا تنفسخ بتلف المستأجر عليه إلا علي اختلاف، والجعل تنفسخ بتلف المجعول فيه اتفاقًا فوجب أن لا تعود الإجارة بسرط الخيار فيها جعلاً، فإذا بقيت وكانت فاسدة لم يصلحها الخيار، وكان الشُيُوخ من أدركناه ومن لم ندركه يجعلون قول ابن القاسم فيها خلاف قوله في المدَوَّنة: في بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم أنه مايراه شرطًا أن يترك متي شاء وليس بصحيح؛ لأن استئجار الرجل يومًا بدرهم علي أن يبيع فيه ثوبا جائز؛ لأن الأجر فيه معلوم فإذا جازت الإجارة فيه جاز شرط الخيار فيها بأن يترك متي شاء، وله من الدراهم بحسب ما مضي من اليوم، إن لم ينقده، ونص علي هذا في أول كتاب الجعل والإجارة، ومسألة التقاضي لا يجوز فيها مع تسمية الأجل إجارة ولا جعل، ول قال: إن قبضت لي في هذا الشهر شيئًا من ديني علي فلان فلك نصفه لم يجز؛ لأنه قد يتقاضاه ويشقي عليه فيه فيمضي الأجل قبل أن يقبض فيذهب باطلًا فيجوز أن يستأجر الرجل الرجل علي حصد زرعه بنصفه، وأن يشترط أن يترك متي شاء ويكون له نصف ما حصد ولا يجوز أن يستأجره علي حصد يوم بنصف ما يحصد فيه، وإن اشترط أن يترك متي شاء، ويكون له نصف ما حصده، وكذلك لا يجوز أن يجاعله علي حصاد يوم بنصف ما يحصد فيه إلا بشرط أن له أن يترك متي شاء وله نصف ما حصد.
والمواجرة والمجاعلة علي بيع الثوب بدرهم خلاف ذلك لا يجوز أن يواجرهعلي بيع الثوب بدرهم، إلا أن يضرب لذلك أجلًا، والجعالة بعكسه لا تجوز بدرهم علي بيعه إن لم يضرب لذلك إجلًا فحمل ابن القاسم قوله: بع لي هذا الثوب، ولك درهم علي الجعل فأجازه إن لم يضرب أجلًا، ولم يجزه إن ضربه إلا بشرطه متي شاء ترك؛

الجزء: 8 - الصفحة: 176

يريد: وله من الدرهم بحساب مامضي،؛ لأنه إذا شرطه أفصحا بأنها إجارة صحيحة بخيار وقد أجازه وإن لم يشترط أن يترك متي شاء، وقال سَحنون فيها: هو جل قوله الذي يعتمد عليه ووجهه أنه حمل قوله: بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم علي الإجارة، وقيل: في تأويل ذلك غير ما قول ذكرته في غير هذا الكتاب.
قُلتُ: في المقدمات اختلف في تأويل قول سَحنون هذا فاختصره الشَّيخ: علي أنه أجاز توقيت الجعل يومًا أو يومين دون شرط.
وقال ابن القطان: يريد سَحنون أنه قال: مثل قوله في الثوب في مثل مسألة الثوب وهو أن يجيز الجعل، ويضرب له يومًا أو يومين ويشترط أنه متي شاء أن يرد، وقال سَحنون: له مثل هذا القول وهو جل الذي يعتمد عليه؛ يريد: قول الكتاب ومايشبهه ولفظ جل يقتضي الخلاف، والخلاف موجود في سماع عيسي فذكر سماع عيسي المتقدم وتأويل ابن لبابة أنه أراد أن ابن القاسم، إنما اختلف قوله علي أنها إجارة مرة رآها إجارة جائزة ومرة رآها إجارة فاسدة وكله مدخول.
أما قول الشَّيخ فخطأ صراح؛ لأن الجعل المسمي فيه الأجل إن لم يشترط فيه الترك متي شاء لم يجز اتفاقًا فكيف يقال هو جل قوله.
وقول ابن القحطان: بعيد عن ظاهر لفظ المدَوَّنة، إلا أن معناه: صحيح تصح به المسألة وتأويل ابن لبابة بعيد عن ظاهر اللفظ غير صحيح؛ لأنها إن كانت إجارة فهي جائزة لا وجه لفسادها؛ وإنما معني المسألة عندي أن قول ابن القاسم اختلف في قوله: بع لي هذا الثوب اليوم ولك نصف درهم فقال في الثوب: أنه جعل ولا يجوز إلا بشرط أن يترك متي شاء وله قول آخر: أنه جائز وهي إجارة لازمة لا جعل إن باع في بعض اليوم فله من الأجر بحسابه فقال سَحنون: هذا المعتمد عليه من قوله وهذا لابن القاسم يقوم من قوله في الكتاب.
قال: فيمن يبيع من الرجل نصف الثوب علي أن يبيع النصف الآخر: أنه جائز ضرب له أجلا؛ لأن بضرب الأجل يكون إجارة، فاختار سَحنون هذا القول؛ لأنه إذا قال: بع لي هذا الثوب اليوم ولك درهم احتمل أن يريد: معني الجعل فيكون فاسدًا

الجزء: 8 - الصفحة: 177

واحتمل أن يريد معني الإجارة فكان جائزًا وإذا احتمل اللفظ الصحة والفساد فهو علي مذهبه في مسائل كثيرة علي الصحة حتي يتبين الفساد من ذلك من اكتري راعيًا علي غنم بأعيانها أن الإجاره عنده جائزة، وإن لم يشترط الخلف خلاف مذهب ابن القاسم في هذه المسألة مثل قوله في مسألة بع لي نصف الثوب، ومثل قول من قال: بع لي هذا الثوب ولك درهم أنه جائز فحمله علي الجعل فأجازه مع احتمال إرادة الإجارة فتكون فاسدة لعدم ضرب الأجل، فلما كان هذا القول جاريًا علي مذهب سَحنون استحسنه وفيها: إن قال انفض زيتوني هذا أو حركه فما نفضت أو سقط منه فلك نصفه لم يجز؛ لأنها إجارة مجهولة.
الصقلي: عن ابن حبيب: إن قال: انفضه ولك نصفه جاز، وحمل ابن القاسم النفض علي التحريك وليس كذلك، وفيها: إن قال: اعصر زيتوني أو جلجلاني ولك نصف ما عصرت لم يجز؛ إذ لا يدري كيف يخرج ولا كم يخرج وكمن باع زرعًا يبس علي أن عليه حصده ودرسه وذروه؛ لأنه اشتري حبًا جزافًا لم يعاين جملته.
الصقلي عن ابن حبيب: إن قال: احصده أو اعصره أو اطحنه ولك نصفه جاز حتي يقول فما خرج فلك نصفه فلا يجوز، ومحمل الأولي علي ملك نصفه الآن وسمع القرينان إن قال: من حل بيع زرعه لرجل احصده لي ادرسه علي النصف فلا بأس به.
الصقلي: هذا نحو قول ابن حبيب.
ابن رُشْد: هذا خلاف قولها في الجعل والإجارة، وسماع يحيي بن القاسم وعلي سماع أشهب، ثاني قول أَصْبَغ في رسم البيع والصرف من سماعه في البيوع، وتقدم الكلام عليه وقال ابن لبابة: إنما الخلاف إذا قال: احصده وادرسه ولك نصفه، وإن زادوا ذره لم يجز اتفاقًا، كما لو قال: احصده ولك نصفه جاز اتفاقًا، وليس ذلك بصحيح زيادة الذرو، ونقصه سواء وجواز ذلك أظهر؛ لأن نصف الزرع يجب له بالعقد علي عمل النصف الآخر سواء كان عمله حصده فقط أو حصده ودرسه وذروه؛ كما لو استأجره علي ذلك بعين، وكذا إذا استأجره عليه بنصف الزرع، فإن قيل: إذا شرط الدرس والذرو كانت الإجارة بما خرج منه، وذلك غررن وقيل: لا يلزم هذا

الجزء: 8 - الصفحة: 178

ولو لزم لما جاز، وإن لم يشترط إلا حصاده إذ قد علم أنه لا يأخذ أجره إلا حبًا إذ لا تصح قسمة الزرع محصودًا حتي يدرس ويذري ويصفي، ولو روعي هذا ما جاز بيع نصف الزرع بالعين، أو قد علم أنه لا يأخذه إلا حبًا مصفي لكنه جاز؛ لأنه بنفس الشراء يحصلان فيه شريكين كما لو زرعاه.
وفيها: إن دفعت دابتك أو دارك أو سفينتك لمن يكري ذلك ولك نصف كرائه لم يجز، فإن نزل فالكراء لك ولك كراء مثله، ولو دفعت ذلك ليعمل عليه علي أن ما أصاب بينكما لم يجز، فإن نزل فالكسب له وعليه كراء مثل مابلغ كأنه اكتراه كراء فاسدًا، والأول آجر نفسه إجارة فاسدة.
اللخمي: إن قال اعمل لي عليها ففيها: لابن القاسم من روايه الدباغ: كسبها للعامل وعليه كراؤها، وفي الجلاب لربها لقوله اعمل لي، وللعامل أجر مثله، وإن قال أكرها فعمل عليها فالكسب له ولربها كراء المثل، وإن قال: اعمل عليها فأكراها فقال ابن القاسم: ما أكريت به للأجير ولربها إجارة المثل، وقال في كتاب الشفعة: ما أكريت به لربها؛ لأن ضمان منافعها منه بخلاف البيع الفاسد، وفيها أثر الأولي كما لو قلت: بع سلعتي ولك نصف مابعتها به أو نصف مازاد علي مائة لم يجز، والثمن لك وله أجر مثله.
الصقلي عن بعض القرويين: إن وقف وسام فلم يأته أحد فالأشبه له أجر مثله إلا أن يتأول أنه جعل فاسد والأشبه الأول.
اللخمي إن قال: أكر دابتي ولك نصف ماتكريها به فمضي بها، ثم ردها وتعثر عليه كراؤها لم يكن له شيء؛ لأنه فاسد والحكم أن يردها لا يتم ذلك الفاسد.
الصقلي: وفي الواضحة: إن قال في الدور والأرحاء والحوانيت قم لي بها ولك نصف غلتها لم يجز، والخراج إن نزل ذلك لربها وله أجر مثله والدواب والسفن كسبها للعامل، وعليه أجر ذلك وهو قول مالك.
الصقلي: وساوي بين الدواب والسفن إن قال: اكرها ولك نصف الكراء أن كراءها لربها، وعليه أجر المثل للرجل، وهو أصوب، ولو أعطاه الدابة أو السفينة

الجزء: 8 - الصفحة: 179

ليعمل عليها وما أصاب بينهما لم يجز، فإن عمل فالكسب للعامل وعليه كراء المثل فهو كراء فاسد، والأول إجارة فاسدة.
اللخمي: قوله في السفينة اكرها واعمل عليها سواء إن كان فيها قومه ربها؛ لأنه إنما يتولى العقد فغلتها لربها وله أجر مثله، ولو كان يسافر فيها بمتاعه فالربح له ولربها الإجارة والحمام والفرن إن لم يكن بهما دواب ولا آلة الطحن كان ما يواجر به للعامل وعليه أجر المثل، وإن كان بدراهم ويشتري الحطب من عند صاحبها أو من غلتهما فما أصابه لربهما وللعامل أجر المثل وإنما هو قيم فيهما وكذا الفندق ومساكنه ما أكري به لربه والقيم إجارته.
الصقلي: ولو عمل فلم يجد شيئاً فعليه الكراء؛ لأنه في ذمته ولابن حبيب إن عرف أنه عاقه عائق فلا شيء عليه إن لم يكرها بشيء مضمون عليه.
قُلتُ: وهذا نحو اختلافهم في القرض على الأداء من شيء بعينه يتعذر هو مذكور في القرض.
اللخمي: إن قال اكرها ولك نصف كرائها فأكراها لمسافر على أن يسوق به، ويقوم بها نظر فإن كان كراؤها على أن لا أجد معها ديناراً وعلى أن معها سائقاً ديناراً وربعا فالكراء بينهم أخماس، ثم ينظر فإن كان أجر مثله في تولي العقد ثمن دينار تبع رب الدابة بأربعة أخماس ثمن دينار، فإن كان يتولى حفظها بعد انقضاء الكراء فله عليه أجرة أخرى، وما تقدم من الكسب هو مثل الماء والكلأ والحطب إن قال اعمل عليها ولك نصف ما تكسب عليها فثمنه للعامل وللآخر أجر دابته؛ لأن هذه الأشياء ملك للعامل بنفس أخذه لها.
قُلتُ: هذا يوهم قصر هذا الحكم على كسبه عليها ما يملكه العامل من هذه المباحات، وليس كذلك؛ بل الحكم عام فيه وفيما لا يملكه من كسبه عليها بنقل الأشياء المملوكة من طعام أو غيره فتأمله ابن الحاجب، واعمل على دابتي وما حصل لك نصف ثمنه وأجرته لا يجوز، بخلاف نصف الحطب أو الماء فإن نزل فاسداً فثالثها أن من قال: ولك النصف عليه أجر المثل.

الجزء: 8 - الصفحة: 180

قُلتُ: ظاهر قوله: (فاسداً) أنه مال من غير ضمير نزل ويجب عوده لأقرب مذكور وهو العقد بقوله: أعمل عليها ولك نصف الحطب أو نصف الماء، وهذا وإن كان جائزاً باعتبار ذاته فقد يعرض له ما يفسده كقوله ذلك بزيادة، ولا يأخذ نصفك في ذلك إلا بعد بيعه مجتمعاً أو بعد حمله كذلك أو لموضع كذا وقرر ابن هارون الأقوال بأن الأول كون الكسب لرب الدابة وعليه أجر العامل، والثاني عكسه وعلى العامل كراء الدابة، والثالث إن كان القائل ولك نصف الحاصل هو رب الدابة فالكسب للعامل وعليه كراء المثل من الدابة، وإن كان العامل قال: لرب الدابة أعطني دابتك أعمل عليها ولك نصف الحاصل فالكسب لربها وللعامل أجر مثله.
قُلتُ: هذا الخلاف لم أره لغير المؤلف، وهذا بناء منه على أن محل الأقوال إنما هو الصورة الأولى الفاسدة باعتبار ذاتها، وقررها ابن عبد السلام: بأن الأول هو كون الكسب للعامل وعليه كراء الدابة لربها سواء كان هو القائل ولك أو رب الدابة والثاني عكسه، والثالث إن كان ذلك من المسألة الأول، وهي الفاسدة بذاتها فالكسب للعامل وعليه كراء الدابة وإن كان في غيرها من وجوه الفساد فالكسب لرب الدابة وعليه للعامل أجر مثله، ومحل الأقوال مجموع الصورتين الأولى بذاتها؛ لأنها فاسدة والثانية باعتبار عروض ما يفسدها قال: وهذا أقرب إلى كلام المؤلف من الذي حمله عليه من تعرض لتفسيره فقصر الأقوال على الصورة الأولى، وجعل التفصيل باعتبار القائل وعليه يكون قوله فاسداً محض زيادة.
قُلتُ: الأظهر كون محل الأقوال الصورتين لظهور عود الضمير في نزل للأقرب فيهما مع ما أشار إليه الشَّيخ من فائدة قوله: فاسداً، ويتصور فساده بما قررناه أولا والأظهر تفسير القول الأول بما فسره به ابن هارون؛ ولأنه المذكور في لفظ المؤلف حيث قال: واعمل على دابتي وما حصل لك ثمنه.
فإن قلت: إذا كانت أقوال ابن الحاجب غير ثابتة حسبما صرح به شراحه وهو الحق فما مقتضى المذهب.
قُلتُ: ومقتضاه في الأولى أن الكسب لربها؛ لأنه إنما جعل عوض عمله ما هو

الجزء: 8 - الصفحة: 181

عوض من كسبها فلم يجعل له في كسبها حظاً، وفي الثانية الكسب بينهما نصفين ويرجع العامل على ربها بنصف إجارة مثله يغرم له نصف كراء الدابة في ذلك العمل، والصورة الجائزة في لفظ ابن الحاجب ذكرها الصقلي واللخمي عن محمد قالا: وكذلك على نقلات معروفات، أو قال: لي نقله ولك نقله.
الصقلي عنه: لا يجوز على أن ما كسب عليها اليوم لك وما كسب غداً فله وللخمي عنه ما نصه كمن قال: ما انتقل عليها اليوم لي وغدا لك جاز، وإن قال: تعمل عليها اليوم وتبيعه لي وما تعمل غداً لك إن شئت بعته لنفسك جائز إنما يفسد إن قال: تعمله على ملكك والثمن لي؛ لأنه مجهول وإن أصيب قبل البيع كان من العامل، فإن نزل فالكسب للعامل وعليه كراء الدابة، وإن قال: ربها اعمل عليها اليوم لي وغدا لك فعمل عليها اليوم ثم تلفت فللعامل على ربها أجر مثله وليس له أن يكلفه أن يأتي بدابة أخرى؛ لأنه إنما باعه منافع دابة معينة والمعين لا يخلف، واختلف إن قال: اعمل لك اليوم وغدا لي فعمل اليوم ثم تلفت هل لربها كراؤها أو يأتيه بدابة أخرى يعمل عليها؛ لأن المعمول عليه لا يتعين والأول أبين؛ لأن خلف ذلك يتعذر كثوب اللابس يستأجر على خياطته فيضيع ببينة ليس عليه خلفه.
قُلتُ: القول الأول هو قول ابن القاسم في العتبيَّة، ولما ذكره الصقلي قال: قال الشَّيخ: أعرف فيها: أن على رب الدابة أن يأتيه بدابة أخرى يعمل عليها وهو أصلهم.
محمد: لو قال: اعمل عليها لنفسك شهراً واعمل لي شهراً لم يجز إلا في مثل خمسة أيام وشبهها لقول مالك وابن القاسم: لا يصلح أن يواجر الرجل العبد وينقد أجره على أن يأخذه إلى عشرة أيام.
ابن القاسم: وجائز إلى خمسة أيام.
محمد: ولا يدخله الدين بالدين؛ لإجازة مالك سكنى دار سنة بسكنى دار له السنة المقبلة ولم يجزه في الحيوان، وفيها: لا بأس باجتماع بيع وإجارة اللخمي هذا المشهور، وحكى القاضي قولاً بمنعه ووجهه أن كثيراً من الإجارات لا تنفك من الغرر وفي سماع سَحنون: له البيع والإجارة جائزة في غير البيع ولا يجوز فيه.

الجزء: 8 - الصفحة: 182

ابن رُشْد: هذا مشهور من قوله: وهو جائز على قول مالك، وابن القاسم فيما يعرف وجه خروجه كالثوب على أن البائع خياطته، وفيما لا يعرف وجه خروجه إذا أمكنت إعادته كالصفر على أن يعمله البائع قدحاً وغيره لا يجوز اتفاقاً، وعلى المعروف قولها: من باع سلعة بثمن على أن يتجر له به المبتاع سنة جاز كمن واجره على التجر بمائة دينار سنة، أو يرعى له غنماً بعينها سنة جاز إن شرط خلف ما هلك منها أو تلف وإلا لم يجز، فإن شرط خلف المائة فتلفت، وأبى البائع خلفها فلا شيء على المشتري.
عياض: ضرب على ذكر الاشتراط في كتاب ابن وضاح عند ابن عتاب حيث وقع ولم يقرأه سَحنون، وقال: لا بأس في الغنم والدنانير دون شرطه والحكم يوجبه وقاله: ابن الماجِشُون وأَصْبَغ والصقلي وهو أصوب؛ لأن المستأجر عليه لا يتعين والحكم يوجب خلفه، وكذا في المدَوَّنة والموازيَّة وقال بعض أصحابنا: وإنما يتم هذا البيع إن أحضر المشتري الثمن لينتقل من ذمته لأمانته، وحكي عن القابسي فإن لم يحضره فسدت الإجارة فقط لتهمته على أن يؤخره ويزيده كقول ابن القاسم فيه: قوله: لمن له عليه دين اعمل به قراضاً وخففه أشهب.
قُلتُ: وكقول سلمها الأول من له على رجل مال فقال: أسلمه لي لم يجز حتى يقبضه، ويبرأ من التهمة ثم يدفعه له.
الصقلي: إن عمل ولم يحضره فالربح منتصف والخسارة للأجير ويرجع البائع بقدر قيمة الإجارة منها مع الثمن في قيمة سلعته، ولو كانت قائمة لضرر الشركة وعلى قول أشهب ويحيى ابن عمر يرجع في عينها وإن كانت قائمة وإن فاتت ففي قيمتها.
وقال عبد الحق: يرجع في قيمة السلعة أو في عينها إن كانت قائمة على الخلاف فيمن باع نصف ثوب على أن يبيع له النصف الثاني في شهر، فباع في بعض الشهر المسألتان سواء، والأجود أن لا يرجع في عينها لزيادة ضرر الشركة؛ لأنها تعيين بين ثلاثة بعد أن كانت بين رجلين.
قال هو والصقلي: ولابد أن يسمي له في أي نوع يتجر له الصقلي، ولا يلزمه

الجزء: 8 - الصفحة: 183

التجر بالربح وشرطه يفسدها بخلاف شرط رعي أولاد الغنم؛ لأنها معروفة ولو شرط التجر بالربح وعمل فالربح والخسارة للبائع وللعامل أجر مثله، وترد السلعة إن كانت قائمة، وإن فاتت مضت بالقيمة ولو تمت السنة والإجارة صحيحة والثمن في عروض لم يلزمه بيعها بخلاف المقارض؛ لأن أجله النض والإجارة مؤجلة، ولو مات بعد تجره بها نصف السنة رجع البائع بمناب النصف الباقي منها في قيمة السلعة أو عينها على القولين مع اعتبار تماثل أيام السنة أو اختلافها في قيمتها.
قال: ولو استحقت السلعة بعد تجره نصف سنة تبع البائع بأجر مثله في تجره والثمن والربح والخسارة للبائع، وعليه ولو اطلع على عيب بها بعد فوتها وتجره نصف سنة والمعيب الربع تبع البائع بربع الثمن وربع قيمة تجره في نصف السنة، ويتجر له في النصف الثاني بثلاثة أرباع الثمن، ولو اطلع عليه قبل تجره وفاتت والعيب الربع تبعه بربع الثمن وتجر له بباقيه، قال: أكثر هذه الوجوه وحفظتها عن القرويين.
الصقلي: قوله في اطلاعه على العيب بعد تجره نصف السنة إلى آخره فيه تناقض وقياس قولهم يرجع بربع قيمه تجره في النصف الماضي أن يسقط عنه ربع السنة الباقي لعمل نفسه يوماً وللبائع ثلاثة أيام أو يرجع في النصف الماضي بقيمة تجره بربع الثمن؛ لأنه لو اطلع على العيب قبل العمل لم يعمل إلا بثلاثة أرباع الثمن والأول هو الجاري على أصولهم، وكذا لو اطلع على العيب قبل العمل لم يعمل إلا بثلاثة أرباع الثمن والأول هو الجاري على أصولهم، وكذا لو اطلع على العيب قل العمل وفاتت السلعة لرجع بربع الثمن وسقط عمله في ربع السنة لا عمله في ربع الثمن، إذ قد يكون عمله في ثلاثة أرباع الثمن وعمله في جميعه مؤنتهما واحدة، ولأن عمله هو بعض ثمن السلعة فيجب أن يرجع فيه كما لو اكترى داراً بعبد سنة فأعتق العبد، ثم اطلع على عيب نقص له ربعه لكان له ربع السكنى وللمكتري ما بقي.
قال بعض فقهائنا: لو كان قيمة تجره ضعف الثمن فمات قبل العمل لرد الثمن ويأخذ سلعته إن كانت قائمة؛ لأن جل ما اشترى وهو التجر ذهب ولو تحمله قليلاً ثم مات لرد قيمة ذلك مع الثمن كمن اشترى ثوبين بعيد فوجد بأرفعهما عيباً، وفات

الجزء: 8 - الصفحة: 184

الأدنى لرد قيمة الأدنى مع الأرفع وأخذ عبده، ولما ذكر اللخمي شرط خلف الدنانير قال: إن ضاعت والبائع لا يقدر على الخلف لزمت المحاسبة كثوب اللابس يضيع في الخياطة والصبغ، وإن شرط عدم الخلف والمحاسبة جاز إن كان ممن يتعذر عليه الخلف وإن كان ممن لا يتعذر عليه الإجارة النصف فأكثر لم يجز، وإن كانت يسيرة جاز على قول ابن القاسم فيمن باع نصف ثوب على أن يبيع له الآخر وإن لم يشهد المشتري على حضور الثمن، فإن جلس في دكان للتجر فيه الصنف الذي استؤجر عليه كان كالإشهاد، وإن جهل كون تجره لرب المال؛ لأن تلك كانت تجارته كان ذلك أشكل وهو يقبل قوله أيضاً، وقد قال ابن القاسم في العتبيَّة: من أمر مدينه أن يشتري له بدينه سلعة فقال: اشتريتها وضاعت قبل قوله: يريد؛ لأنه مؤتمن على الشراء وهو في هذا أبين لطول الأمد وجلوسه للتجر إلا أن يقول أخرجته، وضاع قبل أن أتجر فلا يقبل قوله.
قُلتُ: يرد قياسه على قول ابن القاسم: بأن المعارض لقبول قوله: حق آدمي وفي مسألة التجر حق الله في التأخير بزيادة، وحق الله آكد قال: وإذا أتى بربح فللبائع أخذه بخلاف دين تقرر في ذمته على أن لا يتجر به، ثم تجر به؛ لأن التجر هنا شرط في أصل البيع قبل تقرر الدين في ذمته فلا تهمة؛ لأن لهما عقدة على ما جاء به من ربح.
قُلتُ: قوله: (لا تهمة) يرد التهمة الموجبة لشرط إحضاره فعم التهمة في المواجرة على التجر بدين في ذمته أقوى، وزاد على شرط تعيين صنف ما يتجر فيه شرط دوامه في الشتاء والصيف، وأن يكون ممن يريد متصل التجر فإن شرط ما يحتكر لأسواقه لم يجز؛ إذ لا يدري هل يتغير سوقه مرة في السنة أو أكثر أو تخرج السنة دون تغير سوق ولو شرط تجره في تلك السنة مرتين لم يجز؛ لأنه نقد بعض السلعة في منافع رجل بعينه يقبضها لأجل بخلاف كون عمله متصلاً والربح إن كان قدره في مدة الإجارة متقارباً جاز شرط التجر به وإلا لم يجز وكذا شرطه عدم الخسارة، وإن ظهر على عيب بالسلعة وقد فاتت رجع بقيمة العيب إن كانت العشر رجع بعشر الثمن وعشر قيمة منافعه على ماضي الشهور ويسقط عنه في المستقبل التجر في عشر الثمن، وله التجر لنفسه في قدره، وإن لم يقدر أن يتجر منها ناحية فله التجر في كل المائة وبغرم البائع قيمة عشر المنافع في

الجزء: 8 - الصفحة: 185

المستقبل كما لا ينقسم، وإن فاتت بعيب فإن تماسك رجع بقيمة العيب كما لو هلكت، وإن ردها رد مناب العيب من الثمن إن نقصها لعشر من أصل الثمن، وهو التسع بعد طرح العيب رجع المشتري بتسعين ديناراً، وقيمة تسع أعشار المنافع عن الماضي وسقط العمل في المستقبل؛ لأنه أول المنافع فإن كانت قيمة الإجارة مائة فالباقي عند المشتري قيمة ربع العيب وهو الذي يغرم للبائع وإن مات قبل عمله فإن كانت قيمة الإجارة مائة فأكثر والسلعة قائمة رجع شريكاً فيها بقدر الإجارة فإن رضي المشتري بعيب الشركة وإلا رد وإن كانت قيمتها الثلث فأقل رجع بذلك قيمة عند ابن القاسم وشريكا عند أشهب، وقاله ابن القاسم أيضاً، ويخير الورثة لعيب الشركة.
قُلتُ: كذا هو في غير نسخة وفيه نظر؛ لأن ظاهره لزوم البيع في السلعة، وإن كانت الإجارة أكثر من النصف، ومقتضى المذهب إن كانت أكثر من النصف لزوم الفسخ، وعلى قول ابن حبيب يكون مخيراً حسبما تقدم في العيوب.
قال: فإن مات بعد عمله نصف السنة، فقد قبض البائع جل الثمن المائة ونصف العمل ورجوعه في الباقي شريكاً أو قيمة على ما تقدم ويختلف قيمة المشهور؛ لأنها أكريت بالنقد الذي ينوب الأول أرخص وما ينوب الآخر أغلى؛ لأنه كسلعة أسلم فيها وعليه الجواب إن مرض قبل السنة أو بعد عمله بعضها إن قال البائع خذ مالي إن مضى بعد السنة فله ذلك إن كان لا يرجى برؤه إلا بعد طول، وما يضر مثله فإن برئ بعد رجوع المال عن قرب والبائع موسر أتى بمائة أخرى، وإن لم يقدر على خلفها فسخت الإجارة.
اللخمي: إن بلغت السلعة المواجر على بيعها ما يباع به مثلها فالقول قول من دعي لترك النداء عليها، وفيها الإجارة على بيع سلع كثيرة على أنه بالخيار شهراً جائز، ولا ينقد الصقلي ولا تطوعاً.
سَحنون: إنما يجوز خيار يومين أو ثلاثة.
حمديس: إن كان شهراً فسدت؛ ومعناها: بعها على حساب الشهر بكذا.
القابسي: معناها: أنه بالخيار ما لم يعمل.

الجزء: 8 - الصفحة: 186

قُلتُ: وأخذ منها الكراء على قبول الزيادة والجعل والبيع في عقد واحد.
قال اللخمي: اختلف فيه وهو راجع إلى بيع سلعتين إحداهما على بت والأخرى على خيار.
وفي المقدمات: لا يجتمع الجعل والإجارة؛ لأن الإجارة لا تعقد إلا معلوماً في معلوم، والجعل يجوز فيه المجهول فهما مختلفاً الأحكام متى جمعا فسدا.
وعن سَحنون: إجازة المغارسة مع البيع وهو من هذا المعنى، وفي جواز بيع نصف ثوب أو دابة على أن يبيع مشتريه باقيه لبائعه، ثالثها: إن ضرب لبيعه أجلاً، ورابعها: إن ضربه وإلا جاز لعياض عن ابن لبابة مع الموطأ، والصقلي عن محمد مع إحدى روايتيها والمشهورة منهما، واللخمي عن رواية مختصر ما ليس في المختصر مع قول ابن زرقون نحوه روى أشهب فيما ذكر فضل، ولعياض عن محمد لو كان فيما ينقسم مما يعرف بعينه، ويأخذ نصيبه متى شاء جاز إن ضرب الأجل، وهو قول بعض الرواة عن مالك.
فيها: قال ابن لبابة: كان على وجه الجعل أو الإجارة.
قُلتُ: كذا نقل عنه عياض، ونقله الصقلي عنه لا يقيد مما يعرف يعينه، وتعقبه بأنه يدخل في المكيل، والموزون وكل ما لا يعرف بعينه.
وفي الموطأ: ما نصه من ابتاع سلعة فقال له رجل: أشركني بنصفها وأنا أبيعها لك جميعاً أنه لا يجوز، وقبل عياض قول ابن لبابة في قول مالك في الموطأ: بيع نصف سلعة على أن يبيع له النصف الآخر حلال أحسبه؛ يريد: ضرب أجلاً أم لا في بلد أو غيره، وله من الأجل إن لم يضرب قدر ما ابتاع إليه، وسمع القرينان في كتاب الشركة من أشرك في لؤلؤ اشتراه قوماً على أن لا يقاسمهم إياه؛ بل على أن يبيعه لهم فعليه أن يبيعه لهم، ولو بار اللؤلؤ وذهب الوقت الذي كان يراد بيعه إليه لم أر ذلك عليه، ودفع لهم الذي لهم بمقاسمته إياهم.
ابن رُشْد: ظاهره جواز ذلك، وإن لم يضرب لبيعه أجلا وذلك فاسد؛ لأنه جعل وبيع وذلك غير جائز، ووجه هذه الرواية أنه رأى أن ما يباع إليه اللؤلؤ معروف بالعادة كالأجل المضروب، وهو بين من قوله: لو باع اللؤلؤ وذهب الوقت الذي كان يرجى

الجزء: 8 - الصفحة: 187

بيعه إليه؛ يريد: ويستوجب البائع كل الثمن، ولو باعه فى نصف الأجل لرجع المبتاعون بمناب ذلك من الثمن.
قلت: مقتضى كلام ابن رشد: عدم وجود القول الأول، وقال ابن الحاجب: لو باعه نصف سلعة على أن يبيع له نصفها، أو بأن يبيع له نصفها، فثلثها: إن عين أجلا جاز، ورابعها: عكسه فلم يعز ابن هارون القول الرابع واستبعده.
وكذلك ابن عبد السلام وزاد: ويقرب منه ما فى مختصر ما ليس فى المختصر.
قلت: الأظهر أنه هو؛ ولذا لم يذكره ابن الحاجب، واشتهر عن مالك وغيره إطلاق لفظ المكروه على المحرم قاله فى جامع العتيبة وغيره، وقبولها نقله الأقوال بالفساد فى بيعه نصف سلعة بأن يبيع له نصفها غير صواب؛ لأنه دون أجل مجرد جعل وبالأجل إجارة وكلاهما جائز، وظاهر كلام ابن الحاجب أن لا فرق بين كون بيعه بالبلد أو بغيره، والجواز فى المدونة مقيد بكونه فى البلد، وتقدم لابن لبابة غير البلد كالبلد، وفيها: تجوز الإجارة على بيع قليل السلعة وكثيرها إن ضرب للبيع أجلا وإلا لم يجز إن باع لتمام الأجل فله كل الأجر، وإن باع فى ثلثه فله حصته من الأجر ولا يجوز نقده؛ لأنه إن باع فى نصفه رد نصف ما قبض فيدخله بيع وسلف، وإن لم ينقده فللأجير قبض حصته ما مضى من يوم.
الصقلى عن الموازية: من واجر من يبيع له متاعا شهرا فباعه قبل الشهر فليأته بمتاع آخر يبيعه لتهام الشهر.
محمد: هذا إن لم يكن متاعا بعينه، وكذا القمح وغيره، ويجوز فيه النقد والمعين لا يجوز فيه النقد، فإن باع فى نصف الأجل فله بحسابه.
ابن الحاجب: وعلى الصحة فى التعيين: ضرب الأجل وتعيينه ثم ذكر ما تقدم عن الموازية، وقال: ظاهر الخلاف ما قاله ابن الحاجب، ولعله على القول الثانى من الأقوال الأربعه فتأمله.

الجزء: 8 - الصفحة: 188

قلت: قوله: (خلافا لنقل ابن الحاجب) يقتضى أنه على نقل ابن الحاجب تجب المحاسبة إن باعه فى أثناء الشهر، ولو كان متاعا بغير عينه ولا يخفى فساد هذا على منصف وإنما جاء هذا من تفسيره التعيين بضرب الأجل، والصواب تفسيره بتعيين المستأجر على بيعه.
فإن قلت: موجب حمله على الأصل قول المؤلف قبله إن عين أجلا.
قلت: لا يوجب حمله عليه قصره عليه بل الواجب حمله عليه وعلى ما قلناه السلامة من مخالفة المذهب.
وسمع عيسى ابن القاسم: لا خير فى مؤاجرته أن يبيع له ما جاءه شهرا على أن لم يجئه بشاء فله أجره إلا أن يقول إن لم يجئه شاء فله أن يؤاجره فى مثل ذلك.
ابن رشد: إن لم يقع شرط ولا تسمية لما جاءه جازت الإجارة؛ لأن الحكم يوجب استعماله فى مثل ما استأجره فيه اتفاقا، فإن لم يستأجره لشاء ومعين ولو قال: ما يأتى من بلد كذا أو من عند فلان لم يجز على غير شرط على أصله فى الاستئجار على رعاية غنم بأعينها لا يجوز إلا بشرط الخلف، وسنحون: يجوز ذلك، ويرى الحكم عليه الخلف، ولو شرط أن لا يبيع له إلا ما جاءه فلم يجئه أو قل فله من الأجر بحساب ما جاءه، ولو شرط أن لا يبيع له إلا ما جاءه فلم يجئه أو قل فله من الأجر بحساب ما جاءه، فإن نقد لم يجز اتفاقا، وإن لم ينقد جاز على قول ابن القاسم فى الذى يكترى من الجمال على أن يسوق له برا من بلد كذا، فإن وجده بالطريق رجع وله الأجر بحسابه أنه جائز، ولم يجز على قول سحنون أنه لا يجوز.
وفيها: إن باعه نصف طعامه على أن يبيع له النصف الآخر بالبلد، وضرب له أجلا لم يجز الباجى عنها إن كان مكيلا أو موزونا لم يجز سحنون؛ لأنه يغيب عليه، وقد يبيع فى نصف الأجل فيرد ما غاب عليه فيدخله سلف، وإجارة اللخمى أجازه ابن القاسم فى الموازية فى كل مكيل وموزون، وينقد الجميع لما كان مناب الإجازة يسيرا لم يتهما فيه على بيع وسلف، وفى التنبيهات، وكانت رواية سحنون عن ابن القاسم: أنه لا بأس به فى الطعام وغيره.
قال فضل: أصلحت فى المدونة ولما خلط ابن الحاجب مسائل كتاب الجعل والإجارة بمسائل كراء الدور والأرضين والرواحل كابن شاس التابع للغزالي رأيت

الجزء: 8 - الصفحة: 189

إفراد الكلام على مسائل كل كتاب أنسب للناظر فى مسائل المدونة

باب منفعة الإجارة

المنفعة: ما لا يمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيفت إليه، فيخرج الأعيان والعلم والقدرة ونحو نصف العبد ونصف الدابة

الجزء: 8 - الصفحة: 190

مشاعا وهي ركن؛ لأنها المشتراة.

باب شرط المنفعة فى الإجارة

وشرطها إمكان استيفائها دون إذهاب عين يقدر على تسليمها معلومة غير واجب تركها ولا فعلها.

الجزء: 8 - الصفحة: 191

وتبع ابن شاس وابن الحاجب الغزالى فقالا: هى متقومة غير متضمنة باستيفاء عين مقدورا على تسليمها غير حرام، ولا واجبة معلومة ففسروا متقومة بها لها قيمة وهو قول الغزالى عنينا بالمتقوم أن استئجار تفاحة للشم والطعام لتزين الحانوت لا يصح، فإنه لا قيمة له، وتبع ابن الحاجب ابن شاس فى قوله: فى إجارة الأشجار لتجفيف الثياب قولان وقبله شارحاه، ولا أعرف القول بالمنع ومقتضى المذهب الجواز كإجارة مصب مرحاض، وحائط لحمل خشب، وفى الخيار منها لا تجوز إجارة ما لا يعرف بعينه من طعام، أو إدام، أو نحوه.
الجلاب: لا يجوز إجارة الدنانير والدراهم، والأجرة عن مستأجرهما ساقطة.
ابن شاس: منع ابن القاسم استئجار الدنانير والدراهم لتزيين الحوانيت، وأجاز جميع ذلك الشيخ أبو بكر وغيره إن كان المالك حاضرا معه.
قلت: كذا عزاه فى المعونة للأبهرى، وفى عيون المسائل لابن القصار إن كان فى الدنانير والدراهم عرض ينتفع به دون إتلاف عينها جازت إجارتها مثل أن يعير بها مكاييل أو موازين أو أن يتجمل بها صيرفى.
قلت: وتعقب هذا بأنه غرور وخديعة يرد بأنه كذلك فى لبس الثياب يعرض فيه إرادة الغرور بالثياب الرفيعة، ومعنى ذلك حيث لا غرور كالبلاد المعروف فيها ذلك والمجاورة لأهل الحرب التى يدخلها بعضهم كالأندلس حيث يكون ذلك إرهابا للعدو وعليه يحمل قول اللخمى فى عاريتها لذلك وفى الجعل منها تجوز إجارة الآنية والقدور والصحاف، وفى وثائق ابن العطار: لا يجوز كراء ما لا يعرف بعينه مثل قدور الفخار وصحاف الحنتم وشبه ذلك.
قال ابن الفخار: أما قدر الفخار فالدخان يغيرها حتى لا تعرف بعينها إلا أن يتبين

الجزء: 8 - الصفحة: 192

بنقش فيها وأما صحاف الحنتم فتعرف بأعيانها فلا معنى لقوله فيها: يمنع كراؤها.
قلت: مقتضى كلامهما عدم ذكرهما ما ذكرناه عنها، وهو قصور، وارتضى ابن فتوح قول ابن الفخار، وعارض بعض الفاسيين قولها فى الجعل بقولها أول أكرية الدور والطعام، وما يكال ويوزن ويعد مما لا يعرف بعينه يجوز الكراء به، ولا يجوز أن يكرى، ومن أنصف وقرأ يسيرا من أصول الفقه تيقن أن لا مناقضة بين قولها القدور والصحاف تعرف بعينها، وبين مقتضى قولها فى الدور بعض ما يعد لا يعرف بعينه؛ لأنه يصدق بالدنانير والدراهم الجائزة عددا، وفى جواز إجارة المصحف ومنعه نقلا اللخمى عن ابن القاسم فيها، ومحمد مع ابن حبيب.
الصقلى: عنه بعد نقله عنه لفظ لا يجوز، وكره إجارته من لقيت من أصحاب مالك، واختلف فيه قول ابن القاسم ففى كون الكراهة، ثالثا: نظر ابن شاس الشرط الثانى أن لا يتضمن استيفاء عين فلا يصح استئجار الأشجار لثمرها والشاة لنتاجها ولبنها وصوفها؛ لأنه بيع عين قبل الوجود وتبعه ابن الحاجب، ولا أذكر هذا الفرع لأهل المذهب فى الإجارات لوضوح حكمه من البياعات؛ وإنما ذكره الغزالى وتبعه ولو رسموا المنفعة بما قلناه ما احتاجوا لذكره، واستثنى ابن شاس مسألة إدخال الشجرة فى الدار، وفى اكترائها فى أكرية الدور منها من اكترى دارا أو أرضا بها أو دالية أو بالأرض سندس نخل لا ثمر فيها أو بها ثمر لم يزه فالثمرة للمكرى إلا أن يشترطها المكترى، فإن كانت مثل الثلث فأقل جاز ويلغى الثلث عن مالك ولم يبلغه فى سؤالى إيال تقوم الأرض أو الدار دون الثمرة إن قيل: عشرة، قيل: ما قيمة الثمرة فما عرف مما تطعم كل عام بعد طرح قيمة المؤنة، والعمل إن قيل: خمسة فأقل جاز كالمساقاة.
قلت: للخمى فى هذا التقويم بحث تقدم فى المساقاة.
الصقلى: عن محمد عن أصبغ هذا إن علم طيب الثمرة قبل معنى مدة الكراء وإلا لم يجز، وذكر ابن فتوح غير معزو كأنه المذهب.
التونسى: ينبغى إن أكرى سنين أن ينتظر لثمرة كل سنة إن كان تبعا لتلك السنة جاز، ولو كانت فى بعضها غير تبع، وإن أضيفت إلى جملتها كانت تبعا لا شبه أن لا

الجزء: 8 - الصفحة: 193

يجوز كما لو اكترى دورا فى صفقة فى بعضها ثمرة أكثر من ثلثها، ولا شاء فى بقية الدور أو فيها أقل من الثلث إن جمع الجميع كان أقل من الثلث لم يجز، وفيها: لو اكترى أرضا بها زرع أو بقل لم يطب فاشترطه جاز إن كان تافها ولا أبلغ بهذا الثلث ولو كانت الثمرة فى الدار الثلث فشرط المكترى نصفها لم يجز، إنما جاز إذ هى تبع بالسنة فإن شرط نصفها صار بيع قبل زهوه، وكذا حلية السيف والخاتم ومال العبد.
الصقلى: وأجازه كله أشهب محمد عن ابن القاسم إن كانت الثمرة بالدار أكثر من الثلث فاشترط منها الثلث فأقل لم يجز.
الصقلى: ويجوز على قول أشهب، وقال يحيى بن عمر: لو شرط ثمرة النخلة وهى دون الثلث فانهدمت الدار فى نصف السنة والثمرة طابت نسبت قيمة الثمرة على المتعارف كل عام لمجموع قيمتها وقيمة ما سكن فقط، فإن كان ثلث ذلك فالثمرة للمكترى وإلا فلرب الدار وفسد فيها البيع إن جدها المكترى رطبا رد قيمتها وإن جدها ثمر فمكيلها ولو انهدمت والثمرة لم تطلب ردت لرب الدار ولو كانت تبعا لما سكن محمد إن كانت قدر ثلث الصفقة أو لا، وانهدمت الدتر نصف السنة ردت الثمرة بحصتها من الثمن طابت الآن أو لا، وعلى المكترى نصف ما وقع على الدار من الكراء دون ثمرة.
الصقلى: هذا كقول يحيى، وللعتبى عن أبى زيد عن ابن القاسم إن كانت قدر الثلث الصفقة يوم العقد والهدم فى نصف المدة، فإن طابت الثمرة فهى للمكترى وعليه ثلثا الكراء، وإن لم تطلب فهى لرب الدار وله ثلث الكراء؛ يريد: إن استوت قيمة الشهور، وقال بعض فقهائنا القرويين: يجب كونها للمكترى وإن لم تطلب؛ لأنها فى العقد ثلث ولا تهمة لطريان الهدم، وقاله فى الواضحة ابن القاسم: لو استقاله المكترى فأقاله، وقد نقد أولا ولم تطب الثمرة، فإن كانت تبعا لباقى المدة جاز كابتداء كراء من المكترى للمكرى، وإن طابت الثمرة جاز، ولو نقدا ثم رجع ابن القاسم، فقال: إن نقد كان بيعا وسلفا.
الصقلى: ولو أبقى المكترى الثمرة لنفسه، وقد طابت فإن كانت تبعا لما مضى جاز

الجزء: 8 - الصفحة: 194

على القولين، وإن لم يكن تبعاً لم يجز على رواية يحيى واحتمل الجواز على رواية أبى زيد فى الهدم؛ إذ هي تبع في العقد ويحتمل الفرق بأن الهدم طار والإقالة برضاهما فيتهمان على بيع الثمر قبل بدو صلاحه كما اتهما في النقد على بيع وسلف، وإن لم تطب الثمرة لم يجز بقاؤها للمكتري، ولو كانت تبعًا لما مضى ولابن حبيب مثل رواية أبي زيد.
قلت: ما ذكره عن ابن القاسم -إلى قوله-: كان بيعًا وسلفًا هو سماعه عيسى ابن رشد: تحصيلها إن كانت الإقالة والثمرة طابت فتركها لرب الدار جائز بكل حال، وإن أبقاها لنفسه جاز إن كان تبعًا للأشهر التي سكن ككونها السدس من كراء السنة، وإن لم تطب لم يجز إبقاؤها لنفسه بحال، وتركها لرب الدار جائز إن كان تبعًا لما بقي، وإن لم تكن تبعًا له ولك يزد في رواية أبي زيد شيئا، وفيها: لا بأس بإجارة الظئر بكذا، ومع شرطها عليهم طعامها وكسوتها.
اللخمي: يجوز بالطعام كالعين، وليس من بيع الطعام بالطعام ويجب حضور الصبي ليرى وإن غاب لم يجز إلا بذكر سنه ويجزئه رضاعه أحسن ولا يجوز على قول سحنون إلا بتجربته لقوله: إن مات أحد الصبيين المستأجر على رضاعهما انفسخت الإجارة لاختلاف الرضاع.
قال: لأنها إن أجرت نفسها ليرضع آخر بدل الميت لم يدر هل رضاعه مثل الميت أم لا.
ابن فتوح: قال مالك: يجوز بشرط نفقتها وكسوتها دون صفة؛ لأن ذلك معلوم، وقول ابن الحاجب: استئجار المرضع، وإن كان اللبن عيناً للضرورة تبع فيه قول ابن شاس يصح استئجارها للإرضاع مع الحضانة فيندرج اللبن تحتها، وإن كان عيناً للضرورة بل يجوز استئجارها للبنها فقط للضرورة، وكلاهما تبع.
الغزالى: قال ما نصه: استئجارها للإرضاع مع الحضانة جائز، وفيه دون حضانة خلاف الأولى الجواز للحاجة، وقول ابن الحاجب: وإن كان اللبن عينا للضرورة يرد بأنه ليس لمجرد اللبن، وإن جرد عن الحضانة؛ لأن الإرضاع ملزوم لمؤنته وهى تناول الصبى وضعه فى حجرها وإلقامه الثدى وتسويته لذلك، وذلك عمل زائد على نفس

الجزء: 8 - الصفحة: 195

اللبن، وفيها: ليس لزوجها وطؤها إن أجرت نفسها بإذنه وله فسخ إجارتها بغير إذنه.
الصقلى: قال ابن حبيب عن أصبغ: لا يمنع من وطئها إلا أن يشرط عليه أو يتبين إضراره ذلك بالصبى وقول ابن القاسم أحب إلى؛ لأن الزوج لا يكون موليا بيمينه على تركه وطأها مدة الرضاع، وإن اختلف فيه ابن فتوح عن ابن الماجشون لا يمنع الزوج من وطئها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقد هممت أن أنهى عن الغلية»، ولم ينه عنها.
ثن قال عن ابن حبيب: بقول ابن القاسم أقول لا بقول أصبغ؛ لأنى سمعت ابن الماجشون يقول: العرب تقول لو لم يبق من عمر المغيل إلا يوم واحد لأدركه ضرر ذلك، وأخذ الشيوخ من قولها: أن من اختلعت من زوجها على رضاعتها ولده أن ليس لما أن تتزوج حتى تتم الرضاعة.
قال أبو إبراهيم: انظر لو تزوج رجل من بان أنها استأجرت نفسها ظئرا ترضع فى بيت الصبى، هل هو عيب يوجب له فسخ نكاحه؟ قلت: الأظهر أنه عيب تقدمت مسألة الخلع فى فصله وفيها ترضع حيث اشترطوا، فإن لم يشترطوا موضعا فشأنه عند الأبوين إلا من لا يرضع مثلها عند الناس، ومن الناس من هو دنى الشأن فإن طلبه عنده لم يكن ذلك له؛ لأنه لا خطب له.
قلت: أتحفظه عن مالك.
قال: لا.
عبد الحق عن بعض شيوخه: إن شرطتا إرضاعه فى بيت الصبى فمات زوجها رجعت لبيته للعدة؛ إذ لا مبيت لمها بغيره، قيل: قد لزمتها شرط المقام قبل العدة.
قال: طرأ ما هو أقوى منه وهى العدة لحفظ النسب.
قيل: قد قال: إن سبق الاعتكاف الطلاق لم يخرج منه.
قال: مقام المعتكف بالمسجد، وهو موضع أمن عليها.

الجزء: 8 - الصفحة: 196

قلت: ولأنه حق لله فهو آكد من حق الآدمى، وفيها: ويحملون فى مؤنة غسل خرق الصبى جسمه ودهنه، ودق ريحانه وطيبه على عرف الناس.
اللخمى: ما يحتاج إليه الولد من ريحان أو زيت أو غسل غير داخل فى الأجرة إلا أن تكون العادة أنها فى مالها.
الشيخ عن ابن عبد الحكم: على الظئر غسل خرق الصبى وما يحتاج إليه والقيام بها تقوم به الأم ويرضيه وتدق ريحانه، وفيها: إن حملت المرضع فخافوا على الصبى ألهم فسخ الإجارة.
قال: نعم ولا أحفظه عن مالك، ونقل اللخمى: فسخها بمجرد الحمل لا بقيد الخوف على الولد.
قال: لأن رضاع الحامل يضر الولد، وفيها: فسخها بموضع الرضيع، وليس لها ولا لأبويه الإتيان بصبى ترضعه.
اللخمى: فى كتاب ابن سحنون: ولا ينفسخ وعلى الأب الإتيان بمثله.
قلت: يأتى بيان هذا الأصل، ولا تنفسخ بسفر الأبوين، وليس لها أخذه إلا بدفع كل الأجرة، وإن اجرت شريفة نفسها لزمها، وإن لم يلزمها إرضاع ولدها.
اللخمى: أرى إن كان لها من تدركه معرتها من أب أو ولد أو ولد ولد أن تفسخ الإجارة.
قلت: إلا أن تنزل بها حاجة، وفيها: إن مرضت بحيث لا تقدر على رضاعه فسخت الإجارة، فإن صحت فى بقية منها جبرت على رضاعه بقيتها، ولها من الأجر بقدر ما أرضعت ولا عليها إرضاع ما مرضت.
قال غيره: إلا أن يكونا تفاسخا.
اللخمى: إن لم يرج برؤها عن قرب فسخ، فإن فسخ لذلك، ثم برأ عن قرب ففى كونه حكما مضى، ورده ليتبين الخطأ خلاف منه أخذ دية العين لنزول ما ثم يذهب، وخطأ الخارص وإن لم تفسخ لقرب زوال المرض ولم يوجد من يرضعه إلا بقية كل المدة أجبرت على رضاعه القدر المضطر إليه.

الجزء: 8 - الصفحة: 197

الصقلي عن ابن عبد الحكم: لو تكفلت الظئر بوجه رجل فقام عليها المتكفل عليه له لغيبة الغريم لم تحبس له؛ لأن حمالتها تطوع بعد عقد الرضاع، وليس لها أن تتطوع بها يفسخه ونقله اللخمى غير معزو كأنه المذهب.
قال: ولو كانت كفالتها قبل عقد إجارتها سجنت له، ونظر فى مدة سجنها كمرض.
وفيها: إن واجرها على صبيين حولين فمات أحدهما بعد حول سقط عنه منابه من الأجرة باعتبار رخص الكراء وغلائه، واختلاف الأزمنة من شتاء وصيف وكبر الصبى وصغره، ولها إرضاع غيره بأجر مع الباقى.
الصقلى: عن سحنون تفسخ الإجارة، إذا لا يحاط بذلك، وتقدم أخذ اللخمى منه لزوم.
اللخمى: منه أخذ تجربة رضاع الصبى، وفيها: إن واجرها على إرضاع صبى لم يكن لها إرضاع غيره معه.
قلت: لما تفريع يذكر فى رعاية الغنم، وفيها: إن واجر ظئرين فماتت إحداهما فللباقية أن لا ترضع وحدها كأجيرين على رعاية مات أحدهما.
اللخمى: من حق الباقية أن يأتى الأب بمن يرضع معها، وإن لم يجدها فللباقية فسخ الإجارة إلا أن تقول أرضعه النوبة التى كنت أرضعه مع الأخرى.
قلت: ولا يجب إن رضى الأب ذلك وأبت؛ لأنه يرضع أكثر، وإن واجر واحدة ثم أخرى تطوعا فماتت؛ لزم الأولى كل الرضاع، وإن ماتت الأولى فعليه أن يأتى بمن يرضع مع الثانية.
عبد الحق: هذا إن علمت الثانية حين العقد أن معها غيرها، وإلا فلا كلام لها، وقاله حمديس.
وفيها: إن مات الأب فى أثناء المدة فمناب ماضيها عليه، وإن مات عديما ومناب باقيها على الولد فإن لم يكن له مال ولا تطوع به أحد فلها فسخ الإجارة، ولو قالت: أرضعه لاتبعه فلا اتباع لها كنفقة على يتيم كذلك، ولو كان الأب قدم مناب باقيها ففي

الجزء: 8 - الصفحة: 198

كونه لوارثه أو للولد ثالثها مناب الزائد على عامين للولد لابن القاسم مع روايته فيها مستدلاً بأنه لو مات الصبي والأب حي كان ما دفعه الأب للمرضع له دون أب، ولأشهب واللخمي قالا: لأنه هبة له وعلى كونه للإرث ففي أخذه لينا أو أجرة، نقلا اللخمي مصوباً بالثاني: كموت الصبي والأب حي، وفيها: وما بقي مما لم ترضعه الظئرين ورثة الميت، ونقله اللخمي: بلفظ ما بفي من الرضاع ميراث.
قال: فيحتمل أن الوصي يأخذه له بالثمن، أو كقول سحنون: يخلف الصبي فيكون من حق الظئر أن الإجازة منعقدة، والوصي يأخذ ذلك من حظه بالثمن أو يبيعونه بما شاءوا، وعلى إرث الأجرة فعقدها منفسخ وعلى أن الخلف في موت الصبي من حق الأب، فللوصي إلزامها العقد.
عبد الخالق: إن قدم الأب أجر تعليم ولده فمات لم يكن ما قدمه ميراثاً بخلاف أجر الظئر؛ لأنه على الأب واجب بخلاف أجر التعليم، إلا أن يعلم أن الأب بتله للولد خوف الموت في صحته، وأعرف نحو هذا لمحمد.
اللخمي: عن أشهب إن مات الأب، وقد قدم أجر التعليم فهو للولد لا يورث، وإن مات الصبي رجع للأب إن كان حياً ولوارثه إن كان ميتاً كمن أخدم عبده رجلا حياته.
قال محمد: وأبى ذلك ابن القاسم في الظئر والمعلم، وقد قال: ذلك كالنفقة يقدمها الأب والروايتان في الموازية، وفيها: لا بأس أن يؤجر الرجل أمه أو أخته أو ذات محرم منه على رضاع ولده ولا ينافيه نقل بعضهم منع استخدام الولد والده؛ لأن الإرضاع خفيف.
واستئجار أجير معين على شروعه لما قرب كاليومين جائز اتفاقاً ولما بعد كالشهر.
قال ابن رشد: أول مسألة من سماع ابن القاسم دليل هذا السماع جوازه، وهو نحو قولها في الرواحل يجوز كراء الراحلة بعينها على أن تركب إلى شهر إن لم ينقد، ولابن حبيب: من استأجر أجيراً على أن يشرع إلى أيام لم يجز إلا إلى أيام قلائل كالجمعة، وما لا يطول فيحتمل أن يريد مع النقد فتتفق الأقوال.

الجزء: 8 - الصفحة: 199

قلت: ظاهره أن لا خلاف في ذلك، إلا ما ذكره عن ابن حبيب.
وفيها: من اكترى دابة على أن يركبها بعد شهر.
قال مالك: لا بأس به إن لم ينقد، وقال غيره: لا يجوز وتقدم هذا، وحكم النقد في مسألة الدولة، وقول ابن الحاجب: يصح إجارة الرقبة، وهي مستأجرة أو مستثني منفعتها مدة تبقى فيها غالباً.
ابن عبد السلام: قوله: الرقبة تشمل الحيوان وغيره واضح، وحكم غير الحيوان في محله، وتبع ابن شاس الغزالي في شرط المنفعة بالقدرة على تسليمها فيمتنع استئجار الأخرس للتعليم والأعمى للحفظ ونحوه.
والعجز الشرعي كالحسي لا يجوز على إزالة عضو محترم أو حائض على كنس مسجد.
قلت: تقدم نحو هذا في أحكام المساجد في الصلاة، وتبع ابن شاس الغزالي في قوله العجز الشرعي كالحسي في الإبطال لو استأجر على قلع سن صحيحة أو قطع يد صحيحة لم يجز، ولو كانت متآكلة والسن متوجعة جازت وإتباعه الغزالي في مسألة اليد وإضافته ذلك للمذهب خير أن يقال فيه لا يحل؛ لأن كل مؤلف في مذهب هو مؤتمن على نقل أقوال أهل ذلك المذهب، فإن لم يجد المسألة لهم ووجدها في غير المذهب وزعم أن مقتضى مذهبنا هو مذهب المخالف ذكر ذلك، كما فعل ابن بشير وغيره في مسألة فاقد مطلق القدرة على الحركة في الصلاة، وعقله ثابت؛ ولذا والله أعلم لم يتبعه ابن الحاجب والمسألة منصوصة عندنا في سماع عبد الملك في كتاب الديات قال: أخبرني من أثق به عن ابن وهب وأشهب من ذهب بعض كفه فخاف على باقي يده لا بأس أن يقطع يده من المفصل إن لم يخف عليه الموت.
ابن رشد: إن كان خوف الموت من بقاء يده كذلك أشد من خوف موته بقطعة فله القطع وفيها لا يعجبني الإجازة على تعليم الفقه والفرائض لكراهة مالك بيع كتبها.
اللخمي: وعليه تكره على كتابته، وروي محمد منع بيعها في الدين، وقال في غير

الجزء: 8 - الصفحة: 200

الموازية: الوارث فيها كغيره إن كان أهلاً لها، وقاله سحنون، وعليه لا يجوز على تعليمه أو كتابته، وقيل: ذلك جائز، وتباع في الدين وغيره لمحمد بن عبد الحكم بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون فلم ينكروه، وكان أبي وصيه فعلى هذا تجوز الإجارة على تعليمه وكتابته وهو أحسن، ولا أرى أن يختلف اليوم فيه؛ لنقص حفظ الناس وفهمهم عن من تقدم.
قال مالك: لم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب، وما كنت أكتب في هذه الألواح.
وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم.
قال: لا.
قلت: أكنت تطلب أن يعاد عليك الحديث.
قال: لا، فلو فعل الناس هذا ضاع العلم وتلف رسمه والناس اليوم مع كتبهم في قصور والقول في الفروع بالاجتهاد، والقياس واجب، ومعرفة أقوال المتقدمين والترجيح بينها معين في مواضع الاجتهاد يجوز للمفتي أن يكون له أجر من بيت المال.
قلت: في الأجر على الشهادة لاف، وكذلك في الرواية، ومن شغله ذلك عن جل تكسبه فأخذه الأجرة من غير بيت المال لتعذرها عندي خفيف، وهو محمل ما سمعته من غير واحد عن بعض شيوخ شيوخنا، وهو الشيخ الفقيه أبو علي بن علوان أنه كان يأخذ الأجر الخفيف في بعض فتاويه.
وفيها: لا يعجبني على تعليم النوح والشعر أو كتبه.
اللخمي والصقلي عن ابن حبيب: لا باس بها على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب، ويكره شعر الخمر والخنا والهجاء، وعلى قوله: (يجوز على كتبه وبيع كتبه) قلت: كراهة شعر الخمر وما بعده على الحرمة، وانظر هذا مع ترويه كثير من الأشياخ كتاب مقامات الحريري مع فحش بعض ألفاظها ولقد أخبرني بعض ثقات أصحابي أنه رواها على إمام الجامع الأعظم ببلدنا، وهو الشيخ الإمام الخطيب أبو محمد بن البراء قال: فلما انتهيت إلى الموضع الذي يتلو قوله عفا الله عنا وعنه فانظر على أيهما امتنعت من التصريح باللفظ وكنيت عنه فقال لي: لا تكن وانطق بكذا فإني كذا رويته على جدي

الجزء: 8 - الصفحة: 201

أبي أبي الفقيه الشهير أبي القاسم ابن البراء، وكان هذا بدويرة جامع الزيتونة، وعكس هذا أخبرني بعض أشياخي أن بعض الفضلاء نسخ بيده بعض كتب الأدب فوجد فيه مواضع غير مكتتبة فبحث عنها فوجدت أنها ألفاظ فاحشة، وفيها: أكان مالك يعرف الدفاف في الأعراس ويجيز الإجازة فيه.
قال: كرهها والمعازف.
عياض: ظاهره أنه راجع للإجارة وهو أشبه؛ لأنه عين عمل الصالحين والإجارة في هذا مكروهة، وعلى الإجارة اختصرها أكثرهم وإن كان ضرب الدف جائز مما جاء في العرس، فليست الإجارة مثله إذ ليس كل مباح تجوز الإجارة عليه، والإجارة على الأذان والصلاة والقسم تقدمت في مواضعها، وفيها: من قتل رجلاً ظلماً بأجر فلا أجر له وحكم القصاص والأدب في الجراح، وفيها: لا يصلح أن يبني مسجداً ليكريه ممن يصلي فيه ولا بيته وإجارتهما لذلك غير جائزة، وأجازة غيره في البيت.
عياض: لأنه يسبب من مكارم الأخلاق.
اللخمي: من بني مسجداً ليكريه؛ جاز.
قلت: اقتصاره على هذا دون ذكر قولها أنه لا يجوز غير صواب وإن وافق مفهوم نقل الصقلي عن سحنون إنما لم يجز كراء المسجد؛ لأنه حبس لا يباع ولا يكرى والبيت ليس مثله كراؤه جائز.
اللخمي: إن أكرى بيته أو داره ممن يصلي فيهما في أوقات الصلوات فقط كره؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، فإن نزل مضى وإن أخلا البيت وسلمه جاز.
قلت: هذا خلاف قوله: (من بني مسجداً ليكريه جاز) إلا أن يريد: ليكريه لغير الصلاة وهو بعيد، ولما ذكر عياض معنى كلام اللخمي قال: فعلى هذا يحتمل كون قول الغير وفاقاً بأن تكلم على وجه وتكلم ابن القاسم على آخر أو تكلم على الفعل ابتداء والغير عليه بعد الوقوع، وسقط قوله في رواية يحيي فيها اكتراء الدار؛ لأن يتخذها مسجداً عشر سنين جائز، ولم أسمعه من مالك ونقضها لمن بناها مسجداً عياض أشار حمديس إلى أن قوله في الدور خلاف قوله: في البيت ولا فرق بينهما.

الجزء: 8 - الصفحة: 202

اللخمي: من اكترى أرضاً يتخذها مسجداً أجلاً مسمى جاز، وله بعد الأجل نقض ما لا يصح بناؤه للسكني أو لا يوافق بناء الدور، وما يصح بناؤه للسكني إن لم يجعله حبساً فلرب الأرض أخذه بقيمته منقوضاً واختلف إن كان حبساً، وأن ذلك له أحسن.
قات: قوله: (وله نقض ما لا يصح للسكنى) اتبع فيه التونسي.
قال: لأن رب الأرض لا يقدر أن ينتفع به؛ لأنه على صورة مسجد.
زاد الصقلي عن بعض القرويين: إلا أن يلتزم إبقاءه مسجداً فيأخذه بقيمته منقوضاً، ويلزمه إبقاؤه مسجداً، ولما ذكر الصقلي قولها كان النقض لمن بناه.
قال: وقال سحنون في غير المدونة: فيجعله في غيره.
قال ابن أبي زيد: وقول ابن القاسم أبين، وليس مثل الأرض مستحق، وقد بنيت مسجداً؛ يريد: هذا يجعله في غيره؛ لأنه أخرجه من يده لله تعالى على التأبيد، والآخر إنما جعله في مدة فيرجع إليه بعد تمامها.
الصقلي: كمن دفع فرسه لمن يغزو به غزوة، ثم يرجع إليه.
قلت: فما ذكره الصقلي من قول سحنون، وابن القاسم يفسر قول اللخمي: اختلف إن كان حبساً وفيها لا يعجبني لمن في قرية لأهل الذمة كراء داره أو بيعها ممن يتخذها كنيسة أو بيت نار ولا دابته لركوبها في أعيادهم ولا بيع شاة لذبحها في أعيادهم، فإن نزل بيع الدار أو كراؤها ففي لزوم صدقته بكل الثمن والكراء، أو بجزء الثمن المسمى الخارج من تسميته فضل قيمتها مبيعه لما فرض على قيمتها مبيعه لما يجوز من القيمة الأولى، وكذا في الكراء، ثالثها: هذا في البيع والأول في الكراء للصقلي قائلاً عن شيوخه.
قلت: لم يذكر عبد الحق غير الثالث وجعل كراء الارض؛ لأن تبني كنيسة كبيع الدار لا لكرائها، وفيها: لا يحل إجارة الرجل نفسه في بناء كنيسة لقول مالك: لا يواجر نفسه في محرم ابن القاسم، وأرى إن واجر نفسه أو شيئاً مما يملكه في شيء من الخمر أن لا أجر له، ويفعل بالأجر إن قبض ولم يقبض ما يفعل في ثمن الخمر.

الجزء: 8 - الصفحة: 203

قلت: سنذكره في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى.
عبد الخالق: إن أجر على رعاية خنازير أو عمل خمر وشبهه فسخ متى عثر عليه، فإن فات وقبض الأجر تصدق به عليه، وإن واجر نفسه فيما يمتهنه النصراني فيه تحت يده من خدمة ونحوها فكذلك، ولا يتصدق عليه بالثمن، وإن واجر نفسه فيما لا يكون فيه تحت يده وامتهانه كحراسة وقراض كره، فإن نزل مضى وسمع القرينان جوابه عن المسلمة ترضع ولد النصرانية بأنه إن أعطته ثديها فلا باس به، فإن ذهبت عندهم في بيوتهم فلا يعجبني.
ابن رشد: وهذا كما قال أنه مكروه، فإن وقع فسخ فإن فات مضى ولم تحرم الأجرة، وإجارة المسلم نفسه من الكافر أربعة أقسام جائزة، وهو أن يعمل له في محله كالصانع في حانوته، ولم يستبد به بعمل الكافر ومكروهة، وهو أن يستبد بجميع عمله من غير كونه تحت يده ككونه مقارضاً أو مساقياً له ومحظورة، وهو أن يكون في عمل تحت يده كالخدمة في بيته والإرضاع له فيه تفسخ فإن فاتت مضت وكانت له الأجرة، وحرام كحمل الخمر ورعي الخنازير إن فات يتصدق بالأجر.
قلت: والإجارة على بناء دورهم إن كانت لمجرد سكناهم دون بيع الخمر فيها، فهي كالمساقاة وإلا فهي كبناء الكنيسة.
اللخمي: إن واجره على حمل زق زيت معين بعشرة فظهر أنه خمر تصدق بفضل قيمة حمله خمراً على المسمى، وإن كان على عين معين فأحضر زقاً فحمله، ثم ظهر أنه خمر فله أجر مثله فيه على أنه زيت، وما زاد اللخمي: تصدق به والعقد الأول باق ولو آجره على معين على أنه خمر، ثم ظهر أنه زيت فله أجر مثله والعقد الأول منفسخ، وفيها: أيجوز للعزب إجارة امرأة ولو أمة تخدمه.
قال: كره مالك أن يعادل الرجل المرأة في محل ليس بينهما محرم، فإجارته للخدمة وللأهل له وهو يخلو بها أشد كراهة.
اللخمي: إجارة الرجل المرأة إن كان عازباً لم يجز، وإن كان مأموناً، وإن كان له أهل، وهو مأمون جاز وإلا لم يجز، وإن كانت متجالة لا أرب فيها لرجل جاز، وكذا

الجزء: 8 - الصفحة: 204

الشابة مع شيخ فان ولا تعادل امرأة رجلاً في محمل وإن كان مأموناً لقوله صلى الله عليه وسلم: "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء" وسواء كان معها زوجها أم لا وسمع عيسى ابن القاسم في النكاح: لا بأس أن يقوم الرجل بحوائج المرأة الغريبة الكبيرة تلجأ إليه ويناولها الحاجة وليدخل معه غيره أحب إلي؛ إذ لو تركها الناس لضاعت.
ابن رشد: وهذا إذا غض بصره عن ما لا يحل نظره إليه، وروى ابن القاسم فيها: لا بأس بإجارة العبد الصانع على أن يأتيه بالغلة ما لم يشترط عليه في العقد خراجاً معلوماً/ ولو وصفته عليه بعد إياه ولم تضمنه إياه جاز.
اللخمي: روى الشيخ في مختصره لا ضير في استئجاره على أن يجيبه بالغلة، وهو أصل مالك في كل من اشترى شيئاً على أن يعمله بائعه والمشتري يصير إلى أمر مجهول كالزرع على أن بائعه حصده ودرسه، وقد قالوا من اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها أنه فاسد.
ويجوز على تعليم القرآن في حديث البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله".
وفيها: لا بأس بالإجارة على تعليم القرآن كل سنة أو كل شهر بكذا أو على الحذاق للقرآن أو على أن يعلمه كله أو سدسه بكذا ونحوه سمع القرينان ابن رشد: إجارة ذلك هو المذهب، وأجمع عليه أهل المدينة وهم الحجة على من سواهم، واحتج ابن رشد بحديث جواز الجعل على الرقية بالقرآن حسبما هو مذكور في الجعل والإجارة عليه جائزة مشاهرة، ومقاطعة على جميعه أو على جزء منه معلوم نظراً أو ظاهراً ووجيبة لمدة معلومة من الشهور، أو الأعوام فالمشاهرة غير لازمة لأحدهما والوجيبة والمقاطعة لازمة لهما، وأجاز ابن حبيب أن يسمي المقاطعة أجلاً ورواه وهو

الجزء: 8 - الصفحة: 205

خلاف المشهور في توقيت ما أجله فراغه، وقال: يقضي بالحذقة في النظر والظاهر بقدر حال الأب ويسره وقوة حفظ الولد تجويده؛ لأنه مكارمة جرى الناس عليها إلا أن يشترط الأب تركها، فإن أخرج الأب ابنه قرب الحذقة لزمته، وإن بقى له ما له بال كالسدس ونحوه سقطت، وليس عليه حساب ما مضى منها، وإن شرط المعلم عليه الحذقة لم يجز دون تسميتها، وإن أخرج الأب ابنه قبل بلوغها لزمه بحساب ما مضى ولو قل.
قال ابن حبيب: ولا يقضي بالأخطار في الأعياد، وإن كان فعله مستحباً في أعياد المسلمين، ويكره في أعياد النصارى كالنيروز والمهرجان، ولا يجوز لمن فعله ولا يحل لمن قبله؛ لأنه من تعظيم الشرك.
قلت: فلا يحل على قوله قبول هدايا النصارى من أعيادهم للمسلمين، وكذا اليهود وكثير من جهلة المسلمين من يقبل منهم ذلك في عيد الفطيرة عندهم وغيره.
ابن رشد: وجه تفرقة ابن حبيب بين الأخطار والحدقات، وإن كان القياس أن لا فرق بينهما إذا جرى بهما العرف هو أن الحدقة إنما بلغها الصبي بتعليم المعلم، واجتهاده وبلوغه عنده العيد لا عمل له فيه، وفي نوازل سحنون سئل عن المعلم لا يشترط شيئاً فيجري له في الشهر الدرهم والدرهمان أيقضي له بالحذقة.
قال: يحملون على حال البلد وسنتهم إلا أن يشترط شيئاً فله شرطه، وأما بالحذقة فليس فيها شيء معروف إلا على قدر الرجل برجاله.
ابن رشد: إيجابه بالحذقة بالعرف، وإن لم يشترط هو على أحد قولي مالك في القضاء بهدية العرس، وإن لم يشترط إن كانت جارية بالبلد ولم يحكم بها في قوله: يقضي بها بحكم المهر كالمشترطة ولا بحكم الهبة إنما حكم لها بحكم الصلة المقصود بها عين الموصول، فأبطلها بموت أحدهما، وكذا يجب في بالحذقة لا يقضي بها لوارثه إن مات على الأب ولا على ورثة الأب إن مات للمعلم، وعليه يأتي قول ابن حبيب؛ لأنه لا فرق بين بالحذقة المشترطة والواجبة بالعرف في موت الصبي، أو إخراجه قبل بلوغه بالحذقة.

الجزء: 8 - الصفحة: 206

قلت: للصقلي عن محمد: أجاز مالك التعليم مشاهرة ومقاطعة، وكل شهر وكل سنة، فكذا ولكل واحد منهما الترك متى شاء، وظاهره عدم اللزوم في المقاطعة خلاف ما تقدم لابن رشد.
قلت: فاللفظ الذي ذكرته وجدته في غير نسخة وفي لفظ بعض النسخ احتمال، ونصها في النوادر وفي الموازية: أجاز مالك التعليم مشاهرة ومقاطعة وكل شهر وكل سنة بكذا ما لم يقل مثله في سنة أو في سنتين، فإن سميا فلا ترك لأحدهما، وإن قال: كل سنة وكل شهر فلكل منهما الترك.
قلت: مفهوم لفظ الأول يؤيد لفظ الصقلي، ومفهوم لفظ الأخير يؤيد نقل ابن رشد وهو الصواب.
اللخمي: الجائزة على وجهين مشاهرة ومساناة إن لم يذكر قدراً يعمله في تلك المدة، وعلى حدقه شيء معلوم ربع أو نصف أو جميعه كذلك، فإن جمع بين الأجل والقدر الذي يعمله فيه فإن فعل ولا يدري هل يتعلم ذلك القدر في المدة فسدت الإجارة، واختلف إن كان الغالب أنه يتعلمه فيها فأجيز ومنع فإن انقضى الأجل ولم يتعلم فيه ذلك القدر فله أجر مثله ما لم يزد على المسمى، وقال ابن الجلاب: قيل: لا يجوز على التعليم إلا مدة معلومة مشاهرة وغيرها؛ يريد: اختلاف أفهام الصبيان فالمشاهدة أخف غرراً.
الصقلي عن ابن حبيب: إن شارطه المعلم على أن يحذقه، وله كذا فليس لأبيه إخراجه حتى يتم.
قال: ولا يضره في حذقة النظر خطأ الصبي في السورة إلا حرف وليس كمن لا يخطئ، وإن لم يستمر القراءة فلا حذقة له، ورأيت أن أكمل هذا الفصل بالضروري من كلام الشيخ أبي الحسن القابسي في كتابه المشتمل على بيان أحكام المعلمين والمتعلمين على وجه الإيجاز قال: قوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" فيشمل الوالد

الجزء: 8 - الصفحة: 207

لتعليمه ولده إياه ولو بأجرة تعليمه العلم، ولقد أجاب ابن سحنون أبا ولد كان يطلب العلم عليه عن قوله له: إني أتولى العمل بنفسي ولا أشغله عما هو فيه، أجرك في ذلك أعظم من الحج والرباط والجهاد القابسي إن ترك الأب تعليم ولده القرآن لشح قبح فعله ولقلة عذر، فإن كان للولد مال فلا يدعه دون تعليم وليه، أو قاضي بلده أو جماعته إن لم يكن قاض، وإن لم يكن له مال توجه حكم الندب على وليه وأمه الأقرب فالأقرب وتعليم من أسلم ما يصلي به فرض كفاية يتعين على من انفرد به دون عوض، وتعليم الأنثى ما تصلي به كالذكر ويتعين على الولي والزائد على ذلك للأنثى حسن، وكذا العلم لا الرسائل والشعر وترك تعليمها الخط أصون ويكون المعلم معهم مهيباً لا في عنف لا يكون عبوساً مغضباً ولا منبسطاً مرفقاً بالصبيان دون لين.
قلت: ويكتفى في إباحة انتصابه بستر الحال للمتزوج ويسأل عن غيره، فإن لم يسمع منع إلا العفاف أبيح له، ويمنع من يتحدث عنه بسوء مطلقاً وبهذا جرى العمل وهو الحق.
قال: وعليه أن يزجر المتخاذل في حفظه أو صفة كتبه بالوعيد والتقريع لا بالشتم كقول بعض المعلمين للصبي يا قرد، فإن لم يفد القول انتقل للضرب والضرب بالسوط من واحد إلى ثلاثة ضرب إيلام فقط دون تأثير في العضو فإن لم يفد زاد إلى عشر.
قلت: ضرب معلم صبياً بالسوط في رجله لتكرر قلة حفظه فحدث برجله من ضربه قرحة صارت فاصولاً أشك في موته به.
قال: ومن ناهز الحلم وغلظ خلقه ولم ترعه العشر فلا باس بالزيادة عليها.
قلت: الصواب اعتبار حال الصبيان شاهدت غير واحد من معلمينا الصلحاء يضرب الصبي نحو العشرين وأزيد، وكان معلمنا يضرب من عظم جرمه بالعصى في

الجزء: 8 - الصفحة: 208

سطح أسفل رجليه العشرين وأكثر، ومنعه الزجر بقول يا قرد الصواب فعل بعضهم ذلك، وقد أجازوه للقاضي لمن يستحقه مع قدرته على ضربه، وكذا كان بعض شيوخنا يزجر به في مجلس إقرائه من يستحق الزجر لتعذر الضرب ونقلوه عن بعض شيوخهم وسمعنا منهم في ذلك عن شيوخهم مقالات ممن نقل لنا عنه شائعًا الشيخ الفقيه العدل الخطيب أبو محمد البرجيني، والشيخ النحوي المشهور بالزلدوي، وكان يصدر كثيرًا من شيخنا أبي عبد الله بن الحباب وقليلا من شيخنا أبي عبد الله بن عبد السلام - رحمهما الله - وفائدة ذلك واضحة لمن أنصف؛ لأنها تكسب تثبت الطالب فيما يريد أن يقوله من بحث أو نقل، وقد والله سمعت شيخنا ابن عبد السلام زجر بعض أهل مجلسنا في مدرسة الشماعين في قول قاله ما يقول هذا مسلم، وكان هذا المقول له حينئذ متصفًا بعدالة الشهود المنتصبين للشهادة، وخطة القضاء بالبلاد المعتبرة ولم يترك لذلك مجلسه إلى أن توفي رحمهما الله تعالى، والأعمال في ذلك بالنيات.
قال: ومن اتصف من الصبيان بأذى أو لعب أو هروب من المكتب استشار وليه في قدر ما يرى من الزيادة في ضربه قدر ما يطيق.
قُلتُ: أما في الإذاية فلا يستشيره؛ لأنه حق عليه ويتعذر طلبه عند غير المعلم لتعسر إثبات موجبه، واستحب سحنون أن لا يولي أحدًا من الصبيان ضرب غيره منهم سحنون ولا يضرب وجهًا ولا رأسًا، ومن حسن النظر التفريق بين الذكور والإناث.
قال سحنون: أكره خلطهم؛ لأنه فساد.
قُلتُ: أما من بلغ حد التفرقة في المضجع فواجب تفريقه منهم.
قال: ويحترز من يخاف فساده على الصبيان ممن قارب الحلم إذا كان ذا جرأة.
قُلتُ: الصواب في هذا منع تعليمه معهم.
قال: ولا تقبل شهادة بعضهم إلا من عرف بالصدق فيقبل قوله وينهاهم عن الربا في تبايعهم طعامًا بطعام وبفسخه، وما فات فهو في مال مفوته أو ذمته.
سحنون: وشراء الفلقة والدرة وكراء موضع التعليم على المعلم فإن استؤجر على صبيان معلومين سنة معلومة فعلى أوليائهم كراء الموضع، وأما تعليمهم في المسجد

الجزء: 8 - الصفحة: 209

فروى ابن القاسم: إن بلغ الصبي مبلغ الأدب فلا بأس أن يؤتى به المسجد، وإن كان صغيرًا لا يقر فيه ويعبث فلا أحب ذلك، وروى سحنون: لا يجوز تعليمهم فيه؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة، وهذا هو الصحيح، ى وأجاب سحنون عن معلم أراد أن ينتقل من موضع لآخر: بأنه إن لم يضر ببعض الصبيان لبعده من داره فله ذلك، وإلا فإن كان عقد إجارته مع من يتضرر بذلك على اللزوم فليس له ذلك إلا بإذن وليه وإلا جاز دون إذنه، وذكر القابسي هنا: حكم جنايته على الصبي، وهو مذكور في الجراح ومتعلق تعليمه بالذات قراءة القرآن حفظًا أو نظرًا.
ابن سحنون: ينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن، ويلزمه ذلك والشكل والهجاء والخط الحسن وحسن القراءة بالترتيل، وأحكام الوضوء والصلاة وفرائضها وسننها وصلاة الجنائز ودعائها وصلاة الاستسقاء والخسوف.
قُلتُ: حمل قوله: عندي إعراب القرآن هو بتعليمه معربًا احترازًا من اللحن والإعراب النحوي متعذر وحسن القراءة إن أراد به التجويد فهو غير لازم في عرفنا إلا على من شهر بتعليمه، وأما أحكام الوضوء وما بعده فواضح عدم لزومه وكثير من المعلمين لا يقومون بذلك.
قال: ويجب عدله بينهم في التعليم لا يفضل فيه بعضهم على بعض، ولو تفاضلوا في الجعل إلا أن يبين ذلك لوليه في عقده أو يكون تفضيله في وقت غير وقت تعليمه، ولا يعلمهم قراءته بالألحان لنهي مالك عنها ابن سحنون عنه ولا يعلمهم أباجاد ونهى عن ذلك؛ لأني سمعت حفص بن غياث يحدث أن أباجاد أسماء الشياطين ألقوها على ألسنة العرب في الجاهلية فكتبوها.
قال محمد: وسمعت بعض أهل العلم يقول هي أسماء ولد سابور ملك فارس أمر من في طاعته من العرب بكتبها فكتبوها.
قال محمد: فكتبها حرام وأخبرني سحنون عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قوم ينظرون في النجوم ويكتبون أباجاد لا خلاق لهم.

الجزء: 8 - الصفحة: 210

قُلتُ: لعل الأستاذ الشاطبي لم يصح هذا عنده، أو لم يبلغه أو رأى النهي إنما هو باعتبار استعمالها على أصل ما وضعت له لا مع تغيرها بالنقل لمعنى صحيح، وعلى هذا يسوغ استعمالها عددًا كسراج الدين في التحصيل، واختصار الأربعين وغيره.
عقدها: يجوز مؤجلًا لمدة معلومة فيلزم، ومشاهرة فلا يلزم أحدهما.
ابن حبيب: قال مالك: يجوز أن يشارط المعلم على الحذقة ظاهرًا أو نظرًا ولو سميا أجلًا أصبغ إن تم الأجل ولم يحذقه فله أجر مثله.
القابسي: ففرق أصبغ بين ضرب الأجل للمعلم والخياط إذا كان الفعل يمكن الفراغ منه فيه.
قُلتُ: قد سوى اللخمي وابن رشد بينهما.
قال القابسي: والحذقة كل ظاهرا حفظ كل القرآن ونظرا قراءته في المصحف.
وقدر عوضها ما شرطاه، فإن لم يشترط فهي على حال الأب في كسبه وحفظ الصبي وقراءته مع اعتبار حسن خطه، فإن نقص تعلم الصبي في أحدهما فلمعلمه من الحذقة بقدر ما تعلم، فإن لم يستمر الصبي في الحفظ أو في القراءة في المصحف فلا شيء لمعلمه ويؤنب المعلم علي تفريطه إن كان يحسن التعليم وعلى تغريره إن لم يحسنه، فإن اعتذر بدله الصبي اختبر، فإن بان صدقه فله من الأجر بقدر حرزه وتأديبه إلا أن يكون عرف أباه ببلهه.
قُلتُ: أو يكون الأب عرف ذلك.
قال: ومحل الحذقة من السور ما غررت فيه عرفًا مثل لم يكن وعم وتبارك والفتح والصافات.
قُلتُ: فلم يذكر الفاتحة وهي حذقة في عرفنا.
قال: وكذا عطية العيد تثبت بالعرف، وقول سحنون: لا يلزم الحذقة إلا في ختم القرآن وغيرها تفضل معناه: إن لم تكن عادة بغيرها، وكذا قول ابن حبيب لا يجب الإخطار ولا يجوز إعطاء في عيد العجم حدث أسد بن موسى عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري: أنه كان يكره إعطاء المعلم في النيروز والمهرجان إنما كان المسلمون

الجزء: 8 - الصفحة: 211

يعرفون حق المعلم في العيدين ورمضان، وقدوم غائب القابسي إنما المعروف العيدان، وأما غيرهما وعاشوراء ففعل الخاصة، وأجاب القابسي عمن علمه معلم بعض القرآن ثم أكمله له غيره بأن: لكل منهما من الحذقة بقدر ما علم أنصافًا أو أثلاثًا، ونحوه وربما استحقها الأول فقط إن بلغ من تعليمه مقاربة الختم بحيث بلغ ما يستغنى به عن المعلم وربما استحقها الثاني فقط إن قل لبثه عند الأول ولم ينل من تعليمه ما له بال، وقال ابن حبيب: إن شورط المعلم على أجر معلوم في كل شهر أو شهرين، وعلى قدر معلوم في الحدقة فلوليه إخراجه، وعليه من الحذقة بقدر ما قرأ منها، ولو لم يقرأ منها إلا الثلث أو الربع فعليه بحسابه لاشتراطه ما سمى مع إخراجه، ولو شارطه على أن يحدقه بكذا أو كذا لم يكن لوليه أن يخرجه حتى يتم حذقته.
القابسي: فرق هذا التفريق ولم يذكر حجة عليه، وقال: ما حاصله أنهما سواء لاشتراكهما في التزام الولي الحدقة، واختصاص أحد الصورتين بزيادة قدر في كل شهر لا يوجب حل ما لزم بالتزام الحذقية، وأن لوليه إخراجه وعليه بقدر ما بلغ منها.
قُلتُ: يمكن تقرير وجه تفرقته أنه إذا شارطه على الحدقة فقط كان أمدها العرفي كمدة معينة عاقدة عليها غير مقرونة بما يدل على انحلال عقدها، فإذا ضما عليها شرطقدر في كل شهر كان دليلًا على عدم لزوم عقدها، وصرفه لحكم عقد المشاهرة.
قال: وإنما حصلت له بقدر ما بلغ إذا أخرجه في المشارطة على الحدقة لا في رأيته من تجويز الإجارة التي لم يشترط لها غاية فما حصل منها كان عليه من الأجر بقدره.
وأما حكم بطالة الصبيان فقال سحنون: تسريحهم يوم الجمعة سنة المعلمين.
ابن عبد الحكم: لمن استؤجر شهرًا بطالة يوم الجمعة وتركهم من عشي يوم الخميس؛ لأنه أمر معروف وبطالته لهم كل يومه بعيد؛ لأن عرضهم أجزائهم فيه من عشي يوم الأربعاء وبطالتهم في الأهياد هي على العرف هي في الفطر ثلاثة أيام، وكذا في الأضحى ولا بأس بالخمسة.
سحنون: من عمل الناس بطالة الصبيان في الختمة اليوم وبعضه، ولا يجوز أكثر من ذلك إلا بإذن أولياء الصبيان، فقيل له: ربما أهدى الصبي للمعلم ليزيده في البطالة.

الجزء: 8 - الصفحة: 212

قال: هذا لا يجوز.
القابسي: ومن هنا سقطت شهادة أكثر المعلمين؛ لأنهم غير مؤدين ما يجب عليهم إلا من عصمه الله، وبعثهم لمن تزوج أو ولد له ولد ليعطوا شيئًا ليأتون به مؤدبهم لا يجوز، وكذا ما يأتون به من بيوت آبائهم إلا بإذنهم.
قُلتُ: بعثهم لدار بعض الأولاد لختمة أو لنفاس أو ختان أمر معروف في بلدنا، والغالب أنه لا يكون مسير الولد لذلك إلا بعلم من وليه؛ لأنهم لا يمشون لذلك بمعهود ثيابهم بل بثياب التجمل والتزين في الأعياد.
قال: واتخاذه بعضهم يملي على بعض حسن، ولا يجوز بعثهم في حوائجه، ولا ينبغي أن يتشاغل عن تعليمهم بشيء، وإن نزلت به ضرورة استناب مثله فيما قرب.
قال سحنون: ولمن استؤجر على تعليم صبيان تعليمه غيرهم إن لم يضر بهم ولم يشترط عليه عدم الزيادة عليهم.
وشركة المعلمين جائزة إن كانوا بمكان واحد وإن كان بعضهم أجود تعليما من بعض؛ لأن فيه رفقاء يمرض بعضهم فيقوم الصحيح مقامه، وإن كان بعضهم عربي القراءة والآخر ليس كذلك؛ لكنه لا يلحن فلا بأس بذلك، قاله مالك وابن القاسم، وعن مالك: لا يصح حتى يستويا في العلم، فإن كان أحدهما أعلم لم يصلح إلا أن يكون لأهلهما فضل من الكسب بقدر عمله على صاحبه القابسي إن لم يكن لأحدهما من الزيادة إلا أنه يعرب قراءته والآخر لا يعربها ولا يلحن أو أحدهما رفيع الخط والآخر ليس كذلك إلا أنه يكتب ويتهجا فهذا قريب مغتفر في الشركة في الصنائع والتجارات، ولو كان أحدهما يقوم بالشكل والهجاء وعلم العربية والشعر والنحو والحساب، وما لو انفرد معلم القراءة بجميعه لجاز شرط تعليمه إياه مع تعليم القرآن؛ لأنه يعين عل ضبطه وحسن معرفته هذا إن شارك من لا يحسن إلا قراءة القرآن والكتب كانت الإجارة بينهما متفاضلة على هذه الرواية على قدر علم كل منهما، ولو استؤجر أحدهما لتعليم النحو والشعر وشبهه والآخر على تعليم القرآن والحساب ما صحت شركتهما، وقيل: لأنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان

الجزء: 8 - الصفحة: 213

وعلي رضي الله عنهم قال: كان للمؤدب إجانة يجيء كل صبي يوم نوبته بماء طاهر يصبه فيها، يمحون به ألواحهم، ثم يصبون ذلك الماء في حفرة من الأرض فينشف.
قُلتُ: قال الجوهري: الإجان واحدة الأجاجين، ولا يقال: إنجانة، وقال في باب آخر: المركن بالكسر الإجانة التي تغسل فيها الثياب ابن سيدة.
يقال: إجانة وإنجانة وينبغي أن يصب ذلك الماء بالمواضع البعيدة عن النجاسة، وكان معلمنا يأمر بصبه في حفرة بين القبور وينبغي أن يحفظ منه؛ لأن غالب الصبيان لا يتحفظون في أيديهم من نجاسة أبوالهم.
قال محمد بن سحنون: حدثنا موسى عن جرير عن منصور قال: كان إبراهيم النخعي يقول من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد.
وتجوز الإجارة على عمل في جزء من معين شائع إن لم يشترط عدم قسمة فيها تجوز إجارة شريك في طعام شريكه على عمله لبيعه ببلد آخر إن ضرب له أجلًا، وعلى أنه متى شاء قسمه فإن شرط عدمه لم يجز، فإن نزل ففيه كراء المثل، وكذا في طحنه.
الصقلي: يريد ضرب الأجل بعد الوصول للبلد ولا ينقده إجارة البيع، وفيها: وكذا في رعاية غنم بينهما إن شرط خلف ما هلك من حظه.
قال غيره: واعتدلت في القسم.
الصقلي: قال بعض أصحابنا: محلها عند ابن القاسم على الاعتدال فيه، وأن الإجارة على نصف عددها، فإن قسما وصار له أكثر من نصف عددها لم يلزم الأجير ما زاد على نصفها، وإن صار له أقل منه فله إتمامه.
قُلتُ: وتقدم في مساقاة نخل بينهما بحث فيها فتذكره، وفيها: لا تجوز عتلى حمل طعام إلى بلد كذا بنصفه إلا أن ينقده نصفه مكانه؛ لأنه بيع معين تعلى تأخير قبضه لأجل.
الصقلي: إن وقع بينهما جاز على قول أشهب وابن حبيب.
اللخمي: إن لم يشترط قسمه ولا بقاءه جاز وحمله وطحنه إذ لا غرض في بقائه.
الصقلي: قال ابن أخي هشام: إن حمله إلى البلد فللحمال نصفه، ويغرم مثله إلى

الجزء: 8 - الصفحة: 214

المحل الذي حمله منه وله كراؤه في النصف الآخر ما بلغ، وعابه بعض شيوخنا وقال: يلزمه إن هلك الطعام ضمان نصفه؛ لأنه على قوله بالقبض لزم ذمته وهو بعيد؛ لأن علة الفساد منع الحامل من قبض حظه إلى أن يصل إلى البلد المحمول إليها فكيف يضمن هلاكه قبل البلد وقبله.

الصقلي: ويرد بمنع ملزومية قول ابن أخي هشام ضمانه قبل وصوله الذي جعل بطلانه يوجب بطلان قول ابن أخي هشام، وسند المنع ما هو بين به الراد عليه بطلان تضمينه، ولا يلزم من عدم ضمانه وصول بطلان قول ابن أخي هشام؛ لأنه بوصوله للبلد زال حجر منعه قبضه لتوقيته بعدم وصوله فكونه تحت يده بمحل وصوله هو قبض له وهو حينئذ بحالة مخالفة لحالته يوم بيعه وهي صيرورته منقولًا، فصدق أنه مبيع بيعًا فاسدًا فات بالنقل فتأمله.
وعلم المنفعة بصنفها وقدرها شرط حصوله بالنص واضح كخياطة رومية أو عربية فيها إن واجرته على إن خاطه اليوم فبدرهم وإن خاطه غدا فنصف درهم، وإن خاطه خياطة رومية فبدرهم وإن خاطه خياطة عربية فنصف درهم لم يجز، وهو من وجه بيعتين في بيعة إن خاطه له أجر مثله ما بلغ.
قال غيره: في الأولى إلا أن يزيد على الدرهم أو ينقص عن نصفه فلا يزاد ولا ينقص.
الصقلي: عن الشيخ: قال بعض الأندلسيين في قول غير ابن القاسم: يعني إن خاطه اليوم قيل: ما قيمة خياطته على تعجيلها اليوم فلا يزاد على درهم ولا ينقص من نصفه، وإن خاطه غدًا قيل: ما قيمتها إلى غد على ما ذكرنا ولابن أبي زمنين عن بعض الأندلسيين تفسير غير هذا وهو أصوب.
قُلتُ: لم أقف على تفسير ابن أبي زمنين وقول ابن القاسم مثل نص قولها في الرواحل: إن اكتريت من رجل على أنه إن أدخلك مكة في عشرة أيام فله عشرة دنانير، وإن أدخلك في أكثر فله خمسة فسخ، فإن نزل فله كراء مثله في سرعته وإبطائه، وقال بعض الفاسيين في تأويل قول الغير: ثلاثة أقوال: الأول أن له أجر مثله ما لم يزد على

الجزء: 8 - الصفحة: 215

الدرهم، أو ينقص عن نصف درهم خاطه في اليوم الأول أو الثاني القول الثاني ما لم يزد على الدرهم في اليوم الأول أو ينقص عنه أو يزيد على نصف درهم في اليوم الثاني أو ينقص عنه القول الثالث ما لم يزد على الدرهم في اليوم الثاني، ويأخذ أقل منه مطلقًا أو ينقص عن نصف درهم في اليوم الأول، ويأخذ ما زاد عليه مطلقًا، وذكر ابن رشد قولها في الرواحل: على أنه متفق على منعه للشك في سعة الأجل للوصول فيه.
قال: فإن فات بالسير فعلى قول غيره في كتاب الجعل له أجر مثله ما لم ينقص عن الأقل، وما لم يزد على الأكثر، وللشيوخ في تأويل قوله: أوجه الول هذا سواء بلغ الأجل أو لا الثاني إن بلغ فيه المثل ما لم ينقص عن الأقل، وإلا فله الأقل من اكتراء الكراءين أو المثل ولو فضله الأقل الثالث إن بلغ فيه فأكثر الكراءين وإلا فأقلهما، وعزا الثاني لابن أبي زمنين.
ويطب في أجل المنفعة كونه يسعها: قال ابن رشد: في أول مسألة من سماع ابن القاسم الإجارة عشيء بعينه كخياطة ثوب أو نسخ غزل أو طحن قمح وشبهه مما الفراغ منه معلوم لا يجوز تأجيله بوقت يشك في سعته له اتفاقًا، وإن كان لا إشكال في سعته إياه ففي جوازه قولان لظاهر هذا السماع من سماع عيسى ابن القاسم، ودليل قولها فيمن استأجر ثورًا على أن يطحن له كل يوم إردبين فوجده لا يطحن إلا إردبا له رده؛ لأنه جعل في الإردب الذي طحن ما ينوبه ولم يفسخ الإجارة، وقول ابن حبيب بإجازة مشارطة المعلم على إحذاق الولد في أجل مسمى، ونقله عن أصبغ والمشهور مع سماعه بعد هذا في رسم سلف ورسم المحرم وسمع القرينين.
قُلتُ: ذكر اللخمي القولين غير معزوين وقال: أرى أن يمضى؛ لأن الغرض أن يشرع في تلك المدة فإن خاطه بعد الأجل حط من المسمى بقدر ما بين قيمتي عمله في الوقت المشترط ووقت عمله، ولابن حبيب عن ابن الماجشون: إنما له أجر المثل، وسمع ابن القاسم من قال: لمن استخاطه ثوبًا بدرهم بعد عقده عجله اليوم وأزيدك نصف درهم أرجو خفته، ولا بأس به ولم يره كالرسول يزاد لسرعة السير، ولا أحب

الجزء: 8 - الصفحة: 216

إن يتكاراه على تبليغ كتاب لبلد بدينار، ويقول له إن بلغته يوم كذا فلك زيادة نصف دينار، وأكرهه سحنون: لا بأس به بعد وجوب الكراء.
ابن رشد: أجازه في تعجيل الثوب؛ لأنه ممكن ولا ينبغي له مطله؛ لأنه إضرار به لغير سبب، وله أن يتسع في عمله، ويؤخره لعمله غيره أو لبعض حوائجه على عرف تراخي الصناع فزيادته على تفرغه لعمله جائز، وكرهه في تعجيل توصيل الكتاب معناه: إن لم يكن على يقين من إدراك إأيصاله ذلك اليوم إن أسرع، ولو كان على يقين جاز كالثوب، ولو شك في تعجيل الثوب في ذلك اليوم كان كالرسول يبين ذلك قوله في التفسير ليحيى إن كثرت الثياب كره ذلك فيها، ولا فرق بين الثياب الكثيرة والثوب إلا الشك في الثياب الكثيرة هل يفرغ منها في ذلك الوقت، ومعنى إجازة سحنون ذلك في الرسول أنه على يقين من وصوله ذلك اليوم فالأقوال كلها متفقة.
الصقلي: عن ابن ميسر مسألة الرسول والثوب سواء، وقال ابن عبد الحكم: خفف ذلك فيهما وكره، وإجازته أحب إلي وبه أخذ سحنون.
قُلتُك ظاهره أنه حمله على الخلاف.
وعلم صفة العمل بوصفه المنضبط أو عرف، كذلك إن تماثل وإن اختلف لزم بيان قدرتهما كخياطة وحرز شهرًا أو خدمة حضر وسفر فيها يستعمل أجيرًا لخدمة على عرف الناس من خدمة الليل والنهار كمناولة الثوب والماء لا فيما يمنعه النوم إلا أن يعرض له الحاجة المرة بعد المرة، ولا بأس أن يستعمله فيها في بعض الليل على وجه ما يعرف الناس، ولم أسمعه إنما سمعته في العبد يستعمل في النهار استطحنه بالليل.
قال: لا بأس به في العبد الخفيف العمل لا في الثقيل العمل الزرنوق يطلع وينزل والأخير في اشتراطه على أجير الخدمة ما يريده من سفر أو حرث لتباعد هذه الأعمال، ولا بأس بما تقارب ككنس البيت والعجن وشبهه.
اللخمي: إن استأجره على خدمة شهر إن شاء في الحضر، وإن شاء في السفر لم يجز، وإن شرطهما معا جاز إن لم ينقده شيئًا؛ لأن الشهر الثاني لا يجوز نقد أجره لمخالفته الأول وما ينقده واجب فضه ولو استأجره شهرًا في السفر بعد عقده شهرًا في الحضر

الجزء: 8 - الصفحة: 217

دون نقد جاز، بخلاف منع غير ابن القاسم كراء راحلة يركبها بعد شهر للتحجير، ولا يدرى في هل يسلم أم لا ولا حجر فيما تقدم كراؤه واستخدام الأجير فيما خف ليلًا، إنما هو فيمن انقطع إليه ومبيته عنده لا فيمن ينصرف عنه ليلًا، وفي سماع أصبغ عن أشهب: إن اشترط على أجير الخدمة سفر شهر أو شهرين في السنة فلا بأس بذلك.
ابن رشد: إنما جاز؛ لأن الشرط إنما هو شهران ولا يضر كون المستأجر بالخيار في شهر؛ لأنه حق له تركه بعد العقد على شيء معلوم، ودليله قوله تعالى على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك واشترالطه الشهرين دون تسميتهما يجوز على قول ابن القاسم: يجوز شرط السفر في أول السنة، وبعد مضى بعضها لا على قول ابن الماجشون: لا يجوز شرطه إلا في أول السنة أو قربه لا بعد مضي شهر منها.
قُلتُ: فاستئجار أجير معين على عملين متباعدين صفقة واحدة امداد لهما ما لا يجوز شرط النقد مع تأخير الشروع لمثل أمده بشرط نقد شيء من الأجر لا يجوز حسبما تقدم.
اللخمي: ودون شرطه إن لم يعين زمن كل من العملين لم يجز اتفاقًا فيهما، فإن عينه ففي جوازه قولان لمحمد، وابن حبيب عن ابن الماجشون.
الشيخ عن ابن القاسم في الموازية: لا ينبغي أن يشترط عليه في عملين متباعدين أنه بالخيار؛ لأنه خطر.
محمد: ولا يشترط عليه في الخدمة سفر أيام يسميها في وسط السنة، ولا على عملين متباعدين كقوله: يحرس لي كرمي ويبني لي هذا البيت.
محمد: يجوز إن شرط في شهر بعينه في السنة عملًا آخر سماه.
قد قال مالك: يجوز أن يكري داره على إن احتاج إليها في شهر من السنة سماه سكنها، وكذا السفينة ابن حبيب من واجر رجلًا شهرين يعمل فيهما عملين سماهما أو واجره على الثاني بعد مواجرته على الأول فإن تقارب العملان جاز في الصورتين، وإن تباعدا لم يجز فيهما؛ لأنه كمن واجره على عمل لا يسرع فيه إلى شهر، وقاله ابن الماجشون.

الجزء: 8 - الصفحة: 218

قُلتُ: ظاهر منعه في المتباعدين ولو لم ينقد، وقول محمد قبله: الصقلي: وفيه نظر؛ لأن ظاهر قوله: أولا لا يشترط سفر أيام يسميها يقتضي منعه في المختلفين، ولو عين وقتيهما خلاف قوله بعده يجوز في شهر بعينه إلا أن يجعل قوله: يسميها؛ أي: عددها لا أعيان أزمنتها، وقال ابن رشد: في رسم البيع والصرف لو استأجره شهرين يعمل في أولهما عملًا سماه وفي الآخر عملًا آخر بعيد\ًا من الأول، ففي جوازه قولا ابن القاسم وابن الماجشون، وهما قائمان من قولها من اكترى راحلة يركبها بعد شهر، وروى محمد: إن اشترط مكتري أرض بها غلمان إن احتاج إلى عملهم في أرض له أخرى استعملهم فلا ضير فيه، وشرط النقد فيما يتأخر الشروع فيه لتمام عمل مماثل له والعاقد واحد جائز لنقل الشيخ عن ابن حبيب: إن واجره تمام سنة كأن واجره على أقلها ونقد أجرته جاز في مثل العمل الأول، ولا يجوز لغيره، وسمع عيسى ابن القاسم لمن استأجر أجيرًا لعمل من الأعمال أن يرسله يعمل للناس، ويأتيه بما عمل أو يكريه في مثله ابن رشد؛ لأنه استأجره في عمل غير معين فمن حقه أن يواجره ممن شاء، ولا يلزم الأجير أن يواجر نفسه له ويأتيه بالأجرة، ولو رضي بذلك جاز ونقله بخلاف عمله.
قال الصقلي: وظاهره عن الموازية: أن نقله إلى ما هو من نوع الأول فله ذلك لما شاء منه، فإن قال الأجير فيما يحوله إليه لا أحسنه كالحصاد والحرث والقصل، فللمستأجر فسخ إجارته إلا فيما قل ولا خطب له فلا فسخ له وفيها لا يجوز فسخ إجارة على خياطة في قصارة أو غيرها؛ لأنه دين بدين إلا فيما هو يوم ونحوه؛ لأنه لا يكون فسخ دين في دين.
قُلتُ: ظاهره ولا لما يقاربه.
الشيخ عن محمند عن ابن القاسم: لا يجوز نقله إلى عمل لا يقارب الأول إلا في مثل اليوم مما لا يكون دينًا بدين، وروى محمد: وقال ابن القاسم: إن واجره يوما لنقل تراب فله نقله لخياطه لقربه.
ابن حبيب: برضاهما.
اللخمي: في جواز نقل خديم الحضر للسفر برضاه، ثالثها: فيما قل لابن حبيب

الجزء: 8 - الصفحة: 219

والآتي على قول سحنون وابن القاسم، وفي سماع أصبغ عن أشهب: إن ماتت دواب استؤجر على علوفتها فرضي الأجير التحول إلى عمل غيره فلا بأس.
ابن رشد: معناه: فيما يشبه العلوفة: قاله الشيخ، وهو صحيح على قولها من اكترى دابة لموضع ليس له ركوبها لغيره، ولو كان مثله في السهولة والوعورة إلا برضى الكراء خلاف قول مالك في أول رسم من سماع ابن القاسم، وخلاف ما لابن حبيب من اكترى أجيرًا لعمل سماه نقله لما يشبهه إلا أن يشترط الأخير عدم نقله عن المسمى وما لا يشبه العلوفة غلا يجوز وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين سواء انتقد أو لا في هذه المسألة؛ لأن الحلف فيها واجب والكراء قائم.
قُلتُ: ظاهر نقله عن ابن حبيب أنه لا يجوز نقله إلى ما يباعد الأول ولو رضي الأجير، خلاف نقل اللخمي عنه مع المتيطي: وما أحال عليه من سماع ابن القاسم هو سماعه من استؤجر على أن يأني برقيق فلم يجدهم أو وجدهم ببعض الطريق فلمن استأجره مؤاجرته في مثله.
ابن رشد: قوله: مؤاجرته في مثله خلاف قولها ليس لمن اكترى دابة لموضع ركوبها لغيره إلا برضى الكراء، فعليه لا يؤاجره إلا برضاه.
قُلتُ: ففي نقله لمماثله بقيد رضاه أو دونه، ثالثها: إن تعذر الأول بفقده محله للتخريج على قوله في الدابة، ولابن حبيب وسماع ابن القاسم مع سماع أصبغ أشهب.
المتيطي: إن جاء الأجير يمن يعمل مكانه، فقال ابن القاسم: لا يجوز.
سحنون: ولو رضي المستأجر، وأجازه ابن حبيب إن رضي فيها مكررًا.
قال مالك: لا بأس بإجارة العبد عشر سنين وخمس عشرة، وهو في الدور أبين وسمع القرينان إجارة الأجير خمسة عشر عامًا كثير لا يصلح، ولا بأس أن يستأجره سنة ونقده إجارته.
ابن رشد: قوله: لا بأس به سنة وينقده دليل أنه إنما كرهه في الخمسة عشر مع النقد، وظاهر قولها إجازة النقد في الخمسة عشر عامًا خلاف قول غيره فيها.
اللخمي: أمد الإجارة مختلف باختلاف أمن المستأحر أوسعها الأرضون يجوز

الجزء: 8 - الصفحة: 220

لأربعين سنة دون نقد، ويجوز في المأمونة السرب به ومثلها الدور جديدة لأمنها والقديمة دونه بقدر أمن سلامته غالبًا، واختلف في العبيد في الموازية جوازه لعشرين سنة بالنقد، وفيها خمسة عشر ومنعه غير ابن القاسم في العشر.
قُلتُك عزاه المتيطي لأشهب.
اللخمي: وأرى اعتبار السن يجوز في ابن عشرين وما قاربها عشرون على استثقال فيه والصغير والكهل لا يجوز فيهما إلا ما قارب، ويمنع ما لا يقارب في الصغير لتغيره عند البلوغ في نشاط أو قوة أو غير ذلك في الكبير لعدم أمن تغيره، وخمس سنين ونحوها في ذلك حسن.
والحيوان مختلف أوسع أنواعه أجلًا البغال لطول أعمارها والحمير دونها والإبل دونها ويفترق الأجل في الثياب الحرير والكتان والصوف والجديد والقديم، وأجل ربعا لحبس في كتابه.
وفي تعيين ما تستوفى به المنفعة تفصيل: ابن رشد في رسم العتق من سماع عيسى: هو على أربعة أوجه أولها في معين لا غاية له إلا بتأجيله كرعاية غنم بأعيانها أو تجر في مال بعينه في شرط جواز الإجارة عليه بشرط خلفه أو لا والحكم خلفه قولان لابن القاسم مع روايته فيها، وفي غيرها ولسحنون مع ابن حبيب وسماع أصبغ أشهب: إلا في أربع مسائل يفسخ فيها بموت المستأجر له الصبي المستأجر على إرضاعه، والصبي المستأجر على تعليمه والدابة المستأجر على رياضتها والرمكة المستأجر على أكوام عليها معدودة تعق قبل تمامها.
المتيطي: إن مات الصبي المستأجر على إرضاعه، ففي كتاب ابن سحنون على الأب خلفه.
ابن رشد: الثاني الاستئجار على عمل في معين لا غاية له إلا بتسمية الموضع كحمل شيء بعينه يجوز إلا بشرط الخلف اتفاقًا والثالث كذلك، إلا أنه لا غاية له إلا بضرب الأجل كالإجارة على بيع هذا الثوب أو العبد في هذا الشهر في البلد أو بلد آخر بثمن سماه أو بما رآه في هذا السماع إن شرط أنه إن تلف العبد أو الثوب انفسخت

الجزء: 8 - الصفحة: 221

الإجارة لم يجز، وإن شرط خلفه جاز وسكت عن حكم السكت عن الأمرين وظاهر المدونة: الجواز ووجوب الخلف والجاري على قوله في رعاية غنم بأعيانها أن الإجارة لا تجوز إلا بشرط الخلف، فإن باع قبل تمام الأجل انفسخت الإجارة في باقي الأجل، وله من الأجر بقدر ما مضى منه.
قال فيها: والآتي على قول سحنون في هذه المسألة أن الإجارة لا تنفسخ في باقي الأجل، ويستعمله بقيته فيما يشبه، وإن شرط فسخ الإجارة في باقيه إن باع قبل تمامه لم يجز عنده، ولو لم ينتقد على قوله فيمن اكترى دابة في حاجة إلى بلد، وشرط إن وجدها في الطريق رجع وكان عليه بقدر ما مضى من الكراء، ولو واجره على بيع الدابة أو الثوب بذلك البلد أو ببلد آخر على أنه له أجره ولو لم يبع جاز، ولو لم يسم للتسويق والبيع أجلًا؛ لأن قدر ذلك معروف، قاله أشهب في أول سماع أصبغ، ومضى هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، ونحوه في سماع ابن خالد الرابع الاستئجار على عمل في معين له غاية معلومة كخياطة ثوب بعينه، أو طحن قمح بعينه ونحوه لا يجب شرط خلفه اتفاقًا، فإن تلف قبل العمل أو قبل تمامه فالمشهور فسخ الإجارة فيها، أو فيما بقي منه، وهو قول مالك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم، وفي سماع يحيى ابن القاسم في مسألة الزرع أم الإجارة لا تفسخ، ويستعمله في مثله، وهو شذوذ والنقد في هذه الإجارة جائز؛ لأن التلف نادر.
والإجارة على رعاية غنم: قال اللخمي: أقسام: إن قال: علي رعاية غنم ولم يسم عددًا جاز، وحمل على منافعه ويأتيه المستأجر بما يقدر الأجير على رعيه من الغنم بشرط علم المستأجر بما يقدر على رعيه قبل استئجاره، وليس للراعي رعي غيرها معها فإن فعل فأجر ذلك لمن واجره أولا.
قُلتُ: نحوه قول عبد الحق عن بعض شيوخه: إن ضم الراعي لنفسه تحت يده فليس عليه تسمية عدد الغنم، ورأيت لابن حبيب ونحوه.
اللخمي: وإن واجره على رعاية مائة معينة أو غير معينة فله رعي غيرها معها إن لم يضشر بالأولى، وإن شرط عليه الأول أن لا يرعى معها غيرها لزمه الوفاء بشرطه، فإن

الجزء: 8 - الصفحة: 222

رعى غيرها ففي كون أجر الثانية للشارط، أو للراعي إن لم يضر بالأول قول ابن القاسم وغيره وفيه نظر؛ لأن الأجير يحط للأول من الأجر لراحته بعدم رعي ما زاد على عدده، ولزيادة الشارط احتياطًا لغنمه فلا يبطل حق أحدهما، وأرى تخيير الشارط في فسخ ما زاد لمكان الشرط وأخذ قيمة تلك الزيادة، وأخذ ما باعها به إن قيل أجر مثله على الأولى وحدها عشرة، وعلى أن يرعى معها الثانية ثمانية، والمسمى اثنا عشر فسخ عن نفسه خمس المسمى؛ لأنه أكثر، وإن كان المسمى أقل من عشرة أخذه بدينارين؛ لأنه أكثر من خمس المسمى، فإن أحب أخذ ما باعها به قيل ما أجر مثله في الثانية إن قيل: أربعة دنانير كان أجر الثانية نصفين؛ لأن للأول فيها ما قيمته ديناران فإن أجر على الثانية بأكثر من أربعة أخذ نصفه، فإن نقصت الأةلى برعي الثانية معها، وأحب أخذ نصف ما أجر به على الثانية لم يأخذ مع ذلك نقصها؛ لأنه بأخذه ما أجر به نفسه أجاز فعله فسقط حكم تعديه، وإن أحب فسخ مناب الشرط عنه، أو أخذ قيمة تلك الزيادة فله ذلك مع قيمة النقص هذا ظاهر المذهب وليس بقياس؛ لأنه إذا أخذ معها قيمة النقص صار كأنه أخذها سليمة، وهو لم يكن يقدر أن يأخذها بعد الأجل سليمة إلا بأن لا يرعى فلا يصح أن يأخذها سليمة من العيب بغير أجر.
قُلتُ: تعقبه صحيح وهو يمنع كونه ظاهر المذهب؛ لأن كونه ظاهر المذهب إنما هو بمقتضي قواعده لا بنصوص تعين ما زعم أنه ظاهر المذهب، والصواب أن ينظر فإن كان ما نزل بها من النقص هو المعتاد في رعي ما رعى معها فليس له أخذه مع اختياره أحد الأمرين، وهما فسخه عن نفسه مناب الشرط، وأخذ قيمة الزيادة، وإن كان نقصها أكثر من النقص المعتاد فله أخذه بالزائد على المعتاد مع اختياره أحد الأمرين المذكورين.
اللخمي: وإن كان النقص كثيرًا ضمن قيمتها يوم أخذ الثانية، ويصح هنا أن يسترجع الأجرة ويأخذ قيمتها، وإن كان النقص يسيرًا لم يضمن قيمتها، ولو ترك الأولى فلم يرعها، ورعى الثانية فلربها فسخ الإجارة عن نفسه أو أخذ قيمتها أو ما أجر به نفسه، فإن أخذ ما أجر به نفسه، وقد نقصت الأولى لم يضمنه؛ لأنه بأخذه ما أجر به

الجزء: 8 - الصفحة: 223

نفسه مجيز لفله، وإن قال أستأجرك على رعي هذه الغنم، فقيل: جائز وقوله هذه كالصفة، ويخلف غيرها إن أصيبت ولا يتعين، وقيل: يتعين والإجارة فاسدة؛ لأن فيه تحجيرًا على ربها لا يقدر على بيعها، وقيل: جائزة ويتعين؛ لأن ربها يشترط ذلك خوف تكلفه الخلف، وقيل: إن قرب أمد الإجارة جاز، وإن بعد لم يجز، وكذا قوله تحمل هذه الأحمال لبلد كذا في كتاب الرواحل منها لا يتعين، وعلى قوله في الغنم: يتعين وتجري فيها الأقوال الثلاثة، وأرى الجواز فيما قرب وفيما بعد إن كان الشرط من رب الغنم، وفيها: إن كان العرف رعاية ولد الغنم معها لزمت وإلا فلا، وفي الرواحل منها إن ولدت المرأة حمل ولدها معها، ففي كونها كالغنم مقيدة بالعرف أو مطلقة ويفرق بأن ولد المرأة كان محمولًا معها أو لا فرق، وهو تناقض أقوال المتأخرين.
شيوخ الفاسيين: في الأظهر التفريق بما ذكر مع زيادة اعتبار منع التفرقة في الآدمية.
المتيطي عن بعض الموثقين: مقتضى المدونة: لزوم رعي أولادها كولد المرأة المخدومة.
قُلتُ: عزاه ابن عات لابن مغيث.
الصقلي: إن لم يكن عرف برعي ولد الغنم ولا شرط، فقال ابن اللباد: على ربها أن يأتي براع معه للأولاد للتفرقة.
قُلتُ: معناه: أن التفرقة تعذيب لها فهو من النهي عن تعذيب الحيوان.
المتيطي: إن شرط رعي أولادها معها، فقيل: جائز للعرف، وعقده ابن العطار بقوله، وعليه رعاية ولدها وخدمتها على المعروف عند الناس حتى تبلغ شيئًا باستقلالها عند الناس، وقيل: لا يجوز شرطه؛ لأنها مجهولة وليس ما وقع به الحكم عند النزول كالشرط، وقيل: يرفع الخلاف شرط رعي يخال عددها كعدة الأمهات مع تسمية المدة من وقت ولادتها إلى وقت فطامها.
ابن عات: عن المشاور وغيره إن كان بقرية نعم ليس لكل واحد من مالكها ما يرعاه له راع فأخذ بعضهم من يرعى نعمهم إلا رجلين كرهو إدخالهما معهم فلهم

الجزء: 8 - الصفحة: 224

ذلك، وكذا إن كره ذلك الراعي لم يجبر لهما، وكذا أهل الأفران والأرحى والحمامات لا يجبرون على الاستئجار، وإن لم يكن بالموضع غيرهم، وكذا الصناع كلهم ولغيرهم نحوه إلا ما كان من المباحات للناس كالفرن والرحى والحمام إن لم يكن بالموضع غيره جبر على الطبخ بما يطبخه به مثله لا يزاد عليه؛ لأنه ضرر على جاره والقياس الأول، وهذا استحسان والقضاء بطليطلة جبر الفران على طبخ خبز جاره بأجر مثله، وفيها: لا ضمان على الراعي، ولا فيما سرق إلا ببنية أنه فرط أو تعدى، ولو خاف موت الشاة فأتى بها مذبوحة صدق ولم يضمن، وقال غيره: يضمن ما ذبح ويصدق فيما هلك أو سرق، ولو قال: ذبحتها ثم سرقت صدق، وقال غيره: بالذبح ضمن، وفي النوادر: عزو قول الغير ل أصبغ وابن كنانة.
المتيطي: يصدق في ذبح المريضصة، واختلف في الصحيحة.
الصقلي عن سحنون: إن هربت شاة من الذود فطلبها قليلًا، ثم رجع للذود، وقال: خفت ضياعه لم يضمنها وليس هذا بتفريط.
قُلتُ: ما لم يكن الذود بمحل أمن مع بعد الراعي عنه.
قال عن ابن حبيب: ولا يضمن إن نام فضاعت ولو نام نهارًا في أيام النوم، إلا أن يأتي من ذلك ما يستنكر أو بموضع خوف فيضمن.
اللخمي: إن خرج عن المعتاد في نومه ضمن، وإن نام بالشتاء أو في الشصيف أول النهار أو آخره ضمن، وفي القائلة: لم يضمن إلا أن يطول، ولما ذكر اللخمي قولي ابن القاسم والغير في الذبح قال: ولابن حبيب: من أتى بثور مذبوح استعاره للحرث، وقال: خفت موته ضمن إلا أن يأتي بسبب لذلك أو لطخ ظاهر.
قال: بخلاف الراعي؛ لأنه مؤتمن مفوض إليه فيما استرعي، وإن ذبح الشاة الراعي شاة مريضة صدق قولًا واحدًا، وأرى في اتلصحيحة أن يصدق إذ لا فائدة له إلا أن يكون وقع بينه وبين رب الغنم شنآن، ولو كانت عادتهم فيما سقط وذبح أن الراعي يأخذ سواقطه، ففي كونه تعديًا إشكال.
قُلتُ: ومقتضى قولي ابن القاسم وغيره: لا ضمان عليه فيما أتى به منها ميتًا، فإن

الجزء: 8 - الصفحة: 225

كان مع عدم إمكان ذكاته فواضح، وإن ثبت تفريطه في ذكاته ضمن، وهل يجب عليه أن يجمل معه سكينًا لذكاة ما يخشى موته اعتبر في ذلك عرف موضعه فإن لم يكن عرف فالأظهر سقوطه.
قال بعضهم: إلا أن يكثر فيها الموت.
وفيها: إن شرط رعيه بموضع فرعى في غيره ضمن يوم التعدي، وله أجره إلى يومه، وروى ابن وهب: لا ضمان على العبد الراعي كالحر.
ابن فتوح: من استدعى صبيًا فخالفه في أمره فعطبت الغنم لم يضمن شيئًا إلا أن يستهلكا استهلاكًا فيضمن.
قُلتُ: الأظهر أنه لا شيء عليه فيما استهلكه منها لوضعها ربها تحت يده كالوديعة حسبما ذكره اللخمي آخر كتاب الوديعة وغيره.
وسمع القرينان في البضائع والوكالات: إن بعث مع عبد لا يزال يبعث معه بعيرين فأتى فقال: تهشم في صحراء الطريق فخفت موته فنحرته، وأكلت منه ضمنه كحر نعير بعير رجل، وقال: خفت موته قيل: إن العبد مؤتمن على تبليغه.
قال: ليس على مثل هذا أو ثمن ولو تركه حتى مات لم يضمنه، وغرم ما ضمنه على سيده.
ابن رشد: لأنه ليس له نحره، ولو خاف موته فهو متعد ولعله لو لم ينحره لم يمت، وهو كمن ذبح بعير رجل، وقال: وجدته يموت وسواء كانت للعبد بينة بأنه خشي عليه الموت، وأنه لذلك نحره، أو لم تكن وضمانه إن لم تكن له بينة ولا أحد يعلم ذلك أبين، ومعنى: قوله: غرم ذلك على سيده أنها جناية في رقبته لا أن غرم قيمة البعير على سيده، وإنما جعله في رقبة العبد؛ لأنه لم يصدقه أنه خشي موته، ولو صدقه في ذلك لأشبه كونه أيضًا في رقبته على قول أشهب، ورواية ابن وهب في الراعي: يخشى موت الغنم فيذبحها أنه ضامن إن لم يؤذن له في ذلك، وما في هذا السماع شبه ما لابن القاسم وأشهب في سماع سحنون من العارية في العبد: يقول للرجل أرسلني إليك سيدي في

الجزء: 8 - الصفحة: 226

كذا فيعطاه فيتلف عنده أو يزعه أنه دفعه لسيده، وينكر سيده أن ذلك في رقبته، واحتج ابن القاسم في سماع سحنون في الجنايات بقول مالك: لهذا أنه في رقبته وأشبه المسائل بهذه المسألة استهلاك العبد ما أودع في غير منفعة في كونها في ذمته أو في رقبته.
قولا ابن القاسم وابن الماجشون: فقول مالك في هذه كقول ابن الماجشون وابن فتوح إن وكل الراعي من ليس مثله على الغنم ضمن، وإن كان مثله ففي ضمانه قولا أبي صالح وابن لبابة.
قُلتُ: للمتيطي عن ابن حبيب كأبي صالح.
وفيها: إن أنزى الراعي على الغنم بغير إذن أهلها ضمن.
أشهب: لا يضمن.
قُلتُ: إن تقرر عرف بالإذن أو المنع فلا اختلاف، وإلا فالقولان، وينبغي إن كان الفحل لغير رب الأنثى أن يضمنه اتفاقًا.
وفي الرواحل منها: كل ما صنعه الراعي مما لا يجوز فعله فعاب الغنم ضمنه، وما يجوز فعله فلا ضمان عليه.
اللخمي: يريد: بما لا يجوز له أن يفعله أن يرمي الشاة نفسها، ويختلف إن رمى قدامها أو جانبها لترجع بموضع فوقعت عليها؛ لأنه خطأ فيما أذن فيه ولو تقربت للضربة فوقعت عليها لم يضمن، ولابن حبيب: إن رمى كرمي الراعي فأصابها خطأ ولم تكن؛ يريد: الشاة حادث إليها ضمن، وقد أجاز الله ضرب النساء للنشوز ولو شجها ضمن، ولو كان خطأ.
اللخمي: ليس مثله فعل الزوج لحق نفسه وهي مجبورة على ذلك، والراعي وكيل لرب الغنم، ففعل ما يراه حسن نظر لربها كفعل ربها.
زاد الشيخ عن ابن حبيب: ولا يضمن ما حدث عن رميه مثل أن تنزو الشاة لرميه أو تحيد فتقع في مهواة فتنكسر، أو تغرق في نهر أو تنطح صخرة هذا إن رمى كرمي الرعاة، ولو رماها عبثًا ضمن مطلقًا كأجنبي، ويدل على ضمانه ما أصابت رميته أنه لو رمى صيدًا فأصاب شاة ضمنها.

الجزء: 8 - الصفحة: 227

الصقلي: قوله خلاف قول مالك والفرقبين رمية الغنم والصيد أن الراعي لا يستقيم رعيه إلا بذلك لو ذهب لرد كل شاة تعذر فكان ذلك من عادتهم فصار بالعرف كمأذون فيه، ورميه الصيد ليس من مصالحها ويضعف تفرقته بين ما أصابت رميته وما تولد عنها استواؤها في رمي المحرم الصيد.
قال: فإن قيل: الراعي مأذون له والمحرم منهي عنه.
قُلتُ: هذا لا يشبه كما لو رمى ظبيًا يظنه سبعًا فوقع بمهواة فعليه جزاؤه؛ فإن قيل: الخطأ في الصيد كالعمد، قيل: وكذا في أموال الناس أبو إبراهيم لفظها في الأم كل شيء صنعه الراعي أخذه من الوجه الذي لا يجوز له فعله كذا.
لإبراهيم: ابن قاسم: قال لنا أحمد: هو غلط إنما هو أن يقول من غير الوجه الذي يجوز له أن يفعله أو من الوجه الذي لا يجوز له أن يفعله هو من كتاب أبي عمر الإشبيلي فعلى الرواية بإثباته لا يقتضي قوله: أنه ضامن إن ادعى أنه فعل ما يجوز له، ولا يصدق في ذلك، وفي نوازل سحنون في الجنايات فيمن ضرب بطن امرأته أو شجها وقال: فعلته أدبًا، وقالت: تعديًا، اختلف فيها قول سحنون وفيها في الراعي: يذبح الشاة ويدعي أنها تموت، القولان كذا في مدونة الشيخ أبي محمد فينكره.
قُلتُ: ما ذكره من قول أحمد في إثبات لا غلط كذا هو في حاشية المدونة عندي، وليس هو بحيث يقتصر فيه بالغلط لاحتمال كونها تأكيدًا أو زائدة كقوله تعالى ما منعك ألا تسجد، وقوله وفيها في الراعي يذبح الشاة ويدعي أنها تموت.
القولان يقتضي أن القولين في تصديقه أنها تموت فيدل أن لو قامت له بذلك بينة أنه لا يضمن، وقد تقدم لابن رشد ضمانه، وقال في طرة مدونة الشيخ أبي محمد: قال ابن زرب: الراعي على التعدي حتى يثبت غيره وهو معنى ما في المدونة، وفي كتاب ابن وضاح للراعي رعيها، ولا ضمان عليه، وكذا راكب الدابة يضربها فتعطب لا ضمان عليه، وظاهره خلاف قول ابن زرب.
قُلتُ: قبول قول ابن زرب الراعي على التعدي إلى آخره، يرد بقولها في كتاب الجعل والإجارة، ولا ضمان على الرعاة إلا فيما تعد\وا فيه أو فرطوا إن كان الراعي

الجزء: 8 - الصفحة: 228

خاصًا برجل أو عامًا للناس.
قُلتُ: والمستثنى منه أكثر من المستثني، وفيها شرط ضمانه أو عدم تصديقه في التلف أو فيما لا يأتي تسميته لغو وتفسد الإجارة.
ابن القاسم: وله أجر مثله بغير ضمان ولو فضل المسمى غيره لا شيء له من فضله، ومحال أن يفضله، وكذا نقله الصقلي.
وفي غير نسخة للخمي قال ابن القاسم: له الأكثر إن عمل من المسمى أو أجر المثل، وقيل: له أجر المثل قل أو كثر ويجري فيها القول بجواز الشرط، ويضمن إن لم يأت بالقيمة لقدرته على ذلك كقول المستأجر انكسرت الجفنة، ولم يات بفلفتها بخلاف قوله ذهبت وهي حية أو ضاعت الجفنة، وفيها لمالك: لا يعجبني أن يستسقي مار براع من لبن ما يرعى.
اللخمي: يريد: إن كان الغالب إباحته كره لاحتمال منع ربها ذلك ولم يحرم لغلبة الإباحة، وإن كانوا يمنعونه أو أكثرهم لم يجز، وإن كانوا يبيحونه ولا يمنعونه لم يكره، وفيها: لا يضمن أجير الخدمة ما كسر من آنية أو أفسد من طحن أو أهراق من ماء أو لبن أو ما وطاء عليه فكسره أو أحرقه إلا أن يتعدى.
قال غيره: ما وطاء عليه أو عثر عليه ضمنه، وسمع عيسى في كتاب الرواحل: منع ابن وهب من اكترى دابة لحمل خشبه فانقلبت من يده فسقطت من ظهر الدابة فكسرت رجلها فهو ضامن لها.
ابن رشد: لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، ولو ضرب الدابة ضربًا يجوز له فعطبت لم يضمن، ولو أخطأ في ضربه ضمن.
قُلتُ: فالواجب إن وضع الخشبة على الدابة وضع مثلها لم يضمن، فتأمله وفيها إجارة الأطباء على العلاج إنما هو على البرء إن براء فله حقه، وإلا فلا شيء له إلا ان يشترط شرطًا حلالًا فينفذ كشرطه أن يكحله شهرًا بكذا فيجوز إن لم ينفذه، وهذه إجارة أن براء قبل الأجل أخذ بحسابه، إلا أن يواجره وهو صحيح العينين بكحله شهرا بكذا فيجوز فيه النقد، ويلزم تمام الشهر.

الجزء: 8 - الصفحة: 229

اللخمي: لا يشترط النقد لإمكان البرء في بعض الأجل، ولا بأس أن يشترط من النقد ما الغالب أن لا يبرأ فيه، وفي منعه على الجعالة قولا الجلاب لا بأس بالمجاعلة على البرء، وقيل: لا يجوز إلا إلى مدة معلومة مشاهرة أو غيرها.
اللخمي: المعروف في المسألة الجواز وفي أصلها المنع من ثلاثة أوجه كونه مما يطول أو يشغل، وكونه فيما لا يملكه الجاعل كأرضهح ولأنه قد يترك في نصف البرء فينتفع العليل بلا غرم، وعلى الجواز إن ترك قبل تمام البرء فبراء بمجاعلة آخر فمختلف هل يكون للأول بقدر ما انتفع بعمله كعامل المساقاة يعجز قبل تمام العمل.
قال مالك: لا شيء له فأحرى مع الترك اختيارًا.
قُلتُ: تمامها في الجعل.
قال: ولا يجوز شرط نقد عوضه، ويختلف في الطوع به.
قال أشهب: لا خير فيه لما كان العامل بالخيار فيصير كابتداء أخذ منافع عن دين.
قيل: لا يكون كذلك إلا بعدده بعد تركه.
قُلتُ: ما نقله عن أشهب هو المعروف من المذهب حسبما تقدم في الخيار منع الطوع بالنقد في أربع مسائل منها الكراء على خيار، وما نقله عن غيره هو أصل أشهب لإجارته أخذ منافع عن دين.
قال: ويجوز كون الدواء من عند الطبيب.
قال مالك في شرح ابن مزين: مؤاجرة الطبيب على إن براء فله كذا، وإلا فله أجر دوابه هذا من شرطين في بيع، إنما يجوز مجاعلته على إن براء فله، وإن لم يبرأ فلا شيء له، وأجاز جعله والدواء من عند الطبيب، وكذا الجعل على الآبق إن وجد العبد اتفق عليه، وكان له الجعل دون النفقة إذ قد تكثر النفقة أو يأبق العبد قرب المدينة فلا يكون له شيء.
قُلتُ: في سماع عيسى: قال ابن وهب وابن القاسم: مشارطة الطبيب العليل على إن براء فله كذا وإلا فله ثمن الدواء من بيعتين في بيعة، وأجاز مالك مشارطته على شيء معلوم إن صح أخذه، وإلا لم يكن له شيء.

الجزء: 8 - الصفحة: 230

ابن القاسم: لا خير فيه.
ابن رشد: كونه من بيعتين في بيعة يدخله الغرر، لا يدري الطبيب هل يحصل له الأجر المسمى أو ثمن أدويته، فإن نزل فسخ متى عثر عليه وله ثمن ما عالج به من أدويته، وقيمة عمله في علاجه، ولم يتعرض لقول ابن القاسم لا خير فيه كأنه ساقط.
فيها: لا بأس بإجارة الفحل للإنزاء فرسًا أو تيس أو حمارًا أو بعيرًا على نزو أكوام معروفة، أو شهر بكذا وإن شرطه حتى تعق الأنثى لم يجز.
اللخمي: قول ابن حبيب: إن سمى زمنًا لم يجز تسمية النزوات فاسد، ولا يجوز إلا تسميتها لاختلاف الإجارة بقلتها وكثرتها.
قُلتُ: إن كانت حركة الفحل لذلك مأمونة، فقول ابن حبيب صواب كأحد القولين في منع خياطة ثوبين في وقت يمكن أن يسع خياطتهما، وإن لم تكن مأمونة منع اتفاقًا كما مر في التوقيت في خياطتهما.
قال: وروى ابن حبيب: يكره بيع عسيب الفحل، وثبت النهي عن بيعه، وقد يحمل على الندب، وليس من مكارم الأخلاق أخذ عوض عنه، فإن فعل لم تفسخ الإجارة، وإن أخذها لم ترد، ولسحنون: إن استأجره لنزوين فعقت بعد نزو لم يلزمه الثاني وانفسخ فيه العقد كالصبي في الرضاع.
قُلتُ: تقدم فيه الخلاف من نقل المتيطي: عياض: وتعق الرمكة بكسر العين تحمل، وسمع ابن القاسم: جواز نزو البغل على البغلة، وفي كراهة الإجارة عليه، ثالثها: الوقف لأول قولي ابن القاسم وعيسى، وثانيهما: وصوب ابن رشد الثاني.
والإجارة على البناء إن كانت على العمل فقط والآلة على ربه وجب معرفتهما صفته بشرط أو عرف، والأجل في مطلقه بالزمان كخدمة حرث غير مقيد بمحل معين وفي مقيده بشكل معين كبيت أو دار بتمامه.
المتيطي: وما انهدم من هذه الدار قبل تمامها فللأجير بحسب ما عمل، ولا يلزمه إعادة بنائه وتفسخ الإجارة فيما بقي إن تعذر على صاحب العمل ما بنى فيه مثل ذلك، وإن أمكن مثله أتمه فيه وغن رضي رب العمل أن يبني له أسفل مثل ما بنى فوقه لزمه؛

الجزء: 8 - الصفحة: 231

لأنه أهون والدلو والفأس والقفاف على رب الدار إلا أن يكون عرف فيقضى به.
قُلتُ: وقاله اللخمي، وفرضه في بناء حائط لا دار.
قُلتُ: ومعناه: أن انهدامه لا بسبب سوء صنعته، فإن ثبت كونه به فلا أجر له وغرم قيمة ما أتلف من آلة كقولها في الصانع يفسد نسج الغزل ونحوه لابن فتوح وعياض واللخمي، وإن كان مقاطعة فقال: إن بنيته كاملًا فلك الأجر، وإلا فلا شيء لك جاز كالمقاطعة على الخياطة لا تستحق شيئًا إلا بتمام بنائه، وإن انهدم لزم بناؤه من أوله.
قُلتُ: مقتضى هذا أنه جعالة، وصرح به ابن فتوح فقال: معنى ذلك: أنه على معنى الجعل، وهو مشكل كما قرره.
اللخمي: في جعل الطبيب؛ لأنه فيما يملكه الجاعل، وفيها من استأجر رجلًا على بناء وصفه له فلما بنى نصفه انهدم فله من الأجر بقدر ما عمل، وليس عليه بناؤه ثانية كان الأجر والطين من عندك أو من عنده.
قال غيره: لا يكون هذا إلا في عمل رجل بعينه لا يكون مضمونًا.
عياضك كذا عندنا سحنون، وعليه فيه مضمونًا تمام العمل كذا في روايتنا من كتاب ابن عتاب وابن المرابط، وسقط اسم سحنون لابن المرابط والدباغ والأبياني، وبهذا اللفظ نقلها ابن لبابة، وعلى معناه اختصرها الشيخ، وفي بعض الأمهات، وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه لا يكون إلا مضمونًا، وعليه فيه تمام العمل، وجاء الكلام في المضمون كله لابن القاسم، وفي كتاب ابن عتاب: أمر سحنون بطرح قول الغير.
ابن وضاح: قرأناه عليه مرة فأمر بطرحهن وقال: لا أعرفه، وفي كتاب ابن سهل: ثبت قول غيره لابن باز، ولابن المرابط كان موقوفًا في كتاب ابن وضاح، وفيه قال ابن وضاح: قال سحنون: مسألة الغير أصح مسائلها، وهو أصل جيد، وذهب بعض المتأخرين إلى أن قول الغير وفاق، إلا على اختصار الشيخ فهو خلاف عياض، إنما قول الغير على مقتضى أول المسألة في أن ما يبنى به العامل فأجازه مالك وابن القاسم،

الجزء: 8 - الصفحة: 232

وقال غيره: إن كان على وجه القبالة يعني الضمان لا على عمل رجل بعينه فلا بأس به إن قدم نقده فحملها أنها كالسلم تجب فيه شروطه، ولم يذكر فيها ضرب الأجل؛ لأنه رأى المعجل منها تبعًا لما بقي، وأمد فراغها وما يدخل فيها من جص وأجر معلوم وعادة وابن القاسم لم يراع هذا، ورآه إجارة وبيعًا كانت بعمل رجل بعينه، أو بغير عينه وشبهه بيع السلعة للحاجة إلى ذلك؛ لأن أمد فراغها، وما يدخلها معلوم وهو يسرع في العمل، وقال ابن أبي زمنين: هذه مسألة لا يحملها القياس، وهي استحسان.
وقال سحنون: لا تحملها الأصول، ومنعها عبد الملك في الثانية، وكذلك معنى قول الغير عندي أو أن أصل هذه المسألة لا تجوز هذه الإجارة في عمل رجل بعينه إن لم يكن مضمونًا، وإنما تجوز الإجارة في المضمون، وهذا بين على روايات الأمهات، ويكون خلافًا وعلى ما عندنا، واختصار الشيخ لا يكون خلافًا وعلى الخلاف حملها سحنون، وقال: اردد مسألة الحائط لمسألة الغير هي أصح مسائلنا، وفي الأسدية زيادة حسنة، وهي إن تشاحا فعليه بناء ما بقي من العمل فيما يشبه، وله أجره كله إلا أن يكون سقوطه من سوء البناء فعليه أن يعيده ثانية.
قُلتُ: فإن لم يكن من سوء البناء فعليه أن يبني له ما بقي من ذلك العمل فيما يشبه وله أجره إذا تشاحا.
قال: نعم.
قُلتُ: سمع أصبغ ابن القاسم لا بأس أن يواجر البناء على البناء مقاطعة هو من عمل الناس، فإن طال ذلك ضرب له أجل أيام.
ابن رشد: كونه مقاطعة صحيح، ولا يصح فيما قل ويفرغ منه في بعض اليوم لا مقاطعة، وما كثر يجوز مقاطعة إذا وصف العمل أو عجل النقد، وشرع في العمل ويجوز فيه بالأيام فمعنى قوله: إن طال ذلك ضرب له أجل أيام أبي إن طال جازت مؤاجرته فيه بالأيام لا أنه يجوز أن يؤاجره فيه إلى تمامه مع تأجيله بالأيام لمنعه ذلك بعد هذا وتقدم ما فيه.
قُلتُ: مقتضى السماع وتفسير ابن رشد أن معنى المقاطعة: تأجيل البناء بفراغ بناء

الجزء: 8 - الصفحة: 233

المبنى الموصوف ومقابلة تأجيله بالأيام، وهو مقتضى ما تقدم للمتيطي ما انهدم من الدار قبل تمامها فللأجير بحساب ما عمل خلاف ما تقدم للخمي من تفسير المقاطعة من أنه لا يستحق فيها شيئاً من الأجر، إلا بتمام البناء وأنه إن انهدم شيء لزمه بناؤه إلا أن يحمل كلام اللخمي على المقاطعة المقيدة بما ذكر من قوله أن يبنيه كاملاً فلك الأجر وإلا فلا شيء لك لا على مطلق المقاطعة، وأيا ما كان فقوله مشكل إن حمل على مطلق المقاطعة كان خلاف السماع المذكور، وإن حمل على المقاطعة المقيدة بما ذكر فهي فاسدة؛ لأنها آئلة إلى الجعالة فيما يملكه الجاعل حسبما ذكره هو في مجاعلة الطبيب، وهذا كله ومادة البناء من رب العرصة، وإن كان على أنه على العامل فحكمه ما تقرر في فصل السلم في المصنوع وباستحضار حكمه، وحكم أجير العمل يتضح لك الحق في مسألة قول الغير، وسمع عيسى ابن القاسم أخذ عرصة على أن يبنيها ليسكنها مما ينفق فيها جائز إن سماه، وما لكل سنة منه وإلا فلا خير فيه ابن رُشْد؛ لأنه إن لم يسمها كان كراء مجهولاً، وجاز دون وصف البناء؛ لأنه وكيل عليه أن يبني بما يليق بالعرصة صح كوكالته على شراء جارية دون صفة ولو وصف البناء مدة السكنى جاز، ولو لم يسم ما يبني به ولا ما لكل سنة مدة بل لا يجوز مع ذلك تسميته ما يبني به؛ لأنه يصير من بيعتين في بيعة وفيها لا بأس بالإجارة على حفر بئر عمقها كذا إن خبر أرضها، وإلا فلا خير فيه كقول مالك في الإجارة على حفرها لبلوغ الماء إن عرفا أرضها فلا بأس وإلا لواجبة.
الصقلي: ليحيى عن ابن القاسم إن عرفا الأرض بلين أو شدة أو جهلاها معا جاز وإن جهلها أحدهما لم يجز الجعل فيه.
الشَّيخ في الموازيَّة عن ابن القاسم: إن كانت الأرض للمستأجر لم يجز له فيها جعل على بناء أو حفر، وتجوز له الإجارة والمقاطعة، فإن عامله على أنه إن نض الماء وتم البناء فالبئر بينهما ببنائها ومائها، فإن عرفا قرب الماء وبعده وشدة الأرض وسميا للماء قدراً معلوماً جاز، وإلا فلا خير فيه، وقد أجازه مالك إن أشكل الأمر على الأذرع.
ابن حبيب: الإجارة على الحفر أن يقول أو أجرك على حفر هذه البئر مع طيها أو

الجزء: 8 - الصفحة: 234

دونه، أو على عمل عشرة أيام وما يحتاج إليه من حبل وقفاف وأجره على رب البئر وكذا البناء، ولو مات الأجير أو منعته صخرة من التمادي فله بقدر ما عمل.
اللخمي: حفر الآبار على ثلاثة أوجه جعل، وإجارة ومقاطعة هذان يلزمان بالعقد إن علما بعد الماء، وصفة الأرض جازت مطلقاً دون شرط، إن قال أستأجرك على حفر بئر بهذه الأرض، ولم يزد جاز إلا أن تختلف عادتهم في سعتها فتذكر.
قُلتُ: ويعين محل الحفر منها، وإن علما صفة الأرض دون بعد الماء لم يجز إلا مذراعة.
قُلتُ: أو بالزمان قال: وفي العكس جائز إن سموا للشديدة أجرة وللرخوة أجرة فما حفر من كل صنف فله حسابه.
قُلتُ: في جواز هذا نظر؛ لأنه كصبرتين مختلفتي الصفة والسوم في كل قفيز منهما، ولا ضرورة لذلك لقدرتهما على الإجارة مذراعة.
المتيطي: إن أغفل في العقد ذكر معرفة صفة الأرض، فقال: الأجير ظننتها رخوة وألفاها صلبة أو قريبة الماء وألفاها بعيدته، فإن اتفقا على تعيين المكان لزمه ما لم تختلف الآبار حوله، فإن اختلفت ولم يكن الأجير ممن يعرف تلك الجهة أو ادعى الجهل فسخ، ولنرجع إلى مقصدنا الأول في محاذات كلام ابن الحاجب فلا يجوز كراء الأرض لحرث بطعام أو ما تنبته لغير طول فيها لا يجوز كراؤها بشيء مما تنبته، ولو كان من غير الطعام من قطن أو كتاب أقضب أو قرط أو تبن أو علف ولا بزعفران؛ لأنه مما تنبته ولا بطيب يشبهه ولا بعض ولا بطعام ولو لم تنبته لا يجوز بلبن أو سمن أو عسل أو تمر أو صبر أو ملح أو بشيء من الأنبذة أو فلفل أو زريعة كتان أو ريت الفجل أو طير الماء الذي للذبح أو شاة لحم.
ابن رُشْد: هذا قول جمهور أصحابه.
الصقلي: عن ابن حبيب: هو قول مالك وابن القاسم وأشهب وابن وَهْب وأَصْبَغ وابن عبد الحَكم والآخرون.
ابن رَشْد: وقيل: تجوز بكل شيء معلوم إلا بالجزء مما يخرج منها، وهو ظاهر قول

الجزء: 8 - الصفحة: 235

مالك في "الموطأ" في كتاب المساقاة قال فيه: لا ينبغي أن يساقي الأرض البيضاء؛ لأنه لا يحل لصاحبها كراؤها بالعين وشبهها من الأثمان المعلومة إلا أن ذلك غير معلوم من مذهبه.
قُلتُ: تبع في هذا أبا عمر؛ لأنه قال إثر قول مالك: ظاهره أنه يجيز كراءها بكل شيء معلوم وإن كان طعاماً.
قُلتُ: وفي قولهما نظر؛ لأن الطعام لا يشبه الدنانير والدراهم.
أبو عمر: قال ابن نافع: تجوز بالطعام والإدام وغيره إلا الحنطة وأخواتها يعني البر والشعير والسلت ونقله ابن رُشْد عنه.
الصقلي: بزيادة على أن يزرع فيها بخلاف ما اكتريت به.
أبو عمر: قال ابن كنانة: تجوز بكل ما لو أعيد إليها لم ينبت من طعام أو غيره.
ابن رُشْد: واختاره عيسى ابن دينار.
المتيطي: وحكاه سَحنون عن الغير.
ابن مزين: وقاله يحيى بن يحيى، ورواه عن مالك ابن مزين وبه أقول.
الباجي: قال ابن حبيب: كره مالك كراؤها بالطعام؛ لأنه طعام بطعام لأجل، وقال ابن الماجِشُون: إنما كرهه؛ لأنه من المحاقلة إلا في أرض لا تنبت ذلك الشيء كالقطن والزعفران في أرض لا تنبتهما.
الباحي: ولا تكرى بشيء من الحشيش، وقال محمد: لا بأس أن تكرى بالخضر.
الشَّيخ: يريد من الكلأ؛ لأنه ليس بطعام ولا مما يزرع وعلى منع كرائها بالكتان.
قال محمد: يجوز بثيابه.
الباجي: لأنه استحال عن أصله.
اللخمي: يجوز بما تنبته الأرض ولا ينبته الناس كالذهب والفضة والرصاص والنحاس والكبريت والحشيش والحلفاء.
قُلتُ: قوله: (يجوز بالحشيش) خلاف نقل الباجي، إلا أن يريد الحشيش الذي هو طعام.

الجزء: 8 - الصفحة: 236

وفيها: لا بأس بكرائها بالعود والصندل والحطب والخشب والجذوع.
الصقلي: قال ابن سَحنون لأبيه: لم أجازها بهذه وهي مما تنبتها الأرض.
قال: لطول مكثها.
قال غيره: ويجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن إلا في سنة من غير الطعام، وشدد سَحنون في كرائها بالجزء مما يخرج منها وخرج فاعله.
الشَّيخ: يريد إن كان عالماً أنه لا يجوز، وهو مذهبه أو قول من قلده.
قال ابن سَحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشترى منه الطعام الذي أخذ في كرائها، وإن نزل فإنما له كراؤها بالعين.
الشَّيخ: ذكر غير واحد عن عيسى بن مسكين وغيره من قضاة أصحابنا بإفريقيَّة أنهم حكموا بأن يعطاه قيمة ما يقع له من ذلك بجزء ثلث أو ربع دراهم.
قالوا: لأنها لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء بالعين ولم يعتبروا كراءها يوم العقد؛ لأنه لا كراء على المكتري في العقد إن لم يصب فيها شيئاً، ولا بأس بكرائها بالماء قلت ولا يتخرج منعها به على أنه طعام؛ لأنه قول ابن نافع وهو يجيزها بالطعام غير الحنطة وجنسها، ولما ذكر المتيطي قضاء ابن مسكين قال: قال بعض الموثقين أرض الأندلس عندي بخلاف ذلك الكراء فيها معروف فيجب أن يقضى فيها بكراء المثل.
قُلتُ: وكذا الأمر عندنا في أراضي تونس، وفي قولهم ينظر إلى ما يقع له من ذلك الجزء ثلث أو ربع دراهم نظر؛ لأن ظاهره البناء على ما دخلا عليه من الجزء هو عقد فاسد فيجب لغو ما دخلا عليه فيه، وينظر إلى قيمتها بالجزء أن لو جاز فيها، ثم ينظر إلى قيمة ذلك الجزء ففي قصر جواز كرائها على غير مطلق طعام، وما يستنبت فيها لا عن طول أو على غير الجزء مما يخرج منها أو على غير القمح والشعير والسلت، رابعها: هذا بقيد أن يزرع فيها غير ما أكريت به، وخامسها: على ما لو أعيد فيها لم ينبت ولو كان طعاماً، وسادسها: يجوز بالجزء مما يخرج منها المشهور مع أكثر الرواة، وابن رُشْد مع أبي عمر عن ظاهر الموطأ، وله عن ابن نافع، ولابن رُشْد مع الأكثر عنه، ولابن كنانة مع عيسى، والمغيرة ويحيى بن يحيى، وعياض عن الداودي مع الأصيلي ويحيى بن يحيى،

الجزء: 8 - الصفحة: 237

وجعل ابن الحاجب وابن شاس القصب كالجذوع، وقبوله ابن هارون لا أعرفه بل قولها لا يجوز كراؤها، وقول اللخمي يجوز كراؤها بالمصطكى مضى في أنه غير طعام وفضل حكم المنفعة تقدم منه مسائل.
واستئجار الأرض للحرث: فيها: لا بأس لكراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد، فإن شرط النقد فسد الكراء.
قال غيره: لا تكرى أرض المطر التي تروي مرة وتعطش أخرى إلا قرب توقع الغيث إن لم ينقد.
الباجي: المأمونة يجوز عقد كرائها قبل إبان الحرث لعشر سنين وأكثر ما لم تكثر جداً، وغير المأمونة كأرض المطر ذكر فيها قول ابن القاسم معزواً لأكثر الرواة.
ابن رُشْد: لا يفرق ابن القاسم بين الأرضين في جواز العقد لعام أو لأعوام كثيرة، ولو كانت غير مأمونة، وهي في جواز النقد قسمان فالمأمونة كأرض النيل، والمطر المأمون والسقي بالأنهار، والعيون الثابتة والآبار المعينة النقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وغير المأمونة لا يجوز النقد فيها إلا نقداً بعد ريها، وإمكان حرثها كانت من أرض النيل أو المطر أو العيون والآبار، وهي في وجوبه قسمان أرض النيل يجب فيها إذا رويت؛ لأنها لا تفتقر لسقي بربها يكون للمكتري قابضاً إن اكترى وأرض السقي والمطر لا يجب فيها حتى يتم الزرع، ويستغنى عن الماء، وكذا ما يزرع بطوناً لا يلزمه في البطن حتى يستغني عن الماء ووافقه ابن الماجِشُون في أرض النيل وفي أرض المطر والسقي غير المأمون، وخالفه في أرض السقي المأمون جعلها ابن القاسم كأرض المطر والسقي غير المأمون، وجعلها ابن الماجِشُون كأرض النيل والأرض على قول ابن الماجِشُون أربع أرض النيل المأمونة يجوز كراؤها للأعوام الكثيرة، ولو بالنقد قرب إبان شربها أو بعد، قاله في المدَوَّنة، وأرض السقي بالآبار والأنهار يجوز كراؤها لعشرة أعوام لا أكثر والنقد فيها على مذهبه جائز قاله الفضل، وأرض السقي بالعيون لا يجوز كراؤها لثلاثة أعوام أو أربعة ولا ينتقد إلا سنة بسنة؛ يريد: ينقد للسنة الثانية قيل تمام

الجزء: 8 - الصفحة: 238

الأولى بيسير، وإن لم تروا الأرض هذا قوله في الواضحة، وأرض المطر لا يجوز كراؤها إلا لعام واحد قرب إبان ربها، ولا يجوز النقد فيها حتى تروى رياً مبلغاً لزرعها أو لأكثره مع رجاء وقوع غيره، قاله في المدَوَّنة.
قُلتُ: فتفسير الغير فيها بابن الماجِشُون، وفسره المتيطي بأشهب، ولابن فتوح قيل: في الأرض المأمونة كأرض النيل لا تجوز قبالتها إلا لعام واحد، ولا يجوز النقد فيها إلا لعام واحد، وقال سَحنون: هذا تضييق بل يجوز كراؤها سنة، والنقد فيها وفيها الأرض الغرقة إن كانت لا يشك في انكشاف الماء عنها جاز نقد كرائها.
اللخمي: إن كان انكشافه مأموناً كالنيل جاز شرط النقد إن كان فيما حصل غنى عن سواه وكذا إن كان لا يكفيها والغالب أن مكيل المطر بعده بكفي، ومعنى قول ابن القاسم يلزم النقد في أرض النيل إن رويت إذا انكشف الماء عنها وأمكن قبض المنافع، والقياس أن لا يلزم النقد فيها بربها؛ لأن المكتري اشترى شيئين الماء ومنافع الأرض فلا يلزمه النقد بقبض أحدهما، وقد يجعل القول بلزوم النقد بها؛ لأن المكتري على قول مالك ليس للصانع تقديم أجره حتى يبدأ في العمل.
قُلتُ: ما ذكره من موجب القياس سبقه به التونسي بما يتقى جواباً عنه.
قال: إن قيل منافع الأرض إنما يقبضها المكتري شيئاً فشيئاً فأشبهت الدار للسكنى إذا لم يشترط نقد كرائها فلا يجب من نقده إلا بقدر ما سكن.
قُلتُ: السكنى إنما يأخذها المكتري شيئاً بعد شيء فصارت كسلع يدفع من ثمنها بقدر ما دفع منها، والماء هنا مكرى مع الأرض، وقد سلمها المكري للمكتري والمكتري هو الذي يقبضه لزرعه شيئاَ بعد شيء، فإن قيل: لم يفعل هذا ابن القاسم في البئر مع الأرض المكراة بها قيل؛ لأن البئر تشبه السكنى التي تأتي شيئاً بعد شيء ما لم يصل ماؤها للأرض، وفيها: لا أحب كراء أرض قل ماء بئرها يخاف أن لا يكفي زرعها.
ابن القاسم: كرهه لمخاطرة إذ لو علم ربها كفايته لم يكرها إلا بضعف كرائها، والتي ماؤها مأمون إن قل ماؤها فللمكتري إصلاحها بكرائها، ولو كره مكريها وليس

الجزء: 8 - الصفحة: 239

له ذلك في التي ماؤها غير مأمون ولا تهمة في تعجيل كراء المأمونة، وفي غير المأمونة يتهمان لما انتفع به من تعجيل نقده في تخفيف الكراء عنه، فإن تم له الماء نال بتعجيله ما طلب وكان ما نقده بيعاً، وإن لم يتم له الماء رد ما نقد فصار تارة بيعاً وتارة سلفاً.
عياض: مفهومه فساد العقد وهو ما في الموازيَّة وظاهر قوله أن صاحب الكراء الصحيح على الماء الكثير أن هذا عنده ليس صحيح، وظاهر قوله صار تارة بيعاً وتارة سلفاً؛ لأنه إنما كره النقد لا العقد وعليه حملها بعضهم والأولى أولى والكلام الآخر إنما أتى به زيادة لتقليل الفساد، وأنه في النقدين يدخله علة أخرى كما علل بعلة ثالثة وهي التمكن من الإصلاح ومنعه منه حسبما ذكره.
قُلتُ: إنما يتصور دخول علة أخرى في مسألة النقد.
الصقلي في الموازيَّة: كراء أرض لا يكفي ماء بئرها فاسد وإن لم ينقد؛ لأنه مخاطرة إذ لا يدري يتم الزرع أم لا، وظاهر المدَوَّنة إنما كره النقد والأشبه أنه لا يجوز، والفرق بينها وبين أرض المطر أنه لا يقدر على رفع غرر المطر، وغرر البئر يقدران على رفعه بإصلاحها أو بكراء ما يكفيه ماؤها، وفرق الباجي بأنه في ذات البئر إنما دخل على القدر الذي رأى، وإن لم يكف زرعه لم يرجع بشيْ، وفي ذات المطر إن لم يأته ما يكفي زرعه سقط عنه الكراء.
أبو عمران: إنما منع مالك كراءها بشرط النقد لا مطلقاً، وقال القابسي: منعه مطلقاً، ولو لم يشترط النقد وفيها من أكرى أرضه الغرقة بكذا إن انكشف ماؤها، وإلا فلا كراء بينهما، وهي يُخاف أن لا ينكشف عنها جاز إن لم ينقد، ولا يجوز النقد إلا أن يوقن بانكشافه، وقال غيره: إن خيف أن لا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد، وفي الموازيَّة لابن القاسم: كقوله فيها: ولم يحك محمد قول الغير بحال، وقال ابن شاس: إن علم عدم انكشافه لم يجز العقد، وإن كان الغالب انكشافه صح العقد، وإن استوى الاحتمالان فكذلك عند ابن القاسم، وقال غيره: إن خيف عدم انكشافه لم يجز العقد.
قُلتُ: مفهوم أول كلامه إن رجي انكشافه نادراً جاز كراؤها، ومفهوم ثانيه وثالثه منع كرائها، وعليه بنى ابن الحاجب كلامه في نقله على المذهب فقال: لا يجوز استئجار

الجزء: 8 - الصفحة: 240

أرض المزارعة وماؤها غائر، وانكشافه نادر، وظاهر المدَوَّنة ولموازيَّة: جوازه، وإنما منعه فيها غير ابن القاسم.
وشرط منفعة في الأرض كشرط نقد بعض كرائها: فيها: من اكترى أرضاً على أن يكريها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراب الرابع جاز، وكذا على أن يزيلها بشيء معروف.
الصقلي وغيره: يريد: إن كانت مأمونة؛ لأن زيادة الكراب والتزبيل منفعة تبقى في الأرض إن لم يتم زرعه، فإن نزل في غير المأمونة، ولم يتم زرعه نظر كم زيد كراؤها؛ لزيادة ما اشترط على معتاد حرثها، وهو عندنا حرثه على كرائها دون ما اشترطت زيادته على المعتاد فيرجع بالزائد؛ لأنه كنقد اشترط فيها ولو تم زرعه فيها كان عليه كراء مثلها بشرط تلك الزيادة؛ لأنه كراء فاسد، وقاله التونسي.
قال ابن فتوح: انظر كيف تجوز مسألة الزبل، وقد قال: من باع صبغاً على أن يصبغ المبتاع البائع فيه ثوباً أو ثوبين لم يجز بيعه؛ لجهل المبتاع قدر ما يبقى له بعد صبغه الثوب من الصبغ، وكذا الزبل لا يدري ما بقي منه بعد قلع زرعه من الأرض.
قُلتُ: يفرق بأن الغرر في مسألة الصبغ هو في كل المشترى، وفي مسألة الزبل إنما هو في بعض عوض الأرض، وإنما نظير مسألة الصبغ كراء الأرض بتزبيلها فقط، وعزا غيره هذه المناقضة لفضل، وقال: طرح سَحنون اسمه على إحدى هاتين المسألتين وناقض بها قول مالك في منع بيع الزبل في البيوع الفاسدة.
الصقلي: ولو قيل: لو حرثها حرثه فلم يتم زرعه أن ذلك يزيد في كرائها في المقبلة لوجب أن يرجع عليه به إذا لم يتم زرعه، ونحوه لبعض القرويين.
قُلتُ: ونحوه للتونسي.
ابن شاس: يحتاج فيما استؤجر لسكنى دار أو حانوت أو حمام لمعرفة ما تختلف من منفعته، وتعلق الغرض به.
قُلتُ: فيها: من اكترى مائة ذراع من أرض معينة جاز إن تساوت، وإلا لم يجز حتى يعين موضعها.

الجزء: 8 - الصفحة: 241

قال غيره: لا يجوز حتى يعين ولو تساوت.
الصقلي: إنما منعه في المختلفة؛ لأنه لم يذكر قدر الأرض ولو ذكر قدرها لجاز وكان شريكاً بالعشر.
إن قال: هي ألف ذراع، قال ابن أبي زَمَنَيْن: وإنما منعه غيره؛ لأن من قول أصحاب مالك أن بيع ثوب من ثوبين متحدي الصفة، والقيمة يضرب عليهما بالقرعة أيهما خرج أخذه المشتري لا يجوز.
والكراء كالبيع رأيت هذا لبعض العلماء وهو صحيح.
الصقلي: ويلزم عليه منع كراء جزء شائع من الأرض لتأديته لاكتراء ما يخرجه السهم، وكذا الجزء جائز اتفاقاً، ولا ينظر إلى مآل القسمة لعدم لزومها لجواز بقائهما على الشركة فهي كطرو الاستحقاق فوجب لغو مآلها، وإنما العلة عند الغير أن الأرض لا تكاد تتساوى.
اللخمي وابن رًشْد وابن شاس: والمعتبر في أجر منفعة الربع ما لم تتغير فيه غالباً فيجوز فيه العقد والنقد، وما لا يؤمن تغيره لطول مدته أو ضعف بنائه جاز فيه العقد لا النقد، وما غلب الظن بعدم بقائه لمدة لم يجز العقد عليه، له كراؤها عدة سنين غير معين لكل سنة قدراً من الكراء جائز كالأشهر في السنة.
قُلتُ: فيها: إن أكريت أرضاً ثلاث سنين بثلاثين ديناراً لكل سنة عشرة قال لا بل تحسب على قدر نفاقها كل سنة ليس ما ينقد فيه كالذي يتأخر نقده.
التونسي في الموازيَّة: ينقده إذا وجب النقد ثلث الكراء بخلاف اعتبار السنين إذا عطشت الأرض في بعضها؛ لأنه في النقد خفيف ليسارة الغرر فيه، وكذلك أجيز عقد الكراء إذا اختلف الأمر مع أن ما يتعجله غير معلوم ليسارته وبعد التخاطر؛ لأن حمله الثمن معلوم، وإنما المجهول ما ينوب هذه السنة.
قُلتُ: حاصله أنه جعل الحكم بتماثل السنين في نقد مناب كل سنة من الثمن منافياً للحكم بعدم تماثلها فيه إن وقع عطش في بعضها، وأجاب بيسارة الغرر وقلته حسبما قرره وفيه نظر؛ لأن الغرر إنما هو معتبر في إيجابه الفاسد وفيه يعفى عن يسيره لا في

الجزء: 8 - الصفحة: 242

اختلاف مناب آحاد المبيع من ثمنه، والجواب عن السؤال أن تقول باختلاف مناب آحاد المبيع من ثمنه حال حصوله كله لمشتريه لا يوجب فائدة؛ لأن جيده ورديئه قد حصل له بكل الثمن فكونه موزعاً على آحاده بالسوية أو التفاوة طردي غير مفيد شيئاً، واختلاف مناب آحادها منه حال حصول بعضها له، وتعذر بعضها مفيد لمشتريها قطعاً إذا تقرر هذا فاعتبار نسبة الثمن إلى آحاد المثمون عند النقد إنما هو باعتبار حصول كل آحاد المثمون لمبتاعه؛ لأن الأصل السلامة واعتباره بهذه الحال موجب كونه على التساوي لما قررناه واعتبار نسبته إليها في عطش بعض السنين إنما هو باعتبار حصول بعضها دون كلها موجب اعتبار نسبته إليها بحسب حالها واختلافها لما قررناه، ووجوب علم صفة المكتري يمنع كونه في الربع والأرض مضموناً؛ لأن من صفاته المعتبرة موضعه فوجب كونه معيناً وتعين للمتكاريين بالكل سنة من الكراء كالمتبايعين في السلع المعروف لغوه خلاف ما تقدم في الرد بالعيب عن المتيطي.
ومدة الكراء إن عينت لزمت العاقدين: فيها: إن أكرى سنة بعينها أو شهراً بعينه لم يكن لأحدهما فسخه.
عياض: إن نص على تعيين الشهر أو السنة، أو جاء بما يقوم مقام التعيين لزمهما اتفاقاً وصوره خمس هذه السنة أو هذا الشهر أو إلى سنة كذا أو سمى عدداً غير الواحد، كقوله سنتين أو ذكر أجلاً كأكريك إلى شهر كذا أو إلى سنة كذا أو نقده كراء شهر أو سنة أو أكثر كل ذلك لازم إن لم يقارنه ما يفسده أو يحله.
قُلتُ: وقاله اللخمي وابن رُشْد.
عياض: واختلف في ثلاث صور إن قال أكتري منك سنة بدرهم أو شهراً بدرهم قال أكثرهم: ظاهرها لزومه كالمعين وهو بين من قولها إن استأجر داراً سنة أو سنتين جاز وله أن يسكن لو سكن متى شاء فلو كان لربه الخيار لم يتركه ليسكن متى شاء، ومن قولها إن استأجرت داراً سنة بعد عشرة أيام من الشهر حسب هذه الأيام، ثم أحد عشر شهراً ثم تكمل مع الأيام التي ضمت من الشهر ثلاثين يوماً، وفي كتاب المدبر إن قال لعبده: أخذ مني سنة وأنت حر أو هذه السنة لسنة سماها فمرض حتى مضت

الجزء: 8 - الصفحة: 243

السنة؛ فهو حر.
قُلتُ: إنما تدل هذه على وجوب ابتداء مدة الكراء من يوم عقد ومثله لابن رُشْد فجعلا تعيين المدة لزوماً للزوم بعقد كرائها، وجعل ابن رُشْد الألفاظ الدالة على التعيين أربعة فقط التسمية كشهر كذا، والإشارة كهذا الشهر.
قال: فإن قال: هذا الشهر وهما في أول الهلال لزم بعدده كان تسعاً وعشرين أو ثلاثين، وإن كان في بعض الشهر لزمهما ثلاثون يوما من يوم العقد.
قُلتُ: زاده اللخمي، وقال ابن عبد الحكم في نذر صوم شهر يجزئه تسعة وعشرون يوماً، وتقدم قول ابن الماجِشُون في الصوم، وأرى إن تشاحا أن تزاد على تسعة وعشرين يوماً ليلة إن ابتدأ السكنى ليلاً ونهاراً إن ابتدأها نهاراً، ولو ابتدأ بعد مضي يومين من الشهر وكان ناقصاً أن لا يكون له غير ما مضي فقط؛ لأنه كمن ابتدأ من أوله.
ابن رُشْد: وكذا في هذه السنة وهما في أول الشهر لزمهما اثني عشر شهراً متصلة بالأهلة، ولو كانا في أول شهر غير المحرم، ولا يقع الكراء على باقي السنة إن قال أكري هذه السنة كل شهر بكذا، وقد مضى بعضها إلا ببيان لسماع عيسى ابن القاسم فيمن قال: لله على صوم هذه السنة، وقد مضى بعضها عليه صوم اثني عشر شهراً ومثله في سماع كتاب الأيمان بالطلاق، ثم ذكر الخلاف في تلفيق بعض اليوم والغاية، وقد تقدم في فصل العدة استيفاؤه، وعليه الخلاف في الكراء، وجعل اللفظ الثالث التنكير دون إضافة للمنكر.
قال: كقولك أكريك الدار شهراً أو سنة فيتعينان من يوم العقد كهذا الشهر أو هذه السنة سواء، كما تقدم مما يعد بالأيام والأهلة إلا في وجه واحد فرق في الموازيَّة فيه بينهما.
قال: إن قال أكريك شهراً بكذا فسكن شهراً، ودخل في الثاني وخرج قبل تمامه عليه بحساب ما أكري، ولو كان بعينه كان في الثاني كراء المثل، وقيل: إن كان أقل لم ينقص، وإن كان كراء المثل أكثر حلف وأخذه على اختلاف في اليمين؛ لأنها يمين تهمة

الجزء: 8 - الصفحة: 244

والرابع: قوله: أكري لوقت كذا وكذا.
قال: ويسميان الكراء دون تعيين مدته كقوله الشهر بكذا أو كل شهر بكذا أو في كل شهر بكذا أو في لفظ السنة، كذلك فالكراء غير لازم للمكتري الخروج متى شاء، ولو في أثناء الشهر ويؤدي من الكراء بقدر ما سكن، وللمكري إخراجه كذلك إلا أن يشترطا لزومه، وتعجيل الكراء كشرط التزامه.
قال ابن حبيب: وهو قول ابن القاسم، وألزمهما ابن الماجِشُون الكراء في الشهر الأول إذا قال: الشهر بكذا أو في كل شهر بكذا وكذا على قول السنة الأولى في قوله السنة بكذا، أو في كل سنة بكذا، وروى ابن أبي أويس في البيوت التي تكرى شهراً بشهر إن خرج في شهر لزمه كراؤه، وإنما يكون عليه بحساب ما سكن إن تكارى كل يوم بدرهم، ففي كون كراء الدور مشاهرة مخلاً مطلقاً فيما لم يسكن لزومه في أول شهر فقط، ثالثها لزوم الشهر بسكنى بعضه أولا كان أو غيره لابن القاسم، وابن الماجِشُون ورواية ابن أبي أويس، والثلاثة جارية في كرائها مساقاة.
قُلتُ: ما عزاه لابن الماجِشُون عزاه اللخمي لرواية الأخوين وصوبه بأنهما أوجبا بينهما عقداً لا خيار فيه، فوجب حمله على أقل المسمى، وما عزاه لابن القاسم هو سماعه عيسى وفرضه في كراء الدور والإبل والغلمان فذكر ابن رُشْد الثلاثة الأقوال، وعبر عن الثالث بقوله يلزمه الشهر الأول وكراء ما بعده من كل شهر بسكنى بعضه وهو محتمل للزم الشهر الأول وإن لم يسكن منه شيئاً، وفي السماع المذكور قال ابن القاسم: وأنا أرى في قوله أكريك السنة بكذا، وكذا كقول مالك في كل ابن رُشْد هذا صحيح ومعناه: أن السنة لا تتعين عنده بقوله ذلك كما لا تتعين عند مالك بقوله أكريك في السنة بكذا وكذا أو أكريك في كل سنة بكذا وكذا، وإنما لم يتعين في أكريك السنة بكذا وكذا؛ لأن أل لم تدخل لتخصيص السنة من غيرها في لزوم كرائها؛ بل لتخصيصها من غيرها في قدر مالها من الكراء، هذا هو المعنى الذي لا يصح فيه خلاف بوجه.
وحكى ابن سهل أنه رأى في حاشية كتاب بعض شُيُوخه إن قال: أكريك السنة بكذا بنصب السنة لزمت سنة، وإن قالها بالرفع كان كقوله كل سنة بكذا على رواية ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 245

القاسم واستحسنه ولا وجه عندي لاستحسانه؛ لأنه بالنصب يحتمل أن يريد أكريك هذه السنة بكذا، وأن يريد أكريك ما سكنت بحساب السنة بكذا، وإذا احتملهما وأحدهما لا يلزم به الكراء وجب أن يحمل على الوجه الذي لا يلزم به الكراء؛ لأن الأصل براءة الذمة من لزوم الكراء فلا يلزم إلا بيقين، وأما إن قال: أكريك السنة بكذا بالرفع فليست بمسألة يتكلم عليها إذ لا إشكال في عدم لزوم السنة بذلك ولم يتكلم ابن القاسم إلا على مسألة النصب، ولما لزم الكراء في أكريك سنة بكذا ولم يلزم في أكريك السنة بكذا للمعنى الذي قلناه.
قال: من أراد أن يغرب الكراء إذا عرف تنكر وإذا نكر تعرف وفيه نظر؛ لأنه لو قال: أكري السنة كل شهر بكذا لزم كراء السنة لتعريفها، وإنما لزم كراء السنة في أكريك سنة بكذا وإن كانت منكرة؛ لأن الكراء لا يجوز عقده على سنة غير معينة فيحمل أمرهما على أنهما سنة كاملة من يوم العقد.
قُلتُ: تقرير رده على المعرب أن قوله أكريك السنة كل شهر بكذا لازم، واللفظ معرف فبطل كونه إذا تعرف تنكر؛ لأنه هنا تعرف وتعين ويرد بمنع لزومه من هذا اللفظ؛ لنص ابن القاسم: بعدم لزومه في لفظ السنة معرفاً، ونص سماعه: بعدم لزومه في كل شهر، والمجموع مما لا يلزم به الكراء لا يلزم به، وقوله: وإنما لزم الكراء في أكريك سنة إلى آخره تقريره أن لزوم السنة فيه ليس من ناحية تنكيره؛ بل للمعنى الذي زعمه فتنكيره لغو، ويرد من وجهين الأول لا يلزم من عدم كون التنكير علة في التعيين عدم مساواته له في الثبوت والنفي، وهذا هو مدعي المعرب لا العلية الثاني ما زعمه موجباً لتعيينه وهو منع عقد الكراء على سنة غير معينة توجب تعيينه، وفي لفظ كراء أو فساد عقده فتأمله.
وفي آخر كتاب المدبر فيها: من أكرى داره أو دابته أو غلامه سنة حسبت من يوم قوله كقوله هذه السنة بعينها ومثله قولها من اكترى داراً سنة بعد مضي عشرة أيام من الشهر حسب أحد عشرا بالأهلة وشهرا على تمام هذه الأيام في تلاشي يوماً كالعدد.
وقبل هذه قال ابن القاسم: من اكترى داراً سنة ولم يسم متى يسكن جاز وسكن

الجزء: 8 - الصفحة: 246

أو يسكن غيره متى شاء ما لم يأت من ذلك ضرر على الدار.
الصقلي: يريد: ضرراً في السكنى، ثم ذكر أخذ تعيينها من مسألة كتاب المدبر، ولم يتعرض لكونها خلافاً لظاهر قولها هنا وسكن أو يسكن غيره متى شاء.
وقال اللخمي: إن أكريك شهراً أو سنة جاز ولزمهما وحملا في ابتداء السكنى على الفور، هذا قول مالك وابن القاسم.
وإن تراخى عن السكنى إثر العقد مدة يسيرة سكن جملة المدة المسماة، ولم يحط منها قدر ما مضى بعد العقد إلى وقت العقد، وهو في هذا الوجه بخلاف من عين المدة.
قُلتُ: مفهوم قوله: مدة يسيرة أنها إن كانت غير يسيرة حط قدرها وفيه نظر؛ لأنها إن كانت كالمعينة كما هو ظاهر كلام ابن رُشْد استوى الكثير واليسير في الحط وإلا استوتا في عدمه، ثم قال: وقد يلزم المكري الصبر إلى مدة وإن لم يسمياها في العقد للعادة كالمطمر فيه طعاماً كل شهر أو كل سنة بكذا ليس له إخراجه ولا يجبره الآخر على الإخراج إلا أن يتعين سوس الطعام إلى ما العادة أنه يباع في مثله، فإن لم يبع وللآخر إخراجه وهذه عادة المطامير عندنا في الكراء، وإن أراد المكتري الإخراج قبل غلائه لم يكن للآخر للآخر منعه؛ لأن البقاء من حق المكتري ويعفى عن ما في ذلك من غرر في المدة؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه وينظر للعادة في خزن الزيت فيحملان عليها والعادة في خزن الطعام في الصيف أنه يشترى عليه فليس له إخراجه قبل ذلك.
قُلتُ: حاصله قوله: أنه جعل خزن الطعام مؤجلاً بغلائه في حق المكتري على المكري دون العكس والتساوي وواضح كونه أجلاً مجهولاً، وقوله: يعفى عن غرر المدة للضرورة فاسد؛ لأن هذه الضرورة مما شهد الشرع بإلغائها حسبما تقرر في بيع الغرر وأحاديث النهي عنه، وفيها: إن اكتريت بيتاً شهراً بعشرة دراهم على إن سكنت يوماً منه لزمك الشهر جاز ما لم يشترط عليك إن خرجت فليس لك أن تكري البيت فهذه الإجارة لا خير فيها، ونقلها اللخمي بزيادة: لا خير فيه والكراء لازم.
قال: يريد: والشرط باطل وإن كان على أنه إن خرج رجع من البيت لربه ولا يحط من الكراء شيء فهو فاسد، وعليه قيمة ما سكن وفسخ متى ما أدرك، ونقله عنه أبو

الجزء: 8 - الصفحة: 247

إبراهيم وقبله وفيه نظر؛ لأن ظاهر قوله لا خير فيه أنه فاسد وهو مقتضى أصل المذهب في الشرط المنافي لمقتضى العقد.
وقال الصقلي: قال بعض فقهاء القرويين: ظاهر العقد أنه جائز وأنه بالخيار ما لم يسكن إن سكن لزم كراء الشهر، فإن أراد هذا وليس له أن يكري من غيره فهو كمن باع على أن لا يبيع ولا يهب، فإن أسقطوا الشرط تم الكراء على أحد القولين، وإن شرط أنه إن خرج عاد المسكن لربه وعليه جملة الكراء فهو فاسد واجب فسخه.
قُلتُ: هذا كلام التونسي وهو جار على الأصول، وفيها: من اكترى داراً سنة فلم يشترط النقد غرم بحساب ما سكن إلا أن يكون كراء الناس على النقد فيقضى به وكذلك في الدواب.
وما تقضى به منفعة المكتري إن تبين بنص أو عرف صح عقده، وإن اختلف ولا مبين فسد فيها لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه ويعمل فيه وهو حداد أو قصار أو طحان إن لم يكن فيه ضرر على البناء ولا حجة للمكري؛ لأنه أكرى له وقد سمى له المكتري ما يعمل.
قُلتُ: فإن أكرى حانوته لرجل فإذا هو جزار أو قصار فنظرنا فإذا هو لا يضر بالبناء إلا أنه يقذر الحانوت.
قال: له منعه إن كان يقذر جدرانه؛ لأنه ضرر.
قال غيره: إن كانت الأعمال بعضها أضر من بعض وأكثر كراء لم يجز إلا على شيء معروف، وإن لم يختلف فلا بأس به.
قُلتُ: ظاهر قوله؛ لأنه أكرى له وقد سمى المكتري ما يعمل أن الكراء وقع على تسمية العمل ولفظ التهذيب، والصقلي نص: في أنه لم يسمه لفظهما لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه حداداً أو قصاراً أو طحاناً إن لم يضر بالبناء، وفي الرواحل منها: من اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم عرف حملهم فذلك لازم على ما عرفوا من الحمل.
قال غريه: لو سمى حمل طعام أو بز أو عطر جاز وحملها قدر حمل مثلها.

الجزء: 8 - الصفحة: 248

قال أبو إبراهيم وغيره من شُيُوخنا: خالف كل منهما قوله في الكتابين، ولم يجب أبو إبراهيم، وأجاب غيره عن ابن القاسم: بأن الحيوان أسرع تأثراً للتغير من البناء وأجاب بأن السؤال على الغير إنما يلزم إن لو ثبت اتحاده في الكتابين قال: وإثباته متعسر.
قُلتُ: وهذا التزام لتنافي في القولين من حيث ذاتيهما ويجاب بأن قول الغير بالمنع في الحانوت قيده بتفاوت الأعمال، وفي الدابة أشار إلى تقييده بالتقارب بقوله: سمى حمل طعام أو بز أو عطر وأصل المذهب أن متعين ما تنقضي به منفعة المكتري بنص أو عرف جاز عقده كذلك وإلا فسد.
اللخمي: إن لم يسم ما يعمل في الأرض ولا عادة أو كانت مختلفة بما يختلف كراؤه فهو فاسد عند غير ابن القاسم، وإن كانت العادة فيما يعمل فيها مختلفة كان فاسداً مثل كراء الدابة، ولا يسمى الصنف الذي يحمل عليها أجازه ابن القاسم، ويحمل عليها ما لا يضر بها ومنعه غيره حتى يسمى ذلك الصنف.
وما يعمل في الأرض تختلف مضرته: فيها: الشعير أضر من القمح.
المتيطي: وقولها يزرعها ما شاء إذن من ربها لا كلام له بعد، وإن قال: يزرعها وسكت عن ما يزرعه.
قال محمد: جاز ولا يزرع إلا ما يشبه أن يزرع في مثلها.
قُلتُ: قال ابن فتوح: اختار بعض الموثقين أن يسمى ما يزرع من الحبوب في كل عام من أعوام الوجيبة وبعضهم يسقط ذلك، والأحسن ذكره لإزالة الإشكال بالاختلاف في ذلك.
قال ابن القاسم: لا بأس بكراء الأرض، وإن لم يسم ما يزرع فيها، وله أن يزرع فيها ما شاء من الحبوب إلا ما كان مضراً بالأرض أكثر من ضرر غيره فيمنع من الضرر، وغيره لا يجيز الكراء حتى يسمي ما يزرع فيها.
قُلتُ: لا أعرف نقله هذا عن ابن القاسم في الأرض وإنما وقع له نحو هذا في الحانوت حسبما تقدم، وفي الدواب: وتأمل نقله ففيه تناف نقل أو لا يجوز كراؤها، وإن

الجزء: 8 - الصفحة: 249

لم يسم ما يزرع ثم قال: لا يزرع ما شاء إلا ما ضرره أكثر من غيره والمختلفة بعضها أضر من بعض فيلزم ألا يزرع إلا أقلها ضرر، وهذا مناف لقوله يزرع ما شاء، ومقتضى المذهب عندي أن ينظر فإن كان اختلاف حرثات ما يزرع فيها من الأنواع كاختلاف تلك الأنواع لم يجز على أنه يزرع ما شاء؛ لأنه حينئذ من بيعتين في بيعة وإن لم يكن كاختلافهما فيما بل كاختلاف أفراد نوع واحد جاز كشراء ثوب من أثواب يختاره.
وفيها: إن اكتراها لحرث شعير فأراد حرثها قمحاً فإن كان أضر بالأرض منع وله زرع ما ضرره كالشعير فأدنى.
الباجي: إن زرع ما هو أضر من الشعير فلربها كراء الشعير وقيمة زيادة الضرر، وقال الشافعي: كراء المثل، وعزا المتيطي الأول للقاضي.
وقال الصقلي: قال بعض القرويين: انظر لو رضي رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أو لا يجوز كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.
قُلتُ: مقتضى قبول الباجي، وللمتيطي ما قاله القاضي فيمن حرث أضر إن زيادة الأضر على غيره كزيادة الكل على بعضه، ومقتضاه أن اختلاف آحاد حرثات الأنواع المختلفة لغو وأنها متماثلة فيؤيد جواز كراء الأرض على أن يزرع ما شاء، ومقتضى نظر التونسي احتمال ذلك فيكون في كرائها لذلك نظر فتأمله.
ابن شاس: ولو شرط عليه أن لا يزرع فيها إلا صنفا عينه لم يجز.
قال في الموازيَّة: فإن نزل فعليه قيمة الكراء، ولو قال: إن شئت فازرعها وإن شئت فأغريتها جاز.
قُلتُ: كذا نصه ونصها في النوادر عن الموازيَّة: من أكرى أرضاً على أن لا يزرع فيها إلا قرطاً لم يجز، فإن نزل فعليه قيمة الكراء، وقال محمد وذلك عندي جائز.
قُلتُ: عدم ذكر ابن شاس قول محمد مخل بفائدة علمه، وقول محمد هو مقتضى قولها من أكرى بيتاً من رجل، وشرط عليه أن لا يسكن معه أحد فله أن يسكن معه زوجة يتزوجها أو رقيقاً يبتاعها إن لم يضر ذلك برب البيت كغرفة ضعيفة الخشب.
قال اللخمي في ترجمة ما يصح من الكراء من كتاب الرواحل: على قول غير ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 250

القاسم: لا يجوز كراء الدور إلا بعد معرفة ما يسكنها من العيال؛ لأنه سوى فيها بينها وبين الطرق في السهولة والشدة، وأرى إن كانت الحانوت في سوق قصره على صنعة أهل السوق حتى يذكر غيرها، وإن لم يكن في سوق معروفة بصناعة وأمكن كراؤها لما يغير حيطانه ويفسده لم يجز حتى يبين لما يكتريه، والديار أحق محمل الناس على الوسط من العيال إن ظهر أن المكتري كثير العيال والغاشية فللمكري متكلم، وقال في أكرية الدور: يستحب تسمية المكتري عياله وما يعمل بالدار، فإن لم يسم جاز ويسكن بما أحب من عيال ما لم يتفاحش ويرى أنه يلوث الدار فيمنع عن ما يضر إن قدر على رفعه وإلا أكراها، ولا يفسخ الكراء وذكر قولها فيمن شرط أن لا يسكن معه أحد، وقال: اختلف في شرط ما لا يفسد هل يوفي به والقياس في هذه التوفية؛ لأنه لخوف دخول ضرر فأشبه شرط أن لا يرعى مع غنمه غيرها، وقد ألزمه ابن القاسم الوفاء به، فإن لم يف المكتري وأسكن معه غيره قوم كراؤها على أن لا يسكن معه أحد، وعلى من أسكن معه غيره فيكون له المسمى، وفضل ما بين الكراءين.
وفيها: لمن اكترى داراً إدخاله فيها ما شاء من الدواب والأمتعة ونصب الأرحية والحدادين والقصارين ما لم يضر بها أو تكون داراً لا ينصب ذلك في مثلها لحسنها، فإن كان ضرراً منع منه وغيره جائز.
قُلتُ: هذا قول مالك، قال: هذا رأيي.
اللخمي: هذا ضرر عند أهل الرباع إلا بالبادية فلا تمنع الماشية، والدابة الواحدة للركوب إن علم أن المكتري ممن يركبها، والعادة أنها تكون في داره لم يمنع وإلا منع، ويمنع من أن يعمل فيها ظروفاً للخل أو اللبن أو الدباغ أو تبيع بها الزيت وشبهه.
وفيها: إن ربط المكتري بباب الدار دابة فرمحت فكسرته أو قتلت ولد رب الدار فذلك جبار، كقول مالك فيمن نزل عن دابته وأوقفها بالطريق لشرائه حاجة أو أوقفها بباب المسجد أو بباب الأمير.
قال أبو حفص: إن كان يعلم أنها تضرب برجلها فهو ضامن كمتخذ الكلب العقور حيث لا يجوز له فيضمن، وإن لم يتقدم إليه إنما يحتاج للتقدم إذا كان في داره فأما

الجزء: 8 - الصفحة: 251

في الطرق فهو ضامن.
وفيها: إن اتخذ مكري الدار فيها تنوراً يجوز له فاحترقت منه الدار وبيوت جيرانه لم يضمن.
اللخمي: يريد: وأوقد على الوجه المعتاد، وإن جهل هل زاد على الوجه المعتاد ففي ضمانه قولان بناء على اعتبار براءة الذمة، واعتبار الغالب بأن ذلك لا يكون إلا عن زيادة على المعتاد أو إهمال في التحفظ قياساً على الصانع والمرتهن يحترق بيته، وقد اختلف فيهما.
قُلتُ: يرد قياسه بأن الأصل في الصانع الضمان، وفي مكتري الدار عدمه.
وفيها: إن شرط عليه المكري أن لا يوقد بها ناراً فأوقدها فيه لخبزه فاحترقت الدار ضمن.
اللخمي: إن كان وقيده على ما يجوز له لو أذن له رب الدار لم يضمن غير داره، ولم يكن لمن يليه في ذلك مقال؛ لأن التعدي عليه هو من حقه وإن كان على وجه لجاره منعه ضمن.
وقال الصقلي عن بعض القرويين: يضمن دور جيرانه؛ لأنه متعد لمخالفته وما شرط عليه، وإن كان مما يجوز له لولا ما شرط عليه كمن حفر بداره بئراً للسارق فإنه يضمن ما سقط فيه من سارق وغيره، وإن كان حفره للسارق بداره جائز.
ابن شاس: ولا يشترط في كراء الأرض للبناء تعريف قدره أو وصفه أو ارتفاعه بخلاف كراء جدار لبناء عليه.
قُلتُ: ظاهره لا يشترط في كراء الأرض للبناء معرفة ما يبنى به والصواب تعيينه؛ لأن منه ما لا قيمة له بعد تهدمه فيفتقر في إخراجه من الأرض إلى أجرة، وقد يكون الباني حينئذ عديماً أو غائباً.
وفيها: كراء الدواب على وجهين دابة بعينها أو مضمونة، وفي المعونة المركوب المعين لابد أن يعرف بتعيين بإشارة إليه كهذه الدابة أو الناقة.
قُلتُ: يريد: ليحط بها المكتري معرفة كالمشتري.

الجزء: 8 - الصفحة: 252

قال: والمضمونة يذكر جنسها ونوعها والذكورية والأنوثة، وتبعه ابن شاس وابن الحاجب واقتصرا عليه، وكذا المتيطي إلا أنه قال: قبل نقله يصف ذلك بأبلغ صفاته فيدخل فيه وجوب ذكر سن الدابة، وفي المعونة لا يحتاج لتعيين الراكب لتقارب الناس عادة ولا لوصفه وتبعه ابن شاس وابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام، وظاهر عدم لزوم ذكر كونه رجلاً أو امرأة والأظهر لزوم تعيين أحدهما؛ لأن ركوب النساء أشق وهو ظاهر قولها من اكترى على حمل رجلين أو امرأتين لم يرهما جاز لتساوي الأجسام إلا الخاص، فإن أتاه برجلين فادحين أو امرأتين فادحتين لم يلزمه ابن شاس ويصف المحل بالسعة أو الضيق.
قُلتُ: السعة والضيق مختلفان في مسماهما فلابد من تعين ذلك بالقدر.
قال: ويعرف تفاصيل المعاليق، فإن أطلق في شيء من ذلك وهو معلوم بالعادة صح العقد، ولو اختلف اختلافاً متفاوتاً لم يصح إلا بالتفصيل.
وفيها: إن أكرى محملاً لمكة ولم يذكر وطأه أو زاملة لم يذكر ما يحمل عليها من أرطال جاز وحملا على فعل الناس فيهما؛ لأن الزوامل عرفت عندهم وعليه أن يحمل له المعاليق، وكلما عرفه الناس في الكراء لازم للمكري، ومقتضى المذهب في عدم وجوب تعيين الراكب جواز كراء مكتري دابة لركوبه من غيرها.
اللخمي: لمكتري منافع بيعها كالرقاب إلا ما يتعذر كونه كالأول أو يشك فيه ويخالف ذلك في الدواب والثياب والديار، ففي جوازه في الدواب وكراهته ورايتان.
وفيها: من اكترى دابة ليركبها فحمل مثله في الخفة والأمانة لم يضمن، وإن كان أثقل أو غير أمين ضمن فإن ادعى غير المأمون تلفها لم يضمنها إلا بسبب أو يتبين كذبه، وضمنها الأول بتعديه وأكره أن يكري من غيره، وأما في موته فلوارثه حمل مثله وأكثر قول مالك أن له ذلك في الحياة.
اللخمي: إن أكريت لحمل في سفر على مصاحبتها ربها فلا قوله له، وإن لم يكن على أن يصحبها أو كان لركوب فإن وافق أن الثاني كالأول فلا قول له وإن خالف نظر الحاكم، فلو سافر دون علمه فلا قول له فيه ماض وغيره على حكم التعدي إن سلمت

الجزء: 8 - الصفحة: 253

أخذه بفضل كراء الثاني على الأول، وإن حدث عيب لركوب الثاني ضمنه فإن ضاعت ضمنها الأول لتعديه في كرائها من غير مأمون فإن كان عديماً والثاني جاهل كونها في يد الأول بعقد كراء لم يضمن لريها شيئاً؛ لأنه معه كمستحق وإن كان عالماً ضمن، ولو عيبت بغير سبب للثاني ففي ضمانها الأول خلاف بناء على اعتبار تعديه بخروجها من يده واعتبار كونه لا بسبب منه.
قُلتُ: الأول ظاهر قولها إن أكرى من هو أثقل منه لو من غير مأمون ضمن، فإن أراد بالأثقل الفادح قيد به وإلا ناقض ما تقدم من لزوم أي راكب كان إلا الفادح.
اللخمي: ولو كان الثاني كالأول في الأمانة وأضر في ركوبه فيختلف إن ضاعت أو علم ضياعها هل يكون كمن لم يتعد؛ لأن التعدي ليس من هذا الوجه فصدق الثاني ولا شيء على الأول أو يضمن لتعديه في تسليمها وركوب الثاني، وأرى أن لا ضمان عليه إلا بما يحدث بسبب ما تعدى به وكراء الدار من غيره خفيف.
قُلتُ: إن كانت الدور معروضة للغصب المسمى بالنزول كما كان بتونس قبل اليوم لا أعاده الله لم يكن للمكتري المحترم أن يكريهما ممن دونه في الاحترام؛ لأن ربها ينقص من كرائها لتسلم باحترام مكتريها، وفيها: لمكتري الدابة المحمولة أو السفينة والدار كراؤها من مثله في مثل ما اكتراها له، وكذلك الفسطاط له كراؤه من مثله في حاله وأمانته وصنعه فيه، ومن استأجر ثوباً يلبسه يوماً إلى الليل لم يعطه غيره يلبسه لاختلاف اللبس والأمانة، فإن دفعه لغيره ضمنه إن تلف، ولو بدا له عن السفر بالدابة أو مات أكريت من مثله، وكذا في الحياة والممات.
اللخمي: المنع في الثياب أحسن لاختلاف اللبس واليسير فيه يؤثر والأمر في الخباء والفسطاط أخف.
ابن شاس: وكيفية السير وتفصيله وقدر المنازل ومحل النزول في معمور أو صحراء معتبر بالعرف واستئجارها لحمل بتعيين المحمول إن حضر، ووصفه إن غاب وقدر الكيل والوزن أو العدد فيما لا تتفاوت آحاده بكبر أو صغر، وحيث كون الكراء في الذمة لا يفتقر لوصف الدابة، إلا إن اختلف الغرض في المحمول باختلاف الدابة

الجزء: 8 - الصفحة: 254

كزجاج ونحوه.
قُلتُ: ويجب تعيين انتهاء غاية الركوب إلى موضع كالحمل إليه.
وفيها: من اكترى على حمولة لبلد فليس له صرفها لغيره وإن ساواه في المسافة والصعوبة والسهولة إلا بإذن المكري ولم يجزه غيره وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين إلا بعد صحة الإقالة.
اللخمي: اختلف فيمن اكترى دابة لبلد فأحب الذهاب بها لغيره مما لا يضر بها هل يجوز، وإن كره ربها ثم ذكر قولي ابن القاسم وغيره، قال: ويصح الجبر إن تساويا في البعد والسهولة والأمن، والمكتري يمضي بها وحده ويردها أو كان ربها يمضي معها إلا لحاجة في البلد الأول، وإن اختلف الطريقان أو كان ليترك الدابة بمحل الوصول أو لتعاد وخروج ربها معه لأهل له بذلك البلد أو لتجزئه لم يجبر، وإن اكتراها لركوبها بالحضر ففي جاوز نقلها لحمل عليها أو لسفر، ثالثها: فيما قل كاليومين لأشهب وابن القاسم وسَحنون، وإن اكتراها لطحن الحنطة جاز أن يطحن غير الحنطة مما لا يضر بها، وإن شرط أن لا يطحن إلا الحنطة جاز، لأنه لا يتعذر وجوده ويختلف في طحنه غيرها على شرط ما لا يفيد، وإن شرط أنه لا يطحن إلا هذه الحنطة ففي جوازه قولان.
قُلتُ: هما على القول بلزوم الوفاء لما لا يفيد فيلزم التحجير ولغوه فينتفي، قال: وكذا في كرائها لحمل صنف فأراد غيره.
قُلتُ: وتقدم نحوه في حرث الأرض.
ابن شاس: والسقي يعرف فيه قدر الدلاء والعدد وموضع البئر وبعد الرشاء إلا أن يكون كل ذلك معروفاً عادة، والحرث يعرف فيه القدر بالمدة أو تعيين الأرض وصلابتها ورخوها، وقاله ابن الحاجب وابن شاس والغزالي قبلهما.
ابن شاس: على مكري الدابة تسليم ما العادة تسليمه معها من إكاف وبردعة وحزام وسرج في الفرس وغير ذلك من معتاد؛ لأن العرف كالشرط.
قُلتُ: هذا كالنص في أنه لم يكن بذلك عرف لم يلزمه.
قال: وكذا الحكم في إعانة الراكب في النزول والركوب في المهمات المتكررة، وكذا

الجزء: 8 - الصفحة: 255

رفع الحمل والمحمل.
قُلتُ: وهو ظاهر قول التونسي في قولها: إن اكتريت إبلاً فهرب الجمال وتركها في يدك فأنفقت عليها فلك الرجوع عليه بذلك، وكذا إن أكريت من يرحلها رجعت بكرائه، فقال التونسي: يريد: أن العادة أن المكري يرحلها.
ابن عبد السلام: أشار يعضهم إلى أن البردعة والأحبل وإعانة الجمال في الركوب والنزول ورفع الأحمال وحطها لا يلزم الجمال إلا بعرف، وأشار إلى أن فيها خلاف هذا وهو قولها لا بأس أن تكتري إبلاً من رجل على أن عليك رحلتها فظاهره لولا الشرط كان على رب البعير وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن الشرط قد يكون لرفع النزاع لا لنفي ما علق عليه؛ لأنتفائه والأول هو غالب الشروط عند الموثقين.
قُلت: لو لم يكن فيه غير هذا اللفظ أمكن رده بما قال، أما مع قولها الأول في مسألة هروب الجمال المتقدمة فلا يصح رده بكون الشرط قد يكون لرفع النزاع والأولى بمقتضى أن يلزم المكري البردعة والسرج ونحوهما، لا مؤنة الحط والحمل لسماع عيسى ابن القاسم: من اكترى منازل فيها علو لا سلم له فقال ربها: اجعل لي سلماً فتوانى ولم ينتفع به المكتري حتى مضت السنة طرح عنه مناب العلو من الكراء.
ابن رُشْد: لأنه باع منه منافع الدار فعليه أن يسلمها له وإسلامه للعلو هو بجعل السلم له والكراء في هذا بخلاف الشراء.
قُلتُ: فالسلم في العلو كالبردعة والسرج ونحوهما، وفيها: إن انتقضت زاملة الحاج أو نفدت فأراد تمامها وأبى الحمال حملاً على عرف الناس.
قال غيره: فإن لم تكن لهم سنة فلهم حمل الوزن المشترط.
الصقلي عن سَحنون: من اكترى دابة على حمل فيه خمسمائة رطل فأصابه في بعض الطريق مطر وزنه فامتنع الجمال من حمل الزيادة، وقال ربه: هو المتاع بعينه لم يكن على الجمال حمل الزيادة.
قُلتُ: مقتضى قولها بلزوم حمل ولد المرأة معها حمل زيادة البلل، وظاهر قول

الجزء: 8 - الصفحة: 256

سَحنون سواء كان عرف أم لا ومقتضى قولها في زاملة الحاج اعتبار العرف.
ابن عات عن بعض شُيُوخ الفتوى: من أكري على حمل متاع لموضع بطريقة نهر لإيجاز الأعلى المركب، وقد عرف ذلك كالنيل جواز المتاع على ربه وجواز الجواب على ربها، وإن كان يخاض من المخائض فاعترضه حملان لم يعلموا به فجعل المتاع على رب الدابة وهي جائحة نزلت به، وكذا إن كان النهر شتوياً يحمل بالأمطار إلا أن يعلموا وقت الكراء جريه، وعليه دخلوا فيكون كالنهر الدائر من الاستغناء.
قُلتُ: انظر هذا الأصل مع زيادة وزن حمل الدابة بالمطر، وفيها: إن اكتريت دابة بعينها فليس لربها أن يحمل تحتك متعاً ولا أن يردف رديفاً وكأنك ملكت ظهرها، وكذا السفينة وإن حمل عليها في متاعك متاعاً بكراء أو غيره فلك كراؤه إلا أن تكون اكتريت منه على حمل أرطال مسماة فالزيادة له.
أشهب: إن أكراه لحمله وحده أو مع متاعه فكراء الزيادة لربها، وقد كان للمكتري منعه منها.
التونسي: إن أكراها لحمل طعام لم يسم قدره ملك حمل مثلها منه، فإن زاد ربها فكراء الزيادة للمكتري؛ لأنه قد يخفف عنها لرغبته في سرعة سيرها وإن أكراها لوزن معلوم فلربها زيادة ما لا يضر بحمل المكتري، وكذا في الركوب اتفاقاً فيهما ولو اكترى حملها لحمل قدر معلوم فذكر قولي ابن القاسم وأشهب قال: وفيه لعمري إشكال؛ لأن بقية منفعة الدابة اشترط المكتري تركها لحسن سيرها بقدر حمله وعليه اكتراؤها بالمسمي واشترط المكري تركها تخفيفاً عن دابته وعليه رضى بكرائها بالمسمى في كرائها فلو قيل: برجوع المكتري بقدر ما يرى أنه زاده لذلك من المسمى لأمكن.
قُلتُ: وظاهر كلامه أن قول أشهب خلاف.
وقال الصقلي: قال غير واحد من أصحابنا: قول أشهب وفاق وتقدم فيمن استأجر أجيراً على رعاية غنم على أن لا يرعى معها غيرها وهو قادر على أن يرعاها مع غيرها فرعى معها غيرها فأجرها لرب الأولى.
قال غيره: وإن لم يدخل بالثانية على الأول تقصياً فأجر الثانية للراعي.

الجزء: 8 - الصفحة: 257

قال الصقلي: قول ابن القاسم أحسن فحمل على الخلاف والمكتري ورب الغنم سواء.
اللخمي: إن اكترى حملة الدابة لم يسم ما يحمل عليها جاز.
قُلتُ: يريد: في القدر لا الصنف.
قال: فإن كان حمل مثلها أربعة قناطير فحمل عليها ثلاثة، وحمل ربها قنطاراً من عنده ولم يعلم مكتريها أو علم ولم يقدر على منعه خير المكتري في فسخ ما ينوب ذلك، أو أخذ كراء المثل فيه، وإن قدر على منعه وتركه كانت إقالة في ذلك القدر، وكذا إن كان القنطار بكذا ولم يكر على أن يحمله على عين هذه الدابة، وإن كان على أن يحمله عليها فحمله ولم يعلم المكتري أو علم ولم يقدر على منعه خير المكتري في ذلك القنطار فيما ذكره في أخذ ما أكراه به، وإن قدر على منعه وتركه فليس له إلا ما أكراه له وإن حمل عليها المكتري أربعة قناطير وزاد الكري نصف قنطار، فإن لم ينقص من سيرها بالأربعة شيئاً ولم يخش أن تقف بحملهما فلا مقال للمكتري، وإن أضر بالمكتري ببطء سيرها أو خشي أن تقف بحملها كان لكل منهما مقال مقال المكتري ما كان عليه متاعه من الغرب لو وقفت في قفر فهو كعيب حدث بالمكتري، ومقال المكتري تعب دابته يقسم كراء الزيادة بينهما على قدر شركتهما إن حمل بغير رضاه خير في حط ما ينويه من المسمى وأخذ قيمة ذلك العيب أو ما أكراه به، فإن كانت قيمة كرائها لحمل أربعة قناطير فقط عشرة وقيمته على زيادة نصف قنطار تسعة حط عشر المسمى إلا أن تكون القيمة أكثر من المسمى فيحاسبه بدينار وإن أحب أخذ منابه من الكراء الثاني قيل: بكم يكري للنصف على دابة عليها أربعة قناطير فإن قيل: ديناران؛ لأن الدابة يخشى عليها فلا يكون إلا بأكثر من غيره كان ما أكرى به بينهما نصفين؛ لأن قيمته ديناران للأول فيه ما قيمته دينار وإن أكرى حملتها ليحمل عليها ثلاثة قناطير وحمل مثلها أربعة فحمل عليها ثلاثة وحمل ربها قنطاراً فالقنطار بينهما، وتقدم ذكر هذا في مسألة رعي الغنم قول ابن شاس: إذا استأجر ثوباً للبس نزعه في أوقات نزعه كعادة كالليل والقائلة صواب كقولها من استأجر أجيراً للخدمة استعمله على عرف الناس من خدمة

الجزء: 8 - الصفحة: 258

الليل والنهار.
قُلتُ: فإن اختلف العرف في اللبس لزم بيان وقت نزعه أو دوام لبسه.
ابن شاس: استئجار الخياط لا يوجب عليه الخيط، إلا أن يكون العرف خلافه.
قُلتُ: كقولها في آلة البناء، وعرفنا في الأجير والصانع أن لا خيط عليه، وفي الصانع الخيط عليه.
ابن شاس: والأجرة على الاسترضاع لا توجب الحضانة ولا العكس.
قُلتُ: لعدم استلزام الدلالة على أحدهما الدلالة على الأجر كالخياطة والطرز.
وطرو عيب المكتري وتلفه من ربه دائما؛ لأن منفعته في ضمانه بخلاف شرا المعين بعد عقده أو إمكان قبضه، وفيها: تهدم ما لا يضر مكترى الدار منها كعدمه كتهدم الشرافات وما أنفق فيها المكترى لغو، وما يضره له الخروج لا إصلاحه من كرائها إلا بإذن ربه ولا يلزمه إصلاحها فإن أصلحها قبل خروج المكترى فكعيب ذهب وبعده لا يلزم رجوعه.
اللخمي: وقال غير ابن القاسم: يجبر ربها على إصلاحها، وأرى أن يجبر إن كان الإصلاح يسيراً أو كثيراً ويعلم أن ربها لا يدع إصلاحها في تلك المدة أو يعلم أنه لا يستغنى في تلك المدة وإلا لم يجبر، وهدم شرافات الدار لا يفسخ الكراء ولا يحط له شيء من الكراء إلا أن يكون ربد في الكراء لأجله، وإن ذهب زوال الحجر من داخلها جمالها حط من كرائها ما لم يصلحها ولم يكن له أن يخرج.
قُلتُ: قوله: (حط من كرائها) جعله التونسي محَل نظر.
اللخمي: وإن انهدم حائط من داخلها لا منفعة فيه ولا جمال لم يحط شيء، وإن كان على غير ذلك حط، وإن كان من خارجها وانكشفت لأجله.
فإن قلت: نفقته أجبر على إصلاحه وإلا فلا، وللمكترى الخروج إلا أن يتطوع المكري ولا ضرر على المكتري في مدة الإصلاح فلا يخرج، ومحمد أَصْبَغ إن خرج ثم أصلح فإن طال البناء لم يجبر على الرجوع والأيام اليسيرة وفوقها قليلاً لا كبير ضرر عليه لزمه الباقي؛ ويرد: إن لم يجبر بينهما فيهما قول بعد خروجه، وإن كان خروجه على

الجزء: 8 - الصفحة: 259

وجه الفسخ لم يلزمه رجوع، وإن كان ليرجع إن أصلح جبر عليه، وإن انهدم بيت من داخلها لم ينكشف من خارجها وهو أقل المكتري حط ما ينوبه، وإن كان الجل فله الخروج.
ابن حبيب: إن طاع المكتري بالإصلاح من ماله جبر ربها على ذلك، لأنه في منعه مضار، فإن انقضت الوجيبة أخذه بقيمته منقوضاً إلا أن يكون بإذنه فيأخذه بقيمته قائماً.
قُلتُ: وللصقلي قال الشَّيخ: يريد في قوله: (لا في قول ابن القاسم وسمع عيسي ابن القاسم: من اكترى دارًا سنة فتهدمت بعد شهرين فبنائها بما عليه من كرائها وربما غائب فقدم وطلب كرائها فله مناب ما سكنها) صحيحة من الكراء، وله كراء العرصة فيما بعد الهدم، وليس للمكتري إلا نقص بنائه إلا أن يعطيه قيمته، فإن كان لا منفعة فيه كالجص والتزويق والتراب فلا شيء.
ابن رُشْد: الآتي على أصولهم إن انهدم ما يذهب أكثر منافعها أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو حائط يكشفها، وشبه ذلك خير مكتريها بين سكناها بكل الكراء أو يخرج وليس له سكناها بحطه مناب ما انهدم، ولو رضي به ربها تخرج ذلك على جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، فإن بناها ربها قبل خروج المكتري لم يكن له أن يخرج، وإن بناها بعد خروجه لم يلزمه رجوعه لها إلا برضاه، وإن سكت وسكنها مهدومة لزمه كل الكراء هذا الآتي على قول ابن القاسم وروايته فيها، فقوله في هذا السماع: لرب الدار كراء العرصة فيما بعد الهدم خلاف قوله فيها.
الصقلي عن محمد: إن خرج المكتري لهدم ما منعه السكانى لم يصلح رجوعه ولو رضيا بتركه الدابة بالطريق لمرضها ووجوب المحاسبة لا يصلح رجوعه لها إن صحت.
الصقلي: يريد؛ لأن بقية الكراء دين ولو لم يكن نقد للكراء جاز بتراضيهما وعلم ما يخص باقي الكراء، وقال بعض القرويين: إن انهدم ما يبيح خروجه فله المقام بكل الكراء لا بما ينوب ما بقي ولو رضيا؛ لأنه مجهول.
الصقلي: هذا خلاف قول سَحنون وابن حبيب أنه له ذلك ووفاق لأصل ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 260

القاسم في استحقاق بعض أعيان السلع.
ابن الحاجب: إن كان بالدار وشبهها ما يضر كالهطل لم يجبر المالك وخير المكتري وقيل: يجبر، وقيل: إن كانت لا تصلح للسكنى إلا بإزالته أجبر.
قُلتُ: الثالث لا أعرفه ولم يحكه ابن شاس، ولابن رُشْد ما ينفيه قال في المقدمات: هدم الدار إن قل فإن لم يضر ولم ينقص من الكراء كالشرافات فكعدمه، فإن نقص من الكراء لزمه السكنى وحط قدره من قيمة الكراء إن لم يصلحه رب الدار ولا يلزمه إصلاحه، فإن سكن ساكتاً فلا حط له، وإن أضر بالساكن ولم يبطل من منافع الدار شيئاً كالهطل وشبهه هذا فيه قولان: قال ابن القاسم: لرب الدار الإصلاح ولا يلزمه، فإن لم يصلح فللمكتري السكنى بكل الكراء أو الخروج، فإن سكن ساكتاً لزمه كل الكراء.
وقال غيره: يلزم رب الدار الإصلاح، فإن سكت لزمه كل الكراء وإن كثر لم يلزمه إصلاح بإجماع فإن عاب السكنى ونقص من الكراء ولم يبطل من المنفعة شيئًا ككون الدار مبلطة مجصصة فيذهب بتبليطها وتجصيصها خير المكترى في سكناه بكل الكراء وخروجه ما لم يصلح الدار بها، فإن سكن ساكتًا لزمه كل الكراء على قول ابن القاسم فيها خلاف سماعة عيسى وقيل: حكم هذا الوجه كالبيت ينعدم من دار ذات بيوت وهو بعيد فإن أبطل اليسير من منافع الدار كالبيت ينهدم من دار ذات بيوت لزمه السكنى وحط عنه مناب المنهدم ومناب المنهدم من الكراء، وإن أبطل أكثر منافعها ومنفعة البيت الذي هو وجهها وهو بعيد، وإن أبطل اليسير من صانع الدار كالبيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها وما أشبه ذلك خير المكتري في سكناه بجميع الكراء وخروجه، فإن أراد سكنى ما بقي بمنابة من الكراء لم يكن له ذلك إلا برضي رب الدار، فإن رضيا جرى على جمع الرجلين سلعتين في البيع، وإن بني المكتري الدار قبل خروجه لزمه الكراء ولا خروج له، وإن بناها بعد خروجه لم يلزمه الرجوع، وإن سكنها مهدومة ساكتا فعلى قولي ابن القاسم فيها وفي سماع عيسي.
قُلتُ: فقول ابن رُشْد لا يلزمه إصلاح بإجماع رد لثالث أقوال ابن الحاجب.

الجزء: 8 - الصفحة: 261

وفي أخذ الثالث من ظاهر نقل اللخمي المتقدم نظر، ونقل ابن رُشْد أحق وأجرى على الأصول.
المتيطي: إن انهدمت الدار أو جلها فله الخروج فإن بناها ربها في بقية المدة لم يلزمه الرجوع.
قيل: لأن هذا البناء المحدث غير ما انعقد عليه الكراء فكان ذلك كعطب دابة معينه في بعض سفره فلا يلزمه غيرها إن أتاه به، ول أَصْبَغ: إن عاد بناء الدار لأيام قلائل لزمه الرجوع فلم يراع البناء وجعله تبعا للقاعة.
قُلتُ: إن قيل: قول أَصْبَغ جار على قولها: من حلف لا دخل هذه الدار فانهدمت حتى صارت طريقًا فمر بها الحالف لم يحنث، فإن بنيت حنث بدخولها.
قُلتُ: ليس كذلك؛ لأن الحنث يقع بالبعض ومضى الكلام عليها في موضعها.
المتيطي عن بعض الموثقين: يراعى على قول أَصْبَغ حفه مؤنه النقلة والعودة، فإن شقت لكثرة عياله وأثقاله لم يلزمه العود.
قال: وإن بني المكتري من ماله مما ينتفع به بغير إذن رب الدار فعليه عند خروجه قلعه إلا أن يأخذه ربها بغير شيء إن لم يكن له قيمه كالجص والنقش، وإن كانت له قيمه فبقيمته مقلوعًا، وإن بنا بإذنه ففي كونه قيمته كذلك أو قائمًا.
قولا ابن القاسم والأخويين مع روايتهما، وفيها: لا بأس بكراء الحمامات، وفي العتبيِّة: والله ما دخول الحمام بصواب.
قُلتُ: لأن المكتري متعد في فعله ما ينفي صواب دخوله ومكرية برسء منه، ولابن عات في مختصر الثمانية: قال عبد الملك: يمنع السلطان النساء الحمامات أشد منع ويؤيدهن على ذلك، ويؤدب رب الحمام وحتى لا تدخل امرأة إنما الحمام للرجال بشرط السترة، وقاله أَصْبَغ.
قُلتُ: وأخبرنا شيخنا ابن عبد السلام: أن من له النظر الشرعي كان أمر الحمامين باتخاذ أزر النساء كما هو اليوم للرجال فصار النساء يتضاربن بالأزر على وجع اللعب فعادت المصلحة زيادة في المفسدة، ولا يشك منصف اليوم في حرمته للفساد ولا في أن

الجزء: 8 - الصفحة: 262

عدم قطعه لمن له عليه قدره ترك تغيير منكر مجمع عليه، وفيها: من اكترى حمامين أو حانوتين فانهدم الوجه منها رد الجميع، وإن انهدم ما ليس وجههما لزمه الباقي بحصته.
الصقلي: في ترجمة ما ينهدم قال ابن حبيب: قليل تهدم الحمام ككثيرة في منعه التحميم لا ينفسخ به الكراء إن قال لربه: أبنيه وأمكنه في مثل الأيام والشهر والوجيبة سنة، وكذا تهدم بيت الرفا أو حرق سدها أو كسر بعض أداتها وهما أوسع من الدار التي يسكنها المرء بعياله، ولو فسخ الكراء فيهما بسء من ذلك ما تم فيه كراء فمتى دعى ربها للإصلاح لزم المكتري الوجيبة ما لم يطل حتى يذهب أكثر الوجيبة فيفسخ في هذا، ولا يفسخ لقلة الماء أو كثرته ومتى زال مانع ذلك في بقية الوجيبة لزم كراء بقية المدة كقول مالك في الأجير يمرض ثم يفيق، والقول فيما تعطل في الحمام والرحا قول المكتري مع يمينه، لأنه كالمرتهن.
قُلتُ: ظاهر نقله أن الحمام كالرحا في اعتلالها.
وقال المتيطي: الرحا في ذلك أشد من الحمام والدار؛ لأنها كثيرة الاعتلال.
ابن فتوح: إن تعطلت الرحا لهدم بيتها أو تعذر بعض آلتها لم يجبر ربها على إصلاح ذلك، وانفسخت القبالة وليس للمتقبل التمسك بها كما له ذلك في الماء إن نقص؛ لأن البناء الذي نزلت عليه القبالة ذهب فإن بني رب الرحا في بقية المدة لم يلزم المتقبل الرجوع بخلاف الماء متى رجع من نقصه أو نقص عن زيادته لزم المتقبل الرجوع للرحا؛ لأن الماء لم يكن بعينه وليس لمتقبل الرحا بناء السد بقبالة عام واحد كمكتري أرض ذات بئر تهدم بعد زراعته.
ابن عات: في المجالس إن تخربت الرحا يسيل تحمل جميعها فأراد المتقبل بنائها من ماله لتتم قبالته، وأبى ربها إلا الفسخ فله ذلك، وحكم له بفتيا أهل الشورى بطليطلة، وقال المشاور: للمتقبل ذلك ويغرم كل القبالة وله قيمة بنائه مقلوعًا حين خروجه.
قُلتُ: الأول جار على قول الأكثر إن بني الدار بها بعد تهدمها وخروج المكتري لم يلزمه الرجوع، وقول المشاور جار على قول أَصْبَغ برجوعه، وهو الجاري على قول عبد الحق لو تهدمت الدار وبقيت قاعه، فقال المكتري: أؤدي جميع الكراء وأقيم بها

الجزء: 8 - الصفحة: 263

ليس لربها منعه.
ابن فتوح: قال ابن حبيب: ما أحدث أهل الأندلس فى كراء الأرحاء أن يقول للمكرى إنها إكريك البيت وقناة الرحا لا ساقية ولا مطاحن ولا آلة لها هو احتيال لما لايجوز شرطه اعتروا به أن لا يكون على المكرى شئ من تعطيل الرحا باعتلال ما يعتل من ذلك، وقد عرفنا أن الرحا كانت يوم عقد الكراء طاحنة بجميع اَلتها فإن وقع كذا فسخ وكان فيما مضى كراء المثل على حال ما أخذها طاحنة تامة الآلة، وإنما يجوز على هذا الوجه لو كانت يومئذ عطلَا من جميع ذلك.
زاد المتيطى عن فضل: أن أبا زيد علد الرحمن ابن إبراهيم صاحب الثمانية كان يكرى أكريته بقرطبة على الوجه الذى ذكر ابن حبيب: أنه لا يجوز.
وما (....) بسبب دلسه المكرى ضمنه فيها: من اكترى دابة أو ثوراً للطحن فربطه فى المطحنة فكسرها أو أفسدها آلتها لم يضمن ذلك مكريها إلا أن يغر وهو يعلم ذلك منها كقول مالك من أكرى دابته وهو عالم أنها عثور من رجل ولم يعلمه ذلك فعثرت فانكسر ما عليها فهو ضامن، ولو أكراها ممكن يحمل عليها دهنًا من مصر إلى فلسطين فحمله على دابة عثور قعثرت فانكسر الدهن بالعريش، وقال غيره: بمصر.
الصقلى: إلا أن يعرف كيله.
عياض: أو وزنه أبو حفص إنما ضمنه بالعريش؛ لأ قيمته به أكثر منها بمصر ولو كانت به أقل كان تضمينه بمصر.
الصقلى: عن ابن حبيب: إن ضمنه بالعريش فعليه من الكراء بحسابه إليه.
قلت: وأخذ بعضهم من مسألة كراء الثور التضمين بالغرور القول؛ لأن عقد الكراء إنما هو باللفظ، يرد بأن إيجاب لزوم العقد يصيره كالفعل.
وفى نوازل الشعبى: قال محمد بن عبد الملك الخولانى: من باع خابية دلس فيها بكسر وعلم أن المشترى يجعل فيها زيتًا فجعله المشترى فيها فانهرق من كسرها لا ضمان عليه كما لو دلس فى بيع عبد بسرقته فسرق من المشترى شيئًا لم يضمنه بائعه ولو

الجزء: 8 - الصفحة: 264

أكره الخابية، كذلك ضمن الزيت لغروره.
قُلتُ: قوله: فى كراء الخابية يقوم من مسألة كسر الثور المطحنة بربطه المكترى.
وفيعل: إن مرض العبد المستأجر مرضًا بينًا أو أبق أو هرب إلى بلد الحرب فسخنت إجارته، فإن رجع وأفاق فى بقية المدة لزم تمامها.
قال غيره: إلا أن يكون فسخ ذلك، وقال فى باب آخر: بعد هذا إلا أن يتفاسخا.
وسمع عيسى ابن القاسم: من واجر أجبرًا مدة معينة شهرًا أو يومَا لعمل خياطة أو بناء أو غيره فراغ عنه حتى جاز الأجل انفسخت الإجازة فيما بطل، وإن عمل شيئَا فبسحابه، وإنما يلزمه عمله بعد ذلك ويبة، هذا يلزمه العمل بعد ذلك إذ ليس بواقع على وقت؛ بل على عمل مسمى كقوله للسقاء اسكب لى فى هذا الشهر ثلاثين قله فيروغ فيه، فذلك باق عليه.
قُلتُ: ما تعقبها الشيًخ ولا الصقلى.
وقال ابن رُشد: قوله: (تنفسخ الإجارة فى الأيام التى راغ فيها، ويرد من الإجارة منابها) صحيح لا خلاف فيه.
قُلتُ: بهذا أجبت فى الفتيا فى نازلة تكثر فى أجر الحرث والرعاة لأشهر معينة يروغ الأجير فى بعضها فيأتى بعد انقضاء المدة بطلب مناب ما عمله فى المدة فى الأجر أن له ذلك بالتقويم، وما بلغنى عن فتوى بعض من سئل عنها لا أجر له فيما عمل خلاف قول ابن رُشْد: لاخلاف فيه فتأمله ابن رُشْد، وقوله: إنما يلزمه عمله بعد ذلك فى مثل قوله: إلى آخر المسأله خلاف مشهور المذهب أنه لايجوز مدتان فى مدة؛ لأن اليوم أو الشهر أو السنة التى سمى مدة وما شرط طحنه فى ذلك الأجل من عدد الويبات أو يسبكه من عدد القلال مدة.
قُلتُ: فى تعقب ابن رُشْد نظر يتضح بتقرير قاعدة هى ماكان يمضى لنا من الفرق بين اعتبار الأخص لقصد تحصيل أعمه لا لقصد تحصيل عنيه وبين اعتباره لقصد تحصيل عنيه يبينه قولها فى الرواحل.

الجزء: 8 - الصفحة: 265

قال ابن القاسم: إن أكرى دابة بعينها إلى ليركبها فى غده فأخلفه الكرى فليس له إلا ركوبه، وإن أكراها أيامًا معينة انتقض الكراء فيما غاب منها كالعبد المستأجر شهرًا بعينه يمرض فيه أو يأبق تنفسخ إجارته فيه.
قُلتُ: فقوله فى المسألة الأولى: ليركبها فى غده هى من اعتبار الأخص لقصد تحصيل أعمه، وحكم هذا إن نوت فقوله الأخص لايبطل العقد؛ لأن المقصود الأعم وهو باق فلم يبطل العقد متعلقه بالقصد، وهو مطلق الركوب إلى الأعم من كونه فى غد يوم عقد أو بعده وقوله فى المسألة الثانية أكراها أيامًا معينه إلى آخر من اعتبار الأخص لقصد عينه وحكم هذا انفساخ عقده بفوت الأخص حسبما ذكره فيها؛ الأنه بفوت الأخص لايبقى للقعد متعلق ضرورة انحصار القصد فى الأخص، وقد فات فإذا تقرر هذا فقول ابن القاسم: فى الأولى من سماع عيسى هو من اعتبار الأخص لعينه، كقوله فى الثانية من مسألتى الرواحل: فانفسخ العقد فيهما بفوته، والثانيه من السماع من اعتباره لتحصيل أعمه كقوله فى الأولى من مسألتى الرواحل: لم ينفسخ العقد فيهما؛ لأن الأخص فيهما معتبر لقصد تحصيل أعمه ونحو هذا مذكور فى السلم إذا أخر المسلم إليه قضاء السلم عن وقته المقصود بع عرفًا، وفى الكراء للحج وماذكره ابن رُشْد من أن المشهور منع مدتين فى مدة انما هو فيها اعتبر فيه الزمان الأخص لعينه لافيها اعتبر فيه الأعمه ولذا والله أعلم لم يتعقبه الشًيخ ولا الصقلى.
وحفى الرحا يوجب نقشها: ابن العطار: وهو على من هو عليه عرفًا، فإن عدم العرف فعلى ربها.
ابن حبيب وابن أبى زَمَنَين: عرفنا على المكترى.
قُلتُ: هو بناء على أن وقته معروف عادة وإلا امتنع كمنعها شرط تطيين البيوت كلما احتاجت.
المتيطى: أنكر ابن الهندى منع بعضهم كراء منصب الرحا فارغه من آلتها على أن يجعلها المكترى مستدلآ بإجازة المانع كراءه على أن يبنى فيه رحى يبقيها أعوامًا.
قال: وهذا أعظم من كراء المنصب.

الجزء: 8 - الصفحة: 266

قُلتُ: قد يفرق المانع بأن معنى صورة المنع عنده أن مقصود الكترى بكرائه مجرد منفعه الماء، وفيها: ما ظاهره منع ذلك فى التجارة لأرض الحرث منها من بنى فى أرضك على نهر لك رحى فلك عليه كراء الأرض، فأما الماء فلا كراء له وفى الجعل والإجارة منها لا بأس أن تواجر حافتى نهرك ممن يبنى عليهما بيتًا أو ينصب رحا فما منعه هو مقتضى الأولى وما أجازه هو نص الثانية، فقال الصقليفى مسألة كتاب التدارة: يريد: على انفراده وتقوم الأرض كم يسوى كراؤها على أن فيها هذا الماء حسبما كانت عليه، قال الشًيخ.
الصقلى: لأنه لو كان ماؤك يجرى فى أرضه لأرض لك تحت أرضه لكان له أن ينصب عليه رحى فى أرضة إن لم يضر بك فبان أن الماء ليس له كراء فى مثل هذا.
المتيطى: وشروط نقد كراء الرحى فى العقد جائز فى المأمون جرى مائها وثبوت سدها فاسد فى غيرها.
فى أحكام ابن سهل: عقد ابن دحون قبالة رحى على نهر قرطبة لمدة عينها على أن تطوع المتقبل ينقد الكراء آخر العقد، وعلم أن الرحا يتعذر طحنها فى الشتاء، وإنما يستقيم بالصيف فأرد استغلالها بالشتاء، وطلبه عند صاحب السوق أبى على بن ذكوان فشاور فى ذلك فأفتى القرشى بأن القبالة لاتجوز؛ لأ ن الرحة غير مأمونة، وأفتى ابن حرج بصحتها وأنها مأمونة وله استغلالها فى الشتاء، وقال ابن عتاب: ذكر طوعه بالكراء فى آخر العقد يوجب كونه فيه فخرج عن كونه طوعًا إلى كونه شرطًا فى العقد، فإن أثبت القائم أنها غير مأمونة فسخت.
ابن سهل: هذه أجوية مختلفة ليس لها تفسير.
قُلتُ: الأظهر الجواب الأول؛ لأن قوله: يتعذر طحنها فى الشتاء؛ نص فى نقصه مه إبهام قدره، وهذا غرر فقد دخلا على عدم الأمن فلا تفتقر لإثباته فتأمله، وفيها: لمن اكترى أرضًا ثلاث سنين فزرعها ثم غارت عينها أو انهدم بئرها، وأبى ربها إصلاحها أن ينفق عليها حصة تلك السنة فقط من الكراء، وما زاد عليه فهو به متطوع.
الصقلى: عن محمد إن كان قبضه ربها غرمه فإن كان عديمًا فللمكترى إنفاق قدره

الجزء: 8 - الصفحة: 267

ويتبعه به، وإن كان ذلك فى السنة الثانية قله إنفاق حصتها، ولا ينفق عليها شيئًا من حصته الأولى، فإن كان ذلك قبل أن يزرعها، فقال أشهب: لا شئ على ربها وللمكترى الفسخ فإن أنفق من عنده فلرب الأرض كراؤه كاملآ ولا شئ للمكترى فيما أنفق إلا فى نقض قائم من حجر ونحوه ويطيه فيمته منقوضًا أو يأمره بقلعه.
قُلتُ: يجرى الحكم بأن له ذلك، ولو كره رب الأرض أو يأمره على ما تقدم فى ذهاب الرحا يسيل، وفى قيمه النقض على ما تقدم فى بناء المكترى بإذن رب الدار أو بغير إذنه.
اللخمى: هلاك الزرع إن كان لقحط المطر أو لتعذر ماء البئر أو العين أو لكثرة تشوع ماء المطر أو لدود أو فأر سقط كراء أرضيه كان هلاكه فى الإبان أو بعده، وإن هلك لطير أو جراد أو جليد أو برد أو جيش أو؛ لأن الزريعه لم تنبت لزم الكراء هلك فى الإبان أو بعده، وإن غرقت الأرض فى وقت لو انكشف أعاد زراعتها سقط الكراء والإ فلا؛ لأن مقام الماء عليها فى الإبان كغاصب حال بين المكترى وبين منافع الأرض، وبعد الإبان كغاصب أفسد الزرع، وإن كان يقدر على إعادة بعضها أو زال سقط مناب ما كان يقدر على حرثه، وأرى إن غرقت بعد لإبان ثم ذهب عن قرب بعدما أفسد الزرع، ثم لم تمطر بقيه السنة وعلم أنه لو لم يفسد بم يتم سقط كراؤها، واختلف إن أذهبه السيل، فروى محمد عليه الكراء، وقال يزيد: إن أذهبه بعد الإبان وأرى إن أذهب السيل وجه الأرض قبل الإبان أو بعده أن لا كراء عليه؛ لأن منفعة الأرض فى وجهها وهو المكترى وهو المقصود.
قُلتُ: قوله: اختلف يدل على قولين ولا ثانى لما ذكر إلا اختياره.
نقل ابن رُشْد: اهتياره قولا.
قال: واختلف إن نبت فى أرض من جره إليها ففيها: هو للثانى ولابن سَحنون عنه: إن جره قبل نباته وبعده لزراعه، وقال: ايضًا للثانى وعليه للأول فيمته مقلوعًا وقيل: للأول مطلقًا وعليه كراء الأرض وهو أحسن؛ لأنه ملكه نبت فى أرض غيره بشبه، إن انتثر للمكترى فى حصاده حب فى الأرض فنبت قابلًا فهو لرب

الجزء: 8 - الصفحة: 268

الأرض كزرع سيل لأرض غير زارعه.
اللخمى: هذه بخلاف الأولى؛ لأن هذا هو الشأن أن ينتثر منه، ويذهب عنه أنه لا حق له فيه ولو لم يحصده وأتى عليه برد بعد تمامه فأنتثر، ونبت قابلًا كان على الخلاف المتقدم هل يكون للأول أو للثانى.
قُلتُ: مسألة جر السيل الزرع فى سماع عيسى ابن القاسم فى كتاب السداد والأنهار من تفتقيت أرض جنانه عن عرق من أصل شجرة جنان جاره، فإن كان لربها فيه منفعه إن قلعه لغرسه فله قلعه، وإن لم يكن له فيه نفع ولا عليه فيه مضرة فهو لرب الأرض إلا أن يكون قد بلغ بحيث يكون له ثمن كخشبة أوحطب فيكون له على رب الأرض ثمنه مقلوعًا.
عيسى: إلا أن يكون بقاءه بحاله يضر الشجرة التى هو منها فلا يكون له ذلك إلا برضى ربها.
ابن رُشْد: قول عيسى: تفسير، ولابن القاسم فى المجموعة: إلا أن يشاء الذى ظهرت فى أرضه قطع بحروقها المتصله بشجر الأول حتى لا يضرها، ويعطيعه قيمتها مقلوعة فذلك له، وهو تفسير لقول عيسى، ومن حقه قطع عروقها المتصلة بشجر الأول بها، وأن أضر بالشجرة التى هى منها؛ لأن له قطع ما ظهر من أرضه من عروض شجرة غيره كما له قطع ما دخل فى هواه من أغصان شجرة غيره.
قُلتُ: قإن قيل: كون الثابت بأرض الجار لرب الشجرة، خلاف قولها الحب لمن جره السيل لأرضه بجامع ملك المحل فيهما فرق بان الثابت من الشجرة متصل بها فهو كغصن منها مسأله البذر هى سماع عيسى ابن القاسم قال: الزرع لرب الأرض؛ لأنسنته قد انقضت لقول مالك فى حمل السيل بذر أرض رجل إلى أرض غيره فصار بها زرعًا فهو له دون الأول.
ابن رُشْد: قول ابن القاسم: فيمن انتثر زرعه كقوله فيها وقياسه على قول مالك صحيح؛ لأن البذر مستهلك فى المسألتين لايقدر ربه على أخذه من أرض صاحب الأرض مثل فى المدَوًنه سواء؛ لأن معنى قوله فيها: حمل السيل زراعه إلى أرض رجل

الجزء: 8 - الصفحة: 269

آخر فنبت فيه أنه حمل بذره إلى أرض رجل آخر فنبت فيه؛ إذ لا ينبت الزرع إنما ينبت البذر، ودليل هذا سماع أيضا لنصه: على سبيل إنما ذهب بالبذر لا الزرع ولو ذهب بالزرع بعد ظهوره ففى كونه لرب الأرض وعليه قيمته مقلوعا إن كانت له قيمة أو لربه وعليه كراء الأرض ما لم يجاوز الزرع فيكون له تركه لرب الأرض ثالثها، إن لم تكت فيه منفعة فهو لمن جره السيل إليه، وإن كانت له قيمة فهو لربه وعليه كراء الأرض لروايته عن سحنون، ولابنه عنه فى كتاب المزارعة مع قوله فى كتاب ابنه، ولا يكون كالمخطاء والمخطاء كعامد ولا يكون أسوأ حالا من المكترى للأرض مدة تتم وله فيها زرع أخضر علم حين زرعه أنه لا يطيب فى المدة.
قال مالك: له زرعه وعليه كراء زيادة المدة، ولابن وضاح عن سحنون: وقيل: إن جره السيل وهو بذر، وهو لربه وعليه كراء الأرض وهو بعيد، وفيها: من اكترى أرضا سنة فحصدت زرعه قبل تمام السنة فالسنة فى أرض المطر الحصاد، وذات السقى التى تكرى على المشهور أو السنين فللمكترى العمل لتمام السنة، فإن تمت وله فيها زرع أخضر وبقل فليس لرب الأرض قلعه، وعليه تركه لتمامه، وله فيها بقى كراء مثلها على حساب ما أكراها منه.
قال غيره: أن بقى من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرع فلا ينبفى أن يزرع، فإن فعل فعليه فى زيادة المدة الأكثر من الكراء الأول أو كراء المثل.
عياض: قيل قوله: له كراء مثله على حساب ما أكرى تناقض، وطرح سحنون فى رواية يحيى قوله: على حساب ما أكرى، واختصرها الشيخ وغيره: لا على حساب ما أكرى، وكذا وقعت فى سماع أبى زيد فى زيادة مدة كراء الدار له كراء المثل لا بحساب الكراء الأول.
وفى المدونة من كراء الرواحل: فى التعدى فى المسافة له كراء مثلها لا على الأول.
وفى اختصار ابن أبى زمنين: له فى كراء أرضه على حساب ما أكرى منه، والقولان فيهما وفى نظائرها معروفا، وفى سماع عيسى القولان، وقال ابن لبابة: لفظها إشارة إلى القولين معا.

الجزء: 8 - الصفحة: 270

قال: ويحتمل أن السامع ظنهما قولا واحدا ولم يحصل فوضعها بهذا اللفظ، وما فى العتبية يدل أن جواب الكتاب جمع فيه القولين، ولم يفصل بينهما فالتبس الجواب وصحح بعضهم لفظ الكتاب بأن ينظر لقيمة الزيادة من قيمة كراء السنة فيعطيه على حسابه مما أكرى به لدخولها على الانتفاع بالأرض، وعلما أن بعض البطون تتقدم وتتأخر لطرو العاهات.
قلت: هو قول الصقلى قال: ومعناه أن تقوم الزيادة إن قيل: قيمتها دينار وقيمة كراء السنة خمسة دنانير كان عليه فى الزيادة مثل خمس كراء السنة.
اللخمى: فيما بقى من زرع بعد مدة الوجيبة ثلاثة ابن القاسم وتترك لتمامه ولرب الأرص كراء المثل، وفى رواية كراء المثل بحساب ما أكرى وقال غيره: إن بقى من المدة ما لا يتم فيه الزرع فلا يزرع، فإن تعدى وزرع فعليه فى الزائد الأكثر من كراء المثل، أو بحساب ما أكراه ابن حبيب: إن زرع عالما أنه لا يتم فى بقية مدته فهو متعد لرب الأرض حرثها وإفساده وإقداره بالأكثر من المسمى أو كراء المثل، وإن زرع طانا تمامه لتمام أمد الوجيبة فجاز بالأيام، والمشهور لزوم إقراره بمثل الوجيبة، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن الشهر الباقى داخل فى الكراء من حق المكترى إذا كان لا يتم فيه البطن أن يحط ما ينوبه من المسمى إلا أن يتراضيا أن يكريا ذلك البطن، ويقسما الكراء على ما لكل منهما فيجوز بعد معرفة ما ينوب كل واحد منهما قبل العقد، فإن بادر لزراعته لم يحكم عليه بحكم التعدى؛ لأن له فيه شركا وهو الشهر الأول وعليه الثانى كراء المثل لعدم إقراره بالرضى فيه بالمسمى، ويختلف إن رضى فيه بالمسمى هل يلزمه ذلك؟ أو يرد فيه لأجر المثل؛ لأنه حين التزامه لم يعلم ما ينوبه من جملة السنة فهو كجمع الرجلين سلعتيهما فى البيع.
الصقلى: عن ابن حبيب: إن بقى من المدة شهران وما لا ينتفع فيه بالزرع وهى أرض زرع فليس للمكترى أن يحرث فيها زرعا إلا باكتراء مؤتنف، ولا يحط عنه شاء ولربها حرثها ولو كره المكترى؛ لأنه مضار فى منعه فإن زرعها المكترى علم انقضاء الوجيبة فذكر مثل ما تقدم.

الجزء: 8 - الصفحة: 271

قال: وإن كانت من أرض البقل فله الانتفاع لتمام الوجيبة، فإن انقضت ولم يبلغ بقله فذكر مثل ما تقدم فى الزرع.
ابن الحاجب: إن زرع أضر مما له فللمالك قلعه، أو أخذ ما بين القيمتين مع الكراء الأول.
قلت: تقدم القول فيه فى فصل ما تقتضى به منفعة المكترى ونقل الباجى والمتيطى فيه ابن عبد السلام قوله له قلعه هذا إن عثر عليه قبل طيبه ولو كان بعده لم يكن له قلعه.
قلت: قوله: قبل طيبه نص، أو ظاهر فى أنه إن كان بعد الإبان، وقبل طيبه أنه قلعه ولا أعرفه، وحال المكترى فى حرثه الأرض كبعض أقسام مسألة: من حرث أرض غيره وحاصل تحصيلها فى المقدمات فى بيان قولى ابن القاسم وغيره فيها: إن قام ربها فى الإبان، وأقر الحارث بالعداء فلربها أمره بقلعه إن كان ينتفع به، ولا يجوز له أخذه بقيمته مقلوعا؛ لأنه بيع له قبل بدو صلاحه، وأجازه التونسى لدخوله فى ضمانه بالعقد؛ لأنه فى أرضه فلا غرر.
قلت: هو خلاف نصها: إن انقضت السنون ولمكترى الأرض بها زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب الأرض شراؤه.
ابن رشد: وأن لم يكن ينتفع ب فلربها أخذه مجانا، وإن ادعى حرثها بعلمه لا باكتراء فإن حلف ربها ما علم بحرثه فكما مر، وإن نكل يحلف الحارث وبقى له زرعه ولزمه كراء المثل، وإن ادعى حرثها باكتراء منه فإن حلف ربها على نفيه فكما مر فإن نكل حلف الحارث، ولو كان ما أقر به من الكراء أكثر من كراء المثل ليثبت بحلفه بقاء زرعه، وفى حلفه مطلقا أو ما لم يدع ما لا يشبه قولان للمشهور، وقولها فيحلف قال: وقعت المال بضاعة ونكل حلف مدعى قبضه قراضا إن كان مثله يقارض.
قلت: هما بناء على ترجيح تمكين المدعى بنكو له عموم قبول حلفه على تكذيبه العرف فى دعواه، وعكسه كبيبة بتكذيبه.
ابن رشد: وإن ادعى كراءها وحرثها بعلم حلف ربها على نفيها، وخير فى أخذه بما

الجزء: 8 - الصفحة: 272

أقر به من الكراء أو أخذ أرضه إن كان فيه منتفع، وفى جواز أخذه بقيمته ما تقدم للتونسى والمشهور، وإن لم يكن فيه منفعة وجب لرب الأرض ولم يجز تركه للمكترى بما أقر به ولا بكراء المثل؛ لأنه بيع له بما يأخذه من الكراء وإن نكل حلف الحالف وقبل قوله، وإن لم يشبه على ما مر فإن نكل أخذ رب الأرض أرضه، ولو قال: احلف ما علمت حرثه لا على ما أكريت منه لم يكن لحلفه معنى، إلا أن ينكل الحارث عن اليمين فإن نكل قيل لرب الأرض: احلف ما علمت بحرثه إياها وخذها واقلع الزرع إن شئت، وإن قال رب الأرض احلف ما أكريت إلا على ما علمت بحرثه إياها لم يمكن من حلفه على ذلك عن ابن القاسم؛ لأنه إن نكل عن حلفه ما علمت بحرثه إياها وجب أن يحلف الحارث لقد علم بحرثه وإذا حلف عليه كان كقيام بينة بذلك أو إقرار به، وكلما ثبت أحدهما كان شبهة توجب قبول قول الحارث أنه اكتراها بكذا إن أشبه ذلك كراء المثل فيحلف الحارث إن نكل رب الأرض عن الحلف ما علم بحرثه على علمه به وعلى اكترائه إياها منه بكذا إن أشبه ما ادعى كراؤها، وإن لم يشبه لم يصدق فى ذلك وحلف ربها ما أكرها منه واستحق كراء مثلها ولم يكن له قله زرعه إن حلف الحالف أنه حرثها بعلمه، فإن نكل فيه كان لرب الأرض أخذها وقله الزرع، وإن قامت للحارث بينة بحرثه الأرض بعلم ربها فالقول قوله مع يمينه فى الكراء إن أشبه وإلا حلف ربها واستحق كراء المثل، فإن نكل فالقول قول الحارث وإن لم يشبه وإن كان ما أقر به الحارث من الكراء ككراؤ المثل فأكثر فلا يمين عليه، هذا قول ابن القاسم فى المدونة وتسويته فيها بين قيام البينة للحارث على علم رب الأرض بحرثه أو نكوله فى قبول قول الحارث بيمينه فى الكراء إن أشبه إنما يريد: أن نكل عن اليمين ما حرثها بعلمه ومعرفته أما لو نكل عن الحلف على أنه لم يكرها منه فالقول قول الحارث ولو لم يشبه اتفاقا بينهم إلا ما تقدم من مسألة القراض، وغير ابن القاسم فى المدونة لم يرى حرثه الأرض بعلمه شبهة توجب قبول قوله فى الكراء وجعل القول قول رب الأرض مع يمينه أنه ما أكراها، فإذا حلف استحق كراء المثل وإن كان ما أقر به المكترى أكثر من كراء المثل فلا يمين على واحد منهما، وسواء على قول الغير علم أو لم يعلم لا يحلف على

الجزء: 8 - الصفحة: 273

مذهبه ما علم بحرثه، إنما يحلف ما أكراها منه ويستحق كراء المثل فإن نكل حلف الحارث، ولو أتى بما لا يشبه ولو قام بعد الإبان فإن صدقه ما أكرى منه فله كراء المثل دون حلف ادعى حرثه بعلمه أم لا، وإن ادعى أنه أكراها منه لا أنه حرثها بعلمه حلف ربها وأغرمه كراء مثله، فإن نكل حلف الحارث على ما ادعى من الكراء، وإن ادعى الأمرين حلف ربها على نفيها معا وأخذ كراء المثل، وأن نكل عنهما أو عن أنه لم يكن منه حلف الحارث على ما ادعى من الكراء ولو كام ما أقر به أكثر من كراء المثل فلا يمين على واحد منهما، فإن نكل ربها عن الحلف ما حرثه بعلمه حلف الحارث على قول ابن القاسم: لقد حرثتها بعلمه واكتريتها بكذا إن أشبه ذلك وإلا حلف رب الأرض ما أكراها منه وأخذ كراء المثل، وعلى قول غيره: يحلف رب الأرض ما أكراها منه ويأخذ كراء المثل.
اللخمى: إن حرثها بعلم ربها فلا يحكم فيه بحكم التعدى اتفاقا فإن ادعى الكراء بقدر كراء المثل أخذ به دون يمين، وإن ادعاه بأقل ففى قبول قوله: إن أشبه بيمينه أو قول ربها فيأخذه بكراء المثل.
قولا ابن القاسم وغيره: وإن حرثها بغير علمه ففى كون اختلافهما شبهة تنفى حكم التعدى أو لا.
قولان لغير ابن القاسم: وله قائلا: والقول قول ربها إن حلف وهو فى الإبان ولا منفعة فى الزرع فله أخذه مجانا، وإن كان فيه منفعة فلربه قلعه ولربها أمره به وفى جواز أخذه بقيمته مقلوعا قولان والأول أحسن، لا يدخله النهى عن بيع الزرع قبل بدو صلاحه؛ لأنه فى بيعه على البقاء مزيد فى الثمن لمكان البقاء مع جهل سلامته وهذا يأخذه بقيمت مقلوعا لم يزد للبقاء شيئا، وإن أحب إقراره بالكراء قبل أن يكون فى قلعه منفعة دخله بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء؛ لأنه صار لرب الأرض إلا أن يقصد إثبات التعدى، ويرى رأيه هلى يأخذه بالتعدى أو يمضيه له ويطلب بالكراء فيجرى على القولين فيمن خير بين شيئين، وإن كان فى قلعه منفعة فأقره لربه بكراء جاز على منع أخذه بقيمته مقلوعا ويخالف على إجازته، فإن قدر أنه لم يختر الأخذ جاز وإن

الجزء: 8 - الصفحة: 274

قدر أنه لما ملك أخذه كأنه أخذه ثم انتقل لتسليمه لم يجز، والأول أحسن وعلى قول غير ابن القاسم: إنما مقاله فى الكراء حسبما تقدم، وفيها: إن جاء مكترى الأرض لزرعها من الماء ما كفى بعضه وهلك بعضه فإن حصد ما له بال وله فيه نفع فعليه من الكراء بقدره ولا شاء عليه إن حصد ما لا بال له ولا نفع له فيه.
اللخمى: لمحمد عن ابن القاسم إن سلم مثل الخمسة فدادين والسته من المائة وشبهها فلا كراء عليه؛ إن كان ذلك مفرقا فى الفدادين؛ لأنه كالهالك وكثير من الناس لا يتكلف جمع مثله ولو سلمت الخمسة على المعتاد من سلامتها لزم كراؤها، ولو قحط المطر عن بعض الأرض قبل الزراعة لزمه ما سلم إلا أن يقل فيكون له رده، وذكر الصقلى ما فى الموازية ولم يقيده، وقال: ولعله قدر زريعته فكأنه لم ينتفع بشاء.
ابن العطار: إن وجد مثل البذر فلا كراء عليه.
ثم قال: ولو وجد أكثر منه بقدر نفقة حرثه فى كراء عليه والأول أبين؛ ومعنى قولها جاءه ما كفى بعضه يشبه أن يكون ماء البئر يلحق ما بقى من مائها بعض الفدادين دون باقيها زاد، وأما المطر فكأنه لا يصح هذا فيه.
قال: ولو أتى الجراد فى إبان الحرث وعلم الناس إن زرعوا أكله الجراد فامتنعوا فلا شاء عليهم فى المدة التى تركوا فيها الزراعة خوف الجراد.
قال: ومن اكترى أرضا تزرع بطونا فلما زرع أكل زرعه الجراد وكثر حتى خاف فلم يزررع ثم لما خف فأكل الجراد ما زرعه أيضا.
قال: إنما عليه من الكراء بقدر ما أقام الزرع الأول فلا شاء عليه فى باقى المدة؛ لأنه جاء ما منعه الزرع.
ابن فتوح: إن رفع من الأرض فى قحط المطر ما لا بال له سقط عنه الكراء، وإن رفع ما له بال لزمه الكراء بحسابه، وتفسيره أن ينظر إلى ما يقوم من تلك الأرض على التوسط والتوسط حمل السنين بعضها على بعض، فإن قبل يقوم للحبة ست حبات على التوسط فما رفع من الست حبات لزمه ذلك، وإن رفع الحبات الست لزمه كل الكراء، وإن رفع الحبة حبتين لزمه ثلث الكراء.

الجزء: 8 - الصفحة: 275

وزاد المتيطي: وقال غيره: إن رفع ما بذر دون زيادة لم يلزمه شاء.
قال بعض الموثقين: لو قال قائل لا يلزمه فى الحبتين شاء كان صوابا؛ لأن فى تكلفة الحرث والزراعة والحصد والدرس أكثر من ذلك.
وانتقاء مدة كراء الأرض لغرس شجر أو بناء وهو بها مقتضى قولها، ونص اللخمى غيره: لربها أمره بقلعها وأخذها بقيمتها مقلوعا، وهو نص منفعتها فى اكترائها لغرس شجر.
زاد ابن شاس: بعد طرح أجر الإخلاء إن كان المستأجر يحتاج للاستئجار عليه.
قلت: انظر فى العارية تمامه.
عبد الحق عن غير واحد من القرويين: إن كان بالشجر حين انقضاء مدة الكراء ثمر غير مأبور لم يجبر رب الأرض على بقاء الغرس وله أمره بقلعه، وإن كان مأبورا جبر على بقائه بقيمة كرائه لفساد الثمن بقلعه، وفيها: إن انقضت المدة وفيها شجر فلمكتريها إكراؤها، ولو كان مكتريها اكتراها لغيره فانقضت المدة وفيها شجر فلمكتريها أولا اكتراؤها، فإن أرضاه الغارس وإلا قلع غرسه.
قال غيره: لا ينبغى ذلك حتى يتعامل الغارس وربها على ما لا يجوز إلا أن يكريك أرضه على أن يقلع عنك الشجر.
التونسى: إن علل قول الغير بأن تمكن المكرى من أخذ الشجر بقيمته عاجلا مع ثبوته له عند انقضاء مدة الكراء الثانى منضما لتمكن المكترى الأول من اخذه بقيمته يوجب تهمة رب الأرض على أنه إنما أكراها منه ليسلفه قيمة الشجر على أن يدفعها لربها حتى ينقضى أمد كراء الثانى لزم مثله فى إكرائها ممن له الشجر بها والسلف هنا تأخير اقتضاء قيمتها، فإن قيل: إنما أخذ الشجر بقيمتها لرب الأرض لا للمكترى منه فائدة جهل المكترى قدر الأرض إن أخذ ربها الشجر كان المكترى منها ما سوى محل الشجر، وإن لم يأخذها كان بيعها قبل لو كانت العلة هذه كان المنع متفقا عليه، فإن قيل رب الأرض: أسقط حقه فى الشجر فلا قول لمكترى الأةل فى أخذه قيل: لا ضرر على الغارس فى ذلك، والمكترى حل محل رب الأرض، وهو نص ابن القاسم

الجزء: 8 - الصفحة: 276

بمراضاته، فابن القاسم ألغى التهمة على السلف لبقاء الغرس على ملك غارسه، وإنما يؤخذ ربها حين انقضاء المدة الثانية بقيمته يومئذ.
قلت: مال قول تعقب قول الغير ببطلان لازم عليه المنحصر تعليله فيها وزعمه الانحصار فيما ذكر يرد بجواز تعليله بأنه كراء مشتمل على بيع محض فى مالى فوجب منعه، كبيع الشفعة وبيع مبتاع سلعة بخيار من مبتاع آخر على أن له الخيار فيها على بائعه الأول؛ لأن المكترى أجيرا يدفع الكراء على أمرين انتفاعه بالأرض المدة المعلومة وتمكنه من أخذ الشجر بقيمته كما كان ذلك لرب الأرض، وهذا لا يجوز لكنه تبع، فابن القاسم ألغاه لتبعيته والغير اعتبره؛ لأنه مما يقصد، وعلل اللخمى قول الغير بما زعم التونسى أنه يوجب الاتفاق على المنع، ثم قال: وحمل ابن القاسم الكراء على كل الأرض، وأنه أسقط حقه فى الغرس، ويختلف إن أسقط حقه فى الغرس وأراد المكترى الثانى أخذه بقيمته مقلوعا هل له ذلك وبيانه فى الشفعة، وفيها: لو صالح المكترى رب الأرض حين انقضاء المدة على بقاء الغرس عشر سنين بنصف الشجر لم يجز؛ لأنه أكراها ينصفها يقبضها لعشر سنين، وقد لا تسلم ولو قبله له الآن جاز.
قال غيره: لا يجوز؛ لأنه فسخ دين فى دين.
التونسى: قول الغير هنا أبين؛ لأنه أخذ نصف الشجر فوجب عليه فيه بمن اعطى عنع بقاء نصف الأرض بيد المكترى، وقرره اللخمى: بأنه بنى على أن من خير بين شيئين يعد منتقلا.
قال: وأرى أن يوكل لأمانته ويعلم أنه متى اختار أخذها بالقيمة لم يجز أن يدفع عن ذلك منافع ويجوز على قول أشهب، وعلى القول بفساده يفسخ البيع فى المبيع إن كان معينا ما لم يتغير فيمضى بالقيمة يوم العقد الثانى؛ لأنه مقبوض فى أرضه، ولو قال: على أن له نصفه من الآخر شائعا ولا قسم حتى تنقضى الإجارة فتغير لذلك لم يكن فوتا؛ لأنه غير ممكن منه، وقيل هو فوت والنصف الآخر باق على ملك ربه، وفيها لو تمت المدة وفى الأرض لمكتريها زرع لم يبد صلاحه لم تجز لرب الأرض شراؤه.
قلت: تقدم قول التونسى ونقل اللخمي.

الجزء: 8 - الصفحة: 277

وفيها: وإنما يجوز بيع زرع أخضر بشرطه مع الأرض فى منفعته، وكذا الأصول بثمرها تقدم حكم الثمر فى البيوع.
اللخمى: فى جواز شراء الزرع بعد شراء الأرض، ثالثها إن قرب ولم يعزها قال: والمنع أصوب ولو وهب الأرض لم يجز لمن وهبت له شراء زرعها، ولو اشترى رب الأرض زرعها ولم يعثر عليه حتى تغير بنماء أو عامة لكان من زراعه، وإن كان سقيه على مشتريه، وكذا قال ابن القاسم: جائحة العرية من المعرى، وإن كان سقيها على رب النخل، وفيها: إن عطبت الدابة بزيادة مكتريها على ما شرط ما تهلك بمثله فلربها أخذه بكراء الزيادة مع ما بلغ مع الكراء الأول أو قيمة الدابة يوم التعدى ولا كراء له.
الصقلى: يريد: أن زاد بعد سير بعض الطريق فله منابه من الكراء الأول مع قيمة الدابة يوم التعدى، وفيها: إن زاد ما لا تعطب فى مثله فله كراء الزيادة مع الكراء الأول.
الصقلى: بخلاف تجاوزه المسافة؛ لأنها تعد كلها فيضمن فى قليلها وكثيرها والزيادة فى الحمل مختلطة بالمأذون فيه وصفة كراء الزيادة فى الحمل إن وجبت هو قيمة كراء الزيادة على الدابة على حال ما تعدى عليها، وقال بعض أصحابنا: يكون له الكراء الأول وفضل الضرر كمن اكترى لحمل شاء فحمل أضر منه فإنه يكون له فضل الضرر.
الصقلى: ليس كذلك؛ لأن من زاد فى الحمل حمل مل أذن له فيه، وزاد: وإن حمل غير ما أكراها له كمن ركبها فى غير الطريق التى أذن له فيها وكل محتمل؛ لأن الذى أردف حمل أكثر مما اكتراها له فكان كمن حمل رصاصا مكان بز فيكون له فضل الضرر إن كان كراء المسمى حمله عشرة وكراء ما حمله خمسة عشر فله المسمى وزيادة خمسة.
قال بعض القرويين: الأشبه إن عطبت فيما لا يعطب فى مثله أن يضمن؛ لأنه سيرها على غير ما أذن له فيه فأشبه الزيادة فى المسافة وما ذكرنا من الفرق يرده.
وفيها: وأما زيادة الحاج فى الزاملة ما تعطب فى مثله، فقال مالك: ليس الحاج كغيره عرفت له زيادات من السفر والأطعمة لا ينظر فيها المكرى، ولا يعرف ما حمل

الجزء: 8 - الصفحة: 278

لا ضمان في ذلك إن كان المكرى رآه.
وحمله الصقلى: يريد: ولو لم يره الجمال لضمن؛ لأنه زاد ما تعطب فى مثله.
اللخمى: أجاب مالك إن كان هو الذى حمل ولم يجب إن لم يحمله وهو مشكل يصح أن يضمن بزيادته وأن لا يضمن؛ لأن الكرى فرط بعدم اختباره.
وقوله: فى هلاكها بزيادة ما لا تعطب بمثله؛ يريد: إن حملها بالبلد لم يخرج عنه ولو هلكت فى حال حملها، وإن شك هلى هلكت بالزيادة وهلكت حال حملها أو بقرب زواله ضمن على قول ابن مسلمة بخلاف العبد؛ لأنه يشكو ما نزل به فسكوته دليل السلامة والدابة ينزل بها ما يهلكها فلا يعلم حتى تهلك.
وقد قيل: لا ضمان عليه وأرى أن يغرم نصف قيمتها -كذا وجدته فى نسختين إحداهما عتيقة مصححة، وفى بعض النسخ قيل: بدل ففقل-: وإن علم أن هلاكها بالتعجى وحمل الحادى عشر على العشرة ففضه فى كل نقله فلربها أن يغرمه قيمتها أول نقلة ولا كراء له أو يأخذ المسمى وكراء الزيادة ولا قيمة له، ولو قيل: له قيمتها من الوقت الذى خشى فيه عليها من التمادى وله فيها تقدم من النقلات ما ينوبه من المسمى وكراء الزيادة لكان وجها.
قلت: هذا هو الأظهر لا الأول وتشبه مسألة العريش.
وفيها: وكذلك الرديف فيما ذكرنا.
اللخمى: إن سلمت فلربها المسمى وكراء المثل فى الرديف، وإن حدث بها عيب يسير فالمسمى، وفى الرديف الأكثر من كراء المثل أو قيمة العيب إن لم يعب ركوبها.
قلت: لم يجب عن مفهوم أن لم يعب ركوبها، وجوابه: إن اختار قيمة الركوب أن تكون قيمته على أنها معيبة من حين حدوث عيبها، وإن اختار قيمة العيب سقط منابه من المسمى.
قال: وإن كان العيب كثيرت خير فى أخذ قيمة الرقبة ولا شاء له من الكراء أو المسمى والأكثر من كراء الرديف وقيمة العيب، وكذا إن هلكت إذا عيبت عن تمادى الثقل، وإن كان عثارا عرض لشدة الثقل فى آخر يوم فله المسمى وكراء المثل للأيام

الجزء: 8 - الصفحة: 279

الفارطة وقيمتها لآخر يوم، فإن وجبت القيمة والمكترى عديم والرديف مو سر فإن علم أنها بيده باكتراء، وإن ارتد أنه يخشى عليها منه ضمن قيمتها، وإن جهل أنها باكتراء غرم نصف قيمتها؛ لأن هلاكها منهما، ويختلف إن كان الغالب السلامة فهلكت بركوبهما هل يضمن؛ لأن هلاكها من باب الخطأ كمن اشترى عبدا فقتله خطأ ثم استحق اختلف فى ضمانه، والجواب فى زيادة الحمل كالرديف فى سلامتها وعيبها، وفيها: إن زاد المكترى على غايته ميلا ونحوه فعطبت فلربها كراؤها الأول، وخير فى قيمة كراء الزائد وقيمة الدابة يوم التعدى، ولو ردها بحالها بعد ميل أو أميال أو حبسها يوما ونحوه لم يضمن إلا كراء زيادة الأمد.
الصقلى: عن محمد قيل: أنه ضامن ولو زاد خطوة، وروى ابن القاسم: يضمن بزيادة الميل ونحوه لا فيها يعدل الناس إليه فى الرحلة.
قلت: قوله: (قيل: منهم وسمع عيسى ابن القاسم: إن زاد فى حملها ما تعطب به ضمنها كمن اكترى دابة لموضع ثم تعدى بها لغيره) ضمنها ولو خطوة واحدة.
ابن رشد: هذا كقولها إن تعدى الزيادة لا يضمن به إلا أن يكون مما يعطب بها ويضمن فى زيادة المسافة، ولو قلت: لأنه صرف عداء لم يأذن فيه.
وفى زيادة الحمل مأذون له فى تسييرها وسوى التونسى بينهما؛ لأنه لم يأذن له فى تسييرها على غير الصفة المأذون له فيجب أن يضمنها إذا سيرها على غير ما أذن له فيه.
قلت: ظاهره أنه رد زيادة الحمل إلى الزيادة فى المسافة، وللتونسى فى كتاب العضب: ينبغى أن لا يضمن فى المسافة إلا أن يكون مما يعطب فى مثلها كقولها فى العبد الرهن: إن أعاره لمن استعمله لا يضمن إلا أن يكون عملا يعطب فى مثله، وقال سحنون: ولو زاد على ما أذن له من المسافة فهلكت الدابة بعد رجوعها لها ففى ضمانه ثالثها إن كثرت الزيادة.
الصقلى: فى كتاب العضب وعن سحنون قائلا: كمن رد ما تلف من وديعة، ثم هكلت وكمكتر زاد ما تعطب به ثم أزاله ثم هلكت وابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ.

الجزء: 8 - الصفحة: 280

الصقلي: هذا أحسنها، وفيها: إن حمل على الدابة أضر مما شرط ضمن، ولربها إن شاء كراء الفضل أو قيمة الدابة، وكذا إن طحن ما هو أضر.
اللخمى: فى القيمة طريقان إحداهما فضل قيمة كراء الأضر على قيمة كراء ما أكريت له مع المسمى الثانية قيمة كراء الزائد من الأضر على قدر ما تكرى لحمله منه بقيمة كراء ما اكتريت له على أنها محمله بهذا القدر.
قال الصقلى: صفة كراء الفضل فذكر الأول قال: وقال بعض شيوخنا: له قيمة كراء الثانى ما بلغ ويسقط الأول وليس شاء، إذ قد تكون قيمة كراء الأضر أقل من الكراء الأول لتغابن فيه وأظنه رأى.
قول محمد فيمن أكرى الدابة فى أيام معينة واستعملها فى غير ما اكتراها له بغير إذن ربها أو وقفها حتى ذهب الوقت: قال ابن القاسم: عليه فى وقفها المسمى وفى استعمالها فى غير ما أكريت له وقيمة ذلك أكثر من قيمة ما اكتراها به فالفضل لرب الدابة، وإن كان أقل لم يكن له غيره.
قال محمد: تفسيره سقوط الكراء الأول ويكون له قيمة الثانى كان أكثر أو أقل ولم يعجبنى بل له الأكثر منهما.
الصقلى: معنى قول ابن القاسم إن كان أقل لم يكن له غيره؛ يريد: غير الكراء الأول؛ لأنه يقول لو أوقفها كان له الكراء الأول فكيف إن استعملها، ومقتضى الأصول أن له فى الأضر الفضل مع الكراء الأول، وفيما هو أخف المسمى؛ لأنه إن رضى به ولا فرق بين يوم معين وغيره، وفرق محمد بينهما، وقال فى غير المعين: عليه فيما حمل كراء المثل، ويلزمه حمل ما شرط بالمسمى وإن كره رب الدابة؛ لأن حمله غير ما أذن له فيه تعديا لا يفسخ الكراء الأول، وليس له أن يغرمه كراء فضل الضرر بخلاف المعين، وهو خلاف المدونة، وله عندى أن يأخذ منه كراء فضل الضرر أو يغرمه قيمة ما حمل، ويحمل الأول بالمسمى خير فى ذلك رب الدابة، ودليلنا أنه لو زاد على قدر ما شرط لوجب عليه كراء الزيادة فى المعين وغيره فكذا فى الأضر؛ لأنه فيه كأنه حمل ما أذن له فيه وزيادة عليه؛ لأن له حمل غير ما أذن له فيه مساويا له فى الضرر، ورب الدابة

الجزء: 8 - الصفحة: 281

يقول إنما اكريتها لحمل مرة واحدة وتحميلها ثانية يضرها، والظالم أحق أن يحمل عليه، وقال ابن مسير: إن كانت أيام كرائها معينة فقبضها، ولم يستعملها أو استعملها فيما هو أخف فعليه المسمى كاملا، وإن استعملها فى أكثر انفسخ الكراء الأول بمضى الأيام المعينة وعليه كراء المثل فيما استعملها فيه.
الصقلى: يريد: ما لم يكن أقل من المسمى.
قلت: هذا مثل قول محمد لا مثل قول الصقلى، وتقدم نحو هذا فى زراعة ما هو أضر بالأرض، وسمع أبو زيد ابن القاسم من اكترى بعيرا لحمل قدر فحمل عليه أكثر منه فقدم به، وقد عجف ثم علم بعداه بعد نحره فلربه كراء ما زاد أو ما بين القيمتين؛ يريد: ما بين قيمته يوم العداء أو يوم قدم به أعجف.
ابن رشد: قول بعض الشيوخ: فى الموضع الذى تعدى فيه غير صحيح، لا يصح أن يكون تعدى، ولا فى موضع العداء إذ قد تكون قيمته يومئذ مثل قيمته يوم قدم به أعجف، فيذهب عداه باطلا والواجب أن يكون عليه ما بين قيمته يوم قدم به غير أعجف على حاله يوم العداء ويوم قدم به أعجف.

[باب (.....) يوجب فسخ الإجارة] وفيها: مع غيرها فسخ الإجارة بموت المستأجر معينا أو تلفه، وفيها: وبذهاب مبتاع الدابة بعد إجارتها بها وتهدم الدار، وغرق الأرض كالتلف وله فيما مضى بحسابه

الجزء: 8 - الصفحة: 282

فيها من اكترى أرضًا ثلاث سنين فزرعها سنة، ثم تهور بئرها أو انقطعت عينها قوم العام الأول على قدر نفاقه وليس كراء الأرض فى الصيف والشتاء واحدًا وكذا بحسب كراء الدور في الهدم لا على عدد الشهور، وقد تكرى السنة لأشهر منها كدور مصر أو بمكة لكثرة عمارتها فى الموسم.
ابن شاس: وتنفسخ بمنع استيفاء المنفعة شرعًا كسكون ألم السن المستأجر على قلعها، أو عفي عن القصاص المستأجر على استيفائه.
قلت: هذا إن كان العفو من غير المستأجر وانظر هل يقبل قول المستأجر في ذهاب ألمه والأظهر أنه لا يصدق إلا أن يقوم على ذلك دليل، وفي يمينه مع ذلك نظر والأظهر أنها كأيمان التهم، وسمع أبو زيد ابن القاسم: من استأجر من يبني له دارًا بالريف بموضع معروف على صفة معروفة فذهب البناء إلى الريف فوجد البقعة استحقت فرجع له إجارته ذاهبًا لا راجعًا.
ابن رشد: وكذا من استأجر أيامًا على عمل معين بغير موضع الإجارة له أجرته في ذهابه لا في انصرافه، قاله ابن حبيب عن ابن الماجشون وعن أصبغ، لا شيء له إلا من حين بلوغه موضع العمل.
قال فضل: لو انصرف لمحاسبة بينه وبين المستأجر كانت له الأجرة في منصرفه هذا إن لم يكن في ذلك عرف ولو كان وجب الحكم به.
قلت: فاتفقوا على فسخ الإجارة على البناء باستحقاق العرصة؛ ومعناه: إن لم يكن ربها عالماً بموجب استحقاقها كالغاصب أو المشتري منه عالماً غصبه كما تقدم فى جعل الدلاء له إذا ردت السلعة بعيب والبائع مدلس، وزاد في الطرر على ما سمعه أبو زيد قال: وفي المجالس إن قاطعه على بنائها لم يكن له شاء فى ذهابه ولا رجوعه؛ لأن ذلك فيما يلزمه من العمل قليل من الاستغناء.
قلت: فى نوازل الشعبى عن ابن لبابة: له الأجرة من يوم خروجه، وقال أبو صالح: بل حين شروعه، وقاله مطرف بن عمر، وعن الباجى: لو استؤجر على حصد زرع معين فهلك، ففى الموازية عن أشهب: تنفسخ الإجارة، وقال ابن

الجزء: 8 - الصفحة: 283

القاسم لا تنفسخ.
قلت: هذا خلاف سماعه سحنون إن تعذر حرث الأجير بكسر المحراث أو موت الدابة لم يسقط أجره سقط وبنزول المطر تسقط.
ابن رشد: لقدرته على إعداد محراث آخر ودابة أخرى وعجزه عن حبس المطر.
وفي الطرر قال سحنون في وثائقه: إم منع أجير البناء أو الحصد أو عمل ما مطر لم يكن له إلا بحساب ما عمل من النهار ولغيره له كل الأجر؛ لأن المنع لم يكن منه.
قلت: ولا يدخل هذا الخلاف في نوازل وفتيا في بلدنا تونس؛ لأن العرف تقرر عندهم بفسخ الإجارة بكثرة المطر ونزول الخوف.
ابن شاس: تنفسخ الإجارة بموت الصبي المرضع أو المتعلم لا بهلاك الثوب المستأجر على خياطته على ظاهر المذهب.
قال القاضي أبو محمد: ظاهر مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين ولا ينفسخ العقد بتلفه بخلاف العين المستأجرة وتقدم لابن رشد انفساخها في أربع مسائل: الصبي المستأجر على رضاعه أو على تعليمه، والدابة المستأجر على رياضتها، والاستئجار على نزو أكوام معلومة تعق الدابة قبل تمامها، وتقدم من هذا في فصل الرضاع.
وتخريج ابن عبد السلام: في اقتضاء يسير المنفعة دون جلها لموت الدابة ونحوها معينة بقيمة لا بمنابة من المسمى من القول به في استحقاق أكثر الثياب، وفوت أقلها عند المبتاع مضية يرد بأن الاستحقاق يوجب لغو عقد البيع؛ لصدوره من غير أهله في نفس الأمر فاوجب لغو اعتبار موجبه وهو الثمن فلزم اعتبار القيمة في الفائت، وموت الدابة ونحوها لا يوجب لغو عقد الكرام فلزم اعتبار موجبه وهو المسمى، فإن قيل: إن عنيت بلغو العقد في الباطن كونه لو علم البائع ملك المستحق كان يبعه غير تام؛ لأنه بيع ملك الغير.
قيل: لهذا لو علم مكري الدابة موتها قبل المسافة؛ لأنه بيع معجوز عن تسليمه قيل المعتذر في الاستحقاق ممكن عادة وتعذر الدابة مستحيل عادة ولا يلزم من اعتبار

الجزء: 8 - الصفحة: 284

الممكن اعتبار المستحيل، وإن سلم هذا فرق بأن إيجاب العقد نفوه في عوضيه في موت الدابة أقوى من إيجابه ذلك في الاستحقاق؛ لأن مانع نفوذه في تمام العوض في مسألة الدابة أمر سماوي وهو في الاستحقاق أمر كسبي، ولا يلزم من لغوه فيه بترك موجبه وهو الثمن فيما سلم عن الاستحقاق لإمضائه بقيمته دون مثل ذلك في موت الدابة وإلا كان للوصف الأشد تأثيرًا كالأضعف، ودليل أن إيجاب العقد تعدده في عوضيه في مسألة الدابة أقوى منه في الاستحقاق لما ذكرناه اتفاق المذهب على لزوم العقد فيما سلم عن الجائحة، وإن قل وعدمه في الاستحقاق إن قل بأسلم عنه وقولنا وهو في الاستحقاق أمر كسبي أحسن من قولنا أمر اختياري؛ لأنه ينتقض بكون الاستحقاق بحديه؛ لأنها آيلة لأمر كسبي لا اختياري.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من عثر بجرة استحملها فانكسرت وهو قوي على حملها لا ضمان عليه ولا أجر له، وإن لم يكن معه ربها فهو مصدق أنه عثر بها وإن كان كسرها غير معروف فله الأجرة إذا ضمن.
ابن رشد: هذا مثل قول ابن القاسم فيها وروايته أن: ما تلف من قبل حامله ولم يغر به فلا ضمان ولا كراء؛ لأنه على البلاغ، وقيل إذا سقط ضمانه لزم رب المحمول الإتيان بمثله بحمله وله كراؤه.
قال غيره فيها: وهو أشهب وقيل: له بحساب ما بلغ ولا يلزم رب المحمول أن يأتي بمثله وهو الآتي على قول ابن نافع فيها: في السفن إذا ظهر الكسر صدق في العثار، وإن لم يظهر وكان غير معروف فقوله له الأجر إذا ضمن؛ معناه: لا يصدق فيما ادعاه من العثار والتلف ويضمن مثله في أقصى الغاية وتكون له أجرته كاملة في هذا الطعام والمتاع القول قوله في تلفه: وإن لم يعلم ذلك إلا بقوله: وابن الماجشون لا يصدقه في أن عثر به وإن ظهر كسره.
وسمع ابن القاسم: من اكترى دابة لطلب حاجة بموضع سماه على إن وجد حاجته دونه رجع وغرم بحساب ما بلغ من الكراء فلا بأس به ما لم ينقد، ولو قال: إن وجدت حاجتي بموضع كذا فلك كذا، وإن لم أجدها بمكان كذا فلك كذا، وذلك

الجزء: 8 - الصفحة: 285

يختلف كراهته.
ابن رشد: قوله: أولا لا بأس به إن لم ينقد على قوله بلغو اعتبار الأطماع كقوله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من الدور والأرضين في اكتراء الدار سنة على أنه: إن خرج قبلها حاسبة بما سكن، وكقوله بعد هذا في رسم الشجرة: ورسم باع غلامًا، ومثل قول ابن القاسم: وروايته فيها في إجارة الرجل شهرًا على أن يبيع له ثوبًا على أن المستأجر متى شاء ترك أنه جائز إن لم ينقد؛ لأنها إجارة بخيار، وسحنون لا يجيز هذه المسألة على ما قاله في رسم الشجرة بعد ذا ولا مسألة المدونة بخلاف مكتري الدار سنة على أنه متى شاء خرج هذا جائز عنده، وعند الجميع إن لم ينقد، وإنما لم يجز سحنون هذه المسألة ولا مسألة الموضوع؛ لأنه رآه مجهلة في الكراء والإجارة وقال فضل في مسألة المدونة: إنما منعها سحنون؛ لأنه خيار إلى أمد بعيد وليس كما قال: لأنه إنما هو بالخيار في الجميع الآن وكلما مضى من الشهر شيء كان بالخيار فيما بقي فليس كالسلعة التي يشتريها على أنه بالخيار فيها الأمد الطويل؛ لأنه يحتاج إلى توقيفها؛ لانقضاء أمد الخيار فلذلك لا يجوز وليس ذلك في الإجارة والكراء إلا أن يكتري الدابة على أن يركبها بعد شهر أو يستأجر الأجير على أن يخدمه بعد شهر على أنه بالخيار في الإجارة والكراء إلى انقضاء الشهر وإنما لم يجزه سحنون؛ لأنه غرر؛ لانفساخ الإجارة فيما بقي من الشهر ببيع الثوب ولانفساخ الكراء في الدابة في بقية المسافة بوجوده حاجته دون انتهائها، فهذه علة قوله في المسألتين، لا ما قاله الفضل من أنه: الخيار في الأمد بعيد أنه إذا جاز أن يكتري الرجل الدار سنة بكذا على أن كلا منهما بالخيار جاز على أن أحدهما بالخيار كالبيع يجوز على أن أحدهما بالخيار كما يجوز على أنهما معا بالخيار.
قلت: رد هذا القياس واضح؛ لأنه لا يلزم من جوازه بخيارهما جوازه على خيار أحدهما لتقرر الغرر في الثاني دون الأول؛ لأن من ليس له الخيار منهما لا يدري مال العقد بحال أو لزوم والمبيع قابل للتغيير لطول المدة وإن كان الخيار لهما فلا غرر؛ لأن كلا منهما على حكم اختياره ولاسيما على مذهب ابن رشد فيما هو على خيار المتعاقدين قال فيه: هذا العقد لغو كأنه عدم صرف قاله فيما ظن في النكاح على خيار العاقدين،

الجزء: 8 - الصفحة: 286

فإذا كان كالعدم فلا متعلق للغرر بحيث يوجب فيه فسادًا.
قلت: وهذا الذي اختلف فيه هو الواقع ببلدنا تونس في أكرية ربع الأحباس على قبول الزيادة؛ لأنه لازم عقده للمكتري غير لازم للمكري؛ لأنه إذا زاده أحد في الربع شيئًا أخرج مكتريه منه إن لم يزد على من زاد عليه ومضى عمل القضاة على العمل به.
قال ابن رشد: ولو شرط في كراء الدابة إلى موضع معين أنه إن لم يجد حاجته تقدم بها إلى موضع آخر ففي جوازه لشرط قيمته الموضع الذي يتقدم إليه أو كونه معروفًا، إن لم يكن بحساب الكراء الأول ولا تبعًا له أو بشرط كونه بحسابه، ثالثها: مع كونه تبعا لابن القاسم على أصله في لغو اعتبار الأطماع سماع أشهب مع سماع عيسى: لاعتبار الأطماع مع اختلاف الكراء ولغوه مع اتفاقه، وابن الماجشون: لإتباع الأطماع مطلقًا.
وفي فسخ العقد بغضب المكتري من يد مكتريه فيسقط عنه الكراء من حينئذ وعدمه فلا يسقط، ثالثها: إن قصد الغاضب غصب الرقبة لا نفس الانتفاع لسماع ابن القاسم مع قوله: به قضى الجرمي بين أظهرنا حين قدم المسودة، وابن رشد عن قول ابن حارث: أنه رأى في بعض الكتب عن سحنون: المصيبة من المكتري، واختيار ابن حارث ابن رشد في المجموعة لابن القاسم وعبد الملك: من اكترى دارًا أو أرضًا فاغتصبها منه رجل فسكن أو زرع الكراء على المكتري إلا أن يكون سلطان ليس فوقه سلطان لا يمنع منه إلا الله تعالى، وهو تفسير لما في السماع؛ لأنه إن أخرجه من يقدر على الامتناع منه برفعه لن يمنعه منه فلم يفعل فكأنه سلم ذلك إليه.
وتعرفه ابن حارث لا وجه لها في هذا المعنى إنما يفترق فيما يضمنه الغاضب على ما ل أصبع عن ابن القاسم فيمن يغصب السكني فقط فتنهدم الدار في سكناه مثل المسودة الذين ينزلون على الناس، وأنه لا ضمان عليه للهدم، وإنما عليه قيمة الكراء وقاله أصبغ؛ لأنهم لم يغصبوا رقاب الدور إلا أن تنهدم بطول سكناهم.
الصقلي عن ابن حبيب: وكذا الحوانيت يأمر السلطان بغلقها، ولو اكترى رحى سنة فأصاب أهل سكانها فتنة خلوا بها من منازلهم فلم يأته الطعام لذلك فهو كبطلان

الجزء: 8 - الصفحة: 287

الرحى بكثرة الماء، أو نقصه يوضع عنه قدر مدة الخلاء، وكذا الفنادق تكترى لأيام الموسم إن أخطأها ذلك لفتنة أو غيرها، ولو كان المكتري مقيمًا آمنا بخلاف الدور تكترى، ثم تخلو الفتنة والمكتري مقيم آمن أو رحل لوحشه، وهو آمن فإنه يلزمه الكراء، ولو رحل لخوف سقط عنه مدة الخلاء في نوازل ابن رشد: إن قل الواردون من البلاد سكنى الفنادق المكتراة للنزول بها من فتنة أو خوف طرق وشبه ذلك، أو قل الواردون للطحن بالأرحاء المكتراة لجهد أصاب أهل ذلك المكان فهو عيب يخير لأجله المكترى في تماسكه أو فسخ الكراء عنه، فإن سكت ولم يقم حتى مضت المدة أو بعضها لزمه جميع الكراء، ولا يسقط عنه الكراء إلا بخلاء أهل ذلك الموضع حتى تبقى الرحى معطلة لا تطحن، والفنادق خالية لا تسكن ولا يلزم المكري إن قل الواردون أن يحط للمكتري من كرائه بقدر نقص الواردين بغير رضاه، وقول ابن الحاجب وابن شاس: لا تنفسخ الإجارة بإقرار المكري بغصب المكري واضح كقولها في لغو إقرار الراهن بجناية العبد الرهن بعد رهنه لا يقبل على المرتهن، ويخير المقر له بغضب العبد المكري في إمضاء الكراء فيستحق ما أكرى به، وفي تضمينه قيمة العبد إن طالت مدة إجارته لا مطلقًا خلافًا لبعضهم.
وفيها: إن أمكن رب الدار مكتريها منها فتركها سنة، فإن لم يكن ربها فيها أو ساكن له أو شاغل فجميع كرائها على مكتريها كمن اكترى دابة ليركبها فأتاه بها ربها فأبى أن يركبها فعليه كل الكراء، ولو بقي مكري الدار في طائفة منها وسكن مكتريها باقيها لم يجب عليه إلا حصة ما سكن.
اللخمي: إن ترك المكتري سكني الدار بعد أن مكن منها فأبقاها ربها خالية لزم مكتريها كراؤها، فإن أكرها ربها بأقل من المسمى حلف أنه لم يفعله رضي بالإقالة وأنه نظر ليكون أخف فيما يغرمه له، وإن أكراها بأكثر وأنه قال: اكتريتها لنفسي كان له الزائد.
قلت: كذا هو في غير نسخة، وفيه نظر والصواب أن الزائد للمكتري بعد حلفه أن تركه السكني ليس إقالة.

الجزء: 8 - الصفحة: 288

قال اللخمي: وإن قال اكتريتها للمكتري كان الزائد للمكتري، وإن أشهد عندما أمكنه منها ولم يسكنها إن ترك خصومته ليس إقالة فله ذلك اتفاقًا، وإن سكن مكري الدار بعضها ومنع المكتري منه خير المكتري في فسخ الكراء في ذلك البعض وأخذه بقيمته إن كانت أكثر من منابه من المسمى، وإن كان بمعنى الإقالة سقط منابه من المسمى، وإن قال المكتري ما تركته إلا ليطلبه بقيمته حلف وأخذ فضل كرائه على المسمى، وفيها: من اكترى دارًا ثلاث سنين منعه منها ربها سنة فخاصمه قضي للمكتري بسكناها عامين وعليه كراؤها فقط كالعبد يمرض أو يأبق في الإجارة ليس عليه قضاء ذلك.
اللخمي: هذا إن كان الكراء لا تغابن فيه أو غبن فيه المكتري، ولو غبن فيه المكري فللمكتري أخذ تلك الزيادة، ولو أكراها المكري خير المكتري في فسخ كراء تلك السنة، وأخذ قيمة كرائها إن كانت أكثر من المسمى أو أخذ ما أكراها به ويحاسبه من ذلك بالمسمى.
قلت: ونحوه للصقلي عن بعض الفقهاء، وفي الجعل والإجارة منها من استأجر ثوبًا شهرًا فحسبه بعد المدة أيامًا لزمه أجر حبسه بغير لباس كأجر اللابس، وقاله ابن نافع، وقال غيره: بل بحساب ما استأجر إن كان ربه حاضرًا.
الصقلي: عن بعض القرويين معرفة كرائه غير ملبوس بإسقاط قيمة ما ينقصه اللبس في تلك المدة من قيمة كرائه فيها على أن يلبس، وكذا الجواب في الدابة يحسبها بعد المدة شهرًا.
الصقلي: فيه نظر إذ قد ينقصه اللبس والركوب في مدة حبسه قدر كرائه فلا يغرم له شيئًا، والمكري قد كان ينتفع بلباس ثوبه وركوب دابته وكرائهما مدة حبسهما فمنعه من ذلك فيجب أن يغرم في ذلك قيمة كراء ذلك على أنه لا يستعمل ويجب على قياس قوله: أنه لم ينقصه اللبس في مدة حبسه أن يقوم ملبوسًا، وهذا خلاف قوله: وذكر ابن العطار لنفسه ما عزاه.
الصقلي: لبعض القرويين، وزاده إن قيل: قيمة كرائه على أن يلبس خمسة دراهم

الجزء: 8 - الصفحة: 289

وقيمة نقص لبسه درهم نقص من الخمسة وبقيت أربعة دراهم، ثم يقال يمكن أن يكريه ربه لو رجع إليه بهذا أو لا يجد كراءه فيعطي من الأربعة ما يقوم به على الاجتهاد فيما يقوم به على الاجتهاد فيما يقوم به على الغرر مما يمكن أن يكريه أو لا يجد كما ينظر في صداق المثل إلى حال الرجل والمرأة وكذا في الدابة يقال: ما ينقصها الركوب وإن كان لا ينقصها قيل: ما يمكن أن يزيد فيها الوقوف والراحة، وكذا الأرض ينظر على ما ينتفع به ربها إن بقيت بورا والدار لا يتصور فيها مثل هذا.
وفي أكرية الرواحل منها: إن اكترى الدابة يومًا فحسبها أيامًا أو شهرًا وردها بحالها فلربها كراء اليوم ويخير في أخذ قيمتها يوم اللتعدي أو كرائها فيما حبسها فيه من عمل أو حبسه إياها بغير عمل ما بلغ، وإن لم يتغير.
قال غيره: إن كان ربها حاضرًا معه بالمصر فإنما له في حبسها بحساب الكراء الأول؛ لأنه كان قادرًا على أخذها وإن كان غائبًا عنه، وردها بحالها فله في الزيادة الكثر من قيمة كراء ذلك أو من حساب الكراء الأول عمل عليها الأول شاء أم لا، وإن شاء فقيمة الدابة.
عياض: قوله في مكري الدابة ليوم فحبسها أكثر إن كان كراء ما حبسها على حساب الكراء الأول أو أقل فلرب الدابة على حساب الكراء الأول كذا روايتنا ورواية الكافة، وكان عند يحيي بن عمر أكثر فأصلحه.
قلت: إنما كان إصلاحه بلفظ الأقل؛ لأنه في قول الغير.
الصقلي: روى ابن حبيب الأيام اليسيرة والأيام الكثيرة مثل الشهر ونحوه.
قلت: ظاهره أن الخمسة عشر يومًا يسيرة.
وقال أبو حفص العطار: مدة ما يضمنها فيه منا لحبس ما تتغير السواق إليه وهو قد أجاز السلم إلى خمسة عشر يومًا؛ لأن الأسواق تتغير إليه ولا يختلف ابن القاسم والغير أنه إن كان معه بالبلد أنه لا يضمن.
الصقلي: عن بعض القرويين إن حبسها أيامًا بعد المدة وربها حاضر لم ينكر هلكت لم يضمنها على قول ابن القاسم: وإن أوجب عليه كراء المثل لقدرة ربها على أخذها،

الجزء: 8 - الصفحة: 290

وأما على قول الغير فأبين، ولا يختلفون في الغائب أنه له أن يضمنه القيمة.
اللخمي: إن حبسها وهو في سفر، ولا عذر يمنعه ردها؛ فذكر قولي ابن القاسم وغيره، وصوب الأول بأنها مدة متعدى فيها لم يكن فيها عقد غلا أن يعترف بالرضي بالمسمى، وإن كان كراؤها لعملها بالمدينة، والعرف إتيان ربها بقبضها فلم يفعل فعليه الكراء، وإن لم يكن عرف، وكان ربها أتى بها للمكتري فعليه إتيانه لقبضها، وإن كان المكتري أتى لقبضها فعليه ردها، فإن لم يفعل فعليه كراء مدة الحبس، وذكر في قدره قولي ابن القاسم وغيره وصوب الأول قال: إلا أن يشهد على أحدهما بالرضي، فإن كان على المكتري فللأخر الأكثر، وإن كان على المكري فله الأقل أو تكون العادة أن التمادي بحساب الأول، فإن حدث عيب أو تلف لم يضمن على قول الغير أن لربها المسمى؛ لأنه يرى ذلك رضي منهما، وعلى قول ابن القاسم: يضمن ما عيب به قرب العقد وخرج عن المعتاد من التراخي بالرد؛ لأنه متعد، وإن طالت الأيام لم يضمن لشبهة الرضي إذا لم يطلبها، وفيما قرب يقول: كنت أنتظر ردها.
الصقلي: عن ابن القاسم في العتبية من اكترى دارًا سنة فسكنها وتمادى ساكنا ستة أشهر قيل: عليه بحساب الأول، وقيل: كراء المثل؛ وهو أحب إلي.
ابن حبيب عن ابن الماجشون: ما يجاز بغلق من دار وحانوت وربه ساكت عالم فله بحساب الكراء الأول، وما كان من مزرعة لا جدار عليه ففيه الأكثر من القيمة أو الوجيبة.
قلت: مسألة العتبية هي سماع عيسى ابن القاسم.
قال ابن رشد: هذا الاختلاف جار على الخلاف في كون السكوت كالإقرار أو لا فعلى أنه كالإقرار إن علم رب الدار بسكناه؛ فعليه بحساب الكراء الأول؛ لأنه يحمل على أن كلا منهما رضي به، وإن لم يعلم رب الدار سكناه ككونه غائبًا فعلى الساكن الزائد الأكثر من كراء المثل أو على حساب الكراء الأول، ويحمل على الساكن الرضي بحساب الكراء الأول إن كان أكثر من كراء المثل، وهو أحد قولي ابن القاسم وقول غيره فيها، ثم ذكر قول ابن الماجشون قال: واختاره ابن حبيب قال: وعلى أن

الجزء: 8 - الصفحة: 291

السكوت ليس إقرارا فعليه في ذلك كراء المثل ما بلغ حضر رب الدار أو غاب، وهو أحد قولي ابن القاسم، واختياره في هذا السماع.
قلت: فحاصل ما تقدم أن حبسها غير مستعملة ففي غرمة قيمة كرائها غير مستعملة أو بحساب الكراء الأول إن حضر ربها، وإن غاب فالأكثر من ذلك، ومن كراء مثلها مستعملة قولا ابن القاسم والغري فيها، وإن حبسها مستعملة فثلاثة أقوال القولان اللذان ذكرهما ابن القاسم في السماع، وقول ابن الماجشون مع قول ابن القاسم وابن حبيب، وقال ابن الحاجب: لو حبس الدابة أو الثوب المدة المعينة ثبتت الأجرة إذ التمكين كالاستيفاء فلو زاد فثالثها إن كان المالك حاضرًا فنسبة المسمى، وإلا فالأكثر.
وفي إسقاط بعضه بتقدير الاستعمال قولان فقرر ابن هارون الثلاثة بقولي ابن القاسم والغير فيها قال: وقيل: عليه الأكثر مطلقًا حضر ربها أو غاب، وقرر ابن عبد السلام الثالث بلزوم القيمة مطلقًا.
قلت: وهذا أقرب، والقول بالأكثر مطلقًا لا أعرفه، ولا القول بنسبة المسمى مطلقًا إلا مما ذكره ابن القاسم نقلا في السماع المذكور، وهو فيما إذا استعملها في المدة الزائدة لا فيما حبسها غير مستعملة.
وقال ابن عبد السلام: الضمير المضاف إليه بعض عائد على العوض الأعم من القيمة أو النسبة أو الأكثر اختلف في إسقاط بعض ذلك بسبب عدم استعمال المكتري مدة الحبس على قولين، والأقرب النقص، ثم ذكر ما تقدم في كيفية النقض.
وقال ابن هارون: ظاهرة أنه اختلف في إسقاط بعض الكراء على تقدير استعمال الشيء المستأجر، وهذا لا يصح، ولعل مراده الخلاف في إسقاط بعض الكراء على تقدير ترك الاستعمال فاسقط الناسخ ترك، وهي ثابتة على أن هذا الفرع لا أعلم خلافًا في الإسقاط فيه لترك الاستعمال، وإنما اختلف في كيفيته.
قلت: الصواب قول ابن هارون في عدم قبوله نقل ابن الحاجب القول بعدم الإسقاط لا قبوله كما فعل ابن عبد السلام، والصواب قول ابن عبد السلام في حمله

الجزء: 8 - الصفحة: 292

لفظ ابن الحاجب على ظاهره؛ لأن الوصف إنما يكون مقدرا في مسألة إذا لم تكن مصورة على حصوله فيها، والمسألة المذكورة في كلام ابن الحاجب إنما هي مصورة على عدم استعمال المكتري مدة الحبس.
قال ابن الحاجب: ولو كانت المدة غير معينة فحبسها فكذلك والكراء الأول باق، وذكرها ابن شاس وقال: عليه كراء المثل لمدة حبسها، والكراء الأول باق، ولو استعملها في غير ما استأجرها له فعليه كراء المثل فيما استعملها فيه والكراء الأول باق.
ابن عبد السلام: يعني لو اكتراها لسفر معين، ولم يبين أول زمان خروجه فحبسها لزمه في مدة حبسها ما ذكره فوق هذا من القولين، وقد يقال يفسخ الكراء الأول؛ لأن المدة وإن لم يعيناها فهي تتعين بمقتضى الحال؛ لأنهما لو تنازعا الحكم لمن أراد الاستعمال أثر العقد على مقتضى العرف.
قلت: ما ذكره ابن شاس وابن الحاجب من بقاء العقد هو مقتضى الأصول كمن أسلم إلى رجل في قميص فأخذ المسلم إليه عمامة تعديا وأتلفها، فإنه يلزمه عزم قيمة العمامة والسلم بينهما باق، وقول ابن عبد السلام: وقد يقال يفسخ الكراء إلى آخره، يرد بأن تعيين زمن اقتضاء المنفعة إذا ذكر تابعا للمنفعة لم يوجب فوته فسخ العقد بحال، وما ذكره من التعيين بمقتضى الحال إن سلم إنما هو من التعيين التابع للمنفعة لا من التعيين المساوي لتعيين المنفعة.
وإنما قلت: هذا التفصيل لنص قول ابن القاسم إن اكترى دابة بعينها لبلد ليركبها في غده فأخلفه المكتري فليس له إلا ركوبه أو يكريها من مثله إلى البلد، وإن أكراها أياما معينة انتقض الكراء فيما غاب منها، وقد تقدم نحو هذا حيث قلنا فرق بين اعتبار الخص لتحصيل أعمه وبين اعتباره لتحصيل عينه فوته في الأول لا يبطل العقد على أعمه، وفوته في الثاني يبطله، ووجه التفرقة واضح.
وفيها: إن تغيب الحمال يوم خروجك فالكراء باق في كل سفر في كراء مضمون إلا الحاج، فإنه يفسخ ويرد ما انتقد لزوال إبانه، وقاله مالك في كراء دابة معينة ليركبها إلى موضع كذا في عيد فيغيب ربها، ويأتي بها بعد يومين أو ثلاثة ليس له إلا ركوبه قال

الجزء: 8 - الصفحة: 293

غيره: ولو رفع إلى الإمام فسخ ما آل للضرر.
اللخمي: إن كانت المدة المعلومة غير معينة لم ينفسخ بذهابها إلا بحكم ينظر الإمام إن لم يضر الصبر لم يفسخ، وإن كان فيه مضرة فسخ ككون الكراء للحج أو البلد إن فاته الخروج مع هذه الرفقة فاته ما اكترى أو غير ذلك من العلة كان فيها قولان: هل يفسخ بفوت ذلك أو بالحكم؟ فإن أتى بالإبل بعد فوت الحج أو فوت الرفقة ففيها لمالك: يفسخ في الحج وحده.
وفي الموازيَّة: لا يفسخ، وقال غيره في غير الحج: ينفسخ والفسخ فيهما أحسن؛ لانه لو رفع للحاكم فسخ اتفاقاً، ولو غاب كري مضمون ووجد له مثله لم يستحقه مكتريه إلا بالحكم، وإن لم يوجد وله ما يكرى به عليه أكرى عليه الحاكم منه، وإن لم يكن شيء وطاع المكتري بسلفه جاز إن علم له مال، وإن لم يعلم ففي صحة سلفه لذلك قولا ابن القاسم ومحمد، ورجح اللخمي الأول بالقياس الأحروي على منع غرماء مفلس طاع برد ما ابتاعه لبائعه لعجزه عن ثمنه بسلفهم إياه الثمن لربحه فيه.
وفيها: إن هرب مكتر ورفع مكريه أمره للإمام بكري الإبل الهارب، فإن تعذر كراؤها فلربها إكراؤه؛ كقول مالك فيمن اكترى على حمل شيء عند وكيله ببلد آخر فلم يجده المكري تلوم له الإمام بغير ضرر، فإن لم يأت الوكيل أكراها الإمام للمكتري، فإن تعذر كراؤها فلربها كراؤه؛ ولو رجع المكري دون رفع الإمام هو بالبلد رجع ثانية، وإن لم يكن بها سلطان، فإن فعل ما يفعله وأشهد كان كفعل السلطان، وروى ابن وَهْب: إن أتى الجمال حيث أوعده مكتريه فلم يجده رفع لإمام الموضع إلا أن يجد الكراء، فإن رجع دون رفع الكراء لما أكرى إليه، فإن تعذر وجهل إعلام الإمام لم يبطل عمله، ونحوها سمع ابن القاسم.
ابن رُشْد: حاصلها إن ترك الرفع للحاكم أو التلوم والإشهاد لفقد الحاكم، فإن ردها مكراه لنفسه فكراؤه له، والعقد باق اتفاقاً، وإن أكراها للمكتري ففي فسخ الأول ويأخذ المكتري ما أكراها به مسقطاً منه فضله على الأول إن كان نقد وتخييره في

الجزء: 8 - الصفحة: 294

هذا، وفي التماسك بالعقد الأول قولان لظاهر رواية ابن وَهْب فيها مع هذا السماع وسَحنون في هذا السماع مع ابن القاسم وروايته فيها.
وقول التونسي: معنى رواية ابن وَهْب: إن رضي بفعله، إلا فالكراء الأول قائم صحيح معنى بعيد من لفظه، وإن ردها فارغة مع إمكان كرائها ففي بقاء العقد الأول وانفساخه قولان للآتي على قول ابن القاسم مع روايته، وظاهر رواية ابن وَهْب: وإن ردها فارغة لتعذر الكراء ففي لزوم رجوعه وعدمه مع استحقاقه كل الكراء قولان على روايتي ابن القاسم وابن وَهْب، والتلوم والإشهاد حيث لا حاكم كالرفع إليه إن أكرى المكترى في تركه له فيرده لحمل طعامه، وأخذ كرائه، فإن شاء أخذه، فإن كان فيه فضل فهو للمكري، وإن كان فيه نقص فعلى المتكاري، وهو صحيح على أصولهم والتلوم والإشهاد حيث السلطان لغو، وإن رجع فارغاً، وقال: ألم أجد كراء لزمة إقامة البينة.
اللخمي: إن غاب المكترى والمدة معينة فلرب الإبل الرفع للحاكم ليكريها فيما اكتريت له أو دونه إن تعذر، فإن لم يجد، وانقضت المدة لزمة الكراء مجاناً، وإن لم تعين المدة أكريت كذلك، فإن تعذر تربص فإن لم يوجد تربص المدة التي يستعمل فيها لو وجد، فإن لم يكن خلا عنه، وقضى له بالكراء، وإن لم تنقض تلك المدو حتى أمكن كراؤها، فإن كانت معقولة لم يكن له إلا بقية المدة، وإن لم تعقل، وكان ربها ينتفع بها استؤنفت مدة إجازتها، وهذا استحسان لتغييب أحد الضررين، ولو كان الكراء لسفر أكريت في مثله أو فيهما هو دونه إن تعذر، فإن تعذر ورمى في بعض الطريق الآخر أخرجت له، فإن لم يرج ففي الحضر، فإن تعذر خلى عنه، وأخذ المكري الكراء مجاناً.
ابن الحاجب: ولو أجر مستحق الوقف، ومات قبل مدتها ففي انفساخها قولان.
قُلتُ: هو معنى قول ابن شاش: إن مات البطن الأول من ذوي الوقف بعد الإجازة قبل تمام مدتها انفسخت الإجازة في باقي المدة لتناولها ما لا حق للمستأجر فيه.
وقيل: إن أكرى مدة يجوز الكراء إليها لزم باقيها، ولا أعرف الثاني لقول ابن شاس، ولم يعزه ابن هارون، ولا ابن عبد السلام، وظاهر قول الشيوخ نفيه في أواخر

الجزء: 8 - الصفحة: 295

ثاني وصاياها إن أعمرك رجل حياتك خدمك عبداً لم تؤاجره إلا لمدة قريبة كسنة أو سنتين وأمد مأمون، ولو أوصى لك بخدمته عشر سنين فأكثريته فيها جاز كمن أجر عبده عشر سنين، ولم أر من فعله، وإن فعل جاز، وهو خلاف المخدم حياته؛ لأنه إن مات المخدم سقطت الخدمة، والمؤجر يلزم باقيها لورثة الميت.
قال ابن رُشْد: في ثاني مسألة من رسم العتق من سماع عيسى من كتاب المخدم تجوز إجازته المدة القريبة السنة والسنتين والأمد المأمون بالنقد لم يجزه في المدونة، وأجازه في سماع أشهب في كتاب الصدقات والهبات، فإن نزل فعلى الأول إن عثر عليه، وما بقى من المدة يسير لم يفسخ، وإن كان كثيراً فسخ قاله في الموازيَّة، وقال في سماع أشهب أجاز في هذا السماع اكتراء الدار عشرين سنة من الذي صارت إليه بالتحبيس، والكراء ينتقض بموته ومعنى ذلك ما لم ينقد؛ لأنه إن نقد، فإن فات انتقص الكراء فيرد للمكترى مناب باقي المدة، وكان سلفاً، وقيل: لا يجوز لهذه المدة الطويلة، وإن لم ينقد ففي القريب يجوز، وإن نقد على ظاهر المدَوَّنة، ومثله لمحمد، ويحتمل أن تحمل المدَوَّنة على عدم النقد؛ فالكراء في القريب دون جائز اتفاقاً، وفي البعيد معه لا يجوز اتفاقا، ويختلف في جوازه بغير نقد في البعيد وبالنقد في القريب على قولين، ونص على ذلك في الموازيَّة: روى محمد يكريها قليلاً قليلاً.
وقال عبد الملك: السنة والسنتين، ولم ير في السماع حجة للقائم من الورثة على المكتري فيما ذكره من طول الحيازة؛ لأنها علة ترفع بالإشهاد كما ذكر، وهو خلاف ما في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الأقضية فيمن له ممر بحائط رجل ليس له أن يحضره، وإن لم يجعل عليه بابا لئلا يطول الأمر فينسى حقه.
المتيطي وابن فتوح واللفظ له: روى ابن القاسم وقال: لا يجوز القبالة في الأحباس على معنيين إلا لعامين أو نحوهما، وبه القضاء خوف موت بعض الأعيان فتنتقض القبالة لذلك، والغرر داخل فيما حاداه، ولكن بسير مضطر إليه، وروى أشهب: تجوز لخمس وعشرين سنة ونحوها.

الجزء: 8 - الصفحة: 296

قُلتُ: فظاهر أقوالهم عدم خلاف في نقضه بالموت، وقد يتخرج عدم فسخه من فتوى أهل طيطلة في نسألة الشقص يكريه مشتريه، ثم يقوم الشفيع قبا انقضاء المدة حسبما يأتي في بلوغ اليتيم قبل تمام مدة إجازته قلا: وقباله أحباس المساجد والمساكين غير المعينين جائزة لمدة طويلة، واستحسن قضاة قرطبة أربعة أعوام خزف دروسها بطول مكثها بيد متقبلها، ورأى أهل البصر أن هذه المدة أقصى ما يبقى الزبل في الأرض؛ لأن المتقبل يزبل ويعمر واستحسن قوم من أهل الاحتياط أن لا تقبل ممن يجاورها خوف أن يخيف منها، ولا من ذوي قدرة بغير ما وجد ابن عات إنما المدة أربعة أعوام في الأرض والدور والحوانيت وشبهها عدم فقط.
وفيها: من واجر يتيما في حجرة ثلاث سنين فاحتلم بعد سنة ولم يظن ذلك به لم يلزمه باقي المدة إلا إن بقى كالشهر.
قيل لأبي حفص العطار: أيصدق في احتلامه.
قال: يظهر بالإثبات وكلامه ودلائل حاله، فإن ادعى ما يظهر عليه صدق.
قيل: ايحلف.
قال: لا، لأنه إن لم يكن احتلم لم تصبح يمينه، وإن كان احتلم فلا يمين عليه.
قُلتُ: الأظهر طلبه باليمين رجاء أن يقر، وأخذ منها ابن عتاب: أن للشفيع فسخ كراءالمشتري للشقص إن أكرى المشتري عالماً أن له شفيعاً إلا أنتقل المدة كالأشهر أو تكون أرضا زرعت، وإن لم يعلم المشتري بالشفيع إنما اشترى أرضا استحق بعضها فلا يفسخ إلا في الوجيبة الطويلة، وتمامها في الشفعة.
وفيها: إن أكرى ربعه ودوابه ورقيقة، واحتلم بعد سنة، وظن أنه لا يحتلم في تلك المدة لم يفسخ، وإن آنس رشده، وقال غيره: إنما يلزمه فيما قل.
قال ابن القاسم: وإن عقد عليه بلوغه قبله لم يلزم في نفسه، ولا في ملك، وكذا الأب، وما عقده ولي أو سلطان على سفيه بالغ في ربعه أو رقيقة سنتين أو ثلاثا، ثم رشد فذلك يلزمه؛ لأن العاقد عليه يريد عقد ما يجوز له قال غيره: إنما يجوز أن يعقد عليه السنة ونحوها؛ لأنه جل كراء الناس، ولرجاء إقامته كل شهر، وما أكثر له فسخه.

الجزء: 8 - الصفحة: 297

قُلتُ: قول الغير وفاق لتعليله بالعرف، وفي عتقها الثاني من واجر عبده سنة أو أخدمه، ثم أعتقه قبل السنة لم يعتق حتى تتم، ولو مات قبل السنة لم تنتقض الإجازة، ولا الخدمة ويعتق العتق لتمام السنة من رأس ماله إلا أن يترك المستأجر أو المخدوم بقية الخدمة في رسم إن خرجت الثاني من سماع عيسى من الجنايات من أعتق عبده بعد أن أجره سنة قبل سنة قبل تمامها كراؤه لسيده، وإن لم يستثن ماله، وإن كانت أمه لم يطأها أصْبَغ لا شيء لسيده من أجرته إلا لما مضى قبل عتقه قبضه أم لا.
ابن رُشْد: قول أَصْبَغ خلاف قول ابن القاسم.
ابن حبيب: الإجازة أملك به وأحكامه أحكام عبد، واختلف في إجازته قال مالك: يسأل السيد إن أراد أنه حر بتمام الأجر صدق والأجرة له، ولو لم يقبضها، وإن أراد تعجيل عبده فهي للعبد قبضها أم لا، وروى داود بن جعفر في المدينة مثل ما روى ابن حبيب، وزاد يحلف إن أراد أنه حر بتمام الإجارة، وما حكى ابن حبيب أنه يسألتفسير لقول ابن القاسم: فإن مات قبل أن يسأل أو قال ما لم أنو شيئاً تخرج على قولين: أحدهما: حمله على حريته بتمام الإجارة إذا لم يقبل باستحلافه على ذلك فرأى أن الإجارة له إلا أن يقول أردت تعجيل عتقه.
والثاني: أنه محمول على إرادة تعجيل عتقه، وهو مقتضى رواية داود ففي الحكم عليه بمقتضى تعجيل العتق، وتأخيره إن حلف ثالثها: بمجرد قوله لابن نافع مع أَصْبَغ، ورواية داود بن جعفر، وهذا السماع مع رواية ابن حبيب، وسمع يحيى ابن القاسم في المسألة إن جرح العبد رجلاً خير سيده في فدائه، ولا غرم عليه فيما أخذ من أجرته للسنة، فإن أبي خير المستأجر، فإن فداه أخذ منه بقية الإجارة، وإن شاء فسخ الإجارة، وحاسب سيده بما مضى منها، وقبض منه ما بقى عليه، وعتق العبد ساعة نقض الإجارة؛ لأن للمستأجر لو لم يسجن العبد فسخ الإجارة، وإغرام السيد باقي استكمال أجرته فيعتق العبد، ويتبع بأرش الجناية.
قُلتُ: فإن فداه سيده اتبعه بما فداه به.
قال: ولو كان ذلك في أمة وولدت ولداً.

الجزء: 8 - الصفحة: 298

ابن رُشْد: في هذه المسألة نظر؛ لأن قوله: يخير المستأجر في فسخ الإجارة إن لم يفده سيده ... إلى آخر قوله: وعتق العبد وأتبع بالجناية لا يستقيم، ووجه العمل أن يبدأ بتخيير المستأجر في فسخ الإجارة، فإن فسخها عتق وأتبع بالجناية، وإن تماسك بالأجرة خير سيده في فدائه؛ فيكون له الأجرة، وفي إسلامها للمجني عليه، فإن انقضت عتق العبد واتبع بقيمة الأرش، ولا تفسخ الإجارة لتقدمها على الجناية، وقوله في السماع: أن المستأجر يخير، فإن شاء افتداه واختدمه بقية الأجرة، وإن شاء فسخ الإجارة يدل على أنه رأى أنه من حق المجني عليه إن أبى سيده فداءه أن يفسخ الإجارة فيواجر له من غيره إذ قد يجد من يواجره بأكثر من ذلك؛ فيكون من حق المستأجر حينئذ أن يفتكه بالجناية ليبقى العبد في إجارته.
قُلتُ: حاصله أن جعل تمكين المستأجر من إتمام الإجارة بفدائه وفسخها ملزوماً لتمكين المجني عليه في عدم فدائه ربه من فسخها، وإجارته من آخر، ولا خفاء عند من تأمل وأنصف في عدم هذه الملازمة لوضوح نفي العلاقة بين ما ادعى الملازمة بينهما.
والفرق بين تمكين المستأجر من إتمام الإجارة بفدائه إن لم يفده ربه، وتمكين المجني عليه من إنسائها واضح؛ لأن تمكين المستأجر من إتمامها له إنما كان لتقدم عقدها له قبل العتق والجناية وإنشاء المجني عليه متأخر عن ثبوت عتقه، وتمامه بترك المستأجر الإجارة؛ لأنها إجارة حر بغير اختياره.
ابن رُشْد: وسكت عن جواب سؤاله هل يتبعه السيد بما فداه به إن فداه وجوابه أن ليس له اتباعه؛ لأنه إنما فداه ليستحق به الأجرة، ولم يجب أيضاً عن حكم الولد للأمة هل يدخلون في الجناية أم لا؟ ولا إشكال في عدم دخولهم؛ لأنهم ولدوا قبلها، وكذا أو ولدوا بعدها على المشهور، وإنما الكلام هل يعجل عتقهم أو يؤخر لعتق أمهم ومقتضى النظر تعجيله؛ لأن مانعه في الأم عقد الإجارة السابق والولد لا أجرة فيهم.
قُلتُ: مقتضى المشهور أنها بهذا العتق اللاحق لعتق الإجارة كمعتقة لأجل؛ فيجب أن يحكم لولدها بحكم ولد المعتقة لأجل، فتكون خدمتهم إن كانت لهم خدمة

الجزء: 8 - الصفحة: 299

لسيدها.
وفيها: إن ظهرت من مكترى دار دعارة أو فسق أو شرب خمر لم ينتقض الكراء، ويمنعه الإمام ذلك، ويكف أذاه عن رب الدار والجار، وأكراها عليه.
اللخمي: أرى أن يخرجه إن تعذر كراؤها من يومه وما قاربه وتخلى لإكرائها، فإن تعذر ذلك حتى خرج الشهر لم يسقط عنه كراؤه، وكذا إن ببان أنه سارق يخشى منه على أبوابها، وروى ابن حبيب في فاسق ذي دار بين دور الناس يعاقبه السلطان ويمنعه، فإن لم ينته يبعت عليه.
اللخمي: وأرى أن يبدأ بعقوبته لجرمه، فإن لم ينته أكريت عليه، فإن لم ينته بإذايته لإتيانه إليها يبعت عليه، وسمع أبو زيد ابن القاسم آخر مسألة من كتاب السلطان: قال مالك في سابق يأوي إليه أهل الفسق يخرج من منزله وتكرى عليه الدار والبيوت، ولا تباع عليه لعله يتوب فيرجع لمنزله.
ابن القاسم: يتقدم إليه مرة أو مرتين أو ثلاثا، وقوله فيها أصح لما ذكر من أنه قد يتوب، ولو لم تكن الدار له إلا بكراء أكريت عليه، ولم يفسخ كراؤه قاله فيها.
قُلتُ: لأن فسخ الكراء مضرة على رب الدار، ويحتمل جمل رواية ابن حبيب على من لا ترتفع مضرة فسقه إلا برفع ملكه عنها، وحمل رواية ابن القاسم على من ترتفع بمجرد كرائها عليه.
ابن رُشد: وروى يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار قال: وأخبرني بعض أصحابنا أن مالكاً كان يستحب حرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر.
قيل له: فالنصراني يبيعها من المسلمين.
قال: إن تقدم إليه فلم ينته أحرقت بيته.
قال: وحدثني الليث أن عمر بن الخطاب أحرق بيت رويشد الثقفي؛ لأنه كان يبيع الخمر وقال له: أنت فويسق لا رويشد.

الجزء: 8 - الصفحة: 300

والإقالة من الكراء كالكراء: لقولها: الإقالة بيع من البيوع فموانعها كموانعه وتحصيلها.
ابن رُشْد في المقدمات: حسن.
اللخمي: دون زيادة من أحدهما جائزة بعد النقد وقبله على أنها حل بيع أو بيع على أن الذمم تبرأ، وعلى عدمه تمنع في المضمون؛ لأنه فسخ دين في دين، وإن كان معينا جاز، لأن المكري يتصرف فيها الآن بالبيع وغيه ففارق أخذ الأجنبي منافع عن دين.
وتجوز بزيادة من المكري قبل غيبته على النقد عيناً كانت أو نقداً، وهي لأجل فسخ دين في دين، وبعد غيبته عليه لتهمه سلف بزيادة، فإن كانت بعد سيرهما ماله قدر في جوازها قولا ابن القاسم مع مالك وغيرهما والأول أحسن.
وقد قال ابن مسلمة: من ابتاع ثوباً بأقل مما باعه لأجل إن فات مضى، واختلف في منع الزيادة في الراحلة بعينها كمضمون والجواز أبين والزيادة من الجمال لاستخلاص راحلته لتصرفه فيها جائز، وإن كان لركوبها كغيرها على التراجع إن هلكت قبل مدة الإجازة فأصل ابن القاسم المنع، وعلى قول أشهب يجوز.
زيادة المكترى قبل النقد والكراء معين أو مضمون جائزة كانت عيناً أو عرضاً فإن كان الأول دنانير جازت زيادة دراهم دون صرف دينار أو صرف دينار على أحد قولي مالك نقداً إلا لأجل، وتدخل زيادة دينار لأجل في فسخ في دين وصرف المستأجر، وإن كانت بعد النقد على رد بعضه جاز، وإن أقاله على دفع المكترى عرضاً نقداً أو لأجل جاز؛ فيكون المكرى اشترى ديناً في ذمته، وديناً يكون له في ذمته المكترى بعشرة نقداً وذلك جائز.
وفي حكم كراء السفن اضطراب: قال ابن رشد في أول مسألة من نوازل أصبغ من كتاب الرواحل: قول ابن القاسم وروايته: أنه على البلاغ كالعجل الذي لا يجب إلا بتمام عمله كان على قطع الواسطة أو الريف وهو معلوم من مذهبة قال: من أكرى سفينة من الإسكندرية للفسطاط؛ فغرقت في بعض الطريق؛ فخرج نصف القمح، وحمل في

الجزء: 8 - الصفحة: 301

غيرها لربها من كراء ما خرج من القمح بقدر ما انتفع ربه ببلوغه حيث غرق؛ لأن الكراء من الإسكندرية للفسطاط إنما هو في النبل فلن ير لرب السعينة كراء فيما ذهب من القمح، ورأى أنه فيما سلم منه بقدر ما انتفع ربه ببلوغه إليه؛ كقوله في الجعل على حمل خشبة تصل الي بعض الطريق، ثم يحملها ربها فينتفع بها حملها الأول؛ فعلى قول ابن القاسم: إن غرقت أو ردها الريح من حيث خرجت أو لخوف لصوص أو عدو، وذلك مطلب الركاب من أجل الحزن فلا كراء لربها كانوا ملجلجين أو غير ملجلجين محاذين لقرية أو غير محاذين على النزول أو غير قادرين.
وقال ابن نافع في المدونة: له بحساب ما بلغت، ورواه ابن أبي جعفر عن ابي القاسم: فعليه إن غرقت في لجة البحر أوردها الريح أو خوف العدو أو اللصوص إلى حيث أقلعت يكون له من الكراء بحساب ما بلغت كان الكراء على قطع البحر أو الريف الريف.
وقال يحيى بن عمر: إن أكريت على قطع البحر فهي على البلاغ، وإن أكريت الريف الريف فبحساب ما بلغت، وتفريق أَصبغ في نوازله بين كونهم ملجلجين أو غير ملجلجين محاذين القرية قادرين على النزول فيها أو غير قادرين قول رابع وسواء على ظاهر قوله: كان كراؤهم على قطع البحر أو على الريف الريف، وهو استحسان على غير قياس، وكذا تفرقة يحيى، وقول ابن نافع أظهر من قول ابن القاسم في المدونة؛ لأن رد الكراء إلى الأجازة أولى من رده للجعل.
قُلتُ: تلخيص طول نازلة أَصْبَغ أنه إن ردت الريح المركب لمحل إقلاعه دون بلوغهم حيث يمكنهم النول آمنين من الريح فلا شيء عليهم، وإن كان بعد بلوغهم حيث يمكنهم ذلك فعليهم بقدر بلوغهم ذلك المحل كانكسار المركب بهم حيث سلم لهم شيء فعليهم بقدر ذلك فيما سلم.
قال أَصبغ: إن ردهم أصحاب المركب لمحل إقلاعهم باختيارهم لربهم كل الكراء، وإن كان بإكراههم سقط عنهم، وإن طلبه الركاب لعذر عدو لصوص أو بحر أو ورم سقط عنهم إن لم يكن محل أمن قبل إقلاعهم، فإن كان ردوا إليه

الجزء: 8 - الصفحة: 302

ولزمهم من الكراء منابة، فإن لم ينزلوا هم باختيارهم فكذلك، وإن منعوهم النزول به سقط عنهم ابن رُشد في جواز النقد فيه على أنه على البلاغ قولان.
قُلتُ: قال الصقلي: كره مالك وابن القاسم النقد فيها؛ لأن كراءها على البلاغ، وأجازه ابن نافع.
المتيطي: وقاله أَصْبَغ وأشهب: ورأوا لرب السفينة بقدر ما جرى، وقضى به سَحنون إلا أن أَصبغ قال: إن بلغ الغاية، ثم ردته إلى الريح فلا شيء له ووافقهم إذا مشى الريف الريف أو أرسى، ثم ردته الريح وقاله يحيى بن عمر: وكذا لو أمكنهم التحاق بالبر، ولم يمنعهم مانع ثم ردتهم إلى الريح.
وسمع عيسى ابن القاسم: من أكرى بقدر ما سار سَحنون، وكذا مكترى الدابة في نصف الطريق فتنة حيث يريد الوصول بحيث لا يستطيع دخوله.
ابن رُشْد: لا خلاف إذا منعه من الوصول إلى حيث اكترى خوف لصوص وشبهه أو قلة ماء منع سير المركب أن له بحساب ما مضى، وتنفسخ فيما بقى، وسمعه أبو زيد: من تكاري على متاع للإسكندرية من نوتي؛ فوقف المركب ببعض الطريق من قلة الماء فظن النوتي أن يلزمه حمله للإسكندرية فاكترى عليه من ذلك الموضع حتى بلغه الإسكندرية فلا شيء للنوتي، ولو شاء لم يفعل إذ ليس ذلك عليه، وله أن يرفع للسلطان ليفسخ عنه، ولو وقف حيث لا سلطان، وخشي تلف المتاع لم يشبه الأول لأنه بموضع تلف.
ابن رُشْد: لأن النوتي في كرائه لحمله مخطيء على رب المتاع، فإن كان لا بد من الكراء عليه من حيث وقف المركب إلى حيث أكرى على حمل فأخطأ الحمال فحمل غيره أنه إن، أراد أخذ الحمل لم يأخذه إلا بغرم الكراء، وفيمن استأجر حصادين على حصد الزرع له فحصدوا زرعاً لغيره أو استأجره من يحرث أرضاً له فحرثوا أرضا لغيره أن على من حصد زرعه أو حرثت أرضه غرم قيمة العمل إن كان لا بد له من الكراء على ذلك،

الجزء: 8 - الصفحة: 303

كقول أشهب في نوازل أَصْبَغ في الكرى: فيخطيء فيحمل غير الحمل الذي اكتري عليه، وقوله في كرائه عليه من حيث لا يخشى هلاكه، ولا سلطان فيه: بوجوب الكراء على رب المتاع بين كقولها مع غيرها فيمن التقط متاعا فحمله إلى موضع.
اللخمي: كراء السفن جعل وإجارة؛ فالجعل قوله: إن بلغتني محل كذا فلك كذا وإلا فلا شيء لك، وهو جائز كما شرط والإجارة أن يجعل له شيئاً معلوماً على إن بلغه دون المحل فله بحساب سيره، فإن سمى للغاية دون توقيت؛ كقوله: استأجر مركبك هذا البلد كذا بكذا جاز، وإن استأجرتها مدة معلومة لسفر ناحية بعينها دون تعيين بلد أو وسيره بالقذف جاز، وإن كان بسير الريح؛ فقال مالك مرة: هو جائز.
قيل له: ربما أبطأت السفينة، وربما أسرعت.
قال: وكذا الدابة.
وقال مرة: إن كان يختلف فلا خير فيه، وإن لم يختلف فلا بأس، وهذا أصوب؛ لأن سير الدابة متقارب بخلاف سير السفن، وإذا بالقذف فهو متقارب، وإن حبسه نوء لم يكن عليه فيما منع من السفر بشيء.
المتيطي: ولا بد من تعيين وقت الركوب إن لم يكن معروفاً.
اللخمي: فإن استأجرها شهراً فانقضى، وهو بمستتعب يسلمها ربها، وإن كان غير مستعتب فاه التمادي لمستعتب لا يضر اكتروا به وغرم للزيادة أجر مثلها، ولو بقى من المدة يومان، وهو مستعتب، وإن انفصل عنه لم يصل المستعتب إلا بعد انقضاء مدته نزل حيث هو وحط عنه من الكراء بقدر باقي المدة إلا أن يكون تماديه بها بعد انقضاء المدة يسيراً فله ذلك، ويغرم للزيادة كراء مثلها، وإن اكتراها مدة ليردها لربها، وإن امتراها ليصيد عليها عليها معيناً سقط منابه، وإن كان غير معين لم يسقط، وكمل أيام الشهر.

الجزء: 8 - الصفحة: 304

الصقلي: قال مالك: من اكترى مركباً لحمل طعام بجزء منه على تعجيل قبضة جاز، وعلى تأخيره لمحل بلوغه لم يجز.
الصقلي: ولو وقع على السكت ففي منعه وجوازه قولا ابن القاسم وغيره، فلو ذهب الطعام بغرق، وقال ربه كان الكراء على قبضه، وأكذبه المكري صدق المكتري بيمينه وأغرمه مثل المكيل حيث قبضها؛ لأنه يدعى الحلال.
الصقلي: لو كانت سنتهم التأخير قبل قول مدعيه.
قاله كثير من شُيُوخنا: ولو عطب المركب قبل إقلاعه فادعى الركاب دفع الكراء؛ فالقول قول رب السفينة.
وفي جواز شهادة بعضهم لبعض قولا العنبيَّة وابن عبدوس.
قُلتُ: ما عزاه للعتبية هو قول سَحنون في نوازله من الشهادات.
ابن رُشد: أجاز شهادة بعضهم لبعض، وكل منهم شهد لمن شهد له.
وفي قبولها: ولو كانت لمجلس واحد ولغوها، ولو كانت لمجالس شتى حيث وجد أنهم من يشهدوه غيرهم ثالثها: إن كانت بمحالس شتى لسَحنون هنا، ولمحمد عن ما رجع اليه سَحنون، والأخوين، سواء اكتروا جملة السفينة بينهم شياعاً أو على أن لكل واحد محلا معيناً أما لو شرط عليهم حماة بعضهم عن بعض بالكراء لم تجز شهادة بعضهم لبعض؛ لأنه يشهد لنفسه اتفاقاً.
الصقلي: قال بعض أصحابنا: لا يصلح كاؤها لوقت لا يصلح فيه ركوب البحر كالشتاء، ويفسخ إن نزل، ولو شرط في العقد تأخير الركوب لو قلت يصلح فيه والسفينة معينة جاز ما لم ينقد فإن نقد وصلاح الركوب قريب كنصف شهر ونحوه جاز وإن بعد كشهرين لم يجز، وإن كان مضموناً جاز النقد، ولو بعده ولو عقد الكراء في وقت صلاح الركوب فتعذر الركوب حتى دخل وقت لا يصلح فيه الركوب فمن طلب منهما فسخ الكراء فسخ له، وكذا لو أمكن الركوب، وعرض خوف قطع لصوص أو ورم وثبت ذلك وروى محمد لو أكروا سفينة فبحسبهم الريح عشرين يوما فأراد الركاب الفسخ فلا فسخ لهم، وكذا لو أراده النوتي.
قال يحيى بن عمر: هلاك المركب بعد بلوغه الغاية وقبل إمكان تفريغ وسقة

الجزء: 8 - الصفحة: 305

كهلاكه قبل وصوله، ولو هلك في أثناء تفريغه فما فزع منه فيه كراؤه، وما هلك لاشيء فيه، ولو قدروا على تفريغه، وتوانوا فيه فعطب المركب فلربه كراؤه؛ لأن التفريظ من قلبهم.
ولأبي زيد عن ابن القاسم: إن ابتل بعض الطعام أو المتاع قوم سليماً ومبلولاً، وسقط من الكراء مناب البلل قل أو كثر، وقال ابن أخي هشام: إن كان ذلك من أمواج عليا أو من خلل في المركب لم يغرر به ربه من سوء عمل أو قلفطة، فإن صار المتاع لا قيمة له سقط كل كرائه، وإلا فمناب العيب فقط، وإن كان من تغرير رب المركب، وسوء عمله، وقلفطفته ضمنه، وماله من رش خفيف، ونداوة ليست بفساد فلا نقص له من الكراء.
اللخمي: إن هال البحر، ووقع الخوف وجب الرمي عاجلاً، ويرمي الأثقل الأقل ثمناً، فإن تقارب الأثمان رمي الأثقل، وإن جاوز رب المركب في الزيادة على المتعارف رجع عليه؛ لأنه غر، وإن لم يعلم حين الرمي المتاع المزيد، ورمى غيره خيروا في الرجوع على رب المتابع بذلك أو على رب المركب إن رجعوا على رب المركب رجعوا بقيمة ما رمى، ولو كثرت قيمته، وإن رجعوا على رب المتاع، فإن رفع متاعه جورا عليهم غرم قيمة ما رمى، وإن كان غير عالم، وقيمة مارمى أكثر من قيمة متاعه لم يلزمة غير تسليم نتابعه، زإن لم يعلم أخرهم عقداً تعين الرجوع على رب المركب، وإن مروا بأعدال في البحر فرفعوها، ثم هال البحر، فإن كانت، فإن كانت زائدة على عرف وسقهم رميت ولا شيء فيها، وإن كانت من تمام وسق المركب كانت كسائر وسقه، وإن كان شحن المركب رجالاً دون متاع، وخشوا الهلاك إن لم يخفف المركب اقترعوا على من يررمى الرجال والنساء والهبيدوأهل الذمة في ذلك سواء، وإن مروا بغرقى المركب فحملوهم، ثم هال البحر، واحتاجوا للرمي، فإن كان حملهم من تمام وسق المركب كانوا كغيرهم، فإن كان في المركب متاع رمى منه، وإلا كانت القرعة على جميعهم، وإن كان حملهم زيادة على جمل المركب، وحملهم جور على وسقه رمى المتاع واتبع الغرماء لقيمته، وإن لم يكن فيه سوى الناس رمي الغرقاء فقط.

الجزء: 8 - الصفحة: 306

قُلتُ: قال غير واحد قول اللخمي بطرح الآدمي لنجاة غيره بالقرعة غريب، وربما نسبه بعضهم لخرق الإجماع.
قال بعضهم: لا يرمى آدمي لنجاة الباقين، ولو كان ذمياً، وتقدم البحث في هذا الأصل في مسألة التتريس في كتاب الجهاد، وما قاله اللخمي قاعدة الإجماع على وجوب ارتكاب أخف الضررين لدرء أشهدهما شاهده لقوله، وهي هنا، وإن كانت في إتلاف النفس، وهي فيه لحفظها.
قال القرافي عن الطرطوشي: ويبدأ بطرح الأمتعة، ثم البهائم لشرف النفوس.
قُلتُ: الشرف إنما هو النفوس الآدمية، وظاهر الروايات اعتبار الثقل، وقلة الثمن.
قال الطرطوشي: وهذا الطرح عند الحاجة واجب لا يدخله الخلاف في دفع الداخل على الإنسان لطلب نفسه أو ماله، ولا في المضطر لأكل الميتة قيل الدفع والأكل واجبان وقيل: لا لقصة ابني آدم وقوله صلى الله عليه وسلم ((كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل)) والفرق أن الترك في هاتين الصورتين لترك محرم، وهنا لبقاء المال.
قلت: قوله: (في هذه الصورة لبقاء المال) وهمٌ؛ لأن الطرح أو طرح النفوس دون الأموال موجبة لهلاك المال، والفرق جلي بغير ما ذكر، وهو أن ترك الرمي ملزوم للرمي، وترك قتل الغير ليس ملزوما له، وكذا ترك أكل الميتة ليس ملزوما لأكلها.
القرافي وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يضمن أحد من أهل السفينة إلا من طرح مال غيره، ومن طرح مال نفسه فهو منه، ولو استدعى منه ذلك غيره، ووافقونا فيمن قال: اقض عني ديني فقضاه، فقضاه، وفي رجوع الزوجة على زوجها بنفقتها في غيبته على ولده، والرد عليهم بالقياس على هذه الصورة لجامع السعي في القيام على الغير بواجب؛ لأنهم أجمعين يجب عليهم حفاظ نفوسهم وأموالهم.
وسمع ابن القاسم: لا شيء في المركب، ولا خدمة مما طرح لخوف غرقه.

الجزء: 8 - الصفحة: 307

ابن القاسم: ولو كان خدمته عبيداً.
قال مالك: لو خاصموا رب المركب كان جل الغرم عليهم إذ قد تكون قيمة الشيء الكثير فلا أرى عليه شيئاً.
قُلتُ: لم يتكلم عليه ابن رُشْد شيئاً، وتكررت في رسم أخذ يشرب خمراً قال فيه: ليس في جرم السفينة شيء لو كان جرمة فارغاً نجا إنما كان طرحهم لنجاة أمتعتهم.
ابن رُشْد: قد بين علة قوله: لا شيء فيه، وكذا ليس في قلوعه والأطراف التي تتخلص بها السفينة شيء، وما في جوفه من قارب وحبال فهو مقوم على ربها قاله بعض أهل العلم وهو صحيح على أهل المذهب.
قُلتُ: فلم يذكر خلافاً في جرم السفينة، وفي الغرم عليه، ثالثها: إن قام دليل على هلاكه لولا الطرح لكافي أبي عمر عن سَحنون مع رواية اسماعيل القاضي، والصقلي عن ابن عبد الحكم، وسماع ابن القاسم مع قوله، والمتيطي مع الصقلي عن الشَّيخ.
الصقلي: والقياس قول ابن عبد الحكم؛ لأن بالطرح سلم الجميع.
وقول ابن عبد السلام: قال محمد بن عبد الحَكم: أجمع أصحابنا أن المركب لا يدخل في شيء من حكم الطرح لا أعرفه إنما حكاه.
الصقلي: وفي عدم دخول متاع الفتنة في الغرم قولان لرواية اللخمي، ونقله عن ابن ميسر، وعبر المتيطي عن الأول بالمشهور وعزاه أبو عمر لمالك وأصحابه قال: وخالفهم ابن عبد الحَكم.
المتيطي: مال إليه جماعة من المتأخرين، وهو أصح.
اللخمي: لا وجه لعدم دخول ما كان للقنية قال وفي الغرم على العبيد، ثالثها: إن كانوا للتجر لا للقنية للجاري على قول ابن ميسر.
وقول ابن الجهنم: والمعروف ولا شيء على الأحرار اتفاقاً، والعين القنية لغو.
وفيها: للتجر قولا مالك وابن حبيب، والصواب أنها للتجر والقنية سواء إن كانوا قرب البر أو بحيث لو عطب المركب نجا بها ربها لعومة، وقلتلها لم تحسب، وإلا حسبت ورميها لا يرجع به؛ لأنها لا تثقل المركب إن بقيت، ولا يخف بها إن ألقيت إلا أن يكون

الجزء: 8 - الصفحة: 308

فى ثقل عدل، والصواب اعتبار عبيد القنية، ولحوق ربها الشركة فيها يمنعه وطء الأمة، واستخدام العبد والأمة والقياس فى الأحرار قول المخالف بالرجوع عليهم، وفى جرم المركب إشكال يصح إغرامه لنجاته بالطرح، ولغوه كمن اكترى بغير الحمل شاء فعجز عن حمله بفلاة يهلك بها المحمول إن طرح لرب البعير طرحه، ولو هلك المتاع.
قلت: فيما قاله نظر؛ لأن مسألة البعير إن كانت نجاته بطرح بعض حمله فهو كالمنصوص فى السفينة إلا أن يثبت إجماع لمخالفته إياها وهو عسير، وإن كانت بطرح جمعيه فهو كالسفينة كذلك.
الصقلى: قال بعض أصحابنا من ادعى فيما طرح له كثرة، وقال رب المركب: لم يبق عندى إلا أقل رجع إلى ما فى التنزيل؛ لأنه العرف، وما فى داخل المتاع مما يخفى ذكره فى التنزيل يقبل فيه قول ربه إن أتى بما يشبه ملكه.
الصقلى: هو مدع يجب أن لا يصدق.
وقد قال الشيخ: إن ادعى فى متاعه صفة، وأكذبه الباقون فادعوا أن صفته كذا صدقوا مع أيمانهم، فإن جهلوا ذلك صدق هو مع يمينه.
وقال ابن أخى هشام: يصدق رب السفينة فى رميها بعض شحنها لهول أصابه إن كذبه أربابه وليسوا معه فى قول ابن القاسم: إلا فى الطعام.
ابم رشد فى سماع ابن القاسم: من طرح متاعه رجوعه على من سلم متاعه اتفاقا؛ فيشاركه بقدر منابهم، ولمالك فى صفة التقويم للاشتراك أقوال.
قال مرة: بقيمة المتاع المطروح، والباقى حيث حمل منه، ومرة حيث يحمل إليه، ومرة حيث طرح، وفى هذا السماع بالثمن الذى اشتروه به إن اشتروه فى وقف واحد بموضع واحد على صفة واحدة من نقد أو دين وعلى غير محاباة، فإن اختلف شراؤهم فبالقيمة من حيث حملوه يوم حملوه على مافسر به ابن القاسم قوله: والقول قولهم فيما ادعوا أنه الثمن دون يمين إن بان صدقهم، ومن اتهم حلف قاله سحنون فى رسم أخذ يشرب خمرا.
وقوله: لا يمين على من بان صدقه صحيح كما أن من بان كذبه فى إتيانه بما لا يشبه

الجزء: 8 - الصفحة: 309

لا يمكن من اليمين، ويشرك بقيمته يوم الشراء، وإن لم يتبين صدق ولا كذب تخرج يمينه على قولين فى لحوق يمين التهمة، وإذا وجبت الشركة رجع من طرح ماله فيما سلم، وأوله بالجزء المسمى للخارج من تسمية المطروح منه مع السالم وعليه.
قال اللخمى: إن كان كل ما بالمركب ألف دينار، والمطروح مائتان شركهم ربه بالخمس؛ فيأخذ خمس السالم، وهو ثمان مائة خمسها مائة وستين ومنابه فى الرمى الخمس، وهو أربعون، وذلك تمام المائتين، وإن رمى نصف متاعه، وهو مائة رجع بعشر ما سلم لاصحابه، وهو ثمان مائة عشرها ثمانون ومنابه فى المائة التى سلمت له عشرة وذلك تسعون، ومنابه من التى رميت عشرة، وهو تمام المائة، وإن رمى جميع ماله، وهو مائتان ونصف مال الآخر؛ فذلك ثلاثة أعشار الجميع يرجع من رمى كل ماله على من لم يرم له بالخمس يأخذ من الستمائة خمسها مائة وعشرون، وعلى من رمى نصف متاعه بخمس السالمة، وهو عشرون فجميع ما صار له مائة وأربعون وتبقى عليه ستون هى التى جملة الرمى؛ لأنها ثلاثة أعشار الجميع، ويرجع من رمى نصف متاعه فى الستمائة التى سلمت بعشرها وهو ستون؛ لأن الذى رمى له العشر فى يده بعدما رجع عليه صاحبه ثمانون؛ فذلك أربعون ومائة تبقى عليه ستون، وهى ثلاثة أعشار ماتبين هى التى تنوبه من جميع الرمى.
الصقلى عن الشيخ: من طرح بعض ماله سقط عدل ما سلم له من مال من بقى كل ماله فى الشركة، وشرك من طرح بعض ماله من لم يطرح له شاء فى عدل ما طرح له من مال من لم يطرح له شاء.
قال: فإن كان قيمة ما رمى مثل ما سلم كان لمن رمى ماله نصف ما سلم، وإن كان قيمة ما رمى مثل قيمة ما سلم كان لرب ما رمى ثلث السالم، وإن كان إنما رمى نصف متاعه اختص من لم يرم له شاء بنصف متاعه، ويكون شريكا لهم فى النصف الآخر بقدر قيمة متاعه متاعهم، وما خرج بعد رميه كان قدر نقصه كرمى وإخراجه على ربه.
قلت: ويجب إضافة قيمة إخراجه لنقصه كجزء منه.

الجزء: 8 - الصفحة: 310

قال: ولو رمي بعض المتاع، ثم عيب باقيه ببلل شرك من رمى متاعه بقيمته لمن عيب متاعه بقيمته سليما بموضع وسقهم؛ لأن حدوث عيب بلله من جميعهم إن كان حين الرمى سليما أو ما عيب قبل الرمى حسبت قيمته معيبا فى موضع وسقهم.
وصلح ذى السالم ذا المرمى بدنانير على ترك الشركة جائز بعد معرفتهما ما وجب لكل منهما، ولو خرج المرمى بعد الصلح انتقض منه مناب قيمة ما خرج لوجوب اختصاص ربه به ونوقض رجوعه لربه بعدم رجوع الدابة بعد غرم قيمتها من تلف بتعديه وأجاب بأن الدابة ضمنها المتعدى بتعديه والمرمى لم يضمنه أحد بحال.
وسمع القرينان فى كتاب الشركة: إن اختلط طعام بسفينة فليس لبعضهم بيع طعامه بطريقتهم إلا برضى أصحابة خوف أن يكون بأسفله عيب أو يمطروا، فإن أذنوا له فلا تباعة عليه فيما يجدون من فساد.
ابن رشد: مناقضته بعضهم بسماع ابن القاسم فى أكرية الرواحل: إن حمل قوما طعاما بسفينة اكتروها، فأخذ أولهم من وراء بمنزلة خطة، ثم غرقت فلا تباعة لأصحابه، ولو لم يأذنوا إلا أن ينقص الكيل فيغرم منابه فيه يرد بأن معنى الأول أن كراءهم كان لموضع واحد والثانى على أنه لمنازلهم، وفساد الطعام ببلل كنقص كليه إلا أن يعلم أنه بعد أخذه طعامه، وسواء كان الخلط اختيارا أو عارضا.
وسمع ابن القاسم: إن مروا بسفينة بها طعام على قرية أكرى منها على حمل طعام ووضعه فوق بابها فابتل أسفله دون أعلاه فهو على جميعهم للزوم شركتهم بالخلط.
اللخمى عن سحنون: ليس لأحد الشريكين منع شريكه فى سفينة أن يحمل فى نصيبه منها إنما له أن يحمل مثله أو يدعوهم للبيع.
اللخمى: إن وسق أحدهما فلك يجد الآخر ما يسق كان لمن وسق السير بها؛ لأن وسقه بحضرته رضى بسفره، ولو كان غائبا كان له دعاؤه للبيه، فإن صارت كغير من وسق أمر بحطه.
وعزا الصقلى قول سحنون للعتيبة قال عن الشيخ: لو أصلح أحد الشريكين خرق سفينة بينهما بغير إذن شريكه خير فى إعطائه نصف ما أنفق، وأخذ نصف قيمتها مخروقة

الجزء: 8 - الصفحة: 311

إن شاء ذلك الشريك المصلح، وإلا شركه بزيادة صلاحه إن كانت قيمتها مخروقة مائة ومصلحة مائتين كانت بينهما أربعا.
اللخمى: ومثله إن كانت دارا لا تنقسم، ولو كانت تنقسم كانت على قول عبد الملك فى أرض بين شريكين بنى أحدهما أنها تقسم، فإن وقع البناء لبانيه كان له، وإلا أخذ قيمته منقوضا.
وفيها: مع غيرها من استأجر فسطاطا أو غرائر أو آنية صدق ضياعها، وروى أشهب فيمن اكترى جفنة فادعى ضياعها ضمنها إلا أن يقيم بينة به.
ابن حارث: اختلف فى ضمان ما يغاب عليه؛ فذكر روايتى ابن القاسم وأشهب فى الجفنة.
اللخمى: يصدق المستأجر فى الضمان، وذكر ابن سحنون قولا آخر لا يصدق.
وقال أشهب: فذكر ما تقدم.
الصقلى عن محمد: إنما الرواية فى دعوى كسرها لقدرته على تصديق نفسه بإحضاره؛ فلقيتها ويصدق فى الضياع، وفى رواية فأين فلقتاها محمد إلا أن يقول سرقتا أو تلفت، فإن كانت بموضع يمكنه إظهارها لم يصدق، وإلا صدق.
اللخمى: إن لم يأت بفلقتيها لم يصدق دعوى كسرها إلا أن يكون فى سفر؛ فيقول لم أتكلف فى حملها.
وسمع القرينان فى تضمين الصناع: من اكترى جفنتين بالضمان ما أرى ذلك، فإن وضع من كرائها شيئا للضمان أبلغ له كراؤهما.
قيل: فإن قال: سرقتا.
قال: لا أرى هذا يجوز له إن انكسرتا فأين فلقتاهما أراه ضامنا لهما لا للشرط لكن لعدم علم ما ذكر.
ابن رشد: كذا وقعت هذه المسألة فى الأمهات ناقصة سأله عن دعوى سرقتهما، فأجابه عن دعوى كسرهما، ومدلول مذهبه أنه مصدوق فى دعوى السرقة، وأنه لما سأله عن ذلك قال: هو مصدق، فقال له: فإن زعم أنهما انكسرتا، فذكر جوابه المتقدم فسقط

الجزء: 8 - الصفحة: 312

ذلك من الأصل الذى نقل منه العتبى فاتفقت الأمهات على ذلك، وحكم كراء العروض بشرط الضمان على هذا السماع حكم بيع الثنيا يفسخ إلا أن يسقط الشرط، فإن لم يعثر على ذلك حتى فات الكراء ففيه الأكثر من المسمى أو كراء المثل دون شرط لقوله إن كان وضع من الكراء شيئا من الكراء أبلغ كراؤها إذ لو وجب فسخه فى القيام بكل حال لقال له فى الفوات كراء المثل بالجمع، وقوله فى الكسر ليس بخلاف لقول ابن القاسم فى الضياع، وما وقع فى المدونة من رواية أشهب: ليس بنقل صحيح إنما رواية تضمينه فى الكسر، ولا أعلم خلافا أن المكترى مصدق فى دعوى ضياع ما اكترى من العروض إلا ما فى الدمياطية لابن القاسم.
قال: وسئل عمن يكترى الدابة بالضمان.
قال: لا خير فيه، ويرد إلى كراء من لا ضمان عليه.
قيل: وكذا كل الأشياء.
قال: ما أدرى ما كل الأشياء.
قيل: المناجل والحديد قال: أما الحديد فهو له ضامن.
ابن رشد: يريد: بالحديد متاع الحديد الذى يعرف بعينه كالمساحى، والسكك إذ لا يجوز كراء ما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه، وقوله: بضمانه شذوذ فى المذهب، وقوله: فيمن أكرى دابة بالضمان لا خير فيه، ويرد إلى كراء مثله ممن لا ضمان عليه ظاهره كان أكثر من المسمى أو أقل، ومعناه إن فات فى الكراء، ويفسخ قبل فوته، ولو ترك المكرى شرطه، وهو القياس خلاف سماع أشهب، وعلى المعروف فى تصديقه فى ملزومية التلف سقوط الكراء قولا لغير ابن القاسم فيها.
الصقلى: وبالأول أخذ سحنون قائلا فى قول ابن القاسم هذه عراقية يصدقه فى الضياع يغرمه فى الكراء.
اللخمى: اختلف إن قال بعد الأجل ضاع قبل ذلك، فقال ابن القاسم: لا يصدق ويغرم الأجرة إلا ببينة أو يسلم أنه ذكر ذلك قبل فيحلف، ويكون عليه من الأجر

الجزء: 8 - الصفحة: 313

للوقت الذي سمع منه، وقال أشهب: القول قوله، والأول أحسن إن كان فى حضر، وفى السفر يقبل قوله مع يمينه.
وفى العارية منها لمالك: من استعار دابة فركبها لموضع فلما رجع زعم ربها أنه إنما أعارها لموضع دون ما ركبها إليه أو لبد آخر؛ فالقول قول المستعير إن ادعى ما يشبه عبد الحق.
قال سحنون: يعنى فى دفع ضمانها لا فى الكراء.
وقال بعض شيوخنا: القول قوله فى الضمان والكراء.
الصقلى: قال بعض فقهائنا: ناقض كل من ابن القاسم وسحنون قوله فى دعوى المكترى الضياع بقوله فى مسألة العارية.
الصقلى: لا تناقض والفرق لابن القاسم بينهما؛ لأن المكترى مقر بالكراء مدع إسقاطه فعليه البيان.
وفى العارية: المعير مقر بالعارية مدع عداء المستعير فوجب قبول قوله؛ لأنه مدعى عليه.
والفرق لسحنون أن الأصل براءة الذمة من غرم العداء؛ لأن وضع يد المستعير على الدابة بإذن فكان القول قوله فى عدم عدائه، والأصل فى تناول مال الغير غرم عوضه لا عطيته فكان القول قول المعير أن المنفعة التى أقر المستعير بقبضها ليست عطية فوجب غرم عوضها، وهذا إن أقر المستعير بركوبه المسافة المتنازع فيها، وإنما يشبه ضمان الرقبة ضمان الكراء لو تعجى على دابة رجل فركبها فهلكت تحته، وادعى أن ربها وهبها له كان القول قول ربها، وعلى هذا الضمان حتى يثبت ما ادعى.
قال ابن عبد السلام عقب ذكره: وفى هذا الجواب نظر.
قلت: والإنصاف بعد التأمل تمامه، وبيانه أن حاصل قول ابن القاسم أنه قبل قول المستأجر فى التلف، وثبوته ملزوم لعدم انتفاعه بالمستأجر، وعدم انتفاعه ملزوم لسقوط الأجرة فلم يجعل تصديقه فى الملزوم تصديقا في لازمه.

الجزء: 8 - الصفحة: 314

وفي العارية: لما قبل قوله فى عدم تعديه فى ركوب المسافة المتنازع فيها قبل قوله فى لازمه، وهو سقوط عوضه، وعكس سحنون فجعل قبول قوله فى الملزوم موجبا لقبول قوله فى ثبوت لازمه فى مسألة الإجارة لا فى مسألة العارية فالتفريق لابن القاسم بأن اللازم فى الإجارة المستأجر مقر بثبوت موجب نقيضه، وهو عقد الكراء الموجب للكراء الذى هو نقيض اللازم المذكور الذى هو سقوط الكراء فى مسألة العارية هو غير مقر به، وهذا فرق واضح.
وحاصل قول سحنون أنه جعل فى مسألة الإجارة تصديقه فى الملزوم، وهو الضيع موجبا لتصديقه فى لازمه، وهو سقوط الكراء وإلغاء ثبوت موجب نقيضه فيها، وفى مسألة العارية جعل تصديقه فى الملزوم، وهو عدم عدائه فى ركوب المسافة المتنازع فيها غير موجب لتصديقه فى لازمه، وهو سقوط كرائه فتفريق الصقلى له بأنه إنما لم يصدقه فيه لثبوت موجب نقيضه، وهو كون الأصل فى تناول مال الغير غرم عوضه يرد بأنه كذلك فى مسألة الإجارة موجب ثبوت نقيضه قائم، وهو إقرار المستأجر بعقد الكراء فحينئذ سؤال الفرق قائم، وهو أن يقال لم اعتبر ثيوت موجبه نقيض اللازم فى مسألة العارية، وألغاه فى مسألة الكراء.
وحاصل نوع هذا الإبطال القول بالموجب، وهو الذى يعبر عنه الفروعى بقوله: هذا الفرق يفتقر لفرق، ودفع التناقض عن الشيخين أنه يقول الموجب لثبوت نقيض اللازم المذكور فى مسألة الإجارة هو إقرار المستأجر بعقد الكراء، وهذا الموجب قوى الدلالة من حيث كون دلالته على مدلوله، وهو لزوم الكراء خاصة به لا عامة فيه، وفى غيره ودلالة الخاص أقوى من دلالة العام وضعيفها من حيث عدم استقلالها بإيجابيه لتوقف وجوبه على انقضاء المنفعة، والموجب لثبوت نقيض اللازم فى مسألة العارية قوى، وهذا أن تناول مال الغير يوجب عوضه من حيث استغلاله؛ لأنه كلما أثبت موجبه ليس كالعقد الذى يفتقر معه إلى استيفاء المنفعة وضعيف من حيث كون دلالته على هذا العوض من حيث عمومه لا من حيث خصوصه به والدلالة من حيث العموم

الجزء: 8 - الصفحة: 315

أضعف من الدلالة من حيث الخصوص إذا تقرر هذا فابن القاسم اعتبر الموجب لنقيض اللازم فى مسألة الإجازة لرجحانه بما ذكر، وإلغاء اعتبار المال على النقيض فى مسألة الهارية لمرجوحيته بما ذكر وسحنون اعتبر الموجب للنقيض فى مسألة العارية لرجحانه بما ذكر وألغاه فى مسألة الإجارة لمرجوحيته بما ذكر ابن الحاجب، وفى ضمانه ما أجره لغيره، ثالثها: المشهور إن كان فى مثل أمانته لم يضمن.
ابن عبد السلام: إطلاق هذا الكلام فى كل مستأجر من دار وعبد وغيرهما لا يصح، ويقتضى كلامه أن مكترى الدابة إن أكراها ممن ليس مثله فى حفظه إياها، وخفت أنه لا ضمان عليه فى قول، وهذا لا يوجد ونحوه قول ابن هارون: لا يوجد هذا الخلاف، ثم حكى حكم إكراء المكترى ما اكترى، وقد تقدم.
قلت: تعقبهما عليه بالدار والعبد فيه نظر؛ لأنه إنما ذكر هذا كالفرع على ما ذكر فيه الخلاف فى قوله المستأجر أمين على الأصح، وهذا الخلاف إنما هو فيما يغاب عليه، والقول الثانى هو الذى لم يوجد بحال ودعوى المستأجر رد ما استأجر ذكر في القراض.

الجزء: 8 - الصفحة: 316

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل