المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب الجنايات باب البغى
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات باب البغى

الجنايات: منها البغي، وهو الإمتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمبايعته ولو تأولا

الجزء: 10 - الصفحة: 172

وقول ابن الحاجب: هو الخروج عن طاعة الإمام مغالبة تعقب باختصاصه بمن دخل في طاعته دون من إمتنع منها وهم بغاة، ولذا قاتل عليٌ أهل الشام، وبإطلاق طاعته في المعصية وغيرها، وليس هو في المعصية بقياس، ويجاب بأن مراده بالخروج عدم التلبس كقوله تعالى: (إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجنا الله منها) [الأعراف: 89]، وبأنه من حيث أمره بالمعصية غير إمام، وحكم ثبوت الإمامة في علم الكلام والحديث، فالمتأول من كان فعله ذلك؛ لإعتقاده حقيقة قتاله الإمام واجب كأبي بكر في مانعي الزكاة، وعلي في أهل الشام.
الشيخ: لابن حبيب عن مالك وأصحابه: إذا إمتنع أهل البغي، ولو كانوا ذوي بصائر، وتأويل لم ينبغ للإمام والمسلمين أن يدعوا الخروج عليهم حتى يردوهم إلى

الجزء: 10 - الصفحة: 173

الحق وحكم الإسلام، ولو قام على إمام من أراد إزالة مابيده فقال الصقلي: روى عيسى عن ابن القاسم عن مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز، وجب على الناس الذب عنه، والقيام معه، وأما غيره فلا ودعه، ومايراد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما وفي طرر ابن عات، قال يحيى بن يحيى: الصواب عدم الدخول في الفتنة، ونحوه حكي عن أصحاب مالك، لم يخرج مالك يوم خرج ابن هرمز، ومحمد بن عجلان قال: (قلت لمالك: أنا رسول من ملكي بالأندلس إليك، عندنا رجال من أهل الفضل يكرههم الإمام علي من أخل الإسلام يرون بقرى قوي أهلها من السلطان، وقد نفذت أزوادهم ويجدون فيها طعاماً) تبين لما يرى في تزويدهم علي وما لهم.
قال: ما أتكلم في هذا بشئ، فأعاد الكلام فقال: كف عني، وإني لك ناصح.
وفي النوادر: وظاهر من الواضحة إذا إمتنع أهل البغي، ولو كانوا متأولين من الإمام العدل، فله فيهم من رمي المجانيق، وقطع المير والماء عنهم، وإرسال الماء عليهم، فيغرقهم ما له في الكفار، ولو كان فيهم النساء والذرية، ولا يرميهم بالنار إلا أن يكون فيهم نساء ولا ذرية.
قال عبد الملك: إن أسر من الخوارج أسير، وقد إنقطعت الحرب فلا يقتل، وإن كانت الحرب قائمة، فللإمام قتله، ولو كانوا جماعة إذا خاف أن يكون منهم ضرر، وعلى هذا يجري حكم التذفيف على الجريح، وابتاع المنهزم، وقاله سحنون.
قال ابن حبيب: نادى منادي علي بن أبي طالب في بعض من حاربه: أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح، ولا يقتل أسير، ثم كان موطن آخر في غيرهم، فأمر باتباع المدبر، وقتل الأسير، والإجهاز على الجريح فعوتب في ذلك.
فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها، والأولون لم تكن لهم فئة.
قلت: ونحوه ما ذكره بعض أرباب سير علي بن أبي طالب رضى الله عنه: أنه لم يتبع المنهزمين يوم الجمل، ولا ذفف على الجرحى؛ لأنهم لم تكن لهم فئة، ولا إمام يرجعون إليه، وإتبع المنهزمين يوم صفين؛ لأن لهم إماماً وفئة.

الجزء: 10 - الصفحة: 174

الشَّيخ: عن كتاب ابن سَحنون: لا بأس أن يقتل الرجل في قتالهم أخاه، وقرابته مبارزة، وغير مبارزة، فأما الأب وحده، فال أحب قتله تعمدًا، وكذا الأب الكافر، مثل الخارجي، وقال أَصْبَغ: يقتل فيها أباه وأخاه.
الشَّيخ: عن ابن حبيب: قال عبد الملك: ما أصاب الإمام من عسكر أهل البغي من كراع وسلاح، فإن كانت لهم فئة قائمة، فلا بأس أن يستعين به الإمام ومن معه على قتالهم، إن احتاجوا إليه، فإذا زالت الحرب رد لأهله، وغير السلاح والكراع توقف حتى ترد إليهم، وإن لم تكن لهم فئة قائمة، رد كل واحد من سلاح وغيرها، وكذا فعل علي رضي الله عنه.
الشَّيخ: عن ابن حبيب، عن ابن الماجِشُون وأَصْبَغ: إذا وضعت الحرب أوزارها، فإن كان أهل البغي ممن خرج على تأويل القرآن، كالخوارج وضعت عنهم الدماء، وكل ما أصابوه إلا ما وجد من مال يعرف بعينه يأخذه ربه.
وقال ابن الحارث: كذا قال مالك وأصحابه جميعًا، فيما علمت إلا أَصْبَغ، فإن ابن حبيب ذكر عنه: أنه إنما يطرح عنهم عقوبة الإمام فقط، وحق الولي في القصاص قائم عليه، يقتل بمن قتل، ولم يقله غيره من أصحاب مالك.
قال الشَّيخ: عمن ذكر أولًا: وأما أهل العصبية أو أهل خلاف بلا تأويل، فالحكم فيهم القصاص، ورد المال قائمًا كان أو فائتًا، وفي آخر جهادها، والخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال، ثم تابوا ورجعوا، وضعت الدماء عنهم، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، وما استهلكوه لم يتبعوا به، وإن كانوا أملياء؛ لأنهم متأولون بخلاف المحاربين، لا يوضع عنهم من حقوق الناس شيء.
ابن شاس: إن ولى البغاة قاضيًا، أو أخذوا زكاة، أو أقاموا حقًا.
فقال الأخوان: ينفذ ذلك كله.
وقال ابن القاسم: لا يجوز بحال.
وعن أَصْبَغ القولان، ونحوه لابن الحاجب.
قال ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك، ونص في المدَوَّنة على أن ما

الجزء: 10 - الصفحة: 175

أخذوه من الزكاة يجزئ عن أربابها.
قُلتُ: للشيخ في ترجمة نصها في عزل القضاة، والنظر في أحكامهم.
قال ابن حبيب: قال مطَرِّف في أحكام الخوارج: لا ينفذ حتى يثبت أصل الحق ببينة فيحكم به، فأما أحكام مجهولة، ويذكروا شهادة أهل العدل منهم، ذكروا أسمائهم أو لم يذكروا؛ فهي مردودة، وقال أَصْبَغ عن ابن القاسم مثله.
قال أَصْبَغ: أرى أقضيتهم كقضاة السوء فيما ذكرنا.
قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم ومُطَرِّف أحل إلي.
وقال الأخوان: في الرجل يخالف على الإمام، ويغلب على بعض الكور، ويولي قاضيًا فيقضي، ثم يظهر على أقضية ماضية: إن كان عدلًا إلا خطئًا لا اختلاف فيه، وله في فصل قتال العصبة، وظاهره عن الواضحة: إن قاتل مع المتأولين أهل الذمة، وضع عنهم ما وضع عنهم، وردوا إلى ذمتهم.
وإن قاتلوا مع أهل العصبية المخالفين؛ للإمام العدل، فهو نقض لعهدهم يوجب استحلالهم، وإن كان السلطان غير عدل، وخافوا جوره واستعانوا بأهل العصبية؛ لم يكن ذلك منهم نقضًا.
قُلتُ: هذا إن خرجوا مع أهل العصبية طوعًا، وإن أكرهوهم، لم يكن لهم نفس خروجهم نقضًا لصحة تعلق الإكراه بقتال ما لا يحل قتاله، ونزلت هذه المسألة بتونس أيام حصر الأمير أبي الحسن المريني بالقيروان، وقامت بغاة عليه بتونس وحصروا أقبضتها واستعانوا بأجناد النصارى، ثم قدر عليهم ورد إلى ذمتهم.

الجزء: 10 - الصفحة: 176

باب الردة

الردة: كفر بعد إسلام تقرر، ويتقرر بالنطق بالشهادتين مع التزام أحكامها.
المتيطي: إن نطق الكافر بالشهادتين، ووقف على شرائع الإسلام وحدوده فالتزمها، تم إسلامه، وإن أبى من التزامها لم يقبل منه إسلامه، ولم يكره على التزامه وترك على دينه، ولا يعد مرتدًا، إذ لم يوقف هذا الإسلامي على شرائع الإسلام، فالمشهور أنه يؤدب ويشدد عليه، فإن تمادى على إبايته ترك في لعنة الله، وقاله مالك وابن القاسم وغيرهما، وابن الحكم وبه العمل والقضاء.
وقال أَصْبَغ: إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع قتل بعد استتابته، وإن لم يصل ولا صام.

باب فيما تظهر به الردة

ابن شاس: ظهور الردة، إما بالتصريح بالكفر، أو بلفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه.

الجزء: 10 - الصفحة: 177

قُلتُ: قوله: بلفظ يقتضيه، كإنكار غير حديث الإسلام وجوب ما علم وجوبه من الدين بالضرورة.
وقوله: أو فعل يتضمنه كلبس الزنار، وإلقاء المصحف في صريح النجاسة، والسجود للصنم، ونحو ذلك.
وقوله: ولا ينبغي أن تقبل الشهادة على الردة مطلقًا دون تفصيل لاختلاف المذاهب في التكفير حسن، وهو مقتضى قولها في الشهادة في السرقة: ينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينه، أن فلانًا سرق ما يقطع في مثله، أن يسألهم عن السرقة، ما هي؟ وكيف هي؟ ومن أين أخذها؟ وإلى أين أخرجها؟ كما يسألهم عن شهادتهم على رجل بالزنا، وفي نكاحها الثالث وفي غير منها.
والأسير يعلم تنصره، فلا يدرى طوعًا أو كرهًا، فتعتد زوجته، ويوقف ماله وحكم فيه بحكم المرتد، وإن ثبت إكراهه ببينة، كان بحال المسلم في نسائه وماله.
ابن الحارث: اتفقوا على أن من أكره على الردة؛ أنه لا يجب عليه حكم المرتد، واختلفوا فيمن أسلم كرهًا، بأن يكره على الإسلام أو يضطره إليه جزية أو ضيق أو ظلم أو جور أو شبه ذلك.
فقال ابن حبيب عن ابن القاسم وابن وَهْب: لا يقتل ولكن يؤمن ويحبس ويضرب.

الجزء: 10 - الصفحة: 178

قال ابن حبيب: وهذا غلط، أكثر من أسلم من الأعراب وغيرهم كرهًا، وكفى بالأسير الذي يقرب عنقه فيسلم، أيقال من إسلامه هذا، وكذا قال الأخوان.
الشَّيخ عن محمد: روى ابن القاسم في نصراني أسلم، ثم ارتد عن قرب، وقال: إنما أسلمت من ضيق علي؛ فإن عرف أنه من ضيق ناله أو خوف أو شبهه فعسى أن يعذر، وقاله ابن القاسم.
قال أشهب: لا عذر له ويقتل، وإن علم أن ذلك من ضيق، كما قال أَصْبغ: قول مالك أحب إلي، إلا أن يقيم على الإسلام بعد ذهاب الخوف، وهذا يقتل، وقاله ابن وَهْب وابن القاسم.
وسمع يحي ابن القاسم: في إمام صحب قومًا يصلي بهم أيامًا، ثم تبين أنه نصراني أعادوا ما صلوا خلفه أبدًا، ولا قتل عليه.
وقال سَحنون: إن كان بموضع يخاف فيه على نفسه، وماله فتستر بذلك، فلا سبيل إليه، ويعيدون صلاتهم، وإن كان بموضع أمن عرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يعد القوم لاتهم، وإن لم يسلم قتل وأعادوا.
ابن رُشْد: قول مالك: لا يقتل، ظاهره، وإن كان بموضع أمن؛ لأنه رأى صلاته مجونًا وعبثًا، فعليه بذلك الأدب المؤلم.
وللأخوين مثل قول ابن القاسم في الإعادة أبدًا، وقالا: ذلك منه إسلام، وسواء على قولهما كان بموضع أمن له أم لا، مثل قول أشهب في رسم الأقضية بعد هذا أو تفرقه سَحنون بين كونه في موضع أمن أو لا أظهر الأقوال، وتفرقته في الإعادة استحسان، والقياس إذا عدت صلاته بهم إسلامًا يستتاب عليه أن لا إعادة عليهم أجال إلى الإسلام، أم لم يجب.
المتيطي: إن اغتسل إلى الإسلام، ولم يصل إلا أنه حسن إسلامه، ثم رجع عن إسلامه أمر بالصلاة، فإن صلى وإلا قتل.
وقال ابن القاسم: لا يصلي ولو ركعة، فإذا صلى ثم ترك أدب، فإن لم يصل قتل.
ابن حارث: اتفقوا في المرتد في أرض الإسلام، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

الجزء: 10 - الصفحة: 179

في "الموطأ": قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قدمناه فضربنا عنقه.
قال عمر: أفلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه في كل يوم رغيفاً، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني.
الباجي: احتج أصحابنا على وجوب الاستتابة بقول عمر، وأنه لا مخالف له، وهذا لا يصح إلا أن يثبت رجوع أبي موسى، أو من وافقه إلى قول عمر.

باب الزنديق

والزنديق: من يظهر الإسلام ويسر الكفر (1)، إن ظهرت زندقته بإقراره، وقال: أتوب، ففي قبول توبته طريقان: الأولى قبولها اتفاقاً.
قال المتيطي: إن أتى تائباً قبلت توبته، وإن أخذ على دين أخفاه؛ قتل ولم يستتب.
قلت: وهو مقتضى ما تقدم لسحنون في شاهد الزور: أنه إن جاء تائباً لم يعاقبه، الثانية: لا تقبل توبته، كما لو اطلع عليه، عزاه ابن شاس لبعض أصحابنا، قال: وهو شاذ بعيد.
قلت: وهو دليل ما حكى الباجي عن محمد من قوله: وإن أظهر كفره من زندقة أو كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تاب قبلت توبته، وهو ظاهر لفظ الجلاب: لا يستتاب الزنديق.
ابن زرقون: وفي المبسوطة قال المخزومي، وابن أبي حازم، ومحمد بن مسلمة: لا يقتل من أسر ديناً حتى يستتاب، والإسرار في ذلك، والإظهار سواء.

الجزء: 10 - الصفحة: 180

قلت: وبه أفتى ابن لبابة.
الباجي: ويستتاب المرتد ثلاثة أيام، وروى ابن القصار: ويستتاب في الحال، إن لم يتب قتل.
وروى أشهب: لا عقوبة عليه إن تاب، وليس في استتابته تخويف ولا تعطيش في قول مالك.
وقال أصبغ: يخوف في الثلاثة الأيام بالقتل، ويذكر الإسلام، والعبد في ذلك كالحر والمرأة كالرجل، قاله مالك.

باب السحر

السحر: أمر خارق للعادة مسبب عن سبب معتاد كونه عنه، وتخرج المعجزة والكرامة (1). الشيخ: قال محمد من قول مالك وأصحابه: إن الساحر كافر بالله، فإذا سحر هو بنفسه؛ قتل ولم يستتب، والسحر كفر.
قال مالك: هو كالزنديق إذا عمل السحر بنفسه قتل ولم يستتب، وقد أمرت حفصة في جارية لها سحرتها أن تقتل فقتلت.
ابن عبد الحكم وأصبغ: هو كالزنقة مظهراً استتيب، ميراثه لورثته المسلمين، وإن كان للسحر والزندقة مظهراً استتيب، فإن لم يتب قتل، وماله في بيت المال، ولم يصل عليه.
ولما ذكر الباجي رواية محمد أن السحر كفر، قال: إن عمله مسلم فهو مرتد، ويحتمل أن معنى قوله أنه كافر، أن فعله دليل على الكفر، ولا يقتل الساحر إلا الإمام.

الجزء: 10 - الصفحة: 181

قال أصبغ: وليس لسيده قتله، ولا يقتل حتى يثبت أن ما فعله من السحر الذي وصفه الله به بأنه كفر.
قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعلم حقيقة السحر، ويثبت ذلك عند الإمام.
وفي الموازية في الذي يقطع أذن الرجل، أو يدخل السكاكين في جوف نفسه إن كان سحراً قتل، وإن كان خلابة عوقب.
قال أبو عمر: روى ابن نافع في المبسوط في امرأة أقرت أنها عقدت زوجها عن نفسها، أو غيرها أنها تنكل لا تقتل، قال: ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك.
قلت: الأظهر أن فعل المرأة سحر، وأن كل فعل ينشأ عنه حادث في أمر منفصل عن محل الفعل أنه سحر.
الباجي عن ابن عبد الحكم وأصبغ: هو كالزنديق، من كان للسحر والزندقة مظهراً استتيب، وحكى عبد الوهاب، أنه لا يستتاب، ولا تقبل توبته، وحمل عليه قول مالك، قال: لأنه عنده كفر، فتقرر من هذا أن قول ابن عبد الحكم وأصبغ ومحمد مخالف لقول مالك، وإن تأولوا عليه خلاف ما تأول عليه عبد الوهاب.
فإن كان الساحر ذمياً، فقال مالك: لا يقتل إلا أن يدخل بسحره ضرراً على المسلمين، فيكون نقضاً لعهده لا تقبل منه توبة غير إسلامه، وإن سحر أهل ذمته أدب إلا أن يقتل أحداً فيقتل به.
وقال سحنون في العتيبة: يقتل إلا أن يسلم.
الباجي: ظاهر قول سحنون، أنه يقتل بكل حال، إلا أن يسلم خلاف قول مالك: لا يقتل إلا أن يؤذي مسلماً أو يقتل ذمياً، ومن لم يباشر عمل السحر، وجعل من يعلمه له.
ففي الموازية: يؤدب أدباً شديداً.
وسمع عبد الملك ابن القاسم: صغير ولد المرتد، إن كان ولده قبل ردته؛ جبر على الإسلام، وضيق عليه، ولا يبلغ به الموت إن ولده بعد ردته جبروا على الإسلام وردوا إليه، وإن لم يدركوا حتى بلغوا تركوا، وأقروا على دينهم؛ لأنهم ولدوا على ذلك، وليس

الجزء: 10 - الصفحة: 182

ارتداد أبيهم ارتداداً لهم.
وقال ابن كنانة: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن غفل عنه حتى يشيخ ويتزوج لم يستتب ولم يقتل.
ابن رشد: قول ابن كنانة فيما ولده بعد ردته أنهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا مالم يشيخوا على الكفر ويتزوجوا عليه، خلاف قول ابن القاسم.
قلت: هذا فيمن أبوه مرتد، وأما إن ارتد صغير مميز أبوه مسلم، ففي الجنائز منها: من ارتد قبل البلوغ؛ لم تؤكل ذبيحته، ولا يصلى عليه.
الشيخ عن محمد: قال ابن القاسم: في ابن لمسلم ولد على الفطرة، ثم ارتد وعقل الإسلام ولم يحتلم؛ جبر على الإسلام بالضرب والعذاب، فإن احتلم على ذلك ولم يرجع؛ قتل بخلاف من يسلم، ثم يرتد ثم يحتلم على ذلك، وفرق بينهما وليس بمنزلة ولد المرتد.
وجعلهم أشهب سواء، وقال: من ولد على الفطرة، ثم ارتد بعد أن عقل وقارب الحلم، ثم احتلم على ذلك: أنه يرد إلى الإسلام بالسوط والسجن، وقاله ابن عبد الحكم.
وقال ابن القاسم: يقتل، وقال ابن القاسم: من ترك ولده الصغير مع مطلقته النصرانية؛ لأنه ابنها فغفل عنه حتى احتلم على النصرانية، إن لم يرجع للإسلام لم يقتل وترك.
الشيخ عن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: ويوقف الإمام ماله قبل أن يقتل، والمعروف إن تاب المرتد رجع إليه ماله.
وروى ابن شعبان: أنه لا يرجع إليه، وهو فئ لبيت مال المسلمين.
ابن شاس: وقاله ابن نافع.
قلت: وعزاه اللخمي في كتاب الولاء لرواية المبسوط، وفي رجوع أمهات أولاده إليه بإسلامه، ولزوم عتقهن عليه، نقل الشيخ عن محمد، قولي ابن القاسم وأشهب، مع ابن حبيب عن أصبغ: ومال العبد لسيده أو لأرباب ديون عليه، وحكم الزوجة تقدم.

الجزء: 10 - الصفحة: 183

وسمع عيسى ابن القاسم: في المرتد يقتل في ارتداده نصرانياً، أو يجرحه إن أسلم لم يقتل به، ولم يستقد منه في الجرح؛ لأنه ليس على دين يقر عليه، وحاله في ارتداده في القتل والجرح إن أسلم كحال المسلم، إن جرح مسلماً اقتص منه، وإن قتل نصرانياً لم يقتل به، وإن جرحه لم يستقد منه.
قال عيسى: وإن قتل على ردته؛ فالقتل يأتي على ذلك كله.
ابن رشد: اختلف قول ابن القاسم فيه، مرة نظر إلى حاله يوم الحكم في القود والدية، ومرة نظر إلى حاله فيهما يوم الجناية، ومرة فرق بين الدية والقود؛ فنظر إلى القود يوم الفعل، وإلى الدية يوم الحكم، فعلى اعتباره يوم الحكم فيهما.
قال: إن قتل مسلماً قتل به، وإن جرحه اقتص منه، وإن قتل نصرانياً أو جرحه لم يقد منه في قتل ولا اقتص منه في جرح، وكانت الدية في ذلك في ماله، وإن كان القتل خطأ كانت الدية على العاقلة؛ لأنه مسلم يوم الحكم له عاقلة تعقل عنه، وهو قوله في هذه الرواية.
وفي رسم العتق بعد هذا من هذا السماع، وعلى قوله الذي نظر فيه لحاله يوم الفعل فيهما: يقاد منه إن قتل نصرانياً؛ لأنه كان كافراً يوم الفعل، وإن جرح نصرانياً عمداً اقتص منه، وإن جرح مسلماً عبداً؛ أجري على الخلاف في النصراني يجرح العبد المسلم، وإن قتل مسلماً أو نصرانياً خطأ كانت الدية على المسلمين؛ لأنهم هم ورثته يوم الجناية ولا عاقلة له يومئذ.
وهو قول ابن القاسم في رسم الصلاة من سماع يحيى، وعلى هذا القياس يجري حكم جناياته على القول الثالث الذي فرق فيه بين القود والدية، وفي نكاحها الثالث، ونحوه في القذف إن قتل على ردته، فالقتل يأتي على كل حد أو قصاص وجب عليه للناس إلا القذف؛ فإنه يحد ثم يقتل.
وكان يجري لنا في التدريس مناقضة قولها في الكتابين بقولها في كتاب القذف: وإذا قذف حربي في بلد الحرب مسلماً، ثم أسلم الحربي بعد ذلك أو أسر فصار عبداً؛ لم يحد للقذف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه؟.

الجزء: 10 - الصفحة: 184

قلت: فإسقاط حد القذف بسقوط القتل؛ دليل على دخول حد القذف في القتل، والمنصوص له خلافه فتأمله.
الشيخ عن الموازية: لو قتل عمداً في ردته، وفر لبلد الحرب؛ لم يكن لولاه القتيل في ماله شئ، وإن كان القتيل عبداً أو ذمياً؛ أخذ ذلك من ماله.
وأشهب يرى لولاة المسلم أخذ الدية من ماله إن شاءوا أو عفوا، وإن شاءوا صبروا حتى يقتلوه.
قال: وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أنه إن قتل مسلماً خطأ؛ فديته في بيت المال؛ لأن ميراثه للمسلمين.
قلت: وتقدم هذا في كلام ابن رشد.
اللخمي عن أصبغ: ليس على من قتل مرتداً من مسلم أو ذمي عمداً قصاص للشبهة، ولا يطل دمه، والعمد فيه كالخطأ وديته للمسلمين، ولو جرحه مسلم أو ذمي قبل ردته، ثم قتل على ردته فلا قود فيه، وعقله للمسلمين، وتقدم الخلاف في حكم قاتله.
وفي ثالث نكاحها: إن راجع الإسلام وضع عنه ما كان لله قد تركه من صلاة أو صوم أو زكاة أو حد، وما كان عليه من نذر أو يمين بعتق أو بائنة أو بظهار، ويؤخذ بما كان للناس من قذف أو سرقة أو قتل أو قصاص أو غيره مما لو فعله في كفره أخذ به.
عياض: كذا روايتنا أو عليه ظهار، وهو محتمل لمجرد الظهار أو يمين بالله، وعليه اختصرها الشيخ بقوله: وتسقط أيمانه بالعتق والظهار وغيرهما، ونقلها غيره، وعليه أيمان بعتق أو ظهار.
ونقلها ابن أبي زمنين وغيره على لفظ الكتاب لاحتمال الوجهين، ولا شك أن حكم اليمين بالظهار، كاليمين بالطلاق، ولم ينص ابن القاسم على يمين الطلاق، ونص عليه غيره، فهو خلاف قول ابن القاسم، واختلف قول ابن القاسم في يمين الظهار عند محمد.
قال بعض شيوخنا: وكذا على لفظ الكتاب: لو كان الظهار حنث فيه؛ فوجبت فيه

الجزء: 10 - الصفحة: 185

الكفارة لأسقطها ارتداده، وتأول على ذلك مسألة الكتاب بخلاف لو كان لزمه مجرد ظهار؛ لم يحنث فيه لم يسقطه ارتداده، كمبتوتة الطلاق، ومثله في الموازية.
وقال غيره: لا فرق بين مجرد الظهار واليمين به، والردة تسقط ذلك، وأكثرهم يحملون قول ابن القاسم أن الردة لا تسقط طلاق البتات، وبعضهم يقول: إن ما ألزم الغير من ذلك واحتج به لا يلزم.
ابن القاسم: إذ لا يقوله.
وقال ابن زرب: مذهب ابن القاسم: أن الردة تسقط الطلاق، ويجوز للمطلق ثلاثاً قبل ارتداده نكاحها دون زوج، وحكاه إسماعيل القاضي عن ابن القاسم.
وقال أبو عمران: هذا الأشهر عنه، وحكى الدمياطي عنه خلافه، وأنها لا تحل له قبل زوج، وقول غيره: إذا ارتد المحلل إن ردته لا تبطل الإحلال لا يلزم.
ابن القاسم: لأن المنصوص في الدمياطية أنه يبطل ولا تحل لمطلقها، ولو ارتدا جميعاً، ثم أسلما جاز أن يتناكحا عندهم، على قول ابن القاسم، واختلفوا في أيمانه بالعتق التي أسقطها، هل هي في غير المعين، وأما المعين فيلزم كالمدبر، وقيل: المعين وغيره سواء.
عياض: والأصل في ذلك كله هل حكمه حكم الكافر الأصلي، قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلك) [الزمر: 65]، فتبطل طاعته المتقدمة، ويسقط عنه ما يسقط عن الكافر الأصلي إذا أسلم، وإليه ذهب ابن القاسم.
أو يقال: حكمه إذا رجع للإسلام حكمه الأول، وكأنه لم يرتد، وعليه قول أشهب، ولذا ورث من مات ممن يرثه أيام ردته، وأبقى زوجته على عصمته، فعلى هذا الخلاف في ردته هل تنقض الطهارة، ويلزمه إعادة الحج، ولا خلاف أن ما يلزمه في حال الكفر الأصلي أو الردة؛ أنه يلزمه في حال رجوعه إلى الإسلام كحقوق الآدميين، وأن ما لا يلزمه من الطاعات حال كفره الأصلي، لا يلزمه بعد كسائر العبادات؛ وإنما لزمه الحج؛ لأنه ليس له وقت محصور يفوت بفواته كالصلاة والصوم، ووقت الحج موسع إلى بقية العمر.

الجزء: 10 - الصفحة: 186

ورجح القابسي قول الغير، وقال: قول ابن القاسم استحسان، والنظر خلافه.
وفيها: والردة تزيل إحصان المرتد من رجل أو امرأة ويأتنفان الإحصان إذا أسلما.
وقال غيره: لا تطرح ردته إحصانه، ولا أيمانه بالطلاق.
وفي أمهات الأولاد منها: إن قتل على ردته؛ عتقت أم ولده من رأس ماله ومدبروه في الثلث وتسقط وصاياه.
الباجي: من تزندق من أهل الذمة، فروى ابن حبيب عن مالك، ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: لا يقتل؛ لأنه خرج من كفر إلى كفر.
وقال ابن الماجشون: يقتل؛ لأنه دين لا يقر عليه أحد، ولا تؤخذ عليه جزية.
قال ابن حبيب: لا أعلم من قاله غيره، ويحتمل أن يريد هنا بالزندقة التعطيل، ومذاهب الدهرية، مما ليس بشريعة، أو يريد الإسرار بما خرج إليه، وإظهار ما خرج عنه، والأول أظهر.
وإذا أسلم اليهودي الذي تزندق، فروى أبو زيد الأندلسي عن ابن الماجشون: يقتل كالمسلم يتزندق ثم يتوب.
وفي التجارة لأرض الحرب منها: وإذا أسلم عبده الكافر أو أمته بيعا عليه، وكذا عبده الصغير، يسلم إن عقل الإسلام؛ لأن مالكاً قال: في الصبي الحر إذا عقل الإسلام فأسلم، ثم بلغ فرجع عن الإسلام جبر على الإسلام.
وفي نكاحها الثالث: وإذا أسلم الصبي الذمي، وقد زوجه ابوه مجوسية؛ لم يفسخ نكاحه، إلا أن يثبت على إسلامه حتى يحتلم، فتقع الفرقة بينهما إلا أن تسلم هي عند ذلك.
قال ابن الحاجب: ويحكم بإسلام المميز على الأصح، ويجبر إن رجع.
قلت: عزا ابن هارون القولين لابن القاسم، وذكر مسألة كتاب النكاح الثالث فقط.
قلت: ويقوم له القول الآخر مما حكيناه عنه في التجارة بأرض الحرب.
وعزا الصقلي الأصح إلى ابن وهب، قاله في النكاح الثالث، ولم يعزهما ابن عبد

الجزء: 10 - الصفحة: 187

السلام بحال.
وكذلك اللخمي ذكرهما في النكاح الثالث، غير معزوين.
وفي نكاحها الثالث وغيره منها: تبعية الولد الصغير لأبيه في الدين، وأن إسلامه إسلام لصغير ولده مطلقاً.
ومن لفظها: والنصراني يسلم وولده صغارهم مسلمون.
قال سحنون: وأكثر الرواة أنهم مسلمون بإسلام أبيهم.
قال عياض: قال فضل: هذا يدل على أن من الرواة من يقول: ليس إسلام أبيهم إسلاما لهم، وإن كانوا صغاراً.
قلت: وقال ابن بشير في النكاح الثالث: إسلام الأبوين إسلام لأولادهما الصغار، وأما من ميز، فهل يكون إسلامهما إسلاماً له قولان.
قلت: وقال اللخيمي: إن كان الصغير في سن من لا يميز، فهو مسلم بإسلام أبيه وإن عقل دينه، لم يكن بإسلام أبيه مسلماً.
قلت: ففي تبعية الصغير غير المراهق لأبيه في إسلامه وكفره دون أمه، وتبعيته لأولهما إسلاماً، معروف المذهب.
ونقل الصقلي عن ابن وهب: ونقل بعضهم قصر تبعيته لأمه، كالحرية لا أعرفه في المذهب.
وفي نكاحها الثالث: من أسلم، وله ولد صغار فأقرهم حتى بلغوا اثني عشرة سنة، وشبه ذلك، فأبوا الإسلام؛ فلا يجبروا.
وقال بعض الرواة: يجبرون وهم مسلمون، وهو أكثر مذاهب المدنيين، وله ولد مراهق من أبناء ثلاث عشرة سنة، وشبه ذلك، ثم مات الأب وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم ورث الأب، وإلالم يرثه؛ وكان المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه، لم يعجل بأخذ ذلك؛ لأن ذلك ليس إسلام.
ألا ترى أنه لو أسلم، ثم رجع إلى النصرانية، أكره على الإسلام، ولم يقتل.
الصقلي: وقيل إسلامه إسلام ولد الميراث؛ لأنه لو رجع إلى النصرانية جبر على

الجزء: 10 - الصفحة: 188

الإسلام بالضرب حتى يسلم أو يموت.
والصغير المسبي: لا أب معه حكم إسلامه بمجرد ملكه المسلم، أو بنيته إسلامه.
قال ابن رشد في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم، من كتاب الجنائز: اختلف في الصغير المسبي، وليس معه أبوه.
فقيل: يحكم بإسلامه لملك سيده أباه، قاله ابن دينار، ورواه معن عن مالك.
وقيل: حتى ينويه به سيده، قاله ابن وهب.
وقيل: حتى يرتفع عن حداثة الملك شيئاً، ويزيه سيده بزي الإسلام، ويشرعه بشرائعه، قاله ابن حبيب.
وقيل: حتى ترتفع عن حداثة الملك، ويجيب إليه، ويعقل الإجابة ببلوغه حد الإثغار.
وقيل: حتى يجيب إليه بعد بلوغه، وهو مذهب سحنون.

باب الزنا

الزنا: الشامل للواط: مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حله عمداً (1)

الجزء: 10 - الصفحة: 189

فتخرج المحللة، ووطء الأب ابنه لا زوجته.
ابن الحاجب: هو أن يطأ فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق متعمداً، فيتناول اللواط، وأورد عليه أسئلة واهية لا فائدة في ذكرها، أشبهها خروج زنى امرأة؛ لأنها موطوءة لا واطئة.
ابن عبد السلام: وأجيب بأن الوطء لا يمكن إلا من اثنين، فأحدهما يستلزم الآخر والواطئ كالعلة، وهى أقوى في الدلالة على المعلول من العكس، ويرد بأن التلازم في الوجود لا يوجب التلازم في العلم، وهو المعتبر في التعريف.
الشيخ في الموازية: من وطأ أجنبية في دبرها حدا جميعاً، من أحصن منهما رجم، ومن كان بكراً جلد وغرب الرجل، وإن اغتصبها فلها المهر، ولا حد عليه، ومثله لابن

الجزء: 10 - الصفحة: 192

حبيب عن ابن الماجشون.
قلت: وقال ابن القصار: حكم ذلك حكم اللواط، حكاه عنه الباجي، وربما أجرى القولان على إباحة ذلك في الزوجة لزوجها وحرمة ذلك.
قال ابن الحاجب: فيتناول اللواط، وإتيان الأجنبية في دبرها.
وفي كونه زناً أو لواطاً قولان.
ابن عبد السلام: عائد هنا بين الزنا واللواط، وتقدم له دخول اللواط تحت الزنا، فيكون اللواط قسماً من الزنا وقسيما له، وكثيراً ما يقع هذا في كلامه، لكن هذا السؤال إنما يرد في مانعة الجمع والخلو.
قلت: هذا كلام ضعيف جداً لا يليق بمثله، لوضوح امتناعه في مانعة الجمع والخلو؛ لآنها مركبة من الشئ، والأخص من نقيضه، فكيف يجوز أن يكون أحد جزئيها أخص من الآخر، فيؤدي إلى جواز امتناع النقيضين، فتأمله منصفاً.
وفي كون عقوبة المتساحقين أدباً بحسب اجتهاد الإمام على ما يرى من شنعة ذلك، وخبثهما، أو بخمسين خمسين، ونحوها سماع عيسى ابن القاسم، مع الشيخ عن أصبغ، عن ابن القاسم وعنه، ونقله الباجي وغيره دون ونحوها، وفي رضاعها من زنى بميتة حد.
وقال ابن شعبان: لا يحد.
وفيها: من زنى بصغيرة لم تحض طائعة، ومثلها يوطأ حد، وإن زنت امرأة بصبي مثله يجامع إلا أنه لم يحتلم، فلا حد عليها.
قلت: فهو أحرى.
وقال الصقلي: إن كان الصبي مراهقاً ممن تتلذذ المرأة بوطئه، أو تنزل بجماعه إياها؛ فينبغي أن تحد، وفي قذفها لا يحد الصبي والصبية في زنا، أو غيره من الحدود حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية، فإن تأخر ذلك فحتى يبلغا ثماني عشرة سنة.
اللخمي: اختلف في حد من شارف البلوغ ولم يبلغ.
قال مالك في المدونة: من لم يحتلم يحد إذا أنبت، واستحب ابن القاسم أن لا يحد.

الجزء: 10 - الصفحة: 193

الشيخ عن الموازية: من زنى بميتة أو نائمة أو مجنونة في حال جنونها حد، وعليه في النائمة والمجنونة صداق المثل، وإن زنت المجنونة في إفاقتها حدت.
وفيها: من زنت بمجنون فعليها الحد.
اللخمي: إن زنى مجنون بعاقلة، أو عاقل بمجنونة؛ حد العاقل منهما، وعوقب المجنون؛ إن لم يكن مطبقاً، وكان بحالة يرده الزجر والأدب.
قال: وقال مالك في المدونة: من زنا بصغيرة يحد إن كان مثلها يوطأ.
يقول: إذا عنف على صغيرة لا يوطأ مثلها لم يحد.
وفي مدونة أشهب مثله: أنه لا يحد إذا زنى بصغيرة، لا يجامع مثلها.
ولابن عبد الحكم: لا يكون محصناً حتى يتزوج من تطيق الوطء.
وقال ابن القاسم: يحد وإن كانت بنت خمس سنين.
قلت: وهو الأظهر.
وفيها: مع غيرها: لا يحد من أتى بهيمة ويعاقب.
اللخمي في كتاب ابن شعبان: يحد، والأول أحسن.
قال الطرطوشي: ولا يختلف مذهب مالك، أن البهيمة لا تقتل، وإن كانت مما يؤكل أكلت.
وسمع: عيسى ابن القاسم: كل من وطئ امرأة بملك يمين ممن تحرم عليه بالرضاعة من أم أو غيرها، وكل من وطئ امرأة بملك يمين ممن تحرم عليه بالنسب، ولا تعتق عليه من عمة أو خالة أو بنت أخت؛ فلا حد عليه في شئ من ذلك، وإن علم أنهن محرمات عليه؛ لأنه يجوز له بيعهن، واستخدامهن إلا أن يحملن، فيلحق به الولد ويعجل عتقهن، ومن وطئ شيئاً منهم عامداً عالماً بحرمه ذلك؛ عوقب نكالاً ويبعن عليه.
وكل من وطئ امرأة بالملك ممن تحرم عليه بالنسب، وتعتق عليه بالملك، كالبنت والأم والأخت، عامداً عالماً؛ حد ولا يلحق به الولد.
قال ابن القاسم: إلا أن يعذر بالجهالة، فلا يحد ويلحق به الولد.

الجزء: 10 - الصفحة: 194

ابن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة وغيرها، لا خلاف في شئ منها إلا في تعجيل عتق من حملت منه منهن، ومن الناس من قال: يستخدمهن ولا يعتقن عليه، وقع ذلك في رسم الفصاحة من سماع عيسى من كتاب الاستبراء.
وفي قذفها: من تزوج امرأة في عدتها، أو على عمتها أو خالتها، عامداً لم يحد وعوقب.
اللخمي: قال مالك في متزوج الخامسة، والمبتوتة عالماً بتحريم ذلك يحد، وقال في متزوج المعتدة كذلك: لا يحد، ولا فرق بينهن، وقيل في المعتدة أنه يحد.
الصقلي: قال أبو محمد: روى علي بن زياد عن مالك: فيمن نكح في العدة ووطئ فيها، ولم يعذر بجهل؛ أنه يحد.
التونسي: إن كان التحريم من القرآن بسبب، ولم يحرم عينها وتحل يوماً ما كالخامسة؛ فإنها تحل لو طلق إحدى الأربع، ففي الحد قولان، وفي قذفها كل من أحلت له جارية أحلها له أجنبي أو قريب أو امرأة، ردت إلى سيدها، إلا أن يطأها من أحلت له؛ فلا يحد، ولو كان عالماً ولزمته قيمتها، وإن لم تحمل، وليس لربها التماسك بها بخلاف وطء الشريك، فإن كان عديماً، وقد حملت كانت القيمة في ذمته، وإن لم تحمل بيعت عليه، فكان له الفضل عن القيمة، وعليه النقصان.
الصقلي: قال الأبهري: إن كان عالماً بجرمة وطئها؛ حد، ولا يلحق به الولد؛ لأنه زان، وهذا خلاف ما في المدونة وغيرها.
وروى ابن حبيب: أن النعمان بن بشير رفع إليه رجل وطئ جارية امرأتة، فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن أحلتها له جلدته- يرد: نكالاً- وإن لم تحلها له رجمته، فوجدها أحلتها له، فجلده مائة (1).

الجزء: 10 - الصفحة: 195

قال أبو عمران: يريد أن الغيبة عليها كالوطء، ولا يصدق في أنه لم يطأ، وإن فلس قبل دفع القيمة فربها أحق بها، وإن مات فهو أسوة الغرماء.
قال: وإذا كان أحق بها في الفلس، فلابد أن تباع عليه، كقول عيسى عن ابن القاسم: فيمن وطئ أخته من الرضاعة، ولم تحمل منه؛ فإنها تباع عليه.
الباجي في الموازية، وكتاب ابن سحنون: من زوج أمته من رجل، وقال: هي ابنتي فلا حد على الزوج، وعليه قيمة الولد يوم الحكم، والولد حر، وللزوج البقاء على النكاح، وعليه جميع المهر، وما ولدته بعد معرفته، فهو رقيق له ويفارق، وما عليه من المهر إلا ربع دينار، ولو زوجه ابنته، وأدخل عليه أمته على أنها ابنته، كانت أم ولد، إن حملت وعليه قيمتها يوم الوطء، وإن لم تحمل ولا قيمة عليه في الولد كمن أحل أمته لرجل وابنته زوجة له، ولو علم الواطئ أن التي وطئ غير زوجته، فلا حد عليه، هذا إن كان بعقد نكاح، وإن أباحها بغير عقد كقوله: أعيركها تطؤها ورقبتها لي، فهذا غير إحلال، لكنه إذن في الوطء.
في كتاب ابن سحنون: أن الواطئ تلزمه قيمتها يوم الوطء، ولا ترجع إلى ربها، وإن لم يكن للواطئ مال.
زاد محمد: ولو بيعت في القيمة، إذ لم تحمل، لم يجز للمبيح أن يأخذها بقيمته، ولابن سحنون عنه: من وطئ أمة أخدمها سنين كثيرة يدرأ عنه الحد، وتكون له أم ولد، وأما ما في المدة اليسيرة كالشهر ونحوه فيه، فإنه يحد، ولا تكون أم ولد، ولا يلحق به الولد.
اللخمي: اختلف في المحرمة بالسنة.
فقال ابن القاسم في المدونة: يعاقب ولا يحد.
وقال ابن نافع وغيره، في شرح ابن مزين: في نكاح المتعة يحد العالم بحرمة ذلك، وإن تزوج ابنه زوجته، ودخل بها، ولم يكن دخل بأمها، لم يحد؛ لأنها تحل له لو طلق الأم، وإن كان دخل بالأم حد، وكذا إن تزوج أم امرأته، فإن دخل بالابنة حد، وإن لم

الجزء: 10 - الصفحة: 196

يدخل بها لم يحد؛ لاختلاف الناس في عقد البنت، هل يحرم الأم أم لا؟ وإن تزوج زوجة أبيه، أو زوجة ولده إن كان عالماً بتحريم ذلك.
وقال ابن الحاجب: بخلاف تزويجها على أمها بعد الدخول، والبنت مطلقاً.
قال ابن عبد السلام وابن هارون: قوله: (والبنت مطلقاً) يعني: لو تزوج امرأة على ابنتها من غير تفصيل بين أن يكون دخل بالبنت، أو لم يدخل بها؛ لأن العقد على البنت يحرم الأم.
قلت: وهذا خلاف ما نقله اللخمي فتأمله.
وفيها: آخر قذفها: ومن وطئ جارية عنده رهناً أو عارية أو وديعة أو بإجارة؛ فعليه الحد.
وفي عتقها الثاني: من أعتق عبداً من الغنيمة، وله فيها نصيب؛ لم يجز عتقه، وإن وطئ منها أمة حد.
وقال غيره: لا يحد للزنا؛ لآن حقه فيها واجب موروث.
قال أبو عمر: اختلف في حده قول مالك وأصحابه، واختلفت الرواية فيه عن علي.
وفي قذفها: وإن دخل مسلم دار الحرب بأمان، فزنى بحربية، فقامت عليه بينة من المسلمين أو أقر بذلك؛ فعليه الحد.
الصقلي: وقال محمد عن أشهب: لا حد عليه.
وقال ابن رشد في المقدمات: قال أشهب: من زنى بحربية في بلاد الحرب لم يحد.
قلت: وعزاه اللخمي لابن الماجشون.

باب في الإكراه على الزنا

والمكره على الزنا: قال ابن العربي: لا حد عليه، وقال بعض أصحابنا: يحد، وقال ابن القصار: إن انتشر قضيبه حين أولج؛ حد أكرهه سلطان أو غيره، وإن لم ينتشر، فلا حد عليه، والمكرهة على التمكين لا تحد.

الجزء: 10 - الصفحة: 197

اللخمي: اختلف في حد الرجل المكه على الزنا والاحتجاج على حده، بان الإكراه لا يصح مع الإنعاظ غير صحيح، قد يريد الرجل شرب الخمر، ويكف عنها خوفاً من الله تعالى، فإن أكرهته المرأة على الزنا بها، فلا مهر لها، وإن أكرهه غيرها سقط حده، وغرم لها مهرها.
قلت: ويرجع هو على الذي أكرهه.
أبو عمر في الكافي: لا يحد المكره.
وقيل: يحد، والأول قول مالك، وهو الصحيح إذا صح الإكراه.
قال ابن الحاجب: أما لو وطئ بالملك من يعتق عليه أو نكح المحرمة بنسب أو رضاع أو صهر مؤبد، ووطئها أو طلق امرأته ثلاثاً، ووطئها في العدة، أو تزوجها قبل زوج، ووطئها أو طلقها قبل البناء واحدة، ثم وطئها بغير تزويج أو أعتق أمة، ثم وطئها؛ فإنه يحد.
قلت: ظاهرة ولا يعذر بدعوى الجهالة خلاف ما يأتي من قولها، إلا أن يقيده بقوله بعد هذا، أو يجهل الحكم في مثل ما ذكر، وتقدم سماع عيسى في العتق.
اللخمي عن محمد: من اشترى من يعتق عليه، فلم يعتق عليه حتى وطئها؛ رجم إن أحصن، وأتى ذلك، وهو عالم أنها محرمة.
يريد: وهو من أهل الاجتهاد، ورأيه أنها حرة بنفس الشراء، وإن كان رأيه ان لا عتق أو كان مقلداً لمن لا يرى العتق؛ لم يحد، ولو وطئ المرأة من تملكه حدت.
قال: واختلف فيمن أعتق أم ولده، ثم أصابها في الاستبراء.
وقال: ظننت أنها تحل لي.
فقال ابن القاسم: لاحد عليه.
وقال أشهب في الموازية: يحد.
وفي القذف منها: من طلق امرأته قبل البناء طلقة، ثم وطئها، وقال: ظننت أنه لا يبرئها مني إلا الثلاث، فلها صداق واحد، ولا حد عليه إن عذر بالجهالة، ولو طلقها بعد البناء ثلاثاً، ثم وطئها في العدة، لم يحد إن عذر بالجهالة.

الجزء: 10 - الصفحة: 198

قلت: ظاهره أوقع الثلاث مرة أو مفترقات.
وقال الشيخ عن الواضحة: قال أصبغ: من نكح امرأته المبتوتة؛ لم يحد كان عالماً أو جاهلاً للاختلاف.
فيها: وأما إن كانت مطلقة ثلاثاً، فإن كان عالماً حد؛ لأنه لم يختلف فيه، وإن كان جاهلا لم يحد، وهذا استحسان، والقياس حده ولا يعذر.
قلت: الخلاف في البتة أشهر منه في لفظ الثلاث دفعة، وتقدم نحو هذا للخمي في نكاح أم امرأته عليها، وتقدم الخلاف في الواطئ بنكاح المتعة، دون بينة عليه فتذكره.
ولابن رشد في كتاب الاستبراء، في آخر مسألة من نوازل سحنون، تحصيل هذه المسألة: أن الأمة المبيعة إن بقيت بيد بائعها فوطئها قبل الاستبراء، أو كان مبتاعها ائتمنه على استبرائها، وهي ممن يتواضع لرفعتها؛ أو لأن بائعها كان وطئها، فإنها تكون أم ولد له، ويبطل البيع، وإن وطئها بعد استبرائها بائتمان المبتاع له على استبرائها، أو كانت من الوخش الذي لا مواضعة فيه، وقد انتقد حد، ولم يلحق به الولد ولأمة وولدها للمبتاع، واختلف إن كان لم ينتقد وهي عنده محبوسة في الثمن.
فقال ابن القاسم: لا يحد ويأخذ المشتري جاريته وعلى البائع قيمة الولد.
وقال سحنون: تكون أم ولد له، ويبطل البيع.
وفيها: ولا يعذر العجم، إذا ادعوا الجهالة، ولم يأخذ مالك بالحديث الذي قالت زينب بمرغوس بدر همين، ورأى أن يقام الحد في هذا.
عياض: هو بفتح الميم وسكون الراء وضم الغين المعجمة وآخره سين مهملة، قال في بعض النسخ: يعني أسود.
وفي كتاب ابن عتاب: بمرغوس يعني بدرهمين.
وقال بعضهم: هو عبد أسود مقعد، كانت هذه الجارية تختلف إليه، فأعطاها درهمين وفجر بها.
وقوله: بدرهمين تفسير بمرغوس أى: بدرهمين من كتب بعض شيوخنا وتعليقه، وهو نحو ما في كتاب ابن عتاب، وهذا الوجه ضعيف؛ لأنه جاء في أصل الخبر حين

الجزء: 10 - الصفحة: 199

استفهمها عمر، وكانت نوبية معتقة لحاطب بن أبي بلتعة، فقالت: بدرهمين من مرقوس، كذا في رواية أحمد بن خالد في غير المدونة بقاف الشيخ عن ابن حبيب: وقال أصبغ في حديث مرغوس: أنه يدرأ الحد عمن جهل الزنا ممن يرى أن مثله يجهله.
اللخمي: قول مالك أشهر، وقول أصبغ أقيس.
وقد قال سحنون فيمن أسلم بدار الحرب، ثم خرج لا قضاء عليه فيما ترك من الصلوات قبل خروجه، إن كان غير عالم بفرضها.
قلت: الأظهر أن اختلاف قولي مالك وأصبغ؛ إنما هو في تحقيق مناط، وهو هل يتصور اليوم جهل حكم الزنا أم لا؟ وقول سحنون بناء على أن من شرط إسلام الكافر صلاته حسبما تقدم للمتيطي.
وسمع عيسى ابن القاسم: من جاع فباع امرأته من رجل، فأقرت له بذلك فوطئها مشتريها، ثم عثر على ذلك، وجدت في مسائل بعض أصحابنا عن مالك، وهو رأيي أنهما يعذران، وتكون طلقتها بائنة، ويرجع عليه المشتري بالثمن.
قلت: فلو لم يكن بها جوع؟ قال: فخير أن تحد وينكل زوجها، ولكن درء الحد أحب إلي، وقد قال مالك في الرجل يسرق من جوع يصيبه أنه لا يقطع.
ابن رشد: لا شبهة أقوى من الجوع.
وقوله: تكون طلقة بائنة، هو ظاهر قول مالك في سماع يحيى من تاب العتق.
وقيل: تبين منه بالبتة، قاله ابن هب ورواه ابن عبد الحكم.
وقوله: إن لم يكن بهما جوع أحب إلي، درء الحد بالشبهة، وجه الشبهة أن المشتري يملكها بشرائه ملك الأمة، فيكون في وطئه إياها كالمكره، وإن كانت طائعة، إذ لو امتنعت لقدر على إكراهها.
قلت: كون أصل فعلها في البيع الطوع ينفي كونها مكرهة.
قال ابن رشد: وعلى قول ابن الماجشون: فيمن زوج ابنته رجلاً، فحبسها وأرسل إليه أمته فوطئها، فإنها تحد إلا أن تدعي أنها ظنت أنها زوجت منه، تحد كمن طاعت

الجزء: 10 - الصفحة: 200

لزوجها ببيعها فوطئها المشتري، إلا أن تدعي أنه أكرهها على الوطء.
وهو قول ابن وهب في سماع عبد الملك من طلاق السنة: أنها ترجم إن طاوعته على البيع، وأقرت أن المشتري أصابها طائعة، وإن زعمت أنه استكرهها لم تحد، ونصوص المدونة وغيرها واضحة بحد المقر بالزنا طوعاً، ولو مرة واحدة.
اللخمي في الموازية: قيل لمالك: أللإمام إذا اعترف رجل عنده بالزنا أن يعرض عنه أربع مرات قبل أن يقيم عليه الحد؟ قال: ما أعرفه إذا اعترف مرة واحدة، وأقام على ذلك حد.
وفي القذف منها: إن ظهر بامرأة حمل وقالت: تزوجني فلان والحمل منه، فإن لم يقم بينه بالنكاح حدت، وحد الزوج إن صدقها، ومثله في الموازية وغيرها.
اللخمي: تحد إن لم يكن زوج ولا سيد ولا شبهة، ولم تكن طارئة.
قلت: وكذا نقله الباجي عن محمد، ولم تكن طارئة.
اللخمي: فإن كانت طارئة وقالت: هو من زوج طلقني، او غاب عني لم تحد، وإن لم تكن طارئة وادعت أنه من غصب، وتقدم لها ذكر ذلك، أو اتت متعلقة برجل، أو كام سماعاً واشتكت، ولم تأت متعلقة به لم تحد إن ادعت على من يشبهه، وإن ادعته على رجل صالح حدت، هذا إن تقدمت الشكوى قبل ظهور الحمل، وإن لم تذكره إلا بعد ظهور حدت، إلا أن تكون معروفة بالخير، وقالت: كتمت ذلك رجاء أن لا حمل، أو أن يسقط، فتعذر.
ومثله لو لم تسم من استكرهها، وهى معروفة بالخير، هذا الذي أخذ به، ومثله عن عمر رضى الله عنه في امرأة ظهر بها حمل، وقالت: كنت نائمة فما أيقظني إلا وقد ركبني رجل، فأمر أن ترفع إلى الموسم هي وناس من قومها، فسألهم عنها، فأثنوا عليها خيراً، فلم يحدها، وكساها وأوصى بها أهلها.
الشيخ عن الموازية: إن رجع عن إقراره لوجه وسبب لم يختلف أصحاب مالك في قبول رجوعه.
قال مع ابن حبيب عن ابن الماجشون: مثل أن يقول: إنما أردت أني أصبت امرأتي

الجزء: 10 - الصفحة: 201

حائضاً أو جاريتي وهي أختي من الرضاعة، فظننت ذلك زناً.
أبو عمر: اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على قبول رجوع المقر بالزنا والسرقة وشرب الخمر، إذالم يدع المسروق منه ما أقر به السارق.
وقال ابن أبي ليلى وعثمان: لا يقبل رجوعهم في شئ من ذلك.
ابن زرقون: وحكاه الخطابي في شرح لسنن عن مالك، وهو غريب.
قلت: لعله فيما لم يذكر له وجهاً.
الباجي: إن رجع لغير شبهة فروى ابن وهب، ومطرف في الموازية: أنه يقال، وقاله ابن القاسم، وابن وهب، وابن عبد الجكم، وعن مالك: لا يقبل منه، وقاله أشهب وعبد الملك.
أبوعمر: اختلف قول مالك في المقر بالزنا أو بشرب الخمر يقام عليه بعض الحد، فيرجع تحت الجلد قبل تمام الحد.
فقال مرة: إن أقيم عليه أكثره أتم، ومرة قال: يقبل ولا يضرب بعد رجوعه، وهو قول ابن القاسم، وجماعة العلماء.
قلت: للشيخ عن الموازية، قال أشهب وعبد الملك: لا يقال إلا أن يورك، فيقال ما لم يضرب أكثر الحد، فليتم عليه ولا يقال وإن ورك.
وفي ثبوت الإقرار بشاهدين قولان تقدما، في الشهادة في الزنا، وفي أول قذفها من شهد عليه أربعة أنه وطئ هذه المرأة، ولا يدرون ما هي منه؛ فعليه الحد إلا أن يقيم بينه أنها زوجته أو أمته، أو يكونا طارئين، فلا شئ عليه إذا قال: هي أمتي أو امرأتي، وأقرت له بذلك إلا أن تقوم بينة، بخلاف ما قال الشيخ عن ابن حبيب.
قال ابن الماجشون: من قال: وطئت فلانة بنكاح البارحة، أو اشتريت أمة فلان فوطئتها لم يكلف بينه بنكاح ولا شراء ولا يحد؛ لأنه لو وجد مع امرأة يطؤها.
قال: هي زوجتي، هذا يكلف البينة إن لم يكن طارئاً، ولا أقر بزنا صيح، وقاله علماؤنا، وغلط فيه بعض من يشار إليه، وقاله مطرف وأصبغ.
ابن الماجشون: ولو شهدت بينه أنهم رأوا فرجه في فرج امرأة غائبة عنا لا ندري

الجزء: 10 - الصفحة: 202

من هي.
قال: كانت زوجتي وطلقتها، أو أمتي وقد بعتها، وهو معروف أنه غير ذي زوجة ولا جارية صدق، ولم يكلف بينة، ولو أخذته معها كلفته البينة، إن لم يكن طارئاً، ولو لم يدع ذلك، وقال: كذب الشهود حد، وقاله مطرف وأصبغ.
الصقلي: روى محمد: سواء وجد مع امرأة يطؤها، أو أقر بذلك، وادعى الزوجية فليحدا.
قال ابن القاسم: وجدا في بيت أو طريق إلا أن يقيما بينه بالنكاح، ولا تقبل شهادة أبيها أو أخيها، إلا أن يكون أمراً قد عرف وسمع، فلا يحدان، ولكن لا يبقيان على ذلك حتى يأتنفا نكاحاً جديداً بعد الاستبراء.
وفيها: إن شهد عليها بالزنا أربعة عدول، فقالت: أنا عذراء أو رتقاء، ونظر النساء إليها فصدقتها لم ينظر إلى قولهن وحدت، ألا ترى أن البكر إن أنكر زوجها الوطء بعد إرخاء الستر، وادعته وشهد النساء أنها بكر أن قولهن لا يقبل، ولا تكشف الحرائر على مثل هذا.
اللخمي: لا أرى أن تحد لوجهين: أحدهما: ان شهادة النساء بذلك، شبهة لا شك فيها.
والثاني: أنه يصح أن توقف شهادة الرجال بشهادة النساء؛ لأنه من باب الاختلاف لا من باب التجريح، ولا وجه لإقامة الحد عليها مع القدرة على معرفة ما تقوله، فينبغي أن ينظر إليها جماعة من النساء يقع بقولهن العلم.
ولو قالت: أنا أنكشف إلى أربعة رجال ينظرون إلي، ولا أجلد ولا أرجم؛ لأني قائمة البكارة، ولم يصل إلي زوجي؛ لكان ذلك لها؛ لأن هذه ضرورة، وإذا جاز نظر الرجال أولاً لإقامة الحد، كان جوازه لدرئه أولى.
قلت: ويؤيد دليل قولها فيمن رجمه الإمام، فظهر أنه مجبوب أنه من خطأ الإمام.

الجزء: 10 - الصفحة: 203

باب في شرط إيجاب الزنا الحد

وشرط إيجاب الزنا حده تكليف الزاني إجماعاً (1). وقول اللخمي في النكاح الثالث، إذا شارف البلوغ ولم يحتلم.
فقال مالك مرة: يحد إذا زني بناء على ثبوت البلوغ، بالإنبات وإسلامه على المعروف.
اللخمي: وقال المغيرة في المبسوط: يحد حد البكر بكراً كان أو ثيباً، وقول مالك: لا يحد، ويرد إلى أهل دينه، ويعاقب إذا أعلنه أحسن.
قلت: لعل قول المغيرة: لأن شرط الإحصان الإسلام، وفي كلام أبي عمر ميل إلى أحد قولي الشافعي.
وقول الطحاوي: أنه يحد كما يقطع في السرقة.

باب في شرط الإحصان الموجب للرجم

فحد المحصن رجمه بالوطء المباح بنكاح صحيح، لا خيار فيه من بالغ مسلم من إحصان اتفاقاً (2).

الجزء: 10 - الصفحة: 204

أبو عمر في الكافي: الفاسد الذي لا يحصن ما يفسخ بعد البناء كالشغار، والذي لا يفسخ بعد البناء الوطء فيه إحصان.
اللخمي عن المغيرة وابن دينار: الوطء الفاسد كوطء الحائض والمحرمة والمعتكفة والصائمة كالصحيح.
وفي كونه في نكاح ذي خيار أمضي بعد الوطء إحصانًا نقلا اللخمي عن ابن القاسم وأشهب.
وفيها: والمجنونة تحصن واطئها ولا يحصنها، وقال بعض الرواة يحصنها.
ابن بشير: لو كان الزوجان أو أحدهما مجنونًا، ففي وقوع الإحصان مطلقًا، أو في حق العاقل فقط، ثالثها: إن كان الزوج عاقلًا ثبت الإحصان فيهما، وإلا فلا، فعزاها

الجزء: 10 - الصفحة: 205

ابن عبد السلام لعبد الملك، وابن القاسم ومالك وأشهب ناقلًا عن اللخمي.
قُلتُ: وما نقلها اللخمي إلا في الإحلال.
وفيها: والعبد لا يحصنه ذلك حتى يطأ بعد عنقه، والوطء بعد عتق احدهما يحصن المعتوق منهما، والأمة المسلمة والحرة الكتابيةـ لا تكونان محصنتين حتى توطا هذه بعد إسلامها، وهذا بعد العتق.
وفي نكاحها الثالث: كل وطء أحصن الزوجين أو أحدهما، فغنه يحل المبتوتة، وليس كل ما يحل يحصن، وكان يجري لنا إبطال صدق هذه الكلية، بنقل عبد الحق عن محمد عن ابن القاسم: وطء المجنونة يحصن واطئها ولا يحلها، والكلام على مسألتي النكاح الثالث، وكتاب الرجم وتنافيهما تقدم في النكاح.
واللائطان كالمحصنين وإن لم يحصنا، أبو عمر: قال ابن عباس: حد اللوطي أن يرمى من أعلى بناء في القرية منكسًا، ثم يتبع بالحجارة.
الباجي عن ابن حبيب: كتب أو بكر أن يحرق بالنار ففعل، وفعله ابن الزبير في زمانه، وهشام ابن عبد الملك في زمانه، والقسري العراقي، ومن أخذ بهذا لم يخطئ.
قال مالك: الرجم هي العقوبة التي أنزل الله بقوم لوط، وإن كانا عبدين، فقيل يرجمان؟ وقال أشهب: يحد العبدان خمسين خمسين، ويؤدب الكافران.
قُلتُ: قول أشهب ميل لاعتبار الإحصان.

باب في الحد والتغريب

وحد زنا البكر الحر جلد مائة.
فيها: البكر حده الجلد بغير رجم، بذلك مضت السنة.
ولا نفي على النساء، ولا على العبيد ولا تغريب، ولا يُنفى الرجل الحر إلا في الزنا أو في حرابة فيسجنان جميعًا في الموضع الذي ينفيان إليه، يسجن الزاني سنة والمحارب حتى تعرف توبته.
وفيها في كتاب المحاربين: وقد نفى عمر بن عبد العزيز محاربًا أخذ بمصر

الجزء: 10 - الصفحة: 206

إلى شعب.
قال مالك: وكان ينفى عندنا إلى فدك وخيبر.
وفيها: حد العبد في الزنا خمسون، وفي الخمر والفرية أربعون.
اللخمي: وكذا الأمة وكل من فيه عقد حربة لم تتم، كالمدبر والمكاتب، وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى اجل.
ثم قال في الموازيَّة: إن عمر غرب امرأة إلى مصر، وفي الموطأ أنه غرب عبدًا.
وروى مسلم أنه ? قال: ((البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام))، ولا وجه للاعتذار بالولي، وعلى اعتباره تنفى إن كان لها ولي أو تسافر مع جماعة رجال ونساء كخروج الحج، فإن عدم جميع ذلك، سجنت بموضعها عامًا؛ لأنه إذا تعذر التغريب لم يسقط السجن.
الشَّيخ عن الموازيَّة: قال ابن القاسم: ويكتب إلى والي الموضع أن يسجنه سنة من يوم يصير في السجن.
قال ابن حبيب عن مُطَرِّف: ويؤرخ يوم سجنه.
قال في الموازيَّز: وكراؤه في سيره عليه في ماله في الزاني والمحارب، فإن لم يكن له مال ففي مال المسلمين، وقاله أَصْبَغ.
ابن شاس: فلو عاد أخرج ثانية.
اللخمي: ولا تكون صغارًا مما يؤدي إلى عذابه ولا يجهز.
قُلتُ: وقال الشَّيخ أبو إسحاق: يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله.

الجزء: 10 - الصفحة: 207

فحمله ابن عبد السلام على أنه خلاف المشهور، وليس كذلك؛ لأن مراد الشَّيخ سرعه الإجهاز عليه.
ولذا قال اللخمي: ويخص به المواضع التي هي مقاتل الظهر، وغيره من السرة إلى ما فوق، ويجتنب الوجه، ويجتنب ما ليس مقتلًا كالساقين، ويجرد أعلى الرجل، ولا تجرد المرأة.
قال مالك في المدَوَّنة: لا يحفر له.
قال في الموازيَّة: ولا للمرأة.
أشهب: إن حفر له، فأحب إليَّ أن تخلى له يداه، والأحسن أن لا يحفر له فرأى ذلك واسعًا واستحب عدم الحفر.
وقال ابن وَهْب: يفعل الإمام من ذلك كا أحب.
واستحب أَصْبَغ الحفر مع إرسال يديه.
وقال ابن شعبان: قال بعد أصحابنا: لا يحفر للمقر، ويحفر للمشهود عليه.
الباجي: وحكى ابن مزين عن ابن القاسم: أن كل حد يكون منه القتل، فإنه يستعجل بالمريض، ولا تنتظر إفاقته، وحكاه الصقلي أيضًا عن ابن القاسم.
اللخمي: لا يقام على حامل حد؛ لأن الرجم قتل لولدها، والجلد يخشى منه عليه وعليها، فإن وضعت وكانت بكرًا أخرت حتى تتعافى من نفاسها؛ لأنها مريضة، وإن شهد على امرأة بالزنا منذ أربعين يومًا أخرت، ولم تضرب ولم ترجم حتى تتم لها ثلاثة أشهر من حين زنت، فينظر أحامل هي أم لا؟ ولا يستعجل الآن لإمكان ان تكون حملت، وإن لم يمض لها أربعون يومًا جاز تعجيل حدها جلدًا أو رجمًا، إلا أن تكون ذات زوج فيسأل.
فإن قال: كنت استبرأتها فيها حدت ورجمت.
وإن قال: لم أستبرئ خير بين أن يوم لحقه في الماء الذي له فيها، فتؤخر لتنظر هل تحمل منه أم لا، او يسقط حقه فتحد.

الجزء: 10 - الصفحة: 208

وأجاز ابن القاسم في المدَوَّنة: إذا زنت منذ شهرين أن ترجم إذا نظرها النساء، وقلن لا حمل بها، وليس بالبين؛ لأنه ? أخبر أنه يكون نطفة أربعون يومًا، وأربعين يومًا علقة، وأربعين مضغة، ثم ينفخ فيه الروح.
وإذا كان كذلك أمكن ان يكون في الشهرين علقة، ولا يجوز جينئذ أن يعمل عملًا يؤدي إلى إسقاطه، كما لا يجوز للمرأة أن تشرب ما تطرحه به، وفي الرجم منها إن اجتمع على الرجل مع حد الزنا حد قذف أو شرب خمر، أقيما عليه إلا أن يخاف عليه، فذلك إلى اجتهاد الإمام في تفريق الحدين.
اللخمي: إن لم يحمل إلا إقامة أحدهما، فإن كانا لله قدم آكدهما كالزنا وشرب الخمر، فيحد للزنا إلا أن يخاف عليه في المائة لا في الثمانين، وإن كان الحقان لآدمي كقصاص، وقذف اقترعًا أيهما يبدأ، وإن حمل أدناهما عجل دون قرعه.
قُلتُ: الأظهر تقديم القذف لعدم اندراجه في القتل بخلاف القصاص.
قال: وإن كان أحد الحقين لله، والآخر لآدمي قدم حق الله، إلا أن يكون فيه محل لحق الآدمي، دون حق الله.
قُلتُ: وكذا المريض إن خيف عليه من إقامة الحد أخر.
قال مالك: إن خيف على السارق إن يقطع في البرد أخر.
ابن القاسم: والذي يضرب الجد في البرد مثله، إذا خيف عليه أخر، والحر بمنزلة البرد.
اللخمي: إن كان ضعيف الجسم يخاف عليه الموت، سقط الحد وسجن، وإن كان قصاص رجع إلى الدية.
وفي كونها في ماله أو على العاقلة؛ قولان، وإن كان حد قذف فمن حق المقذوف تفريق ذلك عليه، وكذا حد الزنا والشرب.

الجزء: 10 - الصفحة: 209

عياض: قوله: والحر عندي بمنزلة البرد خلاف قوله في السرقة، إن كان الحر كالبرد، فهو مثله، وكلاهما خلاف ما في «الموازيَّة» أنه بخلاف البرد.
ابن شاس: أما مستوفي الحدود، فهو الإمام في حق الاحرار.
قُلتُ: هو مقتضى قولها: ومن زنت جاريته، ولها زوج فلا يقيم عليها الحد، وإن شهد عليها أربعة سواه، والتمسك بهذا اللفظ منها في قصر إقامة الحد على الإمام أبين من أخذه بعضهم من قولها، ولا ينبغي أن يقيم الحدود في القتل ولاة المياه، وليجلب إلى الأمصار، ومصر كلها لا يقام القتل فيها إلا بالفسطاط، أو يأمر واليه لمن يكتب إليه به.
وفيها: مع غيرها ولا بأس أن يقيم السيد على مملوكه حد الزنا والقذف والخمر لا السرقة، ولو شهد بها عنده عدلان سواه، ولا يقيمها على العبد إلا الوالي فإن قطعه السيد والبينة عادلة وأصاب وجه القطع؛ عوقب ولا يحد عبده في الزنا إلا بأربعة سواه، فإن كان أحدهم رفعه إلى الإمام.
الباجي: إن لم يثبت ذلك عليه إلا بعلم السيد فهل يقيم عليه الحد؟.
قال ابن الجلاب: فيه روايتان: جواز ذلك ومنعه.
قُلتُ: عزا الأولى اللخمي لرواية «المبسوط».
قال: وقال عبد الملك: إن رأى أمته تزني، لم يجلدها إذ ليس للسلطان أن يجلد برؤيته، وإن كان حمل أو ولد؛ فله أن يجد فيه ويحضر للحد أربعة فصاعدًا.
قال مالك: قد يعتق فيعتبر عليها، فلا يسقط حد قاذفها إلا أربعة شهداء.
وقال مالك: من وجد عبده سكرانًا، لم يجلده حتى يشهد على سكره ويحضر جدله رجلان؛ لأن عسى أن يعتق فيشهد، فيحلف المشهود عليه، ما ترد به شهادته.
وفيها: من زنت جاريته، ولها زوج لم يقم عليها الحد، وإن شهد عليها أربعة سواه حتى يرفع ذلك إلى السلطان.
اللخمي: إن كان زوجها عبده، فله إقامته عليها، وإن كان لغيره لم يقمه، قاله في مختصر ابن عبد الحَكم؛ لأنه مما يغر الزوج، ويفسد جسمها، إلا أن يعترف الزوج يصحة الشهادة، فيقيمه دون الإمام.

الجزء: 10 - الصفحة: 210

قال أبو إسحاق التونسي: وكذا العبد إن كانت له زوجة حرة أو أمة لغير سيده، فلا يقيم الحد عليها إلا الإمام.
الشَّيخ: إكراه الذمي مسلمة على وطئه إياها يوجب قتله لأنه نقض، رواه محمد.
وفي شرط ثبوته بأربعة بزناه والاكتفاء بشاهدين فقط، سَماع سَحنون ما رجع إليه ابن القاسم، وما رجع عنه.
ابن رُشْد: اختلف إن زنى بها طائعة، فقال ربيعة: هو نقض.
وسمع عبد الملك ابن وَهْب: تضرب المرأة الحد ويضرب النصراني ضربًا يموت منه، وإن كان اغتصبها نفسها طلب.
وقال أشهب: يضرب ضربًا موجعًا لما لم يوفِّ لهم بالعهد، ولو وفَى لهم بالعهد كان نقضًا.
وقال ابن عبد الحَكم: لا يكون نقضًا، وإن وفَّى لهم بالعهد، وأما جرح النصراني للمسلم وقذفه إياه، فلم يروه نقضًا.
الشَّيخ عن محمد: وإن استكره أمة مسلمة لم يقتل، كما لو قتلها، وفيه اختلاف وهذا أحب إليَّ لما جاء: لا يقتل حر بعبد.
قال مالك: وعليه في الأمة ما نقضها في البكر والثيب.

باب القذف

القذف الأعم: نسبة آدمي غيره لزنا، أو قطع نسب مسلم، والأخص بإيجاب الحد نسبة آدمي مكلف غيره حرًّا عفيفًا مسلمًا بالغًا، أو صغيرة تطيق الوطء، لزنا أو قطع نسب مسلم، فيخرج قذف الرجل نفسه.

الجزء: 10 - الصفحة: 211

وقول ابن الحاجب هو ما يدل على الزنا أو اللواط، والنفي عن الأب أو الجد لغير المحمول، فيه تكرار الثاني والأخير؛ إذ المحمول لا نسب له يعرف، فلا يتصور نفيه وهو كبيرة.
وفيها: من قال لرجل: لست ابن فلانة لأمه لم يحد.

الجزء: 10 - الصفحة: 212

الشَّيخ عن ابن حبيب: روى مُطَرِّف: من قال لرجل: ليست أمك فلانة لم يحد.

باب الصيغة الصريحة للقذف

الصيغة: صريحة وهي ما دل عليه بذاته، فلا تقبل دعوى إرادة غيره.
الباجي: من قال لرجل: يا زان.
وقال: أردت أنه زان في الجبل.
يقال: زنأت في الجبل إذا صعدت.
قال أَصْبَغ: يحد ولا يقبل قوله إلا أن يكونا في ذلك الحال، وتبين أنه الذي أراده ولم يقله في مسابة.
قال ابن حبيب: يريد: ويحلف.

باب في التعريض بالقذف

وتعريض وهي ما دل عليه بقرينة بينة.

الجزء: 10 - الصفحة: 213

قال ابن شاس: كقوله: أما أنا لست بزان.
قُلتُ: إن قال رجل لرجل في مشاتمة: إني لعفيف الفرج، وما أنا بزان ففي الموازيَّة يحد.
قُلتُ: فقيد الحد في قوله: ما أنا بزان بكونه في مشاتمة.
وقيده ابن شاس بقوله: أما أنا.
وفي المدَوَّنة: من قال لرجل: ما أنا بزان، أو أخبرت أنك زان، ولم يقيدها الصقلي بشيء، وفي الموطأ تقييده بالمسابة.
الباجي عن ابن الماجِشُون: من قال لامرأة في مشاتمة: إني لعفيف، حد، ولو قاله لرجل حد إلا أن يدعي أنه أراد عفيف في المكسب والمطعم، فيحلف ولا يحد وينكل، ومن قال في مشاتمة: إنك لعفيف الفرج؛ حد.
الشَّيخ: روى ابن وَهْب: من قال لرجل: يا ابن العفيفة حلف ما أراد قذفًا، وعوقب أَصْبَغ إن كان على وجه المشاتمة حد.
وسمع أشهب في الذي يشهر بالمرأة في الشعر، فيوقف على ذلك، فيقول: قول قلته ليس له عندي أصل ما رأيت أحدًا حد في مثل هذا، ولم يزل الشعراء يقولون، فما رأيت من حد فيه إلا أن يكون الشيء البين جدًّا؛ لأن للشعراء استعارات لطيفة، ومجازات بعيدة.
وقال ابن حرز في كتاب اللعان: من عرض لولده في القذف، لم يحد لبعده من التهمة في ولده، ولذا لم يقتل به إلا أن يتبين عمده.
وعزاه الشَّيخ في القذف لابن الماجِشُون، ومرة لمالك.
وفيها: من قال لعربي: يا مولى أو يا عبد حد.
وفيها: من قال لعربي: لست من العرب، أو قال له: يا حبشي أو يا فارسي أو يا

الجزء: 10 - الصفحة: 215

رومي حد، وإن قال لفارسي أو لبربري: يا عربي لم يحد.
واختلف قول مالك: فيمن قال لبربري أو لرومي: ياحبشي، هل يحد أو لا؟ وأرى أن لا حد عليه.
اللخمي: من قال لرجل: يا ابن اليهودي، أو يا ابن النصراني.
فقال ابن القاسم: يحد.
وقال أشهب: لا يحد.
قُلتُ: وربما أجريا على القولين في التكفير بنفي الصفات وعدمه.
قال: وكذا قوله: يا ابن الأقطع أو يا ابن الأعور، ويا ابن الأحمق أو يا ابن الأقرن أو يا ابن الآدم، وليس أحد من آبائه كذلك حد عند ابن القاسم، وعلى قول أشهب لا يحد.
وإن قال: يا ابن الحجام أو يا ابن الخياط، وليس في آبائه من عمل ذلك.
فقال ابن القاسم: إن كان المقول له ذلك من العرب حد، وإن كان من الموالي لم يحد.
وروى ابن وَهْب: يحد فيهما، إلا أن يكون من آبائه من عمل ذلك.
وقال أشهب: لا حد عليه فيهما، إن حلف أنه لم يرد نفيه من آبائه.
وفيها: من قال لرجل: زنى فرجك أو يدك أو رجلك حد.
الصقلي عن محمد: قال أشهب: لا يحد في قوله: زنت يداك أو رجلاك وينكل.
الباجي: من قال لرجل: ليس لك أصل ولا فصل، ففي الموازيَّة والعتبيَّة لا حد عليه.
وقال أشهب: يحد.
وقيل: إن كان من العرب، ففيه الحد، ولابن حبيب عن ابن الماجِشُون إن قاله في مشاتمة، فإن لم يكن من العرب؛ ففيه الأدب في الخفيف مع السجن، وإن قاله لعربي حد إلا أن يعذر بجهل، فيحلف ما أراد قطع نبسه، وعليه ما على من قاله لغير عربي، وإن لم يحلف حد.

الجزء: 10 - الصفحة: 216

وفي زاهي ابن شعبان: لو قال مولى لعربي: أنا خير منك حد، وقاله الزهري وكذا لو كانا ابني عم، قاله أحدهما لصاحبه، وفي هاتين المسألتين اختلاف، وبهذا أقول.
وروى اللخمي وغيره: من قال لرجل: لا أبى لك لا شيء عليه إلا أن يريد النفي، وهذا مما يقوله الناس في الرضا، ومن قاله في مشاتمة أو غضب، فهو شديد، ويحلف ما أراد نفيًا.
وفيها: إن قال له: أنت ابن فلان نبسة إلى جده، ولو في مشاتمة لم يحد، وكذا لو نبسه إلى جده لأمه، ولو نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه حد، وكذا إن نسبه إلى غير أبيه على غير سباب.
ولما ذكر الباجي قول ابن القاسم: لا يحد.
وقال أشهب: يحد، قال محمد: قول ابن القاسم أحب إلي إلا أن يعرف أنه أراد القذف، مثل أن يتهم الجد بأمه ونحوه، وإلا لم يحد قد ينسب إليه لشبهه في طبع أو خلق.
ثم ذكر قول ابن القاسم في نسبته إياه إلى عم أو خال أو زوج أم، قال: وقال أشهب: لا حد عليه إلا أن يقوله في مشاتمة.
وقال أَصْبَغ ومحمد، قال أَصْبَغ: قد سمى الله تعالى العم أبًا، فقال تعالى: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:133] ونحوه.
ونقل اللخمي وابن شاس: وطاهره أو نصه أن قول أَصْبَغ كأشهب.
وقال ابن الحاجب: لو نسبه إلى جده في مشاتمة، لم يحد إلا ببيان القذف بخلاف عمه.
وقال أشهب: يحد فيهما.
وقال أَصْبَغ: لا يحد فيهما بخلاف خاله، وزوج أمه وما نقله عن أَصْبَغ خلاف نقل ما تقدم عنه، ولعله نص قول أَصْبَغ بالجد والعم من مفهوم استدلاله.
اللخمي: من قال لامرأة يا زانية، فقالت: بك زنيت.
فقال مالك: تحد للرجل وللزنا إلا أن تنزع عن قولها؛ فتحد للرجل فقط، ولا يحد

الجزء: 10 - الصفحة: 217

لها؛ لأنها صدقته.
وقال أشهب: إن نزعت، وقالت: ما قلت ذلك إلا على وجه المجاوبة، ولم أرد قذفًا، ولا إقررارًا؛ فلا تحد ويحد الرجل.
وقال أَصْبَغ: يحد كل منهما لصاحبه، وإن نزعت عن قولها، ولو قال ذلك لامرأته فأجابته بذلك.
فقال الشَّيخ عن عيسى عن ابن القاسم: لا حد عليها للقذف، وعليه الحد لها إلا أن يلاعن.
قال عيسى: لا حد عليه ولا لعان.
قال: وقال محمد عن ابن شهاب: من قال لرجل: يازان، فأجابه: أنت أزنى مني أنه قذف منه، وإقرار بالزنا.
وهذا يؤيد قول ابن القاسم: وأبى ذلك مالك، وقال: يحدان جميعًا، ـ وإليه نزع أَصْبَغ.
اللخمي: من قال لرجل: يا ابن الزانية، فأجابه بقوله: أخزى الله ابن الزانية.
فقال ابن القاسم: يحلف المجيب أنه ما أراد قذفًا، فإن لم يحلف سجن حتى يحلف.
وقال أَصْبَغ: هو معرض، ويحد ثمانين، وقول ابن القاسم أبين.
وسمع أَصْبَغ ابن القاسم، في مسلم قال لنصراني: يا ابن الفاعلة، فقال له أخزى الله ابن الفاعلة، يحلف النصراني بالله ما أراد قذفًا، فإن لم يحلف سجن حتى يحلف، وقال أَصْبَغ: يحد؛ لأنه جواب في مشاتمة، فهو تعريض.
ابن رُشْد: إن طال أمره ولم يحلف تخرج على قولين: أحدهما: أنه يطلف ولا يكون عليه شيء،؟؟؟: أنه يحد.
وفيها: من قال لزوجته: زنيت وأنت مستكرهة، أو قال ذلك لأجنبيه لاعن للزوجة وحد للأجنبية، ولو جاء في هذا ببينة لم يحد.
الصقلي في الموازيَّة: يحد وإن أقام البينة؛ لأنها ليست بذلك زانية.
وعزاه اللخمي لمحمد وسَحنون، وحملاه على إرادة التعريض بما كان طوعًا؛ لأن

الجزء: 10 - الصفحة: 218

المستكرهة لا ينسب الفعل إليها.
فيقال لها: زنيت، وإنا يقال: زني بها، والأول أبين؛ لأن ذلك مما لا تميزه العامة.
قُلتُ: فينتج الفرق بين العامي وغيره.
اللخمي: قال ابن القاسم: من قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو أنت نصرانيَّة أو مستكرهة لاعن؛ لأنه قاذف أو معرض.
وعلى قول أشهب وعبد الملك: لا لعان عليه، إذا أثبت ما رماها به، وهو أحسن، ولم يذكر ابن القاسم صفة لعانه، ويشبه أنه إن شهد أربع شهادات بالله أنه لم يرد تعريضًا؛ وإنما أراد ما أثبت أنه كان في الصبا أو الكفر، ولا لعان عليها.
وفيها: من قال لعبد أو أمة قد عتقا: زنيتما في حال رقكما، أو قال لهما: يا زانيا، ثم أقام بي نة أنهما زنيا في الرق، لم يحد؛ لأن اسم الزنا لازم لهما في حال الرق، وإن لم تقم البينة حد.
ولو قال: زنيتما في حال الصبا أو الكفر، وأقام بذلك بينة، لم ينفعه ذلك، وحد؛ لأن هذا لا يقع عليه اسم زنا.
اللخمي: ولو قال: لمن يعرض له جنون، ثم يفيق: يا زان، أو زنيت وأنت مجنون.
فعلى قول ابن القاسم: يحد ولو أثبت ذلك.
وعلى قول عبد الملك: لا يحد إن أثبت ذلك.
وعلى قول أشهب: يحد إن قاله في مشاتمة، وإن قاله في غير مشاتمة لم يحد، وإن لم يثبت ذلك.
قُلتُ: دليل قول ابن القاسم، أنه غير منصوص له.
وفيها: في أوائل الرجم: ويحد قاذف المجنون، وكان يجري لنا مناقضتها بقولها في القذف: كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمى به رجلًا حد الفرية، ويجاب بحمل قولها في الرجم على المجنون الذي يفيق أحيانًا.
الشَّيخ في الموازيَّة: من قال لجماعة: أحدكم زان أو ابن زانية لم يحد، إذ لا يعرف من

الجزء: 10 - الصفحة: 219

أراد، وإن قام به جماعتهم.
فقد قيل: لا يحد، ولو أدعي أحدهم أنه أراده، لم يقبل منه إلا بالبيان أنه أراده.
وقال ابن رشد في رسم العرية، من سماع عيسي ما حكاه ابن المواز: أنه قد قيل لا يجد، وقد قام به جماعتهم بعيد؛ لأنه يعلم أنه قال: أحدهم، فلا حجة له إذا قام به جميعهم، ووجه على بعد أنه لما جهل المقذوف منهم لم يحد؛ لأن الحد؛ إنما هو لإسقاط المعرة عن المقذوف، والمعرة لم تلحق بواحد منهم بعينه، فيحد له ولا لجميعهم، إذ لم يقذف إلا واحداً منهم.
وسمع عيسي ابن القاسم: من قال لرجل يا زوج الزانية، وتحته امرأتان، فعفت واحدة، وطلبت الأخرى حدها، إن حلف أنه ما أراد بالقذف إلا التي عفت بريء، فإن نكل حد.
ابن رشد: وكذا لو كانت إحداهما قد ماتت، وقامت الحية بحدها؛ لكان القول قوله مع يمينه، أنه إنما أراد الميتة.
وذكر الباجي مسألة عيسي لابن القاسم في العتيبة والواضحة، قال: وهذا خلاف ما ذكر محمد في القائل لجماعة: أحدكم زان ويحتمل أن الجماعة في مسألة محمد خرجوا بكثرتهم عن حد التعيين، وأن الاثنين وما قرب في حد التعيين.
الشيخ عند محمد: من قال لرجل: يا قرنان حد، إن قامت به امرأته؛ لأنه عند الناس زوج الفاعلة، وقال ابن القاسم.
وقال يحيي بن عمر: لا يحد ويضرب عشرين سوطاً.
قال ابن شاس: قال القاضي أبو عبد الله بن هارون المالكي البصري: من قال لرجل: يا نغل حد؛ لأنه قذف، ولو قال الرجل لنفسه: أنا نغل حد؛ لأنه قذف أمه، وكذا لو نسب نفسه لبطن أو نسب أو عشيرة غير بطنه أو نسبة وعشيرته حد؛ لأنه قذف أمه.
قلت: واللفظة بالنون والغين المعجمة.
قال الجوهري: نغل الأديم بالكسر أي: فسد، فهو نغل، ومنه قولهم: فلان نغل إذا

الجزء: 10 - الصفحة: 220

كان فاسد النسب.
قلت: فينبغي ضبط الغين بالكسر على وزن حذر.
قال ابن عبد السلام: وطرد هذا أن من قال لرجل: يا ولد زني، ثم عفا المقول له ذلك عن القاذف أن للأم القيام بحقها في الحد.
قلت: وهذا اللازم حق، وهو مقتضي قولها: ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان، لست لأبيك، ضرب سيده الحد.
وقال اللخمي: وذكر سحنون عن أشهب: لا حد على من قطع نسب عبد، وإن كان أبواه حرين؛ لأنه يصح أنها أتت به، وزعمت أنها ولدته؛ فلا يكون قذفاً لواحد منهما.
وفيها: من قذف ولده أو ولد ابنه، أو ولد ابنته، فقد استثقل مالك، أن يجد: لولده وقال: ليس ذلك من البر.
ابن القاسم: إن قام بحقه حد له، ويجوز عفوه عنه عند الإمام، وكذا ولد الولد.
زاد الشيخ عنه في الموازية:: يحد له، ثم لا تقبل شهادة الولد في شيء، لقوله تعالي: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾} [الإسراء:23] وهذا يضرب بظهره.
ولابن حبيب عن أصبغ: لا يحد له أصلاً.
واستشكل الشيخ عز الدين الحكم له بحده مع تجريحه؛ لأن الحاكم لا يحكم بمعصية.
وذكر ابن عبد السلام الخلاف في حده لابنه بصريح القذف وتعريضه.
وتقدم لابن محرز عن المذهب.
وللشيخ عن ابن الماجشون: أنه لا يحد في تعريضه بابنه.
وفيها: من قال بنيه: ليسوا بولدي، فقام عليه إخوتهم لأمهم نم رجل غيره بحده وقد ماتت، إن حلف أنه لم يرد قذفاً، وإنما اراد في قلة طاعتهم لم يحد، وإن نكل حد.
وسمع ابن القاسم: من شتمه خاله أو عمه أو جده لا أرى له عليهم شيئاً، إن كان على وجه الأدب له، وكأني رأيت مالكاً لا يري الأخ مثلهم إذا شتمه.

الجزء: 10 - الصفحة: 221

ابن القاسم: ولو قذفه عمه أو جده أو خاله؛ حد له.
ابن رشد: قوله في الأخ يريد: إن قاربه في السن والحال، وإن كان له عليه فضل في السن والسداد والعقل والفضل ما يشبه أن يكون شتمه إياه أدباً كان كالجد والعم.
وقول ابن شاس: والملاعنة وابنها كغيرها واضح في نسبها إلى الزنا، لعدم نفي عفتهما بما أتصفا به.
وفيها: من قال لابن الملاعنة: لا أب لك حد، إن كان على وجه المشاتمة، وإلا فلا حد عليه.
....... على الحر ثمانون ذكراً أو أنثي، وشطرها على ذي رق منهما.

باب في شرط وجود حد القذف

... وجوبه تكليف القاذف ... نصوص المذهب واضحة بذلك.

[باب في شرط الحد ... يفعل الزنا] .. شرط المقذوف يفعله بلوغه وإسلامه وعفافه وحريته وعقله حين رميه بالفاحشة؛ لما تقدم من قولها: كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمي به رجلاً حد

الجزء: 10 - الصفحة: 222

الفرية، وهو خلاف ما وقفت عليه في زاهي ابن شعبان: من رمي امرأته ببينه فعليه الحد، وقاله الزهري وكذا من رمي به من يأمن الرجال.
وقال ربيعه: فيه النكال، ومطيقه الوطء كالبالغة لقولها: من قذف صبيه لم تبلغ المحيض، ومثها يوطأ فعليه الحد.
اللخمي: اختلف إذا كانت في سن من تجامع.
فقال مالك وغيره من أصحابه يحد لها.
وقال ابن الجهم وابن عبد الحكم: لا حد عليه، والأول أحسن للحوق المعرة لها بذلك.

باب في شرط الحد في المقذوف المنفي

وشرطه في النفي: إسلامه؛ لقولها: من قال لرجل مسلم: لست لأبيك وأبواه

الجزء: 10 - الصفحة: 223

نصرانيان جلد الحد، وإن كان أبوه عبداً مسلماً فإنه يحد؛ لأنه نفاه، وكذا إن قال له: لست ابن فلان لجده وجده كافر.
وإسلام أبويه أو حريتهما، لقولها: ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان: لست لأبيك، ضرب سيده الحد، فإن كان أبو العبد قد مات، ولا وارث لهما أو لهما وارث؛

الجزء: 10 - الصفحة: 224

فللعبد أن يحد لسيده في ذلك، وفي الاكتفاء بإسلامه أبيه وحريته دون أمه اختلاف.
وقول ابن الحاجب: ويختص البلوغ والعفاف بغير المنفي صواب لوضوح النصوص فيها، وفي غيرها يحد من قطع نسب مسلم مطلقاً لا بقيد بلوغه ولا عفافه كقولها: وإن قال له: ليس أبوك الكاف ابن أبيه، لم يحد، حتى يقول للمسلم: لست من ولد فلان، ونحوه في غيرها.
قال ابن الحاجب: ويشترط في المنفي شرط من يحد قاذفه لا في أبويه؛ لأن الحد له، فقبله ابن عبد السلام، وهو مردود لما تقدم من قولها: ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان ... إلخ فتأمله، وبه يتبين بطلان تعليله بقوله: لأن الحد له.
وقوله: ولذا فرق بين يا ابن الزاني أو الزانية، وبين يا ابن زنية.
قلت: الفرق المذكور راجع للفرق بين القذف بفعل الزنا، وبين القذف بقطع النسب، لأنه إذا كان زنية، فلا نسب له، ولا يرفع هذا الذي ذكره في التفريق التعقب عليه بمسألة المدونة المذكورة فتأمله.
اللخمي: أقسام المسألة ثمانية: الأول: إن كان جميعهم عبيداً؛ فلا حد.
الثاني: عكسه يحد لقطع نسب الولد، وقذف الأم كمن قذف جماعة، أو واحداً وقطع نسب آخر.
الثالث: كون الابن وحده حراً؛ يحد لقطع نسبه، وينكل لأبوية.
الرابع: كون الأم وحدها حرة، يحد لقذفها فقط.
الخامس: كون الأب حراً فقط؛ لا حد فيه؛ لأنه قطع نسب عبد، وقذف أمه.
قلت: هذا خلاف ما تقدم من قولها.
إن قال لعبده: لست لأبيك، وأبوه مسلم وأمه كافرة أو أمة.
قال السادس: كون الأب والأم حرين، يحد لهما.
السابع: كون الأ [والأم حرين؛ يحد لقطع النسب فقط.
الثامن: كون الأبوين حرين فقط؛ يحد لقذف الأم خاصة.

الجزء: 10 - الصفحة: 225

وفي حمل قصد قاطع النسب على تزنيته الأب أو الأم، ثالثها: نفيها لاحتمال أنها أتت به ولم تلده.
لمالك فيها، وأشهب في الموازية، ولسحنون عنه، وأحسن الأقوال قول من قال: إن انقطاعه من قبل الأم، لأنه مقصد الناس لأمهم يرون أن الفساد من قبول الأم، ولو سمع أن أمه كانت تعذرت عليها الولادة، وأنها جاءت به، وقال: ذلك أردت؛ لم يحد إن كان الولد عبداً، وإن كان الأبوان حرين.
وقال ابن القاسم: من قال لميت: ليس فلان لأبيه، فقام أبوه بحده، وقال: قطع نسب ولدي مني حد، فجعل قيامه لقطع نسب ولده؛ لأنه زناه، وإنما هو قاذف للأم فإن عفا قامت الأم أو وارثها، وعلى القول الآخر يكون القيام للأب لقذفه.

باب العفاف الموجب حد قاذفه

وعفاف المقذوف الموجب حد قاذفه: مسائل المدونة وغيرها واضحة، بأنه السلامة من فعل الزنا قبل قذفه وبعده، ومن ثبوت حده لاستلزامه إياه، كقوله:

الجزء: 10 - الصفحة: 226

رأيتكما تزنينان في صباكما أو كفركما، وأقام بذلك بينه حد؛ لأن هذا لا يقع عليه اسم زني إلى غير ذلك في مسائل المذهب.
ابن حارث: اتفقوا فيمن قذف رجلاً، وأتي بشاهدين أنهما حضرا سلطاناً يقيم عليه حد الزنا، أن ذلك لا يجزئ القاذف إلا أربعة شهداء بذلك، وهل على الشاهدين بذلك حد القذف، رواية محمد، وقول ابن الماجشون.
وفيها: ومن قذف رجلاً بالزنا، فعليه الحد، وليس له أن يحلف المقذوف أنه ليس بزان، وإن علم المقذوف من نفسه أنه كان زني، فحلال له أن يحده، ولما ذكر اللخمي قول مالك هذا، قال: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يحل له أن يقوم بحده.
وقال ابن القاسم في سماع أبي زيد: إذا كان المقذوف يعلم أن القاذف رآه، وهو يعلم ذلك منه، لم يحل له أن يقوم به، وقول ابن عبد الحكم أحسن؛ لقوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾} [النور:4] وهذا ليس بمحصن.
قال ابن شاس: قال الأستاذ أبو بكر: العفاف أن لا يكون معروفاً بالقيان ومواضع الفساد والزنا.
قلت: وظاهر نصوص المذهب خلافه.
وفيها: من قذف رجلاً، ثم ارتد المقذوف، لم يحد قاذفه، ولو رجع إلى الإسلام لم يحد له، كمن قذف رجلاً بالزنا، فلم يحد له حتى زني المقذوف؛ فلا يحد قاذفه.
وفيها: من قذف ميتاً فلولده، وإن سفل ولأبيه، وإن علا القيام بذلك، والأبعد كالأقرب وليس للإخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام، وللأخوات والجدات القيام، إلا أن يكون له ولد، وإن مات ولا وارث له؛ فأوصي بالقيام بقذفه، فلوصية القيام به.

الجزء: 10 - الصفحة: 227

اللخمي: إن مات المقذوف وقد عفا، فلا قيام لوارثه، وإن أوصى بالقيام به، لم يكن لوارثه عفو، فإن لم يعف ولم يوص، فالحق لوارثه العاصب من أنفرد به من عاصب فله القيام به.
ثم ذكر ما تقدم من لفظها، قال: فأدخل النساء والعصبة في القيام.
وفي كتاب محمد: أما الإخوة والبنات والجدات، وغير أب أو أبن، فلا قيام له إلا أن يوصيه، فأسقط الإخوة والعصبة وسائر النساء.
وقال أشهب: ذلك للأقرب فالأقرب، وأما بنت البنت والزوجة فلا.
وفيه: وأما الغائب، فليس لولده ولا لغيره القيام بقذفه.
اللخمي: من قربت غيبته لم يقم بحده غيره، وكتب له في ذلك، فإن بعدت غيبته.
فقال ابن القاسم في الموازية: لا يقدم بحده ولد ولا غيره.
محمد: وقيل ذلك لولده زاد في الواضحة لأبيه وأمه وعلى عدم حده.
قال ابن الماجشون: يسجن حتى يقدم من له عفو أو قيام، وظاهر المدونة أنه لا لا يعرض له بشيء.
قال: وإن لم يحلف من سبه يقوم بذلك، ولا أوصي به لم يقم به، وهذا على أنه حق للمقذوف، وعلى أنه حق لله يقوم به الإمام.
قلت: وفي سرقتها، ولو سمع الإمام رجلاً يقذف رجلاً، ومعه من ثبتت شهادته عليه أقام عليه الإمام الحد.
فيها لمالك: من قذف ناساً شتي في مجالس، فحده لأحدهم حد لجميعهم، وإن لم يعلم بهم حين حده.
اللخمي: وقال المغيرة وابن دينار: إن اجتمعوا وقاموا به؛ حد لهم حداً واحداً، وإن افترقوا، فلكل واحد حده.
وذكر ابن شعبان قولاً ثالثاً: أنه يحد بعدد من رمي كان القذف مفترقاً أو في كلمة واحدة.
وقال ابن رشد في رسم العرية، من سماع عيسي: خالف المغيرة جميع أصحاب

الجزء: 10 - الصفحة: 228

مالك، وقوله هو القياس؛ لأنهم قالوا: القتل يأتي على كل الحدود، إلا الفرية؛ فإنه يحد ثم يقتل.
وفيها: مع سماع عيسي: من قذف قوماً، فلم يقوموا عليه حتى حد في شرب خمر.
فقد سقط عنه في كل فرية كانت قبله.
ابن رشد: لأنهما من جنس.
قلت: وقال اللخمي: هذا أبعد من الأول؛ لأن حد الخمر لا يرفع معرة القذف.
ابن حارث: روي ابن القاسم: وقال أشهب: لا يدخل حد القذف في حد الزنا، ويقام عليه الحدان.
وقال ابن الماجشون: يدخل حد الفرية في حد الزنا.
قال ابن الحاجب: ولو قذف قذفات لواحد أو جماعة؛ فحد واحد على الأصح، وثالثها: إن كان بكلمة واحدة، فتعقبوه بأن ظاهرة ثبوت الأقوال في الواحد والجماعة؛ وإنما هي في الجماعة حسبما تقدم.
قال اللخمي: إن كان يشرب الخمر مراراً، أو زني مراراً، أو افترى على رجل مراراً؛ أجزأ في ذلك حد واحد، واختلف إن قذف جماعة.
وفي رجمها: من قذف رجلاً، فحد له، ثم قذف ثانية؛ حد له ثانية.
وفي الكافي لابن عمر: من قذف إنساناً واحداً مراراً؛ حد له حداً واحداً، فإذا حد له ثم عاد فقذفه؛ لم يكن عليه شيء، ويزجر عن ذلك.
قلت: وفي اختصاره على هذا النقل دون ما في المدونة وغيرها نظر.
وقال اللخمي: إن قال له بعد الضرب: صدقت عليك أو ما كذبت، جلد ثمانين؛ لأنه قذف موثوق.
وقيل: لا شيء عليه إلا العقوبة في تماديه على ذلك، وقد كان أبو بكر متمادياً على قوله: كما تقدم في الشهادات.
وفيها: من قذف رجلاً، فلما ضرب أسواطاً قذفه ثانياً أو أخر، ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه، ولا يعتد بما مضي من السياط.

الجزء: 10 - الصفحة: 229

الباجي لابن الماجشون: إن مضي مثل الأسواط اليسيرة.
قال أشهب: والعشرة الأسواط يسيرة؛ تمادي وأجزأ لهما.
ولابن القاسم في الموازية: إن جلد للأول شيئاً، ثم قذف آخر استأنف الحد، وإن بقي مثل أسواط أو سوطاً تم، ثم حد للثاني.
محمد: وكذا إن بقي مثل العشرة والخمسة عشر، فليتم الحد ويأتنف.
قال أشهب: وإن ضرب نصف الحد، وأكثر أو أقل قليلاً، وليؤتنف من حينئذ الحد.
وقال ابن الماجشون: يبتدأ لهما، فهو على قول أشهب ثلاثة أقسام: قسم إن ذهب اليسير تمادي وأجزأ الحد لهما.
وقسم: إن مضي نصف الحد أو نحوه استأنف لهما؛ فكان ما بقي من الحد الأول لهما، ثم يتمم للمقذوف الثاني بقية حده.
وقسم ثالث: إن لم يبق إلا اليسير، فإنه يتم للأول ويستأنف للثاني.
وعلى مذهب ابن القاسم: قسمان: أحدهما: يستأنف من حيث القذف الثاني لهما، ولا يحتسب بما مضي من الأول.
الثاني: أن يبقي اليسير، فيتم الأول، ويستأنف للثاني، فيتم حد الأول، ثم يستأنف الحد الثاني، فلا يتداخل الحدان.
ابن رشد في المقدمات: لا خلاف أن القذف حق للمقذوف، واختلف هل يتعلق به حق لله أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن فيه حقاً لله، فلا يجوز فيه العفو، بلغ الإمام أم لا، وهو دليل سماع أشهب، وعليه يقيمه الإمام إن انتهي إليه رفعه صاحبه أو أجنبي.
والثاني: لا حق فيه لله، ولصاحبه العفو بلغ بلغ الإمام أم لا، وهو أحد قولى مالك في السرقة والرجم من المدونة.
والثالث: حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام، فإذا بلغه صار حقاً لله، ولم يجز لصاحبه العفو عنه؛ إلا أن يريد ستراً، وهو أحد قولي مالك.

الجزء: 10 - الصفحة: 230

ووقع في المدونة: فيمن قذف رجلاً عند الإمام، وهو غائب أنه يقيم عليه الحد إذا كان معه شهود.
فقال محمد: معناه إذا جاء المقذوف، وقام بحقه على أحد قولي مالك.
ولابن حبيب عن ابن القاسم وغيره: يقيمه عليه، وإن كان المقذوف غائباً، وهذا على قول مالك الآخر.
اللخمي: اختلف قول مالك في حد القذف، هل هو حق له أو للقذف؟ فجعله مرة للمقذوف، فأجاز عفوه عنه، وإن بلغ الإمام، ومرة جعله لله، فلم يجز عفوه، ولو قبل الإمام؛ إلا أن يريد ستراً، ولم يختلف أن عفوه جائز، إذا أراد ستراً، وهذا يحسن فيمن لم يعرف بذلك، وكان ذلك منه فلتة.
قال ابن الحاجب: وحد القذف من حقوق الآدميين على الأصح.
ثم قال: وعليهما تحليفه عليه.
قال ابن عبد السلام: أما عدم توجه هذه الدعوى على أنه حق لله فصحيح، وأما توجهها على كونه حقاً لآدمي، ففيه نظر إلا لو كان حقاً مالياً، وأما إذا كان حقاً بدنياً فلا يلزم.
وقد قال أشهب - وقدمناه -: إن القاتل إذا ادعي على ولي الدم أنه عفا عنه لم تتوجه عليه هذه الدعوى أي: لم يحلف لها.
قلت: في كلامه هذا وهم من وجهين: الأول: أن القاعدة أنه لا يستشكل التخريج المطلق على أصل المذهب، إلا لمخالفته المشهور، لا لمخالفته غير المشهور، مع موافقته المشهور، واستشكاله هذا؛ إنما يتقرر على قول أشهب، وليس بمشهور المذهب، ولا سالم عن مخالفته المشهور، وبيانه أنه بناه على قول أشهب، بعدم توجه دعوى العفو عن الدم.
والمشهور صحة توجهها في كتاب الديات منها ما نصه: وإن أدعي القاتل أن ولي الدم عفا عنه، فله أن يستحلفه، فإن نكل ردت اليمين على القاتل، وإن أدعي القاتل بينه بعيده على العفو تلوم له الإمام.

الجزء: 10 - الصفحة: 231

الصقلي: يحلف يمينًا واحدة لا خمسين يميناً، لأن المدعي عليه، إنما كان يحلف يميناً واحدة أنه ما عفا عنه، فهي اليمين المردودة ولم يذكر في المسألة خلافاً.
وقال عياض في المسألة: قالوا: يخرج منه إلزام اليمين في الدعوى المجردة، وفي دعوى المعروف من هبة وكراء المسكن وهبته، ودعوى الإقالة وشبهه، وهو أصل متنازع فيه، ولهذا لم ير أشهب في مسألة العفو يميناً، واختلف شيوخنا في التنازع فيه.
فقيل: هو اختلاف من قوله في الباب كله.
وقيل: بل هو اختلاف حال، فلا يلزم اليمين بمجرد الدعوى، وتلزمه مع وجود التهمة.
الثاني: أن من طالع كلامه هذا يعتقد أن المذهب أو المعروف منه عدم توجه دعوى العفو عن الدم، وذلك مغلطة فتأمله منصفاً.
وفي الأقضية منها: وإذا سمع السلطان قذفاً، فإن كان معه شهود، لم يجز فيه عفو الطالب؛ إلا أن يريد ستراً، مثل أن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعف.
قيل لمالك: وكيف نعرف ذلك؟ قال: سئل الإمام عن ذلك سراً، فإن أخبر أن ذلك أمر قد سمع، أجاز عفوه.
الشيخ عن الموازية: معني إذا أراد ستراً.
قال مالك: مثل أن يكون ضرب الحد قديماً؛ فيخاف أن يظهر ذلك عليه الآن.
وقال ابن الماجشون: قول مالك: إذا أراد ستراً يعني إذا كان مثله يفعل ذلك، ولا يكلف أن يقول: أردت ستراً، لأن قول ذلك عار، فأما العفيف الفاضل، فلا يجوز عفوه.
الصقلي عن محمد: وهذا إذا قذفه في نفسيه، وإن قذف أبويه أو أحدهما، وقد مات المقذوف، لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام، وقاله ابن القاسم وأشهب.
قلت: وفي النوادر قال: قال محمد: ويجوز عفو الولد عن الأب عند الإمام، قاله مالك، قال: ويجوز عفوه عن جده لأبيه عند الإمام كأبيه، وأما عن جده لأمه فلا.
قلت: مقتضي قولها في نسبه إلى جده لأمه أنه كنسبه إلى جده لأبيه أنهما سواء.

الجزء: 10 - الصفحة: 232

الشيخ: في الموازية وسماع ابن القاسم: من ادعي على رجل أنه قذفه ولا بينه له؛ فلا يمين في ذلك إلا أن يقيم شاهداً فيحلف، وإن نكل سجن أبداً حتى يحلف، وقاله ابن القاسم.
قال محمد: لم يختلف أصحاب مالك، أنه يحبس أبداً حتى يحلف.
قال أصبغ عن ابن القاسم: إن طال سجنه خلي، والطول فيه سنة.
قلت: مسألة العتيبة هي في رسم الشجرة، وفي لفظها لم يختلفوا أنه قال: يسجن حتى يحلف.
ابن رشد: اختلف إن لم تكن له بينه على دعواه على ثلاثة أقوال: أحدها قول: في هذا السماع.
والثاني قوله في رسم العقول والجنائز من كتاب الجنايات، أن عليه اليمين.
والثالث سماع أصبغ في الجنايات: لا يمين عليه إلا أن يكون مشهوراً بذلك، فإن حلف - على القول بحلفه - بريء وإن نكل سجن حتى يحلف ما لم يطل ذلك، فإن طال خلي ولم يؤدب.
وقال أصبغ: يؤدب إن كان معروفاً بالأذى واختلف إن كان له شاهد واحد على دعواه على ثلاثة أقوال: أحدها: قوله في هذا السماع.
والثاني: إن عرف بالشتم والسفه عزز ولم يحلف، وإن لم يكن معروفاً بذلك أحلف، قاله مالك في سماع أشهب في الشهادات إلا أنه ضعف اليمين.
الثالث: أنه يحلف مع شاهده ويحد له، قاله مطرف، وهو شذوذ.
ويتخرج فيها قول رابع: أنه لا يحلف معه في الفرية، ويحلف معه فيما دون الفرية من الشتم.
قلت: وتقدم هذا.

الجزء: 10 - الصفحة: 233

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل