كتاب البيوع الفاسدة
ترجمة البيوع الفاسدة: ولعياض والمارزي: (وغيرهما ما حاصله فاسدها نوعان: ما لا يصح رفع المكلف إثر فساده، وعلله: أصناف الغرر وربا الفضل، والنساء، وعدم استيفاء المبيع طعاما وحرمته عموما كذي حرية أو عقدها أو خصوصا كالمصحف، والمسلم من كافر على قول، وتعلق القربة به القربة به أو قصدها كلحم الهدي والأضحية.
وعدم الانتفاع به شرعا كالنجس، والصور، والخنزير، والقرد، وآلة الباطل والسم، وآلة الحرب من محارب أو حربي.
عياض: أو نقادة كالديدان، وسابعها استحقاق زمنه غيره.
ابن رشد: كالبيع زمن أقل إدراك أداء الصلاة.
الجزء: 6 - الصفحة: 36
عياض: كوقت الأذان والصلاة يوم الجمعة، ومقارنة شرط يوجب مفسدة تقدم تفصيله.
قلت: عدم الانتفاع المؤثر ما كان حالا ومالا، أما الحالي فقط فلا، وقول المارزي في كتاب الغرر: (وما لا ينتفع به في الحال كطفل رضيع يباع، فإن ذلك مما ينتفع به في المآل دون الحال البيع فيه لا يجوز)، ولهذا قال أشهب في شراء ممر في دار: إنما جوز البيع إذا كان مشتريه يتوصل به إلى ما ينتفع به كأرض له يصل به إليها ولابد من حمل ما في المدونة على هذا، لأنه إذا كان يشتري خطوات يخطوها في دار إنسان لا يتوصل بها إلى ما ينتفع به في الحال أو يعلم أنه سيكون في المآل، فإن هذا من إضاعة المال غلط لنقل ابن محرز في كتاب الظهار ما نصه: (ضعف الصغر ليس بزمانه والصغير إن لم يطق السعي في الحال يطبقه في ثاني حال، ولذا جاز بيعه).
وفي نوازل أصبغ في الظهار: (من أعتق منفوسا فكبر أخرس أو مطبقا بجنون أجزاء أن هذا شيء يحدث، وكذا لو ابتاعه فكبر على هذا لم يلحق بائعه شيء)، ولم يحك ابن رشد فيه خلافا، وقولا ابن القاسم وأصبغ: في جواز بيع شعر الخنزير أخذ منه حيا أو ميتا ومنعه خرجه ابن رشد على طهارته بعدم حلول الحياة ونجاسته وصوب الأول وما يصح رفع المكلف إثر فساده هو ذو حق آدمي فقط، كبيع السفيه والأجنبي غير وكيل والتفرقة ونحو ذلك.
وفي نوازل أصبغ في الظهار: (من أعتق منفوسا فكبر أخرس أو مطبقا بجنون أجزاء لأن هذا شيء يحدث، وكذا لو ابتاعه فكبر على هذا لم يلحق بائعه شيء)، ولم يحك ابن رشد فيه خلافا، وقولا ابن القاسم وأصبغ: في جواز بيع شعر الخنزير أخذ منه حيا أو ميتا ومنعه خرجه ابن رشد على طهارته بعد حلول الحياة ونجاسته وصوب الأول وما يصح رفع المكلف إثر فساده هو ذي حق آدمي فقط، كبيع السفيه والأجنبي غير وكيل والتفرقة ونحو ذلك.
وفي اندراج المكروه في الفاسد صرح ابن رشد باندراجه والأظهر إن عني بالفاسد ما نهي عنه فقط فمندرج وإن به ذلك مع سلب خاصية الصحيح وهي إمضاؤه ولزومه فهو غير مندرج.
وفيها: ضمان ما فسد من آبق أو جنين أو ثمرة لم يبد صلاحها من البائع حتى يقبضه، وفي الرد بالعيب منها كل ربيع فاسد، فضمان ما يحدث بالسلعة في سوق أو بدن من البائع حتى يقبضها المبتاع.
أبو عمران وابن محرز: قال أشهب: يضمنه مشتريه، وإن لم يقبضه إذا مكنه من قبضه أو انتقد ثمنه.
زاد أبو عمران: ورواية أشهب: من تزوج على عبد فمات قبل القبض أنه من
الجزء: 6 - الصفحة: 37
الزوج وهو لم يكن على منعها منه يرد قوله في البيع.
وسمع أبو زيد ابن القاسم في جامع البيوع (من ابتاع زرعا قبل بدو صلاحه ثم حصده وحمله إلى منزله فأصابته نار فاحترق، وعلم أنه ذلك القمح بعينه فمصيبته من بائعه).
ابن رشد: هذا لخلاف المعلوم في المذهب أن المبيع بيعا فاسدا، يضمنه مبتاعه بقبضه، ونحوه سمع يحيي في كتاب الجعل، ووجهه لما كان بيعا فاسدا لم ينعقد، ولا انتقل به ملك، وبقى في ملك البائع؛ فوجب كون ضمانه منه إذا قامت على تلفه بينة، وقال جماعة خارج المذهب، زاد في أجوبته في هذا القول: ولا يفيت المبيع بيع ولا غيره وهو شاذ في المذهب.
قلت: وظاهره أنه إنما يكون من البائع إن قامت بهلاكه بينة.
اللخمي: وقال سحنون: إن كان البيع حراما فمصيبته من بائعه وهو في يد مشتريه كالرهن، وعبر المارزي عنه بكونه متفقا على تحريمه.
قلت: وسمع سحنون ابن القاسم: من اشترى زرعا بعد يبسه بثمن فاسد فأصابته عاهة فتلف قبل حصده مصيبته من مشتريه، وهو قابض بخلاف مشتريه قبل بدو صلاحه على أن يتركه فيصاب بعد يبسه مصيبته من بائعه.
ابن رشد: لأنه إذا ابتاعه بعد يبسه بثمن فاسد دخل بالعقد في ضمانه؛ إذ لا توفية فيه على البائع؛ لأنه جزاف كما لو اشتراه صحيحا ضمنه بالعقد؛ لأن حصاده عليه ولا جانحة فيه فهو كصبرة جزافا.
قلت: هذا يقتضي أن المذهب عنده في المبيع بيعا فاسدا إذا لم يكن بيد بائعه، ولا توفية فيه، إنه من مبتاعه، وظاهر قولنا والروايات غير هذا السماع أنه من بائعه، وإنما يتصور هذا على قول أشهب القائل: إن التمكين كالقبض، فتأمله وسمع أبو زيد ابن القاسم: من ابتاع كلبا فهلك بيده ضمانه من بائعه وعليه يرد المبتاع ما انتفع به لحديث: "الخراج بالضمان"، ومثله سماع عيسى في مسلم اشترى من مسلم خنزيرا يرد ثمنه
الجزء: 6 - الصفحة: 38
لمشتريه ويقتل فظاهره قتله من البائع وقيل: يقتل على مشتريه إن قبضه، فعليه يكون ضمان الكلب من مشتريه والأول هو المعروف.
اللخمي: اختلف إن كانت بيد أمين البائع فأقرها المشتري ولم يقبضها هل تبقى على ضمان االبائع لأن الحكم منع المشتري من قبضها أو يضمنها المشتري، وكذا لو كانت قبل البيع عند المشتري ثم اشتراها شراء فاسدا اختلف هل يضمنها المشتري أو تبقى في ضمان البائع لأن الحكم رد ذلك الرضى وهي باقية على حكم الأمانة إلا أن يحدث فيها المشتري حدثا فيضمن قيمتها يوم أحدثه بخلاف أن يحدث فيها أمر من غير سبب المشتري.
قلت: ففي ضمان المبتاع المبيع فاسدا ولا توفية فيه بقبض ثمنه كتمكينه البائع من قبضه أو بقبضه، ثالثهما: لا يضمنه بحال إن قامت بينة بتلفه بغير سبب، رابعها: هذا إن كان متفقا على حرمته وخامسها يضمنه بالعقد إن كان جزافا، ولو كان بأرض بائعه لأشهب والمشهور وسماع أبي زيد وقول شحنون وسماعه ونقل ابن عبد السلام قول سحنون.
ثالثها: لقولي ابن القاسم وأشهب: مطلقا لا بقيد كونه في متفق على فساده غير تام، وضمانه يوجب قيمته بموجبها يومه على أقواله، الكافي: في كون قيمته يوم قبضه أو فوته قولان، والثاني أقيس، وفي الرد بالعيب منها، وكذا في البيع الفاسد ترد المبيع ولا شيء عليك في غلته، ثم قال: لأن الغلة بالضمان والبيع الفاسد لا ينقل حقيقة الملك بعقده لقولها في الهبة: (عتق البائع من باعه بيعا فاسدا قبل فوته لازم)، ومقتضى قول المارزي عن أشهب لغو عتقه نقله حقيقته، وفي نقله للمبتاع شبهته نقل المارزي عن بعض البغداديين مع أخذه من قولها من قال لعبد: إن اشتريتك أو ملكتك؛ فأنت حر فابتاعه بيعا فاسدا عتق عليه، وعن أخذ بعض القرويين من قولها في الهبة: إذا فسخ البيع الفاسد؛ إنما يرجع المبيع على الملك الأول.
الجزء: 6 - الصفحة: 39
قلت: ظاهر معاندته ما أخذه بعض القرويين لقول بعض البغداديين: إنه لا ينقل شبهة الملك، وأخذ ابن رشد أنه لا ينقل شبهة الملك عند هذا القروي، وهذا لا أعرفه إنما قال ابن محرز: لا ينقل الملك للمشتري؛ لكن يوجب له في المبيع شبهة لقولها في الصدقة: وهذا هو معنى شبهة الملك، وأخذ ابن رشد أنه لا ينقل شبهة الملك من سماع أبي زيد المتقدم في ضمانه والأول من قولها في الرد بالعيب: من ابتاع جارية بيعا فاسدا فأعتقها قبل أن يقبضها أو كاتبها أو دبرها أو تصدق بها فذلك فوت إن كان له مال.
وقول اللخمي في كتاب الهبة: إن كان مجمعا على فساده لم ينقل الملك، إنما ينقل الضمان، على أحد القولين يرد بقولها في الرد بالعيب إن اشترى مسلم جارية من ذمي بخمر فأعتقها أو أحبلها فذلك فوت وعليه قيمتها، وقد يجاب برعي نسبة البيع للذمي، وبه يفهم دلالة مفهوم قوله: (من ذمي) لولا قول ثاني عتقها، وإن باع عبده من أجنبي بخمر أو خنزير أو بما لا يحل فأعتقه المبتاع جاز عتقه، ولم يرد، ولزم المبتاع شبهته في المجمع على حرمته للمشهور، وأخذ ابن رشد من سماع أبي زيد مع المازري عن بعض القرويين، ومقتضي قول أشهب: (عتق البائع) لغو.
واللخمي في كتاب الهبة: **** البيع الحرام لثمته أو مثمونه أو عرزه يفسخ ما لم يفت وجوبا.
اللخمي والمارزي: قال محمد بن مسلمة: يرد بعد قبضه استحسانا.
وفيها مع غيرها: من ابتاع شيئا فاسدا ففات عنده فعليه قيمته يوم قبضه.
وفيها: وظاهره لربعة: كل بيع فاسد لم يدرك حتى يتفاوت، ولا يستطاع رده إلا بمظلة فات رده ما لم يفت فأنقضه.
ابن وهب: سمعت مالكا يقول: الحرام البين من الربا وغيره يرد لأهله أبدا، ولو فات، وما يكرهه الناس نقض إن أدرك فإن فات ترك.
الصقلي: معنى يرد: فات أو لم يفت إنه إن كان المبيع قائما رد، وإن فات ردت قيمته، وما كرهه الناس قال محمد عن ابن القاسم: هو مثل من أسلم في حائط بعد زهوه على أخذه تمرا وكل بيع مكروه.
الجزء: 6 - الصفحة: 40
المازري: ما فسد لثمنه فسخ إن كانت السلعة قائمة، فإن فاتت فإن أجمع على فساده أغرمت القيمة، وإن اختلف فيه فالقيمة أيضا، وعن مالك يمضي بالثمن وهو مقتضي قول ابن مسلمة: فسخه بعد قبضه استحسان.
اللخمي: في مضي ما اختلف في فساده بالعقد أو القبض، ثالثهما: بقوته مقبوضا، وفي مضيه في فوته بالثمن أو القيمة كغيره من الفاسد قولان.
ابن الحاجب: قال ابن القاسم في الحرام البين المثلي والقيمة في غيره، وما كرهه الناس يمضي بالثمن، وقيل: بتعميم الأول.
قلت: هو معنى قول ابن شاس: فوت المبيع بيعا فاسدا بعد قبضه يوجب المثل أو القيمة.
وفي تعميم هذا الحكم في المختلف في فساده، وتخصيصه بالحرام البين رواية ابن نافع وابن القاسم.
وقال ابن عبد السلام: معنى قوله: وقيل: بتعميم الأول، أن النوع الأول من الفاسد وهو الحرام البين يفسخ فات أو لم يفت ولابد من رد عينه، إذا أمكن ردها ولو تغيرت، وكلام ابن القاسم هذا وقع في المدونة وزاد المؤلف فيه القضاء في المثل بالمثلي والقيمة فيما عداه وهي زيادة صحيحة.
قلت: هذا يقتضي أن قول ابن القاسم هذا وقع في المدونة، ولا أعرفه فيها إلا من رواية ابن وهب حسبما قدمناه، وتفسيره الأول بالنوع الأول إن أراد به تعميم حكمه فيما كرهه الناس لم يستقم لقوله: ولابد من رد عينه إن أمكن؛ إذ لا خلاف في المذهب أنه يفوت بغير فوت عينه من المفوتات إلا على سماع أبي زيد، وقد تقدم شذوذه، وإن أراد تعميمه في حالتي فوته وهذا هو ظاهر كلامه لم يصح نسبته لابن القاسم إنما عزاه اللخمي والمازري وغيرهما لسحنون.
قال ابن الحاجب - إثر قوله الأول: فلو كان درهمان وسلعة ساوي عشرة بثوب فاستحقت السلعة وفات الثوب فله قيمته بكماله على الأصح، ويرد الدرهمين لا قيمة نصفه وثلثه.
قلت: هذه من مسائل كتاب الاستحقاق وما أدرى موجب ذكره إياها هنا ولم يزل
الجزء: 6 - الصفحة: 41
المذاكرون يعتذرون عن مثل هذا في المدونة في كتاب الغصب وغيره، بأن أصلها الاختلاط؛ ولذا سميت (مختلطة) ونفس هذه المسألة لا أعرفها لغيره، وما ذكره من القولين فيها تقدما في العيوب فيمن رد أعلى المعيب وفات أدناه؛ لأن المردود كالمستحق وفوت الأدنى كالدرهمين.
قال ابن عبد السلام: بعد تصويره القولين الذين نقل ابن الحاجب، وفي هذا المذهب قول منسوب لابن الماجشون: إن الحكم في قيام الثوب وفواته واحد؛ وهو أنه لا يرجع في هذا المثال إلا في قيمة خمسة أسداس الثوب، ولو كان قائما لم يتغير في سوق ولا غيرها.
قلت: هذا نفس القول بأن من استحق من يده ما ابتاعه إنه لا يرجع في عين عوضه الذي خرج من يده مع كونه قائما لم يفت بحوالة سوق ولا أعرف من نقله والأصول تأباه بالبديهة؛ لأنه يؤدي إلى إخراج الشيء عن ملك ربه بغير اختياره؛ بل قال ابن الحارث: اتفقوا فيمن استحقت من يده سلعة أنه يرجع في عوضه إن كان عينا فيعين وإن كان قائما وبقيمته إن كان فائتا.
ثم قال ابن عبد السلام: (وقول المؤلف لا قيمة ثلثه ونصفه)، فلا يريد به خصوصية هذه المسألة لاستحالة أن تكون السلعة ثلثا ونصفا من الصفقة في وقت واحد وإنما ماده لا قيمة ثلثه إن كانت السلعة ثلث الصفقة كما لو كانت تساوي درهما واحدا، ولا قيمة نصفه كما لو كانت تساوي درهمين وهذه المسألة ليست م هذا الباب.
قلت: قوله: لاستحالة أن تكون السلعة ثلثا ونصفا يريد أن لازم قول ابن الحاجب: (قيمة ثلثه ونصفه) صدق قولنا: تكون السلعة ثلثا ونصفا، وهذا عنده مستحيل لامتناع صدق مسمى النصف والثلث على شيء واحد في وقت واحد، ومن الضروري هنا أن تعلم أن الخبر وهو المحمول عند المنطقين إذا كان معطوفاً ومعطوفاً عليه فتارة يكون المعتبر فيهما صدق كل منهما على المبتدأ وهو الموضوع كقولنا: العشرة عدد وزوج، وتارة يكون المعتبر صدق مجموعهما لا أحدهما منفردا كقولنا: العشرة سبعة وثلاثة، إذا تذكرت هذا فقوله: يستحيل أن تكون السلعة ثلثا ونصفا من الصفقة
الجزء: 6 - الصفحة: 42
في وقت واحد وهم سببه قصر فهمه القضية القائلة تكون السلعة ثلثا ونصفا على الاعتبار الأول ولا موجب لقصره على الاعتبار الأول ولا موجب لقصره على ذلك بل هو من الاعتبار الثاني وهو كون السلعة مجموع ثلث الصفقة ونصفها، وكذلك هو في المسألة المفروضة، وقد أشار ابن الحاجب في: مختصره الأصلي: إلى هذا المعني حيث قال: كجعل الجزء جننسا مثل العشرة خمسة وخمسة، وهذا الاعتبار مستعمل في كلام الفقهاء في العيوب والاستحقاق، وفي كلام الفرضيين، والفوت بغير المبيع معتبر فيه: فيها: منه الولادة والعيب وزيادة بدن الجارية وزوال بياض العين وتغير سوق غير الربع والمثلي، وظاهر قول الأكثر أن تغير الأسواق متفق عليه، وفي الكافي: في الفوت بها اختلاف عن مالك وأصحابه، وعود السوق بعد انتقالها كدوامه وصحيح بيعه بعد قبضه.
المازري: في كون بيع المتفق على فساده بيعا صحيحا فوت قولان للمشهور وسحنون والمختلف في فساده بيعه بيعا صحيحا فوت، في الرد بالعيب منها بيع نصفها ككلها.
وسمع عيسى ابن القاسم: من باع عبدا أو دارا بيعا حراما فقام بفساد البيع على المشتري يريد فسخ البيع ولم يفت ذلك فيفوت المشتري ذلك يتصدق بالدار أو يبيعها أو يبيع العبد أو يعتقه بعد قيام البائع عليه؛ لم تجز صدقته ولا بيعه بعد قيامه عليه بفسخه، ويمضي العتق لحرمته.
ابن رشد: وهذا صحيح؛ لأنه متعد فيما فعل بعد القيام عليه؛ إنما يجوز له ذلك قبل القيام عليه؛ لأنه أذن له في ذلك حين ملكه المبيع بالبيع الفاسد، فإذا باع أو وهب أو تصدق بعد أن قام عليه فله إجازة ذلك، ويضمنه القيمة يوم القبض؛ لأنه بفعله ذلك رضي بالتزام القيمة، وله رد ذلك وأخذ مبيعه وليس له أن يجيز البيع، ويأخذ الثمن إذ ليس بعداء صرف؛ لأنه إنما باع ما ضمنه بالبيع الفاسد؛ لأنه لو تلف كانت مصيبته منه، والقياس أن يكون في العتق مخير بين أخذ عبده وإمضاء عتقه، ويضمن المشتري قيمته، وإنما أمضاه استحسانا.
وفيها: من اشترى سيفا نصله لفضته بدنانير ثم افترقا قبل النقد، ثم باع السيف، ثم على قبح جاز بيعه، وعليه قيمته يوم قبضه.
الجزء: 6 - الصفحة: 43
ابن محرز: أنكر سحنون فوته بالبيع ورآه ربا، وقوله في السؤال: ثم علم بقبح ذلك، فيه إبهام البيع الصحيح وإنما يفوت الفاسد إن لم يقصد مشتريه تفويته ولا يفوت بقصده ذلك وهو وجه صحيح.
عياض: لا يختلفون أنه لو علم بالفساد، ثم باعها قصد تفويتها أن بيعه غير ماض.
قلت: هذا خلاف قول اللخمي إن قصد المشتري بالبيع والهبة تفويت البيع قبل أن يقوم عليه البائع كان فوتا، واختلف إن فعل ذلك قبل قيام بائعه بفسخه لظاهرها مع اللخمي عن المذهب، وعياض مع ابن محرز عنه.
ونقل اللخمي مع سماع عيسى ابن القاسم: قال ابن عبد السلام: ووقع، في الرواية أن المشتري إن قصد تفويته ببيعه؛ فإنه لا يفوت بذلك إلا بالعتق.
قلت: إنما وقع هذا سماع عيسى المتقدم، ولم يقع مطلقا كما نقله؛ بل مقيدا بكونه بعد قيام بائعه عليه بالفسخ حسبما تقدم، وفي فواته ببيعه قبل قبضه نقلا الصقلي: عن ابن عبد الرحمن والشيخ وأخذ ابن محرز الأول من قولها في العيوب الصدقة به قبل قبضه فوت، قال: والبيع أقوى من الصدقة، ورد المارزي كونه أقوى بأن المبيع إذا نقض رجع المشتري بالثمن فلم يتضرر بفسخه، وإذا نقضت الصدقة؛ لم يرجع المتصدق عليه بشيء.
الصقلي: البيع أحرى من الصدقة؛ لافتقارها للحوز دونه.
ابن محرز: وقد اختلف في هذا الأصل فعن مالك من اشترى ثمرا قبل بدو صلاحه على البقاء، ثم باعه بعد بدو صلاحه على مشتريه قيمته يوم زهوه، وقال أيضا: يرد مثل مكيلته.
وقال محمد: وعليه قيمته يوم باعه، فلم ير مالك بقوله: يرد المكيلة أن البيع الصحيح يفيته لما كان باقيا في أصول بائعه، ومن هذا المعنى قوله في الشفعة من المدونة من أعمر رجلا دارا حياته على عوض يرد غلتها، ولم يجعل صحيح عقد كرائها بعيب عقد كرائها الفاسد، لما كان العقد فيما لم يضمنه مشتريه ومن لم يقل بهذا يتأول قوله يرد الغلة برد قيمتها وقوله في الثمرة بأنه مضى البيع الثاني وأغرم أولا مكيلته يوم البيع.
الجزء: 6 - الصفحة: 44
وذكر اللخمي قولي مالك ومحمد في الثمر وقال: لا يصح قوله: إن قيمته يوم بدو صلاحه إلا على أنه دخل على بدو صلاحه أو بعد ذلك، فيجري على الخلاف في التمكين هل هو قبض، وإن دخل على بقائه فيه يوم البيع الثاني.
واختلف فيمن اشترى عبدا شراء فاسدا فباعه أو أعتقه قبل قبضه فعلى أنه ليس يفوت يخبر البائع في إمضاء بيعه وأخذ ثمنه ورده، وإن جذه المشتري وبان به، وهو يعلم؛ فليس له إلا الثمن، وإن لم يعلم بالبيع الثاني خير في إجازة البيع، وأخذ الثمن من المشتري الثاني أو قيمته مجدودا كما قبضها المشتري الثاني أو المكيلة إن عرفت، وعلى أنه فوت يغرم المشتري الأول قيمته يوم باعه يقال: ما قيمته على أن يبقى في رؤوس النخل في ضمان الأول إلى يبسه هذا معنى قول محمد؛ لأن المشتري إنما اشتراه على أن جائحته من البائع حتى يبس، فإذا لم يضمنه المشتري ثانيا إلا باليبس كان للمشتري أولا على البائع مثل ذلك كمن اشترى تمرا مزهيا فباعه بالحضرة، فلكل واحد من مشتريه الرجوع على بائعه بجائحته، ويصح على أن البيع فوت أن يكون للمشتري أولا الثمن الذي باع به، وعليه لمن باع منه مثل كيله كقول مالك؛ لأنه وإن كان البيع فوتا، فالضمان لاينتقل عن واحد منهما إلا بالبيس، وإذا كان كذلك كانت المكيلة على صفتها وقت قبضها، ولو رجع المبيع فاسدا لمشتريه بعد بيعه إياه صحيحا بشراء أو إرث أو رد عيب أو هبة، ففي رفع فوته، وبقائه، قولا ابن القاسم مع مالك وأشهب.
فيها: وفي عبارتها عن الفسخ بقوله له رده تعقب يوجب كون اللام على عياض: عارض بعض الأندلسيين قول ابن القاسم بقولها: إن باع الموهوب هبة الثواب، ثم اشتراها لم يزل ما لزمه من قيمتها، وأجاب القرويون بأن رد الهبة اختياري فبيعها دليل التزامه قيمتها ورد الفساد جبري فيتم على بيعه إنه لا بأخذه الشفيع بالصفقة الأولى لفسادها فإن نقضنا انتقض الأول، وجرى أشهب على أصله أنه يأخذه
الجزء: 6 - الصفحة: 45
بأيتهما شاء.
الأولى بقسمة الشقص لفواته بالبيع، والثانية بالثمن
قال فضل: هذا أشبه بأصوااهم
قلت: يريد: أنه يجري على أصل ابن القاسم أيضاً؛ لأن نقض الصفقة الثانية؛ إنما هو بالأخذ بالفقة الأولى بعد تقررها فهو رفع مفوت لها بمفوت آخر، فلم يزل حكم اللفوت.
وفي الرد بالعيب منها، وإن قبض الأمة مشتريها شراءً فاسدا فكاتبها، ثم عجزت بعد أيام يسيرة؛ فله الرد إلا أن يتغير سوقها قبل رجوعها إليه فهو فوت، وأشهب يفيتها بعقد الكتابة، وإن عجزت قرب ذلك، والتدبير فوت كإيلادها، والرهن والإجازة، فلا أراه فوتاً.
الشيخ عن أشهب: برهنها لزمته قيمتها، ولو رد غرماؤه عتقه أو تدبيره أو رد عليه بعيب بعد الحكم بالقيمة لفوته لم يرتفع.
اللخمي: اتفاقا ولو حدث ذلك قبله فقولان: لمحمد عن أشهب وابن القاسم وهو أحسن.
المازري: والقولان لا يجريان فيما لو سافر به سفراً مفيتاً، ثم عاد أو صح عن مرض أو زال عيبه أو افتكه من رهن، أو إجازة عن قرب.
وفيها: إن تغيير سوق السلعة ثم عادت لن ترد، لأن القيمة وجبت بخلاف رجوعها بعد بيعها إليه ببيع أو بغيره، وفرق القابسي بأن التي حال سوقها، ثم رجع إنما رجعت لسوق أخرى لا للأولى، وفي البيع عادت الملك الأول.
ابن محرز: ليس هذا ببين والصواب الجمع بينهما.
عبد الحق: وقيل: لأن حوالة السوق ليس من فعل المشتري والبيع من فعل، وليس بالقوي، وقول ابن القاسم في رفع فوت القاسم بعوده لمشتريه، يبين وهم ابن رشد في رده على التونسي في مسألة من باع ثوباً على الصفقة ثم اشتراه قبل قبضه منه بقوله: من اشترى ما باعه فاسداً شراء صحيحاً لا يفسخ بيعه والعتق لأجل فوت، سمع أبو زيد ابن القاسم: من باع امة على حرية ما في بطنها مضي بيعها، لأن عتق
الجزء: 6 - الصفحة: 46
الجنين فوت.
وفيها: قيمتها يوم قبضها.
ابن رشد: فسد؛ لأن شرط عتقه على مبتاعها غرر والواجب قيمتها يوم بيعها، لأنه يوم فوتها، وفي قوله يوم قبضها نظر، إلا أن يكون قبضها يوم بيعها، ولو كان على أنه حر على بائعها فسخ ما لم يفت به البيع الفاسد على مذهب ابن القاسم، والقيمة فيها على أن الولد مستثنى لرجل بيعها كذلك.
وقال ابن حبيب: لا يفوت بحوالة سوق ولا ولادة، ويفوت بالعيب المفسد قال: ولو أعتقها مشتريها قبل ولادتها؛ فله ولاؤها، وولاء ولدها لبائعها، وكذلك هبته إياها وفي رهنها، وأما الدور والأرضون؛ فلا يفيتها حوالة الأسواق ولا طول زمان، إنما يفتيها الغرس والبناء والهدم بفعلك أو غيره.
وفي سماع عيسى ابن القاسم: بيع الدار والصدقة بها كما مر له في العرض.
الشيخ عن محمد: لا يفتيها الزرع، فإن فسخ بيعها في إبانه لم يقلع، وعليه كراء المثل، وبعده لا كراء عليه ولو أثمرت الأصول عند مبتاعها ففسخ بيعها وقد طابت الثمرة فهي للمبتاع، ولو لم تجذ وإن لم تطب فهي للبائع، وعليه للمبتاع ما أنفق ولأصبغ: من اشترى أرضاً شراء فاسداً فغرس غرساً أحاط بها وأكثرها بياض لم يحدث به شيئاً؛ فهو فوت إن عظمت مئونته وله بال، وإن غرس منها ناحية فقط، وجلها بياض سخ في بياضها، وفيها غرس قيمته إلا أن يكون يسيراً جداً لا بال فيفسخ في جميعها وللغارس على البائع قيمته.
ابن رشد: ومضي ما غرس منها غير يسير بمنابه من قيمتها جميعها، ولابن القاسم في الدمياطية مضيه بقيمته مفرداً، وذلك يختلف قد يكون قيمته مفرداً عشرة، ومع جملة الأرض عشرين؛ إذ قد تساوي الأرض دون ذلك الموضع تسعين، ويساوي ذلك الموضع وحده عشرة، ويساوي جميع الأرض جملة مائة وعشرين.
وقوله: إن كان الغرس يسيراً لا بال له، فسخ بيع جميعها مثل سماع القريبين في يسير البناء قال فيه: على رب الحائط ما أنفق المبتاع فيه، وقال في الغرس: على البائع قيمة الغرس معناه: قيمته مقلوعاً يوم غرسه، وما أنفق في غرسه أو قيمة ما أنفق فيه
الجزء: 6 - الصفحة: 47
قلت: في سماع القرينين: وعلى رب الحائط ما أنفق مبتاعه في بناء جدار أو حفر بئر وأصل هذا البيع لم يكن جائزا.
ابن رشد: لا يفوت الحائط في البيع الفاسد: بالبناء اليسير، فلذا قال: على رب الحائط إذا رد إليه مت أنفق المبتاع، وقيل: قيمة ما أنفق، وليس باختلاف إن كانت نفقته بالسداد رجع بما أنفق، وإن كانت بغير سداد كاستئجارة الأجراء بأكثر من أجر مثلهم فيرجع بقيمة ذلك على السداد.
قلت: ما ذكر في قيمة الغرس خلاف قول التونسي، لم يذكر أصبغ في قيمة الغرس قائماً ولا منقوضاً، والأشبه أن يكون قائماً؛ لأنه فعله يشبهة على البقاء، فأشبه من بني ببقعة فاستحقت
وفي فوتها بحوالة الأسواق قولان: للخمي مع نفله عن أشهب والصقلي عن أصبغ في الواضحة وفضل بن سلمة عن ابن وهب، والمشهور، وفي لغو طول الزمان فيهما مطلقاً فوتهما بعشرين نقلا اللخمي عن ابن القاسم مع مالك وأصبغ قائلاً: لابد أن يدخلها التغيير في ذلك.
اللخمي: اختلف في الطول في الحيوان؛ ففي التدليس منها من كاتب عبداً اشتراه شراء فاسداً فعجز بعد شهر فات بيعه؛ لأنه طول، وفي ثالث سلمها الثلاثة الأشهر ليست بفوت في العبيد والدواب.
المارزي: اختلف في مجرد طول الزمان يمر على الحيوان، ولم يتغير في ذاته ولا سوقه، هل هو فوت؟ فذكر قولها في الكتابين، ثم قال: اعتقد بعض أشياخي أنه اختلاف قول على الإطلاق، وليس كذلك إنما هو اختلاف في شهادة بعادة؛ لأنه أشار في المدونة إلى المقدار من الزمان الذي لا يمضي إلا وقد تغير الحيوان، فتغيره في ذاته أو سوقع معتبر، وإنما الخلاف في قدر الزمان الذي يستدل به على التغير.
قلت: في رده على اللخمي تعسف واضح، لأن حاصل كلامه أن الخلاف إنما في قدر الزمان الذي هو مظنة لتغيره لا في التغير، وهذا هو نفس مقتضي كلام اللخمي لمن تأمله وأنصف، وذهاب عين المثلي مع بقاء سوقه لغو لقيام مثله مقامه، وفي فوته بحوالة سوقه، ثالثهما: إن ذهبت عينه، للصقلي عن ابن وهب مع اللخمي عنه وعن
الجزء: 6 - الصفحة: 48
غيره والمازري عنه مع قول ابن رشد: هو مقتضي النظر ولم يعزه ونقله لما هو سوقه بخلاف سوق ما نقل منه فوت ولغيره.
قال ابن رشد: إن كان يفتقر لكراء من دواب ورقيق ففي لغو نقله وفوته به سماع عيسى ابن القاسم في الرقيق قائلاً: ترد على بائعها حيث نقلها، وإن كان طعاماً رده من حيث نقله، وقياس السلع عليها والتخريج على قول أشهب وأصبغ بتخيير من غضبها منه في إلزامه غاضبهما قيمتهما وهذا الأظهر.
اللخمي: إن كانت عروضاً لحملها أجرة فنقلها فوت ولم يره ابن القاسم في نقل الحيوان؛ لأنه ينتقل بنفسه لم يغرم مشتريه لنقله أجراً وكذا البائع في رده، وأرى أن لبائعه أن لا يقبله إلا حيث قبض منه، وإن كان بطريقه خوف فهو أبين ولبائعه أن يضمنه قيمته وإن حال سوقه وما بين البلدين قريب مأمون فلمشتريه رده حيث قبضه وقد تقدم قولا ابن القاسم وأشهب: إذا عاد المشتري فاسداً بعد بيعه لمشتريه.
المازري: نقل الموزون والمكيل كالعرض، لافتقاره لأجر في نقله، وفي فوت جزافه ولم يعلم كيله ولا وزنه طريقان:
الصقلي: قولان لمحمد في الحلي الجزاف، وقولها في بيع السيف حليته أكثره يفسد بتأخير عوضه لا يفوت بحوالة سوقه.
الصقلي: مع شبهه بالعرض لربطه به.
اللخمي: هو كالعرض يفوت لها وبذهاب عينه/ وأرى إن ذهبت، وأراد البائع أن يقضي له بمثل المكيلة التي تقوم قضي له به؛ لأنه إذا قيل فيها تسعة إلى أحد عشر غرم عشرة كان غرم مثل العشرة أولى من غرم قيمتها، وكذا إن قال: أغرمه أقل ما يقال: إنه فيها، أو قال المشتري: أغرم له أكثر ما يقال: إنه فيها؛ فله ذلك.
قلت: إن قيل قوله ثانياً، وكذا إن قال البائع: أغرمه اقل ما يقال: إنه فيها تكرار عن قرب لقوله: أول وأرى أن يقضي له بمثل المكيلة التي تقوم.
قلت: ليس تكراراً؛ لأن الأولى تردد التقدير فيها بين ثلاثة أعداد، واخبر أن الحكم فيها بالوسط، والثانية تردد التقدير بين عددين فقط، واقتصار المازري في نقله عنه على الثاني فقط يخل علم حكم الأولى فتأمله.
الجزء: 6 - الصفحة: 49
اللخمي: وأرى إن ذهبت عينه، وعرف كيله ولم يتغير سوقه أن يقضي فيه بالمثل.
المازري: قال بعض أشياخنا: المذهب على قولين فيه: إن علم كيله بعد ذلك هل يقضي فيه بالمثل أو يبقى على حكمه حين عقد البيع؟ وأشار الشيخ إلى ارتفاع الخلاف في هذا في مسألة من ابتاع ثمراً قبل زهوه وجذه رطباً.
قلت: ظاهر كلام اللخمي: إن مذهب فيما عرف كيله كما جهل كيله، وإنه أختار خلافه ولم يصرح بذكر القولين.
اللخمي عن محمد عن ابن القاسم: وطء الأمة فوتز
زاد عبد الحق قال بعض شيوخنا: لأنه لابد من المواضعة للاستبراء، فيطول الأمد، وطول الزمان في الحيوان فوت.
المازري: مقتضي هذا التعليل أنها إن كانت وخشاً لم تفت به؛ لأنها إذا ردت إلى البائع لن يمنع من منفعة مقصودة لكن يمنع من بيعها لاحتمال حملها.
قلت: ومنعه بيعها ضرر عليه فالحكم بفوتها به صحيح، والاقتصار على العلة الأولى متعقب ومجرد غيبة المبتاع عليها لغو إن صدقه البائع، ووقفت للاستبراء إن كانت من العلي وإلا لم توقف وإن كذبه وهي من العلي لم ترد وإن كانت من الوخش، فالقول قوله إن لم يصب وردت.
وفيها: إن اشترى ثمراً لم يزه فتركه حتى أرطب أو أتمر فسخ ورد قيمة الرطب وكيلة التمر إن جده تمرٍاً.
الصقلي: يريد إن كان الرطب قائما ردت، وإن فات والإبان قائم رد مثله، وإنما يرد مكيلة التمر إن فات وإلا رده بعينه.
الشيخ: انظر قال محمد في جزاف الطعام: إنما عليه إن حال سوقه قيمته لا رد مكيلته التمر إن عرفت.
الصقلي: الذي هنا إذا عرفت المكيلة ردها، فلعله يريد إنما يكون عليه قيمتها إن فاتت عينه وجهل كيله فلا يكون اختلاف قول، ورد المكيلة أعدل ولو أخره حتى أرطب لقصد فسخه وإمضائه معاملة بنقي قصده قولان لها، ولنقل الصقلي، وسمع ابن القاسم: من ابتاع ثمراً لم يبد صلاحه ثم باع بعد بدو صلاحه
الجزء: 6 - الصفحة: 50
لصاحبه عدد الثمرة حين يبدو صلاحها ولا يأخذ إلا تمراً فإن تلفت لم يأخذ الأول من أخذ الثمرة المبتاع شيئاً.
ابن رشد: بيعه كذلك فاسد ضمانه من بائعه ما دام في شجرة وإن طاب؛ لأن قبض أصوله ليس قبضاً له، ويضمنه مبتاعه بجده وعليه كيله إن جده رطباً وعرف كيله، ولم يفت إبان الرطب وإن فات أو جهل كيله فعليه قيمة خرصه، وإن كان قائماً رد وفسخ البيع بكل حال هذا معنى قوله في البيوع الفاسدة وغيرها، ولو باعه مبتاعه بعد بدو صلاحه فقيل بيعه فوت وقبض، وفي كون قيمته يوم باعه أو يوم بدو صلاحه قول محمد وروايته، ومعناه: إن كان بيعه يوم بدا صلاحه أو استوت القيمة في الوقتين؛ فلا اختلاف، وقيل ليس بيعه قبضاً ولا فوتاً؛ لأنه باع ما ليس في ضمانه فبيعه فاسد لا يقع به فوت ما لم يجده فيه البيع الصحيح تفويتاً قبل القبض وجعل الهبة فيه فوتاً.
قلت: تقدم هذا مستوفي قال: وقوله: لصحابها عدد الثمرة، معناه: إن جده المبتاع الثاني تمراُ؛ لأنه إذا لم يجعل بيعه بعد بدو صالحه فوتاً وجب رده لبائعه الأول إن كان قائماً ومكيلته إن فات أو تلف بعد جده وينفسخ فيه البيعان، وقوله: حين يبدو صلاحها! لا وجه له؛ لأن المكيلة لا تجب عليه ببدو صلاحها إنما تجب عليه بجده إياها بعد ذلك تمراً، ولأن الملكية لا تختلف باختلاف الأوقات إنما تختلف فيها القيمة، وقوله: لا يأخذ إلا ثمراً معناه: إن جدها تمراً لأنه هو الواجب له، وعليه ولو تراضياً على ما سواه، جاز أن يأخذ منه كل ما يجوز له أن يبيع به الثمر، كمن استهلك لرجل تمرا وقوله: إن تلفت لم يأخذ الأول من أخذ الثمرة المبتاع شيئاً معناه: إن تلفت قبل جدها، وإن يبست، ومثله في الموازية وهو صحيح على قياس قوله: إن البيع فيها ليس بفوت.
قلت: حمله قول محمد ومالك على الوفاق خلاف ظاهر كلام اللخمي، قال قوله: (القيمة يوم بدو الصلاح)؛ إنما يصح على أن المشتري جدها من حين بدو صلاحها فيجري على الخلاف في كون التميكين قبضاً وإن دخل على أن تبقى لتيبس لم تكن القيمة يوم بدو الصلاح، وكان الاعتبار يوم البيع الثاني، ومن فاسدها بيع معين حاضر يتأخر
الجزء: 6 - الصفحة: 51
قبضه لما يتغير فيه.
مقصود منه في سلمها الأول، من أسلم في سلعة بعينها لأجل بعيد لم يجز نقد أو لا؟ لأنه غرر لا يدري أتسلم السلعة لأجلها أم لا؟ إن هلكت، وقد شرط نقد ثمنها رده بعد نفعه به باطلاً.
وإن لم يشترطه صار كأنه زاده في ثمنها على ضمانها، وإن شرط قبض السلعة ليومين جاز لقربه، ولو شرط في طعام بعينه كيله إلى ثلاثة أيام جاز وكذا السلع كلها شرطه البائع أو المبتاع.
وفي كراء الرواحل منها لابن القاسم: لا يعجبني شرطا تأخيرها ثلاثة أيام إلا لعذر من ركوب دابة ولبس ثوب وخدمة عبد وغيره أو توثيقاً للإشهاد وإن لم يكن لشيء من ذلك كرهته ولا أفسخ به البيع.
قلت: فظاهره شرط جوازه لفائدة توثق أو انتفاع وأخذ لغوه من قول سلمها شرطه البائع أو المبتاع.
وفيها: مع غيرها: جواز بيع الدار واستثناء سكناها مدة لا تتغير فيها غالباً، وفي حدها بسنة أو نصف أو سنتين رابعها ثلاثا، وخامسها، خمساً، وسادسها عشراً لها مع سماع يحيى ابن القاسم قائلا: ولو كان الثمن مؤجلاً، ولابن رشد عن رواية ابن وهب والمتيطي عن ابن حبيب وعن سحنون، ولابن رشد عنه وله عن ابن القاسم في الموازية مع المغيرة ودليل قولها في العارية: بجواز إعارة الأرض عشر سنين على أن يبنيها بناء موصوفا ورده المتيطي بأن لرب العرصة أخذ البناء عند انقضاء المدة برد بأنه حينئذ مرئي مدركة حالته.
ابن رشد: ينبغي أن ينظر في ذلك لحال البناء في أمنه وضعفه.
قلت: هذا قول التونسي وكذا الأرض.
ابن رشد: في سماع يحيى بيع الأرض واستثناؤها أعواماً أخف يجوز فيها عشرة أعوام، قاله ابن القاسم أول سماع أصبغ من كتاب الحبس ومثله في الموازية، وقال المغيرة: يجوز فيها السنين ذوات العدد أكثر من عشر، ولابن القاسم في المدينة لا يجوز فيها إلا سنة كالدار.
قلت: ومثله للمازري ولابد من بيان ما يجعله فيها، وفي الغرر منها: يجوز لمن باع دابة استثناء ركوبها يومين لا ما بعد ولا ركوبها شهراً، فإن هلكت فيما لا يجوز استثناؤه
الجزء: 6 - الصفحة: 52
فهي من البائع لأنه بيع فاسد لم تقبض بع السلعة وكذا استثناء خدمة العبد.
ولابن رشد يجوز استثناء ركوب الدابة ثلاثة أيام.
قلت: ومثله للمازري.
الباجي: روى ابن حبيب يجوز ركوبها يومين في السفر، وروى أشهب منع ذلك في السفر، وروى محمد منع ركوبها ثلاثة أيام، وقال: يفسد العقد، وعندي أن دواب الكد والعمل يسرع لها التغير وتدبر ولو كانت من دواب الحمال والركوب، خاصة، جاز فيها لأنها لا تكاد تتغير في مثله ما لم يكن سفراً، وقبله ابن زرقون ورواية أشهب بالمنع في السفر إنما هي في النوادر بلفظ فال عنه أشهب لا يصلح في بعيد السفر.
اللخمي: ما جاز استثناؤه يجوز بعد قبض المبتاع، ومقامها عنده يومين لا جمعة.
وفي كون ضمانها فيما يجوز استثناؤه من المبتاع مطلقاً أو فيما كان بعد قبضه قولا مالك وابن حبيب، وما فسد في كونه من بائعه مطلقاً أو ما لم يهلك بيد مبتاعه أو بعد حوالة سوق قولا ابن القاسم وكتاب ابن سحنون.
وفي نوازله: من باع داراً اشترط سكناها سنة ثم تهدمت قبلها، أو باع دابة اشترط ركوبها يومين فماتت قبلها وطلب رجوعه على المشتري بحصة السكني والركوب واحتج بأنه رخص في الثمن لما استثناه.
قال: سمعت علي بن زياد يقول لا رجوع له بشيء، وروى أصبغ عن ابن القاسم مثله.
ابن رشد: مثل رواية أصبغ في سماعه لا يرجع بشيء وزاد فيه؛ لأنه خفيف لم يضع له من الثمن شيئاً وفيه نظر؛ لأن المعلوم أن الثمن مع الاستثناء، أقل منه دونه، ولعل قيمة السكني مثل قيمة ربع الدار أو أكثر، وكذا استثناء ركوب الدابة بيومين أو ثلاثة؛ وإنما وجه عدم رجوعه إنه جعل ما استثناه باقياً على ملكه ولم يبعه؛ وإنما حط عن المشتري ما كان يجب لما لم يبعه، واستثناه كمن باع ناقة لها فصيل واستثناه، فإن بني المبتاع الدار على هذا القول وبقيت من مدة الاستثناء بقية، فللبائع سكني الدار بقيتها وعليه كراء الأنقاض قائمة لذهاب الأنقاض التي استثنى سكانها، ولا حق له في أنقاض المشتري فيقال كم كراء البقعة مهدومة؟ وكم قيمة كراء الدار قائمة؟ فيغرم
الجزء: 6 - الصفحة: 53
البائع فضل قيمة كراء الدار قائمة على قيمة الأنقاض في المدة التي بقيت من شرطه وإن لم يبنها المشتري فللبائع سكني القاعة مهدومة بقية المدة وله أن يبنيها، فإذا انقضى أمد سكناه أخذ نقضه إلا أن يشاء المبتاع أن يعطيه قيمته منقوضا على قول ابن القاسم وروايته، وعلى قول المدينين وروايتهم له قيمته قائما إذا انقضى أمد سكانها وعلى أن المستثني مشتري فهو كمن باع داره بدنانير وسكني مدة معلومة فينظر لقيمة السكني إن كانت عشرة دنانير، والثمن تسعون رجع بعشر قيمة الدار يوم باعها، وكذا في الدابة، وهو قول أصبغ في سماعه إلا أنه قال: ما لم يكن المستثنى يسيراً مثل الأيام في الدار والبريد في الدابة وهو استحسان لا قياس، وكذا تفرقة ابن حبيب بجعله الركوب قبل قبض المبتاع مبقى على ملك البائع لا يرجع بشيء وبعض وبعد قبض المبتاع مشتري يجب له به الرجوع، ولما ذكر ابن محرز عدم رجوعه في الانهدام قال: وقال ابن القاسم: إلا أن يصلح الدار قبل السنة فيكون للبائع بقية شرطه.
قلت: زاد في النوادر ولا يجبر على الإصلاح.
قال ابن محرز: إنما رآه في الهدم اليسير الجاري مجرى الإصلاح؛ لأن الأنقاض التي شرط الانتفاع بسكانها قائمة، ولو ذهبت ثم بناها المشتري، من عنده أو كثر الانهدام حتى يحتاج إلى إنشائها لم يبق للبائع حق إلا في القاعة وفيما بقي من أنقاضه.
وقال الأصبغ: لا يعجبني قول ابن القاسم، وأرى أن تقوم السكني، ويرجع البائع بقدرها، وكذا في استثناء ركوب الدابة إن هلكت يرجع بقدرها إن كانت شيئاً له قدر.
وأما مثل الأيام والبريد، والأيام القليلة في الدار فلا يرجع بشيء وليس كالصبرة؛ لأن صفقة الصبرة قبض للمبتاع ما اشتراه والبائع لم يقبض سكناه.
قال محمد: لم أجد لقول أصبغ معنى
ابن محرز: هو كما قال محمد: وقول أصبغ يدل على أن المستثنى على مالك المشتري وهو باطل ضرورة؛ لأن المشتري ماملك قط السكني ولا ابتاعها إنما ابتاع ما سواها، وقو أصبغ وهم، ولو كان مشتري للزم في الصبرة إذا استثنى البائع من ثمرته كيلاً أن يبيع ما استثناه قبل كيله خوف أن يطن له أن اشتراه، ولعله ممن يقتدي به.
الجزء: 6 - الصفحة: 54
قلت: قول أصبغ هذا وقع في سماعه، ولم يتعقبه ابن رشد، ودعوى ابن محرز وهم قول أصبغ إغراق للشهرة نقل غير واحد الخلاف في كون المستثنى أو مبقى، وتقدم تفريغ ابن رشد على القولين.
وسمع أصبغ ابن القاسم من باع دابة على أن يركبها بعد ثلاث إلى الإسكندرية فقبضها المشتري، فتلفت عنده قبل الثلاث إنها منه ولو أخذها البائع بعد الثلاث فركبها ضمنها.
أصبغ: لفساد بيعها بطول الركوب، وكثرته وردها لبائعها كعدم قبضها منه.
ابن رشد: فسد لأمرين بعد المسافة، وعدم الاتصال الكوب بالبيع، إنما جاءت السنة في اتصاله بالبيع، ومثله سمع أبو زيد إنه فاسد، أنه جعل ضمانها من البائع ما بقي له فيها ركوب، وإن تلف بيد المشتري، فسماع عيسى على أن المستثنى مشتري وسماع أبي زيد على أنه مبقى.
الصقلي عن بعض القرويين: وأجر تقويم المبيع إن افتقر إليه على المتابعين معاً لدخولهما قي البيع مدخلاً واحدا.
قلت: ما علل به هو تفرقتها بين فوت البيع الفاسد بحوالة الأسواق بخلاف الرد بالعيب وحكي بعضهم أنه على البائع قال: وقيل: على المبتاع، والأظهر الأول ما لم ينفرد أحدهما بعلم فساده فيكون عليه، وهلاك المبيع قبل ضمانه مبتاعه بغير سبب بائعه كاستحقاق ينقص بيعه وتغيره حينئذ بنقص كقدمه يوجب تخيير مبتاعه وتلف بعضه أو استحقاقه معينا كرده بعيب، فيها مع غيرها: إن قل المستحق؛ لزمه الباقي بمنابه من الثمن حين العقد معيناً.
وفيها: إن استحق الأكثر حتى يضر بتبعيض الصفقة فعليه رد جميعها لا يجوز رضاه بقي لجهل حصة ذلك إلا بعد القيمة فكأنه بيع بثمن مجهول لوجوب الرد في كل الصفقة.
الصقلي وغيره: أجاز ابن حبيب تمسكه بما بقي بمنابه من الثمن، وعزاه ابن محرز له عمن أدرك من أصحاب مالك وقال: وقال ابن الكاتب: أجاز ابن القاسم مرة جمع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ فعليه يجوز أن يتمسك بما بقي بمنابه من الثمن؛ لكونه في
الجزء: 6 - الصفحة: 55
الجملة معروفاً ولو كان التمسك كابتداء عقد لكان إذا كان الاستحقاق على الأجزاء في أكثر المشترى لافتقر في التمسك به إلى رضى البالغ.
قال التونسي والصقلي: ووقع في أكرية الدور منها ما يؤيده وهو قوله فيمن اكترى دارًا فانهدم منها بعد ما سكن بعض السكنى ما يجب به الرد إن له التماسك بما بقي، وهو أخف من جمع الرجلين سلعتيهما في البيع؛ لأنهما في جمعهما ابتدءا العقد على ذلك، وفي الاستحقاق هو حادث بعد صحة العقد.
قُلتُ: يعارض ما ذكراه من الحفة بأن جهل مناب ما بقي من الثمن في الاستحقاق عام في البائع والمبتاع، وجهل مناب كل سلعة من الثمن في جمع السلعتين خاص بجنبة البائع.
وقال الصقلي في كتاب العيوب: لأشهب نحو قول ابن حبيب، وأنا أستحسن إن استحق الكثير ورضي المبتاع أخذ ما بقي بحصته أن لا يأخذ إلا بعد التقويم، ومعرفة حصة ما بقي، وفي استحقاقها إن استحق نصف الدار أو جلها أو أقل مما هو ضرر بالمشتري خير في تمسكه بما لم يستحق على قدره من الثمن ورده.
عياض: وظاهرة: أن الاستحقاق على غير الأجزاء، فإن كان كلامه على الأجزاء فهو على أصله، وإن كان على ظاهره وكلامه على النخلات المعينات والبيت، فهو خلاف ما عرف من مذهبه؛ لأن منابع من الثمن مجهول لا يجوز ذلك حتى يعرف ذلك وهو مثل ابن حبيب خلاف ماله في العيوب وماله هنا في مسألة السلع الكثيرة، وأشار بعضهم إلى أن مذهبه في كتاب الاستحقاق التفريق بين السلع والرباع.
قُلتُ: ففي كون استحقاق الجل معيناً من غير المكيل والموزون موجباً لفسخ بيع ما بقي وتخيير مشتريه في إمساكه ما بقي، ثالثها: في السلع لا الرباع.
ورابعها: لزوم ما بقي ولو كان العشر فيما تقاربت أفراده عدده للمشهور وابن حبيب مع نقله عن أصحاب مالك وأشهب ودليل بعض مسائلها ونقل عياض عن بعضهم، وغير واحد عن أشهب وقول عياض: لأن منابه من الثمن مجهول لا يجوز ذلك حتى يعرف ذلك يقتضي أنه المذهب عنده وهو خلاف ما تقدم للصقلي: أنه اختيار منه، فتأمله وقول ابن
الجزء: 6 - الصفحة: 56
عبد السلام: أشهب يرى في جميع هذه المسائل أن استحقاق الأكثر لا يوجب خياراً للمشتري ويلزمه الأقل بما ينوبه من الثمن يقتضي أن قول أشهب مطلق غير مقيد بتساوي أفراد المبيع أو تقاربها ولا أعرفه إلا مقيدًا حسبما ذكرناه، واستحقاق الأكثر من مثلي أو غيره شائعًا يوجب تخيير مبتاعه في رده، واستحقاق الأقل من واحد من الحيوان وما يفسده القسم كالثوب مثله ومن غيرهما معينًا لا ينقص منفعة باقية لا يوجبه الأقل في العروض غير المثلية النصف، وما فوقه كثير.
ابن رُشْد: هذا قوله وقول غيره في الرد بالعيب، وقيل: النصف كثير يفسخ البيع باستحقاقه قاله في آخر كتاب الاستحقاق منها في بعض رواياتها، وفي استحقاقها صبر المثلي كالسلع وفي التجارة لأرض الحرب، منها: من اشترى لبن عشر شياه في إبانه ثلاثة أشهر فمات منها خمس بعد حلبه جميعها شهرًا، فإن كانت الميتة تحلب قسطين قسطين والباقية تحلب قسطًا قسطًا نظر، كم الشهر من الثلاثة في نفاق اللبن؟ فإن كان النصف فقد قبض نصف صفقته بنصف الثمن وهلك ثلثًا فالهالك ثلثا النصف الباقي قبل قبضه؛ فله الرجوع يرجع بحصته من الثمن وهو ثلثا نصف الثمن وهلك ثلث للثمن أجمع ولو كان موتها قبل أن يحلب منها شيئًا رجع بثلثي جميع الثمن.
ابنن محرز: لم يبين حكم ما بقي من لزومه أو تخييره في رده كاستحقاقه، والصواب أنه كالثمار، يلزمه مابقي ولو قل، واعتبرها بعض المذاكرين بمسألة كراء الحمامين والحانوتين إن انهدم وجههما رد الباقي، وليس مثله لأن الربع مأمون وهدمه نادر ولو كان المكترى رواحل أو عبيدًا، فهلك بعضها لكان كالغنم والثمار لأن هلاكها متوقع فلم يكن للمشتري حجة في ردها.
قُلتُ: ما ذكره هو قولها في مرض الظئر والبعد المستأجر والدابة في المدة في غير سفر الدابة، إن باقي المدة لازم ما لم يحكم بالفسخ والرجوع بمناب المستحق من الثمن بقبضه على قيمته، وقيمة ما بقي ولو كانا سميا قدرًا منه لهما في العقد، وتقدم نقل المتيطي اعتبار ما سميا.
الصقلي: وقيل: يفسد البيع بالتسمية؛ لأنه كالمشترط أن لا يقبض الثمن في الاستحقاق والأقل في الطعام وغيره مكيلاً أو موزونًا في كونه كالعروض أو ما دون
الجزء: 6 - الصفحة: 57
الثلث والثلث كثير.
ثالثها: في غير الطعام لابن رُشْد مع غير واحد عن أشهب ونقله عن سَحنون في رسم الثمرة من سماع عيسى في الاستحقاق، وله عن ابن القاسم في رسم يوصى من سماعه عيسى من كتاب الاستحقاق مع نقله في سماع ابن القاسم عنه من جامع البيوع، ولابن محرز عنه مع ابن رُشْد عنه في رسم الثمرة من سماعه عيسى في الاستحقاق قائلاً: هو المشهور المعلوم من مذهبه.
وفي الدار ما لا يضر فيها من ابتاع دارًا فاستحق منها بيت فإن كان أيسرها كدار عظمى لا يضرها ذلك لزم بيع بقيتها، وكذا النخل الكثيرة يستحق منها نخلات يسيرة، ولو استحق جل الدار أو دون نصفها مما يضر بالمشتري، فله رد ما بقي أو حبسه بحصته من الثمن ومثله في ثاني نكاحها.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ابتاع دارًا فاستحق منها سهم عن عشرة أو أقل أو أكثر قال: قال مالك: إن كان المستحق منها يسيرًا.
قُلتُ: العشر، قال: ربما كان العشر فيها يضر بها وقد لا يضر إنما ينظر الوالي بالاجتهاد إن رأى ضررًا رده وإلا أمضى البيع ورد عليه قدر ذلك من الثمن.
ابن رُشْد: إن كانت لا تنقسم أعشارًا فذلك ضرر، وإن كانت تنقسم ببيت تحصل للمستحق منها والمدخل على باب الدار والساحة مشتركة فإن كانت دارًا جامعة كالفنادق تسكنها الجماعة فليس بضرر فيرفع بقدره من الثمن ولا يرد ما بقي، وإن كانت للسكنى فهو ضرر وإن كانت تنقسم دون نقص في الثمن ويصبر لكل حظ حظ من الساحة وباب على حدته فليس بضرر إلا أن يكون المستحق على هذه الصفة الثلث فأكثر والدار الواحدة في هذا بخلاف الدور وإن استحق بعضها لم يرد باقيها إلا أن يكون معها أكثر من النصف، وقد نص في القسمة منها أن استحقاق ثلث الدار الواحدة كثير.
قُلتُ: كون ثلثها كثير هو نقل الزاهي عن المذهب قال: وقال أشهب: هذا في كبار الدور التي لا يضر استحقاق صغير جزئها، فأما صغارها وما لا ينقسم؛ فله رد الجميع وبهذا أقول.
قُلتُ: ظاهره أن فيما لا ينقسم منها خلاف وليس كذلك حسبما تقدم لابن رُشْد في النوادر عن ابن القاسم: من اشترى دارين فاستحق يسير، من إحداهما رجع بحصته
الجزء: 6 - الصفحة: 58
من الثمن ولزمه ما بقي، وإن استحق أكثرها وهي وجه الصفقة رد الدارين إن شاء أو حبسهما ولا شيء له، وإن لم تكن وجهها ففي ردها بحصتها من الثمن ولزوم باقيها قولا ابن القاسم وسَحنون وقول ابن رُشْد: والدار الواحدة في هذا بخلاف الدور يريد أن الدور كعدة سلع في قسمتها لمن ابتاع عبدًا رده باستحقاق أيسره بخلاف مبتاع عبدين متكافئين يستحق أحدهما أو مبتاع الدور والسلع لا ترد في هذا الصفقة إلا باستحقاق أكثرها، والأقل في الأرض ما دون النصف والنصف كثير في الشفعة منها: من استحق منه نصف أرض ابتاعها ولم يشفع مستحقه في باقيها، فله رد ما بقي بيده من الصفقة؛ لأنه استحق منها ما له بال، وعليه فيه الضرر وقد ذكرت هذا في مذاكرة بعضهم فأنكره على فوقفته على قولها هذا ومثله قولها بعده بنحو ورقة: ومن ابتاع أرضًا بعبد فاستحق نصف الأرض قبل تغير سوق العبد فله رد بقية الأرض وأخذ عبده.
وفي الزاهي: ما استحق من الأرض كالدار وقيل: ليس الأرض كالدار وبالأول أقول.
قُلتُ: هذا خلاف قولها، والنقص بالخطأ في التقدير كالاستحقاق في رد البيع في البيوع الفاسدة، منها: إن ابتعت صبرة على أن فيها مائة إردب جاز، وكذلك لو ابتعت مائة من تلك الصبرة فإن نقصت يسيرًا ووجدت أكثر المائة لزمك ما أصبت بحصته من الثمن، وإن نقصت كثيرًا فأنت مخير في أخذ ما أصبت بحصته من الثمن أورده.
قال ابن رُشْد في أول مسألة من سماع القرينين من جامع البيوغ: اختلفت إن اشترى دارًا أو ارضًا أو خشبة أو شقة على أن فيها كذا وكذا دراعًا، فقيل ذلك كقوله: أشتري منك كذا وكذا ذراعًا فإن وجد في ذلك أكثر مما سمى من الأذرع فالبائع شريك له بالزيادة كالصبرة يشتريها على أن فيها عشرة أقفزة فيجد فيها أحد عشر قفيزًا فالزائد للبائع وإن وجد أقل مما سمى كان ما نقص كمستحق إن قل لزم المبتاع ما وجد بحسابه وإن كثر كان مخيرًا في أخذ ما وجد بمنابه من الثمن، وقيل ذلك كالصفة لما ابتاع إن وجد أكثر مم سمى فهو له، وإن وجد أقل كان مخيرًا في أخذه بجميع الثمن أو رده والقولان قائمان من أول كتاب تضمين الصناع منها، ومن رسم أوصى من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفرق في نوازل سَحنون منه بين الدار والأرض وبين الشقة والخشبة،
الجزء: 6 - الصفحة: 59
وسوى بين ذلك كله في نوازل سَحنون من كتاب العيوب في بعض الروايات، وقال: يدخله الخلاف كله دخولاً واحدًا.
قُلتُ: تفرقة سَحنون بالأول في الدار والثاني في الشقة والخشبة.
ابن رُشْد: وقال بعض الشُيُوخ: على قياس التفرقة في نوازل سَحنون كل ما كان أصل شرائه شراء الجملة بغير ذرع فوجد زيادة في الذرع كالثوب والحبل والخشبة فهي له، وكل ما أصله أن يشترى بعدد أو كيل أو ذرع فوجد فيه زيادة فهي للبائع كصبرة الطعام والحرث والأرض تشترى على ذرع، وأما الدار يكون في صفتها عدد ذرع فإن كانت ذات بناء وهيئة فالذرع بعض صفاتها إن وجد فيها المبتاع زيادة فهي له وإن كانت على غير ذلك إنما بيعت لسعتها وانفساحها فوجد زيادة كان شريكًا مع البائع بالزيادة إن شاء أو يرد الكل إن كره الشركة.
وسمع عيسى ابن القاسم: من اشترى دارًا على أن فيها ألف ذراع فلم يجد إلا خمس مائة له أخذها بمنابها من الثمن أو ردها ولو كان بها بنيان فانهدم ثم لم يجد فيها غلا خمس مائة لزمته بمنابها من الثمن.
وفي كتاب أسد: هو مخير في أخذها كلها بجميع الثمن أوردها.
ابن رُشْد: إنما ألزمه الخمس مائة إن كان بها بنيان؛ لأن ما نقص من الذرع كاستحقاق واستحقاق نصف ذرع الدار إن لم يكن بها كثير يوجب له الخيار، وليس نقص نصف الذرع إذا كان بها بناء بكثير؛ إذ قد تكون قيمة البناء وقيمة البقعة سواء فيكون نقص نصف ذرعها كاستحقاق ربعها، وسواء كان البناء قائمًا أو انهدم؛ لأن مصيبة ما نهدم منها بعد الشراء من المشتري، وهذا على أن الذرع في الدار والأرض والثوب والخشبة كالكيل، وعلى أنه كالصفقة وهو أظهر القولين يكون مخيرًا في الدار بين أخذ ما وجد بجميع الثمن أو رده وهو الذي قال: إنه في كتاب أسد.
الصقلي: في كتاب الرد بالعيب: قال محمد: من اشترى دارًا على أن فيها مائة ذراع فوجد فيها زيادة ذراع؛ فله أن يغرم حصة الذراع أو يردها كلها إلا أن يدع له البائع الزيادة؛ لضرر القسمة، ولو كان ثوبًا؛ فله الزيادة والرد في النقصان.
الصقلي: كما له الرد في النقص يجب أن لا تكون له الزيادة كالدار، ويحتمل أن
الجزء: 6 - الصفحة: 60
الفرق بينهما أن الثوب ظاهر الاختبار فكأنه باع عالماً بالزيادة، قال: الصبرة تزيد، برد زيادتها ويلزمه ما بقي.
وذكر في الواضحة في الثوب ما تقدم.
وقال في النقص: إن فات بالقطع رجع بقيمة ذلك قال: والعرصة كالشقة في الزيادة والنقص بخلاف الدار ذات المنازل والبناء؛ لأنها إنما توصف بحدودها الذرع فيها كالتحلية إن نقص الذرع يسيرًا فلا قيام به إلا أن يتفاحش بما له خطر فيكون عيبًا أو يكون اشتراط الذرع شرطًا نصًّا، فله القيام بما قل أو كثر كالشقة، والعرصة، وهو فيها عيب كان بشرط أو بذكر البائع فقط كقول مالك في الجارية تزعم أنها عذراء أو طباخة فتوجد بخلاف ذلك؛ فله الرد.
قُلتُ: ففي كون شرط الذرع في الدار كالكيل إن وجد زيادة غرم حصتها أورد جميعها أو كالصفة نقصها عيب نقلا الصقلي عن محمد وابن حبيب وعزاهما ابن رُشْد لها مع سماع عيسى ابن القاسم، والأسدية.
ولو ذكر الذرع في صفتها دون شرط ففي كونه كصفة لها زيادته لغو مطلقًا ونقصه لغو إن قل، وإن تفاحش كعيب، وإن كانت ذات بناء وهيئة فهو صفة لها زيادته لمبتاعها، وإن بيعت لا تساعها فهي للبائع شريكًا بها وللمبتاع الرد لضرر الشركة قولان لابن حبيب وابن رُشْد عن بعضهم، وفي الأرض والخضبة والشقة تشترى على قدر يبين خلافه نقلا ابن رُشْد القولين في الدار، وله في قول سَحنون في نوازله: لو اشترى شقة على أن فيها سبعة أذرع فوجد فيها ثمانية أو خشبة، كذلك فالزيادة له.
ابن رُشْد: المعنى أن الشقة والخشبة غائبتان، واشتراهما على الصفة ولو حضرتا لم يجز بيعهما إلا بعد كيلهما؛ إذ لا مئونة فيه بخلاف الدار والصبرة لمؤنة ذلك فيهما.
قُلتُ: ظاهر الرواية الإطلاق ولا أعلم من قيدها بما ذكر غيره، وسمع عيسى ابن القاسم: من باع طعامًا واعدى هلاكه قبل كيله وكذبه مبتاعه وطلب ضمانه الكيل الذي ابتاع منه لزم غرم الكيل الذي ابتاعه منه، إلا أن تقوم بينة بهلاكه.
ابن رُشْد: ولا يجوز تصديقه إياه في هلاكه فيأخذ ثمنه؛ لأنه إذا كان مخيرًا في أخذه بمثل الكيل الذي ابتاعه أو ثمنه دخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن أخذ الثمن منه إقالة
الجزء: 6 - الصفحة: 61
وهي لا تجوز إلا بأجرة فتفسد للخيار وهو قائم من سلمها الثالث فيمن اشترى طعامًا بعينه كيلاً، فأتلفه بائعه فإنه يضمن مثله، ولا خيار له في أخذ ثمنه؛ لأن معنى المسألة أن التلف لم يعلم إلا بقوله.
قال أشهب: إنه بالخيار في ذلك وهو نحو بعض روايات سلمها الأول فيمن اشترى ثوبًا بطعام فتعدى رجل على الثوب فأحرقه ولم يعلم إلا بقوله: إن المسلم إليه بالخيار في أن يغرمه قيمته ويتم السلم بحاله أو يفسخه عنه ومثله في الموازية فعليه يكون للمشتري أن يصدقه في دعوى تلفه ويأخذ ثمنه أو يغرمه مثله، وقيل: معنى ما تكلم عليه أشهب، ومسألة السلم الثالث إذا علم استهلاكه ومسألة السلم الأول لا وجه فيها للتأويل؛ لأنه خيره بين الأمرين مع نصه على أنه لم يعلم ذلك إلا بقوله، وفي هذا القول بعد لاحتمال أن المسلم استهلك الثوب فتجب عليه قيمته للمسلم إليه، فتكون الإقالة على القيمة فيدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ فالصحيح وجوب غرم قيمته وبقاء السلم.
ولما ذكر المازري سماع عيسى قال: مقتضى قولها في السلم: أن يختلف على تلفه بأمر من الله وينفسخ بيعه.
قُلتُ: ففي لزوم غرمه مثله وتخيير مبتاعه.
ثالثها: يفسخ بيعه وإن حلف بائعه، لسماع عيسى ابن القاسم وأشهب والمازري عنها، وفي سلمها الثالث: إن ابتعت صبرة طعام جزافًا، فهلكت بعد العقد فهي منك، فقول ابن شاس: إتلاف المشتري قبض واضح فيما ليس فيه حق توفية بيع عليها وقوله مطلق: فيما بيع عليها وأتلفه قبلها وهو نقل اللخمي عن المذهب قال: إن أتلف طعامًا ابتاعه على الكيل قبل كيله، وعرف كيله فهو قبض له، وإن لم يعرف كيله؛ فالقدر الذي يقال: إنه كان فيها إن قيل: قفيز غرم ثمنه ومثله للمازري، فقول ابن الحاجب: إتلاف المشتري الطعام المجهول كيله يوجب القيمة لا المثل ولا ينفسخ على الأصح، وقبول ابن عبد السلام نقله إيجاب القيمة وهم وتعقبه عليه مقابل الأصح صواب.
وفيه إن هلكت بتعدي أحد تبعه المبتاع بقيمتها كان بائعًا أو غيره.
الجزء: 6 - الصفحة: 62
اللخمي: إن أتلفها بائعها فعليه قيمتها وله ثمنها، ولو كان حبسها بثمنها ففي كونها من مبتاعها أو منه روايتا محمد على الأولى كما لم تحبس إن أتلفها أجنبي غرم قيمتها وإن أتلفها بائعها فقيل يخير مبتاعها في إغرامه قيمتها أو فسخ بيعها ولابن القاسم لو قال قائل: يغرم قيمتها كأجنبي لم أعبه، وعلى الثانية إن تلفت بأمر من الله او من أجنبي انفسخ بيعها، وعلى الأجنبي الأكثر من قيمتها أو ثمنها وإن أتلفها بائعها أو باعها انفسخ بيعها، في إغرام مبتاعها بائعها الأكثر من قيمتها أو ثمنها وإن أتلفها بائعها الفسخ ببيعها في إغرام مبتاعها بائعها الأكثر من قيمتها أو الثمن ومنعه قولا: على قولي أشهب وابن القاسم: لأنه بيع طعام قبل قبضه كاللبن في الضروع، والثمرة الغائبة، وفيه ولو ابتاعها على كل قفيز بدرهم فهلكت قبل المكيل بأمر من الله فهي من البائع وانتقض البيع وإن تلفت بتعدي البائع أو بيعه إياها فعليه مثلها تحريًا يوفيكها على الكيل لا خيار لك في أخذ ثمنك أو الطعام.
اللخمي: ولا إمضاء بيع البائع ولا أخذه بقيمته إن أكله أو وهبه؛ لأنه بيع لع قبل قبضه.
ابن محرز: كتب سَحنون اسمه على هذه المسألة إنكارًا لها.
قال فضل: يحتمل كونه؛ لنه رأى أن تبين استهلاكه ينفي تهمة المشتري ويثبت خياره كقول غير ابن القاسم فيمن ابتاع سلعة بمائة إلى أجل فتعدى بائعها ببيعها من غيره بثمانين نقدًا وفاتت، وقيمتها ثمانون، إن لمشتريها أخذ ما باعها به ويعطي الثمن الأول عند أجله ولا يتهمان لما كان العداء ظاهرًا، وكما قال ابن حبيب فيمن استهلك لرجل زرعًا بحريق ظاهر أنه ياخذ منه القيمة طعامًا.
قُلتُ: ليس أصل غير ابن القاسم بحجة عليه، وكذا قول ابن حبيب ومسألة الغير تقدمت في الآجال.
وفيها: إن تلفت بتعدي أجنبي قبل كيلها قال: لم أسمع فيها شيئًا، وأرى للبائع عليه القيمة، ويشتري بها طعامًا للبائع ثم يكيله البائع للمشتري؛ لأنه لو عرف كيلها، غرمه المتعدي فلما لم يعرف كيله وأخذ مكان الطعام القيمة اشترى له طعامًا بها يأخذه المشتري، وليس ببيع للطعام قبل قبضه؛ لأن التعدي إنما وقع على البائع.
الجزء: 6 - الصفحة: 63
ونقل عياض منها ما نصه: قال للبائع القيمة على المستهلك وأرى أن يشتري للبائع منه طعامًا للبائع قال: كذا روايتنا هذا الحرف، في بعض النسخ يشتري بالقيمة طعامًا للبائع، وكذا جاء بعد هذا عند تكرير المسألة، وهو قوله: وأخذ مكان الطعام القيمة اشترى له طعامًا يعني البائع.
وفي بعض النسخ: اشترى على ما لم يسم، فاعله موافقًا لأول المسألة على روايتنا، على هذا اختصرها الشَّيخ ورأى من قال: البائع يشتري ذلك إنه لا يلزم المتعدي أكثر من القيمة، وقال بعضهم الشراء على المتعدي وينقله إلى محل تعديه، والظالم أحق أن يحمل عليه.
وقال ابن أبي زَمَنَيْن: لم يبين في المسألة من يشتري، ولفظ الكتاب يدل على أنه البائع زاد عبد الحق عنه ومن الدليل عليه قول أشهب: إنه يفسخ بيعها وإنما ذلك؛ لأن البائع لو كلف بشراء الطعام كان ظلمًا.
عبد الحق: انظر ما تأول به قول أشهب بأن ما في الموازيَّة عنه يفسخ إلا أن يقر المستهلك بقدر كيفها فيخير البائع في إغرامه ما أقر به من الكيل بعد أن يحلفه أو القيمة فيكون المشتري بالخيار في أخذ الكيل المقر به والقيمة يشترى له بها طعام؛ بل كان يقول: لا يأخذ القيمة ويفسخ البيع فانظر، زاد ابن محرز.
قال محمد: ولأشهب مثل قول ابن القاسم وهو أحب إليً.
قال فضب: القياس فسخه وتكون القيمة للبائع لأن عين الطعام المبيع قد ذهب.
قال عبد الحق وابن محرز: لو حال سوق الطعام فصار المشترى بالقيمة أكثر من عدد الكيل الذي اشتراه أو أنقص فالزائد للبائع والنقص كما في الاستحقاق.
التونسي: إنقيل: هذا سببهمن غير البائع؛ قيل: هذا معتير كموت الأرفع من الجاريتين وانهدام الأرفع من الدارين في اكترائهما قال: ولو لم يوجد للمعتدي لكان للمبتاع المحاكمة في فسخ البيع عنه؛ لضرره بتأخره لوجود المتعدي.
المازري: وكذا لو كان المتعدي معسرَا؛ لكان للمبتاع الفسخ أو التأخير كعيب وجده ولو تطوع البائع بها لزم المتعدي ارتفع خيار المشتري.
ابن محرز: قالوا: إنها ضمن البائع مثل الطعام وهو غير مكيل بخلاف الأجنبي
الجزء: 6 - الصفحة: 64
لأن الغلط في حزرها بزيادة أو نقصان لا يضره؛ لأنه يأخذ الثمن بقدر ذلك.
الصقلي عن بعض القرويين: كنان الأصل القضاء بقيمة الصبرة فيهما؛ لأن قيمتها أضعف من قدرها, ولما استهلكها بائعها انهم على أنه عرف كيلها واستهلكها؛ ليغرم قيمتها, وقد حال سوقها فيشتري بالقيمة أقل من قدرها فألزم أشد الأمرين, وهو المثل وهذه العلة منتفية عن الأجنبي.
الصقلي: بل الأصل غرم المثل فيهما لأن القيمة لا تعرف إلا بعد تقدير مثلها ليقوم فأغرم البائع ذلك بخلاف الأجنبي خوف أن يكون المثل أكثر أو أقل فيدخله التفاضل في الطعامين، والبائع ضمان الطعام منه فلا تفاضل، وأما احتجاجه بأنه لزم البائع أشد الأمرين لتعديه فقد تكون الأسواق حالت بزيادة فيشتري بأقل من القيمة فيربح.
قُلتُ: وينقض تعليل الصقلي بما لو كانت الصبرة من غير طاعم إلا أن يجاب بالمزابنة، وحكم ضمان المبيع على خيار تقدم في الخيار.
قال ابن عبد السلام: هنا إن قامت بينة بهلاك الثوب بغير سبب المشتري دون تفريط منه لم يضمنه وانظر هل يدخله خلاف، أشهب في الرهن والعارية.
قُلتُ: تقدم في الخيار نقله اللخمي والمارزي عن أشهب، وتقدم حكم هلاكه بيد أحدهما والخيار للآخر فانظره.
وسمع ابن القاسم: من اشترى ثوبي رجلين في صفقتين بالخيار فيهما فاختلطا عنده ولم يعرف ثوب هذا من ثوب الآخر، وينكر أحدهما أو كلاهما لزماه بالثمن إلا أن يعرف ثوب كل منهما فيحلف ويرده أو يعرفه غيره.
ابن رُشْد: قوله: وينكر أحدهما يريد بقول أحدهما ليس ثوبي واحد منهما، ويدعي الآخر أحدهما، ومعنى قوله: أو كلاهما، قول كل منهما ليس ثوبي واحد منهما فعليه أجاب بقوله: يلزمانه بالثمن يريد: بعد حلف كل منهما أن ليس ثوبه أحد الثوبين، فإن نكلا حلف أن الثوبين هما اللذان أخذ منهما وأنه لا يعرف عين ثوب كل منهما، وكان الثوبان بينهما بقدر أثمانهما، وإن حلف أحدهما فقط دفع له ثمن ثوبه، وحلف أن هذين الثوبين هما اللذان أخذ منهما وليس للناكل إلا أخذ أيهما شاء، وإن قال ذلك أحدهما، وادعى الآخر أحدهما فلم يجب في السماع عن ذلك، وجوابه: غرمه الذي أنكر ثمن
الجزء: 6 - الصفحة: 65
ثوبه ويأخذ مدعي أحد الثوبين الثوب الذي ادعاه ولا يمين على واحد منهما، وإن قال كل منهما: لا أدري أيهما ثوبي لأنك خلطتهما، حلف كل منهما على دعواه وأخذ منه ثمن ثوبه، وإن قال أحدهما هذا ثوبي لأحدهما، وقال الآخر: لا أدري أيهما ثوبي أخذ الذي ميز ثوبه ثوبه، وحلف الآخر على قوله وأخذ ثمنه، وسمع يحيى ابن القاسم من اشترى ثوبي رجلين في صفقتين أحدهما بعشرة والآخر بخمسة بالخيار فيهما فردهما وقد خلطهما فتداعيا أجودهما إن ثوب هذا بعشرة وثوب الآخر بخمسة ضمنهما بخمسة عشر يدفع لمن شاء منهما الأجود وأعطي الآخر خمسة وبرئ وإن جهل تعيين ثمن كل منهما غرم لكل منهما عشرة.
ابن رُشْد: إن عين لكل ثوبه ونكل حلف كل منهما وأغرمه ما دفع إليه به ثوبه، وقوله إن علم ثمن كل منهما أعطى الأجود من شاء منهما وأعطى الآخر ما أقر أنه دفع به إليه ثوبه بعد يمينه إن كان أقل الثمنين، فإن نكل عن اليمين؛ حلف هذا البائع وأخذ منه أكثر الثمنين.
وقوله: إن جهل تعيين ثمن كل منهما غرم لكل منهما عشرة، ولم يقل: إن له أن يعطي أجودهما من شاء من بائعهما كما قال في التي قبلها، ولا فرق بينهما وله ذلك فيهما معًا؛ إذ لا حجة لواحد منهما عليه في ذلك.
ولابن كنانة: إن تداعيا أحدهما وجهل هو لمن هو منهما حلفا على الثوب الذي تداعياه واقتسماه بينهما، فإن نكل أحدهما اختص به الحالف وأبرأه من الثوب الآخر فليذهب به حتى يطلباه على وجهه.
وفي نوازل سَحنون في كتاب القراض: فيمن أخذ من رجلين قراضين اشترى بمال كل منهما سلعة في إحداهما ربح وفي الأخرى وضيعة، فتداعا صاحبا المال ذات الربح وجهل للعامل بمال هي منهما لا ضمان عليه لها، والسلعة التي، وهذا نحو قول ابن كنانة وفي سماع أبي زيد من الكتاب المذكور: أن لهما أن يضمناه أموالها ويتركا له السلعتين وإلا أخذاهما فتباعان، ولكل واحد رأس ماله وللعامل ربحه وهذا على أصله في هذه المسألة.
الجزء: 6 - الصفحة: 66
باب بيع الاختيار
وبيع الاختيار: قسيما من البيع الخيار وهو: بيع بت في بعض عدد من نوع واحد على خيار المبتاع في تعيينه وبيع الاختيار قسما من بيع بعض عدد من نوع واحد على خيار المبتاع في تعيينه وبته وتقدم حكمه في فصل بيعتين في بيعة.
اللخمي: من أخذ ثوبين ليختار أحدهما أو يردهما فادعى تلفهما ففي ضمانه أحدهما بالثمن أو كليهما بالقيمة والأقل منها ومن الثمن.
ثالثها: إن تطوع البائع بدفعهما، وإن سأله المشتري أخذهما ليختار، ضمنهما لابن
الجزء: 6 - الصفحة: 67
القاسم وأشهب، ومحمد عن ابن القاسم.
ورابعها: لابن حبيب في قبض أربعة لذلك يضمن كل واحد منها بالمسمى، وهذا قول أصحاب مالك؛ لأنه بالخيار في كل منها وقول أشهب أحسن.
قُلتُ: الأول قولها: قال كالذي يسأل رجلاً دينارًا فيعطيه ثلاثة ليختار أحدهما فيزعم أنه تلف منها دينار فإنه يكون شريكًا، ولو ادعى ضياع أحد الثوبين ففيها يضمن نصفًا من التالف، وله أخذ الثاني أورده.
وقال محمد: ليس له إلا أخذ نصفه؛ لأنه لم يبعه ثوبًا، ونصفًا.
اللخمي: قول أشهب أحسن له رد الباقي، ويغرم في التالف الأقل أو حبسه بالثمن وفي التالف القيمة ما بلغت واستشكل قولها يضمن نصف التالف على أصلها أنه ضمان تهمة لا ستحالة تهمته في نصفه فقط، فإن اعتبرت تهمته ضمن جميعه وإلا لم يضمن، ويرد بأن شرط إيجاب تهمته ضمانه كونها في مشتراه له، ومشتراه أحدهما مبهمًا ففض عليهما فكان مشتراه نصف كل منهما فصار كثوبين أحدهما مشترى بخيار، والآخر وديعة، ادعى تلفهما وإن أخذهما على لزوم أحدهما والخيار في تعيينه، فقال اللخمي: هو على أقوال الأربعة - إن لم تقم بالهلاك بينة ولو قامت به بينة فعلى قول ابن القاسم فكما لم تقم، وعلى أصل أشهب يضمنهما كالرهن والعارية، ويتخرج نفي ضمانهما، وأرى ضمانهما مع عدم البينة، ونفيه معها؛ لأنه قبضهما على أنهما على ملك البائع حتى يعين ما اشتراه منهما.
الشَّيخ عن ابن حبيب: تفرقة ابن القاسم بقوله: يضمن الثوبين معًا في قول المشتري أحدهما بالخيار دون إيجاب، وقوله يضمن أحدهما فقط في قوله: أحدهما على واحد بخياره غلط، وسواء أخذهما على لزوم واحد يختاره منهما أو على أنه فيه بالخيار إلا في ضياع واحد منهما يلزمه أخذ واحد من الباقي يختاره ولا يكون شريكًا به فيما يقى، وفي الثانية هو فيه بالخيار ويضمن التالف فيهما، ولا تشبهها مسألة الدنانير لأن الدنانير فيها أمانة بينة، وفي البيع كلها على الضمان لأنه مخير في كل منهما، ورده الصقلي بقوله: والدنانير أيضًا هو فيها مخير فلو قول ابن القاسم، ما فرق وإن تجاهله وتغليطه لابن القاسم لقبيح.
الجزء: 6 - الصفحة: 68
قُلتُ: الأظهر قول ابن حبيب، لأن معنى تفرقته: أن التخيير في البيع مقارن لعقده وهو مبني على المكايسة فضعف فيه تأمينه بخلاف مجرد الاقتصار، ولهذا المعنى فرق محمد بين طوع البائع ابتداء يدفعهما وبين سؤال المبتاع ذلك.
قال اللخمي: ولو ضاع أحدهما في بيعهما على لزوم أحدهما، فقال محمد: هما بينهما وعليه نصف ثمنهما.
وفي العتبيَّة: يلزمه نصف ثمن التالف، وله رد الباقي لضرر الشركة.
ولمحمد: إن كانا عبدين فالهالك من البائع ويرد الباقي على المشتري.
وفي كتاب ابن سَحنون: له رد الباقي، وقاله أشهب وابن عبد الحَكم، وجه القول بأنه لا يضمن التالف أن لزوم البيع في أحدهما موقوف على تعيينه المبتاع وليس القصد لزوم نصف كل منهما، ولو قال: أحد عبديه حر فمات أحدهما أو قتل ففي لزوم حرية الباقي بنفس فوت التالف ووقفهما على اختيار ربه عتقه قولا، سَحنون، فعلى الثاني له رد الباقي في البيع، وهو أحسن.
قُلتُ: ظاهر هذا التوجيه عموم نفي الضمان فيما يغاب عليه خلاف مفهوم قول محمد، وما عزاه للعتبية هو سماع ابن القاسم لفظه إن قال: لم أكن اخترت شيئًا اتهم، ولم يصدق، وغرم نصف التالف؛ لأنه لو هلكا معًا.
وقال: لم اختر، لم يصدق وضمن نصف كل منهما؛ لأنه كان أمينًا في نصف كل منهما.
ابن رُشْد: هذا وهم منه؛ لأنه إنما يضمن الواحد إذا تلفا معًا ونصف التالف إذا تلف أحدهما على قوله؛ لأنه أخذ أحدهما على الشراء والضمان والآخر على الأمانة، فلا معنى للتهمة وذهب وهله لمسألة من اشترى أحدهما ليختار وهو فيه بالخيار، وسَحنون يقول: فيما تلف في أحدهما ليختار أحدهما، وقد لزمه إن قامت عليه بينة على التلف فالمصيبة من البائع كالمشتري بخيار، لأنه جعل ذلك كمن اشترى شيئًا على الكيل وتلف قبله يقوم ذلك من قوله في المدَوَّنة، ومعناه: أن التلف لم يعلم إلا بقوله في مسألة الذي أخذ ثلاثة دنانير ليقتضي واحدًا منها، ويرد الباقيين فتلف أحدهما، أنهما شريكان، وسواء على قول ابن القاسم وروايته قامت على تلف الدنانير بينة أو لم تقم.
الجزء: 6 - الصفحة: 69
قُلتُ: قال عبد الحق: قال غير واحد من شُيُوخنا: ما وقع في مسألة الدنانير ومعناه: إن تلفها لا يعلم إلا بقوله هذا ليس بصحيح على ما قيدنا في مسألة الثياب إذا كان بأحدهما على الإيجاب وسواء علم تلف الدنانير أو لم يعلم، إلا بقوله، زاد الصقلي: وقاله أبو موسى بن مناس وغيره من القرويين وأسقط الشَّيخ وغيره قوله، ومعناه: أن تلف الدنانير لا يعلم إلا بقوله وهو الصواب.
قُلتُ: الأظهر ما قاله سَحنون في الدنانير؛ لأنه لا يلزم من لزوم الضمان في مسألة الثياب مع قيام البينة لزومه في الدنانير مع قيام البينة فإن أحد الثوبين وجب للمشتري بالعقد والمترقب باختياره تعيينه لا لزومه من حيث كونه أحدهما والدنانير لم يجب له أحدهما من حيث هو أحدهما بمجرد قبضها لتوقف ما يجب له منهما على كونه وازنًا وهذا يرد ما خرجه ابن رُشْد في الثياب لسَحنون من قوله ذلك في الدنانير، وقوله: إنه جعله كالكيل بمجرد دعوى يكفي في ردها منعها.
الشَّيخ والمازري عن ابن حبيب: إنما يصح قول مالك، إن كثرت الدنانير بحيث يعلم أن فيها وازنًا وإلا حلف القابض ما علم أن فيها وازنًا ولا ضمان عليه، وقاله من كاشفت من أصحاب مالك، ولابن القاسم في الموازيَّة من اقتضى عشرة دنانير من دينه فأعطاه دنانير ليزنها ويستوفي حقه منها ويرد ما زاد، وإن نقصت عن حقه عاد إليه ليوفيه إنها مضمونة؛ لأنها لا تنفك أن تكون قضاء أو كرهن بحقه.
قُلتُ: في حاصل هذا الضمان إجمال لاختلاف ضماني الاقتضاء والرهن ويجب كونه كالرهن لتحققه.
المازري: أشار أَصْبَغ إلى أنها قضاء ما كانت لا ترجع ليد صاحبها قال: وقال ابن القاسم: من حلف ليقضين فلانًا حقه إلى أجل معين فدفع إليه عند حلوله، دنانير على مثل الصفة أنه حانث إن لم يدفعها له على وجه القضاء.
قُلتُ: زاد في النوادر: لأن هذا رهن وقول المازري: أشار أَصْبغ إلى آخره لم أجده في النوادر؛ بل فيها قال أَصْبغ: إن كان عليه ثلاثة دنانير قائمة فدفع إليه ثلاثة، وقال له: زنها، ما وجدت من قائم خذه إن ضاعت قبل أن يعرف فيها قائم فهي من الدافع.
التونسي: إن قال: كنت اخترت هذا الباقي ثم ضاع الآخر، ففي الموازيَّة: يحلف
الجزء: 6 - الصفحة: 70
ويصدق وفي ذلك نظر اللخمي: اختلف هل يقبل قوله.
قُلتُ: سمع عيسى ابن القاسم إن قال: كنت اخترت هذا الباقي حلف على ما قال وسقط ضمان التالف؛ لأنه كان أمينًا.
ابن رُشْد: هذا كقوله وروايته فيمن ملك امرأته فتقول قضيت ما ملكني وناكرها، إن القول قولها خلاف قول أشهب ومن هذا المعنى تصديق المأمور فيما أمره به من إخلاء ذمته أو تعمير ذمة الآمر.
قول أشهب: إنه لا يصدق على أصله في المملكة، واختلف قول ابن القاسم في ذلك فقوله في المملكة، وفي هذه المسألة على أحد قوليه في هذا الأصل منها قوله في مسألة كله في غرائرك أو ناحية بيتك، فقال: فعلت، وضاع إنه لا يصدق، وقال فيمن قال لمدينه: ابتع لي لمالي عليك سلعًا، فقال: فعلت، وتلفت، أنه يصدق مثل قوله في مسألة اللؤلؤ في كتاب الوكالات، ومثل قوله في مسألة البنيان آخر كتاب الرواحل خلاف قول أشهب فيهما.
اللخمي: إن أخذ الثوبين على أنه بالخيار في أن يمسك أو يرد واحدًا والآخر لازم فضاعا ضمنهما اتفاقًا إلا أن تقوم بينة بالتلف قال: ويختلف إن قامت بينة بتلفهما، فقول ابن القاسم: يسقط ضمان أحدهما عنه، وعلى قول أشهب يضمنهما، وعلى القول الآخر لا شيء عليه فيهما يسقط ضمان أحدهما؛ لأن له رده والآخر؛ لأنه على ملك ربه إذا حلف ما كان اختار منهما شيئًا حتى ضاعا، وإن ضاع أحدهما ضمنه إلا أن تقوم بتلفه بينة فيسقط ضمان نصفه عند ابن القاسم، ويلزمه نصف الباقي، ويكون بالخيار في نصف الباقي، له أخذه فيعطي كل الثمن ويرده، ويغرم نصف الثمن، وعلى القول الآخر له رد جميعه نصفه لأنه كان فيه بالخيار، ونصفه بعيب الشركة، وعلى أحد قولي سَحنون لا شيء عليه في التالف؛ لأنه ضاع، وهو على ملك بائعه، وفوت مدة تعيين المشتري اختيارًا، ويرفع حق مشتريه في تعيينه إياه وتجب شركته به في جملة ما هو منه.
الصقلي: عن بعض الفقهاء في شراء أحدهما اختيارًا أو خيارًا، إن بعد مضي أمد خياره، فلا خيار له، ولزمه نصف كل منهما في الاختيار لا الخيار.
التونسي: وكذا يلزمه نصفهما لحدوث عيب في أحدهما ولو في مدة الخيار.
الجزء: 6 - الصفحة: 71
وفيها: إن ادعى على مبتاع ثوبين بالخيار ضياع أحدهما لزمه بالثمن.
الصقلي عن بعض القرويين: إن كان الهالك وجه الصفقة؛ لزماه كضياع الجميع، ويحمل على أنه غيبه، ولم يقيده اللخمي بذلك، وزاد: وعلى قول أشهب: له رد الباقي ويغرم قيمة التالف أو يمسك ويغرم ثمنهما وهو أبين وقبل المازري تقييد بعض القرويين.
قُلتُ: هو الجاري على قولها في مشتري عبد بثوبين يطلع على عيب به.
الصقلي عن ابن حبيب: وضمانه تلف أحدهما بحصته من الثمن ولو كان سمى لكل منهما ثمنًا على أن يأخذهما فضاع أحدهما ضمنه بما سمى له، وله أخذ الباقي أورده، والجناية على المبيع بخيار تقدمت في الخيار.
... ملك قبل قبضه جائز إلا الطعام غير جزاف بعوض غير قرض، والمشهور بيع الجزاف قبل قبضه مطلقًا جائز وهو نصها.
الباجي: في المبسوط روى ابن القاسم لا بأس ببيعه قبل قبضه بثمن نقدًا أو مؤجلاً كبيع ما شترى من تمر في رؤوس النخل قبل جده.
وروى الوقار: لا يجوز بيعه قبل قبضه.
روى ابن نافع: يكره بيعه بنظرة قبل نقله لقول ابن عمر: بعث لنا النبي (صلى الله عليه وسلم) لا تبعه في مكانه حتى تنقله لمكان سواه.
قال مالك: تفسيره أن تبيعه بالدين ابن القاسم: كان يستحب ذلك، ولا يراه حرامًا وإن وقع؛ جاز.
القاضي: استحبه مالك؛ ليخرج من الخلاف.
قُلتُ: ففي جواز بيعه قبل قبضه ومنعه، ثالثها: يستحب كونه بعد نقله إن بيع بدين ورابعها: مطلقًا للمشهور معها وروايات الوقار وابن نافع والقاضي، وروى مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله.
الجزء: 6 - الصفحة: 72
وعن ابن عمر: أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه؛ فالمنع أظهر لوجوب تقديم النص على المفهوم وتبع ابن عبد السلام عبد الحق في ذكره حديث أبي داود عن ابن عمر: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه".
وقال فيه ابن القطان، في باب برنامجه ما نصه: سكت عنه وهو لا يصح وقال قبل ذلك إنما هو من رواية عمرو بن الحارث، عن المنذر بن عتيك عن القاسم بن محمد عن ابن عمر؛ والمنذر هذا مدني لا تعرف حاله.
قال أبو حاتم: روى عنه ابن لهيعة وعمرو بن الحارث وأبو معشر: ولم يعرف من حاله شيء فهي عنده مجهولة.
قُلتُ: عبر عنه المزي أنه مدني، وذكر من روى عنه مثل نقل ابن القطان وقال فيه: وثق، فظاهره أنه غير مجهول.
التونسي: اختلف فيما بيع من الطعام جزافًا مما لا يضمنه المبتاع بالعقد كلبن الغنم إذا اشترى شهرًا او ثمر غائب بصفة فمنع ابن القاسم بيعه قبل قبضه، وأجازه أشهب.
الجزء: 6 - الصفحة: 73
اللخمي: في الموازيَّة من ابتاع ثمر حائط غائب لم يره لم يجز أن يبيعه حتى يراه؛ لأنه في ضمان البائع يريد إن كانت يابسة؛ لأنه لا يسقط الضمان، وإن رضيه إلا فيما كان يابسًا، والمنع أحسن لعموم الحديث، وقد قال مالك في حديث النهي عن ربح ما لم يضمن: إن ذلك في الطعام، فبأي وجه كان في ضمان بائعه منع من بيعه ويختلف على هذا في الصبرة تحبس في الثمن على أن المصيبة من البائع.
قُلتُ: في قوله لا يسقط الضمان وإن رضيه إلا فيما كان يابسًا نظر؛ بل ظاهر المذهب أنها في ضمانه بمجرد رؤيته ورضاه قبل يبسها كاشترائها حاضرة، وضمان الجوائح في هذا الباب غير معتبر؛ ولذا لم يقيده التونسي وهو ظاهر قول الباجي؛ لأنه لما ذكر قول ابن القاسم وأشهب في مسألة اللبن قال: وجه قول أشهب أنه لم يبق على البائع حق توفية فيه كالثمرة في رؤوس النخل، والفرق على قول ابن القاسم بينهما وبين الثمرة أنها ليست في ضمان البائع على الإطلاق؛ وإنما هي في ضمانه على وجه مخصوص مختلف فيه.
قُلتُ: فظاهره جواز بيع الثمرة لا بقيد اليبس وهو دليل سماع ابن القاسم لا بأس بثمن اشترى نصف ثمرة بعد بدو صلاحها أن يبيعها قبل أن يجدها.
ابن القاسم: وكان يقول قديمًا ليس له بيعها حتى يستوفيها.
ابن رُشْد: وجه قوله بالمنع إنه كان لا يقدر أن يبين بحظه إلا بالقسمة بالكيل فيما يكال أو الوزن فيما يوزن أو العد فيما يعد أشبه المشتري من الطعام على ذلك والقول الآخر هو مقتضى القياس؛ لأن حظه داخل في ضمانه بالعقد كدخول جميعها بعقد الشراء وإن لم يستوفها إلا ما فيه من حكم الجائحة.
قُلتُ: فهذا نص من ابن رُشْد على لغو اعتبار اليبس وهو ظاهر السماع.
الجزء: 6 - الصفحة: 74
وقال ابن حارث: اتفقوا فيمن اشترى ثمر حائط بعد زهوه إنه يجوز له بيعه قبل جده، ومن باع تمرًا، واستثنى منه كيلاً يجوز له، ففي جواز بيعه قبل قبضه سماع ابن القاسم.
ونقل ابن رُشْد رواية ابن وَهْب قال: بناء على أن المستثنى مبقى أو مشترى، وسمع ابن القاسم: من اشترى بدينار قمحًا فاكتال نصفه، ثم سأله أن يعطيه بالنصف الثاني زيتًا أو عدسًا لا خير فيه.
ابن القاسم: لأنه بيع الطعام قبل قبضه.
قال مالك وإن أخذ مثل كيله شعيرًا جاز، وفي سلمها الثالث: كلما أكريت به أو صالحت به من دم عمد أو خالعت به من طعام بعينه أو مضمون على كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه.
الصقلي عن الواضحة: ما ارتزقه القضاة والكتاب والمؤذنون وصاحب السوق من طعام لا يباع قبل قبضه.
زاد ابن رُشْد: والجند؛ لأنها أجرة لهم على عملهم بخلاف ما كان وقفًا وصلة على غير عمل او على انه مخير إن شاء عمل أو ترك، ويجوز بيع الأرزاق والعطاء السنة والسنتين إن كانت داره مأمونة، فإن حبست انفسخ البيع وللمبتاع رأس ماله، ولا يجوز بيع أصل العطاء؛ لأنه بموته قاله أشهب وابن وَهْب، وجماعة من فقهاء التابعين، ولم يذكر مشاهير المؤلفين في منع رزق القضاة ومن ذكر معهم خلافًا.
وقال ابن بشير: ما يأخذه المستحقون من بيوت الأموال من طعام في جواز بيعه قبل قبضه قولان: جوازه؛ لأنه عن فعل غير معين فأشبه العطية والمعروف في طعام الخلع ما تقدم وأظن فيه قولاً كالعطية ولا اتحققه الآن وطعام النكاح كالبيع اتفاقًا.
وفيها لمن كاتب عبده بطعام موصوف بيعه منه قبل محله بعرض أو عين إلى اجل لا من أجنبي في قول مالك؛ لأنه لا يحاصص به غرماء مكاتبه.
سَحنون: إنما يجوز إذا تعجل المكاتب عتق نفسه هذا لفظ المدَوَّنة عندي، وللصقلي مع التهذيب عنها: وإما أن يبيع من المكاتب نجمًا مما عليه من الطعام؛ فلا
الجزء: 6 - الصفحة: 75
يجوز؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، إنما يجوز أن يبيعه جميع ما عليه فيعتق.
قال سَحنون: غنما يجوز إذا تعجل المكاتب عتق نفسه.
اللخمي: لا فرق بين المكاتب والأجنبي إن كانت دينًا فلا يجوز في المكاتب وإلا جاز من الأجنبي وقد منع سَحنون فسخ الكتابة في غيرها إن لم يتعجل العتق فكذا بيع الطعام، وأرى جوازه من المكاتب والأجنبي إن كانت قدر خراجه؛ لأنها غلة، وإن كانت أكثر بأمر بين أو كان إنما ينالها بما يستعين من الناس؛ لم يجز؛ لأنه ثمن للرقبة.
الصقلي: عن ابن حبيب: لا يجوز من أجنبي إلا أن يكون يسيرًا تافهًا.
وقيل: يجوز من المكاتب مطلقًا، وإن لم يجعل عتقه؛ لأنها ليست بدين ثابت، في الصلاة الثاني منها: احتجاج ابن القاسم بالذمي الذي ابتاع طعامًا على كيل فباعه من مسلم قبل كيله قال: بيعه غير جائز هذا لفظ المدَوَّنة والتهذيب ونقلها اللخمي قال مالك: لا أحب لمسلم شراءه قبل قبضه فلم يره محرمًا؛ لأنهم غير مخاطبين وبلفظ لا أحب وقعت في السلم الثالث في المدَوَّنة والتهذيب ونقلها المازري من كتاب الصلاة بلفظ منع شرائه قبل قبضه، وقال: رأى النصراني مخاطبًا بالنهي كالمسلم بناء على أنهم مخاطبون بالفروع.
قُلتُ: فحمل اللخمي المدَوَذنة على الكراهة، وحملها المازري على المنع، قال: وعورض هذا ببيع أم ولده عليه إذا أسلمت مع كونه مخاطيًا بأن لا يبيع أم ولده على هذه الطريقة ويعتذر بأن بقاءها في ملكه محرم أيضًا.
وفي كون المنع معللاً بالعينة أو تعبدًا، نقل القاضي مع أبي الفرج والبغداديين.
ونقل اللخمي قائلاً: وهو أحسن، إن علل بالعينة جاز بيعه من بائعه بأقل ومن غيره وبأكثر وكان العرض كالطعام.
الباجي: قال عبد العزيز بن أبي سلمة ويحيي بن سعيد وربيعة: كل مكيل أو موزون أو معدود وإن كان غير مطعون لا يجوز بيعه قبل قبضه واختاره ابن حبيب، المازري عن أبي الفرج: لو سلم بيع الطعام من العينة، وبيع بنقد جاز بيعه قبل قبضه وهذا يشير إلى قريب من قول عثمان البتي بجوار بيع كل شيء قبل قبضه.
قُلتُ: ففي منع بيع المكيل وأخويه قبل قبضه وجوازه في غير الطعام يباع بثمن
الجزء: 6 - الصفحة: 76
مؤجل، ثالثها: في الطعام مطلقًا، لابن حبيب وأبي الفرج والمشهور.
الصقلي: في الموازيَّة من قبض ثمن طعام باعه قبل قبضه وفات به مشتريه أخذ منه واشتري به للغائب طعام إن قصر عنه فالباقي دين عليه وإن كان أكثر وقف له.
اللخمي: ورأى أن البائع الأول برئ بذلك الكيل، والتعدي في البيع إنما هو من البائع الثاني، واستحسن في السليمانية إذا اشترى الطعام أن يعاد إلى يد الأول حتى يوصله إلى من اشتراه منه.
وفيها: من ابتاع طعامًا فلا يواعد أحدًا على بيعه قبل قبضه.
اللخمي: المواعدة فيه كالصرف، وقد اختلف فيها.
فيه ابن رُشْد فتكون فيه ثلاثة أقوال، وليس كما قال: والفرق أنها في الصرف إنما يتخيل فيها وجود عقد فيه تأخير وهي في الطعام قبل قبضه كالمواعدة على النكاح في العدة، وإنما منعت فيهما؛ لأن إبرام العقد محرم فيها: فجعلت المواعدة حريمًا له وليس إبرام العقد في الصرف بمحرم، فتجعل المواعدة حريمًا له، وقد ذكر هذا الفرق لمن يسمى بالفقه فلم يفهمه وهو ظاهر والله أعلم.
والتعريض على بيع الطعام قبل قبضه كالتعريض في نكاح المعتدة.
وفيها: لا تبع طعامًا تنوي أن يقضيه من هذا الطعام الذي اشترى كان بعينه أو بغير عينه.
الصقلي عن سَحنون: هذه مسألة ابن المسيب والعجب منهم كيف كرهوها وفي الفقه لا تضر.
اللخمي: إذا عقد بيعًا على طعام في ذمة ونيته أن يقضيه من ذلك الطعام فلا أثر لهذه النية، وقد أجيز التعريض في النكاح فكيف بما يضمر؟ وقيل: المعنى لا يبيع طعامًا ينوي انه يقضيه من طعام عليه، وهذا أبعد؛ لأنه يستحيل صرف النيَّة فيه إذا طلب بطعام عليه وليس عنده وقرر عبد الحق لفظها ببقوله: يريد كان الطعام معينًا قد اشتراه ولم يقبضه أو كان سلمًا له عند رجل ولم يقبضه كأنه باع طعامًا على صفة الطعام الذي ذكرنا ونيته أن يقضيه منه فجعله كأنه باع ذلك الطعام قبل قبضه بهذه النية.
وفي المجموعة عن أشهب في قول سعيد: إن كان لك قبل رجل طعام من بيع، ثم بعت أنت طعامًا صار في ذمتك ونويت أن تقضيه من الطعام الذي لك من بيع نهيت
الجزء: 6 - الصفحة: 77
عن ذلك لا تضره النية، ولا بأس أن يقضيه منه ما لم يشترط ذلك كما لو نوى أن يشتري طعامًا يوفيه منه أو مما لم يبد صلاحه من الحب، قال مالك: لم يكن بالحجاز أعلم بالبيوع في التابعين من سعيد ومنه أخذ ربيعة علم البيوع، ولم يكن بالمشرق أعلم بها من ابن سيرين.
قُلتُ: قوله: أو مما لم يبد صلاحه يريد نوى قضاءه منه، وهو في ملكه، لا أنه ابتاعه إذ لا يجوز ابتياعه.
ابن بشير: تروى ولا تبع يعني: من له طعام في ذمة لا يبع طعامًا، وينوي أن يقضي المشتري من ذلك الطعام الذي له وتروى ولا تبتع، ومعناه: أن يكون عليه طعام فيشتري طعامًا ينوي أنه يدفعه للمشتري فيما عليه، وهذا لا يمكن التحرز منه.
قُلتُ: تقدم هذا.
اللخمي: لا بقيد كون الرواية تبتع، وفي التفسير الأول لابن بشير نظر لقصوره على الطعامين من سلم، ولفظ المدَوَنة عام في الطعام المعين وغيره.
وفيها: إن اشترى من أسلمت غليه في كر حنطة كر حنطة حين حل عليه فقال لي: أقبضه، لم يجز؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه.
وإن قلت له: اشتر هذا الطعام وآخذه منك فلا خير فيه، ويدخله مع بيعه قبل قبضه بيع ما ليس عندك.
ابن حبيب: كأنه اشتراه له فقضاه ثمنًا، ولا ينبغي للطالب أن يدله على طعام يبتاعه فيبتاعه لقضائه أو يعينه عليه، نهى عنه سعيد ويحيي وربيعة وابن شهاب.
اللخمي: منع ابن القاسم مرة من ابتاع طعامًا كيلاً قضاءه قبل كيله في سلم عليه، وأجازه مرة، قال: من أعطى من له عليه طعام سلم مثل رأس ماله ليشتريه لنفسه لا بأس به، فإذا جاز أن يشتريه على ذمه المطلوب ثم يقضيه لنفسه؛ جاز أن يشتريه الغريم، ثم يجعل للطالب قبضه، والقول: إن هذه إقالة خطأ لاتفقاهما على أخذه على وجه الوكالة، ولو ضاع الثمن كان من الآمر، ****** ليعتبر قبض مبتاعه أو وكيله أجنبيًا عن بائعه لا بوساطة.
فيها: من لك عليه طعام سلم فلا تقل له بعه وجئني بالثمن وهو من ناحية بيعه
الجزء: 6 - الصفحة: 78
قبل قبضه مع ما يدخله من ذهب بأكثر منها إن كان رأس المال ذهبا وإن كان ورقا فصرف لأجل وخرج اللخمي: جوازه إن باعه بمثل رأس المال فأقل من قول أشهب، بجوازه وكالة الطالب على الشراء بأقل من رأس المال.
وفيها: توكيل عبده أو مديره أو أم ولده أو زوجته أو صغير ولده على قبضه منه كتوكيله على ذلك وكبير ولده كأجنبي، ونوقض قوله في الزوجة بقول ثاني سلمها من وكل على سلم جاز أن يسلمه لزوجته بخلاف من في ولايته، ويجاب بأن الحق في هذه لآدمي، وفي الأولى لله تعالى وهو آكد.
اللخمي: من وكل على شراء طعام سلم يقضيه عن الموكل فقضاه من عنده وأمسك الذهب فرضي بذلك الموكل جاز.
وفيها: من دفع لمن له عليه طعام سلم ما يشتري به مثل ما له عليه فتقتضيه بغير معنى الإقالة؛ لم يجز.
الصقلي عن محمد: إن أعطاه أكثر من رأس ماله أو أقل، وزعم أنه ابتاع به ذلك وقبضه، فإن أقام بينة أنه ابتاعه باسم الأمر ثم قبضه وفات بعد ذلك، وإن لم يكن إلا قوله: لم يجز، ورد ما أخذ وطلب حقه.
قُلتُ: انظر لو أقام البينة بشرائه لا بقيد كونه باسم الأمر هل لا يقبل قوله وهو مفهوم قوله أولاً: أو يقبل وهو مفهوم قوله: لو أقام البينة بشرائه وهو مفهوم قوله: آخرًا، وهذا أظهر لا لانتفاء التهمة.
قال: وقال أشهب: إن دفع له مثل رأس ماله فأقل؛ ليشتري ذلك لنفسه فزعم أنه فعل وقبض حقه؛ جاز ذلك، وإن زعم أنه بقي له شيء يكون أكثر من رأس ماله لم يصدق، ونقض ذلك بينهما.
زاد التونسي عن أشهب: إن قال: اشتريت بأكثر لم يلزم الآمر ورد عليه دراهمه، وأخذ منه طعامه.
التونسي: في هذا نظر؛ لأنه يقول: أن وكلتني على شراء هذا الطعام وكالة فاسدة فهو واجب لك، فانظر في هذا، وكان أشهب اتقى أنه إن وجب للآمر قضاه فيما عليه من السلم فيتم ما صنعاه.
الجزء: 6 - الصفحة: 79
قُلتُ: يرد ما ذكره من النظر بأن الآمر؛ إنما أمره بشراء قدر من الطعام بثمن معلوم فاشتراه إياه بأكثر من ذلك السعر تعد يلزم المأمور دون الآمر.
وفيها: من أقرض طعامًا له من سلم قبل قبضه فقبضه المقرض لم يعجبني بيعه منه قبل قبضه؛ لأنه بيع له قبل قبضه.
الصقلي: يريد: ولا من غيره.
محمد عن مالك: أما اليسير من الكثير؛ فلا بأس به كأنه وكيل على قبضه، قال: ولا يجوز لمن أسلفته إياه فيه إلا ما يجوز لك، والمحال بطعام سلم على طعام قرض هو فيه، كطعام سلمه مع من أحيل عليه.
التونسي: وللمحال عليه أن يأخذ له فيه من المحيل دراهم كالكفيل بطعام سلم بعد قضائه مع المتكفل عنه، وعزا اللخمي لأشهب مثل رواية محمد في اليسير، ومن أحيل بطعام قرض له على طعام سلم، ففي جواز بيعه إياه قبل قبضه قولان: للخمي عن ابن القاسم، وتخريجه على رواية ابن حبيب؛ لأن المحال مقرض لا مبتاع والمبتاع خرجت يده، قال: ومن وهب له طعام سلم أو تصدق به عليه ففي خفة بيعه إياه قبل قبضه رواية ابن حبيب، وغيره بناء على اعتبار حاله أو حال واهبه.
قُلتُ: عزا الباجي الثاني لابن دينار عن المغيرة، وعيسى عن ابن القاسم.
اللخمي: لو طاع أجنبي بأداء طعام سلم عن المسلم إليه فحكم المسلم معه كحكمه مع المسلم إليه، قال: وعقد هذا أنه متى بقيت يد المسلم على سلمه فبيعه قبل قبضه لا يجوز كان المقبوض منه المسلم إليه أو من وهبه أو تصديق عليه أو أقرضه وإن زالت يده والقابض موهوب له أو متصدق عليه جاز؛ لأنه لا ينطلق عليه من ابتاع طعامًا.
قُلتُ: ظاهره: أن المقرض بخلافهما وفيه نظر؛ لأنه لا يصدق عليه أنه مبتاع ويوهم أن ورائه عن مبتاعه ليس كمبتاعه؛ لأنه لا يصدق عليه أنه ابتاعه والمنصوص أنه فيه مثله.
قال ابن الحاجب: ومن اقترضه؛ جاز له بيعه قبل قبضه.
ابن عبد السلام: معناه أن لمن أقترض طعامًا بيعه قبل قبضه ممن أقرضه.
الجزء: 6 - الصفحة: 80
قُلتُ: ظاهره جواز بيعه ممن أقرضه مطلقًا لا بقيد، وليس كذلك؛ لأنه إذا دفع فيه المقرض لمن أقرضه ثمنًا؛ فإنما هو ثمن عما يقبضه منه بعد ذلك، وما خرج من السيد وعاد إليها كأنه لم يخرج فعلى هذا لو استقرضه قفيز قمح؛ لم يجز له بيعه بزيت ونحوه؛ لأنه طعام بطعام إلى أجل ولا بدراهم إلا أن يكون القرض إلى مثل أجل السلم إلا أن يقال: إنما انتصب إلى بيان مطلق بيعه قبل قبضه.
وقوله: ممن أقرضه يوهم أن غيره ليس كذلك والحكم فيهما واحد.
وفي كون الطعام غير الربوي كالربوي روايتا المشهور وابن وَهْب وضعفت لعموم النص، ولما ذكر اللخمي رواية ابن وَهْب قال: وفي الموازيَّة من اشترى تينًا وزنًا ثم قال: زن لي بنصفه عنبًا أو بطيخًا ونصفه تينًا لا بأس به.
محمد لا خير فيه ومحمل قول مالك في التين أنه لا يدخل كالشتوي أو صنف يدخر عجل جناه في وقت لا يدخر.
قُلتُ: سمع القرينان من أعطيته درهما قلت له: أعطني رطبًا فبدا لي فقلت له أعطني بنصفه بطيخًا وبنصفه تينًا؛ فلا بأس به.
ابن رُشْد: إنما أجازه؛ لأن عقد البيع لم يتم بينهما إنما كانا مترا وضين إذا لم يقطعا السعر بعد، لو أراد أخذ درهمه كان له ذلك ولو انعقد البيع بينهما لم يجز له ذلك حسبما تقدم في رسم شك من سماع ابن القاسم في التين يباع كيلاً أو وزنًا أخضر، فيريد بدله من صاحبه قبل قبضه بغيره إنه لا خير فيه، وكذلك البطيخ، وفي كون طعام الغصب والتعدي كالقرض أو البيع نقلا الباجي عن الموازيَّة وحكاية القاضي.
ابن الحاجب: ولا يقبض من نفسه لنفسه.
إلا من يتولى طرفي العقد كالأب في ولديه والوصي في يتيمه.
ابن عبد السلام: يعني من كان عنده طعام وديعة وشبهها فاشتراه من مالكه لم يجز له بيعه وشبهها فاشتراه من مالكه لم يجز له بيعه بالقبض الثاني عن الشراء؛ لأن ذلك القبض السابق لم يكن قبضًا تامًا؛ لأن رب الطعام لو أراد إزالته من يده كان له ذلك إلا أن يكون ذلك القبض السابق قويًا كالوالد والوصي فإنه إذا باع الوالد، طعام أحدهما.
الجزء: 6 - الصفحة: 81
من الآخر كان له بعد ذلك أن يبيع ذلك الطعام على ما اشتراه له قبل أن يقبضه قبضًا ثانيًا حسيًا وكذلك الوصي في يتيميه، والأب فيما بينه وبين ابنه الصغير، وفي النفس شئ من جواز هذه المسألة لا سيما والصحيح في المذهب أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه متعبد به، وأصول المذهب تدل على جريان الخلاف فيها والأقرب منعها.
قُلتُ: ما ذكره ابن الحاجب سبقه به ابن شاس وما ذكراه هو ظاهر سلمها الثالث فيه، لمالك إن اشتريت طعامًا فاكتلته لنفسك ورجل واقف على غير موعد؛ فلا بأس أن تبيعه منه على كيلك أو على تصديقك في كيله إن لم يكن حاضرًا أو لم يكن بينكما في ذلك موعد.
فقوله: لا بأس أن تبيعه منه على كيلك يريد به: أن كيلك السابق لشرائك إياه يكفي في بيعك إياه مشتريه منك عن كيله ثانيًا، فيجوز له بيعه بذلك دون كيله إياه بحضوره وعلمه لا بيان كفايته في شرائه لوضوح بيان ذلك، وامتناع السؤال عنه، والاتفاق عليه وهو دليل على أن علم مبتاع طعام كيله بحضوره إياه ودوام علمه ذلك بعد شرائه إياه يتنزل منزلة كيله إياه بعد شرائه، فيلزم مثله في مسألتي الأب والوضي، ضرورة علمهما ذلك بحضورهما فقوله في النفس من ذلك شيء ليس كذلك لوضوح جريه على نصها، ولكنه مع ذلك مختلف فيه ولا يوجب ذلك فيه إشكالاً كأغلب مسائل المدَوَنة.
قال الصقلي: إثر لفظها المدَوَّنة.
ثم قال محمد: وروي أيضًا: أنه لا يأخذه بحضوره كيله ولا تصديقه فيه، وكرهه، وأجازه ابن القاسم في غير الموعد وقوله: أصول المذهب تدل على جريان الخلاف فيه حسن إلا أنه لم يبينها، وهذا فيما بين الولدين الصغيرين، واليتيمين.
وأما قوله: والأب فيما بينه وبين ولده الصغير ففيه نظر لقولها في الرهن: ليس للوضي أخذ عروض اليتيم بما أسلفه رهنًا إلا أن يكون تسلف له مالاً من غيره ولا يكون أحق بالرهن من الغرماء؛ لأنه حائز لنفسه من نفسه.
في أحكام عبد الحق: أبو داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من أقال
الجزء: 6 - الصفحة: 82
مسلمًا بيعته أقال الله عثرته"، وله عن ربيعة بن عبد الرحمن قال سعيد بن المسيب في حديث ذكره كأنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفى"، ولا بأس بالإقالة في الطعام قبل أن يستوفى ولا بأس بالشركة في الطعام قبل أن يستوفي أبو داود: هذا قول أهل المدينة، وذكره عبد الرزاق عن ابن جريح، قال: أخبرني ربيعة بن عبد الرحمن عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث مستفيضًا بالمدينة قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشترك فيه أو يوليه أو يقيله".
باب الإقالة
الإقالة: (ترك المبيع لبائعه بثمنه)، وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع، وهي:
الجزء: 6 - الصفحة: 83
رخصة وعزيمة الأولى فيما يمتنع بيعه قبل قبضه.
باب في شرط الإقالة في الطعام قبل القبض
وشرعلها: عدم تغير الثمن بما يختلف فيه الأغراض غاليًا.
فيها: لا يجوز بغير الثمن ولا عليه وأخذ غيره عنه ولا به مع زيادة عليه ولا مع تأخيره ولو ساعة ولو برهن أو حميل أو حوالة، ولو أقلته، فأحالك بالثمن فقبضته قبل أن يفارق الذي أقلته جاز ولو وكل البائع من يدفع رأي المال أحال وذهب أو وكلت أنت من يقبض وذهبت فإن قبض وكيلك منه أو قبضت أنت من وكيله مكانكما قبل التفرق جاز وإن تأخر لم يجز ولو كان رأس المال عرضًا.
الصقلي: وكذا كان ينبغي في الحوالة الجواز إذا قبضت من الذي أحالك عليه قبل فراقه وإن فارقت الذي أحالك قال مع ابن محرز، والفرق أن ذمة المحيل برئت بالحوالة قبل القبض فثبتت الفرقة قبل الفرض وفي الوكالة لا تبرأ ذمة الموكل إلا بالقبض
الجزء: 6 - الصفحة: 84
ووكيله مقامه فلا فرقة.
ابن محرز: أضيق ما تجب فيه المناجزة: الصرف، ثم الإقالة من الطعام، والتولية فيه ثم الإقالة من العروض، وفسخ الدين في الدين ثم بيع الدين، وعند محمد لا بأس بتأخير ثمنه اليومين كرأس مال السلم.
وفيها: من أقال في مرض موته من أسلم له مائة درهم في مائتي إردب حنطة قيمتها مائتا درهم ولا شيء له غيرها لزم وراثه إجازتها أو سقوط ثلثها ولو حملها ثلثه أو كانت قيمتها مائة درهم لزمته، وجازت وصيته.
قُلتُ: أحفظته عن مالك، قال: لا، قال مالك: بيع المريض وشراءه جائز إلا أن يكون بمحاباة فيكون في الثلث، فأنكرها سَحنون وأبطل الإقالة، وفي تصويبها بحملها على موته إثرها، أو قبضه رأس ماله حيث عقدها أو أنها موصى بها لا منجزة، رابعها: لأنهما دخلا على المناجزة والتأخير حكمي لأمر ظهر لابن اللباد، وأحمد بن نصر، والقابسي محتجًا بقولها، وتمت الوصية، ويجعل كل الطعام في الثلث المحاباة فقط كبيع المريض بها.
وعبد الحق مع ابن محرز عن الشَّيخ قائلاً: كقولهم: إن أقاله فهرب صحت الإقالة، وزاد ابن محرز الأول بأن موته لا يرفع تأخير النظر لموته ولا مانعيته صحت الإقالة وصوب رد ابن الكاتب الثاني بأن الانتقاد لا يرفعهما ورد الثالث بقولها" إن لم تكن محاباة جازت ولو كانت وصية شرطت بحملها الثلث وتسميتها وصية مجاز، وصوب الرابع محتجًا باتفاقهم على صحة بيع المريض بمحاباة مع ضرر احتمال صحته، فتصبح المحاباة من رأس ماله وموته فتقصر على الثلث مع احتمال حمله إياها أو بعضها فقدر ثمنه مجهول، وكذا الصقلي محتجًا بإجازة أَصْبغ بيع مريض ذهبًا بفضة بمحاباة ونحوه للتونسي.
قُلتُ: وبه يصح احتجاج ابن القاسم ببيع المريض.
اللخمي: محمل قول ابن القاسم أنهما تقابضا جهلاً بموجب الحكم أو علما به قصد الافتيات على الوارث وله الرد إن لم يحمله الثلث، وإن أجازها قبل موت مورثه ففي صحتها ولزوم فسخها لاحتمال كون الوارث غيره قولان:
الجزء: 6 - الصفحة: 85
الأول: أحسن لندور كونه غيره، وفي حملها على أن المجعول في الثلث المحاباة أو كل الطعام نقلا عياض عن عبد الحق وابن محرز.
التونسي: على أنها وصية بجعل كل الطعام في الثلث إن حمله تمت الإقالة وإلا فله الثلث ففي كونه شائعاً في مال الميت أو في الطعام فقط قولان، وعلى أنها منجزة يسقط عنه نصف الطعام لمعادلته المائة رأس المال وثلثا نصفه.
الثاني: لأنهما ثلث مال الميت نصف الطعام الثاني، والمائة رأس المال معتبرة طعاماً، وأجاب عن مالك لكونه بيعاً وسلفاً بعدم دخولها على التبعيض المؤدي إليها.
ابن محرز خالف ابن القاسم أصله في بيع المريض بمحاباة بجعله كل الطعام في الثلث لا المحاباة فقط؛ لأنه بقية الطعام قدر الثلث كان إقالة من بعض الطعام لرجوع رأس المال إلى الورثة، ويأخذ بقية الطعام إن حمله الثلث أو ما حمله منه فيكون سلفاً جر نفعاً، وهذا منعه ابن القاسم في المدونة، فإذا جعل في الثلث كل الطعام مع المحاباة لم يكن في المسألة مانع في حق الله تعالى ولا في حق الوارث، فإن لم يحمل الثلث الطعام خير الورثة في إمضاء الإقالة فلا يكون في المسألة مانع، وإن أبوا فالقياس إمضاء الإقالة في قدر رأس المال، وثلث ما يبقى بعد ذلك لحق العطية لولا ما فيه من مخالفة، مذهب المدونة من الإقالة من بعض السلم على رأس المال.
قلت: قوله: لولا ما فيه إلى آخره، خلاف ما تقدم للتونسي، ولو أقال من عليه الطعام في مرض موته من هو له ولا مال له، غير المائة رأس المال ولم يجز الوارث فلذي الطعام طعامه يشترى له بخمسين، وفي أخذه ثلث الخمسين الباقية للإرث بعطية الميت عيناً أو طعاماً مشترى به نقلا عبد الحق عن الشيخ وأبي عمران مع ابن أخي هشام بناء على لغو تهمة البيع والسلف واعتبارها ولم يذكر التونسي غير الأول معزواً لبعض أصحابه، وذكر وجه الثاني تشكيكاً وأجاب بأن الأحكام آلت إليه فلا تهمة فيه وبأنه في الموازية من صرف ديناراً في مرض موته بمحاباة إن لم تجز الورثة، صرفه قطعه له بثلث الدار وبطل الصرف، وذكر اللخمي مثله عن ابن حبيب قائلاً: قيل: ذلك حرام، ولا أراه.
الجزء: 6 - الصفحة: 86
عبد الحق: إن كانت محاباة في مرض موت في بيعه وشرائه يوم النظر فيه دون يوم وقوعه أو بالعكس فهي لغو وإن اختلف قدرها فيهما اعتبر أقلها وسقط الزائد، وفي بطلانها بتأخير قبض رأس مالها عيناً، ثالثها: إن كانا من أهل العينة، للخمي، عنها وعن رواية محمد ولأشهب، وصوبه قائلاً: إن قامت تهمة فسخت وإن قام دليل نفيها ككونها من أهل الدين أو لكونها لسفر حدث، صحت، وإلا فهو محل الخلاف قال: وشرط تأخير رأس مالها معيناً عبداً أو ثوباً يوماً يبطلها، وفي صحتها في طعام غائب قبول المازري تخريجها على تعليل أشهب ويحيى بن عمر صحتها في العرض الغائب ببراءة الذمتين نقل المازري عن المشهور وعزاه اللخمي لرواية محمد.
الصقلي عن محمد روى سحنون عن أشهب: جواز الإقالة ولو تأخر الثمن شهراً ولم يأخذ به أحد من أصحابه، وعنه أنها فاسدة، ويرجع بالطعام إلا أن يقيله ثانية وفيها: إن أسلم ثوباً في طعام، فأقال منه لم يجز إلا برد الثوب، بحضرة الإقالة ولو هلك ببينة بعدها كان ممن هو بيده؛ لأن الإقالة لا تجوز إلا بالقبض.
ابن محرز: لا يدخله خلاف المحبوسة في الثمن، وعليه لو باع الدين ممن هو عليه بحيوان مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال فهلك قبل قبضه كان من بائعه، وكذا في بيعه من غيره ويطلب كونها على نفس رأس المال غير مغير عن حاله حين العقد فإن كان غير مثلي فغيره مثله يبطلها وعيناً مثله كعينه وفي كون غيرها مثليا، كالأول أو الثاني نقلا: اللخمي عن ابن القاسم في الموازية وأشهب وصوبه إن كان المثل لا تختلف فيه الأغراض كالحديد والرصاص والنحاس، وإن لم يتحصل فيه المثل كالكتان لم يجز.
قلت: ما عزاه للموازية هو قولها آخر السلم الثاني.
وفيها: حدوث دين في ذمة العبد يمنعها بخلاف حوالة الأسواق فيه وفي غيره.
عبد الحق: لأن الدين عيب بخلاف حوالة الأسواق ويسيره ككثيره بخلاف حدوث يسره عند من اشتراه واطلع على عيب به قديم وسقوط دينه كعدم كونه إن لم يكن في فساد.
قال بعض أصحابنا: زوال حدوث نقص في جسمه كبقائه بخلاف زوال حدوث بياض بعينه؛ لأنه ساتر زال.
الجزء: 6 - الصفحة: 87
الصقلي: إن القياس أن الجميع سواء؛ لأنه عيب زال.
المازري: لا فرق بين البياض والعيب المؤثر في الموازية زوال البياض كالنماء قلت: هو نصها قال: ولو زال العيب المؤثر بعد حدوثه، ففي منعه الإقالة قولا المتأخرين.
قلت: الأول ظاهر قولها: إن تغيرت هبة الثواب عند الموهوب له لزمته قيمتها.
والثاني: قول اللخمي في الولادة: ففي منعها بعيب حدث وزال، ثالثها: في غير البياض لبعض المتأخرين وغيره مع اللخمي وعبد الحق عن بعض أصحابه، وقول ابن محرز والمازري يسير الدين جدا كالدرهم لغو خلاف عموم، قول عبد الحق اليسير كالكثير.
المازري: وكونه بغير إذن ربه أو به، وصرفه في فساد عيب لا يرتفع بإسقاطه.
وفيها: تغير رأس المال أو نقص بين يمنعها والنماء كالصغير يكبر، وذهاب بياض العين وزوال الصمم، والسمن بعد الهزال وعكسه في الدواب مانع، وفي الجواري.
ثالثها: إن قال أهل المعرفة: بقيمة الرقيق إنه يؤثر في الثمن لها ولتخريج اللخمي على قول ابن حبيب أنهما فوت في الرد بالعيب وله.
وفيها: لأن الدواب تشترى لشحومها والرقيق ليس كذلك.
قلت: ظاهره: أن العبد كالجارية والأظهر أن ما يراد منه للخدمة كالدابة.
وفيها: ولادة الأمة تمنعها.
اللخمي: لتغيرها بزيادة الولد وذهاب عيب الحمل إن مات أو بعيبها إن كان من زنا أو إنكاح المشتري ولو كانت حين العقد متزوجة فولدت فمات الولد، وزال بغير نفاسها جازت الإقالة وخرجها المازري على الخلاف في زوال العيب الحادث، وفي لغو طول زمن الحيوان الشهرين والثلاث قولها، ونقل اللخمي عن بيوعها الفاسدة ذلك فوت، وحمله على التغير.
وفيها: إن أسلمت رقيقاً أو حيواناً أو نخلاً أو دوراً في طعام أيقيل منه بعد استغلال ثمرها ولبنها وأخذ كراء الدور؟
قال: قال مالك في العبد والدابة: لا بأس أن يقيل بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة
الجزء: 6 - الصفحة: 88
وهي تركب والعبد يستخدم فعلى هذا فقس.
اللخمي: سواء كان اللبن حين السلم أو حدث.
اللخمي: جز الصوف الحادث مانع لتغير الشاة في مدته.
عبد الحق: وكذا قبل جزه؛ لأنه نماء كهبة الأمة أو العبد مالاً.
قلت: لغو ذهابه في الرد بالعيب، والعهدة، لغو حدوث في منع الإقالة.
اللخمي: جز غير الحادث حبسه مانع ورده معها لا يمنعها.
المازري: إن كان لجزه أجر منع؛ لأنه زيادة.
ابن محرز: إن كان بالنخل ثمر يوم الإقالة لا السلم؛ لم تجز الإقالة؛ لأنها على الأصل معها زيادة ودونها غير مأبورة لا يجوز ومأبورة كذلك لتأخر جدها.
عبد الحق: كان يوم السلم يجده إن لم يكن يحدث لم يجز، لأنه نقص أو زيادة كصوف الغنم كذلك فحاصله: إن لم يكن بها ثمر بحال جازت إن كانت يوم الإقالة كذلك وإلا لم يجز.
اللخمي: إن لم يكن وهو يوم الإقالة مأبور جازت ويلزم المسلم إليه تعجيل جدها لاقتضاء الإقالة رد الأصل لحالة قبضه، وسلمها وبها ثمر غير مأبور فاسد إلا أن يشترطها ربها على الجد، ومأبور جائز ولو اشترطها مشتري الأصول وهي علف غير زهو بطعام سلم، ففي صحته قولا ابن مسلمة، وابن القاسم بناء على اعتبار حاله ومآله وأجازه سحنون في السليمانية وإن طاب لأنه تبع كمال العبد وحلية السيف، فعلى قول ابن مسلمة: إن انتقلت الثمرة إلى الإبار أو إلى الزهو؛ لم تجز إقالة؛ لأنها على ردها زيادة، وعلى حبسها نقص وعلى بقائها بما ينوبها من الثمن فاسدة لتهمتهما على أنهما عملا على بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وعلى قول سحنون: إن انتقلت ليبس؛ لم تجز إقالة لما تقدم، وإن كانت على أن تبقى بمنابها فلتهمتهما على طعام بطعام مؤخر.
وفيها: إن أسلم عيباً في طعام ثم أقال منه، وأخذ برأس المال عرضاً؛ لم يجز؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، والإقالة لغو.
اللخمي: ولو أخذ عن الدراهم دنانير لم يجز كالعرض عند مالك ويجوز على أصل أشهب لأن التهمة ليست على شيء في أصل العقد إنما هي على بيع الطعام قبل قبضه
الجزء: 6 - الصفحة: 89
وهو أجاز أن يعطي الغريم لذي السلم أقل من رأس ماله يشتري به طعاماً، لنفسه وإذا سلم العقد من التهمة لم يمنع فيما يكون بعد لأنه من أفعال النقود لا يتهم فيها إلا أهل العينة.
قلت: أخذ الذهب عن الفضة تهمة على العقد بتأخير الصرف.
وفيها إن أسلم ثوباً في طعام فأقاله فهلك ببينة بعدها فهو ممن هلك بيده؛ لأن الإقالة لا تجوز إلا بالقبض.
ابن محرز: لا يدخله خلاف المحبوسة بالثمن، وعليه لو باع الدين ممن هو عليه أو غيره بحيوان أو غيره مما يجوز أن يسلم في رأس المال فهلك قبل قبضه كان من بائعه وناقضها التونسي بقول ابن القاسم في المحبوسة بالثمن ضمان هلاكها ببينة من مبتاعها، وأجاب بضعف موجب ضمانه؛ لأنه العقد وهو هنا ضعيف؛ لبطلانه بتراخي القبض ولا يبطل به في غيره فناقضه بثبوت هلاكه إثر، عقب إمكان المناولة؛ إذ لا أثر هنا لموجب الضعف؛ إذ هو التأخير وهو منتف في هذه الصورة.
قلت: إن قيل بأن الجواب إنما هو بضعف موجب الضمان وهو عند الإقالة من حيث هو معروض للفسخ بالتأخير لا من حيث حصول التأخير وعدم حصول التأخير فيه لا يرفع كونه معروضاً له.
قلت: في ثبوت المرجوحية بمجرد إمكان وقوع موجبها البين نفيه خلاف في وصاياها إن قال: إن مت، فمرزوق حر وميمون حر على أن يؤدي إلى ورثتي مائة دينار فإن عجلها تحاصا، وإلا بدئ مرزوق وقيل يبدأ الموصي بعتقه على الذي قاله يؤخذ منه المال، وأجاب التونسي بأنه لو ضمنه بذلك ما انتقل عنه ضمانه بتأخيره.
قلت: ترد الملازمة بأنهما في التأخير يتهمان على العمل عليها فتبطل الإقالة فينتفي الضمان قطعاً وفي هلاكه لا تهمة قلت: والأظهر الجواب بما أشار إليه آخر كلامه أن الإقالة تقتضي رد ما قبض بحالته يوم قبض ووضعه بيد دافعه حسبما كان حين العقد ثم ناقضه بضمان المشتري في الصرف ما قبضه ووزنه إن هلك قبل دفعه عوضه مع أنه ضمان بعقد معروض للفسخ بالتأخير دفع العوض الآخر، وأجاب بما حاصله أن المدعي ضعف إيجاب العقد المعروض للفسخ بالتأخير ضمان ما لم يقبضه من حكم
الجزء: 6 - الصفحة: 90
عليه بضمانه لا ما قبضه حسًا، ثم قال: إنما نظير مسألتنا: لو كان له عليه دين فأعطاه به دراهم فضاعت بعد الوزن وقبل القبض أو كان له عليه دين فأعطاه به ساعة في الدار فضاعت فتلفت بعد الإعطاء قبل القبض وقد لا يتصور في مسألة الدنانير من الدراهم، ما يتصور في بيع الإقالة؛ لأن شرط صرف ما في الذمة أن يحضر ما يؤخذ عنه بالحضرة لا يكون في دار ولا في موضع متوار وهو إذا وزن بالحضرة فقد ضمنه من وزن له فلم يشبه ذلك الإقالة؛ لأنها لو تقايلا على حضور رأس المال؛ لكان من كان له أولا، وإنما معناه أنه غاب غيبة قريبة بحيث يجوز التراخي فيه فضاع بعد العقد وقبل القبض فجعل من الذي هو بيده حتى يوصله؛ لأنه مفهوم الإقالة: أن يرد إليه ما دفعه إليه.
قُلتُ: تقييده ضمانه ممن هو بيده الخ، خلاف قول ابن بشير لو كان رأس المال ثوبًا فأقال منه وهو بالحضرة فضاع قبل وصوله إلى ربه فاختلف الأشياخ هل يدخله من الخلاف ما يدخل المثمون يضيع قبل قبضه مشتريه أم لا؟ لأن صحة الإقالة هنا موقوفة على القبض فيكون الضمان على الغريم حتى يسلمه للآخر.
اللخمي عن ابن حبيب: من أقال من طعام باعه فضاع بعد الإقالة ضمنه إن لم يغب عليه مشتريه بعد أن اكتاله، ومن أقال من طعام أسلم فيه دنانير وهي حاضرة بيد المسلم إليه، فأراد أن يعطي غيرها وأبى ربها.
ففي كون القول قول المسلم إليه، ولو شرط ربها رد عينها أو قول ربها ولو لم يشترطها قولها وقول سَحنون، وصوبه اللخمي وخرجهما التونسي على الإقالة ابتداء بيع سهلت في الطعام؛ إذ لا ربح فيها أو حل بيع، ولو كان رأس المال حين الإقالة بغير موضعه يوم البيع، وافتقر في نقله لأجر ففي كونه على مبتاعه مطلقا أو على طالبهما منهما نقلا عبد الحق عن بعض القرويين والأبياني واستحسنه الشَّيخ والقابسي وقيدوا الأول بكون محل النقل قريبًا ولو بعد كانت إقالة على تأخير.
وفيها: إن أسلمت إلى رجل في طعام فقال لي ولنيه جاز، وهي إقالة إنما التولية لغير بائعه.
ابن محرز: أجازها بلفظ التولية وهو لا يجيزها بلفظ البيع؛ لأن لفظ التولية لفظ رخصة كالإقالة، وقوله في الكتاب: إذا دفع الذي عليه السلم مثل رأس ماله للذي له
الجزء: 6 - الصفحة: 91
السلم يشتري به طعامًا جاز؛ لأنه إقالة لا يدل على جوازها بغير لفظها؛ لأنها هنا غير مقصودة إنما رأى أن فعلهما لا تهمة فيه لقدرتهما على فسخ السلم برد رأس ماله.
وقال أبو حفص: لا تجوز المسألة على قول ابن القاسم إلا على وجه الإقالة كقوله: أعطني طعامًا فيقول له: إنما يسوى الطعام مثل رأس مالك، فإن شئت أن تأخذه وإن شئت أن تشتري به طعامًا فأنت تجد، وإن شئت مسكته فيأخذه على المناجزة على أن لا طلب بينهما فذلك جائز وهي إقالة وإن أخذه على أن يشتري به ففعل، وقامت به بينة لم يجز؛ لأنه اشتراه ليقبضه بعد شرائه فهي كمن واعد غريمه على طعام يشتريه ثم يقبضه فهو غير جائز.
قلت: ظاهر كلام ابن محرز إنه حملها على غير معنى الإقالة بل على الوكالة السالمة من الفساد لنفي التهمة عنهما لقدرتهما على تحصيل مقصودهما بالإقالة وتبعه المازري.
وظاهر قول أبي حفص عكس ذلك وعليها لو فلس دافع رأس المال قبل الشراء به قول ابن محرز لا يكون قابضه أحق به وعلى قول أبي حفص، يكون أحق به، وذكر طرو تفليسه في تعليقة أبي عمران وقال: يحيى الشَّيخ إلى أنه لا يكون أحق به من الغرماء وشبهه بمن وضع دنانير على يدي عدل ليشتري بها طعامًا لرب السلم فإنه لا يكون أحق بها إلا أن يشترط أن صاحبها لا يأخذها ممن هو على يديه حتى يصل لذي الطعام طعامه.
قُلتُ: لم أقف على نص القول بجوازها بلفظ البيع، وفي رسم: إن أمكنتني من سماع عيسى من السلم والآجال من أخذ عشرة دنانير سلمًا في طعام فلما حل قال لمن هو له: بعني طعامًا أقضيكه فباعه بعشرة نقده إياها؛ فلا بأس به؛ لأنها إقالة.
قُلتُ: فقد صرح بأنها إقالة بأن العبارة عنها إنما وقعت بلفظ البيع فيقوم منه جوازها بلفظ البيع، وهو المناسب لقولها: إنما ينظر مالك على أفعالهما لا إلى أقوالهما.
والإقالة من بعض الطعام قبل الغيبة على رأس ماله أو ثمنه مطلقًا أو بعدها وهو غير مثلي جائزة، في ثاني سلمها: إن كان رأس المال عينًا أو ما لا يعرف بعينه فإن لم يفترقا جاز أن تقليه من بعض وتترك بقية السلم لأجله، فأما بعد التفرق فلا يأخذ منه إلا ما أسلمت فيه أو رأس مالك، وإن كان رأس مالك عروضًا تعرف بعينها أسلمتها
الجزء: 6 - الصفحة: 92
في عروض أو حيوان أو طعام فأقلته من نصف ما أسلمته فيه على نصف رأس مالك بعينه فلا بأس به ولو بعد افتراقكما.
اللخمي: أجاز مالك لمن أسلم عبدًا أو ثوبًا في طعام أن يقيل من نصفه، وليس بالبين؛ لأن الشركة عيب، وأجاب المازري بأن قال هذا العيب لم يسبق الإقالة إنما حدث بها وتعلق بها حل البيع، وحدوث العيب واضطراب المذهب في مثل هذا الأمر الذي يتعلق به حكمان متدافعان ما الذي يقدر سابقًا منهما كقوله: إن بعتك فأنت حر إن جعل حل البيع سابقًا على عيب الشركة؛ فالإقالة صحيحة.
قُلتُ: يرد بأنه لا يلزم من كونها سابقة على الشركة لغو عيب الشركة؛ لأنها وإن سبقتها فهي لازمة عقبها قبل إمكان قبض رأس المال بعيبها كذلك ضرورة ثبوت اللازم لثبوت ملزومه، وكل عيب حادث برأس المال قبل إمكان قبض المقال فهو من دافعه، وكل عيب هو من دافع رأس المال فهو كعيب قديم في إبطاله الإقالة دليل ذلك قول آخر ثاني سلمها: إن أسلمت ثوبًا في طعام فهلك الثوب بعد الإقالة انفسخت، وبقي السلم بحاله، ويجاب بأن كون الحادث قبل مضي إمكان قبض رأس المال ممن هو بيده مشروط بكون ذلك الحادث من غير سبب من يجب له قبضه، أما إذا كان من فعله فهو كقبضه ولا يكون ممن هو بيده كما لو كان تلف العبد بفعل من يجب له قبضه لصحة الإقالة، وعيب الشركة هنا بفعل من يجب له القبض، لأن الإقالة لا تقرر إلا بطلبه إياها وإجابته لها، وكلاهما فعله، فهو كقبضه ولا يكون ممن هو بيده كما لو كان تلف العبد بفعل من يجب له قبضه لصحة الإقالة، وعيب الشركة هنا بفعل من يجب له القبض، لأن الإقالة لا تقرر إلا بطلبه إياها وإجابته لها، وكلاهما فعله، فوجب كون عيبها منه، وكونه منه يمنع كونه كعيب قديم فتأمله.
ابن محرز: تعقب ابن الكاتب قولها بجواز الإقالة من نصف الطعام على نصف الثياب بأنها إن كانت على الشيع فالشركة هنا عيب حادث فيبطلها كحدوث دين العبد، وإن كانت نصفها من أثواب بعينها فهي إقالة على خلاف رأس المال؛ لأنه أخذ نصف الثياب التي أقال عليها عوضًا عن نصف الثياب الأخرى، لأن كل ثوب شائع في نصف الطعام فنصف الطعام الذي أقال منه رأس ماله نصف الأثواب كلها فكأنه عاوضه على النصف الذي سلم بالنصف الذي أخذ، وقد أجاز ابن القاسم لمن أسلم ثوبين في طعام أن يقيله من نصفه على أحدهما إن استوت قيمتها، ويلزم على قوله
الجزء: 6 - الصفحة: 93
جواز الإقالة على مثل رأس مال الطعام إن كانت مثليا، وهو قد منعه.
في الموازيَّة: وهو أصوب من قوله في آخر الجزء الثاني من المدَوَّنة، والذي نقل المازري عنه أنه ألزم ابن القاسم جواز الإقالة على رأس المال وهو ثوب لا وهو مثلي قال: واعتذر التونسي عن ابن القاسم في مسألة الثوبين سلما في طعام بأن الثوب المقال منه يقابله نصف كل من القفرزين ومسمى نصفيهما هو قفيز قطعًا وجمعهما في لفظ قفيز لا أثر له، كما لو اشترى من عليه نصف دينار لرجل سلعة منه بنصف دينار قضى عليه بدينار كامل لإيجاب الحكم جمعهما، وفي هذا نظر؛ لأن هذا التقدير ليس بأولى من تقدير كون القفيز عوضه نصف الثوبين.
اللخمي: في الموازيَّة يجوز لمن أسلم في أصناف تمر أن يولي صنفًا بمنابه، وأجاز في المجموعة لمن أسلم في قمح وشعير وعدس أن يولي صنفًا منهما بمنابه فيجوز على ذلك الإقالة فيه والشركة كذلك ونقله المازري نصًا لا تخريجًا، قال: وقع في الموازيَّة من أسلم في أصناف من تمر فجائز أن يقيل من أحدهما، وكذا من اسلم في قمح وشعير، وعدس يجوز أن يقيل من أحدهما ويجب أن يمنع على طريقة سَحنون والإقالة من بعضه بعد الغيبة على ثمنه مثليًا لا يجوز فيها مع غيرها؛ لأنه بيع وسلف وألزم هذا فيما يعرف بعينه؛ لأن رد العين المقرض لا ينافي السلف، وأجيب بأن المانع التهمة عليه لا تحقيقه، والتهمة في المثلي واضحة، وفيما يعرف بعينه بعيدة.
عبد الحق عن الموازيَّة: ما أسلمت فيه من طعام أو غيره فقبضت بعضه لم يجز أن يقيل مما بقي، ولو رددت عليه ما اقتضيت وأقالك من الكل فهو حرام، وبيع الطعام قبل قبضه كأنه أقالك مما بقي على أن وليته ما قبضت.
قال مالك: إلا أن يقل ما قبضت كعشرة أرادب من مائه فأرجو خفته.
قال ابن القاسم في العتبيَّة: أكرهه فيما قل أو كثر، وسمعه أصْبَغ: من ابتاع طعامًا بعينه، ونقد بعض ثمنه إلى أن يقضيه بقيته، ثم أراد أن تكتال بقدر ما نقد ويستقيل من البقيه لا بأس به، وإن كان نقد كل الثمن لم يصلح أن يأخذ بعضًا، ويقيل من بعض إلا أن يكونا لم يفترقا ولم يغب على الدنانير.
ابن رُشْد: الصحيح على أصولهم أن الإقالة فيها من البعض جائزة، ولو نقده كل
الجزء: 6 - الصفحة: 94
الثمن؛ إذ ليس في نفس الإقالة فساد، إنما يوجد الفساد فيها بمجموع البيع والإقالة إذا اتهما في ذلك فيجب أن يجوز إن لم يكونا من أهل العينة؛ لأن بيع النقد لا يتهم فيها إلا أهل العينة.
قُلتُ: هذا خلاف أصل منعها مع غيرها أخذ طعام من ثمن طعام بيع على النقد بعد الافتراق، ومنع أخذ طعام عن دراهم من اكترى أرضًا بها.
وفيها: إن أقال أحد رجلين من طعام أو عرض أسلما فيه لرجل جاز إلا أن يكونا متفاوضين في شراء الطعام وبيعه فلا يجوز؛ لأن ما أقال وأبقى بينهما، وكذا إن ولاه حصته ولا حجة لشريكه عليه في تولية أو إقالة إن لم يفاوضه إنما حجته على البائع.
عبد الحق: في رواية العسال وزياد قال سَحنون: لا يجوز ذلك إلا بإذن شريكه، ونقله اللخمي عنه لا رواية فيها، قال: والأول أحسن؛ لأن الشركة عنده تضمنت أن لا يقتضي أحدهما دون الآخر ولم تتضمن أن لا يقيل؛ لأنها حل بيع وأجاز التولية ولم ير فيها للشريك حجة؟
قال محمد: إن باع أحد الشريكين، فلشريكه أن يدخل في الثمن والأول أحسن؛ لأنه إنما باع حظًا شائعًا هو له.
عبد الحق عن فضل: إنما أجاز مالك إقالة أحدهما من كل حظه؛ لأن شريكه لو أراد الدخول عليه فيما أخذه لم يجز لما لها إلى إقالة من بعض حظه وهو أبين من قول سَحنون ووجهه القابسي بأن إقالته من حظه كتوليته أجنبيًا أو بيعه منه فيما يجوز بيعه قبل قبضه وليس كالاقتضاء ولا كالصلح، ورده عبد الحق بأن بيعه من أجنبي وتوليته لا توجب في ذمة المدين ضعفًا ولا أخذا منها، وفي إقالته توجبه ضرورة رده له رأس ماله فصار كالاقتضاء والصلح، قال: وحملها بعضهم على إقالته بعد قسمتهما ما على المدين.
قُلتُ: لا يخالفه في سَحنون؛ لأن قسمهما ملزوم لإذنه قال: ووجهه بعض القرويين بأنه قاسمه أو كان المدين ظاهر الملاء.
قال عبد الحق: ويلزم مثله في صلح أحد الشريكين غريمهما، قال: وتوجيه فضل، إنما يتم على قول من يرى في صلح أحدهما من حظه من دين لهما، إنه إذا رجع عليه
الجزء: 6 - الصفحة: 95
شريكه فيما أخذ أنهما معًا يرجعان على المدين، وأما على القول: أن الآخر يرجع بجميع حقه ثم يغرم لشريكه ما أخذ منه فلا؛ لأنه لا يدخله على هذا البيع والسلف بحال، وقبل الصقلي جواب فضل المذكور، وجواب أبي عمران بأنه لو ثبت لشريكه عليه دخول لأدى ذلك إلى كونها إقالة على خيار فتفسد.
قُلتُ: يريد: أن ثبوت الدخول له يؤدي إلى نفيه؛ لأنه لا يثبت له لزومًا إجماعًا فيجب ثبوته له مخيرًا فيه، وكلما كان له مخيرًا فيه فسدت الإقالة، وكلما فسدت لم يكن له دخول فأدى ثبوت دخوله إلى نفيه، ويرد بأن حاصله إبطال لما هو لازم إقالة أحد الشريكين دون إذن الآخر، وبيان كونه لازمًا إن تصرف أحد الشريكين بأخذ شيء من ذمة مدينهما فيما هما فيه شريكان يوجب دخول الآخر عليه عملًا بقاعدة المذهب في ذلك والدخول المذكور باطل لما قررتم من تأديته للمحال، ووجه ابن الكاتب قول مالك بكلام مقتضى أوله ككلام القابسي.
وفي آخره ما نصه: والإقالة ليست عوضًا من الدين ولا بيعًا له ممن عليه؛ إذ لو كان كذلك ما جازت الإقالة فيه؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وغنما إسقاط لما عقداه وبراءة لذمة البائع من الدين، ألا ترى أن المبتاع إنما أخذ مثل ما دفع وما كان دفعه لم يكن لصاحبه فيه شركة.
عبد الحق: هذا نحو ما تقدم للقابسي، وإن كانت فيه زيادة إيضاح فهو معترض بما ذكرناه.
قُلتُ: ليس كذلك لأن حاصل اعتراضه المتقدم إنما هو على الجواب بأن إقالته كتوليته من أجنبي، وفي كلام ابن الكاتب زيادة ليست مجرد الإيضاح كما زعم؛ بل فيها زيادة على ما قاله القابسي تقريرها: أن الإقالة من الطعام حكم لها أهل المذهب بأنها ليست بيعًا؛ بل حل بيع، وكل ما كان كذلك بطل مقال الشريك على شريكه فيها؛ لأن مقاله إنما هو فيما يضعف ذمة المدين بشيء مرتب على بيعهما من المدين ما ثمنه بينهما، وحل البيع بالإقالة لا يضعف ذمة المدين بشيء مرتب على بيعهما من المدين ما ثمنه دينهما وحل البيع بالإقالة لا يضعف ذمة المدين بشيء مرتب على بيعهما منه ضرورة كونها حلاله، وهو جواب حسن لمن تأمله؛ ولذا قال الصقلي إثر نقله ما تقدم: هذه
الجزء: 6 - الصفحة: 96
وجوه صحيحة واحتجاج بين، واعتراض ذلك بعض أصحابنا باعتراض ضعيف.
عبد الحق: قال بعض أصحابنا: قد يقال: إن هذا مذهب في أن من باع حظه أن شريكه لا يدخل عليه، ولغير ابن القاسم في كتاب الصلح، ما يدل عليه في صلح أحد الورثة عن حظه في الدم بعبد أن الباقين لا يدخلون معه فيه، والقياس أن ذلك لا يشبه أحد الشريكين بحظه في العبد؛ لأن بيعه منه لا ضرر على شريكه فيه، وفي الاقتضاء يتضرر بإخلاء الذمة.
وفيها: إن أسلم لرجلين في طعام جازت إقالته أحدهما إن لم يشترط أن كلا منهما حميل بالآخر أيهما شاء أخذ بحقه، فلو لم يشترط أيهما شاء أخذ لحقه، ففي جوازه على مشهور قولي مالك لا يطلب الحميل في غير تعذر الغريم ومنعهما قولا ابن الكاتب مع عبد الحق، ونقله عن بعض القرويين مع الشَّيخ في مختصره؛ لاحتمال الفلس حين حلول الأجل فيصير حقه على واحد فتصير إقالة من البعض.
عبد الحق عن بعض شُيُوخه: لا تجوز إقالة أحدهما، وإن لم يغيبا على رأس المال؛ لأن كلا منهما حميل بالآخر فإقالته على بقائه حميلًا أو ترك حمالته يحيل الإقالة عن شرطها، وقاله الشَّيخ والقابسي، ولم يعزه المازري لغيرهما، وقال: سلكا غير ما قدمناه عمن سواهما من الأشياخ وجعلا إقالته على بقائه حميلا إقالته على بعض رأس المال؛ لأن رأس المال هنا دنانير وحمالة وإن أقال على إسقاطها فكأنه بائع المقال على إسقاط ضمان عنه والبيع على ثبوت الضمان أو إسقاطه لا يجوز، وقوله في إقالته على بقاء الحمالة صحيح.
قُلتُ: تقريره منع الإقالة بأنها إقالة على بعض رأس المال؛ لأن رأس المال هنا دنانير وحمالة وهم، إنما إقالة من بعض المسلم فيه؛ لأن كلا منهما أخذ نصف المال هنا رأس المال على أن بذل فيه شيئين نصف الطعام، والحمالة عن غيره بإقالته بأخذ رأس المال على أن بذل فيه شيئين نصف الطعام، والحمالة عن غيره بإقالته بأخذ رأس المال على إسقاط ما عليه من الطعام وإبقاء ما عليه من الحمالة إقالة من بعض مقابل كل رأس المال برد جميعه فهو كمن أسلم دينارًا في قفيز قمح وعبد، ثم أقاله من القمح فقط، ثم قال: وأما إقالته من جملة ما اشتمل عليه العقد من طعام وحمالة فبعيد منعه، وإذا وقعت الإقالة في العقد على ما هو عليه سقطت الإقالة
الجزء: 6 - الصفحة: 97
بسقوط الطعام؛ لأنها تابعة له ولاسيما إذا قلنا: الإقالة حل للعقد من أصله.
قُلتُ: ففي جواز إقالة من أسلم في طعام لرجلين على حمالة كل منهما بالآخر غير شارط أيهما أخذ بحقه، ثالثها: إن لم يغيبا على رأس المال لابن الكاتب مع عبد الحق والشَّيخ مع القابسي ونقل المازدي عن غيرهما من الشُيُوخ.
اللخمي عن أشهب: من ولي نصف طعام من سلم فله، وللمولي الإقالة من كل حظه لا من بعضه، والقياس جوازها في بعضه؛ لأن المولى لم يكن بينه وبين المسلم إليه معاملة فلا تهمة؛ لأنه أجاز إقالته من كل حظه لا من بعضه فالقياس جوازها في بعضه؛ لأن المولى لم يكن بينه وبين المسلم إليه معاملة فلا تهمة؛ لأنه أجاز إقالته من كل حظه فلو اتهمهما لم تجز الإقالة؛ لأن المسلم قبض دينارين ثم رد أحدهما بعد أن انتفع به، فإذا جاز أن يرد دينارًا جاز أن يرد نصف دينار، وتعقب المازري منع إقالة الموهوب له والوارث من بعض نصيبه بأن علته التهمة على مواطأة المسلم والمسلم إليه على البيع والسلف وهي منتفية في الوارث والموهوب له، وأجاب بأن حلولهما محل المسلم أوجب لهما حكمه كالمحال على ثمن طعام لا يجوز أن يقتضي منه طعامًا اعتراضه بأنه لو أعطى حكمه لما جازت إقالته من كل حظه؛ لأنه بعض الطعام المسلم فيه، وأجاب بأن شرط اعتبار تهمتهما تبعيضه ما على المسلم إليه بإقالة بعضه مع قدرته على الإقالة من جميعه وهذا في الوارث والموهوب له منتف.
اللخمي: من أقال من طعام ابتاعه بعد قبضه قبل غيبته عليه لم يلزمه كيله، وإن غاب عليه فعليه كيله.
ابن حبيب: من أقال من طعام باعه فضاع فهو منه وإن لم يغب عليه مبتاعه ولو اكتاله وغاب عليه ضمنه حتى يكتاله بائعه، والإقالة من غير الطعام كالبيع في شفعتها: الإقالة عند مالك بيع من البيوع في كل شيء إلا إقالة مبتاع شقص قبل أخذه بالشفعة ونقص بالإقالة عند مالك بيع من البيوع في كل شيء إلا إقالة مبتاع شقص قبل أخذه بالشفعة ونقض بالإقالة من الطعام وفي المرابحة فيما باع بربح ثم أقال ويجاب بأن مراده فيما يجوز بيعه قبل قبضه وهو في المرابحة بيع؛ لكنه يكرهه المبتاع لكونه بثمن أكثر من الأول.
وفيها: من باع جارية بعيد فتقابضا ثم مات العبد فتقايلا؛ لم تجز الإقالة إلا أن
الجزء: 6 - الصفحة: 98
يكونا حيين، وكذا إن حدث بالعبد عيب لم تجز الإقالة إلا أن يعلم دافع العبد بنقصه فيجوز.
اللخمي: إن لم يعلم فله قبوله أو رده، وإن تقايلا بعد علمه بموته على قيمته؛ لم تجز إلا لعد علمهما القيمة، وغن أقاله على مثله جاز إن كان في ملك مشتري العبد، ولو كان غائبًا عن البلد، وإن لم يكن في ملكه تخرج على القولين في البيع مرابحة فيما ثمنه عرض وعلى السلم الحال أو إلى يومين، ولو حدث بالعبد بعد الإقالة عيب أو هلاك فهو من بائعه على أن الإقالة حل بيع وعلى أنها بيع يتخرج على الخلاف في المحبوسة بالثمن.
قُلتُ: في طرر ابن عات، في ترجمة وثيقة بإقالة.
قال ابن عيشون: عن أقال من طعام ونحوه فبان هلاكه؛ بطلت إقالته إلا أن يكون بين هلاكه، وقيل يلزمه وإن لم يبين.
اللخمي: لو أسلم عبدًا في ثوب جرى الجواب على ما تقدم، إلا أنه إن كانت الإقالة على المثل لم تجز إلا أن يكون في مثله حاضرًا أو يقومان لقبضه وغلا كان دينًا بدين، ومن أقال بغير بلد سلمه جاز على أخذ المثل ببلد الإقالة بالحضرة، وعلى قبضه ببلد السلم لا يجوز وهو دين بدين، ولو أسلم عرضًا مثليًا في طعام لم تجز الإقالة بغير بلد السلم لأنها على تعجيل رأس المال إقالة على غير رأس المال؛ لأن ثمنه في البلدان مختلف، وعلى تأخيره دين بدين، قال: إقالته من سلم ثوبين في فرسين يردهما أو أحدهما من الفرسين أو من أحدهما والباقي لأجله جائزة ولو بزيادة، واختلف فيها على تعجيل الباقي، فأجازه ابن القاسم في الموازيَّة لأن أخذه اقتضاء لا سلف، وغلا شركة فيها غرماؤه في فلسه.
والإقالة برد مثلهما أو مثل أحدهما عن كلا الفرسين دون زيادة عليهما جائزة وإلا قلا، وكذا على أحد الثوبين ومثل الآخر، واختلف في إقالته على مثل ثوبيه وزيادة أجازها ابن القاسم في الموازيَّة.
قُلتُ: المنع في الصورتين هو قول ثاني سلمها، ورد المازري قوله: لو كان أخذه سلفًا لشركة فيه غرماؤه في فلسه بأنه سلف أحاله عليه بحقه المماثل له فصار كمن أحاله غريمه بحقه على غريم له ثم فلس المحيل فلا دخول لغرمائه على المحال.
الجزء: 6 - الصفحة: 99
قلت يرد بأنه لو كان كذلك لفسد أخذ كل حق قبل أجله لملزوميته حينئذ الحوالة بما لم يحل ثم خرج القولين على الخلاف في المسبب عن عقد هل يعد متأخرًا عنه أو متقدمًا أخذا ذلك من مسألة: إن بعتك فأنت حر، قال: فعلى الحكم بتقديمه تكون براءة الذمة المسببة عن المعارضة سابقة عليها، فصارت كمعاوضة بعد حلول الدين.
قلت؛: لا يخفى تكلف هذا وبعده؛ لأن مسألة العتق إنما قيل فيها ذلك؛ لتشوف الشرع للحرية، وما قرره فيها من تقديم المسبب على سببه؛ غنما هو في القوال لا الأفعال للاتفاق على لغو عتق وارث أخيه عبدًا له قبل موته ببينة.
الصقلي: روى محمد: من باع عبدًا بمائة دينار لشهر فأقال منه على أن زاد مبتاعه عينًا أو عرضًا نقدًا أو مؤجلًا جاز، ولا يجوز على أن يزيده مبتاعه عينًا إلا إلى الأجل نفسه من صنف الثمن فيصير مقاصة، وعلى زيادة عرض جائز نقدًا ولو كان من غير صنف الثمن ونظمه بعضهم فقال:
إذا استقالك مبتاع إلى أجل ... وزاد نقدًا فخذه ثم لا تسل
حاشي من الثمن المرجى إلى أجل ... إلا إلى ذلك الميقات والأجل
مع الوقات فلا تزدد فإن لها ... حكمًا من الصرف التعجيل والأجل
وزده أتت من الأشياء أجمعها ... ما شئت نقدًا ومضمونًا إلى أجل
ما لم يكن صنف ما استرجعت تدفعه ... إلى زمان ولا بأس على عجل
ووجه الممنوع منها واضح وهو في منع زيادة البائع ما هو من صنف ما استرجع إلى أجل سلف بزيادة، فإن قلت: فييات وقيل مضي عشرة.
قُلتُ: ليس كذلك هذه الأبيات من عيوب القوافي الإيطاء، وهو إعادة كلمة الروي قبل مضي سبعة أب، أما في البيت الرابع فواضح؛ لأن كلمة الروي فيه منكرة وفي غيره معرفة، والمنصوص لهم أن الاختلاف بالتعريف والتنكير كاختلاف الألفاظ وأما في البيت الثالث فقد يتوهم لاتحاد الكلمة فيه، وفيما قبله في التعريف وليس كذلك؛ لأن مسمى الأجل فيه مطلق غير مقيد وهو فيما قبله مقيد بكونه الأجل الذي
الجزء: 6 - الصفحة: 100
وقع البيع إليه، والمنصوص لهم أن الاختلاف بهذا كاختلاف اللفاظ مع زيادة هذا بمزية التجنيس وذكرناه لرفع التشغيب بهذا على الفقيه من حيث كونه فقيهًا، وسمع ابن القاسم: إقالة من باع طعامًا بثمن مؤجل قبل الفرقة بزيادته المبتاع عرضًا أو عينًا بعد كليه الطعام جائزة، وكذا بزيادة المبتاع إياه عرضًا أو طعامًا وإن تفرقا لم أحبه.
ابن رُشْد: لا يعتبر تفريقهما وغيبة المبتاع على الطعام إلا في زيادة المبتاع لا البائع حسبما نبينه وتحصيلها: إنهما إن تقايلا قبل كيل الطعام لم تجز بزيادة أحدهما بحال، إلا أن يكون المبتاع هو المستقبل بزيادة مثل الثمن لذلك الجل فيجوز؛ لأنه يصير قد أدى الثمن ووهب الطعام، وإن تقايلا بعد كليه، وقبل قبضه المبتاع أو شيئًا منه وقبل قبض البائع الثمن أو شيئًا منه جازت الزيادة من كل منهما للآخر إن لم يكن في نفس الإقالة على الزيادة فساد فتجوز بزيادة البائع عرضًا أو عينًا نقدًا أو أجل إلا بزيادة من صنف الطعام المبيع فلا يجوز بحال من غير صنفه تجوز نقدًا إن كان الثمن حالًا اتفاقًا وإن كان مؤجلًا فقولان: في الواضحة بناء على أن انحلال الذمم بخلاف انعقادها فلا يراعي الأجل؛ لأنهما قد تبارءا أو كانعقادها فيراعي وإن تبارءا وتجوز بزيادة المبتاع من صنف الثمن إلى الأجل نفسه لا نقدًا ولا إلى أبعد من الأجل؛ لأنه في النقد ضع، وتعجيل وبيع وسلف، وعرض وذهب لأجل في التأخير لأبعد من الأجل بيع وسلف وذهب وعرض بذهب لأجل، وتجوز بزيادة ما شاء من عرض أو طعام نقدًا لا إلى أجل مطلقًا لأنه في نقد الزيادة شراء لها مع الطعام بثمنه، وفي تأخيرها فسخ دين في دين ولا تجوز بزيادة دنانير، والثمن دراهم ولا دراهم، والثمن دنانير ولو نقدًا وإن حل الثمن أو كان حالًا جازت بزيادة ما يشاء من، عرض أو عين أو طعام من صنف طعامه أو غيره نقدًا إلا أن يكون ورقًا فلا، إلا أن تكون أقل من صرف دينار، على قول ابن القاسم: ولا تجوز بزيادة شيء إلى أجل لأنه يدخله فسخ دين في دين، وأما بعد غيبة المبتاع على الطعام أو بعضه فلا يجوز في جمعيه بزيادته شيئًا؛ لأنه سلف بزيادة وكذا إن غاب البائع على بعض الثمن فلا تجوز على زيادة المبتاع شيئًا؛ لأنه سلف بزيادة هذا إن كان البيع لأجل، وإن كان نقدًا جاز؛ إذ لا يتهم في بيع النقد إلا أهل العينة على ما له في
الجزء: 6 - الصفحة: 101
رسم كتب عليه ذكر حق، وهو دليل قوله في هذا السماع، وإن تفرقا فلا أحبه إن كان الثمن لأجل، وحكم المثلي من غير الطعام كالطعام إلا في رعي بيعه قبل قبضه، وحكم العرض والحيوان في هذا كالمثلي إلا في رعي الغيبة عليه لمعرفة عينه بعد الغيبة عليه.
وسمع عيسى: من باع ثوبًا بعشرة دنانير لشهر فأقاله مبتاعه على سلف عشرة دنانير لأبعد من الأجل أو لأجل، دونه لا خير في إقالته به يدخلها بيع وسلف، إلى الأجل نفسه كرهه قوم وأجازه آخرون واتقاه مالك، وأنا أكرهه ولا أحرمه.
ابن رُشْد: إن أقاله على سلفها حالة أو لأجل غير الأجل أو أقل منها أو أكثر لم يجز اتفاقًا؛ لأنه صريح البيع والسلف، وفي قوله: يدخله ذلك نظر لا يقال: يدخله ذلك إلا فيما ظاهره الصحة ومآله لذلك، وأما إن أقاله على إن أسلفه العشرة للأجل نفسه فأجازه أشهب وحمله لما رجعت إليه سلعته بعينها كأنه اشتراها بالعشرة التي دفع إليه فإذا حل الأجل أخذه بالعشرة التي كان باعه بها وذكر السلف لغو ومن كرهه اعتبر فساد اللفظ.
وقول أشهب أظهر لأن استقامة الفعل تلغي قبح اللفظ وهو نص قول مالك فيها.
وفي غررها: من باع سلعة غائبة لا يجوز النقد فيها؛ لم تجز الإقالة منها بمثل ثمنها أو أقل أو أكثر؛ لأنها إن كانت سالمة في البيع الأول فقد بعت سلعة غائبة بما في ذمتك من ثمنها فهذا من ناحية الدين بالدين.
سُحنون: هذا على قول مالك إن ما أدركته الصفقة من المبتاع.
التونسي: في الموازيَّة هو على القولين معًا؛ لأنه رأى الضمان، وغن كان من البائع فالدين في ذمة المشتري حتى تهلك السلعة، والأصوب قول سَحنون ولو كان كما قال محمد لما صح قولها بإجازة الإقالة من أمة في المواضعة على زيادة توقف؛ لأن ثمن الجارية في ذمته حتى تهلك أو يثبت حملها، ولم يعترض محمد مسألة الجارية، ورجح ابن محرز قول محمد وأجاب عن التمسك به بمسألة الجارية بأن إبقاءها في هذا الموضع إنما هو لخوف ظهور حمل بها من بائعها فيكون المشتري؛ لأنها ليست بسبيل المواضعة إنما هي
الجزء: 6 - الصفحة: 102
لخوف الحمل فقط، وغلا فهي على ملك بائعها.
اللخمي: أجاز أشهب الإقالة في الأمة الغائبة على أصله في جواز أخذ سلعة غائبة عن دين وأجازها يحيى بن عمر، لبراءة الذمة.
المازري: ويصححه كون الإقالة حل بيع.
قُلتُ: وما جزم به ابن محرز في طرو العيب جعله التونسي محل نظر فقال: انظر لو أقاله من الأمة في المواضعة بزيادة من البائع فحدث بها عيب ولم يظهر بها حمل فقال البائع: أردها للعيب عليك فتردها أنت علي وتسقط الزيادة أو لا تكون له حجة بهذا؛ لأن المشتري يقول بضمانها لم يزل منك وأنت قد رغبت في ردها بما أربحتني، وإنما وقفها خوف حملها فيسقط الربح لأن أن الولد لا يصح بيعها ولم توقف لحدوث عيب؛ إذ عيوبها منك.
الصقلي: قول يحيي بن عمر: إنما يجب وقف الزيادة إن كان البائع وطئها وإلا فلا بأس بتعجيلها.
وقال شُيُوخنا: سواء وطئها أو لا؛ إذ قد يظهر بها حمل من غيره فإذا ردها المشتري ذهب النفع بالربح باطلًا.
المازري: قد ينفصل يحيي عن هذا بأن الحمل إن كان من السيد وجب ردها شرعًا، فكان الثمن تارة سلفًا وتارة بيعًا، وإن كان من غيره لم يجب ردها، وجاز تمسك المشتري بها فلم يلزم كون الثمن تارة بيعا وتارة سلفًا.
قُلتُ: يرد بأن حاصله إن احتمال كون الثمن تارة بيعًا وتارة سلفًا، في وطء بائعها أقرب منه في عدمه لتوقفه في وطئه على ظهور حملها فقط، وتوقفه في عدمه على ظهور حملها وعلى إرادة المشتري ردها، ومسائل المذهب دالة على أن مطلق احتمال كون العقد مشتملًا على البيع تارة الثمن بيعا وتارة سلفا مانع كونه في بعض الصور أرجح لا يوجب لغوه، وحيث كونه ليس أقرب كالحكم الثابت في صورتين هو في أحدهما أرجح، ويرد جواب ابن محرز عن مناقضة التونسي قول محمد في الأمة الغائبة بموافقته على جواز الإقالة في الأمة المتواضعة بزيادة توقف بأن حاصل جوابه زعمه أن الإقالة مقبوضة لبائعها بنفس الإقالة فلا يكون آخذ شيئًا مؤخرًا عما لزم ذمة المشتري بنفس
الجزء: 6 - الصفحة: 103
العقد وإن وقفها إنما هو لطيب ربحها بعدم ظهور حملها؛ لا لأنها في ضمان مبتاعها؛ بل هي من بائعها فيما يظهر بها من عيب، وهذا كله موجود في المة الغائبة؛ لأنها بعد الإقالة من بائعها ضرورة التفريع عليه، فإن قيل: تأخير القبض في الغائبة حسي فلا ترفع ما يفيته للأخذ عن دين كون ضمان المؤخر قبضه من قابضه.
قُلتً: وكذا الأمة المتواضعة تأخير القبض فيها حسي لأجل الزيادة وما جزم به من كون العيب من البائع أظهر أنه من المبتاع؛ لأنه يرجحه فيها بائع لها فيلزمه حكم من باعها، وكون ضمان عينها الحادث ملزومًا لضمان بائعها أو لا يمنع اعتبار الحكم المرتب على ذلك، وهو سقوط الربح عن بائعها من حجته ردها عليه بالعيب الحادث نقضًا لبيع الربح، فإذا ردها عليه بعد ذلك؛ لكونها في المواضعة لأجل البيع الأول منه لم يأخذ منه غير الثمن الأول، وهذا كقولها فيمن باع عبدًا ممن ابتاعه منه بأزيد من ثمنه ثم ظهر به عيب قديم وبائعه غير مدلس، له رده على مبتاعه فتسقط عنه الزيادة.
وفي نوازل سُحنون من جامع البيوع: من أقال من عبد غائب اشتراه على الصفة بشرط أنه منه إن أدركته الصفقة لم تجز إقالته خوف كونه أدركته الصفقة فيكون الثمن دينًا عليه لبائعه ففسخه في عبد لم يقبضه وإن كان على أن الضمان من بائعه فلا بأس بها إذ لم يجب به على المبتاع دين.
ابن رُشْد: الإقالة من الغائب المشتري على الصفة شرط ضمانه من مشترية بالعقد إن كان على الصفة يومئذ أو على القول إن الضمان منه إن لم يشترط على البائع لا تجوز اتفاقًا؛ لأنه دين في دين، وأما على أن الضمان من البائع أما بشرط المبتاع ذلك، وإما بأن الحكم أوجبه فاختلف فيه أجازه هنا سَحنون لأن يكون الضمان من البائع لم يجب على المشتري دين له عليه فيكون قد فسخه في شيء لم يقبضه فصار ذلك حلًا للعقد الأول، وقاسه أيضًا على إجازة ملك الإقالة من جارية في المواضعة بربح إذا لم ينتقد ولم يجز ذلك.
في المدَوَّنة: قال في التفسير الثاني: لأن السلعة للمشتري وإن كان الضمان من البائع، ألا ترى أنه لا يقر على بيعها من غيره ولا يرجع في بيعه فأشبه ذلك بيع الغائب، وقول سُحنون أظهر؛ إذ لا فرق بين الإقالة من التي في المواضعة والغائبة على القول:
الجزء: 6 - الصفحة: 104
إن الضمان من البائع إلا من وجه أنه لم يختلف أن ضمان التي في المواضعة من البائع، واختلف في الغائبة، ومن مذهبه مراعاة الخلاف، وقد تأول قول مالك في المدُوَّنة على مذهبة، فقال في قوله هنا إن الإقالة لا تجوز؛ لأنها دين بدين على الحديث الذي جاء في السلعة إن أدركتها الصفقة قائمة مجتمعة، وليس بصحيح؛ بل لا تجوز الإقالة فيها عند ابن القاسم وروايته كان الضمان من البائع أو المبتاع يبين ذلك من مذهبهما ما ذكرته بما وقع في التفسير.
اللخمي: من اشترى طعامًا قريب الغيبة وشرط النقد جازت فيه الإقالة وإن بعدت غيبته بحيث لا يجوز فيه شرط النقد فيختلف هل تجوز الإقالة؛ لأن الذمم تبرأ من الآن أو لا تجوز؛ لأنه أخذ غائب عن دين فيكون فسخ دين وبيع طعام قبل قبضه.
وقال محمد: إن قال: أقيلك على أن تقيلني أو تشركني أو توليني لم يجز؛ لخروجهما عن المعروف للمكايسة فهو بيع الطعام قبل قبضه، ثم قال: إن أقاله على أن يقيله ورأس أموالهما سواء والطعامان سواء، جاز لمآل أمرهما إلى بيع أحد الطعامين بالآخر لأنه لم يخرج أحدهما للآخر شيئًا.
قُلتُ: هذا خلاف منعها مقاصتهما ووفاق لقول أشهب لجوازها.
باب التولية
التولية: تصيير مشتر ما اشتراه لغير بائعه بثمنه، وهي في الطعام غير جزاف قبل
الجزء: 6 - الصفحة: 105
كيله رخصة للحديث، وشرطها كون الثمن عيناً.
الصقلي عن ابن حبيب: ما ثمنه إجازة أو كراء لا تجوز توليته مضت المدة أن لا عمل أم لا؛ لأن العمال تختلف، وقاله ابن الماجِشُون وأشهب وله عزاه محمد وابن عبدوس، ورواه محمد، وكذا لو كان الثمن عرضًا، وللبرقي عنه لو اشترى ذلك العرض أجنبي جازت توليته به.
عبد الحق: زمنع ذلك الشَّيخ أبو الحسن، وروي البريقي جوازه، وقاله بعض شُيوخنا، ولابن القاسم من قبض بعض طعامه من سلم عند حلوله لم يجز أن يولي ما بقي منه أو ما أخذ منه أو بعضه أو ما قبض منه مع ما بقي.
الشَّيخ: كذا في الموازَّية أو ما اخذ معطوفًا بـ (أو)، وأرى الألف غلطًا إنما هو وما أخذ، وكذا في سماع عيسى ابن القاسم لا بأس أن يولي ما بقي مع ما أخذ وكذا في الواضحة.
ابن رُشْد: لم يجز في الموازيَّة التولية فيما بقي، ووجه ذلك أن ذمته قد تضعف بقبض الخمسين منه فلا تكون قيمة الخمسين الباقية مثلها.
قُلتُ: فهي في العتيبَّة على أن الطعام مائة إردب قبض نصفها وولي نصفها.
قال: ابن رُشْد: لم يجز في الموازيَّة في الخمسين الباقية، ووجهه أن ذمته قد تضعف بقيض الخمسين منه فلا تكون قيمة الخمسين الثانية إلا أقل من نصف ثمن الجميع فإذا ولاها بنصف الثمن كان أخذ فيها مما يجب لها فيكون بيع الطعام قبل قبضه.
وسمع عيسى ابن القاسم: من ابتاع سلعة أو طعامًا فأشرك فيه عند مواجبة البيع أو ولاه فتباعته على البائع الأول وإن باعه إياه فتباعته على المشتري الأول إلا أن يشترطها على البائع الأول بحضرة البيع الأول فذلك جائز، ومن ابتاع سلعته فانقلب بها أو فارق بائعها ثم أشرك فيها أو ولاها فتباعته على الذي أشركه أو ولاه أو باع منه.
ابن رُشْد: فرق هنا بين التولية والشركة وبين البيع في السلع المعينة، وقيل: الكل
الجزء: 6 - الصفحة: 106
سواء العهدة في الجميع على المولى والمشرك إلا أن يشترط على البائع الأول: قاله مالك في الموطأ، وأَصْبَغ في نوازله من جامع البيوع، وظاهر سماع عيسى في العيوب وقول ابن حبيب، في الواضحة أنه لم يرها في التولية والشركة على البائع الأول إلا أن يكون أشركه أو ولاه نسقًا بالبيع قبل أن يثبت بينهما ولا خلاف في هذا الموضع، وتحصيلها أنه إن باع بحضرة البيع فالعهدة على البائع الثاني اتفاقًا واختلف إن شرط البائع أنها على البائع الأول فظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية إن ذلك جائز وللبائع لازم؛ ومعناه عندي إن باعها بمثل الثمن الذي اشتراها به أو أقل وإن كان أكثر لم يلزم البائع الأول إلا برضاه إن رضي كان حميلًا عن البائع الثاني بالزائد إن عرض استحقاق.
وقال ابن حبيب: إن ذلك لا يجوز؛ لأنها ذمة بذمة إلا أن يشترطها برضاه على وجه الحمالة إن رضيها ونزل استحقاق رجع المشتري الثاني بقدر الثمن الأول على من شاء منهما اتفاقًا لأنه غريم غريمه إن رجع على الذي باعه فلمن باعه أن يرجع على الأول وما زاد على الثمن الأول لا يرجع به على الأول إلا في عدم الذي باعه على حكم الحمالة وإن ولاه أو أشركه بحضرة البيع ففي كونها على المشرك أو المولى إلا أن يشترطها على البائع الأول أو عليه، وإن لم يشترط عليه قولان، وإن طال الأمر وافترقا فالمشهور أنها على البائع الثاني للمبتاع والمشرك والمولى، ولا يجوز شرطها على البائع الأول إلا برضاه على وجه الحمالة فيكون للمبتاع الثاني والمشرك والمولي الرجوع على من شاء منهما بما للثاني أن يرجع به على الأول ولا يرجع على الأول بما ليس للثاني أن يرجع به عليه إلا في عدمه على حكم الحمالة.
وروي عن مالك جواز شرط العهدة عليه، وإن كان غائبًا إن كان معروفً؛ يريد ولا يرجع عليه إن طرأ استحقاق إلا بما زاد على الثمن الأول.
قال: وإن لم يكن معروفًا فسخ البيع ثم رجع، فقال: الشرط باطل إن لم يكن حضرة البيع، ففي جواز شرطها في البيع على البائع الأول، فيلزمه ولو افترقا وطال الأمد ومنعها، ولو كان بحضرة البيع إلا برضاه حمالة ثالثها: إن شرطها بحضرة البيع قبل الافتراق والطول، وفي الشركة والتولية قولان على من يكون بالحضرة وقولان في جواز شرطها على البائع الأول بعد الافتراق والطول، وقيل: إن لم يطل فلا يراعى
الجزء: 6 - الصفحة: 107
الافتراق، ويجوز شرطها على البائع الأول، وهو ظاهر قول أصْبَغ في نوازله من جامع البيوع.
وفيها: إن أسلمت في الطعام أو عرض ثم أقلت من ذلك أو وليت ذلك رجلًا أو بعته إن كان مما يجوز بيعه لم يجز أن تؤخر بثمنه من وليته أو أقلته أو بعته يومًا أو ساعة ولو بغير شرط؛ لأنه دين بدين ولا تفارقه حتى تقبض الثمن كالصرف.
عبد الحق: قال بعض أصحابنا القرويين: يسوى بين بيع ذلك من المدين أو من أجنبي، فأما بيعه من المدين فهو فسخ دين في دين، وبيعه من أجنبي أخف؛ لأن ذمته لم تكن مشغولة، وقد أجاز تأخير رأس مال السلم عينًا ثلاثة أيام، ونحوها غير أن هذه أخف لأن إحدى الذمتين في بيع ما في الذمة كانت مشغولة بالدين، وهذه لم تكن فيها ذمة مشغولة بدين وأجاز في الموازيَّة تأخير ثمن الدين اليومين والثلاثة كالسلم.
اللخمي: معروف المذهب أن الإقالة أوسع من الصرف تجوز المفارقة فيها ليأتي بالثمن من البيت وما قارب ذلك، والتولية أوسع من الإقالة لا يجوز فيها شرط تأخير اليومين اتفاقًا واختلف هل شرط تأخير اليومين والثلاثة في التولية، ثم قال: من ولي طعامًا كان دفع رأس ماله بفور عقده لم يجز تأخير قبضه.
قُلتُ: تأخير القبض في الإقالة أشد لاتحاد الذمة، وفيه خلاف تقدم تخريج تأخيره في التولية أحروي، قال: وإن كان السلم بتأخير رأس ماله ثلاثة أيام والتولية بفور العقد لزم تأخيره المولي إليه، وإن ولاه بعد مضيها فقولان: أحدهما: إن إطلاق التولية يقتضي التأخير لمثل ذلك وشرط التعجيل يفسدها، والأخر أنها تقتضي التعجيل، وشرط التأخير يفسدها، وهذا قياس على الشفعة غي الشراء بثمن مؤجل يقوم الشفيع بعد مضي الأجل؛ لأن الشفيع بمثل ذلك وكذا التولية.
المازري: وإن ولاه بفور العقد بشرط تعجيل النقد لم يجز، ولو ولاه على تأخيره الأيام التي شرط تأخيرها لنفسه لمنع على مذهب المدَوَّنة.
إن بيع الدين المستقر في الذمة لا يجوز بشرط تأخيره اليوم واليومين، وأجرى بعضهم المسألة على الخلاف فيمن اشترى شقصًا بثمن مؤجل، وقام الشفيع بعد حلوله فذكر ما تقدم للخمي، ثم قال: وهذا قد لا يصلح؛ لأن تغيير الأثمان يصح في الشفعة بالتراضي ولا يصح في التولية،
الجزء: 6 - الصفحة: 108
وقد أشرنا إلى أن التأجيل يقتضي اختلاف الثمن فيمنع التولية دون الشفعة؛ لأن من اشترى شقصًا بعرض أخذ الشفيع بقيمته، وقيمته جنس مخالف له والذمم تختلف.
اللخمي: من اشترى طعامًا بثمن مؤجل ففيها لابن القاسم جواز توليته ومنعه هو وأشهب في الموازيَّة.
أشهب: لأن الدين كالعرض.
ابن حبيب: لأن الذمم تختلف، وعزا المازري الأول لمالك، وخرج القولين على لغو اختلاف الذمم واعتبارها.
قًلتً: فعلى تعليل أشهب تمنع ولو تساوت الذمتان، قال: ولو أسلم عشرة دنانير في طعام، ثم زاد المسلم إليه دينارًا.
فقال محمد: مرة تجوز توليته على أحد عشر دينارًا، ثم قال: لا يجوز بحال، والأول أحسن لأن الدينار ألحقه بالثمن لو كان ذلك في سلعة ثم استحقت رجع بأحد عشر دينارًا، ونقل المازري الجواز مقيدًا بإعلام أن الزيادة تطوع.
اللخمي عن محمد: ومن أسلم في طعام بحميل أو رهن، فولاه رجلًا على إسقاط الحمالة لم تجز وإن أسقط ذلك قبل ثم ولاه جاز، إن بين أنه اسقط ذلك عن بائعه بخلاف الزيادة، إذا أسقطت؛ لأن الثمن هنا على حالة إنما أسقط ما كان من التوثيق وليس ذلك من الثمن.
المازري: عورض محمد بان الثمن لم ينفك عن تعمير، وإسقاط الحميل والرهن قبل التولية كإسقاطه في عقدها.
أجاز في المجموعة لمن أسلم في قمح وشعير وعدس: أن يولي صنفًا لما ينوبه، وتتخرج عليه الإقالة والشركة وعلى قول سَحنون: تمنع الإقالة في أحد ثوبين أسلما في طعام خوف الغلط في القويم لا تجوز التولية في أحد الأصناف.
وفيها: من ابتاع طعامًا فاكتاله ثم ولاه على تصديقه في كليه جاز وله وعليه المتعارف من زيادة الكيل ونقصه.
اللخمي: إن ولاه بعد أن اكتاله ولم يغب عليه لم يكن عليه كليه، وإن غاب عليه فعليه كيله.
الجزء: 6 - الصفحة: 109
ابن حبيب: وضمانه منه، وإن لم يغب عليه حتى يكتاله المولي، وأرى أن لا كيل علي المولي إذا لم يغب عليه؛ لأنه يقول للمولي: قد عاينت كيله، فإن كان على الوفاء فهو حقي، وإن كان فيه بخس فقد رضيته لنفسي، وعليه دخلت أنت كما لو اشتريت سلعة فاطلعت على عيب بها فوليتها إياك وأنت عالم بالعيب.
قلت: الأظهر حيث تكون العهدة عليه فالكيل كذلك، وحيث تكون علي البائع، الأول؛ فلا كيل عليه.
قال عن محمد: إن قال: أوليك على أن توليني أو أشركك علي أن توليني؛ لم يجز لخروجهما عن المعروف إلي المكايسة.
والتولية: فيما صح بيعه بحاله، بيع في ثالث سلمها الأول من ابتاع طعاما كيلا بثمن مؤجل فلم يكتله حتى ولاه بثمنه إلي الأجل جاز، وإن شرط تعجيله لم يجز، ولو ولاه بعد أن اكتاله وشرط تعجيله جاز؛ لأن بيع مؤتنف وإن لم يشترط تعجيله لم يكن له أخذه بالثمن إلا إلى أجله ولو اشتري سلعة ثم ولاها غيره ولم يسمها له ولا ثمنها فإن كان على الإلزام لم يجز وإلا جاز؛ لأنه معروف يلزم المولي دون المولي كما لو بعت منه سلعة في بيتك بمائة ولم تصفها له علي الإلزام والخيار
الجزء: 6 - الصفحة: 110
باب الشركة
الشركة هنا: جعل مشتر قدراً لغيره باختياره مما اشتراه لنفسه بمنابه من ثمنه،
الجزء: 6 - الصفحة: 111
هي في الطعام المكيل أو الموزون قبل الكيل والوزن رخصة.
التونسي: اتفاقًا.
وفيها: أجمع أهل العلم على جوازها فيه، وروى أبو الفرج منعها، وعلى الجواز لو كان الثمن مؤجلًا، ففي جوازها قولان لها، ولابن حبيب مع محمد عن ابن القاسم وابن محرز عنه مع أشهب وهي بزيادة قدر أو تعجيل أو عكسه مردودة.
محمد: وكذا شرطها بأمر شركة أو تولية أو إقالة.
اللخمي: من قبض بعض سلمه في طعام لم تجز شركته غيره فيما قبض وما لم يقبض، ويختلف فيما لم يقبض فقط.
اللخمي: ومن أشرك في طعام بعد كيله قبل غيبته عليه غيره فلا كيل له عليه.
وفيها: إن ابتعت سلعة بعينها فلم تقبضها حتى أشركت فيها رجلًا فهلكت قبل قبضه إياها، أو ابتعت طعامًا فاكتلته ثم أشركت فيه رجلًا فلم تقاسمه حتى هلك الطعام فضمانه منكما، وترجع عليه بنصف الثمن.
عياض: أنكرها سَحنون وحكى فضل في التولية أنها من المولى حتى تكتاله وكذلك ينبغي أن يكون من المشرك، وعليه حمل إنكار سَحنون المسألة.
أبو عمرات: لا يعرف هذا إلا من فضل وقول ابن القاسم إنه من المولي بنفس العقد، دخل في ضمانه كمشتري صبرة جزافًا وقد سوى في الكتاب بعد هذا بين التولية والشركة في وجود النقص، قال: على المولى نقصانه، وله زيادته إذا كان من نقص الكيل، وزيادته ليس ذلك للذي ولي، وإن كان كثيرًا وضع عنه بحسابه، ولم يكن عليه ضمان ما نقص، والشركة مثله.
فضل: انظر سوى بينهما في النقص الكثير.
وقد قال في الشركة: لو تلف الطعام قبل قبض المشرك كان منهما، وصوب اللخمي قولها وعزاه لابن حبيب.
ابن محرز: هذه تدل على أن ليس على المشرك أجر الكيل، وكذا ينبغي في الإقالة،
الجزء: 6 - الصفحة: 112
والتولية إذ هما معروف كالشركة، وكذا ينبغي في القرض والهبة، وإن وجدوا زيادة أو نقصا فلهم وعليهم بخلاف البيع ذلك للبائع وعليه إلا أن يشتريه على التصديق فيكون للمشتري وعليه.
قٌلتٌ: إنما يكون للمشتري وعليه المتعارف من ذلك وما زاد علي ذلك فللبائع وعليه، هذا نصها في السلم الثاني لا أعلم فيه خلافًا.
قال: واختلف فيمن وهب أقساطا من دهن جلجلانه على من عصره فيجر على الخلاف فيما ذكرناه، ولم يجعل الطعام في الشركة إن لم يكن قبض ثمنه كالمحتبسة في الضمان، لما كان أصل الشركة، معروفًا وتأول بعض المذاكرين مسألة الكتاب على أن الهلاك ببينة ولو كان بدعواه لجري على الخلاف في المحتبسة، والصواب ما ذكرناه؛ لأنه كما لم يقف الضمان على الكيل؛ لأن أصل الشركة معروف، أحله محل نفسه في عقده، فكذا لا يقف على قبض الثمن.
المازري: فرق ابن حبيب فقال: في الشركة كقولها، وأوجب في التولية والإقالة الكيل على المقيل والمولي إن غابا على الطعام فإن لم يغيبا لم يجب على المقيل، ويجب على المولي ولا وجه لهذه التفرقة.
قُلتُ: في لزوم الكيل بعقد الشركة كالبيع القولان:
أما كيل القسم فبينهما اتفاقًا.
قال ابن محرز: لو شرع في القسم معه فكان له بعض ما أشركه ثم هلك باقي الطعام لرجع الذي لم يكتل بنصف ما اكتال صاحبه قاله محمد عن أشهب، ولو هلك الجميع أو غصب لكان لمن لم يكتل الرجوع على من اكتال بنصفه؛ لأنه ضمنه بكيله غاب عليه أم لا؟.
قلت: قوله: رجع الذي لم يكتل بنصف ما اكتال صاحبه علله المازري بقوله: لأن من صار في يده ما اكتيل إنما يعلم استحقاقه لجميعه بعد كيل ما بقي فإن ضاع ما بقي قبل أن يستحق هو ما في يده بقيا على حكم الشركة في الجميع.
قُلتُ: مقتضاه إنه لو كان معنى مقاسمتهما إن حظ المبتاع هو الباقي بعد كيله لمن أشركه دون افتقار إلى كيله لم يرجع المبتاع على من كال له فيما كاله له بشيء لتعينه له
الجزء: 6 - الصفحة: 113
بكيله، وهو صواب، وقول ابن محرز: لو هلك الجميع لرجع من لم يكتل على من اكتال له بنصفه مشكل؛ لأنه إن أراد أنه يرجع عليه بنصف الثمن، فهذا قد تقدم له عن قرب وخلاف سحنون فيه، وإن أراد أنه يرجع عليه بنصف الطعام المكيل مع تلفه، وهو ظاهر قوله: غاب عليه أم لا فهو وهم، وإن كان المازري قد قبله؛ لأنه إن كان وجب له فلا حق للآخر فيه وإلا فهو بينهما فيجب كونه منهما فلا ضمان عليه فيه للآخر بحال، وتعليل المازري ضمان من اكتيل له حظ صاحبه بقوله، لأنه قبضه لنفسه ليستبد به، وبقي عليه حق التوفية لصاحبه مثل ما صار إليه هو، فلهذا رجع عليه صاحبه إذا ضاع ما لم يكتل، ويضمن هو ما اكتيل لأجل أنه وفى لصاحبه ما عليه من كيل مصادرة؛ لأن إحدى مقدمات ما أتى به دليلاً.
قوله: ويضمن هو ما اكتال إلخ مع إجمال في لفظه؛ لأن ضمير هو وأنه لا يعودان لشخص واحد فتأمله.
ولفظ الشركة نصًا في القدر واضح كأشركتك بثلثه لك ومطلقة كأشركتك، ولك شرك، ولا قرينة في وجوب حمله على المساواة وكونه مجملاً يجب تفسيره.
ثالثها: إن قال: معي.
للمازري عن الأشياخ وله مع اللخمي، عن نقلي ابن سَحنون فيمن قال فيما بيده لفلان فيه شرك أو شرك معي قال: والثاني أصل ابن القاسم قال: من أخذ قراضًا علي أن له شركًا من الربح؛ فهو فاسد فجعله مجملا، وقال غيره: هو جائز على النصف.
قلت: وتمامها في القراض.
وفيها: من قال لرجلين: اشتريا عبدًا أشركاني فأشركاه كان بينهم أثلاثا؛ لأنهما أراد أنه فيه كأحدهما.
ابن محرز: قالوا هذا علي أنه لقيهما معا، ولو لقيهما منفردين لكان له نصفه.
الصقلي: في كونه كذلك وكون نصفه للثالث.
ثالثها: إن لقيهما معا ولو لقيهما منفردين لكان له نصفه لها ولغيرها، وبعض أصحابنا قائلا: لو تفاوت حظ الأولين لكان للثالث نصفه.
اللخمي: علي قولها لو كان المشرك واحدا فللمشرك نصفه.
الجزء: 6 - الصفحة: 114
قال: وقال ابن سحنون أجمعوا علي أنه إن وصل بقولة له شرك الثلث أنه مصدق، وإن قال: هو لي وله أو بيني وبينه وسكت، ثم قال له: الثلث والآخر قال له: النصف، فذكر الخلاف المتقدم.
اللخمي قولة: هو بيني وبينه، وله فيه حق، وله فيه شرك معي، أو دونه سواء، القول قول المقر إذا أراد، فإن خالفه الآخر أخذ ما أقر له به، وتحالفنا في الجزء الذي اختلفنا فيه عل أصل بن القاسم فيكون ذلك الجزء بينهما نصفين إن أقر بالربع وقال الآخر: النصف أخذ الربع بإقراره وتحالفنا في الربع فكان بينهما؛ لأن الإقرار بالربع إقرار منه بأن يد الآخر معه علي العبد، وإن كان في بيت المقر، ولو كان الإقرار بطعام أو دراهم، وقال: كانت الشركة في نصفه هو الذي قبضت وأضفت إليه نصفاً، فالقول قوله، وإن قال: كانت أيدينا علي جمعيه إلا أن الذي لك الربع لم يقبل قوله، وسلم له الربع، واقتسما الربع بعد أيمانهما.
وفيها: ما اشتريت من عرض أو طعام؛ لم يجز أن تشرك فيه قبل قبضه أو بعده أحداً علي أن ينقد عنك؛ لأنه بيع وسلف.
اللخمي: إن نزل فسخ إلا يسقط السلف فإن كان من المشتري قال: اشتر وأشركني وأنقذ عني أو اشتر وأشركني، ثم بعد العقد قال: انقد عني جاز في كل شيء حتى الصرف، والشراء إلي أجل؛ لأن الشراء انعقد عليهما معاً.
المازري: لأن متولي العقد كالوكيل للآخر علي شراء نصف، والوكيل يجوز أن يوكل علي العقد قال: أشركني وانقد عني أو أشركني فلما أشركه قال: انقد عني لم يجز في الصرف، وجاز في العروض وإن لم يكن سلماً في ذمة أشركه بشرط النقد أو تطوع به بعد أن أشركه، وإن كان سلماً فأشركه علي أن ينقد عنه لم يجز، وإن أشركه بغير شرط ثم رضي أن ينقد عنه جاز، والجواب في الصرف صحيح؛ لأن الشركة في هذه الوجوه كابتداء بيع والتطوع بالصبر في الصرف لا يجوز، ومحمل قوله في العروض سلماً في ذمته يمنع الشركة بشرط النقد علي القوا في التولية أنها لا تجوز إلا أن ينقد ويجوز علي القول الآخر بتأخير النقد اليومين والثلاثة كرأس
الجزء: 6 - الصفحة: 115
مال المسلم.
المازري: إنما لم تجز الشركة في العروض سلماً في ذمة بشرط أن ينقد عنه؛ لأن الجزء الذي أنعم له بالشركة به بيع له منه، ولبيع الدين لا يجوز تأخير ثمنه، وقاله في المدونة.
وتقدم عن الموازية جواز شرط تأخيره اليوم واليومين كرأس مال السلم، وكذا الحكم هنا، وأما إن سأله في الشركة فأنهم له قم سأله النقد عنه فهذا ينبغي منعه لما أشرنا إليه من كون ثمن الدين لا يجوز تأخيره ولو بغير شرط في العقد.
اللخمي: أما الطعام فقال: إن كان حاضراً لم يجز أن يشركه علي أن ينقد عنه، وإن أشركه بغير شرط ثم قال: انقد عني ولم يكن الأول نقد جاز، وإن كان نقد لم يجز.
ولاين القاسم أيضاً: لا بأس إذا سأله بعد أن بنقد عنه ولم يراع نقد الأول أولاً، وعلل المازري منع أن يشركه علي أن ينقد عنه بكون الثمن المؤخر أقل قيمة من الثمن النقد، فصارت الشركة علي خلاف رأس المال ووجه منع قوله: انقد عني بعد أن أشركه، وقد نقد بقوله: كأنها اتهما علي أنهما أبطلا عقد الشركة علي شرط النقد وأظهرا خلاف ذلك.
قلت: الأصوب توجيهه بأنها شركة في طعام علي تأخير ثمنه فهي شركة علي خلاف رأس المال، وقوله: انقد عني مع كونه قد نقد مجاز عن قوله: أخبرني.
اللخمي: وإن كان طعاماً سلماً لم تجز الشركة إلا أن ينقد بالحضرة.
قال ابن القاسم: كالصرف جرفاً بحرف.
المازري: في الموازية: إن أشركه ثم سأله أن ينقد عنه لم يجز إن كان نقد حميه الثمن وإن لم ينقد فمنعه في وضع وأجازة في آخر، ورأي أنه لما أشركه قبل نقد ثمنه، فكأنه عقد المسلم شرط بينهما حتى صار كوكيل له، وهذا تقرير لا يتضح؛ لأن ثمن الطعام إنما وجب علي مشتريه لا علي المشرك.
اللخمي: وإن كان الطعام غائباً لم يجز فيه شرك ولا تولية وإن كان معيناً؛ لأنه دين بدين.
قال محمد: إلا أن ينقد حصته.
قلت: في كتاب المرابحة: سمع يحيى بن القاسم: لا يجوز لمن اشترى طعاماً بعينه
الجزء: 6 - الصفحة: 116
غائبًا غيبة قريبة أن يولي منه أحدًا ولو لمن رآه كما رآه المشتري أو وصف له كما وصف للمشتري.
ابن رُشْد: إنما لم يجز لاختلاف الذمم؛ لأن المشتري لم ينقد؛ إذ لا يجوز نقده لغيبة الطعام ومعنى قوله: غيبة قريبة مما لا يجوز النقد فيه، وكذا ذكره ابن حبيب إنما لم تجز إن كانت غيبة بعيدة أو يكون قوله هذا على منع النقد في الغائب، وإن قربت غيبته، وهذا أشبه بظاهر الكتاب، والخلاف الذي في مسألة من اشترى طعامًا بثمن مؤجل فلاه رجلًا قبل استيفائه داخل في هذه المسألة.
وفي التفسير الأول سألت ابن القاسم لم كره مالك التولية في الطعام الغائب المعين؟ قال: لأنه دين بدين؛ لأنه وجب للمشتري وهو أحق به من البائع إن سلم فهو كدين له، فإذا ولاه لم يجز النقد فيه فصار دينًا بدين، وكذا لو استقال منه دخله الدين بالدين، والتولية أحرى أن يدخلها الدين بالدين، وكذا البيع لا يجوز بين البائع والمشتري في ذلك إقالة، ولا بيع في عرض ولا طعام لما يدخله من بيع الطعام قبل أن يستوفي الطعام، ولا بأس في العروض أن يبيعها المشتري أو يوليها أو يشرك فيها.
ابن رُشْد: وهذا الذي وقع في التفسير متناقض غير صحيح قال: أولًا تولية الطعام الغائب يدخله الدين بالدين، ولو كان دينًا بدين لكان بيع السلعة الغائبة دينًا بدين فلم يجز بيع الغائب الذي لا يجوز النقد فيه بحال ولو كان دينًا بدين لم يجز في العروض وهو قد أجازه فيها في أحد قوليه وأجاز فيها الشركة والبيع أيضًا.
وقوله: إنما لا يجوز ذلك في الطعام؛ لأنه بيع الطعام قبل استيفائه، وهذا تناقض بين؛ لأنه قال: أولا يدخله الدين بالدين، وقال آخرًا: إنما يدخله بيع الطعام قبل استيفائه، ولا يتصور دخول بيع الطعام قبل استيفائه إلا على ما ذكرناه من خلاف الذمم.
وقوله: أحرى أن لا تجوز التولية، وهم؛ لأن الإقالة يدخلها فسخ الدين في الدين لوجوب الثمن للبائع على المبتاع ولأخذ سلعة غائبة عنه، والتولية لا يدخلها شيء من ذلك؛ لأنها بيع من غير الذي اشتراه منه قبل أن يقبضه فكذلك يجوز له أن يولي الطعام الغائب قبل أن يقبضه إذا انتقد من الذي ولاه مثل ما نقد فلا وجه لكراهة مالك تولية
الجزء: 6 - الصفحة: 117
الطعام الغائب سوى ما ذكرناه.
باب بيع المساومة
والبيع باعتبار طريق ثمنه إن علم قدره أقسام بيع مساومة وبيع مزايدة، وبيع استرسال واستئمان وبيع مرابحة؛ لأنه إن لم يتوقف ثمن مبيعه المعلوم قدره على اعتبار ثمنه في بيع قبله، فهو مساومة.
[
باب المرابحة
] وإن التزم مشتريه ثمنه لا على قبول زيادة عليه فهو مرابحة.
باب المزايدة
ومزايدة إن التزامه على قبولها.
باب الاستيمان
واستيمان إن كان على صرف قدره لعرف علمه أحدهما.
الجزء: 6 - الصفحة: 118
عياض: أحسنها الأول لا تدخله دلسة التبريح وهو إدخال سلعة قديمة يرى ربها أنها طرية.
ابن القاسم: أو إدخال غير مجلوب فيه مالك أو غير تركة فيها.
قُلتُ: ومنه إدخال بعض أهل السوق بعض ما بحانوته للنداء عليه لوارد على السوق.
عياض: بيع الاسترسال والاستمانة: هو أن يأتي الجاهل بقيمة السلعة وسعر الناس لمن يقول له أعطني بهذا الدينار أو الدرهم، كذا ويرد إذا أعطاه أكثر من سعر الناس إن لم تفت فإن فاتت ردت لسوم الناس قاله ابن حبيب وقصره على المشتري دون البائع، وأجراه غيره فيه، وسمع عيسى ابن القاسم من قال لبائع: بعني كما تبيع من الناس لم يصلح يفسخ إن كان قائما ويرد مثله إن كان مثليا وإلا رد قيمته.
ابن رشد: لأنه بيع بثمن مجهول ولو قال: بعني كما تبيع من الناس فقال له: أبيع بكذا وكذا، فقال: قد أخذت، وقال الآخر: وأنا قد بعتك جاز، فإن كذبه فيما قال له فله الخيار في القيام، ورد القيمة في الفوت، وفي المقدمات: بيع الاسترسال: أن يقول: اشتر مني سلعتي كما تشتري من الناس فإني لا أعلم القيمة فيشتري منه بما يعطيه من الثمن.
وقال ابن حبيب: غنما يكون في الشراء أن يقول: بع مني كما تبيع من الناس لا في البيع، ولا فرق بينهما وليس قوله بصحيح قاله ابن رشد، في أول كتاب المرابحة وفي آخره.
قلت: ففي كون بيع الاسترسال الشراء أو البيع على عرف الناس في قدر البيع أو ثمنه دون تعيينه في العقد أو مع تعيينه طريقان لظاهر لفظ عياض، ونص ابن رشد مع سماع عيسى ابن القاسم بناء على أن الاسترسال والاستئمان في نفس القدر أو في كونه على عرف الناس وأكثر بياعات سوق العطارين في بلدنا على الوجه الأول وإن توقف اعتبار ثمنه على ثمن بيع قبله فهو بيع مرابحة.
الجزء: 6 - الصفحة: 119
باب المرابحة
المرابحة: بيع مرتب ثمنه على بيع يعقبه غير لازم مساواته له، خرج
الجزء: 6 - الصفحة: 120
بالأول بيع المساومة والمزايدة والاستئمان، وبالثاني الإقالة والتولية والشفعة، والرد بالعيب، على كونه بيعًا، والمذهب جوازه.
وقال المازري: لمنعه إن افتقر إدراك جملة اجزاء الربح لفكرةٍ حسابية ورد المازري تعليل ابن راهويه فساد هذا البيع بجهل مبلغ ثمنه بمنع جهله للعلم بتفصيله عقب العقد، قال: كبيع الصبرة كل قفيز بدينار وإن كان المثمون لا يعلم إلا في ثاني حال، وقد يقال في هذا عندي الصبرة أجاز الشارع بيعها جزافًا على الحزر، وهذا الحرز يحصل في بيعها كل قفيز بدينار وثمن السلعة لا يصح بيعها إلا بعمله.
قلت: يرد هذا التفريق بأن جهل جملة الصبرة المبيعة كل قفيز بدينار ملزوم لجهل ثمنها فكذا يجهل الثمن في المرابحة، فإن قلت هل يتخرج فساده من الشاذ في منع بيع الصبرة كل قفيز بدينار؟
قلت: فيه نظر؛ لأن علم ثمن المرابحة تحقيقًا هو لازم علمه، بعبارة ربح كذا كذا وضيعة كذا كذا، ففي عده معتقدًا باعتقاده خلاف مشهور في مسألة التكفير بالمآل، وعلم ثمن الصبرة تحقيقًا متوقف على فعل كيلها، وما لا يعلم إلا بفعل ما هو قبل الفعل مجهول اتفاقًا.
باب صيغة قدر الربح والوضيعة
وصيغة قدر الربح والوضيعة ما دل عليه ظاهرًا عرفًا فربح كل عدد، مفسره إن لم يفضله، وإلا ففضله لنقل عبد الحق عن أبي عمران في ربح العشرة درهمًا أو أحد عشر، الربح درهم.
ونقل ابن محرز عن ابن سحنون في بربح العشرة عشرة الربح عشرة وتقريره في
الجزء: 6 - الصفحة: 121
الفاضل بحذف مضاف للمفسر هو فضل أو بعرف تقرر، وقول المازري في بربح العشرة خمسة يأخذ ثلث رأس المال، أو يخسره، خلاف قول أبي عمران ومقتضاه نصف رأس المال.
باب في قدر الوضيعة
وقدر الوضيعة، ظبطه المازري مع ابن محرز والصقلي بأن يوضع من الثمن وقدر الوضيعة الجزء المسمى للخارج من تسمية العدد الثاني منه مع الأول إن لم يكن الثاني أكثر، وإلا فمن تسمية الزائد منه مع الأول.
الصقلي: إن قال بوضيعة العشرة واحدًا وضع من الثمن جزءًا من أحد عشر، وإن قال: للعشرة اثنين وضع من الثمن سدسه وللعشرة خمسة وضع من الثمن ثلثه تنسب العدد الثاني منه مع الأول، ومثل ذلك الجزء يحط من الثمن، وإن قال بوضيعة العشرة أحد عشر نسبت الزائد على الأول منهما فيحط من الثمن جزء من أحد عشر، وإن قال: للعشرة اثنا عشر حط من الثمن سدسه، وإن قال: للعشرة خمسة عشر حط ثلث الثمن.
ولابن محرز: إن كان الثاني أقل فللخارج من تسميته من الأول، وله عن أحمد بن داود إن كان الثاني أكثر، فللخارج من تسمية الزائد من الأول مع الثاني لنقله عنه في: بربح العشرة أحد عشر يسمي واحد من أحد وعشرين قال: والصواب ما ذكرناه وقول المازري أخيرًا في: بربح العشرة درهمين الربح سدس المال، وبوضعية العشرة درهمين الخسارة سدس رأس المال وفي: بربح العشرة خمسة يأخذ ثلث رأس المال أو يخسره نص في قدر الربح والوضيعة من الثمن سواء، وقول المازري أولًا مع الصقلي وابن محرز في ربح العشرة أحد عشر لكل عشرة نقدت أحد عشر تنقد، وفي الوضعية كذلك لكل أحد عشر نقدت عشرة، تنقد مقتضاه قدر الربح من الثمن أعظم من قدر الوضيعة منه، لأبي حفص العطار: للعشرة أحد عشر، سواء في الربح والوضيعة لأنه إنما جعله قالبًا وإلا ففيه بعض اختلاف، أما الربح فبين، وأما الخسارة فتقريره أن يحط جزء من أحد عشر جزءًا من الثمن كالوصية بشراء عبد فلان إن كانت قيمته ثلاثين زيدت عشرة، وهي ربع الجميع ووصيته ببيعه منه يحط منه عشرة، فالحطيطة ثلث
الجزء: 6 - الصفحة: 122
الثمن، والزيادة ربعه، ولابن بشير في بوضيعة العشرة أحد عشر طريقان: يأخذ عن كل أحد عشر عشرة؛ لأن الربح ضد الخسارة والأخرى تقسم العشرة على أحد عشر جزءًا فيحط ذلك الجزء من الثمن، وعلله بعض المتأخرين بأنها لفظة فارسية تفسيرها ما قلنا، قال: واتفقوا في بوضيعة العشرة عشرين على أنه يأخذ عن كل عشرين عشرة وتبعه ابن شاس معبرًا عن الطريقين بقولين.
ابن الحاجب: لو قال بربح العشرة أحد عشر بزيادة عشر الأصل، وبوضيعة العشرة أحد عشر فينقص جزء من أحد عشر من الأصل على الأصح، والعشرة عشرون باتفاق ففسر ابن عبد السلام مقابل الأصح بثاني القولين قال: ومرجعهما لقول واحد؛ إذ لا فرق بين قسم كل الثمن على أحد عشر أو قسم كل عشرة، قال: ويمنع تفسير مقابل الأصح بوضع عشر الثمن أنه في المواضع التي نقل المؤلف منها منصوص بمعنى ما فسرنا.
قلت: حاصله أنه قصر تفسير قول ابن الحاجب على ما نقله ابن بشير وابن شاس وإن ما ذكراه من القولين يرجعان لقول واحد، أما الأول فغير لازم إذا كان ظاهر لفظه خلافه سالمًا عن مخالفته نص اتفاق في المذهب وهو كذلك هنا حسبما يبين إن شاء الله.
وأما الثاني فالأصل في تعداد الأشياخ والنقلة الأقوال إنها متغايرة ولاسيما إذا توارد على ذلك عدة منهم كما في المسألة، وما ادعاه من رجوع القولين لقول واحد غير لازم لجواز تغايرهما بأن الأول يقتضي أن الوضيعة إنما تترتب في الثمن على أقدار منه مخصوصة هي على القول الول: أحد عشر، وعلى الثاني: عشرة، فإن كان الثمن ثلاثة وثلاثين ونحوه مما هو منقسم على أحد عشر فقط ترتبت الوضيعة على جميعه على القول الأول وعلى القول الثاني إنما تترتب على ثلاثين منه فقط، أو على المنقسم على عشرة من غيره وإن كان ثلاثين ونحوه مما هو منقسم على عشرة فقط ترتبت على جملته على القول الثاني وعلى القول الأول إنما تترتب على اثنين وعشرين منه فقط وعلى ما ينقسم على أحد عشر من نحوه فإن كان الثمن ينقسم على عشرة وعلى أحد عشر اتخذ قدر الوضيعة على القولين: ظاهر لفظ ابن الحاجب عندي أن مقابل الأصح هو وضع عشر الثمن لقرينة تقدم ذكره في الربح.
الجزء: 6 - الصفحة: 123
المازري: لو قال بوضيعة العشرة عشرة فظاهر هذا الاستحالة فيصرف إلى ما تشبه إرادته كأنه، قال: أبيعك بوضيعة نصف المال فإن كان الثمن عشرين فكأنه قال بوضيعة نصفها، وسبقه به ابن محرز، وعزاه عبد الحق في تهذيبه لابن الكاتب مقررًا له بكلام طويل حاصله وجوب نسبة عشرة الوضيعة للمجموع منها، ومن العشرة الموضوع منها لامتناع حمل اللفظ على ظاهره.
ونقل ابن بشير وتابعيه الاتفاق في بوضيعة العشرة عشرين: أن الوضيعة نصف الثمن خلاف مقتضى ما نقله ابن محرز عن أحمد بن داود في بربح العشرة أحد عشر، يقال: كم واحد من أحد وعشرين؟ ومقتضى قول ابن داود أن يقال: كم عشرة من ثلاثين؟ فتكون الوضيعة الثلث.
باب فيما يحسب له الربح من عوض المبيع
والثمن ما دفع عوضًا عن المبيع لعقد بيعه عليه، وثمن ما زيد فيه، وله عين قائمة مثله فيها كالصبغ والخياطة والقصارة.
الشيخ عن الموازية وغيرهما: والخياطة.
وفي الواضحة: والكمد والفتل والطرز.
عياض: لم يبين في الكتاب فيما يحسب في الثمن ويربح له هل يلزم بيانه أو يجعل في الثمن دون بيان فقال سحنون: لا بد من تفصيله بقول: اشتريتهما بكذا وصبغتهما بكذا وإلا لم تجز وترد إن كانت قائمة إلا أن يرضاها المشتري فإن فاتت مضت ولم ترد إلى قيمة.
قال محمد وابن حبيب: لا يلزمه بيانه، واختاره التونسي قال: كمن اشترى سلعتين بثمنين فباعهما بذلك مرابحة، وأجمل ثمنيهما وظاهر الموطأ كقول سحنون.
قلت: لما ذكر في المقدمات قول سحنون، قال: كان القياس إذا خيره في القيام أن يرده في الفوت إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن على مذهب ابن القاسم في مسائل الغش والخديعة أو القيمة على قول سحنون يوم قبضها ما لم تكن أكثر من الثمن الذي اشتراها به أو أقل من قيمتها يوم ابتاعها على أصل مذهبه في مسائل المرابحة.
الجزء: 6 - الصفحة: 124
اللخمي: ليس عليه أن يبين في الصبغ فيما يشتري له إلا أن يكون بأر عليه أبيض فصبغه فيلزم بيانه، ويلزم البيان في الخياطة لأن الناس يكرهون السوقي من الخياطة، ولأن المشتري يظن أنه اشترى مخيطًا؛ لأنه الشأن فيما اشترى قائمًا ثم قطع وخيط أنه يحط ثمنه، فالمشتري يظن أنه كان ذا ثمن فخسر فيه إلا أن يكون المشتري ممن لا يخفى عليه ذلك فلا يلزم بيانه.
وفيها: يحسب كراء الحمولة، والنفقة على الرقيق والحيوان في الثمن ولا يحسب له ربح إلا أن يربحه عليه فأطلقه الصقلي وابن رشد وغير واحد.
وقال اللخمي: لأن النقل من بلد إلى بلد أغلى يزيد في الثمن، ولو كان سعر البلدين واحدًا لم يحسب، ولو كان سعر البلد المنقول إليه أرخص وأسقط الكراء لم يبع حتى يبين قلت: تقييده بكون سعر المنقول إليه أعلى يرد بأن النقل للتجر مظنة لذلك ولا يبطل اعتبار المظنة بقوت الحكمة على المعروف، وقال في النفقة: يريد ما لم تكن غلة تفي بالنفقة فإن كانت الغلة أقل حسب ما بقي.
وفيها: لغو جعل السمسار وكراء البيت وأجر الشد والطي.
ابن محرز: ألغى الشد والطي؛ لأن الغالب أن رب المتاع يلي ذلك بنفسه ولو علم أنه أمر يحتاج إلى النفقة لحسب كالنفقة على الحمل وعلى الرقيق ولا يحسب لها ربح، قال: وإلغاء السمسرة؛ لأنه ليس كل من يشتري يحتاج إلى سمسار، ولو علم ذلك لكان القياس عندي أن تكون كالصبغ، وقاله عبد الوهاب في التلقين وللباجي عن الشيخ: إن كان من المتاع ما يعلم أنه لا يشتري إلا بسمسار في العادة واكترى منزلًا لحفظ المتاع فقط لحسب في الثمن ولم يضرب له ربح.
قلت: ففي اعتبار السمسرة إن افتقر إليها المشتري كالثمن أو يحتسب ولا ربح بها، ثالثها: لا تعتبر لابن محرز وابن رشد مع الشيخ وظاهرها، وفي لغو كراء المحل مطلقًا واعتباره إن اضطر إليه دون ربح قولها وقولهما.
عبد الحق: لو ولي المشتري الطرز أو الصبغ لم يجز أن يحسبه؛ لأنه كمن وظف على سلعة ثمنًا، وإنما معنى ما في الكتاب إذا استأجر على ذلك،
وفيها: إن ضرب الربح على الحمولة ولم يبين ذلك فات المتاع بتغير سوق أو بدن
الجزء: 6 - الصفحة: 125
حسب ذلك في الثمن ولم يحسب له ربح وإن لم يفت رد البيع إلا أن يتراضيا على ما يجوز.
الباجي عن سحنون: إن رضي البائع بحط ما لا يلزم من الربح والثمن لزم ذلك المبتاع وإن فات، فقال مالك في الموطأ: يحط منه ما زاد عليه، وقال سحنون: على المبتاع القيمة إلا أن تكون أكثر من الثمن الأول فلا يزاد، وأقل منه بعد طرح ما ذكرنا فلا ينقص.
قلت: في النكت.
قال ابن عبدوس: معنى المسألة ما ذكر سحنون، وإنما لم يذكر القيمة إذا فاتت؛ لأنها أقل بعد طرح ما يجب طرحه أو مثله.
قال عبد الحق: هذا واضح سواء حسبه عامدًا أو جاهلًا، وعزا عياض الأول لتأويل أبي عمران المدونة والموازية والواضحة، قال: وإليه نحى التونسي والباجي وابن محرز واللخمي، وأنكره ابن لبابة.
ابن زرقون: قال ابن رشد: الصواب فسخ هذا البيع لجهل المشتري الثمن، وفيها إلا أن يعلم البائع من يساومه فذلك فإن أربحه بعد العلم بذلك؛ فلا بأس به.
عياض: ظاهره: إن أطلق ضرب الربح على ما له ربح دون ما لا ربح له، وهذا غرر وجهل بحقيقة الثمن؛ إذ لا تخلو مسائل المرابحة من خمسة أوجه:
الأول: أن يبين كل ما دفع فيها ما يحسب وما لا يحسب مفصلًا أو مجملًا، وشرط الربح للجميع صح ولزم المبتاع، ولو فيما لا يحسب وهو معنى قوله في الكتاب: إلا أن يربحه على ذلك فلا بأس به.
الثاني: أن يبين ما يربح له وما لا يحسب جملة وضرب الربح على ما يجب له فقط صح.
الثالث: إن أبهم كل ذلك جملة كقوله قامت بكذا أو ثمنها كذا أو أربح للعشرة درهمًا فسد لجهل المبتاع الثمن وهو ظاهر المدونة ومقتضى أصولهم وفي الواضحة إجازة مثل ذلك إذا عاقده على المرابحة، للعشرة أحد عشر ولم يفسر ما لزمه ولا فضه.
قال فضل: تفسيره أنه جعل كل الأشياء في أصل الثمن وضرب عليها.
الجزء: 6 - الصفحة: 126
الرابع: إن أجمل النفقة مع الثمن كقوله: قامت على بمائة بشدها ورقمها وطيها وحملها، أو فصلها عن مجملة فيقول: منها عشرة في مؤنة، فسد لجهل الثمن، وفسخ قاله ابن سحنون، وغيره.
وفي الموازية: جواز مثل ذلك في هاتين الصورتين قال: ويعمل فيه على التحقيق فيما يحسب وما لا يحسب وفيه ظلم على البائع بطرح ما لا يحسب وصار أسوأ حالًا من الكاذب؛ لأنهم جعلوا له القيمة ما لم تكن أكثر من الثمن الصحيح.
وتوجيه بعضهم قول محمد بأن ما يلزم في مؤنة السلعة غير خافٍ قدره وإن خفي منه شيء فيسير، ويسير الغرر مغتفر بعيد؛ إذ ليس كل أحد يعرف هذا، ولو صح هذا، لصح الشراء على القيمة؛ إذ لا تخفى على التجار، وذلك فاسد إجماعًا، وأقرب ما يوجه به أنهما دخلا على اعتقاد أن ما سيما هو الثمن عندهما، ورجوعهما إلى ما يجب كعيب أو استحقاق طرأ على العقد، فإن قيل البائع يعلم ذلك والمشتري يجهله.
قلت: في علم أحد المتبايعين بالفساد خلاف تقدم أخذه من كتاب الصرف.
الخامس: أن يذكر ما دفع فيها مفسرًا كقوله: هي بمائة رأس المال منها كذا، وفي الصبغ كذا وفي الحمل كذا، وفي الشد والطي كذا، ويبيع على ربح العشرة أحد عشرًا أو للجملة أحد عشر ولم يبينا ما يربح له ولا ما يحسب، وما لا يحسب فمذهبهم جواز هذا وفض الثمن على ما يجب وإسقاط ما لا يحسب وفيه نظر؛ لأنهما قد يجهلان الحكم فيما يحسب وما لا يحسب فتقع الجهالة في الثمن، وأشار إلى هذا أبو إسحاق في ظاهر كلامه، ولعل قولهم بالجواز؛ لأنهما ظنا أن هذا هو الحكم ولم يقصدا فسادًا، فيجب ذكر ما لو علم قلت غبطة المشتري.
فيها: لو رضي عيبًا اطلع عليه، لم يكف بيانه حتى يذكر شراءه على السلامة منه، ويجب بيان تأجيل الثمن فإن باع بالنقد دونه رد ولو قبلها المبتاع بالثمن لذلك الأجل إلا أن تفوت فتجب قيمتها يوم القبض ما لم تزد على الثمن معجلة دون ربح لها.
عبد الحق: عن بعض شيوخه من غير القرويين قوله: إن قال المشتري: أقبلها بالثمن إلى الأجل لا خير فيه، ولا أحبه، إنما يعني إذا فاتت السلعة لفسخ القيمة الواجبة بالفوت في أكثر منها فهو حرام، وقوله: لا خير فيه: ربما وقع له مثل هذه
الجزء: 6 - الصفحة: 127
العبارة فيما هو حرام.
قال: وفي الموازية في هذه المسألة قوله: ليس له ذلك إنما ذلك إن كانت السلعة قائمة.
عبد الحق: هذا خلاف نقل الشيخ في مختصره؛ لأنه جعل ما في المدونة والموازية شيئًا واحدًا.
وقال بعض شيوخنا من القرويين: إنما قال: لا خير فيه إذا كانت قائمة؛ ووجهه: أنه لما كان له رد السلعة صار التأخير للأجل إنما اتفقا عليه لأجل ترك القيام الذي كان له فهو سلف جر نفعًا كمن ترك رد سلعة بعيب لتأخيره البائع بثمنها، ولما ذكر اللخمي هذا التعليل من عند نفسه قال: وهذا أصل أشهب إن الصلح مع القيام، شراء مرجع، وأرى إن قال له البائع حين قام ليرد لا ترد وأؤخرك بالثمن لم يجز، وإن قال المشتري: رددت فقال له: أقبلها وأصبر عليك؛ جاز.
الصقلي: محصولها ثلاثة أقوال:
القول بفسخه إن كانت قائمة، وإن فاتت ففيها الأقل من الثمن أو القيمة.
وقول ابن سحنون عن أبيه يقوم الدين بنقد إن كان عشرة فقوم بثمانية فهي كمسألة كذب له قيمتها ما لم تجاوز عشرة وربحها أو تنقص من ثمانية وربحها.
وقول: إنها مسألة غش يخبر المبتاع في قيامها في أخذها بما ابتاعها به نقدًا وردها، وفي فوتها الأقل، قاله ابن عبدوس وهو أبينها، وقاله ابن حبيب.
ابن محرز عن يحيى بن عمر له الأكثر من القيمة أو الثمن، والمذاكرون على قول محمد له الأقل منهما، ومنهم من احتج بقوله في الكتاب ليس له إلا ذلك بلفظ التذكير، والثمن مذكر، ولو أراد القيمة لقال ليس له إلا هي أو إلا تلك، وهذا ليس بصحيح؛ لأن التذكير باعتبار الشيء المذكور.
قلت: فقول يحيى بن عمر رابع الأقوال الصقلي.
ابن محرز: وقول اللوبي: قوله: لا خير فيه؛ لأن السلعة فاتت فلزمته قيمتها ففسخها في الثمن للأجل فسخ دين في دين صحيح إن اختلف جنس الثمن والقيمة
الجزء: 6 - الصفحة: 128
وإن اتفقا والثمن أكثر كان سلفًا جر نفعًا، ولو كان مثلها فأقل جاز، وليس هو معنى ما في الكتاب، ومعناه: أن السلعة قائمة لقوله: أقبلها ولا أردها.
عياض: في كونه بيعًا فاسدًا يجب فسخه أو صحيحًا، ومعنى قوله: مردودًا أي: إن شاء المشتري وإلا فله الرضاء به، ثالثها: هي مسألة كذب وقيمة المؤجل نقدًا الثمن، الصدق لبعض الشيوخ وابن أبي زمنين قائلًا: هذا قول ابن القاسم وابن الكاتب، وابن لبابة وابن عبدوس وأبي عمران، والواضحة وسحنون.
ورابعها: لبعضهم له الرضاء به في القيام لا في الفوت؛ لأنه فسخ دين في دين أو صرف مؤخر أو سلف بزيادة، وعلى الأول إن فات ففي لزوم قيمتها مطلقًا أو الأكثر منها ومن الثمن.
ثالثها: الأقل منهما للقابسي، ويحيى بن عمر.
والموازية: مع اختصار الشيخ وابن شبلون واللوبي، ومعظم الشيوخ.
وفيها: إن اشترى بنقد ثم أخر بالثمن لم يبع حتى يبين.
ابن محرز: إن لم يبين فهو كمن اشترى بدين وباع بنقد.
وفيها لابن القاسم تعليلًا؛ لأن الطري عند التجار ليس كما تقادم، هم في الطري أرغب وأحرص، وهو أنفق.
وقال مالك: إذا تقادم مكث السلعة لم يبع مرابحة حتى يبين زمن اشترائها.
الصقلي عن ابن حبيب: إن طال مكثها فليبين وإن لم يحل سوقها فإن لم يفعل وفاتت، رد إلى القيمة، ولابن رشد في ثاني مسألة من المرابحة تحصيلها: إن طال مكث المتاع عنده فلا بيع مرابحة ولا مساومة حتى يبين وإن لم تحل أسواقه؛ لأن التجار في الطري أرغب وأحرص؛ لأنه إن طال مكثه حال عن حاله وتغير، وقد يتشاءمون بها لثقل خروجها.
قلت: ونحوه للصقلي والمازري وابن محرز وابن حارث، وغيرهم وثاني قولي ابن الحاجب: وفي طول الزمان قولان لا أعرفه، وقبله ابن عبد السلام ولم يعزه ابن رشد إن باع مرابحة أو مساومة بعد الطول ولم يبين فهي مسألة غش يخير المبتاع في القيام ويغرم الأقل من الثمن أو القيمة في الفوت.
الجزء: 6 - الصفحة: 129
وفيها لمالك: لا تبع ما اشتريت مرابحة إذا حالت الأسواق إلا أن يبين.
قلت: فإن حالت بزيادة أيجوز لي ولا أبين؟ قال: إنما قلت لنا: إذا حالت الأسواق إلا أن يبين قلت فإن حالت بزيادة إلا أن يبين قلت فإن حالت بزيادة ولم يذكر بزيادة ولا نقصان، وأعجب لي أن لا يبيع حتى يبين، وإن كانت الأسواق قد زادت؛ لأن الطري عند التجار إلخ ما تقدم تعليلًا.
الصقلي عن ابن حبيب: إن حال السوق بزيادة عن قرب لم يبين وإلا بين فإن لم يبين فللمبتاع الرد فإن فات رد القيمة.
قلت: يريد إن كانت أقل مما دفع.
ابن رشد: إن باع مرابحة، وقد حالت الأسواق بنقص ولم يبين، ففي كونها مسألة غش أو كذب، ثمن الصدق فيه قيمتها يوما للبيع قولا ابن القاسم وسحنون وفي قوله نظر، والقياس إذا حكم له بحكم الكذب أن تقوم السلعة يوم اشتراها البائع، وتقوم يوم باعها هذا البيع ويسمى ما بين القيمتين من أكثرها ويحط ذلك الجزء من الثمن فما بقي بعده فهو الثمن الصحيح إن لم تفت السلعة، خير المبتاع في الرد والإمساك إلا أن يلزمه البائع إياها بما قلنا: أنه الثمن الصحيح وإن فاتت ولم يردها البائع للثمن الصحيح ففيها القيمة إلا أن يكون أكثر من الثمن الذي باع به فلا يزاد عليه أو يكون أقل من الثمن الصحيح فلا ينقص منه وللصقلي عن العتبية والموازية: إن حال سوق السلعة فلا يعجبني أن يبيع مرابحة إلا أن يتقارب ذلك، يريد محمد من اختلاف الأسواق قال: ولسحنون في كتاب ابنه إن لم يبين حوالة الأسواق وهي قائمة خير في ردها ليس للبائع أن يلزمها له فإن فاتت فالقيمة ولا يزاد في ثمن ويمضي البيع بالثمن كله ثم رجع سحنون إلى أنه إن حالت الأسواق بزيادة فلا قيمة وتمضي بالثمن وإن حالت بنقص فهي مسألة كذب وذكر ما تقدم لابن رشد عنه.
قال: وقال ابن عبدوس: هي مسألة غش.
قال الشيخ: وهو أصح.
قلت: ففي كون ما كتم حوالة سوقه بالنقص غشا أو كذبا ثمنه صدقًا، قيمته يوم شرائه أو الباقي من ثمنه بعد طرح جزئه المسمى للخارج من تسمية فضل إحدى قيمته
الجزء: 6 - الصفحة: 130
يوم شرائها مبتاعها ويوم شرائها بائعها عن الأخرى من كبراهما.
رابعها: للمبتاع ردها قائمة، ويلزمه ثمنها كاملًا فائتة لابن رشد عن ابن القاسم مع الشيخ وابن عبدوس، وابن رشد والصقلي عن ثاني قولي سحنون وابن رشد عن قياس قوله هذا، والصقلي عن أول قولي سحنون.
وفيها: من ابتاع حوائط أو الغلة أو حيوانًا أو ربعًا فاغتل وحلب الغنم فلا بيان عليه؛ لأن الغلة بالضمان إلا أن يطول الزمان.
عياض: نقل ابن المنذر عن مالك: لا يبيع من اغتل حتى يبين وهم غير معروف من مذهبه وأصوله.
وفيها: يبين صوف الغنم إن جزه؛ لأنه إن كان يوم الشراء تامًا فله حظ من الثمن وإلا فهو لا يثبت إلا بعد مدة يتغير فيها.
ابن محرز عن ابن سحنون: إن لم يبين فهي مسألة كذب ثمن صدقها ما بقي من الثمن بعد طرح مناب الصوف منه، وذكر اللخمي كأنه المذهب غير معزو، وقال: وإن حدث الصوف عند المشتري ثم جزه فلا مقال للمشتري من أجل الصوف، وينظر لانتقال سنها إن كانت جذعة فصارت ثنية لم يبين إن لم تتغير بنقص سوق ولا كانت تعرض فبارت وإن كانت رباعًا فهرمت بين أبو عمران: إن لم يبين أنه جز صوفها الذي عليها يوم ابتاعها دخلها التوطيف على القيمة بتقويمه على قول ابن سحنون يجب فيها الأقل من القيمة أو الثمن الذي يقع عليها من القيمة على العدل وللبائع أن يلزمها له بذلك.
وقال ابن عبدوس: ليس للبائع أن يلزمها إياه بثمن؛ لأن شراء الجملة تراد فيه كما قال في جملة الثياب.
ابن العطار: إن قال البائع: أدفع إليك الصوف لم يجب المبتاع عليه، وإن حط ما يقابله من الثمن لزمه.
وفيها إن ولدت الغنم لم يبع حتى يبين، ولو باعها بأولادها وكذا الأمة.
اللخمي: لم يذكر هل كان بها حمل أم لا وأرى إن كان بها حين الشراء، وهي قريبة الوضع فلا بيان عليه إن باعها بأولادها؛ لأن المشتري لا يكره ذلك وهو في الأمة أبين؛
الجزء: 6 - الصفحة: 131
لأنها تباع أولًا ببخس لما يخشى من موتها وإن حملت بعد الشراء أو كانت بعيدة وضع الحمل بعد الشراء، الجواب في الغنم كما تقدم لأن المشتري لا يكره ذلك والولد زيادة وإنما يعتبر طول العقد، وانتقال سنها فإن لم يتغير السوق، ولا كان يعرضها فبارت وانتقل سنها لأفضل يبين وإن انتقل لأبخس لزم البيان، والأمة تحمل بعد الشراء عيب، وإن كانت حاملًا بعيدة الوضع فوضعت لم يلزم غيرها؛ لأنه لا يتجسس إليه في الأمة ويراعى تغير سوقها وهل بارت.
ابن العطار: إن كانت الغنم حوامل فولدت فباع، ولم يبين فالولد غلة ولكن نقصت عنده، فقد كذب فينظر إلى قيمتها حوامل وغير حوامل كالكذب وإن لم تكن حوامل حين الشراء فما ولدته غلة، فإن لم تنقص ولا حال سوقها فإن رجعت لحالها، يوم الشراء فلا شيء عليه.
وفيها: إن ولدت الجارية فلا يبيعها ويحبس ولدها حتى يبين فإن بين فلا بأس بذلك.
عياض: اعترضها فضل وقال: هذا بيع تفرقة، وفي تعليلها بأنه لعله أعتق الولد أو بلغ حد التفرقة وبين السيد طول المدة، ثالثها: لعله مات، ورابعها: لعله على تأويل ابن القاسم على مالك في العتبية، وتخريجه في سماعه إلا أنه رجع لإجازة بيع التفرقة ووهم هذا التأويل.
وخامسها: أنه برضى الأم على أحد القولين، وسادسها: أنه إنما تكلم على حكم بيع المرابحة لا التفرقة وكثير يرد هذا في مسائله.
الصقلي عن سحنون: إن باع الغنم ولو بولدها ولم يبين أنها ولدت عنده، ولم تفت فللمبتاع الحبس بجميع الثمن أو يرد وليس للبائع إن باعها بغير ولد أن يلزمه بيعها برده الولد إليه، فإن فاتت الغنم وكان سوقها إنما حال بزيادة مضى البيع بثمنه، وإن حالت بنقص فهي كمسألة كذب، ما آلت إليه من النقص هو ثقمنها الصدق، قال: ولو كانت أمة حبس ولدها ولم يبين فإن لم تفت أو فاتت بحوالة سوق أو نقص خفيف، فله ردها ليس للبائع أن يقول: أنا أحط حصة العيب؛ لأن الولد عيب ولا له أن يلزمه البيع برده الولد.
الجزء: 6 - الصفحة: 132
قال ابن سحنون: لأن المشتري يحتج بحوالة الأسواق.
الشيخ قوله: (لأن الولد عيب) أولى، لأنه لم يعد حوالة الأسواق فيها فوتًا، قال: أرضي المبتاع بعيبها جبرًا على الجمع بين الولد وامه في ملك، قال: فإن فاتت بعتق ونحوه فإن حط حصة العيب وربحه، وإلا فعلى المبتاع قيمتها معيبة ما لم تجاوز الثمن بعد إلغاء قيمة العيب وربحه فلا يزاد ولا ينقص.
الشيخ: مرجع هذا إلى حط حصة العيب وربحه لا أثر للقيمة فيه نحو ما تقدم لابن عبدوس، وفيمن نقد غير ما به عقد طريقان: اللخمي إن عقد بدنانير ونقد دراهم لم يبع على ما به عقد حتى يبين، وفي بيعه على ما نقد دونه رواية محمد وقول ابن حبيب، ولو عقد بدراهم، ونقد عرضًا لزم البيان فيما نقد وفيما عقد قولان لها ولرواية محمد، ولو نقد طعامًا ففي بيعه عليه كالعين ومنعه كالسلعة رواية محمد.
وقوله: ولو نقد عن عرض عرضًا غيره ففي لزوم بيانه في بيعه على أحدهما، أو إن باع على الثاني قولان لظاهرها والتخريج على رواية محمد، والصواب إن جاء المشتري مستفتيًا صدق فإن قال: إنما أخذ البائع ما نقدته رغبة منه بعد أن مكنته ما به عقدت، لم يلزمه بيان وإن لم يكن لرغبته؛ بل قصدًا من المشتري لزم بيانه، وإن لم يجئ مستفتيًا؛ بل ظهر عليه فقال: إنما كان رغبة من البائع قبل قوله إن كان الثمن الأول غير عين؛ لأنه ليس مما يحط منه عند الدفع، وهي مبايعة تختلف فيها الأغراض، وإن كان عينًا وعرف البلد أن ينقد ما به عقد من غير طلب مسامحة قبل قوله، وإن كان العرف طلب المسامحة عند الوزن لم يصدق، وإن عقد بدنانير ونقد دراهم ولم يتغير الصرف أو تغيرت الدراهم برخص جاز بيعه على ما نقد دون بيان، وإن تغير بغلاء الدراهم لم يبع على أحدهما حتى يبين، ولما ذكر ابن محرز قول محمد: إن نقده طعامًا كسلعة لا كالعين قال: قال محمد: وهو قول أصحاب مالك: ابن القاسم وغيره.
عياض: من نقد غير ما به عقد في لزوم بيانه في بيعه بالأول أو بالثاني وقصره على بيعه بالأول قولان لظاهرها مع الواضحة، ونص الموازية، وعليه تأول فضل المدونة والواضحة قال: وكذا رواية ابن وهب وابن القاسم وأشهب في السماع وعلي، وابن أشرس.
الجزء: 6 - الصفحة: 133
وفيها لابن القاسم: إن ابتاع بمكيل أو موزون منن عرض أو طعام ثم نقد عينًا أو جنسًا سواه من مكيل او موزون بين ذلك وضربا الربح على ما أحبا منهما إذا وصف ذلك.
الصقلي: يريد إن كان الطعام جزافًا لأنه لو كان مكيلًا، دخله بيع الطعام قبل قبضه.
ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: معناه: أنه إذا اكتال له الطعام ثم رده بالحضرة ونقد العين.
ابن محرز: وهذا وشبهه مما يجري في خلل الكلام من غير قصد.
الباجي: إن نقد غير ما به عقد وباع ولم يبين خير في القيام.
قلت: وكذا في الفوت، وفي الموطأ: هو للمبتاع بما ابتاعه به البائع ويحسب للبائع الربح على ما اشترى به على ما ربحه المبتاع.
وروى محمد: إلا أن يجيء ذلك أكثر مما رضي به ولم يجعل فيه مالك قيمة.
وفيها: إن نقد في العين ثيابًا جاز أن يربح عليها إذا وصفها على قيمتها كما أجزنا لمن ابتاع بطعام أو عرض أن يبيع مرابحة عليها إذا وصف ولم يجزه، أشهب على عرض أو طعام؛ لأنه بيع ما ليس عندك لغير أجل السلم.
ابن محرز: قال الشيخ أبو الحسن: معنى قول ابن القاسم: إن كان المثل عنده حاضرًا فقول أشهب تفسير لقول ابن القاسم: المرابحة والمكايسة في ذلك سواء بخلاف التولية لمن اشترى سلعة بعرض توليتها بمثله وإن لم يكن حاضرًا عنده وقال بعض المذاكرين: قول أشهب خلاف.
ووجه قول ابن القاسم بأن العرض هنا غير مقصود لنفسه، وإنما هو ثمن والمبيع غيره.
الباجي: قال بعض المغاربة: أجازه ابن القاسم؛ لأنه لم يقصد بيع ما ليس عنده كالشفيع يأخذ ما ابتيع بمكيل أو موزون مثله وإن لم يكن عنده، والأول أظهر؛ لأن الشفعة حق ثابت ليس للمشتري الامتناع منه، ألا ترى أن الشفيع يأخذ بقيمة الثواب الذي ابتيع به لا يجوز في المرابحة أن يبيع على قيمة ثوبه.
الجزء: 6 - الصفحة: 134
وقول ابن الحاجب: لو كان الثمن عرضًا غير مثلي ففي جواز البيع مرابحة: قولان بخلاف المثلي، وهم لنصها مع غيرها لكون المثلي كغيره، وسمع ابن القاسم من ابتاع له نصراني سلعة لم يبعها مرابحة حتى يبين ذلك.
قال سحنون وعيسى: لا يحل لمسلم توكيل نصراني على بيع أو شراء.
وقال مالك: لا أحب لمسلم شراء سلعة مرابحة ابتاعها له مسلم حتى يبين أن غيره اشتراها له.
ابن رشد: قوله في النصراني: صحيح، وكذلك لو باعها مساومة لزمه البيان؛ لأن أهل الورع يتجنبون ذلك ويتقونه، وإلزامه البيان فيما اشتراه له مسلم لحجة المشتري أنه إنما اشتراها بذلك الثمن لثقته بتبصر البائع في شرائه وأنه لا يخدع واستخف ذلك في سماع أشهب في هذا الكتاب في كتاب البضائع والوكالات إن له أن يبيع دون بيان فإن باع دون بيان ما ابتاعه له نصراني أو مسلم على القول بلزوم بيانه، فالمشتري مخير في قيام السلعة في التماسك والرد فإن فات بما يفوت به البيع الفاسد، رد فيها القيمة إن كانت أقل وهو حكم الغش.
وفيها: إن حط من الثمن ما يشبهه حطيطة البيع أو تجاوز عنه درهمًا زائفًا لزم بيان جميعه.
ابن محرز: إن لم يبين الزائف والثمن عشرة، فللبائع أن يلزمه البيع بالتسعة، وقيمة الزائف وفي الفوت القيمة ما لم تزد على العشرة أو تنقص عن التسعة، وقيمة الزائف، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن، عن سحنون: إن عرف ما فيه من فضة ونحاس فإن عليه وزنهما كاستهلاكهما، وإن جهل وزنهما فقيمتهما.
الصقلي عن ابن سحنون عن أبيه إن لم يبين، فإن حط عن مبتاعه ذلك لزمه البيع وإلا فله الرد.
قال سحنون: إذا حط ما حط هو فقط دون حصة ربحه لزمه البيع فإن لم يعلم بالحطيطة حتى فاتت أو كانت الحطيطة بعد فوتها قيل للبائع حط عنه مثل ما حططت دون ربح فإن أبى فله القيمة ما لم تجاوز الثمن الأول فلا ترد يزاد أو ينقص منه بعد طرح الحطيطة بلا ربح فلا ينقص.
الجزء: 6 - الصفحة: 135
قلت: زاد الشيخ في النوادر عن محمد عن أصبغ: إنما يلزمه البيع في القيام إذا حط عنه الحطيطة وربحها.
قال: وقاله ابن القاسم في بعض مجالسه، وعزا لابن حبيب في الفوت مثل قول سحنون، كذا نقل عبد الحق في تهذيبه زاد.
وفي كتاب حمديس الحطيطة التي تشبه مثل العشرين من المائة.
قال عبد الحق: في هذا نظر وما هي فيما يظهر إلا كثير.
قلت: يأتي لابن القاسم ما يؤيد قول حمديس.
وفيها: إن أشركت في سلعة أو وليتها رجلًا ثم حطك بائعك ما يشبه استصلاح البيع لزمك أن تضع عمن أشركت نصف ما حط عنك ولا يلزمك ذلك فيمن وليته إلا أن تشاء أن تلزمه البيع فيلزمك أن تحطه ذلك ولو حطك بائعك نصف الثمن مما يعلم أنه لغير البيع لم يلزمك أن تحطه شيئًا ولا خيار له.
قلت: مفهوم قوله: نصف الثمن يؤيد ما تقدم لحمديس، وهو خلاف قول عياض: قولها: في الذي حط عشرين من مائة نزلت بالمدينة فأجاب فيها مالك بما ذكر، قيل معناه: أن النازلة نزلت بالمدينة من حيث الجملة لا أنها بصورة حط عشرين من مائة؛ لأنها كثير لا يمكن حطها في البيع، وإنما الحطيطة التي توضع ما يعلم أنه لاستصلاح البيع ولا حد فيه والعشر من العشرة قليل ومن الألف كثير، والمعتبر في ذلك ما يفهم من قرينة الحال.
قلت: نحوه لابن رشد قبله اللخمي: إن قلت الوضيعة وعلم أنها مكارمة أو لصداقة فهي كالكثيرة، قال: واختلف في الشركة فقال الأخوان: الوضيعة لمن ولي الصفقة، وضيعة لجميعهم ولغيره ممن أشرك له فقط إلا أن يكون المبيع من سلع الأسواق، التي تلزم فيها الشركة فهي لجميعهم إلا أن تكون الوضيعة لصلة من وضعت له ليست على وجه الاستغناء فهي لمن وضعت له.
وفي العتبية: إن ولوا الصفقة جميعًا فما وضع لأحدهم اختص به.
قلت: في سماع أصبغ من كتاب الشركة: سئل أشهب عن شركاء ثلاثة في سلعة تقاوموها فخرج أحدهم وبقيت لاثنين بدينار بربح دينار ثم استوضع الخارج البائع
الجزء: 6 - الصفحة: 136
فوضعه دينارًا فقام الاثنان ليردا، قال: ذلك لهما إلا أن يجعل دينار الوضيعة بينهم أثلاثًا وسوغ له كل الربح.
ابن رشد: لا يستقيم قوله هذا؛ لأن من وضعت له الوضيعة، وهو الخارج عنهما إن كان هو ولي صفقة شراء السلعة وحده لزمه كون الوضيعة بينهم أثلاثًا جبرًا فقوله: لشريكه رد البيع إلا أن يجعل الدينار بينهم أثلاثًا لا يصح؛ لأن من أشرك في سلعة ثم وضع من الثمن لزمه كون الوضيعة بينهما جبرًا سواء بقي حظه بيده أو خرج عنه ببيع أو غيره ليس له أن يقو لمن أشركه: لا أضع عنك شيئًا إن شئت أن ترد رددت، إنما له ذلك في بيع المرابحة؛ لأنها مكايسة، والشركة معروف هذا قوله في المدونة.
وقال التونسي: القياس أن الشركة كالمرابحة فيكون مخيرًا، وعليه يأتي قول أشهب هذا وإن كان من وضع له الدينار من الشركاء الثلاثة، ليس من ولي شراءها بل كان شراؤهم صفقة واحدة، فالدينار الوضيعة له وحده على مذهب مالك وأصحابه خلاف قول الفقهاء السبعة، حسبما تقدم في سماع ابن القاسم: ولو باع أحد الشركاء في السلعة حظه من شريكه بربح دينار مرابحة على على وجه المقاومة لوجب إن كان هو الذي ولي شراء السلعة أن يرد على شريكيه ثلثي الدينار جبرًا ويخير في الثلث الذي ناب حظه الذي باع مرابحة، بين أن يطحه عنهما، قيل وما ينوبه من الربح، وقيل دون ما ينوبه من الربح فيلزمهما البيع أو لا يحط ذلك عنهما فيكون لهما رد البيع وكذا إن لم يكن هو الذي ولي الصفقة على مذهب الفقهاء السبعة وعلى قول مالك وأصحابه يكون له ثلث الدينار، ولا يلزمه أن يرد عليهما، ويكون مخيرًا في الثلث الذي ناب حظه الذي باعه منهما مرابحة.
قلت: ما نقله اللخمي عن الأخوين هو سماع ابن القاسم في القوم يشترون السلعة فيضع البائع لأحدهم إن كان هو الذي ولي الصفقة فما وضع له بينهم.
ابن رشد: لا خلاف أن الذي وضع له إن كان هو الذي ولي الصفقة أن ذلك بينهم، ولما قال في القوم: يجتمعون يشترون السلعة فيضع البائع لرجل منهم إن كان الذي ولي الصفقة، فما وضع له فهو بينهم، دل على أن ما وضع لأحدهم إذا اجتمعوا في شرائها للذي وضع له وحده دون شركائه.
الجزء: 6 - الصفحة: 137
والفقهاء السبعة يقولون: بل هو لجميعهم وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يكونوا شركاء عقد ولا حيث يوجب الحكم الشركة بينهم فإن كانوا شركاء عقد أو حيث يوجب الحكم الشركة بينهم فلا اختلاف أن الوضيعة بينهم وكذا لو وضع الذي ولي الصفقة أو الذي أشرك وهذا إذا كانت الوضيعة مما يشبه أن تكون وضيعة من الثمن.
قلت: وما تقدم لابن رشد من تفرقته بين الشركة وبين بيع المرابحة بأنه مكايسة والشركة معروف وإن تبع فيه.
ابن القاسم في المدونة فهو مؤكد سؤالًا حضرت إيراده في حداثة السن بدرس الشيخ الفقيه أبي علي بن قداح قاضي الجماعة حينئذ، وهو في قولها.
قلت: إن اشتريت سلعة بمائة درهم فأشركت فيهما رجلًا بنصفها ثم إن البائع حط عني فأبيت أن أحط شريكي قال: سئل عنها مالك، فقال يحط بين شريكه نصف ما حط عنه على ما أحب أو كره وفرق بين ما هذا وبين بيع المرابحة أن بيع المرابحة على المكايسة وهذا إنما هو شركة.
قلت: فلو وليت سلعة اشتريتها ثم حط عني بائعها من ثمنها؟ قال: لم أسمع من مالك فيها شيئًا، وأرى المولي بالخيار إن وضع عن من ولي الذي وضع لزم البيع المولى وإن أبى فللذي ولي ردها كبيع المرابحة، وتقرير السؤال أن وضيعة البائع من ثمنه إن أوجب كونها لاستصلاح بيعه حقًا في الوضيعة يقضي به لمن ملك مبيعه على وجه المعروف وإن كان إنما يوجب له تخييرًا في قبوله دون الوضيعة أو رده إن لم يعطها لزم ذلك في الشركة كالتولية، وكثر كلام أهل الدرس فيه ولم يتحصل لهم عنه جواب ولم يتعرضوا لما قاله ابن محرز يحتمل أنه أراد الشركة الجبرية فيصير كالشفعة في وجوب طرح ما وضع عن المشتري عن الشفيع، فإن لم يكن كذلك قال ابن محرز، فلا أعلم بين الشركة والتولية فرقًا.
قلت: بل الفرق أنه لما صار الشريك بشركته مماثلًا للمبتاع في ابتياعه والمبيع ضرورة مساواته له فيما يعرض للمبيع المفروض من تلف ونماء ووضيعة، وربح لزم مماثلته له في استحقاقه الوضيعة الكائنة لاستصلاح البيع، ولما لم يكن المولى كذلك لم
الجزء: 6 - الصفحة: 138
يلزم فيه ذلك وصار ك مبتاع ذلك المبيع مرابحة فوجب كونه مثله، وحيث يجب إسقاط الوضيعة وإلا خير المبتاع إن فاتت السلعة ففي لزوم قيمتها يوم شرائها ما لم تزد على الثمن كاملًا، وما لم تنقص عنه مسقطًا منه الوضيعة دون ربحها أو بربحها.
ثالثها: إن كانت الوضيعة بعد شراء الثاني، لمحمد عن قولي ابن القاسم قائلًا: الثاني إغراق ليس بشيء، واختيار.
الصقلي: محمد: وروى أصبغ الأول.
الصقلي: وقاله سحنون.
وفيها: من ابتاع سلعة بمائة فنقدها وافترقا ثم وهبت له المائة؛ فله أن يبيع مرابحة، ألغى بعض الفاسيين مفهوم نقد وافترقا بما تقدم من قولها: لو حط بائعك كل الثمن أو نصفه لم يلزمك أن تحطه شيئًا.
وقال أبو حفص: إن وهبه الثمن قبل قبضه أو بعده وقبل الغيبة عليه أو بعدها، وقال: هذا ثمن سلعتك، وهبته لك لم يبع مرابحة، ولو وهبه بعد البيع أو بعد القبض والغيبة عليه ولم يقل: هذا ثمن سلعتك فله البيع مرابحة
وفيها: من ابتاع سلعة بعشرين ثم باعها بثلاثين ثم أقال منها لم يبع مرابحة إلا على عشرين؛ لأن البيع لم يتم بينهما حين استقلاله.
أبو حفص: الإقالة عند ابن القاسم ابتداء بيع إلا في المرابحة والشفعة والطعام من سلم.
قلت: فيناقضها قوله: والإقالة عند مالك بيع حادث في كل شيء إلا في مثل هذا.
الصقلي: قال بعض أصحابنا: إنما لم يجعلها بيعًا حادثًا؛ لأنه إقالة بحضرة البيع، ولو تناقدا وافترقا وتباعد ذلك ثم تقايلا فهو بيع مبتدأ، وإن سموه إقالة وله البيع على الثمن الآخر، ولما ذكر اللخمي قولها قال عن ابن القاسم: إن استقالة بأقل أو أكثر جز أن يبيع على الثاني.
وقال ابن حبيب: لا يبيع إلا على الأول مطلقًا، والأول أحسن إلا في قوم يظهرون بيعه حادثة ليتوصلوا للبيع بأكثر من الأول.
وفيها: من باع سلعة مرابحة ثم ابتاعها بأقل مما باعها به أو أكثر فليبع مرابحة على
الجزء: 6 - الصفحة: 139
الثمن الآخر؛ لأن هذا ملك حادث.
ابن محرز: ظاهره ولو كان ذلك ممن ابتاعها، وحملها فضل على أنه في شرائها من غيره، كقول ابن حبيب.
وفيها: من ورث نصف سلعة ثم ابتاع نصفها فلا بيع نصفها مرابحة حتى يبين؛ لأنه إذا لم يبين دخل في ذلك ما ابتاع وما ورث وإذا بين فإنما يقع البيع على ما ابتاع.
القابسي: لو سبق الشراء الإرث لم يلزمه بيان؛ لأنه في سبق الإرث، يزيد في ثمن المشتري للتكميل.
وقال ابن عبد الرحمن: هما سواء لقوله: إن لم يبين دخل فيه ما ابتاع وما ورث.
عبد الحق: ويلزم على الأول لو اشترى نصفه ثم اشترى باقيه أن يلزمه البيان؛ لأنه يزيد في النصف المكمل لجميعه، وتعليل ابن القاسم يخالفه.
قلت: قد يفرق القابسي بأن الزيادة لتكميل ما ورث أكثر قصدًا إليها من القصد لتكميل ما اشترى.
وجعل ابن رشد قوله: إذا بين إنما يقع البيع على ما ابتاع خلاف ما في سماع أصبغ من كتاب العتق فيمن حلف بعتق عبد له فيه شقص ثم باع حظه من شريكه ثم اشترى منه حظه أو اشترى حظه ابتداء ثم باع حظه منه أو من غيره ثم فعل موجب الحنث لزمه الحنث.
الصقلي: إن باع ولم يبين وفات فالنصف المبيع نصفه مشترى فيمضي نصف الثمن ونصف الربح، ونصفه موروث يمضي بالأقل من قيمته أو ما يقع عليه من الثمن والربح، وإن كانت قائمة فللمشتري رد البيع أو إمضاؤه.
ابن محرز: إن قال: أبيعك النصف الذي اشتريت فعلى قول أبي الحسن: إن تقدم الميراث فليبين ويكون إن باع وعلم أنه زاد في الشراء كالكذب وإن تقدم الشراء فلا بيان وذكر ما تقدم للصقلي في تخيير المشتري في رد المبيع إن لم يفت زاد، ولا حجة للمشتري إن رد ربع السلعة التي ورث نصفها ولم يبين في رد الربع الباقي؛ لأنه دخل على الشركة، ولو ناب الميراث أكثر من النصف كان له رد البقية لانتقاض البيع في
الجزء: 6 - الصفحة: 140
كل الصفقة.
الصقلي: عن ابن حبيب لمن أخذ سلعة في المقاواة بينه وبين شريكه بيعها مرابحة بالمقاواة ولا يبين إذا صح ذلك.
الشيخ: ويحمل على الثمن نصف الزيادة فقط وهو ما أخذ من شريكه.
المازري: هذا خلاف ما تقدم عن القابسي؛ لأنه يتصور أن هذه الزيادة لأجل الاستكمال.
وقال اللخمي: إن كانت الزيادة لرفع الشركة لسوء عشرة صاحبه لم يبع حتى يبين.
قلت: انظر هل يلزمه بيان شرائه حظ شريكه بتلك الزيادة فقط او يبين مع ذلك أنه لسوء شركته والأول أظهر لفظا والثاني أظهر معنى قال: وإن كانت الزيادة؛ لأنها صالحة، ولأن السوق حال إغلاء لم يلزمه بيان.
قال ابن الحاجب: لو أتم البيع بشراء من شريكه فالرواية كالأجنبي، وفيه نظر.
قلت: وهي مسألة ابن حبيب وظاهر قوله الرواية: يقتضي أنه قول مالك ولا أعلم من نقله عنه إنما نقله الصقلي والمازري واللخمي عن ابن حبيب ولو قال فالرواية لا يبين بدل قوله كالأجنبي لكان أحسن.
وفيها لمن ابتاع مكيلًا أو موزونًا بيع ما جاء من أجزائه مرابحة وكذا عشرة أقفزة من مائة إن كان كله متماثلًا.
ابن محرز: ظاهره عدم لزوم البيان وعارضه بعض المذاكرين في الطعام؛ لأن جملته يزاد لها؛ لأنه إن استحق ثلثه رد بقيته.
ابن محرز: ظاهره عدم لزوم البيان وعارضه بعض المذاكرين في الطعام؛ لأن جملته يزاد لها؛ لأنه إن استحق ثلثه رد بقيته.
المازري: قولها بناء على أن القسم في المكيل والموزون تمييز حق وأنه لا يزيد فيه لأجل الجملة خلاف ما أشار إليه ابن عبدوس أن الجملة يزاد في ثمنها.
قلت: قول ابن محرز ظاهره عدم اللزوم: هو نص سماع عيسى ابن القاسم في رسم حبل حبلة.
ابن رشد: وهذا مثل قولها، وعلى قول ابن عبدوس أن الجملة يزاد فيها لا يجوز أن يبيع مرابحة إلا ببيان.
الجزء: 6 - الصفحة: 141
وفيها: إن بعت جزءًا شائعًا مرابحة من عروض ابتعتها معينة جاز؛ لأنه بثمن معلوم بخلاف ما فيه القيمة.
وفيها: لو ابتاع رجلان عروضًا ثم اقتسماها فلا يبع أحدهما حظه مرابحة حتى يبين.
اللخمي: لأن ثمن ما صار له عين وعرض وهو حظه فيما أخذ شريكه فإن باع ولم يبين فللمشتري رد الجميع إلا أن يكون قيمة نصف ما اشترى مثل نصف العين الذي باع به فلا يكون له وإن فات مضى نصفه بالثمن وضرب له الربح في النصف الآخر على قيمة ما نقد إلا أن يكون ما باع به أقل.
وفيها: إن ابتعت ثوبين بأعيانهما صفقة واحدة وهما جنسًا واحدًا وصفة واحدة لم يجز بيع أحدهما مرابحة بنصف الثمن؛ لأنه إنما يقسم عليهما بقيمة كل منهما، ولو كانا من سلم وصفتهما واحدة جاز ذلك، إن لم يتجاوز عنه في أحد الثوبين في شيء من الصفة؛ إذ لو استحق أحدهما رجع بمثله، والمعين إنما يرجع بحصته من الثمن.
ابن محرز: قالوا إنما يحتاج لشرط عدم التجاوز في الثوب المبيع مرابحة فقط إلا أن يكون الثوب الآخر أفضل صفة من صفته المشترطة فيكون فضله هبة من البائع لمكان البيع فيقدح في المبيع مرابحة ويكون كوضيعة عنه إن كانت قبل بيعه لزمه بيانه، وإن كانت بعده فكما تقدم.
وسمع أبو زيد ابن القاسم في كتاب السلم لمن أسلم ثوبين في طعام: أن يقيل من أحدهما بنصف الطعام إن كانا معتدلين.
ابن رشد: منعه سحنون وقال: هذا بيع الطعام قبل قبضه؛ إذ قد يغلط في التقويم كما لا يجوز لمشتري ثوبين بيع أحدهما مرابحة بنصف ثمنهما حتى يبين، وعلى قول ابن القاسم يجوز بيع أحدهما مرابحة بنصف الثمن، غن استويا ولا يبين كما لو أسلم فيهما خلاف قوله في المدونة.
وقال ابن عبدوس: إنما لم يجز بيع أحدهما مرابحة دون بيان؛ لأنه قد يزاد في ثمن الجملة فعليه لا يجوز بيع أحدهما في جواز بيع أحدهما متماثلين مرابحة دون بيان، ثالثها: إن كان من سلم لابن نافع وسحنون، وابن نافع والأول أحسن؛ لأن الشراء كان على
الجزء: 6 - الصفحة: 142
معرفته، فكذا التقويم فإن باع ولم يبين كانت مسألة كذب على قول ابن سحنون.
الصقلي عن ابن عبدوس: إن لم يبين فللمبتاع رده وليس للبائع إلزامه إياه بحصته من الثمن بالقيمة لحجة المبتاع إن الجملة يزداد في ثمنها للرغبة فيها.
الصقلي: هذا خلاف قولها لمشتري جملة مكيل بيع بعضه دون بيان والإقالة وشراء ثان من المبتاع تقدم، ولو اختلف ثمن ما هما فيه بالسوية وباعاه مرابحة، ففي كون ثمنه بينهما على ثمنيهما أو حظيهما قولان لها، ولأشهب.
اللخمي: والعهدة عليهما كذلك، والأول أحسن إن علم المشتري أن ثمن شرائهما مختلف، ولو جهل ما بين الحظين من التغابن وأرى إن اشتريا في وقت واحد والسوق على ما اشترى به الأكثر ثمنًا أن لا بيان عليهما، وكذا إن كان في وقتين وحالت السوق إلى ما اشترى به الأكثر ثمنًا عن قرب وإن اشتريا في وقت واحد والسوق على ما اشترى به الأقل ثمنًا أو في وقتين، واشترى الثاني بأقل بينًا؛ لنه اختلاف بنقص والوضيعة كالريح في القولين.
وفيها: إن باعاه مساومة فالثمن بينهما نصفين، وتقدم حكم اغتلال المبيع، وتخريج ابن عبد السلام على قول أشهب: أن الصرف في الرد بالعيب غلة بالجد، وإن كان تامًا يوم الشراء يرد بأن البائع في الرد بالعيب مدلس أو مفرط بخلاف المبتاع في المرابحة وبأن بيع المرابحة أضيق على البائع؛ لأن طول الزمان وحوالة الأسواق بنقص فيه عيب بخلاف الرد بالعيب.
وفيها: لمن ابتاع من عبده المأذون أو من مكاتبه سلعة بغير محاباة بيعها مرابحة دون بيان، وكذا شراء العبد من سيده؛ إذ له أن يطأ بملك يمينه وإن جنى أسلم بماله.
اللخمي: هذا صحيح فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين المشتري إن كان ذلك مما يكرهه الناس فعليه أن يبين.
قلت: يرد تفصيله بأنه كلما لزمه البيان شرعًا كان جحده ظلمًا والظلم لا يصح فيما بينه وبين الله تعالى، وفي احتجاجه فيها بقوله إذ له أن يطأ بملك يمينه، يدل على أن العبد يتجر بماله لا بمال سيده حسبما ذكره في نحو هذا من بيوع الآجال وصرح به في سماع أبي زيد، وقال فيه: إن كان يعمل بمال نفسه، وإن كان يعمل بمال سيده فلا
الجزء: 6 - الصفحة: 143
خير فيه.
قلت: وكذا لو اشترى سلعة من مقارضة.
ابن رشد: إن باع ولم يبين وتجر العبد بما لسيده ولم يكن العبد اشترى السلعة فللمشتري ردها إن كانت قائمة فإن فاتت رد فيها القيمة إن كانت أقل من الثمن على حكم العتق والخديعة في المرابحة وإن كان العبد اشتراها بمثل ذلك الثمن أو أكثر جاز البيع ولا كلام للمبتاع على سماع أشهب إن له أن يبيع مرابحة ما اشتراه له غيره دون بيان لا على رواية ابن القاسم لا يجوز له ذلك حتى يبين، فإن لم يبين كانت مسألة غش وإن كان العبد اشتراها بأقل مما باعها به سيده فهي على سماع أشهب مسألة كذب، وعلى رواية ابن القاسم مسألة غش.
وفيها: من ابتاع ثوبًا فلبسه أو دابة فركبها في سفر فليبين ذلك في المرابحة قال غيره: ليس عليه ذلك فيما خف من ركوب أو لباس إن لم يتعمد ذلك ولم ينقل اللخمي لفظ الغير، وقال من عند نفسه: إن ركبها في غير سفرٍ لم يبين وكذا اللبس إن نقص الشيء اليسير.
وفيها: لو وطئ الأمة لم يبين إلا أن يفتضها وهي ممن ينقصها فليبينه.
وأما الوخش التي ربما كان أزيد لثمنها فلا شيء عليه فيه اللخمي يسأل التجار فإن كان لا ينقص لم يبين.
قلت: ونحوه في آخر استبرائها إذا وطئها مبتاعها في استبرائها ثم حدث بها عيب.
ابن محرز: إن لم يبين فهي مسألة كذب.
قال ابن عبدوس: للمشتري حبسها بكل الثمن أو ردها إلا أن يحط البائع عنه مناب الافتضاض من الثمن وربحه، تقوم يوم الشراء بكرا، وثيبًا إن نقصها الافتضاض ربع قيمتها يحط ذلك عن المبتاع فلا حجة له؛ لأنه رضي أخذها بكل الثمن، وليس ذلك كالتزويج لأن التزويج يجب بيانه في بيع المساومة، والافتضاض ليس كذلك، وإن فاتت عند المبتاع بحوالة سوق فأكثر فليس له ردها بالافتضاض إلا أن يشترط أنها بكر فإن لم يشترط ذلك حكم فيها بحكم الكذب في الفوت والكذب فيها مناب كونها بكرًا من الثمن فلو كذب في الثمن والمبيع قائم ففي لزوم البيع بإسقاط كذبه وربحه.
الجزء: 6 - الصفحة: 144
ثالثها: إن عرف كذبه منه لا من غيره، لها ولعبد الملك.
ونقل ابن بشير عن المتأخرين وصوب اللخمي قول عبد الملك قال: ويحمل قول مالك إن المشتري قام بالكذب فقط، ولو قال: أرد لإمكان أن تكون ذمته استغرقت من ذلك لكان له الرد ولأن أدنى حاله أن الناس يكرهون مبايعة مثله فإن لم يكن نقد الثمن أو نقده، وعرف بعينه أو كان عرضا لم يفت فله الرد كقول عبد الملك وإن استهلكه مضى بالثمن الصحيح لأنه إن رد السلعة أخذ ثمنه من ذمة فاسدة إلا أن يكون حديث عهد بالجلوس للبيع وفائدة ذلك المال فلا رد له إن حط عنه الكذب وربحه، وإلا كان عهد بالجلوس للبيع وفائدة ذلك المال فلا رد له إن حط عنه الكذب وربحه، وإلا كان له الرد؛ لأنه دليل على أنه غير متوق في كسبه.
المازري: نقل الأسفراني عن مالك بطلان بيع الكذب وهم.
قلت: لعله يريد ببطلانه: عدم لزومه، وهو قول عبد الملك.
الصقلي عن ابن عبد الرحمن: إن كان البائع معتادا للزيادة في الثمن معروفًا فللمشتري رد السلعة ولو حط عنه الكذب وربحه.
قلت: الأظهر العكس إلا أن يكون المشتري طارئًا أو علم جهله بحاله، ولو فات المبيع ففيها مع غيرها لزوم القيمة ما لم تزد على ثمن الكذب وربحه أو تنقص عن ثمن الصدق وربحه.
عياض: وروى محمد: يطرح ما زاد وربحه ثم رجع فقال: القيمة أعدل، والنماء والنقص فوت، وفي حوالة الأسواق قولان لرواية ابن القاسم، ومفهوم رواية علي فيها: يفيتها النماء والنقص عند اللخمي مع الشيخ وللباجي هما وفاق لضعف دلالة المفهوم.
اللخمي: إن احتج بفساد ذمة البائع قبل دفع الثمن؛ فله الرد مع نقص العيب.
وفي كون القيمة يوم القبض أو العقد روايتا بن القاسم وعلي.
فقال الشيخ: اختلاف وخرجهما المازري: على تعارض قياسيها على البيع الفاسد لحرمة الكذب أو اختلاف المتبايعين لحق المبتاع في الثمن وملكه إمضاء البيع إن رضي.
ومال الصقلي لوفاقهما باحتمال كون يوم البيع هو يوم القبض.
اللخمي: الاختلاف في وقت القيمة راجع إلى الاختلاف في المحبوسة بالثمن فعلى أنها من البائع القيمة يوم القبض وعلى أنها من المشتري القيمة يوم البيع؛ لأنه بيع
الجزء: 6 - الصفحة: 145
صحيح، تعلق به حق لآدمي ونقله المازري عنه، وقال: هذا الذي قاله، ظاهر الروايات لا يقتضيه؛ لأنه لم يذكر فيها هل حبس البائع السلعة المكذوب فيها بالثمن أو مكن المشتري منها فتكون القيمة يوم التمكن على أحد القولين.
قلت: هذا بناء منه على أنه فهم إجراء اللخمي على الخلاف في المحبوسة على أنه على الخلاف في المحبوسة في بيع المرابحة التي بيعت بكذب لا على المحبوسة من حيث الجملة، وهذا منه وهم، وإنما مراد اللخمي إجراؤها على المحبوسة من حيث كونها محبوسة، وتقريره أن المحبوسة من حيث ذاتها تمام البيع فيها الموجب لاستقلال المبتاع فيها بالتصرف موقوف على أمر يترقب حصوله في عقد صحيح وهو دفع الثمن وبيع الكذب في المرابحة تمام البيع فيه أيضًا الموجب لاستقلال المبتاع بالتصرف في المبيع موقوف على أمر يترتب حصوله في عقد صحيح وهو إسقاط البائع الكذب وربحه فاستوت الصورتان في هذا التوقف، فإن أوجب في المحبوسة كون الضمان يوم القبض فكذا يجب في المرابحة وإن لم يوجبه في المحبوسة وجب كون القيمة فيها يوم العقد عملًا بكون العقد فيها صحيحًا، وكذا يجب أيضًا في المرابحة بالقياس عليها، وما ذكره اللخمي من الإجراءات على المحبوسة سبقه به أبو بكر بن عبد الرحمن فتخصيص المازري عزوه له قصور.
الصقلي على الموازية: ويؤدب معتاد الكذب في بيعه وفي موضع آخر، ويقام من السوق فهو أشد عليه من الضرب، فإن كذب فيما ملكه دون شراء بثمن الصدق فيه قيمته.
باب في الغش
والغش: أن يوهم وجود مفقود مقصود في المبيع، أو يكتم فقد موجود مقصود فقده منه، لا تنقص قيمته لهما للمبتاع فسخه في القيمة وعليه الأقل من قيمته أو المسمى في الفوت أفاته.
الجزء: 6 - الصفحة: 146
ابن عبدوس: بحوالة الأسواق وخرج اللخمي من رواية علي لا يفيته إلا العيوب وله الرد وما نقصه العيب من الأقل من القيمة أو الثمن وأرى أن غشه بأن رقم على المبيع بعشرة اثني عشر وباع على عشرة أنه إن حط عنه الدينارين لزمه البيع، قال: وبيعه على الشراء ما ورثه غش.
الجزء: 6 - الصفحة: 147
والعيب في المرابحة كغيرها: اللخمي: هذا قول مالك، والقياس أن للمغبون منهما فسخه فإن كان المشتري اشترى بعشرة ما قيمته ثمانية، وقدر العيب الخمس فأسقط البائع خمس الثمن فقال المشتري أغرم قيمتها معيبة؛ لأنك لو أسقطت عني هذا الخمس مع القيام لم يلزمه فكذا في الفوت، وإن كان البائع فقال: لا أجبر على إمضاء البيع كما لم كن ذلك علي مع القيام كان له ذلك، وقد قال مالك في الكذب: لا يجبر البائع على الحط في الفوت، وقال: ليس ظلمه موجب عليه أن يؤخذ بغير ما لم يبع به، فإن قيل: العيب بخلاف الكذب؛ لأنه بذهاب جزءٍ فكان فكان كمن اشترى سلعتين فوجد واحدة قيل هذا غير صحيح، لأنه لو كان كذلك لجبر على رد ما قابل العيب في القيام ولأنا نعلم أنه ليس كالجزء ضرورة لو كان كذلك لم يرجع في فوت السلعة بشيء؛ لأن الثوب يكون ثلاثين ذراعا وعيبه درهم فلو نظر قدره من الثوب لم يكن له شيء محسوس ابن رشد على حكم الكذب أو الغش أو العيب يجري حكم المرابحة وشذت من هذا الأصل عند ابن القاسم مسألتان لم يحكم فيهما بحكم أحد الثلاثة إحداهما مسألة من حسب ما لا يحسب أو ضرب الربح على ما لا ربح له الثانية مسألة من باع على ما عقد له ولم يبين ما نقد ووافق سحنون ابن القاسم في حكم العيب وفي حكم الكذب وخالفه في حكم الغش؛ لأنه عنده على قسمين أحدهما غش لا أثر له في زيادة الثمن كبيعه مرابحة ما ورث أو ما وهب له أو ما طالت إقامته عنده ولم تحل أسواقه هذا وافق فيه ابن القاسم وغش له أثر في زيادة الثمن كبيعة مرابحة سلعة بثمن اشتراها إلى أجل لأن الشراء إلى أجل يزيد في الثمن وكمن باع أحد ثوبين اشتراهما معا بما ينوبه من ثمنهما؛ إذ قد يضع عليه أكثر من منابه منه هذا خالف فيه ابن القاسم وحكم فيه بحكم الكذب في القيام والفوت فإن اجتمع على مذهب الغشان معا كبيعه ما طال زمانه وحال سوقه بنقص وافق ابن القاسم في القيام إن أراد البائع إلزام المبتاع البيع بحط الكذب ومنابه من الربح احتج عليه بطول الإقامة ويخالفه في الفوت فيحكم فيه بحكم الكذب ووجه الحكم فيه أن تقوم السلعة يوم بيعها بتلك القيمة ثمنها الصدق وتقوم يوم قبضها إن تأخر فتكون له القيمة ما لم يفضل الثمن أو تنقص من القيمة الأولى ومنابها من الربح
الجزء: 6 - الصفحة: 148
هذا نص سحنون وهو معترض، والصواب: أن تقوم يوم ابتاعها ثم تقوم يوم باعها فينظر ما بين القيمتين لحوالة الأسواق ويحط ذلك الجزء من الثمن وربحه، وما بقي الثمن الصدق للذي لا ينقص منه إن كانت القيمة أقل.
قلت: وتقدم نحوه، قال: فإن اجتمع عيب وكذب فحالاته خمس:
الأولى: كون السلعة قائمة لم تفت بوجه مثل أن يشتري سلعة فيحدث بها عنده عيب أو تكون جارية فيزوجها ثم يبيعها مرابحة ولم يبين ما حدث عنده ولا أن لها الزوج؛ لأنه زاد في ثمنها ما نقص العيب من قيمتها فإن لم تفت بوجه فلا طلب للمشتري إلا بحكم العيب وليس للبائع أن يلزمه إياها بحطه الكذب وهو قيمة العيب وربحه.
الثانية: أن تفوت بحوالة سوق أو نقص يسير فللمشتري القيام بحكم العيب حسبما تقدم أو بحكم الكذب، ويرضى بالعيب وثمنها الصدق المسمى مسقطًا منه أرش عيب التزويج ما بين قيمتيها يوم شرائها بعيب التزويج وسليمة ثم يقوم يوم ابتاعها أو يوم قبضها على الخلاف في ذلك فيكون على المبتاع تلك القيمة ما لم تنقص عن ثمن الصدق أو تفضل ما اشتراها به.
الثالثة: أن تفوم ببيع فلا طلب للمشتري إلا بحكم الكذب إذ لا رجوع للمشتري في العيب بشيء بعد البيع على مذهب ابن القاسم.
الرابعة: فوتها بالعيب المفسد له الطلب بأي الوجهين شاء وله الخيار في ثلاثة:
ردها ورد، ما نقصها العيب الحادث عنده.
أو الرجوع بقيمة العيب ومنابه من الربح.
أو الرضى بالعيب وطلب حكم الكذب حسبما تقدم.
الخامسة: فوتها بذهاب عينها أو ما يقوم مقامه من عقد حرية أو عطية لغير ثواب وشبه ذلك فله الطلب بحكم العيب أو الكذب حسبما فسرنا، ووقع في المدونة في هذا الوجه كلام طويل، واختلاف في الرواية يرجع الكلام على الرواية الواحدة إذا حملته على ظاهره أن المبتاع يرجع على البائع بقيمة العيب ومنابه من الربح على حكم العيب بانفراده، وعلى هذه الرواية اختصر المسألة ابن أبي زمنين، وهي جل الروايات، وعلى
الجزء: 6 - الصفحة: 149
الرواية الثانية جعل الحكم في المسألة حكم الكذب بانفراده، وهو الأظهر من قصد ابن القاسم في الكتاب؛ لأنه لو قصد إلى حكم العيب بانفراده لقال يرجع بقيمة العيب وبما ينوبه من الربح فاستغنى عن التطويل في ذكر القيمة واعتبارها بما إذا حصل لم يرجع لمعنى فيه فائدة وفي كل هذا نظر، والصحيح ما نذكره بعد من التأويل؛ لأن الرجوع بقيمة العيب وما ينوبه من الربح أفضل للمشتري في هذه المسألة ممن حقه طلبه على مذهب ابن القاسم؛ لأن عقد الحرية ولو بتدبير على قوله فوت توجب للمبتاع الرجوع بقيمته، فهذه الرواية تضاهي رواية علي: أن من اشترى عبدًا فوهبه فهو فوت ولا رجوع له بقيمة العيب إلا أن يتأول أنه رضي بالعيب وطلب حكم الكذب، والرواية الأولى على تأويل ابن أبي زمنين يحتمل أن يكون إنما رجع المبتاع فيها بقيمة العيب ومنابه من الربح على حكم العيب لأنه أفضل للمشتري وهو بعيد في الظاهر، ولو اشترى معيبًا عالمًا بعيبه، وباعه بأكثر من ثمنه وكتم عيبه كان أبين في اجتماع الكذب والعيب وللمشتري في فوت المبيع بذهاب عينه أو ما يقوم مقامه المطالبة بالأمرين معًا: يرجع على البائع بأرش العيب ومنابه يؤمر البائع بحط الكذب ومنابه من الربح فإن أبى فعلى المبتاع القيمة ما لم تقضل الثمن مسقطًا منه أرش العيب ومنابه من الربح.
- أو ينقص على الثمن الصحيح مسقطًا منه قيمة العيب وما ينوبه من الربح.
وعلى هذه الوجوه يحمل قول ابن القاسم في المدونة فيحمل قوله على أنه رجع في آخر المسألة إلى التكلم على هذا الوجه وإن كان لم يبتدئ في كلامه عليه ولا يجعل كلامه لغوا وتكريرًا لغير فائدة كما فعل ابن أبي زمنين.
قلت: صورها اللخمي بمن ابتاع بعشرة وباع باثني عشر واطلع المبتاع على عيب فله الرد به في القيام، ولو أسقط الكذب، فإن فات بنماء أو نقصان كان فوتًا في بيع العيب والكذب، فعلى القول بحط الكذب يثبت يبدأ بإسقاطه وربحه ثم يحط العيب من الثمن الصحيح وهو الشعرة وربحها، على أن الكذب لا يسقط إلا برضى البائع فبدأ بإسقاط العيب من كل الثمن صحيحه وسقيمه إن قيل قيمته صحيحًا عشرة ولأن الثمن لا غبن فيه، ومعيبًا ثمانية كان له ثمانية وأربعة أخماس دينار؛ لأنها الثمن الصحيح بعد طرح الكذب والعيب، وإن كانت القيمة أكثر فله ما لم يجاوز أربعة أخماس الثمن
الجزء: 6 - الصفحة: 150
بكذبه وربحه، وإن فات بحوالة سوق فهو كالقائم على رواية علي، وعلى رواية ابن القاسم فائت في الكذب لا في العيب فله الرد به وله حبسه ثم يخير البائع في حط الكب وربحه أو يعطي قيمة سلعته ما لم تكن أقل من العشرة وربحها؛ لأنه الثمن الصحيح أو أكثر مما يباع به ويختلف في الصفة التي تقوم عليها فقال محمد: تقوم سالمة؛ لأن المشتري رضي بالعيب لما لم يرد به دون غرم.
وقال ابن سَحتون وابن عبدوس: تقوم معيبة وهو أحسن؛ لأن القيمة بدل العينين التي قبض والعيب التي كان برد معيبه.
وفيها: من ابتاع أمة فزوجها لم يبع مرابحة ولا مساومة حتى يبين؛ لأنه عيب، فإن باع ولم يبين فللمبتاع قبولها بجميع الثمن أو وردها وليس للبائع أن يلزمه إياها بحط قيمة العيب ولا يفيتهما حوالة سوق أو نقص خفيف ولا زيادة لأنه من معنى الرد بالعيب بخلاف من اطلع على زيادة في الثمن فإن فاتت بعتق أو تدبير فعلى البائع حصة العيب من الثمن وربحه.
الصفلي عن ابن عبدوس: ها معنى ما كرر فيه الكلام في الكتاب فجعله الشيَّخ تفسيرًا لها.
والذي فيها مع كتاب ابن سَحنون في فوتها بعتق ونحوه إن حط البائع حصة العيب وربحه فلا حجة للمبتاع فإن أبى فلبائع القيمة ما لم تنقص من الثمن بعد إلغاء قيمة العيب وربحه أو يزيد على الثمن ولا يزاد ولا ينقص.
الصقلي: ها إن أسقط حكم العيب وطلب حكم الكذب ولو طلب حكم العيب كان ما قاله ابن عبدوس.
وقال بعض أصحابنا عن بعض شُيُوخه القرويين: هي مسألة عيب وكذب؛ لأنه لو بين أنها متزوجة وكتم أنه اشتراها دون زوج ثم زوجها كانت مسألة كذب فإذا لم يذكر تزويجها صارت مسألة عيب وكذب، فإن فاتت بعتق ونحوه وجبت قيمة العيب فإن حطه مع ذلك الكذب، وربحه فلا حجة له، وإن أبى قيل: ما قيمتها سليمة يوم ابتاعها الأول قيل: ثلاثون وكم قيمتها يومئذ متزوجة؟ قيل: عشرون فنقصها التزويج ثلثها، فإن كان اشتراها الأول بمائة وربح عشرين أسقط ثلث جميع لك أربعون يبقى ثمانون وهو ثمنها بلا كذب، ثم يقال: ما قيمتها يوم اشتراها الثاني؟ فيقال: أربعون،
الجزء: 6 - الصفحة: 151
وقيمتها يومئذ معيبة ثلاثون فنقصها العيب في هذا البيع الربع، فأسقط ربع كل ثمن ثلاثين تبقى تسعون ثم أسقط ربع الثمانين التي هي الثمن بلا كذب، وذلك عشرون تبقى ستون هو ثمنها بعد إسقاط قيمة العيب والكذب وربحهما فتكون له القيمة ما لم تنقص عن ستين أو تزيد على التسعين.
الصقلي: هذا خلاف قول ابن عبدوس؛ لأنه جعلها مسألة عيب؛ لأن الكذب هو العيب فإذا أخذه بالكذب والعيب أغرمه قيمة العيب مرتين، وإنما يصح ذلك أن لو كان الكذب غير العيب والكذب هنا هو العيب فأرى أن يخيره بين أن يأخذه بالكذب أو بالعيب أي ذلك كان أنفع له أخذ به، وقد تقرر أن ثمنها بعد طرح الكذب وربحه ثمانون فإن أعطاء إياها فلا حجة له؛ لأنها أنفع له وإن أبى كان عليه القيمة ما لم تنقص عن ثمانين أو تزيد على الثمن بعد إسقاط قيمة العيب وربحه وذلك تسعون وإن نقصها العيب في التقويم الأول الربع وفي الثاني الثلث، فالأنفع له أخذه بحكم العيب فيأخذها بثمانين فتسقط قيمة العيب وربحه، وذلك أربعون وإنما هذا إن اختلفت القيمة في القيمتين ولو تساوت أخذه بالتدليس لأن إسقاط قيمة العيب وربحه كإسقاط الكذب.
ابن رُشْد: وإن اجتمع العيب والغش مثل أن يبتاع معيبًا عالًما بعيبه وطالت إقامته عنده ثم باع ولم يبين فحالاته خمس:
إن بقي المبيع بحاله خير المبتاع في رده.
وإن فاته ببيع فإنما له طلب حكم الغش فتكون عليه قيمته إن فضلها الثمن؟
وإن فات بحوالة سوق أو نقص يسير خير في الرد بالعيب أو الرضى به ويقوم بحكم الغش فيغرم الأقل من القيمة أو المسمى.
وإن فات بعيوب مفسدة خير في ثلاثة أوجه:
- أحدهما: ردها وما نقصها.
- الثاني: حبسها والرجوع بقيمة العيب ومنابه من الربح.
- والثالث: الرضى بالعيب وطلب حكم الغش فيكون عليه الأقل من قيمتها أو المسمى.
الجزء: 6 - الصفحة: 152
وإن فات بفوت عينه أو ما يقوم مقامه خير في وجهين: حكم العيب فيحط عنه قيمة العيب ومنابه من الربح.
أو الرضى بالعيب وطلب حكم الغش فيكون عليه الأقل من القيمة أو المسمى.
اللخمي: إن فاتت بنماء أو نقص فللمشتري أن يمسك ثم يبتدئ بالعيب بحط قدره من الثمن إن قومت سليمة بعشرة ومعيبة بثمانية كان على المشتري ثمانية فقط؛ لأن العيب نقصها الخمس، وأربعة أخماس الثمن ثمانية دنانير وهي التي تلزم من جهة الغش فقط لأنه لا يضرب، لها بربح وإن قومت سليمة بثمانية ومعيبة بسبعة كان عليه سبعة فقط لأن الثاني بعد العيب سبعة أثمان الثمن تسعة إلا ربع، وربحها دينار إلا ثمن كل لك تسعة ونصف وثمن هذا الثابت من ناحية العيب ثم يرجع إلى حكم الغش فليس له إلا قيمته معيبًا، وهي سبعة دنانير التي تستحق بعد طرح العيب فيصير المشتري كمن لم يشترها إلا معيبة بتسعة ونصف وثمن ثم علم بما خدعه فيعطي القيمة ما لم تجاوز الباقي، وإن قومت سليمة باثني عشر ومعيبة بعشرة سقط حكم الغش، لأن العيب نقصها السدس وهو ديناران إلا سدس من المسمى والباقي تسعة دنانير وسدس فقيامه بالعيب خير له، وإن تغير سوقها كان فوتًا من جهة الغش فقط على قول ابن عبدوس فله الرد بالعيب، وحبسها ويطفع القيمة من ناحية الغش ويختلف في الصفة التي تقوم عليها، قال محمد: تقوم غير معيبة؛ لأنها لم تفت من ناحية العيب، وعلى القول الآخر تقوم معيبة وتقدم وجهه.
ابن رُشْد: وإن اجتمع الكذب والغش مثل أن يبتاعه معيبًا بعشرة دنانير فتطول إقامته ويبيعه باثني عشر ولم يبين، فإن لم تفت فله الرد والتماسك وليس لبائعه إلزامه إياه بطرح الكب وربحه لاحتجاجه بالغش، وإن فات بحوالة سوق أو نماء أو نقصان فمطالبته بالغش أفضل له فيكون عليه الأقل من القيمة أو المسمى.
زاد اللخمي: إن كانت قيمته يوم قبض ثمانية أو تسعة أو فوق ذلك دون عشرة وربحها غرم القيمة فقط وإن كانت قيمته فوق ذلك اتفق جواب الكذب والغش يغرم قيمته دون ربح ما لم تجاوز الكذب وربحه على القول بحط الكذب حكمًا كالعيب يبتدئ بحطه ثم يغرم القيمة ما لم تجاوز الباقي.
الجزء: 6 - الصفحة: 153
ابن رُشْد: وإن اجتمع العيب والكذب والغش مثل شرائه جارية ولا ولد لها فيزوجها وتلد عنده أولادًا ثم يبيعها بكل الثمن دون ولدها، ولم يبين أن لها ولدًا فولدها عيب، وطول إقامتها إلى أن ولدت غش، وما نقص التزويج والولد من قيمتها كذب، فإن لم تفت فليس للمشتري إلا الرد ولا شيء عليه أو حبسها ولا شيء له، وليس للبائع أن يلزمه إياها بحط شيء من الثمن لأجل العيب والغش، وإن فاتت ببيع فلا طلب له بالعيب وطلبه بحكم الغش أنفع له من طلب حكم الكب وإن فاتت بحوالة سوق أو نقص يسير فله الرد بالعيب أو الرضا به بحكم الغش فيغرم الأقل من قيمتها أو المسمى؛ لأنه أحسن له من حكم الكذب وإن فاتت بعيب مفسد خير في ثلاثة أوجه:
أن يردها وما نقصها العيب عنده
أو يمسك ويرجع بقيمة العيب ومنابه من الربح.
أو يرضى بالعيب ويقوم بحكم الغش فيغرم الأقل من قيمتها أو المسمى؛ لأنه أحسن له من حكم الكذب وإن لم يرد والولد صغير لم يبلغ حد التفرقة جبرا على الجمع بينهما في ملك واحد أو يرد البيع، وإن فاتت بفوت عينها أو ما يقوم مقامه خير في الرجوع بقيمة العيب ومنابه من الربح أو الرضى بالعيب وطلب حكم الغش، وصورها اللخمي بمن اشترى سلعة بعشرة، وقال: ثمنها اثني عشر وربح دينار أو أرقم عليها خمسة عشر ووجد بها عيبًا بعد فوتها بنماء أو نقصٍ فعلى القول بإسقاط الكب حكمًا يسقط هو وربحه وهو ديناران وسدس، والباقي أحد عشر إلا سدسًا ثم يرجع للعيب فتقوم السلعة سليمة إن كانت قيمتها سليمة عشرة وقيمتها معيبة ثمانية فقيمة العيب الخمس وهو ديناران وسدس، فالباقي بعد طرح العيب وربحه ثمانية دنانير وثلثا دينار هذا ما تستحقه بعد طرح الكذب وربحه، فيقول المشتري بقي مقالي فيما غشني به من رقم أو كتمان طول إقامة مكثها فأعطيه القيمة بغير ربح ما لم تجاوز الباقي والقيمة ثمانية دنانير فلا شيء له غيرها، وإن كانت قيمتها سليمة ثمانية، ومعيبة سبعة أو ستة لتغابن كان في البيع لم يكن للبائع إلا تلك القيمة فمتى كانت هي والثمن
الجزء: 6 - الصفحة: 154
متساويين أو القيمة أقل لم يكن على المشتري غيرها، وإن كانت أكثر من الثمن ومنابه من الربح بعد طرح العيب سقط حكم الغش وبقى حكم الكذب
وفيها: من باع سلعة مرابحة، وقال: قامت علي بمائة فأربح عشرة ثم ثبت أنها قامت عليه بمائة، وعشرين فإن لم تفت خير المشتري بين ردها أو يضرب له الربح على عشرين ومائة فإن فاتت بنماء أو نقصٍ خير المشتري إن شاء أخدها بقيمتها يوم التبايع إلا أن تكون القيمة أقل من عشرة ومائة فلا ينقص منه، أو يكون أكثر من عشرين ومائة وربحها لا يزاد عليه.
قُلتُ: قوله: إن فاتت بنماء أو نقص خير المشتري إلخ فيه نظر لأن ما فسر به التخيير ليس بتخيير بحال؛ ولا عبر اللخمي بقوله: غرم المشتري قيمتها ما لم تنقص عما تبايعا به أو تزد على المائة وعشرين وربحها، ثم قال: وأرى إن فاتت بزيادة وقيمتها يوم قبضها أكثر مما اشتراها ولا تجاوز المائة وعشرين، وربحها أن يخير في غرم قيمتها أو ردها لأنها أفضل مما كانت فلا مضرة على البائع، وإن نقصت بغير سبب المشتري أن يردها ناقصة إلا أن يمضيها له البائع بما باعها به ويختلف إن نقصها من سببه خطأ هل يضمنها أو يردها ناقصة، ولا شيء عليه، وكذا إن كان المبيع ثوبًا فنقص عنده، ثم طلب البائع فضل الثمن فإن نقص بلبسه لزمته قيمته ما لم تكن أقل مما باعه أو أكثر من المائة وعشرين وربحها وإن نقص بلبسه لم يضمن قيمته وله رده بنقصه، إلا أن يمضيه البائع بما باع ويختلف إن كان نقصه؛ لأنه قطعه ولم يلبسه؛ لأن الغلط من البائع بتسليطه، كمن باع ثوبًا فأعطى المشتري غيره فقطعه المشتري في غرم المشتري نقص القطع خلال.
قُلتُ: لم يحك الصقلي إلا القول بعدم غرمه وقال: بخلاف من اشترى قوبًا مرابحة فقطعه ثم اطلع على كب البائع القطع في هذا فوت، ففرق ابن الكاتب بأن ثوب الكذب لو هلك ببينة بعد قبضه المبتاع كان منه ولو هلك ثوب الغلط كذلك كان من بائعه.
الصقلي: ولأن ثوب المرابحة مبيع وثوب الغلط غير مبيع، ولابن رُشْد في آخر مسألة من أول رسم من سماع ابن القاسم في جامع البيوع: إن باع مرابحة ثم ادعى أن
الجزء: 6 - الصفحة: 155
ثمنه أكثر مما باعه به وإنه غلط فيه واختلط له بغيره فإن كانت له شبهة من رقم أو شهادة على ما وقع به عليه من مقاسمة أو في شراء صدق، ولما كان أحد أسباب الغش طول المكث المعروض لكونه عن احتكار لزم بيانه.
فيها: الحكرة في كل شيء من طعام أو غيره جائز وما أضر احتكاره بالناس منع احتكاره.
ابن رُشْد: ما يضر ممنوع اتفاقاً، وما لا يضر في جوازه في الطعام والإدام ومنعه ثالثها: فيما عدا القمح والشعير، ورابعها: في الإدام والفواكه فقط لها وللأخوين مع المدنيين وسماع أشهب، ودليل قول ابن حبيب وقول الشَّيخ: قول الأخوين معناه في المدينة؛ إذ لا يكون الاحتكار فيها إلا مضرًا لقلة الطعام بها يدل على أنهم متفقون على أن علة المنع منه تغلية الأسعار، وإنما اختلفوا في جوازه لاختلافهم في وجود العلة، وعدمها وهو في غير الأطعمة من عصفرٍ وكتان وغير ذلك جائز إن لم يضر.
اللخمي: الأول أحسن وفي ادخار الأقوات في الرخاء مرتفق وقت الشدة ولولاه لم يجد الناس عيشًا في الشدة ولو قيل إنه مستحسن لم أعبه.
قُلتُ: هو مقتضى تعليله بالارتفاق لأنه مصلحة راجحة، سالمة عن مضرة الناس إن كان فاعله لا يتمنى غلاء، قال: ومن قدم بطعام لم يمنع من ادخاره إلا أن يكون جهد فيؤخذ ببيعه.
قُلتُ: هو قول عمر في الموطأ.
الباجي: روى محمد ما علمت في التربص بالطعام لرجاء غلائه بأسًا، قيل له، من يبتاع الطعام ويجب غلاءه؟ قال: ما من أحد يبتاع طعامًا أو غيره إلا ويحب غلاءه.
قُلتُ: والأصل في ذلك حديث مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من احتكر فهو خاطئ قيل لسعيد: إنك تحتكر، قال: كان معمر يحتكر.
الجزء: 6 - الصفحة: 156
اللخمي قال مالك: من احتكر في وقت يضر بالناس أشرك فيه أهل السوق بما اشتراه به وإن لم يعلم ثمنه فبسعر يومه ولابن العربي في عارضته: إن كثر الجالب وكان إن لم يشتر منه رد الطعام كانت الحكرة مستحبة، وسمع ابن القاسم إذا غلا الطعام واحتيج إليه وبالبلد طعام فلا بأس أن يأمر الإمام أهل الطعام بإخراجه للناس.
ابن رُشْد: مثله في الموازيَّة.
ابن العربي كان خليفة بغداد إذا زاد السعر أمر بفتح المخازن ويبيع بأقل مما يبيع الناس فإذا رجع الناس إلى ذلك السعر أمر أن يباع له بأقل حتى يرد السعر إلى أوله وذلك من حسن نظره.
الباجي: من معه طعام زراعة أو جلبه لم يمنع من احتكاره كان ذلك في ضرورة أو غيرها.
وروى محمد: يبيع هذا متى شاء ويمسك إذا شاء ولو بالمدينة وأما من صار إليه الطعام بابتياع في وقت سعة ثم لحق الناس، شدة، فروى محمد: إن كان الغلاء الشديد، وعند الناس طعام مخزون أيباع عليهم؟ قال ما سمعته، وقال في موضع آخر: لا بأس أن يأمر بإخراجه إلى السوق.
قُلتُ: ظاهر العتبيَّة وقول ابن رُشْد: إذا وقعت الشدة أمر أهل الطعام بإخراجه مطلقًا كان من زراعة أو جلب خلاف ما نقله الباجي، قال: ومن اشتراه بالفسطاط للريف وهو بالفسطاط كثير وبالريف ما يغني أهله فروى محمد منع ذلك؛ لأن المصر مجتمع الناس ورعيه أولى إن فسد فسدت الأرياف، وإن كانت الحاجة بالريف والكثرة بالمصر جاز إخراج أهل الريف منه إليهم، وإن كان بالمصر قليلاً يخاف من إخراجه للريف مضرة منع من إخراجه لتساوي الحالين ومراعاة المصر أولى.
وسمع ابن القاسم: إن كان عند أهل الريف والسواحل ما يغنيهم منعوا اشتراء الطعام من الفسطاط، وإن لم يكن عندهم ما يغنيهم من الطعام فلهم أن يشتروا.
ابن رُشْد: على قول المدَوَّنة يحتكر أهل الريف والسواحل من الفسطاط إن لم يضر ذلك بهم، وعلى هذا السماع لا يحتكرون وإن لم يضر ذلك بهم ووجهه أن الحواضر فيها يؤخذ الطعام في الشدائد.
الجزء: 6 - الصفحة: 157
وقوله: إن لم يكن عندهم ما يكفيهم فلهم أن يشتروا؛ يريد: ولو أضر ذلك بأهل الفسطاط والقري التي فيها الأسواق حكمها حكم الفسطاط قاله في المدَوَّنة، فلا يحتكر هؤلاء من هؤلاء ولا هؤلاء من هؤلاء إذا أضر بهم ومن لم يكن عنده ما يغنيه فله الشراء؛ لقوته هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء وإن أضر بهم؛ لأن المواساة بين المسلمين واجبة.
مسمى لفظ المبيع: إن كان متعينًا بذاته كالعرصة، دون نقضها وعكسه فواضح وإلا حمل على الراجح إن كان وإلا فمقتضى الأصول فساد بيعه للجهل به في رهونها من ارتهن أرضًا ذات نخل ولم يسمها أو ارتهن النخل ولم يذكر الأرض فذلك موجب لكون الأرض والرهن والنخل رهنًا، وكذا في الوصية والبيع، وفي ترجيح ذكر المبيع في وثيقة بيعه غير منسوب لبائعه بلفظ له وعدمه، نقلا ابن فتوح عن الموثقين فيقول: على الأول اشترى فلان من فلان جميع الدار التي له بموضع كذا، ورجح كذا، ورجح الثاني محتجًا بقول أهل العلم في وثائقهم اشترى فلان من فلان جميع ما حوته أملاكه، ولا فرق بين أملاكه وبين الدار التي له.
قلت مقتضاه عدم الخلاف في نسبته له بالإضافة فقط، وقول المتيطي قولنا: ابتاع منه جميع الدار أولى من قولنا: جميع داره، وكذا كل ما يباع من مبيع لما وقع في ذلك من الخلاف.
قال بعض الموثقين: إن أضافه للبائع ثم استحق من المبتاع لم يرجع على البائع بشيء لأن إضافته إليه إقرار من المبتاع بتحققه ملك البائع ما باعه منه.
وقال ابن الهندي وغيره: لا يمنع ذلك رجوع المبتاع عند الاستحقاق؛ لأن الإضافة والنسبة إلى ملكه تصدق في ملكه بزعمه، ولو صرح المبتاع بتمليك البائع المبيع ثم استحق ذلك منه ففي رجوعه على البائع روايتان، بالأولى قال أشهب وعبد الملك وابن وَهْب، وسَحنون واختاره شُيُوخ الأندلسيين وهو دليل قولها في الاستحقاق من له على رجل ألف درهم فحطه نصفها على إن أخذه عبده ميمونًا بنصفها فاستحق رجع عليه بالألف، فقوله: (عبده) كقول الموثق: (ابتاع منه داره).
قُلتُ: يرد بأنه يصدق لفظ عبده مع العبارة عنه بغير الإضافة ولو سلم فتقدم كون
الجزء: 6 - الصفحة: 158
الإضافة غير صريحة في الدلالة على اعتراف المبتاع بملكه، إنما هي في صريح الاعتراف.
المتيطي: وجد المبيع دارًا أو أرضًا منه.
وقال ابن الهندي وابن العطار وغيرهما: ما لم يصرح بضده وكقول كثير من الموثقين حدها في القبلة دار فلان.
ابن عتاب: سأل إسماعيل القاضي عن قوله حدها في الشرق الشجرة هل تدخل في المبيع فوقف ثم قال لسائله: قرأت في باب كذا في سيبويه فدلني على أنها تدخل في المبيع.
قال ابن سهل وفي هذا نظر.
قُلتُ: قولهم: حد الشيء منه ينفي القاضي ونظر ابن سهل.
سئل ابن عتاب عمن له داران متصلتان في صف واحد باباهما في ناحية واحدة ساق إحداهما في مهر زوجته بلفظ: ساق إليها جميع الدار التي بموضع كذا، حدها في القبلة كذا وفي الجوف كذا وفي الشرق كذا وفي الغرب الطريق إليها يشرع بابها ثم ماتت زوجته بعد أن أزيد من عام فطلب وارثها إرثه في الدار المسوقة، وطلبه في الدارين؛ لأن الحدود مشتملة عليهما ولو كانت المسوقة إحداهما كان حدها في الجوف، الدار الأخرى لا الأرض التي لفلان، وقال الزوج: لم أسق إلا أحدهما التي بقبله الأخرى فأجاب بلزوم السياقة في الدارين إلا أن يأتي الزوج بما يبين أنها في الواحدة فقط؛ لأن الحدود أقوى من تسميتها دارًا واحدة.
ابن سهل: هذا هو الفقه إن حقق وارث المرأة أنها في الدارين وإن قال: لا علم لي إلا لفظ الصداق بالتحديد فالقول قول الزوج من يمينه.
المتيطي: قولنا بحقوق المبيع، وحرمه ومنافعه ومرافقه يغني عن تسميته ذلك، ولو زيد في الفرن، وموضع جمع الحطب له وفي الحمام: وموضع إعداد الزبل، وبئر سانيته.
وفي الرحى وأفنيتها ومناصبها وجسرها وغير ذلك مما يمكن انفصاله كان حسنًا.
وقولنا: في الدار وشبهها وكل جدرها المحيطة بها هو الصواب لو سكت عنه ووجد
الجزء: 6 - الصفحة: 159
المشتري حائطًا منها لغيره لم يكن له حق على بائعها ولم يدخل في جملة حقوقها ولو ذكرت ثم خرج جدار منها لجاره رجع بحصته من ثمنها ولو لم يذكر الجدر وادعى المبتاع أن البائع شرط ذلك له حلف البائع على تكذيبه وكل ما بالدار المبيعة حين العقد مما ينقل من دلو وبكرةٍ وباب وصخرة وتراب، كان معدًا لإصلاح الدار أو مما انهدم منها فهو لبائعها لا لمبتاعها إلا بشرط، وكذا قال ابن فتوح وغيره.
قُلتُ: ونحوه قولها: ما كان ملقى في الأرض من حجر أو باب أو خشبة سارية فالقول فيه قول المكتري.
المتيطي: اختلف في السلم الذي يرتقى به إلى الغرف فقال ابن العطار وابن زَرْب: هو للمبتاع ولو لم يشترطه ولو كان ينقل باليد من مكان لآخر، واحتج ابن زَرْب بما في الوثائق من قولهم بمنافعها ومرافقها والسلم منها.
ابن سهل: يؤيده سماع عيسى ابن القاسم من اكترى منزلًا فيه علو لا درج له ولا سلم فقال لرب المنزل: اجعل لي له سلمًا فتوانى ولم ينتفع به المكتري حتى مضت السنة طرح عنه مناب العلو من الكراء وقاله ابن عتاب في السلم المبني قال: والمنقول للبائع إلا أن يشترطه المبتاع قال بعض الموثقين إلا أن يكون مسندًا لعلية يرقى منه إليها فهو للمبتاع وحكى بعض الأندلسيين عن ابن حبيب: إن السلم للمبتاع وإن لم يشترطه.
قُلتُ: قال ابن رُشْد في سماع عيسى: هذا بخلاف الشراء لو باع دارًا فيها علو وفيها سلم فهو للبائع، وقول ابن العطار إنه للمبتاع قياسًا على هذا السماع غير صحيح، ولو صح قياس الشراء على الكراء لوجب على البائع أن يأتيه به وإن لم يكن في الدار، وهذا لم يقله ابن أحد فما أصاب في قوله ولا قياسه، وقال: من باع دارًا بها مبينة فهي للمبتاع السرير، والحجر الأسفل وللبائع الحجر الأعلى قياسًا على قول بعض الشُيُوخ، معنى قوله في المدَوَّنة لا شفعة في الأرحى، الحجر الأعلى لا الأسفل لأنه من البناء كقدر الحمام، وهي تفرقة لا وجه لها، إذ لا ينتفع بأحد الحجرين، دون الآخر والصواب في المطاحن المبنية بالدار أنها للبائع إذ ليست من بناء الدار ولا من أنقاضه.
المتيطي عن بعض الأندلسيين: لا يختلف في خرزة المعصرة إن لم تذكر في عقد الابتياع؛ لأنها مقصودة في الابتياع؛ إذ لا منفعة للمعصرة إلا بها وما بالدار من جبح
الجزء: 6 - الصفحة: 160
منصوب للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، والنحل في جدار بيت الدار في كوى فيه.
قال بعض الموثقين: ونحوه لابن العطار وغيره هي للمبتاع؛ إذ لا يستطاع إزالتها إلا بهدم الكوى، قال: والحمام في برج فيها بخلافه هي للبائع؛ لأنها تؤخذ دون إضرار بالمبتاع في برجه ونحوه للشيخ أبي الوليد، قال: وقال ابن العطار: هما سواء النحل والحمام للمبتاع.
وفي وثائق الباجي: هما معًا للبائع إلا أن يشترطه المبتاع بعد المعرفة به، ونحوه لأبي عمران وأبي بكر بن عبد الرحمن.
ابن عات: قال ابن عتاب: أفتى ابن الفخار فيمن باع ملكًا بقرية وفي الملك شجر زيتون طاب ثمرها لم يشترطه المبتاع إلا أن في الوثيقة اشترى فلان من فلان جميع ما حوته أملاكه في الأرض والشجر ولم يذكر الثمرة، فطلب المبتاع أخذها أنها له واحتج بأن الشجر نفسه لو لم يذكر في الابتياع دخل فيه وتبع الأرض فإذا دخلت الأصول في الشراء فالثمرة أحرى.
قال ابن عات: ولم يذكر هل ذلك رواية ولم يسأل عنه؛ إذ كان لا يتجرأ على سؤاله، وكان حافظًا ذاكرًا للروايات ولم أزل أطلب ذلك فلما امتحنته بالفتيا ونزلت هذه المسألة في دار بيعت فيها نخلة مزهية فأفتيت بما كنت أسمع منه وخولفت في ذلك، ولم أزل أطلبها إلى أن ظفرت بها في كتاب الشروط لابن عبد الحَكم قال: من الناس من يقول من اشترى دارًا بما فيها، وفيها نخل فالثمرة للمشتري ولو طابت، وأما نحن فنجعل ذلك للبائع إلا أن يشترطه المبتاع اتباعًا للسنة.
قال ابن عتاب: والذي أقوله ما شاهدت الفتيا به وبه نفذ الحكم.
قُلتُ: ظاهر قوله ظفرت بها إنه ظفر بما يوافقه، وحاصل ما ذكر أنه ظفر بما يخالفه فتأمله، وتمامها في الإبار.
ابن عات: في بعض الكتب قال سئل عن رجل باع داره وفيها زبل لصق بقاعتها ولم يذكر وقت التبايع ثم ادعاه كل واحد منهما قال: هو للمبتاع إلا أن يشترطه البائع.
وسمع سَحنون ابن القاسم: من ابتاع دارًا فيها نقض لرجل هو فيها بكراء وأبواب في بيوت الدار وحضر المكتري شراءه ثم طلب النقض والخشب فقال له
الجزء: 6 - الصفحة: 161
المشتري: حضرت شرائي فلم تدع شيئًا وقد وجب لي كل ما بالدار فذلك كله للمكتري من قبل أنه يقول: لم أظن أن ذلك يكون لك.
ابن رُشْد: قوله: ألأبواب والنقض للمكتري معناه: إن كانت له بينة أنه أتى بذلك من عنده وأقر صاحب الدار له بذلك قبل البيع؛ إذ لا يقبل إقراره له بذلك بعد البيع وإنما عذر المكتري في سكوته حين البيع لأن من حجته أن يقول: إنما سكت لأني ظننت أن من اشترى دارًا لا شيء له من نقضها الملقي فيها إلا أن يشترطه، ولو قال: أبيعك الدار بأنقاضها وأبوابها والمكتري يسمع فلم ينكر، كان سكوته إجازة للبيع، وكان له من الثمن مناب النقض والأبواب إن كان رب الدار مقرًا له بالنقض، والأبواب، وإن لم يكن مقرًا له بذلك، ولا مكذبًا لبينته التي شهدت له بذلك وإنما ادعى أنه اشترى ذلك بماله وبما كان له عليه من كراء كان سكوته على البيع تصديقًا للبائع فيما ادعى ولم يكن للمكتري شيء من النقض والأبواب ولا من ثمنها هذا الآتي على أصولهم وقيل: لا يبطل حقه في الأنقضاض إن كانت له بينة أنه أتى بها ويأخذ ما يجب لها من الثمن بعد حلفه على تكذيب بائع الدار إلا أن يطول سكوته بعد البيع ولو ادعى النقض المبينة في الدار والأبواب المركبة فيها ولا بينة له بهما لم يكن له شيء منها، ولو كان النقض مطروحا في الدار والأبواب غير مركبة فيها ولا مقلوعة منها ما دخلت في البيع وكانت للمكتري مع يمينه بيعت الدار، أو لم تبع إن ادعاها صاحب الدار.
وقال ابن دحون: إنما لم يضر سكوته عند البيع، وله بينة بالأنقضاض من أجل أنه في الدار، ولو كان خارجًا عنها لم يكن له منها شيء، وهذا لا وجه له، لا فرق بين كونه في الدار أو خارجًا عنها.
قُلتُ: ظاهر قوله في السماع: وقد وجب لي كل ما في الدار: مع قوله: لم أظن أن ذلك يكون لك أنه لو لم يدعه المكتري لكان له داخلاً في المبيع ومثله قول ابن رُشْد لا يقبل إقرار البائع بذلك للمكتري بعد عقد البيع، وقد تقدم من نقل المتيطي وغيره: أن ما بالدار حين البيع مما ينقل ويحول من خشب وصخر وتراب كان معدًا لإصلاح الدار أو مما انهدم منها فهو للبائع.
المتيطي: لو كان بالدار المبيعة صخر أو رخام أو عمد وشبه ذلك لم يعلم به
الجزء: 6 - الصفحة: 162
المتبايعان ثم علماه فمعلوم مذهب ابن القاسم أنه للبائع إن ادعاه وأشبه أنه له بميراث أو غيره وإلا فهو لقطة.
وقال سَحنون وابن حبيب وابن دينار: هو للمبتاع وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبيَّة.
قُلتُ: في نوازل سَحنون: من وجد في عرصة ابتاعها بئرًا عادية لها بال، فقال البائع: بعتك ما لا عرفته فأنا أفسخ بيعه هي للمشتري.
ابن رُشْد: وكذا لو وجد المشتري صخرًا أو عمدا أو رخامًا، وقاله ابن حبيب وابن دينار وهو قياس أحد قولي ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الأقضية فيمن وجد في أرضه جبًّا بابه بأرض غيره إن له منه ما كان في أرضه ويسد فيما بينه وبين صاحبه ولا يستحقه جاره بالباب، ويأتي على قياس قول ابن القاسم أن الجب لصاحب الباب وحده أنه إن وجد المشتري بئرًا أو جبا أو بيتًا لم يعلم به، أن للبائع نقض البيع، وكذا إن وجد صخرًا أو رخامًا أنه للبائع وكذا لابن القاسم في سماع عيسى من كتاب اللقطة (أنه لا حق فيه للمبتاع وهذا إنما هو في المجهول مالكه وما ثبت منه أنه للبائع أو لمن يرثه عنه فهو له اتفاقًا، وكذا إن ثبت أن البئر أو الجب أو البيت الموجود تحت الأرض من عمل البائع كان نسيه أو من عمل مورثه فله نقض البيع اتفاقًا، ولا يندرج في الشجر مأبور شجرها هذا المذهب.
وقال المتيطي: هذا مشهوره المعمول به.
وقال ابن الفخار: هو للمبتاع واحتج بأن الشجر لو لم يذكر في الشراء لدخلت فيه وكان تبعًا للأرض، وذكر ما تقدم عنه وعن ابن عتاب.
قُلتُ: وهذا وهم منه في أمرين: الأول: أن تصور مثل هذا القول فاسد؛ لأنه قياس في معرض النص، والإجماع على بطلانه، روى مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ابتاع نخلاً بعد أن تؤير فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع، وهو في الموطأ والترمذي وغيرهما.
الجزء: 6 - الصفحة: 163
الثاني: فهمه قول الشَّيخين على ذلك وهذا؛ لأنهما إنما قالا ذلك في مسئلتي الأرض ... لخاصية فيهما وهي اشتمالهما على لفظ دالٍ على اشتراط المبتاع الثمرة؛ لأن مسألة ابن الفخار هي من باع جميع ما حوته أملاكه من الأرض والشجر، ولفظ جميع ما كالنص على دخول الثمرة فهو عنده مما اشترطه المبتاع فيكون له بنص الحديث.
وكذا صورة مسألة الدار التي أتى بها ابن عتاب لقوله: ونزلت هذه المسألة وهذا نص بأنها نزلت بلفظ مسألة ابن الفخار ولو كانتا عريتين عن هذا اللفظ الدال على اشتراط الثمرة بعمومه لم يلق بمنصبيهما الفتوى بدخول الثمرة لنص الحديث بخلاف ذلك.
وذكر المسألة في مختصر ابن الجلاب بنقيض فتواهما في الجلاب ما نصه: من اشترى أرضًا فيها شجر مثمر فما كان من ثمرها عقد فهو للبائع وما كان وردًا فهو للمبتاع.
وذكر ابن سهل وغيره عن ابن عتاب في القضية أنه قال: لما ذكر فتوى ابن الفخار، ولم يذكر هل جوابه عن رواية ولم يسأل عن ذلك وكان لا يجترأ عليه بالسؤال، وفيه عندي نظر؛ لأن المفتي يسأل عن مستند فتواه أو يرد سؤاله عن ذلك إذا كان مستنده تخريجًا يفتقر فيه لتأمل باعتبار حفظ أصله أو استنباط علته، أما إذا كان استناده إلى ظاهر الرواية المعلومة المشهورة فلا يسأله عنه لبيب.
ومستند فتوى ابن الفخار المذكورة إنما هو الأخذ بصريح المذهب في وجوب الثمرة المأبورة للمشتري باشتراطه، ودليل اشتراطه في النازلتين واضح لمن نظر وأنصف، وذكر استدلال الشُيُوخ بظواهر الروايات الجارية على الأصول، فتأمله.
ابن سهل: أجاب ابن القطان، فيمن باع جميع أملاكه بقرية كذا، وقال: في كتاب الابتياع في الدور والدمن والأفنية والزيتون، والكروم ولم يزد على هذا، وللبائع في القرية أرحى لم تذكر في الوثيقة فقال المبتاع: هي لي، وقال البائع: إنما بعت ملكي فيما نصصت في الوثيقة فإن الأرحى للمبتاع وكل ما بالقرية من العقار.
ابن سهل: هذا موافق لسماع أَصْبَغ في الصدقة.
قال المتيطي: وقال غيره هي للبائع.
الجزء: 6 - الصفحة: 164
باب الإبار في النخل
الإبار: الباجي عن ابن حبيب: هو أن ينشق الطلع عن الثمرة فإذا تم اللقاح فيسقط ما يسقط وثبت ما ثبت كان الثمر للبائع، وإن انشق الطلع فتأخر تأبيره وأبر غيره حوله مما حاله مثل حاله فحكمه حكم ما أبر، وإبار التين وما لا نور له أن تبرز جميع الثمر عن موضعها تتميز عن أصلها.
وإبار النخل التي لا تؤبر أن تبلغ مبلغ الإبار في غيرها، وسمع القرينان إبار الشجر غير النخل اللقاح وهو أن يثمر الشجر فيسقط منه ما يسقط ويثبت منه ما يثبت، وليس ذلك بأن يورد الشجر ويكون ذلك في العنب والرمان.
ابن رُشْد: هذا مشهور مذهب مالك ومعلومه، وإليه رجع مالك بعد أن قال: هو أن يورد الشجر.
وفي إبار الزرع طرق: الباجي: في كونه إفراكه أو ظهوره من الأرض روايتا ابن القاسم وأشهب.
ابن رُشْد: روى ابن القاسم عن مالك وقال: هو نباته، وقيل: هو أن يستقل ويفرق، وقيل: بل حتى يأخذ الحب وقع ذلك في أصل الأسدية وهو أحد قولي ابن عبد الحَكم.
المتيطي: المشهور إباره نباته، وقيل: هو تحبيبه.
وفي الكافي: روى ابن عبد الحَكم: هو أن يحبب حتى لو يبس حينئذ لم يكن فسادًا.
قُلتُ: وروى أبو عمر أنه بذره، ونقله ابن شاس وغيره، فإن أبر بعضها دون بعض فقال الباجي: إن كانا متساويين، فقال مالك: ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمبتاع.
وقال محمد بن دينار: ما أبر تبع لما لم يؤبر وكله للمبتاع.
ولسَحنون عن ابن القاسم في العتبيّضة: يقال للبائع: إما أن تسلم كل الثمرة للمبتاع وإلا فسد البيع ولو رضي المبتاع بالنصف، هذا إن تميز المأبور من غيره بعض الثمار أبر وبعضها لم يؤبر، وإن كانت النخل بعض ثمرتها قد كمل ذلك فيها وبعضها لم يكمل، وكان في سائر الثمار قد ظهر بعض الثمرة وبعضها لم يظهر، فروى ابن حبيب ذلك للبائع وجعل ظهور بعضه كظهور جميعه أصله الإزهاء.
الجزء: 6 - الصفحة: 165
وروى ابن المواز: أن ذلك لا يجوز إلا أن يشترط المبتاع الثمرة، ورأى أنه لما لم يتميز ولا يجوز أن يشترط البائع ما لم يؤبر، فلم يبق إلا أن يشترط المبتاع حظ البائع؛ لأنه جائز له.
ابن زرقون: لم يحسن الباجي تحصيل هذه المسألة، وتحصيلها: أنه إن كان ما أبر مساويًا لما لم يؤبر، وكل متميز في نخلات بأعيانها فلا يختلف أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمبتاع، وإن كان ما أبر شائعًا في كل نخلة وما لم يؤبر كذلك ففي كونه كله للبائع أو للمبتاع.
ثالثها: يخير البائع إما سلم كل الثمرة، وإلا فسخ البيع، ورابعها: البيع مفسوخ لابن حبيب ومحمد بن دينار وابن القاسم في العتبيّضة ورواية يحيي عنه في العشرة كنحو رواية محمد مع فضل عن ابن القاسم وسَحنون.
الباجي: وإن كان أحدهما أكثر ففي تبعية القليل للكثير وكونه كالمساوي روايتان، وسمع عيسى ابن القاسم من اشترى زيتونة على قطعها فتأخر حتى أثمرت فله ثمرتها.
ابن رُشْد: يريد: لم يكن فيها ثمر مأبور، ولو كان فيها ثمر أبر لكان للبائع اتفاقًا، وقوله: الثمرة للمشتري: يدل على أن قطع الثمرة عليه ولو كان على البائع لكان ضمانها منه، وكانت الثمرة له خلاف قوله في رسم سلف، من سماع ابن القاسم في بيع الصوف على ظهور الغنم، ويؤيد كونه خلافًا ما روي عن سَحنون أن ضمان الشجرة من البائع فاللة له، وعلى المشتري في ثمر هذه الشجرة للبائع أجر قيامه عليها إن كان يسقيها هو لا المطر، رواه ابن أبي جعفر عن ابن القاسم وعليه كراء موضعها من الأرض إن كان البائع غائبًا اتفاقًا، وإن كان حاضرًا فعلى اختلاف، قيل: يحلف إن كان حاضرًا، ويأخذ الكراء، وقاله عيسى في سماعه في الشركة وهو أصل اختلف فيه قول ابن القاسم.
وقال ابن عبدوس: إن كان البائع اشترط الأغصان فالثمرة له وإن لم يشترط ذلك ووقع البيع مجملًا فهو للمبتاع، وقاله سعيد بن حسان ويلزم على قياس ما قلناه أن يكون عليه لمشتري الشجرة كراء العمود إن كان غائبًا، وإن كان حاضرًا فعلى الخلاف المذكور، ولابن لبابة على قياس ما قلناه: لو اشترى عمود الزيتونة واشترى آخر الفروع وتأخر قطعها حتى أثمرت فالثمرة لصاحب الفروع، وعليه كراء العمود، وعلى صاحب العمود كراء الأرض إن كان صاحب الأرض وصاحب العمود غائبين، وإن
الجزء: 6 - الصفحة: 166
كان صاحب الأرض غائبًا وصاحب العمود حاضرًا لم يكن له كراء، وكان لصاحب الأرض كراؤها على صاحب العمود المتيطي: إذا ثبت أن الثمرة للبائع فليس للمبتاع إجباره على جدها قبل أوان الجد، وهل يكون سقي الأصول مدة ذلك على البائع أو على المبتاع؟ رواية محمد وقول المغيرة.
قُلتُ: روى الأول أَصْبَغ في نوازله.
ابن رُشْد: القياس أنه عليهما؛ لأنه منفعة لهما لا يستبد بها أحدهما كشريكين ولم يعد اختياره قولًا ثالثًا وفي بعض نسخ ابن الحاجب ولكليهما السقي ما لم يضر بالآخر.
ابن عبد السلام: يعني لكل واحد من صاحبي المأبور والمنعقد إذا بقيا على ملك البائعين السقي ما لم يضر ذلك بالمشتري، ومعناه: إلى الوقت الذي جرت العادة أن تجد الثمرة فيه، وإنما ذلك بمقتضى العرف.
قُلتُ: إنما يتقرر هذا الكلام على أن السقي علىة البائع لا على المشتري وفي قوله: ما لم يضر: نظر، لأن لحقوق الضرر للمبتاع بعيد لأنه إنما يلحقه بتضرر أصوله، وتضرر الأصول بسقي ثمرها بعيد، وإنما يتوقع الضرر بالثمرة فلو قاله على قول المغيرة كان أنسب فتأمله.
وسمع ابن القاسم إن بيعت الجارية وعليها حلي وثياب لم يشترطها بائع ولا مبتاع فهي للبائع، وما لا تتزين به فهو لها.
ابن القاسم: وما تتزين به لا ينبغي اشتراطه المبتاع.
سَحنون: من الحلي والثياب لا بأس بها.
ابن وَهْب: سمعت مالكًا يقول: إن كانت الجارية فارهة لها الثوب نحو بذلتها عند أهلها ليس للبائع نزعه، والثوب الجديد الذي لزينتها هو للبائع.
ابن رُشْد: إن كان الحلي والثياب للبائع لزمه أن يكسوها كسوة مثلها للبذلة، وقيل: لا يجب ذلك عليه إن لم يشترطه المبتاع فإن اشترطه لزمه، ولو شرط البائع أخذها عريانة ففي بطلان شرطه وعليه أن يعطيها ما يواريها ولزوم شرطه، سماع أشهب، وقوله عيسى بن دينار في المدنيَّة مع روايته عن ابن القاسم.
قال ابن رُشْد: هو القياس وبه الفتوى.
الجزء: 6 - الصفحة: 167
قُلتُ: لم يحك ابن فتوح عن المذهب إلا الأول غير معزو لمعين، وقول ابن عتاب عن ابن مغيث هو الذي جرت به الفتيا عند الشُيُوخ خلاف قول ابن رُشْد.
وفي سماع أشهب: لو باع الجارية على أن ينزع ما عليها ولا يكون لها إلا ثوبين خلقين في المنزل فجاء بهما فإذا هما لا يواريانها فليس له ذلك ولو اشترطه والبيع لازم، ويلزمه أن يعطيها ثوبًا يواريها وأما خلقان لا يواريانها فلا وأرى أن يعطيها إزارًا، قيل: فالقميص قال: لا، بل إزارًا أو ثوبًا.
ابن رُشْد: النظر وقياس المذهب فساد هذا البيع؛ لأن إخلاق الثياب يختلف ولو وصفا لم يجز إلا على اختلاف؛ لأنهما حاضران بالبلد.
وفيها مع غيرها: جواز بيع الثمر بدو صلاحه على جده.
اللخمي: في السلم الأول شرط ذلك بلوغ الثمر أن ينتفع به، واحتيج لبيعه، ولم يتمال عليه أكثر أهل موضعه وإلا لم يجز؛ لأنه فساد وعلى بقائه نصوص المذهب فساده.
وقال اللخمي: هذا إن شرطا أن مصيبته من المشتري أو من البائع والبيع بالنقد، لأنه تارة بيع وتارة سلف، وإن كانت المصيبة من البائع والبيع بغير نقد جاز، وصرح المازري بأن بيع الثمر قبل بدو صلاحه على البقاء لا يجوز إجماعًا ولم يستثن منه شيئًا، ثم قال: انفرد بعض أشياخي في بيع التمر قبل الزهو فذكر ما قاله اللخمي قال: وقول الأشياخ: وظاهر المذهب أن هذا لا يجوز، وفي المذهب ما يشير إلى الاختلاف في هذا الأصل فإن فيه قولين مشهورين في جواز كراء الأرض الغرقة على أن العقد إنما يتم بنضوب الماء عنها.
قُلتُ: هي مسألة الكتاب فيها قولا ابن القاسم وغيره وهي عندي كقولها بجواز كراء الأرض البعل عشر سنين إن لم ينقد، والفرق بينهما وبين مسألة التمر قبل الزهو تباع على البقاء، إن غرره يقدر على رفعه بالعقد مع شرط الجد وغرر نزول المطر، وانكشاف الماء غير مقدور على رفعه، وقد فرقوا هذا المعنى في فصل الخلع بالغرر، وعلى السكت في حمله على الجد فيصح أو على البقاء فيفسد نقلا اللخمي عن ابن القاسم فيها والقاضي، وصوب الأول؛ لأن أصل البيع التقابض في عوضيه ولا يعترض هذا بالعادة إنها تجد بعد الصلاح؛ لأن العادة إنما هي إذا لم يقع البيع وإذا وقع
الجزء: 6 - الصفحة: 168
البيع حمل على أصل البياعات، وقاله ابن محرز قبله وعزا المازي المنع لرواية البغداديين.
عياض: ظاهرها الجواز إن لم يشترط بقاؤها وعليه حملها غير واحد، من حذاق شُيُوخنا، واختصرها كثير منهم وإليه مال الأبهري، وحكى البغداديون أنه على الفساد حتى يشترط الجد وحمل بعضهم المسألة على أنه شرط جده وحكي عن أبي محمد وعليه اختصرها، واحتجوا بما له في كتاب العرايا وحمل فضل المسألة على أن عرفهم الجد، وجعل بعضهم كثرة الثمن دليل البقاء وقلته دليل جده.
وقال ابن رُشْد: في أثناء أول مسألة من سماع ابن القاسم من جامع البيوع: لا يجوز بيع البلح قبل زهوه إلا بشرط القطع فإن وقع مسكوتًا عليه فسخ إلا أن يقطعه المشتريس قبل أن يعثر عليه لأن بقطعه يتبين أنه اشتراه على القطع، على هذا يحمل ما في البيوع الفاسدة من المدَوَّنة، وبيع العرايا منها لا على أنه اختلاف قول على ما قاله بعض أهل النظر بخلاف القصيل؛ لأنه يجوز بيعه وإن وقع على السكت قبل أن يتحبب فرق بينهما العرف.
الباجي: لا خلاف في منع بيع التمر قبل بدو صلاحه على البقاء إلا ما يروى عن يزيد بن أبي حبيبب في العرية، وإن أطلق البيع فالمشهور عن مالك منعه، ولابن القاسم في البيوع الفاسدة، عنه جوازه ابن عبد السلام سمع عيسى ابن القاسم أنه يجوز شراء مال العبد وثمر النخل بعد الصفقة لمن لم يشترطها فيها ولم يفرق بين قربٍ وبعدٍ، ومثله في جوائح المدَوَّنة في ثمر النخل بعد الصفقة.
قُلتُ: وفي شفعتها حسبما يأتي.
قال: وروي أشهب: أنه لا يجوز قرب أو بعد، فكنت أقول تفرقة عيسى في سماعه إن كان بالقرب جاز وإن طال فلا خير فيه، ومثله لأَصْبَغ عن ابن القاسم مفسرة لقوله في سماع عيسى: وإن الخلاف إنما هو في القرب، ولا خلاف في البعد لأجل إنه إذا طال لم يكن الذي اشترى هو ما كان يجوز له أن يستثنيه والذي أقول به الآن أن التفرقة قول ثالث، وتفرقة أشهب بإجازته ذلك في الثمر يريد ولو بعد ومنعه ذلك في مال العبد يريد ولو قرب قول رابع.
وحكم شراء الزرع بعد الأرض حكم شراء الثمرة في الأقوال الثلاثة.
الجزء: 6 - الصفحة: 169
قال يحيى: وحد القرب في ذلك عشرون يومًا ونحوه، وعن الباجي للمخزومي وابن دينار مثل رواية أشهب.
ابن زرقون: قال فضل عن ابن حبيب: إنما يجوز له شراء ذلك على مثل الثمن الذي ابتاع به الأصل من نقد أو أجل، وإن كان بعرض فبمثله، ومنعه ابن الماجِشُون في مال العبد بكل حال ولو بالقرب؛ لأنه مجهول محض، قال: وأما شراء السيف المنقوض الحلية إن اشتراها بعده، فإن كان بحدثانه والسيف بحاله ولم تركب فيه حلية حديد ولا غيرها فلا بأس بشرائها بالفضة وإن لم تكن مراطلة إن أمكن تركيبها دون إعادة للصياغة وكانت متوافرة كلها، فإن فات بعضها أو كان السيف حلي بغير تلك الحلية أو تطاول أو كانت حليته لا تركب إلا بعد إعادتها بالصياغة لم يجز، وأجازه مُطَرِّف في مال العبد والثمر والزرع، إن كان بحدثانه وبمثل الثمن الأول ولم يجزه فلي الحلية إلا أن يكون البائع باع السيف واستثنى الحلية، فلم ينقضها حتى أراد بيعها بحدثانه فيجوز.
الباجي: وإن اشترى الأصل والثمرة في صفقة واحدة ثم استحق الأصل فقال ابن حبيب إن كان في زرع فاستحقت الأرض فسخ البيع ما لم يستحصد الزرع فإن استحصد قبل الاستحقاق تم فيه البيع، وكذا الثمرة في استحقاق الأصل، ومثله لمحمد، وظاهر المدَوَّنة في الشفعة فسخ البيع طاب أو لم يطب.
لابن حبيب من اكترى دارًا فيها شجرة تبع للكراء فاشتراطها المكتري ثم استحقت الدار إلا موضع الثمرة أنها ترد طابت أو لم تطب؛ لأنه ضمها إلى ما لم يكن يملكه، ولو انهدمت الدار فالثمرة للمكتري منابها من الثمن وهذا اختلاف من قوله في الاستحقاق إلا أن يفرق بين الاكتراء والشراء.
وقال محمد ويحيى بن عمر في انهدام الدار في بعض المدة والثمرة مزهية: أن الثمرة ترد إلى البائع إلا أن تكون تبعًا لما مضى من المدة، ولأبي زيد عن ابن القاسم: إن أزهت فهي للمكتري بمنابها من الثمن، ففي رد ثمرة الدار للبائع، وكونها للمشتري.
ثالثها: تفرقة ابن حبيب بين الهدم والاستحقاق ولو اشترى الثمرة على الجد ثم اشترى الأصل فله أن يقر الثمرة في الأصل، ولو اشترى الزرع على الحصاد ثم اكترى
الجزء: 6 - الصفحة: 170
الأرض لم يجز أن يقر الزرع حتى يبدو صلاحه؛ لأنه لم يملك الأرض، ولو اشترى الثمرة على التبقية ثم اشترى الأصل لم يكن له أن يبقيها؛ لأن عقد الثمرة فاسد، ولو ورث الأرض بعد ذلك جازت التبقية قاله مالك؛ لأن الثمرة إذا فسخ بيعها رجعت إليه بالإرث.
قُلتُ: في شفعتها يجوز ابتياعه الزرع بعد ابتياعه الأرض فيبقيه فيها ويحل محل البائع، وله بيع الأرض دون الزرع، ولا يبطل البيع في الزرع؛ لأن شراءه الأرض لم ينتقض، وفي الاستحقاق انتقض.
وفي أكرية الدور منها: إن انقضت السنون، وفي الأرض للمكتري زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب الأرض شراؤه، وإنما يجوز بيع زرع أخضر بشرط مع الأرض في صفقة، وكذا الأصول بثمرها، ونقل بعض المغاربة جواز شرائه رب الأرض لا أعرفه نصًا ولا يبعد تخريجًا، ونص أبو إبراهيم أن من صارت إليه الأرض بشراء من مكريها أو هبة أنه كمكريها في منع شراء زرعها.
وبيع التمر بعد بدو صلاحها جائز:
ابن الحاجب: ما لم يستثن نحو البذر من الكتان.
قُلتٌ: استثناؤه كالجنين، وبعضهم يخرج فيه الخلاف من كون المستثنى مبقى، ويلزم مثله في سائر الحبوب، كالقمح والفول.
ابن حارث: اتفقوا في الحائط تزهو فيه نخلات، أنه جائز بيع جميعه، وإن أزهى ما حوله فسمع ابن القاسم: أنه كذلك إن كان الزمن أمنت فيه العاهات.
وقال ابن القاسم: لا أراه حرامًا وأحب إليَّ حتى يزهو، وقاله ابن حبيب وحكاه عن مُطَرِّف.
قُلتُ: ظاهر ما عزاه الباجي لمُطَرِّف المنع لا الكراهة قال: إذا بدا صلاح نخلة بحائط جاز بيع ما حواليه من الحوائط مما هو كحاله في التبكير والتأخير خلافًا لمُطَرِّف من أصحابنا والشافعي قالا: لا يباع بطيبها غير حائطها.
قُلتُ: ففي جوازه واستحباب تركه حتى يبدو صلاحه، ثالثها: المنع وعزوها واضح، وسمع ابن القاسم: بجواز بيع الحائط فيه صنف واحد من الثمر يبدو
الجزء: 6 - الصفحة: 171
صلاحه، وإن لم يعم كل الحائط إن كان طيبه متتابعًا ولا يجوز بيعه بالشيء المبكر، وإن كانت أصنافه من التمر مختلفة لم يبع منها إلا ما طاب، ولا بأس ببيع الدالية، وقد طابت الحبات في العنقود وسائرها لم يطب، والتينة كذلك.
ابن رُشْد: يريد بالصنف الواحد: أنه نخل كله أو تين كله أو رمان كله، ولو اختلفت أجناس ذلك إذا تتابع طيب جميعه قريبًا بعضه من بعض.
وقال ابن كنانة: وإن لم يقرب بعضه من بعض إن كان لا يفرغ آخر الأول حتى يطيب أول الآخر، ويقوم هذا من قول مالك في رسم طلق في مسألة الجنين؛ لأن البطنين في الثمرة الواحدة كالجنسين من صنف واحد، وإن كان أصنافًا مثل عنب وتين، ورمان فلا يباع ما لم يطب من صنف بما طاب من آخر اتفاقًا، ولو قرب وتتابع إلا أن يكون ما لم يطب تبعًا لما طاب على اختلاف نذكره في آخر سماع أشهب إن شاء الله تعالى.
وقوله: إن كانت أصنافه من التمر مختلفة لم يبع منها إلا ما طاب معناه مثل ثمر، وتين وعنب، ورمان، والرواية في الثمر بالثاء المعجمة بثلاثة لا باثنتين، ثم حصل في وقف بيع الحائط على بدو صلاح جميعه أو صلاح بعضه، وهو متتابع قريب بعضه من بعض.
ثالثها: يجوز ولو لم يقرب إذا لم ينقطع الأول قبل بدو صلاح الثاني، ورابعها: يجوز ببدو صلاح ما حوله لأول قولي مالك، وثانيهما، وابن كنانة وقول مالك في رسم أخذ يشرب خمرًا من سماع ابن القاسم مع ابن حبيب.
قُلتُ: هذا خلاف نقل ابن حارث عنه، وخامسها: نقل ابن حارث عنه مع ابن القاسم أحب إلىَّ أن لا يباع بما حوله.
قال ابن رُشْد: وما استعجل زهوه بسبب مرض في الثمرة وشبهه لم يبع به الحائط اتفاقًا، سمع ابن القاسم الشجرة تطعم بطنين في السنة بطنًا بعد بطن لا يباع البطن الثاني مع الأول؛ بل كل بطن وحده ابن رُشْد ظاهر قوله: لا يجوز، وإن كان لا ينقطع الأول حتى يبدو طيب الثاني وهو خلاف ما تقدم من قوله.
وروى ابن وَهْب: جواز بيع البطن الثاني مع الأول إن كان لا ينقطع الأول حتى يدركه الثاني.
الجزء: 6 - الصفحة: 172
قُلتُ: يفرق بأن البطن الثاني غير موجود حين بيع الأول ولا مرئي بخلاف الصنفين؛ لأنهما مرئيان حين بيع أولهما طيبًا.
الشَّيخ عن ابن حبيب: وقت جواز بيع الزيتون إذانها ناحية الاسوداد وكذا العنب الأسود، وأما الأبيض فإن بيان ينحو ناحية الطيب وحد الإزهار في كل الثمار إذا نحت ناحية الاحمرار وانبعثت للطيب.
ابن الحاجب: (وصلاحها زهوها وظهور الحلاوة).
قال ابن عبد السلام: ظهور الحلاوة لا أحفظه عن المتقدمين.
قُلتُ: للمتيطي: بدو صلاح العنب دوران الحلاوة فيه مع اسوداد أسوده وحاصله في سائر الثمار إمكان الانتفاع به.
وفي سلمها الأول: لا يباع الحب حتى ييبس وينقطع عنه شرب الماء حتى لا ينفعه الشرب.
اللخمي: في الموازيَّة عن ابن شهاب: كان العلماء يقولون بدو صلاح الزرع إذا أفرك، قال: والأول أحسن لحديث ابن عمر حتى يبيض.
قُلتُ: يقع في بعض النسخ أشهب بدل ابن شهاب، وهو غلط إنما هو ابن شهاب كذا في النسخ العتيقة، وكذا وقع في النوادر عن ابن شهاب، الشَّيخ روى محمد إذا يبس الزرع وفيه ما لا خطب له لم ييبس فلا بأس ببيع جميعه وفي سماع أَصْبَغ قال: سألت أشهب عن صلاح البطيخ الذي يحل بيعه أهو أن يؤكل بطيخًا أو فقوسًا؟ قال: أن يؤكل فقوسًا، قال أَصْبَغ: فقوسًا قد تهيأ للبطيخ فأما الصغار فلا.
الجزء: 6 - الصفحة: 173
ابن رُشْد: قول أَصْبَغ خلاف لقول أشهب؛ لأن مذهبه جواز اشتراء المقاثي إذا عقدت، وإن كان يريد تركها حتى يصير بطيخًا كالثمار إذا بدا صلاحها، وإن أراد تركها حتى تيبس، وقيل: لا يجوز شراؤها بعد طيبها على أن يتركها حتى تيبس والقولان قائمان من المدَوَّنة؛ لأنه لم يجز فيها شراء الفول أخضر على أن يترك حتى ييبس، وذلك معارض لقوله: في النخل والعنب إذا اشترى أخضر ثم أصيب بعد أن يبس إنه لا جائحة فيه؛ لأن الظاهر منه إجازوة شرائه، على أن يتركه حتى ييبس وهو مشهور المذهب وعلى الثاني يأتي قول أَصْبَغ، وفي الموطأ عندنا في البطيخ والقثاء والخربز والجزر أن بيعه إذا بدا صلاحه جائز، وللمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره، وليس فيه وقت يوقت وهو معروف عند الناس.
الباجي: الخربز: نوع من البطيخ وكذا الباذنجان والقرع؛ لأنه لا يمكن حبس أولها على آخرها، وهذه ثلاثة أضرب:
ضرب تتميز بطونه ولا تتصل كالتين والنخل والورد والياسمين والتفاح والرمان والجوز هذا لا يباع ما لم يظهر من بطونه بظهور ما ظهر منها وبدا صلاحه، وحكم كل بطن منها مختص به.
وضرب تتميز بطونه وتتصل كالقصيل والقرط فإطلاق العقد فيه لما ظهر منه فقط.
قال محمد بن مسلمة: والبقول بمنزلة القضب.
وسمع القرينان: أيشتري الموز قبل أن يطيب حتى ينزع؟ قال: لا بأس به.
ابن رُشْد: من شأنه أن لا يطيب حتى يدفن في التبن أو غيره؛ فلذا جاز بيعه قبل طيبه، وذلك إذا صلح للقلع فصلاحه للقلع هو طيبه الذي يبيح بيعه، وكذا ثمار عندنا تسمى المشتهي.
المتيطي: يجوز بيع المقاثي والمباطخ، إذا بدا صلاح أولها وإن لم يظهر ما بعده، وكله للمشتري إلى تمام إطعامه والورد والياسمين إذا آن قطاف أوله وكله للمشتري إلى
الجزء: 6 - الصفحة: 174
آخر إبانه.
وفيها آخر المساقاة: لا بأس بشراء الموز في شجره إذا حل بيعه، ويستثنى من بطونه خمس بطون أو عشرًا أو ما تطعم هذه السنة أو سنة ونصفًا وذلك معروف والقضب مثله.
وفي البيوع الفاسدة منها: لا يجوز بيع ما تطعم المقثأة شهرًا.
الباجي: قال محمد بن مسلمة: يباع الموز سنتين، وروى ابن نافع: لا أحب بيعه أكثر من سنة بالزمن الطويل ولا يصح إلا أن تكون بطونه متصلة في هذه المدة ولا يتقدر بالتمام؛ لبقاء أصله فإن تميز كل بطن من الآخر، واتصلت صح شراؤه بعدد البطون، وإن اتصلت ولا تتميز قدر بالزمن كالمياه، والجميز.
روى محمد: إن اتصل نباته فهو كالمقاثي وإن كان منفصلاً فلا خير فيه والسدر مثله يريد: وأما بيعه إلى أن يفنى الأصل كالمقاثي فلا يجوز.
الجزء: 6 - الصفحة: 175