المختصر الفقهي لابن عرفةكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الطلاق صفة حكيمة ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجبًا تكررها مرتين للحر، ومرة لذي رق حرمتها عليه قبل زوج.

الجزء: 4 - الصفحة: 86

وقول ابن عبد السلام، ولم يرسمه ابن الحاجب؛ لأن حقيقته مشعور بها للعوام فضلًا عن الفقهاء؛ يرد بأن المشعور به لهم وقوعه من حيث صريح لفظه؛ أما حقيقته فلا ولا لبعض الفقهاء، وقبل المتيطي صرف الخطابي الكراهة في حديث: "أبغض

الجزء: 4 - الصفحة: 88

الحلال إلى الله الطلاق" لسوء العشرة لا للطلاق لإباحة الله تعالى، وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: الأقرب كونه منه صلى الله عليه وسلم كان لسبب رجحه، ومحمل كونه أبغض أنه أقرب الحلال إلى البغض فنقيضه أبعد عن البغض؛ فيكون أحل من الطلاق كقول مالك: إلغاء البياض أحل، والحديث خرجه أبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الخطابي: المشهور فيه عن محارب بن دثار مرسلا، وقال فيه عبد الحق: يروى مرسلا، وتعقب قوله ابن القطان: بأن إرساله مرة لا يضر في صحة إسناده وصححه.
اللخمي: إن كان الزوجان على أداء كل منهما حق صاحبه استحب البقاء، وكره الطلاق لحديث: "أبغض الحلال"، وغن كانت الزوجة غير مؤدية حقه كان مباحًا، فإن كانت غير صينةٍ في نفسها استحب فراقها إلا أن تعلق بها نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم للذي قال: إن زوجته لا ترد يد لامس "فارقها.
قال: إني أحبها.
قال: فأمسكها"، ولأنه لا

الجزء: 4 - الصفحة: 89

يأمن أن تلحق به غير ولده.
قلت: خرج الحديث النسائي، وصححه عبد الحق، ولم يتعقبه ابن القطان، ورجاله ثقات.
قال عبد الحق: ذكر القاضي ابن صخر في فوائده عن الأصمعي قال: إنما كنى عن بذلها الطعام، وما يدخله عليها لا غير.
قلت: ذكره النسائي في ترجمة نكاح الزانية.
اللخمي: وإن فسد ما بينهما، ولا يكاد يسلم دينه معها وجب الفراق، وزاد ابن بشير: حرمته، وهو إذا خيف من وقوعه ارتكاب كبيرة مثل أن يكون لأحدهما بالآخر علاقة إن فارقها خاف ارتكاب الزنا، وقال يكون مندوبا إليه إن وقع من الكراهة ما لا تحسن الصحبة به، ولم يؤد لتضييع الحدود، وتقدم للخمي كون هذا مباحًا.
قال ابن بشير: ويكون مباحًا إن خاف فساد الزوجة وأمكنه الفراق، ولم تتشوف نفسه إليها، وتقدم للخمي كون هذا مندوبا إليه.

باب طلاق الخلع

وهو نوعان: بعوض منها أو من غيرها ودونه، فالأول سماه كثير خلعًا.
وفيها: ما الخلع وما المبارأة وما الفدية.

الجزء: 4 - الصفحة: 91

قال: قال مالك: المبارئة التي تبارئ زوجها قبل البناء تقول خذ الذي لك وتاركني، والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تعطيه بعض الذي لها وكله سواء، وروى محمد بن يحيى: المبارئة التي لا تأخذ ولا تعطي.
قلت: هذا يتناول أكثر صور الطلاق الرجعي، وروى المختلعة التي تعطي ما أعطاها وزيادة عليه، والمفتدية التي تعطي بعض ما أعطاها، وكذا المصالحة، ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم: أن المفتدية التي تترك كل ما أعطاها، وقال أبو عمر: الخلع والصلح والفدية سواء، وهي أسماء مختلفة ومعان متفقة، ومنهم من قال: الخلع أخذ الكل، والصلح أخذ البعض، والفدية أخذ الأكثر والأقل.
ابن محرز: الخلع معاوضة لا عطية؛ لأنها لو ماتت أخذ العوض من تركتها، ووقع لمحمد إن أحال الزوج عليها من له عليه دين فمات فللمحال الرجوع على الزوج بدينه، وذكر المتيطي الأول، وقال: هو المشهور وما في الموازية خلافه.
**** ابن زرقون: قال ابن القصار مكروه؛ لأنه يبين المدخول بها.
اللخمي: إن كان الضرر منها فقط أو لا ضرر منهما جاز أخذه منها على طلاقها أو إبقائها، وإن كانت منه فقط جاز على إبقائها على طلاقها، وإن كان منهما فهي مسألة الحكمين.
الباجي: إن كان الضرر منهما فقال بعض القرويين: لا يجوز أن يأخذ منها شيئًا،

الجزء: 4 - الصفحة: 92

وهو نص من تقدم من علمائنا، ويجوز بحكم الحكمين، وعندي إذا جاز في الحكمين فهو باتفاقهما أولى.
ابن حارث: اتفقوا في الحكمين فهو باتفاقهما أولى.
ابن حارث: قال اتفقوا إن خالعها أو صالحها أنها واحدة بائنة، ولو شرطت أنها رجعية فروايتان للأكثر، والقاضي مع الباجي عن ابن وهب.
قال: وأخذ بها سحنون فخرجهما اللخمي على أن البينونة شرع أو باختيار الزوجين.
ويتقرر بالفعل دون قول: لنقل الباجي رواية ابن وهب من ندم على نكاحه امرأة فقال أهلها نرد لك ما أخذنا وترد لنا أختنا، ولم يكن طلاق ولا كلمة فهي تطليقة، وسماع ابن القاسم: إن قصد الصلح على إن أخذ متاعه وسلم لها متاعها فهو خلع لازم ولو لم يقل أنت طالق، وفي أنت طالق طلاق الخلع ثلاث رجعية وبائنة وثلاث، للخمي عن مطرف مع أشهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم مع مالك وابن الماجشون.
وفيها لمالك: من قال أخالعك على أن أعطيك مائة دينار فقبلتها فهي طلقة بائنة، وكذا لو لم يعطها.
قال غيره عنه طلاق، والمطلق طلاق الخلع هو البتة؛ لأنه لا تكون واحدة بائنة إلا بخلع، فصار كمن قال لزوجته التي بنى بها: أنت طالق طلاق الخلع، وروى ابن وهب وابن القاسم فيمن طلق امرأته وأعطاها هي طلقة رجعية، وروى غيره عنه أنها بائنة وأكثر الرواة أنها رجعية.
قلت: يجب عود ضمير فاعل صار على من قال أخالعك، وإلا كان تشبيه الشيء بنفسه.
عياض: وهم أبو بكر بن عبد الرحمن وغيره نقل اختلاف الرواة فيمن طلق وأعطى، وقالوا إنما وقعت المسألة في موطأ ابن وهب والأسدية والموازية فيمن صالح وأعطى أو خالع وأعطى لا من طلق وأعطى، ورواية ابن القاسم فيمن طلق وأعطى غير مخالفة لروايته فيمن خالع على إن أعطى مائة أنها بائن، وترجح أبو عمران في احتمالهما الخلاف والوفاق، وفي الموازية فيمن طلق وأعطى غير مخالفة لرواية إن جرى الأمر بينهما بمعنى الخلع والصلح فهي بائنة وإلا فرجعية.
قال بعض شيوخنا: والخلاف في مسألة من طلق طلاق الخلع إنما هو بعد البناء،

الجزء: 4 - الصفحة: 93

ولا يختلف فيها قبل البناء أنها واحدة، وتعليله يبينه.
وقول ابن عبد السلام في مسألة المدونة فيمن طلق وأعطى نسب غير واحد رواية ابن وهب فيها إلى الوهم، يرد بأن الوهم المذكور إنما هو في ذكر اختلاف الرواة فيها بأنها بائنة، ورواية ابن وهب فيها أنها رجعية، وهي موافقة للأصول، ورواية ابن القاسم.
الباجي: إن صالحها على عطية منه لها جهلًا، وظن أنه وجد الصلح، فروى ابن وهب أنها طلقة رجعية، ثم رجع فقال: هو خلع، وقاله ابن القاسم في المدونة، وعزا ابن حبيب القول: بأنها البتة في أنت طالق طلاق الخلع لابن الماجشون وقال به، والقول بأنها رجعية لمطرف، وزاد اللخمي: ولأشهب وابن عبد الحكم وأخذه منها مالًا على أن لا رجعة، في كونه خلعًا بالولى أو بأخرى، ثالثها: إن ارتجع رد المال وإلا فلا، لابن وهب، وابن القاسم مع مالك، وأشهب.
وفيها: شرطه في خلعها إن طلبته عادت زوجة باطل في الموازية إن ظنا صحته فطلبته فعادت ووطئها فارقها، وإنما لها بإصابته ما رده كان أكثر من مهر مثلها أو أقل، الصقلي عن بعضهم: إن قصر المردود عن ربع دينار أتمه، في الموازية لو صالحها ثانية بعد حملها منه بطل ورد لها خلعها.

باب المطلق بالخلع

المطلق بالخلع من صح طلاق: ابن فتوح وابن فتحون: يجوز للأب ووصيه والسلطان وخليفته المبارأة عن الصغير بشيء يسقط عنه أو يؤخذ له لا على غير ذلك، وكذا السيد في عبده الصغير.
قلت: هذا خلاف قول اللخمي يجوز أن يطلق على السفيه البالغ والصغير دون شيء يؤخذ له قدر يكون بقاء العصمة فسادًا لأمر جهل قبل نكاحه، أو حدث بعده من

الجزء: 4 - الصفحة: 94

كون الزوجة غير محمودة الطريق أو متلفة ماله.
وفيها لمالك: لما جاز للأب والوصي إنكاح الصغير المرأة الموسرة رغبة له، فكذا يطلقان عليه بالمال، ثم قال: لا يجوز أن يطلق على ابنه الصغير إنما يجوز أن يصالح عنه، ولم يجز طلاقه؛ لأنه ليس موضع نظر في أخذ شيء له إنما الطلاق بالمعنى الذي دخل منه النكاح المغبطة فيما يصير إليه، ولا يطلق السيد على عبده الصغير إلا بخلع يأخذه.
وروى ابن نافع فيمن زوج وصيفه وصيفته قبل البلوغ تفرقته بينهما على وجه النظر، والاجتهاد قبل بلوغهما جائز، وقال ابن نافع: لا يجوز إلا على وجه الخلع.
ابن رشد: ذو عقد حرية على عدم جبره على النكاح لا يخالع عنه، وعلى جبره في الخلع عنه قولان، وفي خلع الولي عن سفيهه البالغ بغير أمره سماع ابن القاسم في الجنايات مع ابن رشد عن دليل نكاحها الأول، وابن حبيب وابن الماجشون مع قولها في إرخاء الستور، وجعل ابن الحاجب الأول المشهور، وعكسه ابن فتحون، وبأمره جائزة ماضية.
وفي السيد عن عبده البالغ نقلا ابن بشير، وجعله الأول المشهور خلاف ظاهرها، وقول ابن فتحون: العبد البالغ كالسفيه، وقول ابن شاس اختلف في صحة خلع السفيه لا أعرفه.
قال: وعلى صحته لا يبرأ المختلع بتسليم المال إليه؛ بل إلى الولي، وقال اللخمي: إن كانت رشيدة والزوج سفيه مضى الخلع؛ لأن الطلاق لا يرد، وإن كان في الخلع غبن كمل له خلع المثل.
قلت: فيجب صرف الخلاف الذي نقله ابن شاس لتكميل خلع المثل لامتناع رفع الطلاق، وتفسير ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب مجمل، وظاهر كلام الموثقين براءة المختلع برفع الخلع للسفيه دون وليه.
قال ابن فتحون والمتيطي: لا يفتقر المبارئ للوصي؛ لأن الطلاق إنما هو للسفيه بخلعه يأخذ منها أو يسقط دينا عليه فلا إذن للوصي في ذلك.
قلت: لأنه عوض عن غير متمول السفيه مستقل به فصار كهبة خلع المريض تام، وفي إرثها إياه المنصوص، وتخريج اللخمي من قول المغيرة: من حلف ليقضين فلانًا حقه فحنث في مرضه بمال طرأ له لم يعلم به حتى مات لم ترثه، ونفي التهمة في خلع

الجزء: 4 - الصفحة: 95

المريض أبين مع تخريج بعضهم من نقل الباجي رواية زياد ابن جعفر في طلاقه بحنث في مرضه من سببها كمن حلف في صحته بطلاقها إن دخلت الدار فدخلتها في مرضه قصدا للطلاق أنها لا ترثه، ومن رواية زياد في المملكة في المرض أنها لا ترثه، وعلى الأول قال محمد وأبو عمران: ترث.
مما أعطته، كذا نقله الصقلي وعبد الحق في تهذيبه، ونقل ابن عبد السلام عن أبي عمران عن مالك أنها لا ترث منه؛ لا أعرفه.

باب باطل الخلع

***** لأن عوضه غير مالي، والمذهب صحته من غير الزوجة مستقلًا.
قلت: ما لم يظهر قصد ضررها بإسقاط نفقة العدة فينبغي رده كشراء دين العدو.
وفيها: من قال لرجل طلق امرأتك ولك علي ألف درهم ففعل لزم ذلك الرجل، والرشيدة، ولو كانت ذات أب مستقلة والتوكيل منه أو منها عليه جائز لازم ما وقع به، ويلزم وكيلها دفع العوض إلا أن يشترطه عليها كالبيع.
وفيها: إن وكل بصلحه رجلين فخالعها أحدهما لم يجز إلا بهما كالبيع لا

الجزء: 4 - الصفحة: 96

كرسولي طلاق.
ابن رشد: لو صالح عنها أجنبي دون إذنها ففي ضمانه العوض، وإن لم يشترطه أو بشرطه قولان لأصبغ في نوازله كالواضحة مع ابن حبيب وصلح المدونة، وظاهر قول ابن القاسم مع روايته في إرخاء الستور منها مع سماعه يحيى، ولابن رشد في نوازل أصبغ في التخيير، وثالثها: لابن دينار: إن كان ابنًا أو أبًا أو أخًا ضمن.
وفيها: لا تختلع أمة ولا أم ولد إلا بإذن السيد، فإن فعلا دونه فله رده، ولا تتبع به الأمة إن عتقت، ولزم الزوج الخلع.
اللخمي: وكذا المدبرة، ومرض السيد فيا لأمة كصحته، وفي المدبرة وأم الولد على منع السيد انتزاع مالهما فيه، يوقف الخلع لصحته؛ فيكون له رده أو موته فيمضي.
وفيها: يجوز للمكاتبة بإذن السيد، فقيده سحنون باليسير التافه.
اللخمي: إن وقع دون إذنه وقف المال إن لم يضر بيعها، إن أدت نفذ للزوج، وإن عجزت رد، وإن أسقط سعيها رد لها، وليس للسيد إسقاطه على قول أشهب، وهو أحسن إن أدت أخذ منها الزوج، وإن عجزت تبعها به متى عتقت؛ لأنها قضت به دينها، وإن كانت معتقة إلى أجل.
انتهى.
ولم يذكر لها جوابًا، والأظهر أنها كأم الولد وقرب أجلها كمرض السيد وقاله ابن بشير.
ابن شاس: إذن السيد للأمة في الخلع لا يوجب ضمانه، وبه يجب تفسير قول ابن الحاجب لا يضمنه السيد لمجرد الإذن، وقال ابن عبد السلام: معناه أن إذن السيد لها في التجر لا يستلزم الإذن في الخلع لعدم منفعة السيد به، وفي الإشراف المأذون لها في التجر يمضي خلعها إن وقع، فكأنه رأى فيه منفعة لها ولسيدها.
قلت: تفسيره بما ذكر يرد ببعده عن لفظ ابن الحاجب، وللشيوخ فيها مقالات الأولى ما ذكره عن الإشراف، وقال ابن فتحون والمتيطي ما نصه: إن اختلعت أمة نفذ الخلع، وللسيد رد ما أعطته إلا أن تكون مأذونة فينفذ خلعها إن كان خلع مثلها وكان حظا لها وخلعها في مالها لا في رقبتها ولا في مال سيدها، وقال ابن محرز: لا يجوز خلع المأذون لها في التجرد دون إذن سيدها؛ لأنه دفع مال بغير عوض، ولم يختلف فيه لقوة

الجزء: 4 - الصفحة: 97

حق السيد كالمكاتبة، ولم يحك ابن رشد غيره.
ولغرماء المدينة رد خلععها، والفرق بينه وبين النكاح؛ لأنه لا تمس الحاجة إليه فكأنهم عاملوه عليه.
وفي كتاب الصلح منها: ليس للمدين الصلح عن دم عمد بأموال الغرماء، وفي غير المدونة إن وقع مضى، فعلى هذا يمضي الخلع إن وقع، وكأنهم عاملوها على التصرف في مالها بما يجلب لها نفعًا أو يدفع ضررًا ولو كان نادرًا.
قلت: مفهوم قوله أو لا منعه ابتداء، ومقتضى تعليله جوازه.
ابن رشد: في جواز مخالعة المدينة دون إذن غرمائها قولان.
وسمع يحيى ابن القاسم إن صالحت الصبية التي توطأ، ولم تبلغ المحيض بمال دفعته للزوج جاز ووقعت الفرقة، وكان له ما أعطته.
ابن رشد: مثله روى ابن نافع وزاد إن أعطته مالًا يختلع به مثلها رد جميعه ونفذ طلاقها، وقال أبو بكر بن محمد: معروف قول أصحابنا رد المال وإمضاء الخلع، وقاله ابن الماجشون في الواضحة: ولا خلاف فيه إن كان ما خالعت به ليس خلع مثلها، إنما الخلاف في خلع مثلها، فالقول بنفوذه؛ لأنه وقع على وجه نظر لو دعي له الوصي ابتداء فعله، والأول المشهور، وفي العتبية عقبها قال سحنون: إن كرهت اليتيمة البالغة البكر زوجها فافتدت منه قبل البناء بما أخذ منها أو حطته عنه جاز ولزمها.
ابن رشد: هذا معلوم قول سحنون أن البكر التي لم يول عليها بأب أو وصي أفعالها جائزة إن بلغت المحيض، وقاله غير ابن القاسم في ثاني نكاح المدونة ورواه زياد.
قلت: زاد الصقلي قال في كتاب ابنه: من لم يجزه لم أعنفه، أصبغ: لا يجوز ما بارأته به الصغيرة أو السفيهة، وكذا بعد موت أبيها قبل البناء، ويمضي الطلاق، ويرد ما أخذه الزوج، ولو أخذ حميلًا بما يدركه في نصف المهر الذي بارأته به غرمه، ورجع به على الحميل.
قلت: قال ابن فتحون: إن أخذ حميلًا بما التزمت له أو أسقطته، ثم ثبت كونها في ولاية رجع الزوج بما يغرمه على الحميل، وقال المتيطي في أقضية فضل عن ابن

الجزء: 4 - الصفحة: 98

الماجشون: إن لم يعلم الزوج سفهها رجع على الحميل، وإن لم يعلم بذلك؛ لأنه دخل فيما لو شاء كشفه، وإن علم الزوج ذلك فلا سبيل له إلى الحميل.
قلت: ظاهر قول ابن رشد؛ لأنه وقع على وجه النظر، ولو دعي له الوصي ابتداء فعله مع قوله، وعلى هذا يختلفون في الصبي يبيع أو يبتاع أو يفعل ما يشبه البيع والشراء مما يخرج على عوض، ولا يقصد به معروف، وهو سداد ونظر، فلا ينظر فيه الأب ولا الوصي حتى يكون غير سداد بنماء أو حوالة سوق بزيادة فيما باعه أو نقص فيما ابتاعه.
قيل: لا ينقض اعتبارًا بحاله يوم وقع وعليه سماع يحيى ورواية ابن نافع في المدنية، وقول أصبغ في الخمسة، وقيل: ينقض اعتبارًا لحاله يوم النظر، وعليه القول برد المال، وإمضاء الخلع، أن الخلاف في خلع الصبية، ولو كانت ذات أب أو وصي، وظاهر قول اللخمي: اختلف في خلع الصغيرة، إذا لم تكن في ولاية فأجازه ابن القاسم في العتبية ومنعه أصبغ.
ابن الجلاب: إنما هو إذا لم تكن في ولاية أو وصي، وأجرى قول سحنون على ما ذكر ابن رشد، وزاد أو على قول أشهب في السفيه أفعاله على الجواز ما لم يحجر عليه.
قال: وعلى أن أفعاله مردودة يرد الخلع إلا أن يكون بحيث لو رفع للحاكم رآه حسنا، ويختلف في خلع السفيهة الثيب إذا لم تكن في ولاء قياسًا على بيعها وشرائها، وأرى أن ينظر في حال الزوجين في الجميع، فإن كان بقاء الزوجة أحسن لها رد المال ومضى الطلاق، وإن كان الفراق أحسن أمضيا.
وفيها: للأب أن يخالع على ابنته الصغيرة بإسقاط كل المهر، وإن خالع عنها به بعد البناء قبل بلوغها جاز عليها، وله أن يزوجها قبل بلوغها كالبكر.
اللخمي: إن كانت ثيبًا تأيمت قبل البلوغ، ثم بلغت فقيل: يجبرها على النكاح، فعليه له أن يخالع عنها، وقيل: لا يجبرها ولا يخالع عنها.
وفي خلع الوصي عن يتيمته دون إذنها، ثالثها: إن لم تبلغ، للخمي عن رواية ابن نافع: لا بأس أن يبارئ الوصي عن يتيمته، وإن زوجها أبوها قبل إيصائه إليه مع قول أصبغ: إن خالع عمن في ولايته بأقل من نصف المهر قبل البناء على النظر لفساد وقع أو ضرر؛ جاز، ولروايتها، ولعيسى عن رجوع ابن القاسم إلى جواز مبارأة الوصي

الجزء: 4 - الصفحة: 99

والسلطان على الصغيرة إن كان حسن نظر، وهو أحسن، وعلى الثاني المشهور.
قال ابن فتحون والمتيطي: للمحجورة أن تخالع بإذن أبيها أو وصيها وتقول بعد إذنه لما رآه من الغبطة، وفي اختصار الواضحة قال فضل: قال ابن القاسم في المدونة: يجوز مبارأة الوصي عن البكر برضاها.
قلت: فالأرجح عقده على الوصي برضاها لا عليها بإذنه خلاف قصره بعضهم عليها بإذن الوصي اتباعًا منه للفظ الموثقين، وأظنه لعدم ذكره قول ابن القاسم فيها وعليه لو بارأ غير الأب عن البكر.
قال في اختصار الواضحة: الطلاق نافذ، ويرجع الزوج بما يرده للزوجة على من بارأه عنها، وإن لم يشترط ضمانه؛ لأنه المتولي وضعه عنه.
وفي خلع الأب عن ابنته الثيب في حجره كالبكر، ووقفه على إذنها اختيار المتيطي مع نقله عن ابن أبي زمنين قائلًا: عليه جرت فتوى شيوخنا وفقهائنا واختيار اللخمي وقول ابن العطار مع ابن الهندي وغيرهما من الموثقين، وافتتح المتيطي الكلام على المسألة بقول مالك فيها: إن خالع عن ابنته الثيب البالغ بعد البناء على إن ضمن للزوج المهر فلم ترض الابنة بطلب الأب أخذت به الزوج، ورجع به على الأب.
قال ابن أبي زمنين: لم يبين هل هي في ولاية أبيها، ثم ذكر ما تقدم عنه، وفي جعلهما إياها من مسألة خلع الأب عنها نظر؛ لأن حاصلها خلعه على ضمانه المهر، وضمانه التزام لغرمه الملزوم لبقائه لا لإسقاطه، والمختلف فيه خلعه على إسقاطه، وهي التي أشار إليها ابن رشد في ضمان من صالح عن أجنبية دون إذنها من سماع يحيى حسبما مر في قول ابن عبد السلام الأقرب في النظير إن خشي على مالها صح خلعه عنها، وإن خشي على غير ذلك من سوء عشرة، ونحوها لم يجز؛ لأن النظر في المال من حق الأب.
وفي حقوق الزوجة من حق المرأة، ولو كانت سفيهة على الصحيح نظر؛ لأن خلع من هذه صفته لا يحل له فلا يجوز؛ لأنه إعانة على أكل المال بالباطل، ولأن صون المال عنه متيسر؛ لأن من هذه صفته لا حق له إلا في المتعة بنفس الزوجة.
وسمع يحيى رواية ابن القاسم في التخير من صالح امرأته في مرضها على دار أو أرض يقبضها، وذلك قدر ميراثه يوم صالح جاز، فإن هلك بقية مالها فلا رجوع

الجزء: 4 - الصفحة: 100

لورثتها عليه؛ لأنه في ضمانه، ولا حجة لهم في عين ما أخذ كبيعها إياه.
ابن رشد: روى ابن وهب جواز خلع المريضة بخلع مثلها، وظاهر رواية الموازية معها عدم جوازه مطلقاً، وثالثها: يجوز إن كان قدر ميراثه.
وفي كونه يوم الخلع أو الموت قولا ابن القاسم في هذا السماع مع ظاهر قوله فيها، وأصبغ مع ابن نافع فيها، فعلى الأول يتعجله وعلى الثاني إن كان معيناً وقف لا تتصرف فيه إلا أن تحتاج لاستنفاقه إن صحت أخذه، وثمنه إن استنفقته، وإن تلف ضمنه، وإن ماتت أخذه أو ما أدرك منه إن فات باستنفاق أو غيره إن كان قدر إرثه، وإن كان أكثر فلا شيء له منه، ولا إرث بحال، وإن كان شائعاً، وهي غنية لم يوقف عنها شيء من مالها، ولها النفقة منه كالمريض في مرضه إن صحت مضي ذلك عليها، وإن ماتت نظر فيه كما تقدم.
وقوله: (لا حجة لهم في عين ما أخذ كبيعها) خلاف حكاية سحنون عن بعض أهل العلم لا يجوز لمريض بيع أغبط ماله من بعض ورثته، وإن لم يحاب في ثمنه.
قلت: ونقل اللخمي عن القاضي له ما خالعها عليه إن حمله ثلثها؛ لأن طلاقه بطوعه صيره أجنبياً فصح له خلعها كعطية مريض؛ رابع، ولم يفصل في وقف الخلع بين كونه معيناً أو شائعا، وقال: اختلف في وقف الخلع فقال ابن نافع: يوقف، وقال أصبغ في الموازية.
قال: ولا يمكن منه إن صحت أخذه، وإن ماتت كان له منه قدر إرثه، وقال في كتاب طلاق السنة: يترك في يدها لا تمنع من بيع، ولا شراء، ولا نفقة بالمعروف.
قلت: قوله: (إن ماتت كان له منه قدر إرثه) ظاهر في أنه إن كان أكثر من إرثه أخذ منه قدره خلاف ما تقدم لابن رشد إن كان أكثر فلا شيء له منه، ولا إرث بحال، وفي اختصار الواضحة مثل نقل اللخمي قال: وأرى إن كان الخلع عيناً أن لا يوقف، وإن كان عبداً أو داراً وقف ومنعت من التصرف فيه إن صحت أخذه، وإن ماتت خير الورثة في إجازته له ورده ميراثاً، ويكون في حقه في الإرث على الوفاء شائعاً، ولو كانت قيمة ما خلع بهعليه أقل من قدر إرثه، لأنه لم يترك فضلة إلا لغرضه في عين الخلع.
وفيها لمالك: إن اختلعت في مرضها وصحته بكل ما لها يجز، ولا يرثها.

الجزء: 4 - الصفحة: 101

ابن القاسم: إن اختلعت على أكثر من ميراثه لم يجز، وعلى مثل إرثه منها فأقل جاز، ولا يتوارثان، وقال ابن نافع مثله.
عياض: في كون قول ابن القاسم تفسيراً أو خلافاً قولا الأكثر، والأقل مع محمد.
اللخمي عن محمد: إن أوصت بوصية لم تتعلق بخلعها؛ فتخرج من الباقي من متروكها بعد عزل الخلع منه، ويضم الخلع للباقي بعد الوصايا، فيعتبر قدر إرثه منه إن كانت الوصية بجزء ثلث أو ربع، وإن كانت بدار أو عبد فلم يحمله الثلث جرت على القولين من قال: تدخل الوصايا فيما لم يعلم يعزل الخلع، وقال ابن محرز في تعلق وصيتها بالخلع قولان، وصوب الثاني بأنه غير معلوم لها؛ لأنه عوض أو بتل هبة، واتفق قول ابن القاسم على أن هبة البتل مقدمة على الوصايا، وتسوية أشهب بينهما مرغوب عنها.
عبد الحق: إن بان بعد موتها حدوث مال لها بعد صلحها لم تعلمه، فعلى اعتبار إرثه يوم الخلع لو يعتبر منه، وعلى اعتباره يوم الموت اعتبر به ولو كوصية.
وسمع عيسى ابن القاسم في التخبير: إن قامت من صالحت على رضاع ولدها، وإعطاء مال شهادة امرأتين أنها صالحت عن ضرورة؛ حلفت وأخذت ما أعطت، ورضاع ولدها.
ابن رشد: يجوز فيه شهادة النشاء؛ لأنه مال، والطلاق وقع بغير شهادتين، وإن شهد بالضرر شاهدان أو شاهد وامرأتان رد لها مالها بغير يمين، ويجوز فيه شاهدان على السماع دون يمين.
قاله في سماع أصبغ في الشهادات، وأكثر من ذلك أحب إليه.
ابن الماجشون: لا يجوز في السماع أقل من أربعة.
قلت: شهادة بت العلم بضرر الزوج زوجته عاملة.
قاله الباجي، وغيره عن المذهب.
ابن رشد: اتفاقاً.
قلت: في سماع أصبغ ابن القاسم في الشهادات إنما يجوز فيه على السماع.
قلت له: فإن شهد واحد على البت.
قال: كيف يعرف ذلك؟

الجزء: 4 - الصفحة: 102

قلت: يقول سمعت واستبان لي.
قال: إن كان هذا يكون؛ فعسى وانظر فيه.
أصبغ: هو عندي جائز.
المتيطي: استحسن الشيوخ العمل بقوله، وشهادة السماع به، وبالرضاع في قبولها، ولو من لفيف الناس والجيران، ثالثها: بقيد كون السماع من الثقات، ورابعها: إلا الرضاع يجوز فيه من لفيف القرية والأهل ولجيران، وإن لم يكونوا عدولاً، وخامسها لا يجوز في ضرب الزوج سماع النساء إلا مه رجال، للمتيطي عن ابن القاسم: لا يجوز في غير النكاح والنسب والموت وولاية القضاة، والمتيطي عن ظاهر قول ابن القاسم في الموازية وحسين بن عاصم عنه وسماع ابن وهب، وعلى المشهور في رجوع المرأة بخلعها بشهادة رجلين بالسماع دون يمين سماع أصبغ ابن القاسم قول ابن رشد، هذا خلاف أصله في أن السماع لا يثبت به نسب، ولا ولاء، إنما يستحق به المال مع يمينه مع أخذه من قول أصبغ إن لم يكن مع شاهد البت غيره حلفت معه، ولو كان معه سماع منتشر، وإن كان غير قاطع رد له خلعها، فلو انفردت عنده شهادة السماع لم يستحق بها دون يمين.
ولو رد الخلع للضرر، وكان بحميل ففي رجوع الزوج على الحميل قولا ابن العطار وابن الفخار مع غيره.
عبد الحق: اختلف فيه شيوخنا، ول يذكروا أهل علم الحميل بالضرر أم لا؟ وقد تجري على قولي ابن القاسم وغيره في سقوط الحمالة، وثبوتها في البيع الفاسد.
وسمع عيسى ابن القاسم: من نشزت، وقالت: لا أصلي، ولا أصوم، ولا أغتسل من جنابة لم يجبر على فراقها، وله فراقها ويحل له ما افتدت به.
ابن رشد: لم يجبر على فراقها وله فراقها، ويحل له ما افتدت به.
ابن رشد: لم يجبر على فراقها؛ لأنها ليست مرتدة بذلك على الصحيح من الأقوال فله تأديبها على ذلك، فإن افتدت لترك تأديبها على ذلك حل له إن لم يؤدبها.
وسمع ابن القاسم: من اطلع على نا امرأته لم ينبغ له مضارتها لتفتدي منه، ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 103

يصلح له.
ابن رشد: هذا قول مالك وأصحابه اتفاقاً، وتمسك المخالف بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] رد بأن الفاحشة المبينة أن تبدوا عليه وتشتمه وتخالف أمره؛ لأن كل فاحشة أتت في القرآن منعوتة بمبينة هي من جهة النطق، وكل فاحشة أتت مطلقة فهي الزنا.
وفيها: يجوز أن يأخذ منها على إمساكها أو يعطيها على أن تقيم على الأثرة عليها في نفسه وماله ولا يأثم بعد ذلك، وتقدم في القسم ولو دون أخذها شيئاً/ ولها الرجوع متى شاءت، وفي فصل هبة المرأة مهرها للزوج حكم نقض ذلك بالقرب.
... خلع: العوض من الجانبين امتنع في فقد العصمة لا في ملكها الزوجة، فيمتنع في البائنة والمرتدة والملاعنة كأجنبية لا في المخيرة؛ لأنه منها در محمد وابن سحنون عنه إن خالع أبو مفقودة زوجها، ثم طلب رد المال لاحتمال موتها قبل الخلع؛ وقف إن عمي أمرها لما لا تحيي له رد للزوج، فإ بان موتها قبل الخلع رد للأب وورثها الزوج، وإن مات قبل ذلك كشف لم يوقف من ميراثه شيء؛ لأنها مخالعة أو ميتة.
محمد: لا ينزع المال من الزوج إلا ببينة بموتها قبل الطلاق، إذا لو كانت رابعة منع نكاح غيرها، وقبله الشيخ، وابن السلام، ويرد بأن موتها قبل الخلع كحايتها في رفع عصمتها عنها المبيح نكاحه غيرها وليس موتها كحياتها في ثبوت الخلع، والأظهر إن كان خلعه قدر إرثه منها فأقر لم ينزع.
**** عوض الزوجة من حيث صحة كونه بسبب الطلاق فينفذ على مثل إن وقع لا على ري المطر زرعه فينقلب طلاقا أو بلفظ الخلع إن تلفظ به.
وشرط جوازه: كونه مباحاً متمولاً أو مقصوداً، روى محمد إن خالعها على عتقها عبدها لزمها كخلعها على خروجها لأمها.
وسمع عيسى ابن القاسم: من خالع امرأته على أن تخرج لبلد غير بلده أخذ منها على ذلك شيئاً أو لم يأخذه، فأبت أن تخرج فهي على خلعها، ولا تجبر على الخروج.
ابن رشد: لأن الخلع عقد يشبه عقد البيع لملك المرأة به نفسها كملكها زوجها

الجزء: 4 - الصفحة: 104

بالنكاح، فوجب أن لا يلزم الشرط فيه بالخروج من البلد، والإقامة فيه أو ترك النكاح وشبهه من تحجير المباح كما هو كذلك في النكاح إلا أن يكون بعقد يمين، كقولها إن فعلت حر أو مالها صدقة على المساكين، إن فعلت لزمها العتق أو الصدقة بثلث مالها، ولو خالعها على إن لم يخرج من البلد فعليها لغير زوجها كذا وكذا لحكم عليها به على القول بأن من حلف بصدقة شيء بعينه فخنث أنه يجبر عليه القولان فيها.
قلت: لا يلزم من عدم القضاء عليه في مسألة الحلف عدمه في مسألة الخلع؛ لأنه أقوى لحق الزوج في عوض عصمته، وقياسه إلغاء خروجها على إلغاء شرط النكاح، فيرد بأنه في مسألة الخلع عوض العصمة، وشرط النكاح خارج عن عوضه.
قال ابن رشد: ولو قال إن لم تفعل فعليها لزوجها كذا كذا لبطل ببطلان الشرط على قياس أول مسألة من رسم سعد.
قلت: هو قال مالك إن خالعها على شي من مالها على أن لا ينكح أبدا، فإن فعل فما أخذ منها رده عليها، تم له ما أخذ منها، والشرط ساقط.
ابن رشد: إذا لم يلزمه شرط ألا يتزوج فأحرى أن لا يلزمه به ردما أخذ منها؛ لأن الخلع به يؤول لفساده، إذ لا ينكح أبدا، فإن فعل فما أخذ منها رده عليها، تم له ما أخذ منها، والشرط ساقط.
ابن رشد: إذ لم يلزمه شرط ألا يتزوج فأحرى أن لا يلزمه به رد ما أخذ منها؛ لأن الخلع به يؤول لفساد، إذ لا يدري هل يرجع إليها مالها فيكون سلفاً، أو لا يرجع فيمضي، ويلزم في هذه على ما في سماع عيسى في الخلع بالثمرة قبل بدو صلاحها أن يمضي الخلع بخلع المثل إن عثر عليه قبل أن يغيب على الخلع، فإن غاب عليه نفذ الخلع وبطل الشرط؛ لأن رده إلى خلع مثلها تتميم للفساد الذي اقتضاه الشرط.
قلت: فيلزم كون إمضاء البيع الفاسد بعد فوته بالقيمة تتمياً له.
والخلع بذي غرر: قد يجب عليها يوماً ما، جائز لنقل ابن رشد: يجوز على مجرد رضاع الولد اتفاقاً، وإن كان فيه غرر لاحتمال موته قبل تمام أمده لوجوبه عليها في عدم الأب وفيما لا يجب، ثالثها: فيما لا يقدر على إزالته كالآبق والجنين والثمرة قبل بدو صلاحها لا فيما يقدر على إزالته كالخلع على التزام نفقة الولد بعد الرضاع أعواماً لا قدرة على إزالته، بشرط أن تسقط النفقة عنها بموته، والصلح بمال لأجل مجهول، للمغيرة فيها مع سحنون وسماع عيسى ابن القاسم منعه فيما لا يقدر على إزالته فالآخر أخرى وتفرقتها بينهما، وللخمي ثالث الأولين الكراهة، وعزاها الشيخ لأصبغ وابن

الجزء: 4 - الصفحة: 105

القاسم في أحد قوليه، وعلى مضيه.
قال ابن القاسم في الجنين: يجبران على جمعه مع أمه وله طلب الآبق والشارد والثمرة على غررها.
المتيطي: وعليها رعاية ما تلد غنمهما.
قلت: يريد رعاية الغنم قبل ولادتها لا رعاية أولادها لقول عبد الحق.
قال بعض شيوخنا: النفقة عليها أو عليه قولان.
ابن محرز: قالوا السقي عليه، وهو الجاري علو قول ابن القاسم لا جائحة في الثمار في النكاح، وعلى قول أشهب فيها: الجائحة السقي عليها.
ابن رشد: وعلى المنع في نفوذ الطلاق مجاناً أو بخلع المثل فيما أبطل كله، ويقدر ما أبطل بعضه كإبطال ما زاد على الحولين في الخلع على رضاع الولد، ونفقته بعد الحولين مدة معينة قولان لسماع ابن القاسم معها، وسماعه عيسى إن خالعته بآبق أو جنين أو ثمرة لم يبد صلاحها مضي بخلع المثل، وسمع أصبغ ابن القاسم: إن خالعها على رضاع ولده عامين، فإن أبت فله عليها عشرة دنانير جاز.
وفيها: إن خالعها على ثوب هروي، ولم تصفه جاز وله الوسط من ذلك، وإن خلاعها على خمر، تم الخلع ولا شيء له، وإن قبضها اهريقت عليه.
قلت: وكذا الخنزير، وفي قتله وتسريحه سماع ابن القاسم، وقول ولائها خرج اللخمي رجوعه بخلع المثل من خلع المريضة.
المتيطي: روي ابن خويز منداد الخلع بما لا يحل ماض، ولا شيء له إلا ما وجد، وقال مرة: يرجع بخلع المثل.
قلت: في قوله ما وجد نظر إلا أن يحمل على تخلل الخمر.
قال بعض شيوخ عبد الحق: إن لم يشعر بالخمر حتى تخللت فهي للزوج، ولو كانت الزوجة در إليها ولو تخللت.
عبد الحق: هذا غلط؛ لأنها إن تخللت حلت فتبقى له، وإن لم تخلل أريقت، ولم ترد لها كنصراني باع خمراً من مسلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 106

وفيها: إن أراد بخلعها على أن لا سكني لها إلزامها كراء المسكن، جاز إن كان المسكن لغيره أو له وسمي الكراء، وإن كان على أن تخرج من مسكنه تم الخلع، ولم تخرد ولا كراء له عليها.
اللخمي: أرى له عليها الأقل من كراء المسكن أو ما كانت تكري به إلا أن يكون انتقالها لمسكن لها أو لأبيها ولا كراء له.
ابن حارث: روى ابن نافع إن خالعها على أن لا نفقة لها عليه، ولا سكني ولا رضاع لزمه ذلك، وابن القاسم يخالفه في السكني.
قلت: قوله: (يخالفه) مشكل، وإن أراد أنه يخالفه في تفصليها لمردود وماض حسبما مر فبعيد، لأنه وفاق.
وخلعها على أن تسلفه يمضي: ويرد السلف، وكذا على أن تعجل له دينا أو تؤخره بدين لها عليه، وخرج اللخمي إمضاء تعجيلها على إجازة ابن القاسم ضع، وتعجل قائلا: لا فرق بين جعل عوض التعجيل ببعض الدين أو سلعة أو خلعها لنفسها.
قلت: يرد بأن كون العوض غير بعض الدين صريح في كونه جر نفعاً، وقد صح النهي عنه، ووضع بعض الدين لتعجيله ذكر العقيلي فيه عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم: ((حين أمر بإخراج بني النضير من المدينة جاءه ناس منهم فقالوا إن لنا ديونا، فقال: ضعوا وتعجلوا)).
قال عبد الحق: في سنده يقال له على بن محمد وهو مجهول، ومستند ابن القاسم في إجازته ضع وتعجل إنما هو حديث ابن عباس المذكور مع جعله مخصصاً لحديث النهي عن سلف جر نفعاً، وتخصيص السنة بالسنة، وقول اللخمي: لا فرق بين جعل عوض التعجيل بعض الدين أو سلعة أو خلعاً هو قياس على صورة التخصيص بما

الجزء: 4 - الصفحة: 107

يستغرق إبطال العام، والقياس بما يستغرق إبطال العام لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى النسخ بالقياس؛ وذلك غير جائز، وصدق السلف على دفع شيء مثله، وتأخير ما حل سواء كصدقة على سلف ثوب وعبد.
وذكر غير واحد من شيوخ بلدنا أن بعض الطلبة ذكر في مجلس تدريس بعض شيوخهم في كتاب الآجال من المدونة قول ابن القاسم هذا فأنكر عليه، فقال: اللخمي حكاه، فلما اقضى المجلس نظر أهله كلام اللخمي في بيوع الآجال حيث ذكرها في المدونة فلم يجدوا للخمي ما ذكره عنه، فلما كان من الغد قالوا له ذكرت عن اللخمي غير صحيح إذ لم يذكره في محله، فانفصل الطالب عنهم في غم شديد، فلما نام من الليل رأى في نومه الشيخ أبا الحسن اللخمي فقال له ياسيدي نقلت عنك كذا وذكر له القصة، وكون الطلبة نظروا كتابه في بيوع الآجال، ولم يجدوا فيه ذلك النقل، فقال له ذكرته في فصل الخلع فانتبه الطالب فرحاً، فقام في ليله، ونظر الكتاب فوجده كما نقل، فلما أصبح ذكر ذلك لأهل المجلس، واشتهرت قصته، وفضل الله عليه برؤيته المذكورة.
وخرجه ابن عبد السلام على القول الشاذ ببراءة الذمة، وإن صرف ما في الذمة يجوز قبل حلول أجله.
قال: فيجوز الخلع والتعجيل كما لو حل الأجل.
قلت: وهذا التخريج عند من تأمله يوجب جوازه كثير من صور المنع كبيع سلعة من مدين على أن يجعل دينه، ونحوه من مسائل بيوع الآجال وكتب السلم وغيرها، وتقرير تخريجه أن نقول التعجيل موجب لبراءة الذمة في مسألة الصرف عند مجيزه، وإلا لما أجازه لمنع التأخير الجواز في الصرف؛ فيجب أن يكون للتعجيل في مسألة الخلع موجباً لبراءة الذمة عملاً بملازمة المعلول علته وكلما ثبتت براءة الذمة في مسألة الخلع انتفى عنها حقيقة السلب لانتفاء لازمه وهو عمارة الذمة، وإذا انتفى حقيقة السلف عنها وجب جوازه إذ لا مانع فيها إلا سلف جر نفعاً، وإذا انتفى مطلق السلف انتفى أخصه وهو ما جر نفعاً.
وجوابه أن نقول إنما كان التعجيل في مسألة الصرف موجباً لبراءة الذمة لاشتماله

الجزء: 4 - الصفحة: 108

على منافي السلف الموجب لنفيه، وهو ليس كذلك في مسألة الخلع وشبهها وهذا؛ لأن خاصة السلف تماثل عوضيه حساً، ولما انتفى السلف مع تعجيل عوض عما قي الذمة امتنع كون ذلك التعجيل سلفاً فبرئت الذمة فيه، والتعجيل في مسألة الخلع ونحوه ليس مشتملاً على منافي السلف؛ لأن المعجل فيه ليس مباينا لما في الذمة؛ بل مماثلاً له، فلم يكن مبايناً للسلف، بل مقرراً له؛ لأن ثبوت خاصة الشيء دليل ثبوته، فحينئذ لا يلزم من إيجاب التعجيل البراءة حيث ينافي بقاء عمارة الذمة، وذلك في مسألة الصرف إيجابه البراءة حيث لا ينافي بقاؤه عمارة الذمة، وذلك في مسألة الخلع ونحوها لوضوح الفرق المناسب، وبه يتضح الفرق بين جواز شراء جديد بثوب في ذمته لم يحل ودينار نقداً، وامتناعه بدينارين على تعجيل الثوب، وروي اللخمي إن خالعها على تأخيرها إياه بخمسين من مائة حالة، وإسقاط باقيها صح الإسقاط وبطل التعجيل.
قال: والصواب فض الخمسين المسقطة على خلع المثل، وقيمة تعجيل الخمسين لأن إسقاطها للخلع والتعجيل قد بطل فيمضي من المسقطة مناب خلع المثل فقط، ونقل ابن رشد هذا المعنى تعقباً للتونسي على مالك، وأجاب ابن رشد بأن الخلع إنما وضعت، والتعجيل شرط خارج عنه فنفذ الخلع، وبطل الشرط.
وروي الشيخ إن خالعها على إن عجلت بعض دينه وأسقط بعضه بطل التعجيل والإسقاط.
اللخمي: ويبقى حق الزوج فيما يقابل الخلع هل يرجع به، وعلى إجازة ابن القاسم ضع وتعجل يجوز الخلع، والإسقاط ويصح التعجيل، في الموازية إن صالح من تزوجها بعشرة نقداً وعشرين لأجل قبل البناء على تعجيل عشرة النقد وإسقاط العشرين أو على تعجيل سنة إلى خمسة عشر لزمت الوضعية وسقط التعجيل، فيرد له ما زاد على خمسة؛ وهو الصواب، ونحوه لابن رشد، ولا يتم لفظ الرواية إلى (إلا على المعروف من عدم دخول ما بعد) إلى (فيما قبلها) الشيخ عن عبد الملك: إن خالعته على حمالة عنه سقطت؛ لأنها سلف، وإن كان

الجزء: 4 - الصفحة: 109

على أن أحال عليها غريمه نفذ، لم يجد الحال عندها شيئاً عند الأجل عليه إذ ليست الحوالة على أصل دين كمن أحال على مكاتب، وفي كتاب ابن سحنون: إن خالعها على سكني دارها سنة أو كراء حمولة مضمونة أو معينة أو على أن تعمل له بيدها هل غزل أو خياطة أو غيرها مضي، وهو من معنى الخلع بالغرر.
قلت: إن كان قدر العزل والخياطة معلوما والشروع عن قرب فليس بغرر.
وفيها: إن كان لأحدهما على الآخر دين مؤجل فخالعها على تعجيله جاز الخلع ورد الدين لأجله، وقيل: إن كان لها عليه، وهو عين فليس بخلع، وهو رجل طلق وأعطى فهي طلقة رجعية.
وفيها: إن خالعها على حلال وحرام جاز الحلال وبطل الحرام، ويجري في الحرام القول باعتبار منابه من مهر المثل إجراء بطلان كل الصفقة على جمعها ذلك في البيع، يرد بدلالة أصل الذهب أن الخلع أخف من البيع.
وفيها: إن خالعها على مال لأجل مجهول كان حالاً كالقيمة في البيع، كذلك إن فاتت السلعة، ولما اختار ابن محرز جواز الخلع على الغرر؛ لأن العوض في الطلاق غير واجب شرهاً، والعصمة غير مال إذ لا يصح بيعها.
قال: ينبغي جوازه لأجل مجهول، وإن اعتبر بالبيع وجب أن يكون فيه خلع المثل أو قيمة ما خالع به على غرره، وتعجيل الملال قبل محله خلاف الأصول، ونحوه قول اللخمي: لا وجه لتعجيله، وهو ظلم.
وفيها: إن خالعها على عبدها على إن زادها ألف درهم جاز، فإن كان فيه فضل فهو خلع، وإن كان كفاف الألف فهي مباراة، والمباراة طلقة بائنة، وإن كان أقل فهو كمن صالح على إن أعطاها مالاً.
اللخمي: وعليه يختلف هل طلقتها بائنة أو رجعيه وبينونتها أحسن؛ لأنه طلاق قارنته معاوضة من الزوجة، وشط العبد لا يكون إلا لغرض فيه، ولو خالعها على آبق أو جنين أو ثمرة لم يبد صلاحها على أن زادها عشرة دنانير؛ فسخ من الغرر مناب العشرة وردت للزوج، وتم للزوج مناب الخلع منه.
وفي كون المناب بجعل قيمة الغرر على العشرة للخلع، فإن لم يكن فلا شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 110

له أو يفض القيمة على العشرة وخلع المثل، ثالثها: تفض القيمة على العشرة والقيمة، فمناب العشرة بيع ومناب القيمة خلع، لمحمد مع أصبغ والجاري على قول ابن القاسم والمغيرة فيه.
ابن رشد: لسحنون في مسألة الخلع مالنغيرة، ولأصبغ إن فضلت قيمة العبد العشرة نقض البيع في منابها منه، وإلا مضي بيعه بها.
ابن رشد: هذا تناقض، والصواب ما له في الموازية كمحمد.
اللخمي: اختلف فغي وقت القيمة.
قال محمد يوم يخرج الجنين، ويوجد الآبق وتجذ الثمرة.
أصبغ في العتبية: يوم الصلح في الآبق والثمرة إن كانت أبرت، وإلا فيوم تؤبر، وفي الجنين يوم يولد، وكونها يوم الصلح في الجميع أحسن.
ابن رشد: المراد بقيمة ذلك يوم الصلح أنه على غرره لو صح بيعه على ذلك، ولازم قول أصبغ في الثمرة والآبق كون القيمة في الجنين يوم الصلح على غرره، ولازم قوله في الجنين كون القيمة في الآخرين يوم حل البيع بطيب الثمرة ووجود الآبق، وقال سحنون: القيمة في الجميع يوم قبض الزوج ذلك، وقول أصبغ في الثمرة التي لن تؤبر: القيمة فيها يوم الإبار خارج عن كل ذلك إذ لم يقل، فإنها يوم الصلح على غررها، كما قال الآبق والثمرة التي أبرت، ولا قال أنها يوم الطيب كما قال في الجنين، وقال سحنون: القيمة في الآبق يوم يقبضه الزوج، وإن عثر على الآمر قبل قبضه مضي الطلاق وانفسخ البيع جملة في الآبق تطلبه الزوجة لنفسها وترد العشرة للزوج، وكذا يلزم على قول أصبغ في الجنين والثمرة التي لم تؤبر لقوله: القيمة في الجنين يوم يوضع، وفي الثمرة يوم تؤبر إن عثر على ذلك قبل وضع الجنين وإبان الثمرة أن يمضي الطلاق ويفسخ البيع جملة في الجنين والثمرة، إذ لا يصح إن عثر على الآمر قبل الوقت الذي يصح فيه التقويم أن يؤخر الحكم إلى وقت يصح فيه التقويم فتنتفع المرأة بالعشرة وهي لا تجب لها، ولابد من ردها أو رد بعضها للزوج وإن كان ابن لبابة قال.
قال: قول أصبغ لا وجه له لو قال: يمضي الطلاق ويمهل في أمرها حتى يرجع الآبق ويخرج الجنين ويحل بيع الثمرة، فإذا كان ذلك يوم الانتفاع بالعشرة على الرجاء والخوف من

الجزء: 4 - الصفحة: 111

يوم تعاملهما إلى يوم حل البيع في العبد والجنين والثمرة يضاف ذلك منها والفضل للزوج إن كان، فإن لم يكن فلا شيء له ولا عليه ومضي الطلاق، ولو قال قائل يمضي الطلاق وله خلع مثله كسماع عيسى في خلع المرأة بثمرة قبل بدو صلاحها أنها لها وعليها له خلع مثلها، يريد لكان لذلك وجه، فأما هذا فله وجه كما ذهب إليه، والأول لا يصح من غير ما وجه.
وإن خالعها على ما بيدها فإذا هي فارغة أو بها ما لا قدر له كالدرهم أو ما لا ينتفع به كحصاة ففي لغو طلاقه، ثالثها: إن كانت فارغة أو بها حجر، للخمي عن رواية ابن حبيب، وابن الماجشون، وأشهب، والأول أحسن إن كان الخلع عن مشاورة وجد لا هزل، واستحسن إن كان بيدها ما لا ثمن له أولا شيء بها أن عليها غرم ما يرى أنه لو كان بيدها لزمه الخلع إن كانت موسرة.
مطرف: إن رضي الزوج بما قل بما قل مما ينتفع به فهو خلع وبما لا ينتفع به؛ الطلاق رجعي.
الباجي: إن قلنا لا يلزمه الخلع، فقال أشهب: لا يكون طلاقا.
مطرق: هي طلاق رجعي.
ابن زرقون عن عبد الملك: هو طلقة بائنة.
وفيها: إن خالعها على عبد بعينة فاستحق رجع بقيمته كالنكاح.
ابن عبد الحكم: بخلع المثل، الجلاب: وكذا لو استحق بحرية، وقال غير ابن القاسم لا يتبعها بشيء.
اللخمي: يختلف إن خالعها على مال وغرته من فلس هل يمضي الطلاق أو تبقى زوجة فقال عبد الملك: إن قالت أخالعك على داري هذه أو عبدي هذا فإذا هما ليسا لها لم يلزمه طلاق، ولو كان لها شبهة ملك لزمه، ولو قالت على ما أوصى لي به فلان أو على عطاء لي ولا وصية لها ولا عطاء لم يلزمه طلاق، ولو كان أوصي لها ثم رجع عن وصيته بعد الخلع او لم يحمله ثلثه أو كان لها عطاء فأسقط بعد الخلع لزمه الطلاق.
في الموازيه: ولا شيء له عليها وأرى إن علمت برجوعه على الوصية أو بسقوط.

الجزء: 4 - الصفحة: 112

العطاء قبل الخلع أن يرجع عليها بمثل ذلك إن كانت موسرة، وكذا إن غرته من دار أو عبد.
قلت: قال أولا يختلف، وما أتى به لا يثبت اختلافا إلا أن يعد اختياره خلافاً، وكثيراً ما يجعل ابن رشد قول نفسه خلافاً يعده في الأقوال والمسالة شبيهة بمسألة كتاب المكاتب يقاطع سيده بما لا شبهة له فيه.
قال ابن رشد: يرجع لرق الكتابة اتفاقاً.
عبد الحق: قال غير واحد من شيوخنا إن خالعها على آبق فثبت أنه كان ميتا قبل خلعها فلا شيء له عليها إلا أن يثبت أنها علمت ذلك قبل الخلع، فعليها قيمة الآبق على غرره.
وفيها: إن خالعها على دراهم أرته إياها فوجدها زيوفا فله البدل كالبيع.
قلت: يريد لا تتعين بالإشارة إليها كما لا تتعين بها في البيع وعلى تعيينها تجري على الخلع بما في يديها.
عبد الحق عن أبي عمر إن اشترطت أنها لا تعرف الدراهم، وإن كانت زيوفا فلا بدل لها؛ فلها شرطها وهو كالخلع بالغرر.
والخلع على أن الولد عنده إن علق بأمه أو كان عليه به ضرر لم يجز وإلا ففي إمضاء الخلع بشرطه أو دونه، ثالثها: إن كان أثغر لابن القاسم مع مالك وابن الماجشون مع رواية المدنيين واللخمي قائلا إن بقي عندها فلا غرم عليها؛ لأن الخلع غير مالي، إنما هو طرح مشقة، والأول نصها، وأخذ منه بعض شيوخ عياض كون الحضانة حقاً للحاضن وأن له يوليه من شاء، وإن أبي ذلك من هو أولى من المولى.
قلت: هذا خلاف نقل عبد الحق عن أبي عمران إن كان للولد جدة فهي أحق به.
وفيها: إن خالعها على أن عليها نفقة الولد ورضاعه ما دام في الحولين جاز، وفرضها ابن حارث في رضاعه فقط وقال: اتفاقاً/ وفي منعها التزويج مدة رضاع الولد في الحولين، ثالثها: إن كان بشرط، ورابعها: إن كان يضر بالصبي، لابن رشد من قولها ذلك في الظئر المستأجر وسماع القرينين وقول ابن نافع مع رواية محمد وسماع عيسى ابن القاسم.

الجزء: 4 - الصفحة: 113

وشرط عدم نكاحها بعد الحولين لغو: ابن رشد: اتفاقاً.
وفيها: إن اشترط عليها نفقة الولد بعد الحولين أمدا سمياه أو شرك عليها الزوج نفقة نفسه سنة أوسنتين تم الخلع ولزمها نفقة الولد في الحولين فقط لا ماناف عليها من نفقة الولد ولا ما شرط الزوج من نفقة نفسه سنة، وقال المخزومي يلزمها جميع ذلك كالخلع بالغرر.
اللخمي: وقاله أشهب وعبد الملك وهو أحسن.
الصقلي: وقال سحنون وهو الصواب، واحتج لابن القاسم بحجج تركها لضعفها.
عبد الحق: الجواب بمنع شرط الزوج نفقة نفسه إنما هو ابن القاسم لا لمالك.
ابن حارث: يلزمها نفقته ولو شرط نفقته خمس عشرة سنة، وذكرها ابن حبيب فقال: كان مالك لا يجيز ذلك إلا في الرضاع فقط لا يجيزه في النفقة لا على فطيم ولا على رضيع بعد الفطام، وقاله مطرف ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن الماجشون: يشترط ما شاء من السنين في الفطيم والرضيع والصغير والكبير، وقاله المغيرة وابن نافع وأشهب والمشرقيون كلهم.
ابن حبيب: وبه نقول وعليه جماعة الناس وقاله ابن دينار، وكان محمد بن عمر بن لبابة لا يرى كلام ابن القاسم ولا روايته ويقول الخلق على خلافه ويذكر في ذلك نظائر.
ابن العطار: بقول المغيرة القضاء عندنا.
المتيطي: قال غير واحد من الموثقين بقول المغيرة العمل، وروي زياد في المدينة يجوز في نحو العامين لا فيما كثير، ونحوه لمالك في المبسوط، وقال الأصبغ: في مبسوطة يحيى بن إسحاق أكرهه وأجيزه إن وقع.
قلت: فالأقوال أربعة.
المتيطي: حكي بعض شيوخ القرويين وقال غير واحد من الموثقين إن شرطا ثبوت النفقة بعد الوفاء كثبوتها قبلها جاز على مذهب ابن القاسم ومالك وارتفع الغرر

الجزء: 4 - الصفحة: 114

كما لو باع داراً على أن ينفق على البائع مدة معلومة وهو في الخلع أجوز.
قال: وتعقد في التزامها ذلك على قول المغيرة أنها التزمت نفقة الولد وكسوته ومؤونته اتحد أو تعدد مع ذكر أسمائهم كذا وكذا عاماً من تاريخه إلى مبلغ الذكر الحلم صحيح الجسم والعقل أو إلى أن يدخل بالأنثى زوجها، وذكر صحة الجسم والعقل؛ لأنه إن بلغ الحلم، وهو زمن أو مجنون أو مبتلى بما يمنعه التصرف لم تسقط النفقة عن الأب بذلك على المشهور المعمول به، فلو لم يشترط ذلك وقبل إلى الحلم فقط لانصرفت النفقة على الأب بعد الحلم حتى يصح، ومما يجمع به بين القولين أن ابن حبيب حكي عن ابن القاسم فيمن بارأ زوجته على أن تسلم ولدها منه إليه، فإن أرادت أخذه فلا يكون لها ذلك بأن تلتزم نفقته ومؤونته أنه خلع نافذ لازم، وحكي مثله أبو عمران عن فضل بن سلمة: ولو مات الولد في أثناء العامين فلا شيء للأب عليها.
قال مالك: لم أر أحدا طلبه.
بعض القرويين: لأن القصد بالتزامها براءة الأب من مؤونة ولده.
محمد: كمن صالح على إسقاط نفقة الحمل فأسقطته لا تتبع بشيء.
المتيطي: هذا مشهور مذهب مالك وبه القضاء، وروي القاضي في إشرافه وأبو الفرج أنه يرجع عليها.
قال: وإن ماتت أخذ من تركها، وقال غيره: وتفض أجرة رضاع الحولين على ما بقي وما مضي، ولهذا الخلاف كتب بعض الموثقين أنها التزمت له رضاع ولدها منه حولين بدرهمين وأنها قبضتها ورضيت بهما أجرة عن رضاعها، فإن مات الصبي وقام أبوه يطلب بقية رضاعه كان ما يقع عليها من الدرهمين يسيرا لا يضرها.
الباجي: رجع ابن الماجشون الأول بأنه لم يشترط لنفسه مالأً يتموله، إنما شرط أن تكفيه مؤونته، كما لو تطوع رجل بالنفقة عليه سنة فمات لم يرجع عليه بشيء، ولو ماتت كانت النفقة في مالها اتفاقاً، وإن أعسرت بالنفقة أنفق الأب، واختلف قول ابن القاسم هل يتبعها أم لا/ وروي أشهب وابن عبد الحكم وابن الماجشون يتبعها.
المتيطي: مشهور المذهب أنه يتبعها.
قال: فإن كان أخذ عليها بما التزمت حميلا فأعدمت أو ثبت أنها محجورة أخذ الأب بالنفقة وطلب الحميل بغرم ما يغرم في عدمها

الجزء: 4 - الصفحة: 115

وفي حجرها.
قال فضل عن ابن الماجشون: إن لم يعلم الزوج حجرها تبع الحميل ولو لم يعلم بذلك الحميل لتفريطه وإن علم الزوج حجرها لم يتبعه بشيء.
اللخمي: بعد ذكره رواية أبي الفرج.
قال: ولو انقطع لبنها وكانت عديمة استأجر عليها وتبعها، وقول مالك لا شيء عليها صواب؛ لأن اللبن ليس شيئاً تبيعه وتأخذ له ثمنا وعليها غرم ما كانت ظاهرة الحمل حين الخلع إلا أن يشترط إسقاطها، ولو شرط أن لا نفقة للولد إذا ولدته ففي سقوط نفقتها مدة حملها رواية محمد وقول ابن القاسم مع المغيرة وابن الماجشون.
المتيطي: روي زياد إن بارأها على أن لا تطلبه بشيء فظهر بمها حمل أنه تلزمه النفقة عليها، وإن التزمت مؤنة حمل إن ظهر بها أو حملها الظاهر أو إرضاع المولود بعد وضعه إلى فطامه جاز ذلك.
قال بعض القروبين: ويوقف من مالها بعد موتها قدر مؤنة الابن، فإن ولدت توأمين لزمها رضاعهما، ولا تعذر إن قالت لا طاقة لي بهما.
اللخمي عن مالك في العتبية: إن شرط لا نفقة للحمل فأعسرت أنفق عليها وتبعها، يريد؛ لأن عجزها عن نفقة نفسها يضر بالحمل.
قلت: هي سماع القرينين في كتاب التخيير ولم يزد فيها ابن رشد شيئاً، وفيه من أقام بعد طلاقه امرأته وهي حامل شهراً ثم بارأها على أن عليها رضاع ولدها فطلبته بنفقتها لماضي الشهور قبل المباراة واضح، وسقوط نفقته الحمل بعد المباراة؛ لأنه تبع لما التزمت من الرضاع بما دل عليه من العرف والمقصد، فإن وقع الأمر مسكوتاً عنه فلا شيء لها، وإن اختلفا فيه فالقول قول الزوج مع يمينه، كذا لو طلقها حاملاً دون كخالعة فدفع لها نفقة الرضاع كان براءة من نفقة الحمل المتقدمة.
وفيها: إن خالعها ثم بان أنها أخته من الرضاع أو أمر لا يقران عليه نفذ الخلع

الجزء: 4 - الصفحة: 116

ورجعت بما أخذ منها.
وفي كونه فيما اختلف فيه تابعا للزوم الطلاق فيه وثبوته فيها لأحد الزوجين أو غيرهما إمضاؤه، ثالثها: فيما لا خيار للمرأة فيه لابن رشد عن ابن القاسم ومحمد وابن الماجشون.
الشيخ عن محمد: إن بان كون الزوجة بعد الخلع أمة، فإن كان الزوج لا تحل له الأمة أو لم يأذن لها سيدها في الخلع رده وتبع بالمهر من غره، وإلا فله الخيار في إتمام الخلع أو رده واتباع من غره.
وفي ثاني نكاحها إن بان كون نكاح من اختلعت قبل البناء بغير ولي أو بغرر تم لزوج ما أخذ.
يحنون: وكان قال لي ما غلبا على فسخه يرد فيه الخلع.
الصقلي عنه إثر قولها تم للزوج ما أخذه هذه ترد لقولها في الخلع برده لها، ولو بان به لعد خلعه عيب، ففي مضيه ورده نقل اللخمي عن ابن القاسم مع الصقلي عن محمد واللخمي عن ابن الماجشون مع تخريجه على قول ابن القاسم لمن اطلع على عيب بسلعة بعد بيعها من بائعها بأقل من ثمنها الرجوع عليها بتمامه؛ لأنه يقول كان لي أن أردها وها هي في يدك.
وفي إرخاء الستور منها: الخلع يرد للزوجة.
عياض: لسحنون في النكاح المختلف فيه في ثاني نكاحها الخلع فيه ماض كالطلاق، ثم ذكر اختلاف قول مالك في هذا الأصل، وإن كان ما يغلبان على فسخه رد فيه الخلع.
سحنون: هذه ترد لما في كتاب الخلع، يعني مسألة العيب، وهو لا يغلبان فيه على الفسخ، وظاهر الكلام في الكتاب لابن القاسم وعيله اختصرها غير واحد ونقلها اللخمي لابن الماجشون.
أبو عمران: ما قاله في إرخاء الستور خلاف ما له في كتاب النكاح في الأنكحة الفاسدة أن الخلع منها ماض، وكتب عليها سحنون اسمه وقال لا أقول به.
ولو بان بها بعد خلعها عيب؛ ففيها: تم له، لأن له أن يقيم.

الجزء: 4 - الصفحة: 117

اللخمي: إن كان خالعها ببعض المهر فله الرجوع ببقيته على قول عبد الملك، ولا يرجع به على قول مالك وابن القاسم، وقال مالك في العتبية مثل قولها، وقال سحنون: يرجع بالمهر على من غره وإن كانت الغارة أخذ منها ما أعطاها إلا ربع دينار؛ يريد: ويرد ما أخذ في الخلع إن كان من غير صنف المهر، ويرجع بالفصل إن كان من غير صنف المهر، ويرجع بالفضل إن كان من صنفه.
والتوكيل على الخلع جائز كالبيع لا كالنكاح: فيجوز توكيل الزوج امرأة.
ابن شاش: لو قال خالعها بمائة فنقص لم يقع طلاق، ولو قالته فزاد وقع وغرم الزيادة، ولو قال خالعها فنقص عن المثل قبل قول الزوج أنه أراد المثل.
ابن الحاجب: بيمينه.
الشيخ عن الموازية لو وكلت من يصالح عنها ولها على زوجها مائة دينار فصالحه على تركها لزمها؛ لعله يريد إن كان صلح مثلها، وفي المجموعة لابن القاسم: من ملك من يصالح عنه امرأته فصالحها بدينار فأنكره الزوج فله ذلك، إنما يجوز عليه صلح مثلها.
قلت: ظاهر ما تقدم أن مخالفة الوكيل بزيادة اليسير عليها ونقصه له كالكثير، والأظهر أنه فيهما كالبيع والشراء، وتعقب ابن عبد السلام قول ابن الحاجب بيمينه وقال: لا يكاد يوجد نصا في المذهب.
قلت: لا يبعد إجراءه على أن العرف كشاهد واحد.
وفيها مع سماع ابن القاسم: من أقر بخلع على شيء فأنكرته امرأته ولا بينة وقع الفراق ولا شيء له، وحلفت ما خالعت بشيء، وفيه لو أقر به معلقاً على الإعطاء لم يلزمه إلا به.
أصبغ وسحنون هذا إن اتصل تعليقه بإقراره وإلا فكالمجرد.
ابن رشد: اتفاقاً، وكذا لو قال وامرأته غائبة اشهدوا أني بارأت امرأتي على كذا على معنى الإخبار عن متقدم، ولو أراد خالعتها بقولي هذا على كذا ففي لزومه الخلع إن لم ترضى ما خالعها عليه قولا أصبغ وغيره.
اللخمي: إن قال خالعتك على عشرة، وقالت طلقتني على غير شيء ففي قبول قولها بيمينها وقبول قوله فتبقى زوجة بعد حلفهما قولا ابن القاسم وعبد الملك،

الجزء: 4 - الصفحة: 118

وعليهما لو قال بعتك هذا العبد بعشرة وأعتقته، وأكذبه الآخر ففي بقائه رقا لبائعه القولان.
قلت: قول عبد الملك خلاف قول ابن رشد اتفاقاً، وعلى المشهور لو طلبته بالنفقة قائلة دعواه الخلع ليسقطها.
قال الصقلي: إن أقرت بإيقاعه طلاقها بلفظ الخلع مجاناً فلا نفقة، وإن أنكرت مطلق طلاقه فكذلك على قول ابن القاسم: طلقة لفظ الخلع بائنة، وعلى أنها رجعية فهي لها.
قلت: إقرارها بإيقاعه بلفظ الخلع وإنكارها مطلق طلاقه سواء.
بعض شيوخ عبد الحق لعيسى عن ابن القاسم: من أقر عند قوم أنه بارأ زوجته، ثم قال: كنت مازحاً وأنكرت زوجته ذلك بانت منه بواحدة ولا رجعة له، وإن مات ورثته ولا يرثها، فانظر فيها ما يدل على وجوب النفقة.
عبد الحق: لا نفقة لها ولا حجة لها بقولها أقر بذلك لإسقاطها لقدرته على إسقاطها بطلاقها طلاق الخلع فتكون بائنة على قول ابن القاسم، والمسألة التي ذكر لا دليل فيها على إيجاب النفقة.
وفيها: إن قام على دعواه شاهد أحلف معه، ولو قالت: طلقتني أمس على دينار وقبلت، وقال: لم تقبلي، قبل قولها.
بعض شيوخ عبد الحق: ولا يمين عليها إذ لو نكلت لم ترد إليه.
قلتُ: مثل قولها في سماع عيسى من التمليك، وفي المسألة لأصبغ: لا يمين عليها.
ابن رشد: وقال أشهب القول قوله، والخلاف مبني على أصل اختلف فيه قول ابن القاسم، وهو تصديق المأمور فيما أمر به من اخلاء ذمته أو تعمير ذمة الآمر، فذكر مسألة كله في غرائرك ومسألة الؤلؤ ونظائرها، ويرد بأنها في مسألة الخلع مدعية عين ما جعل لها فقط، والمأمور في مسألة الغرائر ونحوها مدع قدراً زائداً على ما جعل له؛ بل اختلافهما على أصليهما في إلزام المقر بأمر مقيد بدعوى حكمه مجرداً عنها أو بها، كقوله وطئت هذه بنكاح وعجز عن إثباته.

الجزء: 4 - الصفحة: 119

ولو اختلفا في جنسه أو قدره صدقت بيمين.
أصبغ: لو أقام بينة بخلعها على عبدها فلان وأقامت بينة بخلعها بعشرة، والبينتان عن وقت واحد وتكافأتا سقطتا ونفذ الخلع وله أخذ العشرة.
ابن رشد: وهذا قول ابن القاسم: لم يختلف في تساقطهما بهذا الاختلاف، واختلف قوله إذا شهدت إحداهما بأكثر مما شهدت به الأخرى، وأشهر قوليه الأخذ بالبينة التي زادت والقولان فيها، وقد فرق بين كون الزيادة في المعنى دون اللفظ مثل شهادة إحداهما بمائة والأخرى بخمسين وبين كون الزيادة في الثاني لانحصار اختلافهما في الأول للتناقض، وجواز صرفه في الثاني لسماع ذات الزيادة ما لم تسمعه الأخرى، روي المدينون إن اختلفا في النوع قضي بهما معاً، فعليه إن ادعى الزوج العبد والدنانير قضي له بهما معا، وإن أدعى العبد قضي له بشهادة من أحقه له.
الشيخ في العتبية: لسحنون عن ابن القاسم إن صالحت على عبد غائب فمات أو وجد به عيباً، فقالت كان ذلك به بعد الصلح، وقال هو قبله فهي مدعية عليها البينة، وإن شبت موته بعد الصلح فلا عهدة فيه بخلاف البيع.
قلت: لفظها في سماع سحنون سألته عن المرأة تصالح زوجها على عبد في الحضر فوجد به عيبا او يموت فتدعي أنه مات بعد الصلح وحدث به العيب بعده، فذكر الجواب كما مر.
ابن رشد: اعترض بعض أهل النظر قوله عليها البينة بأنه خلاف أصولهم في العيب الممكن حدوثه وقدمه أن القول فيه قول البائع، فكان ينبغي أن يكون القول قولها في أنه لم يكن به يوم الصلح أو لم تعلم أنه كان به يومئذ إن كان مما يخفي إلا أن يكون ببزوج بينة بقدمه وليس بصحيح، والمسألة صحيحة لا فرق بين العيب والموت إذا وجد بالعبد قبل القبض؛ لأن ذهاب البعض كذهاب الكل، ونص ابن حبيب على ذلك وبين الفرق بين وجود العيب الذي لا يقدم ويحدث قبل القبض وبعده، وثبوت موت الآبق قبل الخلع تقدم.

الجزء: 4 - الصفحة: 120

باب صيغة الخلع

الصيغة: ما دل عليه ولو إشارة، فيها: إن أخذ منها شيئاً منها وانقلبت وقالا ذاك بذاك ولم يسميا طلاقاً فهو طلاق الخلع، وإن سميا طلاقاُ لزم ما سميا، فإن قالت له اخلعني ولك ألف درهم، فقال لها: قد خلعتك لزمها الألف، وإن لم تقل بعد قولها الأول شيئاً، والإيجاب والقبول في مطلقة كالبيع.
وفيها: إن لم ترض في: أ، ت طالق على عبدك في المجلس سقط، وقبول المعلق لا يشترط ناجزا ويوقف القابل لتخييره أو رده، وتمكينه المتعة بنفسه رد عليه، وفي التمليك منها: إن قال لها إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق وقفت فتقضي أو ترد إلا أن يطأها طائعة فيزول ما بيدها.
وفي عتقها الأول إن قال لأمته إن لم تداخلي الدار فأنت حرة ولامرأته فأنت طالق تلوم له الإمام بقدر ما يرى أنه أراده.
اللخمي: إن قال إذا أو متى أعطيتني فهو بيدها، ولو افترقا ما لم يطأها أو ير أنها تركت، أو يمض ما يرى أن الزوج لم يجعل التمليك إليه، ويختلف إن قال إن أعطيتني هل يحمل على المجلس أو ولو افترقا، وأراه بيدها إن قالت نعم قل انصرافها.
وفيها إن قال إذا أعطيتني كذا فأنت طالق، ألها ذلك متى ما أعطته.
قال: قال مالك في أمرك بيدك متى شئت أو إلى أجل، لها ذلك ما لم توقف أو توطأ طوعا فيبطل ما بيدها، ويفرق بأن لفظ شئت والتصريح بالأجل يناسب التوسعة، ولذا اختصرها أبو سعيد.
قيل: وإيجابه معلقا على أمر يوجبه عند وجوده ويمنع رفعه إن بدا له بخلاف تعليق وعد به، فصريحه لا يفتقر ليمين بخلاف محتمله.
سمع ابن القاسم إن قال لها اقضني ديني وأفارقك، فقضته، ثم قال لا أفارقك حق كان لي أعطيتنه، فهو طلاق إن كان على وجه الفدية، وإلا حلف ما كان على وجهها وما أراد إلا طلاقها بعد ذلك، كقوله لغريمه أعطني كذا من حقي ولك منه كذا يلزمه، ولو قالت خذ مني هذه العشرين وفارقني، فقال نعم، ثم قال حين قبضها لا

الجزء: 4 - الصفحة: 121

أفارقك قد فارق.
ابن رشد: يريد بوجه الفدية ببساط يدل عليها مثلا سؤالها طلاقها على شيء تعطيه، فيقول لها اقضيني ديني وأفارقك ببينة على ذلك أو إقراره فيلزمه الخلع ولو لم تكسر في ذلك حلياً، وإن لم يثبت ذلك حلف على الأمرين معاً ما كان على وجه الفدية، وما أراد إلا أن يطلقها بعد ذلك، وروي ابن نافع يحلف على ما أدعى أنه أراده من ذلك، وعن مالك يلزمه الفراق ولا يمكن من اليمين، وقاله أصبغ واختاره محمد.
قال: لأن قبضته ذلك منها وجع خلع، والأول اختيار ابن القاسم في رسم أوصي من سماع عيسى.
**** القائلة: خذ مني هذه العشرين لازم اتفاقا، وكذا لو قال ابتداء أعطني عشرين ديناراً وأفارقك، فلما قبضها قال: لا أفارقك؛ لأن قبضه رضي بالمفارقة، ولو قال لما أتته بها لا أقبلها ولا أفارقك ففي لزوم الفراق له ونفيه بحلفه، ثالثها: إن باعت فيه متاعها وكسرت فيه حليها لسماع عيسى وأبي زيد لابن القاسم الأخيرين، والأول لغيره، ولو قال إن دعوتني إلى الصلح فلم أجبك فأنت طالق فدعته له بدينار، فقال: لم أرد إلا نصف متاعك أو نصف مهرك فذلك له وخلى بينه وبينها.
ابن شعبان: القول قوله نا بينه وبين قدر ما تملكه، وليس ببين إذ ليس مما يقصده الزوج ولا يرجوه، وأرى أن يحملها على الغالب أن يرضي به مثلها وليس من يعلم بغضها زوجها كغيرها ولا البخيلة على الغالب أن يرضي به مثلها وليس من يعلم بغضها زوجها كغيرها ولا البخيلة كالسخية والفقيرة والغنية والمتوسطة مختلفات من بذلت ما يرى أنه يرضي به مثلها على ما يعلم من رغبتها لزمه قبوله وإلا وقع طلاقه.
ابن شاس: إن قال إن أعطيتني عبداً فأنت طالق، فإن وصفه لزم بصفته وإلا فيسمى عبد سليم.
قلت: مقتضى قولها إن خالعته على ثوب هروي، ولم تصفه جاز وله الوسط من ذلك أنه كذلك في العبد المطلق.
ابن شاس: إن قال إن أعطيتني هذا الثوب الهروي فأنت طالق فإذا هو مروي، طلقت إن أعطته.
قلت: الأظهر إن كان المسمى أفضل وغرته بذكرها أنه المسمى عدم لزومه على

الجزء: 4 - الصفحة: 122

القول أن الحكم المعلق بمعين من حيث صفته بأن نفيها لا يثبت كمجيب لمن نادى غيره فقال، أنت حر أو طالق لظنه المنادى.
وسمع عيسى ابن القاسم: من حلف بطلاق امرأته واحدة لا صالحها فصالحها لا يرد عليها ما أخذ منها كمن قال لغلامه إن قاطعتك إلى سنة فأنت حر فقاطعه قبلها لم يرد إليه شيئا، ولو كان حلفه بالبتة رد لها ذلك كقوله إن قاطعتك فأنت حر فقاطعه عتق ورد له ما أخذ منه.
عيسى: لأن طلاق الحنث لزم قبل الخلع إن كان رجعيا تم الخلع، وإن كان بائنا بطل لوقوعه في غير زوجة فلا عوض للخلع يرد، وكذا في العتق؛ لأنه إن كان إلى سنة بعتق الحنث إلى أجل فكان للمقاطعة عوض، وإن لم يكن إلى سنة كان معجلا فلم يكن لما أعطاه العبد عوض يرد.
ابن رشد: أما في الحلف واحدة في المدخول بها فلا يرد الخلع اتفاقا، وتمثيله بقوله من قال إن قاطعتك إلى سنة معناه إن قاطعتك فأنت حر إلى سنة فالمعنى العتق لا المقاطعة وإلا بطل التمثيل، لأن طلاق الحنث حينئذ يكون معجلا، ولو كان طلاق الحنث ثلاثا أو واحدة في غير مدخول بها أو عق الحنث غير مؤجل، ففي رد الزوج والسيد العوض قولان لابن القاسم وأشهب، وهو مقتضي النظر والقياس لوجوب تقدم الشرط على المشروط، فالصلح واقع والعصمة باقية فيجب تمامه، وطلاق الحنث لغو واحدة كان أو ثلاثا لوقوعه بعد الصلح في غير زوجة، وقول ابن القاسم بناء على جعل طلاق الحنث وعتقه قبل الشرط، وهذا منكر من قوله، إذ لو تقدم طلاق الصلح لوقع عليه بالصلح طلقة بائنة إذا كان الطلاق واحدة في التي دخل بها، وهذا لا يقوله هو ولا غيره.
قلت: للخمي في المنتخبة: من قال أنت طالق إن صالحتك فصالحها حنث بطلقة اليمين، ثم وقعت عليها طلقة الصلح وهي في عدة منه يملك الرجعة، فلا يرد ما أخذ منها.
ابن رشد: وقول ابن القاسم هذا بناه على قول مالك فيمن قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه؛ يعتق على البائع وليس بصحيح، لأن قول مالك في هذه استحسان على

الجزء: 4 - الصفحة: 123

غير قياس، والقياس فيما قول من قال لا شيء على البائع، وإنما ينبغي قياس المسألة على قوله إن اشتريت فلانا فهو حر، وإن تزوجت فلانة فهي طالق.
قلت: هذا الذي اختاره سبقه به اللخمي، ومقتضى جعله القول بمضي الخلع مخرجا على الشاذ في مسألة العتق أنه عنده غير منصوص عليه خلاف نقله ابن رشد عن البرقي عن أشهب، وتخريجه على الشاذ إلغاء طلاق الحنث كإلغاء الطلاق المتبع للخلع على قول إسماعيل القاضي بإلغاء ما زاد على الواحدة في قوله قبل البناء أنت طالق أنت طالق.
يرد بأن الطلاق المتبع للخلع متأخر عن الخلع فتأخر تقرره عنه فلم يجد محلا، وطلاق الحنث في مسألة الخلع متقدم إنشاؤه على وجود الخلع كتقدمه في كل طلاق معلق ولذا يلزمه حين وقوع الشرط، وإن كان المطلق بالتعليق حينئذ نائما، وتقدم إنشائه على الخلع يناسب جعله ثبوته مقارنا للخلع، فيلزم، ورده ابن عبد السلام بأن المعلق معلول للمعلق عليه شرعا، والمعلول مقارن الحصول لحصول علته في الوجود، كحركة اخاتم مع حركة الأصبع.
يرد بأن هذا بناء على لزوم مساواة العلة الشرعية للعلة العقلية في جميع أحكامها، وليس الأمر كذلك، التخلف الضدان في زمن واحد في قوله إن تزوجتك فأنت طالق، ويمنع كون حركة الأصبع علة لحركة الخاتم وإن قال غيره؛ بل هما معلولا علة واحدة وهي الداعي المتعلق بهما كسبا لا تأثيرا.
والمذهب أن التزام معارضة كل بكل لا توجبه في جزء منه بمثله من الآخر منفردا؛ لأن للهيئة الاجتماعية اعتبارا وقصدا، فقول ابن الحاجب: "لو قال طلقت ثلاثا على ألف، فقالت: قبلت واحدة على ثلثها لم تقع، ولو قبلت واحدة بألف وقعت" صواب.
وفيها إن وهب عبدين فأثابه عن أحدهما ورد الآخر فللواهب أحدهما إلا أن يثيبه عنهما معا؛ لأنها صفقة واحدة.
اللخمي عن محمد إن أعطته مالا على طلاقها ثلاثا فطلقها واحدة صح له ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 124

حجة لها لنيلها بالواحدة ما تنال بالثلاث، وأرى إن كان عازما على طلاقها واحدة فلها الرجوع بكل ما أعطته لأنها للاثنتين أعطت، وإن كان راغبا في إمساكها فعل اعتبار شرط ما لا يفيد ترجع عليه بمناب الطلقتين، وقول محمد بناء على لغوه.
قلت: قد يكون هذا الشرط مفيدا؛ لأنه يتشوف لمراجعتها في الطلقة الواحدة بخلاف الثلاث فيكون قصدها بالثلاث الراحة من طلبه مراجعتها، وروي اللخمي: إن أعطته مالا على تطليقها واحدة فطلقها ثلاثا لزمه ولا قول لها، وأرى إن كان راغبا في إمساكها فرغبت في الطلاق فأعطته على أن تكون واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته؛ لأنها إنما أعطته على أن لا يوقع الاثنتين لتحل له إن بدا لهما من قبل زوج.
قلت: الأظهر رجوعها عليه بما أعطته مطلقا؛ لأنه بطلاقه إياها ثلاثا يعيبها لامتناع كثير من الناس من تزويجها خوف جعلها إياه محللا، فتسيء عشرته ليطلقها فتحل للأول.
ولو اشترت منه عصمته عليها أو طلاقه عليها أو ملكة عليها ففي كونه ثلاثا أو واحدة بائنة، ثالثها: إلا أن ينوي واحدة لسماع عيسى ابن القاسم، وعيسى، وأصبغ.

باب في طلاق السنة

وطلاق السنة ما كان في طهر لم يمس فيه بعد غسلها أو تيممها واحدة فقط

الجزء: 4 - الصفحة: 125

وفيها: يكره أن يطلقها في كل طهر طلقة.
أشهب: لا بأس به ما لم يرتجعها؛ لأن يطلقها.
زاد اللخمي عنه: لو أراد أن يطلقها اثنتين أو ثلاثا، فقيل له لا يجوز ذلك، فطلقها واحدة ثم ارتجعها، ثم طلقها أخرى ثم ارتجعها، ثم طلقها الثالثة فلا بأس؛ وإن كن في يوم.
وغيره بدعي.
اللخمي: كونه اثنتين مكروه وكونه ثلاثا ممنوع.
وفي كون كراهته في مس فيه لتلبيسه عدتها بالأقراء أو الوضع أو خوف ندمه إن بان حملها قولان للقاضي.
واللخمي قائلا: إن طلقها قبل اغتسالها مضى.
وفيها: يطلق الحامل، والصغيرة، واليائسة متى شاء، والمستحاضة متى شاء، وإن كان لها طهر يعرف نحراه، ونقل ابن الحاجب أن المميزة كغير المميزة لا أعرفه نصا، وتخريجه اللخمي على أن عدتها كغير المميزة سنة، يرد بنقل محمد فيها عدتها سنة.
وإن طلقها في الدم البيه بالحيض جبر على الرجعة احتياطا فيهما.
وفيها: له أن يطلقها قبل البناء وإن كانت حائضا أو نفساء، ونهى عنه أشهب، وعزا له اللخمي الكراهة.
قال: وروي القاضي منعه وجوازه بناء على تعليله بالتطويل أو التعبد.
وفي تطليق الحامل في حيضها قول ابن شعبان وتخريج القاضي على منعه فيه قبل البناء، وعزاهما عبد الحق لأبي عمران وابن القصار وصوب الأول.

الجزء: 4 - الصفحة: 126

وفي دم وضعها ولدا وفي بطنها آخر قولان، وعزاهما عبد الحق لأبي عمران كدم حيضها.
ابن شاس: الخلع في الحيض كالطلاق، وقيل: يجوز؛ لأنه برضاها، وقيل: لضرورة الافتداء وعليهما جوزاه برضاها دون خلع.
ومتى خلع الأجنبي.
قلت: لا أعرف نقل جوزاه لغيره، والفاسد الذي لا يقر بإمضاء ذي حق فيه يفسخ في الحيض كنكاح المحرم، لا ما يصح بإمضاء كالسيد في عبده والولي في محجوره.
ومن طلق لارتفاع الحيض فعاد قبل تمام طهر في كونه كالحيض قولان لابن عبد الرحمن مع أي عمران، وبعض شيوخ عبد الحق بناء على اعتبار المال والحال.
وفي آخر لعانها: من قذف زوجته أو انتفى من حملها وهي حائض أو نفساء فلا يتلاعنان حتى نطهر، وكذا إن حل أجل تلوم المعسر بالنفقة أو العنين أو غيره فيه أخر طلاقه لطهرها، والمولى إن حل أجله ولم يف وهي حائض طلق عليه، وروي أشهب: لا تطلق حتى تطهر.
اللخمي: إن أخطأ الحاكم فطلق للإعسار ونحوه في الحيض لم يلزم بخلاف طلاق الزوج بنفسه؛ لأن القاضي فيه كوكيل على صفة ولأنه لو أجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثم يطلق إذا طهرت فتلزمه طلقتان.
وفي جبر من طلق في حيض أو نفاس طلاقا رجعيا ولو حنث ما لم تنقض عدتها، أو لم تطهر من الحيضة الثانية؛ قولان لها مع ابن الماجشون، ولأشهب مع ابن شعبان، فإن أبي فقال ابن القاسم وأشهب: هدد، فإن أبي؛ سجن، فإن أبي؛ ضرب بالسوط، ويكون ذلك قريبا في موضع واحد، فإن أبى ألزمه الحاكم الرجعة.
الباجي: إن أجبر على الرجعة ولم ينوها، ففي صحة استمتاعه بها قولا أبي عمران، وبعض البغداديين.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من لم يجبر على الرجعة من طلاقه في الحيض حتى طهرت منه فطلقها جبر على الرجعة ما لم تنقض عدتها، ولو كان ارتجعها في حيضتها ثم

الجزء: 4 - الصفحة: 127

طلقها في طهرها منه لم يجبر.
ومن أبى الارتجاع من طلاق الحيض قضى عليه السلطان بها وأشهد على القضية عليه بذلك فكانت رجعة تكون بها امرأته أبدا حتى إن خرجت من العدة وماتا توارثا.
ابن رشد: ظاهره أن إجباره بالإشهار بما ذكر دون ضرب ولا سجن خلاف نقل محمد عن ابن القاسم وأشهب، والأظهر جواز استمتاعه بها برجعة القضاء عليه كارها، ولا نية له كالسيد يجبر عبده على النكاح.
وسمع عيسى ابن القاسم: لمن أجبر على الرجعة أن يطأها إذا طهرت وهو يريد أن يطلقها في الطهر الثاني، ويؤمر في الرجعة من طلقة الحيض والنفاس التي أجبر عليها أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، وقول أبي عمران لو ارتجعها في حيض الطلقة اختبارا دون إجبار كان له طلاقها في طهر حيض الطلقة هو مفهوم شرطها.
وسمع عيسى ابن القاسم لمن أمر بالرجعة من طلاق الحيض فراجع مريدا طلاقها وطؤها.
ابن رشد: هو المأمور به، ولو ارتجعها كذلك ولم يصبها كان مضرا آثما، ولو طلق في طهر حيض جبر فيه أو في طهر مس أو قبل اغتسالها أو بدله لم يؤمر بالرجعة.
وقول الن عبد السلام: أظن أني وقفت على نقل: يجبر من طلق في طهر مس فيه على الرجعة ولا أتحققه الآن - لا أعرفه إلا قول عياض.
ذهب بعض الناس إلى جبره على الرجعة كمن طلق في الحيض.
عبد الحق: والتيمم يبيح طلاقها ولو صلت به.
قلت: ظاهره ولو بعده بحيث لا تنتقل به.
وظاهر قول التلقين لطلاق السنة ستة شروط: كونها ممن يحيض مثلها، وكونها طاهرا غير حائض ولا نفساء، وكونها في طهر لم يمس فيه، وكونه تاليا لحيض لم يطلق فيه، وكون الطلقة واحدة، والسادس: أن لا يتبعها طلاق - جوازه برؤية الطهر، ونقله ابن عبد السلام غير معزو ظاهر لفظ الجلاب وابن فتحون وغير واحد خلاف نصها، وقال ابن حارث: اتفق مالك والرواة من أصحابه أنه لا ينبغي طلاق المدخول

الجزء: 4 - الصفحة: 128

بها إلا وهي طاهر غير حائض ولا نفاء طهرا يحل لها به الصلاة.
وسمع أصبغ ابن القاسم إن دعت طلاقه إياها وهي حائض، وقال: بل وهي طاهر فالقول قوله.
ابن رشد: وعنه أن القول قولها ويجبر على الرجعة، وقال سحنون.
الصقلي: لو قال قائل ينظر إليها بإدخال خرقة بنفسها ولا كشفة في ذلك لرأيته صوابا؛ لأنه حق للزوج كعيوب الفرج والحمل، ولأنها تتهم على عقوبة الزوج بالارتجاع.
قلت: وفي طرر ابن عات ما نصه: حكي ابن يونس عن بعض الشيوخ أن النساء ينظرن إليها كالعيوب.
قال: وقال ابن المواز إن كانت حين تداعيهما حائضا قبل قولها وإن كانت حينئذ طاهرا قبل قوله لا قولها.
ولو قال وهي حائض أنت طالق للسنة، أراد إذا طهرت ففي تعجيله ويجبر على الرجعة، وتأخيره لطهرها قولها، ونقل اللخمي عن أشهب.
ولو قال ثلاثا للسنة ففيها مع الشيخ عن سحنون وقعن عاجلا.
ابن شاس: على المشهور ولا أعرف الشاذ بحال.
وقبله ابن عبد السلام وقرر وجوده بقول ابن الماجشون: يقدر وقوع الطلاق المؤجل واقعا في أجله، وابن القاسم يقدره معجلا، فعلى قول ابن الماجشون تلزمه طلقتان فقط؛ لأن الطلقة الثالثة يقدر وقوعها في الطهر الثالث، وإنما يكون بعد الحيضة الثالثة، وبأولها تخرج من العدة وتصير أجنبية فلا تلحقها هذه الطلقة.
قلت: هذا وهم، لأن الطهر الثالث بعد العدة إذا اعتبرت الحيضة التي وقع فيها الطلاق من العدة.
وابن الماجشون: لا يعتبرها منها؛ لأن في النوادر ما نصه

الجزء: 4 - الصفحة: 129

من المجموعة وكتاب ابن سحنون: قال عبد الملك فيمن قال لزوجته - يريد وهي طاهر - أنت طالق كلما حضت؛ طلقت ثلاثا، يريد مكانه.
قال: وانظر فإن وجدت غاية الطلاق يأتي في العدة فأوقعه الآن أو ما دخل في العدة منه، فإن وجدت العدة تنقضي قبل ذلك فأسقط ما جاوز العدة منه، ففي مسألتك جعل الطلقة الأولى في الحيضة لا تدخل في العدة والعدة بعدها؛ يريد: وقد لزمته طلقة.
وقال: والطلقة الثانية والثالثة جعلها في كل حيضة من العدة طلقة، فتتم ثلاثة تتم العدة ثم تحل بالحيضة الثالثة، وذكره ابن سحنون ثم قال: وخالفه وقال: بل تعتد بالحيضة الأولى فيقع بذلك طلقتان.
انتهى.
قلت: وهذا نص من عبد الملك على أن الحيضة الآتية لا يعتبرها من العدة لوقوع الطلاق فيها تقديرا، فإذا كان واقعا فيها تحقيقا فأحرى.
الشيخ عن ابن سحنون عن أبيه: لو قال أنت طالق ثلاثة للسنة فكأنه قال لها أنت طالق كلما طهرت، وثانية في الطهر الثاني، وثالثة في الثالث بانقضائه تنقضي العدة، وكذا لو قال لها وهي طاهر أنت طالق ثلاثا للسنة، وهذا يدخل في قول ابن القاسم.
وذكر في ترجمة أخرى عن ابن سحنون عن سحنون، إن قال أنت طالق إذا حضت الأولى، وأنت طالق إذا حضت الثالثة، وأنت طالق إذا حضت الخامسة، لا تقع عليه إلا طلقته؛ لأن ما زاد عليها لا يقع إلا بعد العدة.
ومن المجموعة وبعضه من كتاب ابن سحنون: إن طلقة واحدة، ثم قال أنت طالق كلما حضت وقعت الثلاث، ولو قال أنت طالق، وإذا حضت ثانية بعد أولى فأنت طالق، وإذا حضت ثالثة فأنت طالق، لزمته طلقتان الطلقة الأولى وطلقة عجلت عليه.
الشيخ: يريد وقعت الثالثة بعد انقضاء العدة بدخولها في الحيضة الثالثة.
ابن سحنون عنه: لو قال لمدخول بها لا تحيض أنت طالق ثلاثا للسنة وقعن عاجلا، كأنه قال أنت طالق الساعة، وطالق ثانية إذا أهل الشهر، وطالق ثالثة إذا

الجزء: 4 - الصفحة: 130

أهل الشهر.
قال: ولو قال لغير مدخول بها: أنت طالق ثلاثاً للسنة لم تلزمه إلا طلقة إذ لا عدة عليها فوقعت الطلقتان وهي غير زوجه كقوله لها أنت طالق اليوم طالق غداً وطالق بعد غد، وليس كمن نسق بالطلاق في مقام واحد؛ بل كمن قال لمدخول بها أنت طالق اليوم، وطالق إذا حضت الحيضة الثالثة، أو إذا مضت عشر سنين، ولو قال لحائل أنت طالق ثلاثا للسنة وقعن حينئذ كأنه قال أنت طالق الساعة، وطالق ثانية إذا أهل الشهر، وثالثة إذا أهل الشهر الثاني، ولو قال لحامل أنت طالق ثلاثا للسنة لم يلزمه إلا واحدة، كأنه قال طالق الساعة وطالق إذا وضعت، وبالوضع تتم عدتها.
قال ابن سحنون: إلا أن يعني في الحامل طلاق السنة على رأي العراقيين أنه يطلقها كل شهر طلقة حتى تتم الثلاث مكانه، كذا قال سحنون.
قلت: في قوله في التي لا تحيض أنها ثلاث تطليقات نظر؛ لأن طلاق السنة فيها إنما هو طلقة واحدة؛ لأن عدتها مجموع ثلاثة أشهر لا فصل فيها بحيض كمدة حمل الحامل، فكما قدر في الحامل الزائد على الواحدة بعد وضعها، كذا يجب تقديره في التي لا تحيض بعد الثلاثة الأشهر، وتمام الأشهر كالوضع في انقضاء العدة به.
قال: وإن قال لها قيل قبل البناء أنت طالق للسنة، أو قال للبدعة، أو قال لا للسنة ولا للبدعة، أو قاله لمدخول بها حامل، لزمته مكانه طلقة، وكذا إن لم تكن حاملاً، وهي ممن لا تحيض، ولو قال لها وهي حائض أنت طالق كلما حضت لزمه الطلاق مكانه.
قلت: هذا خلاف ما تقدم له إنما يلزمه طلقتان فتأمله.
قال: وإن قال لها وهي حائض أو طاهر أنت طالق ثلاثا عند كل قرء طلقة، وقعت الثلاث، وإن قال لها ذلك وهي حامل، فإن كانت لا تحيض على حملها لزمته طلقة فقط؛ لأن الزائد جعله بعد انقضاء عدتها بالوضع، فإن كانت لم تحيض على حملها عجلت عليه طلقة، ونظرنا فإن تمادى الحمل حتى يظهر ثلاثة أطهار لزمته الثلاث، أو قرءان فتلزمه طلقتان يوم قال ذلك، وإن لم تحض حتى وضعت لم يلزمه غير طلقة.
قلت: كذا نقلها الشيخ ولم يزد، ولا تتم إلا بحمل قوله: (لا تحيض) على التي علم الزوج ذلك منها، فصار طلاقه المعلق على قربها كتعليقه عليه بعد وضعها، وحمل قوله:

الجزء: 4 - الصفحة: 131

(فإن كانت لم تحيض) على من لم يعلم ذلك منها.
قال: وكذا في أنت طالق الساعة، وطالق إذا مضى شهر، وطالق إذا مضى شهر ثان، إن وضعت قبل مضي شهر لزمته طلقة فقط، وبعد مضيه طلقتان، وبعد شهرين ثلاث، وإن قال لمستحاضة أنت طالق ثلاثا عند كل قرء، فإن كانت مميزة وتعتد بها في قول ابن القاسم لزمته الثلاث.
قاله في حيضها أو استحاضتها، وإن كانت غير مميزة لزمته طلقة فقط، والطلقتان وقعتا وهي غير زوجة.
الشيخ عن ابن سحنون عن أبيه أنت طالق واحدة عظيمة أو كبيرة أو شديدة أو طويلة أو خبيثة أو منكرة أو مثل الجبل، أو أنت طالق إلى الصين أو إلى البصرة، كله سواء؛ فيه طلقة واحدة رجعية حتى ينوي أكثر، وكذا أنت طالق خير الطلاق أو أحسنه أو أجمله أو أفضله، أو أنت طالق لخلاف السنة، وقوله أنت طالق أكثر الطلاق أو أقبحه أو أسمجه أو أشره أو أقذره أو أنتنه أو أبغضه ثلاث في الجميع، وكذا أكمل الطلاق وقبلها الشيخ، وقول ابن عبد السلام في طلقة عظيمة إلى قوله إلى البصرة لا يبعد عن القول بالثلاث في طلقة بائنة أن يلزمه في هذه الثلاث؛ يرد بأن أثر البينونة منحصر في العصمة ورفعها ملزوم للثلاث، وأثر صفة الطلقة في الصور المقيسة غير منحصر في العصمة، لجواز رجوعه لما توجبه الطلقة من الغم الذي لأجله شرعت المتعة.
وقوله: ولا يبعد استحلافه في أنت طالق بخلاف السنة؛ لأن من المخالفة للسنة طلاق الثلاث في لفظ واحد، يرد بأن الحلف إنما يتوجه حيث يتقرر رجحان نقيض المدعي بوجه ما.
وقد اختلف في محاشاة الزوجة في "الحلال عليه حرام" هل يلزمه يمين أم لا؟ فعلى الحلف فيها لا يلزم مثله في الصور المذكورة لرجحان دخول الزوجة عملاً بالعموم وخوف إهمال اللفظ عن معنى حكمي، ولفظ أنت طالق بخلاف السنة صدقه على طلاق الحيض والثلاث على سبيل السوية دون مرجح.

الجزء: 4 - الصفحة: 132

باب في شرط الطلاق

وشرط الطلاق: أهل ومحل والقصد مع اللفظ أو ما يقوم مقامه من فعل أو إشارة سبب، وجعل ابن شاس وابن الحاجب تابعين للغزالي الكل أركاناً له، يرد بأنها خارجة عن حقيقته، وكل خارج عن حقيقة الشيء غير ركن له.

باب الأهل

الأهل: الموقع شرطه الإسلام على المعروف.
اللخمي: وقال المغيرة يلزم الكافر طلاقه ويحكم به عليه، إن أسلم بعده احتسب به، ولو رضي الكافر المطلق بحكم الإسلام عليه، ففي لغوه لاعتبار صفته وحكمه بالفراق مجملاً دون الثلاث، ثالثها: بالثلاث، ورابعها: إن كان عقدة مخالفاً لشروط الصحة لم يلزمه شيء، وإن كان صحيحاً لزمه الطلاق، لابن الكاتب مع ابن أخي هشام، وغير واحد، والقابسي، وابن شبلون، والشيخ.

الجزء: 4 - الصفحة: 133

وفي ثالث نكاحها إن طلق نصراني زوجته في عدة إسلامها دونه ثم أسلم فيها فطلاقه لغو، أسلم في عدتها أو تزوجها بعدها.
اللخمي: يريد إن تركت حقها في الطلاق، فإن قامت به منع من رجعتها؛ لأن في الطلاق حقاً لله تعالى وحقاً لها، ولها منعه من رجعتها بعد تطليقتين إن تزوجها بعد إسلامه؛ لأنه حكم بين مسلم وكافر، كما لو وهبها نفسها أو ديناراً أو عبده المسلم نفسه، وفي ثاني عتقها إن أعتق نصراني عبده النصراني ثم أراد رده في الرق أو بيعه لم يمنع إلا أن يرضى أن يحكم عليه بحكم الإسلام، فيحكم بحريته.
**** كذلك: اللخمي: اختلف في طلاق من لم يحتلم، فقال مالك: لا يلزمه، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: إن قال من ناهز الحلم إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها فرق بينهما، فطلاق فاقد العقل ولو بنوم لغو.
وسمع ابن القاسم جواب مالك عن مريض ذهب عقله وطلق امرأته، ثم أفاق فأنكر ذلك، وزعم أنه لم يكن يعقل ما صنع ولا يعلم شيئاً منه أنه يحلف ما كان يعقل ويترك وأهله، فأطلقه الباجي.
ابن رشد: إنما ذلك إن شهد العدول أنه يهذي ويختل عقله، وإن شهدوا أنه لم يستنكر منه شيء في صحة عقله، فلا يقبل قوله ولزمه الطلاق.
قاله ابن القاسم في العشرة، وفي الأيمان بالطلاق منها ما طلق المبرسم في هذيانه وعدم عقله لم يلزمه.
وسمع أصبغ ابن القاسم فيمن سقي السيكران فحلف بعتق أو طلاق وهو لا يعقل شيئاً لا شيء عليه كالبرسام، وهو شيء لم يدخله على نفسه إذا كان إنما يسقاه ولا يعلمه، وقاله أصبغ، ولو أدخله على نفسه وشربه على وجه الدواء فأصابه ما بلغ ذلك منه فلا شيء عليه.
ابن رشد: قوله: (لا شيء عليه) صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه كالمجنون، وقوله: (إذا كان إنما يسقاه ولا يعلمه) فيه نظر؛ لأنه يدل على أنه لو شربه وهو يعلم أنه يفقد عقله، لزمه ما أعتق أو طلق وإن كان لا يعقل، وهذا لا يصح أن يقال به، وإنما ألزم من ألزم السكران طلاقه وعتقه؛ لأن معه بقية من عقله، لا؛ لأنه أدخل السكران على نفسه، وقول من قال لأنه أدخل السكر على نفسه غير صحيح، فإن كان سكر شارب السيكران كالسكر الخمر ويختلط به عقله كالسكران من الخمر فله حكمه، ويمكن أن

الجزء: 4 - الصفحة: 134

يفرق فيه بين أن يدخله على نفسه ليسكر به أو يسقاه وهو لا يعلم، وقاله ابن الماجشون وهو على قول ابن وهب أن السكران إنما ألزم الطلاق؛ لأنه أدخل السكر على نفسه.
وطلاق السكران: أطلق الصقلي وغير واحد الرويات بلزمه، وقال ابن رشد: إن كان لا يميز الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فهو كالمجنون اتفاقاً، ونحوه قول الباجي: إن كان لا يبقى معه عقل جملة لم يصح منه نطق ولا قصد لفعل، ولو علم أنه بلغ حد الإغماء لكان كالمغمى عليه.
ابن رشد: وأما السكران المختلط فطلاقه لازم، وقال محمد بن عبد الحكم: طلاقه لا يجوز، وذكره المازري رواية شاذة.
وطلاق ذي المرض المخوف: وإقراره به في صحته كالصحيح مطلقاً إلا أنها ترثه إن مات منه موتاً لا يرفع إرثها إياه إلا طلاقه ولو كان بائناً وقبله في الصحة رجعي لم يرتجعها منه ومات بعد عدتها لم ترثه، وفي الكافي قول بإرثها إياه بناء على اعتبار المآل أو تهمته حين أبانها، لما في الموطأ قضى به عثمان لإمرأة عبد الرحمن بن عوف.
قلت: لعانه إياها في مرضه كطلاقه.
اللخمي: لو كان العقد في صحته والحنث في مرضه ففي كونه كذلك ونفي إرثها، قولها ورواية المدنيين: إن قال لها في صحته إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها في مرضه عصياناً وخلافاً لم ترثه مع قول المغيرة: من حلف ليقضين فلاناً حقه، فمرض الحالف وحنث في مرضه، إن كان ملياً ورثته، وإن كان فقيراً طرأ له مال لم يعلم به لم ترثه، وهو أحسن، وعزا الباجي الأول لمشهور مذهب أصحابنا.
قال: وروى زياد بن جعفر لا ترثه.
قال المتيطي إثر هذا الكلام.
قال أبو الحسن: فعلى القول الأول لا ترثه إذا خالعها في مرضه؛ لأنه أبين في البراءة من التهمة؛ لأنه باختيارها، وجعل ابن شاس وابن الحاجب الملاعن في المرض من ذلك بعيد؛ لأنها فيه غير مختارة لخوف حدها برميه ولعانه إلا أن يروى فيه خلافاً نصاً.
ولو طلق أمة أو ذمية فعتقت وأسلمت بعد العدة قبل موته ففي إرثهما إياه قولا محمد وابن الماجشون وعزاهما الباجي لسماع أصبغ ابن القاسم، وسحنون قال: ولابن

الجزء: 4 - الصفحة: 135

القاسم من مات فشهدت بينة أنه كان طلق امرأته البتة في صحته ورثته كمن طلق في مرضه؛ لأن الطلاق إنما يقع يوم الحكم، ولو وقع يوم القول كان فيه الحد إن أنكر الطلاق وأقر بالوطء.
قلت: سمع ابن القاسم من شهد عليه أنه طلق امرأته البتة وقد ماتت لا يرثها، ولو كان قد مات ورثته.
سحنون: معناه أن الشهود كانوا قياماً معه فلم يقوموا حتى مات.
ابن رشد: قول سحنون غير صحيح، لو كان كما قال لبطلت شهادتهم وورث كل منهما الآخر، وسبب وهم سحنون هو ما في المدونة من الأيمان بالطلاق ليحيى بن سعيد في شهود شهدوا على رجل بعد موته أنه طلق امرأته لا تجوز شهادتهم إن كانوا حضوراً ولامرأته الميراث، وكذا كان يقول يحيى بن سعيد: لو ماتت هي أن له الميراث لسقوط شهادتهم بحضورهم، ومعنى مسألة مالك أن الشهود كانوا غيبا، وكذا هو في رسم حمل صبياً من سماع عيسى من الأيمان بالطلاق، ومالك أحق بتبيين ما أراده، ووجه تفرقته هو أنه إذا كان الميت فلم يعذر إليه في شهادة الشهود، ولعله لو أعذر إليه فيهم لأبطل شهادتهم، فرأى لها الميراث؛ لأن الشهادة لا يحكم بها إلا بعد الإعذار، وإن كانت هي الميتة أمكن أن يعذر إليه، فإن عجز عن الدفع وجب الحكم بالطلاق يوم وقع فلم يكن له ميراث منها.
وقال محمد: إنما ورثته ولم يرثها؛ لأنه كالمطلق في المرض؛ لأن الطلاق وقع يوم الحكم، ولو لم يقع يوم الحكم كان فيه الحد.
قال أبو إسحاق: هو كلام فيه نظر؛ لأن الحاكم إنما ينفذ شهادة البينة وهي تقول: إن الطلاق وقع قبل الموت، وإنما درئ الحد للشبهة إما لنسيانه، وإما لإمكان أن يكون صادقاً في تكذيبه البينة، ولو كان الطلاق وقع بعد الموت لورثها هو أيضاً.
والقياس أن لا ترثه كما لا يرثها؛ لأن الإعذار يجب لهما معاً، فكلما لا يرثها وإن لم يعذر إليها لا ترثه وإن لم يعذر إليه، وهو قول سحنون ويحيى ابن عمر.
المتيطي: قول ابن إسحاق معترض بأنه يلزم عليه أن لو شهد أربعة على رجل بالزنا وأنكرها أنه يسقط عنه الحد لإمكان صدقه وهذا لا يقوله أحد.
وذكر الأبهري المسألة على ما تقدم من التفرقة بين موته وموتها، وقال: يحتمل أن يكون معنى المسألة أنه طلقها في مرضه ثلاثاً فترثه ولا يرثها.

الجزء: 4 - الصفحة: 136

قلت: يرد تعقبه على أبي إسحاق بأن الشبهة عنده هي مجموع ما ذكر، وإمكان نسيانه حنثه في زوجته.
وسمع ابن القاسم من شك في حنثه في يمينه بالطلاق فوقف عنها واستفتى ثم بان له حنثه، تعتد من حين وقف عنها لا من حين بان حنثه.
قيل لابن القاسم: فإن ماتت قبل ذلك.
قال: ينظر فإن كان يحنث في يمينه لم ترثه وإلا ورثته.
ابن رشد: قوله: (تعتد من حين وقف) صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن الطلاق وقع عليه يوم حنثه لا يوم بان، وقوله: (إن كان يحنث لم ترثه وإلا ورثته) في بعض الكتب لم ترثه ولم يرثها ليس بخلاف لما تقدم والفرق بينهما أن الرجل في هذه لم يزل مقراً على نفسه بما أوجب عليه الطلاق، فوجب أن لا ميراث بينهما بعد وقوع الطلاق، والمسألة الأولى هو منكر لشهادة الشهود فوجب الإعذار إليه.
وسمع عيسى ابن القاسم: من أقر لقوم أنه بارأ امرأته، ثم زعم أنه كان مازحاً ولم يبارئ، وأنكرت هي أن يكون بارأته إن شهد عليه بإقراره بانت منه بواحدة ولا رجعة له إلا بنكاح جديد، وإن مات أحدهما في عدتها ورثته ولم يرثها.
ابن رشد: قوله في الميراث لا يصح بوجه لقوله: إذا شهد عليه بإقراره بانت منه بواحدة ولا رجعة له عليها، فقوله: ولا رجعة له عليها يدل أن الشهادة كانت عليه في حياته، فإذا حكم عليه في حياته بأنها بائنة منه وجب أن لا ميراث بينهما، ولو كانت الشهادة عليه بعد موته لوجب على ما تقدم في سماع ابن القاسم أن ترثه ولا يرثها.
وفيها: لا تجوز الوصية المطلقة في المرض وإن تزوجت أزواجاً؛ لأنها ترثه، وإن قتلته في مرضه خطأ بعد طلاق فالدية على عاقلتها وترث من ماله دونها، وإن قتلته عمداً لم ترث من ماله وقتلت به، فإن عفي عنها على مال لم ترث منه.
وفيها: لو يرفع إرثها إياه نكاحها غيره، ولو تعدد ولو طلقها كل منهم في مرضه ورثت الجميع ولو كانت زوجاً لغيرهم.
وصحته بعده تصيره كطلاق صحيح ولو كرره في مرض آخر، ما لم ترفعه رجعة أو نكاح، فالمعتبر ما بعده في صحة أو مرض.

الجزء: 4 - الصفحة: 137

وفيها: من قتل على ردته في مرضه لم يرثه ورثته ولا زوجته إذ لا يتهم أحد بردة على منع إرث.
اللخمي: إن قتل على ردته لم يورث إطلاقاً، ولو عاجله الموت؛ فثالثها: إن لم يتهم، لها، ولنقل ابن شعبان والموازية قال: إن ورثه بعيد ومن يعلم أن بينه وبينه عداوة حين إرثه، وإن مات بعد إسلامه ورثه ورثته غير الزوجة على قول ابن القاسم: ردته طلاق، وترثه على قول أشهب وعبد الملك إن إسلامه يوجب بقاءها زوجة دون طلاق.
قلت: الأظهر أن ترثه زوجته على قول ابن القاسم أيضاً؛ لأنه مطلق في المرض ورافع تهمته قتله والفرض نفيه لإسلامه.
اللخمي: لو طلقها في مرضه ثلاثاً لم ارتدت ثم تابت ثم مات من مرضه لم ترثه، وجعل التونسي الطلاق عليه في مرضه بجنون أو جذام كالردة واضح إلا أن في الحكم عليه به في مرضه نظراً والصواب تأخيره ونقل ابن عبد السلام عنه أن النشوز منها في المرض كالردة مشكل إذ لا أثر للنشوز في الفرقة.
ابن محرز: لم يذكر في الكتاب لو كان لعانه بولد نفاه هل ينتفي في مرضه؟ والصواب نفيه، ولا تهمة في النسب لصحة استلحاقه في مرضه.
وفيها: المفلوج وصاحب حمى الربع والأجذم والأبرص والمقعد وذو الخراج والقروح إن أرقده ذلك وأضناه وبلغ به حد الخوف عليه، فله حكم المريض وما لم يبلغ ذلك منه فله حكم الصحيح.
الباجي: صفة الخوف ما رواه ابن عبد الحكم ما أقعد صاحبه عن الدخول والخروج، وإن كان جذاماً أو برصاً أو فالجاً وليس اللقوة والريح والرمد إذا صح البدن كذلك، وكذا ما كان من الفالج والبرص والجذام يصح معه بدنه ويتصرف.
محمد: لم يختلف قول مالك وأصحابه في أن الزحف في الصف كالمرض.
قلت: فآخر المتطاول وأوله إن اعتقبه الموت مخوف، واختلف إن طال مرضه بعد طلاقه ثم مات، فمقتضى قول مالك فيها "إن تزوجت أزواجاً كلهم يطلقها في مرضه، ثم تزوجت آخر والذين تزوجوها أحياء أنها ترث جميعهم" أنه مخوف، ومثله قول القاضي: السل مخوف ولم يفرق بين طول وقصر، وقال ابن الماجشون: المتطاولة كالسل والربع

الجزء: 4 - الصفحة: 138

والطحال والبواسير ما تطاول منها كصحة، وإن مات قبل طوله فمخوف وهو أحسن.
وقال عياض بعد ذكر أخذ اللخمي من تعدد الأزواج: إن المتطاول مخوف قد يتفق هذا في المدة القريبة فإن جميعهم لم يبن بها، واتفق مرض جميعهم أو يكون الأول تركها حاملاً فولدت للغد ونحوه، ثم تزوجها آخر فمرض لأمد قريب، ثم ثالث مات بخرج، وكذا حتى اتفق في أيام يسيرة أو بأنه فرض مسائل تكلم عليها إن اتفقت، وفي كون الخروج لسفر أو غزو كمرض قولان لسماع ابن القاسم مع أول قولي ابن وهب، وثانيهما مع سماع عبد الملك ابن القاسم، وفي كون ركوب البحر كالمرض، ثالثها: حال الهول فيه، لابن رشد عن ظاهر نقل سحنون عن مالك فيها ورواية ابن القاسم فيها، ودليل سماع عبد الملك رواية ابن القاسم.
ابن رشد: وهو أظهرها، والذي تجمح به دابته مثله يدخله ما يدخل راكب البحر حال الهول من الخلاف، والحبس للقتل صبراً كالمخوف اتفاقاً، وكذا الأسير في أول أمره قبل أن يستحكم أسره على ما حكاه ابن حبيب وهو تفسير لسماع أبي زيد.
ابن رشد: ركوب البحر في موضوع الغالب فيه السلامة كركوب البحر الميت والنيل ودجلة كالصحة، وفي غيره قولان.
وفيها: قلت: إن قرب لضرب حد أو قطع يد أو رجل فطلق امرأته فضرب أو قطعت يده فمات من ذلك أترثه؟ قال: لم أسمع فيه شيئاً إلا أن مالكاً قال: فيمن يحضر الزحف أو يحبس للقتل كالمريض فضرب الحد، وقطع اليد إن خيف منه الموت كما خيف على الحاضر للقتال فهو كالمريض.
عياض: عارضها بعضهم بأنه لو خيف موته من حده لم يقم عليه، وأجيب بأن هذا لم يقصد الكلام عليه وقيل لعله فعله من يراه من الحكام أو من فعله جهلاً، وأجاب القابسي بأن الخوف عليه بعد إقامته، وهذا إحالة للمسألة لوجهين: الأول: أنه قال في المسألة لضرب حد، والثاني: قياس ابن القاسم لها على حاضر الزحف ولو كان كما قال كان مريضاً لم يختلف فيه، وقال الشيخ: إن الخوف المذكور خوف الجزع كما يحضر حاضر الزحف وهذا أولى، ولو كان قطع حرابة أقيم مع الخوف عليه.
وفيها: من طلق في مرضه قبل البناء ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 139

عبد الحق عن بعض القرويين: يفسخ ولو بنى وليس كما قيل يثبت بالبناء كالنكاح بالغرز؛ لأن هذا المهر إنما هو في الثلث ولا يعلم ما يحمله منه فهو غير مستقر، ونكاح الغرر المهر فيه ثابت وهو ظاهر لفظ الكتاب، كمن نكح في المرض وبنى فيه، وربع دينار ثابت للمرأة من رأس المال تحاصص به غرماءه، والذي في الثلث ما زاد عليه.
ابن محرز: قال سحنون لها تفسير ووجد له في موضع آخر أنه يفسخ قبل البناء لتهمته أن يعطيها ماله بغير شيء، فإن بنى بها استحقت مهر مثلها في ثلثه ولم يكن لفسخه معنى.
قال شيخنا أبو الحسن: ولها ربع دينار في رأس ماله وبقية مهر مثلها في ثلثه.
قال المذاكرون: وإنما فسد النكاح وإن كان الميراث ثابتاً لها بطلاقها في المرض للغرر في المهر هل هو في رأس ماله أو في ثلثه، ولو تحمل به غيره في عقده كان صحيحاً.
ولما ذكر الصقلي إنكار بعض القرويين قول سحنون بمضيه بالبناء واحتجاجه بغرر احتمال كونه في الثلاث أو رأس المال.
قال: إلا أن يكون له مال مأمون في ثلثه أضعاف المهر فيصح قول سحنون.
قال: وقال أبو عمران: لو حمل أجنبي المهر لم يفسخ النكاح بثبوت المهر في مال الأجنبي والإرث بالنكاح الأول، ولو كان على وجه الحمالة لكان كمسألة الكتاب؛ لأن الأجنبي إنما يطالب بالمهر في عدم الزوج.
الصقلي: يجب أن يثبت؛ لأن المهر ثابت على كل حال.
[باب ****] **** وهو العصمة، وشرطه مقارنة إنشائه تحقيقاً أو تقديراً لامتناع وجود حال دون محل.

الجزء: 4 - الصفحة: 140

فيها مع غيرها: لو قال لأجنبية أنت طالق أو طالق غداً فتزوجها قبله لم يلزمه، إلا أن يريد إن تزوجتك، وكذا أنت طالق إن كلمت فلاناً فكلمه بعد تزوجها.
وفيها: إن نكحتك فأنت طالق فتزوجها لزم طلاقها، ولها نصف المسمى، فإن بنى ولم يعلم فعليه صداق واحد لا صداق ونصف كمن وطئ بعد حنثه ولم يعلم وليس عليها عدة وفاة إن مات إنما عليها ثلاث حيض.
وسمع أبو زيد: كتب صاحب الشرطة لابن القاسم فيمن دخل بامرأة حلف بطلاقها البتة إن تزوجها، فكتب إليه لا تفرق بينهما، بلغني عن ابن المسيب أن رجلاً قال حلفت بطلاق فلانة إن تزوجتها.
قال: تزوجها وإثمك في رقبتي، وزعم أن المخزومي ممن حلف أبوه على أمه بمثل هذا.
ابن رشد: مشهور المذهب أن يفرق بينهما على كل حال وإن دخلا، ومراعاة ابن القاسم في الخلاف شذوذ.
أبو عمر: بمثل رواية أبي زيد عن ابن القاسم أفتى ابن وهب، وقال: نزلت بالمخزومي، فأفتاه مالك بذلك، وقال محمد بن عبد الحكم، وحكي عن ابن القاسم أنه توقف فيه في آخر أيامه.
وقال: وكان عامة مشايخ أهل المدينة لا يرون به بأساً، وروي عنه صلى الله عليه وسلم في نحو هذا

الجزء: 4 - الصفحة: 141

القول أحاديث من وجوه كثيرة إلا أنها عند المحدثين معلولة، ومنهم من صحح بعضها، ولم يرو عنه صلى الله عليه وسلم ما يخالفها، أحسنها ما خرج قاسم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق إلا من بعد نكاح"، وروي: "لا طلاق بل نكاح"، وروي: "لا طلاق فيما لا تملك".
قلت: في أحكام عبد الحق: أبو داود عن مطر الوراق عن عمرة بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" "لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك، ولا وفاء نذر إلا فيما تملك".
قال البخاري: هذا أصح شيء في الطلاق قبل النكاح، وذكر وكيع عن ابن أبي ذئب عن محمد بن المنكدر عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله يرفعه: "لا طلاق قبل النكاح".
أخرجه أبو محمد وهكذا رويته من طريق وكيع.
قلت: ولم يتعقبه ابن القطان وفي إلمام الشيخ الحافظ تقي الدين ابن دقيق العيد، وعن المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك".
أخرجه ابن ماجة من حديث هشام بن سعد وقد أخرج له مسلم.
اللخمي: في مختصر ما ليس في المختصر سأل نافع مولى ابن عاصم مالكاً فقال: حلفت بطلاق كل امرأة ما كانت أمي حية، فأمره مالك أن يتزوج.

الجزء: 4 - الصفحة: 142

قلت: هذا نص في جواز ذلك ابتداء، وقال ابن عبد السلام: قال الباجي: المشهور من المذهب إذا وقع هذا النكاح لا يفسخ، وقال ابن رشد: هذا شذوذ.
قلت: ما ذكره عن الباجي لم أجده، إنما وجدت له ما نصه عقب ذكره رواية ابن وهب فتوى مالك للمخزومي ما نصه: وليس هذه الرواية بمشهورة، والمشهور عن رواية أبي زيد عن ابن القاسم في العتبية لا يفسخ أن وقع.
انتهى.
قلت: فكأن الباجي فهم من رواية ابن وهب أنها على جوازه ابتداء فذكر ما تقدم، وفرق بين المشهور من رواية ابن القاسم وبين المشهور من المذهب، واختلفت عبارتهم في نقل أبي زيد عن ابن القاسم، فنقلها اللخمي وابن رشد وغيرهما على أن إمضاءه بالدخول وكذا هو في العتبية، ونقله أبو عمر والباجي وابن زرقون على أنه بالعقد، ففي جواز نكاح المحلوف بطلاقها على تزويجها للحالف، ومنعه مع مضيه بالعقد أو بالبناء، رابعها: يفسخ أبداً، وخامسها: الوقف للخمي عن رواية مختصر ما ليس في المختصرن ولأبي عمر مع الباجي عن سماع أبي زيد ابن القاسم، وللخمي مع ابن رشد عنه والمشهور وأبي عمر عن آخر قولي ابن القاسم، وعلى المشهور إن عم الفساد دون قيد لم يلزمه للحرج.
ابن بشير: هذا نصوص المذهب، وخرج بعضهم لزومه من رواية عموم اللزوم فيمن قال كل ثيبة أتزوجها حر أو بعد قوله كل بكر كذلك ورد بأن العموم المقصود أشد من عموم آل الأمر إليه.
قلتك هذا اعتراف بتصور العموم في صورة التفصيل والحق منعه، أما اللفظ الأول فواضح، وأما الثاني فكذلك ضرورة عدم تناوله بعض الجنس وهو متعلق اللفظ الأول، وعلة الإسقاط على هذه الرواية إنما هي المشقة الناشئة عن اللفظ العام وهي هنا عن لفظ خاص فلم توجد العلة بحال، ولو علق التحريم بما يبقى كثيراً لزم، ولا تدخل الزوجة إلا إن بانت وشملها اللفظ.
وفيها: طلاق من قال كل امرأة أتزوجها إلا من الفسطاط أو إن لم أتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق؛ لازم، وفي قوله إلا من بقرية كذا، لقريةٍ صغيرة

الجزء: 4 - الصفحة: 143

ليس فيها ما يتزوج ساقط كمن استثنى يسيراً في لزومه، لو استثنى واحدة مطلقاً، وسقوطه لو استثنى عشراً، ثالثها: إن كانت الواحدة تحل له في الحال، لابن رشد عن ابن الماجشون وسماع يحيى ابن القاسم ومُطَرَّف، وعزا الباجي الثاني لرواية المصريين.
قال والعدد اليسير كالعشرة ونحوها أو قبيلة أو قرية وهم قليل.
قال: ولعيسى عن ابن القاسم أنه لا يحد في ذلك والقليل الذي ليس فيه سعة للنكاح، وعزا هو واللخمي قولي الأخوين لروايتيهما.
قالا عن ابن الماجشون إن تزوجها في عدة من غيره وبنى بها سقطت يمينه لحرمتها.
قلت: فموتها أحرى.
اللخمي عنه: ولو كانت صغيرة تبلغ حد النكاح لما يبلغه عمره لزمت يمينه باستثنائها.
وله عن ومُطَرَّف: لو كانت حين يمينه أيما فتزوجت سقطت يمينه.
قال: فرأى مالك في هذا القول لزومه؛ لأن الواحدة تعفه ويمنع من أخرى توسعاً لا ضرورة، ويلزمه إن عم أن لا تباح له إلا واحدة إلا أن يضطر لأخرى.
قلت: يرد بأن العموم يمنع تعلق اليمين ابتداء، وقول ابن بشير إن استثنى بلداً غير متسع أو قبيلة قليلة، ففي لزوم يمينه قولان، وعلى اللزوم لو استثنى واحدة أجنبية ففي عدم لزومه، ثالثها: ما دامت متزوجة، أو إذا تزوجت- يقتضي قولاً باللزوم في اليسير دون الواحدة خلاف مقتضى نقل الثلاثة.
وفيها: إن قال كل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة أو أربعين فهي طالق لزمه إن أمكن أن يحيى لما ذكر، فإن خشي العنت ولم يجد ما يتسرر به فله أن يتزوج ولا شيء عليه، ولو ضرب أجلاً يعلم أنه لا يبلغه أو قال إلى مائتي سنة لم يلزمه.
الباجي عن ابن الماجشون: التعمير في ذلك تسعون عاماً، ولمحمد عن ابن القاسم العشرون عاماً كثير له أن يتزوج.
أصبغ: بعد تصبر وتعفف.
ابن وهب وأشهب: لا يتزوج في ثلاثين وإن خاف العنت.
مالك: يتزوج فيها إن خاف العنت.
أبو زيد عن ابن القاسم: إن قدر فيها على التسري فلا يتزوج، وكذا إن لم يجد إلا

الجزء: 4 - الصفحة: 144

أن يخاف العنت.
اللخمي عن مالك في غلام له عشرون سنة حلف سنة ستين ومائة أن كل امرأة يتزوجها إلى سنة مائتين طالق تلزمه يمينه، والقياس أن لا شيء عليه؛ لأنه عم معترك العمر ووقت الشبيبة الذي يحتاج إليه فيهن وأرى أن لو قال كل امرأة أتزوجها بعد ثلاثين سنة أو أربعين وهو ابن عشرين أن يلزمه لإبقائه الزمن الذي يحتاج إليه فيه، وعم زمناً لا يلحقه فيه مشقة.
ولو وقته بحياة غيره، ففي سقوطه رواية ما ليس في المختصر، ونقل اللخمي ولو قال لزوجته كل من أتزوجها عليك في حياتك وبعد وفاتك طالق، ففي لزومه مدة حياتها ولغوه مطلقاً، ثالثها: لحقها لا لحق الله لابن القاسم وأشهب واللخمي.
ولو قال يترك ففي لزمه كعليك ولغوه نقلاه عن ابن القاسم ومحمد.
ولو قال كل من أتزوجها بأرض الإسلام طالق، فإن لم يقدر على دخول أرض الحرب فلا شيء عليه، وإن قدر ففي لزومه قولاً ابن القاسم وأصبغ.
ابن رشد: كالقولين في استثناء قرية صغيرة، ولو قال حر كل حرة أتزوجها طالق ففي لزومه قول ابن القاسم قائلاً؛ لأنه أبقى الإماء، وقول محمد لا يلزمه إن كان ملياً على القول بالطول.
والمعروف إن خشي العنت من لزمته يمينه تزوج وتقدم ما يعذر فيه من المدة، ابن حارث: اختلف إن خشي العنت فروى ابن القاسم فيها: يتزوج، وقال لقمان بن يوسف: أنكر سحنون قوله إلا أن يخشى العنت.
ابن حبيب: كان مالك دهره يقول لا يتزوج ولو خشي العنت فأخذ بهذا أهل المدينة وهو قول ابن هرمز، ثم قال قبل موته بيسير إن خشي العنت تزوج فأخذ بهذا المصريون.
وفيها مع غيرها: حيث لزم لتعلقه بجزئي لم يتكرر بتكرر تزويجه إلا بلفظ يقتضي تكرره، وإن تعلق بكلي تكرر في أشخاص أفراده بتكرر تزويجه لتعلق الطلاق في الأول بالذات وهي محل الحكم، وفي الثاني بالوصف وهو علة الحكم.
ابن رشد: لم يختلف قول ابن القاسم أنه لا يتكرر في إن تزوجت فلانة فهي طالق،

الجزء: 4 - الصفحة: 145

ثم قال: وقيل يتكرر عليه وهو الآتي على قول مالك في مسألة الوتر.
قلت: تقدم رده في النذور.
ابن حارث: اتفقوا في إن تزوجت فلانة فهي طالق على عدم تكرر اليمين فيها.
وفيها: إن قال لامرأة كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثا عاد عليه الطلاق أبدا كلما تزوجها، وإن قال إن تزوجتك أبدا أو إذا أو متى ما فإنما يحنث بأول مرة إلا أن ينوي أن متى ما مثل كلما فتكون مثلها، وإن خص قبيلة أو بلدة كقوله كل امرأة أتزوجها من مصر أو من همدان أو مصر أو الشام فهي طالق، فتزوج منها امرأة طلقت عليه، ثم كلما تزوجها أبدا ولو بعد ثلاث طلقت عليه، لأنه لم يحلف على عينها، وسمع عيسى مثله وزاد: ولو قال بنات فلان أو أخواته أو فخذا.
قال مبهماً لم ينص أسماءهن رجعت عليه اليمين أبدا، ولو تزوجها بعد عشرين زوجاً، ولو قال إن تزوجتك أو أخواتك فلا ترجع عليه اليمين فيها وترجع في أخواتها، وسمعه أيضاً إن قال إن تزوجتك أبدا فأنت طالق البتة فتزوجها؛ يحنث وإن تزوجها بعد زوج فلا شيء عليه.
ابن رشد: لا خلاف أنه لا ترجع عليه في المرأة المعينة ولو قال إن تزوجتك أبدا، وإنما يفترق التأييد من عدمه في الطلاق فأنت طالق أبدا ثلاث.
ولو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق أبدا، فقال ابن القاسم هي ثلاث، ووقف فيها غيره، وقيل: واحدة لاحتمال رجوع التأبيد إلى التزويج وهو دليل قولها في إرخاء الستور، ومثله قول ابن القاسم في عتقها في القائل إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبدا حر رد التأبيد للدخول، ورده أشهب للملك، وتتكرر اليمين في إن تزوجت من فخذ كذا أو بلد كذا أو إلا وقت كذا اتفاقاً، ولو قال من بنات فلان بعينه ولم يسمهن ويمكن إحصاؤهن ومعرفتهن؛ في رجوع اليمين عليه فيهن قولان قائمان من المدونة فيمن يوصي لأخواله وأولادهم.
قلت: عزاهما اللخمي لابن القاسم وكتاب ابن سحنون وصوبه ابن بشير.
قالوا في إن تزوجت فلانة أبدا لا يتكرر عليه، وحملوا التأبيد على قصد الامتناع لا على تكرير اليمين واللفظ محتمل، ولا يبعد أن يجري فيه الخلاف، وقول ابن الحاجب لو تكرر التزويج في واحدة تكرر الطلاق وإلا لم يكن حرجاً في كل امرأة.

الجزء: 4 - الصفحة: 146

قال ابن عبد السلام: بيان الملازمة أنه يمكن إذا عم أن يتزوج امرأة فتطلق عليه، ويمكنه بعد هذه الطلقة أن يتزوجها فلا تطلق عليه لعدم التكرار.
قلتك فيه نظر من وجهين: الأول: إن مطلق هذا التقرير يوجب تكرر الطلاق في المعينة، والمذهب خلافه حسبما تقدم.
الثاني: من نظر وأنصف علم أن ما أتى به ليس بياناً للملازمة بحال؛ لأن حاصله أن عدم التكرار ملزوم لعدم التكرار وهذا بديهي غير مفيد، والمطلوب بيان ملزومية عدم التكرار لعدم المشقة الموجبة سقوط اليمين، وتقريرها بأن عدم التكرار يوجب يسر رفع لزوم عموم الطلاق الذي هو مناط سقوط اليمين وذلك بتزويجه امرأة؛ لأن على عدم التكرار يباح له تزويجها ولا تطلق عليه، فيرتفع عموم التحريم الموجب للمشقة؛ يرد بأن إباحة الواحدة لا ترفع المشقة كاستثنائها، لا يقال قدرته على ذلك في غيرها تكثر عدد ما يباح له بخلاف استثناء عدد يسيرن لأنا نقول توقف إباحة العدد الكثير على تزويجه إياه مشقة واضحة، فبطل كون عدم التكرار يرفع المشقة الموجبة لسقوط اليمين.
اللخمي: اختلف إن عير امرأة وضرب أجلاً وسمى بلداً وقال لزوجته إن تزوجت عليك فقال محمد: من قال لامرأة إن تزوجتك عشرين سنة فأنت طالق، طلقت عليه مرة فقط، وكذا إن تزوجت فلانة بمصر أبداً، وقال ابن القاسم تطلق عليه كلما تزوجها بمصر وإن حنث فيها مراراً وتزوجت أزواجاً كقوله إن تزوجت فلانة في هذه السنة فهي طالق، والأول أقيس كعموم يمينه في الزمان والمكان؛ لأن فائدة التقييد بأحدهما صرف تعلق يمينه بغير المذكور من زمان ومكان، ولو قال إن تزوجت فلانة على زوجتي ففي تكرره قولان لابن القاسم مع عبد الملك قائلاً؛ لأنه قصد عدم الجمع بينهما، ومحمد قائلاً لا يعجبني قول عبد الملك، ولو قال كل بكر أتزوجها طالق بعد قوله كل ثيب كذلك، فثالثها: يلزمه الأول فقط لسماع عيسى رواية ابن القاسم مع الباجي عن رواية ابن وهب، ونقل ابن بشير وسماع عيسى ابن القاسم مع الشيخ عن أكثر الرواة.
ابن حارث: اتفقوا على لزم الأول ولم يحك ابن رشد والباجي واللخمي غير

الجزء: 4 - الصفحة: 147

الأول والأخير، زاد اللخمي وأن لا شيء عليه أحسن؛ لأنه عم النساء.
قلت: هذا حسن إن قالهما في فور واحد.
ولو قال آخر امرأة أتزوجها طالق ففي لغوه ولزومه قولا ابن القاسم ومحمد مع سحنون، وعليه يوقف عن الأولى حتى يتزوج غيرها فتحل له، وكذا الثانية والثالثة، زاد سحنون: ولمن وقف عنها رفعه لعدم وطئه لقدرته عليه بتزوج ثانية ولها بثالثة ولها برابعة.
ابن رشد: لابن الماجشون نحوه وقال: إن ماتت من وقف عنها وقف ميراثه منها إن تزوج ثانية أخذه، وإن مات قبل أن يتزوج رد لورثتها، وإن طلق عليه بالإيلاء فلا رجعة له لعدم بنائه.
الشيخ، إن مات في الوقف قبل بنائه لم ترثه ولها نصف المهر فقط، ولا عدة لوفاة.
ابن رشد: قول ابن القاسم على قياس روايته فيها فيمن قال لامرأته أن لم تكوني حاملاً فأنت طالق أنها تطلق عليه حين قال ذلكن إذ لا يدري هل هي حامل أم لا؟ ولا يستأني لعلم ذلك وكذا هنا لما كانت يمينه توجب تعجيل طلاقه كل امرأة يتزوجها، إذ لا يدري هل هي آخر امرأة يتزوجها أم لا ولا يستأني لعلم ذلك؛ وجب أن لا يلزمه شيء لأجل العموم، وقول سحنون على قياس قول مالك في مسألة الحمل أنه يستأنى بها ليعلم هل بها حمل أم لا، فإن ماتت قبل تعيين ذلك لم يرثها لشكه في طلاقها، وإن مات هو استؤني بها؛ إن بان حملها ورثته وإلا لم ترثه.
قلت: لا يلزم من عدم الاستيناء في مسألة الحمل عدمه في مسألة آخر امرأة؛ لأن الحمل مغيب ليس وجوده بمستند لمستقل من فعل الحالف وهو تزويجه غيرها، وهذا يرد إجراء قول ابن القاسم في مسألة آخر امرأة، ويوجب كون إجراء قول سحنون فيها على مسألة الحمل أحروياً، واعترض ابن دحون قول سحنون بأن قال: إذا وقف عن وطء الأولى ثم تزوج لم يكن له أن يطأ الأولى حتى يطأ الثانية، كمن قال أنت طالق إن لم أتزوج عليك بالوطء بعد النكاح يبر، وليس له وطء الثانية إذ لا يدري أنها آخر امرأة يتزوجها فهو ممنوع من وطء الثانية حتى يتزوج ثالثة، وكذا يلزم في الثالثة والرابعة فلا يتم له وطء البتة.

الجزء: 4 - الصفحة: 148

ابن رشد: هذا اعتراض غير صحيح وهل فيه الشيخ على رسوخ علمه وثاقب ذهنه، ولا معصوم من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى؛ لأن المسألة ليست كمسألة من قال أنت طالق عن لم أتزوج عليك، وإنما هي كمسألة من قال إن تزوجت عليك فأنت طالق؛ لأنه لم يطلق إلا على الثانية لا الأولى فوجب أن تطلق بأقل ما يقع عليه اسم زواج، وهو العقد على قولهم الحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر إنما يكون بأكمل الوجوه.
قلت: الأظهر ما قاله ابن دحون، وبيانه أن تزويج الثانية إما أن يوجب طلاقاً أو عدم وقوعه بيمين به، والأول باطل اتفاقاً فتعين الثاني، وكل تزويج يوجب عدم وقوع طلاق بيمين مشروط بالبناء فيه أصله الحالف بالطلاق ليتزوجن، وقول ابن رشد: "فوجب أن تطلق بأقل ما يقع عليه اسم زواج" وهم؛ للاتفاق على أن التزويج في المسألة لا يوجب طلاقاً ما لم يتيقن كونه آخراً، والفرض عدم تيقنه، وإنما يقع في عدم تيقنه بحكم الإيلاء.
الشيخ عن الموازية: إن قال آخر أنثى أتزوجها طالق إلا واحدة؛ يريد تطليق ما يلي الآخرة، إن تزوج امرأة وقف عنها، ثم إن تزوج ثانية وقف عنها مع الأولى إذ لا يدري من يلي الآخرة منهما إن مات، فالمطلقة الأولى وإن تزوج ثم مات فالمطلقة الثانية لا الأولى، ولو قال فالتي تلي التي تلي الآخرة طالق حتى تكون ثالثة منها أمسك عنهن حتى يتزوج رابعة فتحل له الأولى إن مات في هذه الحالة فثانية الأولى هي المطلقة، ولو قال أول امرأة أتزوجها طالق، فتزوج امرأة بانت منه، ولها نصف الصداق وسقطت يمينه.
وعن مالك وابن القاسم من قال كل امرأة أتزوجها من البادية لا أنظر إليها طالق فعمي، لا أحب تزويجه من البادية ولا من خرجت منها فسكنت بغيرها أربعة عشر سنة كما لو كان بصيراً.
قلت: الأظهر أن كمال وصفها له من ذي خبرة بالجمال يبيح تزويجه إياها لعجزه عن نظرها.
قال: ولو قال كل امرأة أتزوجها لا أنظر إليها طالق فعمي رجوت أن لا شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 149

عليه، وكذا حتى ينظر إليها فلان فمات فلان.
محمد: إن مات فلا يتزوج حتى يخشى العنت ولا يجد ما يبتاع به أمة.
قلت: هذا يوجب لزوم الطلاق المعلق بعموم تزويج كل امرأة.
ابن حبيب عن الأخوين في الذي قال حتى أراها له أن يتزوج من كان رآها قبل أن يعمى واليمين باقية عليه فيمن لمن يكن رأى.
قلت: ينبغي شرط اعتبار تقدم الرؤية بقرب لا تتغير فيه صفتها، وقوله اليمين باقية عليه فيمن لم يكن رأي ظاهره ولو قل عدد من كان رآه، وهو خلاف قوله أولاً رجوت أن لا شيء عليه، ولو قال كل من أتزوج من قرطبة أو من القيروان طالق ولا نية في الغاية، ففي قصره على مسافة وجوب الجمعة أو عدم قصر المسافر، ثالثها: على القرية وأرباضها، ورابعا: في حد ما لا يقصر فيه الخارج ويتم عند وصوله، وخامسها في جميع عملها.
الشيخ عن ابن القاسم وابن حبيب مع ابن الكنانة وابن الماجشون وأصبغ قائلاً إن تزوج من حيث إذا برز لم يقصر حتى يجاوزه لم أفسخه، وأحب أن يتجاوز إلا ما لا يجب منه الجمعة، وسحنون قائلاً لو تزوج من العلوين لم يلزمه شيء.
قلت: هي منها على قدر خمسة وعشرين ميلاًن وابن رشد عن أصبغ وابن كنانة.
قلت: إنما نقل ابن حارث عنه مثل ما نقل الشيخ، ولفظه قال ابن كنانة: إن لم تكن له نية لم يتزوج في شيء من عمل المدينة مما يقع عليه اسمها حتى يبلغ إلى ما يجب فيه الإقصار.
الشيخ عن الموازية: من حلف بطلاق من يتزوج بمصر فله أن يتزوج من غيرها مصرية مقيمة بغيرها إلا أن ينوي: لا يتزوج مصرية أو يحلف لا يتزوج مصرية فيحنث.
قال مالك: وله أن يتزوج بمصر غير مصرية يريد في هذا.
الشيخ: سمع عيسى ابن القاسم عن بعض أهل العلم من حلف لأتزوج بمصر لا بأس أن يتزوج مصرية بغير مصر وإن كانت مقيمة بمصر.
قلت: ومثله فتوى ابن رشد لمن قال كل امرأة أتزوجها بقرطبة طالق ولم يزد على ذلك أن يعقد عليها بغير وطنه من البلاد ويرجع بها لسكناه بها بقرطبة.

الجزء: 4 - الصفحة: 150

وسمع عيسى ابن القاسم من قال كل امرأة أتزوجها بالمدينة طالق لا بأس أن يواعدها بالمدينة إذا تزوجها بغيرها.
ابن رُشْد: لأن المواعدة ليست بعقد ولا يدخلها الخلاف فييمن واعد في العدة وتزوج بعدها؛ لأن النكاح في العدة محرم بالقرآن والإجماع، والمواعدة فيها مكروهة بنصه صلى الله عليه وسلم، وحلف الزوج بطلاق من يتزوج وإن خص مختلف في لزومه.
قُلتُ: قوله: (لا يدخلها الخلاف) يرد بنقل الشيخ على بن حبيب ما نصه: رأي المواعدة ببلد الحلف توجب الحنث، وقاله من أرضى، وسهل فيه بعض الناس، ولا يعجبني.
قال الشيخ: وله في الحالف لا تزوج بالأندلس كما ذكرنا عن الكتابين.
قال: وإن نوى كراهية نساء الأندلس لجفائهن فلا يتزوج أندلسية حيثما كانت، وله نكاح غيرهن بالأندلس، وإن لم تكن له نيَّة فلا يتزوج بالأندلس مصرية ولا غيرها، وله نكاح أندلسية بغير الأندلس، ولو كانت بالأندلس م ينبغ أن يعقد نكاحها بغير الأندلس مع وليها وإلا الأب في البكر، ولو أشهد عليها وليها غير الأب بالأندلس بضاها بالحالف لم يجز عقده بغيرها لبعد ما بين رضاها ورضى الزوج، إنما يجوز ما كان بقرب ذلك وفوره.
قُلتُ: إن قيل شرطه القرب مشكل على أصل المذهب إذ ليس من شرط توكيل المرأة وليها على إنكاحها فويته حسبما دلت عليه مسئل المدونَّة وغيرها.
قُلتُ: الفرق بين إذنها في العقد عليها لرجل وبين توكيلها إياه على العقد عليها له أن الأول جزء من ماهية عقد النكاح لأنها فيه مساوية للولي والزوج في لزومه إياه بنفس صدوره مالم يرده قائله، والثاني غير لازم لها؛ لأن لها عزله عنه بنفس صدورها منها قبل رد قائله إياه، والمعتبر صدق وصف سبب الطلاق بعد اليمين حين إنشاء عقد النكاح لا قبله، ولو دام بعده في اعتباره بعدهما قبل البناء خلاف.
وفيها: لو قال كل امرأة أتزوجها من الموال طالق وتحته منهن امرأة لم تطلق عليه فإن طلقها ثم تزوجها طلقت عليه.
قُلتُ: يريد بخلاف الرجعة، وظاهره ولو لم يكن بنى بها، ابن حارث: اتفقوا فيمن قال كل أمرأة مسلمة أتزوجها طالق أنه يلزمه لبقاء الكتابيات، ولو تزوج كتابية

الجزء: 4 - الصفحة: 151

فأسلمت قبل البناء ففي لزوم طلاقها، نقل ابن عبد الحَكم عن ابن وَهْب: يخلي سبيلها، وعن أشهب لا شيء عليه.
قُلتُ: فلو تزوجها قبل يمينه ثم أسلمت بعدها ففي جري قول ابن وَهْب نظر، الأظهر عدمه، وفي سماع عبد الملك عن أشهب: من قال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها بمصر طالق، فتزوج ثم كلمه لا شيء عليه، وإنما عليه الحنث فيما يتزوج بعد كلامه.
ابن رُشْد: هذا خلاف قول عتقها الأول فيمن قال: إن كلمت فلانا فكل عبد أمكه من الصقالبة حر، أن كل عبد يملكه بعد حلفه من الصقالبة حر إن كلمه، إلا أن يريد إن كلمت فلانا فكل عبد أملكه بعد حنثي من الصقالبة حر فله نيته، وليس أحد القولين من وجهة اللفظ بأظهر من الآخر لتساوي احتمال معناهما، فإن كانت له نيَّتة صدق فيها ولو كانت عليه بينة، فوجه قوله لا يلزمه طلاق فيما تزوج قبل حنثه مراعاة القول بأن لا شيء عليه فيما يتزوج قبل حثنه ولا بعده، ووجه قولها الاحتياط للعتق، وإن لم يكن في ملكه يوم حلف من الصقالبة شيء فهو دليل على إرادته الملك فيما يستقبل.
وفيها: إن قال إن لم اتزوج من الفسطاط فكل امرأة اتزوجها طالق لزمه الطلاق فيما يتزوج من غيرها، اللخمي عن سَحنون: لا يحنث فيما يتزوج من غير الفسطاط ويوقف عنها كمن قال إن لم أتزوج من الفسطاط فامرأتي طالق والأول أشبه؛ لان لا قصد القائل أن كل امرأة يتزوجها قبل أن يتزوج من الفسطاط طالق.
ابن محرز: أحسب لمحمد مثل قولها، ابن بشير هما على الخلاف في الأخذ بالأقل فيكون مستثينا أو بالأكثر فيكون مؤليا، وقول ابن الحاجب بناء على أنه بمعنى من غيرها أو تعليق محقق، يريد أن معناه على الأول حملية وعلى الثاني شرطية، وتقريرهما بما تقدم من لفظ اللخمي واضح، وسمع عيسى رواية ابن القاسم من قال لامرأة إن لم أنكحك فكل امرأة أنكحها عليك طالق لا شيء عليه، ومن قال لأمراة كل امرأة أنكحها غيرك طالق فهو كمن قال كل امرأة أنكحها عليك طالق.
ابن رُشْد: قول مالك قوله لامرأة كل امرأة أنكحها غيرك طالق، مثل قوله إن لم

الجزء: 4 - الصفحة: 152

أنكحك فكل امرأة أنكحها طالق، هو مثل قوله في الأيمان بالطلاق منها وفيه نظر؛ لأن قوله لها كل امرأة أنكحها عليك طالق نص لا يحتمل التأويل في أنه حرم على نفسه نكاح كل النساء سواها، فلا يلزمه شيء لا ستثنائه أمرأة واحدة على أصل المذهب خلاف قولي ابن الماجشون ومُطَرِّف، وقوله: (إن لم انكحك فكل أمرأة أنكحها طالق) كلام محتمل ظاهره يقتضي أنه إنما أوجب طلاق كل امرأة ينكحها قبلها، فعلى هذت يلزمه الطلاق إذا أراد أن يتزوج بعدها ما شاء من النساء، وإليه ذهب ابن عبدوس وسَحنون واختفا فيما يتزوج قبلها، قال ابن عبدوس لزمه فيها الطلاق ساعة تزوجها، وقال سَحنون يوقف عنها حتى ينظر هل يتزوجها أم لا؟ فإن طلبت الوطء ضرب له أجل الايلاء وحكم عليه بحكمه إن تزوجها في أجل الإيلاء بر وانحل عنه الإيلاء، وكذلك إن مات؛ لأنه يصير بموتها قد امتنع من نكاح جميع النساء دائما، ولم يلتفت مالك لمقتضى ظاهر لفظه.
وفيها: إن وكل من حلف بطلاق من يتزوج من موضوع خاص من يزوجه توكيلا دون حظر عليه، فزوجه من محل حلفه لزمه العقد والطلاق ونصف المهر، وو نهاه عن محل يمينه لم يلزمه نكاح.
ابن حبيب: إن ذكر له محل يمينه فقط لزمه النكاح وغرم الوكيل نصف المهر.
الصقلي عن الشيخ: إن نهاه عن محل حلفه لم يلزمه نكاح ولا طلاق.
قُلتُ: في جريها على شراء الوكيل على شراء عبد أبا الموكل عالما أنه أبوه نظر لتشوف الشرع للحرية، وقال عياض: إن أقام على يمينه وإعلامه بينة لم يلزم واحدا منهما شيء وم ينعقد نكاح.
وتعدد موجب طلاق التعليق يوجب تعده: كمن قال إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم قال في قرية هي من نسائها كل امرأة أتزوجها من قرية كذا تلك القرية طالق، ثم تزوجها لزمته فيها طلقتان.
عبد الحق: فائدة اعتبار عدة الطلاق مع تكرره فيها ولو بعد زوج لزوم نصف الصداق في الطلاق غير الزائد على الثلاث قبل زوج.
وشرط اعتبار المحل أيضا مقارنته سبب الطلاق، فيها مع غيرها: لو حلف

الجزء: 4 - الصفحة: 153

بطلاقها ثلاثا لا أكلت هذا الرغيف، فأكلته أو بعضه بعد أن أبانها بدون الثلاث ثم تزوجها فلا شيء عليه، ولو أكت بقيته بعد أن تزوجها ولو بعد زوج حنث مالم يكن أبتها بالثلاث وكذا الظهار، ولو قال كل امرأة أتزوجها عليك طالق ففي اختصاصه بعصمة التعلق روايتان، لها مع سماع ابن القاسم، وللصقلي عن رواية ابن وَهْب مع أصبغ وأشهب وابن رُشْد عن رواية ابن حبيب ورواية مُطَرِّف، وعن ابن الماجشون وابن أبي حزم وغيرهما من كبار أصحاب مالك.
اللخمي: بناء على اعتبار القصد أو ظاهر اللفظ، ولو تزوج غيرها بعد بينونتها بدون الثلاث ثم تزوجها ففي طلاق غيرها، ثالثها: إن كان ذلك في عقد النكاح لها بزيادة ولو ادعى نية، ولأشهب ورواية مُطَرِّف وتضعيف ابن عبد السلام روايتها بظاهر قول إيلائها أن التقييد بالعصمة إنها هو في المحلوف بطلاقها لا في غيرها لقولها من قال زينب طالق واحدة أو ثلاثا إن وطئت عزة، فطلق زينب واحدة، فإن انقضت عدتها فله وطء عزةـ، ثم إن تزوج زينب بعد زوج أو قبله عاد مؤليا في عزة، فإن وطئها بعد ذلك أو في عدة زينب حنث في زينب، ولو طلقها ثلاثا ثم نكحها بعد زوج لم يعد عليه في عزة إيلاء لزوال طلاق ذلك الملك، كمن حلف بعتق عبد له ألا يطأ امرأة فمات العبد فقد سقط اليمين، ولو طلق عزة ثرثا ثم تزوجها بعد زوج وزينب عنده عاد موليا ما بقي من طلاق زينب شيء، كمن آلى أو ظاهر ثم طلق ثلاثا ثم تزوجها بعد زوج فذلك يعود عليه أبدا، نقله بعض من تقدنه من الفارسيين، وفرق بين المسألتين بأن الإيلاء مخالف للطلاق بأنه يلزم في الاجنبية ولا يزول الملك والطلاق لا يلزم في الاجنبية ويزول بالملك.
ونوقض قولها ولو ادعى نيَّة بقولها من قال كل امرأة أتزوجها ما عاشت فلانة طالق لزمه كانت فلانة تحته أم لا، فإن كانت تحته فطلقها فإن نوى بقوله ما عاشت ما دامت تحتي فله نيته، وإن لم تكن له نيَّة لم يتزوج ما بقيت إلا أن يخشى العنت.
ويفرق بمخالفة دعوى النيَّة ظاهر القصد في مسألة كل امرأة أتزوجها عليك وموافقته إياه في مسألة ما عاشت.
وقول أبي إبراهيم قال ابن رُشْد: "معنى هذه المسألة أنه قامت عليه بذلك بينة فلم

الجزء: 4 - الصفحة: 154

ينوه، وتلك لم تقم عليه بنية "لم أذكره الآن لابن رُشْد إلا ما في أجوبته فيمن له مطلقة فتزوج امرأة أخرى كتب في صداقها متى راجع مطلقته فلانة فهي طالق، ولم يقل متى راجعها على فلانة ثم طلق التي تزوج أو ماتت وأراد مراجعة الأولى، وقال م تكن له نيَّة أو قال أردت ما دامت الثانية زوجة.
قال ابن رُشْد: لا يصدق فيما ادعاه من النيَّة إذا طلب بما أشهد به على نفسه وله نيته فيما بينه وبين الله تعالى، وتقدم في الأيمان والنذر عن الصقلي في مسألة ما عاشت أنه ينوي ولو قامت عليه بينة وهو رسم نص الأسمعة والروايات.
سمع ابن القاسم من شرط لامرأة في عقد نكاحها كل امرأة يتزوجها ما عاشت طالق البتة ثم طلقها البتة ثم تزوجها بعد زوج ثم أراد أن يتزوج، فقامت بشرطها لقوله فيه ما عاشت فقال: إنما أردت بذلك ما كنت تحتي.
قال مالك: ينوي.
ابن القاسم: وقاله قبل هذا بسنين.
ابن رُشْد: جوابه هذا على أن اليمين على نيَّة الحالف وتنويته إياه مع أنه شرط عليه في عقد النكاح خلاف أصله في المدونَّة من شرط لامرأته أن أمرها بيدها إن تزوج عليها ليس له مناكرتها.
وقوله: (ينوى) يريد مع يمينه، كذا في سماع ابن القاسم في الأيمان بالطلاق في هذه المسألة إذا طاع بذلك دون شرط فهذه أحرى في وجوب اليمين، وتنويته إياه مع أنه إنما تزوج عليها وهي في عصمته بعد أن طلقها ثلاثا ونكحت غيره على أصله في المدَوَّنه أن من شرط لامرأته طلاق الداخلة عليها تنحل عنه اليمين بخروج زوجته عن عصمته بالثلاث خلاف واية ابن حبيب ومُطَرِّف وقول ابن الماجشون وابن أبي حازم من أن اليمين لا تنحل عنه؛ لان الشرط في اليمين في الداخلة وليس فيها، ولو حلف بهذه تطوعا لكانت له نيته على ما في الأيمان بالطلاق من المدَوَّنة، ولا يكون له على القول بأن اليمين على نيَّة المحلوف له ففي تنويته، ثالثها: في الطوع لا في الشرط.
قُلتُ: ظاهر غزو ابن رُشْد رواية ابن حبيب ومُطَرِّف لابن الماجشون وغيره دون قوله، ومثله في كتاب الإيلاء مع ذكره مسائل المدوَّنة دليل صحة فرق بعض الفارسيين، وأن المدَوَّنة لا اختلاف فيها، ومسألة عود اليمين بعتق عبد بعد شرائه أو إرثه بعد بيعه

الجزء: 4 - الصفحة: 155

تقدمت في الأيمان والنذور.
والمعتبر في قدر الطلاق حال المطلق يوم نفوذه لا يوم عقده، ابن سَحنون عن أبيه وأشهب إن قال عبد: أنت طالق إن فعلت كذا ففعله بعد عتقه بقيت له طلقتان، وروى محمد معها إن طلق عبد واحدة ثم عتق بقيت لو واحدة فقط، كحر طلق طلقة ونصف طلقة.
محمد: ذو رق كالعبد في طلاقه.
ابن القاسم: لو طلقها طلقتين ثم ثبت عتقه قبل طلاقه فله الرجعة في العدة، فإن انقضت بقيت له طلقة علم أن طلاق العبد طلقتان أو لا كمن طلق واحدة وظن أنها تحرم عليه إن لم ينو البتات أو تلفظ به، ولشرط المحل حين النفوذ كان قول العبد لزوجته الأمة لأبيه أنت طالق بوم موت أبي لغوا.
قُلتُ: ما لم يمت مرتداً.


... وشرطه تعلقه بلفظ يدل على الطلاق أو غيره معه.
فيها: إن أراد أن يلفظ بأحرف الطلاق فلفظ بغيرها غلطاً، كقوله أنت حرة أو

الجزء: 4 - الصفحة: 156

أخرجي أو تقنعي أو كلي فلا شيء عليه حتى ينوي أنها بما يلفظ به طالق، فيلزمه فسبق اللسان لغو إن ثبت وإلا ففي الفتيا فقط.
ابن شاس: قوله لزوجته التي اسمها طالق يا طالق لغو، ولو كان اسمها طارق فقال زل لساني فكذلك، وسمع أضبغ ابن القاسم: من قال لامرأته يا مطلقة لم يرد طلاقا إنما أراد أنها في كثرة الكلام كالمطلقة فلا شيء عليه.
أصبغ: أو على وجه التكسير لها أو أنها طلقت مرة ولو كان فيها خير ما طلقت.
ابن رُشْد: إن كان لشيء من ذلك سبب فلا إشكال أنه لا شيء عليه، وإن قاله ابتداء دون سبب ولا نيَّة له ففي هذا الكتاب احتمال، والأظهر منه لزوم الطلاق.
ولو قال أردت الكذب لا الطلاق لم يلزمه ولو كانت عليه بينة.
وفيها: إن قال لزوجته أنت طالق البتة، وقال أردت واحدة فزل لساني بلفظ البتة فهي ثلاث، سَحنون: وكانت عليه بينة لذل لم ينوه مالك.
عياض: هو من كلامه ونقله عن مالك كما نزراه ولم ينكره عليه ابن القاسم.
قُلتُ: ليس نقله عن مالك في المدَوَّنة متأخر عن ذلك.
عياض: اختلف ابن نافع وغيره عن مالك في قبول قوله في الفتيا، وفيها لابن القاسم إن قال لها أنت طالق وقال نويت من وثاق ولم أرد طلاقا ولا بينة عليه وجاء مستفتيا فهي طالق، ولو كانت في وثاق فقال مُطَرِّف يقبل.
عياض: في حملها على قوله طريقان، الشيخ عن الموازبة: من قال لامرأته كنت طلقتك البتة ولعبده كنت أعتقك ولم يكن فعل، فقال أبو الزناد لا شيء عليه في الفتيا، وقال مالك: يلزمه كمن قال أنت طالق أو أنت حر لا يرد طلاقا ولا عتقا، وقاله ربيعة وابن شهاب.
ربيعة: إلا أن يأتي بعذر بين، مالك: ومن اعتذر في شيء سئل فيه بأنه حلف بطلاق أو عتق ولم يحلف فلا شيء عليه في الفتيا، ومن حكى يمين غيره بالبتة فقال امرأتي طالق البتة، وإنما أرد أن يقول قال فلان، فإن ذكر ذلك نسقا فلا شيء عليه، وفي سماع أصبغ قال أشهب: من قال لامرأته قد شاء الله أن أطلقك، أو لعبده أن أعتقك لا

الجزء: 4 - الصفحة: 157

شيء عليه إلا أن يريد به عتقا أو طلاقا هذا من الكاذبين على الله، ولو قال قد شاء الله أنك طالق كانت طالقا.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من أفتى في يمين امرأته بأنها قد بانت، فقال لها وللناس بانت مني ثم علم أن لا شيء عليه لا ينفعه وبانت منه.
ابن رُشْد: قاله أشهب أيضاً، ولابن حبيب عن مالك لا شيء عليه، وقال سَحنون إن قاله على وجه الإخبار بما قيل له فلا شيء عليه، وإن قاله يريد به الطلاق طلقت عليه، والذي أقول أنه إن كان ما أفتى به محالفا للإجماع لا وجه له في الاجتهاد فلا شيء عليه، وإن كان قول قائل أو له وجه في الاجتهاد ومفتيه به من أهل الاحتهاد لزمه طلاقه؛ لأن إخباره به التزام له فيرد الاختلاف إلى هذا، وكل هذا أتى مستفتيا ولو حضرته البينة في قوله بانت مني، ثم قال إنما قُلتُه لأني أفتيت لم يقبل قوله إلا بينة أنه أفتي به فيصدق مع يمينه.
وايقاع الطلاق لازم اتفاقاً: وهزل إطلاق لفظه عليه المعروف لزومه.
الشيخ في الموازيَّة عن ابن القاسم: من قال لامرأته قد وليتك أمرك إن شاء الله فقالت فارقتك إن شاء الله وهما لاعبان لا يريدان طلاقا فلا شيء عليهما ويحلف، وإن أراد الطلاق على اللعب لزمه.
وفيها من قال زوجتي فلانة، فقال وليها المستقل فعلت، فقال لا أرضى نكاحه يلزمه لا كالبيع؛ لأن ابن المسيب قال: ((ثلاث ليس فيهمن لعب هزلهن جد، النكاح والطلاق والعتاق)) فقال اللخمي: قال ابن القاسم هزل الطلاق لازم، وأرى إن قام دليل الهزل لم يلزمه طلاق، وسمع ابن القاسم من قال له رجل ما هذه المرأة.
قال مولاتي أزوجكها.
قال: نعم، ففعل، ثم خرج فكان يهزل لا طلاق عليه إلا أن ينويه.
ابن القاسم: ويحلف ما أراده ويؤدب.
ابن رُشْد: لم يلزمه أو طلاقا مع أنه زوجها بعد قوله إنها مولاته، ومن قولها أن بيع الرجل زوجته طلقة بائنة كذا لهما في سماع زونانٍ من هذا الكتاب وسماع عيسى من الحدود وسماع يحيى من العتق.

الجزء: 4 - الصفحة: 158

قُلتُ: إنما في سماع زونان لابن القاسم فقط، وفي سماع يحيى قال سَحنون: كان مالك يقول تطلق عليه، وفي سماع عيسى عنهما معا قال: وعن مالك أنها ثلاث وهو قول أصبغ وأحد قولي ابن عبد الحَكم وتزويجه إياها كبيعه.
قاله محمد.
فإنما لم يلزماه الطلاق من أجل أنخ زجها هازلا فقولهما نحو رواية الواقدي، وما في سماع أبي زيد من كتاب النكاح: أن النكاح لا يجب بالعزل وإيجاب ابن القاسم حلفه تفسير لقول مالك ومثله لعيسى في كتاب العتق إن حلف ترك مع زوجته، وإن نكل جرى على الخلاف فيمن شهد عليه شاهد بطلاق فنكل، وعن ابن القاسم فيمن زوج امرأته تحرم عليه بالثلاث بنى بها أم لا، وهو على قياس القول بأن تزويج الرجل امرأته بتات وأن هزل النكاح جد، وعلى قول من لا يرى بيع الرجل امرأته طلاقا، وهو سماع زونانِ ابن وَهْب وأحد قولي ابن عبد الحَكم، فبين أن لا طلاق عليه في هذه المسألة.
نقل ابن الحاجب القول الثالث بلغو هزل الطلاق مطلقاً لا بقيد قيام دليله، ولم يحك ابن رُشْد في لزوم طلاق الهزل خلافا، وذكر ابن القاسم فيها قول سعيد استظهاراً لنتيجة اجتهاده لا أنه دليله؛ لعدم حجية قول التابعي، إنما الخلاف في قول الصحابي وإلا لزم كونه مقلدا لسعيد.
وروى الترمذي عن أبي هريرة رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة))، قال: هذا حديث حسن غريب، ولم يحك ابن العربي في لزوم طلاق الهزل وعتقه خلافا، ونقل الخلاف فيه مطلقاً دون تفصيل كون الهزل في إيقاعه أو إطلاق لفظه عليه قصور لما مر في نقل الشيخ.
ابن شاس: إن لقن الأعجمي لفظ الطلاق وهو لا يفهمه لم يلزمه.
ابن شاس: من قال يا عمرة فأجابته حفصة، فقال أنت طالق يحسبها عمرة طلقت، وفي طلاق حفصة خلاف.

الجزء: 4 - الصفحة: 159

وسمع ابن القاسم جواب مالك عن سكران أتى باب دار فأغلق صاحب الدار بابه فزعزعه، وكانت له امرأة حرة فقل هي طالق طالق، فقال له صحاب الدار حرمت عليك، فقال إن كانت حراما فهي حرام، فقال له ويحك طلقت منك، فقال: إن كانت طالق أراها بانت منه.
ابن رُشْد: معناها أنه أتى باب دار ظنه دار فأغلقه ربه فظن هو أن زوجته هي التي أغلقته دونه، فقال هي طالق فخاطبه صاحب الدار بما تقدم فرأى مالك بينونتها بقوله أولا طالق طالق مع قوله إن كانت طالقا فهي طالق، لزمته طلقتان بقوله أولا والثالثة بقوله أخيراً ولو يلزمه شيء في قوله إن كانت حراما فهي حرام؛ لأنها لم تكن حراما، وإيجابه الطلاق بقوله هي طالق طالق وهو يشير إلى رب الدار يظن أن امرأته معارض لما في سماع عيسى بعد هذا مثل ما في أول سماعه من كتاب النكاح والقولان في هذا قائمان من قولها في العتق في مسألة ناصح ومرزوق.
وسمع عيسى ابن القاسم من مرت به امرأة في ظلمة ليل فوضع يده عليها فقال لها أنت طالق إن وطئتك الليلة وهو يرى أنها زوجته، فإذا هي غير امرأته ووطئها قبل علمه، لا حنث عليه؛ لأنه وطاء غير امرأته.
ابن رُشْد: هذه معارضة لما تقدم في سماع ابن القاسم ومخالفة لأولى سماع عيسى من كتاب النكاح فيه.
قال ابن القاسم: من سأل أهل امرأته أن يدخلوها عليه فأدخلوا عليه جارية امرأته وامرأته ثيب، وسألوه الكف عن وطئها، فقال: أن أنا أطأ امرأتي الليلة فكل مملوك لي حر إن وطئتها الليلة، وهو يشير إلى الجارية يظنها امرأته، ثم وطئها تلك الليلة رقيقة أحرار.
ابن رُشْد: قوله رقيقة أحرار خلاف قوله في الذي مرت به امرأته في ظلمة الليل.
قُلتُ: حاصل نقل ابن شاس لزوم طلاق المنوية وفي المخاطبة خلاف، وحاصل زعم ابن رُشْد أن قوله في مسألة السكران خلاف قول مسألة ظلمة الليل أن طلاق المنوية خلافا، وهو زعمه من المناقضة بينهما ليس كذلك، وبيانه أن قوله في مسألة السكران بناء على إضافته للحكم للمنوي لا للمخاطب، وقوله في مسألة ظلمة الليل محتمل لكونه بناء على إضافته للمنوي أو للمخاطب، وهذا لأن قوله فيها لا شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 160

عليه لازم على الأمرين معاً، أما على إضافة الحكم للمنوي وهي امرأته فظاهر أن لا شيء عليه؛ لأن ما التزمته من الطلاق معلق على الوطء وهو لم يطأ المنوية بحال، وأما على إضافته إلى المخاطب أو المشار إليه فظاهر أيضاً؛ لأن المشار إليها غير امرأته وهي غير قابلة للطلاق وإنما يتم له ذلك لو كانت المرأة المشر إليه امرأة أخرى غير امرأته المنوية، وظاهر قوله والرواية أنها أجنبية، وقول ابن الحاجب لو قال: يا عمرة فأجابته حفصة فقال أنت طالق يحسبها عمرة فأربعة يقتضي وجود القول بطلاقهما وبقائهما وطلاق عمرة دون حفصة وعكسه ولا أعرف منها نصا، إلا ما تقدم لابن شاس والأسمعة، وزعم ابن رُشْد فيها والمسألة جارية على مسألة كتاب العتق حسبما أشار إليه ابن رُشْد وهو من قال يا ناصح قف، فأجابه مرزوق، فقال أنت حر ففي عتقهما مطلقاً ورقهما، ثالثهما: إن قامت عليه بينة وإلا فالمنادى فقط، ورابعها: المخاطب فقط، للصقلي عن أصبغ قائلاً كما أوقع الطلاق على أحد امرأتيه يظنها الأخرى وعن نقل ابن سَحنون، ولابن القاسم وأشهب فيها ونقل ابن شاس لزوم طلاق المنوية مطلقاً دون المحاطبة خامس.
الشيخ عن الموازيَّة: من قال أنت طالق على أن بقول ثلاثة أو البتة ثم سكت عن ذلك في يمين أو غيرها لم يلزمه الثلاث حتي يريد بقوله طالق الثلاث.
الشيخ عن العتبي: سمع ابن القاسم من حلف بطلاق لا كلم فلانا وبدا كلامه على أن بقول أولا أبداً، فبدا له وقال شهراً موصولا بيمينه دون صمت ذلك له.
وطلاق المكره وسائر فعله في نفسه لغو: والخلاف في الفعل وشرط التورية وما به الإكراه تقدم في الأيمان.
الشيخ عن أصبغ: من حلف دراءة عن ولده لزمته يمينه، إنما يعذر في الدراءة عن نفسه وفي بعض التعاليق عن أبي القاسم اللبيدي إنكار قول أصبغ، وقال أي إكراه أشد من رؤية الإنسان ولده يعرض عليه أنواع العذاب، وقال ابن شاي: التخويف بقتل الولد إكراه، فحمله ابن عبد السلام على خلاف المنقول في المذهب فذكر قول أصبغ، والأظهر أنه ليس بخلاف؛ لأن الأمر النازل بالولد قد يكون ألمه مقصورا عليه، وقد

الجزء: 4 - الصفحة: 161

يتعدي للأب فهو في غير قتله معروض للأمرين، فقول أصبغ في القاصر على الوالد وهو ظاهر من قوله دراءة عن ولده لا في المتعدي للأب، أما فب قتله فلا يشك في لحوقه للأب والأم والولد والأخ في بعض الأحوال، فلا ينبغي حمل ذلك على الخلاف؛ بل على التفصيل بحسب الأحوال، والوطء في نكاح الإكراه إكراها زنى من المكره لا المكره وإجازته بعد وقوعه اختياراً كنكاح موقوف.
الشيخ عن مسحون وغيره من أصحابنا: إن أكره على كفر أو شتم النبي أو قذف مسلم بقطع عضو أو ضرب يخاف منخ تلف بعض أعضائه لا تلف نفسه لم يجز له ذلك، إنما يسعه ذلك لخوف القتل لا لغيره وله أن يصبر حتى يقتل وهو أفضل له، سَحنون: وكذا لو أكره على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر لم يجز له إلا لخوف القتل.
قال: وقد أجمع أصحابنا وغيرهم أنه لا يسعه قتل غيره من المسلمين ولا قطع يده بالإكراه ولا على أن يزني، وأما على قطع يد نفسه فيسعه ذلك.

باب لفظ الطلاق الصريح

... صريح: وهو ما لا ينصرف عنه بنية صرفه.

باب الكناية الظاهرة

وكنية ظاهرة: وهو ما ينصرف عنه بها.

باب الكناية الخفية

وخفية: وهو ما يتوقف به دلالته عليه عليها، وفي كون الصريح لفظ طالق وما

الجزء: 4 - الصفحة: 162

تصرف منه فقط أو مع خلية وبريه وحبلك على غاربط وشبهها نقلا ابن رُشْد عن القاضي وابن القصار، زاد الباجي عنه: السراح والفراق والحرام قائلاً بعضها أبين من بعض، وخرجهما على اعتبار كونه لغة الخالص، وعلى اعتبار كونه لغة البين ذكر ابن القصار.
وفي عيون المجالس: تسعة ألفاظ زاد على ما سميناه بتة وبتلة وبائن، وإليها أشار ابن رُشْد.
ابن الحاجب: وزاد ابن القصار خمسة في غير الحكم.
ابن هارون: يريد في الفتيا فالحكم أحرى.
ابن عبد السلام: يريد أنها لا تشارك لفظ الطلاق في الحكم الذي تقدم، وهو ظاهر في الحرام والبتة والبتلة، وأما السراح والفراق فهما مقاربان لمعنى الطلاق، ولهذا وافق بعض الشيوخ على أنهما من صريحه.
قُلتُ: يلزم على الأول في لفظ ابن الحاجب تكرار؛ لأنه مستفاد من الأولى، ويلزم على الثاني التناقض؛ لأن كونها من الصريح يقتضي كونها مثل لفظ الطلاق، وكونها لا تشاركه في الحكم نقيضه والأقرب الأول، والتكرار خوف توهم قصرها على الحكم، وخص ابن الحاجب الظاهرة بما لا ينصرف وجعل ما ينصرف كناية محتملة.
وفيها: إن قال أنت طالق، وقال نويت من وثاق لا الطلاق ولا بينة وهو مستفت، فهي طالق كقول مالك فيمن قال ابتداء أنت برية ولم ينو به الطلاق أنها طالق، لا ينفعه ما أراد من ذلك بقلبه، وقد قال مالك من قال طالق البتة، وقال أردت واحدة فزل لساني هي ثلاث.
قال بعضهم: هو قياس أحروي؛ لأن برية كناية، فإذا لم ينوه فيها فأحرى في طالق؛ لأنه صريح.
ابن عبد السلام: وفيه نظر لاحتمال أن قائل أنت طالق قصد بإطلاقه غير الطلاق وهو إطلاقها من وثاق، وقوله أنت برية قصد به إيقاع اللفظ ولم تكن له نيَّة مزاحمة للطلاق، فوجب حمل لفظه على مدلوله عرفا وهو الطلاق، ولهذا اختصرها غير واحد على لفظ السؤال والجواب تنبيهاً على ضعف قياسه.

الجزء: 4 - الصفحة: 163

قُلتُ: يرد بأن دعواه في قوله أنت برية لم تكن له نيَّة مزاحمة للطلاق باطلة، لقوله فيها لا ينفعه ما أراد من ذلك بقلبه، فقد نص على أنه أراد بقلبه شيئاً غير الطلاق وحكم بعدم نفعه إياه، فإن قُلتُ المزاحم في أنت طالق بين وهو إطلاقها من وثاق فما هو في أنت برية.
قُلتُ: هو كثير ككونها برية من الفجور أو الخلق القبيح أو الخير أو غير ذلك، ولو قامت قرينة تدل على إرادة حل الوثاق ككونه جوابا طلبه لم يلزمه الطلاق إلا أن ينويه فيها، إن قال: أنا خلي أو بري أو بائن أو بات وإن لم يقل منك، أو قال أنت خلية أو برية أو بائنة، وإن لم يقل مني وقال: لم أرد طلاقا، فإن تقدم كلام من غير طلاق يكون هذا جوابه فلا شيء عليه وإلا لزمه ولا نيَّة له، وإن قال أنت طالق فهو ما نوى، فإن لم ينو شيئاً فهي واحدة، وفي حلفه على أنه لم يرد أكثر من واحدة نقل اللخمي عن ابن القاسم ورواية المدنيين.
ابن بشير: الأول المشهور وهما على يمين التهمة، أما سرحتك وخليتك وخليت سبيلك وفارقت، فقال ابن رُشْد: قيل فيها وفي شبهها ثلاث في المدخول بها وغيرها إلا أن ينوي واحدة وقيل واحدة قبل البناء وثلاث بعده إلا أن ينوي واحدة والقياس أن ما هو قبل البناء ثلاث إلا أن ينوي واحدة أنه بعده ثلاث ولا ينوي، وهو ما قبل البناء واحدة إلا أن ينوي ثلاثا أنه بعد ثلاث إلا أن ينوي واحدة.
الشيخ: في كون سرحتك ثلاثا لا ينوي أو واحدة حتى ينوي أكثر قولا أشهب، محمد: لعل الثاني فيمن لم يبن، ولو قال لم أرد طلاقا في غير جواب سؤاله، ففي قبول قوله نقلا الشيخ عن ظاهر قول أشهب ونص محمد قائلا وخليتك مثله، ولو قال في فارقتك لم أرد طلاقا ففي قبول قوله ولزوم الثلاث نقل الباجي عن ابن القاسم قال ويحلف، ونقل زرقون عنه.
قُلتُ: كذا في النوادر فيها وفي خليت سبيلك.
محمد: إلا أن ينوي واحدة، وإن لم يبن فواحدة إلا أن نوي أكثر، وروى ابن القاسم في خليت سبيلك ينوي ويحلف، وقال محمد وأصبغ، وروى ابن وَهْب هي واحدة حتى

الجزء: 4 - الصفحة: 164

ينوي أكثر وقاله ابن عبد الحَكم.
ابن بشير: إذا حملت على الواحدة يختلف هل هي رجعية أو بائنة.
اللخمي: قال مالك مرة في فارقتك هي ثلاث بنى أو لم يبن إلا أن ينوي واحدة، وقال أيضاً بعد البناء ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وقبله واحدة إلا أن ينوي أكثر، وقال مرة هي واحدة وإن بنى إلا أن ينوي أكثر.
أشهب: هي ثلاث ولا ينوي، وقال هي مرة واحدة إلا أن ينوي أكثر، والقول إنها واحدة مطلقاً أحسن؛ لأن الفراق والطلاق واحد.
قال الله تعالى: (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [الطلاق: 2]، (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) [النساء: 130]، ولم يأمر بالثلاث.
قُلتُ: له نيته في خليت سبيلك ولو بنى، فإن لم تكن له نيَّة فهي ثلاث.
قال ابن وَهْب عن مالك: خليت سبيلك مثل فارقتك، ونقلها ابن الحاجب بقوله وفيها خليت سبيلك وفارقتك ثلاق بنى أو لم يبن قاصر.
وفيها لابن شهاب في أنت السراح هي تطليقة إلا أن يكون أرد بذلك بت الطلاق.
البتة: قُلتُ: المذهب أنها ثلاث ولا ينوى إن بنى.
الباجي: اتفاقاً وإن لم يبن فروايتان، لها، وللباجي مع ابن زرقون عن ابن الماجِشُون، وخرجه الباجي على تبعيضها والأولى على عدمه، وعلى الثانية قال مالك يحلف.
سنحون: إذا أراد نكاحها لا قبل ذلك.
ونحوه لابن الماجِشُون، الشيخ عن ابن عبدوس عن عبد الملك باتة قبل البناء إن أراد بها صفة الطلقة فهي واحدة ويحلف.
سنحون: إذا أراد نكاحها لا قبل ذلك قالا عنه ومبتوتة ثلاث؛ لأنها صفة المرأة.
قُلتُ: لا يقال القاعدة أن اسم الفاعل من معنى كاسم المفعول منه إلا في معنى الفاعلية والمفعولية كطالق ومطلقة، لأنا نقول باتة ومبتوتة اشتركتا في الدلالة على قيد الوحدة، فجريها على الطلاق يصيره واحدة فلا يلزم غيرها، وجريه على المرأة لا يصير

الجزء: 4 - الصفحة: 165

الطلاق واحدة فبقي على ظاهر عمومه، وذكر أبو داود عن نافع بن عجير "أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم".
أبو داود: هذا أصح من حديث ابن جريج لحديث قبله.
عبد الحق: في بعض طرق هذا الحديث: "ما أردت إلا واحدة.
قال آلله.
قال آلله.
قال: هو على ما أردت"، وفي إسناده عبد الله بن علي بن السائي عن نافع بن عجير عن ركانة، والزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده وكلهم ضعيف والزبير أضعفهم.
قال البخاري علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه.
قُلتُ: ذكره الشيخ تقي الدين في إلمامه باللفظ الثاني، وقال خرجه أبو داود ثم ابن حبان في صحيحه.
قُلتُ: فهو إذن مختلف في تصحيحه.
بتلة مثل بتة لم أعرفه لغير ابن شاس وهو صواب في صحاح الجوهري بتلت الشيء أبتلته بالكسر بتلا إذا أبنته من غيره، ومنه قولهم طلقتها بتة بتلة خلية وبرية في كونهما قبل البناء ثلاثا إلا أن ينوي واحدة أو واحدة إلا أن ينوي أكثر قولها، ونقل ابن زرقون عن ابن الماجِشُون وبعده ثلاث، وفي تنويته فيهما، ثالثهما: الوقف للخمي عن أشهب مع الباجي عن روايته ولها، ورواية اللخمي.
الباجي: تحتمل رواية أشهب أن الواحدة بائنة أو رجعية والأظهر الأول؛ لأن الرجعية لم تبن من الزوج ولا خلت منه.
... في كونها ثلاثا، وينوي قبل البناء لا بعده أو واحدة قبل البناء إلا أن ينوي أكثر، ثالثها: واحدة رجعية بعد البناء لها مع اللخمي عن المشهور، وعن عبد

الجزء: 4 - الصفحة: 166

الملك وابن العربي عن ابن عبد الحَكم عن رواية ابن وَهْب.
قُلتُ: يتخرج إجراء بائنة صفة للمرأة أو الطلقة على ما مر لعبد الملك في باتة.
وحبلك على غاربك: روى أبو عمر: ينوي فيما أراد من الطلاق.
قال: وقال مالك مرة لا ينوي، لا يقوله أحد وقد أبقى من الطلاق شيئاً، هي ثلاث على كل حالـ وافق قوله على أنها طلاق وإن لم يرد الطلاق.
ابن زرقون عن محمد: ينوي قبل البناء فقط ويحلف، وقال أبو عمران ينوي قبل البناء اتفاقاً.
اللخمي: ظاهر المدَوَّنة لا ينوى، وقال ابن عبد الحَكم: هي واحدة ولو بنى، وفي المدنيَّة أنها واحدة قبل البناء وثلاث بعده.
الباجي: سمع أشهب إن لم يبن فعسى أن تكون واحدة، ولو ثبت أن عمر نواه ما خالفته.
الباجي: مقتضى مذهب مالك أنها للثلاث؛ لأن الحبل كناية عن العصمة، فقوله حبلك على غاربك إقرار بخروجه عن يده، وذلك يقتضي أنه طلاق لا رجعة له فيه، والغارب أسفل السنام وهو ما انحدر من العنق.
قُلتُ: قوله: (مقتضى مذهب مالك) هو نصها إن قال حبلك على غاربك فهي ثلاث ولا ينوى وكالميتة والدم ولحم الخنزير.
فيها: هي ثلاث وإن لم ينو به الطلاق.
اللخمي: يجري فيها من الخلاف ما في أنت علي حرام.
وَهْبتك ورددتك إلى أهلك، فيها: هي ثلاث إن بنى ولا ينوى فيما دونها، ولو درها أهلها وإن لم يبن فهي ثلاث إلا أن ينوي واحدة، وسمع ابن القاسم في كتاب التخيير من قال لأهل امرأته شأنكم بها إن بنى فهي ثلاث ولا ينوى كقوله وَهْبتك لأهلك أو رددتك لأهلك، وإن لم يبن فهي واحدة.
ابن رُشْد: قوله في شأنكم ووَهْبت ورددت أنها قبل البناء واحدة، وبعده ثلاث ولا ينوى وقيل هي قبل البناء واحدة وبعده ثلاث إلا أن ينوي واحدة وكذا الخلية والبرية والبائن تدخلها الأقوال الثلاثة، وظاهر قول غير ابن القاسم في ثاني عتقها أن

الجزء: 4 - الصفحة: 167

الموهوبة ثلاث قبل البناء وبعده ولا ينوى؛ لأنه قال: إذا وَهْبها فقد وَهْب ما كان يملك منها، وكان يملك منها جميع الطلاق، وقيل: في شأنكم بها أنها واحدة قبل البناء وبعده وهو الذي في الموطأ من قول القاسم بن محمد.


الشيخ: لابن حبيب عن الأخوين اذهبي لا ملك لي عليك، أو لا تحلين لي، أو احتالي لنفسك، أو أنت سائبة، أو عتيقة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، أو لم أتزوجط، أو تقنعي، أو استتري عني، أو اعتزلي، أو اخرجي، أو انتقلي عني، وشبه ذلك كله لا شيء فيه بنى أو لم يبن إلا أن ينوي طلاقاً فهو وما نوى.
أصبغ: إن لم ينو شيئاً ونوى الطلاق فهي ثلاث حتى ينوي أقل.
قُلتُ: في قبولهما إياه نظر؛ لأنه إن دل على الثلاث بذاته لم يفتقر لنيَّة الطلاق، وإن لم يدل إلا بنية الطلاق فالنيِّة كاللفظ، ولفظ الطلاق لا يوجب بنفسه عدداً.
وسمع ابن الماجِشُون: إن قال لها آذيتني فقد حللت عقالك فهي البتة.
وفيها: إن قال لها أنها حرة أو الحقي بأهلك لا شيء عليه إلا أن ينوي طلاقها فهو ما نوى ولو واحدة.
الشيخ في الواضحة: من قال لامرأته أنت حرة، أو لأمته أنت طالق غلطا فلا شيء عليه حتى ينوي أنها بذلك اللفظ الطالق وحرة.
قُلتُ: مفهوم "غلطا" ومفهوم "حتى ينوي" متعارضان والمعتبر الثاني.
قال: وقال ابن الماجِشُون إن قال لامرأته أنت مني حرة، أو لأمته أنت مني طالق، أو طالق لوجه الله، فامرأته طالق وأمته حرة ولا يسأل عن نيته، وروى محمد: من قال إن شئت أن تقيمي وإن شئت أن فالحقي بأهلك، فقالت: لحقت بأهلي، وقال: لم أرد طلاقاً إنما أردت تخويفها، حلف ولا شيء عليه، وقال ابن شهاب: هي واحدة، وإن قال لها في منازعة اجمعي عليك ثيابك، وقال لم أرد طلاقاً حلف وصدق، ولو قال لأبيها اقبل مني ابنتك، فقال قبلتها، قفال: على أن ترد إلي مالي؛ بانت منه، ولا شيء عليه ما لم يكن نسقا، ولو قال اذهبي تزوجي لا حاجة لي بك، أو قال لأمها زوجيها ممن شئت لا حاجة لي بها فلا شيء عليه ما لم يرد الطلاق، وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب العدة:

الجزء: 4 - الصفحة: 168

من قال لامرأته اذهبي فتزوجي لا شيء عليه إن لم يرد طلاقاً.
ابن رُشْد: إن كان مسفتيا، وإن كان مخاصما حلف ما أراد طلاقا على ما مر في سماع ابن القاسم.
قُلتُ: قال فيه إن نكل عن اليمين جرى على الخلاف فيمن نكل عن اليمين لشهادة شاهد عليه بطلاق، قيل تطلق عليه، وقيل: يحال بينهما ولا يسجن، وقيل: يسجن حتى يطول، وسمع ابن القاسم فيه: من راد سفرا فطلب البناء بزوجته الليلة فأبوا، فقال لهم اتركوني ليس لي بها حاجة وانصرف، لا شيء عليه إن لم يرد طلاقا، وإن كان يخلفه حلف بالله ما أراد طلاقا.
ابن رُشْد: تهمته على إرادة الطلاق فيها ضعيفة وإن نكل عن اليمين تركه مع امرأته لا يدخله ما مر من الخلاف.
قُلتُ: ولذا قال في السماع إن كان لها من يحلفه.
وفيها: لا شيء على من قال لامرأته لست لي بامرأة أو لم أتزوجك إلا أن ينوي الطلاق، وسمع القرينان معها من أجاب من قال له ألك امرأة بلا؟ لا شيء عليه إلا أن ينوي الطلاق.
ابن رُشْد: لابن القاسم في سماعه ويحلف، وكذا لعيسى في سماعه من كتاب العتق.
قُلتُ: هذا صحيح وما لابن القاسم إنما قاله فيمن قاله وزوجها حسبما مر.
الشيخ عن محمد: من قال لا سبيل لي عليك ولم يرد طلاقا دين وحلف، وكذا ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، وما أنت لي بامرأة، أو لم اتزوجك، لا شيء عليه حتى يريد الطلاق.
أصبغ: فيكون البتات إلا أن ينوي أقل، وكذا لا نكاح بيني وبينك، أو لا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليك إلا أن يكون الكلام عتابا فلا شيء عليه حتى ينوي الطلاق.
قُلتُ: قوله: (وكذلك لا نكاح بيني وبينك إلى آخره) متعارض، أوله يقتضي أن لا شيء عليه مطلقاً إلا أن ينوي طلاقا، وآخره يقتضي إنما ذلك في العتاب، وفي قول أصبغ من النظر ما تقدم في مسألة اذهبي وأخواتها فانظره.

الجزء: 4 - الصفحة: 169

الشيخ عن سَحنون: من اشترت عصمتها من زوجها فهي ثلاث؛ لأنها ملكت جميع ما كان يملك من عصمتها، وقال بعض أصحابنا: ابن القرطبي والأبياني في لا عصمة لي عليك ثلاث إلا مع الفداء فهي واحدة حتى يريد ثلاثاً.
الشيخ: وذلك صواب لقول ابن القاسم فيها: من قال لعبده ابتداء لا ملك لي عليك أنه عتق.
وسئل النعالي من برقة عن من قال لامرأته إن لم تفعلي كذا فلست لي بامرأة وحنث، فتوقف فيها سنة يتأملها فلم يجب بشيء، وأجابهم الشيخ بوجوب الطلاق عليه.
ابن محرز: هذا صحيح وهو خلاف قولها فيمن قال لامرأته لست لي بامرأة؛ لأن هذا اللفظ ظاهره الخبر وهو كاذب، والحالف إنما أراد تحريمها ورفع عصمتها.
قُلتُ: نثل ابن عات وغيره نقل ابن محرز هذا ولم يتعقبوه، ومقتضى أقوالهم أنها غير منصوصة، وفي النوادر ما نصه: قال أبو زيد عن ابن القاسم من دعا امرأته للوطء فأبت، فقال: لإن قمت ولم تفعلي ما دعوتك إليه فما أنت لي بامرأة، يريد به الطلاق، فدق رجل الباب فقامت ولم ينو واحدة ولا أكثر.
قال: هذا ثقيل، وكأنه رأى أن تلزمه البنة.
قُلتُ: وهذا كالنص، والتحقيق أن المسألة إما أن ينوي فيها الحالف الطلاق أو ينوي غيره، كالمريد بقوله لست لي بامرأة أنها غير قائمة بحقوقه الواجبة وأغراضه العارضة أو لا نيَّة له بحال، وظاهر تعليل ابن محرز أن الحالف مريد للتحريم، فإن كان الأمر كذلك فالمسألة إذا منصوصة لابن القاسم، وظاهر لفظه أنها غير منصوصة وإن نوى غير الطلاق، فالظاهر ينوي في الفتوى بغير يمين وفي القضاء بيمين، وإن لم ينو شيئاً ففيها نظر وهو محمل توقف أبي بكر النعالي، ومقتضى قول ابن القاسم أنها البتات؛ لأنه لو لم يلزمه شيء مع عدم إرداة الطلاق لما لزمه مع إرادته البتة؛ بل طلقة واحدة كقوله لست لي بطائعة مطلقاً ومعلقاً، فإن قُلتُ: مفهوم، "يريد به الطلاق" في جواب ابن القاسم أنه إن لم يرده فلا شيء عليه.
قُلتُ: يريد إنما هو في السؤال، سلمناه، لا نسلم أن مفهومه لا شيء عليه؛ بل مفهومه إن لم يرده لزمته اليتة من باب أحرى؛ لأن إرادته قرينة في إرادة مدلوله وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 170

طلقة واحدة، فإذا لزمته البتة مع هذه القرينة فأحرى مع عدمها، ولابن رُشد في سماع أبي زيد مفهومه إن لم يرد الطلاق فلا شيء عليه، ول نواه ففي لزوم الثلاث احتياطاً أو بالحكم، ثالثها: واحدة لأصبغ عن ابن القاسم وسماعه أبو زيد مع قول أصبغ وعيسى.
وفيها زيادة في آخر فصل التعليق وهي جارية على أصل مذكور في الفقه مختل فيه، وهو كون مدلول اللفظ معلقاً هل هو كذلك غير معلق أو أشد أو أخف؛ لأن قوله لست لي بامرأة المنصوص فيها أنها لغو إلا أن يريد به الطلاق، فإن قلنا المعلق مثله أو أخف لم يلزم الحالف شيء، عن قلنا بالعكس لزمه الطلاق إن لم يكن نواه، والثلاث إن نواه حسبما تقدم في النذور في قوله علي هدي، وقوله إن فعلت كذا فعلي هدي، ونحوه في أول كتاب المدبر وفي كتاب الهبات.
ابن بشير: من قال لا عصمة بيني وبينك لم يلزمه طلاق، ولو قال إن فعلت كذا فلا عصمة بين وبينك وشبه هذا اللفظ، فوقف فيه بعض الأشياخ، وأجاب الشيخ بلزوم الطلاق، وقول ابن عبد السلام ليس الأمر كما ظنه، واحتج بما تقدم عن سحنون ابن شعبان والإبياني حسن.
وفيها: من قال لا نكاح بيني وبينك، أو لا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليم، فلا شيء عليه إن كان الكلام عتاباً إلا أن ينوي الطلاق، عياض: ظاهره إن لم يكن عتاباً ولم ينو شيئاً أنه الطلاق مثل قوله ذلك لعبده في كتاب العتق، وتقدم نقلها من الموازية وما في لفظها من التنافي، ونقل اللخمي ألفاظ المدونة من الواضحة في جملة ألفاظ بجواب لا شيء عليه إلا أن ينوي به الطلاق من غير قيد قوله عتاباً، وقال أشد هذه الألفاظ لا سبيل لي، ولا ملك لي عليك، ولست مني بسبيل، وأنت سائبة، ومني عتيقة، ورأى أنها طلاق لا يصدق أنه لم يرده إلا لوجه، وقد قال ابن القاسم لقوله لعبد لا سبيل لي عليك، أو لا ملك لي عليم ابتداء عتق، وإن كان قبله ما يدل على أنه لم يرد العتق قبل قوله فكذا الطلاق.
وسمع ابن القاسم: من عاتبته امرأته فقال برئت مني لا شيء عليه، هذا من قول الناس في العتاب إن اتهم أحلف.
ابن رُشد: لأنها من ألفاظ الطلاق التي تذكر عتاباً لا طلاقاً كقولها في لا نكاح

الجزء: 4 - الصفحة: 171

بيني وبينك، ولا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليم، لا شيء عليه إن كان الكلام عتاباً، وقوله لزوجته أنت علي حرام في كونها ثلاثاً وينوي قبل البناء لا بعده، أو لا مطلقاً، أو واحدة قبله وثلاثاً بعده، أو واحدة بائنة، خامسها واحدة رجعية، وسادسها ينوى كطلقاً، وسابعها لغوها، للمشهور، وعبد الملك، وأبي مصعب مع ابن عبد الحكم ورواية ابن خويز منداد وابن سحنون عن ابن أبي سلمة، والكافي عن مالك مع جماعة من أصحابه وعياض عن أصبغ، وظاهر لفظ اللخمي والمازري والباجي وغيرهم أن معنى القول بأنه لا ينوى بعد البناء أنه مطلقاً ولو كان مستفتياً، ويأتي لابن رُشد وبعض أصحاب ابن سحنون خلافه وأطلق المازري وعياض والأكثر فرض المسألة، وقيدها اللخمي بكونه أراد الطلاق فيسقط السابع، وعبر عنها المازري أولاً بقوله أنت علي حرام، وثانياً بقوله الحلال عليه حرام، وقال اختلفت أجوبة مالك وأصحابه في الكناية في بعضها ثلاث لا ينوى في أقلل منها وفي بعضها ينوى، وفي بعضها واحدة حتى ينوى أكثر، وفي بعضها ينوى قبل البناء لا بعده، وفي بعضها قبل البناء واحدة وبعده ثلاث، واختلف في تعيين بعض الألفاظ لبعض هذه الأقسام وسر اختلافهم، وسببه أن اللفظ الدال على الطلاق لغة أو عرفاً إما أن يدل على بينونته وعدده كثلاث فيلزمان، أو على الأقل فقط فيتعين.
وفي صحتها بواحدة دون فداء وقصرها على الثلاث خلاف، أو على عدد معين غالباً وعلى غيره نادراً، فيلزم الغالب إن فقدت النية وإلا قبلت من المستفتي، ومن عليه بينة تختلف فروعه أو عليهما بالسوية إن وجدت نية قبلت، وإلا ففي حمله على الأقل استصحاباً للعصمة وإلغاء للشك أو الأكثر احتياطاً للفروج واستصحاباً لحرمة الطلقة المخققة اضطراب، هذا من أسرار العلم به تنحصر أقوال العلماء وتنضبط مسائل الفتوى، وأقرب مثال لهذا مسألة الحلال علي حرام أول أقوالها على أنها للبينونة فالبتة غالباً في الثلاث نادرة فيها دونها.
قُلتُ: لو كانت نادرة في الواحدة ما نوي فيها في القضاء، ولو قال محتملة لها وللثلاث صح.
قال والثاني على أنها موضوعة للثلاث، والثالث البينونة ولا تصح بعد البناء بغير فداء، والرابع للبينونة وتصح بواحدة بعده دون فداء، والخامس لأقل عدد

الجزء: 4 - الصفحة: 172

وأقل تحريم.
قُلتُ: والسادس لمطلق العدد دون بينونة، والسابع على عدم دلالتها على طلاق بحال، وقول ابن الحاجب بعد ذكره ستة الأقوال في مطلق الكناية الظاهرة، وجاءت غير الأول في الحلال علي حرام قصور كقول ابن حارث: اتفقوا في الحرام أنها ثلاث في المدخول بها وأن له نيته إن لم يدخل بها؛ لأن الواحدة تحرمها، وقول ابن الحاجب قيل: ينوى قبل البناء اتفاقاً إلا البتة أظن قائلة أبا عمران لقوله في حبلك على غاربك ينوى اتفاقاً، ويرد هذا الاتفاق بما تقدم في الحرام وغيره فتذكره.
وفي الكافي نق عن مالك لا ينوى في البتة دون سائر الكنايات، وسمع عيسى ابن القاسم من قالت له امرأته: مالي عليك حرام فقال: وأنت علي حرام إن أراد أني أوذيك وأستحل منك ما لا ينبغي فلا شيء عليه وإن كان كقول الرجل لامرأته: أنت علي حرام بانت منه.
ابن رُشد: إنما ينوى إن كان مستفتياً، وإن كانت عليه بينة لم ينو على أصولهم؛ لأنه صريح بتحريمها والبساط يقويه لا يضعفه؛ لأن ظاهره أنه لما حرمت عليه مالها عاقبها بأن حرمها.
الشيخ عن ابن سحنون عنه من حلف بالحلال عليه حرام ونوى واحدة قبل البناء فحنث بعده وقامت عليه بينة؛ لم تقبل نيته؛ لأنا يوم الحنث لا ينوى فيها.
ابن سحنون: قال بعض أصحابنا إن علمت البينة من ذلك قبل البناء لم يلزمه إلا طلقة وله الرجعة، وإن لم تقم بينة وجاء مستفتياً فله نيته بين وبين الله تعالى؛ يريد: بعد البناء، وذكرها اللخمي بلفظ أن القائل: قال بعض أصحابنا هو سحنون لا ابنه.
قال: وهذا أبين؛ لأنه يوم حلف كان ممن ينوى ولو كانت عليه بينة.
قُلتُ: قول ابن رُشد نص في أنه ينوى بعد البناء في أنت علي حرام ونحوه ما ذكره ابن سحنون، وقال ابن حارث إثر هذه المسألة وقال أشهب في العبد يحنث في زوجته بعد عتقه بيمين قبله أنها تبقى عنده على ثنتين.
قُلتُ: لا يختلف في هذه كالأولى ولو كانت يمينه بطلقتين، وهو يجهل قدر طلاق العبد أشبهتها، وسمع عيسى ابن القاسم في التخيير من قال لامرأته: وجهي من

الجزء: 4 - الصفحة: 173

وجهك حرام، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
ابن رشد: اتفاقاً؛ لأنه كقوله: أنت علي حرام هي بعد البناء ثلاث لا ينوى في أقل منها إلا أن يأتي مستفتياً.
قُلتُ: قوله: (نص في أنه ينوى بعد البناء إن كان مستفتياً) ونحوه ما تقدم من نقل ابن سحنون خلاف ظاهر ما تقدم لغيرهما، وهذا هو ظاهر المدونة، وقول ابن رُشد اتفاقاً قصور لقول اللخمي: قال ابن عبد الحكم: في قوله وجهي من وجهك حرام: لا شيء، وحمله على معتاد بعض الناس في قوله: عيني من عينك حرام، ووجهي من وجهك حرام، يريدون به البغض والمباعدة.
وما أعيش فيه حرام في لغوه وحرمة زوجته، ونقل عبد الحق عن محمد وغيره قائلاً: أظنه في السليمانية.
قال: وأجاب أبو عمران في قول من عادتهم قصد تحريم الزوجة بكل ما أعيش فيه حرام هو طلاق، ونقل اللخمي قول محمد بلفظ قال: لا شيء عليه؛ يريد: أن الزوجة ليست من العيش فلم تدخل في لفظه إلا أن ينويها فيصير كقوله أنت علي حرام، وقيل: لا شيء عليه وإن أدخلها في يمينه جهلاً أنها من العيش كمن قال ادخلي الدار يريد به الطلاق جهلاً وطناً أنه من ألفاظ الطلاق؛ وليس كذلك؛ لأن هذا نوى الزوجة وغلط في ظنه أنها من العيش وأوقع عليها الطلاق بلفظ حرام، وهو كمن غلط في اسم زوجته فأوقع عليها الطلاق والآخر سمى الزوجة ولم ينطق بالطلاق.
وفي حرمتها بقوله: كلامك علي حرام ولغوه.
نقل محمد عن أشهب قائلاً ولا ينوى في عدم الطلاق وابن عبد الحكم مع ابن القاسم، واحتج محمد بحرمة نظر أمهات المؤمنين دون كلامهن وكتحريم السعال والبزاق، وسحنون قائلاً العتق كالطلاق.
اللخمي: السعال لا يتلذذ به، وكذا البزاق؛ لأنه بعد طرحه من الم وتحرم بتحريم الريق؛ لأنه في الفم وهو الرضاب يتلذذ به.
**** إن قصد حرمة استماعه لغو وإن قصد التلذذ هـ حرمت، وفي حرمتها بتحريم شعرها قولاً أصبغ وسحنون، وصوب اللخمي الأول: لأنه يتلذذ

الجزء: 4 - الصفحة: 174

برؤيته ولمسه.
وفي لغو يمين: ما أنقلب إليه حرام إن كنت لي بامرأة لقرينة حله على الزوجة في إخراجها ولزوم حنثه فيها، نقل اللخمي عن ابن القاسم وأصبغ.
ومن قال: أردت بأنت علي حرام الظهار في لغو نيته وإعمالها، ثالثها: تطلق فإن تزوجها لزمه الظهار، للخمي عن ابن القاسم وسحنون ويحيى بن عمر.
ذكر ابن رُشد قول ابن القاسم يلزمه الطلاق.
قال: ونقل اللخمي عن سحنون في العتبية أنه ينوى وليس ذلك بموجود عندنا في العتبية فأراه غلطاً.
وفيها: إن قال: أنت علي حرام، وقال: أردت الكذب لا الطلاق لزمه التحريم، ولا ينوى لقول مالك في شبهه: لا نية له، سئل عمن لاعب امرأته فأخذت بفرجه تلذذاً فنهاها فأبت، فقال لها: هو عليك حرام، وقال: أردت أن أحرم أن تمسه لا تحريم امرأتي، فوقف وخشي أنه حنث، وألزمه غيره من أهل المدينة التحريم، وهذا عندي أخف والذي سألت عنه أشد وأبين ألا ينوى؛ لأنه ابتدأ التحريم من قبل نفسه، وما سئل عنه مالك كان له سبب ينوى به.
قُلتُ: قوله: (كان له سبب ينوى به) ظاهر في أنه لا يلزمه تحريم، وأن تحريم مسها إياه غير تحريم، وعدم ذكر البرادعي لفظ ابن القاسم هذا مخل بفائدة.
الشيخ عن ابن حبيب: من قال لامرأته فرجي عليم حرام أو: فرجك أو دبرك علي حرام؛ حرمت عليه، إلا أن يريد الدبر حكاية ما جاء في ذلك ولم يقصد التحريم فلا شيء عليه، وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لامرأته: أنت أحرم علي من أمي كقوله البتة.
ابن رُشد: هذا إن أراد به الطلاق وإلا فهو ظهار لقولها في أنت حرام كأمي ولا نية له أنه ظهار، ولا فرق بين اللفظين وذلك بين من سماع ابن القاسم من كتاب الظهار.
قُلتُ: فيه لابن القاسم مثل تسوية ابن رُشد بين للفظين وفيه نظر؛ لأن أحرم تقتضي أن الزوجة أشد حرمة والتشبيه عكسه، وسمع عيسى ابن القاسم من قال: حلفت بالطلاق حتى أن امرأتي معي حرام، حلف ما أراد الطلاق وما امرأته معه حرام

الجزء: 4 - الصفحة: 175

وخلي بينهما فقبله الشيخ، وقال ابن رُشد: قال ابن دحون هذه حائلة لا أصل لها في الفتيا، الواجب أن تبين منه بإقراره، وإيه ذهب ابن زرب وجعل أول مسألة من رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى مخالفة لها وليس كذلك؛ إذ ليس ذلك بإقرار صريح فاحتمل عند مالك أنه خشي على نفسه الحنث لكثرة حلفه بالطلاق.
قُلتُ: حاصل مسألة رسم يشتري الدور لزوم الإقرار بالطلاق وهذا هو المذهب، وللشيخ عن ابن حبيب عن أشهب من قال لقوم: طلقت امرأتي البتة، فسألوه كيف كان؟ فأخبرهم بسبب لا يلزمه به طلاق لا شيء عليه، ولو كان بين قوله وإخباره بسببه صمات، وقال أصبغ: يلزمه الطلاق بإقراره الأول وفيها: قيل: فمن قال: علي حرام إن فعلت كذا؟ قال: لا يكون الحرام يميناً في شيء إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق واختصرها البرادعي سؤالاً وجواباً لاحتمال لفظ أن يحرم امرأته كونه بالنص عليها أو بالنية أو بمجرد التعليق.
اللخمي: من قال علي حرام ولم يقل أنت، أو قال: الحلال حرام ولم يقل علي؛ فلا شيء عليه.
وفيها: اعتدي طلاقٌ بقدر ما نوى وإلا فواحدة إلا أن يكون جواباً لعدة دراهم ونحوه فلا شيء عليه، وأنت طالق اعتدي طلقتان إلا أن ينوي إعلامها أن عليها العدة فطلقة واحدة.
اللخمي عن المجموعة: أنت طالق فاعتدي طلقتان إلا أن ينوي واحدة، وطالق واعتدي طلقتان ولا ينوى.
ابن عبد الحكم في أنت طالق اعتدي أو فاعتدي طلقة واحدة وهو أبين؛ لأن موضوع اعتدي الأمر بالعدة لا الطلاق.
وفي كون أنت طالق طلاق الصلح ثلاثاً أو واحدة بائنة، ثالثها: رجعية، للشيخ عن ابن الماجشون وأصبغ مع المتيطي عن مالك وابن القاسم قائلاً به القضاء والشيخ عن ابن حبيب عن مُطرف.
وفيها: إن قال: أنت طالق تطليقة ينوى بها لا رجعة لي فيها فله الرجعة، وقوله: (لا رجعة لي عليم ونيته) باطل إلا أن ينوي بلا رجعة لي البتات باطل اللخمي؛ يريد

الجزء: 4 - الصفحة: 176

قوله ذلك ونيته سواء.
محمد: وكذا ولا رجعة لي عليك ونيته باطل.
ابن عبد الحكم: في طالق لا رجعة لي عليم في البتة، وفي ولا رجعة؛ له الرجعة.
اللخمي: قوله طلقة ينوي لا رجعة فيها أو قاله نطقاً كقوله طلقة بائنة؛ لأنه صفة للطلقة؛ بخلاف لا رجعة لي عليك إنما هو إسقاط لحقه في الرجعة، وأنت طالق طلاقاً لا رجعة فيه ثلاث اتفاقاً؛ لأنه صفة للطلاق، وظاهر المذهب من قال لزوجته بعد طلاقها: أسقطت حقي في رجعتك أو لا رجعة لي عليك أن له الرجعة، والقياس أن لا رجعة له؛ لأنه حق له عليها أسقطه كسائر الحقوق.
السيخ عن الموازية: أنت طالق أبداً هي البتة له نكاحها بعد زوج ما لم يرد كلما نكحتك.
محمد: كمن قال أنت طالق كل يوم أبداً، كذا في نسخة مكتوب في آخر هذا الكتاب منها: "قوبلت بكتاب الشيخ أبي محمد"، وذكر اللخمي المسألة إلى قوله كلما تزوجتك وأصلاً بها ما نصه.
محمد: وكذلك الذي يقول: أنت طالق كل يوم أتزوجك أبداً، فعلى لفظ اللخمي يجب رد التشبيه لمسألة كلما، وعلى الفظ الأول يحتمل هذا، وعوده لمسألة طالق أبداً، ومن الكناية الخفية ما جعله ابن الحاجب قسيماً لمطلقها: قوله اسقني، وقولها: كلي واشربي، وقول عتقها ادخلي الدار، المشهور إن نوى الطلاق مطلقاً أو عدداً لزمه منويه.
اللخمي: وقال أشهب لا شيء عليه إلا أن يريد أنت طالق إذا قلت: ادخلي الدار، يريد أن الطلاق إنما يقع عندما أقول لا بنفس اللفظ، وذكر أبو عمر الأول لمالك وقال: لم يتابعه عليه أصحابه، ولم يذكر لأشهب خلافاً، وكذا الباجي لم يذكر فيه خلافاً.
قال: قال أصحابنا: هذا على وقوع الطلاق بمجرد النية، ومذهب ابن القاسم يقتضي أنه لا يقع الطلاق في هذه المسألة بمجرد النية، إنما يقع بما قارن النية من اللفظ الذي قصد به الطلاق، وقال مالك: من أراد أن يقول أنت طالق فقال: كلي واشربي لا يلزمه شيء، وإن وجدت منه النية.
قُلتُ: في تمسكه بهذا على لغو الطلاق بالنية نظر؛ لأنه فرق بين النية المستقلة

الجزء: 4 - الصفحة: 177

بإرادة الطلاق بها فقط، وبين النية التي هي بعض المجموع منها ومن لفظ خاص مراداً به الطلاق لا بأحد جزئية فقط.
ابن بشير: في جري الطلاق به على الخلاف في الطلاق بالنية قولا المتأخرين، الصقلي عن القاضي: قيل لا يكون طلاقاً وإن نوى به الطلاق، ووجهه الاتفاق على أنه لو ضربها أو مسها بيده وقال: أردت به الطلاق أنه لا يكون طلاقاً.
قُلتُ: في هذا الاتفاق نظر ويأتي الخلاف في مجرد بيعه زوجته، والشائع عن أهل العمود في أرضنا أن جل طلاقهم بمجرد فعل الزوج حفر شيء من الأرض ودفن المرأة إياه، وسمع عيسى رواية ابن القاسم من قال لامرأته وهو جاهل: أمرك بيدك يظنه طلاقاً.
قال: إن أراد به الطلاق فهو طلاق.
ابن رُشد: هذا كقولها أن ما ليس من ألفاظ الطلاق لا يلزم به إلا أن ينويه باللفظ بعينه، وقيل: لا يلزمه الطلاق ولو نواه، وهو قول مُطرف وروايته ويقوم من قول ابن الماجشون في كتاب الظهار منها، وقال أشهب: لا يلزمه به طلاق إلا أن يريد أنها طالق إذا فرغ من لفظه لا بنفس لفظه ولا وجه له.
قُلتُ: ففي لزوم الطلاق بإرادته من لفظ لا يحتمله، ثالثها: إن قصد تعليقه على النطق به للمشهور ومُطرف مع ابن الماجشون وأشهب.
وفيها لمالك: إن قال لها: تقنعي أو استري يريد به الطلاق فهو طلاق وإلا فلا.
وفيها: كل كلام نوى به الطلاق فهو كما نوى.
قُلتُ: ظاهرها مع سماع عيسى أن نية الطلاق بما ليس من لفظه بحال، غنما يلزم به ما يلزم بلفظ الطلاق لا الثلاث إلا أن ينويها.
وفيها: الذي سمعت واستحسنت أنه لو أراد أن يقول لها أنت طالق البتة فقال: أخزاك الله أو لعنك الله فلا شيء عليه.
ابن محرز: من المذاكرين من أجراه على أحد قولي مالك في الطلاق بالنية وأنه غير لازم، ومنهم من أباه؛ لأن هذا لم يعقد على أن يطلق بنيته؛ بل على أن يطلق بلفظه.
وفيها: لمالك قوله يا أمه أو يا أخته أو يا عمة أو يا خالة لا شيء فيه، وهو من كلام أهل السفه.

الجزء: 4 - الصفحة: 178

قُلتُ: كونه منه دليل حرمته أو كراهته.
قال ابن عبد السلام: روى أبو داود عن أبي تيمية الهجيمي أن رجلاً قال لامرأته: يا أخية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أختك هي؟!!))، فكره ذلك ونهى عنه، ولا يعارض هذا بقول إبراهيم عليه السلام في سارة إنها أختي؛ لأنه قاله لضرورة دعنه لذلك وأراد أنها أخته في الدين، وبوب عليه البخاري: إذا قال لامرأته وهو مكره أختي فلا شيء عليه.
قُلتُ: ظاهره أن حديث أبي داود مسند صحيح وليس كذلك؛ بل هو مرسل؛ لأن أبا تيمية ليس صحابياً إنما هو تابعي، وقال عبد الحق: هو منقطع دون تعليل له، وتعقبه ابن القطان فقال: يعني بمنقطع مرسلاً وكان له أن يذكره صحيحاً على أحد رأييه؛ لأن أبا داود ذكره بطريق أخرى عن عبد السلام بن حرب عن خالد الحذاء عن أبي تيمية عن رجل من قومه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً ... الحديث، وعبد السلام حافظ وعدم تسمية الرجل لا يضر على أحد رأييه.
قُلتُ: لفظ حافظ لا يدل على عدالته ولم أجده في كتاب المزي.
وفيها: ما علم من الأخرس بإشارة أو كتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم به، وروى الباجي إشارة السليم بالطلاق برأسه أو يده كلفظه لقوله تعالى: (تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) [آل عمران: 41].
قُلتُ: إنما يحسن هذا دليلاً للأخرس، وقياس السليم عليه فيه نظر.
ابن شاس: الإشارة المفهمة للطلاق هي من الأخرس كالصريح ومن القادر كالكناية، وتبعه ابن الحاجب وتعقبه ابن عبد السلام بأن تقرر في أصول الفقه أن الفعل

الجزء: 4 - الصفحة: 179

لا دلالة له من ذاته إلا بما ينضم إليه من القرائن، فإن أفادت القطع فهي كالصريح كان من الأخرس أو القادر، وإلا فهي كالكناية منهما.
قُلتُ: ظاهر نقل الباجي أنا منهما سواء، وما استدل به ابن عبد السلام يرد بأن دلالة القرائن مع الإشارة من الأخرس لا يزاحمها إمكان ما هو أدل منها من غير نوعها بحال فكانت كالصريح، ودلالة القرائن مع الإشارة من القادر يزاحمها إمكان ما هو أدل منها من غير نوعها وهو النطق فلم تكن في حقه كالصريح.


اللخمي: في صفة كتب الغائب به أقوال.
ابن القاسم: يكتب: إذا جاءك كتابي وأنت طاهر فأنت طالق لا يزيد عليه، وإن كانت حاملاً كتب إن كنت حاملاً أو طاهراً بعد وضعك فأنت طالق، لا يزيد عليه، إن كانت على ما شرط وقع الطلاق فيهما وإلا بقيت زوجة، وأجاز أشهب أن يقول: إن كنت حائضاً فأنت طالق إذا طهرت على أصله في قوله وهي حائض أنت طالق إذا طهرت لا تطلق تطهر، وثالثها: لابن المعذل يكتب بإيقاعه حين كتبه.
وفيها: مع سماع القرينين إن كنت بطلاقها مجمعاً عليه أو أخرج كتبه به غير مجمع مجمعاً أو وصل إليها غير مجموع فيهما لزمه الطلاق وإلا فله رده ولا شيء عليه.
ابن رُشد: إن كتبه مجمعاً على الطلاق أو لم تكن له نية لزمه الطلاق، فإن كانت حائضاً أجبر على الرجعة، وإن كتبه عل أن يرى رأيه في إنفاذ فله ذلك ما لم يخرجه من يده.
قال في الواضحة والموازية: ويحلف على نيته فإن أخرجه عازماً على الطلاق أو لم تكن له نية لزمه الطلاق، وإن لم يصل، فإن كانت حائضاً جبر على الرجعة.
ولو أخرجه على أن يرده إن بدا له ففي صحة رده ولزوم الطلاق بإخراجه قولها وسماع أشهب، سواء على قول ابن القاسم كتب أنت طالق أو إذا طهرت فأنت طالق، وقال أشهب: إن كتب إذا طهرت فأنت طالق أو إذا حضت فأنت طالق لم يجعل عليه وأخر حتى تطهر أو تحيض، فقوله في إذا حضت له وجه؛ إذ قد لا تحيض فأشبه إذا قدم فلان فأنت طالق، وقوله في إذا طهرت ليس ببين إذ لا بد أن تطهر، وإن تمادى دمها فهي مستحاضة والمستحاضة في حكم الطاهر، والذي نحا إليه أنها قد تموت قبل أن

الجزء: 4 - الصفحة: 180

تطهر فيكون الطهر لم يأت بخلاف الأجل الذي لابد من إتيانه ولو ماتت.
وإن كتب على مذهب أشهب إذا طهرت فأنت طالق فإن كانت حائضاً لم يقع عليها طلاق حتى تطهر، وإن كانت طاهراً وقع عليها الطلاق، وقيل: لا يقع إلا بالطهر الثاني على الخلاف فيمن قال لأمته إذا حملت فأنت حرة وهي حامل.
قال محمد: وأحب إلى لمن أراد أن يطلق امرأته الغائبة أن يكتب لها: إذا جاءك كتابي هذا فإن كنت حضت بعدي وطهرت فأنت طالق خوف وقوع طلاقه لها حال حيضها، وهذا جيد إلا أنه قد لا يقع عليها طلاق أصلاً عن كانت لم تحض بعده وطهرت؛ لأنه إنما طلقها على هذا الشرط، فغن كتب إن وصلك كتابي هذا فأنت طالق وأرسل إليها به يخرج ذلك على قولين: أحدهما: أن ذلك ككتبه: إن وصلك كتابي هذا.
والثاني: أن الطلاق يقع عليه مكانه على الخلاف فيمن قال لامرأته إذا بلغت معي موضع كذا فأنت طالق حسبما مر في رسم سل من سماع عيسى من الأيمان بالطلاق وسماع عبد الملك بن الحسن منه.
قُلتُ: للخمي إن كتبه غير عازم لم يقع طلاق، وإن خرج من يده إذا علم أنه أخرجه لينظر في ذلك، واختلف إن أخرجه من يده ولم يعلم هل كان عازماً أم لا؟ فقال ابن القاسم فيها: ذلك له وله رده ما لم يبلغها إذا كتب غير عازم، وقال محمد: ذلك له ما لم يخرجه من يده ويحلف، فإن أخرجه عن يده كان كالناطق به والإشهاد.
قال مالك: ولا ينوى إذا خرج من يده وإن لم يصل إليها.
قُلتُ: زاد في النوادر عن الموازية وقاله أشهب وأصبغ.
قُلتُ: هذا عكس ما تقدم لابن رُشد فتأمله، وظاهر ما لابن رُشد فيها.
قُلتُ: إن كتبه غير عازم وأخرجه غير عازم.
قال: لا أحفظ عنه فيه شيئاً، وأرى أنها طالق بإخراجه إلا أن يخرجه غير عازم فله رده ما لم يبلغها.

الجزء: 4 - الصفحة: 181

وسمع القرينان من كتبت لأبيها الغائب أن يزورها فأبى، فسألت زوجها أن يكتب إليه: "إني طلقت ابنتك" ليأتيها ففعل، ولم يرد بكتبه طلاقاً؛ إن صح أن كتبه على هذا، فلا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قام عليه أبوها بكتابه فلا شيء عليه إن أقام بينة أنه أشهدهم على هذا، وقال: إنما سألتني أن أكتب بهذا لكذا وكذا وأنا أكتب به لذلك لا أريد به طلاقاً فا شيء عليه.
قيل: أرأيت إن لم يكن أشهدهم وجاء أبوها بالكتاب فجاءت هي، وهو يقتص هذه القصة أيستحلف.
قال: ما أدري ما الناس كلهم سواء، الرجل المأمون مصدق.
قيل: لو قالت المرأة أردت خديعته بذلك وأردت الطلاق فأنكر ذلك، فقال: إن علم ذلك من شأنها فلا شيء عليه، وإن لم يكن إلا قوله وظهر كتابه بطلاقها طلقت عليه.
قيل: أي الطلاق قال ينوى وتكون واحدة.
ابن رُشد: في ألفاظها إشكال، وفي ظاهر كلامه اضطراب، وحاصلها إن صح الوجه الذي ذكر في كتابه أنه طلقها؛ يريد ببينة تشهد على ذلك أو جاء الزوج مستفتياً وحده فلا طلاق عليه، وإن جاءوا معاً فذكر الزوجان القصة، وقال الأب: لا أدري صدقهما من كذبهما صدق الزوج مع يمينه إن كان مأموناً، وإن قام الأب بالكتب في غيبة الزوج فلما وقف عليه أقر به وادعى أنه إنما كتبه لذلك لما ذكر لم يصدق إلا أن يكون أشهد بينة على أنه إنما كتب بالطلاق لذلك، فإن لم تقم بينة لزمه الطلاق.
قال في الرواية ينوى وتكون واحدة أي يدين فيما ادعى من أنه لم يرد بذلك طلاقاً وتكون واحدة.
قاله أشهب في نظير هذه المسألة، وهو على أصولهم فيمن ادعى على رجل حقاً فأنكره المدعي عليه وأقام المدعي بينة على بعض ما ادعاه أن المدعي عليه يحلف ما له عنده شيء، ويغرم ما شهدت عليه به البنية، إذ لا خروج له من ذلك كما لا خروج له من الطلقة الواحدة المستيقنة، ولو رجع فقال: أردت به الطلاق واحدة كانت واحدة، ولا يمين عليه على القول بأن من قال طلقت امرأتي ولا نية له أنها واحدة، وأما على القول أنها ثلاث فقيل: لا ينوى لإنكاره أو لا أنه أراد الطلاق وتكون ثلاثاً، وقيل: يحلف وتكون واحدة

الجزء: 4 - الصفحة: 182

والخلاف فيه على خلافهم فيمن أنكر وديعة ثم أقر بها وادعى تلفها.
الشيخ عن محمد من كتب لذي دين عليه يمينه بطلاقه ليقضينه حقه وقت كذا، فامتنع الشهود أن يكتبوا فيه لذكر الطلاق فخرقه، وكتب غيره بغير ذكر طلاق لزمه الطلاق إن رضي بالكتاب الأول.
وفيها: من قال لرجل أخبر زوجتي بطلاقها أو أرسل به إليها رسولاً وقع الطلاق حين قوله ذلك بلغها الرسول أو كتمها.
قال ابن عبد السلام: إن تقدم تلفظ الزوج بالطلاق على قوله للرسول فواضح، وإن كان إنما تكلم الآن به فانظر هل هو طلاق بالنية أم لا؟ قُلتُ: كيف ينظر فيه مع أنه تكلم به.
وفيها: من قال لرجل: فلان يقول إنك زان إن أقام بقوله بينة حد الأول وإلا حد الثاني ولا حد بالنية.
وفي لغو بيعه زوجته وكونه طلقة بائنة، ثالثها: البتة لابن رُشد في سماع يحيى من كتاب العتق عن ابن الحكم مع سماع عبد الملك ابن وهب وسماع ابن القاسم في تزويجها ولا فرق، ورواية سحنون مع سماع عيسى واستبراء الأسدية في سماع عبد الملك وابن نافع.
اللخمي عن مالك: من باع زوجته نكل نكالاً شديداً وتطلق عليه واحدة، ولا يرتجعها، ولا يتزوجها ولا غيرها حتى تعرف توبته وصلاحه خوف أن يعود لذلك.
ابن نافع: هي طلقة بائنة.
سحنون: ولو لم يغب عليها، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ حرمت عليه كالموهوبة.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا من قول ابن القاسم، وقال ابن القاسم في العتبية بيعه طلاق.
ابن وهب: وترجم إن أقرت بوطئها مشتريها طائعة، وإن ادعت الإكراه لم ترجم، وقول مالك أنه ليس بطلاق أحسن إلا أن ينويه؛ لأن البيع إنما يتضمن التمكين منها، ولا خلاف فيه من غير بيع أنه ليس بطلاق، وسمع عيسى ابن القاسم: من باع زوجته

الجزء: 4 - الصفحة: 183

لمسغبة وأقرت له بذلك عذر أو لم تحد وتكون طلقة بائنة، وقاله مالك ويرجع عليه مشتريها بالثمن.
اللخمي: يختل إذا زجها على مثل ذلك.
أصبغ: من قال لأم زوجته زوجي ابنتك لا حاجة لي بها، فزوجتها بعد وفاء عدتها من يوم قال بحضرته وعلمه فقد بانت، ولا يقبل قوله لم أرد طلاقاً.
محمد: لا يعجبني قوله إلا أن يعلم الزوج أن ذلك ليس بطلاق وألزمه نفسه، وإن ظن أن ذلك طلاق فتركها حتى اعتدت لم يضره إلا أن يتزوجها غيره أو يقول: أردت به الطلاق فيلزمه إلا أن يتزوج بعلمه وتسليمه فيلزمه الطلاق ويفسخ النكاح الثاني؛ لأنه إذا لم يلزم الطلاق إلا بتزويجها فالعدة من يوم تزوجت.
قُلتُ: كذا وجدته في غير نسخة منه ولا يخفى إجماله، وحاصله من قال لأم زوجته: زوجي ابنتك لا حاجة لي بها فزوجتها بعد وفاء عدتها من يوم قوله بحضرته وعلمه بانت منه ولا يقبل قوله لم أرد طلاقاً، فإن كان علم أن ذلك ليس بطلاق وأراده منه صح نكاح الثاني وإلا فقولان لأصبغ ومحمد بناء على أن رضاه بتزويجها قرينة بإرادة سابق قوله الطلاق، وقصر ثبوته من حين رضاه بتزويجها، وعليه تحرم عليه للأبد إن بنى.
الشيخ عن أصبغ: من باع زوجته أو زجها هازلاً فلا شيء عليه، وإن كان جاداً فيهما فهي البتات، وكون طاق الحر ثلاثاً وذو الرق طلقتين وما فيه من سؤال وجواب تقدم في النكاح.
وفيها من نوى بأنت طالق واحدة الثلاث لزمت وفي كونه بمجرد النية نحو ما مر لمباينة الواحدة الثلاث، وفي لغو الطلاق بمجرد النية الجازمة روايتا الأكثر وأشهب، ابن القصار: الأولى قول جميع الفقهاء.
عبد الحق: احتج للثانية الأبهري بأن حقيقة الكلام في القلب واللسان مخبر وكثبوت الردة بالقلب، وأجاب ابن الكاتب بأن الردة والإيمان من أعمال القلوب؛ والطلاق لفظي لقوله تعالى: ***********، والله تعالى أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 184

وفيها: لو أراد أن يطلق ثلاثاً أو يحلف بها فقال: أنت طالق، ثم سكت عن ذكر الثلاث وتمادى في يمينه، إن كان حالفاً فهي واحدة إلا أن يريد بلفظة بطالق الثلاث فتكون الثلاث.
اللخمي: يريد إن قصد بقوله طالق طلقة وبقوله ثلاثاً تمام الثلاث، ولو أراد بقوله طالق الثلاث، وبقوله ثلاثاً بيان مراده لزمه الثلاث.
قُلتُ: الأظهر أنه لم يرد بقوله طالق قيد واحدة ولا عدد؛ بل مطلق الطلاق عازماً على جعله بقوله ثلاثاً فبدا له عن ذلك الجعل فلزمه مطلقه، ولا يتقرر وجوده بأقل من واحدة فلزمته لذلك، ومفهوماً أول كلام اللخمي وآخره في صورة إطلاقه متعارضان، وظاهر المذهب فيه ما قررناه خلاف ما مر لأصبغ في الكنايات الخفية، ولابن رُشد في مسألة من كتب لأبي امرأته "أني طلقتها ليأتيها"، وذكر ابن حارث مسألة مريد الحلف وقال فيها اتفاقاً، وقال فيها اللخمي هذا إن كان مستفتياً أو فهمت البينة قصده ذلك لمنازعة وقعت وإلا لم يصدق.
ابن حارث: إن قال أنت طالق وفي نيته أن يقول البتة، فقيل له: اتق الله فسكت، ففيها لا تلزمه إلا واحدة، وسمع ابن نافع تلزمه البتة.
وتكرير اللفظ: الدال على الطلاق دون تعليق وعطف يعدده إن لم ينو وحدته، في تخييرها أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث إلا أن ينوي واحدة بنى أو لم يبن، ومثله في الأيمان بالطلاق في أنت طالق طالق طالق، ونقل ابن عبد السلام عن الواضحة لا ينوى لا أعرفه؛ بل نقل ابن حارث ينوى اتفاقاً، وما في الواضحة إنما نقله الشيخ في العطف حسبما يأتي، وكذا وجدته في اختصار الواضحة لفضل، وفي تخييرها اعتدي اعتدي اعتدي كذلك، ومال اللخمي في تكرير اعتدي لواحدة فقط محتاجاً بما حاصله: اعتدي ليس من لفظ الطلاق في شيء فيلزمه طلقة لامتناع حمل أول لفظه على مدلوله لعدم تقرره فأعمل في لازمه، ولا امتناع في حمله على مدلوله فيما بعده فوجب، واستظهر بحكايته عن بعض أهل العلم.
قُلتُ: ذكره بعضهم من رواية ابن أبي مريم وهو محمد بن زرقون.
قُلتُ: ابن أبي مريم لم يدرك مالكاً إنما سمع من سحنون وابنه وأشد منه قول ابن

الجزء: 4 - الصفحة: 185

شعبان في زاهية في: قد سرحتك، قد سرحتك، قد سرحتك واحدة إلا أن يريد الثلاث، وفي اختصار مبسوطة ابن إسحاق لابن رُشد في أنت طالق إن كلمت فلاناً يكرره ثلاث مرات أنها واحدة إلا أن ينوي أكثر، وفي كون ذلك قبل البناء كذلك وقصره على واحدة قولها مع غيرها، ونقل اللخمي عن إسماعيل القاضي، وتعقب ابن عبد السلام المشهور بالاتفاق على جواز نكاح المطلق قبل البناء أو بالخلع خامسة أو أخت المطلقة وصحة عقد غيره عليها بنفس طلاقه، وإن تبع فيه من سبقه به يرد بأن قرب اتباعه مظنة لإرادته مع الأول بخلاف صور النقض من جملتها عدم الإرث بالموت عقبه وهو معلق على واحد بالشخص ككون مطلقاً وعلى غيره ولو أعمه أو أخصه لازم التعدد، الشيخ عن الموازية: من قال إن كلمت إنساناً فأنت طالق، ثم قال إن كلمت فلاناً فأنت طالق فكلمه لزمه طلقتان.
قُلتُ: لأن تناول اليمين له وحده ليس كتناولها إياه مع غيره ضرورة أن الشيء في نفسه لي كهو مع غيره.
وافتراق الزمان في المعلق اتحاده بخلاف غيره.
الشيخ عن الموازية: من قال أنت طالق إن فعلت كذا، ثم قاله بعد وقت نوى، فإن لم تكن له نية فالبتة، ولا ينوي في الطلقة الأولى يرددها.
قُلتُ: للحاجة لتكرير اليمين خوف أن يطلب بما يوجب حنثه.
ويرد بتكرير المعلق قبل حنثه ولو قبل البناء، وفي غير المعلق بعد البناء، أم قبله فالافتراق يوجب واحدة فقط.
ابن عات: لابن سحنون: إن قال أنت طالق الطلاق فهي طلقتان إلا أن يريد واحدة.
**** **** **** **** وقال اللخمي: إن كان مستفتياً رأيت أن ينوى، وثم كذلك.
المتيطي: اتفاقاً، وقول ابن عبد السلام: (وحكى بعضهم أنه ينوى في الفاء وثم) لا أعرفه إلا ما نقله ابن عات، ونصه: وفي الدعوى لو قال أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو طالق وطالق وطالق ولم تكن له نية لزمه الثلاث؛ لأن الواو للفصل وثم

الجزء: 4 - الصفحة: 186

للاستئناف، وسواء دخل بها أو لم يدخل، وفي المدونة هي ثلاث ولا ينوى، وكذلك قوله أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق هي ثلاث ولا ينوى، ونحوه في الواضحة، وروى عيسى عن ابن القاسم في قوله أنت طالق وطالق وطالق أنها ثلاث ولا ينوى، وهذا أحسن من الذي في كتاب الدعوى، ووجه أخذ الخلاف منه في "ثم" أنه جعل رواية عيسى لا ينوى في الواو وخلاف قوله في كتاب الدعوى ولا يتقرر من قوله في الدعوى والخلاف إلا من مفهوم قوله: ولم تكن له نية، وإذا تقرر هذا منه في الواو لزم في ثم لجمعهما معاً في قيد قوله: ولم تكن له نية.
وللشيخ عن ابن حبيب: إن قال أنت طالق ثم طالق ثم طالق، أو قال ثم طالق، أو قال وأنت، أو قال وطالق حتى أتم ثلاثاً فهي ثلاث لا ينوى بنى أو لم يبن، خص ابن شاي وابن الحاجب لزوم الثلاث في الفاء وثم بمن بنى بها، وهما فيمن لم يبن بها واحدة فقط، وقول ابن عبد السلام في نقلهما: "لا أتحقق الآن صحته عن المذهب، ولعلي أجد فيه لغيرهما ما يوافقهما، ولعلهما فهماه من كلامه في المدونة "ميل لقبوله، والصواب رده لما تقدم من قبول الشيخ نقل ابن حبيب في "ثم" قائلاً بنى أو لم يبن، ومن قول ابن عات: سواء دخل بها أو لم يدخل.
وفيها: ما نصه قال ربيعة: إن قال لامرأته قبل أن يدخل بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق كلاماً نسفاً واحداً لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
قُلتُ: أرأيت إن قال لها أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق.
قال: سألت مالكاً عنها فقال: فيها إشكال، وأرى أنها طالق ثلاثاً.
قال: فقلت لمالك: فإن قال لها أنت طالق ثم أنت طالق ثم أنت طالق.
قال: هذه بينة لا ينوى فيها وهي ثلاث، وأنا أرى إذا قال ذلك بالواو أنها ثلاث ولا ينوى.
قُلتُ: فمن أنصف علم أن لفظها في لزوم الثلاث في ثم والواو ظاهر أو نصف فيمن بنى أو لم يبن، وهو مقتضى مشهور المذهب فيمن أتبع الخلع طلاقاً، وتوهم التمسك بقول البرادعي إثر قول ابن القاسم وكذلك إن قال أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق لأجنبية، وقال معه إن تزوجتك، والواحدة تبين غير المدخول بها والثلاث

الجزء: 4 - الصفحة: 187

تحرمها إلا بعد زوج، يرد بأنه في المدونة إنما ذكره بعد أن ذكر أقوال الصحابة أن من طلق قبل البناء ثلاثاً لم تحل إلا بعد زوج، وإن طلقها واحدة حلت له قبله، فهو فيها نص في أنه ليس راجعاً لحكم العطف بحال، ولو كان راجعاً له كان مناقضاً لقول ابن القاسم قبله، يليه في لفظ البرادعي؛ لأن قوله فيها لزوم الثلاث قبل البناء، ولو كان العطف بالواو ففي قبول نيته تأكيد الواحدة ولغوها فتلزم الثلاث، ثالثها: الوقف لابن حارث عن إحدى روايتي ابن القاسم مع اللخمي عن ابن شعبان في عطف سرحتك بها، وقول ابن القاسم مع ابن حارث عن المغيرة وإحدى روايتي ابن القاسم وروايتها، وقول البرادعي (قال مالك إلى أخره) في النسق بالواو إشكال.
قال ابن القاسم: ورأيت الأغلب من قوله أنها مثل ثم ولا ينويه وهو رأيي.
قُلتُ: لم يقع في المدونة لابن الاسم لفظ قوله ورأيت الأغلب من قوله أنها مثل ثم بحال إنما له فيها: وكأني رأيته يريد بقوله أنه لا ينويه في ذلك وأنها ثلاث وهو رأيي، ثم ذكر قول مالك في ثم أنه لا ينويه، فيها حسبما قدمناه، فعبر البرادعي عن ذلك بقوله مثل ثم لأن معنى مثل ثم لا ينويه، وقول ابن الحاجب في مختصره: "الأصلي وقول مالك والأظهر أنها مثل ثم إنما قاله في المدخل بها، يعني تقع الثلاث ولا ينوى في التأكيد لا أنها بمعنى ثم" إن أراد أنه قاله في المدونة فليس كذلك، إنما قاله ابن القاسم حسبما مر في لفظ البرادعي، وإن أراد أنه قال في غير المدونة فهو في عهدته ولا أعرفه، وقوله إنما قاله في المدخول بها ليس كذلك حسبما بيناه.
وفيها: من طلق زوجته فقيل له ما صنعت قال هي طالق، وقال إنما أردت إخباره بالتطليقة التي طلقتها؛ قبل قوله.
الصقلي: ويحل، وحكى عن بعض شيوخنا إنما يحلف إن تقدمت له فيها طلقة.
قُلتُ: وهو قول ابن محرز قال: ليملك رجعتها الآن، وقال عياض: إنما ذلك إذا أراد رجعتها وحيث يحب حلفه.
قال عبد الحق: إن أبي فلا رجعة وعليه نفقتها في عدتها لإقراره إلا أن يقر أنها الثالثة أو يوقعها.
ابن شاس: إن لم تكن له نية ففي لزوم طلقة أو طلقتين قولا المتأخرين.

الجزء: 4 - الصفحة: 188

قُلتُ: الأول هو قول اللخمي لو علم عدم نيته لم يكن عليه غير تطليقة؛ لأن بساط سؤاله يدل على أنه خر عما فعل، وقال مالك فيمن طلق امرأته فسئل عنها فقال ما بيني وبينها عمل لا شيء عليه ويحلف ما أراد طلاقاً.
قُلتُ: في حلفه في هذا بعدٌ.
ابن محرز: لو أجاب بطلقتها لم يحلف.
عياض: ولو لم ينو إعلامه؛ لأنه خبر عما فعل.
وروى محمد من أشهد رجلاً أن امرأته طالق ثم آخر كذلك ثم آخر كذلك، وقال أردت واحدة دين وحلف.
الصقلي: يمين هذا أبين، عياض: قولهم هذه أبين من الأولى ليس كذلك؛ بل القرينة هنا تكثير الشهود وهو في الثاني أعذر منه في الثالث، وكذا لو أشهد أولاً شاهدين فهو سواء خلاف تفريق بعضهم لاستغنائه بشاهدين لا وجه له؛ لأن تكثير الشهود يقصده الناس.
وسمع القرينان من حلف بطلاق لا كلم فلاناً، ثم حلف كذلك بعد أيام ثم حلف كذلك بعد أيام ثم كلمه وقال: إنما أردت واحدة رددها ليعلمها ويهددها حلف ولزمته طلقة واحدة.
ابن بشير: يريد أنه طولب باليمين هو مقر بها لذا وجب حلفه، ولو أتى مستفتياً غير مخاصم لم تلزمه يمين وهو معنى ما في المدونة؛ لأن طلاق الرجل امرأته وحلفه به في مجالس شتى وأيام مفترقة إن أتى فيه مستفتياً غير مخاصم ولا مطلوب نوي دون يمين، وإن طولب بذلك وخوصم فيه وهو مقر نوي مع يمينه عل ما تأولنا قوله في هذا السماع، وإن قامت عليه البنية فأقر ولم ينكر، ففي لغو تنويته لحضوره البينة قولان لسماع عيسى ابن القاسم في الشهادات مع قول ربيعة في الأيمان بالطلاق منها أن الشهادات في الطلاق لا تلفق إن اختلفت المجالس، وإسماعيل القاضي مع الآتي على قولها تلفق الشهادات على الطلاق، ولو اختلفت المجالس ومثله سماع عيسى منه، والخلاف عندي إنما هو في إذا شهدت كل بينة أنه قال أشهدكم أنها طالق، ولو قال أشهدكم أني طلقتها نوي قولاً واحداً يقوم ذلك من قول أصبغ في رسم حمل صبياً من سماع عيسى من الشهادات، وإن أنكر أنه طلق فلما شهدت عليه البينة قال أردت

الجزء: 4 - الصفحة: 189

واحدة لم ينو ولزمته الثلاث على المشهور، وتتخرج تنويته على ما في رسم الكبش من سماع يحيى من هذا الكتاب وعلى ما في كتاب التخيير في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، ورسم الطلاق من سماع أشهب ورسم الكبش من سماع يحيى.
قُلتُ: كلام ابن رُشد نص في تسوية الطلاق غير معلق عليه معلقاً في وقوعه في أوقات متعددة خلاف ما تقدم للشيخ عن الموازية، وهو ظاهر أقوالهم في مسألة من طلق فقيل له ما صنعت وما ذكر معها.
ابن شاس: في أنت طالق طلقة مع طلقة أو معها طلقة أو تحت طلقة أو فوق طلقة طلقتان قبل البناء أو بعد، ولو قال لمدخول بها أنت طالق طلقة قبل طلقة أو قبلها طلقة أو بعد طلقة أو يعدها طلقة لزمته طلقتان، وقبله القرافي، ومفهومه أنه قبل البناء ليس كذلك والأظهر أنه كذلك.
الشيخ عن ابن سحنون عنه: في أنت طالق واحدةً في واحدةٍ، واحدةٌ، وفي اثنتين في اثنتين أربعة تبين منها بثلاث وكذا بقية هذا المعنى.
قُلتُ: هذا إن كان عالماً بالحساب أو قصده وهو لم يعلمه وإلا فهو ما نوى إن كان مستفتياً أو علم من قرائن الأحوال عدم قصده معنى الضرب كقول من علم جهله من البادية أنت طالق طلقتين في طلقتين وقال أردت طلقتين فقط.
وفي الذخيرة: حكى صاحب كتاب مجالس العلماء أن الرشيد كتب إلى قاضيه أبي يوسف هذه الأبيات: **** **** **** ... **** **** أشام **** **** **** ... **** **** وأظلم **** **** **** ... **** **** الثلاث مقدم

وقال له: إن نصت ثلاثاً كم يلزمه، وإن رفعته كم يلزمه فأشكل عليه فحملها للكسائي فقال له يلزمه في الرفع واحدة وفي النصب ثلاثة، يعني أن الرفع يقتضي أنه خبر عن المبتدأ الذي هو الطلاق الثاني ويكون منقطعاً عن الأول فلم يبق إلا قوله أنت

الجزء: 4 - الصفحة: 190

طالق فيلزمه واحدة وبالنصب يكون تمييزاً لقوله: (فأنت طلاق) فيلزمه الثلاث، زاد في القواعد: إن قلت إن نصت أمكن كونه تمييزاً عن الأول كما قلت، وأمكن كونه منصوباً على الحال من الثاني أي الطلاق معزوم عليه في حال كونه ثلاثاً أو تمييزاً له فلم خصصته بالأول؟ قُلتُ: الطلاق الأول منكر يحتمل بحسب تنكيره جميع مراتب الجنس وأعداده وأنواعه دون تنصيص على شيء من ذلك، فاحتاج للتمييز ليحصل المراد من المنكر المجهول، وأما الثاني فمعرفة استغنى بتعريفه واستغراقه الناشئ عن لام التعريف عن البيان.
قال: ويحكى أن الرشيد أثابه على جوابه بجائزة حفيلة، فبعث أبو يوسف بجميعها للكسائي.
وفيها لابن القاسم: من طلق بعض طلقة لزمته طلقة.
ابن شهاب: ويوجع ضرباً، وفي آخر التخيير منها عنه من قال أنت سائبة أو مني عتيقة أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام وأراد به الطلاق كان ما أراد من الطلاق ويحلف على ذلك، وينكل من قال مثل هذا عقوبة موجعة؛ لأنه ليس على نفسه وعلى حكام المسلمين.
قال ابن عبد السلام: اختلف العلماء في ذلك منم من كمل عليه التجزئة إما احتياطاً؛ وإما لأنه رآه هازلاً، ومنهم من لم يلزمه ذلك وهذا القول خارج المذهب وكأنه أجرى على مهيع الدليل لعدم استلزام الجزء الكل.
قُلتُ: قوله: (منهم من لم يلزمه ذلك) يقتضي عدم شذوذ قائله، وقال ابن المنذر: اجمع كل من يحز فظ عنه من أهل العلم أن من طلق زوجته نصف تطليقة أو سدس تطليقة أنها تطليقة واحدة، وقال ابن القصار في عيون الأدلة: حكى عن داود أن من قال لزوجته أنت طالق نصف تطليقة لا يقع عليه شيء والفقهاء على خلافه.
قُلتُ: وتقرر في أصول الفقه أن ندور المخالف مع كثرة المجمعين لا يقدح في كون إجماعهم حجة، ومثل هذا لا ينبغي أن ينقل بتلك العبارة واستلاله على ترجيحه بعدم استلزام الجزء الكل، يرد بأنه ليس منه؛ بل من باب إبطال الكل بإبطال جزئه، وهذا؛ لأن الطلقة إنما هي عبارة عن بطلان جزء حكمي من العصمة المجزأة ثلاثة

الجزء: 4 - الصفحة: 191

أجزاء للحر وجزأين للعبد عندنا، فمن طلق بعض طلقة أبطل بعض ذلك الجزء وبطلان الجزء يبطل لكل ضرورة.
ابن شاس: في أنت طالق نصفي طلقة أو نصف طلقتين طلقة واحدة، وفي ثلث وربع وسدس طلقةٍ طلقةٌ واحدة، وفي ثلث طلقة وربع طلقة وسدس طلقة ثلاثٌ، وقول ابن الحاجب: قالوا في نصف وربع طلقةٍ طلقةٌ واحدة، وفي نصف طلقة وربع طلقة وطلقتان استشكال منه، والأظهر عوده للأولى لجريان الثانية على أصل تكميل الطلقة، وتقرير إشكال الأولى أن تقرير لفظها أنت طالق نصف وربع طلقة، فنصف مضاف قطعاً في النية والمنوي مع اللفظ كالملفوظ به فساوت الأولى الثانية، فافتراقهما في الحكم مشكل، وجوابه على أصلين في الفقه والعربية واضح، أما الفقهي فهو لو قال لها أنت طالق نصف طلقة وربعها لم يلزمه إلا طلقة واحدة لإضافته الجزأين لطلقة واحدة لا يزيد مجموعهما عليها كما مر في نصفي طلقة، وأما أصل العربية فهو قول جمهور النحويين: أن المضاف إليه إذا حذف فلا بد من تنوين المضاف إلا أن يكون المضاف بعد الحذف على هيئته قبل الحذف، كقولهم قطع الله يد ورجل من قاله.
قالا التقدير قطع الله يد من قاله ورجله فحذف الضمير وأقحم المضاف بين المضاف والمضاف إليه، وحذف التنوين من يد لإضافته إلى من، وحذف من رجل؛ لأنه مضاف إلى من في المعنى وبمنزلة المضاف إليه في اللفظ، وهذا الأصل يوجب تقدير تركيب لفظ المسألة أنت طالق نصف طلقة وربعها، وقد قررنا أن اللازم في هذا اللفظ طلقة واحدة فقط، وقوله قالوا يقتضي عزوه لغير واحد، ولا أعرفه نصاً لواحد لكن أصول المذهب بما قررناه تقتضيه، وقول ابن عبد السلام في أنت طالق طلقة وربع الطلقة طلقة واحدة حسن جار على ما قررناه.
وفي كون تعدد الطلاق بنصف طلقة وربع طلقة كتعدده بتكرير لفظه اعتباراً بلازم اللفظ فيلحقه حكم دعوى نية التأكيد وامتناعه اعتباراً باختلاف اللفظ نظر، ويتخرج ذلك على قولي ابن القاسم وأشهب في عتقها فيمن حلف بحرية أمة لتفعلن كذا فأبت فتلوم لها الحاكم أجلاً لفعلها فات فيه قبل فعلها ولم تفعل في عتقها عليه قولاهما بناء على لغو لازم لفظه واعتباره والعكس.

الجزء: 4 - الصفحة: 192

الشيخ: عن ابن سحنون عنه: في أنت طالق الطلاق كله إلا نصفه طلقتان، وكذا ثلاثاً إلا نصفها، وفي أنت طالق الطلاق كله إلا نصف الطلاق يلزمه الثلاث؛ لأن الطلاق المبهم واحدة فاستثناؤه نصفه لا ينفعه.
قُلتُ: إن قيل إن نوى بأل الجنس أو مطلق الحقيقة فواضح، وإلا فالأولى كونها للعهد في اللفظ فيصير كقوله إلا نصفه.
قُلتُ: إنما أولوية ذلك لو كان الأول نكرة، أما المعرفة فإرادة معنى المعهد فيها لفظة الضمير لا أل.
الشيخ عن سحنون عنه لو قال لأربع نسوة بينكن طلقة أو قال طلقتان أو قال ثلاث أو قال أربع لزمت لكل واحدة طلقة.
وفيها لابن القاسم: وإن قال خمسة إلى ثمان طلقن اثنين اثنين، وإن قال تسع إلى ما فوق ذلك طلقن ثلاثاً ثلاثاً.
ابن سحنون عنه: لو قال شركت بينكن في ثلاث لزم كل واحدة ثلاث وفي طلقتين طلقتين، وقول ابن عبد السلام أشار بعض المؤلفين أن في مسألة التشريك قولاً مثل قول مسألة بينكن، فإن كان القول نصاً فلا كلام، وإن أراد أنه يتخرج من الأولى في الثانية فقد نص سحنون على التفرقة بينهما، والفرق أنه في الأولى إنما ألزم نفسه ما توجبه القسمة ولم يلزم نفيه قبل القسمة شيئاً، وفي الثانية ألزم نفسه ما نطق به من الشركة، وذلك يوجب لكل واحدة منهن جزءاً من كل طلقة لا أعرفه، ونص المجتهد على حكمين مختلفين في صورتين متحدتي العلة فيهما لا يمنع تخريج قول إحداهما في الأخرى، وقد تقدم مثله في غير موضع، وقاله ابن رُشد غير مرة.
فإن قلت: لا فرق بين مسمى شرك وبين مسمى بين لتلازمهما صدقاً وكذباً لو كان لزيد عبد ولعمرو عبد كذب قولهما بينهما وشركة بينهما، ولو ورثاهما من عمهما مثلاً وأحدهما أخو أحدهما لأمه والآخر لأبيه صدق كونها بينهما وشركة بينهما.
قُلتُ: إنما تلازماً فيما يملكه من أضيف إليه بين كما في المثالين، وأما فيما ليس كذلك من المؤلم وما نزل منزلته فلا، كقول السيد لعبديه بينكما سوطان أو قطعان هذا يصدق فيه بين دون الشركة وللطلاق حكم المؤلم ولذا شطر كالحد، فإذا نض معه على

الجزء: 4 - الصفحة: 193

الشركة جاز كقوله بينكما طلقة، ولعل ما ذكره إنما هو على العكس وهو وجود قول في بينكن مثل القول في شركت بينكن.
نقله ابن رُشد في الثانية من نوازل أصبغ وعلله بقوله؛ لأن كل واحدة منهن حصل لها جزء من كل طلقة.
قال: وهذا الاختلاف على اختلافهم فيمن صرف دنانير بدراهم فوجد في الدراهم زائفاً هل ينتقض صرف الدنانير كلها أو صرف دينار فقط، ولم يذكر في مسألة لفظ التشريك خلافاً، وفي نوازل أصبغ: من قال لإحدى نسائه الثلاث أنت طالق ثلاثاً البتة ثم للأخرى أنت شريكتها ثم للثالثة أنت شريكتهما هن طوالق البتة، لا ينفعه قوله: ثلاثاً؛ لأنها لغو مع البتة قدمت أو أخرت والبتة لا تتبعض، ولو قال ثلاثاً فقط وقع على الأولى الثلاث، وعلى الثانية طلقتان، وعلى الثالثة ثلاث من شركة الأولى طلقتان ومن الثانية طلقة، وقول أصبغ نص في عدم تبعيض البتة وأنها مرادفة أنت طالق بآخرة الثلاث، وفي تبعيضها نقل البيان عن أشهب مع سحنون، وقولها: تضم الشهادة بت للشهادة بواحدة وأصبغ مع ابن حبيب عن ابن القاسم ورواية المبسوطة ومثله في الموازية وفي اختصار المبسوطة اختلف فيه قول ابن القاسم وقول سحنون، وطلاق جزء المرأة ككلها، ابن حارث: يدها ورجلها ككلها اتفاقاً، وفي كلامك أو شعرك طالق قولا أصبغ وسحنون، وتقدم الخلاف في تحريمهما.
ابن عبد السلام: قال بعضهم اختلف عندنا إن طلق بعض ما ينفصل كالشعر والكلام والسعال والبزاق.
قال ابن عبد السلام: ولم أقف في السعال للمتقدمين إلا على عدم اللزوم.
قُلتُ: ظاهر ما تقدم من استدلال محمد وابن عبد الحكم على لغو تحريم الشعر والكلام بلغو تحريم السعال والبزاق الاتفاق على لغوهما، ولابن القصار ما نصه لا أعرف في الدمع والدم والريق نصاً.
قال: ورأيت بعض أصحابنا قد ركبه وخالف إذا قال حملك طالق؛ لأنه في وعاء ليس متصلاً اتصال الخلقة.

الجزء: 4 - الصفحة: 194

باب شرط الاستثناء في الطلاق

الاستثناء: شرطه الاتصال كما مر في الأيمان وعدم استغراقه في الموازية في طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ثلاث، وفي المحصول وغيره الإجماع على فساده.
القرافي: لابن طلحة في أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً قولان أحدهما ينفعه استثناؤه.
ترجمة ابن طلحة: قلت: قال الشيخ حافظ أبو العباس العشاب: ابن طلحة هو محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك الأموي يكنى أبا بكر كان نحوياً جامعاً لعلوم، أخذ النحو عن ابن ملكون، والحديث عن أبي بكر ابن الحد أبي القاسم السهيلي، له شرح جمل الزجاجي، وكان عارفاً بالقراءات دينا فاضلاً، ولد بيابرت في الخامس عشر من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وتوفي بإشبيلية سنة ثماني عشرة وستمائة.
اللخمي: شرطه نيته قبل تمام اليمين فإن كان مستفتياً صح في المستغرق فلا يلزمه في أنت طالق واحدة إلا واحدة شيء إن قال نويته في محل لو سكت لم يلزمه شيء؛ لأنه طلاق بلفظ دون نية، فإن كانت عليه بينة تخرج على أنت طالق إن شاء هذا الحجر، وفي جواز استثناء الأكثر معروف المذهب مع القاضي عن الجمهور، ونقل اللخمي في طالق ثلاثاً إلا اثنتين تلزمه الثلاث، ونقل القاضي منعه، ونقل غير واحد عن عبد الملك في الإقرار، وفي جواز المساوي كطلاق اثنتين إلا واحدة معروف المذهب وقول اللخمي يختلف فيه، وغالب قوله يختلف فيما خالفه مخرج، ولم يعين ما منه التخريج، ونحوه قول ابن شاس وابن الحاجب لا يشترط الأقل على المنصوص.
الشيخ عن ابن عبدوس وابن سحنون عنه في أنت طالق أنت طالق أنت طالق إلا واحدة إلا واحدة إن نوى بالتكرير التأكيد لزمته واحدة، كقوله واحدة إلا واحدة، وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 195

لم يرده هي ثلاث استثنى منها واحدة، ولو قال أنت طالق ثم أنت طالق ثم أنت طالق إلا واحدة أو بالواو بدل ثم، فقال مرة هو كاستثناء واحدة من ثلاث، وقال هي ثلاث ولا استثناء له وثم أبين من نسقه بالواو.
قُلتُ: هما بناء على اعتبار مدلول المعطوف وما عطف عليه من حيث مجموعهما كمدلول عليه بلفظ واحد أو من حيث انفراد كل منهما واختصاصه بلفظه، وظاهره لا اعتبار بنية رده للجميع أو أو لبعضه، فقول ابن الحاجب بعد ذكره عدم استغراقه وعدم شرط الأقل، ولذلك لو قال أنت طالق واحدة واثنين إلا اثنين، فإن كان من الجميع فطلقة وإلا فثلاث، يرد بأنه وإن كان من الجميع فلا يلزم لغو ما زاد على الواحدة لجواز اعتبارها بالحيثية الثانية، وفي ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة.
قال ابن شاس ثنتان وابن الحاجب الأولى واحدة.
قُلتُ: وهو الحق بناء على اعتبار الاستثناء الأول بعد الاستثناء منه كالقول باعتبار اللفظ بتمام حكمه وتقرره لا بتمام نطقه حسبما ذكره ابن رُشد في بيانه، وتعليل ابن شاس بقوله؛ لأنه أخرجه عن الاستغراق بقوله إلا واحدة ينتج له العكس؛ لأن مخرجه عن الاستغراق إخراج واحدة منه فيصير كونه ثلاثاً إلا اثنين، ولو قال لوجوب رد الثاني لتعلق الأول لبطلان تعلقه لاستغراقه أمكن اعتباره.
وصور المازري المسألة في الإقرار بقوله ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين، وقال: إنما يلزمه طلقه، وعلله أولاً بقوله الأصل مضادة الاستثناء لمقابله، فقوله إلا ثلاثاً نقي للثلاث، وقوله إلا اثنتين نفي من الثلاث التي قبلها.
قُلتُ: وهذا إنما ينتج لزوم اثنتين؛ لأن قوله إلا اثنتين نفي من الثلاث التي قبلها، والثلاث التي قبلها مقتضاها النفي؛ لأن الأولى مثبتة، وقد قال: الاستثناء مضاد لما قبله ومضاد الإثبات النفي، فإذا ثبت أن مقتضى ثلاث الثانية النفي كان مقتضى قوله إلا اثنتين إثباتاً فتلزم اثنتان لا واحدة، وعلله ثانياً بقوله الاستثناء الأول ساقط، والساقط كأنه لم ينطق به فكأنه قال ثلاثاً إلا اثنتين، وقال بعضهم تلزمه الثلاث؛ لأن قوله إلا ثلاثاً ساقط لاستغراقه، وقوله إلا اثنتين كذلك لتعلقه به والمتعلق بالساقط ساقط.
وقال بعضهم: تلزمه طلقتان؛ لأن إلا ثلاثاً إنما يسقط إذا اقتصر عليه، وهنا لم يقتصر

الجزء: 4 - الصفحة: 196

عليه؛ لأن قوله إلا اثنتين يرفع استغراقه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات.
قُلتُ: هذا هو تعليل ابن شاس في المسألة الأولى فلعله وهم في فرضها بقوله إلا واحدة، وقول ابن عبد السلام بعد اختياره في المسألة الأولى لزوم الثلاث، وبعد أن كتبت هذا وجدت للمازري في كتاب الإقرار نقل عن العلماء في هذه المسألة ثلاثة مسالك، مسلكان مثل ما ذكر المؤلف وثالث مثل ما اخترناه وهم؛ لأن المسألة التي ذكر المازري إنما هي طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا اثنتين.
ابن شاس: وفي طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة طلقتان.
قُلتُ: في النوادر رأيت للقاسم بن سلام مسألة على أصولنا فذكرها، وسمع عبد الملك أشهب في أنت طالق البتة إلا واحدة هي اثنتان.
ابن رُشد: هذا على أنها تتبعض وتقدم ما فيه، ولو استثنى من أكثر من ثلاث ففي إجرائه على ظاهره ما لم يعارضه عرف فيجب، وقصره على ثلاث للغو الزائد عليها شرعاً وكذا في المستثنى، ثالث الطرق لغوه في المستثنى منه ما لم يكن المستثنى أقل من ثلاث، لابن رُشد وسحنون والمازري في نازلة لسحنون في أنت طالق أربعاً إلا ثلاثاً ثلاث كأنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً؛ لأنه يعد نادماً، وكذا طالق مائة إلا تسعة وتسعين هي البتة؛ لأن الثلاث دخلت في العدة التي استثنى.
ابن رُشد: طالق أربعاً إلا ثلاثاً استثناء لأكثر الجملة.
قيل: بمنعه والصحيح جوازه، وعليه في قوله أربعاً إلا ثلاثاً تلزم واحدة، ويحتمل أن يلزم عليه ثلاث؛ لأن استثناء الأكثر وإن جاز لغة فليس بمستعمل عرفاً، وإذا لم يستعمل عرفاً حمل قائله على عدم إرادته؛ بل على الندم وعلى منع استثناء الأكثر تلزمه الثلاث، هذا إجراء المسألة على الأصول ولم يقله سحنون ونحا لجعل الزائد على الثلاث كالعدم للغوه شرعاً وهو بين من قوله: لأن الثلاث دخلت في العدة التي استثنى، فعلى قوله لو قال طالق مائة إلا طلقة كانت اثنتين؛ لأن الطلقة المستثناة على مذهبه إنما تقع مستثناة من الثلاث، إذ قوله مائة عنده كقوله ثلاث، والأظهر على مذهب ابن القاسم وغيره أن تكن ثلاثاً، ويجهل الطلقة التي استثنى مستثناة من المائة التي سمى فتبقى تسعة وتسعون يلزمه منها ثلاث.

الجزء: 4 - الصفحة: 197

المازري: من قال أنت طالق أربعة إلا ثلاثاً لزمه ثلاث؛ لأن الرابعة كالعدم للغوها شرعاً فصار كالقائل ثلاثاً إلا ثلاثاً، ولو قال مائة إلا طلقتين لزمه ثلاث، وقد تتصور على ما قلناه أنه لا يلزمه إلا طلقة كالقائل ثلاثاً إلا اثنتين، لكن هذا لما أبقى بعد استثنائه ثلاثاً أخذ بها، ولو قال ستاً إلا ثلاثاً لزمه ثلاث على الطريقين معاً إن اعتبر ما أبقى فقد أبقى ثلاثاً، وإن روعي كون الست كالثلاث صار كقوله ثلاثاً إلا ثلاثاً.
[**** الطلاق **** على **** المختلف في حنثه] **** **** **** لو حلف به على فعل مرتب على فرض ماض لم يقع ففي

الجزء: 4 - الصفحة: 198

حنثه، ثالثها: إن كان فعله ممنوعاً لابن رُشد عن أصبغ مع نقله عن أشهب في اختصار المبسوطة وسماع ابن القاسم ورواية ابن الماجشون مع دليل قولها لو كنت حاضراً لشرك مع أخي لفقأت عينك حنث؛ لأنه حلف على ما لا يبر فيه ولا في مثله، فسماع ابن القاسم من قال لمن نازعه وجبذ ثوبه لا تشقه امرأته طالق البتة إن لم يكن لو إنك شققته لشققت جوفك ثم كرره بقوله لشققت كبدك إلا أن لا أقدر عليك لا شيء عليه إلا أن يشق الثوب.
سحنون: هذه جيدة رد إليها ما يشبهها، واختلف في مثل هذا قوله خلاف قوله في المدونة إذ لا فرق بين المسألتين، وإليه نحا قول سحنون ودل عليه أيضاً قول ابن القاسم في التفسير الثالث: أنه حانث في المسألتين معاً، وقول ابن لبابة المسألتين مفترقتان ليس بصحيح إذ لا فرق بين حلفه على فقء عينه أو شق كبده أو شق ثوبه، وذكر القرافي عن الصقلي قول أصبغ وقول مالك وابن القاسم إن أمكن الفعل شرعاً لم يحنث وإلا حنث، وفي الجواهر: أن شرطه بممكن عادة أو شرعاً حنث عند ابن القاسم ومالك لا عند عبد الملك، وبممتنع عادة وشرعاً وأراد حقيقة الفعل حنث، وإن أراد المبالغة لم يحنث، فنقل عن ابن القاسم خلاف نقل الصقلي وخلاف ظاهر الكتاب، فيحتمل أن يكون سهواً أو ظفر بنقل غريب وترك الجادة، وعلى التقدير فهو ردئ،

الجزء: 4 - الصفحة: 199

وما قاله من إلزام الحنث مع الإمكان، المناسب عكسه.
قُلتُ: وقول أصبغ: "لو حلف لغريمه: لو جئتني أمس لقضيتك حقك فهو حانث؛ لأنه غيب لا يدري أكان فاعلاً أم لا"، نص في خلاف نقل ابن عبد السلام عن بعض المتأخرين أنه لو حلف على واجب عليه لم يحنث اتفاقاً ولا أعرفه إلا من نقله، وقول ابن الحاجب فيما يأتي في إن صليت، ورده بان مقتضى حنثه عند ابن القاسم إنما هو حصول الشك في العصمة قبول منه لنقل ابن الحاجب عن ابن القاسم التحنيث في الممكن خلاف تعقب القرافي إياه، هذا إن أراد بأقل الاتفاق الوجوب الشرعي، ولو أراد العادي لصح الاتفاق فيما أظن كقوله امرأته طالق لو لقيني أمس أسد دون سلاح لي لفررت منه.
وهو مقتضى نص ابن بشير قال: في لو كنت حاضراً لفقأت عينك، الرواية حنثه؛ لأنه حلف على ما لم يبر فيه، ولو كان يعلم أنه يقدر على ذلك فينبغي أن لا حنث عليه، وكذا إن قصد المبالغة لا فقئ العين.
قُلتُ: في اقتصاره على أنه يعلم قدرته عليه نظر إذ ليس كل مقدور عليه فيما مضى يعلم بإرادة فاعله بالفرض فعله؛ بل الشك فيه قائم لجواز مانع أو تبدل إرادته حينئذ، وكذا إن قصد المبالغة فالاحتمال قائم؛ لأن ما به المبالغة وإن كان مقدوراً عادة فوقوعه منه في الماضي مشكوك فيه؛ بل الحق في صورة الاتفاق ما فرضناه.
ولو علقه على محال كإن شاء هذا الحجر ففي لزومه طلاقها نقل اللخمي عن سحنون وابن القاسم، ونقلهما الصقلي عن القاضي روايتين، وللشيخ عن ابن القاسم مرة كسحنون.
اللخمي: وعليهما قوله إن هذا الحجر، ولمحمد عن أصبغ من قال في منازعة امرأته أنت طالق أن هذا لعمود، هي طالق إن لم تكن منازعتهما في العمود.
اللخمي: أرى أن يحل في جميع ذلك ويبرأ إن قامت عليه بينة، وإن جاء مستفتياً فلا يمين عليه إلا أن تدعي الزوجة ندمه فيحل، وجعل ابن الحاجب: أنت طالق إن شاء زيد فمات كإن شاء هذا الحجر لا أعرفه؛ بل قول اللخمي: إن مات قبل أن يعلم أو بعد أن علم، وقبل أن يقضي أو يعلم هل قضي بشيء أم لا بقيت زوجة.

الجزء: 4 - الصفحة: 200

قُلتُ: هو ظاهر عتقها الأول من قال أنت طالق إن شئت أو شاء فلان لم تطلق حتى ينظر إلى ما تشاء أو ما يشاء فلان.

باب فيما ينجز فيه الطلاق المعلق

ونصها في الإيمان بالطلاق والمذهب تعليقه بأجل يبلغانه عادة ينجزه وإلا فلا.
سمع عيسى ابن القاسم من طلق إل أجل يعلم أنه لا يبلغه عمر احدٍ كقوله مائة سنة لا شيء عليه.
ابن رُشد: اتفاقاً والحد فيه بلوغ أجل التعمير على اختلاف فيه من السبعين إل مائة وعشرين.
وفيها: إن أتى أجل طلاقها بعد أن طلقها لم تطلق عليه؛ لأنه عجل.
وفيها: من قال إذا مات فلان فأنت طالق لزمه الطلاق مكانه.
وفي الواضحة عن مطرف وأصبغ في أنت طالق إذا خسفت الشمس أو أمطرت السماء لزمه الطلاق بكلامه؛ لأنه أجل آت.
ابن حارث: إن قال أنت طالق إلى مستهل الهلال أو إلى وقت يأتي على كل حال فهي طالق وقت قوله اتفاقاً.
وسمع ابن القاسم في العدة: أن ناساً اختلفوا فيمن طلق إلى أجل سماه وأن عطاء كان يقول ذلك، فقال: مالك لا قول له ولا لغيره هذه المدينة دار النبي (صلى الله عليه وسلم)، ودار الهجرة فما ذكروا أن المطلق إلى أجل متمتع بامرأته إلى ذلك الأجل فإنا لم ندرك أحداً من علماء الناس قاله، وهذا شبه المتعة.
ابن رُشد: قياسه ذلك على المتعة صحيح، واستدلاله بأنه الذي عليه أهل المدينة دليل على أن إجماعهم عنده حجة فيما طريقه الاجتهاد، والذي عليه أهل التحقيق أن إجماعهم إنما هو حجة فيما طريقه التوقيف، وأن الغالب منه أنه عن توقيف كنفي زكاة

الجزء: 4 - الصفحة: 201

الخضروات، والأذان، وذكر ابن رُشد الاتفاق على أن لا شيء عليه في أجل لا يبلغانه خلاف نقل ابن فتون والمتيطي في ذلك روايتين إحداهما لزوم الطلاق في الحال.
وفي وقوع الطلاق بقوله: أنت طالق قبل موتي أو موتك بشهر، المشهور وقول أشهب، ابن رُشد والشيح هو على أصله في العتق إلى مثل هذا أنه من الثلث إذ لا يكشفه إلا موته.
ولو علقه بما لا صبر عنه من أكل أو شرب أو قيام أو قعود أو لباس، ففي وقوعه كمحقق وتأخيره لوقوعه قولاً اللخمي مع الصقلي عياض عن الأكثر وابن محرز قائلاً: الأول طريقة سحنون لقوله في أنت طالق إذا صليت أو متى صليت هو طلاق إلى أجل؛ لأن الصلاة لا بد منها.
قال: وظاهره ما قلته؛ لأنها أفعال معلقة بمشيئة آدمي يوجب قصر الحنث على فعلها بخلاف الحيض، وثالث قول ابن الحاجب ثالثها: إن أسندها إلى غيره، وقبوله ابن عبد السلام لا أعرفه.
وسمع عيسى ابن القاسم قول أنت طالق بعد موتي أو موتك لا شيء فيه، ولو قال يوم أموت أو يوم تموتين فهي طالق الساعة.
في البيان لأشهب: لا حنث عليه على أصله في اختصار المبسوطة لابن رُشد، وقاله ابن نافع، وظاهر ما في المدبر منها مثل قولها.
وفيها: لغو أنت طالق إذا مت أنا وأنت، ونقله اللخمي في: إن.
قال: وكذا إذا، وروى ابن وهب أنها تطلق عليه ورأى أن الطلاق يسبق الموت ويلزم مثله في إن.
قُلتُ: يرد بأن إن حرف لا تدل على زمان فاختصت بوقوع الموت عملاً بالشرط، وإذا اسم تدل على زمان الموت الصادق على ما قاربه قبله فصار كقوله يوم يموت.
وفي النوادر عن الموازية: أنت طالق إن مت أو إذا مت سواء، ووقف ابن القاسم في إن مت.
قال أصبغ: هما سواء، وقاله مالك وابن القاسم، محملهما واحد إلا أن يعلم ببساط يعرف أنه لا يحنث لا أعرفه إلا في قولها إن قال لها أنت طالق إن شئت أو إذا شئت

الجزء: 4 - الصفحة: 202

فذلك بيدها وإن افترقا، حتى توقف أو يتلذذ منها طائعة وكانت "إذا" عند مالك أشد من "إن"، ثم سوى بينهما.
وسمع عيسى ابن القاسم من قال لامرأته إذا قدمت بلد كذا فأنت طالق فهي بمنزلتها؛ لأنه ضرب أجلاً لا يدري أيبلغه أم لا، وليس كم قال أنت طالق يوم يموت أخي.
ابن رُشد في أول سماع زونان عن أبي القاسم، من قال لامرأته إذا بلغت معي موضع كذا فأنت طالق هي طالق تلك الساعة، كمن قال لامرأته وهي حامل إذا وضعت فأنت طالق فقال ابن لبابة ليس باختلاف، ومعنى رواية عيسى إذا لم يخرج ولا عزم على المسير، والصواب أنه اختلاف من قوله لرواية عيسى عنه في المدنية لا يقع عليه طلاق، وإن خرج متوجهاً حتى يقدم الموضع، وله في رسم يدير من سماع عيسى في العتق من قال لعبده إذا بلغت الإسكندرية فأنت حر، ثم بدا له في الخروج أنه حر إلى ذلك القدر الذي يبلغ، وإن لم يخرج، فيتحصل فيها ثلاثة أقوال، تعجيل الطلاق وإن لم يخرج لظاهر قول ابن القاسم في سماع زونان والآتي على سماع عيسى في العتق وتأخيره حتى يقدم البلد، وإن خرج، لابن القاسم في المدينة وظاهر قوله في هذا السماع، والفرق بين قوله ذلك قبل خروجه أو بعده لرواية زياد بن أبي جعفر في المدينة، وإليه ذهب ابن لبابة.

باب المختلف في تنجيزه من الطلاق المعلق

والمعلق على غالب الوجود كالحيض في تعجيله وتأخيره إليه نقلاً اللخمي مع غير واحد عن المشهور، وأشهب مع المخزومي وابن وهب وابن عبد الحكم، والشيخ عن روايته ولابن بشير وابن شاس، ثالثها: إن كان على حنث، وقول ابن عبد السلام تصوير الثالث في المسألة عسير حسن، ويمكن تصويره قوله إن كلمت فلاناً فأنت طالق إن حضت، وقوله إن لم تكلمي فلاناً فأنت طالق إن حضت، فكلمته في الأولى وتلوم لها في الثانية فلم تكلمه، وحكاه اللخمي عن أصبغ في المغيب حسبما يأتي.
وقول ابن عبد السلام قول بعضهم هذا في غير اليائسة والصغيرة، لو قال

الجزء: 4 - الصفحة: 203

لإحداهما: إذا حضت فأنت طالق، فلا خلاف أنها لا تطلق عليه حتى ترى الحيض، يرده بنقل الشيخ من الواضحة.
قال ابن الماجشون: من قال لزوجته ولم تحض إذا حضت فأنت طالق طلقت الآن، ولو كانت قعدت عن الحيض لم تطلق إلا أن تحيض؛ يريد: ويقول النساء أنه دم حيض.
اللخمي: عن مالك وابن القاسم يلزمه الطلاق مكانه حين تكلم بذلك، فأوقعا الطلاق بنفس اللفظ من غير حكم، وقيل في هذا الأصل لا يحنث بنفس اللفظ إلا أن يرفع للحاكم فيحكم عليه بالطلاق وهو أحسن للخلاف فيه، وعن ابن بشير الأول والثاني لغيرها.
وسمع عيسى ابن القاسم من قال لامرأته إن ولدت غلاماً فلك مائة دينار، وإن ولدت جارية فأنت طالق، الطلاق وقع عليه.
ابن رُشد: يريد أن الحكم يوجب أن يعجل عليه لا أنه وقع عليه بنفس اللفظ حتى لو مات أحدهما بعد ذلك لم يتوارثا، وهذا قول مالك فيها في نحو هذا.
قُلتُ: في النوادر عن الموازية لابن القاسم: من قال إذا ماتت ابنتك فأنت طالق، فمات لتمام لفظه قبل القضاء عليه دون مرض لم ترثه، وقاله ابن عبد الحكم.
قُلتُ: وهذا نص في خلاف ما حمل عليه ابن رُشد السماع المذكور، ويأتي مثله في التعليق على الحمل هو كله أصل واحد، ولو قال إذا حملت فأنت طالق وليست ظاهرة الحمل ففي وقوعه بتقدم وطئه في طهرها قبل حلفه أو بعده، ثالثها: له وطئها في كل طهر مرة ما لم يظهر حملها، ورابعها: له وطئها حتى يظهر لا بقيد مرة في الطهر، للخمي عن ابن القاسم في إذا حملت فوضعت فأنت طالق إن كان وطئها في ذلك الطهر فهي طالق مكانها، وابن القاسم أخرى وابن الماجشون وللصقلي عن أشهب، ولم يحك الصقلي عن ابن القاسم إلا قوله فيها إن كان وطئها في طهرها قبل قوله طلقت مكانها وإلا لم يمنع من وطئها مرة فتطلق عليه ونحوه لعياض، وخامسها قول اللخمي إن قال في طهر مس فيه لم يعجل طلاقها لإمكان عدم حملها، فإن ظهر حنث به؛ لأن العادة أنه إذا ظهر حمل قالوا حملت ولا يعتبرون ما كان قبل ذلك، وإن لم تكن عادة فإن كان حلفه دون أربعين يوماً من إصابته حنث بظهوره، وإلا لم يحنث لقوله ****: ((إن أحدكم يجمع

الجزء: 4 - الصفحة: 204

في بطن أمه أربعين يوماً ما نطفة ثم علقة مثل ذلك ...)) الحديث، وإن قاله وهي ظاهرة الحمل فللخمي لا تطلق إلا بحمل مستأنف، ونقله الصقلي والشيخ عن سحنون، ونقل ابن بشير في الأيمان والنذور أنها تطلق بحملها ذلك، ونقل ابن عبد السلام عن سحنون في غير ظاهرة الحمل له وطئها في كل طهر مرة قائلاً: وأظنه قول ابن الماجشون لا أعرفه إلا له لا لسحنون حسبما نقله الشيخ واللخمي والصقلي وغيرهم.
ابن الحاجب: وفيها يمكن من وطئها مرة ولا يحنث بحمل هي عليه.
فيها: إذا حملت فوضعت فأنت طالق، إن كان وطئها في ذلك الطهر مرة حنث مكانه ولا ينتظر أن تضع، فقيل: اختلاف، والصحيح إن كان وطئها بعد اليمين، وقيل: القصد هنا الوضع.
قُلتُ: قوله: (ولا يحنث بحمل هي عليه) إن ساقه على أنه من المدونة فليس منها، إنما عزاه الشيخ والصقلي وعبد الحق في تهذيبه لسحنون في المجموعة، وذكره اللخمي غير معزو كأنه المذهب حسبما مر، وإن ساقه لا على أنه منها فواضح، وهو ظاهر قوله بعده.
قُلتُ: وما ذكره من الاختلاف يحتمل رده لقوله إن كان وطئها في ذلك الطهر مرة حنث مع قوله لاه (لا يحنث بحمل هي عليه) لتناقضهما في الحنث بيمين سابق على اليمين؛ لأن اللفظ الأول ينفيه والثاني يثبته، وتقرير ما ذكره من الجوابين واضح إلا أن القائل بحمله على الخلاف لا أعرفه في غير اللفظين، وقد تقدم نقل ابن بشير في الأيمان والنذور، ويحتمل كونه مع قولها إنما يحنث بوطئها بعد حلفه فيكون الاختلاف في لغو تقدم وطئه إياها في ذلك الطهر قبل حلفه واعتباره؛ لأن اللفظ الأول يلغيه والثاني يثبته، وتقرير جوابيه ظاهر وحامله على الخلاف على هذا التفسير اللخمي حسبما مر، جواب الصقلي عن معارضة قولها هنا لقولها في العتق من قال لأمته إذا حملت فأنت

الجزء: 4 - الصفحة: 205

حرة وطئها في كل طهر مرة ما لم يثبت حملها بإجماع مالك وأصحابه على أن الطلاق إلى أجل لا يجوز، وأن العتق إلى أجل جائز؛ حسن، فإن رد نفس الوطء إن حكم له بحكم الحمل لزم وقوع المعلق فيهما ضرورة بالوطء وإلا فلا عملاً لاستصحاب الحال السالم عن المعارض، وإنما يتم الجواب أن لو كان المعلق فيهما إلى قوله عن المعارض، قلنا المعارض قائم في مسألة الطلاق دون العتق، وهذا لأن الوطء يوجب الشك في إباحة وطئها في ذلك الطهر ضرورة احتمال حملها منه، فوجب منعه وتأخيره لرفع الشك بالعلم المستفاد من حيضها بعده ومن عدمه، ووجوب تأخيره في الزوجة يوجب الطلاق لمنافاة التأخير حيلة النكاح لشبهه حينئذ بالمتعة، ووجوب تأخيره في الأمة لا يوجب عتقها لصحة العتق إلى أجل.
الشيخ: قال بعض أصحابنا إن تأخر حيضها بعد وطئه إياها في طهر مرة نظرها النساء، فإن أيقن أن لا حمل فله وطئها، فإن شككن منع حتى يرتفع الشك أن يوقن حملها، ولو قال لحامل إذا وضعت فأنت طالق ففي تعجيله وتأخيره لوضعها، قولها، ونقل محمد عن أشهب ومن معه في الحيض، وعليه لو وضعت ولداً وبقى آخر ففي وقوع طلاقها بوضعها الأول وتأخيره لوضعها الثاني.
نقل الشيخ روايتي محمد قائلاً: اختل فيها قول ابن القاسم ولم يحك اللخمي غير الثاني قائلاً المعروف من قوله حنثه بالأول، ولو قال أنت طالق لما حضت ففي وقوع الثلاث أو اثنتين، ثالثها: لا شيء عليه حتى تحيض فتقع طلقة ويرتجع، فإن حاضت ثانية وقعت الثانية وارتجع، فإن حاضت الثالثة بانت، لها، ولسحنون واللخمي مع الشيخ عن رواية محمد.
وفيها: في أنت طالق كلما حضت أو كلما جاء يوم أو شهر أسنة طلقت عليه الآن ثلاثاً ولم تعد يمينه إن نكحها بعد زوج لذهاب الملك الذي طلق فيه.
قال سحنون: بعضها صواب وبعضها خطأ.
أبو عمران: الصواب كلما جاء يوم وفي كلما جاء شهر قوله فيه أنها تطلق عليه الساعة، وينظر هل تذهب عدتها في الشهر أو في السنة؟ إن ذهبت لم يقع عليها طلاق

الجزء: 4 - الصفحة: 206

كقوله في أنت طالق كلما حضت، وقبله ابن عبد السلام كالصقلي.
قُلتُ: ينقض قبولهما إطلاقه بالحامل لجواز وضعها قبل اليوم الثاني أو الثالث، وقول ابن عبد السلام لو قال لها أنت طالق كلما حضت فلانة لعجلت عليه الثلاث على قول ابن القاسم وسحنون معاً؛ يرد بمنع كونه كذلك على مذهب سحنون؛ بل الصواب جريها على قوله في كلما جاء شهر أو سنة لاحتمال انقضاء عدة المطلقة قبل الحيضة الثانية للأجنبية كالشهر والسنة، ثم قال: مذهب سحنون مشكل؛ لأنه إن جعل الطلاق واقعاً حين التكلم بكلما حضت لزم منه صحة قول ابن القاسم، وإن جعل وقوع كل طلقة عند حيضتها التي علقت عليها لزم أيضاً صحة قول ابن القاسم؛ لأن الثالثة واقعة قبل تمام العدة؛ لأن الأولى يقدر وقوعها في الحيضة الأولى، والثانية في الحيضة الثانية ولم يمض إلا قرء واحد، والثالثة في الحيضة الثالثة ولم يمض إلا قرءان؛ لأن الأقراء الأطهار.
قال: فإن قلت: يقدر الأولى في الحيضة الأولى ويجعلها قبلها؛ لأن مذهبه أن الغالب كالمحقق.
قُلتُ: بهذا المعنى يجب تعجيل الثانية والثالثة.
قُلتُ: قوله: (بهذا المعنى يجب تعجيل الثالثة) وهم لأن الأولى والثانية إنما وجب تعجيلهما؛ لأنهما علقتا على ما يقارن عصمتها، وهي الحيضة الأولى والثانية فثبتتا لذلك فعجلتا لغلبية ما علقتا عليه المقارن لعصمتها، والطلقة الثالثة إنما علقت على ما يناقض عصمتها، وهو الحيضة الثالثة الكائنة بعد انقضاء عدتها المنافية لعصمتها فوجب سقوطها لانتفاء المحل، وما سقط في ذاته امتنع تعجيله، ومن فهم الفرق بين لزوم طلاق القائل أنت طالق قبل موتي بشهر وعدم لزومه في أنت طالق بعد موتي بشهر اتضح له ما قلناه، وتقدم في فصل طلاق السنة من هذا النوع فروع، وفي الأيمان والنذور لفظ معنى التكرار ويأتي ما يخالفه.
والمعلق: على نفس فعل غير غالب وجوده يمكن علمه لا يلزم إلا به، ففي ثاني عتقها كإيلائها وغيره من قال لزوجته أنت طالق إذا قدم فلان لا تطلق حتى يقدم وله وطئها، فإن قصد وقت الفعل وهو تنبع فكمعلق على وقت.

الجزء: 4 - الصفحة: 207

الشيخ لابن سحنون عنه في أنت طالق: إذا قدم فلان إن قصد حفل قدومه أجلاً كقوله إذا صدر الحاج طلقت الآن، وإن أراد أنه لا يقدم هذا البلد فقدم ميتاً فلا شيء عليه، وقول ابن الحاجب "إن كان محتملاً غير غالب لا يمكن الإطلاع عليه، فغن كان مثبتاً انتظر، ولم يتنجز إلا أن يكون واجباً مثل إن صليت فيتنجز، إلا أن يتحقق المؤجل قبل التنجيز"، نص في أن التنجيز لنفس الفعل لوجوبه، وهو وقبوله.
ابن عبد السلام: خلاف ظاهر الرواية في النوادر، وفي آخر باب الطلاق إلى أجل قال ابن سحنون عنه: لو قال أنت طالق إذا صليت أنت أو إذا صليت أنا فهو سواء، وتطلق الساعة؛ لأنه أجل آت لا بد من الصلاة.
قُلتُ: إنما عجله بمجموع كونه أجلاً، وكون الفعل غالباً، وهو المجموع خلاف ما جعله ابن الحاجب منه، وقوله إلا أن يتحقق المؤجل قبل التنجيز استثناء من المستثنى؛ أي: فلا يلزمه الطلاق وهو على حذف مضاف؛ أي: إلا أن يتحقق عدم المؤجل كقوله إن صليت الظهر في قامته اليوم فتمضي القامة دون صلاتها قبل تنجيز الطلاق، وهو بناء على وقف التنجيز على الحكم، وفي رفع ظهور مقتضى البر لزوم الطلاق خلاف مذكور في الحلف على مغيب مستقل.
قال ابن عبد السلام: يعني إلا أن يقول مثلاً إن صليت الظهر في هذه الساعة فامرأتي طالق فتقضي الساعة، ولم يصل فقد تحقق انتفاء ما علق عليه الطلاق قبل تنجيزه، وينبغي أن يكون هذا الأجل أقل من زمن صلاة الظهر المحلوف على فعلها إن كان أوسع من وقتها لم يتم هذا الحكم، وهو ظاهر كلام المؤلف في قوله قبل التنجيز.
قُلتُ: فيما قاله نظر؛ لأن كلام المؤلف مطلق في الأقل، وقوله: (وهو ظاهر كلام المؤلف) لا يخفى على منصف عدم ظهوره، واستدلاله بقوله: (قبل التنجيز) كونه على العكس أقرب، ومقتضى الأصول في قوله لها ولم يبق من القامة الأولى إلا قدر ركعة إن صليت الظهر في قامتها الأولى أداء كلها فأنت طالق أنه كقوله إن لمست أسماء فأنت طالق.
وفيها: إن قال لها أنت طالق بعد قدوم زيد بشهر طلقت عليه حين قدومه، ولو قال قبل قدومه بشهر بقي تعجيله وعدمه فيضرب له أجل الإيلاء فانقضى قبل قدومه

الجزء: 4 - الصفحة: 208

طلقت بالإيلاء، فإن قدم بعد انقضاء عدتها بأكثر من شهر لم يقع عليه به طلاق، وإن قدم قبل شهر من يوم طلقة الإيلاء أو من يوم انقضاء عدتها لزمته طلقة ثانية بما انكشف من وقوع طلقة عليه قبل طلقة الإيلاء، وبعدها قبل انقضاء عدتها، ولو ارتجع من طلقة الإيلاء ولم يأت لم يصح له الوطء، فإن لم يأت حتى انقضت عدتها بطلت رجعته، وإن قدم قبل انقضاء أجل الإيلاء لزمته طلقة وبطل الإيلاء، وعدتها من هذه الطلقة من يوم وقعت عليه قبل قدومه بشهر إلا أن يكون وطئها قبل ذلك.
قُلتُ: على عدم فعل ممكن للحالف غير ممنوع، ولا مؤجل يمنع الوطء حتى يفعله إن مات لم يفعله، ومتعلق فعله كائن في عتقها ورثته وورثها إذ لا تطلق ميتة، ولا يوصي ميت بطلاق، وفي الأيمان منها من قال: أنت طالق إن لم أفعل كذا حيل بينه وبينها حتى يفعل ذلك وإلا دخل عليه الإيلاء.
اللخمي: روى ابن شعبان من حلق بالطلاق ليفعلن ترك الوطء محدث ليس من الأمر القديم؛ يريد: لم تكن الفتيا بمنعه، وقول ابن كنانة يؤمر بالكف من يتوقع حنثه في الحياة لا من لا يحنث إلا بموته أو موت زوجته أحسن.
الشيخ: إن تعدى فوطئ لم يلزمه استبراء.
الصقلي: لضعف القول بمنعه والاختلاف فيه.
قُلتُ: يرده وطء المعتكفة والمحرمة والصائمة فالأولى؛ لأنه ليس لخلل في موجب الوطء، وقول استبرائها كل وطء فاسد لا يطأ فيه حتى يستبرئ؛ يريد: فاسد لسبب خليته، وهو دليل ما قبله في وطء الأب أمة ابنه.
وما له أجل عرفاً: سمع عيسى ابن القاسم فيه من قال إن لم أحج فامرأتي طالق البتة، ولم يسم عام حجة، لا ينبغي له وطئها حتى يحج إن قال بيني وبين ذلك زمان، قيل أحرم واخرج؛ لأنها إن رفعته ضرب له أجل المولي إن لم يحرم، ولو كان ذلك في المحرم، وإن رضيت بالمقام دون مسيس حج متى شاء.
ابن رُشد: ظاهره كظاهر قول ابن القاسم فيها يمنع الوطء من يوم حله، وإن لم يأت إبان خروج الناس للحج، وإن وقفته ضرب له أجل المولي.
قال غيره فيها: إن تبين ضرره بها وقيل له أخرج وأحرم وإن كان في المحرم،

الجزء: 4 - الصفحة: 209

ومعناه على ما قال عيسى ابن دينار إذا وجد صحابة، وإلا لم يؤمر بإحرام ولا يضرب له أجل الإيلاء، وروى ابن نافع لا يمنع من الوطء ولا يضرب له الأجل حتى يأتي إبان خروج الحج، فإن ضرب له أجل الإيلاء فحج قبل انقضائه سقط عنه الإيلاء، وإن لم يحج طلق عليه به عند انقضائه، وإن انقضى أجل الإيلاء قبل وقت الحج لم يطلق عليه حتى يأتي وقت الحج، فإن أتى فحج بر وسقط الإيلاء، وإن لم يحج طلق عليه به، وإن لم يؤجل للإيلاء ولا خرج حتى فاته الحج أجل للإيلاء، وقيل له: اخرج وأحرم على القول الأول، وعلى القول الثاني قال ابن القاسم: يطلق عليه، وقال أشهب: يرجع إلى الوطء، وقيل: لا يرجع إلى الوطء، وقيل: لا يرجع إلى الوطء أبداً، ويؤجل للإيلاء متى قامت به امرأته، وثالثها: لا يمنع الوطء حتى يخشى فوت الحج فيمنع ويؤجل للإيلاء إن قامت امرأته به، وقيل له: اخرج، فإن أسرع وحج سقط الإيلاء، وإن لم يدرك الحج طلق عليه بالإيلاء إن انقضى أجله أو عند انقضائه، ورابعها: لا يمنع الوطء حتى يفوته الحج، فإن فاته وقامت به امرأته ضرب له أجل الإيلاء إن خرج لم تطلق عليه بانقضاء أجل الإيلاء حتى يأتي وقت الحج، فإن حج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن لم يحج طلق عليه بالإيلاء، وإن لم يخرج حتى انقضى أجل الإيلاء طلق عليه بالإيلاء، وهذا وما قبله قائمان من المدونة، وإن كان يوم حلف لم يبق يبنه وبين وقت الحج ما يدرك فيه الحج لم يمنع من الوطء، ولم يدخل عليه إيلاء في بقية ذلك العام وهو دليل قوله في السماع، فإن لم يحج عامه وعليه من الزمان ما يحج في مثله.
قُلتُ: عزا الصقلي الرابع لعبد الملك وروايته.
عياض: لابن القاسم في الظهار كقول الغير في إيلائها إذا بان ضرره، وله في الموازية مثل قول ابن نافع.
الصقلي عن محمد: إن حلف على فعل شيء أو الخروج لبلد، ولا يمكنه حينئذ لم يكن على حنث حتى يمكنه، وكذا إن لم يكن لخروجه وقت ومنعه فساد طريق أو غلاء كراء فهو عذر، وكذا حلفه ليكلمن فلاناً الغائب فلا يوقف حتى يقدم، ولو طالت غيبته، فإن مات فيهما فلا شيء عليه، ولو حضر وطال مقامه بما يمكنه الفعل فلم يفعل حتى مات فلان حنث.
وقال ابن الحاجب: لو حبسه عذر في المنفي ففي حنثه قولان مشكل؛ لأن ظاهره

الجزء: 4 - الصفحة: 210

لو علق الطلاق على عدم فعل ممكن له غير مؤجل لقوله إن لم أدخل موضع كذا فامرأتي طالق، فحبسه عن دخوله عذر أن في حنثه قولين، والقول بحنثه دون عذر فضلاً عن العذر لا أعرفه، وأصول المذهب تنفيه حسبما ذكرناه من نص عتقها بثبوت الإرث في الموت مع عدم الفعل، وقولها إذ لا تطلق ميتة ولا يوصي ميت بطلاق.
قال ابن عبد السلام: وجود القولين على الوجه الذي حكاه المؤلف عزيز في هذا الموضع، لكن أصول المذهب تشهد له لولا الإطالة لذكرنا ما يدل عليه.
قلت: قوله: (أصول المذهب تشهد له) دعوى من نظر وأنصف نفى نفيها هذا إن حمل قوله في حنثه على ظاهره، وإن حمل على حذف مضاف أن في حكم حنثه أمكن تفسيره بالقولين في منعه الوطء بعذر منعه الفعل كنقل اللخمي وغيره فيمن حلف ليخرجن إلى بلد فحيل بينه وبين الخروج، أو كانت يمينه ليتزوجن فلانة فلم يزوجوه لا يحال بينه وبين زوجته، وقيل: يحال بينه وبينها مطلقاً.
قلت: مثل هذا سمع يحيى ابن القاسم في الإيلاء.
ابن رشد: هو الآتي على القول بأن من حلف بالطلاق ليفعلن فعلاً لا يمكنه في الحال ويمكنه في حال أخرى مول من يوم حلفه، وهو ظاهر قول ابن القاسم فيها، ونص رواية عيسى عنه في ليحجبن وهو في غير وقت الحج خلاف قول غيره فيها.
والمعلق على عدم فعل غير الحالف: في كونه كعدم فعله والتلوم له بقدر ما يرى أنه أراده، ثالثها: إن حلف على غائب كأنت طالق إن لم يقدم فلان أو إن لم يحج، فالأول وإن حلف على حاضر كقوله إن لم تهب لي ديناراً أو إن لم تقضني قي فالثاني لسماع عيسى ابن القاسم في الإيلاء ولعتقها الأول، وسماع عيسى ابن القاسم في الإيمان بأنه طلاق، وعلى الثاني في منعه الوطء، ثالثها: إن كان ليمينه سبب وقت أراده دون حكم قول ابن القاسم: إن مضى قدر ما كان السلطان يتلوم له وقع حنثه، إن ماتت بعد ذلك لم يرثها، وإن مات ورثته ما لم يفرق الحاكم.
قال الأخوان: لا يقطع طلاق، ولو طال إلا بالحكم، والقياس الأول ولا ميراث بينهما.
ولو قال أنت طالق إن لم أطلقك مطلقاً أو إلى أجل ففي وقوعه حينئذ وتأخيره

الجزء: 4 - الصفحة: 211

لإيقاعه عليه بوقفها إياه، ثالثها: بتأخيره لانقضاء أجل الإيلاء رجاء صبرها دون وطء لابن القاسم وغيره.
فيها: ونقل اللخمي مع ابن رشد قائلاً: هما قائمان من إيلائها، ودعوى حقية الأول بأنه مقتضى البرهان العقلي في استلزام كل متصلة منفصلة مانعة جمع من عين مقدمها ونقيض تاليها ومانعة خلو من نقيض مقدمها ونفس تاليها، وبيانه أن الأولى في مسألتنا هي إما ون زوجته غير موقع عليها طلاقه، وأما كونها غير مطلقة بمعنى منع الجمع ولا يصدق كونها مانعة جمع إلا بوقوع الطلاق عليها فوجب وقوعه، والثانية هي إما كونه موقعاً عليها طلاقه، وإما كونها طالقاً بمعنى منع الخلو، وقد حلت عن الأول فتعين ثبوت الثاني، يرد بأن هذا في اللزوم العقلي ثابت لا بقيد زائد إما في اللزوم الجعلي فلا بد فيه من إرادة الملتزم معنى لفظه ولازمه وإرادته فرع علمه لزومه وأكثر فقهاء الوقت فصلاً عن العوام لا يعلمون وما لا يعلم لا يراد.
اللخمي: ويختلف إن لم يضرب أجلاً فعلى قول مالك يمنع منهما، وقول انب كنانة لا يمنع؛ لأن كل طلاق عنده لا يبين إلا بالموت لا يمنع فيه من الزوجة، واختلف إن ضرب أجلاً، ولو أجل برأس الشهر طلاقها وحده بعدم طلاقها البتة ففي سقوط حلفه إن عجل الطلقة، وإلا وقف لتعجيلها أو وقوع البتات وسقوطه بتعجيلها، وإلا لم يوقف، فإن حل الشهر ولم يعجلها وقعت البتات، ثالثها: يسقط تعجيلها ويترك لحلول الشهر إن طلق عنده وإلا لزمت البتات، لسماع عيسى ابن القاسم مع ابن رشد عن الآتي على قولها في أنت طالق إن لم أطلقك، وأصبغ مع سحنون والآتي على سماع أبي زيد ابن القاسم في التخيير والمغيرة.
قلت: ذكرها اللخمي وعكسها، وذكر فيهما قولاً بلزوم تعجيل أقل الطلاقين المعلق والمعلق على عدمه.
قلت: عزاه في النوادر لعبد الملك.
اللخمي: وأرى في أنت طالق وحدة إن لم أطلقك رأس اشهر ثلاثاً تعجيل طلقة الحنث وهي واحدة، فإن أراد البر فطلق ثلاثاً بانت وإلا كان حانثاً بواحدة وقد عجلت، فإن انقضت العدة قبل وقت الحنث بانت بها، وفي عكسها أن لا تعجل طلقة

الجزء: 4 - الصفحة: 212

البر؛ لأنه لم ينوها، وإن عجلت طلقت من الثلاث التي يحنث بهن.
قال إنما أوجب البر بطلقة أوقعها فتصير مع الأولى طلقتين فالوقف لبره أو حنثه أحسن، وزاد في المسألة الأولى عن ابن القاسم الوقف، وعن محمد إن حلف لسؤالها أو سؤال أهلها طلاقها لم ينفعه تعجيل الطلقة، وإن كان ذلك ابتداء إليهما أجزأه.
اللخمي: ولو حلف عند سؤالهم أن لا يؤخره عن رأس الشهر؛ جاز تعجيلها هذا في حلف ليطلقنها رأس الهلال، ولو قال إلى رأس الهلال صح تعجيله الطلقة؛ لأن إلى غاية، وعزا ابن الحاجب الوقف لمالك إنما هو في الموازية لابن القاسم حسبما هو في النوادر.
اللخمي: إن حلف بالثلاث إن لم يطلقها قبل الهلال ثلاثاً لم يعجل أحد الطلاقين.
قال محمد: لأن له أن يصالح قبل الأجل فلا يلزمه غير واحدة.
الشيخ: روى محمد في أنت طالق إلى شهر ثم قال أنت الآن طالق الطلقة التي إلى شهر لم يلزمه إلا طلقة.
محمد: هذه جيدة ووقف عن ماقبلها ورآها إيماناً لم يجب فيها طلاق، وقال أرأيت إن قال أنت طالق البتة إن لم أطلقك إلى سنة البتة أتعجل عليه البتة، وهوأن يدر أن يصالح قل السنة ويتزوجها بعدها فيسلم من البتة ولا أحرم عليه وطئها إلى الأجل، كقوله أنت طالق البتة لأعتقن جاريتن إلى سنة لا يحرم عليه وطئها.
قلت: ظاهره الاتفاق على عدم التعجيل في تعليق البتة على عدمها، وقول ابن الحاجب بعد ذكره القول بالتعجيل في أنت طالق إن لم أطلقك، وكذلك إن لم أطلقك رأس الشهر البتة فأنت طالق البتة يقتضي أن فيها قولاً بالتعجيل، وكذا فعل ابن بشير.
الشيخ في الموازية عن عبد الملك قوله أنت طالق إلى مائة سنة إن لم أطلقك الآن لغو، وفي أنت طالق الساعة إن لم أطلقك إلى مائة سنة هي طالق الساعة.
وسمع عيسى ابن القاسم من قال لامرأته إن لم أتزوج عليك فانت طالق البتة، ثم قال من تزوجتها عليك فهي طالق البتة طلقت عليه الساعة بالبتة إلا أن تقيم لا يطأها، ولا ينظر إلى شعرها، فغن رفعته طلقت مكانها.
ابن رشد: قيل إن رفعته ضرب له أجل الإيلاء، والقولان قائمان من إيلائها،

الجزء: 4 - الصفحة: 213

وروى اللخمي من قال لإحدى امرأتيه أنت طالق إن لم أطلق الأخرى إلى سنة يوقف؛ لأن يطلق إحداهما، ولأصبغ: من قال لامرأته أنت طالق البتة لأعتقن جاريتين فلانة إلى سنة لا تحرم عليه واحدة منهما، فخرج في كل منهما قول الأخرى.
الشيخ: لو قال كلما أو إذا ما أو متى ما وقع عليك طلاقي فأنت طالق لزمه بطلاقها واحدة ثلاث، ولو قال طلقتك بدل وقع عليك طلاقي ففي كونه كذلك ولزوم اثنتين فقط ثاني قولي سحنون وأولهما مع بعض أصحابه.
قلت: وظاهره أن إذا ما ومتى ما مثل كلما دون إرادة كونهما مثلها خلاف نصها، ونص رواية ابن حبيب في باب تكرير الطلاق في لفظ ابن شاس أن مهما ما ومتى ما مثل إن في عدم التكرار.
ابن سحنون: من قال لزينب أنت طالق إذا طلقت عمرة ثم قال بعمرة مثل ذلك إن طلق زينب لزمته فيها طلقتا وفي عمرة طلقة، وقال بعض أصحابنا لا تطلق زينب إلا طلقة.
وسمع أبو زيد ابن القاسم في العدة من قال لامرأته: سلامة أنت طالق يوم أطلق زوجتي ميمونة، ثم قال لميمونة كذلك، من طلق منهما أولاً لزمته فيها طلقتان.
ابن رشد: هذا أبين، ومثله سمع عيسى في الأيمان بالطلاق.
قلت: زاد فيه ولو كان بلفظ "كلما" لزمه في كل منهما ثلاث قاله سحنون.
قلت: مقتضى قول بعض أصحاب سحنون كون طلاق الأولى واحدة لا طلقتان قتأمله، وقول ابن الحاجب إثر نقله القولان في كلما طلقتك بناء على إلغاء المعلق أو اعتباره؛ يريد: إلغاء الطلاق الواقع باليمين في جعل الملتزم طلاقه سبباً في طلاق آخر كأنه قال كلما طلقتك طلاقاً بسيطاً لا معلقاً؛ لأنه المتبادر في فهم طلق فلان أو اعتباراً يف السببية للفظ كلما، وقول ابن عبد السلام الطلاق الأول بمباشرته، والثاني: بالحكم لا بها فهو على الخلاف في أن فاعل السبب غير فاعل المسبب أو فاعله إليه أشار المؤلف بالإلغاء والاعتبار، يرد بأن كليهما بمباشرته ضرورة أن طلاق من قال: إن كلمت فلاناً فامرأته طالق فكلمه بمباشرته، والمباشرة أعم من كونها بطلاق بسيط أو معلق؛ بل لفظ المؤلف على حقيقته في المعلق والإلغاء والاعتبار فتأمله.

الجزء: 4 - الصفحة: 214

الشيخ عن الموازية لو قال لإحدى امرأتيه إن طلقتك فصاحبتك طالق فطلق المقول لها فوقع على الأخرى طلقة، ثم طلق الأولى ثانية فلا شيء عليه في الثانية، ولو قال للثانية: كلما طلقتك فالأخرى طالق لزمه بطلاقه المقول لها كلما في كل منهما طلقتان، ويلزمه بطلاقه المقول لها إن طلقتك فيها طلقتان في الأخرى طلقة، ولو كان طلاق المقول لها إن طلقتك فأنت طالق قبل البناء لتخرجت على قاعدة الحكم بوقوع المسبب لوقوع سببه معه أو بعده، على الأول يلزمه طلقتان، وعلى الثاني طلقة واحدة عليها في أنت طالق أنت طالق قبل البناء، وعلى المشهور طلقتان، وتقدم هذا الأصل فيمن حلف بطلاق امرأته لا خالعها، وقال ابن شاس: قال ابن سحنون في إن طلقتك أو مهما أو متى ما فأنت طالق إن طلقها واحدة طلقت طلقتين بعد البناء وطلقة واحدة قبله؛ لأن المطلق يصادف حال البينونة، وقبله القرافي، وتبعه ابن الحاجب في عزوه لسحنون وزاد أو في الخلع على أصله بناء على أن المشروط مقدر بعد الشرط أولاً.
قلت: قوله: (على أصله) لا أعرفه، إنما عزا هذا الأصل غير واحد لإسماعيل القاضي في الخلع، وفي تكرير الطلاق قبل البناء.
ابن شاس: من قال إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً ألغى لفظ قوله قبله إن طلقها لزمه تمام الثلات.
قلت: قال الطرطوشي هذه المترجمة بالسريجية قال: دهماء الشافعية لا يقع عليها طلاق أبداً، وهو قول ابن سريج، وقالت طائفة منهم يقع المنجز دون المعلق منهم أبو العباس المروزي وأبو العباس القاضي، وقالت طائفة: يقع مع المنجز تمام الثلاث من المعلق.
قاله أبو حنيفة ومن الشافعية أبو عبد الله المعروف بالحسن وغيره، وأبو نصر بن الصباغ من خيار متأخريهم، وهو الذي نختاره، وليس لأصحابنا في هذه المسألة ما يعول عليه، ولمالك ما يدل على تصحيحها، وهو عدم قبوله شهادة عدلين على من أعتقها أنه غصبهما لمن ادعاهما؛ لأن ثبوتها يؤدي إلى نفيها، وعدم قبوله شهادتهما بدين عليه يبطل عتقهما، ووقع له ما يدل على خلاف هذا وهو ثبوت ما يؤدي إلى نفيه منه، قوله من أعتق ولده أو والده في مرضه بتلاً صح عتقه وورثه، معأن إرثه يؤدي إلى

الجزء: 4 - الصفحة: 215

نفيه؛ لأن العطية في المرض كالوصية لا تصح لوارث فبثبوت إرثه يبطل للعطية له وبطلان العطية يبطل حريته، وبطلان حريته إرثه.
الشيخ: من شرط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها طالق فتزوج أخرى وشرط لها أن كل امرأة طالق، فقال محمد وأصبغ تطلقان عله، وقال ابن القاسم: لا تطلق الثانية وذكرها الطرشوشي، وقال: وجه قول ابن القاسم إن معنى شرطه للأولى أن كل امرة يتزوجها عليها يعني وأنت ميمة فهي طالق، وعقد الثانية يوجب طلاق الأولى فكأنه لم يجامعها، والقصد كراهة أن يجمع معها أخرى.
قال: وقال بعض أصحابنا جواب ابن القاسم وهم، والصواب قول أصبغ؛ لأن شرط كل واحدة يوجب طلاق الأخرى.
قال الطرطوشي: هذه المسألة هي المسألة السرجية وقد أوضحتها في كتاب الطلا.
قلت: وللمسألة توقف على أصل لم يذكروه فيها، وهو جعل أمر مستقبل سبباً في طلاق مقيد بزمن ماض عنه هل يلزم اعتباراً بوقت التعليق أو لا اعتبار بوقت حصول السبب؟ سمع عيسى ابن القاسم: من ال لامرأته أنت طالق اليوم إن دخل فلان غداً الحمام لا تطلق عليه حتى يدخل، وله مسها فقبلها الشيخ ولم يقيدها.
وقال ابن رشد: في هذا اللفظ تجوز مثله في كتا الظهار منها وليس على ظاهره، فيه تقديم وتأخير، وحقيقة تركيبه من قال لامرأته اليوم أنت طالق إن دخل فلان غير الحمام، وقوله له مسها يريد فيما بينه وبين غد.
قلت: ولابن محرز عن ابن القاسم من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق أمس دخولك لزمه.
ابن عبد الحكم: إن قال أنت طالق اليوم إن كلمت فلاناً غداً فكلمه لا شيء عليه.
الشيخ: هذا خلاف حمل مالك؛ بل يلزمه الطلاق؛ لأنه لا يتعلق بزمن.
قلت: ففي لغو المعلق مقيداً بزمن قبل زمن سببه طريقاً ابن رشد مع نص ابن عبد الحكم وابن محرز مع الشيخ ونص ابن القاسم، فإن قلت: محمد عن ابن القاسم من قال

الجزء: 4 - الصفحة: 216

لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق غداً، إن تزوجها غداً لزمه وبعده لا شيء عليه، وهذا خلاف متقدم نقل ابن محرز عنه.
قلت: يفرق بأن زمن إنشاء التعليق فيما نقله ابن محرز قابل للطلاق لو نجز، وفيما نقله عنه محمد غير قابل، ومقتضى طريقة الشيخ وهي أسعد بالروايات صحة ما فهمه الطرطوشي عن المذهب في السريجية، وتبعه ابن العربي وابن شاس، فإن كان عدم الفعل منه أو من غيره المعلق عليه مؤجلاً ففي منعه من الوطء نقلاً ابن رشد عن أول قولي ابن القاسم في سماع عيسى في الإيلاء مع غيره فيأول عتقها الأول.
قال: وهو الصحيح لاتفاق مع مالك على أنه على بر، وعلى منع الوطء قال الشيخ: لا استبراء عليهز قلت: إذ ليس لخلل في سبب حلية الوطء، فإن كان الفعل محرماً حكم بتعجيل حنثه ما لم يفعله، وشاذ قول ابن الحاجب على المشهور لا أعرفه، وفي تخريجه على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه منهما لكونه على حنث نظر، ويتم تخريجه على ما في المغيب للمغيرة.
انتهى بحمد الله تعالى وحسن عونه السفر الثالث.
وتعليقه على الجزم بمغيب وجوداً أو عدماً لا يعلم حين الجزم عادةً يوجب الحكم بتنجيزه.
فيها: إن قال لامرأته حاملاً إن لم يكن في بطنك غلام فانت طالق طلقت حينئذ؛ لأنه غيب، وإن أتت بغلام لم ترد إليه، وكذا إن لم تمطر السماء وقت كذا فأنت طالق، ولا يؤخر لظهور ما حلف عليه بخلاف إن لم يقدم؛ أي وقت كذا فأنت طالق لدعوى علمه يخير أو غيره، ومثله سماع عيسى ابن القاسم بزيادة إن وجد ما حلف عليه حقاً فلا شيء عليه.
قلت: هو على وجهي، إن حلف على أنه لا بد من كونه أو عدمه لكهانة أو تنجيم أو تقحماً على الشك دون سبب تجربة أو توهم شيء ظنه عجل عليه الطلاق حينئذ اتفاقاً، فغن غفل عنه حتى جاء الأمر على ما حلف عليه ففي لزوم طلاقه قولاً عيسى بن دينار مع المغيرة، وهذا السماع إن حلف عليه لغلبة ظنه لتجربة أو لشيء توهمه عجل طلاقه، فإن لم يجعل حتى جاء الأمر على ما حلف عليه لم يعجل عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 217

قاله عيسى بن دينار وهو دليل سماع أبي زيد ابن القاسم، ولو ألزم نفسه الطلاق على وجود ذلك أو على عدمه على غير وجه اليمين لم يعجل طاقه إلا أن يكون ما الشك فيه كقوله امرأته طالق إن كان في بطن فلانة جارية أو إن وضعت جارية أو لامرأته إن كنت حاملاً أو لم تكوني حاملاً وشبهه، ففي تعجيل طلاه وتأخيره قولاً مالك وابن الماجشون.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم من قال لامرأته إن لم تكن من أهل الحنة فهي طالق هي طالق ساعتئذ.
ابن القاسم: ومثله إن لم أدخل الجنة.
ابن رشد: مثل تسويته بينها لمالك في المبسوط إن حلف عليه حتماً، وقال الليث بن سعد: لا شيء عليه لقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: 46]، وقاله ابن وهب، فغن نوى أنه لا يدخل النار فتعجيل طلاقه ظاهر؛ لأن المسلم لا يسلم من الذنوب ولا يعصم منها لا نبي، ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنه حلف على غيب، وإن نوى أنه يدخل الجنة من الذين لا يخلدون في النار؛ فمعنى يمينه أنه لا يكفر بعد إيمانه ويثبت عليه لموته فلا شيء عليه، كمن حلف بالطلاق ليقيمن بهذا البلد حتى يموت لا ينبغي فيه خلاف، وإن لم تكن له نية فظاهر قول مالك وابن القاسم حمله على الوجه الأول، والأظهر حمل قوله إن لم يكن منأهل الجنة عليه، وحمل قوله إن لم أدخل الجنة على الثاني كما لو قال إن دخلت الدار؛ لأن معناه ألا يكفر، وقول الليث وابن وهب: بناء على حمل قوله على الوجه الثاني، ولا يتأول عليهما أنهما حملاً قوله على الوجه الأول لم يوجب طلاقه؛ لأنه خروج إلى الإرجاء.
قلت: هذا يناسب قول ابن سحنون: إخبار المرء عن إيمان نفسه جزم فقط، والأول يناسب قول ابن عبدوس: يجب تقييده بأن شاء الله، وعزا المتكلمون الأول لأبي حنيفة وأتباعه، والثاني لابن مسعود مع جمع عظيم من الصحابة والشافعي وأتباعه، وقول عياض الخلاف حالي، إن أراد حالاً واستقبالاً فالأول، وإن أراد حالاً فقط فالثاني سبقه به الحس البصر، وفي الأخبار عن من سمع لفظ إيمانه بأنه مؤمن عند الله مطلقاً أو بقيد قول إن وافقت سريرته على نيته قولاً ابن التبان والشيخ، واحتجاج

الجزء: 4 - الصفحة: 218

ابن التبان بقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ [الممتحنة: 10] حجة لابن سحنون لا له.
الجلاب: لو حلف بطلاقها أنها وأنه من أهل الجنة أو من أهل النار أو أن رجلاً كذلك طلقت عليه، وسمع عبد الملك بن الحسن ابن القاسم: من قال امرأته طالق البتة إن لم يكن عمر بن الخطاب أو أبو بكر من أهل الجنة لا شيء عليه، وكذا عمر بن عبد العزيز.
ابن رشد: سائر العشرة كأبي بكر في ذلك، وكذا من ثبت بطريق صحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة كعبد الله بن سلام، ووافقه مالك في تحنيث من حلف بذلك في عمر بن عبد العزيز، وقال: هو رجل صالح إمام هدى لم يزد على ذلك لعدم ورود نص فيه، ووجه قول ابن القاسم ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنتم شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة ...)) الحديث، وشبهه وحصل إجماع الأمة على حسن الثناء عليه والإجماع معصوم، فإن قلت: قوله: وكذا من ثبت بطريق صحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة على القول بأن الحلف على الظن ليس غموساً واضح، وعلى أنهغموس ينبغي أن يحنث الحالف هنا؛ لأن خبر الواحد الصحيح إنما يفيد الظن.
قلت: الظن الناشئ عن خبر الواحد قوي لوجوب اعتباره والعمل به بخلاف الظن العارض لإنسان لأمر عرض له.
قلت: ففي وقوع طلاق الحالف على الجزم بمغيب يبين بعد ذلك بنفس حلفه أو بالحكم، ثالثها: يؤخر لبيانه، ورابعها: هذا إن كان على بر كقوله إن أمطرت السماء غداً.
اللخمي عنها وعن ابن حبيب وأصل أشهب وأصبغ مع الصقلي عن ابن حبيب، وبالثاني فسرها ابن رشد، وعزاه والأول بفضل الثاني قولي ابن القاسم وأولهما، وعلى

الجزء: 4 - الصفحة: 219

الثاني لو لم يحكم به حتى بان بره ففي عدم حنثه نقل ابن رشد عن سماع عيسى.
ابن القاسم مع الصقلي عن ابن حبيب وفضل عن أصبغ وابن رشد عن المغيرة مع عيسى: وظاهر قول غيره التسوية بين استناده لشبه تنجيم أو غيره وعدمه خلاف ما مر له.
اللخمي: من قال إن لم تمطر السماء فأنت طالق فلا شيء عليه عم أو خص إذ لا بد منه زمنا ما، وكذا إن ضرب أجل خمس سنين ولو غير شهراً فعلى ما مر من الخلاف.


ابن رشد: اتفاقاً لأن تعليقه على مشيئة الله إياه تعليق له على واقع لانحصار ظاهر قوله إن شاء الله في إن أراده أو شرعه، والأول واقع؛ لأن قوله ذلك ملزوم لإرادته، وكل مراد للبشر مراد لله لعموم إرادته كل حادث، والثاني كذلك لشرع الله لزومه بقول أنت طالق، وقول بعضهم "إنما ألزمه مالك؛ لأن مشيئته تعالى مجهولة لنا لا يمكننا علمها، فوقع الطلاق للشك فيه" مرغوب عنه لاقتضائه تشابه مشيئته تعالى بمشيئة العبد لجعله ذلك كقول من قال: امرأتي طالق إن شاء زيد فغاب قبل علم مشيئته حيث لا يعلم، وهو مضاه لقول القدرية بحدوث الإرادة.
قال ابن شاس: كإن شاء هذا الحجر.
ابن رشد: تمثيل بعضهم بإن شاء زيد فغاب أنه ليس مثل إن شاء هذا الحجر، إذ لا مشيئة له، وللجن والملك مشيئته لا تعلم كزيد المفقود.
وفيها: إن قال أنت طالق إن شاء فلان، نظر ما يشاء فلان فإن مات قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم أو كان ميتاً قبل يمينه فلا شيء عليه.
اللخمي: إن قال أنت طالق إلا أن يشاء فلان.
قيل: الطلاق لازم؛ لأنه لا يرتفع بعد وقوعه.
وقال أصبغ في المنتخبة: من قال أنت طالق إلا أن يمنعني أبي.
اللخمي: يريد: أن وقوع الطلاق لم يكن منه مرسلاً؛ بل موقوفاً على مشيئة أبيه.
قلت: مثله في نوازله.

الجزء: 4 - الصفحة: 220

ابن رشد: قياسه الأول صحيح لا قياسه الثاني أنه كقوله إن شاء أبي؛ لأن وقف الطلاق على مشيئة الأب صحيح ورفع مشيئة الأب الطلاق غير صحيح، ولا ينبغي جعل لفظ رفع المشيئة الطلاق بمعنى وقعاً الطلاق على مشيئته؛ لأنه ضده إلا أن يدعي أنه نوى ذلك فينوي إن جاء مستفتياً، ولا يصح على أصولهم أن ينوي مع البتة فضلاً عن أن يحمل يمينه عليه إذا لم تكن له نية، ووجه قول أصبغ أنه لما كان قوله إلا أن يئاء إلا أن يمنعني لغواً لا أثر له في الطلاق حمل على إرادته به إن شاء أبي لعدم تفرقة العوام والجهال بين هذه الألفاظ، فهذا يشبه أن يفتي به الجاهل على أن من قوله في نوازله ليست الجهالة بأحسن حالاً من العلم في الطلاق، فقوله بكل حال ضعيف وما ذكرناه من معنى لفظه هو أظهر محتملاته، ويحتمل أنه أراد امرأتي طالق لا ألزم نفسي ذلك إلا أن يشاء أبي، وإليه نحى أصبغ بجعله كإن شاء أبي، ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن يريد امرأتي طالق إن فعل فلان كذا، وإن لم يفعل فلان كذا وكذا، كمن حلف على غيره أن يفعل فعلاً فيحال بينه وبين امرأته ويدخل عليه الإيلاء أويتلوم له على الخلاف في ذلك، إن أراد الحالف أحد هذه الوجوه حملت عليه يمينه، وإن لم تكن له نية فيختلف على أنها يحمل.
قلت: قولها في النذور من قال على المشي إلى بيت الله إلا أن يبدو لي أو أرى خيراً من ذلك لا ينفعه استثناؤه.
الصقلي: وكذا في الطلاق والعتق.
قال إسماعيل القاضي ما رواه ابن القاسم في المشي إنما هو في قوله على المشي إلا أن يشاء الله، ولا يشبه قوله إلا أن يبدو لي أو أرى خيراً من ذلك، واستحسنه بعض فقهائنا وقال: ما قوله إلا أن يبدو لي إلا كقوله إلا أن ياشء فلان، فكما لا يلزمه إلا أن يشاء فلان فكذا لا يلزمه إلا أن يشاء هو.
التونسي لم ينفعه استثناءه بقوله إلا أن يبدو لي؛ لأنه لم يضفه إلى فعل لم يقع؛ بل إلى وجوب شيء قد الزمه نفسه فليس له ذلك كالقائل أنت طالق إلا أن يبدو لي، ولو قال أنت طالق إن شئت كان له ذلك.
قلت: ففي لزوم الطلاق بقوله طالق إلا أن يشاء فلان ولا نية له ووقفه على

الجزء: 4 - الصفحة: 221

مشيئته، ثالثها: ثالث وجوه ابن رشد لنقل اللخمي مع فهم ابن رشد المذهب، ومقتضى قوله التونسي، ونقل الصقلي عن بعض الفقهاء مع مقتضى قول إسماعيل القاضي، وقول ابن رشد يختلف، وجعل ابن الحاجب الثاني الأشهر اتباع منه لقبول الصقلي قول بعض الفقهاء، وقوله: (بخلاف إلا أن يبدو لي على الأشهر) خلاف نص تسويته بينهما، ووجه تفرقته أن الرافع في إلا أن يبدو لي هو الموقع فكان منه تلاعباً، وفي إلا أن يشاء فلان غيره فأشبه كونه تفويضاً، وقال ابن عبد السلام: الفرق أن قوله: (إلا أن يشاء زيد) يمين حمله على إن شاء زيد، وقوله: (إلا أن يبدو لي) لا يمكن رده للشرط؛ لأنه إخراج حالة مستقبلة بعد وقوع الطلاق لا يمكن تعلقه بالحال بوجه.
قلت: فيلزم كونه في إلا أن يشاء كقوله إلا أن يشاء زيد لصحة حمل إلا أن شاء على قلت: فيلزم كونه في إلا أن يشاء كقوله إلا أن يشاء زيد لصحة حمل إلا أن شاء على إن شئت، والمنصوص في إن شئت عدم اللزوم وفي إلا أن أشاء اللزوم، ونصوص الروايات تسوية العتق والنذر والمبين بالطلاق في الاستثناء.
ابن شاس: في الفرق بين الطلاق واليمين بالله في الاستثناء للأصحاب طريقان: لفظ الطلاق يوجبه لفا يرتفع بالاستثناء، واليمين بالله لا يتعلق بها حكم.
قول البغداديين تأخر الاستثناء عن الطلاق مع وقوعه بلفظ كاستثناء علق بماض فيسقط كسقوطه في تعلقه به في اليمين بالله.
المازري: تحقيقه إن أراد إن شاء الله إيقاع لفي لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد إن شاء لزوم الطلاق للحالف به لزمه قولاً واحداً، وإن أراد إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق الآن جرى على الخلاف في تعليق الطلاق بمشكوك في وقوعه، وإليه أشار مالك بقوله علقه بمشيئة من لا تعلم مشيئته، وإن قصد التزام الطلاق مع الاستثناء فهو أشكل الوجوه، والحق فيه الرجوع إلى اختلاف الأصوليين هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب نحن غير عالمين به فيرجع إلى تعليقه بالمغيبات، أو ليس له حكم؛ بل كل مجتهد مصيب، فيكون الحق معلقاً باجتهاد المفتي.
قلت: ما ذكره عن المازري ليس من التفريق في شيء؛ بل هو بحث في أعمال الاستثناء ولغوه، والأقرب في التفريق أن مدلول الطلاق حكم شرعي، فاستحال تعليقه لقدمه، ومدلول اليمين فعل أو كف عنه فصح تعليقه لحدوثه، والأولى طريقة

الجزء: 4 - الصفحة: 222

بعضهم الأصل لغو الاستثناء بمشيئة الله في غير المعلق ورد أعماله في اليمين بالله وبقي غيره على الأصل، وقول ابن الحاجب فرق بأمرين: أحدهما: أن لفظ الطلاق بمجرده حكم شاءه الله فلا يقبل التعليق عليها لتحققها فلا يرتفع بخلاف اليمين.
والثاني: أنه متحقق فكان كاليمين على الماضي.
قلت: هو الأول في لفظ ابن شاس، ولفظه بين في مغايرة الأول الثاني، ولفظ ابن الحاجب غير بين فيها، وتعقبه ابن عبد السلام بأن سببية لفظ الطلاق في حل العصمة إن لم تقبل التعليق بوجه وجب أن لا تقبله في مشيئة زيد في أنت طالق إن شاء زيد إلى غيره من التعاليق، وهو خلاف الاتفاق، وإن بلته في مشيئة زيد قبلته في مشيئة الله فيعود السؤال، وأيضاً فقوله لفظ الطلاق وبمجرده حكم شاءه الله إن أراد شاء الله حكمه فصحيح، لكن لم قال انه حكم بأنه لا يقبل التعليق، هذا لم ينص الشرع عليه ولا أومأ إليه، وإن أراد كل ما حكم إليه فقد شاءه فليس بصحيح على قول أهل السنة؛ لأن الأمر عندهم لا يستلزم الإرادة.
قلت: قوله: (لفظ الطلاق فيه إن لم يقبل التعليق على مشيئة الله وجب أن لا تقبله على مشيئة الآدمي) دعوى اعتقدها باعتقاده اتحاد حالة مدلول أنت طالق إن شاء الله أو ما شاء فلان، وليس الأمر كذلك؛ لأن قوله أنت طالق فيهما تارة يكون ابتداء صدوره غير مقيد بحيث لو لم يأت بلفظ بعده لزمن وتارة يكون على إرادة التقييد بالشرط بحيث لو لم يأت بالشرط لم يلزمه شيء كما مر من قولها لو أخذ ليحلف، فلما قال طالق ثلاثاً بدا له فلا شيء عليه، فالأول: هو محل النزاع المطلوب فيه الفرق بينه وبين اليمين بالله تصدر حيثيته، وأما الثانيك فواضح تعليقه، وقد قسمه المازري حسبما مر، فقوله لو لم يقبل التعليق بمشيئة الله لم يقبله بمشيئة آدمي إن أراد ذلك في أنت طالق بالحيثية الأولى سلمنا الملازمة ومعنا بطلان اللزوم، ودعواه بطلانه اتفاقاً ليس كذلك إنما هو باطل اتفاقاً في إطلاقه بالحيثية الثانية سلمناه، وليس هو محل النزاع، وقوله في تعقبه بعد قوله: " وأيضاً إن أراد شاء الله حكمه فصحيح، لكن لم قال أنه حكم بأنه لا يقبل التعليق هذا لم ينص الشرع عليه" يرد

الجزء: 4 - الصفحة: 223

بأنه لا يلزم من عدم دليل النص عدم دليل العل، وهو كون الحكم الشرعي قديماً يمنع تعليقه بعد تقرره بمقتضيه، وفرق بين تعليقه بعد تقرره وتعلق تقرره الأول مستحيل والثاني جائز، وعليه صحت التعاليق مطلقاً، وهذا بناء منه على أن معنى قول المؤلف شاءه الله شاء الحكم حسبما صرح به في قوله: إن أراد شاء حكم الله حكمه فصحيح، وهو نص منه بصحة تعلق إرادة الله لحكمه وليس كذلك، لأن الحكم قديم وكل مراد ححادث؛ بل معنى كلام المؤلف لفظ الطلاق بمجرده شاء الله؛ اي: شاء الله لفظ الطلاق، والضمير الفاعل في قوله فلا يقبل التعليق عائد على مفهوم من السياق، وهو الحكم بالطلاق أي شاء الله لفظ الطلاق فلزم تقرر الحكم بالطلاق عملاً بصيغته فلا يقبل الحكم بالطلاق بعد تقرره التعليق؛ اي: لقدم الحكم، وقوله: (بخلاف اليمين بالله)؛ أي: فيقبل التعليق؛ لأن المقصود من مدلول لفظ اليمين فعل أو كف وكلاهما حادث، وبما قررناه تتضح المغايرة بين وجهي التفريق، ولو علق معلقاً على أمر بمشيئة الله تعالى ففي لغو استثنائه مطلقاً أو لم يرد للمعلق عليه قولان للمشهور وابن الماجشون مع أصبغ وابن حبيب والشيخ عن أشهب، وصوبه غير واحد.
قال ابن رشد: أصح القولين إعماله؛ لأنه إذا صرفه للفعل فقد بر فلم يلزمه طلاق؛ لأنه علقه بصفة لا توجد وهو أن يفعل الفعل والله لا يشاؤه، وذلك باطل إلا على مذهب القدرية مجوس هذه الأمة، فعلى ابن القاسم في قوله درك عظيم.
قلت: هذه المسألة فرع بالنسبة لمسألة الاستثناء في اليمين بالله؛ لأنه فيها متفق عليه، وفي هذه مختلف فيه، ورده للفعل في هذه المسألة يحتمل تفسيره بأن تعلق مشيئة الله بالفعل يوجب تعلق الحلف به، أو بأن تعلقها به يمنع تعلق الحلف به، فابن رشد بناه على الثاني فلزم ما ألزم، ولقائل أن يقول مجيباً عن ابن القاسم بأنه على المعنى الأول، وحينئذ ينعكس الأمر في جري قول ابن القاسم على مذهب أهل السنة وقول غيره على مذهب القدرية.
فغن قلت: الاستثناء في اليمين بالله هو الأصل، وهو فيها على المعنى الثاني لا الأول.
قلت: بل على الأول وهو تقييد المحلوف عليه بأنه إن شاءه الله، سلمناه، إنما كان

الجزء: 4 - الصفحة: 224

في اليمين بالله على الثاني؛ لأن حمله على الأول مناف لنص حكم الشرع فيه أنه يرفع مقتضى اليمين، فوجب حمله على الثاني لموافقته مقتضى النص فيه بخلاف حمله على الأول في الطلاق المعلق هو فيه حمل اللفظ على ظاهره مع السلامة عن معارضة نص فيه، أما أنه حمل اللفظ على ظاهره فبيانه أن قوله أنت طالق إن قمت إن شاء الله قيامي، أنه شرط تعقب شرطاً قبله على أنه متعلق به، والقاعدة أن الشرط إذا تعقب فعلاً مسنداً أن يؤثر في وقف إسناده على الشرط لا أن يؤثر في وقف نقيض الإسناد المذكور، كقوله اضرب أربعين جلدة، هذا إن كان قذف حراً عفيفاً إن كان عبداً، فقوله إن كان عبداً مؤثر في إسناد ضرب أربعين بمعنى وقفه على الشرط الأخير، وهو غن كان عبداً وحمله على تأثير الشرط في نقيض الإسناد، وهو عدم ضرب المذكور حمل له على غير مدلوله لا يصح إلا لمعارض شرعي كما في اليمين بالله فتأمله.
ابن رشد: إن لم تكن له نيَّة في صرفه للفعل أو للطلاق فلا أعلم فيه نص رواية، والنظر عندي كونه مصروفاً للفعل إن قصد به حل اليمين، ولم يكن لهجاً دون قصد الاستثناء؛ لأن صرفه للطلاق لغو لا معنى له، وصرفه للفعل له معنى له صحيح، وحمل اللفظ على وجه له معنى أولى من حمله على ما لا معنى له.
القرافي: من الأحكام ما جعل الشارع لها أسبابه بيد المكلف كالطلاق جعل للمكلف فيه سبباً من قول أو فعل، فقوله هي طالق إن فعل كذا فقط جعل منه للفعل مطلقاً سبباً فيه، فإن زاد إن شاء الله فهو نزوع منه عن جعله مطلقاً سبباً؛ بل فوض كونه سبباً لله، وهذا هو قول عبد الملك في رد الاستثناء للفعل، وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سبباً فلا يلزم به شيء إجماعاً، ولا يكون هذا خلافاً لابن القاسم مع أن صاحب المقدمات حكاه خلافاً، وقال: الحق عدم اللزوم كاليمين بالله إذا رد الاستثناء للفعل، وهذا يشعر أن ابن القاسم يوافق في اليمين بالله ويخالف في الطلاق فيكون هذا إشكالاً، وإن حمل قول عبد الملك على ما ذكرته فلا إشكال ويصير المدرك مجمعاً عليه وغلا فلا تعقل المسألة ولا يصير لها حقيقة.
قلت: من تأمل ما قدمناه من توجيه القولين بان له سقوط هذا الكلام، ومخالفته لفهم الأشياخ في حمل المسألة على الخلاف حسبما مر للشيخ كغيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 225

وسمع عيسى ابن القاسم من قال لامرأته: إن فعلت كذا إلا أن يقدر فأنت طالق؛ إن فعله فهي طالق.
ابن رشد: لأشهب في المجموعة لا شيء عليه وهو مقتضى النظر؛ لأن قدر الله وقضائه ومشيئته هي إرادته، فلا فرق بين الاستثناء بقدر الله وقضائه ومشيئته، وابن القاسم فرق بين ذلك ولم يره بقضاء الله، ولا في إرادته عاملاً بين اليمين بالله كما مر في سماع عيسى في النذور وعليه يأتي قوله هنا، ولو قال إن فعلت كذا إلا أن يشاء الله فامرأته طالق نفعه استثناؤه عند الجميع لنصه على رد الاستثناء للفعل بذكره عقبه قبل الطلاق، وما روى عن ابن القاسم من الاستثناء بمشيئته الله في اليمين بالطلاق غير عامل، وإن رده للفعل معناه إذا ادعى ذلك وعليه بينة فلا يصدق في ذلك خلافاً لابن الماجشون.
وقال ابن دحون: لو قال إن فعلت كذا إلا أن يشاء الله فأنت طالق ففعله؛ كان حانثاً على قياس هذه الرواية؛ لأن لا يفعل فعلاً إلا بقدر الله ومشيئته، فذكر ذلك لغو لا ينفعه، ووجه ما ذهب إليه أن هذا هو الأصل فخصت السنة من ذلك الاستثناء.
قلت: نصه في المقدمات على اختلاف قولي ابن القاسم وابن الماجشون مع ذكره دليل ترجيحه، وقوله في هذا السماع أنه لا يخالف فيه ابن القاسم إلا مع البينة لعدم تصديقه حيث كونه غير نص في رده للفعل متنافيان، ففي اتفاقهما في قوله أنت طالق إن فعلت كذا إن شاء الله مع دعواه رد الاستثناء للفعل على عدم حنثه، واختلافهما فيه، ثالثها: هذا إن قامت عليه بينه للقرافي، والأكثر مع المقدمات والبيان.
وفي عتقها الأول إن قال لامرأته أنت طالق إن أكلت معي شهراً إلا أن أرى غير ذلك فقعدت بعد ذلك لتأكل معه فنهاها ثم أذن لها فأكلت، إن كان ذلك مراده ورأى ذلك فلا شيء عليه، ولو علقه على واضح نقيضه مؤخراً عنه كأن لم يكن هذا الإنسان إنساناً فانت طالق فلا شيء عليه ومقدماً عليه.
قال ابن الحاجب: حانث كانت طالق أمس.
قلت: الأظهر أنه كإن شاء هذا الحجر، وتقدم نقل اللخمي في أنت طالق أن هذا العمود، ولابن محرز في أنت طالق أمس لا شيء عليه، وتقدم في السريجية نقل الشيخ

الجزء: 4 - الصفحة: 226

تقييد الطلاق بالماضي كإطلاقه.
اللخمي: لو قال أنت طالق ثلاثاً أنت طالق ثلاثاً إن فعلت كذا، ففي لغو تعليقه بجعله نادماً وإعماله بعد حلفه على تعليقه قولاً مالك وابن القاسم.
قلت: نصها في سماع ابن القاسم من قالت له امرأته وعنده هشود ائذن لي أن أذهب لأهلي، فقال: أنت طالق البتة أنت طالق البتة أنت طالق البتة إن أذنت لك قد طلقت عليه، فقال: غنما أردت أن أسمعها وأردد اليمين ولم أقطع كلامي، فقال مالك: ما أظنها إلا بانت منه وقد ألبس، وفيه ما ترى من الإشكال وما هو باليمين.
ابن القاسم: يحلف ما أراد إلا أن يفهمها والقول قوله ولا حنث عليه.
ابن رشد: الواجب على المشهور من رعي البساط أن لا يلزمه طلاق ولا حلف؛ لأن سؤالها الإذن لأهلها دليل على صدقه لا تبتيل الطلاق، ولو سألته تبتيله فقال ذلك اللفظ بعينه بانت منه بالثلاث قولاً واحداً، وإنما يصح هذا الاختلاف على القول بلغو البساط، ووقعت هذه المسألة في رسم سلف من سماع عيسى معراة من البساط، وقال مالك وابن القاسم فيها مثل ما تقدم لهما، وعلى مذهبه في المدونة لا يمين عليه.
قال فيها: من قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن دخلت الدار أنه ينوي إن دخلها في أنه إنما أراد واحدة فلم ير عله طلاقاً إلا أن يدخل الدار، وهو على أصله فيها على من أقر بنفقة لرجل، وقال البناء له أو بخاتم، وقال الفص له قبل قوله إن كان كلامه نسقاً، ولأصبغ عنه في كتاب المديان من قال لفلان علي ألف دينار وعلى فلان وفلان أنها كلها عليه، وإن كان كلامه نسقاً بخلاف قوله لفلان علي وعلى فلان وفلان ألف دينار، وخالفه أصبغ فلم ير عليه إلا ثلث الألف إن كلام متتابعاً، فرواية أصبغ هذه عنه على قياس قول مالك في مسألة الطلاق، وقوله على قياس قول ابن القاسم في المدونة وإيجاب ابن القاسم اليمين عليه استحسان لرعي الخلاف، وهو أصوب الأقوال عند عدم البساط، وقول ابن الحاجب إن علقه على ما لا يعلم حالاً، وما لا طلقت كقول ابن رشد في مسألة الشك منه ما يتفق على جبره كالطلاق كقوله امرأتي طالق إن كان أمس كذا وكذا؛ لشيء يمكن أن يكون وأن لا يكون ولا طريق لاستعلامه، وقول ابن عبد السلام: "لا يبعد تخريجه على الخلاف في المعلق على مشيئة

الجزء: 4 - الصفحة: 227

الملائكة والجن" فيه نظر؛ لأن الأرجح في مشيئتهما العدم، والمخرج الفرض فيه تسوية الأمرين.
وسمع يحيى ابن القاسم: من قال امرأته طالق إن لم يكن فلان يعرف هذا الحق لحق يدعيه، فقال المدعى عليه: امرأته طالق إن كان يعرف له فيه حقاً؛ ديناً جميعاً، ولا حنث على واحد منهما.
ابن رشد: مثله في الأيمان بالطلاق منها والعتق الأول منها ولم ذكر يميناً، وروى محمد السبائي أنها يدينان ولا يحلفان، ولعيسى عن ابن القاسم يدينان ويحلفان، ومثله في سماع أشهب في نحو المسألة، وهذا الاختلاف إنما هو إن طولب بحكم الطلاق، وهو على الخلاف في يمين التهمة، وإن أتيا مستفتيين فلا وجه لليمين.
وفي اختصار المبسوطة لابن رشد سئل مالك عمن نازع رجلاً فقال: أنت.
قلت: كذا وكذا فينكر الآخر، فيقول الأول يميني في يمينك بالطلاق البتة إن لم يكن ما أقول حقاً، وقال الآخر: طلقت امرأته ثلاثاً إن كان ما يذكر حقاً، فقال مالك: الأول حانت قد طلقت امرأته البتة، وقال ابن نافع: إن حلف الأول على ما استيقن فلا حنت عليه، وفي الأيمان بالطلاق منها: من قال لرجل امرأته طالق لقد قلت لي كذا وكذا، فقال الآخر: امرأته طالق إن كنت قلته فلدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً، وفي عتقها الأول إن كان عبد بين رجلين، فقال أحدهما إن كان دخل المسجد أمس فهو حر، وقال الآخر إن لم يكن دخل المسجد أمس فهو حر، إن ادعيا علم ماحلفا عليه ديناً في ذلك، وإن قالا ما نوقن أدخل أم لا وإنما حلفنا ظناً فليعتقاه بغير قضاء، وقال غيره يجبران على عتقه، فعبر الصقلي عن الغير بأشهب، ونقلها التونسي بلفظ حلفاً على الشك بدل حلفاً ظناً، ولفظها في الأم قال: إن ادعيا علم ما حلفا عليه ديناً، وإن لم يدعيا علم ما حلفا عليه ويزعمان أنهما حلفا على الظن، فإنه ينبغي أن يعتق عليهما؛ لأنهما لا ينبغي لهما أن يسترقاه بالشك.
ابن القاسم: لا يقضي عليهما بذلك.
سحنون: وقال غيره يجبران على ذلك، وقول ابن عبد السلام عكس بعضهم النقل، وأتى بها ظاهرة أنه جعل القولين في جزم كل واحد منهما بصحة ما حلف عليه،

الجزء: 4 - الصفحة: 228

وإن لم يجزما لزمهما الطلاق، وأجمل بعضهم النقل وأتى بما يدل على الخلاف في مسألة من حيث الجملة.
قلت: ما حكاه من عكس النقل لا أعرفه، وإجمال النقل هو ظاهر سماع يحيى.
وفيها: من أقر بفعل كذا ثم حلف بالطلاق ما فعله صدق مع يمينه، ولا يحنث، ولو أقر بعد يمينه أنه قد فعله ثم قال: كنت كاذباً لم ينفعه، ولزمه الطلاق بالقضاء.
قلت: مثله في رسم الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب النكاح، وفيه من شهد عليه قوم بحق أو فعل شيء ينكره فحلف بعد شهادتهم بالطلاق أنهم شهدوا عليه بزور حلف أنهم كاذبون ودين، فإن أقر بعد ذلك بتصديقهم أو شهد آخرون بصدق شهادة الأولين حنث في يمينه، وكذا لو حلف بالطلاق وإن كان لفلان عليه كذا وكذا، وإن كان كلم فلاناً اليوم فشهد عليه عدول بالحق أو بالكلام فقد حنث.
ابن رشد: أصل هذه المسائل في الأيمان بالطلاق منها، وتكررت في سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات: ولا خلاف في شيء منها، والفرق بين أن يتقدم اليمين على ما يناقضه هو أن اليمين إذا تقدم فقد لزم حكمه، ووجب أن لا يصدق في إبطاله، وإذا تقدم الفعل ببينة أو إقرار لم يثبت لليمين بتكذيب ذلك حكم إذا لم يقصد الحالف إلى إيجاب حكم الطلاق الذي حكم به على نفسه إنما قصد تحقيق نفي ذلك الفعل.
قلت: الأصل أن ثاني المتنافين ناسخ لأولهما فيما فيه النسخ ورافع له في غيره، فإن تقدم الحلف كان ما بعده رافعاً لمدلول ما حلف عليه فكان إقرار بالحنث، وإن تأخر كان رافعاً ما قبله فلا حنث.
اللخمي: قال في الموازية إن قيل له: فلان وفلان يشهد عليك بكذا فحلف بالطلاق أن لا شيء عنده من ذلك ثم شهد عليه مل يحنث، وقال مالك: من شهد عليه شاهدان بريح خمر فحلف بالطلاق ما شرب خمراً حد ودين في يمينه، ولا تطلق عليه.
قلت: ظاهره دون يمين ولا ينقض فرع الموازية ما ذكرناه من الفرق؛ لأن حلفه فيه في حكم المتأخر عن الشهادة؛ لأنه أتى به رداً لها لما أخبر بها.
وفيها: لو لم تشهد البينة على إقراره بعد اليمين، وعلم أنه كاذب في إقراره بعد يمينه حل له المقام عليها بينه وبين الله، ولم يسع امرأته المقام معه إن سمعت إقراره هذا

الجزء: 4 - الصفحة: 229

إلا ألا تجد بينة ولا سلطاناً، فهي كمن طلقت ثلاثاً ولا بينة لها.
قال فيها مالك: لا تتزين له ولا يرى لها شعراً، ولا وجهاً إن قدرت، ولا يأتيهما إلا وهي مكرهة، أحسن من قوله في المدونة إلا كارهة إذ لا تنفعها كراهتها لإتيانه لها، إنما ينفعها أن تكون مكرهة.
قلت: قوله: (أحسن من قوله في المدونة) صوابه في التهذيب: غذ هو لفظه لا لفظ المدونة، إذ لفظها وهي كارهة ولا تطاوعه، فالمتعقب إنما هو اختصار البرادعي على كارهة لا لفظ المدونة لزيادتها ولا تطاوعه.
ابن محرز: إنما منعه من رؤية وجهها لقصد اللذة كالأجنبي لا لغير اللذة إذ وجه المرأة عند مالك وغيره ليس عوة، قد قال في الظهار، وقد يرى غيره وجهها.
محمد: ولتفتد منه بما قدرت ولو بشعر رأسها، وتقتله إن خفي لها كغاصب المال؛ يريد: مثل العادي والمحارب، وقال سحنون: لا يحل لها قتله ولا قتل نفسها، أكثر ما عليها الامتناع وأن لا يأتيها إلا مكرهة.
ابن محرز: هذا الصواب.
ابن بشير: اختلف هل يباح لها قتله إن أمكنها وخفي لها، فقيل لها ذلك وأراه من باب تغيير المنكر، وقيل: لا ورآه من باب إقامة الحدود، ويحتمل أن يتخرجا على الخلاف في تغيير المنكر هل يفتقر إلى إذن أم لا، وقاس محمد قتله على المحارب، وأنكره ابن محرز بأن ن طلب أخذ ماله مخير في التسليم والمحاربة، والمرأة لا يجوز لها التسليم ولا سبيل لها إلى القتل؛ لأن قبل الوطء لم يستحق القتل بوجه وبعده صار حداً والحد ليس لها إقامته، والجواب أنه من تغيير المنكر بمدافعته، فإن لم يندفع إلا بقتله قتلته.
قلت: تفريق ابن محرز بأن المغصوب مخير بخلاف المرأة ينتج كون القياس أحروياً في القتل، والصواب: إن أمنت من قتل نفسها إن قتلتله أو حاولت قتله، ولم تقدر على دفعه إلا بقتله وجب عليها قتله لا إباحته، وإن لم تأمن قتل نفسها في مدافعته بالقتل أو بعد قتله فهي في سعة، وكذا من رأى فاسقاً يحاول فعل ذلك بغيره، وفي جهادها إن نزل قوم بآخرين يريدون أموالهم وأنفسمهم وحريمهم ناشدوهم الله فإن أبوا فالسيف.
ولو علق على مغيب حالاً يعلم مآلا كإن كنت حاملاً أو كإن لم تكوني حاملاً ففيها

الجزء: 4 - الصفحة: 230

طالق مكانها.
اللخمي: في ذا الأصل في الواضحة لا يقع إلا بحكم، يؤخر للمآل، وقاله أصبغ في إن كنت وبالأول في غن لم تكوني؛ لأنه على حنث، وصوب اللخمي الثالث وخص الخلاف بكون قوله في طهر مس فيه وأنزل، وإلا لم تطلق في إن كنت، وطلقت في إن لم تكوني.
قلت: فيه -على المشهور أن الحامل تحيض- نظر، وحكى ابن شاس: في إن كنت عن السيوري إن كانت بينة الحمل فبين أنها تطلق، وإن كان يطأ ولا ينزل أو ينزل ويعزل عزلاً بيناً فلا شيء عليه، وإلا وقف؛ لأن الحمل مشكوك فيه، وإن كانت ممن لا يمكن أن تحمل فلا شيء عليه، وإلا وقف؛ لأن الحمل مشكوك فيه، وإن كانت ممن لا يمكن أن تحمل فلا شيء عليه، وفي إن لم تكوني إن وطء وأنزل جرى على القولين في التعجيل والوقف وإلا عجل.
قلت: مقتضى جعله قول السيوري خلافاً كون تقييد اللخمي كذلك، وحكى ابن حارث عن ابن نافع كقول اشهب.
اللخمي: في توارثهما، ثالثها: ترثه ولا يرثها لسحنون فقيده ببيان بره، وإلا لم ترثه وبكون يمينه بالثلاث.
قال: وعليه محمل قول مالك فيها: ولو كانت يمينه بدونها توارثاً اتفاقاً.
فيها: في أنت طالق إن لم يكن في بطنك غلام لابن القاسم تطلق عليه كقوله إن لم تمطر السماء غداً.
ابن حارث عن سحنون: ينتظر وضعها إذ لم يقصد أن ما في بطنها غلام كقصد القائل إن لم تمطر السماء غداً أنها تمطر بكل حال.
الشيخ لابن سحنون عنه: من قال لزوجته إن كان حملك جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان غلاماً فطلقتان فولدتهما، إن ولدت الغلام أولاً لزمه طلقتان، وتنقضي العدة بوضع الجارية، ولا يوجب طلاقاً، وعكسه تلزمه بوضع الجارية طلقة فقط، وبوضع الغلام تنقضي العدة.
ولو قال في وعاء: إن كان فيه حنطة فامرأته طالق، وإن كان فيه تمر فعبده حر، فكانا فيه حنثاً فيهما؛ لأن الحنث عندنا بالأقل، ولو قال: إن كان كل ما فيه، أو قال إن

الجزء: 4 - الصفحة: 231

كان كل حملك غلاماً أو كله جارية، فكان في الوعاء الأمران، وفي الحمل الصنفان فلا شيء عليه، كقوله إن هدمت هذه البئر كلها فلا شيء عليه فهدم بعضها.
قلت: مر في الأيمان في هذا خلاف.
ولو قال إن كنت تبغضيني فأنت طالق، فقالت نعم أولاً ونحوه أمر بفراقها، وفي جبره، ثالثها: إن قالت: نعم لعياض عن طرق الأشياخ، وعزا الثالث لابن القاسم أيضاً ولرواية الواضحة: لا يقضى عليه، ولأصبغ يقضى عليه، وقول ابن الحاجب، ورابعها: إن صدقها حنث يقتضي الخلاف فيه، وهو بعيد، ولابن عبد السلام كابن شاس عن عبد الحميد: إن قصد نفس لفظها فلا طلاق عليه إن أجابته بما لا يقتضيه، وإن علقه بما في قلبها فهو من وقوع الطلاق بالشك.
قلت: وفي المجموعة نحوه قال اللخمي في كتاب العتق عن المجموعة، قوله: أنت حرة إن كنت تحبيني، فقالت: أنا أبغضك أشد؛ لأنها لو كان كانت تغضه ما.
قالت: ما يكره ولحبها إياه لم تذكر محبتها إياه خوف الخروج من يده، وكذلك هذا في الطلاق.
قال: إلا أن يقول نويت ما تعليمين من ذلك فله ذلك مع يمينه.
وقد يكون للسياق، في إرخاء الستور منها: من خالع امرأته، ثم ظاهر منها في عدتها أو آلا لزمه الإيلاء لا الظهار إلا أن يقول إن تزوجتك أو يجري قبل ذلك ما يدل عليه فيلزمه إن تزوجها، كمن خالع إحدى امرأتيه فقالت له الأخرى ستراجعها، فقال لها هي طالق أبداً ولا نية له.
قلت: وكثير ما يقع شبهه فيمن يقال له تزوج فلانة فيقول هي عليه حرام، أو يسمع حين الخطبة عن المخطوبة أو عن بعض قرابتها ما يكرهه فيقول ذلك، فكان بعض المفتين يحمله على التعليق فيلزمه التحريم محتجاً بمسألة المدونة، وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من دلالة السايق على التعليق في الطلاق كونه كذلك مع السايق ناهض في الدلالة على التعليق والتحريم يعقله العوام في غير الزوجة، ولهذا يحرمون الطعام وغيره، وأرى أن يستفهم القائل هل أراد بقوله معنى تحريمه طعاماً أو ثوباً أو أنها صيرها كأخته وخالته أو معنى أنها طالق، فإن أراد الأول لم يلزمه شيء، وإن أراد الأخير لزمه التحريم، وكذا

الجزء: 4 - الصفحة: 232

إن لم يبن منه شيء إذ لا تباح الفروج بالشك.
وتعليق التعليق على مجموع الأمرين كإن دخلت الدار فأنت طالق إن كانت لزيد، لا يحنث إلا بدخولها مع كونها لزيد، ولو على التحنيث بالأقل اعتباراً بالتعليق، وعلى هذا الأصل اختلاف مذكور في إيلائها، وفي كون الحلف على التعليق حلفاً عليه فيخير إن وقع المعلق عليه بين حنث اليمين وحنث التعليق أو تأكيد التعليق فيتنجز بالمعلق عليه حنث التعليق قولاً أكثر المتأخرين وأقلهم، لابن سهل عن ابن زرب من قال لزوجته: الأيمان له لازمة إن دخلت دار فلان إن كنت له بزوجة فدخلها ثم بارأها.
قال ابن دحون: تحير فيها أهل بلدنا فقال القاضي قد بر بمبارأتها، وله أن يتزوجها ولا حنث عليه كمن قال لزوجته: أنت طالق إن لم أطلقك، فقال له أبو الأصبغ الحشي وغيره ليست مثلها؛ لأنه قال: لا كانت لي بزوجة فمتى ردها صارت له زوجة ولزمه الحنث، فقال القاضي: هي عندي مثلها إلا أن ينوي لا كانت بزوجة أبدأً، فإن نواه لزمه الحنث متى تزوجها، وقال بعض أهل المجلس: أفتى فيها بعض فقهاء بلدنا بطلاق الثلاث وأن المباراة لا تنفعه ولا يجوز له أن يتزوجها بعد زوج، وقال ابن محسن: نزلت بقرطبة، وكتب بها لابن أبي زيد فقيه القيروان فأفتى بفتيا القاضي منذ أربعة أعوام ونحوها.
قلت: جواب القاضي عن إيراد ابن الحشاء لغو؛ لأنه تكرير لعين دعواه أولاً، ولو قال: لأن الفعل في سياق النفي لا يعم لكان جواباً، وهو مذهب الغوالي، وقول ابن الحشى على تعميمه، وهو اختيار ابن التلمساني، وهو مقتضى مسائل المذهب في الأيمان.
فإن قلت: فتوى الشيخ: بأن المبارأة كافية، ولا تلزمه الثلاث خلاف متقدم فتواه في أن فعلت كذا فلست لي بامرأة أنها ثلاث.
قلت: الفرق أن قوله إن كنت لي بزوجة حلف على تحصيله مسمى عدم الزوجية، وهو قادر على تحصيله بالمبارأة، وقوله: (إن فعلت كذا فلست لي بامرأة) التزام لحصول مسمى لست لي بامرأة، وحصوله بنفس وجود متعلق عليه يوجب البينونة حينئذ، ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 233

بينونة فيمن لم تخالع إلا بالثلاث على المشهور، والفرق بينهما كالفرق بين قوله إن فعلت كذا فأنت طالق طلقة بائنة، وبين قوله أنت طالق ثلاثاً إن لم أطلقك طلقة بائنة لا تتقدر بينونة الأولى إلا بالثلاث، ويكفي في بينونة الثانية المبارأة.
وفي نوازل ابن الحاج: من قال لامرأته والله الذي لا إله إلا هو إن شاررت أمي وخرجت من الدار إن خرجت إلا كخروجها، فشاررتها وخرجت الأم لا يلزمه إلا كفارة يمين، بهذا أفتى أصحابنا وخالفهم الفقيه القاضي أبو عبد الله بن حمدين، وأرى أنها طالق ثلاثاً وقضى به على الحالف، ولما ذكر ابن رشد ما نقلناه عنه في مسألة القائل إن كان كذا فلست لي بامرأة.
قال كان بعض الناس يفتي من هذه المسألة في نازلة تنزل كثيراً، وهو قول الرجل لامرأته بالله إن فعلت كذا إن كنت لي بامرأة، ولا يراعى عقد يمينه، ويقول إنما معنى ذلك أنه حلف أنه قد طلقها وذلك لا يصح؛ لأنها يمين منعقدة يصح فيها البر والحنث، ومعناها والله أو علي المشي إن فعلت كذا وكذا لأطلقنك طلاقاً لا تكونين به بامرأة فيبر في يمينه بأن يباريها بطلقة تملك بها نفسها.
على مقدر بإن ونحوها ظاهر في تعليقه لا في بته ولا محتمل لهما خلافاً لابن رشد وسماع القرينين في التخيير من قالت لزوج ابنتها إنك مع ابنتي على حرام، فقال: لا، فقالت: بلى، فلما أكثرت عليه قال: إن كان ما تقولين حقاً فشدي يديك بها إلى آخر قوله، فإن نكل طلقت البتة.
ابن رشد: لأن النية التي ادعاها محتملة، فإن نكل طلقت ثلاثاً؛ لأن قوله شدي بها يديك إلى آخر كقوله رددتها إليك أو وهبتها لك وذلك يوجب البتات.
بعصمة لا يرتفع إلا ببتها بالثلاث لا بطلاقها وتزويجها غيره.
فيها: إن حلف بطلاقها إن أكلت هذا الرغيف فأكلته أو بعضه بعد أن تزوجها بعد طلاقه إياها وزواجها غيره حنث ما بقي من طلاق ملك حلفه شيء، فإذا تم لم يحنث بما أكلت عنده في الملك، وذكر ابن حارث إثر نقله نصها لابن القاسم وروى البرقي عن أشهب: لا يحنث إذا فعلت ذلك بعدما تزوجها، وشهدت أبا جعفر أحمد بن نصر يفتي بمذهب أشهب.

الجزء: 4 - الصفحة: 234

وتقييد المعلق عليه بما الظاهر كونه طردياً لغو إلا أن يقصد بالنية فيعتبر.
فيها: من قال أنت طالق يوم أدخل دار فلان فدخلها ليلاً أو حلف على الليل فدخلها نهاراً حنث إلا أن ينوي نهاراً دون ليل أو ليلاً دون نهار فينوي.
قلت: ظاهره دون يمين وتجري على التهمة.
والشك في الطلاق: سمع فيه من كتاب العدة عيسى ابن الاسم: من شك في طلاق امراته لم يقض به عليه وذلك إليه.
ابن رشد: الشك فيه على خمسة أقسام: منه ما يتفق على أنه لا يؤمر به ولا يجبر، مثل حلفه على رجل لا فعل فعلاً، ثم يقول لعله فعله دون سبب يوجب شكه فيه، ومنه ما يتفق على أنه يؤمر به ولا يجبر مثل حلفه أن لا يفعل فعلاً، ثم يشك هل حنث أم لا؟ لسبب يدخل عليه الشك، ومنه ما يتفق على أنه لا يجبر ويختلف هل يؤمر أو لا مثل أن يشك هل طلق امرأته أم لا؟ ويشك هل حنث في يمينه فيها، فقال ابن القاسم يؤمر ولا يجبر، وهو قوله في هذه الرواية، وقال أصبغ: لا يؤمر ولا يجبر، ومنه ما يختلف فيه هل يجبر أو لا؟ مثل أن يطلق فلا يدري طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، أو يحلف ويحنث ولا يدري أكان حلف بطلاق أو مشي، أو يقول امرأتي طالق إن كان فلانة حائضاً، فتقول لست بحائض، وإن كان فلان يبغضني فيقول أنا أحبك، وإن لم يخبرني بالصدق فيخبره ويزعم أنه صدقه ولا يدري حقيقة ذلك، والخلاف في المسألة الأولى من قول ابن القاسم ومن قول ابن الماجشون، وفي الثانية من قول ابن القاسم وأصبغ، ومنه ما يتفق على أنه يجبر مثل قوله: امرأتي طالق إن كان أمس كذا لشيء يمكن أن يكون وأن لا يكون ولا طريق لاستعلامه، ومثل أن يشك أي امرأتيه طلق.
قلت: انظر ما الفرق بين الأول والثالث، ولا فرق بينهما في الحقيقة بينهما إلا أن يحمل الأول على احتمال الطلاق مع رجحان عدمه، والثاني مع تساويه؛ فيكون قد جعل الوهم من أقسام الشك، والمعروف أنه قسيمه، وللخمي عن ابن حبيب عن ابن الاسم: من شك في طلاق امرأته ابتداء يقول لا أدري حلفت فحنثت أم لا، أو يحلف بطلاق امرأته لا تخرج لم يشك هل خرجت، أو لا كلم فلاناً ثم يشك هل كلمه؛ هذا لا يؤمر بالفراق بقضاء ولا فتيا.

الجزء: 4 - الصفحة: 235

قلت: هذا خلاف نقل ابن رشد عن ابن القاسم في القسم الثالث.
قال اللخمي: ويختلف إذا شك هل طلق أم لا؟ فعلى وجوب وضوء من أيقن بالوضوء وشك في الحدث يحرم عليه هنا، وعلى استحباب وضوئه يستحب فراقه في تحرمه الوجوب نظر؛ لأن الوضوء أيسر من الطلاق، ولأن أسباب نقض الوضوء متكررة غالبة بخلاف أسباب الطلاق، ولما حكى ابن عبد السلام التفريق بمشقة الطلاق دون الوضوء.
قال: ما أشار إليه في المدونة من الفرق أحسن، وذلك أنه جعل الشك في الحدث من الشك في الشرط، والشك في الشرط شك في المشروط، وذلك مانع من الدخول في الصلاة، والشك في الطلاق شك في حصول مانع من استصحاب العصمة، والشك في الكانع لا يوجب التوقف بوجه، والنكتة أن المشكوك فيه مطرح، فالشك في حصول الشرط يوجب طرح الشرط وذلك يمنع الإقدام على المشروط، والشك في المانع يوجب طرحه وذلك موجب للتمادي.
قلت: من تأمل وأنصف علم أن الشك في الحدث شك في مانع لا في شرط، لكنه في مانع لأمر هو شرط يف غيره.
والمعروف أن الشك في المانع لغو مطلقاً، ويؤيده قوله النكتة أن المشكوك فيه مطرح، والمشكوك فيه مسألة الوضوء إنما هو الحدث لا الوضوء فيجب طرحه.
وفيها: فكل يمين لا يعلم صاحبها أنه فيها بار وهي بالطلاق فهو حانث فلم يقيده الصقلي وقال ابن الحاجب يعني يشك.
قلت: لأنه أتى بها مصدرة بالفاء عقب قوله من حلف لا كلم فلاناً ثم شك هل كلمه طلقت عليه؛ لأن يمينه خرجت منه وهو لا يتقين أنه فيها بار، ومن شك هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً ففي حرمتها إلا بعد زوج وأمره بفراقها دون قضاء قولها، ونقل اللخمي رواية ابن حبيب، وعلى الأول إن طلقها طلقة بعد نكاحها بعد زوج ففي لزوم الثلاث، ولو نكحها كذلك بعد مائة زوج ما لم يبت طلاقها ثلاثاً دفعة، أو ما لم يتزوجها بعد ثلاثة أزواج، ثالثها: ما لم يطلقها ثلاثاً، ولو كن متفرقات لها، ولرواية الصقلي مع نقله عن أشهب وأصبغ وابن وهب وتوجيهه الأقوال الثلاثة دليل مغايرتها

الجزء: 4 - الصفحة: 236

عنده، والحق لا تغاير بين الأخير وما قبله.
وسمع أصبغ ابن القاسم: من قال لامراته: إن تزوجتك فأنت طالق، ولا يدري ما أراد، إن تزوجها بانت منه خوف أن يكون طلق البتة ولها نصف المهر، ولم يكن ينبغي له أن يتزوجها حتى تنكح زوجاً، كذا أبداً حتى تبين منه بثلاث تطليقات لكل نكاح طلقة محسوبة، إن طلقها إياها لا ترجع إليه حتى تنكح زوجاً غيره.
قال: واختلف الناس إن رجعت إليه بعد الذي فسدت لك أن يبتدئ الطلاق أو تكون على طلقة واحب إلي أن تكون على تطليقة أبداً يعمل باليقين ويطرح الشك، وقاله أصبغ وأشهب أيضاً في المدخول بها وهما سواء.
ابن رشد: حمل ابن القاسم قوله ولا أدري على أنه لم يدري ما أراد من عدد الطلاق، وأنه أراد شيئاً فنسيه خلاف قول سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد في التخيير والتمليك من المدونة، وقول ابن القاسم هذا كقوله فيها في الأيمان بالطلاق أن الشك باق أبداً لا ترجع إليه أبداً إلا على طلقة، وهو قول سحنون.
قال: ولو نكحها بعد عشرة أزواج إلا أن يبت طلاقها، وحكى الشيخ في المختصر عن أشهب: أن الشك يرتفع بعد ثلاثة أزواج وترجع إليه إن تزوجها على كل الطلاق وهو قول ابن وهب، وبه أخذ ابن حبيب.
قال يحيى بن عمر تدبرته فوجدته خطأ، وقال الفضل أيضاً أنه خطأ واضح.
قلت: جعل ابن رشد قول ابن وهب هو قول أشهب خلاف جعل الصقلي قول ابن وهب خلاف قول أشهب وهو وهم.
ابن بشير: إن شك في واحدة وثلاث ففي وجوب الثلاث قولان، إن قلنا لا تجب أمر بالرجعة، فإن لم يفعل حتى تمت العدة ففي جواز نكاحه إياها القولان.
قلت: وهذا نص منه بأن القول الثاني أنها طلقة رجعية وحكاه ابن الحاجب، قال ابن عبد السلام: تبع فيه غيره، وأنكر غيرهما من الحفاظ وجوده في المذهب، وأصول المذهب تشهد لوجوده، ثم حكى رواية ابن حبيب على أنها غيره.
قلت: لا أعلم من أنكر ثاني نقل ابن بشير، وهو عندي نفس رواية ابن حبيب، ولذا لا تجد من جمع بينهما في النقل، حكاه ابن بشير ولم يزد رواية ابن حبيب، واللخمي

الجزء: 4 - الصفحة: 237

عكس، وقال: لا يختلف أنه يؤمر أول مرة بالإمساك عن رجعتها حتى يتزوجها إن شاء، فإن ارتجعها أمر أن لايصيب، أنه لا يدري في حليتها من حرمتها، ويؤمر أن يطلقها لإمكان كون رجعته صحيحة فلا تحل لغيره من غير طلاق؛ لأن منع الأول إنما هو لإمكان كون الطلاق ثلاثا لا على وجه القطع، فمنع الناس أولى؛ لأنه في شك من زوال الأول عليها طلاقا، فإن أبى ولم يجبر على رواية ابن حبيب، فإن لم يجبر ووقف عنها فرفعته للسلطان طلق عليه الحاكم.
قلت: فحاصل كلامه أن اللازم له على رواية ابن حبيب إنما هي طلقة رجعية، وقوله تفريعاً عليها أنه يوقف على إصابتها، وتطلق عليه إن رفعته غير صحيح، وقوله إذا منع الأول مع الشك فالثاني أولى إن أراد على رواية ابن حبيب فلا خلاف في حرمتها على غير الأول إلا أن يوقع الأول عليها طلقة أو يموت، وإن أراد على المشهور فليس كذلك؛ لأنه فرق بين كون الشك طريقاً لوجوب الحكم، والحكم المشكوك فيه الأول معتبر، والثاني لغو كمن شك في وجوب ظهر وعصر ثم تيقن وجوب الظهر بعينها بعد صلاتهما فقط أو بعد وصلاتهما معاً فلا إعادة عليه، ولو شك في وجوب الظهر لشكه في دخول وقتها فصلاها ثم بان له أنه صلاها بعد دخوله فإنه لا تجزئه، وقد أشار إلى هذا القرافي في قواعده، واخبر بعض شيوخنا عن الشيخ الفقيه أبي عبد الله بن شعيب أنه سمع الشيخ الفقيه المعروف بابن بنت العز في مجلس تدريس حضرة فقهاء الديار المصرية يرجح الفتوى برواية ابن حبيب محتجاً بانه لو ألزمناه الثلاث بشكه لأبحناها لغير بالشك، واللازم باطل فالملزوم مثله، ولم يحك لاحتجاجه رداً وهو نحو كلام اللخمي، ورده واضح حسبما مر.
اللخمي: إن شك هل طلق وحدة أو ثلاثاً أمر أن لا يقر بها حتى تنكح زوجاً غيره، فإن تزوجها بعده ثم طلقها فله أن يرتجعها اتفاقاً لانتفاء الشك في الثلاث، فإن طلقها ثانية لم تحل له إلا بعد زوج لتقرر الشك في الثلاث، وإن شك في واحدة أو اثنتين فله الرجعة، فإن ارتجعها ثم طلقها جاء الشك في الثلاث.
قلت: صور الشك في العدد أربع مسألة الكتاب، والشك في واحدة أو اثنتين،

الجزء: 4 - الصفحة: 238

والشك في واحدة أو ثلاث، والشك يف اثنتين أو ثلاث، وضابط ما تحرم عليه فيه قبل زوج إن طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج طلاقاً دون البتات كل ما لم ينقسم مجموع عدد طلاقه بعد زوج مع عدد طلاق كل شك بانفراده على ثلاث لم تحرم، وإن انقسم، ولو في صورة واحدة حرمت، الطرطوشي: إن شك في عدد طلاقه لزمه أكثره، ولو تيقن واحدة وشك في الثانية لم يلزمه إلا واحدة.
قلت: لأن الأول: شك في عدد ما وقع، والثاني: شك في الوقوع.
وفيها مع عتقها: من طلق واحدة من نسائه مث نسيها طلقن كلهن بغير ائتناف طلاق.
الصقلي وابن رشد: اتفاقاً.
القرافي: إجماعاً.
قلت: فإن تذكر عين المطلقة فكقولها من شك في واحدة أو اثنتين أو ثلاث، فقال مالك هي ثلاث.
ابن القاسمك إن ذكر في العدة أنها أقل فله الرجعة فكذا يكون أحق بغير من ذكر عينها ويكون فوت غيرها كامرأة المفقود، وقال ابن عبد السلام في قول ابن الحاجب طلقن بغير استئناف طلاق، قد يكون تنبيهاً على خلاف أبي حنيفة القائل إنما يقع الطلاق على التي طلقها، وتطلق من عداها لتحل للأزواج فيقول من لم يقع عليها طلاقي من نسائي طالق، واستحسنه بعضهم وهو عندي حسن، وتقدم تنبيهاً على اختلاف الأصوليين في الميتة إذا اختلطت بالذكية هل تحرمان أو لا تحرم إلا الميتة؟ وعليه لا بد من استئناف الطلاق لمن لم يطلقها، وكذا على القول الأول إذ لا يلزم منع الاستمتاع بالزوجة لموجب ما وقوع الطلاق؛ لأن المنع من الاستمتاع من لوازم الطلاق لا ملزوم له، ولا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم.
قلت: قوله: (قد يكون تنبيهاً على خلاف أبي حنيفة) هو كالمتعين؛ لأن أصل المدونة إنما هي مسائل حصلها أسد بن الفرات عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ثم جاء لابن القاسم فكان يسأله عنها ويثبت فيها أجوبة ابن القاسم على مذهب مالك حسبما نقله ابن الرقيق وغيره، واستحباب بعضهم إيقاع الزوج طلاق غير المطلقة في

الجزء: 4 - الصفحة: 239

نفس الأمر لتحل لغيره بناء على نحو ما مر للخمي خلاف ما مر من رده، وهنا زيادة اعتبار قاعدة ما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب، وما نقله في الشاتين من القول بأنه لا تحرم إلا الميتة قول ضعيف نقله الغزالي في المستصفى وزيفه هو وغيره.
قال السراج في تحصيله: إذا اشتبهت منكوحة بأجنبية وجب الكف عنهما، لكن قيل: الحرام هو الأجنبية وهو باطل؛ لأن إثبات الحرج في الفعل ينفي حله، نعم حرمت الأجنبية لكونها أجنبية والمنكوحة لاشتباهها بها.
قلت: وهو مختصر كلام الغزالين وقوله: (المنع من الاستمتاع من لوازم الطلاق لا ملزوم له .. إلخ 9 إن أراد وقتاً ما أو الأعم من كونه بمنكوحة أو مملوكة فمسلم وليس محل النزاع، وإن أراد بالزوجة دائماً إلا بنكاح جديد، فإن أراد أنه كذلك على قول سلم ولم يفد احتجاجاً؛ بل تخريجاً، وإن أراد أنه كذلك اتفاقاً، وهو ظاهر سياقه رد بما تقدم من الخلاف في أنت طالق إن لم أطلقك أحد الأقوال يعجل الطلاق لحرمة متعته بها، وبالقول بلزوم الطلاق في قوله إن وطئتك فأنت طالق حسبما يأتي إن شاء الله.
وسمع عيسى ابن القاسم في كتاب العدة: من طلق إحدى امرأتيه بعد بنائه بإحداهما ثم نسيها ثم ماتتا، إن ماتت المدخول بها في العدة ورثها والأخرى إن شاء ورثها أو لم يرثها ذلك إليه في الاحتياط.
ابن رشد: قوله في المدخول بها صحيح، وفي قوله في الأخرى نظر؛ لأنه أباح له أخذ ما لا يدري هل هو له أم لا؟ ويلزم عليه لو لم يمت أن يؤمر بفراقها ولا يجبر، ووجه قوله أنه لما ورث المدخول بها فكأنه لم يشك في طلاقها وإنما شك في طلاق الأخرى فأشبه من شك في طلاق امرأته فيؤمر بفراقها، وأن لا يرثها ولا يجبر على ذلك؛ لأن العصمة متيقنة فلا ترفع بالشك وليس ببين؛ لأن الطلاق في هذه متيقن في إحداهما، فكما لا يجوز أن يمسك إحدهما خوف كونها المطلقة، فكذا لا يجوز إرث التي لم يبن لها خوف كونها المطلقة إلا أن يتذكر أن الأخرى هي المطلقة يقيناً، ونحى فضل إلى أن لأه نصف ميراثه منهما كما لكل واحدة منهما نصف ميراثهما منه لو مات بعد انقضاء العدة وليس بصحيح؛ لأن في موته تحقق ثبوت إرث إحداهما له يقسم بينهما بين أيمانهما على حكم التداعي وإرث الزوج مشكوك فيه بالنسبة لنفس كل واحدة منهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 240

وفيهما: ومن قال إحدى نسائي طالق أو حنت بذلك في يمين، فإن نوى واحدة طلقت فقط وصدق في الفتيا والقضاء، وإن لم ينوها طلقن كلهن بغير ائتناف طلاق.
الصقلى عن محمد: هذا قول المصريين وروايتهم، وقال المدنيون: ورووا يختار واحدة للطلاق كالعتق كذلك، والأول أحب إلى ; لأن العتق يتبعض ويجمع في أحدهم في السهم بخلاف الطلاق، وفرق ابن هشام بأن الطلاق فرع أصل لا يقبل الخيار وهو النكاح، والعتق فرع أصل يقبله وهو الشراء، ومثله سمع اصبغ ابن القاسم, ابن رشد: وهو المشهور ورواية المدنيين شذوذ، والقياس أن العتق كالطلاق وتفرقة مالك استحسان.
وفيها: إن جحد فشهد عليه كان كمن لا نيًة له.
قُلتُ: يرد تخريج قبول قوله في النيًة بعد جحده من قول ابن القاسم في لعانها وإن أقامت المرأة بينة أن الزوج قذفها، وهو ينكر حد إلا أن يدعي رؤية فيلتعن وقبل منه بعد جحوده لدفع الحد بالشبهة، وتخريجها على قبول قول المودع ينكر الوديعة فتقوم عليها بينة أنها تلفت يرد بأن حفظ الفروج أكد من الأموال.
ولابن رُشد فى رسم الشجرة من سماع ابن القاسم في الشهادة قيل: تقبل منه نيته في يمينه بالطلاق بعد إنكاره، وهو قول مالك في كتاب التخيير في رسم كتب من سماع ابن القاسم، وفي رسم الطلاق من سماع أشهب، ورسم الكبش من سماع يحيى منه، ومن كتاب الأيمان بالطلاق في عتقها الأول زيادة، ولو قال أحد عبدي حر، ولم ينو واحدًا بعينه فهو مخير في عتق أحدهما، وقال ابن بشير في تخييره في التق والطلاق: ثالثها: فيه، وفي المستصفى إثر المسألة السالفة: لو قال إحدى زوجتي طالق احتمل أن يقال حرمتها معًا، فإنه لا يشترط تعيين المحل للطلاق ثم عليه التعيين، وإليه ذهب أكثر الفقهاء والمصير إلى أن إحداهما محرمة والأخرى منكوحة كما توهموه في اختلاط منكوحة بأجنبية فلا ينقدح هنا; لأنه جهل من الآدمى عرض بعد التعيين، وهو هنا ليس متعينا في نفسه والله علمه مطلقًا لإحداهما لا بعينها، فإن قيل إذا وجب عليه التعيين فالله أعلم ما يعينه فتكون المحرمة المطلقة بعينها في علم

الجزء: 4 - الصفحة: 241

الله، وإنما هو مشكل علينا.
قُلتُ: الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، ولا يعلم الطلاق الذي لم يعين محله متعينًا; بل يعلمه قابلا للتعيين، ويعلم أنه سيعين زينب مثلا فيتعين الطلاق بتعيينه وإذا عين لا قبله.
اللخمي: اختلف في يمينه هل يحلف انه نواها، ولا أرى أن يحلف أن نسق قوله وإن لم يكن نسقا، وكانت منازعته معها، فإن قال نويت الشابة أو الحسناء منهما أو من يعلم ميله لها لم يحلف، ويحلف في عكسها غلا أن تكون المنازعة معها فلا يحلف، وإن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال.
وسمع عيسى رواية ابن القاسم من قال: امرأته طالق التبة أو غلامه حر إن لم يفعل كذا فمات، ولم يفعله ترقه امرأته، ويعتق الغلام في ثلثه.
ابن رُشد: لأن الحالف على حنث لا يحنث إلا بموته فيعتق العبد في ثلثه على حكم العتق بعد الموت احتياطا للعتق لئلا يسترق بالشط وترثه زوجته; لأن الطلاق لا يصح بعد الموت، ولأنه لو حنث في حياته خير بين العتق والطلاق كما سمع يحيى، ولو قال قائل تنزل ورثته بعد موته فى التخيير منزلته فلا يعتق العبد في الثلث إلا برضاهم لكان له وجه; لأن الأصل براءة الذمة والعتق لا يكون إلا بيقين.
قُلتُ: هذا وهم؛ لأن تخييره هو إيقاعه الطلاق بدل العتق وهذا بعد موته ممتنع، والأصل في الفقه والبرهات أن انتفاء أحد الأمرين المخير فيهما يوجب تعيين الأخر كتعذر العتق والكسوة في الكفارة يوجب الإطعام، ومن ثم كان انتفاء إحدى جزئي الحقيقة المنفصلة ينتج ثبوت الأخر وسماع يحيى ابن القاسم هو من قال امرأته طالق أو عبده حر إن فعل كذا فحنث فهو مخير في طلاقها وفي عتقه.
ابن رُشْد: لأن أو في الماضي للشك، وفي المستقبل للتخيير.
قُلتُ: لم يحك فيه خلافا، ومثله نقل الشيخ في نوادره عن الموازيًة وعن أصْبَغ في الواضحة، ثم قال: ومن كتاب ابن سَحنون عنه: من قال لامرأتيه: أنت طالق أو أنت طالق طلقت الأولى وحلفت في الثانية، ولو قال: أنت طالق أو أنت حر لعبده طلقت عليه المرأة وحلف في العبد أنه ما أراد عتقه إن نكل عتق عليه، ومن له أربع نسوة قال:

الجزء: 4 - الصفحة: 242

لواحدة أنت طالق، ثم للثانية لا أنت، ثم للثالثة أو أنت، ثم للرابعة؛ بل أنت نسقا، طلقت الأولى والرابعة لا الثانية ويحلف في الثالثة، وقال بعض أصحابنا: تطلق الأخيرة ولا شئ في الثانية وخير في الأولى والثالثة يطلق إحداهما فأنكره سَحنون.
قُلتُ: هما بناء على ما مر في أنت طالق أو أنت هل يلزم طلاق الأولى ويحلف في الثانية، أو يخير فيهما؟ قال الشيخ: ولو قال لواحدة أنت طالق ثم للأخرى؛ بل أنت طلقتا معًا، ولو قال لا أنت طلقت الأولى فقط، ولو قال للثانية؛ بل أنت وللثالثة أو أنت ففي قول سَحنون تطلق الأولى والثانية ويحلف في الثالثة، وفي القول الآخر الثانية طالق وخير في الأولى والثالثة وما أنكره سَحنون هو قول أَصْبغ في الموازيًة والواضحة.
قال ابن حبيب عنه: إن قال أنت طالق ولأخرى لا أنت، فإن أراد لا؛ بل أنت طلقتا معَا، وإن أراد لست أنت لم تطلق الثانية.
قُلتُ: فإن لم تكن له نيًة فظاهر ما مر لسَحنون أنه محمول على الثاني، وهو الجاري على ما أصلوه في مسألة التعارض؛ لأن اللازم على الثاني التأكيد؛ لأن المعنى حينئذ صرف الطلاق عن الثانية، وكان عنها مصروفا بالأصل، واللازم على الأول النسخ؛ لأن المعنى حينئذ رد النفي لطلاق الأولى وقد وقع.
قال الشيخ: ولو قال للأولى أنت طالق، وللثانية لا أنت، وللثالثة؛ بل أنت، وللرابعة أو أنت لم تطلق الثانية على منعني ما ذكرنا، وتطلق الثالثة بكل حال ويخير في الأولى والرابعة يطلق من شاء منهما وكأنه لم يقل ذلك إلا لهما.
قُلتُ/ قوله يطلق أربعين لطلاقه السابق إحداهما لا يقول لها أنت طالق إذا قد تكون هي المطلقة بما سبق فيلزمه بهذا طلقة أخرى، وقد يتزوجها فيبني على أن الباقي له فيها طلقتان وليس كذلك.
اللخمي: من قال أنت طالق أو أنت، خير في طلاق أيهما شاء، ولو قال أو أنت بنية أحدثها بعد تمام قوله أنت طالق طلقت عليه الأولى، إذ لا يصح رفع طلاقها بعد وقوعه، ولا تطلق الثانية؛ لأنه جعل طلاقها على خيار، ولا يختار طلاقها لما طلقت الأولى، ولو قال أنت طالق وللثانية أو أنت ثم التفت إلى الثالثة فقال أو أنت، فإن طلق

الجزء: 4 - الصفحة: 243

أحد الطرفين خير في الأخر والوسطى، وإن طلقها ثبت الطرفان، وإن أمسكها طلقا، وإن قال أنت طالق أو أنت؛ بل أنت، فإن أراد ببل الإضراب عن الثانية إلى الثالثة، أي الخيار بينك وبين الأولى بقيت الثانية وطلقت الأولى وخير في الثالثة، وإن أراد حصر الخيار بين الثانية والثالثة بقيت الأولى وطلقت الثانية وخير في الثالثة، ولو قال أنت طالق؛ بل أنت أو أنت طلقت الأولى وخير في عيرها، وفي أنت طالق لا أنت؛ بل أنت طلقت الأولى والأخيرة إلا ان يردي رفعه عن الأولى وإثباته للثانية فيطلقن ثلاثتهن.
عليها ومن لم يدر بما حلف؛ بطلاق أو عتق أو مشي أو صدقة فليطلق نساءه وليعتق رقيقه وليتصدق بثلث ماله وليمش إلى مكة يؤمر بذلك دون قضاء، وللشيخ في الواضحة عن أَصْبَغ: من أيقن بالحنث ولم يدر أحلف بطلاق او عتق أو ظهار أو مشي أو بالله فليلزم هذه الأيمان كلها بالفتيا والقضاء إلا ما لا يشك انه لا يجرى على لسانه منها فلا يلزمه، وما كان يجري على لسانه يلزمه بالشك.
قال اللخمى بعد نقله هذا: قول أَصْبَغ يجبر على الصدقة والمشي خلاف معروف المذهب؛ لأنه في الصدقة على غير معين، وهو في المشي أبين إن لا يجبر؛ لأنه حق الله لا لآدمي كقوله إن كلمت فلانا فعلي صلاة أو صوم فإنه لا يجبر.
قُلتُ: ليس في قول أصْبَغ في النوادر: ولا في نقل اللخمى ذكر الصدقة، ولا لفظ الجبر إنما فيه لفظ اللزوم، وكون اللزوم لا يستلزم الجبر بذاته واضح، وقول ابن بشير إثر نقله تعقب اللخمى قول أَصْبَع ولعل أَصْبَع أراد بالجبر أنه جيب ذلك عليه لا أنه يلزمه تورعا، اتكالٌ منه على صحة نقل اللخمي عنه لفظ الجبر، وهو لم ينقله عنه إنما نقل عنه لفظ اللزوم.
وفيها مع سماع عيسى: شك الموسوس في طلاقه أنه طلق لغو.
ابن رُشْد: اتفاقًا.
وسمع عيسى ابن القاسم: من قال لرجل يميني على يمينك لا شئ عليه.
ابن رُشْد: إن قال ظننت أنه لا يحلف غلا بالله لسماع ابن القاسم ذلك، ونقله ابن حبيب وزاد: ويحلف وإن صمت لزمه، وسمع أبو زيد ابن القاسم شرط لزومه أن يكون للحالف زوجة وفي العتق عبد، وسمع عيسى ابن القاسم من أجاب من قال له

الجزء: 4 - الصفحة: 244

أطلقت امرأتك بنعم كما طلقت أنت امرأتك، وقد طلق السائل فقال المسئول لم أعلم بطلاقه، إن لم يعلمه ولم يرد هو طلاقا حلف ذلك ولا شيء عليه.
ابن رُشْد: إن شهد عليه وقيم عليه لم يصدق إلا بما يدل على صدقه بقياس من شاهد حال أو مقال.
وسمع ابن الفاسم في العدة: من شهد عليه انه طلق امرأته البتة، وقد ماتت لا يرثها، وإن مات دونها ورثته, قال سَحنون: معناه أن الشهود كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات, ابن رُشْد: قول سَحنون ليس بصحيح إذ لو كانوا قياما معه فلم يقوموا حتى مات لوجب أن يرث كل منهما صاحبه لبطلان شهادتهم بترك قيامهم، ووهم سَحنون في تفسير قول مالك؛ لقول يحيى بن سعيد في الأيمان بالطلاق منها في شهود شهدوا على رجل بعد موته أنه طلق امرأته لا تجوز شهادتهم إن كانوا حضورا وترثه امرأته، وكذا كان يقول يحيى لو ماتت هي أنه يرثها، فإنما معنى مسألة مالك أن الشهود كانوا غيبًا ولذا وقع له في رسم "حمل صبيا" من سماع عيسى من الأيمان بالطلاق أن الشهود كانوا غيبًا فمالك أحق بتبيين ما أراد، ووجه تفرقته بين ميراثه منها وميراثها منه أنه إن كان الميت فهو لم يعذر له فى الشهود، ولعله لو أعذر له فيهم لأبطل شهادتهم فرأى لها الميراث منها، وقال محمد بن المواز: أنما ورثته ولم يرثها؛ لأنه كالمطلق في المرض؛ لأن الطلاق وقع يوم الحكم؛ ولو لم يقع يوم الحكم كان فيه الحد.
قال التونسي: فيه نظر؛ لأن الحاكم إنما ينفذ شهادة البينة، وهي تقول أن الطلاق وقع قبل الموت وإنما درئ الحد بالشبهة إما لنسيانه أو لإمكان كونه صادقا في إنكار الشهادة، ولو كان الطلاق وقع بعد الموت لورثها هو أيضًا، والقياس أن لا ترثه كما لا يرثها؛ لأن الإعذار يجب لهما معا وهو قول سَحنون.
وتقييد إقراره نسقا بما يلغيه في قبوله اختلاف لو قال طلقتك وأنا صبي أو قبل أن أتزوجك أو في منامى أو قبل أن اولد، في تصديقه ولزوم طلاقه قول ابن القاسم فيها في

الجزء: 4 - الصفحة: 245

الأولين مع قوله في كتاب ابن سَحنون في الجميع وقول سَحنون، وثالثها: للخمي عن الموازيًة يصدق بيمينه، ولو قال: وأنا مجنون فثالثها: إن علم أنه كان به جنون للشيخ عن محمد وسَحنون، ولها مع ابن القاسم في الموازيًة وعزا اللخمي الأول والثاني لأصلي وأشهب وابن القاسم فيمن أقر بوطء بنكاح لا يعلم إلا بدعواه نسقا بإقراره ونحوه.
قال: وقول أشهب أحسن, ... *** ... تامة: متعلقها واحد واضح فلو شهد رجلان بطلاقه واحدة معينة من نسائه ثم نسيا عينها ففي لغوها ويحلف أو دون يمين، ثالثها: تثبت في إحداهن مبهمة لنصها، واللخمي عن محمد وقول ابن رُشْد في رسم سلف من سماع عيسى في الوصايا أجاز الشهادة، وإن عمي على الشهود الفرس الذي عينه الموصي للموصى له وشكوا فيه، فقيل: هو على ما في الأسدية من الأيمان بالطلاق، ومن المدَوًنة فيمن طلق إحدى امرأتيه وشك الشهود في المطلقة منها هل التي دخل بها أم لا؟ وعلى قول ابن وَهْب خلاف مشهور قول ابن القاسم.
اللخمي: أرى أن يحال بينه وبينهن ويسجن حتى يقر بالمطلقة لقطع البينة بحرمة إحداهن.
قُلتُ: مقتضى مشهور المذهب على قبول هذه البينة طلاق جميعهن، كمن شهد عليه أنه طلق إحدى امرأتيه، وهو ينكر تقدم أنه كمن لا نيًة له، وإن كان متعلق الشهادتين عن موطنين ففيه اختلاف.
سمع عيسى ابن القاسم: من شهد على رجل أنه صالح امرأته وآخر بطلقة في شوال؛ لأن شهادة هذين على الطلاق بعينه وشهادة الآخرين في أمرين مختلفين كشهادة أحدهما عليه أنه حلف بالطلاق إن دخل وآخر إن كلم فدخل وكلم شهادتهما باطلة.
أّصْبَغ عن ابن القاسم: وكذلك شهادة أحدهما بالبتة والآخر بأنه صالحها, ابن رُشْد: هذه وشبهها من الشهادة على الأقوال أربعة أقسام إن اختلف اللفظ واتفق المعنى لفقت اتفاقًا، وإن اختلف اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم لم تلفق اتفاقًا، وإن اتفق اللفظ والمعنى واختلفت الأيام والمجالس فالمشهور تلفق، وقبل: لا تلفق، وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 246

اختلف اللفظ والمعنى ويتفق ما يوجبه الحكم فالمشهور لا تلفق، وقيل: تلفق وهو قول ابن الماجِشُون وأَصْبَغ، فقوله: (لا تلفق الشهادة بالصلح إلى الشهادة بطلقة واحدة) صحيح لا اختلاف فيه؛ لأنه من القسم الثاني وحكمه أنه يحلف على تكذيب كل منهما، إن نكل حبس حتى يحلف، وقيل: تطلق عليه طلقة بائنة على اختلاف مالك فيها, قُلتُ: وفيها بلغنى عن مالك إن طال سجنه دين وخلي.
قال: وقوله ليس هذا كمن شهد عليه انه طلق في رمضان وآخر أنه طلق في شوال؛ يريد: على المشهور، وقيل: لا هو قول ربيعة في الأيمان بالطلاق منها ويقوم من قول ابن القاسم في رسم حمل من سماع عيسى بعد هذا من شهد عليه شاهدان أنه قال امرأته طالق إن دخل دار عمرو بن العاص، وشهد عليه آخران أنه قال ذلك من الغد ثم آخران بذلك بعد الغد إن دخلها لزمه ثلاث تطليقات ولا ينوى، وقوله: (وشهادة الآخرين ي أمرين مختلفين .... إلخ) يريد: على المشهور، وقول أَصْبَغ عنه لو شهد شاهد عليه بالتبة وآخر بأنه صالحها لم تحز شهادتهما، يريد على المشهور؛ لأنه مما اتفق فيه ما يوجبه الحكم، ويحلف على رواية أَصْبَغ أنه ما صالحها وأنه ما طلقها, اللخمى: اختلف في ضم الشهادتين عن موطنين، فقيل تضمان مطلقَا، وقيل: لا، وقيل: إن كانتا على قول لا على فعل، وقيل: تضمان وإن كانتا على فعل، وإن كان أحداهما على فعل والآخر على قول لم يضما، وأرى أن يضما في الطلاق إن شهد كل واحد بالثلاث أو كل واحد بطلقة وكانت آخر الثلاث، وإن لم يتقدم له فيها طلاق لم تضما وحلفا على تكذيب كل واحد منهما؛ لأن الشهادة بالثلاث أو بآخرها شهادة بمعين وبغيرهما شهادة بغير معين إذا قال الأول أوقع عليها أمس طلقة، وقال الآخر أوقع عليها اليوم طلقة وقعت على قولهما طلقتان، ولا يصح جمع الطلقتين في طلقة واحدة وقد يكون بين الطلقتين ما تنقضي فيه العدة، فعلى شهادة الأول لا تقع الثانية، وإذا كان الحكم لو سمع كل طلقة شاهدان أن تقع عليه طلقتان لم يصح إن انفرد كل شاهد بطلقة أن تجعلا واحدة، وإن شهد واحد بطلقة وآخر بثلاث ضمتا وقضى بواحدة وحلف على الباقي.

الجزء: 4 - الصفحة: 247

قُلتُ: الضم في انفراد كل واحد بطلقة أبين منه في هذه؛ لأن الشيء وحده ليس كهو مع غيره.
قال: وفي كون البتة كذلك أو لا تضم؛ لأنها لا تتبعض قولان، ولو شهد واحد بحلفه لأدخل كذا وانه دخله وآخر بأنه لا كلم فلانا وأنه كلمه لم تضما، واختلف في يمينه فقيل يحلف؛ لأن هذا لطخ، وقيل: لا إلا أن يثبت شاهدات على اليمين وواحد على الدخول أو العكس، وتقدم الخلاف في حلف من شهد عليه بإقراره بوطء امته رجل "وعلى ولادتها امرأة".
قُلتُ: إن كان القول بترك تحليفه في الأولى نصا فواضح، ويلزم مثله في كل شاهد بطلاق، وتخريجه من الثانية يرد بأن بينتها لا تتم إلا بشهادة اثنين رجل وامرأة، وبينة الأولى تتم بشهادة واحد مثل الأولى، وما توقف ثبوته على أقل أقرب مما يتوقف ثبوته على أكثر, وفيها لابن شهاب: عن شهد ثلاثة مفترقون أحدهم بطلقة وآخر باثنتين وآخر بثلاث لزمته طلقتان, اللخمي: هذا يصح في بعض وجوه الشك عن علمت التواريخ فكان الثاني في ثاني يوم الأول، والثالث في ثالثهما لزمت الطلقتان واحدة بضم الأولى للثانية في واحدة وثانية بضم باقي شهادة الثاني لشهادة الثالث في وحدة، وكذا إن شهد الأول باثنتين والثاني بواحدة والثالث بثلاث ويحلف على باقي شهادة للآخر، وفي عكس الأولى يلزمه الثلاث؛ لأن شهادة الثاني إذا ضمت إلى شهادة الأول لزمه طلقتان قبل أن يسمعه الثالث يوقع الأخرى، فلما سمعه ضمت شهادته إلى الباقي من شهادة الأول فتمت الثلاث، وكذا إن شهد الأول بثلاث والثاني بواحدة والآخر باثنتين لزمه ثلاث، بضم الأولى للثانية تلزمه طلقة ويبقى من الأولى طلقتان؛ لما سمعه الثالث طلقها اثنتان ضمت لباقي الأولى فلزمته أخرى فتمت الثلاث.
قُلتُ: كذا وجدته في نسختين إحداهما عتيقة صحيحة، وصوابه فلزمته طلقتان.
قال: وكذا لو شهد الأول بطلقتين والثاني بثلاث والآخر بواحدة لزمته الثلاث؛ لما سمعه الثاني لزمته طلقتان قبل أن يسمعه الثالث، وبقى من شهادة الأوسط طلقة

الجزء: 4 - الصفحة: 248

أضيفت لشهادة الآخر بطلقة، ويختلف إن عدمت التواريخ هل تلزمه ثلاث أو طلقتان؛ لأن الزائد عليهما من الطلاق بالشك، وسئل ابن رُشْد عن قول ابن شهاب فيها من شهد عليه شاهد بثلاث وآخر باثنتين وآخر بواحدة.
قيل له: وفي نسخة أخرى واحد بواحدة وآخر باثنتين وآخر بثلاث لزمه طلقتان، فأجاب لا أثر لاختلاف النسخ فيها يوجب الحكم من تلفيق البينة على القول به، والجب على القول به لزوم الطلقتين وهو قول ابن القاسم وروايته خلاف ما لهما في غيرها، سواء أرخ كل واحد شهادته أو لم يؤرخ اختلفوا في التاريخ أو اتفقوا عليه لا أثر للتاريخ فيها يجب من تلفيق الشهادة إذ لو قبل شهادة الواحد بانفراده في تعيين اليوم لوجب قبول شهادته وحده في الطلاق الذي شهد به فلا يعاد بالتواريخ إذ لا أثر لها ألا ترى أن العدة لا تكون في ذلك إلا من يوم الحكم، وإن أرخ كل واحد منهم شهادته، ولو اجتمع شاهدان على تاريخ واحد كانت العدى منه، وما فصله اللخمي من الفرق بين كون تاريخ الشاهد بالثلاث متأخرًا عن تاريخ شهادة الشاهدين أو متقدمًا عليهما أو على أحدهما ليس له وجه يصح، وكذا وقوله يختلف إن عدمت التواريخ هل تلزمه طلقتان أو ثلاث؛ لأن الزائد على الشك من باب قي الطلاق غلط ظاهر إذ لا خلاف أن الحاكم لا يحكم على المنكر بالشك، إنما الخلاف هل يحكم عليه بالشك إذا أقر به على نفسه, قُلتُ: قول ابن رُشْد: لو وجب قبول شهادة الشاهد بواحدة في تعيين يومها لوجب قبول شهادته فيما انفرد به من الطلاق .... إلخ, يرد بأن الملازمة المذكورة إنما تدل على عدم اعتبار زمن الطلقة في كونه قيدا فيها، وهذا لا يخالف فيه اللخمي إذ لو اعتبر ذلك لأبطل الضم مطلقًا لاختلاف متعلق الشهادتين كشهادة أحدهما بثوب معين آخر بمثله، وإنما اعتبر اللخمي التاريخ من حيث كونه موصلا لأحد الطلاقين مخيرًا به عن طلاق آخر إخبارًا يقصد به كمال الطلاق بشهادة رجلين، وكذا لزمه في الثلاثة التي أولها الشاهد بواحدة وآخرها الشاهد بالثلاث طلقتين، وفئ عكسه ثلاثا وهو فقه حسن، وصور تقدم بعضها على بعض ست ضابطها على مأخد اللخمي، وهو كون الطلاق مخيرًا به كما مر أنه كلما تأخرت بينة

الجزء: 4 - الصفحة: 249

الثلاث فطلقتان وإلا فثلاث

]

باب التوكيل في الطلاق

[ ... توكيل ورسالة وتمليك و ... التوكيل جعل إنشائه بيد الغير باقيا منع الزوج منه فله العزل قبله اتفاقًا، ورسم الوكالة في كتابها، فإن كان لاثنين توقف على اجتماعها.

]

باب الرسالة

[ ... جعل إعلام الزوجة بثبوته لغيره، إن كان اثنين كفى أحدهما, فيها: أن ملك أمر امرأته رجلين لم يجز طلاق أحدهما دون الآخر إلا أن يكونا رسولين كالوكيلين في البيع والشراء.

]

باب التمليك

[ ... جعل إنشائه حقًا لغيره راجحا في الثلاث يخص بها دونها بنية أحدهما,

الجزء: 4 - الصفحة: 250

سمع عيسى ابن القاسم: من قال لرجلين أمر امرأتي بأيديكما فطلقاها واحدة، إن طلق كل واحد لم يجز حتى يجتمعا معًا، وكذا بأيديكما إن شئتما، وإن قال طلقا امرأتي جاز طلاق كل منهما مجتمعين ومتفرقين وطلاق أحدهما فقط؛ لأنهما رسولان فإن طلق البتة، وقال الزوج لم أراد إلا واحدة قبل قوله وإن قال طلق امرأتي جميعًا إن شئتما فطلقا جميعا واحدة أو طلق كل واحد منهما واحدة لم يجز حتى يجتمعا عليهما.
ابن رُشْد: قوله (أمر امرأتي بأيديكما) تمليك لا يقع طلاقه إلا باجتماعهما معًا عليهما معًا أو على إحداهما اتفاقًا، وقوله (أعلما امرأتي بطلاقها) رسالة والطلاق واقع، وإن لم يعلماها اتفاقًا، وقوله: (طلقا امرأتي) يحتمل الرسالة والتمليك، في حمله على الرسالة حتى؛ يريد: غيرها فيلزم الطلاق، وإن لم يعلماها اتفاقًا، وقوله طلقا امرأتي والوكالة كذلك فلا يلزم طلاق إلا بتبليغ من بلغهما إياه منهما، وله منعه، ثالثها: على التمليك كذلك لهذا السماع ولها ولأَصْبَغ، وقوله طلقا امرأتي إن شئتما تمليك وليس لهما أن يجتمعا على طلاق واحدة بخلاف قوله أمر امرأتي بأيديكما؛ لأن قوله أمر امرأتي بأيديكما معناه تطلقان من شئتما منهما أو جميعا إن شئتما، ولا يحتمل أن يكون معنى قوله طلقا امرأتي هذا لجمعه إياهما في الطلاق وهذا لا اختلاف فيه.
قُلتُ: حاصل تفرقته مجرد دعوى والأولى أن يقال جعل أمرها بأيديهما فيه لفظ الأمر الظاهر في عموم حال طلاقهما فعم حالتي الجمع والإفراد بخلاف لفظ طلقا، وسمعه من جعل أمر امرأته بيد ثلاثة طلق أحدهم واحدة والآخر اثنتين والآخر ثلاث لزمت واحدة لاجتماعهم عليها.
ابن رُشْد: كالحكمين إذا اجتمعا، وقال أصبغ في هذا والحكمين لا يلزمه شيء لاختلافهما ورواه عن ابن القاسم.

الجزء: 4 - الصفحة: 251

[باب في صيغة *****]

... كل لفظ دل على جعل الطلاق بيدها أو بيد غيرها دون تخيير كقولها أمرك بيدك وطلقي نفسك، ,انت طالق إن شئت وطلاقك بيدك، وفي الموازيَّة وغيرها ملكتك، وفي العتبيَّة وليتك أمرك.
وفيها: لو قال لها حياك الله؛ يريد: به التمليك يكون تمليكًا أو قال لا مرحبا بك؛ يريد: به الإيلاء والظهار.
قال: قال مالك في الطلاق كل كلام لا نوى به الطلاق، أنها طالق فهذا والطلاق سواء، واختصارها البرادعي بلفظ قيل: تعقب لأن الإيلاء يتضمن الحلف بالله، واسم الجلالة لا يقبل الكناية عنه بكل لفظ.
ويجاب بأن المنع فيه من أحكامه قبل الوقوع، والمسئول عنه حكمه بعده.
وسمع القرينان: من قال لامرأته: وليتك أمرك إن شاء الله، فقالت: فارقتك لزمه فراقها، فإن أرادا بقولهما اللعب لا الطلاق حلف ما أراد طلاقا؛ لأنه ولا شيء عليه.
ابن رُشْد: الاستثناء في التمليك لغو كالطلاق ونواه في عدم إرادته الطلاق؛ لأنه مستفت مع موافقتها له وهو على أصولهم فيمن ادعى نيَّة مخالفة لظاهر قوله وهو مستفت ينوي ولا يمين عليه، وقوله حلف ما أراد طلاقا معناه إن طالبه أحد باليمين، وسمعاه أيضًا من قال لامرأته، وهو يلاعبها أمرك بيدك، فقالت تركتك أو ودعتك، وقال لم أرد طلاقا إنما كنت لاعبا ووافقته المرأة حلف ما أراد إلا واحدة ولزمته.

الجزء: 4 - الصفحة: 252

قيل: أيحلف أنه ما أراد إلا واحدة والله يعلم أنه لم يرد شيئًا.
قال لابد منه.
ابن رُشْد: معناه أن البينة قامت عليه فيلزمه البتات؛ لأن قولها تركتك وودعتك محمول على الثلاث إلا أن يحلف ما أراد إلا واحدة أو ما أراد الطلاق لابد من حلفه على أحد الوجهين، هذا معنى قوله في هذه الرواية، ولا يسوغ له فيها بينه وبين الله أنه أراد واحدة إن كان لم يرد طلاقا، ولكن يمكن من ذلك ويحمل منه ما تحمل، وهذا على القول بقبول النيَّة منه بعد أن أنكر أنه أراد الطلاق، وعلى أنها لا تقبل وهو أحد قولي مالك واختيار أَصْبَغ إن أقام على أنه لم يرد الطلاق حلف على ذلك وكانت واحدة، وإن رجع، وقال: أردت واحدة لم يمكن من اليمين، وكانت ثلاثا على لفظ ما قضت به.
وسمع ابن القاسم: من قال لامرأته انتقلي عني فقالت لا حتى تبين لي أمري قال انتقلي ثم إن شئت طلقتك عشرين، فانتقلت فلم تقض شيئًا ثم ندما فلا شيء عليه.
ابن رُشْد: في لفظه اضطراب قوله: (ولم تقض شيئًا) يدل على أنها كان لها القضاء ما لم يطل الأمر أو ينقض المجلس، وأن قوله: (ثم إن شئت طلقتك عشرين) يوجب لها عليه التمليك كقوله ثم إن شئت الطلاق فأنت طالق عشرين، وقوله: (لا شيء عليه) يدل على أنه لا يلزمه شيء ولا تمليك لها عليه، والمسألة تتخرج على الخلاف فيمن قال لامرأته إن جئتني بكذا فارقتك فتكون طالقا ثلاثا إن شاءت الطلاق على القول أنه يلزمه طلاقها إن جاءت بذلك، ولا تكون طالقا إن شاء الطلاق على القول الثاني بعد حلفه ما أراد إلزام نفسه الطلاق بمشيئتها.
أبو حفص: والتمليك مباح إذ ليس طلاقا موجبه نص الجلاب، ومقتضى الروايات منعها نفسها حتى تنظر في أمرها.

الجزء: 4 - الصفحة: 253

[باب جواب المرأة في ... التمليك] ... للقضاء قول وفعل، الأول: الصريح في الطلاق وعدده كطلقت نفسي ثلاثا وقبلت نفسي واخترت نفسي وحرمت عليك وبرئت منك وبنت منك، مدلولها ثلاث لا تصدق في إرادة غيرها، وكذا في جوابها بطلقتين، والمذهب له مناكرتها فيما زاد على الواحدة.
وفيها: ويحلف على ما نوى وإن لم تكن له نَّية حين ملكها فلا مناكرة له، زاد في سماع ابن القاسم إن رد اليمين عليها.
قال: لا يحلف النساء في التمليك.
ابن رُشْد: اتفاقًا فيهما، وسمع عيسى ابن القاسم من ملك امرأته فقضت بالبتة فلم يناكرها وادعى أنه جاهل أن له ذلك وأراد مناكرتها حين علم ليس له ذلك، وسمعه أيضًا من ملكت فقالت قد قبلت ثم صالحها قبل أن تسأل؛ سئلت، فإن قالت أردت طلقتين أو ثلاثا بانت إلا أن يناكرها فله ذلك، ويحلف على ما نوى، وإن لم تكن في ملكه ويحلف وطلقة صلحه زائدة على طلاق تمليكه إن لم تبلع الثلاث، ولو قالت أردتها فلم يناكرها لم يرد عليها ما أخذ منها؛ لأن بصلحها علمنا أنها لم ترد الثلاث، فإن ادعت جهلا لم تعذر.
ابن رُشْد: قوله: (وتحلف على ما نوى) يريد: إن ناكرها ساعة قالت ذلك، فإن سكت حينئذ لم تكن له مناكرتها بعد ذلك، وليس عليه أن يحلف حتى؛ يريد: الرجعة قاله في المدنيَّة.
قُلتُ: وكذا نقل الباجي عن المذهب والصقلي عن محمد: يحلف مكانه في المدخول بها، وهذا أحسن لتحقيق حكم الإرث بالموت، وقول ابن عبد السلام: ولتحقيق النفقة

الجزء: 4 - الصفحة: 254

يرد بأنها حق عليه يكفي في وجوبها عليه إقراره.
قال ابن رُشْد: وكذا كل من ناكر امرأته في طلاق بائن كالمملكة والمخيرة قبل البناء، ومن أعطت زوجها مالًا على أن يخيرها فتختار نفسها على القول أن له أن يناكرها؛ لأنها تبين بالواحدة.
وسمع ابن القاسم: من ملك امرأته فطلقت نفسها ثلاثا فقال لم أرد طلاقا، ثم يقول إنما أردت واحدة حلف ولزمته طلقة واحدة.
أَصْبَغ: هذا وهم من السامع لا تقبل نيته بعد قوله لم أرد شيئًا، والقضاء ما قضت والبتات.
ابن رُشْد: قول أَصبَغ فيما روى ابن القاسم "وهم" غير صحيح؛ بل الرواية في ذلك ثابتة وقع ذلك في رسم الطلاق في رسم الطلاق من سماع أشهب، ورسم الكبش من سماع يحيى، ومثله في رسم الكبش من سماع يحيى من الأيمان بالطلاق، والقول بهذا معروف جار على أصل اختلف فيه قول مالك، والقولان قائمان من كتاب اللعان منها وعتقها الأول، وقول أَصْبَغ على أحد قولي مالك، ولو أقام على قوله لم أرد طلاقا ويدعي شيئًا من أمرها غير الطلاق نظر إن بان كذبه ببساط كلامه لزم ما قضت، وإن بان صدقه بذلك حلف، ولم يلزمه طلاق، وإن فقد أو أمكن ما قال حلف على ما قال وكانت واحدة.
وفيها: إن شرط في نكاحها لها إن تزوج عليها فأمرها بيدها فتزوج فقضت بالثلاث فلا مناكرة له، زاد في الأيمان بالطلاق منها بنا بها أو لم يبن.
وسمع ابن القاسم في النكاح من تزوج امرأة بشرطه إن تزوج أو تسرر ما عاشت فكل من يتزوجها طالق البتة، ومن يتسرر حرة فطلقها البتة ثم تزوجها بعد زوج، ثم أراد أن يتزوج أو يتسرر فقامت عليه بشرطها لقوله فيه ما عاشت، فقال إنما أردت به ما دامت تحتي فله نيته.
ابن رُشْد: قوله هذا على أن اليمين على نيَّة الحالف وتنويته مع أن ذلك شرط في عقد النكاح خلاف أصله فيها فيمن شرط لامرأته أن أمرها بيدها إن تزوج عليها أنه ليس له أن يناكرها، وقوله: (ينوي) يريد مع يمينه، لما في سماعه من الأيمان بالطلاق أنه

الجزء: 4 - الصفحة: 255

يحلف في هذه المسألة إذا طاع بذلك فأحرى في الشرط وتنويته إياه مع أنه إنما تزوج عليها، وهي في عصمته بعد أن طلقها ثلاثا وتزوجها بعد زوج على أصله فيها في أن من شرط لامرأته طلاق الداخلة عليها تنحل عنه بخروج زوجته من عصمته بالثلاث، خلاف نقل ابن حبيب رواية مُطَرِّف، وقول ابن الماجِشُون وابن أبي حازم وغيره من كبار أصحاب مالك أنها لا تنحل عنه؛ لأن الشرط في اليمين في الداخلة وليس فيها، ولو حلف بهذه اليمين تطوعا دون استحلاف، ولا شرط كانت له نيته على ما في الأيمان بالطلاق منها، ولا يكون له على القول أن اليمين على نيَّة المحلوف له، وإن لم يكن مستحلفا ففي تنويته، ثالثها: في الطوع سمعه عيسى من تزوج امرأة على إن تزوج عليها فأمرها بيدها أو هي طالق أو أمر التي يتزوج عليها بيدها أو هي طالق، وقال لم أرد بالطلاق والتمليك إلا واحدة لم يقبل قوله في التي تحته والطلاق فيه البتة إن تزوج عليها، وقوله في طلاق الثانية مقبول؛ لأن التي تحته لا تبين منه إلا بالبتة إن قبل قوله لم تنتفع بشرطها والأخرى الداخلة تبينها.
ابن رُشْد: تعليله هذا يدل على أنه إن تزوج عليها قبل البناء فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة؛ لأن الواحدة تبينها، وكذا إن كان التمليك في الداخلة فلم يعلم حتى بنى بها فلها أن تقضي بالثلاث، ولا مناكرة له، وقول ابن عبد السلام قال في سماع عيسى: إن كان لم يبن بها طلقت نفسها واحدة ليس لها أكثر من ذلك؛ لأنها تبين بها يقتضي أنه نص لا مفهوم صفة، وتعليل ولم أجده في العتبيَّة نصًا.
قُلتُ: ففي كون التمليك بشرط في عقد النكاح كغيره أو لا مناكرة فيه، ثالثها: إن قضت قبل البناء بها لتخريج ابن رُشْد من سماع ابن القاسم أن الشرط في النكاح على نيَّة الزوج والمشهور، ودليل سماع عيسى ابن القاسم.
اللخمي: إن طلقت المشترطة أمرها بيدها في عقد نكاحها نفسها بشرطها طلقة واحدة بعد البناء ففي كونها رجعية أو بائنة معروف المذهب، ونقل الشيخ عن سَحنون.
اللخمي: بناء على وقف البينونة بغير الثلاث على العوض وعدمه؛ لأن شرطها طلاقها إنما هو؛ لأن تملك نفسها، وأرى حمل اختيارها قبل البناء على واحدة، وقول ابن

الجزء: 4 - الصفحة: 256

القاسم إن طلقت بعد البنا واحدة جاز، وكانت رجعية على خلاف معروف المذهب في التمليك بالثلاث أنها إن قضت بواحدة سقط ما بيدها.
ولو شرطت غن تزوج عليها فأمر الثانية بيدها فالقضاء بواحدة؛ لأنه لها قبل البناء لوقفه على إسقاط ما بيدها إن بنى قبل إعلامها كان متعديا.
قال ابن القاسم في الموازيَّة: ولها أن تطلق بالثلاث وليس ذلك ببناء؛ يريد: أنه فاسد.
قال: وإن طلقت واحدة فله الرجعة، وقال في العتبيَّة لا رجعة لمن بنى بزوجته حائضًا إن طلقها فعليه لا يكون لها القضاء إلا بواحدة والأول أبين، ولو قال إن تزوجت عليك فأنت طالق أو التي أتزوج إن جعل الطلاق في الثانية بانت بواحدة؛ لأنه قبل البناء، وإن جعله في الأولى ففي كونه البتة أو واحدة رجعية، ثالثها: بائنة لابن القاسم مع ابن وَهْب وأشهب قائلا: لأن شرطها الطلاق وهو واحدة، وتخريج اللخمي على قول سَحنون.
وزيادتها على الواحدة: بعد استقلال جوابها بها لغو في التمليك المطلق وقبله.
فيها: إن ملكها قبل البناء ولا نيَّة له فطلقت نفسها واحدة ثم واحدة ثم واحدة إن نسقتهن لزمته الثلاث إلا أن تنوي واحدة كطلاقه إياها، وتمليكه بلفظ التكرار يثبته لها في القضاء إن بقي المحل أو تجدد ما لم تسقطه أو توقف.
فيها: إن قال أنت طالق كلما شئت فلها القضاء مرة بعد مرة لا يزول ما بيدها إلا أن ترده أو توطأ طوعا أو توقف فلا قضاء لها بعد ذلك، وإن قال أمرك بيدك أمرك بيدك أمرك بيدك فله مناكرتها، ولو نوى بذلك الثلاث وقضت بواحدة فله الرجعة.
وسمع ابن القاسم: من قال لامرأته: أمرك بيدك، فقالت، قد قبلت، ثم قال: أمرك بيدك، فقالت: قد قبلت، ثم قال: أمرك بيدك، فقالت: قد قبلت، سئلت إن أرادت الطلاق فهي ثلاث.
ابن رُشْد: إن قال لم أنو شيئًا فواضح، وإن قال لم أرد إلا وحدة فروى محمد ثلاث، واختار قبول قوله ويحلف وقاله له عبد الملك.
محمد: ولو أجابت فقالت قد طلقت فكرر وكررت كذلك لكان ماضيا أي بالثلاث، وهذا بناء على مذهبه في قول المملكة طلقت نفسي أنها واحدة ولا تسأل،

الجزء: 4 - الصفحة: 257

وعلى قول ابن القاسم أنها تسأل لاحتمال أن تريد الثلاث، فيحتمل أن ينوي الزوج في أنه أراد التكرار لتبين ما أرادت فتكون واحدة على هذا التأويل، وروى محمد من ملك امرأته فقالت كم ملكتني فقال ملكتك مرة ومرة ومرة ففارقته ليس بثلاث إذا حلف أنه ما ملكها إلا واحدة.
التونسي: فيه إشكال؛ لأنه أبان بقوله مرة ومرة ومرة أنه ملكها ثلاثا مرار فيجب لكل تمليك طلقة فتكون ثلاثا إلا ان يكون قصد إلى حكاية الألفاظ أنها ثلاث مرات أراد بها تمليكا واحدًا فينوى، وجوابها بالكناية مدلوله كالزوج.
فيها: من ملك امرأته فقالت قد خليت سبيلك فهي ما نوت، فإن لم تنو في ثلاث لقول ملك ذلك في الرجل يقوله لامرأته وجوابها بمحتمل الطلاق وعدمه.
قال ابن رُشْد: كقولها: قد قبلت وقبلت أمري أو اخترت أو شئت أو رضيت تسأل عما أرادت، ويقبل ويجري على حكمه، وجوابها بما يحتمل الثلاث وما دونها.
ابن رُشْد: ألفاظه ثلاث الأول طلقت نفسي في كونها تسأل، ولو بعد المجلس في التمليك والتخيير، فإن لم تنو عددا فثلاث، وسؤالها كذلك إن لم تنوه فواحدة، ثالثها: لا تسأل وهي واحدة إلا أن تقول في المجلس نويت ثلاثا، ورابعها: لا تسأل وهي ثلاث إلى أن تقول نويت واحدة، وخامسها: الثالث في التمليك وفي التخيير تسأل إن قالت ثلاثا صدقت، وإن قالت أقل أو لم أنو شيئًا أو افترقا قبل سؤالها سقط خيارها لابن القاسم فيها، وغيره ولابن القاسم في الواضحة وأَصْبَغ وغيره وللثلاث في التمليك والواحدة في التخيير حكماهما في مناكرة الزوج وسقوط حقها في التخيير.
الثاني: قولها أنا طالق لا تسأل فيهما، وهي واحدة فيهما إلا أن تقول في المجلس نويت ثلاثا فيسقط التحريم بالواحدة ويناكر الزوج في الثلاث في التمليك لا أحفظ فيه نص خلاف، الثالث: قولها اخترت الطلاق، مقتضى الأصول تسأل فيهما لاحتمال الألف واللام الجنس فتكون ثلاثا والعهد للطلاق السياء تكون طلقة، فإن لم تنو شيئًا كانت ثلاثا على قول أَصْبَغ في الواضحة وقول ابن القاسم في المدَوَّنة، وقولها طلقت نفسي ولا نيَّة لها أنها ثلاث ووحدة على قول ابن القاسم في الواضحة في طلقت نفسي واحدة، ويحتمل كون الألف واللام للعهد في الطلاق الذي ملكت إياه فتكون ثلاثا.

الجزء: 4 - الصفحة: 258

قُلتُ: قوله: (ويحتمل ... إلخ) إن أراد به تقرير قولها ولا تسأل فواضح معنى بعيد في اللفظ، وإن أراد به تقرير لزوم الثلاث فبعيد إذ لا تحقيق دلالة المحتمل.
قال: وكان ابن زَرْب يتوقف عن جواب هذه المسألة إذ لم يجد لها في المدَوَّنة والعتبيَّة شفاء إلى إن وجد في زعمه ما دله على أنها واحدة إلا أن يريد الثلاث، وهو اختلاف ابن القاسم وابن وَهْب فيمن حلف غريمه بالطلاق ليقضينه حقه لأجل، فقال صاحب الحق: أردت ثلاثا، وقال الغريم أردت واحدة.
قال: فلو لم تقع اللفظة إلا على الثلاث عند ابن القاسم لما قال القول قول صاحب الحق ولقال هي ثلاث.
قال صاحب الحق: إنه نواها أو لم ينوها ولو لم يقع إلا على الثلاث عند ابن وَهب لما قال القول قول الغريم، ولا دليل له في ذلك؛ لأن اللفظة قد يراد بها الواحدة، وقد يراد بها الثلاث على ما بيناه، فجعلها ابن القاسم ثلاثا على نيَّة المحلوف له، وجعلها ابن وَهْب على نيَّة الحالف، ولا إشكال مع وجود النيَّة بواحدة أو ثلاث إنما الإشكال عند عدمها والصحيح على قول ابن القاسم في المدَوّضنة ما ذكرته، واستدل بقوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) [البقرة: 229] ولا دليل له فيها، واستدلاله بحديث زبراء.
قالت: هو الطلاق ثم الطلاق ثم الطلاق ففارقته ثلاثا له وجه.
قال: فإن قيل لم لا تكون في التخيير ثلاثا بقولها اخترت الطلاق ولا نيَّة لها إذ لا خيار لها إلا في الثلاث.
قيل: يلزم في قولها في التخيير طلقت نفسي، ولا نيَّة لها أنها ثلاث إذ لا خيار لها في الثلاث وهو محال.
قال ابن رُشْد: ليس هو بمحال.
أَصْبَغ: يرى أنها ثلاث في التمليك فكيف بالخيار، وقاله ابن القاسم في المدَوَّنة.
وسمع ابن القاسم جواب مالك عن رجل بدوي قال: لامرأته أمرك بيدك، فقالت: التمسوا لي شقتي فأخذتها من البيت، ثم ذهبت لأهلها وارتحل عنها إلى سفر ولم يقل شيئًا وأرادت بنقلتها الطلاق ولم تقل شيئًا، ما أرى هذا إلا فراقا.
ابن رُشْد: إن لم تجب المملكة بشيء، وفعلت ما يشبه الجواب مثل أن تنتقلأو تنقل متاعها أو تخمر رأسها سئلت إن قالت لم أرد طلاقا صدقت.
قاله ابن القاسم في المجموعة، واختلف إن أرادت الفراق ولا نيَّة لها، ففي العشرة ليحيى عن ابن القاسم

الجزء: 4 - الصفحة: 259

أنها ثلاث، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية: لا أرى ذلك إلا فراقا؛ لأن الفراق في المدخول بها ثلاث، وقال محمد هي واحدة، فلو سكت ولم ينكر فعلها حتى افتراقا من المجلس، فقال محمد: تسأل إن قالت أردت ثلاثا فللزوج مناكرتها بنية يدعيها وقت التمليك ويحلف.
قال أَصْبَغ: يمينين يمينًا أنه لم يعلم أن ما فعلته يلزمه به البتة ولا رضي بذلك، ويمينا أنه نوى واحدة، وقال محمد: يجمع ذلك في يمين واحدة، وفي العشرة ليحيى عن ابن القاسم سكوته عن انتقالها دون سؤاله إياها في المجلس عن ما يريد بانتقالها يوجب بتاتها بكل حال ولا يناكرها إن أرادت الثلاث، ولا تصدق وإن قالت أردت واحدة، وقول ابن القاسم هذا على قياس قوله إن أردت بانتقالها الفراق دون نيَّة في عدد الطلاق أنها ثلاث، وقول محمد أنها تسأل أيضًا بعد الافتراق صحيح على قياس قوله إن أرادت بانتقالها الفراق ولا نيَّة لها في عدد الطلاق أنها واحدة، وقوله يحلف أنه لم يعلم أن ما فعلته يلزمه به البتة ولا رضي بذلك فليس بملتئم على أصله أنها تسأل، فإن لم تكن لها نيَّة فهي واحدة.
وفيها مع غيرها: وطئه إياها طوعا يزيل ما بيدها، وإن ملك أمرها أجنبيًا فخلى بينه وبينها، وأمكنه منها زال ما بيده.
قُلتُ: فمجرد التمكين دون وطء كالوطء.
وفيها: إن أشهد أنه خيرها ثم وطئها قبل أن تعلم فلها الخيار إذا علمت ويعاقب الزوج، كما لو شرط إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيدها ففعل ذلك، وهي لا تعلم لم يطأها حتى يعلمها، فإن وطئها قبل علمها فلها الخيار.
ابن رُشْد: إن قيدت قضاءها بمحتمل غير غالب كاخترت نفسي إن دخلت على ضرتي، أو إن قدم فلان ففي بقاء أمرها تقضي أو ترد، وسقوطه قولا ابن القاسم فيها وسَحنون.
... كإن حاضت فلانة تكون طالقا على قول ابن القاسم، وعلى قول أشهب تقضي أو ترد.
**** أنه لابد لا يكون في المدة التي يمكن أن تبلغها كاخترت نفسي إذا هل

الجزء: 4 - الصفحة: 260

الهلال، وبما يعلم أنه لا يكون كاخترت نفسي إن مسست السماء إسقاط لما بيدها.
قُلتُ: الجاري على قول سَحنون في أنت طالق إن شاء هذا الحجر لزوم قضائها.
قال: وجوابها بما ليس من معنى الطلاق كقولها أنا أشرب الماء وأنا أضرب عبدي يسقط ما بيدها ولا تصدق في إرادتها به طلاقا، ولو فوضت الأمر لغيرها كقولها شئت إن شاء فلان أو فوضت أمري إليه، فقيل: ذلك جائز إن كان حاضرًا أو قريب الغيبة، ففي سماع عيسى مثل ثلاثة أيام، وفي الواضحة لابن القاسم مثل اليوم وشبهه، وإن بعدت غيبته رجع أمرها إليها، وقال أَصْبَغ: لا ينتقل أمرها لغيرها ولو كان حاضرًا، وهو جار على رواية علي في كتاب الخيار منها.
قُلتُ: هي قول مالك فيها: من تزوج امرأة على إن نكح أو تسرر أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد أمها فماتت الأم إن كانت أوصت بما كان لها من ذلك إلى أحد فذلك له.
ابن القاسم: فإن لم توصي فكأني رأيت مالكًا رأى ذلك للابنة، وقال ذلك لها، ولم أتثبته منه، وروى علي عن مالك أن ذلك لا يكون بيد أحد غير من جعله الزوج بيده؛ لأنه يقول لم أكن أرضى أن يكون إلا بيده لنظره وقلة عجلته.
قال ابن القاسم: وإن أوصت الأم إلى رجل، ولم يذكر ما كان لها في ابنتها لم يكن للوصي ولا للابنة من ذلك شيء.
عياض: اختلف هل قول ابن القاسم وفاق لما فهمه عن مالك وأنهما وجهان، وهو قول أكثرهم، وقيل: هو خلاف وبينهما في الوجهين.
وسمع عيسى ابن القاسم في النكاح: من زوج أمته على إن تزوج عليها أو تسرى فأمرها بيد مولاها، فهلك فأمرها بيد ورثته أو وصيه إن كان ورثته صغارًا لا بيدها.
ابن رُشْد: لأن الشرط في الأمة إن جعل بيد مولاها ورث بخلاف الحرة؛ لأن الأمة تملك، فإذا جعل بيد مولاها فمولاها كل من انتقل إليه الملك بميراث، وكذا كل مشيئة في ملك فهي تورث، ولو جعل الأمر بيد غير مولاها فهلك لم يكن بيد ورثته من ذلك شيء ورجع الأمر إليها؛ لأن الشرط إنما أخذ لها على رواية ابن القاسم في كتاب الخيار، وإن كان لم يتبين ذلك منه، ولو أوصى بذلك لأحد جازت وصيته بذلك.
قاله مالك فيها، وبعد هذا في رسم استأذن قال: ولو قيدت القبول كقولها قبلت لأنظر في

الجزء: 4 - الصفحة: 261

أمري كان بيدها، وإن انقضى المجلس اتفاقًا حتى توقف.
وسمع ابن القاسم: من ملك امرأته فقالت قبلت لأنظر في أمرين فقال ليس ذلك لك، أو قال فانظري، أو قال انظري الآن وإلا فلا شيء لك.
قال مالك: ذلك بيدها حتى يوقفها السلطان.
ابن رُشْد: كان يمضي لنا في هذا عند من أدركنا من الشيوخ أنها مبينة لما في المدَوَّنة وأن ذلك لها على القول أنها ليس لها القضاء إلا في المجلس حتى يقفها السلطان، وأن المسألة تخرج من الخلاف إذا قالت ذلك بحضرة الزوج، ولم ينكر عليها، كقوله أمرك بيدك تنظرين لنفسك، وإن انقضى المجلس، ولو رد قولها لجرت على القولين، ولو قال: أمرك بيدك على أن تقضي في المجلس هذا أو تردى لم يكن لها قضاء بعدة اتفاقًا، فقوله بانقضئه بالمجلس؛ لأنه رأى مواجهتها بالتمليك يقتضي جوابها في المجلس كالمبايعة، لو قال: رجل لآخر بعتك سلعتي بعشرة إن شئت فلم يقل أخذتها بذلك حتى انقضى المجلس لم يكن له شيء اتفاقًا، وقوله بعدم انقضائه به؛ لأنه رأى التمليك خطيرًا يحتاج لنظر وروية بخلاف البيوع، وإذا وقفها الإمام بعد انقضاء المجلس فقالت أخرني أرى رأيي واستشير، فليس لها ذلك إنما ذلك في مجلسه على ما في سماع أشهب في الولي يوقف فيسأل أن يؤخر يرى رأيه، وما في سماعه من كتاب الشفعة في الشفيع يسأل أن يؤخر ليرى رأيه.
وقال بعض المتأخرين: يؤخر لذلك ثلاثة أيام على رواية ابن عبد الحَكم في الشفيع، ولحديث المصراة أنه بالخيار ثلاثا ليرى رأيه في الأخذ والرد، وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما خيرها: "وما عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك" يحتمل كونه إعلاما

الجزء: 4 - الصفحة: 262

بما هو من حقها أو بما طاع به لها.
قُلتُ: بعض المتأخرين هو اللخمي، وتخريجه على الشفعة رده ابن عبد السلام بأن المشتري غير مخاطب للشفيع والزوج مخاطب للمرأة، والخطاب يقتضي الجواب الحالي أحسن، ويرد بأن العصمة لا تقبل التأخير في احتمال حلها لملزومية الخيار وشبه نكاح المتعة.
قُلتُ: اختيار ابن القاسم قوله الأول انقضاءه بانقضاء المجلس وعليه جماعة الناس، الشيخ لأشهب في المجموعة: إنما قال مالك: لها ذلك بعد المجلس مرة ثم رجع إلى أن مات.
الباجي: وروى يحيى بن يحيى القول الأول في الموطأ وهو آخر من روى عنه، وهذا يدل أن مالكًا كان يترجح فيه، وأخذ أبو علي بن خيران بقوله الثاني.
أبو عمر: المشهور المعمول به الأول.
الباجي: وهذا إن لم تجب بشاء، ولو قالت: أمري فذلك بيدها حتى توقف أو تمكن من نفسها في قولي مالك معًا.
قُلتُ: للشيخ عن الموازيَّة: إنما لها القضاء بالمجلس في قول مالك القديم إلا أن تقول قبل الافتراق قبلت أو رضيت أو اخترت ونحوه مما يعلم أنها لم تدع ما بيدها، ولا يدري أهو فراق أو ترك لما بيدها، فلا يزيل ما بيدها إلا إيقاف السلطان أو تمكنه من نفسها، ولو قال لها الزوج: لا أفارقك حتى يتبين فراقك أو ردك لم يكن له ذلك إلا بتوقيف السلطان، وكذا سمع ابن القاسم، وفي المجموعة للمغيرة: إن قالت قبلت أستشير أبي أو ذا الرأي من أهلي وانتهت إلى الحاكم ألزمها أن تقضي مجلسها أو تدع إلا أن يرى لذلك وجها فيمن لم تبعد غيبته.
قُلتُ: ظاهر كلام الباجي وما في الموازيَّة أن تغييرها كلامها بالتأخير يوجب بقاء حقها بعد المجلس على القولين معًا، ولو طلبها الزوج بالتعجيل خلاف ما تقدم لابن رُشْد أنه إن طلبها بالتعجيل دخلها القولان.
الباجي: هذا إن خاطبها بالطلاق ولو أرسل به إليها فلم تجب وانصرف عنها الرسول، فروى محمد: ذلك بيدها إلا أن يطول الزمان، ويظهر منها ما تفعله الراضية.

الجزء: 4 - الصفحة: 263

الباجي: والصواب أن يدخله القولان.
اللخمي: اختلف إن خيرها، وهي غائبة فقيل ذلك بيدها بعد المجلس إذ ليس ثم من تجاوبه ولا يطلبها بجواب، وهو أحسن، كمن قال: إن تزوجت فلانة فأمرها بيدها فلم تقض بحضرة العقد، أو إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك فيغيب عنها سنة.
قُلتُ: كذا وجدته في غير نسخة منها عتيقة بذكر اختلف، ثم ذكره قولاً واحدًا فقط، والخلاف فيها منصوص تقدم في فائدة ذكره، ولها التلوم في فصل الشروط.
وفيها: إن قال اختباري اليوم كله فمضى اليوم، ولم تختر فلا خيار لها القول مالك إن خيرها فلم تختر حتى افترقا من مجلسهما فلا خيار لها، كذا إن مضى الوقت الذي جعل الخيار إليه، وأما قوله الآخر فلها الخيار، وإن مضى ذلك الوقت.
عياض: قوله: (ليس لها أن تختار بعد مضيه) ذهب كبار الشيوخ أن هذا على قوليه معًا، وقيل: تتخرج على القولين.
قُلتُ: اقتصار عياض على ما نقل، وعدم ذكره استدلال ابن القاسم إلى آخره محل بالعلم بدلالة قول ابن القاسم على تخريج المسألة على قولي مالك، ولذا قال إسماعيل القاضي: قياسها ابن القاسم على من ملك امرأته تمليكا مطلقًا لا يشبه؛ لأن من قيده بوقت لم يجعل لها بعده شيئًا، ولعبد الحق عن الشيخين أبي محمد وأبي الحسن لا خيار لها بعد اليوم على قولي مالك معًا.
قال: وقول ابن القاسم في المدَوَّنة بين أن اختلاف قولي مالك جار فيها، وقال أبو بكر بن عبد الرحمن على القول: أن لها القضاء بعد المجلس لا مناكرة للزوج بعد مجلس قضائها اتفاقًا.
**** فيها: أن يعقد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله، إن وثب حين ملكها؛ يريد: قطع ذلك عنها لم ينفعه، وفيما ينقضي به اختلاف ففيها إذا قامت من مجلسها فلا شيء لها بعد ذلك، وفي موضع آخر أما ما كان من طول المجلس، وذهاب عامة النهار، وعلما أنهما تركا ذلك فلا قضاء لها.
عياض: كل هذا وفاق وعامة النهار إنما هو في لفظ السائل لا أنه شرط على ما نبه عليه بعض المختصرين، وقول أشهب لها ذلك ما أقاما في المجلس وفاق، ثم قال عن بعضهم بعد انقضاء المجلس بالافتراق بالأجسام أو بالخروج عن ما كانا فيه أو بطوله

الجزء: 4 - الصفحة: 264

وذهاب عامة النهار قولان، وهو ظاهر الواضحة.
قُلتُ: ذكر الباجي لفظ ذهاب عامة النهار على أنه من قول مالك في المدَوَّنة وساق قول أشهب مساق الخلاف، وهو ظاهر لفظ النوادر.
قال في الموازيَّة: إن طال المجلس عامة النهار أو خرجا إلى غير ذلك زال ما بيدها، وقال أشهب: ذلك بيدها ما أقاما في المجلس، واحتج بحديث عمر ما داما في المجلس.
قُلتُ: خروجها مما كانا فيه بذكرهما عوارض الإقامة من حال نفقة أو كسوة أو سكنى واضح في سقوط ما بيدها، وبغيره.
قال الشيخ لابن سَحنون: عنه لو خيرها وهي في فريضة صلاة فأتمتها فهي على حظها، وكذلك كانت في نافلة أتمتها أربع ركعات، وإن زادت حتى تبلغ ما يرى أنها به تاركته قد تستشير رأيها في أكثر من عشر ركعات، ولو خيرها فدعت بطعام فأكلته أو امتشطت أو اختضبت في مجلسها فهي على حقها.
الباجي عن سَحنون: إن امتشطت أو سكتت أو عملت عملا لم يقطع خيارها، وفيه نظر؛ لأن ترك ما كانا فيه قد يكون بالأعمال والنوم وطول المجلس، وعلى رواية بقائه بعد المجلس يوقفها الحاكم، وإن لم يطلبه الزوج لقولها في أنت طالق إن شئت ذلك لها، وإن افترقا ما لم توطأ، وأرى أن توقف فتقضي أو ترد، ومثله قول أبي عمر على أن لها القضاء بعد المجلس فله رفعها إلى الحاكم لتوقع أو تسقط إن أبت أسقط الحاكم تمليكها، ولما ذكر اللخمي قولي مالك في انقضائه بالمجلس قال: ويختلف على هذا في وقف الزوج لها على الأول يوقفها الآن وعلى الآخر لا يوقفها، ولها أن تفارق وترى رأيها، وفي النوادر لأَصْبَغ: إن رضيت بالخلوة وإرخاء الستر أو إغلاق باب فزعم أنه وطئها زال ما بيدها.
قُلتُ: ظاهره دون يمين، وفي إيلائها إن خلا بزوجته بعد رجعته إياها من طلاقها بالإيلاء في عدتها، وقال بعدها وطئتها فيها وأكذبته صدق مع يمينه.
عبد الحق: ابن حبيب: إن قالت عجل علي ولم نجلس ما أختار في مثله أو قالت وطئني كرها فالقول قوله فيهما.
اللخمي: إن اختلفا في الطوع والإكراه في القبلة صدقت بخلاف الوطء.

الجزء: 4 - الصفحة: 265

وسمع عيسى قول ابن القاسم وروايته، من ملك امرأته وقال بعد افتراقهما أسقطت ما جعلت لها، وقالت: بل اخترت نفسي صدقت، وكذا من ملك عبده العتق.
ابن رُشْد: هذا قولها في إرخاء الستور منها، وقال أشهب: القول قول الزوج، وهذا الخلاف مبني على أصل اختلف فيه قول ابن القاسم، وهو تصديق المأمور بإخلاء ذمته في دعواه إخلائها أو تعمير ذمة المأمور، وقال أشهب لا يصدق في ذلك، وقتال ابن القاسم في السلم الثاني منها لا يصدق، وقال في الوكالات منها في مسألة اللؤلؤ يصدق، وإنما تصدق المرأة والعبد مع أيمانهما إن نكلا حلف الزوج والسيد وبقيت الزوجة في العصمة والعبد في الرق خلاف قول أَصْبَغ لا أيمان عليهما، وقوله: لأن نكولهما وحلفهما سواء معناه نكولهما كأيمانهما إذ لا ترجع عنده اليمين عليهما بنكولهما، وعلى انقضائه بالمجلس لو قال أمرك بيدك إن شئت، أو أنت طالق إن شئت في كونه يفوت بانقضاء المجلس، وكونه تفويضًا لا ينقطع به، ثالثها: في أمرك بيدك، ورابعها: عكسهن لابن محرز عن قولي ابن القاسم ومالك وعياض عن أبي التجا عن ابن القاسم.
وفي كون إذا كان واختصاصها بالتفويض نقل عياض وروايتي الشيوخ، وبالثانية قال أَصْبَغ: وفي الأيمان بالطلاق منها أنت طالق إن شئت أو إذا شئت فذلك لها، وإن افترقا حتى يوقف أو يتلذذ منها طائعة وكانت "إذا" عند مالك أشد من "إن" ثم سوى بينهما.

[باب ...] جعل الزوج إنشاء الطلاق ثلاثا حكما أو نصا عليها حقا لغيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 266

باب في صيغة التخيير

صيغته: فيها: اختاري أو اختاري نفسك، وروى محمد أو طلقي نفسك ثلاثا أو اختاري أمرك.
وفيها: إن قال اختاري أو اختاري نفسك، وقال: لم أرد الطلاق؛ بل أن تختاري أي ثوب أشتريه لك، فإن تقدم ما يدل على ذلك دين وإلا فهو البتات.
الباجي: غن قيد تخييره بما دون الثلاث فحكمه كالتمليك، وفي كراهته للزوج وإباحته.
نقل الباجي عن أبي بكر القاضي مع عبد الحق عن الشيخ عن بعض البغداديين قائلا: ككراهة إيقاع الثلاث، والباجي مع عبد الحق عن أبي عمران قائلا: ما علمت من كرهه إنما يكره للمرأة إيقاع الثلاث.
قُلتُ: تشبيهه بإيقاع الثلاث يوجب حرمته، وهو مقتضى قول اللخمي يمنع لمنع الزوج من إيقاع الثلاث وتوكيله عليه، فإن فعل انتزعه الحاكم من يدها ما لم توقع الثلاث، وفي قصره على الثلاث باختيارها نفسها، ولا مناكرة للزوج، ويسقط باختيارها زوجها كردها التخيير أو على واحدة بائنة، ورابعها: كالتمليك، وخامسها: الأول إن اختارت نفسها، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار فواحدة بائنة للمشهور، وعياض عن رواية ابن خويز منداد مع تأويله اللخمي عن حكاية ابن سَحنون عن أكثر

الجزء: 4 - الصفحة: 267

أصحابنا واختاره، وقول ابن الجهم مع ظاهر حكاية ابن سَحنون عن أكثر أصحابنا عند عياض، وظاهر قول سَحنون ورواية النقاش.
اللخمي: اختلف في قوله اختاري أمرك أو ملكتك أمرك.
قال محمد: في اختاري أمرك هي ثلاث لا ينوى، وقال ابن شعبان: فيها وفي ملكتك أمرك سواء يقبل أنه أراد واحدة، وهو أحسن.
قُلتُ: هو نص سماع يحيى ابن القاسم، ولو قضت المدخول بها بطلقة، فقال اللخمي عن محمد: إن رضيها الزوج كانت رجعية، وإلا ففي سقوط خيارها وبقائه، ثالثها: تجب بها الثلاث للمشهور مع الأكثر وأشهب مع الشيخ عن روايتهن واللخمي عن عبد الملك وصوب الثاني، وفيها: قضاؤها بطلقتين كالواحدة.
وسمع يحيى ابن القاسم: إن قالت طلقت نفسي واحدة بائنة فليس بشيء إنما لها القضاء بالبتة أو المقام.
ابن رُشْد: القياس ان تكون ثلاثا كما يكون في التمليك ثلاثا إلا أن يناكرها، وكقوله هو ذلك ابتداء وكذا لعيسى عن ابن القاسم في المدنيَّة إن قالت طلقت نفسي واحدة بائنة أنها ثلاث ولا يناكرها وأنه إن ملكها واحدة بائنة فهي ثلاث إلا أن يناكرها.
اللخمي: لابن القاسم في الموازيَّة إن قالت أردت باخترت نفسي الصلح فهو صلح لا يراجعها إلا بنكاح جديد.
قُلتُ: سمع أَصْبَغ ابن القاسم إن ملكها فقالت: اخترت أمري، فقيل ما أردت فقالت الصلح فتفرقا على ذلك فلا يراجعها إلا بنكاح جديد، وإن خيرها فقالت مثل ذلك فهو صلح إن كان رضي بذلك.
قيل له إنما ظن أن ذلك يلزمه.
قال قد رضيا فهو صلح.
أَصْبَغ: هذا على رأي من يرى قولها اخترت أمري، ولم يسم الصلح وأراد به شيئًا وأنا لا نراه؛ لأن قولها اخترت أمري في الخيار والتمليك فراقا؛ لأنه جوابا له الكلام إلى آخر قول أَصْبَغ.
ابن رُشْد: إنما ألزمه الصلح بقوله ذلك في التمليك والتخيير لرضى الزوج به، ولو

الجزء: 4 - الصفحة: 268

لم يرضه لم يلزمه شيء فيهما؛ لأنه لا يرى قولها اخترت أمري طلاقا، هذا ظاهر الرواية، ومعنى ذلك إن قالت أردت الصلح أو رضيت به، وإن قالت: أردت بذلك الذي اخترت طلقة الصلح أو طلاق الصلح لا نبغى أن لا يكون في التخيير شيئًا، وأن يكون له مناكرتها في التمليك كقولها اخترت واحدة بائنة، ونوقض قولها يسقط خيارها إن طلقت واحدة فقط بقولها إن قالت اخترت نفسي إن دخلت على ضرتي أنها توقف الآن فتقضي أو ترد، ولذا قال ابن أبي زَمَنَيْن ضعف سَحنون هذا الجواب، وقال: هذا قطع لخيارها.
ويجاب بأن اختيارها الواحدة إبطال لما بيدها لعدولها عنه لما لا يستلزمه واختيارها نفسها إأن دخلت عليها ضرتها ليس إبطالا لمالا بيدها لعدولها عنه لما يستلزمه من حيث ذاته؛ لأن الشيء مقيدا بصفة مستلزم لحقيقته من حيث ذاتها، ولعله مراد عبد الحق بقوله: رأى ابن القاسم أنها أجابت بالفراق إلا أنه علقته بصفة وهي دخول ضرتها، فلما لم يكن لها شرطها رجعت لأمرها، ورأيت في بعض تعاليق أبي عمران إن غفل حتى دخلت عليها ضرتها لزمها الفراق.
وفيها: قلت: إن قال لها اختاري في أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة، وفي أن تقيمي، فقالت اخترت نفسي أيكون ثلاثا.
قال: نزلت بالمدينة، فقال مالك له آلله ما أردت بقولك ذلك إلا واحدة.
قال: والله ما أردت إلا واحدة.
قال: هي واحدة.
قُلتُ: ما المسألة التي سئل مالك عنها.
قال هي رجل قال لامرأته اختاري في واحدة فأجابه بما أخبرتك.
عياض: ظاهر قول ابن القاسم أنهما سواء، وعليه تأولها الشيخ وغيره واختصرها ابن أبي زَمضنَيْن زاد: قال ابن القاسم: ولا يمين عليه، وتأول آخرون أنهما مفترقان، وهو ظاهر كلام محمد لرفع الاحتمال بقوله تطليقه، بخلاف إذا لم يسمهما كقوله تطليقة ولم يقل واحدة.
قُلتُ: في النوادر روى محمد: إن قال: اختاري واحدة حلف ما أراد إلا طلقة، وكذا قوله اختاري في أن تطلقي نفسك واحدة أو تقيمي.
محمد: لو بين فقال في أن تطلقي نفسك من الطلاق واحدة أو من الثلاث واحدة

الجزء: 4 - الصفحة: 269

ولم يحلف إنما حلفه مالك فيما احتمل أن يريد به مرة واحدة.
ابن حبيب عن أَصْبَغ: إن قال اختاري في ثلاث فلها الخيار بواحدة من ثلاث أبين، ولو لم يقل "في" ولا "من" فاختارت أقل من ثلاث لم يلزمه شيء.
ابن سَحنون: عنه لها في قوله اختاري في ثلاث أو في الثلاث الخيار بثلاث أو أقل، ولو قال "من" لم يكن لها إلا بالأقل منها.
اللخمي: في اختاري تطليقتين، لها القضاء بهما إن قضت بواحدة لم يلزمه شيء، ومن تطليقتين لها القضاء بواحدة فقط، وفي تطليقتين فيها إنما لها القضاء بهما إن قضت بواحدة لم يلزمه شيء.
ابن سَحنون: لها القضاء بوحدة.
اللخمي: يحتمل أن يريد الخيار في القضاء أو الترك أو الخيار في العدد، فإن قضت بواحدة سئل إن قال أردت في العدد لزمتن الواحدة، وإن قال في القضاء حلف ولها استئناف الخيار؛ لأنها تقول ظننت أنه أراد في العدد، وقال في الثمانية: إن قال ملكتك قضت بما شاءت، وفي الواضحة: إن قضت بواحدة فلا شيء لها والأول أحسن؛ لأن ملكتك يقتضي أن لها تتصرف وتصرف المالك بخلاف قوله طلقي نفسك ثلاثا ليس لها مخالفة أمره.
عياص: ما في الواضحة لأَصْبَغ قال مع عبد الحق، وفي كتاب ابن القصار: إن قال طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة، أو طلقي واحدة فطلقت ثلاثا لم يكن لها شيء.
الشيخ: روى الأخوان: من قال طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثا أنها واحدة، وإن قال: ثلاثا فطلقت واحدة فلا شيء لها.
أَصْبَغ: لا شيء لها فيهما وروى مُطَرِّف إن ملكها في واحدة فقضت بالبتة فلا شيء لها؛ لأنها لا تتبعض، وقال المغيرة في البتة كقول مالك في الثلاث، وقال أَصْبَغ: لا شيء لها فيهما، ونقل ابن حارث عن ابن القاسم كرواية الأخوين مع ابن حبيب كأَصْبَغ، وعن ابن الماجِشُون كالمغيرة.


وعليه روى اللخمي: إن قضت بواحدة لزمت.
قال: وقال أَصْبَغ لا تلزمه

الجزء: 4 - الصفحة: 270

وكلاهما غير بين وأرى أن لا يلزم مع عدم النيّضة منهما أو من أحدهما إلا واحدة؛ لأن اختيار النفس لا يتضمن عددًا؛ بل البينونة بنفسها، ويصح بطلقة ويختلف إن خيرها قبل البناء، ولم تعلم إلا بعده، فعلى عدم ملكه الرجعة لفساد بنائه لا يقضى إلا بوحدة كمن لم يبن بها، وعلى ملكه الرجعة كالمخيرة بعد البناء.
عبد الحق: عن أبي عمران: لو طلق المملكة قبل قضائها، ثم تزوجها بعد عدتها أو خالعها قبل قضائها ثم تزوجها في العدة سقط ما بيدها، ولو كانت قيدت تمليكها بقولها قبلت؛ لأنه لو طلقها بعد العدة في الأولى، وفيها في الثانية لم يلزم طلاقها فلا تكون هي أقوى منه.
قُلتُ: يرد بما لو جن قبل قضائها كان لها القضاء، ولو طلقها حينئذ لم يلزم، والأظهر أن سقوط ما بيدها فيهما لدلالة رضاها بالعقد عليها ثانيا على تركه كتمكينها له نفسها، وسمع عيسى رواية ابن القاسم من قالت له امرأته خيرني أو ملكني ولك عشرة دنانير فأخذها وفعل وتواجبا ثم بدا لها قبل الإشهاد فلا رجوع لها في العشرة، تقضي أو تقيم إن اختارت نفسها كانت البتة، وإن قضت في التليك ولم ينكر عليها في مجلسها لم تحل إلا بعد زوج، وإن قال لم أرد إلا واحدة حلف وقبل قوله وكانت طلقة بائنة، وإن أراد الصلح على ما ذكرت فهي إن بدا لها قبل الإشهاد، وكذا وقع الصلح فذلك لها ولا غرم عليها ولا طلاق على الزوج.
ابن رُشْد: لا خلاف أنه لا رجوع لها على الزوج في العشرة قضت أو ردت، واختلف قول مالك في تحول التخيير والتمليك بذلك عن سنتهما، فرأى مرة أنهما يحولان به تقع الطلقة فيهما بائنة للخلع وللزوج مناكرتها في الخيار كالتمليك، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية وأبقاهما مرة على سنتهما فلا تقضي في التخيير إلا بالثلاث، ولا مناكرة فيه للزوج، ويناكرها في التمليك والطلقة فيه رجعية، وهو الآتي على ما في سماع ابن القاسم في رسم سعد، وأما إن تداعيا إلى الصلح وتراضيا عليه وأجاب بعضهما بعضا إليه فلكل منهما أن يرجع عنه ما لم يقع الصلح ويمضياه على أنفسهما، فإن وقع لم يكن لواحد منهما أن يرجع عنه ولزمهما التشاهد عليه، ومضى هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، وهو الذي يأتي على ما في المدَوَّنة، وتقدم جوابها بالكناية.

الجزء: 4 - الصفحة: 271

*** والنص: فيها: إن أجابت بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها اخترت نفسي أو قبلت نفسي أو طلقت نفسي منك ثلاثا أو بنت منك أو بنت مني فهو البتات ولا تسأل.
ابن رُشْد في أول مسألة من سماع أَصْبَغ: لا خلاف في قولها اخترت نفسي أنها ثلاث ولا تسأل عما أرادت بذلك، وقال ابن بشير قولها اخترت نفسي لا خلاف منصوص أنه يقتضي الثلاث، ووقع لأشهب ما يدل على أنه كقولها قبلت نفسي وفيه قولان.
قيل: محتمل يرجع فيه إلى تفسيرها، الثاني أن يقتضي الطلاق.
اللخمي عن ابين القاسم: إن قال اختاري نفسك فقالت قبلت أو رضيت أو شئت أو فعلت، سئلت كقولها قبلت امرأ واخترتا، وقال ابن عبد الحَكم: في فعلت هي ثلاث ولا تسأل، وكذا على قوله شئت أو اخترت وفعلت وهو أحسن؛ لأنه جواب بامتثالها ما جعل لها، وفي الموازيَّة: إن قالت تركتك أو اخرج عني أو لا يدخل علي إلا بإذن سئلت.
اللخمي: قولها تركتك فراق ولا تسأل فيه عن إرادة الفراق وتسأل عن عدده.
محمد: من قال لامرأته أتحبين أن أفارقك.
قال: ما شئت.
قال: شئت، ثم قال إنما شئت حبسك، هو فراق ويحلف ما أراد إلا واحدة.
قُلتُ: انظر تحليفه على واحدة مع قوله لم يرد طلاقا، ولعل مراده أنه يحلف ما أراد أكثر من واحدة وتقدم نحوه، وإن قال أمرك بيدك فاذهبي.
قالت: قد ذهبت.
قال محمد: هو فراق، ولو لم يقل فاذهبي، فقالت ذهبت سئلت ما أرادت، وقال ابن القاسم: تسأل فيهما.
اللخمي: وهو أشبه؛ لأنه معنى قوله اذهبي فانظر في ذلك، وقولها ذهبت امتثال لقوله، ولو كان قوله اذهبي طلاقا لزم دون جوابها.
وفيها قلت: إن قال اختاري أباك أو أمك.
قال: قال مالك من قال لامرأته لكثرة ما تستأذنه للحمام اختاريني أو الحمام، او لكثرة ما تستأذنه لغرفة جيرانها تغزل عندهم اختاريني أو الغرفة، إن لم يرد بذلك طلاقا فلا شيء عليه فكذا مسألتك.
ابن القاسم: معنى قوله إن أراد به الطلاق فهو الطلاق، وإن اختارت الشيء الذي

الجزء: 4 - الصفحة: 272

خيرها فيه، فإن لم تختره فلا شيء لها: وقال مالك: إن قال لها أكثرت الذهاب إلى الحمام اختاريني أو الحمام، فقالت: اخترت الحمام، سئل عن نيته إن أراد طلاقها فهو الطلاق، وإن لم يرده فلا شيء عليه.
اللخمي: إن أراد الطلاق ولم ينو عددا لزمه الثلاث، وإن قال: نويت واحدة ففي لزوم الثلاث أو واحدة قولا ابن القاسم وأَصْبَغ مع اللخمي وهو أشبه، ولو أبانها بعد تخييرها قبل قضائها فتزويجه إياها يسقط خيارها إن كان باختيارها وإلا لم يسقط كالأمة والبكر.
قُلتُ: الأظهر أن جواز نكاحه إحداهما كقول ثالث نكاحها من وطاء أمة بملك لم يعجبني أن يتزوج أختها إذ لا يجوز أن يتزوج إلا حيث يجوز له الوطء، وهذه اشد إذ قد قيل: عقده على الأخت يحرم فرج الأمة فيصح الوطء بنفس العقد، وليس كذلك في المخيرة.
الباجي عن ابن حبيب عن ابن الماجِشُون: من قال: لختنته إن تكاريت لابنتك وخرجت بها من القرية فأمرها بيدك فتكارت لها لتخرجها، فأبي وبدا له، فله ذلك ولا شيء عليه، وهذا يدل على أن له الرجوع ما لم يوجد شرط التمليك، وألظهر لزوم ذلك بالعقد، ومعناه عندي أن له الرجوع في السب بأن تمنع أمها الخروج بها، ولو أخرجتها لزمه التمليك، وتقدم كون غير الزوجة كالزوجة في انقطاع ما بيده بانقضاء المجلس.
اللخمي: من ملك أمر زوجته غيرها فغاب ببعد، وقد أشهد أنه على حقه فللزوج رفع ذلك إلى الحاكم لينزعه منه.
قُلتُ: قال ابن شاش: قيل: يسقط ما بيده وينتقل للزوجة؛ لأنه كالنائب عنها.
قُلتُ: الظهر جريها على مسألة كتاب الخيار وقد تقدمت، ولابن رُشْد في نوازل سَحنون من كتاب الإيلاء ما نصه: حكى محمد عن ابن القاسم أن الأمر يرجع بيدها في بعيد الغيبة، ولم يأخذ به؛ لأنه يبعد ان يرجع بيدها ما جعله الزوج بيد غيرها غيرها.
اللخمي: ولو كان حين ملكه غائبا كتب له إن قرب يقضي أو يرد، وإن بعد فروى محمد: لا يقربها ويضرب لها أجل الإيلاء من يوم ترفعه إن لم يقدم طلق عليها الإيلاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 273

محمد: إن قدم في عدته فقضى بطلاق لزم مع طلقة الإيلاء، وإن لم يقض به فله الرجعة، وقال مالك أيضًا: يرجع الأمر إليها.
اللخميك يريد: إن كان لا يرجى قدومه في الأجل، واختلف قوله في هذا الأصل هل يجعل الطلقة؛ لن الصبر لا يفيد، وهو مضرة عليها، او لا يجعل رجاء انتقالها إلى الصبر؟ وإن طلق بالإيلاء فلها منعه الرجعة؛ لنه ممنوع من الإصابة، وغن انقضت العدة لم يجز أن يتزوجها؛ لأنه ممنوع منها حتى يقدم، ولا يجوز تزويج من لا يحل وطئها ولا المتعة بها.
قُلتُ: في قوله: لها منعه الرجعة نظر لاحتمال ثبوت موت الغائب قبل انقضاء العدة فيسقط ما بيده فتتم رجعته دون وطء لانتفاء موجب منعه قبل انقضاء العدة كقول إيلائها إن حلف ألا يطأها ثمانية أشهر، فوقف لأربعة أشهر فلم يف فطلق عليه ثم ارتجع، فإن انقضت الأربعة الأخرى قبل تمام العدة، ولم يمس فرجعته ثابتة وإلا فلا، وفي نوازل سَحنون من الإيلاء: من جعل امرأته بيد رجل غائب عزل عنها، وضرب له أجل الإيلاء إن حل قبل علم حال الغائب طلق عليه، فإن ارتجع فذلك له، فإن علم ان الغائب أبى طلاقه ثبتت رجعته، وإن طلق عليه كانت ثانية وله أيضًا في ذلك الرجعة لا تكفي رجعته الأولى، وإن انقضت عدة طلقة الإيلاء قبل أن يعلم ما صنع الغائب بانت منه.
قُلتُ: فقد نص سضحنون على أن له الرجعة.
ابن رُشْد: مثل قول سضحنون، وروى محمد عن مالك وابن القاسم وفيئة هذا الإيلاء هي أن يعلم ما عند الغائب، وإن طلق عليه كانت طلقة ثانية، وارتجع إن شاء كما يرتجع غير المولي تصح رجعته بالقول دون وطء، وقول ابن عبد السلام في القول بضرب أجل الإيلاء في المنع بسبب اليمين نظر؛ لن أصول المذهب تدل على أن شرط ضرب الأجل أن يكون الامتناع من الوطء بسبب يمين اقتضت ذلك ولا يمين هاهنا، يرد بمنع حصر ضرب أجل الإيلاء في المنع بسبب اليمين؛ بل في المنع بسبب من الزوج ولو كان غير يمين، ولذا قال ابن رُشْد في المسألة: غنما يعزل عن امرأته؛ لأنه جعل طلاقها بيد غيره حتى يعلم ما عنده، ولما كان الامتناع من الوطء بسببه دخل عليه الإيلاء إن طلبت المرأة المسيس.

الجزء: 4 - الصفحة: 274

الشيخ عن الموازيَّة: لو أراد من ملكه الزوج أمر امرأته طلاقها فلها منعه إن أبى منعه الإمام، وسقط ما بيده ولو سبق فراقه لزم.
محمد: هذا إن كانت سألت الزوج ذلك، وأراد سرورها بذلك، وإلا فلا منع لها عليه، وقاله مالك فيمن جعل امرها بيد أبيها.
وسمع ابن القاسم: من خير امرأته قبل البناء، ولم تحض فاختارت فهو طلاق، وإن بلغت في حالها؛ يريد: مبلغ التي توطأ فيما ظننت.
سَحنون: لها الخيار وإن لم تبلغ؛ لأنه هذا الذي جعل ذلك لأبيها.
ابن رُشْد: القائل "يريد" هو ابن القاسم، ولمالك في رسم بع من سماع عيسى لزوم طلاقها، وغن لم تبلغ مبلغ أن توطا إن عقلت وعرفت ما ملكت فيه، ومثله لابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب النكاح، فتفسيره هذا القول مالك ضعيف، إذ الموجود له ولمالك خلافه، ولو كانت صغيرة لم تعقل معنى الخيار والطلاق لاستؤني بها حتى تعقل.
قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد في النكاح، وهو مفسر لقول مالك هنا، وقول سضحنون لها الخيار، وإن لم تبلغ يحتمل أن يريد ,غن لم تبلغ المحيض أو إن لم تبلغ أن توطأ إن بلغت مبلغا تعقل فيه معنى الطلاق والخيار، فليس قوله بخلاف لقول مالك ومن تأول عليه انه أراد أن لها الخيار، وإن لم تبلغ ما تعرف فيه معنى الطلاق فقد أبعد.
قُلتُ: هو ظاهر قول اللخمي اختلف إن خيرها وهي صغيرة فاختارت نفسها، فذكر قول مالك وابن القاسم.
قال: وقال أشهب وعبد الملك ذلك خيار، وإن كانت صغيرة، وهذا بين إن كانت ممن يعقل مثل ذلك، وإن كانت لا تعرف الصلاح من الفساد، وأما أن كانت صغيرة وهو أبين إن كانت ممن يعقل مثل ذلك، وإن كانت لا تعرف الصلاح والفساد، وأما إن كانت لها السنتان والثلاث فليس قضاؤها بشيء، ولابن القاسم في العتبيَّة: من تزوج صغيرة على إن تزوج عليها فأمرها بيدها فتزوج عليها، إن عرفت الطلاق والخيار خيرت وإلا استؤني بها حتى تعرف، ولو تزوجها على أن أمر من يتزوج عليها بيدها فتزوج عليها، وهي صغيرة لا تعقل فسخ النكاح؛ يريد: لأنه موقوف لمنع الزوج منها إلى مدة تعقل فيها، وعلى قول أشهب وعبد الملك يجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 275

النكاح ولها الخيار الآن، ولعبد الملك في المجموعة أو خيرها وهي في عقلها ثم غمرت لم يجر قضاؤها حينئذ، وغن خيرها، وهي مغمورة فاختارت جاز قضاؤها لأنها في حد رضي قضاؤها فيه.
قُلتُ: زاد الشيخ في النوادر إثر هذا الكلام: وكذا لو ملك صبيا أمر امرأته جاز قضاؤه إن كان يعقل ما جعل له، وما يجيب به، فإن كان يخلط في كلامه، ولا يعقل جعل له لم يجزه.
قُلتُ: قوله في المغمورة خلاف قوله في الصبي.
زاد الشيخ عن ابن سَحنون: عنه إن جعل أمرها بيد صبي أو امرأة أو ذمي فطلق عليه لزمه.


فيها: إن قال لها إذا جاء غد فقد خيرتك، وقفت إلا أن تقضي أو ترد، وإن ملكها إلى أجل فلها أن تقضي مكانها.
الشيخ عن الموازيَّة: إن ملكها إلى سنة ثم وطئها وجهلا زال ما بيدها، ولو قال إن قدم أبي لم يزل ذلك وطئه قبل قدوم أبيه، وله في آخر الباب عن ابن حبيب عن أَصْبَغ إن جعل أمرها بيدها إلى أجل أو بيد غيرها فلا يقطعه الوطء، وقاله ابن الماجِشُون وبه أقول.
قال أَصْبَغ: بخلاف المملكة إلى غير أجل، وابن القاسم يساوى بينهما.
وسمع أبو زيد ابن القاسم: من قال لرجل كلما جاء شهر وكلما حاضت امرأتي حيضة فأمرها بيدك أنه، يوقف من جعل ذلك بيده فإن طلق ثلاثا جاز ذلك، وإن أبى أن يطلق سقط ما بيده، ولا رجوع للزوج قبل وقفه.
ابن رُشْد: مساواته بين كلما جاء شهر أو كلما حاضت امرأتي على أصله في مساواة تعجيل الطلاق وبين قوله امرأتي طالق كلما جاء شهر أو كلما حاضت حيضة، ولا مناكرة للزوج في ذلك لقوله كلما، وعلى قول من رأى كلما حاضت امرأتي حيضة فهي طالق أنه يلزمه طلقة إن كانت أمة وطلقتان إن كانت حرة يكون للزوج المناكرة إن طلق المملك ثلاثا في الحرة وطلقتين في الأمة، وعلى قول أشهب لا توقف في قوله أمرها

الجزء: 4 - الصفحة: 276

بيدك كلما حاضت حيضة، ولا يكون بيده شيء حتى تحيض، وكذا كلما حاضت ما يقي من طلاق ذلك الملك شيء، ولا يسقط حق المملكة في ذلك الوطء؛ لأنه على مذهبه كمن قال فعلت فلانة كذا فأمرها بيدها.
وفي مختصر ما ليس في المختصر: من ملك امرأته أمرها أو رجلاً أجنبيًا لأجل لا قضاء لواحد منهما حتى يأتي الأجل وللزوج الوطء في الأجل، والمشهور تعجيل التوقيف في ذلك كالطلاق، وأن الوطء بعلم المملك يسقط حقه، وقال أَصْبَغ: لا يسقطه، وقيل: يسقط إن كان المملك الزوجة، ولا يسقطه إن كان أجنبيًا.
قاله ابن الماجِشُون وابن حبيب.
وروى اللخمي: من قال: لامرأته إذا جاء غد فأمرك بيدك وقفت الآن فتقضي إلا أن يصيبها قبل ذلك فيسقط ما بيدها؛ يريد: إن علمت أن لها الخيار الآن، وإن جهلت ذلك لم يسقط ما بيدها، وعلى أحد قولي مالك في جواز التأجيل لا قضاء لها قبل الغد.
قلت لابن حارث: من طلق إلى وقت يأتي بكل حال عجل اتفاقًان، وفي النوادر عن المجموعة قال: من أنكح رجلاً على إن غاب سنة فأمرها إلى، فغابها فطلق عليه واعتدت وتزوجت، ثم قدم فأقام بينة أنه قدم إليها قبل السنة.
قال: ترد إليه، وكذا لو شرط إن لم يبعث النفقة إلى وقت كذا فأمرك بيدك، فجاء الوقت فطلبت ذلك بالبينة عندك فطلقت فلها أن تنكح، ولا تنتظر لما عسى أن له حجة، فإن قدم فأقام بينة أنه كان ينفق سقط التمليك، ونزعت من الآخر، ونقلها اللخمي من المجموعة معزوة لابن القاسم بزيادة نزعت من الآخر وإن دخل.
قال: يريد؛ لأن هذا تعدًّ من المرأة كمن علمت برجعة زوجها لها ثم تزوجت، وكمن باع سلعة ثم تعد أو باعها من آخر، ولو ثبت أنه بعث بالنفقة فأمسكها من بعثت معه، ولم يعلمها كان الطلاق ماضيًا ولم ترد، ولو أثبت رجل دينا على غائب فبيعت له داره ثم قدم فأثبت أنه كان قضاه لم يرد البيع إذا فات، وإن كان القائم بالبيع متعديا؛ لأن التعدي على الذمة فبيع ذلك ناشاء من التعدي والتعدي في الزوجة على عين المبيع فأشبه ما غصبت عينه، ثم بيع بياعات بوجه شبهة فلا يقطع ذلك حق صاحبه، وقال ابن شاش في مسألة المملكة بالغيبة فرقوا بين أن تعلم بقدومه أولا، فإن علمت فسخ نكاح الثاني، وإن لم تعلم جرى على الخلاف

الجزء: 4 - الصفحة: 277

فيمن طلق ثم ارتجع فلم تعلم برجعته حتى تزوجت، وفي ذلك قولان ومثله لابن الحاجب، وفي قولهما فسخ إجمال لاحتمال كونه مطلقًا أو ما لم يبن بها الثاني، وظاهر الرواية في المملكة فسخه مطلقًا، وفي تقسيمهما حال المملكة إلى كونها عالمة أو غير عالمة نظر؛ لأن نص الرواية أنه أقام بينة أنه قدم إليها وإنه كان ينفق، وقدومه عليها ونفقته عليها ملزومان لعلمها ذلك، ومثل تقسميهما حال المملكة للعلم وعدمه قول ابن عبد السلام إثر ذكره المسألتين، وإنما يكون علم المرأة معتبرًا في فسخ النكاح إذا قيد إقرارها بالشهادة قبل نكاح الثاني، وإلا لم يلتفت إليه؛ لأنه تتهم على فسخ نكاح الثاني، وتقدم حكم من عتقت تحت عبد غائب وتزوجت ثم ثبت قبل عتقها والخيار بالسنة أقوى من خيار الاقتراف.
وفيها: إن قال لها إذا قدم فلان فاختار فذلك لها إذا قدم ولا يحال بينه وبين وطئها، فإن وطئها بعد قدوم فلان، ولم تعلم المرأة بقدومه فلها أن تختار حين تعلم، وإن ثبت لها خيار في نفسها فأعطاها مالا على أن تختاره ففعلت لزمه، وفي سماع أَصْبَغ في النكاح قال أشهب: من شرط لامرأته إن تزوج عليها فأمرها بيدها فتزوج عليها، وهي لا تعلم وماتت المرأة التي تزوج عليها أو طلقها ثم علمت فلها الخيار.
ابن رُشْد: لأنه وجب لها بتزويجه فلا يسقطه موت ولا طلاق، ولو تزوجها على أن أمر كل من يتزوج عليها بيدها فتزوج عليها، ولم تعلم حتى طلقها طلاقا بائنًا ففي بقاء ما كان بيدها وسقوطه قولا أَصْبَغ مع سماعه ابن القاسم وسَحنون مع ابن الماجِشُون.

باب في الرجعة

الرجعة: رفع الزوج أو الحاكم حرمة المتعة بالزوجة لطلاقها، فتخرج المراجعة، وعلى رأي رفع إيجاب الطلاق حرمة المتعة بالزوجة بانقضاء عدتها، وقول ابن

الجزء: 4 - الصفحة: 278

الحاجب «رد المتعة عن طلاق قاصرٍ عن الغاية ابتداءً غير خلع بعد دخولٍ ووطء جائز قبلوه، ويبطل طرده بتزويج من صح رجعتها بعد انقضاء عدتها؛ لأن الاسم المشتق محكوم عليه لا به.
وشرطها ثبوت بنائه بها، ومثبته ما تقدم في الإحلال، وفي شرط الوطء بجوازه قولا المشهور وتخريج اللخمي على قول ابن الماجِشُون وطء الحائض يحل.
قال: والوطء في الصوم التطوع والاعتكاف غير منذور معتبر لبطلانها بأول الملاقات والإمساك بعدها لا يجب وذكره قبل هذا في بعض فصول أول باب من إرخاء الستور عنه نصًا، ولمن طلق عليه لعسر نفقة أو عيب الرجعة إن أيسر في العدة، أو ذهب عيبه، وإلا فلا إن لم ترض، ويختلف إن رضيت فيهما أو في الإيلاء بعدم إصابته، ففي صحة رجعته قولا ابن القاسم مع الأخوين في الإيلاء وسَحنون فيه وفي المعسر.

الجزء: 4 - الصفحة: 280

وفيها: إن طلقها قبل أن يعلم له بها خلوة ثم أراد ارتجاعها وادعى الوطء وأكذبته فلا عدة عليها ولا رجعة له.
أشهب: ولو أقام بينة على إقراره قبل الفراق فوطئها لم ينتفع بذلك، ولا رجعة له وإن صدقته إذ ليس ببناء معلوم ولتعد إن صدقته ولها عليه السكنى والنفقة، وإن أكذبته في شيء من الثلاثة، وإن أقاما بينة على إقرارهما بذلك قبل الطلاق لم يصدقا وعليها العدة وعليه النفقة والكسوة ولا رجعة له.
ولأشهب في أمهات الأولاد: من طلق قبل البناء فلا رجعة له فإن ظهر بالزوجة حمل فادعاه لحق به وجازت له الرجعة.
فإن قلت: ظاهر قولها مع غيرها أنه إن كان طلاقه قبل أن يعلم له به خلوة أنه لا رجعة له، ولا يقبل قوله في ذلك، وهو نص اللخمي عن المذهب، ونصوص الموثقين مقتضية قبول قوله.
قال المتيطي وغيره: إذا أشهد الزوج بالرجعة وأراد أن يعقد بذلك عقدا كتبت ارتجع فلان زوجه فلانة بعد طلقة كان طلقها بعد بنائه بها منذ عشرين يومًا بما وجب له من رجعتها إلى آخره، ومثل عمل أهل الزمان.
قُلتُ: محمل ما ذكره المتيطي وغيره فيمن صدر منه طلاقه مقيدًا بكونه بعد البناء، ومحمل ما في المدَوَّنة وغيرها فيمن صدر منه الطلاق غير مقيد بكونه بعد البناء.
قُلتُ: إن خلا بها وأمكن منها في بيت أهلها غير دخول البناء وادعى الوطء وأكذبته فعليها العدة ولا رجعة له.
اللخمي: تثبت الرجعة بالخلوة وتصادقهما على الإصابة، ولو كانت خلوة زيارة، واختلف إن أكذبته بدعوى الإصابة فروى ابن عبد الحَكم لا رجعة، وقال محمد: حيث يقبل قولها في الصداق ويقبل في ثبوت الرجعة والعدة ودفع الصداق، وظاهر قول ابن القاسم تصح في خلوة البناء لا الزيارة.
وتثبت في الفاسد الذي يفوت بالبناء، والمعتدة إن ادعت انقضاء عدتها بوضع أو سقط صدقت.
فيها: إن قالت أسقطت فذلك لا يخفى عن جيرانها، والشأن تصديقها بغير يمين

الجزء: 4 - الصفحة: 281

وإن بعد يوم طلاقها أو أقل، ولا أنظر إلى الجيران لأنهن مأمونات على فروجهن، ولو رجعت فقالت كنت كاذبة لم تصدق وبانت بأول قولها، والسقط ما تكون به الأمة أو ولد في استبرائها إن ألقت مضغة أو دمًا أو شيئًا يستيقن النساء أنه ولد فاستبراؤها ينقضي به كما تنقضي بذلك عدة الحرة وتكون الأمة به أم ولد، وقال أشهب: الدم المجتمع لغو، وعكس عياض العزو فعزا لابن القاسم قول أشهب وله قول ابن القاسم والمعتبر الدم المجتمع ما لا يتفرق بجعله في ماء سخن.
قاله بعضهم وهو حسن.
وفيها: وإن ادعت الأمة أنها أسقطت فالسقط لا يخفى دمه وينظر إليها النساء إن كان بها ما يعلم أنها أسقطت.
فُلتُ: هذا في الأمة في الاستبراء، وفي كونها كذلك في العدة أو كالحرة نظر، وفي أمهات الأولاد قال مالك في المطلقة: تدعي أنها أسقطت ولا يعلم ذلك إلا بقولها لا يكاد يخفى عن الجيران السقط والولادة، وأنها لوجوه تصدق النساء فيها وهو الشأن، ولكن لا يكاد يخفى عن الجيران.
اللخمي: إن ادعت انقضاءها في مدة تنقضي فيها الأقراء الثلاثة في غالب النساء صدقت، ولا رجعة لزوجها وحلت لغيره في مدة لا تنقضي فيها بحال لم تصدق، وفي مدة تنقضي فيها نادرا اختلف في تصديقها، ففيها لمالك إن ادعته لشهر سئل النساء، فإن قلن ذلك صدقت، وروى محمد لا تصدق في شهر، وقال أيضًا: ولا في شهر ونصف، ورأى أن تسأل المرأة، فإن قالت: طلقت آخر الطهر قرب قبول قولها، وتسأل إن ادعت النادر من عادة النساء، فإن قالت كانت عادتها على المعتاد، وانتقلت بعد الطلاق للنادر لم تصدق، وإن قالت كانت عادتي قبله على النادر وصدقها الزوج صدقت، وإن أكذبها لم تصدق.
قُلتُ: في أقل ما يقبل فيه قولها أحد عشر قولا.
الشيخ عن الموازيَّة: قيل تصدق في شهر وليس بشئ، وروى ابن وَهْب: إن صدقها النساء فيه حلت، وروى أشهب: لا تصدق أربعين يومًا إلا أن يكون عند النساء معروفًا، وروى ابن وَهْب أن أبان بن عثمان صدقها في خمس وأربعين ليلة وحلفها.

الجزء: 4 - الصفحة: 282

أشهب: لا تحلف إن حاض النساء في مثل ذلك ثلاث حيض، وفيها لسَحنون وليس العمل على أن تحلف.
الشيخ: وروى محمد لا تصدق في شهر ونصف، وروى المتيطي تصدق في خمسة وأربعين يومًا، وقال عبد الملك أقله خمسون يومًا.
ابن العربي: قلت: الأديان في الذكران فكيف بالنسوان فلا تمكن المطلقة من التزويج إلا بعد ثلاثة أشهر من يوم الطلاق، ولا تسأل هل كان الطلاق أول الطهر أو آخره، وتقدم اللخمي أنها تسأل عن ذلك، ونحوه نقل الشيخ عن أشهب تصدق في الحيضة للأولى، ولو قالت: حضتها يوم طلقني وينظر في الحيضتين وطهرها كم قدر ذلك فتصدق في مثله.
قُلتُ: على قول ابن الماجِشُون أن أقل الطهر خمسة أيام وأقل الحيض خمسة أيام تنقضي عدتها في خمسة وعشرين يومًا غير يوم طلاقها، وعلى تصديقها في الأقل في حلفها، وثالثها: إن صدقها النساء لم تحلف لظاهر متقدم قول ابن وَهْب وسَحنون وأشهب، وخرج بعضهم وهو ابن رُشْد فيما أظن تحليفها على توجه يمين التهمة.
قال: فإن نكلت لم يحلف الزوج على الصحيح من القول ومنعت التزويج لمضي المعتاد في إنقضاء العدد.
وفيها: إن قالت في قدر ما تحيض فيه ثلاث حيض دخلت في دم الحيضة الثالثة، ثم قالت: مكانها أنها كاذبة، وما دخلت في دم الحيضة الثالثة، ونظر النساء إليها فوجدنها غير حائض، ولم ينظر إلى نظر النساء إليها وبانت حين قالت ذلك إن كان في مقدرا ما تحيض له النساء.
ابن الحاجب: ولا يفيد تكذيبها نفسها، ولا أنها رأت أول الدم وانقطع ولا رؤية النساء لها في وضع ولا حيض.
ابن عبد السلام: في هذا الوجه عندي نظر، وقد اضطرب المذهب هل تخرج المعتدة بنفس دخولها في الدم الثالث تمادى بها أو لا؟ والأكثرون على شروط التمادي، وإن كان مذهبهم أن الأصل تمادية إلا أنه إذا تحقق انقطاعه بعد ساعة من ظهوره لم يعتبر في عدة ولا استبراء، فعلى هذا إذا قالت: انقضت عدتي عندما رأته بناء منها على

الجزء: 4 - الصفحة: 283

أنه يتمادى ثم انقطع فأخبرت بانقطاعه، وينبعي أن يقبل قولها، وكما هي مؤتمنة على وجوده أولا فهي مؤتمنة على تماديه وانقطاعه.
قُلتُ: من نظر وأنصف علم أنه قبل نقل ابن الحاجب أن المذهب إذا قالت رأيت أول الدم وانقطع أنه لا يقبل قولها، وأنه اختار من عند نفسه قبول قولها، وليس المذهب كما زعماه؛ لأنها إذا قالت: رأيت أول دم الحيضة الثالثة، ثم قالت: قد انقطع أنه لا يقبل قولها؛ بل المذهب كله في هذه الصورة على قبول قولها أنه لم يتمادى، وإنما الخلاف حسبما يأتي إن شاء الله في لغو انقطاعه واعتباره، وهو نصها ونص العتبيَّة كما نذكره إن شاء الله، وإنما القول قولها إذا قالت: دخلت في دم الحيضة الثالثة، ثم قالت أنها كاذبة وما دخلت في دم الحيضة الثالثة حسبما ذكره من لفظ المدَوَّنة ومثله لفظ التهذيب.
وسمع عيسى جواب ابن القاسم في المطلقة، وهي ترضع فيموت زوجها فتدعي أنها لم تحض وتطلب إرثها، وإن كانت لا ترضع فهي مصدقة حتى يأتي عليها سنة، وإن لم تذكره وعليها اليمين إلا إن كانت قالت: حضت ثلاث حيض، والتي ترضع مصدقة حتى تفطم ولدها وبعد فطامه سنة.
ابن رُشْد: معنى قوله في التي ترضع أنها مصدقة حتى يأتي عليها سنة أنها مصدقة أنها لم تحض فيما بينهما وبين سنة مع يمينها ولها الميراث، ولا تصدق إن انقضت السنة فطلبت الميراث وزعمت أن عدتها لم تنقض؛ لأن بها جسما في بطنها تجره حتى تراها النساء ويصدقنها، ومن دليل هذه الرواية والله أعلم.
أخذ ابن العطار قوله: إن المطلقة إذا مرت بها سنة، وزعمت أنها مستبرأة ينظر إليها النساء إن رأين بها ريبة تمادت في سكناها ما بينها وبين خمسة أعوام، وزاد أنها تحلف لم تحض في المدة الماضية، ولا يصح ذلك إنما تحلف فيها دون السنة إذا صدقت دون أن ينظرها النساء، وقوله ذكرت ارتفاع حيضتها في حياة زوجها أو لم تذكره خلاف ما في الموازيَّة لا تصدق ولا إراث لها إلا أن تذكر ذلك في حياته، وكذا لو ادعت قرب انسلاخ السنة أنها لم تستكمل الحيض الثالث صدقت مطلقًا على هذه الرواية مع يمينها، ولا تصدق على ما في الموازيَّة إلا أن تكون ذكرت ذلك قبل وفاته، ولو ادعت

الجزء: 4 - الصفحة: 284

ذلك بعد أربعة أشهر ونحوها لا نبغى أن تصدق دون يمين، وإن ادعته بعد ستة أشهر ونحوها لانبغى أن تصدق مع يمينها وإن لم تذكر ذلك، ولو ادعت بعد موته بأكثر من عام أو عامين أنها لم تستكمل الحيض الثالث لتأخر الحيض عنها لانبغى أن لا تصدق إلا أن تكون ذكرت تلك في حياته قولاً واحدًا، وحكم التي ترضع من بعد الفطام كالتي لا ترضع من يوم الطلاق إذ ارتفاع الحيض مع الرضاع ليس بريبة اتفاقًا.
وفيها: إن أشهد على رجعتها فصمتت، ثم قالت بعد يوم أو أقل انقضت عدتي قبل رجعته لم تصدق وثبتت رجعته.
وسمع عيسى ابن القاسم في النكاح من شرط لامرأته في نكاحه إن قرب أم ولده إلا بإذنها فأمرها بيدها فوطئها دون استئذان امرأته، وهي تعلم ثم غارت وأرادت القيام بشرطها لا قيام لها.
أَصْبَغ: لو شرط كون ذلك برضاها فوطئها، وهي تنظر وزعمت أنها لم ترض فهو حانث، فإن ادعى أنه بإذنها فعليه البينة، فإن لم يأت بها مضى عليه الأمر.
ابن رُشْد: قول أَصْبَغ في الرضا ليس بخلاف لقول ابن القاسم في الإذن؛ لأنه خلاف الرضا لا يعد السكوت رضيً اتفاقًا، قد يسكت الإنسان عن إنكار الفعل وهو لا يرضاه، وفي كون السكوت إذنا أو إقرارا أم لا؛ قولان من ذلك ما في سماع أصْبَغ في المدبر، وسماع عيسى في المديان وفي الدعوى والصلح، وسماع أصْبَغ في جامع البيوع، وقولها في إرخاء الستور فيمن راجع امرأته فسكتت، ثم قالت: كانت انقضت عدتي، فقول ابن القاسم في وطء أم ولده هو على أحد القولين، وأظهرهما أنه غير إذن؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم في البكر: "إذنها صماتها" يدل على أن غيرها بخلافها وأجمعوا عليه في

الجزء: 4 - الصفحة: 285

النكاح، فوجب قياس غيره عليه إلا ما يعلم بالعرف أن أحدا لا يسكت عليه إلا راضيا به، فيتفق فيه أن السكوت عليه إقرار كمن يرى حمل امرأته فيسكت ثم ينكره، وتعقب ابن عبد السلام قول ابن الحاجب: لو أشهد برجعتها فصمتت ثم ادعت أنها كانت انقضت لم تقبل بأنه أخل بها في المدَوَّنة من طول زمن السكوت، يرد بمنع دلالتها على الطول؛ لأن قولها أو أقل يتناول الطول والقصر، قوله مجموع طول السكوت والإشهاد يدل عرفا على تصديقه مع قوله حكى ابن رَشْد فيها قولا ثانيًا خلاف قول ابن رُشْد ما علم عرفا أن أحدا لا يسكت عنه إلا راضيًا هو إقرار اتفاقًا.
******** ولو وافقته إلا بدليل في كونه البينة على أنه كان يخلو بها في العدة ويبيت عندها، وأحدهما قولها، ونقل ابن بشير، ونقل اللخمي عن محمد: يبيت عندها في بيت في كونه ثالثها نظر، ونقل ابن عبد السلام: رأي أشهب: أنه لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينة أنه جامعها في العدة؛ يريد: أقام بينة على إقراره بذلك في العدة لا أعرفه، إنما ذكر ابن محرز عنه في الموازيَّة: أنه إن أقام بينة عادلة أنه كان أقر عندهم أنه أغلق بابا وأرخى سترا عليها في عدتها لم يكن رجعة إن ادعاها بعد العدة، وقول ابن عبد السلام مع غيره: ينبغي أن لا يعتبر مجموع الخلو بها، والمبيت عندها إلا على رواية منعه الدخول عليها، والنظر إليها إما على رواية عدم منعه الدخول عليها فلا، إذ اختصاص لذلك المجموع بالرجعة، يرد بأن بعض المجموع الدال على صدقه مبيته معها، وهو أخص من الدخول عليها والأكل معها، ولا يلزم من دلالة الأعم على شيء عدم دلالة الاخص منه عليه.
اللخمي: حيث لا يقبل قوله إن أكذبته الزوجة حلت للأزواج، وإن صدقته لم تحل لغيره وجبر على نفقتها إلا أن يطلق، فإن أنفقها وقامت بالطلاق لعدم الوطء، فمعروف المذهب لا قيام لها؛ لأنه لم يقصد ضررا ولها ذلك على أحد قولي مالك فيمن قطع ذكره بعد البناء، وطلاق المرتجع أبين؛ لأنه يحال بينه وبينها ولمن قطع ذكره المتعة بغير الوطء، وللزوج جبرها على أن يعطيها ربه دينار، ويحضر الولي كما لو كانت أمة، واعترف السيد بأنه كان ارتجعها.
قاله محمد عن أشهب.
زاد عبد الحميد عن بعض المذاكرين: إن أبي الوارث عقد له السلطان، وإن أبت لم

الجزء: 4 - الصفحة: 286

تعتبر وعقد له عليها السطان.
قال: ولا يتزوج أختها ولا خامسة، وذكر عبد الحق أن أبا عمران ترجح في جبر الزوجة إذا دفع لها ربع دينار.
قُلتُ: مقتضى منعه تزويج أختها أنه لا يقبل رجعوعه عن قول راجعتها، ومقتضى قولهم يجبرها له إذا أعطاها ربع دينار عدم قبول رجوعها عن تصديقه، ونقل عبد الحق عن بعض القرويين قبول رجوعهما عن قولهما كم ادعت أن زوجها طلقها ثلاثا فأكذبها ثم خالعها ثم أرادت مراجعته، وأكذبت نفسها أنه يقبل رجوعهما واختاره، وعن بعضهم لا يقبل رجوعهما.
قُلتُ: وتجري المسألة عندي على قول عتقها الثاني إن شهد رجلان على رجل بعتق عبده فردت شهادتهما، قم ابتاعه أحدهما عتق عليه، وقال أشهب: إن أقام على قوله بعد الشراء، وإن قال كنت كاذبا لم يعتق عليه، وتخريجها على قبول رجوع مدعية الطلاق ثلاثا، يرد بعذرها بإراتها الراحة من عشرته، والمقرة بالرجعة لا عذر لها ولا له.
بعض شيوخ عبد الحق: إن ادعى بعد العدة بينة غائبة على رجعته في العدة، إن قربت البينة منعت المرأة النكاح حتى ينظر في ذلك، وإن بعدت لم تمنع، فإن تزوجت ثم قدنت البينة بذلك فرق بينهما وبين من تزوجها وردت لزوجها، وكذا لو تزوجت وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها الثاني، ولا يكون الثاني واطئان في عدة؛ لأنها ذات زوج، وقول ابن عبد السلام "في قول ابن الحاجب ردت إلى الأول برجعته؛ يريد: أن دعوى الزوج قبل ذلك الارتجاع يتنزل منزلة إنشاء الارتجاع وفيه نظر؛ لأن الدعوى تحتمل الصدق والكذب والإنشاء لا يحتملهما "يرد بأن هذا اللازم إنما نشأ عن تفسيره قول ابن الحاجب بأنه أراد أن دعوى الزوج قبل ذلك أنه كان ارتجعها يتنزل منزلة إنشائه رجعتها، وما فسره به غير صحيح ولا لازم؛ بل معنى قولهم ردت إليه برجعته أنها ردت إليه لقيام دليل صدق في دعواه أنه كان أنشأ ارتجاعها، لا لأن دعواه إنشاء لارتجاعها، وإنما الإشكال قبل هذا في قولها إن قال لزوجته في العدة كنت راجعتك أمس صدق وإن كذبته؛ لأن ذلك يعد مراجعة الساعة، فجعل الخبر إنشاء.
واعلم أن مدلول الخبر تارة يكون إنشاء كقول من كان طلق أمس طلقت زوجتي بالأمس، وتارة لا يكون إنشاء كقول من قام أمس قمت أمس، وإذا علمت هذا

الجزء: 4 - الصفحة: 287

فالجواب عن الإشكال أن قوله يعد مراجعة الساعة يحتمل أنه لجعله نفس قوله كنت راجعتك إنشاء فيلزم جعل نفس الخبر إنشاء، ويحتمل أنه؛ لأن مدلول خبره هذا إنشاء فلا يلزم جعل نفس الخبر إنشاء فيجب حمله على هذا لصحته دون الأول لبطلانه.
وفيها: إن أقام بعد العدة بينة بأنه أقر فيها بوطئها فهي رجعة إن قال: أردت الرجعة.
وفيها: بعد ذكر حكم امرأة المفقود تتزوج، ثم يقدم واسلك بالتي تعلم بالطلاق ولا تعلم بالرجعة حتى تعتد وتنكح هذا المسلك في فسخ النكاح وجميع أحكامها.
اللخمي: روى محمد: من ارتجع وهو حاضر منع زوجته فلم يعلمها برجعته حتى تزوجت وبنا بها من تزوجها مضت له زوجة والحاضر أعظم ظلمًا، وليس يبين، لو رأى رجل زوجته تتزوج، ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقًا، ولو عد طلاقا لاستأنفت العدة من الأول، وفي ثالث نكاحها من طلق امرأته الأمة ثم ارتجعها في سفره قبل انقضاء عدتها وأشهد بذلك، فوطئها سيدها بعد عدتها قبل علمه برجعتها، ثم قدم الزوج فلا رجعة له، إذ وطء السيد بالملك كوطئها بالنكاح، وما يمنع النكاح أو لا يشترط فيه قد لا يكون كذلك في الرجعة، فالمذهب صحتها من المحرم والمرض والعبد دون إذن سيده.


فيها راجعتها وفي ثالث نكاحها وارتجعتها.
ابن شاس: ورجعتهما ورددتهما إلى النكاح، ولفظ الإمساك وكل لفظ يحتمل الارتجاع إذا نواه به كأعدتها ورفعت التحريم.

الجزء: 4 - الصفحة: 288

عبد الحميد: في نكحتك وتزوجتك وكلما صح به ابتداء العقد نظر، يحتمل كونه كذلك لصحة ابتداء العقد به، ويحتمل إلا إذ الرجعة غير ابتداء العقد.
قُلتُ: الأظهر الأول مع إراتها منه.
اللخمي: إن قارن القول البينة صح، وإلا فقال أشهب: ليس برجعة.
وفيها: إن قال: راجعتك، ثم قال: كنت لا عبا ولا بينة على قوله فهي رجعة، وهما على قول مالك في لغو هزل النكاح وصحته، وعلى الخلاف في لغو الطلاق العري عن النية.
قُلتُ: الأظهر أن اللفظ الصريح كارتجعت لا يفتقر إلا نية، وغيره كأمسكت ورددت يفتقر.
ابن رَشْد: القول دون نَّية لا تصح به رجعة فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بها لظاهر لفظه، إلا على القول بلزوم طلاق المستفتي بلفظه دون نَّية وهو قائم من المدَوَّنة وهو بعيد.
قُلتُ: انظر هل مرادهم بقولهم دون نَّية أنه نوى بلفظ الطلاق والرجعة غير معناهما أو مجرد عدم نيتهما، والأول ظاهرٌ معنىً، بعيدٌ لفظا، والثاني عكسه.
قال: واختلف هل يجوز له الوطء إذا ألزم الرجعة على القول أنها لا تصح له فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بها لظاهر لفظ الأصح، وإذا ألزم الرجعة من طلق في الحيض وأبي أن يرتجع قيل له للوطء وهو صحيح؛ لأنها رجعت لعصمته بالحكم، وإن أبي فيجوز له الوطء كالمجبور على النكاح بأب أوصي أوسيد، وإليه ذهب أبو عمران واحتج بجواز وطء من نكح هازلا ومنعه بعض البغداديين حتى ينوي رجعتها، وفي ثبوتها بمجرد النيَّة ولغوها تخريج ابن رَشْد مع اللخمي على أحد قولي مالك بلزوم الطلاق واليمين يمجردها، وقول محمد والاستمتاع بنية الرجعة رجعة إن قارنته.
اللخمي: إن بعد ما بينهما فلا رجعة، ولمحمد: إن نواها ثم قبل أو باشر أو ضم لمكان ما نوى فهو رجعة؛ يريد: إن أصاب ساهيا عن الطلاق المتقدم لم يكن رجعة إن لم

الجزء: 4 - الصفحة: 289

تقارنه نية، وقد اختلف في شرط مقارنة نَّية الظهار.
أبو عمر: روى لقرينان أن القبلة والنظر إلى الفرج ليستا برجعة، وفي لغو الوطء دون نية، وكونه رجعة روايتها وقول ابن وَهْب، وعزاه ابن رَشْد لليث فقط.
قال: يريد في الحكم الظاهر، ولا يصدق أنه لم يرد به الرجعة، وهذا الأظهر كوطء مبتاع الأمة بخيرا في مدته، وقد يفرق بأن المبتاع لو حبسها حتى مضت أيام الخيار وتباعدت عد مختارًا، والزوج لو تمادى على إمساكها حتى انقضت عدتها أبانت منه، وهذا التفريق لا يسلم من الاعتراض.
قَلتُ: يعترض بأن نسبة المبتاع للأمة إنما بوصف ابتياعها المناسب لحليتها، ونسبة المطلق للزوجة إنما هو بالطلاق المناسب لحرمتها، فلا يلزم من إيجاب إمساك الأول الأمة إباحتها.
وفي تهذيب عند الحق: إن قيل لم جعل وطء الأمة المبيعة بخيار رضى من المشتري بالبيع ولم يجعل وطء الزوج دون نَّية الرجعة رجعة.
قيل: لأن الخيار تعلق فيه حق للبائع وحق للمشتري، فإن فعل المشتري في الأمة ما يفعل المالك كان اختيارا منه، والرجعة إنما هي في حقوق الزوج فلا يثبت حقه إلا بإقراره أنه أراد بفعله الرجعة.
وأجاب أبو عمران فيمن طلق واحدة وتمادى على وطئها غير مريد به الرجعة ثم حنث بطلاقها ثلاثا تلزمه الثلاث كالطلاق في النكاح المختلف فيه في فساده لقول ابن وَهْب والليث، وقال: وعلى إلغاء وطئه دون نية.
روى محمد: وسمع عيسى ابن القاسم له مراجعتها فيما بقى من العدة بالقول والإشهاد ولا يطأها إلا بعد الاستبراء من مائه الفاسد بثلاث حيض.
ابن رُشْد: فإن تزوجها وبنى بها قبل الاستبراء ففي حرمتها عليه للأبد قولان، على كون تحريم المنكوحة في الحدة بمجرد تعجيل النكاح أو به مع اختلاط الأنساب.
وفي كون الأمر بالإشهاد على الرجعة مستحبًا أو واجبًا قولان للقاضي مع ابن القصار، والأكثر عن المذهب، وابن بكير مع المتيطي عن رواية بكر القاضي.
ابن محرز: معناه أنه لا تثبت الرجعة إلا ببينة؛ لأنه لو انقضت العدة فزعم أنه

الجزء: 4 - الصفحة: 290

ارتجع لم يصدق إلا ببينة، ومعنى استحبابه كونه مقارنا للرجعة.
وفيها: من طلق فليشهد على طلاقه وعلى رجعته، وقال مالك فيمن منعت نفسها، وقد ارتجع حتى يشهد قد أصابت.
قُلتُ: تصويبه منعها إياه دليل وجوب الإشهاد إذ لا يمنع ذو حق من حقه لأمر غير واجب.
وفيها: إن قال: ارتجعتك ولم يشهد فهي رجعة، وفي لغو شهادة السيد برجعة أمته وصحتها، قولها، وسماع القرينين في طلاق السنة.
الشيخ عن الموازيَّة: وللمطلق أن يرتجع بغير علم المطلقة، ووليها وسيدها إن كانت أمة، وفي عدتها قال مالك: من طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة لا يتلذذ منها بنظرة أو غيرها، ولا يأكل معها، ولا يرى شعرها، ولا يخلو معها، وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها، وكان يقول لا بأس أن يدخل عليها، ويأكل معها إذا كان معها من يتحفظ بها ثم رجع فقال: لا يفعل.
عياض: ظاهره منع التلذذ بها على كل حال، وقال اللخمي: الباب كله واحد وأن قوله اختلف في جميع هذا، وخرج الخلاف في التلذذ بها، وهو بعيد في التلذذ جدًا، ويبعد في النظر إلى الشعر والخلوة، وكيف يصح في الخلوة، وقد شرط في إجازة القول بالدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها، وإليه ذهب ابن محرز وغيره من الشيوخ أن الخلاف إنما هو في الجلوس عندها والأكل معها لا في التلذذ بشيء منها، والنظر إلى وجهها وكفيها لغير لذة جائز اتفاقًا؛ لأن الأجنبي ينظر إليه.
وفيها: لا تغسل المطلقة واحدةً زوجها إن مات في عدتها، وقوله إذا جاء غد فقد راجعتك ليس برجعة.
عبد الحق: كالنكاح إلى أجل لا يصح.
اللخمي: يحتمل كونه لذاك أو لعدم مقارنة النَّية للرجعة والأول اظهر؛ لأن الطلاق يفتقر للنيَّة وأجمعوا على صحته دون مقارنته في قوله إن دخلت فأنت طالق.
قال: فإن لم يصبها في العدة بانت، وإن أصابها فيها لاعتقاده أن ذلك رجعة فهو رجعة.
ابن محرز: قولها ليس برجعة؛ لأنه لم يرتجعها الآن لوقفه ذلك على مجاء غد، وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 291

لم يجيء، فإذا جاء ثبتت رجعته؛ لأنه حق له أن شاء عجله أو علقه، وفي تعليق أخذ الشفعة بمثل هذه الشروط بعد معرفة الثمن نظر؛ لأنها من المعاوضة.
قُلتُ: هذا خلاف ما تقدم لعبد الحق واللخمي، وفي نكاحها الأول من قال لامرأته إذا مضى شهر فأنا أتزوجك فرضيت هي ووليها فهو نكاح باطل لا يقام عليه.
الشيخ: لابن سَحنون عنه: من قال لا مرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فأراد سفرًا فخاف أن يحنثه في غيبته فأشهد إن دخلت فقد ارتجعتك فليس بمرتجع إن حنثته، وله مع سماع القرينين لو قال لها متى طلقتك فقد ارتجعتك لم يكن قوله ذلك رجعة.
ابن رُشْد: لأن الرجعة لا تكون إلا بنية بعد الطلاق لقوله تعالى: ........... ، والفرق بين الطلاق قبل النكاح، والرجعة قبل الطلاق أن الطلاق حق على الرجل والرجعة حق له فالحق الذي عليه يلزمه بالتزامه، والحق الذي له ليس له أخذه قبل أن يجب له إذ لا خلاف في أنه ليس لأحد أن يأخذ حقا قبل أن يجب له، إنما اختلف في إسقاطه قبل وجوبه كالشفعة ليس له أخذها قبل وجوبها، وفي إسقاطها قبله خلاف.
قُلتُ: تقدم هذا الأصل في فصل الامة تعتق تحت عبد، ومقتضى الروايات أن المطلقة الطلاق الرجعي في العدة محرمة حتى ترتجع حسبما تقدم لعياض، ونقل ابن بشير أنها على الإباحة حتى تنقضي العدة مثل ما تقدم للخمي، والاستدلال على ذلك بثبوت خواص الزوجية من الإرث والنفقة يرد بأن الزوجية أعم من إباحة الاستمتاع بدليل المحرمة والمعتكفة

الجزء: 4 - الصفحة: 292

فصول الكتاب · 73 فصل · 48 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المختصر الفقهي لابن عرفة · 48 صفحة
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الأضاحيكتاب الأيمانكتاب الجهادكتاب النكاحكتاب الطلاقكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الاستبراءكتاب الرضاعكتاب النفقةكتاب الحضانةكتاب البيوعكتاب الصرفكتاب بيوع الآجالكتاب بيع الخياركتاب الرد بالعيبكتاب البيوع الفاسدةكتاب العريةكتاب الجوائحكتاب السلمكتاب القرضكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الحمالةكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الاستلحاقكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب الغصبكتاب التعديكتاب الاستحقاقكتاب الشفعةكتاب القسمةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب المزارعةكتاب المغارسةكتاب الإجارةكتاب ضمان الصناعكتاب الجعلكتاب إحياء المواتكتاب الحُبُسكتاب اللقطةكتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدياتكتاب القسامةكتاب الجنايات باب البغىكتاب السرقةكتاب الحرابةكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب الكتابةكتاب أم الولدكتاب الوصيةكتاب الفرائض
جارٍ التحميل